← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21677

مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى

الرحيباني

Полный текст (4 464 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

لَهُ، وَذَلِكَ حَقٌّ لِلْإِمَامِ، فَإِذَا رَضِيَ بِتَرْكِهِ إلَى غَيْرِهِ جَازَ لَهُ (وَإِنْ أَسْلَمَ مَنْ حُكِمَ) مَنْزُولٌ عَلَى حُكْمِهِ (بِقَتْلِهِ) أَوْ رِقِّهِ (عَصْمُ دَمٍ فَقَطْ) دُونَ مَالِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، لِأَنَّهُمَا صَارَا بِالْحُكْمِ بِقَتْلِهِ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَعُودَانِ إلَيْهِ بِإِسْلَامٍ، وَأَمَّا دَمُهُ فَأَحْرَزَهُ بِإِسْلَامِهِ، (وَلَا يُسْتَرَقُّ) لِأَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَهُ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ قُدْرَةٍ عَلَيْهِ. (وَإِنْ سَأَلُوا) ، أَيْ: أَهْلُ الْحِصْنِ (أَنْ يُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَ لَزِمَ أَنْ يُنْزِلَهُمْ وَيُخَيَّرُ) فِيهِمْ (كَأَسْرَى) ، لِأَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ - «وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوا أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك، فَلَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ أَمْ لَا» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ - أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لِاحْتِمَالِ نُزُولِ وَحْيٍ بِمَا يُخَالِفُ مَا حَكَمَ بِهِ، وَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ ﷺ ، (وَلَوْ كَانَ بِهِ) ، أَيْ: الْحِصْنِ (مَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ) كَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى، (فَبَذَلَهَا لِعَقْدِ الذِّمَّةِ، عُقِدَتْ) لَهُ الذِّمَّةُ بِمَعْنَى الْأَمَانِ (مَجَّانًا وَحَرُمَ رِقُّهُ) لِتَأْمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ بِهِ مَالٌ (وَلَوْ خَرَجَ عَبْدٌ) حَرْبِيٌّ (إلَيْنَا بِأَمَانٍ أَوْ نَزَلَ) عَبْدٌ (مِنْ حِصْنٍ) إلَيْنَا بِأَمَانٍ (فَهُوَ حُرٌّ) نَصًّا لِلْخَبَرِ (وَلَوْ جَاءَنَا) عَبْدٌ (مُسْلِمٌ وَأُسِرَ سَيِّدُهُ) الْحَرْبِيُّ (أَوْ) أُسِرَ (غَيْرُهُ) مِنْ الْحَرْبِيِّينَ، (فَهُوَ) ، أَيْ: الْعَبْدُ (حُرٌّ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يُرَدُّ فِي هُدْنَةٍ، (وَالْكُلُّ) مِمَّا جَاءَ بِهِ سَيِّدُهُ أَوْ غَيْرُهُ (لَهُ) ، أَيْ: لِلْعَبْدِ الَّذِي جَاءَ مُسْلِمًا، حَتَّى لَوْ مَاتَ السَّيِّدُ الْأَسِيرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَرِثَهُ عَبْدُهُ السَّابِي بِالْوَلَاءِ. (وَإِنْ أَقَامَ) عَبْدٌ أَسْلَمَ (بِدَارِ حَرْبٍ فَهُوَ رَقِيقٌ) ، أَيْ: بَاقٍ عَلَى رِقِّهِ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ، (وَلَوْ جَاءَ مَوْلَاهُ) ، أَيْ: الْعَبْدِ الَّذِي أَسْلَمَ وَلَحِقَ بِنَا (مُسْلِمًا بَعْدَهُ لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِ) ، لِسَبْقِ الْحُكْمِ بِحُرِّيَّتِهِ حِينَ جَاءَ إلَيْنَا مُسْلِمًا (وَلَوْ جَاءَ) مَوْلَاهُ (قَبْلَهُ مُسْلِمًا، ثُمَّ جَاءَ هُوَ) ، أَيْ: الْعَبْدُ (مُسْلِمًا فَهُوَ) ، أَيْ: الْعَبْدُ (لَهُ) ، أَيْ:

стр. 1472

لِمَوْلَاهُ لِعَدَمِ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ (وَلَيْسَ لِقِنٍّ غَنِيمَةٌ) لِأَنَّهُ مَالٌ، فَلَا يُمَلَّكُ الْمَالُ، (فَلَوْ هَرَبَ) الْقِنُّ (ل) عِنْدَ (عَدُوٍّ، ثُمَّ جَاءَ) مِنْهُ (بِمَالٍ، فَهُوَ) ، أَيْ: الْقِنُّ (لِسَيِّدِهِ، وَالْمَالُ) الَّذِي جَاءَ بِهِ (لَنَا) فَيْءٌ. [بَابٌ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَوْ أَمِيرَهُ عِنْدَ سَيْرِهِ إلَى الْغَزْوِ] (بَابٌ) (مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ) أَوْ أَمِيرَهُ عِنْدَ سَيْرِهِ إلَى الْغَزْوِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، (وَ) مَا يَلْزَمُ (الْجَيْشَ) إذَنْ (يَلْزَمُ كُلَّ أَحَدٍ) مِنْ إمَامٍ وَرَعِيَّتِهِ (إخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الطَّاعَاتِ) كُلِّهَا مِنْ جِهَادٍ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ ": قَدْ تَنَوَّعَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي الْإِخْلَاصِ، وَالْقَصْدُ وَاحِدٌ، فَقِيلَ: هُوَ إفْرَادُ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ بِالْقَصْدِ فِي الطَّاعَةِ، وَقِيلَ: تَصْفِيَةُ الْفِعْلِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَقِيلَ: الْإِخْلَاصُ: اسْتِوَاءُ أَعْمَالِ الْعَبْدِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَالرِّيَاءُ: أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ خَيْرًا مِنْ بَاطِنِهِ، وَالصِّدْقُ فِي الْإِخْلَاصِ: أَنْ يَكُونَ بَاطِنُهُ أَعْمَرَ مِنْ ظَاهِرِهِ، وَمِنْ كَلَامِ الْفَضْلِ ﵀ تَرْكُ الْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَك اللَّهُ مِنْهُمَا، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ: الْإِخْلَاصُ تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ. (وَ) يَلْزَمُ كُلَّ أَحَدٍ (أَنْ يَجْتَهِدَ) ، أَيْ: يَبْذُلَ وُسْعَهُ (فِي ذَلِكَ) ، أَيْ: فِي إخْلَاصِ النِّيَّةِ لِلَّهِ فِي الطَّاعَاتِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ (وَسُنَّ أَنْ يَدْعُوَ) الْأَمِيرُ (سِرًّا) مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ لِيَكُونَ أَقْرَبَ لِلْإِجَابَةِ (وَ) مِنْ دُعَائِهِ مَا (كَانَ ﷺ يَقُولُهُ إذَا غَزَا) ، وَهُوَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِك أَحُولُ، وَبِك

стр. 1473

أَصُولُ، وَبِك أُقَاتِلُ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْحَوْلُ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْحِيلَةُ، يُقَالُ: مَا لِلرَّجُلِ حَوْلٌ، وَمَا لَهُ مَحَالَةٌ، قَالَ: وَمِنْهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، أَيْ: لَا حِيلَةَ فِي دَفْعِ سُوءٍ، وَلَا قُوَّةَ فِي دَرَكِ خَيْرٍ إلَّا بِاَللَّهِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: الدَّفْعَ وَالْمَنْعَ مِنْ قَوْلِك: حَالَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذَا مَنَعَ أَحَدَهُمَا عَنْ الْآخَرِ يَقُولُ: لَا أَمْنَعُ، وَلَا أَدْفَعُ إلَّا بِك. (وَفِي " الْفُرُوعِ ") لِابْنِ مُفْلِحٍ: (وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ) مِمَّنْ ابْتَلَاهُمْ اللَّهُ بِالْمِحَنِ (مِنْهُمْ شَيْخُنَا) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (يَقُولُ هَذَا) الدُّعَاءَ (عِنْدَ قَصْدِ مَجْلِسِ عِلْمٍ) لِلْمُنَاظَرَةِ، فَلَا يَقُومُ إلَّا وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى أَعْدَائِهِ. (وَ) يَجِبُ (عَلَى الْإِمَامِ عِنْدَ الْمَسِيرِ) بِالْجَيْشِ (تَعَاهُدُ رِجَالٍ وَخَيْلٍ) ، أَيْ: رِجَالِ الْجَيْشِ وَخَيْلِهِمْ، لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الْغَزْوِ، (وَ) عَلَيْهِ ( مَنْعُ غَيْرِ صَالِحٍ لِحَرْبٍ ) مِنْ رِجَالٍ (وَخَيْلٍ كَضَعِيفٍ وَفَرَسٍ حَطِيمٍ) وَهُوَ الْكَسِيرُ، وَفَرَسٍ قَحْمٍ، وَهُوَ الْكَبِيرُ، وَضَرْعٍ وَهُوَ الصَّغِيرُ وَالْهَزِيلُ (وَعَلَيْهِ) مَنْعُ (مُخَذِّلٍ) ، وَهُوَ الْمُفَنِّدُ لِلنَّاسِ عَنْ الْغَزْوِ، وَمُزَهِّدُهُمْ فِي الْقِتَالِ، وَالْخُرُوجِ إلَيْهِ كَقَائِلٍ: الْحَرُّ أَوْ الْبَرْدُ شَدِيدٌ، أَوْ الْمَشَقَّةُ شَدِيدَةٌ، أَوْ لَا تُؤْمَنُ هَزِيمَةُ الْجَيْشِ. (وَ) عَلَيْهِ مَنْعُ (مُرْجِفٍ) كَمَنْ يَقُولُ: هَلَكَتْ سَرِيَّةٌ الْمُسْلِمِينَ وَلَا لَهُمْ مَدَدٌ أَوْ طَاقَةٌ بِالْكُفَّارِ وَنَحْوُهُ، (وَ) عَلَيْهِ مَنْعُ (مُكَاتِبٍ) كُفَّارٍ (بِأَخْبَارِنَا) ، لِيَدُلَّ الْعَدُوَّ عَلَى عَوْرَاتِنَا، (وَ) عَلَيْهِ مَنْعُ (مَعْرُوفٍ بِنِفَاقٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] (وَ) عَلَيْهِ مَنْعُ (رَامٍ بَيْنَنَا) مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ (بِفِتَنٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 1474

﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا﴾ [التوبة: ٤٧] الْآيَةُ. (وَ) عَلَيْهِ مَنْعُ (صَبِيٍّ) وَلَوْ مُمَيِّزًا، وَمَنْعُ مَجْنُونٍ، لِأَنَّ فِي دُخُولِهِمَا أَرْضَ الْعَدُوِّ تَعَرُّضًا لِلْهَلَاكِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ (وَ) عَلَيْهِ مَنْعُ (نِسَاءٍ) ، لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، وَلَا يُؤْمَنُ ظَفَرُ الْعَدُوِّ بِهِنَّ، فَيَسْتَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْهُنَّ (إلَّا عَجُوزًا لِسَقْيِ) مَاءٍ (وَنَحْوِهِ) ، كَمُعَالَجَةِ جَرْحَى، لِحَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مَعَهَا مِنْ الْأَنْصَارِ يَسْقِينَ الْمَاءَ، وَيُعَالِجْنَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ جَمْعٌ: وَامْرَأَةُ الْأَمِيرِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا لِفِعْلِهِ ﷺ . (وَتَحْرُمُ اسْتِعَانَةٌ بِكَافِرٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إلَى بَدْرٍ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُ: مُؤْمِنٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُؤْمَنُ مَكْرُهُ وَغَائِلَتُهُ لِخُبْثِ طَوِيَّتِهِ، وَالْحَرْبُ تَقْتَضِي الْمُنَاصَحَةَ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (إلَّا لِضَرُورَةٍ) ، لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَانَ بِنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي حَرْبِهِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرُوِيَ أَيْضًا «أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ » وَبِهَذَا حَصَلَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَالضَّرُورَةُ مِثْلُ كَوْنِ الْكُفَّارِ أَكْثَرَ عَدَدًا، أَوْ يُخَافُ مِنْهُمْ، وَحَيْثُ جَازَ اُشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ مَنْ يُسْتَعَانُ بِهِ حَسَنَ الرَّأْيِ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ لَمْ يَجُزْ كَالْمُرْجِفِ وَأَوْلَى. (وَ) تَحْرُمُ اسْتِعَانَةٌ (بِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ كَعِمَالَةٍ وَجِبَايَةِ خَرَاجٍ) وَكِتَابَةٍ (وَقِسْمَةِ فَيْءٍ وَغَنِيمَةٍ، وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمْ بَوَّابًا وَلَا جَلَّادًا وَلَا جَهْبَذًا، وَهُوَ النَّقَّادُ الْخَبِيرُ) لِعَظِيمِ الضَّرَرِ، لِأَنَّهُمْ

стр. 1475

دُعَاةٌ. وَتُكْرَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي ذَلِكَ نَصًّا، لِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ إلَى أَدْيَانِهِمْ (وَتَحْرُمُ تَوْلِيَتُهُمْ) ، أَيْ: الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ (الْوِلَايَاتِ مِنْ دَوَاوِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَ) تَحْرُمُ (إعَانَتُهُمْ) ، أَيْ: أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَالْكُفَّارِ عَلَى عَدُوِّهِمْ مِنْ جِنْسِهِمْ، فَإِنْ كَانَ عَدُوُّهُمْ مِنَّا فَنَجْتَمِعُ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَ عَدُوُّ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ كَافِرًا حَرْبِيًّا، فَلَا تَحْرُمُ إعَانَتُهُمْ عَلَيْهِ لِإِسْلَامِهِمْ (إلَّا خَوْفًا) مِنْ شَرِّهِمْ، (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَمَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ) ، أَيْ: مِنْ الْكُفَّارِ (دِيوَانَ الْمُسْلِمِينَ انْتَقَضَ عَهْدُهُ) إنْ كَانَ. (وَسُنَّ خُرُوجُ جَيْشٍ يَوْمَ الْخَمِيسِ) ، لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ فِي سَفَرٍ إلَّا يَوْمَ الْخَمِيسِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا وكَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَيَسِير بِرِفْقٍ) بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الضَّعِيفُ، وَلَا يَشُقُّ عَلَى الْقَوِيِّ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَمِيرُ الْقَوْمِ أَقْطَعُهُمْ» ، أَيْ: أَقَلُّهُمْ سَيْرًا، وَلِئَلَّا يَنْقَطِعَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، أَوْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ (إلَّا لِأَمْرٍ يَحْدُثُ) ، فَيَجُوزُ، «لِأَنَّهُ ﷺ جَدَبَهُمْ فِي السَّيْرِ حِينَ بَلَغَهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ» لِتَشْتَغِلَ النَّاسُ عَنْ الْخَوْضِ فِيهِ (وَيُعِدُّ لَهُمْ) ، أَيْ: لِلْجَيْشِ (الزَّادَ) ، لِأَنَّهُ بِهِ قَوَامُهُمْ، (وَيُحَدِّثُهُمْ بِأَسْبَابِ النَّصْرِ) ، فَيَقُولُ: أَنْتُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَأَشَدُّ أَبْدَانًا، وَأَقْوَى قُلُوبًا وَنَحْوُهُ، لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لِلنُّفُوسِ عَلَى الْمُصَابَرَةِ، وَأَبْعَثُ لَهَا عَلَى الْقِتَالِ، (وَيُعَرِّفُ عَلَيْهِمْ الْعُرَفَاءَ) ، فَيَجْعَلُ لِكُلِّ جَمَاعَةٍ مَنْ يَكُونُ كَالْمُقَدَّمِ عَلَيْهِمْ يَنْظُرُ فِي حَالِهِمْ، وَيَتَفَقَّدُهُمْ، لِأَنَّهُ ﷺ «عَرَّفَ عَامَ خَيْبَرَ عَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ عَرِيفًا» ، وَوَرَدَ: الْعَرَافَةُ حَقٌّ " لِأَنَّ فِيهَا مَصْلَحَةَ النَّاسِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ -

стр. 1476

«الْعُرَفَاءُ فِي النَّارِ» فَتَحْذِيرٌ لِلتَّعَرُّضِ لِلرِّيَاسَةِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفِتْنَةِ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُمْ بِأَمْرِهَا اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ. (وَيَعْقِدُ لَهُمْ الْأَلْوِيَةَ الْبِيضَ، وَهِيَ: الْعِصَابَةُ تُعْقَدُ عَلَى قَنَاةٍ وَنَحْوِهَا) ، قَالَ صَاحِبُ " الْمَطَالِعِ ": اللِّوَاءُ رَايَةٌ لَا يَحْمِلُهَا إلَّا صَاحِبُ جَيْشِ الْحَرْبِ، أَوْ صَاحِبُ دَعْوَةِ الْجَيْشِ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَوْدَاءَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «دَخَلَ مَكَّةَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَظَاهِرُ " الْمُقْنِعِ " وَصَرَّحَ فِي " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهَا تَكُونُ بِأَيِّ لَوْنٍ شَاءَ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ (وَ) يَعْقِدُ لَهُمْ (الرَّايَاتِ وَهِيَ: أَعْلَامٌ مُرَبَّعَةٌ وَيُغَايِرُ أَلْوَانَهَا، لِيَعْرِفَ كُلُّ قَوْمٍ رَايَتَهُمْ) ، «لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ حِينَ أَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ: احْبِسْهُ عَلَى الْوَادِي حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ فَيَرَاهَا، قَالَ: فَحَبَسْتُهُ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَرَّتْ بِهِ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا» وَلِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ إذَا نَزَلَتْ بِالنَّصْرِ نَزَلَتْ مُسَوَّمَةً بِهَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ. (وَيَجْعَلُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شِعَارًا يَتَدَاعَوْنَ بِهِ عِنْدَ الْحَرْبِ) ، لِمَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ شِعَارُنَا أَمِتْ أَمِتْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا " هُمْ لَا يُنْصَرُونَ " وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا احْتَاجَ إلَى نُصْرَةِ صَاحِبِهِ، وَرُبَّمَا يَهْتَدِي بِهَا إذَا ضَلَّ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَلِئَلَّا يَقَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. (وَيَتَخَيَّرُ) الْإِمَامُ أَوْ الْأَمِيرُ لَهُمْ (الْمَنَازِلَ) كَالْخِصْبَةِ، لِأَنَّهَا أَرْفَقُ بِهِمْ. (وَيَحْفَظُ مَكَامِنَهَا) جَمْعُ مَكْمَنٍ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَخْتَفِي فِيهِ الْعَدُوُّ (وَيَتَعَرَّفُ حَالَ الْعَدُوِّ بِبَعْثِ الْعُيُونِ) إلَيْهِ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهُ، فَيَتَحَرَّزُ مِنْهُ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْفُرْصَةِ فِيهِ. (وَيَمْنَعُ جَيْشَهُ مِنْ مُحَرَّمٍ) مِنْ فَسَادٍ وَمَعَاصٍ، (لِأَنَّهُ سَبَبُ الْخِذْلَانِ، وَ)

стр. 1477

يَمْنَعُهُمْ مِنْ (تَشَاغُلٍ بِتِجَارَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ قِتَالٍ، وَيُعِدُّ الصَّابِرَ) فِي الْقِتَالِ (بِأَجْرٍ وَنَفَلٍ) تَرْغِيبًا لَهُ فِيهِ. (وَيُشَاوِرُ ذَا رَأْيٍ وَدِينٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] «وَكَانَ ﷺ أَكْثَرَ النَّاسِ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ» وَيُسْتَحَبُّ لِلْأَمِيرِ حَمْلُ مَنْ أُصِيبَتْ فَرَسُهُ مِنْ الْجَيْشِ، وَلَا يَجِبُ نَصًّا، فَإِنْ خَافَ تَلَفَهُ، قَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ فَضْلِ مَرْكُوبِهِ لِيَجِيءَ بِهِ صَاحِبُهُ. (وَيُخْفِي مِنْ أَمَرَهُ مَا أَمْكَنَ إخْفَاؤُهُ) ، لِئَلَّا يَعْلَمَ عَدُوُّهُ بِهِ (وَإِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا) اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ ﷺ (لِأَنَّ «الْحَرْبَ خُدْعَةٌ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيث جَابِرٍ (وَيَصُفُّ جَيْشَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] الْآيَةُ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسَوِّي الصُّفُوفَ يَوْمَ بَدْرٍ» . وَلِأَنَّ فِيهِ رَبْطَ الْجَيْشِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَسَدًّا لِثُغُورِهِمْ فَيَصِيرُونَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ. (وَيَجْعَلُ فِي كُلِّ جَنَبَةٍ كُفُوًا) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كُنْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ خَالِدًا عَلَى إحْدَى الْجَنَبَتَيْنِ، وَالزُّبَيْرَ عَلَى الْأُخْرَى، وَأَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى السَّاقَةِ» وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْحَرْبِ، وَأَبْلَغُ فِي إرْهَابِ الْعَدُوِّ. (وَلَا يَمِيلُ) الْأَمِيرُ (مَعَ قَرِيبِهِ وَذِي مَذْهَبِهِ فَتَنْكَسِرُ قُلُوبُ غَيْرِهِمْ) ، أَيْ: غَيْرِ الَّذِي مَالَ مَعَهُمْ (فَيَخْذُلُوهُ) عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلِأَنَّهُ يُفْسِدُ الْقُلُوبَ، وَيُشَتِّتُ الْكَلِمَةَ، (وَيُرَاعِي أَصْحَابَهُ، وَيَرْزُقُ كُلَّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ) وَحَاجَةِ مَنْ مَعَهُ. (وَيَجُوزُ أَنَّ يَجْعَلَ) الْأَمِيرُ (جَعْلًا مَعْلُومًا) مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، (وَيَجُوزُ) أَنْ يَجْعَلَ (مِنْ مَالِ كُفَّارٍ مَجْهُولًا لِمَنْ يَعْمَلُ مَا) ، أَيْ: شَيْئًا (فِيهِ غَنَاءُ) ، أَيْ: نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَنَقْبِ سُورٍ، أَوْ

стр. 1478

صُعُودِ حِصْنٍ، (أَوْ يَدُلُّ عَلَى طَرِيقٍ) سَهْلٍ، (أَوْ) عَلَى (قَلْعَةٍ) لِتُفْتَحَ، (أَوْ) عَلَى (مَاءِ) مَفَازَةٍ (وَنَحْوِهِ) كَدَلَالَةٍ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ الْمُسْلِمُونَ، أَوْ عَدُوٍّ يُغِيرُونَ عَلَيْهِ، أَوْ ثُغْرَةٍ يَدْخُلُ مِنْهَا إلَيْهِ لِأَنَّهُ ﷺ «قَدْ اسْتَأْجَرَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْهِجْرَةِ مَنْ دَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ» وَ «جَعَلَ لِلسَّرِيَّةِ الثُّلُثَ وَالرُّبْعَ مِمَّا غَنِمُوهُ» وَهُوَ مَجْهُولٌ، لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ كُلَّهَا مَجْهُولَةٌ، وَيَسْتَحِقُّهُ مَجْهُولٌ لَهُ بِفِعْلِ مَا جُوعِلَ عَلَيْهِ، (بِشَرْطِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ) جَعْلُ مَجْهُولٍ مِنْ مَالِ كُفَّارٍ (ثُلُثَ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْخُمُسِ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ جَعْلٌ أَكْثَرَ مِنْهُ (وَ) يَجُوزُ (أَنْ يُعْطِيَ) الْأَمِيرُ (ذَلِكَ بِلَا شَرْطٍ) لِمَنْ يَفْعَلُ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُ تَرْغِيبٌ فِي الْجِهَادِ. (وَلَوْ جَعَلَ) الْأَمِيرُ (لَهُ) ، أَيْ: لِمَنْ يَفْعَلُ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ (جَارِيَةً) مُعَيَّنَةً عَلَى فَتْحِ الْحِصْنِ (مِنْهُمْ) ، أَيْ: مِنْ الْكُفَّارِ بِالْحِصْنِ (فَمَاتَتْ) قَبْلَ فَتْحِ الْحِصْنِ، (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ، لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهَا وَقَدْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا كَالْوَدِيعَةِ. (وَإِنْ أَسْلَمَتْ) الْجَارِيَةُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ مِنْهُمْ (وَهِيَ أَمَةٌ أَخَذَهَا) إذَا كَانَ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْوَفَاءُ لَهُ بِشَرْطِهِ فَوَجَبَ، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ أَوْ بَعْدَهُ (كَحُرَّةٍ) جُعِلَتْ لَهُ ف (أَسْلَمَتْ بَعْدَ فَتْحٍ) لِاسْتِرْقَاقِهَا بِالِاسْتِيلَاءِ فَلَمْ تُسْلِمْ إلَّا وَهِيَ أَمَةٌ، وَكَذَا حُكْمُ رَجُلٍ مِنْ الْحِصْنِ جُوعِلَ عَلَيْهِ، (إلَّا أَنْ يَكُون) الْمَجْعُولُ لَهُ الْجَارِيَةُ (كَافِرًا، ف) لَهُ (قِيمَتُهَا) إذَا أَسْلَمَتْ، لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهَا إلَيْهِ لِإِسْلَامِهَا (كَحُرَّةٍ) جُعِلَتْ لَهُ و (أَسْلَمَتْ قَبْلَ فَتْحٍ) لِأَنَّهَا عَصَمَتْ نَفْسَهَا بِإِسْلَامِهَا، فَتَعَذَّرَ رَدُّ فِعْلِهَا إلَيْهِ، فَاسْتَحَقَّتْ الْقِيمَةَ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ لَهُ الْقِيمَةُ إذَا مَاتَتْ وَتَجِبُ إذَا أَسْلَمَتْ، لِإِمْكَانِ تَسْلِيمِهَا مَعَ الْإِسْلَامِ، لَكِنْ مَنَعَ مِنْهُ الشَّرْعُ بِخِلَافِ مَوْتِهَا. (وَإِنْ فُتِحَتْ) قَلْعَةٌ

стр. 1479

جُوعِلَ مِنْهَا بِجَارِيَةٍ مِنْهُمْ (صُلْحًا وَلَمْ يَشْتَرِطُوهَا) ، أَيْ: يَشْتَرِطْ الْمُسْلِمُونَ الْجَارِيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقَلْعَةِ (وَأَبَوْهَا) ، أَيْ: أَبَى أَهْلُ الْقَلْعَةِ الْجَارِيَةَ (وَأَبَى) مَجْعُولٌ لَهُ أَخْذُ (الْقِيمَةِ) عَنْهَا (فُسِخَ) الصُّلْحُ لِتَعَذُّرِ، إمْضَائِهِ لِسَبْقِ حَقِّ صَاحِبِ الْجَعْلِ، وَتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّلْحِ، وَلِأَهْلِ الْقَلْعَةِ تَحْصِينُهَا كَمَا كَانَتْ بِلَا زِيَادَةٍ، وَإِنْ بَذَلُوهَا مَجَّانًا لَزِمَ أَخْذُهَا وَدَفْعُهَا إلَيْهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": غَيْرُ حُرَّةِ الْأَصْلِ وَإِلَّا فَقِيمَتُهَا (وَلِأَمِيرٍ فِي بُدَاءَةِ) دُخُولِهِ دَارَ حَرْبٍ (أَنْ يَنْفُلَ) ، أَيْ: يَزِيدَ عَلَى السَّهْمِ الْمُسْتَحَقِّ (الرُّبْعَ فَأَقَلَّ بَعْدَ الْخُمُسِ وَ) لَهُ أَنْ يَنْفُلَ (فِي رَجْعَةٍ) ، أَيْ: رُجُوعٍ مِنْ دَارِ حَرْبٍ (الثُّلُثَ فَأَقَلَّ بَعْدَهُ) ، أَيْ: الْخُمُسِ، (وَ) بَيَانُ (ذَلِكَ) أَنَّهُ (إذَا دَخَلَ) أَمِيرٌ دَارَ حَرْبٍ (بَعَثَ سَرِيَّةً تُغِيرُ) عَلَى الْعَدُوِّ، (وَإِذَا رَجَعَ) مِنْهَا (بَعَثَ) سَرِيَّةً (أُخْرَى) تُغِيرُ (فَمَا أَتَتْ بِهِ) كُلُّ سَرِيَّةٍ (أَخْرَجَ خُمُسَهُ، وَأَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا وَجَبَ لَهَا بِجَعْلِهِ، وَقَسَّمَ الْبَاقِي) بَعْدَ الْخُمُسِ (فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: الْجَيْشِ وَسَرَايَاهُ، لِحَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ سَلَمَةَ الْفِهْرِيِّ، قَالَ: «شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَلَ الرُّبْعَ فِي الْمَبْدَأَةِ وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ» وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ يَنْفُلُ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمْسِ، وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمْسِ، إذْ أَقْفَلَ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مَعْنَاهُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَزِيدَ فِي الرَّجْعَةِ عَلَى الْبُدَاءَةِ لِمَشَقَّتِهَا، لِأَنَّ الْجَيْشَ فِي الْبُدَاءَةِ رَدْءٌ عَنْ السَّرِيَّةِ، وَفِي الرَّجْعَةِ مُنْصَرِفٌ عَنْهَا، وَالْعَدُوُّ مُسْتَيْقِظٌ، وَلِأَنَّهُمْ مُشْتَاقُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ، فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَشَقَّةً، وَلَا يَعْدِلُ شَيْءٌ عِنْدَ أَحْمَدَ الْخُرُوجَ فِي السَّرِيَّةِ مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ أَنْكَى لِلْعَدُوِّ

стр. 1480

[فَصْلٌ يَلْزَمُ الْجَيْشُ الصَّبْرَ مَعَ الْأَمِيرِ] (فَصْلٌ) (وَيَلْزَمُ الْجَيْشُ الصَّبْرَ) مَعَ الْأَمِيرِ (وَالنُّصْحَ وَالطَّاعَةَ) لِلْأَمِيرِ فِي رَأْيِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وَلِحَدِيثِ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» رَوَاهُ النَّسَائِيّ (فَلَوْ أَمَرَهُمْ) الْأَمِيرُ (بِالصَّلَاةِ جَمَاعَةً وَقْتَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ فَأَبَوْا، عَصُوا) قَالَ الْآجُرِّيُّ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَلَوْ قَالَ: سِيرُوا وَقْتَ كَذَا دَفَعُوا مَعَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَ) نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: (لَا يُخَالِفُونَهُ يَتَشَعَّبُ أَمْرُهُمْ، فَلَا خَيْرَ مَعَ الْخِلَافِ، وَلَا شَرَّ مَعَ الِائْتِلَافِ) قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْخِلَافُ شَرٌّ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، (وَيَرْضُوَن بِقِسْمَتِهِ الْغَنِيمَةَ وَ) ب (تَعْدِيلِهِ لَهَا) وُجُوبًا، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ طَاعَتِهِ. (وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْهِ صَوَابٌ عَرَفُوهُ وَنَصَحُوهُ) ، لِحَدِيثِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (وَحَرُمَ) عَلَى الْجَيْشِ (بِلَا إذْنِهِ) ، أَيْ: الْأَمِيرِ (حَدَثٌ) أَيْ: إحْدَاثُ (شَيْءٍ كَاعْتِلَافٍ وَاحْتِطَابٍ وَانْفِرَادٍ) عَنْ عَسْكَرٍ (وَتَعْجِيلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] وَلِأَنَّ الْأَمِيرَ أَعْرَفُ بِحَالِ النَّاسِ، وَحَالِ الْعَدُوِّ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِمَوْضِعِ عَلِمَهُ مَخُوفًا، لِأَنَّهُ خِيَانَةٌ لَهُمْ، فَإِنْ احْتَاجَ أَحَدُهُمْ إلَى الْخُرُوجِ بَعَثَ مَعَهُ مَنْ يَحْرُسُهُ. (وَكَذَا) لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ (بِرَازٌ) بِلَا إذْنِ الْأَمِيرِ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِفُرْسَانِهِ وَفُرْسَانِ عَدُوِّهِ، وَقَدْ يَبْرُزُ الْإِنْسَانُ لِمَنْ لَا يُطِيقُهُ، فَيُعَرِّضُ

стр. 1481

نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ، فَتَنْكَسِرُ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ، (وَ) الْبِرَازُ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُ الْإِمَامِ (هُوَ أَنْ يَبْرُزَ رَجُلٌ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَبْلَ الْتِحَامِ) الْحَرْبِ (يَدْعُو لِلْبِرَازِ) - بِكَسْرِ الْبَاءِ -: عِبَارَةٌ عَنْ مُبَارَزَةِ الْعَدُوِّ، وَبِفَتْحِهَا: اسْمٌ لِلْفَضَاءِ الْوَاسِعِ، بِخِلَافِ الِانْغِمَاسِ فِي الْكُفَّارِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنٍ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ الشَّهَادَةَ، وَلَا يُتَرَقَّبُ مِنْهُ ظَفَرٌ وَلَا مُقَاوَمَةٌ (وَسُنَّ لِمُسْلِمٍ شُجَاعٍ طَلَبُهُ) ، أَيْ: الْبِرَازُ (ابْتِدَاءً) ، أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهُ كَافِرٌ، قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ، فَقَطْ، وَأَمَّا عَامَّةُ أَصْحَابِنَا فَقَالُوا: إنَّهُ يُبَاحُ، (فَلَوْ طَلَبَهُ) ، أَيْ: الْبِرَازَ (عَدُوٌّ، سُنَّ لِمَنْ يَعْلَمُ) مِنْ نَفْسِهِ (أَنَّهُ كُفْؤُهُ بِرَازُهُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ) ، لِفِعْلِ حَمْزَةَ وَعَلِيٍّ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِمْ وَبَارَزَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ مَرْزُبَانَ الدَّارَةِ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ، فَبَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَلِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ الْقُوَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَلَدِهِمْ عَلَى الْحَرْبِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ نَفْسِهِ الْمُكَافَأَةَ لِطَالِبِ الْبِرَازِ كُرِهَتْ إجَابَتُهُ، لِئَلَّا يُقْتَلَ فَتَنْكَسِرُ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ، (فَإِنْ شَرَطَ) كَافِرٌ طَلَبَ الْبِرَازِ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ خَصْمٍ، لَزِمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَحَدِيثِ «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (أَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ) جَارِيَةً (أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ خَصْمِهِ، لَزِمَ) ذَلِكَ، لِجَرَيَانِهَا مَجْرَى الشَّرْطِ، (فَإِنْ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُ) الْمُجِيبُ لِطَالِبِ الْبِرَازِ أَوْ الدَّاعِي إلَيْهِ (أَوْ أُثْخِنَ) بِجِرَاحٍ، (فَلِكُلِّ مُسْلِمٍ الدَّفْعُ) عَنْهُ، (وَالرَّمْيُ) لِلْكَافِرِ الْمُبَارِزِ لِانْقِضَاءِ قِتَالِ الْمُسْلِمِ مَعَهُ، وَالْأَمَانُ إنَّمَا كَانَ حَالَ الْبِرَازِ، وَقَدْ زَالَ وَأَعَانَ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ عَلَى قَتْلِ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ حِينَ أَثْخَنَ عُبَيْدَةَ، وَإِنْ أَعَانَ الْكُفَّارُ صَاحِبَهُمْ، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ عَوْنُ صَاحِبِهِمْ، وَقِتَالُ مَنْ أَعَانَ عَلَيْهِ دُونَ الْمُبَارِزِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ سَبَبٌ مِنْ جِهَتِهِ، فَإِنْ اسْتَنْجَدَهُمْ، أَوْ عُلِمَ مِنْهُ الرِّضَى بِفِعْلِهِمْ انْتَقَضَ أَمَانُهُ، وَجَازَ قَتْلُهُ.

стр. 1482

(وَتَجُوزُ خُدَعَةٌ) ، بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالدَّالِ، وَهِيَ: الِاسْمُ مِنْ الْخِدَاعِ، أَيْ: إرَادَةُ الْمَكْرِ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ كَالْخَدِيعَةِ (فِي الْحَرْبِ لِمُبَارِزٍ وَغَيْرِهِ) ، لِحَدِيثِ: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» وَرُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ لَمَّا بَارَزَ عَلِيًّا قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا بَرَزْت لِأُقَاتِلَ اثْنَيْنِ، فَالْتَفَتَ عَمْرٌو فَوَثَبَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ، فَضَرَبَهُ، فَقَالَ عَمْرٌو: خَدَعْتنِي، فَقَالَ: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ. (وَ) يَجُوزُ (قَتْلُهُ) ، أَيْ: الْكَافِرِ (قَبْلَ مُبَارَزَةٍ) ، لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا عَهْدَ لَهُ، وَلَا أَمَانَ فَأُبِيحَ قَتْلُهُ كَغَيْرِهِ، (إلَّا إنْ جَرَتْ عَادَةٌ) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ (أَنَّ مَنْ خَرَجَ لِلْبِرَازِ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ، فَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الشَّرْطِ) ، لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، (وَإِذَا قَتَلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا أَوْ أَثْخَنَهُ) ، فَصَارَ فِي حُكْمِ الْمَقْتُولِ (فَلَهُ سَلَبُهُ) بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ، وَيَأْتِي، سَوَاءٌ قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، أَوْ لَمْ يَقُلْ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (وَلَوْ شَرَطَ) السَّلَبَ (لِغَيْرِهِ) ، أَيْ: الْقَاتِلِ، لِإِلْغَاءِ الشَّرْطِ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ، (وَكَذَا مَنْ غَرَّرَ بِنَفْسِهِ) بِأَنْ قَدِمَ عَلَى مُبَارَزَةِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ حَالَ الْحَرْبِ لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ذَفَفَ عَلَى أَبِي جَهْلٍ، «وَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ» ، لِأَنَّهُ أَثْبَتُهُ قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": ذَفَفَ: أَجْهَزَ، وَمَعْنَاهُ: أَثْبَتَ قَتْلَهُ وَأَسْرَعَهُ وَتَمَّمَ عَلَيْهِ. (وَلَوْ) كَانَ الْمُغَرِّرُ بِنَفْسِهِ (عَبْدًا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ) كَانَ (امْرَأَةً أَوْ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا بِإِذْنِ) إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ، لِحَدِيثِ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وَلَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ، لِحَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ، وَلَمْ يُخَمِّسْ السَّلَبَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (لَا مُخْذِلًا وَمُرْجِفًا وَكُلَّ عَاصٍ) كَرَامٍ بَيْنَنَا بِفِتَنٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّونَ السَّلَبَ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ (بِشَرْطِ كَوْنِ كَافِرٍ مُمْتَنِعًا) أَيْ: مُتَيَقِّظًا بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَهُ سَلَبُهُ (لَا) إنْ قَتَلَهُ

стр. 1483

(مُشْتَغِلًا بِأَكْلٍ وَنَحْوِهِ) كَنَائِمٍ (أَوْ مُنْهَزِمًا) ، فَلَا يُسْتَحَقُّ سَلَبُهُ بَعْدَ التَّغْرِيرِ بِنَفْسِهِ، أَشْبَهَ قَتْلَ شَيْخٍ فَانٍ، وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَا يُقْتَلُ، هَذَا إذَا كَانَ مُنْهَزِمًا مَعَ الْكُفَّارِ فِي حَالِ انْهِزَامِهِمْ كُلِّهِمْ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً، فَانْهَزَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مُتَحَيِّزًا، فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (غَيْرَ مُتَحَيِّزٍ) إلَى فِئَةٍ (أَوْ مُتَحَرِّفٍ) لِقِتَالٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْبُلْغَةِ " " وَالتَّرْغِيبِ " (وَكَذَا لَوْ قَطَعَ) مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ جِهَادٍ (أَرْبَعَتَهُ) ، أَيْ: يَدَيْ الْكَافِرِ وَرِجْلَيْهِ، فَلَهُ سَلَبُهُ، وَلَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ لِقِصَّةِ أَبِي جَهْلٍ. (وَإِنْ قَطَعَ) مُسْلِمٌ (يَدَهُ) ، أَيْ: الْكَافِرِ (وَرِجْلَهُ، وَقَتَلَهُ آخَرُ) ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، لِعَدَمِ الِانْفِرَادِ بِقَتْلِهِ مُغَرِّرًا بِنَفْسِهِ، (أَوْ أَسَرَهُ) إنْسَانٌ (فَقَتَلَهُ الْإِمَامُ) ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، (أَوْ قَتَلَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ) اشْتَرَكُوا فِيهِ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، (أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَالسَّلَبُ: مَا عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْكَافِرِ الْمَقْتُولِ (مِنْ ثِيَابٍ وَحُلِيٍّ وَسِلَاحٍ، وَدَابَّتِهِ الَّتِي قَاتَلَ عَلَيْهَا وَمَا عَلَيْهَا) مِنْ آلَتِهَا، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا، وَيُسْتَعَانُ بِهِ فِي الْحَرْبِ، فَأَشْبَهَ السِّلَاحَ، وَلَوْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ صَرَعَهُ عَنْهَا، وَسَقَطَ إلَى الْأَرْضِ، (فَدَخَلَ) فِي السَّلَبِ (دِرْعٌ وَمِغْفَرُ وَبَيْضَتُهُ وَتَاجُ وَمِنْطَقَةُ) وَلَوْ مُذَهَّبَةً، (وَأَسْوِرَةُ وران وَخُفُّ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِلْيَةٍ وَسَيْفٍ وَرُمْحٍ وَلَتٍّ وَقَوْسٍ وَنُشَّابٍ) ، لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي حَرْبِهِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْأَخْذِ مِنْ الثِّيَابِ، (فَأَمَّا نَفَقَتُهُ) ، أَيْ: الْمَقْتُولِ، (وَرَحْلُهُ وَخَيْمَتُهُ وَجَنِيبُهُ) أَيْ: الدَّابَّةُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ رَاكِبَهَا حَالَ الْقِتَالِ، (ف) هُوَ (غَنِيمَةٌ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سَلَبِهِ. . (وَيَجُوزُ سَلَبُ الْقَتْلَى وَتَرْكُهُمْ عُرَاةً) ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي قَتِيلِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ» (وَكُرِهَ تَلَثُّمٌ فِي قِتَالٍ عَلَى أَنْفٍ) نَصًّا، (لَا لِبْسُ عَلَامَةٍ) يُعْرَفُ بِهَا (كَرِيشِ نَعَامٍ) ، بَلْ يُبَاحُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ شُجَاعًا.

стр. 1484

[فَصْلٌ يَحْرُمُ غَزْوٌ بِلَا إذْنِ الْأَمِيرِ] (فَصْلٌ) (وَيَحْرُمُ غَزْوٌ بِلَا إذْنِ الْأَمِيرِ) ، لِرُجُوعِ أَمْرِ الْحَرْبِ إلَيْهِ، لِعِلْمِهِ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقِلَّتِهِ وَمَكَامِنِهِ وَكَيْدِهِ، (إلَّا أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ) مِنْ الْكُفَّارِ (يَخَافُونَ طَلَبَهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ، أَيْ: شَرَّهُ وَأَذَاهُ، فَيَجُوزُ قِتَالُهُمْ بِلَا إذْنِهِ، لِتَعَيُّنِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ، «لَمَّا أَغَارَ الْكُفَّارُ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ ﷺ فَصَادَفَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ خَارِجًا عَنْ الْمَدِينَةِ تَبِعَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، فَمَدَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: خَيْرُ رِجَالِنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، وَأَعْطَاهُ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ» (أَوْ) عَرَضَتْ لَهُمْ (فُرْصَةٌ يَخَافُونَ فَوْتَهَا) بِتَرْكِ الِاسْتِئْذَانِ، (فَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ) ذُو مَنَعَةٍ أَوَّلًا، (أَوْ دَخَلَ وَاحِدٌ وَلَوْ عَبْدًا دَارَ حَرْبٍ بِلَا إذْنِ) إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ، (فَغَنِيمَتُهُمْ فَيْءٌ، لِعِصْيَانِهِمْ) بِالِافْتِئَاتِ عَلَى الْإِمَامِ، لِطَلَبِ الْغَنِيمَةِ، فَنَاسَبَ حِرْمَانَهُمْ. (وَإِنْ بَعَثَ إمَامٌ جَيْشًا) أَوْ سَرِيَّةً (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، فَقُتِلَ) الْأَمِيرُ (أَوْ مَاتَ، فَلِلْجَيْشِ أَنْ يُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ) «كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَيْشِ مُؤْتَةَ لَمَّا قُتِلَ أُمَرَاؤُهُمْ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَرَضِيَ أَمْرَهُمْ، وَصَوَّبَ رَأْيَهُمْ، وَسَمَّى خَالِدًا يَوْمَئِذٍ سَيْفَ اللَّهِ» (فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْإِمَارَةُ دَافَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ) ، وَأَظْهَرُوا التَّجَلُّدَ وُجُوبًا، لِئَلَّا يَطْمَعَ بِهِمْ الْعَدُوُّ. (وَلَا يُقِيمُوا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ بِلَا أَمِيرٍ وَلَا يُؤَخَّرُ جِهَادٌ، لِعَدَمِ إمَامٍ) ، لِئَلَّا يَسْتَوْلِيَ الْعَدُوُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَظْهَرَ كَلِمَةُ الْكُفْرِ. (فَإِنْ حَصَلَتْ غَنِيمَةٌ قَسَمُوهَا عَلَى مُوجِبِ الشَّرْعِ) ، كَمَا يُقَسِّمُهَا الْإِمَامُ عَلَى مَا يَأْتِي (قَالَ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى: (وَتُؤَخَّرُ قِسْمَةُ الْإِمَاءِ حَتَّى يَقُومَ إمَامٌ) ، فَيُقَسِّمُهَا (احْتِيَاطًا لِلْفُرُوجِ، وَمَنْ

стр. 1485

أَخَذَ) مِنْ الْجَيْشِ أَوْ أَتْبَاعِهِ (مِنْ دَارِ حَرْبٍ رِكَازًا أَوْ مُبَاحًا لَهُ قِيمَةٌ) فِي مَكَانِهِ (ف) هُوَ (غَنِيمَةٌ) ، لِحَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي جَوَيْرِيَةَ الْجَرْمِيِّ، قَالَ: «لَقِيت بِأَرْضِ الرُّومِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ فِي إمْرَةِ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَيْنَا مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ السُّلَمِيُّ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْطَانِي مِثْلَ مَا أَعْطَى رَجُلًا مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ، لَأَعْطَيْتُك، ثُمَّ أَخَذَ يَعْرِضُ عَلَيَّ مِنْ نَصِيبِهِ فَأَبَيْت» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَتُهُ هُنَاكَ كَالْأَقْلَامِ وَالْمِسَنِّ، فَلِآخِذِهِ، وَلَوْ صَارَ لَهُ قِيمَةٌ بِنَقْلِهِ وَمُعَالَجَتِهِ. (وَ) مَنْ أَخَذَ (طَعَامًا وَلَوْ سُكَّرًا وَنَحْوَهُ) كَحَلْوَى وَمَعَاجِينَ، (أَوْ) أَخَذَ (عَلَفًا وَلَوْ بِلَا إذْنِ) أَمِيرٍ، (وَ) لَا (حَاجَةَ، فَلَهُ أَكْلُهُ، وَلَهُ إطْعَامُ سَبِيٍّ اشْتَرَاهُ وَنَحْوُهُ) كَعَبْدِهِ وَغُلَامِهِ، (وَ) لَهُ (عَلَفُ دَابَّتِهِ وَلَوْ) كَانَتْ (لِتِجَارَةٍ) ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: «أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو دَاوُد وَلِسَعِيدٍ: أَنَّ صَاحِبَ جَيْشِ الشَّامِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ إنَّا أَصَبْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الطَّعَامِ وَالْغَلَّةِ، وَكَرِهْت أَنْ أَتَقَدَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِ: دَعْ النَّاسَ يَعْلِفُونَ وَيَأْكُلُونَ، فَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ شَيْئًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَفِيهِ خُمُسُ اللَّهِ، وَسِهَامُ الْمُسْلِمِينَ و (لَا) يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْلِفَ مِنْهُ دَابَّةً (لِصَيْدٍ كَفَهْدٍ وَجَارِحٍ) ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَيَرُدُّ فَاضِلًا) مِنْ طَعَامٍ وَعَلَفٍ، (وَلَوْ) كَانَ (يَسِيرًا) ، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ، (وَ) يَرُدُّ (ثَمَنَ مَا بَاعَ) مِنْ طَعَامٍ وَعَلَفٍ لِلْخَبَرِ، (وَيَجُوزُ قِتَالٌ بِسِلَاحٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَيَرُدُّهُ) مَعَ حَاجَةٍ وَعَدَمِهَا، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: انْتَهَيْت إلَى أَبِي جَهْلٍ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذْتُهُ فَضَرَبْتُهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلِعِظَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ. و (لَا) يَجُوزُ الْقِتَالُ (عَلَى فَرَسٍ) أَوْ نَحْوِهَا مِنْ الْغَنِيمَةِ، (وَلَا

стр. 1486

لِبْسُ ثَوْبٍ مِنْهَا) ، لِحَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ» رَوَاهُ سَعِيدٌ؛ وَلِأَنَّ الدَّابَّةَ عُرْضَةٌ لِلْعَطَبِ غَالِبًا، وَقِيمَتُهَا كَثِيرَةٌ بِخِلَافِ السِّلَاحِ (وَلَا) يَجُوزُ لِأَحَدٍ (أَخْذُ شَيْءٍ مُطْلَقًا) مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي دَارِ إسْلَامٍ أَوْ حَرْبٍ (مِمَّا أُحْرِزَ) مِنْ الْغَنِيمَةِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ الْأَخْذُ قَبْلَ جَمْعِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدُ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاحَاتِ مِنْ نَحْوِ حَشِيشٍ وَحَطَبٍ فَإِذَا جُمِعَ ثَبَتَ فِيهِ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ وَصَارَ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِمْ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَخْذُ شَيْءٍ (وَكَّلَ بِهِ إمَامٌ مَنْ يَحْفَظُهُ) ، لِأَنَّهُ صَارَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَمَّ مِلْكُهُمْ عَلَيْهِ بِحِيَازَةِ مَنْ وَكَّلَهُ الْإِمَامُ. (وَلَا) تَجُوزُ (التَّضْحِيَةُ بِشَيْءٍ) يَجِبُ (فِيهِ الْخُمْسُ) مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ، (أَوْ) ، أَيْ: لَا يَجُوزُ (غَسْلُ ثَوْبٍ بِصَابُونٍ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ، فَإِنْ فَعَلَ رَدَّ قِيمَتَهُ فِي الْمَغْنَمِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَجُوزُ (اتِّخَاذُ نَعْلٍ وَنَحْوِهِ) كَجِرَبِ (مِنْ جُلُودِ) الدَّوَابِّ الْمَغْنُومَةِ، وَلَا خُيُوطٍ وَحِبَالٍ بَلْ يُرَدُّ فِي الْمَغْنَمِ، (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُسْلِمِ (لِحَاجَةِ دَهْنِ بَدَنِهِ وَدَابَّتِهِ) بِدُهْنٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ (وَ) لَهُ (شُرْبُ شَرَابٍ كَجُلَّابٍ وسكنجبيل) لِحَاجَةٍ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الطَّعَامِ. (وَمَنْ أَخَذَ مِنْ أَحَدٍ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَزَاةٍ مُعَيَّنَةٍ فَالْفَاضِلُ) مِمَّا أَخَذَهُ (لَهُ) ، لِأَنَّهُ أُعْطِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَنَةِ وَالنَّفَقَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِجَارَةِ، كَمَا لَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ بِأَلْفٍ، (وَإِلَّا) يَكُنْ أَخْذُهُ فِي غَزَاةٍ مُعَيَّنَةٍ فَالْفَاضِلُ يُصْرَفُ (فِي الْغَزْوِ) ، لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ الْجَمِيعَ لِيَصْرِفَهُ فِي جِهَةِ قُرْبَةٍ، فَلَزِمَ إنْفَاقُهُ فِيهَا، كَوَصِيَّةِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ، وَلَا يَتْرُكُ لِأَهْلِهِ شَيْئًا مِمَّا أُعْطِيهِ لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْغَزْوِ حَتَّى يَصِيرَ إلَى رَأْسِ مَغْزَاهُ، فَيَبْعَثَ إلَى عِيَالِهِ مِنْهُ. (وَإِنْ أَخَذَ دَابَّةً غَيْرَ عَارِيَّةٍ وَ) لَا (حَبِيسٍ لِغَزْوِهِ عَلَيْهَا مَلَكَهَا بِهِ) ، أَيْ: بِالْغَزْوِ عَلَيْهَا، لِحَدِيثِ

стр. 1487

عُمَرَ: «حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْت أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَوْلَا أَنَّهُ مَلَكَهُ مَا بَاعَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُهُ مِنْ عُمَرَ فَيُقِيمُهُ لِلْبَيْعِ، فِي الْحَالِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَهُ لِلْبَيْعِ بَعْدَ غَزْوِهِ عَلَيْهِ، أَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فَإِنْ لَمْ يَغْزُ رَدَّهَا وَمَعْنَى أَضَاعَهُ: أَهْزَلَهُ. (وَمِثْلُهَا) : الدَّابَّةُ (سِلَاحٌ وَتُرْسٌ وَنَفَقَةٌ) أُعْطِيَ ذَلِكَ لِيَغْزُوَ بِهِ، (فَيَمْلِكُ أَخْذَهُ) بِالْغَزْوِ، فَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ الْغَزْوِ لِغَيْرِ مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ، فَلَا بَأْسَ. (وَلَا تُرْكَبُ دَوَابُّ السَّبِيلِ فِي حَاجَةِ) نَفْسِهِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُسْبَلْ لِذَلِكَ، (بَلْ) تُرْكَبُ وَتُسْتَعْمَلُ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تَعَالَى لِأَنَّهَا سُبِّلَتْ لِذَلِكَ، أَوْ تُرْكَبُ لِعَلَفِهَا وَسَقْيِهَا؛ لِأَنَّهُ لِحَاجَتِهَا، (وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ) مُسْتَوْفَى وَسَهْمُ الْفَرَسِ الْحَبِيسِ كَمَنْ غَزَا عَلَيْهِ يُعْطِي مِنْهُ نَفَقَتَهُ وَالْبَاقِي لَهُ. [بَابُ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ] (بَابُ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ) يُقَالُ: غَنِمَ فُلَانٌ الْغَنِيمَةَ يَغْنَمُهَا، وَاشْتِقَاقُهُمَا مِنْ الْغُنْمِ، وَأَصْلُهُ: الرِّبْحُ وَالْفَضْلُ، وَالْمَغْنَمُ مُرَادِفٌ لِلْغَنِيمَةِ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] وَقَدْ اُشْتُهِرَ وَصَحَّ «أَنَّهُ ﷺ قَسَمَ الْغَنَائِمَ وَكَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]

стр. 1488

الْآيَةَ، ثُمَّ صَارَتْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ، وَخُمُسُهَا لِغَيْرِهِمْ، (وَخُصَّتْ بِهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ، (هَذِهِ الْأُمَّةُ) دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأُمَمِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ غَيْرَكُمْ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ تَأْكُلُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَهِيَ) ، أَيْ: الْغَنِيمَةُ: (مَا أُخِذَ مِنْ مَالٍ حَرْبِيٍّ) خَرَجَ بِهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ جِزْيَةٍ أَوْ خَرَاجٍ وَنَحْوِهِ (قَهْرًا بِقِتَالٍ) خَرَجَ بِهِ مَا جَلَوْا، (وَتَرَكُوهُ) فَزَعًا وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنْ الْعُشْرِ إذَا اتَّجَرُوا إلَيْنَا وَنَحْوُهُ. (وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِمَّا أُخِذَ) مِنْ (فِدْيَةِ) أَسْرَى (أَوْ هَدِيَّةٍ لِلْأَمِيرِ أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ) الْغَانِمِينَ (بِدَارِ حَرْبٍ وَ) ، أَمَّا الْحَاصِلُ لِلْأَمِيرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْهَدَايَا (بِدَارِنَا) فَهُوَ (لِمُهْدَى لَهُ) بِلَا نِزَاعٍ. (وَيَمْلِكُ أَهْلُ حَرْبِ مَا لَنَا بِقَهْرٍ) حَتَّى عَبْدَ مُسْلِمٍ، لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الْمُسْلِمُ مَالَ الْكَافِرِ، فَكَذَا عَكْسُهُ، كَالْبَيْعِ، وَكَمَا يَمْلِكُ بَعْضُهُمْ مَالَ بَعْضٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصَّوَابُ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ (مِلْكًا مُقَيَّدًا لَا يُسَاوِي أَمْلَاك الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ انْتَهَى) لِأَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ إذَا أَدْرَكَهُ يَأْخُذُهُ إمَّا مَجَّانًا أَوْ بِالثَّمَنِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي، فَيَمْلِكُ أَهْلُ حَرْبٍ مَا أَخَذُوهُ مِنَّا قَهْرًا، (وَلَوْ اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَهُ) ، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " (أَوْ) ، أَيْ: وَيَمْلِكُونَ مَا (شَرَدَ) إلَيْهِمْ مِنْ دَوَابِّنَا (أَوْ أَبَقَ) إلَيْهِمْ مِنْ رَقِيقِنَا (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ الْآبِقُ (قِنًّا مُسْلِمًا) ، فَيَمْلِكُونَهُ، لِأَنَّهُ مَالٌ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْقَوَاعِدِ "، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَتَذْكِرَةِ " ابْنِ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " " وَالْمُحَرَّرِ " وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

стр. 1489

(أَوْ أَلْقَتْهُ رِيحٌ إلَيْهِمْ) مِنْ سُفُنِنَا، (أَوْ أُمَّ وَلَدٍ) لِمُسْلِمٍ وَمُكَاتَبٍ، لِأَنَّهُمَا يُضَمَّنَانِ إلَيْهِمْ مِنْ سُفُنِنَا، (أَوْ أُمَّ وَلَدٍ) لِمُسْلِمٍ وَمُكَاتَبٍ، لِأَنَّهُمَا يُضَمَّنَانِ بِقِيمَتِهِمَا عَلَى مُتْلِفِهِمَا، فَمَلَكُوهُ كَالْقِنِّ، (وَ) مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى مِلْكِهِمْ مَالَ الْمُسْلِمِ بِأَخْذِهِ أَنَّهُ (يَنْفَسِخُ بِهِ) ، أَيْ: بِاسْتِيلَاءِ أَهْلِ حَرْبٍ (نِكَاحُ أَمَةٍ) مُزَوَّجَةٍ اسْتَوْلُوا عَلَيْهَا وَحْدَهَا لِمِلْكِهِمْ رَقَبَتَهَا وَمَنَافِعَهَا، وَكَنِكَاحِ كَافِرَةٍ سُبِيَتْ وَحْدَهَا. (وَ) مِنْهُ (لَوْ بَقِيَ مَالُ مُسْلِمٍ مَعَهُمْ) ، أَيْ: الْحَرْبِيِّينَ حَوْلًا (أَوْ أَحْوَالًا، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِ ، (أَوْ كَانَ) مَا أَخَذُوهُ (عَبْدًا) أَوْ أَمَةً، (فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يُعْتَقْ) ، لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مَا لَا يَمْلِكُهُ، (أَوْ كَانَتْ) الْمَأْخُوذَةُ (أَمَةً) وَطِئَهَا سَيِّدُهَا، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْكُفَّارُ، (فَلَهُ) ، أَيْ: سَيِّدِهَا (وَطْءُ) أُخْتٍ لَهَا (بَاقِيَةٍ) فِي مِلْكِهِ، لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَأْخُوذَةِ (أَوْ أَسْلَمَ مَنْ) ، أَيْ: حَرْبِيٌّ (بِيَدِهِ) مَالٌ لِمُسْلِمٍ، فَهُوَ لَهُ نَصًّا، لِحَدِيثِ: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» ، قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَإِذَا أَسْلَمُوا وَفِي أَيْدِيهِمْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَهِيَ لَهُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: لَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ اخْتِلَافٌ فِي ذَلِكَ. (أَوْ جَاءَنَا) حَرْبِيٌّ (بِأَمَانٍ) وَفِي يَدِهِ مَالُ مُسْلِمٍ قَدْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ قَهْرًا، (فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ) وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِسَبَبِهِ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُ لَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ، (وَلَا يَمْلِكُونَ) حَبِيسًا وَلَا (وَقْفًا) ، عَبْدًا كَانَ أَوْ دَابَّةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ بِاسْتِيلَاءٍ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ. (وَلَا يَضْمَنُ) أَهْلُ حَرْبٍ (مَا) أَتْلَفُوهُ مِمَّا (اسْتَوْلُوا عَلَيْهِ) مِنْ أَمْوَالِنَا (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ وَقْفًا أَوْ مِلْكًا بِالْإِجْمَاعِ، (وَيُعْمَلُ) بِوَسْمٍ عَلَى حَبِيسٍ، لِقُوَّةِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، كَمَا يُعْمَلُ (بِقَوْلِ مَأْسُورٍ) اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْآنَ (هُوَ مِلْكُ فُلَانٍ وَيُرَدُّ لَهُ) إذَا عَرَفَهُ وَلَا يُقْسَمُ نَصًّا،

стр. 1490

وَكَذَا أُصِيبَ مَرْكَبٌ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ فِيهَا نَوَاتِيَّةٌ، وَقَالُوا: هَذَا لِفُلَانٍ، وَهَذَا لِفُلَانٍ، قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا قَدْ عُرِفَ صَاحِبُهُ لَا يُقْسَمُ (وَلَا) يَمْلِكُونَ (حُرًّا وَلَوْ ذِمِّيًّا) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْقِيمَةِ، وَلَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ بِحَالٍ، فَإِذَا قَدَرَ الْمُسْلِمُونَ بَعْد ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَجَبَ رَدُّهُمْ إلَى ذِمَّتِهِمْ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ، لِأَنَّ ذِمَّتَهُمْ بَاقِيَةٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ مَا يُوجِبُ نَقْضَهَا (وَيَلْزَمُ فِدَاؤُهُ) ، أَيْ: الذِّمِّيِّ مِنْ أَهْلِ حَرْبٍ اسْتَوْلُوا عَلَيْهِ، (ك) مَا يَلْزَمُ فِدَاءُ (مُسْلِمٍ وَلَا) يَجُوزُ (فِدَاءُ) أَسِيرٍ (بِخَيْلٍ وَلَا سِلَاحٍ) ، لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، (وَلَا) فِدَاءُ (بِمُكَاتَبٍ وَ) لَا (أُمِّ وَلَدٍ) وَلَوْ كَافِرَيْنِ، لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِمَا. (وَلِمُشْتَرٍ أَسِيرًا) مِنْ كَافِرٍ (رُجُوعٌ) عَلَى الْأَسِيرِ (بِثَمَنِهِ بِنِيَّةٍ) ، أَيْ: نِيَّةِ رُجُوعٍ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ: أَيُّمَا رَجُلٍ أَصَابَ رَقِيقَهُ وَمَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ أَصَابَهُ فِي أَيْدِي التُّجَّارِ بَعْدَ مَا انْقَسَمَ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَأَيُّمَا حُرٍّ اشْتَرَاهُ التُّجَّارُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ إلَيْهِمْ رُءُوسَ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يُبَاعُ، وَلَا يُشْتَرَى، وَلِأَنَّ الْأَسِيرَ يَلْزَمُهُ فِدَاءُ نَفْسِهِ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ حُكْمِ الْكُفَّارِ، فَإِذَا نَابَ عَنْهُ غَيْرُهُ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ كَقَضَاءِ دَيْنِهِ عَنْهُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ (فَيُقْبَلُ قَوْلُ أَسِيرٍ فِي قَدْرِهِ) ، لِأَنَّهُ غَارِمٌ مُنْكِرٌ لِلزَّائِدِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ (وَإِنْ أُخِذَ مِنْهُمْ) ، أَيْ: أَهْلِ حَرْبٍ (مَالُ مُسْلِمٍ أَوْ) مَالُ (مُعَاهِدٍ) ذِمِّيٍّ أَوْ غَيْرِهِ اسْتَوْلُوا عَلَيْهِ (مَجَّانًا) ، أَيْ: بِلَا عِوَضٍ، (وَلَوْ بِسَرِقَةٍ) وَعُرِفَ رَبُّهُ، (فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ) إنْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ قِسْمَةٍ (مَجَّانًا) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ عَبْدًا لَهُ أَبَقَ إلَى الْعَدُوِّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى ابْنِ عُمَرَ» وَعَنْهُ قَالَ: «ذَهَبَ

стр. 1491

فَرَسٌ لَهُ فَأَخَذَهَا الْعَدُوُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ » رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَلِقَوْلِ عُمَرَ: مَنْ وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ يُقْسَمْ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ. (وَلَا تَصِحُّ قِسْمَتُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَبِّهِ) وَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، لِأَنَّ قِسْمَتَهُ كَانَتْ بَاطِلَةً مِنْ أَصْلِهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يُقْسَمْ (وَ) إنْ أُخِذَ مِنْهُمْ مَالُ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهِدٍ (بِشِرَاءٍ أَوْ) قِتَالٍ وَأَدْرَكَهُ رَبُّهُ (بَعْدَ قِسْمَتِهِ غَنِيمَةً فَهُوَ) ، أَيْ: رَبُّهُ، (أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ بَعِيرًا لَهُ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَصَابُوهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ إنْ أَصَبْتَهُ قَبْلَ أَنْ نُقْسِمَهُ فَهُوَ لَك، وَإِنْ أَصَبْتَهُ بَعْدَ مَا قُسِمَ أَخَذْتَهُ بِالْقِيمَةِ» وَلِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى ضَيَاعِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَحِرْمَانِ أَخْذِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَحَقُّهَا يَنْجَبِرُ بِالثَّمَنِ، فَرُجُوعُ صَاحِبِ الْمَالِ فِي عَيْنِ مَالِهِ بِثَمَنِهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ كَأَخْذِ الشَّخْصِ بِالشُّفْعَةِ، (وَلَوْ بَاعَهُ) ، أَيْ: مَالَ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُعَاهِدِ أَوْ أَخَذَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ وَقَفَهُ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ، لَزِمَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ، لِصُدُورِهِ مِنْ مَالِكٍ فِي مِلْكِهِ، (وَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ) مَجَّانًا إنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ كُفَّارٍ مَجَّانًا، وَبِثَمَنِهِ إنْ كَانَ أَخَذَ مِنْهُمْ بِشِرَاءٍ أَوْ بَعْدَ قِسْمَةٍ (مِنْ آخَرَ مُشْتَرٍ وَ) آخَرَ (مُتَّهِبٍ) كَأَوَّلٍ أَخْذٍ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي " الْقَوَاعِدِ ": وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ تَمْنَعُ الصَّرْفَ كَالشُّفْعَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ (مَا وُقِفَ أَوْ عَتَقَ) لِمَنْعِ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهِ، وَقِيَاسُهُ: لَوْ اسْتَوْلَدَهَا أَخَذَهَا. وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُمْ، أَيْ: مِنْ أَهْلِ حَرْبٍ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً مُزَوَّجَةً أَوْ أَخَذَ مِنْهُمْ أُمَّ وَلَدٍ؛ رُدَّتْ الْحُرَّةُ الْمُزَوَّجَةُ لِزَوْجِهَا، وَرُدَّتْ أُمُّ الْوَلَدِ لِسَيِّدِهَا، (وَيَلْزَمُ سَيِّدًا أَخْذُهَا) قَبْلَ قِسْمَةٍ مَجَّانًا، وَبَعْدَ قِسْمَةٍ بِثَمَنِهَا، وَلَا يَدَعْهَا يَسْتَحِلُّ فَرْجَهَا مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ وَوَلَدُهُمَا، أَيْ: الْحُرَّةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ مِنْهُمْ، أَيْ: الْحَرْبِيَّيْنِ، كَوَلَدِ زِنَا، وَوَلَدِ

стр. 1492

مُلَاعَنَةٍ، لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُمْ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، وَإِنْ أَبَى وَلَدُهَا مِنْهُمْ الْإِسْلَامَ (ضُرِبَ وَحُبِسَ حَتَّى يُسْلِمَ وَيَتُوبَ مِنْ كُفْرِهِ) ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ كَمَفْقُودِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ. (وَيَتَّجِهُ) ب (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَلَا يُقْتَلُ، وَإِنْ هَذَا) ، أَيْ: عُدِمَ قَتْلُهُ (إذَا كَانَتَا) ، أَيْ: الْحُرَّةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ (كَافِرَتَيْنِ) ، لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ كَافِرٍ وَكَافِرَةٍ، وَمَا دَامَا فِي الْحَيَاةِ فَهُوَ تَبَعٌ لَهُمَا، (إلَّا) بِأَنْ كَانَتَا مُسْلِمَتَيْنِ (فَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ) تَبَعًا لِأُمِّهِ، فَلَا يُقِرُّ عَلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَصْلٌ تُمْلَكُ غَنِيمَةٌ بِاسْتِيلَاءٍ عَلَيْهَا] (فَصْلٌ) (وَتُمْلَكُ غَنِيمَةٌ بِاسْتِيلَاءٍ عَلَيْهَا) وَلَوْ (بِدَارِ حَرْبٍ) نَصًّا، لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ التَّامَّ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَقَدْ وُجِدَ لِثُبُوتِ أَيْدِينَا عَلَيْهَا حَقِيقَةً، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْكُفَّارِ قَدْ زَالَ عَنْهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُمْ فِي الْعَبِيدِ الَّذِينَ حَصَلُوا فِي الْغَنِيمَةِ، وَالْمِلْكُ لَا يَزُولُ إلَى غَيْرِ مَالِكٍ (كَعِتْقِ عَبْدٍ حَرْبِيٍّ) أَسْلَمَ و (لَحِقَ بِنَا) ، يَعْنِي: وَيَدُلُّ عَلَى زَوَالِ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ بِالْقَهْرِ أَنَّ عَبْدَ الْحَرْبِيِّ لَمَّا قَهَرَهُ بِإِسْلَامِهِ وَلُحُوقِهِ بِنَا صَارَ حُرًّا، (وَفِي " الْمُنْتَهَى " هُنَا نَظَرٌ) وَوَجْهُهُ أَنَّهُ قَالَ هُنَا: كَعِتْقِ عَبْدٍ حَرْبِيٍّ، وَإِبَانَةِ زَوْجَةٍ أَسْلَمَا،

стр. 1493

وَلَحِقَا بِنَا فَقَيَّدَ الْعِتْقَ وَالْإِبَانَةَ عَلَى حُصُولِ أَمْرَيْنِ الْإِسْلَامِ وَاللُّحُوقِ بِنَا، مَعَ أَنَّهُ أَسْلَفَ قَبْلُ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ وَالْحَبِيسَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ خَرَجَ عَبْدٌ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، أَوْ نَزَلَ مِنْ حِصْنٍ، فَهُوَ حُرٌّ فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِإِسْلَامٍ بَلْ صَرَّحَ بِحُصُولِهِ بِالْأَمَانِ، وَيَأْتِي فِي نِكَاحِ الْكُفَّارِ أَنَّ الْكَافِرَةَ لَا تَبِينُ بِمُجَرَّدِ لُحُوقِهَا بِدَارِنَا، أَيْ: مَا لَمْ تُنْقَضْ عِدَّتُهَا قَبْلَ إسْلَامِ زَوْجِهَا، فَيَكُونُ مَا فِي الْمُنْتَهَى " هُنَا مَخْرَجٌ عَلَى ضَعِيفٍ. (وَيَجُوزُ قِسْمَتُهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ (فِيهَا) ، أَيْ: دَارِ الْحَرْبِ، لِمَا رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيّ، قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ، إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَبِيعُونَ غَنَائِمَهُمْ، وَيُقَسِّمُونَهَا فِي أَرْضِ عَدُوِّهِمْ، «وَلَمْ يَقْفُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةٍ قَطُّ أَصَابَ فِيهَا غَنِيمَةً إلَّا خَمَّسَهُ، وَقَسَمَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْفُلَ، مِنْ ذَلِكَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهَوَازِنَ وَحُنَيْنٍ» . (وَ) يَجُوزُ (بَيْعُهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهَا، (فَلَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ، (عَدُوٌّ) بَعْدَ أَنْ تَبَايَعُوهَا (بِمَكَانِهَا) ، فَأَخَذَهَا مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ، (ف) هِيَ (مِنْ) ضَمَانِ (مُشْتَرٍ) ، سَوَاءٌ فَرَّطَ أَوْ لَا، لِحَدِيثِ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَهَذَا نَمَاؤُهُ لِلْمُشْتَرِي، فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَقْبُوضٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بِيعَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. (وَشِرَاءُ الْأَمِيرِ مِنْهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ، (لِنَفْسِهِ إنْ وَكَّلَ مَنْ جُهِلَ أَنَّهُ وَكِيلُهُ) ، أَيْ: الْأَمِيرُ فِي الشِّرَاءِ مِنْهَا، (صَحَّ) شِرَاؤُهُ لَهُ، لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ، وَهُوَ الْمُحَابَاةُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ وَكَّلَهُ الْأَمِيرُ فِي بَيْعِ الْغَنِيمَةِ، وَفِي الشِّرَاءِ مِنْهَا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ، وَلَا لِلْأَمِيرِ كَمَا يَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي نَصِّ الْأَمَامِ، قَالَ: لَا يَجُوزُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَغْنَمِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، لِأَنَّهُ يُحَابِي، وَلِأَنَّهُ يَشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ وَكِيلِ نَفْسِهِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ، (وَإِلَّا) بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ وَكِيلُهُ، (حَرُمَ) الشِّرَاءُ نَصًّا.

стр. 1494

(وَيَتَّجِهُ: وَلَمْ يَصِحَّ) ، لِأَنَّ عُمَرَ رَدَّ مَا اشْتَرَاهُ ابْنُهُ فِي غَزْوَةِ جَلُولَاءَ، وَقَالَ: إنَّهُ يُحَابِي. احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ بُطْلَانُ الْبَيْعِ، وَأَنَّ ابْنَ الْأَمِيرِ مِثْلُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَتُضَمُّ غَنِيمَةُ سَرَايَا الْجَيْشِ إلَى غَنِيمَتِهِ) أَيْ: الْجَيْشِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رُوِينَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَتُرَدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعَدَتِهِمْ» وَ «فِي تَنْفِيلِهِ ﷺ فِي الْبُدَاءَةِ الرُّبْعُ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثُ» دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاكِهِمْ فِي الْبَاقِي، وَإِنْ نَفَّدَ الْإِمَامُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ جَيْشَيْنِ، أَوْ سَرِيَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ انْفَرَدَ كُلٌّ بِمَا غَنِمَهُ، لِانْفِرَادِهِ بِالْجِهَادِ، بِخِلَافِ الْمَبْعُوثِينَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. (وَيَبْدَأُ فِي قَسْمٍ بِدَفْعِ سَلَبٍ) لِأَنَّ السَّلَبَ يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ غَيْرَ مَخْمُوسٍ، فَإِنْ كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ مَالُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، دُفِعَ إلَيْهِ إنْ عُرِفَ (ثُمَّ بِأُجْرَةِ جَمْعِ) غَنِيمَةٍ (وَحَمْلِهَا وَحِفْظِ) هَا، لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَتِهَا، كَعَلَفِ دَوَابِّهَا، (وَ) دَفْعِ (جُعْلِ مَنْ دَلَّ عَلَى مَصْلَحَةٍ) مِنْ مَاءٍ أَوْ قَلْعَةٍ أَوْ ثُغْرَةٍ يَدْخُلُ مِنْهَا إلَى حِصْنٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى السَّلَبِ، قَالَ الْبُهُوتِيُّ، قُلْت: هَذَا مِنْ النَّفْلِ، فَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْخُمُسِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَيَأْتِي. (ثُمَّ يُخَمِّسُ الْبَاقِي) عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ، (ثُمَّ) يُخَمِّسُ (خُمُسَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ) ، مِنْهَا: (سَهْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ مَصْرِفُهُ كَالْفَيْءِ) فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهَا. (وَكَانَ) ﷺ (قَدْ خُصَّ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (مِنْ الْمَغْنَمِ بِالصَّفِيِّ، وَهُوَ) ، أَيْ: الصَّفِيُّ: (مَا يَخْتَارُهُ) ﷺ (قَبْلَ قِسْمَةِ) غَنِيمَةٍ مِنْهَا (كَجَارِيَةٍ وَثَوْبٍ وَسَيْفٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ ﷺ كَتَبَ إلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ قَيْسٍ: إنَّكُمْ إنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ، وَأَدَّيْتُمْ

стр. 1495

الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنَمِ، وَسَهْمِ الصَّفِيِّ، إنَّكُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» وَفِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ «وَأَنْ تُعْطُوا سَهْمَ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّفِيَّ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنْ الصَّفِيِّ، وَانْقَطَعَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ ﷺ لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ لَمْ يَأْخُذُوهُ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَا يُجْمِعُونَ إلَّا عَلَى الْحَقِّ (وَسَهْمٍ لِذَوِي الْقُرْبَى، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ) دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: «لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، أَتَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا بَنُو هَاشِمٍ، فَلَمْ نُنْكِرْ فَضْلَهُمْ، لِمَكَانِك الَّذِي وَضَعَك اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ، فَمَا بَالُ إخْوَانِنَا مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْك بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؟ ، فَقَالَ: إنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ، وَإِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ. (حَيْثُ كَانُوا) ، أَيْ: بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، يُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ بِالْقَرَابَةِ، أَشْبَهَ الْمِيرَاثَ وَالْوَصِيَّةَ، (غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] «وَكَانَ ﷺ يُعْطِي أَقَارِبَهُ كُلَّهُمْ، وَفِيهِمْ الْغَنِيُّ كَالْعَبَّاسِ» (وَلَا شَيْءَ لِمَوَالِيهِمْ) ، لِأَنَّهُ لَيْسُوا مِنْهُمْ، (وَ) لَا (أَوْلَادِ بَنَاتِهِمْ) مِنْ غَيْرِهِمْ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَدْفَعْ لِأَقَارِبِ أُمِّهِ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَلَا إلَى بَنِي عَمَّاتِهِ كَالزُّبَيْرِ، (وَلَا) شَيْءَ (لِبَاقِي قُرَيْشٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَسَهْمٍ لِفُقَرَاءِ الْيَتَامَى، وَهُمْ) ، أَيْ: الْيَتَامَى: (مَنْ لَا أَبَ لَهُ) ، أَيْ: مَاتَ أَبُوهُ، (وَلَمْ يَبْلُغْ) ، لِحَدِيثِ: «لَا يُتْمَ

стр. 1496

بَعْدَ احْتِلَامٍ» وَاعْتُبِرَ فَقْرُهُمْ، لِأَنَّ الصَّرْفَ إلَيْهِمْ لِحَاجَتِهِمْ، وَلِأَنَّ وُجُودَ الْمَالِ أَنْفَعُ مِنْ وُجُودِ الْأَبِ (وَلَوْ جَهِلَ بَقَاءَ أَبِيهِ) ، فَلَا يُعْطَى لِصِفَةِ الْيُتْمِ، (إذْ الْأَصْلُ بَقَاؤُهُ) ، أَيْ: أَبِيهِ، (وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ) ، أَيْ: أَهْلِ الْحَاجَةِ، (وَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْفُقَرَاءُ، فَهُمْ) ، أَيْ: الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، (صِنْفٌ وَاحِدٌ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، إلَّا) فِي (الزَّكَاةِ) ، فَهُمْ صِنْفَانِ، وَتَقَدَّمَ. (وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءٍ السَّبِيلِ، فَيُعْطَى الْجَمِيعُ) مِنْ الْخُمُسِ (كَزَكَاةٍ) ، فَيُعْطَى الْمِسْكِينُ تَمَامَ كِفَايَتِهِ مَعَ عَائِلَتِهِ سَنَةً، وَكَذَا الْيَتِيمُ، وَيُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ مَا يُوصِلُهُ إلَى بَلَدِهِ (بِشَرْطِ إسْلَامِ الْكُلِّ) ، لِأَنَّهُ عَطِيَّةٌ مِنْ اللَّهِ، فَلَا حَقَّ لِكَافِرٍ فِيهِ كَزَكَاةٍ، وَلَا لِقِنٍّ، (وَيَعُمُّ بِذَلِكَ مَنْ يَجْمَعُ الْبِلَادَ) مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ (حَسَبَ الطَّاقَةِ) ، فَيَبْعَثُ الْإِمَامُ إلَى عُمَّالِهِ بِالْأَقَالِيمِ، وَيَنْظُرُ مَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ اسْتَوَتْ فَرَّقَ كُلَّ خُمُسٍ فِيمَا قَارَبَهُ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَمَرَ بِحَمْلِ الْفَضْلِ، فَيُدْفَعُ لِمُسْتَحِقِّهِ كَمِيرَاثٍ. (فَإِنْ لَمْ تَأْخُذْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ) سَهْمَهُمْ، (رُدَّ فِي كُرَاعٍ، وَهُوَ: الْخَيْلُ وَ) فِي (سِلَاحٍ) عِدَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. (وَمَنْ فِيهِ) مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ مِنْ الْخُمُسِ (سَبَبَانِ فَأَكْثَرُ، كَابْنِ سَبِيلٍ مِسْكِينٍ يَتِيمٍ أَخَذَ بِهَا) ، لِأَنَّهَا أَسْبَابُ أَحْكَامٍ، فَوَجَبَ ثُبُوتُ أَحْكَامِهَا، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ، (لَكِنْ لَوْ أَخَذَ لِيُتْمِهِ، فَزَالَ فَقْرُهُ) بِأَنْ اسْتَغْنَى بِمَا أُعْطِيهِ لِيُتْمِهِ، (لَمْ يُعْطَ لِفَقْرِهِ) شَيْئًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فَقِيرًا، (ثُمَّ يَبْدَأُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ الْبَاقِيَةِ) لِلْغَانِمِينَ (بِنَفَلٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ، (وَهُوَ) ، أَيْ: النَّفَلُ: (الزَّائِدُ عَلَى السَّهْمِ لِمَصْلَحَةٍ) ، لِانْفِرَادِ بَعْضِ الْغَانِمِينَ بِهِ، فَقُدِّمَ عَلَى الْقِسْمَةِ كَالسَّلَبِ (كَعَمَلِ مَا فِيهِ غَنَاءٌ) لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ تَنَفَّلَ السَّرَايَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ، (أَوْ) قَوْلِ الْأَمِيرِ (مَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ وَنَحْوِهِ، فَلَهُ كَذَا) أَوْ مَنْ طَلَعَ حِصْنًا أَوْ نَقَبَهُ، أَوْ دَلَّ

стр. 1497

عَلَى قَلْعَةٍ أَوْ مَاءٍ، فَلَهُ كَذَا، (ثُمَّ يَرْضَخُ) الْإِمَامُ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الرَّضْخُ: (عَطَاءٌ دُونَ السَّهْمِ) لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَيَرْضَخُ (لِمُمَيِّزٍ وَقِنٍّ وَخُنْثَى وَامْرَأَةٍ عَلَى مَا يَرَاهُ إمَامٌ) أَوْ نَائِبُهُ (عَلَى قَدْرِ نَفْعِهِمْ) ، فَيُفَضِّلُ الْمُقَاتِلَ وَذَا الْبَأْسِ، وَمَنْ تَسْقِي الْمَاءَ وَتُدَاوِي الْجَرْحَى عَلَى مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، (إلَّا أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِهِ) ، أَيْ: الرَّضْخُ (لِرَاجِلٍ سَهْمُ رَاجِلٍ وَلَا لِفَارِسٍ سَهْمُ فَارِسٍ) ، لِئَلَّا يُسَاوِي مَنْ يُسْهَمُ لَهُ، (وَلِمُبَعَّضٍ بِالْحِسَابِ مِنْ رَضْخٍ وَإِسْهَامٍ) كَحَدٍّ، وَدِيَةٍ، وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّفَلَ وَالرَّضْخَ يَكُونُ إخْرَاجُهُمَا بَعْدَ إخْرَاجِ خُمْسِ الْغَنِيمَةِ، فَيَكُونَانِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي. شَرْحِ مُسْلِمٍ " عَنْ أَحْمَدَ مِنْ أَنَّ الرَّضْخَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": لَمْ نَرَهُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ كَذَلِكَ. (وَإِنْ غَزَا قِنٌّ عَلَى فَرَسِ سَيِّدِهِ رَضَخَ لَهُ) ، أَيْ: الْقِنُّ، (وَقَسَمَ لَهَا) ، أَيْ: الْفَرَسِ تَحْتَهُ، لِأَنَّ سَهْمَهَا لِمَالِكِهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَ الْعَبْدِ فَرَسٌ أُخْرَى كَمَا لَوْ كَانَتَا مَعَ السَّيِّدِ (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ سَيِّدِهِ فَرَسَانِ) ، لِأَنَّهُ لَا سَهْمَ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي. تَنْبِيهٌ: الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ كَالْقِنِّ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كَالْمَرْأَةِ، فَإِنْ انْكَشَفَ حَالُهُ قَبْلَ أَنْ تُقْضَى الْحَرْبُ وَالْقِسْمَةُ، أَوْ بَعْدَهُمَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَجُلٌ أُتِمَّ لَهُ سَهْمُ رَجُلٍ كَغَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ (وَإِنْ كَانَ الْغَانِمُ مَنْ يَرْضَخُ لَهُ فَقَطْ) كَعَبِيدٍ وَصِبْيَانٍ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَغَنِمُوا، أَخَذَ الْإِمَامُ خُمُسَهُ، وَمَا بَقِيَ لَهُمْ، لِعُمُومِ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ. (فَهَلْ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ، لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ) ، لِأَنَّهُمْ

стр. 1498

تَسَاوَوْا كَالْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ، (أَوْ) يُقَسَّمُ (عَلَى مَا يَرَاهُ إمَامٌ) مِنْ مُفَاضَلَةٍ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُمْ رِجَالٌ أَحْرَارٌ؟ (احْتِمَالَانِ) أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ. (وَإِنْ غَزَا جَمَاعَةٌ مِنْ كُفَّارٍ وَحْدَهُمْ فَغَنِمُوا) ، فَغَنِيمَتُهُمْ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ، وَحَيْثُ كَانَتْ لَهُمْ، (فَهَلْ يُؤْخَذُ خُمُسُ غَنِيمَتِهِمْ؟ احْتِمَالَانِ) مُتَسَاوِيَانِ، (ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي) بَعْدَ مَا سَبَقَ (بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ، لِقَصْدِ قِتَالٍ) قَاتَلَ، أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ حَتَّى تُجَّارِ الْعَسْكَرِ، وَأُجَرَائِهِمْ الْمُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتَالِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُقَاتِلِ رِدْءٌ لِلْمُقَاتِلِ وَيُسَهَّمُ لِخَيَّاطٍ وَخَبَّازٍ وَبَيْطَارٍ وَنَحْوهمْ حَضَرُوا، نَصًّا، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَسْتَعِدَّ لِلْقِتَالِ مِنْ تُجَّارٍ وَغَيْرِهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَا نَفْعَ فِيهِمْ، (أَوْ بَعَثَ فِي سَرِيَّةٍ أَوْ) بَعَثَ (لِمَصْلَحَةٍ كَرَسُولٍ وَدَلِيلٍ وَجَاسُوسٍ، وَمَنْ خَلَّفَهُ الْأَمِيرُ بِبِلَادِ الْعَدُوِّ، وَغَزَا وَلَمْ يَمُرَّ) الْأَمِيرُ بِهِ فَيَرْجِعُ، لِأَنَّهُ فِي مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ أَوْلَى بِالْإِسْهَامِ مِمَّنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ وَلَمْ يُقَاتِلْ (وَلَوْ مَعَ مَنْعِ غَرِيمٍ لَهُ أَوْ) مَنْعِ (أَبٍ) لَهُ، لِتَعَيُّنِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ بِحُضُورِ الصَّفِّ، وَلَا يُسَهَّمُ لِمَنْ (لَا يُمْكِنُهُ قِتَالٌ) لِمَرَضٍ (وَلَا لِدَابَّةٍ لَا يُمْكِنُهُ) قِتَالٌ (عَلَيْهَا لِمَرَضٍ) كَزَمَانَةٍ وَشَلَلٍ، لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْجِهَادِ، بِخِلَافِ حُمَّى يَسِيرَةٍ وَصُدَاعٍ وَوَجَعِ ضِرْسٍ وَنَحْوِهِ، فَيُسَهَّمُ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَهْلِيَّتِهِ. و (لَا) يُسَهَّمُ (لِمُخْذِلٍ وَمُرْجِفٍ وَنَحْوِهِمَا) كَرَامٍ بَيْنَنَا بِفِتَنٍ، وَمُكَاتِبٍ بِأَخْبَارِنَا، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الدُّخُولِ مَعَ الْجَيْشِ، أَشْبَهَ الْفَرَسَ الْعَجِيفَ (وَلَوْ تَرَكَ ذَلِكَ) ، أَيْ: التَّخْذِيلَ وَالْإِرْجَافَ وَنَحْوَهُ، (وَقَاتَلَ) لِعِصْيَانِهِ (وَلَا يُرْضَخُ لَهُ) ، أَيْ: الْمُخْذِلِ وَالْمُرْجِفِ وَنَحْوِهِ، (وَلَا) يُسَهَّمُ، وَلَا يُرْضَخُ (لِمَنْ نَهَاهُ الْأَمِيرُ أَنْ يَحْضُرَ) فَلَمْ يَنْتَهِ لِمُخَالَفَتِهِ، (وَ)

стр. 1499

لَا (كَافِرٍ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ) ، أَيْ: الْأَمِيرَ، (وَ) لَا (عَبْدٍ لَمْ يَأْذَنْ) لَهُ (سَيِّدُهُ) فِي غَزْوٍ لِعِصْيَانِهِمَا، (و) لَا (طِفْلٍ وَ) لَا (مَجْنُونٍ) ، لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِمَا لِلْقِتَالِ، (وَ) لَا (مَنْ فَرَّ مِنْ اثْنَيْنِ) كَافِرَيْنِ لِعِصْيَانِهِ. فَيُقَسَّمُ (لِلرَّاجِلِ وَلَوْ) كَانَ (كَافِرًا سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ عَلَى فَرَسٍ عَرَبِيٍّ، وَيُسَمَّى: الْعَتِيقُ، ثَلَاثَةُ) أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَانِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمٌ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: «لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَسْهَمَ هَكَذَا لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا» ، (وَ) لِلْفَارِسِ (عَلَى فَرَسٍ هَجِينٍ، وَهُوَ مَا أَبُوهُ فَقَطْ عَرَبِيٌّ، أَوْ) عَلَى فَرَسٍ (مُقْرِفٍ عَكْسُ الْهَجِينِ) ، وَهُوَ: مَا أُمُّهُ فَقَطْ عَرَبِيَّةٌ، (أَوْ) عَلَى فَرَسِ (بِرْذَوْنٍ، وَهُوَ: مَا أَبَوَاهُ نَبَطِيَّانِ، سَهْمَانِ) : سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمٌ لِفَرَسِهِ، لِحَدِيثِ مَكْحُولٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى الْفَرَسَ الْعَرَبِيَّ سَهْمَيْنِ، وَأَعْطَى الْهَجِينَ سَهْمًا» رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ، وَعَنْ عُمَرَ شَبَهُهُ. (وَإِنْ غَزَا اثْنَانِ عَلَى فَرَسِهِمَا، فَلَا بَأْسَ) بِهِ (وَسَهْمُهُ لَهُمَا) بِقَدْرِ مِلْكِهِمَا فِيهِ كَسَائِرِ نَمَائِهِ، (وَسَهْمُ) فَرَسٍ (مَغْصُوبٍ) غَزَا عَلَيْهِ غَاصِبُهُ أَوْ غَيْرُهُ (لِمَالِكِهِ) نَصًّا وَلَوْ مِنْ أَهْلِ الرَّضْخِ، لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مَعَ مَالِكِهِ، وَلِأَنَّ سَهْمَهُ يُسْتَحَقُّ بِنَفْعِهِ، وَنَفْعُهُ لِمَالِكِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَحَقَّ بِهِ لَهُ. (وَ) سَهْمُ فَرَسٍ (مُعَارٍ وَمُسْتَأْجَرٍ وَحَبِيسٍ لِرَاكِبِهِ) إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْهَامِ، لِقِتَالِهِ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِحْقَاقِهِ لِنَفْعِ الْفَرَسِ، فَاسْتَحَقَّ سَهْمَهُ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ كَوْنُهُ حَبِيسًا لِأَنَّهُ حُبِسَ عَلَى مَنْ يَغْزُو عَلَيْهِ (وَيُعْطَى) رَاكِبُ حَبِيسٍ (نَفَقَةُ الْحَبِيسِ) مِنْ سَهْمِهِ، لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ (وَلَا يُسْهِمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ) مِنْ خَيْلِ الرَّجُلِ فَيُعْطَى صَاحِبُهُمَا

стр. 1500

خَمْسَةَ أَسْهُمٍ، سَهْمًا لَهُ، وَأَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ لِفَرَسَيْهِ الْعَرَبِيِّينَ، لِحَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسْهِم لِلْخَيْلِ، وَكَانَ لَا يُسْهِمُ لِرَجُلٍ فَوْقَ فَرَسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ أَفْرَاسٍ» وَرَوَى مَعْنَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّ لِلْمُقَاتِلِ حَاجَةً إلَى الثَّانِي، لِأَنَّ إدَامَةَ رُكُوبِ فَرَسٍ وَاحِدٍ تُضْعِفُهُ، وَتَمْنَعُ الْقِتَالَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا زَادَ. (وَلَا شَيْءَ) مِنْ سَهْمٍ، وَلَا رَضْخٍ (لِغَيْرِ الْخَيْلِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ أَسْهَمَ لِغَيْرِ الْخَيْلِ، وَكَانَ مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعُونَ بَعِيرًا، وَلَمْ تَخْلُ غَزَاةٌ مِنْ غَزَوَاتِهِ مِنْ الْإِبِلِ، بَلْ هِيَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ، وَلَوْ أَسْهَمَ لَهَا لَنُقِلَ، وَكَذَا أَصْحَابُهُ ﷺ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَلَيْهَا كَرٌّ وَلَا فَرٌّ. [فَصْلٌ مَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْغَانِمِينَ] (فَصْلٌ) (وَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ) مِنْ الْغَانِمِينَ (وَلَوْ) كَانَ (مُفْلِسًا) ، فَسَهْمُهُ لِلْبَاقِي (وَيَتَّجِهُ: لَا) يُسْقِطُ حَقُّ مُفْلِسٍ بِإِسْقَاطِهِ لَهُ (بَعْدَ حَجْرٍ) عَلَيْهِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ، وَيَأْتِي - فِي بَابِ الْحَجْرِ - أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ التَّبَرُّعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا) يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ إنْ كَانَ (سَفِيهًا)

стр. 1501

لِمَنْعِهِ مِنْ التَّبَرُّعِ أَيْضًا، وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، وَلَا سَفِيهًا (ف) يَصِحُّ إسْقَاطُهُ وَيَكُونُ سَهْمُهُ (لِلْبَاقِي) مِنْ الْغَانِمِينَ، لِأَنَّ اشْتِرَاكَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ اشْتِرَاكُ تَزَاحُمٍ، فَإِذَا أَسْقَطَ أَحَدُهُمْ حَقَّهُ كَانَ لِلْبَاقِينَ (وَإِنْ أَسْقَطَ الْكُلُّ) حَقَّهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ (ف) هِيَ (فَيْءٌ) تُصْرَفُ لِلْمَصَالِحِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهَا مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ (وَإِذَا لَحِقَ) بِالْجَيْشِ (مَدَدٌ أَوْ) تَفَلَّتَ (أَسِيرٌ) قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ (وصَارَ الْفَارِسُ رَاجِلًا) قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ (أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ صَارَ الرَّاجِلُ فَارِسًا (أَوْ تَبَيَّنَ ذُكُورِيَّةُ خُنْثَى أَوْ أَسْلَمَ) مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ كَافِرًا (أَوْ بَلَغَ) صَبِيٌّ (أَوْ عَتَقَ) قِنٌّ (قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ) (جُعِلُوا) جَمِيعُهُمْ (كَمَنْ كَانَ فِيهَا) ، أَيْ: الْوَقْعَةِ (كُلِّهَا كَذَلِكَ) ، أَيْ: عَلَى الْحَالِ الَّتِي تَقَضَّتْ الْحَرْبُ، وَهُوَ عَلَيْهَا جَعْلًا لَهُمْ، كَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْعَةِ، لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ إنَّمَا تَصِيرُ لِلْغَانِمِينَ عِنْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ (وَلَا قَسْمَ لِمَنْ مَاتَ أَوْ انْصَرَفَ أَوْ أُسِرَ قَبْلَ ذَلِكَ) ، أَيْ: تَقَضِّي الْحَرْبِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْضُرُوهَا وَقْتَ انْتِقَالِ الْغَنِيمَةِ إلَى مِلْكِ الْغَانِمِينَ (لَا) إنْ مَاتَ أَوْ انْصَرَفَ أَوْ أُسِرَ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: تَقَضِّي الْحَرْبِ، فَيُقْسَمُ لَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْغَانِمِينَ. (وَحَرُمَ قَوْلُ إمَامٍ) أَوْ نَائِبِهِ: (مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَ) هُوَ (لَهُ) ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى اشْتِغَالِهِمْ بِالنَّهْبِ عَنْ الْقِتَالِ، وَظَفَرِ الْعَدُوِّ بِهِمْ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ لِلِاغْتِنَامِ عَلَى التَّسَاوِي، فَلَا يَنْفَرِدُ الْبَعْضُ بِشَيْءٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» فَذَاكَ حِينَ كَانَتْ لَهُ، ثُمَّ صَارَتْ لِلْغَانِمِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَسْتَحِقُّهُ) ، أَيْ: الْمَأْخُوذُ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ أَخْذُهُ (إلَّا فِيمَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ) كَأَحْجَارٍ وَقُدُورٍ كِبَارٍ، وَحَطَبٍ وَنَحْوِهِ، (وَتَرَكَ فَلَمْ يَشْتَرِ) لِعَدَمِ الرَّغْبَةِ فِيهِ، فَيَجُوزُ قَوْلُ الْإِمَامِ، مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَلَهُ (وَلِإِمَامٍ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ، وَ) لَهُ (إحْرَاقُهُ) إنْكَاءً لِلْعَدُوِّ، لِئَلَّا يَنْتَفِعُوا بِهِ.

стр. 1502

(وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ لَهُ إحْرَاقَهُ (إنْ كَانَ بِدَارِ حَرْبٍ) وَإِلَّا يَكُنْ بِدَارِ حَرْبٍ، فَلَيْسَ لَهُ إحْرَاقُهُ، لِأَنَّهُ إتْلَافُ مَالٍ بِلَا فَائِدَةٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ رَغَّبَ فِي شِرَاءِ مَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ (حَرُمَ) قَوْلُ: مَنْ أَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ لِأَنَّهُ كَالْمَرْغُوبِ عَنْهُ، وَكَذَا أَخْذُ الْإِمَامِ لَهُ لِنَفْسِهِ وَإِحْرَاقُهُ، فَيُبَاعُ حِينَئِذٍ، وَيُضَمُّ ثَمَنُهُ لِلْمَغْنَمِ. (وَيَصِحُّ) ، أَيْ: يَجُوزُ (تَفْضِيلُ بَعْضِ الْغَانِمِينَ لِمَعْنَى فِيهِ) مِنْ حُسْنِ رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ، فَيُنْفَلُ (وَيُخَصُّ) إمَامٌ (بِكِلَابٍ) يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهَا (مَنْ شَاءَ) مِنْ الْجَيْشِ، (وَأَمْكَنَ قِسْمَتُهَا، قُسِمَتْ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ، (وَإِنْ رَغِبَ فِيهَا) ، أَيْ: الْكِلَابِ (عَدَدٌ) مِنْ الْجَيْشِ، (وَأَمْكَنَ قِسْمَتُهَا، قُسِمَتْ) بَيْنَهُمْ (عَدَدًا مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ) ، لِأَنَّهَا لَا قِيمَةَ لَهَا (فَإِنْ تَعَذَّرَ) قِسْمَتُهَا (وَتَنَازَعُوا فِي جَيِّدِ) هَا، (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ، إذْ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا. (وَيُكْسَرُ صَلِيبٌ وَيُقْتَلُ خِنْزِيرٌ) نَصًّا (وَيُصَبُّ خَمْرٌ وَلَا يُكْسَرُ إنَاءٌ بِهِ نَفْعٌ) نَصًّا (وَيَتَّجِهُ) : لَا يُكْسَرُ مِنْ الْآنِيَةِ (غَيْرُ) إنَاءٍ (نَقْدٍ) ، لِحُرْمَةِ اتِّخَاذِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ وَيُبَاعُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا تَصِحُّ إجَارَةٌ لِجِهَادٍ) ، لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ كَالْحَجِّ (فَيُسْهَمُ لَهُ) ، أَيْ: أَجِيرِ الْجِهَادِ، وَإِنْ أَخَذَ أُجْرَةً رَدَّهَا (كَأَجِيرِ خِدْمَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ.

стр. 1503

(وَتَصِحُّ) الْإِجَارَةُ (لِحِفْظِ) غَنِيمَةٍ (وَنَحْوِهِ) كَلِسَوْقِ دَوَابِّهَا وَرَعْيِهَا، (وَلَا يَسْقُطُ سَهْمُهُ) بِإِيجَارِهِ نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُؤْنَةِ الْغَنِيمَةِ، فَهُوَ كَعَلَفِ الدَّوَابِّ، وَطَعَامِ السَّبْيِ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ بَذْلُهُ، وَيُبَاحُ لِلْأَجِيرِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ آجَرَ نَفْسَهُ لِفِعْلٍ لِلْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ حَاجَةٌ، فَحَلَّتْ الْأُجْرَةُ، كَالدَّلِيلِ عَلَى الطَّرِيقِ. (وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ) وَلَوْ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، (فَسَهْمُهُ لِوَارِثِهِ) ، لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عِنْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ، أَشْبَهَ سَائِرَ أَمْلَاكِهِ. (أَوْ أُسِرَ) بَعْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ، (ف) سَهْمُهُ (لَهُ) ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَهَا فِي حَالٍ لَوْ قُسِمَتْ فِيهِ صَحَّتْ قِسْمَتُهَا، وَكَانَ لَهُ سَهْمُهُ مِنْهَا، فَيَجِبُ إبْقَاؤُهُ لَهُ إلَى أَنْ يَنْفَكَّ مِنْ الْأَسْرِ. (وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً مِنْهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ (وَلَهُ) ، أَيْ: الْوَاطِئِ (فِيهَا) ، أَيْ: الْغَنِيمَةِ (حَقُّ) ، أَدَبٍ، (أَوْ لِوَلَدِهِ) ، أَيْ: الْوَاطِئِ فِيهَا حَقُّ (أَدَبٍ) لِفِعْلِهِ مُحَرَّمًا، (وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ) ، أَيْ: تَأْدِيبِهِ (الْحَدَّ) ، لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَالْغَنِيمَةُ مِلْكٌ لِلْغَانِمِينَ، فَيَكُونُ لِلْوَاطِئِ حَقٌّ فِي الْجَارِيَةِ، وَإِنْ قَلَّ، فَيُدْرَأُ الْحَدُّ عَنْهُ كَالْمُشْتَرَكَةِ وَكَجَارِيَةِ ابْنِهِ، (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: الْوَاطِئِ، (مَهْرُهَا) يُطْرَحُ فِي الْقِسْمِ، (إلَّا أَنْ تَلِدَ مِنْهُ، ف) يَلْزَمُهُ (قِيمَتُهَا) تُطْرَحُ فِي الْقِسْمِ، لِأَنَّ اسْتِيلَادَهَا كَإِتْلَافِهَا، (وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدِهِ) ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، أَشْبَهَ وَطْءَ الْمُشْتَرَكَةِ (وَوَلَدُهُ حُرٌّ) لِمِلْكِهِ إيَّاهَا حِينَ الْعُلُوقِ فَيَنْعَقِدُ الْوَلَدُ حُرًّا (وَإِنْ أَعْتَقَ) بَعْضُ الْغَانِمِينَ (قِنًّا) مِنْ الْغَنِيمَةِ، (أَوْ كَانَ) فِي الْغَنِيمَةِ قِنٌّ (يَعْتِقُ عَلَيْهِ) كَأَبِيهِ وَعَمِّهِ وَخَالِهِ، (عَتَقَ قَدْرَ حَقِّهِ) لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ، (وَالْبَاقِي) مِنْهُ (كَعِتْقِهِ شِقْصًا) مِنْ مُشْتَرَكٍ عَلَى مَا يَأْتِي، (لَا) إنْ أَعْتَقَ (أَسِيرًا) رَجُلًا (قَبْلَ حُكْمٍ بِرِقِّهِ) ، فَلَا يُعْتَقُ، «لِأَنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 1504

وَعَمَّ عَلِيٍّ وَعَقِيلًا أَخَا عَلِيٍّ كَانَا فِي أَسْرَى بَدْرٍ، فَلَمْ يَعْتِقَا عَلَيْهِمَا» ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ، بَلْ بِاخْتِيَارِ الْإِمَامِ. (وَالْغَالُّ، وَهُوَ: مَنْ كَتَمَ مَا غَنِمَ، أَوْ) : كَتَمَ (بَعْضَهُ، لَا يُحْرَمُ سَهْمَهُ) مِنْ الْغَنِيمَةِ، لِوُجُودِ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ حِرْمَانُ سَهْمِهِ فِي خَبَرٍ، وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ قِيَاسٌ، فَبَقِيَ بِحَالِهِ، وَلَا يُحْرَقُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَحْلِهِ، (وَيَجِبُ حَرْقُ رَحْلِهِ كُلِّهِ وَقْتَ غُلُولِهِ) ، لِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا وَجَدْتُمْ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَصْلَحَةً كَأَكْلِهِ وَنَحْوِهِ، و (لَا) يُحْرَقُ (مَا حَدَثَ) لِلْغَالِّ مِنْ مَتَاعٍ بَعْدَ غُلُولِهِ، إذْ لَا قَائِلَ بِهِ، فَيُحْرَقُ رَحْلُهُ (مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ) ، فَلَا يُحْرَقُ، لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ لِغَيْرِ الْجَانِي، وَمَحَلُّ إحْرَاقِ رَحْلِهِ (إذَا كَانَ حَيًّا) ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ لَمْ يُحْرَقْ نَصًّا، لِسُقُوطِهِ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ (حُرًّا) ، فَلَا يُحْرَقُ رَحْلُ رَقِيقٍ، لِأَنَّهُ لِسَيِّدِهِ (مُكَلَّفًا) لَا صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ (مُلْتَزِمًا) لِأَحْكَامِنَا، وَإِلَّا لَمْ يُعَاقَبْ عَلَى مَا لَا يُعْتَقَدُ تَحْرِيمُهُ (وَلَوْ) كَانَ (أُنْثَى وَذِمِّيًّا) ، لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ، (لَا) إنْ كَانَ الْغَالُّ (مُعَاهِدًا وَمُسْتَأْمَنًا) ، لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُلْتَزِمَيْنِ لِأَحْكَامِنَا (وَلَا يُحْرَقُ سِلَاحٌ وَمُصْحَفٌ وَحَيَوَانٌ بِآلَتِهِ) كَسَرْجِهِ وَبَرْذعَتِه، (وَ) لَا (نَفَقَةٌ) ، لِأَنَّهَا لَا تُحْرَقُ عَادَةً (وَكُتُبُ عِلْمٍ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ الْقَصْدُ الْإِضْرَارَ بِهِ فِي دِينِهِ بَلْ فِي بَعْضِ دُنْيَاهُ (وَثِيَابُهُ الَّتِي عَلَيْهِ، وَالْكُلُّ) ، أَيْ: كُلُّ مَا لَا يُحْرَقُ (لَهُ) ، أَيْ: الْغَالِّ كَسَائِرِ مَالِهِ (وَيُعَزَّرُ) الْغَالُّ بِضَرْبٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا، (وَلَا يَنْبَغِي) لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (وَيُؤْخَذُ مَا غَلَّ لِلْمَغْنَمِ) ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْغَانِمِينَ،

стр. 1505

فَتَعَيَّنَ رَدُّهُ إلَيْهِمْ. (فَإِنْ تَابَ بَعْدَ قِسْمَةٍ أَعْطَى الْإِمَامَ خُمُسَهُ) لِيَصْرِفَهُ فِي مَصَارِفِهِ، (وَتَصَدَّقَ بِبَقِيَّتِهِ عَنْ مُسْتَحِقِّيهِ) ، لِأَنَّهُ مَالٌ لَا يُعْرَفُ مُسْتَحِقُّوهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمَا. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يَجُوزُ تَصَدُّقُهُ بِبَقِيَّتِهِ عَنْ مُسْتَحِقِّيهِ (مَعَ تَعَذُّرِ دَفْعٍ لَهُمْ) أَمَّا إذَا أَمْكَنَ دَفْعُ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ تَصَدُّقُهُ بِهِ، لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَإِنْ تَابَ الْغَالُّ قَبْلَ قِسْمَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ فِي الْمَغْنَمِ، (وَلَيْسَ بِغَالٍّ مَنْ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ) ، لِعَدَمِ صِدْقِ حَدِّهِ عَلَيْهِ، (أَوْ سَتَرَ عَلَى غَالٍّ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الْغَالِّ (مَا أُهْدِيَ لَهُ مِنْهَا) ، أَيْ: مِمَّا غَلَّهُ مِنْهَا، أَوْ بَاعَهُ إمَامٌ أَوْ حَابَاهُ، وَلَا يُحْرَقُ رَحْلُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَالٍّ. (وَإِنْ أَتْلَفَ عَبْدٌ مَا غَلَّهُ) مِنْ الْغَنِيمَةِ، (ف) هُوَ (فِي رَقَبَتِهِ) كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَمَنْ أَنْكَرَ الْغُلُولَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ ابْتَاعَ مَا بِيَدِهِ لَمْ يُحْرَقْ مَتَاعُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغُلُولِ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (وَيَثْبُتُ حُكْمُ غُلُولٍ بِإِقْرَارٍ) مِنْ غَالٍّ (أَوْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ ذَكَرَيْنِ) ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا، وَيُوجِبُ عُقُوبَةً، أَشْبَهَ سَائِرَ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ.

стр. 1506

[بَابٌ الْأَرْضُونَ الْمَغْنُومَةُ] (بَابٌ: الْأَرْضُونَ الْمَغْنُومَةُ) أَيْ: الْمَأْخُوذَةُ مِنْ كُفَّارٍ (ثَلَاثٌ) ، أَيْ: ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ إحْدَاهَا (عَنْوَةً) ، أَيْ: قَهْرًا، وَغَلَبَةً، (وَهِيَ مَا أُجْلُوا) ، أَيْ: أَجْلَى الْمُسْلِمُونَ أَهْلَهَا الْحَرْبِيِّينَ (عَنْهَا بِالسَّيْفِ، وَيُخَيَّرُ إمَامٌ) فِيهَا (تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ) كَالتَّخْيِيرِ فِي الْأُسَارَى، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَاهُ أَصْلَحَ (لَا) تَخْيِيرَ (تَشَبُّهٍ) ، لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَفْعَلُ إلَّا مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ (بَيْنَ قِسْمَتِهَا بَيْنَ غَانِمِينَ كَمَنْقُولٍ) لِأَنَّهُ ﷺ «قَسَمَ نِصْفَ خَيْبَرَ، وَوَقَفَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ وَحَوَائِجِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ فَتُمَلَّكُ الْأَرْضُ بِقِسْمَتِهَا عَلَى الْغَانِمِينَ، وَلَا خَرَاجَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا، وَلَا عَلَى مَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَالْمَدِينَةِ أَوْ صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ كَأَرْضِ الْحِيرَةِ وَالْيَمَنِ وبانقيا، أَوْ أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ، كَأَرْضِ الْبَصْرَةِ، (وَبَيْنَ وَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِينَ) ، كَمَا وَقَفَ عُمَرُ الشَّامَ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقَ وَسَائِرَ مَا فَتَحَهُ، وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: أَمَّا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَيَانًا - أَيْ: لَا شَيْءَ لَهُمْ - مَا فَتَحْت عَلَى قَرْيَةٍ إلَّا قَسَمْتُهَا، كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا لَهُمْ خِزَانَةً يَقْتَسِمُونَهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (بِلَفْظٍ يَحْصُلُ بِهِ) الْوَقْفُ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، فَحُكْمُهَا قَبْلَ الْوَقْفِ حُكْمُ الْمَنْقُولِ (وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا) الْإِمَامُ بَعْدَ وَقْفِهَا (خَرَاجًا) مُسْتَمِرًّا (يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ مِنْ مُسْلِمٍ) وَمُعَاهَدٍ (وَذِمِّيٍّ وَهُوَ) ، أَيْ: الْمَأْخُوذُ (أُجْرَةً لَهَا) كُلُّ عَامٍ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " كِتَابِ الْأَمْوَالِ " أَنَّ عُمَرَ

стр. 1507

قَدِمَ الْجَابِيَةَ، فَأَرَادَ قَسْمَ الْأَرْضِينَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: وَاَللَّهِ إذَنْ لَيَكُونَنَّ مَا تَكْرَهُ، إنَّك إنْ قَسَمْتَهَا الْيَوْمَ صَارَ الرِّيعُ الْعَظِيمُ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ، ثُمَّ يَبِيدُونَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ إلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَالْمَرْأَةِ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ يَسُدُّونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مَسَدًّا، وَهُوَ لَا يَجِدُونَ شَيْئًا فَانْظُرْ أَمْرًا يَسَعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ، فَصَارَ عُمَرُ إلَى قَوْلِ مُعَاذٍ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْمَاجِشُونِ، قَالَ بِلَالٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُرَى الَّتِي افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً: اقْسِمْهَا بَيْنَنَا، وَخُذْ خُمُسَهَا، فَقَالَ عُمَرُ: لَا، وَلَكِنَّنِي أَحْبِسُهُ، فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ: اقْسِمْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ اكْفِينِي بِلَالًا وَذَوِيهِ، فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرُفُ. (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ) ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ، (وَلَا نَقْضُ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ وَقْفٍ أَوْ قِسْمَةٍ، أَوْ فَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ وَلَا تَغْيِيرُهُ) ، أَيْ: تَغْيِيرُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ اللَّازِمِ، وَإِنَّمَا التَّخْيِيرُ وَالِاخْتِلَافُ فِيمَا اُسْتُؤْنِفَ فَتْحُهُ (الثَّانِيَةُ: مَا جَلَوَا) ، أَيْ: أَهْلَهَا (عَنْهَا خَوْفًا مِنَّا، وَحُكْمُهَا كَالْأُولَى) فِي التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ قِيَاسًا عَلَيْهَا، (لَا أَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا) ، صَرَّحَ بِهِ الْجَمَاعَةُ وَقَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِهِ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": لَكِنْ لَا تَصِيرُ وَقْفًا إلَّا بِوَقْفِ الْإِمَامِ لَهَا، لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ جَزَمَ أَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا تَبَعًا لِلْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، (وَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ أَنَّ مِصْرَ وَالشَّامَ وَالْعِرَاقَ وَقْفُ) الْإِمَامِ (عُمَرُ) ﵁. (الثَّالِثَةُ: الْمُصَالَحُ عَلَيْهَا) ، وَهِيَ نَوْعَانِ: (فَمَا صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا) ، أَيْ: الْأَرْضَ (لَنَا) وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ

стр. 1508

بِالْخَرَاجِ، (فَ) هِيَ (كَالْعَنْوَةِ) فِي التَّخْيِيرِ أَيْضًا، قَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِهِ، وَلَا يَسْقُطُ خَرَاجُهَا بِإِسْلَامِهِمْ، وَجَزَمَ فِي " الْإِقْنَاعِ " بِأَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الِاسْتِيلَاءِ كَجَعْلِهِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ مَعَ أَنَّهُ مُخَرَّجٌ عَلَى ضَعِيفٍ (وَ) النَّوْعُ الثَّانِي: مَا صُولِحُوا (عَلَى أَنَّهَا) ، أَيْ: الْأَرْضُ (لَهُمْ، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا، فَهُوَ) ، أَيْ: مَا يُؤْخَذُ مِنْ خَرَاجِهَا (كَجِزْيَةٍ إنْ أَسْلَمُوا) سَقَطَ عَنْهُمْ، (أَوْ انْتَقَلَتْ) الْأَرْضُ (لِمُسْلِمٍ سَقَطَ) عَنْهُمْ كَسُقُوطِ جِزْيَةٍ بِإِسْلَامٍ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى ذِمِّيٍّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الصُّلْحِ لَمْ يَسْقُطْ خَرَاجُهَا، وَتُسَمَّى هَذِهِ دَارُ عَهْدٍ، وَهِيَ مِلْكٌ لَهُمْ لَا يُمْنَعُونَ فِيهَا إحْدَاثَ كَنِيسَةٍ وَلَا بَيْعَةٍ كَمَا يَأْتِي، (وَيُقِرُّونَ فِيهَا بِلَا جِزْيَةٍ) ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ إسْلَامٍ، (بِخِلَافِ مَا قَبْلُ) مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ، (فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ كَافِرٍ بِهَا سَنَةً بِلَا جِزْيَةٍ) ، لِأَنَّهَا دَارُ إسْلَامٍ. (وَيَرْجِعُ فِي) قَدْرِ (خَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ إلَى تَقْدِيرِ إمَامٍ فِي زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ) عَلَى حَسَبِ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَتُطِيقُهُ الْأَرْضُ الَّتِي يَضَعُهُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ أُجْرَةٌ لَهَا، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا، وَهَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ، وَأَمَّا مَا وَضَعَهُ إمَامٌ، فَلَا يُغَيِّرُهُ آخَرُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ السَّبَبُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ أَيْضًا فِي نَظَائِرِهِ (يَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي قَدْرِ خَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ إلَى تَقْدِيرِ إمَامٍ (مَا لَمْ يُجْحِفْ) فِي تَقْدِيرِ ذَلِكَ، بِأَنْ يُحَمِّلَ الْأَرْضَ زِيَادَةً عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهَا، أَوْ يَضْرِبَ جِزْيَةً غَيْرَ مُحْتَمَلَةٍ، أَوْ يُنْقِصَ نَقْصًا فَاحِشًا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. لِأَنَّهُ ظِلُّ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَحَرِّي الْعَدْلِ

стр. 1509

فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا، وَلِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ: لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاَللَّهِ لَوْ زِدْت عَلَيْهِمْ فَلَا يُجْهِدُهُمْ، فَدَلَّ عَلَى إبَاحَةِ الزِّيَادَةِ مَا لَمْ يُجْهِدْهُمْ وَ (لَا) يَرْجِعُ فِي قَدْرِ جِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ (إلَى تَقْدِيرِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ (﵁) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، قَالَ الْخَلَّالُ: نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَاخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَعَامَّةُ شُيُوخِنَا، قَالَ فِي " الْهِدَايَةِ " اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ أُجْرَةٌ فَلَمْ يَتَقَدَّرْ بِمِقْدَارٍ لَا يَخْتَلِفُ كَأُجْرَةِ الْمَسَاكِنِ. (وَكَانَ عُمَرُ) ﵁ (وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامِهِ) ، قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدِ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: أَعْلَى وَأَصَحُّ حَدِيثٍ فِي أَرْضِ السَّوَادِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، يَعْنِي: أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ ضَرَبَ عَلَى الطَّعَامِ دِرْهَمًا وَقَفِيزَ حِنْطَةٍ، وَعَلَى الشَّعِيرِ دِرْهَمًا وَقَفِيزَ شَعِيرٍ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْحُبُوبِ (وَهُوَ) ، أَيْ: الْقَفِيزُ: (ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، قِيلَ بِالْمَكِّيِّ) ، قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَالَ: نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَ " الْإِقْنَاعِ " (وَقِيلَ) : ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ (بِالْعِرَاقِيِّ، وَهُوَ نِصْفُ الْمَكِّيِّ) ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ مَعْرُوفًا بِالْعِرَاقِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْقَفِيزِ الْحَجَّاجِيِّ (فَعَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ يَكُونُ) الْقَفِيزُ (سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا عِرَاقِيًّا، وَهُوَ قَفِيزُ الْحَجَّاجِ، وَهُوَ صَاعُ عُمَرَ نَصًّا) وَأَمَّا الْقَفِيزُ الْهَاشِمِيُّ، فَهُوَ: مَكُّوكَانِ وَهُوَ ثَلَاثُونَ رَطْلًا عِرَاقِيًّا، (وَ) قَالَ (فِي " الْمُحَرَّرِ ") : الْأَشْهَرُ عَنْهُ - أَيْ: عَنْ عُمَرَ - أَنَّهُ (جَعَلَ

стр. 1510

عَلَى جَرِيبِ الزَّرْعِ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامِهِ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ ثَمَانِيَةَ) دَرَاهِمَ، (وَعَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ) دَرَاهِمَ، (وَعَلَى جَرِيبِ الرُّطَبَةِ سِتَّةَ) دَرَاهِمَ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَهَذَا الَّذِي وَظَّفَهُ عُمَرُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ: أَنَّ جَرِيبَ الزَّرْعِ الْحِنْطَةُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ: عَلَى جَرِيبِ الزَّرْعِ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامِهِ. (وَالْجَرِيبُ: عَشْرُ قَصَبَاتٍ فِي مِثْلِهَا) ، أَيْ: فِي عَشْرِ قَصَبَاتٍ، وَهُوَ مِائَةُ قَصَبَةٍ مُكَسَّرَةٍ، وَمَعْنَى الْكَسْرِ ضَرْبُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ فِي الْآخَرِ، فَيَصِيرُ أَحَدُهُمَا كَسْرًا لِلْآخَرِ (وَالْقَصَبَةُ) : مَا يَمْسَحُ بِهِ الْمُزَارِعُ، كَالذِّرَاعِ لِلْبَزِّ، وَاخْتِيرَ الْقَصَبُ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَطُولُ وَلَا يَقْصُرُ، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ الْخَشَبِ، وَهِيَ: (سِتَّةُ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ) عُمَرَ، وَهُوَ ذِرَاعٌ (وَسَطٌ) ، أَيْ: بِيَدِ الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ الطُّولِ، (وَقَبْضَةِ وَإِبْهَامِ قَائِمٍ) ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَقَبْضَةِ وَإِبْهَامِ، بِالْجَرِّ: عَطْفٌ عَلَى: بِذِرَاعِ، (فَيَكُونُ الْجَرِيبُ ثَلَاثَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ وَسِتِّمِائَةٍ) مُكَسَّرًا، لِأَنَّ الْقَصَبَةَ سِتَّةُ أَذْرُعٍ فِي مِثْلِهَا، فَتَكُونُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا مُكَسَّرَةً تَضْرِبُهَا فِي مُكَسَّرِ الْجَرِيبِ، وَهُوَ مِائَةُ ذِرَاعٍ يَخْرُجُ مَا ذُكِرَ (وَمَا بَيْنَ شَجَرٍ مِنْ بَيَاضِ أَرْضٍ) ، وَهُوَ الْخَالِي مِنْ الشَّجَرِ (تَبَعٌ لَهَا) ، أَيْ: لِلشَّجَرِ، فَلَا يُؤْخَذُ سِوَى خَرَاجِ الشَّجَرِ. (وَلَا خَرَاجَ عَلَى مَسَاكِنَ مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ، (وَإِنَّمَا كَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَمْسَحُ دَارِهِ) بِبَغْدَادَ، (وَيُخْرِجُ عَنْهَا) الْخَرَاجَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، (وَرَعًا) مِنْهُ، (لِأَنَّ بَغْدَادَ كَانَتْ حِينَ فُتِحَتْ مَزَارِعَ) وَمُقْتَضَى ذَلِكَ: أَنَّ مَا كَانَ مِنْ مَزَارِعَ حِينَ فَتْحِهِ، وَجُعِلَ مَسَاكِنَ يَجِبُ فِيهِ الْخَرَاجُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ، وَيُحْمَلُ فِعْلُ الْإِمَامِ عَلَى الْوَرَعِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَهْلَ بَغْدَادَ عَامَّةً.
следующие страницы →