← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21677

مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى

الرحيباني

Полный текст (4 464 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

(دُخُولُ الْمَسْجِدِ) الْحَرَمِ (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) ، وَبِإِزَائِهِ الْبَابُ الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِبَابِ السَّلَامِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفَاعَ الضُّحَى، وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عَنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، ثُمَّ دَخَلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي " أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ ": يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاَللَّهِ، وَمِنْ اللَّهِ، وَإِلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِك. (فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ) ، أَيْ: عَلِمَ بِهِ، يَشْمَلُ الْأَعْمَى، وَمَنْ فِي ظُلْمَةٍ (رَفَعَ يَدَيْهِ) نَصًّا، لِحَدِيثِ الشَّافِعِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَأَى الْبَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ» وَقَوْلُ جَابِرٍ: " مَا كُنْت أَظُنُّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إلَّا الْيَهُودَ ". الْحَدِيثَ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ. رُدَّ بِأَنَّهُ قَوْلُ جَابِرٍ عَنْ ظَنِّهِ، وَخَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ. (وَقَالَ) بَعْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ: (" اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْك السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ،) كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ ذَلِكَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. وَالسَّلَامُ الْأَوَّلُ: اسْمُ اللَّهِ، وَالثَّانِي، مَنْ: أَكْرَمْته بِالسَّلَامِ، وَالثَّالِثُ: السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ. (اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا) ، أَيْ: تَبْجِيلًا، (وَتَشْرِيفًا) ، أَيْ: رِفْعَةً وَعُلَا، (وَتَكْرِيمًا) : تَفْضِيلًا، (وَمَهَابَةً) : تَوْقِيرًا، وَإِجْلَالًا، (وَبِرًّا) بِكَسْرِ الْبَاءِ: هُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، (وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً وَبِرًّا) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مَرْفُوعًا. (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ عِزِّ جَلَالِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إنَّك دَعَوْت إلَى حَجِّ بَيْتِك الْحَرَامِ) ، سُمِّيَ بِهِ لِانْتِشَارِ حُرْمَتِهِ، وَأُرِيدَ بِتَحْرِيمِهِ سَائِرُ الْحَرَمِ، (وَقَدْ جِئْتُك لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ) ، ذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ: «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا رَأَى

стр. 1332

مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ» «وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (وَيَرْفَعُ رَجُلٌ بِذَلِكَ) الدُّعَاءِ (صَوْتَهُ) كَالتَّلْبِيَةِ، (وَمَا زَادَ مِنْ الدُّعَاءِ فَحَسَنٌ) ، لِأَنَّ تِلْكَ الْبِقَاعَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ، (وَيَدْنُو مِنْ الْكَعْبَةِ بِخُضُوعٍ وَخُشُوعٍ) ، لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِالْحَالِ، (ثُمَّ يَطُوفُ ابْتِدَاءً) ، أَيْ: قَبْلَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، (نَدْبًا) (وَهُوَ) ، أَيْ: الطَّوَافُ: (تَحِيَّةُ الْكَعْبَةِ، وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ: الصَّلَاةُ، وَتُجْزِئُ عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ (رَكْعَتَاهُ) ، أَيْ: الطَّوَافُ (بَعْدَهُ) ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الطَّوَافُ، لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ، وَهَذَا تَفْصِيلُهُ. (فَإِنْ أُقِيمَتْ) صَلَاةٌ (مَكْتُوبَةٌ، أَوْ ذَكَرَ) فَرِيضَةً (فَائِتَةً، أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ، قَدَّمَهَا) عَلَى الطَّوَافِ، لِاتِّسَاعِ وَقْتِهِ، وَأَمْنِ فَوَاتِهِ. (وَيَنْوِي مُتَمَتِّعٌ بِطَوَافِهِ الْعُمْرَةَ، وَهُوَ) ، أَيْ: الطَّوَافُ، (رُكْنٌ) مِنْ أَرْكَانِهَا. (وَ) يَنْوِي (مُفْرِدٌ) بِطَوَافِهِ الْقُدُومَ، (وَ) كَذَا يَنْوِي (قَارِنٌ) بِطَوَافِهِ (الْقُدُومَ، وَهُوَ: الْوُرُودُ، وَهُوَ سُنَّةٌ) فَتُسْتَحَبُّ الْبَدَاءَةَ بِهِ، (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ) اسْتِحْبَابًا، (غَيْرَ حَامِلِ مَعْذُورٍ فِي كُلِّ أُسْبُوعِهِ) نَصًّا، وَإِنَّمَا شُرِعَ الِاضْطِبَاعُ فِي هَذَا الطَّوَافِ (فَقَطْ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا فِي الْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَأَشَارَ إلَى صِفَةِ الِاضْطِبَاعِ بِقَوْلِهِ: (فَيَجْعَلُ مِنْ وَسَطِهِ) ، أَيْ: الرِّدَاءِ، (تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَ) يَجْعَلُ (طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ) ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مُضْطَبِعًا» ، (وَيَبْتَدِئُ طَوَافَهُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) ، لِبُدَاءَتِهِ ﷺ بِهِ، وَقَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَهُوَ جِهَةُ الْمَشْرِقِ، فَيُحَاذِيهِ) ، أَيْ: الْحَجَرِ، (أَوْ) يُحَاذِي (بَعْضَهُ بِكُلِّ بَدَنِهِ) ، بِأَنْ

стр. 1333

يَقِفَ مُقَابِلَ الْحَجَرِ حَتَّى يَكُونَ مُبْصِرًا لِضِلْعَيْ الْبَيْتِ الَّذِي عَنْ أَيْمَنِ الْحَجَرِ وَأَيْسَرِهِ، وَهَذَا احْتِرَازٌ مِنْ أَنْ يَقِفَ فِي ضِلْعِ الْبَابِ وَيَسْتَلِمَهُ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ مُحَاذِيًا لَهُ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ، فَمَتَى رَأَى الضِّلْعَ الْآخَرَ فَقَدْ حَاذَاهُ بِكُلِّ بَدَنِهِ (وَيَسْتَلِمَهُ) ، أَيْ: يَمْسَحُ الْحَجَرَ (بِيَدِهِ الْيُمْنَى) ، لِقَوْلِ جَابِرٍ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ، فَاسْتَلَمَهُ.» . الْحَدِيثَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالِاسْتِلَامُ: مِنْ السَّلَامِ، وَهُوَ: التَّحِيَّةُ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ: الْمُحَيَّا، لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ بِالِاسْتِلَامِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ الْجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " لَمَّا أَخَذَ اللَّهُ، ، الْمِيثَاقَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، كَتَبَ كِتَابًا فَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِ بِالْوَفَاءِ وَعَلَى الْكَافِرِ بِالْجُحُودِ ". (وَيُقَبِّلُهُ بِلَا صَوْتٍ يَظْهَرُ لِلْقُبْلَةِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ، وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، هَهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَيَسْجُدُ) ، أَيْ: يُمَرِّغُ الرَّجُلُ وَجْهَهُ (عَلَيْهِ) ، فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبَّاسٍ، (فَإِنْ شَقَّ) اسْتِلَامُهُ وَتَقْبِيلُهُ لِنَحْوِ زِحَامٍ، (لَمْ يُزَاحِمْ، وَاسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ وَقَبَّلَهَا) ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (فَإِنْ شَقَّ) اسْتِلَامُهُ بِيَدِهِ، (فَ) إنَّهُ يَسْتَلِمُهُ (بِشَيْءٍ، وَيُقَبِّلُهُ) ، أَيْ: مَا اسْتَلَمَهُ بِهِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، (فَإِنْ شَقَّ) عَلَيْهِ اسْتِلَامُهُ أَيْضًا بِشَيْءٍ، (أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ) ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَتَى الْحَجَرَ، أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ،

стр. 1334

وَكَبَّرَ» ، (وَلَا يُقَبِّلُهُ) ، أَيْ: مَا أَشَارَ بِهِ إلَيْهِ، (وَاسْتَقْبَلَهُ) ، أَيْ الْحَجَرَ، إذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ، (بِوَجْهِهِ، وَقَالَ " بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إيمَانًا بِك، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ ﷺ وَيَقُولُ ذَلِكَ كُلَّ مَا اسْتَلَمَهُ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ، (وَزَادَ جَمَاعَةٌ) كَثِيرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى الْأَوَّلِ: (" اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَجَرُ مَوْجُودًا) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ؛ (وَقَفَ مُقَابِلًا لِمَكَانِهِ) ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ إذَا هُدِمَتْ، (وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَقَبَّلَهُ، فَإِنْ شَقَّ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ) ، لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَيَقْرَبُ طَائِفٌ جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ لِلْبَيْتِ، وَشُرِطَ جَعْلُهُ عَنْ يَسَارِهِ) ، لِفِعْلِهِ ﵊ مَعَ قَوْلِهِ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (فَأَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ) ، الطَّائِفُ (يُسَمَّى: الشَّامِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ، وَهُوَ) : الرُّكْنُ (جِهَةُ الشَّامِ، ثُمَّ يَلِيهِ الرُّكْنُ الْغَرْبِيُّ وَالشَّامِيُّ، وَهُوَ: جِهَةُ الْمَغْرِب، ثُمَّ الْيَمَانِيُّ: جِهَةُ الْيَمَنِ، فَيَسْتَلِمَهُ إذَا أَتَى عَلَيْهِ وَلَا يُقَبِّلَهُ) . وَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ اسْتَلَمَهُ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ» فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا لَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (ثُمَّ كُلَّمَا حَاذَى) طَائِفٌ (الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ (وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، اسْتَلَمَهَا) نَدْبًا، لِحَدِيثِ ابْن عُمَرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ، الرُّكْنَ الْيَمَانِي، وَالْحَجَرَ فِي طَوَافِهِ» قَالَ نَافِعٌ: " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. لَكِنْ لَا يُقَبِّلُ إلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (أَوْ أَشَارَ إلَيْهِمَا) ، أَيْ: الْحَجَرِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ إنْ شَقَّ اسْتِلَامُهُمَا. وَ (لَا) يُسَنُّ اسْتِلَامُ

стр. 1335

الرُّكْنِ (الشَّامِيِّ) ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ أَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ، (وَ) لَا اسْتِلَامُ الرُّكْنِ (الْغَرْبِيِّ) وَهُوَ: مَا يَلِي الشَّامِيَّ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْيَمَانِيَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا أَرَاهُ - يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ . يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ إلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، وَلَا طَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ إلَّا لِذَلِكَ. " وَطَافَ مُعَاوِيَةُ، فَجَعَلَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقَتْ ". (وَ) لَا يُسَنُّ (تَقْبِيلُ الْمَقَامِ وَ) لَا (مَسْحُهُ وَلَا) تَقْبِيلُ وَمَسْحُ (مَسَاجِدَ وَ) لَا (قُبُورٍ) ؛ فِيهَا أَنْبِيَاءٌ أَوْ صَالِحُونَ (وَ) لَا تَقْبِيلُ وَمَسْحُ (صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وَلَا غَيْرِهَا، لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمُعَاوِيَةَ، بَلْ هَذَا أَوْلَى (وَيَقُولُ) طَائِفٌ (كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ ": (اللَّهُ أَكْبَرُ) فَقَطْ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «طَافَ النَّبِيُّ: ﷺ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ بِيَدِهِ وَكَبَّرَ» ، (وَ) يَقُولُ (بَيْنَهُ) ، أَيْ: الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (وَبَيْنَ) الرُّكْنِ (الْيَمَانِيِّ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ فِي الْمَنَاسِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «وَحَلَّ بِهِ - يَعْنِي: الرُّكْنَ الْيَمَانِي - سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، قَالُوا: آمِينَ» ، (وَيَقُولُ فِي بَقِيَّةِ طَوَافِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الْأَقْوَمَ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ

стр. 1336

الْأَكْرَمُ) ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُولُ: " رَبِّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي ". وَعَنْ عُرْوَةَ: " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، وَأَنْتَ تُحْيِي بَعْدَ مَا أَمَتّ " (وَيَذْكُرُ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَدَعُ. . . " الْحَدِيثَ. إلَّا ذِكْرًا وَقِرَاءَةً أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، لِحَدِيثِ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، فَمَنْ تَكَلَّمَ، فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» (وَسُنَّ قِرَاءَةٌ فِيهِ) ، أَيْ: الطَّوَافِ نَصًّا، لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الذِّكْرِ، لَا الْجَهْرُ بِهَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ أَيْضًا: جِنْسُ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ. (وَلَا تُزَاحِمُ امْرَأَةٌ رِجَالًا، لِتَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، وَلَا تُشِيرُ إلَيْهِ) بِيَدِهَا، قَالَ عَطَاءٌ: " كَانَتْ عَائِشَةَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَجْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَتْ: انْطَلِقِي عَنْك، وَأَبَتْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَمَعْنَى انْطَلِقِي عَنْك: انْطَلِقِي، وَاتْرُكِي الِاسْتِلَامَ عَنْك. (وَالْأَوْلَى لَهَا تَأْخِيرُ طَوَافٍ إلَى اللَّيْلِ) ، لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا (إنْ أَمِنَتْ نَحْوَ حَيْضٍ) ، كَنِفَاسٍ وَفَوْتِ رُفْقَةٍ. (وَسُنَّ أَنْ يَرْمُلَ مَاشٍ غَيْرَ حَامِلِ مَعْذُورٍ، وَ) غَيْرَ نِسَاءٍ، وَغَيْرَ (مُحْرِمٍ مِنْ مَكَّةَ أَوْ) مِنْ (قُرْبِهَا) ، فَلَا يُسَنُّ لَهُمْ الرَّمَلُ، فَالرَّمَلُ هُوَ: أَنْ (يَسْرُعَ الْمَشْيَ، وَيُقَارِبَ الْخَطَأَ فِي ثَلَاثِ طَوْفَاتٍ أُوَلٍ مِنْ غَيْرِ وَثْبٍ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «رَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عُمَرِهِ كُلِّهَا، وَفِي حَجِّهِ» ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ "، رَوَاهُ أَحْمَدُ. (ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةَ) أَشْوَاطٍ (بِلَا رَمَلٍ) ، لِلْأَخْبَارِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، (وَلَا يُقْضَى فِيهَا) ، أَيْ: فِي هَذِهِ الْأَشْوَاطِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا فِي طَوَافٍ غَيْرِ هَذَا (رَمَلٌ) ، وَلَا اضْطِبَاعٌ (فَاتَ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ. (وَالرَّمَلُ) مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْبَيْتِ (أَوْلَى مِنْ الدُّنُوِّ لِلْبَيْتِ) بِدُونِهِ، لِعَدَمِ

стр. 1337

تَمَكُّنِهِ مِنْهُ مَعَ الْقُرْبِ لِلزِّحَامِ، لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ، أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا أَوْ زَمَانِهَا، (وَالتَّأْخِيرُ) ، أَيْ: تَأْخِيرُ الطَّوَافِ حَتَّى يَزُولَ الزِّحَامُ (لَهُ) ، أَيْ: لِأَجْلِ الرَّمَلِ، (وَلِلدُّنُوِّ) مِنْ الْبَيْتِ، (أَوْلَى) مِنْ تَقْدِيمِهِ مَعَ فَوَاتِ الرَّمَلِ، أَوْ الدُّنُوِّ أَوْ فَوَاتِ أَحَدِهِمَا، لِيَأْتِيَ بِالطَّوَافِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّمَلِ مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْبَيْتِ، لِقُوَّةِ الزِّحَامِ، فَالدُّنُوُّ مِنْهُ أَوْلَى، وَيَطُوفُ مَعَ الزِّحَامِ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ، بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي أَحَدًا، فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً، رَمَلَ فِيهَا مَا دَامَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ؛ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ. (وَلَا يُسَنُّ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ) ، لِأَنَّهُ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إنَّمَا رَمَلُوا وَاضْطَبَعُوا فِيهِ. (وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا، لَمْ يُجْزِئْهُ) طَوَافُهُ كَذَلِكَ، (إلَّا) إنْ كَانَ رُكُوبُهُ أَوْ حَمْلُهُ (لِعُذْرٍ) ، لِحَدِيثِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا طَافَ النَّبِيُّ ﷺ رَاكِبًا لِعُذْرٍ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنْ الْبُيُوتِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ، رَكِبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَلَا يُجْزِئُ) الطَّوَافُ (عَنْ حَامِلِهِ) ، أَيْ: الْمَعْذُورِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا الْفِعْلُ وَهُوَ وَاحِدٌ، فَلَا يَقَعُ عَنْ اثْنَيْنِ، وَوُقُوعُهُ عَنْ الْمَحْمُولِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ إلَّا لِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْحَامِلِ، (إلَّا إنْ نَوَى) حَامِلُ الطَّوَافِ (وَحْدَهُ) ، أَيْ: دُونَ الْمَحْمُولِ، (أَوْ نَوَيَا) ، أَيْ: الْحَامِلُ وَالْمَحْمُولُ. (جَمِيعًا) الطَّوَافَ (عَنْهُ) ، أَيْ: الْحَامِلِ، فَيُجْزِئُ عَنْهُ، لِخُلُوصِ النِّيَّةِ مِنْهُمَا لِلْحَامِلِ، (فَإِنْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا) الطَّوَافَ عَنْ نَفْسِهِ، (صَحَّ لِمَحْمُولٍ فَقَطْ) ، لِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ أَدَّى

стр. 1338

بِهَا الْحَامِلُ فَرْضَ غَيْرِهِ، فَلَمْ تَقَعْ عَنْ فَرْضِهِ، كَالصَّلَاةِ، وَصِحَّةُ أَخْذِ الْحَامِلِ عَنْ الْمَحْمُولِ الْأُجْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَصْدُهُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَخْذُهُ بِهِ عَنْ شَيْءٍ يَقَعُ لِنَفْسِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. (فَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا) الطَّوَافَ عَنْ (نَفْسِهِ، وَالْآخَرُ لَمْ يَنْوِ، صَحَّ) الطَّوَافُ (لِنَاوٍ) لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (فَإِنْ لَمْ يَنْوِيَا، أَوْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ، لَمْ يَصِحَّ) الطَّوَافُ (لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) ، لِخُلُوِّ طَوَافِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ نِيَّةٍ مِنْهُ. (وَ) حُكْمُ (سَعْيٍ رَاكِبًا كَطَوَافٍ) رَاكِبًا نَصًّا، فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا لِعُذْرٍ، (وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ لَا) عَلَى سَطْحِ (الْبَيْتِ) ، تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ، كَصَلَاتِهِ إلَيْهَا، (أَوْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا، وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ) ، أَيْ: مُقَارَنَةً لِلطَّوَافِ (لَا حُكْمِيَّةً، تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ) فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمْ. وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً، (قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ") . وَالنِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ: أَنْ يَنْوِيَهُ قَبْلُ، وَيَسْتَمِرَّ حُكْمُهَا، وَهِيَ مَعْنَى اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ. (وَيُجْزِئُ) طَوَافٌ (فِي الْمَسْجِدِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ) نَحْوِ قُبَّةٍ، وَ (لَا) يُجْزِئُ طَوَافُهُ (خَارِجَهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ (أَوْ مَنْسَكًا) ، بِأَنْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ وَطَافَ، لَمْ يُجْزِئْهُ، (أَوْ) طَافَ (مُتَقَهْقِرًا) ، بِأَنْ جَعَلَهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَلَا يُجْزِئُهُ، لِمُخَالَفَتِهِ فِعْلَهُ ﷺ (أَوْ) طَافَ (عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُوَ: الْقَدْرُ الَّذِي تُرِكَ خَارِجًا عَنْ عَرْضِ الْجِدَارِ، مُرْتَفِعًا عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، فَلَا يُجْزِئُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَالْحِجْرُ مِنْهُ،

стр. 1339

لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «هُوَ مِنْ الْبَيْتِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (أَوْ) طَافَ عَلَى (شَاذَرْوَانَ الْكَعْبَةِ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، (وَهُوَ: مَا فَضَلَ مِنْ جِدَارِهَا) ، فَلَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ، فَإِنْ لَمْ يَطُفْ بِهِ، لَمْ يَطُفْ بِكُلِّ الْبَيْتِ، وَإِنْ مَسَّ الْجِدَارَ بِيَدِهِ فِي مُوَازَاةِ الشَّاذَرْوَانِ، صَحَّ طَوَافُهُ، (أَوْ) طَافَ طَوَافًا (نَاقِصًا، وَلَوْ) نَقْصًا (يَسِيرًا) ، فَلَا يُجْزِئُهُ لِمَا، تَقَدَّمَ، «وَقَدْ طَافَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ، وَالشَّاذَرْوَانُ: مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ» ، (أَوْ) طَافَ (بِلَا نِيَّةٍ) ، لَمْ يُجْزِئْهُ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَكَالصَّلَاةِ، (أَوْ) طَافَ (عُرْيَانَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَهُ بِالْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ، يُؤَذِّنُ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (أَوْ) طَافَ (مُحْدِثًا) أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ، (أَوْ) طَافَ (نَجِسًا) ، لِحَدِيثِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إلَّا أَنَّكُمْ، تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ» (فَيَلْزَمُ النَّاسَ انْتِظَارُ حَائِضٍ) إنْ أَمْكَنَ لَا نُفَسَاءَ، لِطُولِ مُدَّتِهَا. (وَيُسَنُّ فِعْلُ بَقِيَّةِ الْمَنَاسِكِ كُلِّهَا) مِنْ سَعْيٍ وَوُقُوفٍ وَرَمْيٍ، وَغَيْرِهَا (مُتَطَهِّرًا) لِأَنَّهُ أَكْمَلُ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) مِنْهُ (عَدَمُ الصِّحَّةِ) ، أَيْ: عَدَمُ صِحَّةِ الطَّوَافِ، (بِحَرِيرٍ وَمَغْصُوبٍ) إذَا كَانَا سَاتِرَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، لِمَا يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ، قِيَاسًا عَلَيْهَا إذْ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ بِمُبَاحٍ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: الطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي إبَاحَةِ النُّطْقِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ. (وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا: (أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) حَالَ كَوْنِهِ (طَائِفًا، لَا يَضُرُّ) ذَلِكَ فِي طَوَافِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ، لِإِشْعَارِهِ بِعَدَمِ

стр. 1340

الْمُبَالَاةِ فِي الْعِبَادَةِ، أَفَادَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ "، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَيَصِحُّ) الطَّوَافُ (فِيمَا لَا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ لُبْسُهُ) كَذَكَرٍ فِي مَخِيطٍ أَوْ مُطَيَّبٍ، لِعَوْدِ النَّهْيِ لِخَارِجٍ (وَيَفْدِي) طَائِفٌ (عَامِدٌ) لِفِعْلِ الْمَحْظُورِ، (وَيَبْتَدِئُ) الطَّوَافَ (لِحَدَثٍ فِيهِ) تَعَمَّدَهُ أَوْ سَبَقَهُ بَعْدَ أَنْ يَتَطَهَّرَ كَالصَّلَاةِ، (وَ) يَبْتَدِئُهُ (لِقَطْعٍ طَوِيلٍ) عُرْفًا، لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِيهِ كَالصَّلَاةِ، «وَلِأَنَّهُ ﵊ وَالَى طَوَافَهُ، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَإِنْ كَانَ) قَطْعُهُ (يَسِيرًا، أَوْ أُقِيمَتْ

стр. 1341

صَلَاةٌ) وَهُوَ فِي الطَّوَافِ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي أُقِيمَتْ نَافِلَةً (كَوِتْرٍ وَتَرَاوِيحَ) ، أَيْ: فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا، وَيَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ الْأَشْوَاطِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِيهِ مَا فِيهِ، إذْ صَرِيحُ الْإِقْنَاعِ: أَنَّهُ يُصَلِّي، وَيَبْنِي إذَا أُقِيمَتْ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، (أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ) وَهُوَ فِيهِ، (صَلَّى وَبَنَى) عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ طَوَافِهِ، لِحَدِيثِ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ تَفُوتُ بِالتَّشَاغُلِ. وَيَبْتَدِئُ الشَّوْطَ (مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَلَا يَعْتَدَّ بِبَعْضِ شَوْطٍ قَطَعَ فِيهِ) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَكَذَا لِسَعْيٍ، أَيْ: حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ كَطَوَافٍ، (فَإِذَا تَمَّ) طَوَافُهُ، (تَنَفَّلَ بِرَكْعَتَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ كَوْنُهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ) ، أَيْ: مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّهِ ﵊ وَفِيهِ: «ثُمَّ تَقَدَّمَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] » فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. . "، الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُهُ وَلَا مَسْحُهُ، فَسَائِرُ الْمَقَامَاتِ أَوْلَى. (وَ) وَيَقْرَأُ فِيهِمَا (بِ) : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فِي) رَكْعَةٍ (أُولَى، وَ) سُورَةِ (الْإِخْلَاصِ) بِرَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ، بَعْدَ) قِرَاءَةِ (الْفَاتِحَةِ) لِلْخَبَرِ. (وَتُجْزِئُ مَكْتُوبَةٌ، وَرَاتِبَةٌ عَلَيْهِمَا) ، أَيْ: عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، كَرَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.

стр. 1342

[فَائِدَةٌ مَا يُدْعَى بِهِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ] فَائِدَةٌ: وَمِمَّا يُدْعَى بِهِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ: «اللَّهُمَّ أَنَا عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك، أَتَيْتُك بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ، وَأَعْمَالٍ سَيِّئَةٍ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ النَّارِ، فَاغْفِرْ لِي إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قَوْلُهُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِك: كَلَامٌ يَقُولُهُ الْمُسْتَعِيذُ، وَيَعْنِي بِالْعَائِذِ: نَفْسَهُ، وَهُوَ كَمَا يُقَالُ: هَذَا مَقَامُ الذَّلِيلِ، وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ مُصَنِّفِي الْمَنَاسِكِ الْمَشْهُورَةِ مِنْ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ ﷺ وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ وَقَعَ إلَى بَعْضِ عَوَامِّ مَكَّةَ، رَأَيْت مِنْهُمْ مَنْ يُطَوِّفُ بَعْضَ الْغُرَبَاءِ وَيُشِيرُ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عِنْدَ انْتِهَائِهِ إلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ دُعَائِهِ. (وَسُنَّ عَوْدُهُ) ، أَيْ: الطَّائِفِ، (قَبْلَ صَلَاةٍ وَقَبْلَ سَعْيٍ لِلْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ (فَيَسْتَلِمَهُ) نَصًّا، لِفِعْلِهِ ﷺ ذَكَرَهُ جَابِرٌ فِي صِفَةِ حَجِّهِ ﷺ (وَ) سُنَّ (الْإِكْثَارُ مِنْ الطَّوَافِ كُلَّ وَقْتٍ) لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالطَّوَافُ لِغَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ نَصًّا، (وَلَهُ) ، أَيْ: الطَّائِفِ، (جَمْعُ أَسَابِيعَ بِرَكْعَتَيْنِ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ) مِنْ تِلْكَ الْأَسَابِيعِ، فَعَلَتْهُ عَائِشَةُ وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَكَوْنُهُ ﵊ لَمْ يَفْعَلْهُ لَا يُوجِبُ كَرَاهَةً، لِأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ أُسْبُوعَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةً، وَذَلِكَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَلَا تُعْتَبَرُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالرَّكْعَتَيْنِ، لِأَنَّ عُمَرَ صَلَّاهُمَا بِذِي طَوَى، وَأَخَّرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ الرَّكْعَتَيْنِ حِينَ طَافَتْ رَاكِبَةً بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ (وَالْأَوْلَى) أَنْ يَرْكَعَهُمَا (عَقِبَ كُلِّ أُسْبُوعٍ) ، لِفِعْلِهِ ﷺ . (وَ) لَطَائِفٍ (تَأْخِيرُ سَعْيِهِ عَنْ طَوَافِهِ بِطَوَافٍ وَغَيْرِهِ، فَلَا تَجِبُ مُوَالَاةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَوَافِهِ) ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَطُوفَ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَيَسْعَى آخِرَهُ.

стр. 1343

[تَنْبِيهٌ شُرُوطُ طَوَافٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَيْئًا] (تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ طَوَافٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ) شَيْئًا: (إسْلَامٌ، وَعَقْلٌ، وَنِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ) كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، (وَدُخُولُ وَقْتٍ) لِوَاجِبٍ، (وَلِقَادِرٍ وَسَتْرُ عَوْرَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، (وَطَهَارَةُ حَدَثٍ) ، لِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَ (لَا) تُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ (لِطِفْلٍ) دُونَ التَّمْيِيزِ، لِعَدَمِ إمْكَانِهِ مِنْهُ، (وَطَهَارَةُ خُبْثٍ) حَتَّى لِلطِّفْلِ، (وَتَكْمِيلُ السَّبْعِ يَقِينًا، فَإِنْ شَكَّ أَخَذَ بِالْيَقِينِ) وَهُوَ الْأَقَلُّ، (وَيُقْبَلُ قَوْلُ عَدْلَيْنِ) فِي أَنَّهُ أَكْمَلَهَا، (وَجَعْلُ، الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ غَيْرَ مُتَقَهْقِرٍ) ، وَتَقَدَّمَ، (وَمَشْيٌ لِقَادِرٍ) عَلَيْهِ، (وَمُوَالَاتُهُ) بَيْنَ الْأَشْوَاطِ، إلَّا إذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ أَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، وَتَقَدَّمَ، (وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) ، يَعْنِي: أَنَّهُ يَطُوفُ دَاخِلَهُ، (وَأَنْ يَبْتَدِئَهُ) ، أَيْ: الطَّوَافَ، (مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيُحَاذِيهِ) بِكُلِّ بَدَنِهِ، وَتَقَدَّمَ. (وَسُنَنُهُ) ، أَيْ: الطَّوَافِ: عَشْرًا: (اسْتِلَامُ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ، (وَتَقْبِيلُهُ وَنَحْوُهُ) كَالْإِشَارَةِ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِلَامِ، (وَاسْتِلَامُ الرُّكْنِ) الْيَمَانِي، (وَاضْطِبَاعٌ وَرَمَلٌ، وَمَشْيٌ فِي مَوَاضِعِهِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُفَصَّلًا، (وَدُعَاءٌ وَذِكْرٌ، وَدُنُوٌّ مِنْ الْبَيْتِ، وَالرَّكْعَتَانِ بَعْدَهُ) ، وَتَقَدَّمَتْ أَدِلَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ (يُكْرَهُ فِيهِ) ، أَيْ: الطَّوَافِ، (مَا يُكْرَهُ فِي صَلَاةٍ) ، كَعَبَثٍ وَتَخَصُّرٍ وَالْتِفَاتٍ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَفَرْقَعَةِ أَصَابِعَ وَنَحْوِهَا، (لَا مُطْلَقًا) بَلْ غَالِبًا، لِأَنَّهُ يُفْتَقَرُ فِيهِ مَا لَا يُفْتَقَرُ فِيهَا، (وَلَمْ يُرَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ فَضَّلَ بَيْنَ الْأَرْكَانِ) ، بِأَنْ جَعَلَ بَعْضَهَا أَفْضَلَ

стр. 1344

مِنْ بَعْضٍ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا عَلَى حَدٍّ سَوِيٍّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَرْعٌ عَلِمَ مُتَمَتِّعٌ بَعْدَ فَرَاغِ حَجِّهِ بُطْلَانَ أَحَدِ طَوَافَيْهِ] (فَرْعٌ: لَوْ عَلِمَ مُتَمَتِّعٌ بَعْدَ فَرَاغِ، حَجٍّ، بُطْلَانَ أَحَدِ طَوَافَيْهِ) لِلْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، كَكَوْنِهِ طَافَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، (وَجَهِلَهُ) أَيْ: الطَّوَافَ الَّذِي كَانَ فِيهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، (لَزِمَهُ الْأَشَدُّ) يُبْرِئُ ذِمَّتَهُ بِيَقِينٍ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الْأَشَدُّ (جَعْلُهُ) ، أَيْ: الطَّوَافُ الْكَائِنُ بِلَا طَهَارَةٍ، (لِلْعُمْرَةِ) ، فَلَا يَحِلُّ مِنْهَا بِحَلْقٍ، لِعَدَمِ صِحَّتِهَا بِفَسَادِ طَوَافِهَا، وَيَكُونُ قَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، (فَيَصِيرُ قَارِنًا، كَمَا لَوْ عَلِمَهُ) ، أَيْ: الطَّوَافَ الْبَاطِلَ (لَهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (وَعَلَيْهِ دَمُ قِرَانٍ وَحَلْقٌ) لِبَقَاءِ إحْرَامِهِ (وَيُجْزِئُهُ الطَّوَافُ لِحَجٍّ) ، أَيْ: طَوَافُ الْإِفَاضَةِ (عَنْ النُّسُكَيْنِ) ، أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كَالْقَارِنِ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ، وَلَوْ قَدَّرَ الطَّوَافَ الْوَاقِعَ بِلَا طَهَارَةٍ مِنْ الْحَجِّ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ، لِوُقُوعِهِ غَيْرَ صَحِيحٍ، (وَيُعِيدُ السَّعْيَ) لُزُومًا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، (لِفَقْدِ شَرْطِهِ) ، وَهُوَ: وُقُوعُهُ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ، وَقَدْ وُجِدَ بَعْدَ طَوَافٍ غَيْرِ مُعْتَدٍّ بِهِ. (وَيَتَّجِهُ: نَدْبُ إعَادَةِ طَوَافِ حَجٍّ وَسَعْيِهِ احْتِيَاطًا) ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ الَّذِي قُدِّرَتْ صِحَّتُهُ مُجْزِئٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ غَيْرِ السَّعْيِ فَقَطْ، لَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ إعَادَةُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، لِيَصْدُقَ عَلَيْهِ الْتِزَامُ الْأَشَدِّ، (وَإِنْ كَانَ) الْمُتَمَتِّعُ (وَطِئَ بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ) ، ثُمَّ عَلِمَ أَحَدَ طَوَافَيْهِ بِلَا طَهَارَةٍ، وَفَرَضْنَاهُ طَوَافَ الْعُمْرَةِ، (وَإِحْرَامٍ بِهِ قَبْلَ

стр. 1345

تَحَلُّلِهِ) مِنْ الْعُمْرَةِ. (بِفِعْلِهَا ثَانِيًا فَقَدْ) ، حَكَمْنَا بِأَنَّهُ (أَدْخَلَ حَجًّا عَلَى عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ، لِوَطْئِهِ فِيهَا، فَلَمْ يَصِحَّ) إدْخَالُهُ عَلَيْهَا، (فَيَلْغُو حَجُّهُ) ، أَيْ: مَا فَعَلَهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِهِ، (وَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافِهِ الَّذِي نَوَاهُ لِلْحَجِّ مِنْ عُمْرَتِهِ الْفَاسِدَةِ، وَعَلَيْهِ) دَمَانِ: (دَمُ حَلْقٍ) فَعَلَهُ قَبْلَ إتْمَامِ عُمْرَتِهِ، (وَ: دَمُ وَطْءٍ فِي عُمْرَتِهِ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ) ، لِفَسَادِ الْعُمْرَةِ بِالْوَطْءِ. فِيهَا، وَعَدَمِ صِحَّةِ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ، (فَلَا يَبْرَأُ مِنْ وَاجِبٍ) حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ. (وَيَتَّجِهُ وَلَا) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَقْضِيَ) مُتَمَتِّعٌ كَانَ وَطِئَ قَبْلَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ (تَطَوُّعًا) مِنْ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (لِلشَّكِّ) فِي وُقُوعِهِ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا، - وَالْأَصْلُ صِحَّتُهُ وَالْبَرَاءَةُ مِنْهُ (وَ) لَكِنَّ (الِاحْتِيَاطَ الْقَضَاءُ) لِيَبْرَأَ مِنْهُ بِيَقِينٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَلَوْ عَلِمَهُ) ، أَيْ: الطَّوَافَ الَّذِي وَقَعَ بِلَا طَهَارَةٍ أَنَّهُ كَانَ (لِحَجٍّ، لَزِمَهُ طَوَافٌ) ، أَيْ: الْحَجُّ (وَسَعْيُهُ) ، فَيُعِيدُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ، (وَ) يَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ (دَمٌ) ، يَعْنِي لِلْحَلْقِ، (لِحِلِّهِ قَبْلَ وَقْتِهِ) ، فَلَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى "، (وَ) يَلْزَمُهُ (دَمُ تَمَتُّعٍ بِشَرْطِهِ) قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى " عَنْ لُزُومِ الدَّمِ لِلْحَلْقِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَهُ طَوَافَ الْحَجِّ، فَالْعُمْرَةُ قَدْ تَمَّتْ، فَحَلْقُهُ فِي مَحَلِّهِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ " تَبَعًا " لِلْإِنْصَافِ " وَالْمُغْنِي "، وَلَوْ قَدَّرْنَاهُ لِلْحَجِّ، لَمْ يَلْزَمْ أَكْثَرُ مِنْ إعَادَةِ الطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ،

стр. 1346

يَعْنِي: فِي صُورَةِ مَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ فَرَاغِ عُمْرَتِهِ، وَكَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِمَا فِيمَا إذَا لَمْ يَطَأْ: أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ لِحَلْقِهِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَعِبَارَةُ الْمَتْنِ تَبِعَ فِيهَا " الْفُرُوعِ " وَلَوْ وَجَّهَ الدَّمَ لِلتَّمَتُّعِ، لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ لَهُمَا. انْتَهَى. وَغَيْرُ خَافٍ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ هَذَا التَّنْظِيرَ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، بَلْ الصَّحِيحُ مَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى "، لِوُقُوعِ الْحَلْقِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بَعْدَ فَرَاغِ الْعُمْرَةِ، وَمَرَّةً بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ، فَحَلْقُ الْعُمْرَةِ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ، وَحَلْقُ الْحَجِّ وَقَعَ قَبْلَ تَمَامِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَهَذَا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، فَالِاعْتِرَاضُ سَاقِطٌ بِالْمَرَّةِ. [فَصْلٌ فِي الْخُرُوجِ لِلسَّعْيِ] (فَصْلٌ) (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، (يَخْرُجُ لِلسَّعْيِ بَعْدَ عَوْدِهِ لِلْحَجَرِ، وَاسْتِلَامِهِ مِنْ بَابِ) الْمَسْجِدِ الْمَعْرُوفِ بِبَابِ (الصَّفَا، وَهُوَ) ، أَيْ: الصَّفَا: (طَرَفُ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، عَلَيْهِ دَرَجٌ وَفَوْقَهُ أَزَجٌ كَالْإِيوَانِ فَيَرْقَى ذَكَرَ الصَّفَا نَدْبًا، لِيَرَى الْبَيْتَ) إنْ أَمْكَنَهُ، (فَيَسْتَقْبِلَهُ) ، لِحَدِيثِ

стр. 1347

أَبِي هُرَيْرَةَ: «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ يَدَهُ، وَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيَدْعُو مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: «فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» الْحَدِيثَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. «وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ ثَلَاثًا: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» أَيْ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ: قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَالْيَهُودُ، (وَيَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ، وَطَوَاعِيَتِكَ وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ) ، أَيْ: مَحَارِمَكَ (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ، وَيُحِبُّ مَلَائِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ وَرُسُلَكَ وَعِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنِي لِلْيُسْرَى، وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ: اُدْعُونِي اسْتَجِبْ لَكُمْ، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، اللَّهُمَّ إذْ هَدَيْتَنِي لِلْإِسْلَامِ، فَلَا تَنْزِعْنِي مِنْهُ، وَلَا تَنْزِعْهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي عَلَى الْإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تُقَدِّمْنِي إلَى الْعَذَابِ، وَلَا تُؤَخِّرْنِي إلَى سُوءِ الْفِتَنِ) ، هَذَا دُعَاءُ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ أَحْمَدُ: يَدْعُو بِهِ، قَالَ نَافِعٌ بَعْدَهُ: وَيَدْعُو دُعَاءً كَثِيرًا حَتَّى إنَّهُ لَيُمِلَّنَا وَنَحْنُ شَبَابٌ. (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا يُلَبِّي) عَلَى الصَّفَا، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (ثُمَّ يَنْزِلُ مِنْ الصَّفَا، وَيَمْشِي حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَلَمِ - وَهُوَ: الْمِيلُ الْأَخْضَرُ، الْمُعَلَّقُ بِرُكْنِ الْمَسْجِدِ) عَلَى

стр. 1348

يَسَارِهِ - (نَحْوَ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، فَيَسْعَى ذَكَرٌ مَاشٍ سَعْيًا شَدِيدًا نَدْبًا، بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ، وَلَا يُؤْذَى إلَى الْعَلَمِ الْآخَرِ، وَهُوَ: الْمِيلُ الْأَخْضَرُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ حِذَاءَ دَارِ الْعَبَّاسِ، فَيَتْرُكُ شِدَّةَ السَّعْيِ، ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَرْقَى الْمَرْوَةَ نَدْبًا، وَيَسْتَقْبِلَ) الْقِبْلَةَ، (وَيَقُولَ عَلَيْهَا مَا قَالَ عَلَى الصَّفَا) ، لِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا، قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَبَدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إذَا صَعِدْنَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ مَا بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (فَيُلْصِقُ عَقِبَهُ بِأَصْلِهِمَا ابْتِدَاءً) أَيْ: فِي ابْتِدَائِهِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، (وَ) يُلْصِقُ (أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ) بِأَصْلِهِمَا (انْتِهَاءً) ، لِيَسْتَوْعِبَ مَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا لِعُذْرٍ، فَعَلَ ذَلِكَ بِدَابَّتِهِ، لَكِنْ قَدْ حَصَلَ عُلُوٌّ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْأَتْرِبَةِ وَالْأَمْطَارِ بِحَيْثُ تَغَطَّى عِدَّةٌ مِنْ دَرَجِهِمَا، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ قَدْرُ الْمُغَطَّى، فَيَحْتَاطُ لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِيَقِينٍ، (ثُمَّ يَنْقَلِبُ) ، فَيَنْزِلُ عَنْ الْمَرْوَةِ (إلَى الصَّفَا، فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ، يَفْعَلُ) السَّاعِي (ذَلِكَ سَبْعًا، ذَهَابُهُ سَعْيَةٌ، وَرُجُوعُهُ سَعْيَةٌ) ، يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ، (فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ) ، لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ، ﵊: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . (وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ) ، أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (وَمِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الدُّعَاءِ: مَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ

стр. 1349

أَنَّهُ كَانَ إذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ (رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ) ، وَقَالَ ﷺ : «إنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَلَا يُسَنُّ سَعْيٌ مَا بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) فَهُوَ رُكْنٌ فِيهِمَا كَمَا يَأْتِي، بِخِلَافِ الطَّوَافِ، فَإِنَّهُ مَسْنُونٌ كُلَّ وَقْتٍ، (وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَى) الصَّفَا، وَلَا الْمَرْوَةَ، لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، (وَلَا تَسْعَى) سَعْيًا (شَدِيدًا) ، لِأَنَّهُ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ، وَلَا يُقْصَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّهَا، بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا السِّتْرُ، وَذَلِكَ تَعْرِيضٌ لِلِانْكِشَافِ. (وَتُسَنُّ مُبَادَرَةُ مُعْتَمِرٍ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ) لِفِعْلِهِ ﷺ ، (وَ) يُسَنُّ (تَقْصِيرُ مُتَمَتِّعٍ لَا هَدْيَ مَعَهُ، لِيَحْلِقَ) شَعْرَهُ (لِلْحَجِّ، وَيَتَحَلَّلُ مُتَمَتِّعٌ) - لِأَنَّ عُمْرَتَهُ تَمَّتْ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالتَّقْصِيرِ - (لَمْ يَسْقِ هَدْيًا، وَلَوْ لَبَّدَ رَأْسَهُ) ، لِحَدِيثِ ابْن عُمَرَ: «تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ أَحْرَمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحِلَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ مِنْهُمَا جَمِيعًا نَصًّا. (وَمُعْتَمِرٌ) غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ، يَحِلُّ (مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَوْ لَا، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنْ تَرَكَ الْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ فِي عُمْرَتِهِ، وَوَطِئَ قَبْلَهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ، رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ مُعْتَمِرَةٍ وَقَعَ بِهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تُقَصِّرَ، قَالَ: " مَنْ تَرَكَ مِنْ مَنَاسِكِهِ شَيْئًا، أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا، قِيلَ: فَإِنَّهَا مُوسِرَةٌ، قَالَ: فَلْتَنْحَرْ نَاقَةً " (وَلَا يُسَنُّ تَأْخِيرُ تَحَلُّلٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَقَدَّمَ.

стр. 1350

(وَيَسْتَبِيحَانِ) ، أَيْ: الْمُعْتَمِرُ وَالْمُتَمَتِّعُ (بِهِ) ، أَيْ: بِالتَّحَلُّلِ، (جَمِيعَ الْمَحْظُورَاتِ) فِي الْإِحْرَامِ، (وَيَقْطَعَانِ التَّلْبِيَةَ فِي شُرُوعِهِمَا فِي طَوَافٍ) نَصًّا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «كَانَ يُمْسِكُ عَنْ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. كَقَطْعِ (حَاجٍّ) لَهَا (بِأَوَّلِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) ، لِاشْتِغَالِهِ حِينَئِذٍ بِالدُّعَاءِ. (وَلَا بَأْسَ بِهَا) ، أَيْ: التَّلْبِيَةِ (فِي طَوَافِ الْقُدُومِ) نَصًّا (سِرًّا) ، قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ بِهَا، لِئَلَّا يَخْلِطَ عَلَى الطَّائِفِينَ، وَكَذَا السَّعْيُ بَعْدَهُ، (وَإِنْ سَاقَهُ) ، أَيْ: الْهَدْيَ، (مُتَمَتِّعٌ، لَمْ يَحِلَّ) مِنْ إحْرَامِهِ، (بَلْ يُحْرِمُ بِحَجٍّ بَعْدَ سَعْيِهِ) وُجُوبًا، (وَتَقَدَّمَ) أَنَّهُ يَصِيرُ قَارِنًا، ثُمَّ يَحِلُّ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا يَوْمَ النَّحْرِ نَصًّا، لِحَدِيثِ حَفْصَةَ، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ، وَلَمْ تُحِلَّ أَنْتَ؟ ، قَالَ: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [تَنْبِيهٌ شُرُوطُ السَّعْيِ فِي الْحَجِّ] (تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ سَعْيٍ تِسْعٌ) : (إسْلَامٌ، وَعَقْلٌ، وَنِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ) كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، (وَمُوَالَاةٌ) بَيْنَ الْأَشْوَاطِ. (وَيَتَّجِهُ) : كَمُوَالَاةِ (طَوَافٍ) ، فَلَيْسَ لَهُ الْفَصْلُ بَيْنَ أَشْوَاطِ السَّعْيِ، إلَّا لِمَكْتُوبَةٍ أُقِيمَتْ أَوْ جِنَازَةٍ حَضَرَتْ، فَلَهُ فِعْلُهَا وَالْبِنَاءُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَشْيٌ لِقَادِرٍ، وَتَكْمِيلُ السَّبْعِ، وَاسْتِيعَابُ مَا بَيْنَ الصَّفَوَيْنِ) ، أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (وَكَوْنُهُ) ، أَيْ:

стр. 1351

السَّعْيِ، (بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ) مُسْتَكْمِلٍ لِشُرُوطِ الصِّحَّةِ، (وَلَوْ) كَانَ الطَّوَافُ (مَسْنُونًا) ، كَطَوَافِ الْقُدُومِ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ، سِوَى عُمْرَتِهِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ، فَكَانَ يَسْعَى بَعْدَ الطَّوَافِ ". (وَيَتَّجِهُ: وَ) عَلَى السَّاعِي (بَدْءُ أَوْتَارِ) سَعْيِهِ (مِنْ الصَّفَا) كَمَا بَدَأَ النَّبِيُّ ﷺ (وَ) بَدْءُ (إشْفَاعِهِ مِنْ الْمَرْوَةِ) كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ الْمَشْرُوعُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسُنَنُهُ) ، أَيْ السَّعْيِ: (طَهَارَةُ) سَاعٍ مِنْ (حَدَثٍ، وَ) طَهَارَتُهُ أَيْضًا مِنْ (خَبَثٍ) فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ، (وَسَتْرِ عَوْرَةٍ) ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَوْ سَعَى عُرْيَانًا أَجْزَأَهُ، وَأَمَّا كَشْفُ الْعَوْرَةِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ، (وَذِكْرٌ وَدُعَاءٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (وَإِسْرَاعٌ وَمَشْيٌ بِمَوَاضِعِهِ، وَرُقِيٌّ، وَمُوَالَاةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَوَافٍ فَإِنْ طَافَ بِيَوْمٍ، وَسَعَى فِي) يَوْمٍ (آخَرَ، فَلَا بَأْسَ، وَلَا يُسَنُّ عَقِبَهُ) ، أَيْ: السَّعْيِ، (صَلَاةٌ) ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ. [بَابٌ صِفَةُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] (صِفَةُ الْحَجِّ) وَالْعُمْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. (بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ) (يُسَنُّ لِمُحَلٍّ بِمَكَّةَ وَقُرْبَهَا وَلِمُتَمَتِّعٍ حَلَّ) مِنْ عُمْرَتِهِ (إحْرَامٌ بِحَجٍّ فِي ثَامِنِ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ

стр. 1352

التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ» سُمِّيَ الثَّامِنُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَرَوَّوْنَ فِيهِ الْمَاءَ لِمَا بَعْدَهُ، أَوْ: لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ أَصْبَحَ يَتَرَوَّى فِيهِ فِي أَمْرِ الرُّؤْيَا (إلَّا مَنْ) ، أَيْ: مُتَمَتِّعًا، (لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَصَامَ) ، أَيْ: أَرَادَهُ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ (فِي سَابِعِهِ) ، أَيْ: ذِي الْحِجَّةِ، (لِيُتِمَّ صَوْمَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ) ، فَيَصُومَ السَّابِعَ وَالثَّامِنَ وَالتَّاسِعَ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَفْعَلَ عِنْدَ إحْرَامِهِ) مِنْ مَكَّةَ أَوْ قُرْبَهَا (مَا يَفْعَلُهُ مُحْرِمٌ مِنْ مِيقَاتٍ مِنْ غُسْلٍ وَغَيْرِهِ) ، أَيْ: تَنَظُّفٍ وَتَطَيُّبٍ فِي بَدَنِهِ، وَتَجَرُّدِ ذِكْرٍ مِنْ مَخِيطٍ، وَلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ، وَنَعْلَيْنِ، (وَ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَطُوفُ) أُسْبُوعًا (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَلَا يَطُوفُ بَعْدَهُ) أَيْ: إحْرَامِهِ (لِوَدَاعِهِ) نَصًّا، لِعَدَمِ دُخُولِ وَقْتِهِ، (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ طَافَ (وَسَعَى بَعْدَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ) سَعْيُهُ (عَنْ وَاجِبِ سَعْيٍ) لِحَجِّهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ طَوَافٌ وَاجِبٌ وَلَا مَسْنُونٌ، (وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَكُونَ (إحْرَامُهُ) مِنْ الْمَسْجِدِ (مِنْ تَحْتَ الْمِيزَابِ) وَكَانَ عَطَاءٌ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ مُهِلًّا بِالْحَجِّ، (وَجَازَ وَصَحَّ) إحْرَامُهُ (مِنْ خَارِجِهِ) أَيْ: الْحَرَمِ، (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ نَصًّا، (ثُمَّ يَخْرُجُ لِمِنًى) وَهِيَ: (فَرْسَخٌ عَنْ مَكَّةَ) وَيَكُونُ خُرُوجُهُ (قَبْلَ الزَّوَالِ) نَدْبًا، (فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ مَعَ الْإِمَامِ، وَيُقِيمُ بِهَا لِلْفَجْرِ) وَيُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مِنًى، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، سَارَ مِنْ مِنًى، فَأَقَامَ بِنَمِرَةَ: مَوْضِعٌ بِعَرَفَةَ وَهُوَ: جَبَلٌ عَلَيْهِ أَنْصَابُ الْحَرَمِ عَلَى يَمِينِكَ إذَا خَرَجْتَ مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ تُرِيدُ الْمَوْقِفَ إلَى الزَّوَالِ، فَيَخْطُبُ بِهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ خُطْبَةً قَصِيرَةً مُفْتَتَحَةً بِالتَّكْبِيرِ، يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا الْوُقُوفَ وَوَقْتَهُ، وَالدَّفْعَ مِنْهُ، وَالْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَنَحْوَهُ مِنْ الْحَلْقِ

стр. 1353

وَالنَّحْرِ» لِحَدِيثِ جَابِرٍ " حَتَّى إذَا جَاءَ عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ " قَالَ الْخَطَّابِيِّ: الْقَصْوَاءُ: مَفْتُوحَةُ الْقَافِ، مَمْدُودَةُ الْأَلِفِ، وَهِيَ: الْمَقْطُوعَةُ طَرَفِ الْأُذُنِ، وَفِي " الصِّحَاحِ ": وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةٌ تُسَمَّى قَصْوَاءَ، وَلَمْ تَكُنْ مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ. (ثُمَّ يَجْمَعُ تَقْدِيمًا مَنْ يَجُوزُ لَهُ) الْجَمْعُ، وَهُوَ الْمُسَافِرُ، (وَلَوْ) صَلَّى (مُنْفَرِدًا) نَصًّا (بَيْنَ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ) بِأَذَانِ الْأُولَى وَإِقَامَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» «وَقَالَ سَالِمٌ لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ يَوْمَ عَرَفَةَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ، فَقَصِّرْ الْخُطْبَةَ، وَعَجِّلْ الصَّلَاةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَدَقَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (ثُمَّ يَأْتِي عَرَفَةَ، وَكُلُّهَا مَوْقِفٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «فَقَدْ وَقَفْت هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) لِحَدِيثِ: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. فَلَا يُجْزِئُ وُقُوفُهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَرَفَةَ كَمُزْدَلِفَةَ. (وَحَدُّ عَرَفَاتٍ: مِنْ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عُرَنَةَ، إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ، إلَى مَا يَلِي بَسَاتِينَ بَنِي عَامِرٍ. وَسُنَّ وُقُوفُهُ) أَيْ: الْحَاجِّ، بِعَرَفَةَ (رَاكِبًا) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءَ إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ جَبَلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ» (بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَنَاسِكِ) فَيَفْعَلُهَا غَيْرَ رَاكِبٍ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ طَوَافٍ وَسَعْيٍ رَاكِبًا، (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمُفْتَرَشَةِ أَسْفَلَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ) ، وَاسْمُهُ: إلَالٌ عَلَى وَزْنِ هِلَالٍ وَيُقَالُ لَهُ: جَبَلُ الدُّعَاءِ، لِقَوْلِ جَابِرٍ

стр. 1354

وَتَقَدَّمَ. (وَلَا يُشْرَعُ صُعُودُهُ) أَيْ: جَبَلِ الرَّحْمَةِ إجْمَاعًا، (فَرَاكِبٌ يَجْعَلُ بَطْنَ رَاحِلَتِهِ لِلصَّخَرَاتِ) لِلْخَبَرِ (وَرَاجِلٌ يَقِفُ عَلَيْهَا) أَيْ: الصَّخَرَاتِ. [فَائِدَةٌ أَفْضَلِيَّةُ الْمَشْيِ فِي الْحَجِّ عَلَى الرُّكُوبِ] فَائِدَةٌ: قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ " أَفْضَلِيَّةُ الْمَشْيِ فِي الْحَجِّ عَلَى الرُّكُوبِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي مُثِيرِ الْعَزْمِ السَّاكِنِ " فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْأَخْبَارَ فِي ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُبَّادِ، وَأَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ حَجَّ خَمْسَ عَشْرَةَ حَجَّةً مَاشِيًا، وَذَكَرَ غَيْرُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَالْجَنَائِبُ تُقَادُ مَعَهُ. وَقَالَ فِي " أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ ": فَصْلٌ فِي فَضْلِ الْمَاشِي: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ، وَقِيلَ لَهُ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ: بِكُلِّ حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ» قَالَ: وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتُصَافِحُ رُكْبَانَ الْحَجِّ، وَتَعْتَنِقُ الْمُشَاةَ» . (وَيَرْفَعُ وَاقِفٌ) بِعَرَفَةَ (يَدَيْهِ نَدْبًا) وَلَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ، (وَيُكْثِرُ مِنْ دُعَاءٍ وَاسْتِغْفَارٍ، وَتَضَرُّعٍ وَخُشُوعٍ، وَإِظْهَارِ ضَعْفٍ وَافْتِقَارٍ، وَيُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ، وَيُكَرِّرُ كُلَّ دُعَاءٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا) إلَى آخِرِ (الْآيَةِ، اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً، إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ " عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ - بِفَتْحِ الْكَافِ، وَآخِرُهُ زَايٌ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ

стр. 1355

دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» وَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . (وَيُكْثِرُ الْبُكَاءَ مَعَ ذَلِكَ) الذِّكْرِ، وَيُكْثِرُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَامَةُ الْقَبُولِ، (فَهُنَالِكَ) أَيْ: فِي هَذَا الْمَقَامِ الْعَظِيمِ، (تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ) إذْ ذَاكَ الْيَوْمُ أَعْظَمُ الْأَيَّامِ، وَمَوْقِفُهُ أَشْرَفُ مَوَاقِفِ الْإِسْلَامِ، (وَتُقَالُ الْعَثَرَاتُ) ، وَتُغْفَرُ الزَّلَّاتُ، فَيَا هَنِيئًا لِمَنْ حَصَلَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، مُخْلِصًا لِلَّهِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالٍ حَلَالٍ، وَاتَّقَى الرَّفَثَ وَالْفُسُوقَ وَالْجِدَالَ، وَوَقَفَ مَوْقِفَ الذَّلِيلِ الْحَقِيرِ وَدَعَا بِمَا وَرَدَ عَنْ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، وَهُوَ: اللَّهُمَّ إنَّك تَرَى مَكَانِي، وَتَسْمَعُ كَلَامِي، وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ، الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ، الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ، الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ، أَسْأَلُك مَسْأَلَةَ الْمَسَاكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إلَيْك ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ وَأَدْعُوك دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ، مَنْ خَشَعَتْ لَك رَقَبَتُهُ، وَذَلَّ لَك جَسَدُهُ، وَفَاضَتْ لَك عَيْنَاهُ، وَرَغِمَ لَك أَنْفُهُ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي بِالْهُدَى، وَقِنِي بِالتَّقْوَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى. وَيَرُدُّ يَدَيْهِ، وَيَسْكُتُ قَدْرَ مَا كَانَ إنْسَانٌ قَارِئًا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، ثُمَّ يَعُودُ، فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى أَفَاضَ. (وَوَقْتُ وُقُوفٍ: مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) لِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 1356

بِالْمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي جِئْت مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ، أَكْلَلْت رَاحِلَتِي، وَأَتْعَبْت نَفْسِي، وَاَللَّهِ مَا تَرَكْت مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْت عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ لَهُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ كَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَكَانَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ كَمَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَرْكُهُ ﵊ الْوُقُوفَ فِيهِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كَمَا بَعْدَ الْعِشَاءِ. وَإِنَّمَا وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ وَقْتَ الْفَضِيلَةِ. (فَمَنْ حَصَلَ فِيهِ) أَيْ: فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ، (لَا مَعَ سُكْرٍ أَوْ إغْمَاءٍ) مَا لَمْ يُفِقْ بِهَا. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ جُنُونٍ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ، مُصَرَّحٌ بِهِ فِي مَتْنِ الْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِ (بِعَرَفَةَ) وَلَوْ (لَحْظَةً) مُخْتَارًا، (وَهُوَ) أَيْ: الْحَاصِلُ بِعَرَفَةَ لَحْظَةً (أَهَلَّ) لِلْحَجِّ، بِأَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِهِ مُسْلِمًا عَاقِلًا، (وَلَوْ مَارًّا) بِعَرَفَةَ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا، (أَوْ) مَرَّ بِهَا (نَائِمًا أَوْ جَاهِلًا أَنَّهَا عَرَفَةُ، صَحَّ حَجُّهُ) لِلْخَبَرِ، وَأَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَ حُرًّا بَالِغًا، وَإِلَّا، فَنَفْلٌ (وَيَأْتِي) قُبَيْلَ بَابِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيّ، (وَلَوْ أَخْطَئُوا الْوُقُوفَ) مُفَصَّلًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ طَاهِرًا مِنْ الْحَدَثَيْنِ، وَمِنْ نَجَاسَةٍ بِبَدَنِهِ وَثَوْبِهِ، كَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ. (وَيَصِحُّ وُقُوفُ حَائِضٍ إجْمَاعًا كَعَائِشَةَ) الصِّدِّيقَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ (﵂) وَعَنْ أَبِيهَا، وَعَنْ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَإِنَّهَا وَقَفَتْ حَائِضًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . (وَمَنْ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ (نَهَارًا، وَدَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَلَمْ يَعُدْ) بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ إلَى عَرَفَةَ (أَوْ عَادَ) إلَيْهَا (قَبْلَهُ) أَيْ: الْغُرُوبِ (وَلَمْ يَقَعْ)

стр. 1357

أَيْ: الْغُرُوبُ (وَهُوَ بِهَا) أَيْ: عَرَفَةَ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ وَاجِبًا، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ، وَهُوَ: الْوُقُوفُ فِي النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، كَمَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ (بِخِلَافِ وَاقِفٍ لَيْلًا فَقَطْ) فَلَا دَمَ عَلَيْهِ. لِحَدِيثِ: «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ، فَأَشْبَهَ مِنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ إذَا أَحْرَمَ مِنْهُ (فَرْعٌ) : وَقْفَةُ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ يَوْمِهَا سَاعَةَ الْإِجَابَةِ (إنْ وَافَقَ) يَوْمُ (عَرَفَةَ) يَوْمَ (الْجُمُعَةِ كَانَ لَهَا مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ) قِيلَ وَلِهَذَا اُشْتُهِرَ الْحَجُّ بِالْأَكْبَرِ إذَا كَانَتْ الْوَقْفَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ فِيهَا مُوَافَقَةَ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ وَقْفَةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْحَدِيثَيْنِ الْآتِيَيْنِ. (قَالَ) ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي " الْهَدْيِ) النَّبَوِيِّ ": (مَا اسْتَفَاضَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامّ مِنْ أَنَّهَا) أَيْ: وَقْفَةَ الْجُمُعَةِ (تَعْدِلُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ حَجَّةً، فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ. انْتَهَى. وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِي التَّضْعِيفَ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْحَسَنَةَ تَتَضَاعَفُ بِزَمَنٍ فَاضِلٍ، وَلِحَدِيثِ رَزِينٍ مَرْفُوعًا: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ، إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةً فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» ذَكَرَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكِهِ، وَالْكَازَرُونِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْأَخَوَيْنِ " وَالشَّيْخُ نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ الزِّيَادِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ، وَحَدِيثُ - «إذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، غَفَرَ اللَّهُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ» - قَدْ يَسْتَشْكِلُ أَنَّهُ وَرَدَ مِثْلُهُ فِي مُطْلَقِ الْحَجِّ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى مَغْفِرَتِهِ لَهُمْ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَحُمِلَ غَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ يَهَبُ قَوْمًا لِقَوْمٍ، ذَكَرَهُ الْكَازَرُونِيُّ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْ أَبِيهِ.

стр. 1358

[فَصْلٌ الدَّفْعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ عَرَفَةَ لِمُزْدَلِفَةَ] (فَصْلٌ) (ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ) مِنْ عَرَفَةَ (لِمُزْدَلِفَةَ) مِنْ الزُّلَفِ، وَهُوَ: التَّقْرِيبُ، لِأَنَّ الْحَاجَّ إذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ ازْدَلَفُوا إلَيْهَا أَيْ: تَقَرَّبُوا وَمَضَوْا إلَيْهَا، وَتُسَمَّى جَمْعًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا (مَعَ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ، كَأَمِيرٍ حَاجٍّ، فَيُكْرَهُ) الدَّفْعُ (قَبْلَهُ) لِقَوْلِ أَحْمَدَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ لَكِنْ لَوْ دَفَعَ قَبْلَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (وَهِيَ) أَيْ: مُزْدَلِفَةُ: (مَا بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ) بِالْهَمْزِ وَكَسْرِ الزَّايِ، وَهُمَا: جَبَلَانِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ (وَوَادِي مُحَسِّرٍ) بِالْحَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ: وَادٍ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَحْسَرُ سَالِكَهُ (بِسَكِينَةٍ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ الْقَصْوَاءَ بِالزِّمَامِ حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» وَقَوْلُهُ: شَنَقَ، أَيْ: كَفَّ رَأْسَهَا إلَى مُقَدَّمَةِ الرَّحْلِ، وَقَوْلُهُ: مَوْرِكَ رَحْلِهِ، الْوَرِكُ: مَا فَوْقَ الْفَخِذِ (يُسْرِعُ فِي الْفُرْجَةِ) لِحَدِيثِ أُسَامَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» ، أَيْ: أَسْرَعَ لِأَنَّ الْعَنَقَ انْبِسَاطُ السَّيْرِ، وَالنَّصُّ: فَوْقَ الْعَنَقِ (فَإِذَا بَلَغَهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (جَمَعَ الْعِشَاءَيْنِ بِهَا) أَيْ: مَنْ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ (نَدْبًا، وَلَوْ مُنْفَرِدًا قَبْلَ حَطِّ رَحْلِهِ) لِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إذَا كَانَ بِالشِّعْبِ، نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَقُلْت لَهُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَك، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ مُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 1359

[تَنْبِيهٌ صَلَّى الذَّاهِب إلَى مُزْدَلِفَة الْمَغْرِبَ بِالطَّرِيقِ] تَنْبِيهٌ: لَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِالطَّرِيقِ، تَرَكَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَهُ، لِأَنَّ كُلَّ صَلَاتَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَفِعْلُهُ، ﵇، مَحْمُولٌ عَلَى الْأَفْضَلِ. (ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا) أَيْ: بِمُزْدَلِفَةَ (وُجُوبًا لِنِصْفِ لَيْلٍ) وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبْقَى بِهَا إلَى الصَّبَاحِ، لِأَنَّهُ ﵊، بَاتَ بِهَا وَقَالَ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَلَيْسَ بِرُكْنٍ لِحَدِيثِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» ، أَيْ جَاءَ عَرَفَةَ (وَلَهُ) أَيْ: الْحَاجِّ (الدَّفْعُ مِنْهَا) ، أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «كُنْت فِيمَنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنًى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَفِيهِ) أَيْ: الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ (قَبْلَهُ) أَيْ: نِصْفِ اللَّيْلِ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِالْحُكْمِ أَوْ جَاهِلًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا (عَلَى غَيْرِ رُعَاةٍ، وَ) غَيْرِ (سُقَاةِ) زَمْزَمَ (دَمٌ) لِتَرْكِهِ نُسُكًا وَاجِبًا، وَالنِّسْيَانُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي جَعْلِ الْمَوْجُودِ كَالْمَعْدُومِ، لَا فِي جَعْلِ الْمَعْدُومِ كَالْمَوْجُودِ، وَأَمَّا السُّقَاةُ وَالرُّعَاةُ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ ﵊، رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ، وَرَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ، لِأَجْلِ سِقَايَتِهِ وَلِلْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْمَبِيتِ (مَا لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (قَبْلَ الْفَجْرِ) نَصًّا، فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا قَبْلَهُ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ (كَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (إلَّا فِي النِّصْفِ الثَّانِي) مِنْ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ فِيهَا جُزْءًا مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُهُ، كَمَنْ لَمْ يَأْتِ عَرَفَةَ إلَّا لَيْلًا. (وَمَنْ أَصْبَحَ بِهَا)

стр. 1360

أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ «صَلَّى الصُّبْحَ بِهَا حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ» وَلِيَتَّسِعَ وَقْتُ وُقُوفِهِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (ثُمَّ أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَجِّ، وَهُوَ: (جَبَلٌ صَغِيرٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ) اسْمُهُ فِي الْأَصْلِ: قُزَحٌ (فَرَقَى عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَهُ، أَوْ وَقَفَ عِنْدَهُ وَحَمِدَ اللَّهَ، وَهَلَّلَ وَكَبَّرَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، وَرَقِيَ عَلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَهَلَّلَهُ وَكَبَّرَهُ» (وَدَعَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ كَمَا أَوْقَفْتَنَا فِيهِ، وَأَرَيْتَنَا إيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدَتْنَا بِقَوْلِك، وَقَوْلُك الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] الْآيَتَيْنِ (إلَى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] . ثُمَّ لَا يَزَالُ يَدْعُو إلَى أَنْ يُسْفِرَ جِدًّا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَمْ يَزَلْ وَاقِفًا عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا» (فَيَسِيرُ) قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لِقَوْلِ عُمَرَ: «كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَالَفَهُمْ، فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» وَثَبِيرُ: جَبَلٌ مَعْرُوفٌ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَاتٍ. (بِسَكِينَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» . (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا، أَسْرَعَ) قَدْرَ (رَمْيَةِ حَجَرٍ) إنْ كَانَ (مَاشِيًا، أَوْ) حَرَّكَ دَابَّتَهُ إنْ كَانَ (رَاكِبًا) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا» وَعَنْ عُمَرَ: «أَنَّهُ لَمَّا أَتَى مُحَسِّرًا، أَسْرَعَ، وَقَالَ: إلَيْكَ يَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا ... مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا »

стр. 1361

الْقَلَقُ: الِانْزِعَاجُ. وَالْوَضِينُ، بِمُعْجَمَةٍ: حِزَامُ الرَّحْلِ. (وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ سَبْعِينَ حَصَاةً) كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُهُ مِنْ جَمْعٍ، وَفَعَلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَ: كَانُوا يَتَزَوَّدُونَ الْحَصَى مِنْ جَمْعٍ، وَذَلِكَ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنًى بِشَيْءٍ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَهُوَ تَحِيَّتُهَا، فَلَا يَشْتَغِلُ قَبْلَهُ بِشَيْءٍ، وَتَكُونُ الْحَصَاةُ (أَكْبَرَ مِنْ الْحِمَّصِ، وَدُونَ الْبُنْدُقِ) ، كَحَصَى الْخَذْفِ، بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، أَيْ الرَّمْيِ بِنَحْوِ حَصَاةٍ، أَوْ نَوَاةٍ بَيْنَ السَّبَّابَتَيْنِ تُحْذَفُ بِهَا (مِنْ حَيْثُ شَاءَ) أَخَذَ حَصَى الْجِمَارِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مِنًى، وَلَهُ أَخْذُهُ (مِنْ مُزْدَلِفَةَ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ: اُلْقُطْ لِي حَصًى، فَلَقَطْت لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ، فَجَعَلَ يَقْبِضُهُنَّ فِي كَفِّهِ، وَيَقُولُ: أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى ". (وَكَرِهَ) أَخْذُ الْحَصَى (مِنْ مِنًى وَسَائِرِ الْحَرَمِ) وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ " وَ " الْإِنْصَافِ " وَ " التَّنْقِيحِ " " وَالْمُنْتَهَى " بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ فِي " الْإِنْصَافِ ": أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَمِنْ مُزْدَلِفَةُ، وَمِنْ حَيْثُ شَاءَ، وَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: مِنْ حَيْثُ شَاءَ، وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ. قَالَ أَحْمَدُ: خُذْ الْحَصَى مِنْ حَيْثُ شِئْت، وَفِي حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ «حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا قَالَ: عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي تُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِذَلِكَ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ "، عَمَّا فِي " الْفُرُوعِ ": إنَّهُ سَهْوٌ، وَقَالَ: لَعَلَّهُ أَرَادَ حَرَمَ الْكَعْبَةِ، وَفِي مَعْنَاهُ قُوَّةٌ. انْتَهَى. أَيْ: أَرَادَ بِالْحَرَمِ: الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهَا، جَازَ، إلَّا مِنْ الْمَسْجِدِ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ حَصْبَاءِ الْحَرَمِ وَتُرَابِهِ.

стр. 1362

انْتَهَى. وَقَوْلُ ابْنِ جَمَاعَةَ فِي " الْمَنَاسِكِ الْكُبْرَى ": وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إنَّهُ يُكْرَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَمِنْ الْحِلِّ. انْتَهَى. وَمَا أُجِيبَ بِهِ عَنْ " الْفُرُوعِ " لَا يَتَأَتَّى الْجَوَابُ بِهِ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. (وَ) كُرِهَ أَخْذٌ (مِنْ الْحَشِّ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ نَجَاسَتِهِ (وَ) كُرِهَ (تَكْسِيرُهُ) أَيْ: الْحَصَى، لِئَلَّا يَطِيرَ إلَى وَجْهِهِ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ (وَلَا يُسَنُّ غَسْلُ غَيْرِ نَجَسٍ) مِنْهُ، قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ (وَتُجْزِئُ حَصَاةٌ نَجِسَةٌ بِكَرَاهَةٍ) لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊: «أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا» . (وَ) تُجْزِئُ حَصَاةٌ (فِي خَاتَمٍ إنْ قَصَدَهَا) بِالرَّمْيِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُمَا، لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، لِحَدِيثِ: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (وَ) تُجْزِئُ حَصَاةٌ (غَيْرُ مَعْهُودَةٍ) كَحَصَاةٍ (مِنْ مسن وَبِرَامٍ وَمَرْمَرٍ وكدان) وَسَوَاءٌ السَّوْدَاءُ، وَالْحَمْرَاءُ، وَالْبَيْضَاءُ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ. (لَا) تُجْزِئُ حَصَاةٌ (صَغِيرَةٌ جِدًّا أَوْ كَبِيرَةٌ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا لَا يُسَمَّى حَصًى وَالْكَبِيرَةُ تُسَمَّى حَجَرًا (أَوْ) أَيْ: وَلَا تُجْزِئ (مَا) أَيْ: حَصَاةٌ (رَمَى بِهَا) لِأَخْذِهِ ﵊، ` الْحَصَى مِنْ غَيْرِ الْمَرْمِيِّ، وَلِأَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي عِبَادَةٍ، فَلَا تُسْتَعْمَلُ فِيهَا ثَانِيًا، كَمَاءِ وُضُوءٍ. (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُجْزِئُ الرَّمْيُ (بِغَيْرِ الْحَصَى، كَجَوْهَرٍ وَذَهَبٍ) وَزُمُرُّدٍ (وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ وبلخش وَفَيْرُوزَجَ، وَنَحْوِ نُحَاسٍ) كَحَدِيدٍ وَرَصَاصٍ (فَإِذَا وَصَلَ مِنًى - وَحَدُّهَا: مَا بَيْنَ وَادِي مُحَسِّرٍ وَجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ - بَدَأَ بِهَا) أَيْ: جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (فَرَمَاهَا) رَاكِبًا إنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: مَاشِيًا نَصًّا (بِسَبْعٍ) وَاحِدَةٌ بَعْدَ أُخْرَى، لِحَدِيثِ جَابِرٍ «حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا» (وَهُوَ) أَيْ: الرَّمْيُ: (تَحِيَّةُ مِنًى) كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، فَلَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَهُ.

стр. 1363

(وَشَرْطُ وَقْتٍ) وَهُوَ وَقْتُ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ إنْ كَانَ وَقَفَ، وَإِلَّا، فَبَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. (وَرَمْيٍ، فَلَا يُجْزِئُ وَضْعٌ) فِي الْمَرْمَى (بِدُونِهِ) أَيْ: الرَّمْيِ، وَيُجْزِئُ طَرْحُهَا. (وَ) يُشْتَرَطُ (عَدَدٌ) وَهُوَ سَبْعٌ، لِفِعْلِهِ ﵊ وَقَوْلِهِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَكَوْنُهُ) أَيْ: الرَّامِي يَرْمِي الْحَصَى (بِنَفْسِهِ) إنْ كَانَ قَادِرًا. (وَيَسْتَنِيبُ) بَالِغٌ أَوْ مُمَيِّزٌ (لِعَجْزِهِ) عَنْ الرَّمْيِ لِزَمَانَةٍ وَنَحْوِهَا (وَكَوْنُهُ) أَيْ: الرَّمْيِ (وَاحِدَةٌ) مِنْ الْحَصَى (فَوَاحِدَةٌ) مِنْهُ (فَلَوْ رَمَى) أَكْثَرَ مِنْ حَصَاةٍ (دَفْعَةً) بِفَتْحِ الدَّالِ (فَوَاحِدَةً) يَحْتَسِبُ بِهَا وَيُتِمُّ عَلَيْهَا (وَأَدَبٍ) لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ (وَ) يُشْتَرَطُ (عِلْمُ الْحُصُولِ) لِحَصًى يَرْمِيهِ (بِالْمَرْمَى) فَلَا يَكْفِي ظَنُّهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ بِذِمَّتِهِ، فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ عَلَى الْمَذْهَبِ (فَلَوْ) رَمَى حَصَاةً، فَالْتَقَطَهَا طَائِرٌ، أَوْ ذَهَبَتْ بِهَا الرِّيحُ قَبْلَ وُقُوعِهَا بِالرَّمْيِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَإِنْ (وَقَعَتْ) الْحَصَاةُ (خَارِجَهُ) أَيْ: الْمَرْمَى (ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ فِيهِ) أَيْ: الْمَرْمَى، أَجْزَأَتْهُ (أَوْ) رَمَاهَا فَوَقَعَتْ (عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ، ثُمَّ صَارَتْ فِيهِ) أَيْ: الْمَرْمَى، (وَلَوْ بِنَفْضِ غَيْرِهِ) أَيْ الرَّامِي (أَجْزَأَتْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " الْفَائِقِ " وَالْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّلْخِيصِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى "، لِأَنَّ الرَّامِيَ انْفَرَدَ بِهَا (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَوْلٌ لِصَاحِبِ " الْفُرُوعِ ": صَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". تَنْبِيهٌ: قَدْ عَلِمْت مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْمَرْمَى مُجْتَمَعُ الْحَصَى، لَا نَفْسُ الشَّاخِصِ وَلَا مَسِيلُهُ. (وَيَتَّجِهُ) : مَحَلُّ إجْزَاءِ حَصَاةٍ نُفِضَتْ عَنْ ثَوْبِ غَيْرِ رَامِيهَا: (إنْ

стр. 1364

نَفَضَهَا) عَنْ ثَوْبِهِ (فَوْرًا) وَحَصَلَتْ فِي الْمَرْمَى، وَهَذَا مُتَّجِهٌ (وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا: (أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَمْيٍ) مِنْ نَافِضٍ (بِيَدٍ) فَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ لَوْ نَفَضَهَا عَنْ ثَوْبِهِ بِغَيْرِ يَدِهِ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ وَاَلَّذِي يَتَبَادَرُ خِلَافُهُ، إذْ النَّفْضُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا. (وَوَقْتُ رَمْيٍ مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ) لِمَنْ وَقَفَ قَبْلَهُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «أَمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ «أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تُعَجِّلَ الْإِفَاضَةَ وَتُوَافِيَ مَكَّةَ مَعَ صَلَاةِ الْفَجْرِ» ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، أَشْبَهَ مَا بَعْدَ الشَّمْسِ (كَ) مَا أَنَّ وَقْتَ (طَوَافِ) الزِّيَارَةِ: مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ لِمَنْ وَقَفَ قَبْلَهُ. (وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا) وَقْتُ (حَلْقٍ) مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَنُدِبَ رَمْيٌ بَعْدَ الشُّرُوقِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -

стр. 1365

يَرْمِي الْجَمْرَةَ ضُحَى النَّحْرِ وَحْدَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَوْلُهُ: وَحْدَهُ، رَاجِعٌ لِيَوْمِ الْعِيدِ لَا لِلرَّامِي، وَأَمَّا بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ، فَشُرِعَ الرَّمْيُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَحَدِيثُ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» ، مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ الْفَضِيلَةِ (فَإِنْ غَرَبَتْ) شَمْسُ يَوْمِ النَّحْرِ، (وَلَمْ يَرْمِ فَ) يَرْمِي تِلْكَ الْجَمْرَةَ (مِنْ غَدِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: " مَنْ فَاتَهُ الرَّمْيُ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَلَا يَرْمِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ الْغَدِ " (فَلَا يُجْزِئُ) الرَّمْيُ (قَبْلَهُ) أَيْ: الزَّوَالِ، لِلْخَبَرِ. (وَ) نُدِبَ (أَنْ يُكَبِّرَ رَامٍ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ (وَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا) لِمَا رَوَى حَنْبَلٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: «رَأَيْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، وَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَذَكَرَهُ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّا صَنَعَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، وَيَقُولُ كُلَّمَا رَمَى مِثْلَ ذَلِكَ» . (وَ) نُدِبَ (أَنْ يَسْتَبْطِنَ الْوَادِيَ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَأَنْ يَرْمِيَ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ: «لَمَّا أَتَى عَبْدُ اللَّهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَجَعَلَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ، مِنْ هَا هُنَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (وَيَرْفَعُ يُمْنَاهُ عِنْدَ رَمْيٍ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطِهِ) لِأَنَّهُ مَعُونَةٌ عَلَى الرَّمْيِ. (وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) أَيْ: جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 1366

مَرْفُوعًا: «كَانَ إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، انْصَرَفَ وَلَا يَقِفُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِلْبُخَارِيِّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِضِيقِ الْمَكَانِ (بَلْ يَرْمِيهَا مَاشِيًا) نَدْبًا، وَأَمَّا كَوْنُهُ ﷺ رَمَاهَا رَاكِبًا، فَلِأَجْلِ أَنْ يَرَاهُ عَامَّةُ النَّاسِ (وَلَهُ رَمْيُهَا) أَيْ: جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (مِنْ فَوْقِهَا) لِفِعْلِ عُمَرَ لَمَّا رَأَى مِنْ الزِّحَامِ عِنْدَهَا. (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِ الرَّمْيِ) لِحَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: «حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَطَعَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ» رَوَاهُ حَنْبَلٌ فِي الْمَنَاسِكِ. (ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا مَعَهُ) وَاجِبًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا، لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ» فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَعَلَيْهِ وَاجِبٌ، اشْتَرَاهُ، وَإِذَا نَحَرَهَا فَرَّقَهَا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، أَوْ أَطْلَقَهَا لَهُمْ (وَيَأْتِي) فِي بَابِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ (وَقْتُ ذَبْحِهِ) وَحُكْمُ جِلَالٍ وَجُلُودٍ وَإِعْطَاءِ جَازِرٍ مِنْهَا (ثُمَّ يَحْلِقُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] (وَهُوَ) أَيْ: الْحَلْقُ (أَفْضَلُ) مِنْ التَّقْصِيرِ، (وَلَوْ لَبَّدَ رَأْسَهُ) أَيْ: الْمُلَبِّدُ لَا يُمْكِنُ التَّقْصِيرُ مِنْهُ كُلِّهِ، قَالَ فِي " الْفَائِقِ ": وَلَوْ كَانَ مُلَبَّدًا تَعَيَّنَ الْحَلْقُ فِي الْمَنْصُوصِ، وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحِ، وَيَكُونُ حَلْقُهُ (بِنِيَّةِ النُّسُكِ) وُجُوبًا، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ. (وَسُنَّ اسْتِقْبَالُهُ) أَيْ: الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ الْقِبْلَةَ، كَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ (وَ) سُنَّ (تَكْبِيرٌ وَدُعَاءٌ) وَقْتَ الْحَلْقِ كَالرَّمْيِ (وَ) سُنَّ (بَدَاءَةً بِشِقٍّ أَيْمَنَ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ:

стр. 1367

خُذْ، وَأَشَارَ إلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) سُنَّ (بُلُوغٌ بِحَلْقِ الْعَظْمَيْنِ عِنْدَ مُنْتَهَى الصُّدْغَيْنِ) مِنْ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لِلْحَالِقِ: " أَبْلِغْ الْعَظْمَيْنِ، افْصِلْ الرَّأْسَ مِنْ اللِّحْيَةِ "، وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: مِنْ السُّنَّةِ إذَا حَلَقَ أَنْ يَبْلُغَ الْعَظْمَيْنِ (أَوْ يُقَصِّرَ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ (لَا مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ بِعَيْنِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِحَلْقِهِ، وَلَا يُجْزِئُ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ أَوْ تَقْصِيرُهُ، لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ» فَكَانَ تَفْسِيرًا لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ بِالْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ. (وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ) مِنْ شَعْرِهَا (كَذَلِكَ أُنْمُلَةٌ فَأَقَلُّ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ الْحَلْقَ مُثْلَةٌ فِي حَقِّهِنَّ، فَتُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ (كَعَبْدٍ، وَلَا يَحْلِقُ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ) لِأَنَّ بَقَاءَ شَعْرِهِ يَزِيدُ فِي قِيمَتِهِ. (وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَبْدِ التَّقْصِيرُ (إنْ نَقَصَتْ بِهِ) أَيْ: الْحَلْقِ (قِيمَتُهُ) وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مُوَافِقٌ لِتَعْلِيلِهِمْ، بَلْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " فَقَالَ: لِأَنَّ الْحَلْقَ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسَنُّ) لِمَنْ حَلَقَ (أَخْذُ ظُفُرٍ وَشَارِبٍ، وَشَعْرِ إبْطٍ وَنَتْفِ عَانَةٍ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ،

стр. 1368

قَلَّمَ أَظْفَارَهُ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ وَأَظْفَارِهِ. (وَتَطَيُّبٌ عِنْدَ تَحَلُّلٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَيَأْتِي. (وَ) سُنَّ أَنْ (لَا يُشَارِطَ الْحَلَّاقَ عَلَى أُجْرَةٍ) لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ. (وَسُنَّ إمْرَارُ مُوسَى عَلَى مَنْ عَدِمَهُ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَجِبْ، لِأَنَّ الْحَلْقَ مَحَلُّهُ الشَّعْرُ، فَيَسْقُطُ بِعَدَمِهِ كَغَسْلِ عُضْوٍ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَبِأَيِّ شَيْءٍ قَصَّرَ أَجْزَأَهُ، وَكَذَا إنْ نَتَفَهُ أَوْ أَزَالَهُ بِنُورَةٍ، لَكِنَّ السُّنَّةَ الْحَلْقُ، أَوْ التَّقْصِيرُ. (ثُمَّ) بَعْدَ رَمْيٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ (قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ (إلَّا النِّسَاءِ) نَصًّا (مِنْ وَطْءٍ وَدَوَاعِيهِ) كَالْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ (وَعَقْدِ نِكَاحٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ، وَكُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا حَدَّ لِآخِرِ حَلْقٍ كَطَوَافٍ، فَلَا دَمَ عَلَى مَنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: الْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ (عَنْ أَيَّامِ مِنًى) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَبَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ دُونَ آخِرِهِ، فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ كَالطَّوَافِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهِ نُسُكًا كَالطَّوَافِ، وَتَقَدَّمَ (أَوْ قَدَّمَهُ) أَيْ: الْحَلْقَ (عَلَى رَمْيٍ، أَوْ) قَدَّمَهُ عَلَى (نَحْرٍ) أَوْ نَحْرٍ قَبْلَ رَمْيِهِ (أَوْ طَافَ) لِلْإِفَاضَةِ (قَبْلَ رَمْيِ) جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عَطَاءٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَفَضْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: ارْمِ، وَلَا حَرَجَ» وَعَنْهُ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ فَلَا حَرَجَ» رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «وَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ، فَقَالَ آخَرُ: ذَبَحْت

стр. 1369

قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: ارْمِ، وَلَا حَرَجَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَمَا سَمِعْته سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ أَوْ يَجْهَلُ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ عَلَى بَعْضٍ وَأَشْبَاهِهِمَا إلَّا قَالَ: افْعَلُوا، وَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَوْ) كَانَ (عَالِمًا) لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَعْضُ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُهُ ﵊: «وَلَا حَرَجَ» ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا إثْمَ وَلَا دَمَ فِيهِ (لَكِنَّ السُّنَّةَ تَقْدِيمُ رَمْيٍ فَنَحْرٍ فَحَلْقٍ فَطَوَافٍ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. [فَصْلٌ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ] (فَصْلٌ) (لِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ، يَحْصُلُ أَوَّلُهُمَا بِاثْنَيْنِ) مِنْ ثَلَاثَةٍ: (رَمْيٍ وَحَلْقٍ، وَطَوَافِ) إفَاضَةٍ، فَلَوْ حَلَقَ وَطَافَ، ثُمَّ وَطِئَ وَلَمْ يَرْمِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ لِوَطْئِهِ، وَدَمٌ لِتَرْكِهِ الرَّمْيَ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ. (وَ) يَحْصُلُ (ثَانِيهِمَا) أَيْ: التَّحَلُّلَيْنِ (بِمَا بَقِيَ) مِنْ الثَّلَاثَةِ (مَعَ سَعْيٍ) لِتَمَتُّعٍ، سَوَاءٌ طَافَ طَوَافَ الْقُدُومِ، أَوْ لَا، وَيَحْصُلُ التَّحْلِيلُ (لِمَنْ لَمْ يَسْعَ) مِنْ مُفْرِدٍ وَقَارِنٍ (قَبْلَ) ذَلِكَ بِالسَّعْيِ مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، لِأَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ (فَإِنْ كَانَ) أَيْ: وُجِدَ مِنْ الْمُفْرِدِ أَوْ الْقَارِنِ سَعْيٌ مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ (لَمْ تُسَنَّ إعَادَتُهُ) أَيْ: السَّعْيِ (كَ) مَا لَا تُسَنُّ إعَادَةُ (سَائِرِ الْأَنْسَاكِ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (وَيَخْطُبُ إمَامٌ) أَوْ نَائِبُهُ (نَدْبًا بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ، خُطْبَةً يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَيُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ وَالْإِفَاضَةَ وَالرَّمْيَ) كُلُّهَا أَيَّامَهُ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ» يَعْنِي بِمِنًى، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: «سَمِعْت خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَهُوَ) أَيْ: يَوْمُ

стр. 1370

النَّحْرِ (يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ (لِكَثْرَةِ أَفْعَالِ حَجٍّ بِهِ، مِنْ وُقُوفٍ بِمَشْعَرٍ حَرَامٍ، وَدَفْعٍ مِنْهُ لِمِنًى، وَرَمْيٍ وَنَحْرٍ، وَحَلْقٍ، وَطَوَافِ إفَاضَةٍ، وَرُجُوعٍ لِمِنًى) لِيَبِيتَ بِهَا، وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِثْلُهُ، وَلِهَذَا «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (ثُمَّ يُفِيضُ إلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ مُفْرِدٌ وَقَارِنٌ لَمْ يَدْخُلَاهَا) أَيْ: مَكَّةَ (قَبْلَ) وُقُوفِهِمَا بِعَرَفَةَ (لِلْقُدُومِ) نَصًّا، هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ «فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَقَ، ثُمَّ طَافَ طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» ، فَحَمَلَهُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُمْ لِحَجِّهِمْ هُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَلِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ، فَلَا يَسْقُطُ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْفَرْضِ (خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ) ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ الْمَشْرُوعُ طَوَافٌ وَاحِدٌ لِلزِّيَارَةِ، كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهَا عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا أَصْحَابِهِ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا (وَ) مَا قَالَهُ الْمُوَفَّقُ، اخْتَارَهُ (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ رَجَبٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَيَطُوفُ لِلْقُدُومِ (بِرَمَلٍ) وَاضْطِبَاعٍ، ثُمَّ لِلزِّيَارَةِ، (وَ) يَطُوفُ (مُتَمَتِّعٌ) لِلْقُدُومِ (بِلَا رَمَلٍ) وَلَا اضْطِبَاعٍ (ثُمَّ) يَطُوفُ (لِلزِّيَارَةِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ مِنًى، فَيَزُورُ الْبَيْتَ، وَلَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ، بَلْ يَرْجِعُ إلَى مِنًى (وَهِيَ) أَيْ: الزِّيَارَةُ، يُسَمَّى طَوَافُهَا طَوَافَ (الْإِفَاضَةِ) لِأَنَّهُ يُفْعَلُ بَعْدَهَا، وَلَمَّا كَانَ يَزُورُ الْبَيْتَ، وَلَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ بَلْ يَرْجِعُ إلَى مِنًى، يُسَمَّى أَيْضًا طَوَافَ الزِّيَارَةِ.
следующие страницы →