Полный текст (4 464 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
كَضَأْنٍ عَنْ مَعْزٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَ مَا وَصَفَاهُ عَلَى شَرْطَيْهِمَا، وَالنَّوْعُ صِفَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَاتَ غَيْرَهُ مِنْ الصِّفَاتِ، فَإِنْ رَضِيَا؛ جَازَ؛ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَجُوزُ لِمُسْلِمٍ رَدُّ) سَلَمٍ (مَعِيبٍ) أَخَذَهُ غَيْرَ عَالَمٍ بِعَيْبِهِ، وَيَطْلُبُ بَدَلَهُ، (وَ) لَهُ (أَخْذُ أَرْشِهِ) مَعَ؛ إمْسَاكِهِ؛ كَمَبِيعٍ غَيْرِ سَلَمٍ. (وَ) لِمُسْلَمٍ إلَيْهِ أَخْذُ (عِوَضِ زِيَادَةِ قَدْرٍ دُفِعَتْ) ؛ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي قَفِيزٍ فَجَاءَهُ بِقَفِيزَيْنِ. لِجَوَازِ إفْرَادِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِالْبَيْعِ، وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ (عِوَضِ جُودَةٍ) إنْ جَاءَهُ بِأَجْوَدَ مِمَّا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجُودَةَ صِفَةٌ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْمَبِيعِ، (وَلَا) أَخْذُ عِوَضِ (نَقْصِ رَدَاءَةٍ) ، لَوْ جَاءَهُ بِأَرْدَأ؛ لِمَا سَبَقَ.
(وَلَيْسَ لِمُسْلِمٍ إلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ) الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَتَاهُ بِهِ لَا يَطْلُبُ مِنْهُ أَعْلَى مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَتَاهُ بِمَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ ذِكْرُ) قَدْرِ (كَيْلٍ فِي مَكِيلٍ) ، (وَ) قَدْرُ (وَزْنٍ فِي مَوْزُونٍ) ، (وَ) قَدْرِ (ذَرْعٍ فِي مَذْرُوعٍ مُتَعَارَفٍ) ؛ أَيْ: الْمِكْيَالِ وَالرِّطْلِ مَثَلًا وَالذِّرَاعِ (أَوْ) قَدْرِ (عَدٍّ فِي مَعْدُودٍ) ؛ لِحَدِيثِ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي الذِّمَّةِ فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ؛ كَالثَّمَنِ، (فَلَا يَصِحُّ) سَلَمٌ (فِي مَكِيلٍ) ؛ كَلَبَنٍ وَزَيْتٍ وَشَيْرَجٍ وَتَمْرٍ (وَزْنًا أَوْ) فِي (مَوْزُونٍ كَيْلًا) ، نَصًّا. اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمُخْتَارُ لِلْعَامَّةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْهَادِي وَالْمُذَهَّبِ لِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ؛ كَبَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَلِأَنَّ قَدْرَهُ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ، فَلَمْ يَجُزْ؛ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي مَذْرُوعٍ وَزْنًا. (وَعَنْهُ) ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (يَصِحُّ) نَقَلَهَا الْمَرْوَزِيِّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ وَإِمْكَانُ تَسْلِيمِهِ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ، فَبِأَيِّ قَدْرٍ قَدَّرَهُ؛ جَازَ، (اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ، وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ،
стр. 1787
وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ " وَمُنْتَخَبِ الْأَزَجِيِّ " و (لَا) يَصِحُّ سَلَمٌ (بِنَحْوِ ذِرَاعٍ) ؛ كَصَنْجَةٍ أَوْ مِكْيَالٍ (لَا عُرْفَ لَهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ) مِنْ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ بِهِ، وَذَلِكَ مُخِلٌّ بِالْحِكْمَةِ الَّتِي اُشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ الْقَدْرِ لِأَجْلِهَا، (وَإِنْ عَيَّنَ فَرْدٌ مِمَّا لَهُ عُرْفٌ) ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: (بِمِكْيَالِ فُلَانٍ) أَوْ رِطْلِهِ أَوْ ذِرَاعِهِ أَوْ مِيزَانِهِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ؛ (صَحَّ عَقْدٌ) ؛ لِلْعِلْمِ بِهِ وَ (لَا) يَصِحُّ (تَعْيِينٌ) ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ مَا لَا يَلْزَمُ.
فَائِدَةٌ: الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ وَزْنُهُ بِمِيزَانٍ؛ كَالْأَحْجَارِ الْكِبَارِ يُجْعَلُ فِي سَفِينَةٍ وَنَحْوِهَا؛ وَيُنْظَرُ إلَى أَيْ مَوْضِعٍ تَغُوصُ فِي الْمَاءِ فَيُعْلَمُ، ثُمَّ يُرْفَعُ، وَيُحَطُّ رَمْلٌ وَأَحْجَارٌ إلَى صِغَارٍ أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءُ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ بَلَغَهُ، ثُمَّ يُوزَنُ، فَمَا بَلَغَ كَانَ زِنَةَ ذَلِكَ الْحَجَرِ.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ ذِكْرُ أَجَلٍ مَعْلُومٍ) ، نَصًّا؛ لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ، فَأُمِرَ بِالْأَجَلِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ السَّلَمَ رُخْصَةٌ، جَازَ لِلرِّفْقِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْأَجَلِ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَجَلُ انْتَفَى الرِّفْقُ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ كَالْكِتَابَةِ، وَالْحُلُولُ، يُخْرِجُهُ عَنْ اسْمِهِ وَمَعْنَاهُ؛ بِخِلَافِ بُيُوعِ الْأَعْيَانِ (لَهُ) ؛ أَيْ: الْأَجَلِ (وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ عَادَةً) ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَجَلِ لِتَحَقُّقِ الرِّفْقِ، وَلَا يَحْصُلُ بِمُدَّةٍ لَا وَقْعَ لَهَا فِي الثَّمَنِ؛ (كَشَهْرٍ) ، مِثَالٌ لِمَا لَهُ وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ، (وَفِي " الْكَافِي " أَوْ نِصْفِهِ) وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَمَا قَارَبَ الشَّهْرَ، (قَالَ بَعْضُهُمْ) ؛ أَيْ: بَعْضُ الْأَصْحَابِ: (وَ) يُشْتَرَطُ (أَنْ تَفِيَ بِهِ مُدَّتُهُ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ كَمِائَتَيْ سَنَةٍ) ؛ لِأَنَّ آجَالَ النَّاسِ لَا تَبْلُغُهَا غَالِبًا. وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَإِنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ حَالًّا، لَمْ يَصِحَّ بَيْعًا؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (وَيَتَّجِهُ هَذَا) ؛ أَيْ: عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِهِ حَالًّا (فِيمَا) أَيْ: فِي مَبِيعٍ مَوْصُوفٍ (فِي ذِمَّةٍ) ؛ أَيْ: فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا وُصِفَ كَذَلِكَ بِلَفْظِ سَلَمٍ
стр. 1788
اُشْتُرِطَ حُلُولُهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ السَّلَمِ يَقْتَضِي التَّأْجِيلَ، وَقَدْ اُشْتُرِطَ فِيهِ الْحُلُولُ؛ فَلَمْ يَصِحَّ سَلَمًا وَلَا بَيْعًا، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ فِي الْحَالِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ لَفْظِ السَّلَمِ فِيهِ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَيَصِحُّ أَنْ يُسْلِمَ (فِي جِنْسَيْنِ) ؛ كَأُرْزٍ وَعَسَلٍ (إلَى أَجَلٍ) وَاحِدٍ (إنْ بَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ) مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ؛ لَمْ يَصِحَّ. وَيَصِحُّ أَنْ يُسْلِمَ (فِي جِنْسٍ) وَاحِدٍ (إلَى أَجَلَيْنِ) ؛ كَسَمْنٍ يَأْخُذُ بَعْضَهُ فِي رَجَبٍ وَبَعْضَهُ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ إلَى أَجَلٍ جَازَ إلَى أَجَلَيْنِ وَآجَالٍ (إنْ بَيَّنَ قِسْطَ كُلِّ أَجَلٍ وَثَمَنَهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ الْأَبْعَدَ لَهُ زِيَادَةُ وَقْعٍ عَلَى الْأَقْرَبِ، فَمَا يُقَابِلُهُ أَقَلُّ، فَاعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ قِسْطِهِ وَثَمَنِهِ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُمَا؛ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ جِنْسَيْنِ؛ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فِي جِنْسٍ؛ كَأُرْزٍ؛ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُبَيِّنَ حِصَّةَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ.
(وَ) يَصِحُّ (أَنْ يُسْلِمَ فِي شَيْءٍ) كَلَحْمٍ وَخُبْزٍ وَعَسَلٍ (يَأْخُذُ كُلَّ يَوْمٍ جُزْءًا مَعْلُومًا مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ بَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ قِسْطٍ أَوْ لَا؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. وَمَتَى قَبَضَ الْبَعْضَ، وَتَعَذَّرَ الْبَاقِي؛ رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا يَجْعَلُ لِلْمَقْبُوضِ فَضْلًا عَلَى الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ وَاحِدٌ مُتَمَاثِلُ الْأَجْزَاءِ، فَقَسَّطَ الثَّمَنَ عَلَى أَجْزَائِهِ بِالسَّوِيَّةِ؛ كَمَا لَوْ اتَّفَقَ أَجَلُهُ.
(وَمَنْ أَسْلَمَ، أَوْ بَاعَ) مُطْلَقًا، أَوْ لِمَجْهُولٍ، (أَوْ أَجَرَ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ مُطْلَقًا) بِأَنْ لَمْ يُغَيِّهِ بِغَايَةٍ، (أَوْ) جَعَلَهَا لِأَجَلٍ (مَجْهُولٍ) ؛ (كَحَصَادٍ وَجُذَاذٍ) وَنُزُولِ مَطَرٍ؛ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ وَالْعَقْدُ فِي السَّلَمِ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْأَجَلُ الْمَعْلُومُ؛ لِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَكَذَا لَوْ أَبْهَمَ الْأَجَلَ؛ كَإِلَى وَقْتٍ أَوْ
стр. 1789
زَمَنٍ، (أَوْ) جَعَلَهَا إلَى (عِيدٍ أَوْ رَبِيعٍ أَوْ جُمَادَى) - بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ - قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: لَيْسَ فِي الشُّهُورِ مُؤَنَّثٌ سِوَى جُمَادَى، وَلِذَلِكَ كَانَ نَعْتُهَا مُؤَنَّثًا فَيُقَالُ: جُمَادَى الْأُولَى وَجُمَادَى الْآخِرَةُ، وَلَا يَجُوزُ الْأَوَّلُ وَالْآخَرُ (أَوْ) جَعَلَهَا إلَى (النَّفْرِ؛ لَمْ يَصِحَّ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ سَلَمٍ وَإِجَارَةٍ وَخِيَارِ شَرْطٍ؛ لِلْجَهَالَةِ، (غَيْرُ الْبَيْعِ) ، فَيَصِحُّ (لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ) ؛ أَيْ: الْبَيْعِ (بِالْأَجَلِ) ، وَيَكُونُ الثَّمَنُ حَالًّا، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ إمْضَاءِ الْبَيْعِ مَعَ اسْتِرْجَاعِ الزِّيَادَةِ عَلَى قِيمَةِ الْمَبِيعِ حَالًّا، وَبَيْنَ الْفَسْخِ، فَإِنْ عَيَّنَ عِيدَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى أَوْ رَبِيعَ أَوَّلٍ أَوْ ثَانٍ أَوْ جُمَادَى كَذَلِكَ، أَوْ النَّفْرَ الْأَوَّلَ وَهُوَ ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَوْ الثَّانِيَ وَهُوَ ثَالِثُهَا؛ صَحَّتْ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ.
(وَإِنْ قَالَا) ؛ أَيْ عَاقِدَا سَلَمٍ: (مَحَلُّهُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ -: مَوْضِعُ الْحُلُولِ (رَجَبٌ، أَوْ) مَحَلُّهُ (إلَيْهِ) ؛ أَيْ: رَجَبٌ مَحَلُّهُ (أَوْ فِيهِ) ؛ أَيْ: فِي رَجَبٍ؛ (صَحَّ) السَّلَمُ، (وَحَلَّ) مُسْلَمٌ فِيهِ (بِأَوَّلِهِ) ؛ أَيْ: رَجَبٍ، وَهُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى رَجَبٍ أَوْ فِيهِ، وَلَيْسَ مَجْهُولًا؛ لِتَعَلُّقِهِ؛ بِأَوَّلِهِ. (وَ) إنْ قَالَا مَحَلُّهُ (إلَى أَوَّلِهِ) ؛ أَيْ: شَهْرِ كَذَا، (أَوْ) إلَى (آخِرِهِ؛ يَحِلُّ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهَا) ؛ أَيْ: مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ؛ كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ، (وَلَا يَصِحُّ) إنْ قَالَا: (يُؤَدِّيه فِيهِ) ؛ أَيْ فِي شَهْرِ كَذَا؛ لِجَعْلِهِ كُلِّهِ ظَرْفًا، فَيُحْتَمَلُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ؛ فَهُوَ مَجْهُولٌ. (وَ) إنْ قَالَا (إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَإِلَى انْقِضَائِهَا) وَإِنْ كَانَتْ مُبْهَمَةً فَابْتِدَاؤُهَا حِينَ تَلَفُّظِهِ بِهَا، وَإِنْ قَالَ إلَى شَهْرٍ انْصَرَفَ إلَى الْهِلَالِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَثْنَائِهِ؛ فَإِنَّهُ يُكْمِلُ الْعَدَدَ، وَيَنْصَرِفُ إطْلَاقُ الْأَشْهُرِ إلَى الْأَشْهُرِ (الْهِلَالِيَّةِ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] .
стр. 1790
(وَيَصِحُّ) تَأْجِيلُ السَّلَمِ (بِشَهْرٍ وَعِيد رُومِيَّيْنِ إنْ عُرِفَا؛ كَشُبَاطَ وَآذَارَ وَالنَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ؛ أَشْبَهَ الْأَشْهُرَ الْعَرَبِيَّةَ وَأَعْيَادَ الْمُسْلِمِينَ؛ (وَإِلَّا) ؛ بِأَنْ اخْتَلَفَ ذَلِكَ الْعِيدُ الْمَشْهُورُ؛ (فَلَا) يَصِحُّ السَّلَمُ؛ (كَالسَّعَانِينَ وَعِيدِ الْفَطِيرِ) وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَجْهَلُهُ الْمُسْلِمُونَ غَالِبًا، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهِ، وَالسَّعَانِينُ - بِسِينٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَتَيْنِ - قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَغَيْرُهُ: هُوَ عِيدٌ لِلنَّصَارَى قَبْلَ عِيدِهِمْ الْكَبِيرِ بِأُسْبُوعٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَقُولُ الْعَوَامُّ وَشِبْهُهُمْ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ: بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَذَلِكَ خَطَأٌ.
تَتِمَّةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ فِي قَدْرِ أَجَلٍ وَمُضِيِّهِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى الْأَجَلَ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَلِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ التَّسْلِيمِ، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي مَكَانِ التَّسْلِيمِ، نَصًّا؛ إذْ الْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ مُؤْنَةِ نَقْلِهِ إلَى مَوْضِعٍ ادَّعَى الْمُسْلِمُ شَرْطَ التَّسْلِيمِ فِيهِ (وَمَنْ أُتِيَ لَهُ) - الْبِنَاءُ لِلْمَفْعُولِ - (بِمَا) ؛ أَيْ: دَيْنٍ (لَهُ مِنْ سَلَمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ قَبْلَ مَحِلِّهِ) - بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - أَيْ: حُلُولِهِ، (وَلَا ضَرَرَ) عَلَيْهِ؛ أَيْ: الْمُسْلِمِ؛ كَخَوْفٍ وَتَحَمُّلِ مُؤْنَةٍ، أَوْ اخْتِلَافِ قَدِيمِ مُسْلَمٍ فِيهِ وَحَدِيثِهِ (فِي قَبْضِهِ) ؛ كَحَدِيدٍ وَرَصَاصٍ وَزَيْتٍ وَعَسَلٍ وَنَحْوِهَا؛ (لَزِمَهُ) ؛ أَيْ: رَبَّ الدَّيْنِ قَبْضُهُ نَصًّا؛ لِحُصُولِ غَرَضِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ؛ كَالْأَطْعِمَةِ وَالْحُبُوبِ وَالْحَيَوَانِ، أَوْ الزَّمَنُ مَخُوفًا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْضُهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَإِنْ أَحْضَرَهُ فِي مَحِلِّهِ؛ لَزِمَهُ قَبْضُهُ مُطْلَقًا؛ كَمَبِيعٍ مُعَيَّنٍ، (فَإِنْ أَبَى) قَبْضَهُ حَيْثُ لَزِمَهُ؛ (قَالَ لَهُ حَاكِمٌ: إمَّا أَنْ تَقْبِضَ أَوْ تُبَرِّئَ) مِنْ الْحَقِّ، (فَإِنْ أَبَاهُمَا) ؛ أَيْ: الْقَبْضَ وَالْإِبْرَاءَ؛ (قَبَضَهُ) الْحَاكِمُ (لَهُ) ؛ أَيْ: لِرَبِّ الدَّيْنِ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ، كَمَا يَأْتِي فِي السَّيِّدِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ قَبْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ، (وَمَعَ ضَرَرٍ) فِي قَبْضِهِ؛ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَتَغَيَّرُ؛ (كَالْفَاكِهَةِ) الَّتِي يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا مِنْ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَنَحْوِهِمَا؛ فَإِنَّهَا (تَتْلَفُ) سَرِيعًا، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، أَوْ كَانَ الْمُسْلَمُ
стр. 1791
فِيهِ قَدِيمُهُ دُونَ حَدِيثِهِ؛ كَالْحُبُوبِ؛ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبْضُهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَكَذَلِكَ مَا يُحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ لِكُلْفَةٍ؛ كَقُطْنٍ (وَحَيَوَانٍ يَحْتَاجُ لِمُؤْنَةٍ، أَوْ) يَخْشَى الْمُسْلِمُ عَلَى مَا يَقْبِضُهُ مِنْ (خَوْفٍ) فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان؛ (فَلَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ فِيهِ. (وَ) إنْ جَاءَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْمُسْلِمَ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ (بَعْدَ مَحِلِّهِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ) الْمُسْلِمَ قَبُولُ الْمُسْلَمِ فِيهِ (مُطْلَقًا) ، تَضَرَّرَ بِقَبْضِهِ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ.
(وَمَنْ أَرَادَ قَضَاءَ دَيْنٍ عَنْ مَدِينٍ غَيْرِهِ، فَأَبَى رَبُّهُ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ قَبْضَهُ مِنْ غَيْرِ مَدِينِهِ، (أَوْ أَعْسَرَ زَوْجٌ بِنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ) ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُعْسِرْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، (فَبَذَلَهَا أَجْنَبِيٌّ) ؛ أَيْ: لَمْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ هِبَةً لَا دَيْنًا وَهُوَ (غَيْرُ وَكِيلِ) الْمَدِينِ، وَلَا الزَّوْجِ، فَأَبَتْ الزَّوْجَةُ قَبُولَ نَفَقَتِهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ؛ (لَمْ تُجْبَرْ) ؛ أَيْ: الزَّوْجَةُ وَلَا رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْبَاذِلُ لِذَلِكَ وَكِيلًا وَنَحْوَهُ؛ لَزِمَ الْقَبُولُ تَبْرِئَةً لِذِمَّةِ الْمَبْذُولِ عَنْهُ، (وَتَمْلِكُ) الزَّوْجَةُ (الْفَسْخَ) لِإِعْسَارِ زَوْجِهَا؛ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْذُلْهَا أَحَدٌ، فَإِنْ مَلَّكَهُ لِمَدِينٍ وَزَوْجٍ، وَقَبَضَاهُ، وَدَفَعَاهُ لَهُمَا؛ أُجْبِرَا عَلَى قَبُولِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ إلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ.
الشَّرْطُ (الْخَامِسُ غَلَبَةُ مُسْلَمٍ فِيهِ وَقْتَ مَحِلِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ وُجُوبِ تَسْلِيمِهِ، وَإِنْ عُدِمَ وَقْتَ عَقْدٍ؛ كَسَلَمٍ فِي رُطَبٍ وَعِنَبٍ فِي الشِّتَاءِ إلَى الصَّيْفِ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ غَالِبًا عِنْدَ وُجُوبِهِ؛ أَشْبَهَ بَيْعَ الْآبِقِ، بَلْ أَوْلَى.
(وَيَصِحُّ) سَلَمٌ (إنْ عَيَّنَ) مُسْلِمٌ مُسْلَمًا فِيهِ مِنْ (نَاحِيَةٍ تَبْعُدُ فِيهَا آفَةٌ) ؛ كَتَمْرِ الْمَدِينَةِ، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ إنْ عَيَّنَ (قَرْيَةً صَغِيرَةً أَوْ بُسْتَانًا - وَلَوْ) كَانَ الْبُسْتَانُ الْمُعَيَّنُ (كَبِيرًا - وَلَا) إنْ أَسْلَمَ فِي شَاةٍ (مِنْ غَنَمِ زَيْدٍ، أَوْ) أَسْلَمَ فِي
стр. 1792
بَعِيرٍ مِنْ (نِتَاجِ فَحْلِهِ) ، أَوْ فِي عَبْدٍ مِثْلِ هَذَا الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ: «أَنَّهُ أَسْلَفَ النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ دَنَانِيرَ فِي تَمْرٍ مُسَمًّى، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ مِنْ تَمْرِ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ، فَقَالَ ﷺ : أَمَّا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَلَا، وَلَكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ، وَلَا تَلَفُ الْمُسْلَمِ فِي مِثْلِهِ، أَشْبَهَ تَقْدِيرَهُ بِمِكْيَالٍ لَا يُعْرَفُ. (وَإِنْ أَسْلَمَ لِمَحِلٍّ) ؛ أَيْ: وَقْتٍ (يُوجَدُ فِيهِ) مُسْلَمٌ فِيهِ (عَامًا، فَانْقَطَعَ وَتَحَقَّقَ بَقَاؤُهُ؛ لَزِمَهُ تَحْصِيلُهُ - وَلَوْ شَقَّ -) كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ. (فَإِنْ هَرَبَ) مُسْلَمٌ إلَيْهِ (أُخِذَ) مُسْلَمٌ فِيهِ (مِنْ مَالِهِ) ؛ كَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ عَلَيْهِ. (وَإِنْ تَعَذَّرَ) مُسْلَمٌ فِيهِ (أَوْ) تَعَذَّرَ (بَعْضُهُ) ؛ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ؛ (خُيِّرَ مُسْلِمٌ بَيْنَ صَبْرٍ) إلَى وُجُودِهِ، فَيُطَالِبُ بِهِ، (أَوْ فَسْخٍ فِيمَا تَعَذَّرَ) مِنْهُ؛ كَمَنْ اشْتَرَى قِنًّا، فَأَبَقَ قَبْلَ قَبْضِهِ، (وَيَرْجِعُ) إنْ فَسَخَ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ كُلِّهِ (بِرَأْسِ مَالِهِ) إنْ وُجِدَ، (أَوْ عِوَضِهِ؛ لِعَدَمِ) مُسْلَمٍ فِيهِ. (وَإِنْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ فِي خَمْرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا؛ رَدَّ) لِمُسْلِمٍ (رَأْسَ مَالِهِ) إنْ وُجِدَ أَوْ عِوَضَهُ إنْ تَعَذَّرَ.
الشَّرْطُ (السَّادِسُ قَبْضُ رَأْسِ مَالِهِ) ؛ أَيْ: الْمُسْلِمِ (قَبْلَ تَفَرُّقٍ) مِنْ مَجْلِسِ عَقْدِهِ تَفَرُّقًا يُبْطِلُ خِيَارَ مَجْلِسٍ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَاسْتَنْبَطَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ» أَيْ: فَلِيُعْطِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ اسْمُ السَّلَفِ فِيهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ مَا سَلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ مَنْ أَسْلَفَهُ، (فَإِنْ قَبَضَ) مُسْلَمٌ إلَيْهِ (بَعْضَهُ) ؛ أَيْ: بَعْضَ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ؛ (صَحَّ فِيهِ) ؛ أَيْ: فِيمَا قَبَضَ بِقِسْطِهِ (فَقَطْ) ؛ أَيْ: وَبَطَلَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ؛ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. (وَإِنْ بَانَ) ؛ أَيْ: ظَهَرَ رَأْسُ مَالٍ مُسْلِمٍ مَقْبُوضٍ (غَصْبًا أَوْ مَعِيبًا) عَيْبًا (مِنْ الْجِنْسِ أَوْ غَيْرِهِ) ؛ فَحُكْمُهُ (كَمَا مَرَّ فِي صَرْفٍ) مِنْ أَنَّهُ إنْ ظَهَرَ
стр. 1793
أَنَّهُ مَغْصُوبٌ، أَوْ الْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، بَطَلَ؛ كَمَا لَوْ ظَهَرَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ الْجِنْسِ؛ فَلِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ إمْسَاكُهُ وَأَخْذُ أَرْشِ عَيْبِهِ، أَوْ رَدُّهُ وَأَخْذُ بَدَلِهِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، لَا مِنْ جِنْسِ السَّلِيمِ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذُ بَدَلِهِ بَعْدَ الْمَجْلِسِ؛ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، (وَكَقَبْضٍ) فِي الْحُكْمِ (مَا بِيَدِهِ) ؛ أَيْ: الْمُسْلَمِ إلَيْهِ (أَمَانَةٌ أَوْ غَصْبٌ) وَنَحْوُهُ، فَيَصِحُّ جَعْلُهُ رَأْسَ مَالٍ مُسْلِمٍ فِي ذِمَّةِ مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ، وَقَوْلُهُ أَمَانَةٌ أَوْ غَصْبٌ بَدَلٌ مِنْ مَا. (وَيَتَّجِهُ) إنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ (مَعَ رُؤْيَةِ) مَا جَعَلَاهُ مِنْ الْأَمَانَةِ أَوْ الْغَصْبِ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ (أَوْ تَقَدُّمُهَا) ؛ أَيْ: الرُّؤْيَةِ عَلَى الْعَقْدِ (بِزَمَنٍ يَسِيرٍ) ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ (لَا) يَصِحُّ جَعْلُ (مَا فِي ذِمَّةٍ) رَأْسَ مَالِ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ فَإِنْ كَانَ رَأْسُ مَالِهِ دَيْنًا كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، بِخِلَافِ أَمَانَةٍ وَغَصْبٍ. (وَشَرْطِ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ) ؛ أَيْ: رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، (وَ) مَعْرِفَةِ (صِفَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فَسْخُ الْمُسْلِمِ، لِتَأَخُّرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِيُرَدَّ بَدَلُهُ؛ كَالْقَرْضِ، وَاعْتُبِرَ التَّوَهُّمُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جَوَازِهِ، وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ الْغَرَرِ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا. (فَلَا تَكْفِي مُشَاهَدَتُهُ) أَيْ: رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ؛ كَمَا لَوْ عَقَدَهُ بِصُبْرَةٍ لَا يَعْلَمَانِ قَدْرَهَا وَوَصْفَهَا، (وَلَا يَصِحُّ بِمَا لَا يَنْضَبِطُ كَجَوْهَرٍ) وَثَوْبٍ غَرِيبِ النَّسْجِ وَكُتُبٍ (وَمَغْشُوشٍ، وَيَرُدُّ) مَا قَبَضَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ رَأْسُ مَالِ سَلَمٍ؛ لِفَسَادِ الْعَقْدِ (إنْ وُجِدَ، وَإِلَّا يُوجَدْ فَقِيمَتُهُ) إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا، وَمِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا؛ كَصُبْرَةٍ مِنْ نَحْوِ حُبُوبٍ؛ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) فِيهَا؛ أَيْ: الْقِيمَةِ، فِي قِيمَةِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ الْبَاطِلِ، أَوْ فِي قَدْرِ الصُّبْرَةِ الْمَجْعُولَةِ رَأْسَ مَالِ
стр. 1794
سَلَمٍ؛ (فَقَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) قَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ؛ بِأَنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ قِيمَةَ مَا قَبَضْتُهُ؛ (فَقِيمَةُ مُسْلَمٍ فِيهِ مُؤَجَّلًا) إلَى الْأَجَلِ الَّذِي عَيَّنَاهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَشْيَاءِ أَنْ تُبَاعَ بِقِيمَتِهَا؛ وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُسْلَمٍ إلَيْهِ فِي قَبْضِ رَأْسِ مَالِهِ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَبَضَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ؛ فَقَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ، وَتُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ عِنْدَ التَّعَارُضِ.
(فَرْعٌ: لَوْ تَعَاقَدَا عَلَى) نَحْوِ (مِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كُرِّ بُرٍّ، وَشَرَطَا تَعْجِيلَ خَمْسِينَ وَتَأْجِيلَ أُخْرَى؛ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ) - وَلَوْ قُلْنَا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ - (لِأَنَّ مَا عُجِّلَ يُقَابَلُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أُجِّلَ، وَهُوَ مَجْهُولٌ) ؛ فَلَمْ يَصِحَّ لِذَلِكَ.
الشَّرْطُ (السَّابِعُ أَنْ يُسْلَمَ فِي ذِمَّةٍ؛ فَلَا يَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي عَيْنٍ) نَابِتَةٍ؛ كَشَجَرَةٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ فِي الْحَالِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى السَّلَمِ فِيهِ، (وَبَعْضُهُمْ) ؛ أَيْ: بَعْضُ الْأَصْحَابِ (نَفَاهُ) ؛ أَيْ: نَفَى هَذَا الشَّرْطَ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِذَكَرِ الْأَجَلِ؛ (لِأَنَّ الْمُؤَجَّلَ لَا يَكُونُ إلَّا بِذِمَّةٍ) . قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": فَائِدَةٌ هَذِهِ الشُّرُوطُ السَّبْعَةُ هِيَ الْمُشْتَرَطَةُ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ لَا غَيْرُ، لَكِنْ هَذِهِ زَائِدَةٌ عَلَى شُرُوطِ الْبَيْعِ.
[فَصْلٌ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي السَّلَمِ ذِكْرُ مَكَانِ الْوَفَاءِ]
(فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي السَّلَمِ (ذِكْرُ مَكَانِ الْوَفَاءِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ، وَكَبَاقِي الْبُيُوعِ (إنْ لَمْ يُعْقَدْ بِنَحْوِ بَرِّيَّةٍ وَسَفِينَةٍ) وَنَحْوِهِمَا؛ كَدَارِ حَرْبٍ وَجَبَلٍ غَيْرِ مَسْكُونٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَيَكُونُ مَحَلُّ التَّسْلِيمِ مَجْهُولًا فَاشْتُرِطَ تَعْيِينُهُ بِالْقَوْلِ كَالزَّمَانِ (وَيَجِبُ مَعَ تَشَاحٍّ وَفَاءُ مَكَانِ عَقْدِ) السَّلَمِ إذَا كَانَ مَحِلُّ إقَامَةٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ التَّسْلِيمُ فِي مَكَانِهِ، (وَشَرْطُهُ) ؛ أَيْ: الْوَفَاءِ (فِيهِ) ؛ أَيْ: مَكَانِ الْعَقْدِ مُؤَكَّدٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلَا يُؤَثِّرُ (وَإِنْ دَفَعَ) مُسْلَمٌ إلَيْهِ السَّلَمَ (فِي غَيْرِهِ) ؛ أَيْ: الْمَكَانِ الَّذِي شُرِطَ بِهِ إنْ عُقِدَ بِنَحْوِ بَرِّيَّةٍ، أَوْ مَكَانِ الْعَقْدِ إنْ عُقِدَ بِغَيْرِ نَحْوِ بَرِّيَّةٍ، (لَا مَعَ أُجْرَةِ حَمْلِهِ إلَيْهِ) ؛ أَيْ: إلَى مَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ فِيهِ؛ (صَحَّ) ؛ أَيْ: جَازَ الدَّفْعُ؛ لِتَرَاضِيهِمَا عَلَيْهِ،
стр. 1795
وَبَرِئَ دَافِعٌ؛ كَمَا يَصِحُّ (شَرْطُهُ) ؛ أَيْ: الْوَفَاءِ (فِيهِ) ؛ أَيْ: غَيْرِ مَحَلِّ الْعَقْدِ؛ كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ، فَإِنْ دَفَعَهُ، فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَدَفَعَ مَعَهُ أُجْرَةَ حَمْلِهِ إلَيْهِ؛ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ تَرَاضَيَا؛ لِأَنَّهُ كَالِاعْتِيَاضِ عَنْ بَعْضِ السَّلَمِ.
(وَلَا يَصِحُّ أَخْذُ رَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ أَوْ ضَمَانٍ بِمُسْلِمٍ فِيهِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيِّ فِي خِصَالِهِ " وَصَاحِبُ " الْمُبْهِجِ " وَالْإِيضَاحِ "، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. قَالَ فِي " الْخُلَاصَةِ ": لَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَيْءٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ، وَالضَّمَانُ يُقِيمُ مَا فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ مَقَامَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْعِوَضِ وَالْبَدَلِ عَنْهُ، وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ؛ لِلْخَبَرِ، (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ " وَالْوَجِيزِ " وَالتَّصْحِيحِ " وَغَيْرُهُمْ؛ (وَلَا يَصِحُّ اعْتِيَاضٌ عَنْهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْلَمِ فِيهِ، (وَلَا) يَصِحُّ (بَيْعُهُ، أَوْ) بَيْعُ (رَأْسِ مَالِهِ) الْمَوْجُودِ (بَعْدَ فَسْخِ) عَقْدٍ (وَقَبْلَ قَبْضٍ) عَلَى غَيْرِهِ حَوَالَةُ رَأْسِ مَالِهِ - (وَلَوْ) كَانَ الْبَيْعُ (لِمَنْ) هُوَ (عَلَيْهِ - وَلَا حَوَالَةَ بِهِ) مِنْ جَانِبِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ عَلَى غَيْرِهِ، (وَلَا) حَوَالَةَ (عَلَيْهِ) مِنْ جَانِبِ الْمُسْلِمِ؛ لِنَهْيِهِ ﵊. عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَحَدِيثِ: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ؛ أَشْبَهَ الْمَكِيلَ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَأَيْضًا فَرَأْسُ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ فَسْخِهِ وَقَبْلَ قَبْضِهِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِعَقْدِ السَّلَمِ؛ أَشْبَهَ الْمُسْلَمَ فِيهِ.
وَتَصِحُّ هِبَةُ كُلِّ دَيْنٍ - وَلَوْ سَلَمًا - لِمَدِينٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ، فَإِنْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ حَقِيقَةً؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ وَاقْتِضَاءِ الْهِبَةِ وُجُودَ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَمِنْ هُنَا امْتَنَعَ هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَ (لَا) يَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ (لِغَيْرِهِ) ؛ أَيْ: غَيْرِ الْمَدِينُ، (إلَّا لِضَامِنِهِ) بِهِ، فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْإِسْقَاطِ.
стр. 1796
(وَيَتَّجِهُ وَلَوْ ضَمِنَهُ حِيلَةً) ؛ لِإِسْقَاطِ الدَّيْنِ؛ كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ إذَا ضَمِنَ الْمَدِينَ لَدَائِنِهِ، وَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ تَحْصِيلُهُ مِنْهُ، يُسْقِطُهُ الدَّائِنُ عَنْهُ؛ فَيَصِحُّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَصِحُّ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ مِنْ ثَمَنٍ وَقَرْضٍ وَمَهْرٍ بَعْدَ دُخُولٍ) أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يُقَرِّرُهُ، (وَأُجْرَةٌ اُسْتُوْفِيَ نَفْعُهَا، وَأَرْشُ جِنَايَةٍ، وَقِيمَةُ مُتْلَفٍ) ، وَجُعْلٌ بَعْدَ عَمَلٍ، (وَعِوَضٌ نَحْوَ خَلْعٍ لِمَدِينٍ فَقَطْ، وَشُرِطَ) لِصِحَّةِ الْبَيْعِ (قَبْضُ عِوَضِهِ قَبْلَ تَفَرُّقٍ) لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ. وَتَقَدَّمَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ مَا فِي الذِّمَّةِ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ عِوَضَهُ؛ لِمَجْلِسٍ؛ لَمْ يَصِحَّ (إنْ بِيعَ) الدَّيْنُ (بِمَا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً) ؛ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، وَبُرٍّ بِشَعِيرٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) بِيعَ الدَّيْنُ (بِمَوْصُوفٍ بِذِمَّةٍ) ، سَوَاءٌ كَانَ يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً، أَوْ لَا، وَلَمْ يُقْبَضْ بِالْمَجْلِسِ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، فَإِنْ بِيعَ مَكِيلٌ بِمَوْزُونٍ مُعَيَّنٍ، وَعَكْسُهُ؛ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ عِوَضُهُ بِالْمَجْلِسِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَيَتَّجِهُ بَلْ) وَلَا يَصِحُّ؛ بَيْعُ دَيْنٍ بِمَوْصُوفٍ (- وَلَوْ بِغَيْرِ ذِمَّةٍ -) إذَا لَمْ يُقْبَضْ بِالْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ قَبْضُ عِوَضِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِالْمَجْلِسِ، (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " وَالْإِقْنَاعِ " فِي تَقْيِيدِهِمَا اشْتِرَاطَ الْقَبْضِ فِيمَا إذَا كَانَ مَوْصُوفًا بِالذِّمَّةِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ فِيمَ إذَا كَانَ الْعِوَضُ بِعَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ بِغَيْرِ ذِمَّةٍ؛ كَمَا لَوْ كَانَ مُشَاهَدًا بِحَيْثُ لَوْ أَرَادَ قَبْضَهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ أَحَدٌ؛ وَكَذَا مُتَقَدِّمًا رُؤْيَتُهُ يَسِيرٌ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِعَيِّنٍ، فَلَا وَجْهَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ وَيَصِحُّ بَيْعُ دَيْنٍ مُطْلَقًا (لِغَيْرِهِ) ؛ أَيْ:
стр. 1797
غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَرْضُهُ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً، أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ أَشْبَهَ الْآبِقَ، (وَلَا) بَيْعُ دَيْنٍ [غَيْرِ] (مُسْتَقِرٍّ؛ كَدَيْنِ كِتَابَةٍ، وَأُجْرَةٍ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ، وَصَدَاقٍ قَبْلَ دُخُولٍ) لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ غَيْرُ تَامٍّ. (وَيَتَّجِهُ صِحَّةُ مُصَالَحَةٍ عَنْ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: عَنْ الدَّيْنِ غَيْرِ الْمُسْتَقِرِّ، دَفْعًا لِلنِّزَاعِ، وَطَلَبًا لِلسُّهُولَةِ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتَصِحُّ إقَالَةٌ فِي سَلَمٍ) ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ، وَتَصِحُّ إقَالَةٌ فِي (بَعْضِهِ) ؛ لِأَنَّهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهَا، وَكُلُّ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ صَحَّ فِي شَيْءٍ؛ صَحَّ فِي بَعْضِهِ؛ كَالْإِبْرَاءِ (بِدُونِ) - مُتَعَلِّقٌ بِ تَصِحُّ - (قَبْضِ رَأْسِ مَالِهِ) ؛ أَيْ: السَّلَمِ إنْ وُجِدَ (أَوْ) بِدُونِ قَبْضِ (عِوَضِهِ) ؛ أَيْ: رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ مُسْلَمٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ، فَإِذَا حَصَلَتْ بَقِيَ الثَّمَنُ بِيَدِ الْبَائِعِ أَوْ ذِمَّتِهِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ، كَالْقَرْضِ
(وَبِفَسْخِ) سَلَمٍ (يَجِبُ) عَلَى مُسْلَمٍ إلَيْهِ (رَدُّ مَا أَخَذَ) مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ؛ بَقِيَ لِرُجُوعِهِ لِمُسْلِمٍ، (وَإِلَّا) يَكُنْ بَاقِيًا؛ فَعَلَيْهِ (مِثْلُهُ) إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، (ثُمَّ قِيمَتُهُ) إنْ مُتَقَوِّمًا، أَوْ تَعَذَّرَ الْمِثْلُ؛ لِأَنَّ مَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ يَرْجِعُ بِبَدَلِهِ، (فَإِنْ أَخَذَ بَدَلَهُ) ؛ أَيْ: بَدَلَ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ (ثَمَنًا) ؛ أَيْ: نَقْدًا، (وَهُوَ ثَمَنٌ؛ فَهُوَ صَرْفٌ) لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، (وَإِلَّا جَازَ فِي عِوَضٍ مُعَيَّنٍ تَفَرُّقٌ قَبْلَ قَبْضٍ إنْ لَمْ يَجُزْ) بَيْنَ الْعِوَضَيْنِ (رِبَا نَسَاءٍ) بِأَنْ كَانَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ عَرْضًا، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُ عَنْهُ عَرْضًا أَوْ ثَمَنًا بَعْدَ الْفَسْخِ؛ فَيَجُوزُ فِيهِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَيَكُونُ بَيْعًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْعِوَضُ مَكِيلًا عَنْ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونًا عَنْ مَوْزُونٍ؛ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، كَالصَّرْفِ.
(وَمَنْ لَهُ سَلَمٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ جِنْسِهِ، فَقَالَ لِغَرِيمِهِ: اقْبِضْ سَلَمِي لِنَفْسِك) ، فَفَعَلَ؛ (لَمْ يَصِحَّ) قَبْضُهُ (لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ حَوَالَةٌ) بِالسَّلَمِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ
стр. 1798
بِهِ] ، (وَلَا) قَبْضُهُ (لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ) فِي قَبْضِهِ، فَلَمْ يَقَعْ لَهُ، فَيُرَدُّ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ، (وَصَحَّ) قَبْضُهُ لَهُمَا إنْ قَالَ: اقْبِضْهُ (لِي، ثُمَّ) اقْبِضْهُ (لَكَ) ؛ لِاسْتِنَابَتِهِ فِي قَبْضِهِ لَهُ، ثُمَّ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا أُقْبِضَهُ لِمُوَكِّلِهِ؛ جَازَ أَنْ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، وَتَقَدَّمَ يَصِحُّ قَبْضُ وَكِيلٍ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ دَيْنِهِ، (وَ) إنْ دَفَعَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو دَرَاهِمَ، وَعَلَى زَيْدٍ طَعَامٌ لِعَمْرٍو، فَقَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو: (اشْتَرِ لَك بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِي عَلَيَّ، فَفَعَلَ؛ لَمْ يَصِحَّ) الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ فُضُولِيٌّ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": لِأَنَّهُ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ بِمَالِ غَيْرِهِ، (وَ) إنْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو: اشْتَرِ لِي بِالدَّرَاهِمِ طَعَامًا (ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِك) ، فَفَعَلَ؛ (صَحَّ شِرَاؤُهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ، (دُونَ قَبْضِ) ذَلِكَ (لِنَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ لِنَفْسِهِ فَرْعٌ عَنْ قَبْضِ مُوَكِّلِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَإِنْ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ لِي بِالدَّرَاهِمِ مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِي عَلَيَّ وَ (اقْبِضْهُ لِي، ثُمَّ) اقْبِضْهُ (لِنَفْسِك) ، فَفَعَلَ؛ (صَحَّا) ؛ أَيْ: الْقَبْضَانِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي الشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ، ثُمَّ الْقَبْضِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ. (وَيَتَّجِهُ لَوْ قَبَضَ دَيْنَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ) ؛ أَيْ: إذْنِ رَبِّ الدَّيْنِ (بِشَرْطِ كَوْنِهِ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ الْمَقْبُوضِ (قَرْضًا أَوْ) بِشَرْطِ كَوْنِ قَبْضِهِ لِذَلِكَ (بَيْعًا) ؛ أَيْ: مَبِيعًا؛ (لَمْ يَصِحَّا) ؛ أَيْ: الْقَرْضُ وَالْبَيْعُ، (وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْقَابِضِ (أَجْرُ مِثْلِ التَّقَاضِي) ؛ أَيْ: أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ اشْتِغَالِهِ بِالتَّقَاضِي؛ لِأَنَّهُ حَبَسَ نَفْسَهُ عَنْ الْعَمَلِ أَنْ لَوْ كَانَ لِتَحْصِيلِ مَالِ غَيْرِهِ بِإِذْنٍ، فَوَجَبَ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
.
стр. 1799
وَإِنْ قَالَ رَبُّ سَلَمٍ لِغَرِيمِهِ: (أَنَا أَقْبِضُهُ) ؛ أَيْ: السَّلَمَ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ (لِنَفْسِي، وَخُذْهُ بِالْكَيْلِ الَّذِي تُشَاهِدُ؛ صَحَّ) قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ؛ لِوُجُودِ قَبْضِهِ مِنْ مُسْتَحِقِّهِ. وَإِنْ قَالَ رَبُّ سَلَمٍ لِغَرِيمِهِ: (أَحْضِرْ اكْتِيَالِي مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ الْحَقُّ، (لِأَقْبِضَهُ لَك) ، فَفَعَلَ (صَحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ،) وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِ لِأَقْبِضَهُ لَكَ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مَعَ نِيَّتِهِ لِغَرِيمِهِ كَمَعَ نِيَّتِهِ لِنَفْسِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بُدِّلَ قَوْلُهُ صَحَّ إلَى قَوْلِهِ وَاقْبِضْ لِغَرِيمِهِ صَحَّ لَهُمَا؛ لَمْ يَصِحَّ؛ أَيْ: الْقَبْضُ لَهُمَا؛ أَيْ: لِرَبِّ السَّلَمِ. وَغَرِيمِهِ، خِلَافًا لَهُمَا؛ أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " وَالْمُنْتَهَى " حَيْثُ قَالَا بِصِحَّتِهِ تَبَعًا لِتَصْحِيحِ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَتَذْكِرَةِ " ابْنِ عَبْدُوسٍ "، وَقَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ، فَإِنْ صَحَّ نِسْبَةُ مَا فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ إلَى الْمُصَنِّفِ؛ فَمَحْمُولٌ عَلَى رِوَايَةِ مَرْجُوحَةٍ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهَا، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ صَحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ، أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَبْضًا " لِغَرِيمٍ " مَقُولٍ لَهُ ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ كَيْلِهِ إيَّاهُ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ جُزَافًا إنْ عَلِمَا، (فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) ؛ أَيْ: مَنْ حَضَرَ الِاكْتِيَالَ [ (فِيهِ) ؛ أَيْ: الْمَكِيلِ] (بِدُونِ اعْتِبَارِهِ، وَإِنْ بَرَأَتْ ذِمَّةُ دَافِعٍ) ؛ لِفَسَادِ الْقَبْضِ، (وَإِنْ تَرَكَهُ) ؛ أَيْ: تَرَكَ الْقَابِضُ الْمَقْبُوضَ (بِمِكْيَالِهِ، وَأَقْبَضَهُ لِغَرِيمِهِ؛ صَحَّ) الْقَبْضُ (لَهُمَا) ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْكَيْلِ كَابْتِدَائِهِ، وَقَبْضُ الْآخَرِ فِي مِكْيَالِهِ جَرَى لِمُصَاعِهِ فِيهِ، (وَلَوْ أَذِنَ لِغَرِيمِهِ بِالصَّدَقَةِ فِي دَيْنِهِ) الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ (عَنْهُ، أَوْ) أَذِنَ لَهُ فِي (صَرْفِهِ) وَالْمُضَارَبَةِ أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ قَالَ: اعْزِلْهُ وَضَارِبْ بِهِ، فَفَعَلَ؛ (لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْرَأْ) الْغَرِيمُ مِنْ الدَّيْنِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَلَوْ قَالَ رَبُّ الدَّيْنَ لِغَرِيمِهِ: (تَصَدَّقْ عَنِّي بِكَذَا، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ دَيْنِي) أَوْ قَالَ: أَعْطِ فُلَانًا كَذَا، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ دَيْنِي؛ ذَلِكَ، (وَكَانَ اقْتِرَاضًا) ، لَا تَصَرُّفًا فِي الدَّيْنِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ كَمَا لَوْ قَالَهُ لِغَيْرِ غَرِيمِهِ، (لَكِنْ يَسْقُطُ مِنْ دَيْنِ غَرِيمِهِ بِقَدْرِهِ) ؛ أَيْ: قَدْرِ مَا قَالَ لَهُ تَصَدَّقْ عَنِّي وَنَحْوِهِ. (بِالْمُقَاصَّةِ) الْآتِيَةِ:
стр. 1800
(وَ) لَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ (اشْتَرِ لِي بِدَيْنِي) الَّذِي لِي (عَلَيْك طَعَامًا) ، فَفَعَلَ؛ لَمْ يَصِحَّ، (أَوْ) قَالَ لَهُ (أَسْلِفْ لِي أَلْفًا مِنْ مَالِكَ فِي كُرِّ طَعَامٍ، فَفَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِقَبْضِهِ، (فَإِنْ قَالَ لَهُ اشْتَرِ لِي فِي ذِمَّتِك أَوْ قَالَ لَهُ أَسْلِفْ لِي أَلْفًا فِي كُرِّ طَعَامٍ، وَاقْبِضْ الثَّمَنَ عَنِّي مِنْ مَالِكَ، أَوْ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْك؛ صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ عَنْهُ مِنْ نَفْسِهِ وَفِي السَّلَفِ. (وَمَنْ قَبَضَ) مِنْ غَرِيمِهِ (دَيْنًا جُزَافًا فَاقْبَلْ قَوْلَهُ) ؛ أَيْ: الْقَابِضِ (فِي قَدْرِهِ) ؛ أَيْ: الْمَقْبُوضِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزَّائِدَ؛ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَلَا يَتَصَرَّفُ مَنْ قَبَضَ مَكِيلًا وَنَحْوَهُ جُزَافًا فِي قَدْرِ حَقِّهِ (بِلَا اعْتِبَارِهِ) بِمِعْيَارِهِ؛ لِفَسَادِ الْقَبْضِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ قَابِضٍ (إنْ قَبَضَهُ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ، ثُمَّ ادَّعَى نَحْوَ غَلَطٍ) ؛ كَسَهْوٍ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَمَا قَبَضَهُ) أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، فَأَكْثَرُ (مِنْ دَيْنٍ مُشْتَرَكٍ بِإِرْثٍ أَوْ إتْلَافِ) عَيْنٍ مُشْتَرَكَةٍ (أَوْ بِعَقْدٍ) ؛ كَبَيْعِ مُشْتَرَكٍ أَوْ إجَارَتِهِ (أَوْ بِضَرِيبَةٍ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا وَاحِدٌ) ؛ كَوَقْفٍ عَلَى عَدَدٍ مَحْصُورٍ، وَوَظِيفَةٍ لِكُلِّ مِنْهُمَا اسْتِحْقَاقٌ فِيهَا؛ (فَشَرِيكُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذٍ مِنْ غَرِيمٍ) ؛ لِبَقَاءِ اشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ، (أَوْ) أَخْذٍ مِنْ (قَابِضٍ) ؛ لِلِاسْتِوَاءِ فِي الْمِلْكِ، وَعَدَمِ تَمْيِيزِ حِصَّةِ الْآخَرِ، فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ بِهِ (- وَلَوْ بَعْدَ تَأْجِيلِ الطَّالِبِ لِحَقِّهِ -) لِمَا سَبَقَ؛ (مَا لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ) ؛ أَيْ: الشَّرِيكُ فِي الْقَبْضِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ مِنْ غَيْرِ تَوْكِيلٍ فِي: نَصِيبِهِ، فَقَبَضَهُ لِنَفْسِهِ؛ لَمْ يُحَاصِصْهُ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: اقْبِضْ لَكَ (أَوْ) مَا لَمْ (يَتْلَفْ) مَقْبُوضٌ (فَيَتَعَيَّنُ غَرِيمٌ) ، وَالتَّالِفُ مِنْ حِصَّةِ قَابِضٍ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا، وَظَاهِرُهُ - وَلَوْ كَانَ التَّلَفُ بِفِعْلِ قَابِضِهِ - لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْرُ حَقِّهِ، وَإِنَّمَا شَارَكَهُ لِثُبُوتِهِ مُشْتَرَكًا، مَعَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا: لَوْ أَخْرَجَهُ الْقَابِضُ بِرَهْنٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ؛ فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْ يَدِهِ؛ كَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
стр. 1801
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (لَا إنْ تَعَذَّرَ) الِاسْتِيفَاءُ مِنْ الْغَرِيمِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ؛ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَابِضِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِمَّا قَبَضَهُ بِإِذْنِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَقِيمَتِهِ إنْ تَالِفًا (وَمَنْ اسْتَحَقَّ) ؛ أَيْ: تَجَدَّدَ لَهُ دَيْنٌ (عَلَى غَرِيمِهِ مِثْلُ مَا لَهُ عَلَيْهِ) مِنْ دَيْنٍ (جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً حَالَّيْنِ) ؛ بِأَنْ اقْتَرَضَ زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو دِينَارًا مِصْرِيًّا مَثَلًا، ثُمَّ اشْتَرَى عَمْرٌو مِنْ زَيْدٍ بِدِينَارٍ مِصْرِيٍّ حَالٍّ، (أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ أَجَلًا وَاحِدًا) ؛ كَثَمَنَيْنِ اتَّحَدَ أَجَلُهُمَا، (وَيَتَّجِهُ وَكَانَا) ؛ أَيْ: الثَّمَنَانِ (مُسْتَقِرَّيْنِ) فِي الذِّمَّةِ؛ كَبَدَلِ الْقَرْضِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَقِيمَةِ الْمُتْلَفَاتِ وَنَحْوِهَا، لِاشْتِرَاطِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْمُقَاصَّةِ، مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا فِي مَوَاضِعَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاسْتِقْرَارِ، مِنْهَا مَا إذَا بَاعَ عَبْدَهُ لِزَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِثَمَنٍ مِنْ جِنْسِ مَا سَمَّى لَهَا. وَمِنْهَا صِحَّةُ الْمُقَاصَّةِ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الِاسْتِقْرَارُ فِي الْمُقَاصَّةِ غَالِبًا؛ (تَسَاقَطَا) إنْ اسْتَوَيَا، (وَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا) أَوْ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَدَفْعِهِ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ شَبَّهَهُ بِالْعَبَثِ (أَوْ) سَقَطَ مِنْ الْأَكْثَرِ (بِقَدْرِ الْأَقَلِّ) إنْ تَفَاوَتَا قَدْرًا بِدُونِ تَرَاضٍ، وَلَا يَتَسَاقَطَانِ (إذَا كَانَا) ؛ أَيْ: الْمَدِينَانِ دَيْنَ سَلَمٍ، (أَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمَا دَيْنَ سَلَمٍ) - وَلَوْ تَرَاضَيَا - لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي دَيْنِ سَلَمٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، (أَوْ تَعَلَّقَ بِهِ) ؛ أَيْ: أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ (حَقٌّ؛ كَرَهْنٍ وَمَالِ مُفْلِسٍ بِيعَا) ؛ أَيْ: الرَّهْنُ وَمَالُ الْمُفْلِسِ (لِذِي) ؛ أَيْ: صَاحِبِ (حَقٍّ لَهُ عَلَيْهِمَا) ؛ أَيْ: عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمُفْلِسِ؛ كَمَا لَوْ بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ لِتَوْفِيَةِ دَيْنِهِ مِنْ مَدِينِهِ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ الْمُفْلِسُ بَعْضَ
стр. 1802
مَالِهِ عَلَى بَعْضِ غُرَمَائِهِ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ عَلَى الْمُفْلِسِ، فَإِنَّهُ لَا مُقَاصَّةَ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ، (أَوْ كَانَ لَهُ) ؛ أَيْ: الزَّوْجِ (عَلَيْهَا) ؛ أَيْ: عَلَى زَوْجَتِهِ (دَيْنٌ مِنْ جِنْسِ وَاجِبِ نَفَقَتِهَا) ؛ لَمْ يَحْتَسِبْ بِهِ (عُسْرَتَهَا) ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ بِمَا فَضَلَ وَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ مُوَضَّحًا. (وَيَتَّجِهُ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (مُعْسِرًا وَ) الزَّوْجُ (الْآخَرُ مُوسِرًا؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ) إنَّمَا يَتَعَلَّقُ (بِمَا فَضَلَ عَمَّا يَحْتَاجُهُ) الْمَدِينُ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَمَتَى نَوَى مَدْيُونٌ وَفَاءً) عَمَّا عَلَيْهِ (بِدَفْعٍ بَرِئَ) مِنْهُ، (وَإِلَّا) يَنْوِ وَفَاءً، بَلْ نَوَى التَّبَرُّعَ (فَمُتَبَرِّعٌ) ، وَالدَّيْنُ بَاقٍ عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . هَكَذَا ذَكَرُوهُ هُنَا، وَقَالَ فِي " مُخْتَصَرِ التَّحْرِيرِ " وَغَيْرِهِ: وَمِنْ الْوَاجِبِ مَا لَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ؛ كَنَفَقَةٍ وَرَدِّ وَدِيعَةٍ وَغَصْبٍ وَنَحْوِهِ؛ كَعَارِيَّةٍ وَدَيْنٍ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ [مَعَ غَفْلَتِهِ] ؛ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الثَّوَابُ. انْتَهَى. فَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا نَوَى التَّبَرُّعَ لَا عَلَى مَا إذَا غَفَلَ عَنْ النِّيَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، (وَتَكْفِي نِيَّةُ حَاكِمٍ وَفَّاهُ قَهْرًا مِنْ مَالِ مَدْيُونٍ) ؛ لِامْتِنَاعِهِ أَوْ مَعَ غَيْبَتِهِ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَعْلَمُ بِهِ رَبُّهُ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ بِهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) قَوْلُ قَابِضِ مَالٍ لِغَرِيمِهِ: (قَبَضْته مِنْ دَيْنِي) الَّذِي لِي فِي ذِمَّتِك، (فَقَالَ مَدِينٌ: بَلْ) هُوَ (قَرْضٌ) عِنْدَك وَدَيْنُكَ بَاقٍ، فَإِنْ وُجِدَ (مَعَ) ذَلِكَ (شَرْطُ الْمُقَاصَّةِ) مِنْ اتِّفَاقِ الدَّيْنِ وَالْمَقْبُوضِ قَدْرًا وَجِنْسًا وَصِفَةً؛
стр. 1803
(فَالْقَوْلُ قَوْلُ قَابِضٍ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّةِ نَفْسِهِ، (وَإِلَّا) يُوجَدْ شَرْطُ الْمُقَاصَّةِ؛ (فَلَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِافْتِقَارِ ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ إلَى عَقْدٍ جَدِيدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[بَابُ الْقَرْضِ]
ُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا مَصْدَرُ قَرَضَ الشَّيْءَ يَقْرِضُهُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - إذَا قَطَعَهُ، وَمِنْهُ الْمِقْرَاضُ، وَالْقَرْضُ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الِاقْتِرَاضِ. وَشَرْعًا: (دَفْعُ مَالٍ إرْفَاقًا لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ) ؛ أَيْ: الْمَالِ، (وَيَرُدُّ بَدَلَهُ) ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسِهَا لِمَصْلَحَةٍ لَاحَظَهَا الشَّارِعُ؛ رِفْقًا بِالْمَحَاوِيجِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهِ؛ لِفِعْلِهِ ﵊ (وَهُوَ) أَيْ: الْقَرْضُ (مِنْ الْمَرَافِقِ) - جَمْعُ مَرْفِقٍ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مَعَ كَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا - وَهُوَ ارْتَفَقْتُ بِهِ وَانْتَفَعْتُ (الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا) فِي حَقّ الْمُقْرِضِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «مِنْ كَشَفَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَأَنْ أُقْرِضَ دِينَارَيْنِ، ثُمَّ يُرَدَّانِ، ثُمَّ أُقْرِضَهُمَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِمَا. (وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْقَرْضِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إلَّا كَانَا كَصَدَقَةٍ مَرَّةً» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
стр. 1804
(وَلَا إثْمَ عَلَى مَنْ سُئِلَ) الْقَرْضَ (فَلَمْ يُقْرِضْ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، بَلْ مَنْدُوبٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْمُومَةِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِعِوَضِهِ، فَأَشْبَهَ الشِّرَاءَ شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ.
(وَيَنْبَغِي) لِلْمُقْتَرِضِ (أَنْ يُعْلِمَ الْمُقْرِضَ بِحَالِهِ وَلَا يَغُرَّهُ؛ كَفَقِيرٍ يَتَزَوَّجُ) بِامْرَأَةٍ (مُوسِرَةٍ) ، فَيُعْلِمُهَا بِفَقْرِهِ لِئَلَّا يَغُرَّهَا، (وَلَا يَقْتَرِضُ إلَّا مَا يَقْدِرُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ) إلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ مِثْلُهُ عَادَةً؛ لِئَلَّا يَضُرَّ بِالْمُقْرِضِ، (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ الشِّرَاءَ بِدَيْنٍ، وَلَا وَفَاءَ عِنْدَهُ إلَّا) الشَّيْءَ (الْيَسِيرَ. وَقَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: (مَا أُحِبُّ أَنْ يَقْتَرِضَ بِجَاهِهِ لِإِخْوَانِهِ) . قَالَ الْقَاضِي: إذَا كَانَ مَنْ يَقْتَرِضُ لَهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْوَفَاءِ؛ لِكَوْنِهِ تَغْرِيرًا بِمَالِ الْمُقْرِضِ وَإِضْرَارًا بِهِ، أَمَّا إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْوَفَاءِ؛ فَلَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُ وَتَفْرِيجٌ لِكُرْبَتِهِ.
( [وَيَصِحُّ قَرْضٌ] وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) كَانَ الْمُقْرَضُ (مُعَلَّقًا) ؛ كَالْمُنَجَّزِ؛ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ (بِلَفْظِهِ) ؛ أَيْ: بِلَفْظِ الْقَرْضِ (وَلَفْظِ سَلَفٍ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ، وَبِكُلِّ (مَا) ؛ أَيْ: لَفْظٍ (يُؤَدِّي مَعْنَاهُ) ؛ أَيْ: الْقَرْضِ كَقَوْلِهِ: (مَلَّكْتُكَ هَذَا لِتَرُدَّ) لِي (بَدَلَهُ) ، أَوْ خُذْ هَذَا انْتَفَعَ بِهِ، وَرُدَّ لِي؛ بَدَلَهُ، (أَوْ تُوجَدُ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَتِهِ) ؛ أَيْ: الْقَرْضِ؛ كَأَنْ سَأَلَهُ قَرْضًا، (وَإِلَّا) بِأَنْ قَالَ: مَلَّكْتُك، وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَدَلَ، وَلَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ هِبَةٌ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُعْطِي: هُوَ قَرْضٌ، وَقَالَ الْآخِذُ: هُوَ هِبَةٌ؛ (فَقَوْلُ آخِذٍ بِيَمِينِهِ فِي مَلَّكْتُكَ أَنَّهُ هِبَةٌ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ. (وَمَنْ سَأَلَهُ فَقِيرٌ إعْطَاءَ شَيْءٍ) ؛ فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ قَالَ الْمُعْطِي: هُوَ قَرْضٌ، وَقَالَ الْآخِذُ هُوَ هِبَةٌ، (فَقَوْلُ دَافِعٍ أَنَّهُ قَرْضٌ) بِقَرِينَةِ السُّؤَالِ. (فَإِنْ قَالَ لَهُ: أَعْطِنِي إنِّي فَقِيرٌ) ، وَلَمْ يَقُلْ قَرْضًا فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ ادَّعَى الْمُعْطِي أَنَّهُ قَرْضٌ،
стр. 1805
وَادَّعَى الْفَقِيرُ أَنَّهُ صَدَقَةٌ؛ (فَقَوْلُ فَقِيرٍ أَنَّهُ صَدَقَةٌ) بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ إنَّهُ فَقِيرٌ؛ إذْ مَنْ طَلَبَ لِلْفَقْرِ إنَّمَا يَطْلُبُ صَدَقَةً غَالِبًا.
(وَشُرِطَ. عِلْمُ قَدْرِ قَرْضٍ) بِمُقَدَّرٍ مَعْرُوفٍ، فَلَا يَصِحُّ قَرْضُ دَنَانِيرَ وَنَحْوِهَا عَدَدًا إنْ لَمْ يُعْرَفْ وَزْنُهَا، إلَّا إنْ كَانَتْ يُتَعَامَلُ بِهَا عَدَدًا، فَيَجُوزُ، وَيُرَدُّ بَدَلُهَا عَدَدًا، (وَ) مَعْرِفَةُ (وَضْعِهِ) لِيَتَمَكَّنَ مِنْ رَدِّ بَدَلِهِ. (وَ) شُرِطَ (كَوْنُ مُقْرِضٍ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ) ، فَلَا يُقْرِضُ نَحْوُ وَلِيِّ يَتِيمٍ مِنْ مَالِهِ، وَلَا مُكَاتَبٌ وَلَا نَاظِرُ وَقْفٍ مِنْهُ، كَمَا لَا يُحَابِي؛ (فَلَا يَصِحُّ قَرْضٌ نَحْوِ مَكِيلٍ) ؛ كَمَوْزُونٍ (جُزَافًا أَوْ مُقَدَّرًا بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ غَيْرِ مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْعَامَّةِ) ؛ كَالسَّلَمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَ ذَلِكَ فَيَتَعَذَّرُ رَدُّ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا غَرَضٌ فِي ذَلِكَ؛ صَحَّ الْقَرْضُ، لَا التَّعْيِينُ، (وَمِنْ شَأْنِهِ) ؛ أَيْ: الْقَرْضِ (أَنْ يُصَادِفَ ذِمَّةً) فِي الْغَالِبِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الدَّيْنُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي الذِّمَمِ، وَمَتَى أُطْلِقَتْ بِالْأَعْوَاضِ تَعَلَّقَتْ بِهَا، وَلَوْ عُيِّنَتْ الدُّيُونُ مِنْ أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ؛ لَمْ يَصِحَّ. (فَلَا يَصِحُّ قَرْضُ جِهَةٍ؛ كَمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) ؛ كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ (مَعَ قَوْلِهِمْ) ؛ أَيْ: الْأَصْحَابِ فِي كِتَابِ (الْوَقْفِ: وَلِلنَّاظِرِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ) بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ لِمَصْلَحَتِهِ؛ كَشِرَائِهِ لَهُ نَسِيئَةً، أَوْ بِنَقْدٍ لَمْ يُعِنْهُ. (وَفِي بَابِ اللَّقِيطِ) يَجُوزُ الِاقْتِرَاضُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِنَفَقَةِ اللَّقِيطِ، وَكَذَا قَالَ فِي " الْمُوجَزِ ": يَصِحُّ قَرْضُ حَيَوَانٍ وَثَوْبٍ لِبَيْتِ الْمَالِ وَلِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ. (فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْتُ الْمَالِ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ حَاكِمٌ) . قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الدَّيْنَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ، وَبِهَذِهِ الْجِهَاتِ؛ كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي؛ فَلَا يَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ الْوَفَاءُ مِنْ مَالِهِ، بَلْ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ، وَمَا يَحْدُثُ لِبَيْتِ الْمَالِ. أَوْ يُقَالُ لَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ رَأْسًا، وَمَا هُنَا بِمَعْنَى الْغَالِبِ فَلَا تَرِدُ الْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ لِنُدْرَتِهَا.
(وَيَصِحُّ) الْقَرْضُ (فِي كُلِّ عَيْنٍ يَصِحُّ بَيْعُهَا) مِنْ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ
стр. 1806
وَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ وَغَيْرِهِ، (إلَّا بَنِي آدَمَ) ؛ فَلَا يَصِحُّ قَرْضُهُ [ذَكَرًا] كَانَ أَوْ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَا هُوَ مِنْ الْمَرَافِقِ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَقْتَرِضَ جَارِيَةً يَطَؤُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا. (وَيَتَّجِهُ وَ) إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَرْضُ (حِيلَةً) عَلَى الرِّبَا، (كَقَرْضِ حُلِيٍّ بِنَقْدٍ يُقْصَدُ بَيْعُهُ بِهِ) ؛ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَلَا يَصِحُّ قَرْضُ الْمَنَافِعِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ، (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ، فَإِنَّهُ جَوَّزَ قَرْضَهَا؛ (كَأَنْ يَحْصُدَ مَعَهُ) إنْسَانٌ (يَوْمًا لِيَحْصُدَ الْآخَرُ مَعَهُ مِثْلَهُ، أَوْ يُسْكِنَهُ دَارِهِ لِيُسْكِنَهُ الْآخَرُ) دَارًا (بَدَلَهَا) كَالْعَارِيَّةِ بِشَرْطِ الْعِوَضَ.
[فَصْلٌ يَتِمُّ عَقْدُ قَرْضٍ بِقَبُولٍ]
(فَصْلٌ: وَيَتِمُّ) عَقْدُ (قَرْضٍ بِقَبُولٍ) ؛ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، (وَيَلْزَمُ) الْقَرْضُ، (وَيُمْلَكُ بِقَبْضٍ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقِفُ التَّصَرُّفُ فِيهِ عَلَى الْقَبْضِ، فَوَقَفَ الْمِلْكُ عَلَيْهِ؛ كَالْهِبَةِ، (فَلَا يَمْلِكُ مُقْرِضٌ اسْتِرْجَاعَهُ، لِفَلْسٍ) ، فَيَمْلِكُ مُقْرِضٌ الرُّجُوعَ فِيهِ بِشَرْطِهِ، لِحَدِيثِ: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ» وَيَأْتِي. (وَيَتَّجِهُ أَوْ) إلَّا إنْ (أَقْرَضَهُ) شَيْئًا (بِشَرْطِ أَنْ يَرْهَنَهُ بِهِ كَذَا، وَامْتَنَعَ) مِنْ ذَلِكَ، فَيَمْلِكُ مُقْرِضٌ الرُّجُوعَ بِقَرْضِهِ، وَيُجْبَرُ الْمُقْتَرِضُ عَلَى رَدِّهِ لَهُ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لِلْمُقْرِضِ شَرْطُهُ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَلِرَبِّ قَرْضٍ طَلَبُ بَدَلِهِ) ؛ أَيْ: الْقَرْضِ مِنْ مُقْتَرِضٍ (فَوْرًا) ؛ أَيْ: فِي الْحَالِ (لِثُبُوتِهِ) فِي ذِمَّتِهِ (حَالًّا - وَلَوْ مَعَ تَأْجِيلِهِ -) لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ أَوْ
стр. 1807
الْقِيمَةِ، فَأَوْجَبَهُ حَالًّا؛ كَالْإِتْلَافِ، فَلَوْ أَقْرَضَهُ تَفَارِيقَ، فَلَهُ طَلَبُهُ بِهَا جُمْلَةً؛ كَمَا لَوْ بَاعَهُ بُيُوعًا مُتَفَرِّقَةً، ثُمَّ طَالَبَهُ بِثَمَنِهَا جُمْلَةً. (وَالْمُؤَجَّلُ كَثَمَنِ) مَبِيعٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (لَا يَحِلُّ قَبْلَ حُلُولِهِ) ؛ أَيْ: الْأَجَلِ؛ (وَلَوْ أَلْزَمَ) نَحْوُ مُشْتَرٍ (نَفْسَهُ بِتَعْجِيلِهِ) ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ بِوَعْدِهِ، (وَكَقَرْضِ كُلِّ) دَيْنٍ (حَالٍّ أَوْ) كَانَ مُؤَجَّلًا، وَ (حَلَّ) أَجَلُهُ؛ لَا يَصِحُّ تَأْجِيلُهُ. هَذَا الْمَذْهَبُ. وَيَحْرُمُ الْإِلْزَامُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُقْرِضَ الْوَفَاءُ بِتَأْجِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ بِوَعْدِهِ. نَصًّا. (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (صِحَّةَ تَأْجِيلِ قَرْضٍ وَغَيْرِهِ) ؛ كَثَمَنِ مَبِيعٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ وَغَيْرِهِ، وَلُزُومُهُ إلَى أَجَلِهِ؛ لِحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»
(وَإِنْ شَرَطَ) مُقْرِضٌ (رَدَّهُ) ؛ أَيْ: الْقَرْضِ (بِعَيْنِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ) الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَهُوَ التَّوَسُّعُ بِالتَّصَرُّفِ، وَرَدُّهُ بِعَيْنِهِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. (وَيَجِبُ قَبُولُ قَرْضٍ مِثْلِيٍّ رَدَّهُ بِعَيْنِهِ) وَفَاءً - وَلَوْ تَغَيَّرَ سِعْرُهُ - لِرَدِّهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ صِفَةً؛ فَلَزِمَ قَبُولُهُ؛ كَالسَّلَمِ، بِخِلَافِ مُتَقَوِّمٍ رُدَّ - وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ سِعْرُهُ - فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَهُ قِيمَتُهُ، (مَا لَمْ يَتَعَيَّبْ) مِثْلِيٌّ رُدَّ بِعَيْنِهِ؛ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ؛ لِأَنَّهُ دُونَ حَقِّهِ، (أَوْ) مَا لَمْ (يَكُنْ) الْقَرْضُ (فُلُوسًا، أَوْ) يَكُنْ دَرَاهِمَ (مُكَسَّرَةً، فَيُحَرِّمُهَا) ؛ أَيْ: يَمْنَعُ النَّاسَ الْمُعَامَلَةَ بِهَا (السُّلْطَانُ) أَوْ نَائِبُهُ - وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقْ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ التَّعَامُلِ بِهَا - (فَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُقْرِضِ (قِيمَتُهُ) ؛ أَيْ: الْقَرْضِ الْمَذْكُورِ (وَقْتَ قَرْضٍ) ، نَصًّا؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ فِي مِلْكِهِ، وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا (وَتَكُونُ) الْقِيمَةُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) ؛ أَيْ: الْقَرْضِ (إنْ جَرَى فِيهِ) ؛ أَيْ: أَخْذُ الْقِيمَةِ مِنْ جِنْسِهِ (رِبَا فَضْلٍ) ؛ كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ (مُكَسَّرَةً) أَوْ
стр. 1808
مَغْشُوشَةً (فَحَرُمَتْ) ؛ أَيْ: حَرَّمَهَا السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ وَقِيمَتُهَا يَوْمَ الْقَرْضِ أَنْقَصُ مِنْ وَزْنِهَا؛ فَإِنَّهُ (يُعْطِيهِ بِقِيمَتِهَا ذَهَبًا) ؛ حَذَارِ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ، فَلَوْ أَقْرَضَهُ دَنَانِيرَ مُكَسَّرَةً، فَحَرَّمَهَا السُّلْطَانُ؛ أَعْطَى قِيمَتَهَا فِضَّةً، (وَ) كَذَا حُكْمُ (حُلِيٍّ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ وَزْنِهِ) ، فَيُعْطِي قِيمَتَهُ وَقْتَ قَرْضٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ [وَيَتَّجِهُ] (فَمُقْرِضُ قِرْشٍ) لِآخَرَ، (يَأْخُذُ مِنْهُ دَرَاهِمَ) بَدَلَهُ؛ (لَا يَجُوزُ) حَيْثُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ رِبًا. وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَكَذَا ثَمَنٌ لَمْ يُقْبَضْ) إذَا كَانَ فُلُوسًا أَوْ مَغْشُوشَةً حَرَّمَهَا السُّلْطَانُ، (أَوْ رُدَّ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - ثَمَنٌ؛ أَيْ: رَدَّهُ بَائِعٌ (بِرَدِّ) مُشْتَرٍ (لِمَبِيعٍ) وَجَدَهُ مَعِيبًا وَنَحْوِهِ، وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَخْذَ ثَمَنِهِ الَّذِي أَقْرَضَهُ لِلْبَائِعِ، وَكَانَ الثَّمَنُ فُلُوسًا أَوْ دَرَاهِمَ مُكَسَّرَةً، فَحَرَّمَهَا السُّلْطَانُ، وَكَانَ الثَّمَنُ بَاقِيًا، فَرَدَّهُ الْبَائِعُ؛ لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ قَبُولُهُ مِنْهُ؛ لِتَعَيُّبِهِ عِنْدَهُ، وَلَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ عَقَدَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا إنْ جَرَى بَيْنَهُمَا رِبَا فَضْلٍ، وَنَصَّهُ فِي الدَّرَاهِمِ الْمُكَسَّرَةِ قَالَ: يُقَوِّمُهَا كَمْ تُسَاوِي يَوْمَ أَخَذَهَا ثُمَّ يُعْطِيهِ. (وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا (أُجْرَةُ صَدَاقٍ وَعِوَضُ خُلْعٍ) . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ " وَقِيَاسُ ذَلِكَ؛ أَيْ: الْقَرْضِ فِيمَا إذَا كَانَتْ مُكَسَّرَةً أَوْ فُلُوسًا، وَحَرَّمَهَا السُّلْطَانُ، وَقُلْنَا يَرُدُّ قِيمَتَهَا، جَمِيعُ الدُّيُونِ فِي بَدَلِ الْمُتْلَفِ وَالْمَغْصُوبِ وَالصَّدَاقِ وَالْفِدَاءِ وَالصُّلْحِ عِنْدَ الْقِصَاصِ وَالْكِتَابَةِ انْتَهَى. وَهُوَ مُتَّجِهٌ
. (وَيَجِبُ) عَلَى مُقْتَرِضٍ (رَدُّ مِثْلِ فُلُوسٍ) اقْتَرَضَهَا، وَلَمْ تَحْرُمْ الْمُعَامَلَةُ بِهَا، (وَ) رَدُّ مِثْلِ دَرَاهِمَ (مُكَسَّرَةٍ) أَوْ مَغْشُوشَةٍ (غَلَتْ، أَوْ رَخُصَتْ، أَوْ
стр. 1809
كَسَدَتْ) ، أَوْ نَفَقَتْ مَعَ بَقَاءِ التَّعَامُلِ بِهَا وَعَدَمِ تَحْرِيمِ السُّلْطَانِ لَهَا؛ فَيَرُدُّ مِثْلَهَا، سَوَاءٌ كَانَ الْغُلُوُّ وَالرُّخْصُ كَثِيرًا؛ بِأَنْ كَانَتْ عَشَرَةً بِدَانَقٍ فَصَارَتْ عِشْرِينَ بِدَانَقٍ، وَعَكْسُهُ، أَوْ قَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا شَيْءٌ؛ إنَّمَا تَغَيَّرَ السِّعْرُ؛ فَأَشْبَهَ الْحِنْطَةَ إذَا رَخُصَتْ أَوْ غَلَتْ. (وَ) يَجِبُ رَدُّ (مِثْلِ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ) يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، لَا صِنَاعَةَ فِيهِ مُبَاحَةٌ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ يُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ بِمِثْلِهِ، فَكَذَا هُنَا. قَالَ الْمُوَفَّقُ إذَا زَادَتْ قِيمَةُ الْفُلُوسِ أَوْ نَقَصَتْ؛ رَدَّ مِثْلَهَا؛ كَمَا لَوْ اقْتَرَضَ عَرَضًا مِثْلِيًّا؛ كَبُرٍّ وَشَعِيرٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ مِثْلَهُ وَإِنْ غَلَا أَوْ رَخُصَ؛ لِأَنَّ غُلُوَّ قِيمَتِهِ أَوْ نُقْصَانَهَا لَا يُسْقِطُ الْمِثْلَ عَنْ ذِمَّةِ الْمُسْتَقْرِضِ، فَلَا يُوجَدُ الْمُطَالَبَةُ بِالْقِيمَةِ، وَهَذَا هُوَ مُعَيَّنُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ نَصَّ الْإِمَامِ بِرَدِّ الْقِيمَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا أَبْطَلَ السُّلْطَانُ الْمُعَامَلَةَ بِهَا، لَا فِي زِيَادَةِ الْقِيمَةِ وَنُقْصَانِهَا، (فَإِنْ أَعْوَزَ) الْمِثْلُ، فَلَمْ يُوجَدْ؛ فَتُرَدُّ (قِيمَتُهُ يَوْمَ إعْوَازِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ ثُبُوتِهَا فِي الذِّمَّةِ. (وَ) يَجِبُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ رَدُّ (قِيمَةِ غَيْرِهِمَا) ؛ أَيْ: الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ، فَضُمِنَ بِقِيمَتِهِ؛ كَالْغَصْبِ (يَوْمَ قَبْضٍ، وَلَوْ) كَانَ الْقَرْضُ (غَيْرَ جَوْهَرٍ) مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ قِيمَتُهَا فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ بِكَثْرَةِ الرَّاغِبِ وَقِلَّتِهِ، فَتَزِيدُ زِيَادَةً كَثِيرَةً، فَيَنْضَرُّ الْمُقْتَرِضُ، وَتَنْقُصُ فَيَنْضَرُّ الْمُقْرِضُ، (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") فَإِنَّهُ قَالَ: فَجَوْهَرٌ وَنَحْوُهُ يَوْمَ قَبْضٍ، وَغَيْرُهُ يَوْمَ قَرْضٍ، وَمَا فِي الْمُنْتَهَى " جَزَمَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَالْإِنْصَافِ " وَالْمُغْنِي " وَالشَّرْحِ " وَالْكَافِي " وَالْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلِ وَيَتَمَيَّزُ عَنْ مُثَمَّنٍ بِالْبِدَايَةِ، وَبَيَّنَّاهَا بَيَانًا لَا لَبْسَ مَعَهُ، فَلْتُرَاجَعْ هُنَاكَ، فَإِنَّهَا كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ، خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ. (وَيُرَدُّ مِثْلُ كَيْلِ مَكِيلٍ دُفِعَ وَزْنًا) ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ هُوَ مِعْيَارُهُ الشَّرْعِيُّ،
стр. 1810
(وَعَكْسُهُ) ؛ أَيْ: مِثْلُ وَزْنِ مَوْزُونٍ دُفِعَ كَيْلًا؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ هُوَ مِعْيَارُهُ الشَّرْعِيُّ. (وَيَجُوزُ قَرْضُ مَا كِيلَ) ؛ كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ (وَ) يَجُوزُ قَرْضُهُ (لِسَقْيٍ مُقَدَّرًا بِأُنْبُوبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا) مِمَّا يُعْمَلُ عَلَى هَيْئَتِهَا مِنْ فَخَّارٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ؛ (لِقَوْلِ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ: إذَا كَانَ مَحْدُودًا يُعْرَفُ كَمْ يَخْرُجُ مِنْهُ؛ فَلَا بَأْسَ) ؛ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ رَدِّ مِثْلِهِ، (وَ) وَيَجُوزُ قَرْضُهُ مُقَدَّرًا (بِزَمَنٍ مِنْ نَوْبَةِ غَيْرِهِ؛ لِيَرُدَّ) مُقْتَرِضٌ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُقْرِضِ (مِثْلَهُ) فِي الزَّمَنِ (مِنْ نَوْبَتِهِ) ، نَصًّا قَالَ: وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْدُودٍ كَرِهْتُهُ؛ أَيْ: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّ مِثْلِهِ.
(وَ) يَجُوزُ قَرْضُ (خُبْزِ خَمِيرٍ عَدَدًا وَرَدُّهُ عَدَدًا بِلَا قَصْدِ زِيَادَةٍ أَوْ جُودَةٍ) ؛ «لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ الْجِيرَانُ يَسْتَقْرِضُونَ الْخُبْزَ وَالْخَمِيرَ، وَيَرُدُّونَ زِيَادَةً وَنُقْصَانًا، فَقَالَ: لَا بَأْسَ إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ مَرَافِقِ النَّاسِ، لَا يُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " الشَّافِي " وَلِمَشَقَّةِ اعْتِبَارِهِ بِالْوَزْنِ مَعَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
[فَصْلٌ شَرْطُ رَهْنٍ فِي القرض]
(فَصْلٌ: وَيَجُوزُ شَرْطُ رَهْنٍ فِيهِ) لِأَنَّهُ ﷺ «اسْتَقْرَضَ مِنْ يَهُودِيٍّ شَعِيرًا، وَوَدَعَهُ دِرْعَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَا جَازَ فِعْلُهُ جَازَ شَرْطُهُ. (وَ) يَجُوزُ [شَرْطُ] (ضَمِينٍ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (وَ) يَجُوزُ (بَذْلُ جُعْلٍ عَلَى اقْتِرَاضِهِ لَهُ بِجَاهِهِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَبْذُلُهُ مِنْ جَاهِهِ فَقَطْ، وَ (لَا) يَجُوزُ بَذْلُ جُعْلٍ (عَلَى ضَمَانِهِ لَهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ، فَيَلْزَمُهُ الدَّيْنُ، وَإِنْ أَدَّاهُ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَصَارَ كَالْقَرْضِ، فَإِذَا أَخَذَ عِوَضًا؛ صَارَ الْقَرْضُ جَارًّا لِلْمَنْفَعَةِ؛ فَلَمْ يَجُزْ.
(وَلَا) يَجُوزُ الْإِلْزَامُ بِشَرْطِ (تَأْجِيلِ) قَرْضٍ، (أَوْ) شَرْطِ (نَقْصٍ فِي وَفَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ (أَوْ) شَرْطِ (جَرِّ نَفْعٍ) ؛ فَيَحْرُمُ؛ كَشَرْطِ (أَنْ يُسْكِنَهُ) الْمُقْتَرِضُ (دَارِهِ، أَوْ يَقْضِيَهُ خَيْرًا مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ) مِمَّا أَقْرَضَهُ (أَوْ) أَنْ يَقْضِيَهُ (بِبَلَدٍ آخَرَ) ، وَلِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ وَقُرْبَةٍ، فَشَرْطُ النَّفْعِ فِيهِ يُخْرِجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ، فَقَالَ فِي " الْمُغْنِي ":
стр. 1811
الصَّحِيحُ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ. (أَوْ) شَرَطَ الْمُقْرِضُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ (أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا رَخِيصًا) ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهِ نَفْعًا (أَوْ) [شَرَطَ (أَنْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا، أَوْ) أَنْ (يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ، أَوْ) أَنْ (يُسَاقِيَهُ) عَلَى شَجَرَةٍ أَوْ يُزَارِعَهُ] عَلَى أَرْضٍ، (أَوْ) لِشَرْطِ مُقْتَرَضٍ أَنْ (يُسْكِنَهُ مُقْرِضٌ عَقَارًا يَفُوقُ أَجْرَ مِثْلِهِ) ، أَوْ أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي صَنْعَةٍ، وَيُعْطِيَهُ أُنْقَصَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ (وَنَحْوُهُ مِمَّا يَجُرُّ نَفْعًا) ؛ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ فَعَلَ مَا يَحْرُمُ اشْتِرَاطُهُ؛ (فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَالْقَرْضُ صَحِيحٌ، وَإِنْ فَعَلَهُ) ؛ أَيْ: فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ (بِلَا شَرْطٍ بَعْدَ وَفَاءٍ) . وَلَا مُوَاطَأَةٍ؛ جَازَ، (أَوْ أَهْدَى) مُقْتَرِضٌ (لَهُ) هَدِيَّةً (بَعْدَهُ) ؛ أَيْ: الْوَفَاءِ؛ جَازَ، (وَقَضَى) مُقْتَرِضٌ (خَيْرًا مِنْهُ بِلَا مُوَاطَأَةٍ) ؛ جَازَ؛ كَصِحَاحٍ عَنْ مُقَدَّرَةٍ أَوْ أَجْوَدَ نَقْدًا أَوْ سِكَّةٍ مِمَّا اقْتَرَضَ، وَكَذَا رَدُّ نَوْعٍ خَيْرًا مِمَّا أَخَذَ، أَوْ أَرْجَحَ يَسِيرًا فِي قَضَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. وَفِي " الْمُغْنِي " وَالْكَافِي " تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ؛ لِلْخَبَرِ (أَوْ عُلِمَتْ زِيَادَتُهُ) ؛ أَيْ: الْمُقْتَرِضِ عَلَى مِثْلِ الْقَرْضِ وَقِيمَتِهِ؛ (لِشُهْرَةِ سَخَائِهِ؛ جَازَ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ﷺ اسْتَلَفَ بَكْرًا، فَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ، وَقَالَ: «خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ. وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمْ تُجْعَلْ عِوَضًا فِي الْقَرْضِ، وَلَا وَسِيلَةً إلَيْهِ، وَلَا إلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ قَرْضٌ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُؤْخَذُ (مِنْهُ) ؛ أَيْ: مِنْ تَعْلِيلِ الْأَصْحَابِ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ ﷺ (جَوَازُ رَدِّ مِثْلٍ مُتَقَوِّمٍ مَعَ تَرَاضٍ) . قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِي الْمُتَقَوِّمِ أَنْ يَجُوزَ رَدُّ الْمِثْلِ بِتَرَاضِيهِمَا. انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا. وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ.
стр. 1812
(وَ) إنْ قَالَ مُقْتَرِضٌ: (أَقْرَضَنِي أَلْفًا) لِأَشْتَرِيَ بِهَا بَقَرًا وَبِذَارًا، (وَادْفَعْ لِي أَرْضَكَ أَزْرَعُهَا بِالثُّلُثِ) أَوْ نَحْوَهُ؛ (حَرُمَ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهِ نَفْعًا (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ النَّاظِمُ وَصَاحِبُ " الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " وَالْمُوَفَّقِ.
(وَلَوْ أَقْرَضَ) إنْسَانٌ (مَنْ لَهُ عَلَيْهِ بُرٌّ يَشْتَرِيهِ) ؛ أَيْ: الْبُرَّ بِمَا اقْتَرَضَهُ، (ثُمَّ يُوَفِّيهِ إيَّاهُ؛ جَازَ) الْعَقْدُ بِلَا كَرَاهَةٍ؛ (كَإِرْسَالِهِ نَفَقَةً لِعِيَالِهِ، فَأَقْرَضَهَا) ؛ أَيْ: النَّفَقَةَ (رَجُلًا لِيُوَفِّيَهَا لَهُمْ) ؛ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إذَا لَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهَا شَيْئًا زَائِدًا عَنْهَا، (وَكَقَرْضِهِ غَرِيمَهُ الْمُعْسِرَ أَلْفًا لِيُوَفِّيَهُ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْأَلْفِ (وَمِنْ دَيْنِهِ الْأَوَّلِ كُلَّ وَقْتٍ شَيْئًا) ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ أَيْضًا بِلَا كَرَاهَةٍ.
(وَإِنْ فَعَلَ) مُقْتَرِضٌ (مَا) ؛ أَيْ: شَيْئًا (فِيهِ نَفْعٌ) ؛ بِأَنْ أَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، أَوْ عَمِلَ لَهُ عَمَلًا (قَبْلَ الْوَفَاءِ وَلَمْ يَنْوِ) مُقْرِضٌ (احْتِسَابَهُ مِنْ دَيْنِهِ، أَوْ) لَمْ يَنْوِ (مُكَافَأَتَهُ) عَلَيْهِ؛ (لَمْ يَجُزْ إلَّا إنْ جَرَتْ عَادَةٌ بَيْنَهُمَا) ؛ أَيْ: بَيْنَ الْمُقْرِضِ وَالْمُقْتَرِضِ (بِهِ) ؛ أَيْ: بِذَلِكَ الْفِعْلِ (قَبْلَ قَرْضٍ) ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «إذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ، فَأَهْدَى إلَيْهِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ؛ فَلَا يَرْكَبْهَا، وَلَا يَقْبَلْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ وَالشُّعَبِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: " قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، فَقَالَ لِي إنَّكَ بِأَرْضٍ فِيهَا الرِّبَا فَاشٍ، فَإِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ؛ فَلَا تَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّهُ رِبًا " وَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا» (وَكَذَا كُلُّ غَرِيمٍ) ؛ أَيْ: مَدِينٍ؛ حُكْمُهُ كَالْمُقْتَرِضِ فِيمَا تَقَدَّمَ (غَيْرُ اسْتِعْمَالِ رَهْنٍ وَيَأْتِي) أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الرَّهْنِ لِمَصْلَحَتِهِ؛ كَخَوْفٍ عَلَيْهِ مِنْ عُثٍّ.
стр. 1813
(فَإِنْ اسْتَضَافَهُ) مُقْتَرِضٌ (حَسَبَ لَهُ) مُقْرِضٌ (مَا أَكَلَ) عِنْدَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ نَصًّا، أَوْ كَافَأَهُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بَيْنَهُمَا بِهِ قَبْلَ الْقَرْضِ. (وَيَتَّجِهُ وَلَا) يَحْسُبُ لَهُ مَا أَكَلَ عِنْدَهُ مِنْ (ضِيَافَةٍ وَاجِبَةٍ) ؛ كَكَوْنِ الْمُقْتَرِضِ عَمِلَ وَلِيمَةَ عُرْسٍ، وَدَعَا الْمُقْرِضَ إلَيْهَا، وَكَانَ فِي قَرْيَةٍ وَمَرَّ عَلَيْهِ، فَقَدَّمَ لَهُ طَعَامًا؛ فَإِنَّهُ يَطِيبُ لَهُ أَكْلُهُ بِلَا احْتِسَابٍ وَلَا نِيَّةِ مُكَفَّأَةٍ؛ كَمَا يَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (وَهُوَ) ؛ أَيْ: الْقَرْضُ (فِي الدَّعَوَاتِ) إذَا فَعَلَ الْمُقْتَرِضُ وَلِيمَةً أَوْ عَقِيقَةً وَنَحْوَهَا؛ (كَغَيْرِهِ) مِمَّنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ طُولِبَ) مِنْ مُقْتَرِضٍ وَغَيْرِهِ؛ أَيْ: طَالَبَهُ رَبُّ دَيْنِهِ (بِبَذْلِ قَرْضٍ) ، أَوْ ثَمَنٍ فِي ذِمَّةٍ، (أَوْ) طُولِبَ بِبَدَلِ (غَصْبٍ بِبَلَدٍ آخَرَ) غَيْرِ بَلَدِ قَرْضٍ وَغَصْبٍ؛ (لَزِمَهُ) ؛ أَيْ: الْمَدِينَ أَوْ الْغَاصِبَ رَدُّ الْبَدَلِ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ قَضَاءِ الْحَقِّ بِلَا ضَرَرٍ، (إلَّا مَا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ) ؛ كَحَدِيدٍ وَقُطْنٍ وَبُرٍّ (وَقِيمَتُهُ بِبَلَدِ الْقَرْضِ) أَوْ الْغَصْبِ (أَنْقَصُ) مِنْ قِيمَتِهِ بِبَلَدِ الطَّلَبِ؛ (فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا قِيمَتُهُ بِهَا) ؛ أَيْ: [بَلَدِ] الْقَرْضِ أَوْ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمْهُ حَمْلٌ إلَى بَلَدِ الطَّلَبِ، فَيَصِيرُ كَالْمُتَعَذَّرِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْمِثْلُ تَعَيَّنَتْ الْقِيمَةُ، وَاعْتُبِرَتْ بِبَلَدِ الْقَرْضِ أَوْ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ التَّسْلِيمُ، وَ (لَا) يَلْزَمُ مُقْتَرِضًا أَوْ غَاصِبًا بَذْلُ (الْمِثْلِ، وَلَا) بَذْلُ (الْقِيمَةِ بِمَحَلِّ طَلَبٍ) ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ طُولِبَ بِعَيْنِ الْغَصْبِ بِغَيْرِ بَلَدِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَكَذَا لَوْ طُولِبَ بِأَمَانَةٍ أَوْ عَارِيَّةً وَنَحْوِهَا بِغَيْرِ بَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهَا إلَيْهِ، (وَمَعَ تَسَاوٍ) ؛ أَيْ: بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بِبَلَدِ الْقَرْضِ أَوْ الْغَصْبِ مُسَاوِيَةً لِبَلَدِ الطَّلَبِ، (أَوْ أَكْثَرَ؛ لَزِمَ) مُقْتَرِضًا وَغَاصِبًا دَفْعُ (الْمِثْلِ) بِبَلَدِ الطَّلَبِ؛ لِمَا سَبَقَ. (وَلَوْ بَذَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمِثْلَ (مُقْتَرِضٌ أَوْ غَاصِبٌ بِغَيْرِ بَلَدِهِ) ؛ أَيْ: بَلَدِ قَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ، (وَلَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهِ) إلَيْهِ؛ كَأَثْمَانٍ؛ (لَزِمَ) مُقْرِضًا وَمَغْصُوبًا
стр. 1814
مِنْهُ (قَبُولُهُ مَعَ أَمْنِ بَلَدٍ وَطَرِيقٍ) ؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ إذَنْ. وَكَذَا ثَمَنٌ وَأُجْرَةٌ وَنَحْوُهُمَا، فَإِنْ كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ، أَوْ الْبَلَدُ أَوْ الطَّرِيقُ غَيْرَ آمِنٍ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ - وَلَوْ تَضَرَّرَ الْمُقْتَرِضُ أَوْ الْغَاصِبُ - لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ. (وَمَعَ بَقَاءِ مَغْصُوبٍ) إذَا بَذَلَ الْغَاصِبُ بَدَلَهُ لِرَبِّهِ؛ (لَمْ يُجْبَرْ رَبُّهُ عَلَى قَبُولِهِ) ؛ أَيْ: الْبَدَلِ (بِحَالٍ) لَا مَعَ مُؤْنَةٍ لِلْحَمْلِ، وَلَا عَدَمِهَا، وَلَا مَعَ أَمْنِ الْبَلَدِ أَوْ الطَّرِيقِ، وَلَا مَعَ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْبَدَلِ مُعَاوَضَةٌ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمُمْتَنِعُ.
وَلَوْ أَقْرَضَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا خَمْرًا، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا؛ بَطَلَ الْقَرْضُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُقْتَرِضِ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ مُقْرِضٌ لِمُقْتَرَضٍ: إنْ مِتَّ - بِضَمِّ التَّاءِ - فَأَنْتَ فِي حِلٍّ؛ فَوَصِيَّتُهُ صَحِيحَةٌ؛ كَسَائِرِ الْوَصَايَا، وَإِنْ قَالَ لَهُ: إنْ مِتَّ - بِفَتْحِهَا - فَأَنْتَ فِي حِلٍّ؛ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، وَشَرْطُ الْإِبْرَاءِ أَنْ يَكُونَ مُنَجَّزًا؛ كَالْهِبَةِ.
[بَابُ الرَّهْنِ]
ِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ، يُقَالُ: مَاءٌ رَاهِنٌ؛ أَيْ: رَاكِدٌ، وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ؛ أَيْ: دَائِمَةٌ، وَقِيلَ هُوَ الْحَبْسُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أَيْ: مَحْبُوسَةٌ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَحْبُوسَ ثَابِتٌ فِي مَكَان لَا يُزَايِلُهُ. وَشَرْعًا (تَوْثِقَةُ دَيْنٍ) غَيْرُ سَلَمٍ وَدَيْنِ كِتَابَةٍ؛ لِعَدَمِ لُزُومِهِ، (أَوْ) تَوْثِقَةُ (عَيْنٍ) مَضْمُونَةٍ؛ كَعَارِيَّةٍ وَمَقْبُوضٍ عَلَى وَجْهِ سَوْمٍ (بِعَيْنٍ) ؛ أَيْ: جَعْلُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ وَثِيقَةً بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ (يُمْكِن أَخْذُهُ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ كُلِّهِ، (أَوْ)
стр. 1815
(بَعْضِهِ) ، إنْ لَمْ تَفِ بِهِ (مِنْهَا) ؛ أَيْ: الْعَيْنِ إنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، (أَوْ) يُمْكِنُ أَخْذُهُ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ (ثَمَنِهَا) ، إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ وَنَحْوُهَا مِمَّا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ. وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . وَحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ حَضَرًا وَسَفَرًا لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَذِكْرُ الْآيَةِ فِي السَّفَرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ عَدَمُ الْكَاتِبِ.
(وَالْمَرْهُونُ عَيْنٌ مَعْلُومَةٌ) قَدْرًا وَجِنْسًا وَصِفَةً (جُعِلَتْ وَثِيقَةً بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ) ؛ أَيْ: الْحَقِّ (أَوْ) اسْتِيفَاءُ (بَعْضِهِ مِنْهَا أَوْ مِنْ ثَمَنِهَا) ؛ كَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ نَحْوِ وَقْفٍ وَحُرٍّ وَأُمِّ وَلَدٍ وَدَيْنِ سَلَمٍ وَكِتَابَةٍ.
(وَيَنْعَقِدُ) الرَّهْنُ (بِلَفْظٍ) . قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَالْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِمَا: وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِدُونِ إيجَابٍ وَقَبُولٍ وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا مِنْ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ؛ كَسَائِرِ الْعُقُودِ. (وَ) يَنْعَقِدُ (بِمُعَاطَاةٍ) ؛ كَالْبَيْعِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ".
(وَتَصِحُّ زِيَادَةُ رَهْنٍ) ؛ بِأَنْ رَهَنَهُ شَيْئًا عَلَى دَيْنٍ ثُمَّ رَهَنَهُ شَيْئًا آخَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَوْثِقَةٌ، (وَلَا) تَصِحُّ زِيَادَةُ (دَيْنِهِ) ؛ بِأَنْ اسْتَدَانَ مِنْهُ دِينَارًا وَرَهَنَهُ كِتَابًا، أَوْ أَقْبَضَهُ لَهُ مِنْهُ، ثُمَّ اقْتَرَضَ مِنْهُ دِينَارًا آخَرَ، وَجَعَلَ الْكِتَابَ رَهْنًا عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ رَهْنُ مَرْهُونٍ، وَالْمَشْغُولُ لَا يُشْغَلُ. (وَيَتَّجِهُ) لَا تَصِحُّ زِيَادَةُ دَيْنِ الرَّهْنِ (إلَّا بِعَقْدٍ مُتَجَدِّدٍ) ؛ كَأَنْ يَفْسَخَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، ثُمَّ يُجَدِّدَ مَعَ الرَّاهِنِ عَقْدًا عَلَى الدَّيْنَيْنِ بِذَلِكَ الرَّهْنِ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ
стр. 1816
(وَ) يَصِحُّ (رَهْنُ) كُلِّ (مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ) مِنْ الْأَعْيَانِ لَا الْمَنَافِعِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الِاشْتِيَاقُ لِلْوُصُولِ لِلدَّيْنِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي الْمَنَافِعِ، (وَلَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (نَقْدًا أَوْ مُؤَجَّرًا مُعَارًا) ؛ فَيَصِحُّ رَهْنُهُ (بِإِذْنِ) رَبِّهِ لَهُ فِي رَهْنِهِ - وَلَوْ لِرَبِّ دَيْنٍ - لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ (وَيَسْقُطُ ضَمَانُ الْعَارِيَّةِ) ؛ لِانْتِقَالِهَا لِلْأَمَانَةِ إنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا الْمُرْتَهِنُ، (أَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (مَعِيبًا؛ كَقِنٍّ مُرْتَدٍّ) وَقَاتِلٍ فِي مُحَارَبَةٍ - وَلَوْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ - (وَ) قِنٍّ (جَانٍ) عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَلَى نَفْسٍ أَوْ دُونِهَا؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ فِي مَحَلِّ الْحَقِّ، (وَلَا خِيَارَ لِمُرْتَهِنٍ عَالِمٍ) بِالْحَالِ مِنْ الرِّدَّةِ وَالْقَتْلِ فِي الْمُحَارَبَةِ أَوْ الْجِنَايَةِ؛ لِدُخُولِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، (وَإِلَّا) يَكُنْ الْمُرْتَهِنُ عَالِمًا بِالْحَالِ، ثُمَّ عَلِمَ بِهِ بَعْدَ إسْلَامِ الْمُرْتَدِّ وَفِدَاءِ الْجَانِي؛ وَكَذَلِكَ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ زَالَ بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ، وَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ (فَلَهُ رَدُّهُ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ (وَفَسْخُ بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ) ؛ أَيْ: عَقْدُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، فَلَمْ يُوفِ لَهُ بِشَرْطِهِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: لِلْمُرْتَهِنِ (الْإِمْسَاكُ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (بِلَا أَرْشٍ) لَهُ لِذَلِكَ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَوْ تَلِفَ بِجُمْلَتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لَمْ يُمْلَكْ بَدَلُهُ، فَبَعْضُهُ أُولَى، وَكَذَلِكَ لَا أَرْشَ لِلْمُرْتَهِنِ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ حَتَّى قُتِلَ الْعَبْدُ بِالرِّدَّةِ أَوْ الْمُحَارَبَةِ أَوْ الْقِصَاصِ أَوْ بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ أَوْ سُلِّمَ لِوَلِيِّهَا، وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ فِدَاءِ الْجَانِي؛ لَمْ يُجْبَرْ، وَيُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ؛ لِتَقَدُّمِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى الرَّهْنِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى بَعْدَ الرَّهْنِ.
(وَإِنْ تَعَيَّبَ) الرَّهْنُ (قَبْلَ قَبْضٍ) ، أَوْ اسْتَحَالَ الْعَصِيرُ الْمَرْهُونُ خَمْرًا قَبْلَ قَبْضٍ؛ (فَكَذَلِكَ) ؛ أَيْ: يُخَيِّرُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ مَعِيبًا، أَوْ رَدِّهِ وَفَسْخِ الْبَيْعِ إنْ كَانَ مَشْرُوطًا [فِيهِ] ، (فَلَوْ رَهَنَهُ دَارًا فَانْهَدَمَتْ) الدَّارُ (قَبْلَ قَبْضِهَا؛ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ) لَمْ يَبْطُلْ بِتَهَدُّمِهَا؛ لِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ، (وَلِمُرْتَهِنٍ الْخِيَارُ) بَيْنِ إمْسَاكهَا مُتَهَدِّمَةً، أَوْ رَدِّهَا وَفَسْخِ الْبَيْعِ إنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِيهِ، وَكَذَا قَرْضٌ (أَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (مَبِيعًا) - وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ - لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ إذَنْ، فَصَحَّ رَهْنُهُ؛
стр. 1817
كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ (غَيْرَ مَكِيلٍ وَنَحْوِهِ) ؛ كَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ، وَمَا بِيعَ بِصِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ (قَبْلَ قَبْضِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إذَنْ، فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ، (وَلَوْ) كَانَ رَهْنُ الْمَبِيعِ (عَلَى ثَمَنِهِ) ؛ لِأَنَّ ثَمَنَهُ فِي الذِّمَّةِ دَيْنٌ، وَالْمَبِيعُ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي؛ فَجَازَ رَهْنُهُ؛ كَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ، (أَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (مُشَاعًا) وَلَوْ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَيَّنٍ فِي مُشَاعٍ يُقَسَّمُ إجْبَارًا؛ بِأَنْ رَهَنَ نَصِيبَهُ مِنْ بَيْتٍ مِنْ دَارٍ يَمْلِكُ نِصْفَهَا؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ فَصَحَّ رَهْنُهُ [وَاحْتِمَالُ حُصُولِهِ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ بِالْقِسْمَةِ مَمْنُوعٍ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَتَصَرَّفُ بِمَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ] .
وَإِذَا رَهَنَهُ الْمَتَاعَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْقُولًا؛ [لَمْ يَحْتَجْ فِي التَّخْلِيَةِ لِإِذْنِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ يُنْقَلُ وَرَضِيَ الشَّرِيكُ وَالْمُرْتَهِنُ بِكَوْنِهِ] بِيَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا؛ جَازَ (وَإِنْ لَمْ يَرْضَ شَرِيكٌ وَمُرْتَهِنٌ بِكَوْنِهِ) ؛ أَيْ: الْمُشْتَرَكِ (بِيَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ) ، بِيَدِ (غَيْرِهِمَا؛ جَعَلَهُ حَاكِمٌ بِيَدِ أَمِينٍ أَمَانَةً، أَوْ) جَعَلَهُ بِيَدِ أَمِينٍ (بِأُجْرَةٍ) يَأْخُذُهَا الْأَمِينُ (مِنْهُمَا) ؛ أَيْ: الشَّرِيكَيْنِ عَلَى حِفْظِهِ، (أَوْ أَجَرَهُ) الْحَاكِمُ عَلَيْهِمَا، فَيَجْتَهِدُ فِي الْأَصْلَحِ لَهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْآخَرِ، وَلَا يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا فِيهِ، فَتَعَيَّنَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِحِفْظِهِ عَلَيْهِمَا.
(وَإِنْ رَهَنَ نِصْفَ بَيْتٍ مُعَيَّنٍ مُشَاعٍ مِنْ دَارٍ مُشَاعَةٍ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ، وَاقْتَسَمَا؛ أَيْ: الرَّاهِنُ وَشَرِيكُهُ الدَّارَ الْمُشْتَرَكَةَ، (فَوَقَعَ) الْمُعَيَّنُ (الْمَرْهُونُ) بَعْضُهُ - وَهُوَ الْبَيْتُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ - (لِغَيْرِ رَاهِنٍ؛ لَمْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ) ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ بِمَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ فَيُمْنَعُ مِنْ الْقِسْمَةِ الْمُضِرَّةِ؛ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ، (قَطَعَ بِهِ) ؛ أَيْ: بِعَدَمِ صِحَّةِ الْقِسْمَةِ (الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ) ، وَمَعْنَاهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ".
(أَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (مُدَبَّرًا) ؛ فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَالْحُكْمُ فِيمَا إذًا
стр. 1818
عَلِمَ الْمُرْتَهِنُ وُجُودَ التَّدْبِيرِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ؛ كَالْحُكْمِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ، (أَوْ) كَانَ (مُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِصِفَةٍ يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَهَا) ؛ كَمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ فِي شَعْبَانَ؛ فَيَصِحُّ رَهْنُهُ؛ لِإِمْكَانِ بَيْعِهِ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، (أَوْ) كَانَ وُجُودُ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ (يُحْتَمَلُ) قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ وَبَعْدَهُ؛ كَمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى (قُدُومِ زَيْدٍ) ؛ فَيَصِحُّ رَهْنُهُ أَيْضًا؛ كَالْمُدَبَّرِ وَالْمَرِيضِ، (وَيُبَاعُ مُدَبَّرٌ) كُلُّهُ إنْ مَاتَ السَّيِّدُ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ يَفْضُلُ عَنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ، (وَاسْتَغْرَقَهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَبَّرَ (الدَّيْنُ) وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ؛ كَالْوَصِيَّةِ، (وَإِلَّا) يَسْتَغْرِقْهُ الدَّيْنُ (بِيعَ مِنْهُ) ؛ أَيْ: الْمُدَبَّرُ (بِقَدْرِهِ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ (وَعَتَقَ ثُلُثُ الْبَاقِي) مِنْهُ بِالتَّدْبِيرِ (وَبَاقِيهِ لِلْوَرَثَةِ) ، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْوَفَاءِ، فَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ لِخُرُوجِهِ كُلِّهِ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الدَّيْنِ؛ بَطَلَ رَهْنُهُ؛ كَمَا لَوْ مَاتَ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهُ لِعَدَمِ خُرُوجِهِ مِنْ الثُّلُثِ؛ بَقِيَ الرَّهْنُ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ قِنًّا، كَمَا لَوْ تَلِفَ الْبَعْضُ وَبَقِيَ الْبَعْضُ.
(أَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (مُكَاتَبًا) ؛ فَيَصِحُّ رَهْنُهُ. لِجَوَازِ بَيْعِهِ وَإِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ. وَ (لَا) يَصِحُّ رَهْنُهُ (لِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) ؛ بِأَنْ رَهَنَ الْمُكَاتَبَ عِنْدَ رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ؛ (لِأَنَّهُ) ؛ أَيْ: مُرْتَهِنَ رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ (لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ) عِنْدَ جَوَازِهِ، وَيَأْتِي فِي الْكِتَابَةِ. (وَيُمَكِّنُ) ؛ أَيْ: يُمَكِّنُهُ الْمُرْتَهِنُ (مِنْ كَسْبٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ، وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ مَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَمَا أَدَّاهُ مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ رَهْنٌ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ كَنَمَائِهِ، (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ وَعَادَ قِنًّا؛ (فَهُوَ وَكَسْبُهُ رَهْنٌ؛) لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ، (وَإِنْ عَتَقَ) بِأَدَاءٍ أَوْ إعْتَاقٍ (فَمَا أَدَّى بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ رَهْنٌ) ؛ كَقِنٍّ مَرْهُونٍ اكْتَسَبَ وَمَاتَ.
(أَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (يَسْرُعُ فَسَادُهُ) ؛ كَفَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ وَطَبِيخٍ - وَلَوْ رَهَنَهُ (بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ) - لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ، (وَيُبَاعُ) ؛ أَيْ: يَبِيعُهُ حَاكِمٌ (إنْ لَمْ يَكُنْ تَجْفِيفُهُ) ؛ لِحِفْظِهِ بِالْبَيْعِ.
стр. 1819
(وَلَوْ شُرِطَ) فِي رَهْنِ مَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ (عَدَمُ بَيْعِهِ) ؛ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ لِمُنَافَاتِهِ الْعَقْدَ؛ كَمَا لَوْ شُرِطَ فِي الْعَقْدِ عَدَمُ النَّفَقَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ الْمَرْهُونِ، فَيُبَاعُ، (وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا) مَكَانَهُ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَيُوَفَّى مِنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ حَالًّا، (وَكَذَا الْحُكْمُ إنْ رَهَنَهُ ثِيَابًا فَخَافَ) الْمُرْتَهِنُ (تَلَفَهَا، أَوْ) رَهَنَهُ (حَيَوَانًا، فَخَافَ مَوْتَهُ) ؛ فَيُبَاعُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، (أَوْ) كَانَ الرَّهْنُ (قِنًّا مُسْلِمًا) وَلَوْ بِدَيْنٍ (لِكَافِرٍ إذَا شُرِطَ) فِي الرَّهْنِ (كَوْنُهُ بِيَدِ مُسْلِمٍ عَدْلٍ) ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] (وَيَتَّجِهُ) لَا سِيَّمَا (إنْ كَانَ) الْقِنُّ الْمَرْهُونُ (أُنْثَى أَوْ كَانَ أَمْرَدَ) ، فَيَتَأَكَّدُ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ بِيَدِ مُسْلِمٍ عَدْلٍ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَكَقِنٍّ) فِي الْحُكْمِ رَهْنُ (كُتُبِ حَدِيثٍ وَتَفْسِيرٍ) لِكَافِرِ؛ فَيَصِحُّ بِشَرْطِ جَعْلِهَا بِيَدِ مُسْلِمٍ عَدْلٍ؛ لِأَمْنِ الْمَفْسَدَةِ، فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ (لَا مُصْحَفًا) ، فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ - وَلَوْ لِمُسْلِمٍ - لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى بَيْعِهِ الْمُحَرَّمِ، (أَوْ دَيْنًا) ؛ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ (- وَلَوْ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ -) صَرَّحَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " فِي آخِرِ السَّلَمِ بِصِحَّتِهِ، وَهُوَ إحْدَى رِوَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي " الِانْتِصَارِ " لَكِنَّ صَرِيحَ كَلَامِهِمْ يُخَالِفُ مَا فِي " الْإِقْنَاعِ " وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ جِلْدَ عَقِيقَةٍ) ؛ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ، كَذَا قَالَ: وَالْمَنْصُوصُ عَنْ
стр. 1820
الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُبَاعُ الْجِلْدُ وَالرَّأْسُ وَالسَّوَاقِطُ، وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَالْخُلَاصَةِ " وَالْمُنَوِّرِ " وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى. وَفِي الشَّرْحِ بَعْدَ ذِكْرِهِ صِحَّةَ بَيْعِ الْجِلْدِ وَالرَّأْسِ وَالسَّوَاقِطِ قَالَ: لِأَنَّ الذَّبِيحَةَ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ. انْتَهَى. وَحَيْثُ تَقَرَّرَ صِحَّةُ بَيْعِ الْجِلْدِ؛ فَلَا رَيْبَ فِي صِحَّةِ رَهْنِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهِ. لَوْ بِيعَ فِي الدَّيْنِ، يَضْمَنُهَا الرَّاهِنُ بَدَلَ ثَمَنِهِ لِلْفُقَرَاءِ
(وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ) ؛ كَحُرٍّ وَأُمِّ وَلَدٍ وَوَقْفٍ وَعَيْنٍ مَرْهُونَةٍ وَكَلْبٍ - وَلَوْ مُعَلَّمًا - وَآبِقٍ وَمَجْهُولٍ؛ (لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ، وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ؛ (كَكِيسٍ بِمَا فِيهِ) ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ لِلْجَهَالَةِ، وَكَذَا أَحَدُ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ، وَهَذَا الْبَيْتُ بِمَا فِيهِ (وَنَحْوِ أَرْضِ مِصْرَ) ؛ كَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ مِمَّا فُتِحَ عَنْوَةً، وَلَمْ يُقَسَّمْ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ عُمَرَ ﵁ وَقَفَهَا، وَأَقَرَّهَا بِأَيْدِي أَرْبَابِهَا بِالْخَرَاجِ (وَكَذَا حُكْمُ بِنَائِهَا) ؛ أَيْ: الْأَرْضِ إذَا كَانَتْ آلَتُهُ (مِنْهَا) ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَالْكَافِي " وَالْمُبْدِعِ " هُنَا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ أَنَّ بَيْعَ الْمَسَاكِنِ مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ آلَتُهَا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَيَتَّجِهُ صِحَّتُهُ) ؛ أَيْ: صِحَّةُ رَهْنِ مَا بُنِيَ مِنْ مَسَاكِنِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْبِنَاءُ مَوْجُودًا قَبْلَ الْفَتْحِ أَوْ أُحْدِثَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اقْتَطَعُوا الْخُطَطَ فِي الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَبَنَوْهَا مَسَاكِنَ، وَتَبَايَعُوهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ؛ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ
стр. 1821
(سِوَى رَهْنِ ثَمَرَةٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا) بِلَا شَرْطِ قَطْعٍ، (وَ) سِوَى رَهْنِ (زَرْعٍ أَخْضَرَ بِلَا شَرْطِ قَطْعٍ) ؛ فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِهِمَا؛ لِعَدَمِ أَمْنِ الْعَاهَةِ وَبِتَقْدِيرِ تَلَفِهِمَا لَا يَفُوتُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّةِ الْمُرْتَهِنِ، (وَ) سِوَى (قِنٍّ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَيَصِحُّ رَهْنُهُ (دُونَ وَلَدِهِ وَنَحْوِهِ) ؛ كَوَالِدِهِ وَأَخِيهِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ بَيْعِهِ وَحْدَهُ؛ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ هُنَا؛ فَإِنَّهُ إذَا اُسْتُحِقَّ بَيْعُ الرَّهْنِ (يُبَاعَانِ) مَعًا لِتِلْكَ الْمَفْسَدَةِ (وَيَخْتَصُّ الْمُرْتَهِنَ بِمَا يَخُصُّ الْمَرْهُونَ مِنْ ثَمَنِهِمَا) ، فَيُوَفَّى مِنْهُ دَيْنُهُ، وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِهِ؛ فَلِرَاهِنٍ، وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ فَبِذِمَّةِ مَدِينٍ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الرَّهْنِ مَعَ كَوْنِهِ ذَا وَلَدٍ مِائَةً وَقِيمَةُ الْوَلَدِ خَمْسُونَ؛ فَحِصَّةُ الرَّاهِنِ ثُلُثًا الثَّمَنِ، (لَكِنْ لَوْ رَهَنَ ثَمَرَةً عَلَى دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ) إلَى أَجَلٍ (تَحْدُثُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الْأَجَلِ ثَمَرَةٌ (أُخْرَى) بِحَيْثُ (لَا تَتَمَيَّزُ) عَنْ الثَّمَرَةِ الْمَرْهُونَةِ؛ فَالرَّهْنُ (بَاطِلٌ) ؛ لِجَهَالَتِهِ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ (وَإِنْ) جُعِلَتْ الثَّمَرَةُ رَهْنًا عَلَى دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ؛ وَ (شُرِطَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ - فِي الْعَقْدِ (قَطْعٌ) عِنْدَ حُدُوثِ غَيْرِهَا؛ (فَلَا) يَكُونُ الرَّهْنُ بَاطِلًا؛ لِانْتِفَاءِ الْجَهَالَةِ، وَعَدَمِ الْغَرَرِ. (وَلَوْ) تُرِكَ قَطْعُهَا حَتَّى (حَدَثَتْ) ثَمَرَةٌ (أُخْرَى) ، وَاخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا؛ فَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا، فَإِنْ سَمَحَ الرَّاهِنُ بِبَيْعِ الثَّمَرَةِ الْمَرْهُونَةِ، وَمَا اخْتَلَطَتْ بِهِ عَلَى أَنَّهُ رَهْنٌ؛ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كَزِيَادَةِ الرَّهْنِ، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى قَدْرٍ مِنْهُ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا، (وَ) إنْ اخْتَلَفَا وَتَشَاحَّا؛ (فَيُقْبَلُ قَوْلُ رَاهِنٍ) بِيَمِينِهِ (فِي قَدْرِ حَادِثٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
[فَصَلِّ شَرْطُ تَنْجِيزِ الرَّهْن]
(فَصْلٌ) : لَمَّا كَانَتْ صِحَّةُ الرَّهْنِ تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطٍ سِتَّةٍ اُحْتِيجَ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا. فَأَشَارَ لِلْأَوَّلِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (وَشَرْطُ تَنْجِيزِ رَهْنٍ، فَلَا يَصِحُّ مُعَلَّقًا) ؛ كَالْبَيْعِ.
وَالثَّانِي: (كَوْنُهُ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ (مَعَ حَقٍّ) ؛ كَأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذَا
стр. 1822
بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ تَرْهَنُنِي بِهَا عَبْدَك هَذَا، فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْت؛ فَيَصِحُّ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَعْقِدْهُ مَعَ الْحَقِّ؛ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إلْزَامِ الْمُشْتَرِي بِهِ بَعْدُ، (أَوْ بَعْدَهُ) ؛ أَيْ: الْحَقِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، فَجَعَلَهُ بَدَلًا عَنْ الْكِتَابَةِ، فَيَكُونُ فِي مَحِلِّهَا وَهُوَ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْلَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ تَابِعٌ لَهُ؛ كَالشَّهَادَةِ، فَلَا يَتَقَدَّمُهُ.
(وَ) الثَّالِثُ كَوْنُ رَاهِنٍ (مِمَّنْ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَتَبَرُّعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَصَرُّفٍ فِي الْمَالِ، فَلَمْ يَصِحَّ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ؛ كَالْبَيْعِ، (وَلَوْ) كَانَ الرَّاهِنُ (غَيْرَ مَدِينٍ) لِلْمُرْتَهِنِ (فَيَصِحُّ رَهْنُ مَالِهِ عَلَى دَيْنِ غَيْرِهِ) - وَلَوْ (بِلَا إذْنِهِ) ؛ أَيْ: الْمَدِينِ أَوْ رِضَاهُ -[كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُضَمِّنَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَأَوْلَى] وَهُوَ نَظِيرُ إعَارَةِ الْمَدِينُ شَيْئًا يَرْهَنُهُ. صَرَّحَ بِجَوَازِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَ) الرَّابِعُ (كَوْنُهُ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ (مِلْكَهُ) ؛ أَيْ: الرَّاهِنِ، (وَلَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ) ؛ أَيْ: الْمِلْكِ، فَظَهَرَ أَنَّهُ مِلْكُهُ؛ صَحَّ؛ كَمَنْ رَهَنَ قِنَّ أَبِيهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ قَبْلَ الرَّهْنِ، وَانْتَقَلَ الْقِنُّ إلَيْهِ، (أَوْ كَوْنُهُ مَأْذُونًا لَهُ فِيهِ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ؛ بِأَنْ اسْتَأْجَرَ أَوْ اسْتَعَارَ دَارًا مَثَلًا، وَأَذِنَ الْمُؤَجِّرُ أَوْ الْمُعِيرُ لَهُ بِرَهْنِهَا، فَرَهَنَهَا؛ صَحَّ؛ وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْإِذْنِ تَعْيِينُ الدَّيْنِ، وَلَا وَصْفُهُ، وَلَا مَعْرِفَةُ رَبِّ الدَّيْنِ، (وَيَنْبَغِي) لِلْمَدِينِ (أَنْ يُذَكِّرَ الْآذِنَ) مِنْ نَحْوِ مُؤَجِّرٍ وَمُعِيرٍ (الْمُرْتَهَنَ) ، فَيَقُولُ: أُرِيدُ أَنْ أَرْهَنَهُ عِنْدَ زَيْدٍ مَثَلًا، (وَ) يَذْكُرُ لَهُ (قَدْرَ دَيْنٍ) يَرْهَنُهُ بِهِ، (وَ) يَذْكُرُ لَهُ (جِنْسَهُ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ؛ كَذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، (وَ) يَذْكُرُ لَهُ (مُدَّةَ رَهْنٍ) ؛ كَشَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ، (فَإِنْ شُرِطَ) فِي الْإِذْنِ (شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: شَرَطَ الْآذِنُ عَلَى الْمَدِينِ أَنْ لَا يَرْهَنَهُ إلَّا عِنْدَ زَيْدٍ مَثَلًا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى مُدَّةِ كَذَا، فَخَالَفَ الْمَدِينُ، (وَرَهَنَهُ بِغَيْرِهِ) ؛ أَيْ: غَيْرِ شَرْطِهِ؛ (لَمْ يَصِحَّ) الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ (لَكِنْ لَوْ رَهَنَهُ) ؛
стр. 1823
أَيْ: رَهَنَ الْمَدِينُ الْمُؤَجَّرَ أَوْ الْمُعَارِ الْمَأْذُونَ فِيهِ (بِأَنْقَصَ مِمَّا قُدِّرَ لَهُ مِنْ الدَّيْنِ؛ صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، (وَ) لَوْ رَهَنَهُ (بِأَكْثَرَ؛ صَحَّ) الرَّهْنُ (فِيمَا قُدِّرَ) لَهُ (فَقَطْ) ، وَبَطَلَ فِي الزِّيَادَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذِنَهُ فِي دَنَانِيرَ، فَرَهَنَهُ بِدَرَاهِمَ وَعَكْسُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِلْمُخَالَفَةِ.
(وَيَمْلِكُ آذِنٌ) مُؤَجِّرًا كَانَ أَوْ مُعِيرًا (الرُّجُوعَ) فِي الْإِذْنِ فِي الرَّهْنِ (قَبْلَ إقْبَاضِهِ) الْمُرْتَهَنَ، (لَا بَعْدَهُ) ؛ لِلُزُومِهِ. (وَيُطَالِبُ) مُعِيرٌ (رَاهِنًا بِفَكِّهِ) فِي مَحِلِّ الْحَقِّ وَقَبْلَ مَحِلِّهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ، وَلَا يَمْلِكُ مُؤَجِّرٌ الرُّجُوعَ (فِي إجَارَةِ عَيْنِ الرَّهْنِ قَبْلَ) مُضِيِّ (مُدَّتِهَا) ؛ أَيْ: الْإِجَارَةُ؛ لِلُزُومِهَا (وَإِنْ بِيعَ) رَهْنٌ مُؤَجَّرٌ أَوْ مُعَارٍ (مَأْذُونٌ) لِلرَّاهِنِ (فِيهِ) لِوَفَاءِ دَيْنٍ؛ (رَجَعَ) مُؤَجِّرٌ أَوْ مُعِيرٌ (عَلَى رَاهِنٍ بِمِثْلٍ مِثْلِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى رَبِّهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ، (وَ) رَجَعَ (بِالْأَكْثَرِ مِنْ مُتَقَوِّمٍ، أَوْ مَا) ؛ أَيْ: ثَمَنٍ (بِيعَ بِهِ) اخْتَارَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " " وَالتَّلْخِيصِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " " وَالْمُنَوِّرِ " قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ": (فَإِنْ بِيعَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا؛ رَجَعَ بِالزِّيَادَةِ فِي الْأَصَحِّ) ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ " وَصَوَّبَهُ فِي " حَوَاشِي الْفُرُوعِ " " وَالْإِنْصَافِ " وَقَدَّمَهُ فِي " التَّنْقِيحِ "، لِأَنَّهُ إنْ بِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ ضَمِنَ الرَّاهِنُ نَقْصَهُ، وَبِالْأَكْثَرِ فَثَمَنُهُ كُلُّهُ لِمَالِكِهِ؛ إذْ لَوْ أَسْقَطَ مُرْتَهِنٌ حَقَّهُ مِنْ رَهْنٍ؛ رَجَعَ ثَمَنُهُ كُلُّهُ لِرَبِّهِ، فَإِذَا قَضَى رَبُّهُ دَيْنَ الرَّاهِنِ؛ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ضَمَانِ نَقْصِهِ أَلَّا تَكُونَ زِيَادَتُهُ لِرَبِّهِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ.
(وَإِنْ تَلَفَ) رَهْنٌ مُعَارٍ أَوْ مُؤَجَّرٌ بِتَفْرِيطِهِ؛ ضَمِنَهُ رَاهِنٌ بِبَدَلِهِ، وَبِلَا تَفْرِيطٍ؛ (ضَمِنَ رَاهِنٌ لَا مُرْتَهِنٌ الْمُعَارَ، لَا الْمُؤَجَّرَ) ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ وَالْمُؤَجَّرَ أَمَانَةٌ لَا تُضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي أَوْ التَّفْرِيطِ.
(وَإِنْ قَالَ مَأْذُونٌ) فِي الرَّهْنِ لِمَالِكِهِ: (أَذِنْتُ لِي فِي رَهْنِهِ بِعَشَرَةٍ، فَقَالَ) الْمَالِكُ: (بَلْ) أَذِنْتُ لَك فِي رَهْنِهِ (بِخَمْسَةٍ؛ فَقَوْلُ آذِنٍ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلْإِذْنِ فِي الزِّيَادَةِ، وَيَكُونُ رَهْنًا بِالْخَمْسَةِ فَقَطْ.
стр. 1824
(وَ) الْخَامِسُ (كَوْنُهُ) ؛ أَيْ: الرَّهْنِ (مَعْلُومًا جِنْسُهُ وَقَدْرُهُ وَصِفَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَالٍ، فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهِ؛ كَالْبَيْعِ.
(وَ) السَّادِسُ كَوْنُهُ (بِدَيْنٍ وَاجِبٍ) ؛ كَقَرْضٍ وَثَمَنٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ (غَيْرِ سَلَمٍ) ، وَتَقَدَّمَ (أَوْ) بِشَيْءٍ (مَآلُهُ إلَيْهِ) ؛ أَيْ: الدَّيْنِ الْوَاجِبِ؛ (كَثَمَنٍ) فِي (مُدَّةِ خِيَارِ) مَجْلِسٍ أَوْ شَرْطٍ (وَأُجْرَةٍ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ) مَأْجُورٍ (وَمَهْرٍ قَبْلَ دُخُولٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ (وَبِعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ؛ كَغَصْبٍ وَعَارِيَّةٍ وَمَقْبُوضٍ) عَلَى وَجْهِ سَوْمٍ (بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ الْوَثِيقَةُ بِالْحَقِّ، وَهَذَا حَاصِلٌ؛ فَإِنَّ الرَّهْنَ بِهَذِهِ الْأَعْيَانِ يَحْمِلُ الرَّاهِنَ عَلَى أَدَائِهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ أَدَاؤُهَا اُسْتُوْفِيَ بِهِ لَهَا مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ، فَأَشْبَهَتْ مَا فِي الذِّمَّةِ.
وَيَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ عَلَى (نَفْعِ إجَارَةٍ بِذِمَّةٍ؛ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبِنَاءِ دَارٍ) ، وَحَمْلِ مَعْلُومٍ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، وَيَكُنْ وَفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ؛ بِأَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ ثَمَنِهِ مَنْ يَعْمَلُهُ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ أَخْذُ رَهْنٍ (بِنَفْعِ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا يَأْتِي قَرِيبًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِجَارَةُ مَنَافِعَ مُعَيَّنَةٍ، وَلِذَا كَانَ سَاقِطًا فِي أَصْلَيْهِ فَلْيُنْتَبَهْ لَهُ.
(وَلَا) يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ (بِدِيَةٍ عَلَى عَاقِلَةٍ، وَلَا بِجُعْلٍ قَبْلَ) مُضِيِّ (حَوْلٍ) فِي مَسْأَلَةِ الدِّيَةِ (وَ) قَبْلَ تَمَامِ (عَمَلٍ) فِي مَسْأَلَةِ الْجَعْلِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَئُولُ إلَيْهِ. (وَيَصِحُّ) أَخْذُ رَهْنٍ بِدِيَةٍ عَلَى عَاقِلَةٍ، وَبِجُعْلٍ (بَعْدَهُمَا) ؛ أَيْ: الْحَوْلِ وَالْعَمَلِ؛ لِاسْتِقْرَارِهِمَا.
(وَلَا) يَصِحُّ أَخْذُ رَهْنٍ (بِدَيْنِ كِتَابَةٍ) ؛ لِفَوَاتِ الْإِرْفَاقِ بِالْأَجَلِ الْمَشْرُوعِ؛ إذْ يُمْكِنُهُ بَيْعُ الرَّهْنِ وَإِيفَاءُ الْكِتَابَةِ، (وَلَا بِعُهْدَةِ مَبِيعٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ، فَيَعُمُّ ضَرَرُهُ بِمَنْعِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَإِذَا وَثَّقَ الْبَائِعُ عَلَى عُهْدَةِ الْمَبِيعِ، فَكَأَنَّهُ مَا قَبَضَ الثَّمَنَ، وَلَا ارْتَفَقَ بِهِ، (وَلَا بِعِوَضٍ غَيْرِ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةٍ؛ كَثَمَنٍ وَأُجْرَةٍ مُعَيَّنَيْنِ وَإِجَارَةِ مَنَافِعَ) عَيْنٍ (مُعَيَّنَةٍ؛ كَدَارٍ وَنَحْوِهَا)
стр. 1825
كَفَرَسٍ وَعَبْدٍ زَمَنًا مُعَيَّنًا، (أَوْ دَابَّةٍ لِحَمْلٍ مُعَيَّنٍ) إلَى مَكَان مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْيَانِ هَذِهِ، وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا بِتَلَفِهَا، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالذِّمَّةِ حَقٌّ.
(وَحَرُمَ) عَلَى وَلِيٍّ، (وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ رَهْنُ مَالِ يَتِيمٍ لِفَاسِقٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِهِ لِلْهَلَاكِ؛ لِأَنَّهُ يَجْحَدُهُ الْفَاسِقُ، أَوْ يُفَرِّطُ فِيهِ فَيَضِيعُ. (وَيَتَّجِهُ) مَحِلُّ عَدَمِ صِحَّةِ رَهْنِ مَالِ يَتِيمٍ لِفَاسِقٍ (إنْ جَعَلَ) مَالَ الْيَتِيمِ (تَحْتَ يَدِهِ) ؛ أَيْ: الْفَاسِقِ، أَمَّا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى جَعْلِهِ تَحْتَ يَدِ عَدْلٍ، فَلَا مَانِعَ مِنْ صِحَّتِهِ؛ لِانْتِفَاءِ الْمَحْظُورِ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَكَيَتِيمٍ مُكَاتَبٍ وَ) قِنٍّ (مَأْذُونًا لَهُ) فِي تِجَارَةٍ؛ لِاشْتِرَاطِ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفِ. (وَيَتَّجِهُ وَ) كَيَتِيمٍ (نَحْوُ سَفِيهٍ وَمَجْنُونٍ) ، فَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ كَانَتْ أَمْوَالُهُمَا تَحْتَ يَدِهِ أَنْ يَجْعَلَهَا تَحْتَ يَدِ فَاسِق عَلَى طَرِيقِ رَهْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، بَلْ عَلَيْهِ صِيَانَتُهَا وَحِفْظُهَا عَنْ الضَّيَاعِ، وَطَلَبُ تَنْمِيَتِهَا لَهُمَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ؛ لِضَعْفِهِمَا عَنْ ذَلِكَ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ رَهَنَ ذِمِّيٌّ عِنْدَ مُسْلِمٍ خَمْرًا) - وَلَوْ بِشَرْطِ جَعْلِهِ (بِيَدِ ذِمِّيٍّ - لَمْ يَصِحَّ) الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا، (فَإِنْ بَاعَهَا) ؛ أَيْ: الْخَمْرَ (الذِّمِّيُّ) الَّتِي هِيَ عِنْدَهُ، أَوْ بَاعَهَا رَبُّهَا، (لَا) إنْ بَاعَهَا (الْمُسْلِمُ؛ حَلَّ) لِرَبِّ دَيْنٍ أَخْذُ دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَيْهِ لَوْ أَسْلَمَ، وَحَيْثُ بَاعَهَا الذِّمِّيُّ أَوْ رَبُّهَا (فَيَقْضِيهِ) ؛ أَيْ: الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَهَنَ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَهُمْ الْخُمُورُ: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا مِنْ أَثْمَانِهَا، (أَوْ يُبْرِئُ) رَبَّ الدَّيْنِ مِنْهُ. وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ رَهْنٍ مِنْ مَدِينٍ وَلَا بِإِذْنِهِ، لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ، دَيْنَهُ بِلَا إذْنِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَرْهَنَ عَنْهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ الْإِنْسَانُ مَالَ نَفْسِهِ عَلَى دَيْنِ غَيْرِهِ؛ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُضَمِّنَهُ وَأَوْلَى.
следующие страницы →