Полный текст (4 464 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
مُطْبِقٍ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَنْ يُدَارِيهِ حَالَ جُنُونِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (أَوْ) ل (ثِقَلٍ) بِحَيْثُ يَصِيرُ (لَا يَقْدِرُ مَعَهُ) ، أَيْ: الثِّقَلِ، (رُكُوبًا) عَلَى رَاحِلَةٍ أَوْ فِي مَحْمَلٍ، (إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ نِضْوَ الْخِلْقَةِ لَا يَقْدِرُ ثُبُوتًا عَلَى رَاحِلَةٍ إلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ، يَلْزَمُهُ أَنْ يُقِيمَ نَائِبًا حُرًّا وَلَوْ) كَانَ النَّائِبُ (امْرَأَةً يَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ عَنْهُ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَوْرًا مِنْ بَلَدِهِ) ، أَيْ: الْعَاجِزِ، لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.
وَيَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ النَّائِبُ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ لَفْظًا.
وَإِنْ نَسِيَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، نَوَى مَنْ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ عَنْهُ، (أَوْ) مِنْ (مَوْضِعٍ أَيْسَرَ فِيهِ) ، أَيْ: قَدَرَ فِيهِ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَلَدِهِ.
(وَأَجْزَأَ) فِعْلُ نَائِبٍ (عَمَّنْ عُوفِيَ) مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ أُبِيحَ لِأَجْلِهِ الِاسْتِنَابَةُ، لِإِتْيَانِهِ بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ عُهْدَتِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ، وَالْمُعْتَبَرُ لِجَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ الْيَأْسُ ظَاهِرًا، سَوَاءٌ عُوفِيَ قَبْلَ فَرَاغِ نَائِبِهِ مِنْ النُّسُكِ أَوْ بَعْدَهُ، و (لَا) يُجْزِئُ مُسْتَنِيبًا إنْ عُوفِيَ (قَبْلَ إحْرَامِ نَائِبِهِ) ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ، وَمَنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ لَا يَسْتَنِيبُ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَا يَرْجِعُ) الْمُسْتَنِيبُ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى نَائِبِهِ (بِمَا
стр. 1227
أَنْفَقَ قَبْلَ أَنْ عُوفِيَ) الْمُسْتَنِيبُ، (بَلْ) يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِ مُسْتَنِيبِهِ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ أَنْ شُفِيَ وَعَادَتْ عَافِيَتُهُ إلَيْهِ، (لِعَزْلِهِ) إيَّاهُ (إذَنْ) ، أَيْ: بِمُجَرَّدِ شِفَائِهِ انْعَزَلَ نَائِبُهُ حُكْمًا، سَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، قِيَاسًا عَلَى الْوَكِيلِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَسْقُطَانِ) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (عَمَّنْ مَاتَ وَلَمْ يَجِدْ نَائِبًا) ، لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ بِنَفْسِهِ وَلَا نَائِبِهِ.
(وَمَنْ لَزِمَهُ) حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَوْ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، (فَتُوُفِّيَ) قَبْلَهُ (وَلَوْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ) مِنْ فِعْلِهِ: (بِحَبْسٍ بِحَقٍّ أَوْ ظُلْمٍ أَوْ اعْتِدَاءٍ) ، وَكَانَ قَدْ اسْتَطَاعَ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ، وَخَلَّفَ مَالًا، (أُخْرِجَ عَنْهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ، (مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةً وَعُمْرَةً) ، أَيْ: مَا يَفْعَلَانِهِ بِهِ (مِنْ حَيْثُ وَجَبَا) ، أَيْ: بَلَدِ الْمَيِّتِ نَصًّا، لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ، أَكُنْت قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
стр. 1228
(وَيُجْزِئُ) أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْ مَعْضُوبٍ أَوْ مَيِّتٍ لَهُ وَطَنَانِ (مِنْ أَقْرَبِ وَطَنَيْهِ) ، لَتَخَيُّرِ الْمَنُوبِ عَنْهُ لَوْ أَدَّى بِنَفْسِهِ، (وَ) يُجْزِئُ أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْهُ (مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ لِدُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ) ، لِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، و (لَا) يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْهُ مِمَّا (فَوْقَهَا) لِمَا تَقَدَّمَ، (فَلَا يُجْزِئُهُ) حَجُّ مَنْ اُسْتُنِيبَ عَنْهُ مِمَّا فَوْقَ الْمَسَافَةِ لِعَدَمِ إتْيَانِهِ بِالْوَاجِبِ.
(وَيَسْقُطُ) حَجٌّ عَنْ مَيِّتٍ (بِحَجِّ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْوَارِثُ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، لِأَنَّهُ ﷺ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ.
(وَيَرْجِعُ) الْأَجْنَبِيُّ (عَلَى تَرِكَتِهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ بِمَا أَنْفَقَ (إنْ نَوَاهُ) ، أَيْ: الرُّجُوعَ، لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ.
و (لَا) يَسْقُطُ حَجٌّ (عَنْ) مَعْضُوبٍ (حَيٍّ) وَلَوْ مَعْذُورًا (بِلَا إذْنِهِ) كَدَفْعِ زَكَاةِ مَالِ حَيٍّ عَنْهُ بِلَا إذْنِهِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، (وَيَقَعُ) حَجُّ مَنْ حَجَّ عَنْ حَيٍّ بِلَا إذْنِهِ (عَنْ نَفْسِهِ) ، أَيْ: الْحَاجِّ، (وَلَوْ) كَانَ الْحَجُّ (نَفْلًا) عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ بِلَا إذْنِهِ، (فَإِنْ جَعَلَ) الْحَاجُّ (ثَوَابَهُ) ، أَيْ: ثَوَابَ حَجِّهِ، (لَهُ) ، أَيْ: لِمَحْجُوجٍ عَنْهُ بِلَا إذْنِهِ، (حَصَلَ) لَهُ ذَلِكَ (لِمَا مَرَّ آخِرَ الْجَنَائِزِ) مِنْ قَوْلِهِمْ: وَكُلُّ قُرْبَةٍ فُعِلَتْ وَجُعِلَ ثَوَابُهَا لِحَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، نَفَعَهُ ذَلِكَ.
(وَمَنْ) وَجَبَ عَلَيْهِ نُسُكٌ وَمَاتَ قَبْلَهُ، و (ضَاقَ مَالُهُ) عَنْ أَدَائِهِ مِنْ بَلَدِهِ، اُسْتُنِيبَ بِهِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ، (أَوْ لَزِمَهُ دَيْنٌ) وَعَلَيْهِ حَجٌّ، وَضَاقَ مَالُهُ عَنْهُمَا (أُخِذَ) مِنْ مَالِهِ (لِحَجٍّ بِحِصَّتِهِ) ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ، (وَحُجَّ بِهِ) ، أَيْ: بِمَا أُخِذَ لِلْحَجِّ (مِنْ حَيْثُ بَلَغَ) ، لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَإِنْ مَاتَ) هُوَ (أَوْ) مَاتَ (نَائِبُهُ بِطَرِيقِهِ، حُجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ) هُوَ أَوْ نَائِبُهُ، لِأَنَّ الِاسْتِنَابَةَ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ الْقَضَاءُ، وَالْمَنُوبُ عَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إلَى
стр. 1229
وَطَنِهِ، ثُمَّ الْعَوْدُ لِلْحَجِّ مِنْهُ، فَيُسْتَنَابُ عَنْهُ (فِيمَا بَقِيَ) نَصًّا (مَسَافَةً وَفِعْلًا وَقَوْلًا) ، لِوُقُوعِ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ مَوْقِعِهِ وَإِجْزَائِهِ،
(وَإِنْ صُدَّ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَجٌّ أَوْ نَائِبُهُ بِطَرِيقِهِ، (فَعَلَ مَا بَقِيَ) مَسَافَةً وَقَوْلًا وَفِعْلًا، لِأَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ الْوَاجِبِ.
(وَإِنْ وَصَّى) شَخْصٌ (ب) نُسُكٍ (نَفْلٍ وَأَطْلَقَ) ، فَلَمْ يَقُلْ مِنْ مَحَلِّ كَذَا، (جَازَ) أَنْ يَفْعَلَ (مِنْ مِيقَاتِ بَلَدٍ) مَاتَ فِيهِ (مُوصٍ) نَصًّا، (مَا لَمْ تَمْتَنِعْ قَرِينَةٌ، كَبَذْلِ مَالٍ كَثِيرٍ) يُمْكِنُ الْحَجُّ بِهِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُسْتَنَابُ بِهِ مِنْهُ لِحَجٍّ وَجَبَ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِحَجٍّ مِنْ مَحَلِّ وَصِيَّتِهِ، حُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ، أَوْ يُعَانُ بِهِ فِي الْحَجِّ نَصًّا
[فَصْلٌ هَلْ يَصِحّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ]
(فَصْلٌ) (وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرْ عَنْ نَفْسِهِ) أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ عَنْ غَيْرِهِ، (وَلَوْ) كَانَ حَجَّ حَجَّةً فَاسِدَةً وَوَجَبَ عَلَيْهِ (الْقَضَاءُ) ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرُ حَجٍّ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ (حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ عَنْ غَيْرِهِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ: حَجَجْت عَنْ نَفْسِك؟ قَالَ: لَا؟ قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِك، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. وَفِي رِوَايَةِ: صَالِحٍ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَلِأَنَّهُ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ حَجِّهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ صَبِيًّا، (وَلَا) عَنْ (نَذْرِهِ وَ) لَا عَنْ (نَافِلَتِهِ) ، أَيْ: الْغَيْرِ حَيًّا كَانَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ أَوْ مَيِّتًا.
وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِنَذْرِهِ وَلَا نَافِلَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَجُّ الْإِسْلَامِ أَوْ عُمْرَتُهُ، (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَحْرَمَ بِنَذْرٍ أَوْ نَافِلَةٍ إذَنْ، (انْصَرَفَ لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ أَوْ الْقَضَاءِ) فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: «هَذِهِ عَنْك، وَحُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» ، وَقَوْلُهُ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِك» ،
стр. 1230
أَيْ: اسْتَدِمْهُ عَنْ نَفْسِك، كَقَوْلِك لِلْمُؤْمِنِ: آمِنْ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ مُلْغَاةٌ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا وَحِينَئِذٍ: فَيَرُدُّ النَّائِبُ مَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهِ لِيَحُجَّ عَنْهُ لِعَدَمِ إجْزَاءِ حَجِّهِ عَنْهُ، وَوُقُوعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، (وَالنَّائِبُ كَمَنُوبٍ عَنْهُ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِنَذْرِ مَنُوبِهِ وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجُّ قَضَاءٍ، وَأَحْرَمَ بِنَذْرٍ أَوْ نَفْلٍ، وَقَعَ عَنْ الْقَضَاءِ دُونَ مَا نَوَاهُ.
(وَيَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ عَاجِزٍ أَوْ مَيِّتٍ وَاحِدٍ فِي فَرْضِهِ وَآخَرَ فِي نَذْرِهِ فِي عَامٍ) وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ نَوْعُهُمَا، (وَأَيُّهُمَا) ، أَيْ: النَّائِبَيْنِ (أَحْرَمَ أَوَّلًا) ، أَيْ: قَبْلَ الْآخَرِ، (فَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ) الْحَجَّةُ (الْأُخْرَى) الَّتِي تَأَخَّرَ إحْرَامُ نَائِبِهَا (عَنْ نَذْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ) ، أَيْ: الثَّانِي عَنْ النَّذْرِ، لِأَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ فِيهِ عَنْ التَّعْيِينِ ابْتِدَاءً، لِانْعِقَادِهِ بِهِمَا ثُمَّ يُعَيَّنُ، وَالْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحَجِّ.
(وَ) إنْ أَحْرَمَ (بِنَفْلٍ مَنْ عَلَيْهِ نَذْرٌ، ف) يَقَعُ إحْرَامُهُ (عَنْ نَذْرِهِ، أَشْبَهَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ) ، وَتَقَدَّمَ.
(وَيَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَ) أَنْ (يَتَنَفَّلَ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، (مَنْ) حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَلَكِنْ (عَلَيْهِ عُمْرَةٌ، وَعَكْسُهُ) ، أَيْ: يَصِحُّ أَنْ يَعْتَمِرَ عَنْ غَيْرِهِ وَيَتَنَفَّلَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ حَجٌّ، لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنُوبَ مَنْ عَلَيْهِ نُسُكٌ عَنْ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ النُّسُكِ.
(وَ) يَصِحُّ (أَنْ يَجْعَلَ قَارِنٌ) أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ أَوْ بِهَا، ثُمَّ بِهِ، عَلَى مَا يَأْتِي، (الْحَجَّ عَنْ شَخْصٍ) اسْتَنَابَهُ فِيهِ، (وَالْعُمْرَةَ عَنْ) شَخْصٍ (آخَرَ) اسْتَنَابَهُ فِيهَا (بِإِذْنِهِمَا) ، أَيْ: الشَّخْصَيْنِ، لِأَنَّ الْقِرَانَ نُسُكٌ مَشْرُوعٌ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنَا، وَقَعَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ عَنْ النَّائِبِ، وَرَدَّ لَهُمَا مَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا، كَمَنْ أُمِرَ بِحَجٍّ فَاعْتَمَرَ، أَوْ عَكْسِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
(وَ) يَصِحُّ (أَنْ يَسْتَنِيبَ قَادِرٌ) عَلَى حَجٍّ (وَغَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ
стр. 1231
الْقَادِرِ عَلَيْهِ، (فِي نَفْلِ حَجٍّ وَ) فِي (بَعْضِهِ) كَالصَّدَقَةِ، وَكَذَا عُمْرَةٍ.
وَيَصِحُّ نُسُكُ نَفْلٍ عَنْ مَيِّتٍ، وَيَقَعُ عَنْهُ وَكَأَنَّهُ مُهْدٍ إلَيْهِ ثَوَابَهُ، (وَالنَّائِبُ) فِي نُسُكٍ (أَمِينٌ فِيمَا أُعْطِيَهُ) مِنْ مَالٍ (لِيَحُجَّ مِنْهُ) أَوْ يَعْتَمِرَ فَيَرْكَبُ وَيُنْفِقُ مِنْهُ بِمَعْرُوفٍ، فَإِنْ زَادَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ (ف) إنَّهُ (يَضْمَنُ) .
(وَيَتَّجِهُ) : مَحِلُّ ذَلِكَ (حَيْثُ لَا عَقْدَ بِجُعْلٍ مَعْلُومٍ) ، أَمَّا لَوْ عَقَدَ مَعَ الْمُسْتَنِيبِ عَلَى جُعْلٍ مَعْلُومٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ حِينَئِذٍ فِي مَالِ نَفْسِهِ، فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (مَا زَادَ) ، أَيْ: أَنْفَقَهُ زَائِدًا (عَلَى نَفَقَةِ الْمَعْرُوفِ، أَوْ) مَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ (طَرِيقٍ أَقْرَبَ) مِنْ الطَّرِيقِ الْبَعِيدِ إذَا سَلَكَهُ (بِلَا ضَرَرٍ) فِي سُلُوكِ أَقْرَبَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا، (وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَرُدَّ مَا فَضَلَ) مِنْ نَفَقَتِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ لَهُ الْمُسْتَنِيبُ، وَإِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ النَّفَقَةَ مِنْهُ، قَالَ فِي الْإِرْشَادِ " وَغَيْرِهِ فِي: حُجَّ عَنِّي بِهَذَا، فَمَا فَضَلَ لَك: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ تِجَارَةً قَبْلَ حَجِّهِ.
(وَيَحْسِبُ لَهُ) ، أَيْ: النَّائِبُ (نَفَقَةَ رُجُوعِهِ) بَعْدَ أَدَاءِ النُّسُكِ بِمَكَّةَ إلَّا أَنْ يَتَّخِذَهَا دَارَ إقَامَةٍ وَلَوْ سَاعَةً، فَلَا يَحْتَسِبُ لَهُ نَفَقَةَ الرُّجُوعِ، لِسُقُوطِهَا، فَلَمْ تُعَدَّ اتِّفَاقًا.
(وَ) يَحْسِبُ لَهُ نَفَقَةَ (خَادِمِهِ إنْ خُدِمَ) ، بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، (مِثْلُهُ) ، لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ.
وَإِنْ مَاتَ أَوْ ضَلَّ أَوْ صُدَّ أَوْ مَرِضَ أَوْ تَلِفَ بِلَا تَفْرِيطٍ، أَوْ أَعْوَزَ بَعْدَهُ، لَمْ يَضْمَنْ، وَيُصَدَّقُ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَمْرًا ظَاهِرًا فَيُبَيِّنُهُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ لَهُ صَرْفُ نَقْدٍ بِآخَرَ لِمُصْلِحَتِهِ، وَشِرَاءُ مَاءٍ لِطَهَارَتِهِ، وَتَدَاوٍ، وَدُخُولِ حَمَّامٍ.
(وَيَرْجِعُ) نَائِبٌ (بِمَا اسْتَدَانَهُ لِعُذْرٍ) عَلَى مُسْتَنِيبِهِ، (وَ) يَرْجِعُ (بِمَا أَنْفَقَ عَنْ) ، أَيْ: عَلَى
стр. 1232
(نَفْسِهِ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ) ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ حَاكِمًا، لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ، (وَمَا لَزِمَ نَائِبًا مِنْ دَمٍ وَغَيْرِهِ) كَفِعْلِ مَحْظُورٍ (ب) سَبَبِ (مُخَالَفَتِهِ، فَمِنْهُ) ، أَيْ: النَّائِبِ، لِأَنَّهُ بِجِنَايَتِهِ (حَتَّى دَمِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِمَا) ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُسْتَنِيبُهُ، فَعَلَيْهِ.
(وَنَفَقَةُ حَجٍّ فَسَدَ عَلَى نَائِبٍ، كَقَضَائِهِ، وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ) ، لِأَنَّ النُّسُكَ لَمْ يَقَعْ عَنْ مُسْتَنِيبِهِ لِجِنَايَتِهِ وَتَفْرِيطِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: تَبَيُّنُ وُقُوعِ) فِعْلِ (الْحَجِّ مِنْ أَصْلِهِ عَنْ النَّائِبِ) ، لِيَتَوَجَّهَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ اثْنَيْنِ) اسْتَنَابَاهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَنْهُمَا، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِوُقُوعِهِ عَنْهُ مِنْ الْآخَرِ، (أَوْ) أَحْرَمَ عَنْ (أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ) ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ دُونَهُمَا، أَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، (وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) ، لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ فِيمَا سَبَقَ وَلَمْ يَنْوِهَا، فَمَعَ نِيَّتِهِ أَوْلَى، وَيَرُدُّ لَهُمَا مَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا.
(وَمَنْ أَخَذَ مِنْ اثْنَيْنِ أُجْرَةَ حَجَّتَيْنِ لِيَحُجَّ عَنْهُمَا فِي عَامٍ) وَاحِدٍ، (أُدِّبَ) ، لِفِعْلِهِ مُحَرَّمًا، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَمَنْ اسْتَنَابَهُ اثْنَانِ بِعَامٍ) وَاحِدٍ (فِي نُسُكٍ، فَأَحْرَمَ) بِهِ (عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يَنْسَهُ، صَحَّ، وَلَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ لِلْآخَرِ بَعْدَهُ) نَصًّا، وَلَوْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَرَمَى، لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمَبِيتِ لَيَالِيَ مِنًى، وَرَمْيُ الْجِمَارِ أَيَّامُهَا بَاقِيَةٌ، فَلَا يَصِحُّ إدْخَالُ إحْرَامٍ عَلَى إحْرَامٍ.
(وَإِنْ نَسِيَهُ) ، أَيْ: نَسِيَ مَنْ أَحْرَمَ عَنْهُ مِنْهُمَا، (وَتَعَذَّرَ) عَلَيْهِ (عِلْمُهُ فَإِنْ فَرَّطَ) النَّائِبُ (أَعَادَ الْحَجَّ عَنْهُمَا) ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا، لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّتِهِ، بَلْ
стр. 1233
يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ، (وَإِنْ فَرَّطَ مُوصًى إلَيْهِ) بِذَلِكَ، بِأَنْ لَمْ يُسَمِّهِ لِلنَّائِبِ، (غَرِمَ) مُوصًى إلَيْهِ (ذَلِكَ) ، أَيْ: نَفَقَةَ الْحَجِّ عَنْهُمَا، (وَإِلَّا) يَكُنْ ذَلِكَ بِتَفْرِيطِ النَّائِبِ وَلَا الْمُوصَى إلَيْهِ، بِأَنْ سَمَّاهُ لِلنَّائِبِ وَعَيَّنَهُ ابْتِدَاءً، لَكِنَّهُ نَسِيَهُ، فَالنَّفَقَةُ عَنْهُمَا (مِنْ تَرِكَةِ مُوصِيَيْهِ) الْمُسْتَنَابِ عَنْهُمَا، لِعَدَمِ التَّفْرِيطِ، (وَلَا تُعْتَبَرُ تَسْمِيَةُ نَائِبٍ) مَنْ اسْتَنَابَهُ (لَفْظًا) نَصًّا، (فَلَوْ جَهِلَ) النَّائِبُ (اسْمَهُ) ، أَيْ: الْمُسْتَنِيبِ، (أَوْ نَسِيَهُ، لَبَّى عَمَّنْ سَلَّمَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُ) ، لِحَلِّ التَّمْيِيزِ بِذَلِكَ.
(وَيَتَعَيَّنُ نَائِبٌ بِتَعْيِينِ وَصِيٍّ) جُعِلَ (لَهُ التَّعْيِينُ) ، لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي، (فَإِنْ أَبَى) الْوَصِيُّ التَّعْيِينَ، (عَيَّنَ غَيْرَهُ) كَوَارِثٍ أَوْ حَاكِمٍ، (وَيَأْتِي فِي) بَابِ (الْمُوصَى لَهُ) بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا
[فَرْعٌ هَلْ يَجُوز أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ عَنْ أَبَوَيْهِ الميتين]
(فَرْعٌ) (سُنَّ أَنْ يَحُجَّ) وَيَعْتَمِرَ (عَنْ أَبَوَيْهِ) إنْ كَانَا (مَيِّتَيْنِ أَوْ عَاجِزَيْنِ) ، زَادَ بَعْضُهُمْ: إنْ لَمْ يَحُجَّا، (وَيُقَدِّمُ أُمَّهُ، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْبِرِّ، وَ) يُقَدِّمُ (وَاجِبَ أَبِيهِ عَلَى نَفْلِهَا) لِإِبْرَائِهِ ذِمَّتَهُ، نَصَّ عَلَيْهِمَا.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: " إذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ وَالِدَيْهِ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَعَنْهُمَا، وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمَا فِي السَّمَاءِ وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بِرًّا " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو أُمَيَّةَ الطَّرَسُوسِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْبَقَّالُ ضَعِيفَانِ.
[فَصْلٌ شُرُوط وُجُوب السَّعْيِ لِحَجٍّ أوعمرة]
(فَصْلٌ) (وَشُرِطَ لِوُجُوبِ سَعْيٍ) لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (عَلَى أُنْثَى مَحْرَمٌ) شَابَّةً كَانَتْ أَوَعَجُوزًا نَصًّا.
قَالَ: الْمَحْرَمُ مِنْ السَّبِيلِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ، لَمْ يَلْزَمْهَا الْحَجُّ بِنَفْسِهَا وَلَا بِنَائِبِهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يُدْخَلُ عَلَيْهَا إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ، فَقَالَ: اُخْرُجْ مَعَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
стр. 1234
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمٌ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِمُسْلِمٍ: «ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا»
وَالْخُنْثَى كَالرَّجُلِ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْمَحْرَمُ فِي حَقِّهِ.
قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (وَيُعْتَبَرُ) الْمَحْرَمُ (لَهَا) ، أَيْ: لِلْأُنْثَى (حَيْثُ بَلَغَتْ سَبْعًا) فَأَكْثَرَ (فِي كُلِّ سَفَرٍ) حَجًّا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، طَوِيلًا كَانَ أَوْ قَصِيرًا، (فَلَا يَحِلُّ) لَهَا السَّفَرُ (بِدُونِهِ) ، أَيْ: الْمَحْرَمِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْمَحْرَمُ لِخُرُوجِهَا (بِأَطْرَافِ الْبَلَدِ مَعَ أَمْنٍ) عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَفَرٍ
(وَهُوَ) ، أَيْ: الْمَحْرَمُ الْمُعْتَبَرُ لِوُجُوبِ النُّسُكِ وَجَوَازِ السَّفَرِ مَعَهُ: (زَوْجٌ) ، وَسُمِّيَ مَحْرَمًا مَعَ حِلِّهَا لَهُ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ صِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا بِهِ، مَعَ إبَاحَةِ الْخَلْوَةِ بِهَا، (أَوْ سَيِّدٌ) ، لِأَنَّهُ كَالزَّوْجِ (لَا سَيِّدَةٌ) لِأَنَّهَا لَا تَقْوَى عَلَى صِيَانَةِ نَفْسِهَا فَضْلًا عَنْ أَمَتِهَا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، أَيْ: الْأَصْحَابِ: اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِلْكُلِّ، أَيْ: الْأَحْرَارِ وَإِمَائِهِنَّ وَعُتَقَائِهِنَّ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَعَدَمِ الْمَحْرَمِ لَهُنَّ كَعَدَمِهِ لِلْحُرَّةِ الْأَصْلِ، (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الْمَرْأَةُ يُسَافِرْنَ مَعَهَا تَبَعًا لَهَا، فَلَا يَفْتَقِرْنَ إلَى مَحْرَمٍ، لِأَنَّهُنَّ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ. انْتَهَى.
(وَيَتَّجِهُ) : اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِلْمَرْأَةِ مُطْلَقًا، (إلَّا إنْ سَافَرَتْ السَّيِّدَةُ مَعَ مَحْرَمٍ، وَاحْتَاجَتْ إلَيْهَا) ، أَيْ: إلَى أَمَتِهَا، فَلَهَا أَنْ تَصْحَبَهَا مَعَهَا مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ اكْتِفَاءً بِمَحْرَمِ سَيِّدَتِهَا، وَلَوْ حَمَلَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ الشَّيْخِ عَلَى هَذَا، لَكَانَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ: خِلَافًا لَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (أَوْ ذَكَرٌ) مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا، فَأُمُّ الْمَرْأَةِ وَبِنْتُهَا لَيْسَتْ مَحْرَمًا لَهَا، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كَذَلِكَ (مُسْلِمٌ) ، فَأَبٌ وَنَحْوُهُ كَافِرٌ لَيْسَ مَحْرَمًا لِمُسْلِمَةٍ نَصًّا، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْحَضَانَةِ، وَكَالْمَجُوسِيِّ لِاعْتِقَادِهِ حِلَّهَا، (مُكَلَّفٌ) ،
стр. 1235
إذْ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ: لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحِفْظِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَحْرَمُ (عَبْدًا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ (تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا) كَأَبٍ وَأَخٍ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ وَلَدِ زَوْجٍ أَوْ أَبِيهِ (لِحُرْمَتِهَا، بِخِلَافِ مُلَاعَنَةٍ) ، فَلَيْسَ الْمُلَاعِنُ مَحْرَمًا لَهَا، لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ أَبَدًا تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ (بِنَسَبٍ) كَأُبُوَّةٍ وَبُنُوَّةٍ وَأُخُوَّةٍ وَنَحْوِهَا، (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ، كَحَلَائِلِ آبَاءٍ وَأَبْنَاءٍ وَأُمَّهَاتِ نِسَاءٍ، بِخِلَافِ وَطْءِ زِنًا أَوْ شُبْهَةٍ) ، لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ نِعْمَةٌ، فَاعْتُبِرَ إبَاحَةُ سَبَبِهَا كَسَائِرٍ الرُّخَصِ.
(وَيَتَّجِهُ: احْتِمَالُ لَوْ تَزَوَّجَهَا) ، أَيْ: الْمَزْنِيَّ بِهَا (بَعْدُ) ، أَيْ: بَعْدَ زِنَاهُ بِهَا، وَبَعْدَ أَنْ تَابَتْ، (لَا يَعُودُ مَحْرَمًا) لَهَا وَلَا لِأُمَّهَاتِهَا وَبَنَاتِهَا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، كَذَا قَالَ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ تَصْرِيحًا وَلَا تَلْوِيحًا، بَلْ مَتَى تَزَوَّجَهَا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ صَارَ مَحْرَمًا لَهَا، فَيَحِلُّ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهَا وَالسَّفَرُ بِلَا رَيْبٍ، (سِوَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ) فَهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّحْرِيمِ دُونَ الْمَحْرَمِيَّةِ.
(وَنَفَقَتُهُ) ، أَيْ: الْمَحْرَمِ زَمَنَ سَفَرِهِ مَعَهَا لِأَدَاءِ نُسُكِهَا (وَلَوْ) كَانَ الْمَحْرَمُ (زَوْجَهَا) ، فَيَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْحَضَرِ وَمَا زَادَ ف (عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْمَرْأَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا، (فَيُشْتَرَطُ لَهَا) ، أَيْ: لِوُجُوبِ النُّسُكِ عَلَيْهَا (مِلْكُ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ) بِآلَتِهِمَا (لَهُمَا) ، أَيْ: لِلْمَرْأَةِ وَمَحْرَمِهَا، وَأَنْ تَكُونَ الرَّاحِلَةُ وَآلَتُهَا صَالِحِينَ لَهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ لَمْ تَمْلِكْ ذَلِكَ لَهُمَا، لَمْ يَلْزَمْهَا
(وَلَا يَلْزَمُهُ) ، أَيْ: الْمَحْرَمُ، (مَعَ بَذْلِهَا ذَلِكَ) ، أَيْ: الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ لَهُ وَمَا يَحْتَاجُهُ، (سَفَرٌ مَعَهَا) لِلْمَشَقَّةِ كَحَجِّهِ عَنْ نَحْوِ كَبِيرَةٍ عَاجِزَةٍ، وَأَمْرُهُ ﷺ ، فِيمَا سَبَقَ الزَّوْجَ بِسَفَرِهِ مَعَهَا إمَّا بَعْدَ الْحَظْرِ أَوْ أَمْرَ تَخْيِيرٍ، لِعِلْمِهِ
стр. 1236
مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ السَّفَرُ مَعَهَا، (وَتَكُونُ) إنْ امْتَنَعَ مَحْرَمُهَا مِنْ سَفَرٍ مَعَهَا (كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا) ، فَلَا وُجُوبَ عَلَيْهَا، (فَإِنْ) لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ و (تَزَوَّجَتْ مَنْ) ، أَيْ: زَوْجًا (يَحُجُّ بِهَا، فَلَا بَأْسَ) ، وَلَيْسَ الْعَبْدُ مَحْرَمًا لِسَيِّدَتِهِ نَصًّا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَالِكَةً لَهُ، لِحَدِيثِ: «سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ» وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَوْ جَازَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، لِأَنَّهُ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ.
(وَمَنْ أَيِسَتْ مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَحْرَمِ، (اسْتَنَابَتْ) مَنْ يَفْعَلُ النُّسُكَ عَنْهَا كَكَبِيرٍ عَاجِزٍ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ أَنْ أَيِسَتْ مِنْ الْمَحْرَمِ، وَبَعْدَ أَنْ حُجَّ عَنْهَا، أَجْزَأَهَا، لِأَنَّهَا كَالْمَعْضُوبِ إذَا عُوفِيَ بَعْدَ الْحَجِّ عَنْهُ
وَالْمُرَادُ: أَيِسَتْ بَعْدَ أَنْ وَجَدَتْ الْمَحْرَمَ، وَفَرَّطَتْ بِالتَّأْخِيرِ حَتَّى فُقِدَ، لِنَقْلِ إِسْحَاقَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ لَيْسَ لَهَا مَحْرَمٌ: هَلْ تَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ يَحُجُّ عَنْهَا؟ فَقَالَ: إذَا كَانَتْ قَدْ يَئِسَتْ مِنْ الْمَحْرَمِ، فَأَرَى أَنْ تُجَهِّزَ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهَا، (وَإِنْ حَجَّتْ) امْرَأَةٌ (بِدُونِهِ) ، أَيْ: الْمَحْرَمِ، (حَرُمَ) سَفَرُهَا بِدُونِهِ (وَأَجْزَأَ) حَجُّهَا، كَمَنْ حَجَّ وَتَرَك حَقًّا يَلْزَمُ مِنْ نَحْوِ دَيْنٍ، لَكِنْ لَا يَتَرَخَّصُ.
(وَإِنْ مَاتَ) مَحْرَمٌ سَافَرَتْ مَعَهُ (بِالطَّرِيقِ) وَكَانَ (بَعِيدًا) عَنْ وَطَنِهَا (مَضَتْ فِي حَجِّهَا) لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِرُجُوعِهَا شَيْئًا، لِأَنَّهُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، (وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةٍ) ، إذْ لَا تَسْتَفِيدُ بِالتَّحْلِيلِ زَوَالُ مَا بِهَا كَالْمَرِيضِ (وَ) وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ (قَرِيبًا) ، فَعَلَيْهَا أَنْ (تَرْجِعَ) ، لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْعَاجِزَةِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَحْرَمُ (زَوْجًا، فَيَأْتِي فِي الْعِدَدِ) أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُحْرِمَ، فَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ اعْتَدَّتْ بِمَنْزِلِهِ، وَبَعْدَهَا تُخَيَّرُ بَيْنَ مُضِيٍّ وَرُجُوعٍ
[فَرْعٌ هَلْ يَصِحُّ حَجُّ مَعْضُوبٍ]
(فَرْعٌ) (يَصِحُّ حَجُّ مَعْضُوبٍ وَأَجِيرِ خِدْمَةٍ) بِأُجْرَةٍ وَدُونِهَا، (وَتَاجِرٍ) ، وَلَا إثْمَ نَصًّا قَالَ فِي " الْفُصُولِ " وَ " الْمُنْتَخَبِ ":
стр. 1237
(وَالثَّوَابُ بِحَسَبِ الْإِخْلَاصِ) .
قَالَ أَحْمَدُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَك تِجَارَةٌ كَانَ أَخْلَصَ. (وَمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُبَادِرْ) فَعَلَى كُلِّ خَيْرٍ مَانِعٌ.
وَلْيَجْتَهِدْ (فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) بِرَدِّهَا إلَى أَرْبَابِهَا، وَكَذَلِكَ الْوَدَائِعُ وَالْعَوَارِيّ وَالدُّيُونُ، وَيَسْتَحِلُّ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ ظُلَامَةٌ، وَيَسْتَمْهِلُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَتِهِ، (وَ) يَجْتَهِدُ فِي (تَحْصِيلِ رَفِيقٍ حَسَنِ) الْخُلُقِ وَالسَّمْتِ يَكُونُ عَوْنًا لَهُ عَلَى نَصَبِهِ وَأَدَاءِ نُسُكِهِ، يَهْدِيهِ إذَا ضَلَّ وَيُذَكِّرُهُ إذَا نَسِيَ، (سِيَّمَا) إنْ تَيَسَّرَ رَفِيقٌ (عَالِمٌ) ، فَلَا يَرْغَبُ عَنْهُ، فَإِنَّ بُلُوغَ رُشْدِهِ فِي اسْتِمْسَاكِهِ بِهِ.
قَالَ الْإِمَام أَحْمَدُ: (كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ يُبَادِرُ بِهِ) ، وَمِنْهُ صُحْبَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ.
(وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ) بَعْدَهُمَا (بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ) قَبْلَ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ، وَيَسْتَخِيرُ: هَلْ يَحُجُّ الْعَامَ أَوْ غَيْرَهُ؟ إنْ كَانَ الْحَجُّ نَفْلًا، وَأَمَّا الْفَرْضُ فَوَاجِبٌ فَوْرًا، (وَيُصَلِّي بِمَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَقُولُ) بَعْدَهُمَا: (اللَّهُمَّ هَذَا دِينِي وَأَهْلِي وَمَالِي وَوَلَدِي وَدِيعَةً عِنْدَك، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ) ، قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (يَدْعُو قَبْلَ السَّلَامِ أَفْضَلُ، وَيَخْرُجُ مُبَكِّرًا يَوْمَ خَمِيسٍ) ، قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُ: (أَوْ) يَوْمَ (اثْنَيْنِ، وَيَقُولُ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا) مَا وَرَدَ وَمِنْهُ: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» (أَوْ دَخَلَ بَلَدًا مَا وَرَدَ) وَمِنْهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أَسْأَلُك خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا» . وَيَقُولُ أَيْضًا إذَا رَكِبَ وَنَحْوُهُ مَا وَرَدَ
[بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجّ]
بَابُ (الْمَوَاقِيتُ) جَمْعُ: مِيقَاتٍ، وَهُوَ لُغَةً: الْحَدُّ، وَاصْطِلَاحًا: (مَوَاضِيعُ وَأَزْمِنَةٌ)
стр. 1238
(مُعَيَّنَةٌ لِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ) مِنْ حَجٍّ وَغَيْرِهِ. وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
(فَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذُو الْحُلَيْفَةِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ: أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ، بُعْدُهُ (عَنْ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَعَنْ مَكَّةَ: عَشْرُ مَرَاحِلَ) وَتُعْرَفُ الْآنَ بِأَبْيَارِ عَلِيٍّ، (وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ (مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: (قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ) عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ خَرِبَةٌ (بِقُرْبِ رَابِغٍ، وَالْجُحْفَةُ دُونَهَا بِيَسِيرٍ عَنْ مَكَّةَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ) ، وَهِيَ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ لِمَكَّةَ، تُعْرَفُ الْآنَ بِالْمَقَابِرِ، كَانَ اسْمُهَا مَهْيَعَةَ، فَجَحَفَ السَّيْلُ بِأَهْلِهَا فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ، وَتَلِي ذَا الْحُلَيْفَةِ فِي الْبُعْدِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ أَوْ أَرْبَعُ، وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ رَابِغٍ فَقَدْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ بِيَسِيرٍ.
(وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ) مِنْ الْمَوَاقِيتِ (بَيْنَ كُلٍّ مِنْهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ) ، فَهِيَ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَقَارِبَةٌ.
(وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ (الْيَمَنِ) - وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى يَمِينِ الْكَعْبَةِ مِنْ بِلَادِ الْغَوْرِ، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ: يَمَنِيٌّ، عَلَى الْقِيَاسِ، وَيَمَانِيٌّ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ -: (يَلَمْلَمُ، وَيُقَالُ: أَلَمْلَمُ) ، لُغَةٌ فِيهِ: (جَبَلٌ) مَعْرُوفٌ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ ثَلَاثُونَ مِيلًا.
(وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ (نَجْدٍ الْحِجَازُ، وَ) أَهْلِ (نَجْدٍ الْيَمَنِ وَ) أَهْلِ (الطَّائِفِ: قَرْنًا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَيُقَالُ لَهُ: قَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ: (جَبَلٌ أَيْضًا) عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ مَكَّةَ.
(وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ (الْمَشْرِقِ وَخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ: ذَاتُ عِرْقٍ) : مَنْزِلٌ مَعْرُوفٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعِرْقٍ فِيهِ، أَيْ: جَبَلٍ صَغِيرٍ، أَوْ: أَرْضٍ سَبْخَةٍ تُنْبِتُ الطَّرْفَاءَ وَهُوَ (قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ قَدِيمَةٌ، وَعِرْقٌ: جَبَلٌ مُشْرِفٌ عَلَى الْعَقِيقِ) .
(وَ) هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ (كُلُّهَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ لَا بِاجْتِهَادِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ
стр. 1239
نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَهِيَ) ، أَيْ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ، (لِأَهْلِهَا) الْمَذْكُورِينَ (وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا) مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا (كَشَامِيٍّ) وَمِصْرِيٍّ (مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) فَيَحْرُمُ مِنْهَا، لِأَنَّهَا صَارَتْ مِيقَاتَهُ (وَمَدَنِيٍّ سَلَكَ طَرِيقَ الْجُحْفَةِ، فَيُحْرِمُ مِنْهَا) وُجُوبًا لِلْحَدِيثِ، (وَالْأَفْضَلُ) لِلْمَارِّ (إحْرَامٌ مِنْ أَوَّلِ مِيقَاتٍ، وَ) هُوَ (طَرَفُهُ الْأَبْعَدُ عَنْ مَكَّةَ) احْتِيَاطًا، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ مِنْ الطَّرَفِ الْأَقْرَبِ، جَازَ لِإِحْرَامِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ، (وَالْعِبْرَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ بِالْبِقَاعِ) الَّتِي عَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ و (لَا) عِبْرَةَ فِي (مَا بُنِيَ بِقُرْبِهَا وَسُمِّيَ بِاسْمِهَا، فَيَنْبَغِي) لَمُرِيدِ الْإِحْرَامِ (تَحَرِّي آثَارِ الْقُرَى الْقَدِيمَةِ) ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، (وَمِنْ مَنْزِلِهِ دُونَهَا) ، أَيْ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، مِنْ مَكَّةَ، كَأَهْلِ عُسْفَانَ، (فَمِيقَاتُهُ مَنْزِلُهُ) ، لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَقَدَّمَ
(وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ (بَلَدَهُ كُلَّهَا مَنْزِلُهُ) فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَيِّ مَحَالِّهَا شَاءَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ لَهُ مَنْزِلَانِ، جَازَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَقْرَبَ لِمَكَّةَ وَ) إحْرَامُهُ مِنْ (أَبْعَدَ) عَنْ مَكَّةَ (أَفْضَلُ) ، لِأَنَّهَا أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ، (وَيُحْرِمُ مَنْ) كَانَ مُقِيمًا (بِمَكَّةَ لِحَجٍّ مِنْهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ، (وَنَصُّهُ) فِي رِوَايَةِ
стр. 1240
حَرْبٍ (مِنْ الْمَسْجِدِ وَفِي " الْمُبْهِجِ ")
وَ " الْإِيضَاحِ " تُحْرِمُ (مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ) . وَيُسَمَّى الْحَطِيمَ. (وَهُوَ أَفْضَلُ) مِنْ غَيْرِهِ، (وَجَازَ وَصَحَّ) أَنْ يُحْرِمَ مَنْ بِمَكَّةَ بِحَجٍّ مِنْ سَائِرِ الْحَرَمِ (وَمِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ) . وَهُوَ الْحِلُّ كَعَرَفَةَ، (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) ، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهِ
(وَ) يُحْرِمُ مَنْ بِمَكَّةَ (لِعُمْرَةٍ مِنْ الْحِلِّ) ، " لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ كُلِّهَا فِي الْحَرَمِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَهُمَا.
بِخِلَافِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى عَرَفَةَ فَيَحْصُلُ الْجَمْعَ، (وَيَصِحُّ) إحْرَامُهُ (مِنْ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: مَنْ أَحْرَمَ لِعُمْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ، (دَمٌ) لِتَرْكِهِ وَاجِبًا، كَمَنْ جَاوَزَ مِيقَاتًا بِلَا إحْرَامٍ، (وَتُجْزِئُهُ) عُمْرَةٌ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ مَكَّةَ، (وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ لِلْحِلِّ) قَبْلَ إتْمَامِهَا وَلَوْ بَعْدَ الطَّوَافِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ.
لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْحِلِّ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا وَكَالْحَجِّ، (وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ) أَوْ الْحَرَمِ (قَارِنًا فَلَا دَمَ) عَلَيْهِ.
لِأَجَلِ إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مَكَّةَ، (تَغْلِيبًا لِلْحَجِّ) عَلَى الْعُمْرَةِ، لِانْدِرَاجِهَا فِيهِ وَسُقُوطِ أَفْعَالِهَا.
(وَمَنْ لَمْ يَمُرَّ بِمِيقَاتٍ) مِنْ الْمَذْكُورَاتِ، (أَحْرَمَ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وُجُوبًا (إذَا عَلِمَ أَنَّهُ حَاذَى أَقْرَبَهَا) ، أَيْ: الْمَوَاقِيتَ (مِنْهُ) .
لِقَوْلِ عُمَرَ: " اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ قَدِيدٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
(وَسُنَّ) لَهُ (أَنْ يَحْتَاطَ) لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَذْوَ الْمِيقَاتِ، أَحْرَمَ مِنْ بُعْدٍ، إذْ الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ جَائِزٌ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ حَرَامٌ، (فَإِنْ اسْتَوَيَا) ، أَيْ: الْمِيقَاتَانِ فِي الْقُرْبِ، (ف) يُحْرِمُ (مِنْ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ) لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، (فَإِنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا) كَاَلَّذِي يَجِيءُ مِنْ سَوَاكِنَ إلَى جُدَّةَ
مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُرَّ بِرَابِغَ وَلَا يَلَمْلَمُ، لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ أَمَامَهُ، فَيَصِلُ جُدَّةَ قَبْلَ مُحَاذَاتِهِمَا، (أَحْرَمَ عَنْ مَكَّةَ ب) قَدْرِ (مَرْحَلَتَيْنِ) فَيُحْرِمُ فِي الْمِثَالِ مِنْ جُدَّةَ لِأَنَّهَا عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْمَوَاقِيتِ.
стр. 1241
[فَصْلٌ تجاوز الْمُكَلَّف الْمِيقَات بِلَا إحْرَام]
(فَصْلٌ) (وَلَا يَحِلُّ لِمُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ أَرَادَ مَكَّةَ) نَصًّا، (أَوْ) أَرَادَ (الْحَرَمَ، أَوْ) أَرَادَ (نُسُكًا، تَجَاوُزُ مِيقَاتٍ بِلَا إحْرَامٍ) ، لِأَنَّهُ ﵊، وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ تَجَاوَزَ مِيقَاتًا بِلَا إحْرَامٍ (إلَّا) إنْ تَجَاوَزَهُ (لِقِتَالٍ مُبَاحٍ) لِدُخُولِهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا ذَلِكَ الْيَوْمَ، (أَوْ خَوْفٍ أَوْ حَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ كَحَطَّابٍ) وَنَاقِلِ مِيرَةٍ وَحَشَّاشٍ، فَلَهُمْ الدُّخُولُ بِلَا إحْرَامٍ، لِمَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لَا يَدْخُلُ إنْسَانٌ مَكَّةَ إلَّا مُحْرِمًا إلَّا الْحَمَّالِينَ وَالْحَطَّابِينَ وَأَصْحَابِ مَنَافِعِهَا " احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
(وَمَكِّيٍّ يَتَرَدَّدُ لِقَرْيَتِهِ بِالْحِلِّ) دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ وَالضَّرَرِ لِتَكَرُّرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ) يَكُونُ لَهُ وَطَنٌ (خَارِجَ الْمِيقَاتِ) يَكْثُرُ التَّرَدُّدُ مِنْهُ إلَى مَكَّةَ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ كُلَّمَا مَرَّ عَلَى الْمِيقَاتِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ، كَمَا لَا تُسَنُّ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ لِقَيِّمِهِ كُلَّمَا دَخَلَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(ثُمَّ إنْ زَالَ عُذْرُ مَنْ حَلَّ لَهُ التَّجَاوُزُ بِلَا إحْرَامٍ) ، كَرَقِيقٍ عَتَقَ وَصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ كُلِّفَ، فَيُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ دُونَ الْمِيقَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهُ كَأَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَكَذَا كَافِرٌ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَيُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، (أَوْ أَرَادَ) مَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ (مَكَّةَ بَعْدَ تَجَاوُزِهِ، فَمِنْ مَوْضِعِهِ) يُحْرِمُ، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ الْمِيقَاتَ حَالَ وُجُوبِ الْإِحْرَامِ، (وَمَنْ أَحْرَمَ لِدُخُولِ مَكَّةَ) أَوْ الْحَرَمِ (لَا لِنُسُكٍ، طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ وَحَلَّ) مِنْ إحْرَامِهِ «وَأُبِيحَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ دُخُولُ مَكَّةَ مُحِلِّينَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَهِيَ مِنْ طُلُوعِ
стр. 1242
الشَّمْسِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ
(لَا قَطْعَ شَجَرٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَامَ الْغَدَ مِنْ يَوْمٍ فَتْحِ مَكَّةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا كَحُرْمَتِهَا، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ»
(وَمَنْ جَاوَزَهُ) ، أَيْ: الْمِيقَاتَ، (يُرِيدُ نُسُكًا) ، أَوْ كَانَ النُّسُكُ فَرْضَهُ، بِأَنْ لَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ، وَلَوْ كَانَ (جَاهِلًا) أَوْ (نَاسِيًا) أَوْ مُكْرَهًا، (لَزِمَهُ أَنْ يَرْجِعَ) إلَى الْمِيقَاتِ، (فَيُحْرِمَ مِنْهُ) ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، (إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ حَجٍّ أَوْ) يَخَفْ فَوْتَ (غَيْرِهِ) ، كَخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ، فَإِنْ خَافَ، لَمْ يَلْزَمْهُ رُجُوعٌ، وَيُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، (وَيَلْزَمُهُ إنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ دَمٌ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ " وَلِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَلَا يَسْقُطُ) عَنْهُ الدَّمُ (إنْ أَفْسَدَهُ) ، أَيْ: النُّسُكَ نَصًّا لِأَنَّهُ كَالصَّحِيحِ، (أَوْ رَجَعَ لِمِيقَاتٍ) بَعْدَ إحْرَامِهِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ نَصًّا.
(وَيَتَّجِهُ: أَنْ لَا دَمَ) عَلَيْهِ لَوْ رَجَعَ لِمِيقَاتٍ (بِغَيْرِ إحْرَامٍ) ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ: وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
[فَرْعٌ حُكْم إحْرَامٌ بِحَجٍّ أوعمرة قَبْلَ مِيقَاتٍ]
(فَرْعٌ) (كُرِهَ إحْرَامٌ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا (قَبْلَ مِيقَاتٍ) مَكَانِيٍّ، وَيَنْعَقِدُ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ كَوِصَالِ الصَّوْمِ، وَلِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ الْمَحْظُورِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ الْحَسَنِ: " أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَحْرَمَ
стр. 1243
مِنْ مِصْرِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: يَتَسَامَعُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرِهِ " وَقَالَ: " إنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ وَكَرِهَهُ " وَلِحَدِيثِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا: «وَيَسْتَمْتِعُ أَحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي إحْرَامِهِ» .
(وَكُرِهَ) إحْرَامٌ (بِحَجٍّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، (وَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُ الْحَجِّ بِحَجٍّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وَكُلُّهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ، فَكَذَا الْحَجُّ، وَكَالْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ، وَقَوْلُهُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أَيْ: مُعْظَمُهُ فِيهَا كَحَدِيثِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» .
(وَهِيَ) ، أَيْ: أَشْهُرُ الْحَجِّ: (شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) ، وَكَانَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا الْأَمَدُ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ الْحَاجُّ مِنْ أَقْصَى الْبِلَادِ، (وَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْهَا، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] ، أَيْ: فِي أَكْثَرِهِنَّ، وَإِنَّمَا فَاتَ الْحَجُّ بِفَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِفَوَاتِ الْوُقُوفِ لَا بِخُرُوجِ وَقْتِ الْحَجِّ، ثُمَّ الْجَمْعُ يَقَعُ عَلَى اثْنَيْنِ وَبَعْضِ آخَرَ، وَالْعَرَبُ تُغَلِّبُ التَّأْنِيثَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً لَسَبْقِ اللَّيَالِي، فَتَقُولُ: سِرْنَا عَشْرًا.
(وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ) الزَّمَانِيُّ (جَمِيعُ الْعَامِ) ، لِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ لَهَا بِوَقْتٍ دُونَ آخَرَ، (وَيَأْتِي) لِذَلِكَ مَزِيدُ إيضَاحٍ.
وَلَا يُكْرَهُ
стр. 1244
الْإِحْرَامُ (بِهَا) يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَا يَوْمَ عَرَفَةَ، وَلَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كَالطَّوَافِ، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا.
[بَابُ الْإِحْرَامِ]
(بَابُ الْإِحْرَامِ) قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: هُوَ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي التَّحْرِيمِ، كَأَنَّهُ يُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّيِّبَ وَالنِّكَاحَ وَأَشْيَاءَ مِنْ اللِّبَاسِ، كَمَا يُقَالُ: أَشْتَى، إذَا دَخَلَ فِي الشِّتَاءِ، وَأَرْبَعَ، إذَا دَخَلَ فِي الرَّبِيعِ. وَشَرْعًا: (نِيَّةُ النُّسُكِ، أَيْ: الدُّخُولِ فِيهِ) ، لَا نِيَّةَ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ، (فَلَا يَنْعَقِدُ) ، أَيْ: النُّسُكُ، (بِدُونِهَا) ، أَيْ: النِّيَّةِ، لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . (وَسُمِّيَ) الدُّخُولُ فِي النُّسُكِ (إحْرَامًا، لِتَحْرِيمِ) الْمُحْرِمِ بِإِحْرَامِهِ عَلَى نَفْسِهِ (مَا كَانَ يَحِلُّ) لَهُ مِنْ النِّكَاحِ وَالطِّيبِ وَأَشْيَاءَ مِنْ اللِّبَاسِ وَنَحْوِهَا.
(وَسُنَّ لِمُرِيدِهِ) ، أَيْ: الْإِحْرَامَ (غُسْلٌ) لِلْخَبَرِ، وَلَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ «لِأَمْرِهِ ﷺ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهِيَ نُفَسَاءُ أَنْ تَغْتَسِلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. «وَأَمَرَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِإِهْلَالِ الْحَجِّ وَهِيَ حَائِضٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ رَجَتَا الطُّهْرَ قَبْلَ فَوَاتِ الْمِيقَاتِ أَخَّرَتَاهُ حَتَّى تَطْهُرَا، (أَوْ تَيَمُّمٌ لِعَدَمِ) مَاءٍ أَوْ عَجْزٍ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ لِنَحْوِ مَرَضٍ، لِعُمُومِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] (وَلَا يَضُرُّ حَدَثُهُ بَيْنَ غُسْلٍ وَإِحْرَامٍ) كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ حَدَثُهُ (بِجِمَاعٍ) بَيْنَ غُسْلٍ وَإِحْرَامٍ، فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي إحْرَامِهِ، إذْ الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ، (وَ) يَضُرُّ حَدَثُ الْمَرْأَةِ بِطُرُوءِ (حَيْضٍ) بَعْدَ اغْتِسَالِهَا لِلْإِحْرَامِ، كَالْوَاطِئِ وَأَوْلَى، إذْ طُرُوءُ الْحَيْضِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهَا، (وَ) يَتَّجِهُ
стр. 1245
(أَنَّ الطِّفْلَ يُغَسِّلُهُ وَلِيُّهُ) إذَا أَرَادَ إدْخَالَهُ فِي النُّسُكِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) سُنَّ لَهُ (تَنَظُّفٌ بِأَخْذِ شَعْرٍ) مِنْ حَلْقِ عَانَةٍ، وَقَصِّ شَارِبٍ وَنَتْفِ إبِطٍ، (وَ) تَقْلِيمِ (ظُفْرٍ وَقَطْعِ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ) ، لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ: " كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَلْبَسُونَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِبَادَةٌ، فَسُنَّ فِيهِ ذَلِكَ كَالْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ (وَ) سُنَّ لَهُ (تَطَيُّبٌ بِنَحْوِ مِسْكٍ وَعُودٍ وَمَاءِ وَرْدٍ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَتْ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) سُنَّ (خِضَابٌ لَهَا) ، أَيْ: لِلْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَتْ الْإِحْرَامَ (بِحِنَّاءٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تُدَلِّكَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا فِي حِنَّاءٍ " وَلِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ أَشْبَهَ الطِّيبَ، (وَكُرِهَ) لَهَا أَنْ تَتَخَضَّبَ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ، (كَتَطَيُّبِ) مَرِيدِ الْإِحْرَامِ (فِي ثَوْبِهِ قَبْلَهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ، (وَلَهُ) إنْ طَيَّبَ ثَوْبَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ (اسْتِدَامَتُهُ) ، أَيْ: اسْتِدَامَةُ لِبْسِهِ، (مَا لَمْ يَنْزِعْهُ) ، فَإِنْ نَزَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ لِبْسُهُ وَالطِّيبُ فِيهِ، لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ الطِّيبَ وَلِبْسُ الْمُطَيَّبِ دُونَ الِاسْتِدَامَةِ، (فَإِنْ لَبِسَهُ) بَعْدَ نَزْعِهِ، وَأَثَرُ الطِّيبِ بَاقٍ لَمْ يَغْسِلْهُ حَتَّى يَذْهَبَ، فَدَى، لِاسْتِعْمَالِهِ الطِّيبَ،
стр. 1246
(أَوْ نَقَلَ طِيبَ بَدَنِهِ) مِنْ مَوْضِعِهِ (لِمَوْضِعٍ آخَرَ، فَدَى) ، أَوْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ بِيَدِهِ، فَعَلِقَ الطِّيبُ بِهَا، أَوْ نَحَّاهُ عَنْ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ بَعْدَ إحْرَامِهِ، فَدَى، لِأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ لِلطِّيبِ (لَا إنْ سَالَ) الطِّيبُ (بِعَرَقٍ أَوْ شَمْسٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يَنْهَانَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
(وَسُنَّ) لِمَرِيدِهِ (لِبْسُ إزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفِينَ) جَدِيدَيْنِ أَوْ خَلِيقَيْنِ (وَنَعْلَيْنِ) ، لِحَدِيثِ: «وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَنَعْلَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ ذَلِكَ. وَفِي " تَبْصِرَةِ الْحَلْوَانِيِّ " إخْرَاجُ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ مِنْ الرِّدَاءِ أَوْلَى، وَالنَّعْلَانِ التَّاسُومَةُ.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ لِبْسُ سرموزة وَنَحْوِهَا إنْ وَجَدَ النَّعْلَيْنِ، وَيَكُونُ لِبْسُهُ ذَلِكَ (بَعْدَ تَجَرُّدِ ذَكَرٍ عَنْ مَخِيطٍ) كَقَمِيصٍ وَسَرَاوِيلَ وَخُفٍّ «لِأَنَّهُ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
(وَ) يُسَنُّ (إحْرَامٌ عَقِبَ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا) نَصًّا لِأَنَّهُ ﷺ «أَهَلَّ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
و (لَا) يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ النَّفْلِ (وَقْتَ نَهْيٍ) ، لِتَحْرِيمِ النَّفْلِ إذَنْ، (وَلَا) يَرْكَعُهُمَا (عَادِمُ مَاءٍ وَتُرَابٍ) ، لِحَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ إحْرَامِهِ، صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
(وَ) سُنَّ لَهُ (أَنْ يُعَيِّنَ نُسُكًا) فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ مِنْ عُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ قِرَانٍ، (وَيَلْفِظُ بِهِ) ، أَيْ: بِمَا عَيَّنَهُ، لِلْأَخْبَارِ، (وَأَنْ يَشْتَرِطَ) ، لِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ مُسْتَحَبٌّ، وَكَوْنُهُ بِالْقَوْلِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ
стр. 1247
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ " لِحَدِيثِ «ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ حِينَ قَالَتْ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَجِدُنِي وَجِعَةً، فَقَالَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقَوْلِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ النَّسَائِيّ: «فَإِنَّ لَك عَلَى رَبِّك مَا اسْتَثْنَيْت» .
(فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ، فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي) .
وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَهُ فِي الصَّلَاةِ لِقِصَرِ مُدَّتِهَا (وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ، فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) ، أَوْ: فَلِي أَنْ أُحِلَّ، (وَكَيْف اشْتَرَطَ جَازَ) ، فَلَوْ اشْتَرَطَ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَى الِاشْتِرَاطِ، (كَقَوْلِهِ) : اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ (أَنْ تُيَسِّرَ لِي وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ) ، جَازَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ (وَيَسْتَفِيدُ بِهِ) ، أَيْ: بِاشْتِرَاطِهِ، (أَنَّهُ مَتَى حُبِسَ بِمَرَضٍ) أَوْ عَاقَهُ عَدُوٌّ (أَوْ غَيْرُهُ) كَذَهَابِ نَفَقَتِهِ (حَلَّ مَجَّانًا) نَصًّا.
قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَيَلْزَمُهُ نَحْوُهُ، (وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِشَرْطٍ، أَوْ شَرَطَ أَنْ يَحِلَّ مَتَى شَاءَ، أَوْ إنْ أَفْسَدَهُ لَمْ يَقْضِهِ، لَمْ يَصِحَّ) شَرْطُهُ، لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ، (وَشُرِطَ تَنْجِيزُ إحْرَامٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ) الْإِحْرَامُ (مُعَلَّقًا، ك) قَوْلِهِ: (إنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ، أَوْ قَدِمَ) زَيْدٌ، (فَأَنَا مُحْرِمٌ) ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ عَلَّقَ) إحْرَامَهُ عَلَى الْمَشِيئَةِ، كَقَوْلِهِ: أَنَا مُحْرِمٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ: بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَيْسِيرِهِ، فَحُكْمُهُ (كَصَوْمٍ) عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إنْ قَصَدَ بِالْمَشِيئَةِ التَّبَرُّكَ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ إنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا فِي الْعَزْمِ وَالْقَصْدِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ (مُتَلَاعِبًا) ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 1248
(وَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ (فَاسِدًا حَالَ جِمَاعٍ) ، لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُهُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِهِ إنْ وَقَعَ فِي أَثْنَائِهِ، وَإِنَّمَا يَفْسُدُ (وَيَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) وَيَقْضِيهِ كَمَا يَأْتِي، (وَيَبْطُلُ) إحْرَامُهُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ (بِرِدَّةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، و (لَا) يَبْطُلُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ (بِجُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ وَسُكْرٍ وَمَوْتٍ) ، لِخَبَرِ الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ، (وَلَا يَنْعَقِدُ) الْإِحْرَامُ (مَعَ وُجُودِ أَحَدِهَا) ، أَيْ: الْإِغْمَاءِ أَوْ الْجُنُونِ أَوْ السُّكْرِ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ
[فَصْلٌ تخيير الْمُحْرِم بَيْن ثَلَاثَة أَشْيَاء]
(فَصْلٌ) (وَيُخَيَّرُ مَرِيدُ إحْرَامٍ بَيْنَ) ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: (تَمَتُّعٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ) نَصًّا، قَالَ: لِأَنَّهُ آخِرُ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: كَانَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدُّخُولَ بِعُمْرَةٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا وَسَعَوْا أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ سَاقَ هَدْيًا وَثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ، لَسَوْقِهِ الْهَدْيَ، وَتَأَسَّفَ بِقَوْلِهِ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْت مَعَكُمْ» وَلَا يَنْقُلُ أَصْحَابَهُ إلَّا إلَى الْأَفْضَلِ، وَلَا يَتَأَسَّفُ إلَّا عَلَيْهِ، لَا يُقَالُ: أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ، لَيْسَ لِفَضْلِ التَّمَتُّعِ، وَأَنَّمَا هُوَ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ، ثُمَّ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ، لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الِاعْتِقَادِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَأَسَّفْ هُوَ، لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِيهِ سَوْقَ الْهَدْيِ، وَلِمَا فِي التَّمَتُّعِ مِنْ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ مَعَ كَمَالِ أَفْعَالِ النُّسُكَيْنِ.
(فَإِفْرَادٌ) ، لِأَنَّ فِيهِ كَمَالَ أَفْعَالِ النُّسُكَيْنِ.
стр. 1249
(فَقِرَانٌ) ، وَاخْتُلِفَ فِي حَجَّتِهِ ﷺ لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَشُكُّ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَالْمُتْعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ.
(فَالتَّمَتُّعُ: أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَيَفْرُغُ مِنْهَا، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " (ثُمَّ) يُحْرِمُ (بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ فِي عَامِهِ (مِنْ أَيْنَ شَاءَ) ، أَيْ: مَكَّةَ أَوْ قُرْبِهَا أَوْ بَعِيدٍ مِنْهَا، (بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، فَلَوْ كَانَ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا وَلَوْ أَتَمَّ أَفْعَالَهَا فِي أَشْهُرِهِ، وَإِنْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ صَارَ قَارِنًا.
(وَالْإِفْرَادُ: أَنْ يُحْرِمَ) ابْتِدَاءً (بِحَجٍّ ثُمَّ) يُحْرِمَ (بِعُمْرَةٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ) ، أَيْ: الْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ، اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْإِسْلَامِ.
(وَالْقِرَانُ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا) أَيْ: بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (مَعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، ابْتِدَاءً (ثُمَّ يُدْخِلَهُ) ، أَيْ: الْحَجَّ، (عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، وَيَصِحُّ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَيَكُونُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا (قَبْلَ شُرُوعٍ فِي طَوَافِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، كَمَا لَوْ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ سَعْيِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ لَا
(وَيَصِحُّ) إدْخَالُ حَجٍّ عَلَى عُمْرَةٍ (مِمَّنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَلَوْ بَعْدَ سَعْيِهَا) ، بَلْ يَلْزَمُهُ كَمَا يَأْتِي لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، (وَيَصِيرُ قَارِنًا) عَلَى الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ وَ " الشَّرْحِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى " هُنَا، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي " الْإِنْصَافِ "، وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى ": فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يَصِيرُ قَارِنًا (وَلَوْ)
стр. 1250
كَانَ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ (بِغَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ) ، لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِهِ قَبْلَهَا، كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَتَنْدَرِجُ أَفْعَالُ عُمْرَةِ قَارِنٍ بِحَجٍّ) ، فَيَكْفِيهِ طَوَافٌ وَسَعْيٌ لَهُمَا، قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ وَشَرْحِهِ ": وَيَسْقُطُ تَرْتِيبُ الْعُمْرَةِ، وَيَصِيرُ التَّرْتِيبُ لِلْحَجِّ، كَمَا يَتَأَخَّرُ الْحِلَاقُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَوَطْؤُهُ قَبْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَا يُفْسِدُ عُمْرَتَهُ، أَيْ: إذَا وَطِئَ وَطْئًا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ، مِثْلُ إنْ وَطِئَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَكَانَ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ دَخَلَهَا وَلَمْ يَطُفْ لِقُدُومِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ، وَإِذَا لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ لَمْ تَفْسُدْ عُمْرَتُهُ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(وَمَنْ أَحْرَمَ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (ثُمَّ أَدْخَلَهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةَ (عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ بِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ وَلَمْ يُسْتَفَدْ بِهِ فَائِدَةٌ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَلَا يَصِيرُ قَارِنًا.
(وَيَجِبُ عَلَى مُتَمَتِّعٍ دَمٌ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، (وَ) يَجِبُ عَلَى (قَارِنٍ دَمٌ) ، لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ كَالْمُتَمَتِّعِ، وَهُوَ دَمُ (نُسُكٍ لَا) دَمُ (جُبْرَانٍ) ، إذْ لَا نَقْصَ فِي التَّمَتُّعِ يُجْبَرُ بِهِ، (بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَا) ، أَيْ: الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ (مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (وَهُمْ) ، أَيْ: حَاضِرُوا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: (أَهْلُ الْحَرَمِ، وَمَنْ هُوَ مِنْهُ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) ، لِأَنَّ حَاضِرَ الشَّيْءِ مَنْ حَلَّ فِيهِ، أَوْ قَرُبَ مِنْهُ، أَوْ جَاوَرَهُ، بِدَلِيلِ رُخَصِ السَّفَرِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْزِلَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ،
стр. 1251
فَلَا دَمَ، (فَلَوْ اسْتَوْطَنَ أُفُقِيٌّ) لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ (مَكَّةَ، أَوْ مَا قَارَبَهَا، فَحَاضِرٌ) لَا دَمَ عَلَيْهِ، لِدُخُولِهِ فِي الْعُمُومِ، (أَوْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ بِمَكَّةَ) ، أَوْ قُرْبَهَا، (وَالْبَعْضُ الْآخَرُ عَنْهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ، بِمَنْزِلِهِ (فَوْقَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ الْمَنْزِلِ الْأَبْعَدِ، أَوْ كَانَتْ إقَامَتُهُ أَوْ إقَامَةُ مَالِهِ بِهِ) ، أَيْ: الْبَعِيدِ، (أَكْثَرَ) ، لَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ تَمَتُّعٍ، لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِهِ (مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ، فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ.
(وَمَنْ دَخَلَهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ، مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، (وَلَوْ نَاوِيًا لِإِقَامَةٍ) بِهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ، (أَوْ) كَانَ الدَّاخِلُ (مَكِّيًّا اسْتَوْطَنَ بَلَدًا بَعِيدًا) مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ عَنْ الْحَرَمِ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا (مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، لَزِمَهُ دَمٌ) ، وَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا، لِأَنَّهُ حَالَ أَدَاءِ نُسُكِهِ لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا.
(وَشُرِطَ فِي) وُجُوبِ دَمِ (مُتَمَتِّعٍ وَحْدَهُ) ، أَيْ: دُونَ الْقَارِنِ، زِيَادَةً عَمَّا تَقَدَّمَ (سِتَّةُ) شُرُوطٍ: (أَحَدُهَا: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) ، وَالِاعْتِبَارُ بِالشَّهْرِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهَا فِيهِ، لَا بِاَلَّذِي حَلَّ مِنْهَا فِيهِ، (فَمَنْ أَحْرَمَ بِرَمَضَانَ، وَفَعَلَ الْعُمْرَةَ بِشَوَّالٍ، فَلَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) : لِأَنَّ الْإِحْرَامَ نُسُكٌ يُعْتَبَرُ لِلْعُمْرَةِ لَا مِنْ أَعْمَالِهَا، فَاعْتُبِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَالطَّوَافِ.
(وَالثَّانِي أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ) ، فَلَوْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحَجَّ مِنْ عَامٍ آخَرَ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، لِلْآيَةِ، لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُمْ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، فَهَذَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَبَاعُدًا.
(وَ) الثَّالِثُ: (أَنْ لَا يُسَافِرَ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ (مَسَافَةَ قَصْرٍ، فَإِنْ سَافَرَ) بَيْنَهُمَا الْمَسَافَةَ (فَأَحْرَمَ بِحَجٍّ، فَلَا دَمَ) نَصًّا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: إذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ
стр. 1252
مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، وَلِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ مَا دُونَهُ، لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَقَدْ أَنْشَأَ سَفَرًا بَعِيدًا لِحَجِّهِ، فَلَمْ يَتَرَفَّهْ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ.
(وَ) الرَّابِعُ: (أَنْ يَحِلَّ مِنْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (قَبْلَ إحْرَامِهِ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (وَأَلَّا) يَحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بِأَنْ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، (صَارَ قَارِنًا) ، فَيَلْزَمُهُ دَمُ الْقِرَانِ (بِشَرْطِهِ) ، وَهُوَ أَنْ لَا يُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ سَعْيِهَا، لِكَوْنِهِ سَاقَ الْهَدْيَ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَفِي الْإِنْصَافِ يَصِيرُ قَارِنًا، وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ
(وَ) الْخَامِسُ: (أَنْ يُحْرِمَ بِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (مِنْ مِيقَاتِ) بَلَدِهِ، (أَوْ مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ مَكَّةَ) ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ دُونِهَا، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، (وَإِلَّا، بِأَنْ) جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ فِي حَالٍ يَجِبُ فِيهَا الْإِحْرَامُ، (لَزِمَهُ دَمٌ، لِمُجَاوَزَةِ مِيقَاتٍ) مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ بِلَا إحْرَامٍ، (وَكَلَامُ الْإِقْنَاعِ هُنَا غَيْرُ مُحَرَّرٍ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ.
(وَ) السَّادِسُ: (أَنْ يَنْوِيَ التَّمَتُّعَ فِي ابْتِدَائِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (أَوْ) فِي (أَثْنَائِهَا) ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَحُصُولِ التَّرَفُّهِ، هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ، إذْ لَا يُقَالُ مُتَمَتِّعٌ لِمُحْرِمٍ قَبْلَ فَرَاغِهِ، إلَّا إذَا كَانَ عَازِمًا عَلَى ذَلِكَ، نَاوِيًا لَهُ، خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ، (فَلَا تَكْفِي نِيَّةُ الْعُمْرَةِ فَقَطْ) ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْحَجِّ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِ دَمِ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ (وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ) ، أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، (فَلَوْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ وَحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ) ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، (أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ
стр. 1253
اعْتَمَرَ عَنْ غَيْرِهِ، وَحَجَّ لِنَفْسِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ اثْنَيْنِ) بِأَنْ اعْتَمَرَ عَنْ وَاحِدٍ وَحَجَّ عَنْ آخَرَ (بِلَا إذْنٍ) مِنْهُمَا، (فَعَلَيْهِ دَمُ تَمَتُّعٍ) مِنْ مَالِهِ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمِيقَاتِ، فَيُحْرِمُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ بِسَبَبِ مُخَالِفَتِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَإِلَّا) يُحْرِمُ مُتَمَتِّعًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، (فَعَلَيْهِمَا) الدَّمُ (نِصْفَيْنِ إنْ تَمَتَّعَ بِإِذْنِهِمَا) ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَذِنَا لَهُ فِيهِ، وَإِنْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ، فَعَلَيْهِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي عَلَى النَّائِبِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَيَتَّجِهُ أَيْضًا: (وَكَذَا صَوْمٌ) وَجَبَ عَلَى نَائِبٍ أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّمَتُّعِ، فَعَلَى مُسْتَنِيبِهِ وَإِنْ كَانَ بِلَا إذْنٍ؛ فَعَلَيْهِ.
هَذَا إنْ كَانَ نَائِبًا عَنْ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ نَائِبًا عَنْ اثْنَيْنِ فَأَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا بِلَا إذْنِهِمَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ، (وَ) إنْ كَانَ بِإِذْنِهِمَا (احْتَمَلَ) أَنَّهُ (يَصُومُ نَائِبٌ الثَّلَاثَةَ، وَهُمَا) ، أَيْ: الْآذِنَانِ (السَّبْعَةَ) ، وَيُجْبَرُ الْكَسْرُ، فَيَصُومُ كُلُّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّ الْيَوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي الصِّيَامِ، (أَوْ) احْتَمَلَ أَنْ يَصُومَا (الْعَشَرَةَ) ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، لِوُجُوبِ ذَلِكَ بِسَبَبِهِمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) تُعْتَبَرُ
стр. 1254
(هَذِهِ الشُّرُوطُ) جَمِيعُهَا (فِي كَوْنِهِ) يُسَمَّى (مُتَمَتِّعًا) ، فَإِنَّ الْمُتْعَةَ تَصِحُّ مِنْ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَى الْمَكِّيِّ، (وَيَلْزَمُ الدَّمُ) ، أَيْ: دَمُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، (بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، أَيْ: فَلْيُهْدِ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَفْعَالِهِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى إحْرَامِهِ، كَقَوْلِهِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» وَيَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، (وَيَأْتِي وَقْتُ ذَبْحِهِ) فِي بَابِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ.
(وَلَا يَسْقُطُ دَمُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ بِفَسَادِ نُسُكِهِمَا) ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الصَّحِيحِ وَجَبَ فِي الْفَاسِدِ، كَالطَّوَافِ وَغَيْرِهِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَسْقُطُ دَمُهُمَا (بِفَوَاتِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، كَمَا لَوْ فَسَدَ، (وَإِذَا قَضَى
стр. 1255
الْقَارِنُ قَارِنًا، لَزِمَهُ دَمَانِ، دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ، وَدَمٌ ل) قِرَانٍ (ثَانٍ وَإِنْ قَضَى) الْقَارِنُ (مُفْرِدًا، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) ، لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّهُ أَتَى بِنُسُكٍ أَفْضَلَ مِنْ نُسُكِهِ، (وَجَزْمُ جَمْعٍ) بِأَنَّهُ (يَلْزَمُهُ دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ) ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ الْأَدَاءُ، وَهَذَا مَرْجُوحٌ، وَالْمَذْهَبُ: لَا دَمَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، (فَإِذَا فَرَغَ) مَنْ قَضَى مُفْرَدًا مِنْ الْحَجِّ، (أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَبْعَدِ مِيقَاتَيْهِ) اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِي أَحَدِهِمَا بِالْقِرَانِ، وَفِي الْآخَرِ بِالْحَجِّ، كَمَنْ فَسَدَ حَجُّهُ ثُمَّ قَضَاهُ، يُحْرِمُ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، (وَإِلَّا) يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، (ف) يَلْزَمُهُ (دَمٌ) ، لِتَرْكِهِ وَاجِبًا، (وَإِنْ قَضَى) الْقَارِنُ (مُتَمَتِّعًا، أَحْرَمَ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (مِنْ الْأَبْعَدِ) مِنْ الْمِيقَاتَيْنِ (إذَا فَرَغَ مِنْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَبْعَدُ الْأَوَّلَ فَالْقَضَاءُ يَحْكِيهِ، لِأَنَّ الْحُرُمَاتِ قِصَاصٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِحُلُولٍ فِيهِ، لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى صِفَةٍ أَعْلَى وَلَا لِلْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ لَا تَرَفُّهَ فِيهِ بِتَرْكِ السَّفَرِ، إذْ يَلْزَمُهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْعُمْرَةِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ مِنْ أَحَدِهِمَا قَارِنًا، وَمِنْ آخَرَ بِالْعُمْرَةِ.
(وَسُنَّ لِمُفْرَدٍ وَقَارِنٍ فَسْخُ نِيَّتِهِمَا بِحَجٍّ) نَصًّا، لِأَنَّهُ ﷺ «أَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ، وَقَرَنُوا أَنْ يَحِلُّوا كُلُّهُمْ، وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ لِأَحْمَدَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْك حَسَنٌ جَمِيلٌ، إلَّا خَلَّةً وَاحِدَةً، فَقَالَ مَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ بِفَسْخِ الْحَجِّ، قَالَ: كُنْت أَرَى أَنَّ لَك عَقْلًا، عِنْدِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا جِيَادًا، كُلُّهَا فِي فَسْخِ الْحَجِّ، أَتْرُكُهَا لِقَوْلِك؟ ، وَقَدْ رَوَى فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ: ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ، وَأَحَادِيثُهُمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَرَوَاهُ غَيْرُهُمْ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ.
وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ":
стр. 1256
لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ وُجُوبَ الْفَسْخِ لَمْ يَبْعُدْ، مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ: وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ ﷺ «لَمَّا قَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، صَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا» وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَسْخَ نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ لَا إبْطَالَهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَسْأَلَتِنَا، قَالَهُ الْقَاضِي.
(وَيَنْوِيَانِ) ، أَيْ: الْمُفْرَدُ وَالْقَارِنُ (بِإِحْرَامِهِمَا ذَلِكَ) الَّذِي هُوَ إفْرَادٌ أَوْ قِرَانٌ، (عُمْرَةً مُفْرِدَةً) ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمَا قَدْ طَافَ وَسَعَى، قَصَّرَ وَحَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَافَ وَسَعَى، فَإِنَّهُ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيُقَصِّرُ وَيَحِلُّ، (فَإِذَا حَلَّا) مِنْ الْعُمْرَةِ (أَحْرَمَا بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (لِيَصِيرَا مُتَمَتِّعَيْنِ) ، وَيُتِمَّانِ أَفْعَالَ الْحَجِّ، (وَلَوْ طَافَا وَسَعَيَا، فَيُقَصِّرَانِ وَقَدْ حَلَّا، مَا لَمْ يَسُوقَا هَدْيًا) ، فَإِنْ سَاقَاهُ لَمْ يَصِحَّ الْفَسْخُ لِلْخَبَرِ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: الْهَدْيُ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَلُّلِ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَفِي الْعَشْرِ وَغَيْرِهِ، (أَوْ يَقِفَا بِعَرَفَةَ) ، فَلَا يَفْسَخَانِ، فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا أَتَى بِمُعْظَمِ الْحَجِّ، وَأَمِنَ مِنْ فَوْتِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(فَلَوْ فَسَخَا فِي الْحَالَتَيْنِ) ، أَيْ: فِيمَا إذَا سَاقَا هَدْيًا أَوْ وَقَفَا بِعَرَفَةَ، (فَلَغْوٌ) لِمَا سَبَقَ، وَهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى نُسُكِهِمَا الَّذِي أَحْرَمَا بِهِ، (وَإِنْ سَاقَهُ) ، أَيْ: الْهَدْيَ (مُتَمَتِّعٌ) ، بِأَنْ أَتَى بِهِ مَعَهُ مِنْ الْحِلِّ، (لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ) مِنْ عُمْرَتِهِ، (فَيُحْرِمُ بِحَجٍّ إذَا طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ قَبْلَ تَحْلِيلٍ بِحَلْقٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَقَالَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ» (فَإِذَا ذَبَحَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، حَلَّ مِنْهُمَا) ،
стр. 1257
أَيْ: مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (مَعًا) نَصًّا، لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَحَدُ نَوْعِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كَالْقِرَانِ، وَلَا يَصِيرُ قَارِنًا لِاضْطِرَارِهِ لِإِدْخَالِ حَجٍّ عَلَى عُمْرَتِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: أَنَّهُ) ، أَيْ: سَائِقُ الْهَدْيِ (فِي هَذِهِ) الْحَالَةِ (قَارِنٌ) لَا مُتَمَتِّعٌ، عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِنْصَافِ " وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، بَلْ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا، صَارَ قَارِنًا، وَمُقْتَضَى صَنِيعِ شَارِحِ الْمُنْتَهَى " فِي الشَّرْطِ الْخَامِسِ يَأْبَى ذَلِكَ.
(وَالْمُعْتَمِرُ غَيْرُ الْمُتَمَتِّعِ، يَحِلُّ بِكُلِّ حَالٍ) إذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) " لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ سِوَى عُمْرَتِهِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهَا، بَعْضُهُنَّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، فَكَانَ يَحِلُّ» .
(وَالْمُتَمَتِّعَةُ إنْ حَاضَتْ) أَوْ نَفِسَتْ (قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، فَخَشِيَتْ) فَوَاتَ الْحَجِّ، (أَوْ) خَشِيَ (غَيْرُهَا فَوَاتَ الْحَجِّ، أَحْرَمَتْ بِهِ) وُجُوبًا، كَغَيْرِهَا مِمَّنْ خَشِيَ فَوْتَهُ، لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ، فَهَذَا طَرِيقُهُ، (وَصَارَتْ قَارِنَةً) ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «إنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً، فَحَاضَتْ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : أَهِلِّي بِالْحَجِّ» (وَلَمْ تَقْضِ طَوَافَ الْقُدُومِ) ، لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ، كَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ، (وَيَجِبُ عَلَى قَارِنٍ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ زَمَنَهُ (قَبْلَ طَوَافٍ وَسَعْيٍ) ، أَوْ بَعْدَهُ (دَمُ قِرَانٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، كَمَا تَقَدَّمَ، (وَتَسْقُطُ الْعُمْرَةُ) عَنْ الْقَارِنِ، فَتَنْدَرِجُ أَفْعَالُهَا فِي الْحَجِّ، (كَذَا) مُقْتَضَى
стр. 1258
صَنِيعِهِ (فِي الْمُنْتَهَى ") أَنَّهُ إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَطَافَ وَسَعَى لَهَا، ثُمَّ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا لَسَوْقِهِ الْهَدْيَ، فَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ، وَلَيْسَ بِقَارِنٍ، وَالْمُعْتَمَدُ: أَنَّهُ قَارِنٌ، وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
[فَصْلٌ مَنْ أَحْرَمَ وَأَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا]
(فَصْلٌ) (وَمَنْ أَحْرَمَ وَأَطْلَقَ، بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا، صَحَّ) إحْرَامُهُ، (وِفَاقًا) ، نَصَّ عَلَيْهِ كَإِحْرَامِهِ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ فُلَانٌ، (وَصَرْفُهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ (لِمَا شَاءَ) مِنْ الْأَنْسَاكِ (بِنِيَّتِهِ) لَا بِلَفْظِهِ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ بِأَيِّهَا شَاءَ، فَكَانَ لَهُ صَرْفُ الْمُطْلَقِ إلَى ذَلِكَ، (وَمَا عَمِلَ) مَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا (قَبْلَ) صَرْفِهِ، (فَلَغْوٌ) لَا يُعْتَدُّ بِهِ، (وَ) إنْ أَحْرَمَ (بِمَا) أَحْرَمَ فُلَانٌ (أَوْ) أَحْرَمَ (بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ) بِهِ (فُلَانٌ، وَعَلِمَ) مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ قَبْلَ إحْرَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ، (انْعَقَدَ) إحْرَامُهُ (بِمِثْلِهِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : بِمَ أَهْلَلْت؟ فَقَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: فَاهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا» وَعَنْ أَبِي مُوسَى نَحْوَهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
(فَإِنْ تَبَيَّنَ إطْلَاقُهُ) ، أَيْ: إحْرَامِ فُلَانٍ، بِأَنْ كَانَ أَحْرَمَ وَأَطْلَقَ، (فَلِلثَّانِي) الَّذِي أَحْرَمَ بِمِثْلِهِ (صَرْفُهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ (لِمَا شَاءَ) مِنْ الْأَنْسَاكِ، و (لَا) يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ (لِمَا يَصْرِفُهُ) إلَيْهِ الْأَوَّلُ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا إلَى مَا كَانَ (صَرَفَهُ) إلَيْهِ (فُلَانٌ) بَعْدَ إحْرَامِهِ مُطْلَقًا، وَيَعْمَلُ الثَّانِي بِقَوْلِ الْأَوَّلِ، لَا بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ، (وَإِنْ جَهِلَ) مَنْ أَحْرَمَ بِمَا أَحْرَمَ فُلَانٌ صِفَةَ (إحْرَامِهِ) ، أَيْ: فُلَانٍ، (سُنَّ) لِلثَّانِي (صَرْفُهُ عُمْرَةً) ، لِصِحَّةِ فَسْخِ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ إلَيْهَا، (وَلَوْ
стр. 1259
شَكَّ) الَّذِي أَحْرَمَ فُلَانٌ بِمِثْلِهِ، (هَلْ أَحْرَمَ الْأَوَّلُ، فَكَمَا لَوْ لَمْ يُحْرِمْ) الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمٌ، (فَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ (مُطْلَقًا، فَيَصْرِفُهُ لِمَا شَاءَ) مِنْ الْأَنْسَاكِ.
(وَيَتَّجِهُ: لَوْ تَبَيَّنَ) لِلثَّانِي (الْحَالُ) ، أَيْ: حَالُ الْأَوَّلِ مِنْ إطْلَاقٍ أَوْ تَعْيِينٍ (بَعْدَ) جَهْلِهِ بِحَالِهِ، (ف) حُكْمُهُ (مَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ) ، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا.
(وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ كَإِحْرَامِ اثْنَيْنِ، وَاتَّفَقَ نُسُكُهُمَا) ، أَيْ: الِاثْنَيْنِ، (فَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمَا) ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، (وَإِلَّا) يَتَّفِقُ نُسُكُهُمَا، فَمَنْ أَحْرَمَ بِإِحْرَامِهِمَا أَوْ بِمِثْلِ إحْرَامِهِمَا، (ف) هُوَ (قَارِنٌ) ، لِأَنَّ الْقِرَانَ صِفَةُ حَجِّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ كَانَ إحْرَامُ الْأَوَّلِ فَاسِدًا) بِأَنْ وَطِئَ فِيهِ، (انْعَقَدَ) إحْرَامُ (الثَّانِي بِمِثْلِهِ) مِنْ الْأَنْسَاكِ (صَحِيحًا) ، وَيَأْتِي بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ.
(وَيَصِحُّ) وَيَنْعَقِدُ إحْرَامُ قَائِلٍ: (أَحْرَمْت يَوْمًا، أَوْ) : أَحْرَمْت (بِنِصْفِ نُسُكٍ وَنَحْوِهِمَا) ، كَأَحْرَمْت نِصْفَ يَوْمٍ، أَوْ بِثُلُثِ نُسُكٍ، (فَلَا يَتَبَعَّضُ) ، لِأَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ زَمَنًا لَمْ يَصِرْ حَلَالًا فِيمَا بَعْدَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ نُسُكَهُ، (كَطَلَاقِ) امْرَأَتِهِ نِصْفَ طَلْقَةٍ، فَتَطْلُقُ طَلْقَةً كَامِلَةً إذْ الطَّلَاقُ لَا يَتَبَعَّضُ.
(وَلَا) يَصِحُّ إحْرَامُ قَائِلٍ: (إنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ) مَثَلًا
стр. 1260
(فَأَنَا مُحْرِمٌ) ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِتَعْلِيقِهِ إحْرَامَهُ، وَكَذَا: إنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا، فَقَدْ أَحْرَمْت، فَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، لِعَدَمِ جَزْمِهِ، وَهَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْبَابِ السَّابِقِ: وَشُرِطَ تَنْجِيزُ إحْرَامٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ مُعَلَّقًا ك: إنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ أَوْ قَدِمَ، فَأَنَا مُحْرِمٌ.
(وَمَنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ) انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا، (أَوْ) أَحْرَمَ (بِعُمْرَتَيْنِ انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا، وَلَغَتْ الْأُخْرَى) ، لِأَنَّ الزَّمَنَ لَا يَصْلُحُ لَهُمَا مُجْتَمِعَتَيْنِ، فَصَحَّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِمَا كَبَقِيَّةِ أَفْعَالِهِمَا، وَكَنَذْرِهِمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ إحْدَاهُمَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ، لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَصْلُحُ لَهُمَا، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ اللَّاغِيَةِ، وَكَنِيَّةِ صَوِّمِينِ فِي يَوْمٍ.
(وَ) مَنْ أَحْرَمَ (بِنُسُكٍ) تَمَتُّعٍ، أَوْ إفْرَادٍ أَوْ قِرَانٍ، أَوْ أَحْرَمَ بِنَذْرٍ (وَنَسِيَهُ) ، أَيْ: مَا أَحْرَمَ بِهِ، أَوْ نَسِيَ مَا نَذَرَهُ (قَبْلَ طَوَافٍ، صَرَفَهُ لِعُمْرَةٍ نَدْبًا) ، لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، (وَيَجُوزُ) صَرْفُ إحْرَامِهِ (لِغَيْرِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَانِعِ، فَإِنَّ صَرَفَهُ.
(إلَى قِرَانٍ أَوْ) إلَى (إفْرَادٍ، يَصِحُّ حَجًّا فَقَطْ، لِاحْتِمَالِ) أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ حَجًّا مُفْرَدًا، فَلَا يَصِحُّ (إدْخَالُهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (عَلَيْهِ) ، فَلَا تَسْقُطُ بِالشَّكِّ، (وَلَا دَمَ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَلَا قَارِنٍ، (وَ) إنْ صَرَفَهُ (إلَى تَمَتُّعٍ فَكَفَسْخِ حَجٍّ لِعُمْرَةٍ) ، فَيَصِحُّ إنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَسُقْ هَدْيًا، لِأَنَّ قُصَارَاهُ أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ قَارِنًا أَوْ مُفْرَدًا، وَفَسْخُهُمَا صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ، و (يَلْزَمُهُ دَمُ مُتْعَةٍ بِشُرُوطِهِ) ، لِلْآيَةِ، وَيُجْزِئُهُ تَمَتُّعُهُ عَنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لِصِحَّتِهِمَا بِكُلِّ حَالٍ.
(وَ) إنْ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، أَوْ نَذَرَهُ (بَعْدَ طَوَافٍ وَلَا هَدْيَ مَعَهُ) ، أَيْ: النَّاسِي، (يَتَعَيَّنُ) صَرْفُهُ (إلَيْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (لِامْتِنَاعِ إدْخَالِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (عَلَيْهَا إذَنْ) ، أَيْ: بَعْدَ طَوَافِهَا لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ.
стр. 1261
(وَيَتَّجِهُ: لُزُومُ) نَاسِي مَا أَحْرَمَ بِهِ بَعْدَهُ، وَقَدْ صَرَفَ نُسُكَهُ إلَى الْعُمْرَةِ لِعَدَمِ الْهَدْيِ (إعَادَةُ طَوَافٍ) ، لِعَدَمِ صَرْفِهِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ إلَى نُسُكٍ مُعَيَّنٍ، فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، لِأَنَّهُ طَافَ لَا فِي حَجٍّ وَلَا فِي عُمْرَةٍ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي " وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَيَسْعَى) النَّاسِي (وَيَحْلِقُ) أَوْ يُقَصِّرُ (ثُمَّ يُحْرِمُ بِحَجٍّ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِ وُقُوفٍ) بِعَرَفَةَ، (وَيُتِمُّهُ) ، أَيْ: الْحَجَّ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُهُ لِتَأْدِيَتِهِ إيَّاهُ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَا دَمَ لِلْحَلْقِ إذْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَاجًّا بِإِفْرَادٍ أَوْ قِرَانٍ، خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " والْإِقْنَاعِ " حَيْثُ أَوْجَبَا عَلَيْهِ الدَّمَ لِحَلْقِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، (لِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ فُسِخَ بِالصَّرْفِ) إلَى الْعُمْرَةِ، كَذَا قَالَ، وَعِبَارَةُ الْإِقْنَاعِ: وَإِنْ كَانَ شَكُّهُ بَعْدَ الطَّوَافِ، صَرَفَهُ إلَى الْعُمْرَةِ، وَلَا يَجْعَلُهُ حَجًّا وَلَا قِرَانًا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ الطَّوَافِ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، فَيَسْعَى وَيَحْلِقُ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِهِ، وَيُتِمُّهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُهُ، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ بِكُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ حَجًّا أَوْ قِرَانًا، فَقَدْ حَلَقَ فِيهِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، وَفِيهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا، فَقَدْ تَحَلَّلَ، ثُمَّ حَجَّ، وَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَقَالَ فِي " الْمُنْتَهَى " فَإِنْ حَلَقَ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِ الْوُقُوفِ، يُحْرِمُ بِحَجٍّ وَيُتِمُّهُ، وَعَلَيْهِ لِلْحَلْقِ دَمٌ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَاجًّا، وَمَا قَالَهُ جَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَ " الْمُبْدِعِ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ " وَغَيْرُهُمْ.
(وَمَعَ مُخَالِفَتِهِ) مَا سَبَقَ،
стр. 1262
(بِصَرْفِهِ) نُسُكَهُ مَعَ نِسْيَانِهِ بَعْدَ طَوَافٍ، وَلَا هَدْيَ مَعَهُ (لِحَجٍّ أَوْ قِرَانٍ، وَجَهِلَ الْحَالَةَ يَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ حَجٍّ) كَمَا يَأْتِي، (وَلَمْ يُجْزِئْهُ) فِعْلُهُ ذَلِكَ (عَنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ لِلشَّكِّ) فِي سَبَبِهِمَا، (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ (وَلَا قَضَاءَ) ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ، (وَمَا) كَانَ (عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبٍ) فَهُوَ بَاقٍ (فِي ذِمَّتِهِ يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ) ، لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (لُزُومُ قَضَاءِ حَجٍّ لَوْ وَطِئَ بَعْدَ حَلْقٍ) فَقَطْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ إحْلَالُهُ بِذَلِكَ، إذْ عِبَارَاتُهُمْ طَافِحَةٌ فِي أَنَّ مَنْ حَلَقَ وَطَافَ، ثُمَّ وَاقَعَ أَهْلَهُ قَبْلَ الرَّمْيِ، فَحَجُّهُ صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ) كَانَ (مَعَهُ هَدْيٌ) وَطَافَ، ثُمَّ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، (صَرَفَهُ لِحَجٍّ) وُجُوبًا، (وَأَجْزَأَهُ حَجُّهُ) عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (فَقَطْ) ، لِصِحَّتِهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ تَمَامِ نُسُكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَيَأْتِي) فِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ (حُكْمُ) مَنْ طَافَ (أَحَدَ طَوَافَيْنِ بِحَدَثٍ، وَجَهْلٍ) ، مُسْتَوْفًى.
стр. 1263
(وَمَنْ أَهَلَّ لِعَامَيْنِ، بِأَنْ قَالَ: لَبَّيْكَ الْعَامَ وَالْعَامَ الْقَابِلَ، حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَاعْتَمَرَ مِنْ) عَامٍ (قَابِلٍ) ، قَالَهُ عَطَاءٌ، حَكَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ وَمُقْتَضَاهُ: وُجُوبُ ذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ: بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: أَنْ فَعَلَ (ذَلِكَ) ، أَيْ: كَوْنُهُ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ وَيَعْتَمِرُ مِنْ قَابِلٍ، (نَدْبٌ) إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ، لَوْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَرْفَقُ فِي حَقِّهِ، وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ عُهْدَةِ الْعَوْدِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ عَلَى فَرْضِ بَقَائِهِ حَيًّا مُسْتَطِيعًا، وَإِلَّا فَتَبْقَى ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً إلَى أَنْ يُقْضَى عَنْهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْوُجُوبِ وَلَا النَّدْبِ، لِعَدَمِ جَزْمِهِمْ بِهِ، فَصَارَ لِلِاحْتِمَالِ مَجَالٌ.
[فَصْلٌ مَا يَسُنّ لِمَنْ أَحْرَمَ سَوَاءٌ عَيَّنَ نُسُكًا أَوْ أَطْلَقَ]
(فَصْلٌ) (وَسُنَّ) لِمَنْ أَحْرَمَ سَوَاءٌ عَيَّنَ نُسُكًا أَوْ أَطْلَقَ (عَقِبَ إحْرَامِهِ تَلْبِيَةٌ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك» . الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (حَتَّى عَنْ أَخْرَسَ وَمَرِيضٍ) ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَنَائِمٍ، وَأَنْ تَكُونَ (كَتَلْبِيَتِهِ ﷺ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وَهِيَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك» ) لِلْخَبَرِ وَتَقَدَّمَ
стр. 1264
قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ: أَلَبَّ بِالْمَكَانِ، إذَا لَزِمَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِك، وَكَرَّرَهُ لِأَنَّهُ أَرَادَ إقَامَةً بَعْدَ إقَامَةٍ، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّثْنِيَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ التَّكْثِيرُ كَحَنَانَيْكَ، وَالْحَنَانُ الرَّحْمَةُ. وَقِيلَ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ: إجَابَةُ دَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ حِينَ نَادَى بِالْحَجِّ، وَقِيلَ: مُحَمَّدٍ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَاخْتِيرَ كَسْرُ هَمْزَةِ إنَّ) نَصًّا، لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ، قَالَ ثَعْلَبٌ: مَنْ كَسَرَ فَقَدْ عَمَّ، يَعْنِي: حَمِدَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ فَتَحَ فَقَدْ خَصَّ، أَيْ: لَبَّيْكَ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَك.
(وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةٍ) عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ ﷺ لَزِمَ تَلْبِيَةً فَكَرَّرَهَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا، وَلَمْ تُكْرَهْ نَصًّا، (فَقَدْ زَادَ ابْنُ عُمَرَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ) ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَزَادَ عُمَرُ: لَبَّيْكَ وَالنَّعْمَاءُ وَالْفَضْلُ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إلَيْك لَبَّيْكَ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَرُوِيَ أَنَّ أَنَسًا كَانَ يَزِيدُ: لَبَّيْكَ حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا.
(وَسُنَّ ذِكْرُ نُسُكِهِ فِيهَا) ، أَيْ: التَّلْبِيَةِ، (وَ) سُنَّ (بَدْءُ قَارِنٍ بِذِكْرِ عُمْرَةٍ) كَقَوْلِهِ: (لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
(و) سُنَّ (دُعَاءٌ بَعْدَهَا بِمَا أَحَبَّ، وَيَسْأَلُ) اللَّهَ (الْجَنَّةَ، يَسْتَعِيذُ بِهِ مِنْ النَّارِ) ، لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ مَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ، وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ النَّارِ» (وَ) سُنَّ (صَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) ، بَعْدَ التَّلْبِيَةِ، لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ شُرِعَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، فَشُرِعَ فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِهِ، كَأَذَانٍ.
(وَ) سُنَّ (إكْثَارُ تَلْبِيَةٍ) ، لِخَبَرِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
стр. 1265
بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَتَتَأَكَّدُ) التَّلْبِيَةُ (إذَا عَلَا نَشَزًا) ، بِالتَّحْرِيكِ، أَيْ: مَكَانًا مُرْتَفِعًا، (أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، أَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً، أَوْ أَقْبَلَ لَيْلٌ أَوْ نَهَارٌ، أَوْ الْتَقَتْ رِفَاقٌ، أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ أَتَى مَحْظُورًا نَاسِيًا، أَوْ رَكِبَ) دَابَّتَهُ، (أَوْ نَزَلَ) عَنْهَا، (أَوْ رَأَى الْكَعْبَةَ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي فِي حَجَّتِهِ إذَا لَقِيَ رَاكِبًا أَوْ عَلَا أَكَمَةً أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ» وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ دُبُرَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا، وَإِذَا عَلَا نَشَزًا وَإِذَا لَقِيَ رَاكِبًا، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
(وَ) سُنَّ (جَهْرُ ذَكَرٍ بِهَا) ، لِقَوْلِ أَنَسٍ: " سَمِعْتهمْ يَصْرُخُونَ بِهَا صُرَاخًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَخَبَرُ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا، أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَةِ» أَسَانِيدُهُ جَيِّدَةٌ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
(فِي غَيْرِ مَسَاجِدِ الْحِلِّ وَأَمْصَارِهِ) ، بِخِلَافِ الْبَرَارِي وَعَرَفَاتٍ وَالْحَرَمِ وَمَكَّةَ، قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَحْرَمَ فِي مِصْرِهِ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ حَتَّى يَبْرُزَ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَنْ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِالْمَدِينَةِ: إنَّ هَذَا لَمَجْنُونٌ، إنَّمَا التَّلْبِيَةُ إذَا بَرَزْت.
(وَ) فِي غَيْرِ (طَوَافِ قُدُومٍ وَسَعْيٍ بَعْدَهُ) ، لِئَلَّا يُخَلِّطَ عَلَى الطَّائِفِينَ وَالسَّامِعِينَ
(وَتُشْرَعُ) تَلْبِيَةٌ (بِالْعَرَبِيَّةِ لِقَادِرٍ) عَلَيْهَا كَأَذَانٍ، (وَإِلَّا) يَقْدِرَ عَلَيْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ فَيُلَبِّي (بِلُغَتِهِ) ، لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى، (وَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُ تَلْبِيَةٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ) نَصًّا، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: سُئِلَ الْأَثْرَمُ: مَا شَيْءٌ تَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ يُلَبُّونَ دُبُرَ الصَّلَاةِ ثَلَاثًا؟ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: لَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءُوا بِهِ، قُلْت: أَلَيْسَ يُجْزِئُهُ مَرَّةً؟ قَالَ: بَلَى.
(وَاخْتَارَ بَعْضٌ) مِنْ الْأَصْحَابِ كَالْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحِ، قَالَا: (تَكْرَارُهَا ثَلَاثًا دُبُرَ الصَّلَاةِ حَسَنٌ) ، فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ.
(وَكُرِهَ لِأُنْثَى جَهْرٌ) بِتَلْبِيَةٍ
следующие страницы →