Полный текст (4 464 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
(وَلَوْ) (تَيَمَّمَ لِجَنَابَةٍ) وَنَحْوِهَا (دُونَ حَدَثٍ) أَصْغَرَ (أُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ لِمُحْدِثٍ مِنْ قِرَاءَةٍ وَلُبْثٍ) فِي مَسْجِدٍ، وَ (لَا) يُبَاحُ لَهُ (طَوَافٌ) وَلَا صَلَاةٌ (وَ) لَا (مَسُّ مُصْحَفٍ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الِاسْتِبَاحَةَ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.
(وَإِنْ أَحْدَثَ) مَنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ، وَنَحْوُهُ (لَمْ يُؤَثِّرْ) ذَلِكَ (فِي تَيَمُّمِهِ) لِحَدَثٍ، لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مُبْدَلِهِ وَهُوَ الْغُسْلُ.
(وَإِنْ تَيَمَّمَ لِجَنَابَةٍ وَحَدَثٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ؛ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِحَدَثٍ لَا جَنَابَةٍ) فَلَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ لَهَا حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، أَوْ يُوجَدَ مُوجِبُ الْغُسْلِ، وَكَذَا لَوْ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ وَالْخُبُثِ بِبَدَنِهِ وَأَحْدَثَ؛ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ، وَبَقِيَ تَيَمُّمُهُ لِلْخُبُثِ.
(وَ) لَوْ تَيَمَّمَتْ (لِحَيْضٍ) بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْهُ، ثُمَّ أَجْنَبَتْ أَوْ أَحْدَثَتْ، (لَمْ يَبْطُلْ) تَيَمُّمُهَا لِحَدَثِ الْحَيْضِ (بِجَنَابَةٍ) ، وَلَا حَدَثٍ، وَلَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا (بَلْ) يَبْطُلُ (بِنِفَاسٍ) ، فَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ لَهُ.
(وَمَنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ شَيْئًا) ، أَيْ: اسْتِبَاحَةَ شَيْءٍ تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ (اسْتَبَاحَهُ) ، لِأَنَّهُ مَنْوِيٌّ، (وَ) اسْتَبَاحَ فَرْضًا (مِثْلَهُ) ، فَمَنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ صَلَاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا فَلَهُ فِعْلُهَا وَفِعْلُ مِثْلِهَا (كَفَائِتِهِ) ، لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، (وَ) اسْتَبَاحَ (دُونَهُ) أَيْ: دُونَ مَا نَوَاهُ كَالنَّفْلِ فِي الْمِثَالِ، لِأَنَّهُ أَخَفُّ وَنِيَّةُ الْفَرْضِ تَتَضَمَّنُهُ.
وَ (لَا) يَسْتَبِيحُ مَنْ نَوَى شَيْئًا (أَعْلَى مِنْهُ) ؛ فَمَنْ نَوَى النَّفَلَ لَا يَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْوِيًّا صَرِيحًا وَلَا ضِمْنًا، (فَأَعْلَاهُ) - أَيْ: أَعْلَى مَا يُسْتَبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ - (فَرْضُ عَيْنٍ) كَوَاحِدَةٍ مِنْ الْخَمْسِ، (فَنَذْرٌ، فَ) فَرْضُ (كِفَايَةٍ) كَصَلَاةِ عِيدٍ، (فَنَافِلَةٌ) كَرَاتِبَةٍ وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ، (فَطَوَافُ) فَرْضٍ فَطَوَافُ (نَفْلٍ فَمَسُّ مُصْحَفٍ) .
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَإِنْ نَوَى نَافِلَةً أُبِيحَ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَالطَّوَافُ، لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِكَوْنِ الطَّهَارَةِ مُشْتَرَطَةً لَهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَقَالَ وَإِنْ نَوَى فَرْضَ الطَّوَافِ اسْتَبَاحَ نَفْلَهُ، وَلَا يَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ مِنْهُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ كَالصَّلَاةِ وَقَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَيُبَاحُ الطَّوَافُ
стр. 212
بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ فِي الْأَشْهَرِ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَلَوْ كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا.
خِلَافًا لِأَبِي الْمَعَالِي.
(فَقِرَاءَةُ) قُرْآنٍ.
(فَلُبْثٌ) بِمَسْجِدٍ.
(وَيَتَّجِهُ فَوَطْءُ) حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " لَوْ كَانَ تَيَمَّمَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ كَالْمُتَيَمِّمِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَطَلَ بِزَوَالِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ أَطْلَقَهَا) ، أَيْ: نِيَّةَ الِاسْتِبَاحَةِ، (لِصَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَرْضَهُمَا، وَلَا نَفْلَهُمَا وَتَيَمَّمَ (لَمْ يَفْعَلْ إلَّا نَفْلَهُمَا) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ، وَفَارَقَ طَهَارَةَ الْمَاءِ لِأَنَّهَا تَدْفَعُ الْحَدَثَ فَيُبَاحُ لَهُ جَمِيعُ مَا يَمْنَعُهُ (وَتَسْمِيَتُهُ فِيهِ) - أَيْ: التَّيَمُّمِ - كَتَسْمِيَةِ وُضُوءٍ.
فَتَجِبُ قِيَاسًا عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ التَّيَمُّمُ عَنْ نَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ كَالنِّيَّةِ، وَتَسْقُطُ سَهْوًا.
[فَصْلٌ فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ]
(فَصْلٌ) فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ (وَيَبْطُلُ كُلُّ تَيَمُّمٍ) بِخُرُوجِ وَقْتٍ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ: التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، (حَتَّى تَيَمُّمُ جُنُبٍ لِقِرَاءَةٍ وَلُبْثٍ فِي مَسْجِدٍ وَ) حَتَّى تَيَمُّمُ (حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ لِوَطْءٍ وَ) حَتَّى تَيَمُّمٌ (لِطَوَافٍ وَنَجَاسَةٍ) بِبَدَنٍ، وَلِصَلَاةِ جِنَازَةٍ وَنَافِلَةٍ، فَيَبْطُلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا (بِخُرُوجِ وَقْتٍ تَيَمَّمَ فِيهِ) كَالتَّيَمُّمِ لِلْمَكْتُوبَةِ.
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالُ لَوْ تَيَمَّمَ عِنْدَ طُلُوعِ شَمْسٍ بُطْلَانُهُ) ، أَيْ: بُطْلَانُ تَيَمُّمِهِ، (بِخُرُوجِ وَقْتِ نَهْيٍ) وَهُوَ: ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ، وَهَذَا لَا تَأْبَاهُ الْقَوَاعِدُ.
(وَ) قَوْلُهُ: لَوْ تَيَمَّمَ (بَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا - تَوَجَّهَ بُطْلَانُ تَيَمُّمٍ (بِزَوَالِ شَمْسٍ) بَعِيدٍ، إذْ خُرُوجُ وَقْتِ الضُّحَى بِوُقُوفِ الشَّمْسِ لَا بِزَوَالِهَا.
قَالَ الْقَاضِي: أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ أَبِي طَالِبٍ وَالْمَرُّوذِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَيُوسُفَ بْنِ مُوسَى: أَنَّهُ يُتَيَمَّمُ لِكُلِّ
стр. 213
صَلَاةٍ، وَمَعْنَاهُ: لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ.
انْتَهَى.
(مَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةِ جُمُعَةٍ) فَلَا يَبْطُلُ إذَا خَرَجَ وَقْتُهَا، لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى، (أَوْ) مَا لَمْ (يَنْوِ الْجَمْعَ بِوَقْتِ ثَانِيَةٍ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ، (فَلَا يَبْطُلُ) التَّيَمُّمُ (بِخُرُوجِ وَقْتِ) صَلَاةٍ (أَوْلَى) ، فَإِنْ نَوَاهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ فِي وَقْتِ الْأُولَى لَهَا أَوْ لِفَائِتَةٍ لَمْ تَبْطُلْ بِخُرُوجِهِ، لِأَنَّ نِيَّةَ الْجَمْعِ صَيَّرَتْ الْوَقْتَيْنِ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمْعُ تَقْدِيمًا أَنَّهُ يَبْطُلُ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى.
(وَيَتَّجِهُ) : لَوْ تَيَمَّمَ (فِي) وَقْتِ صَلَاةِ (جُمُعَةٍ) لَهَا وَصَلَّاهَا (بَقَاؤُهُ) ، أَيْ: ذَلِكَ التَّيَمُّمُ (بَعْدَهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - فَيُصَلِّي فِيهِ مَا شَاءَ مِنْ الْفَوَائِتِ وَالنَّوَافِلِ مَا دَامَ الْوَقْتُ، وَيَأْتِي أَنَّ أَوَّلَهُ ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ، (وَ) بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ وَقْتِهَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ (فَيَتَيَمَّمُ لِ) صَلَاةِ
стр. 214
(عَصْرٍ) تَيَمُّمًا مُسْتَقِلًّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، (إذْ لَا يَصِحُّ) التَّيَمُّمُ (لِصَلَاةٍ قَبْلَ) دُخُولِ (وَقْتِهَا) ، لِأَنَّ دُخُولَهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ فِي حَاشِيَةِ الْإِقْنَاعِ.
стр. 215
(وَ) يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ أَيْضًا (بِزَوَالِ عُذْرٍ مُبِيحٍ لَهُ) - أَيْ: لِلتَّيَمُّمِ - (مِنْ نَحْوِ بَرْدٍ) زَالَ (أَوْ مَرَضٍ) عُوفِيَ مِنْهُ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ ضَرُورَةً فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا، (وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِمُبْطِلِ مَا تَيَمَّمَ لَهُ) مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ، (فَ) يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ (لِوُضُوءٍ بِمَا يُبْطِلُهُ مِنْ نَحْوِ بَوْلٍ) كَنَوْمٍ، (وَلِجَنَابَةٍ بِمَا يُبْطِلُ غُسْلَهَا مِنْ نَحْوِ مَنِيٍّ) خَرَجَ بِلَذَّةٍ (وَتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ، وَ) يَبْطُلُ تَيَمُّمٌ (لِ) حِلِّ (وَطْءٍ مِنْ نَحْوِ حَيْضٍ أَوْ النِّفَاسِ عَوْدُهُمَا ثَانِيًا) ، فَلَوْ تَيَمَّمَتْ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ ثُمَّ أَجْنَبَتْ؛ فَلَهُ الْوَطْءُ لِبَقَاءِ حُكْمِ تَيَمُّمِ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ، الْوَطْءُ إنَّمَا يُوجِبُ حَدَثَ جَنَابَةٍ.
(وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِخَلْعِ مَا مَسَحَ) مِنْ نَحْوِ خُفٍّ وَعِمَامَةٍ وَجَبِيرَةٍ لُبِسَتْ عَلَى طَهَارَةِ مَاءٍ (إنْ تَيَمَّمَ) بَعْدَ حَدَثِهِ (وَهُوَ عَلَيْهِ) ، وَكَذَا فِي " الدَّلِيلِ " وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: بِخَلْعِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي " الْمُنْتَهَى ": بِخَلْعِ مَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ الْمَسْحُ بِالْفِعْلِ كَمَا اعْتَبَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَمْ يُشِرْ إلَى خِلَافِهِمَا، لِأَنَّ مَا مَشَى عَلَيْهِ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا فِي " الْكَافِي " وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَاهُ.
(وَبِظُهُورِ قَدَمٍ إلَى سَاقٍ خُفٍّ، أَوْ انْتِقَاضِ بَعْضِ عِمَامَةٍ) ، سَوَاءٌ
стр. 216
مَسَحَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَا، لِقِيَامِ تَيَمُّمِهِ مَقَامَ وُضُوئِهِ، وَهُوَ يَبْطُلُ بِخَلْعِ ذَلِكَ فَكَذَا مَا قَامَ مَقَامَهُ، وَالتَّيَمُّمُ وَإِنْ اخْتَصَّ بِعُضْوَيْنِ صُورَةً فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَرْبَعَةِ حُكْمًا، وَكَذَا لَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحٍ.
(وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِرُؤْيَةِ مَا يَشُكُّ مَعَهُ وُجُودَ مَاءٍ كَسَرَابٍ ظَنَّهُ مَاءً) ، لِزَوَالِ يَقِينِ عَدَمِ الْمَاءِ بِطُرُوِّ الشَّكِّ، (وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِوُجُودِهِ) - أَيْ: الْمَاءِ - (غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَانِعٍ) مِنْ اسْتِعْمَالِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، (فَلَوْ وَجَدَهُ) - أَيْ: الْمَاءَ - بَعْدَ شُرُوعِهِ (فِي صَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ بَطَلَا) - أَيْ: الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ - قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ
(وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي وَجَدَ فِيهَا الْمَاءَ (جُمُعَةً خِيفَ فَوْتُهَا أَوْ انْدَفَقَ مَاءٌ وَهُوَ) مُتَلَبِّسٌ (فِيهِمَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ - فَإِنَّهُمَا يَبْطُلَانِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ انْقَضَيَا) - أَيْ: الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ - قَبْلَ وُجُودِ الْمَاءِ (لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهُمَا) ، لِوُقُوعِهِمَا الْمَوْقِعَ، وَلَكِنَّهَا تُسَنُّ، لِمَا رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ
стр. 217
قَالَ «خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أَجْزَأَتْك صَلَاتُك، وَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ: لَك الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) إنْ تَيَمَّمَ جُنُبٌ لِعَدَمِ الْمَاءِ، ثُمَّ وَجَدَهُ (فِي نَحْوِ قِرَاءَةٍ وَوَطْءٍ) كَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ (يَجِبُ تَرْكُهُ) لِبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَك» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
(وَيُغَسَّلُ مَيِّتٌ) يُمِّمَ لِعَدَمِ مَاءٍ (وَلَوْ صُلِّيَ عَلَيْهِ) وَلَمْ يُدْفَنْ حَتَّى وُجِدَ الْمَاءُ، (وَتُعَادُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَوْ تُيُمِّمَ وَالْأُولَى بِوُضُوءٍ (وَيَتَّجِهُ كَتَفْضِيلِ هَذَا) ، أَيْ: عَادِمِ الْمَاءِ إذَا وَجَدَهُ (عَادِمُ تُرَابٍ وَجَدَهُ) ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَسُنَّ لِعَادِمٍ) وُجُودِ مَاءٍ (وَرَاجٍ وُجُودَ مَاءٍ أَوْ مُسْتَوٍ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ) - أَيْ: وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ - (تَأْخِيرُ تَيَمُّمٍ لِآخِرِ وَقْتِ اخْتِيَارٍ) ، لِأَنَّ كُلَّ كَمَالٍ اقْتَرَنَ بِالتَّأْخِيرِ وَخَلَا عَنْهُ التَّقْدِيمُ فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الْجُنُبِ: يَتَلَوَّمُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ، وَإِلَّا تَيَمَّمَ فَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى أَجْزَأَهُ، وَلَوْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدُ، كَمَنْ صَلَّى عُرْيَانَا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى السُّتْرَةِ، أَوْ لِمَرَضٍ جَالِسًا، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ.
(وَصِفَتُهُ) - أَيْ: التَّيَمُّمِ - (أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ) مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ أَوْ نَحْوِهِ، مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ نَحْوِهِ، (ثُمَّ يُسَمِّي) وُجُوبًا فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ.
لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا إنْ كَانَ (ذَاكِرًا) ، وَتَسْقُطُ سَهْوًا وَجَهْلًا، (وَيَضْرِبُ التُّرَابَ بِيَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ) لِيَصِلَ التُّرَابُ
стр. 218
إلَى مَا بَيْنَهَا (ضَرْبَةً بَعْدَ نَزْعِ نَحْوِ خَاتَمٍ) ، لِيَصِلَ التُّرَابُ إلَى مَا تَحْتَهُ، (فَإِنْ عَلِقَ) بِيَدَيْهِ (غُبَارٌ كَثِيرٌ نَفَخَهُ إنْ شَاءَ، وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ خَفِيفًا كُرِهَ نَفْخُهُ لِئَلَّا يَذْهَبَ فَيَحْتَاجَ إلَى إعَادَةِ الضَّرْبِ، (فَإِنْ ذَهَبَ) مَا عَلَى الْيَدَيْنِ بِنَفْخٍ (أَعَادَ الضَّرْبَ) ، لِيَحْصُلَ الْمَسْحُ بِتُرَابٍ، (وَلَوْ كَانَ التُّرَابُ نَاعِمًا فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ فَعَلِقَ) فِيهِمَا (أَجْزَأَهُ) ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، (ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ وَكَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ) ، لِحَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي التَّيَمُّمِ «ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَعْنَاهُ أَيْضًا.
فَيَمْسَحُ يَدَيْهِ (إلَى كُوعَيْهِ فَقَطْ) ، لِأَنَّ الْيَدَ إذَا أُطْلِقَتْ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الذِّرَاعُ، بِدَلِيلِ السَّرِقَةِ وَالْمَسِّ، لَا يُقَالُ هِيَ مُطْلَقَةٌ فِي التَّيَمُّمِ مُقَيَّدَةٌ فِي الْوُضُوءِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الطَّهَارَةِ، لِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ كَالْعِتْقِ فِي الظِّهَارِ عَلَى الْعِتْقِ فِي الْخَطَأِ، وَالتُّرَابُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ وَهُوَ يُشْرَعُ فِيهِ التَّثْلِيثُ وَهُوَ مَكْرُوهٌ هُنَا، وَالْوُضُوءُ يَغْسِلُ فِيهِ بَاطِنَ الْفَمِ وَالْأَنْفَ بِخِلَافِهِ هُنَا.
(وَسُنَنُ تَيَمُّمٍ: تَرْتِيبٌ وَمُوَالَاةٌ فِي غَيْرِ حَدَثٍ أَصْغَرَ) ، وَأَمَّا فِيهِ، فَيَجِبَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
(وَتَفْرِيجُ أَصَابِعِهِ وَقْتَ ضَرْبٍ) لِيَدْخُلَ بَيْنَهَا التُّرَابُ، (وَتَقْدِيمُ) يَدٍ (يُمْنَى عَلَى يَدٍ يُسْرَى فِي مَسْحٍ) لَا فِي ضَرْبٍ، (وَ) تَقْدِيمُ مَسْحِ (أَعْلَى وَجْهٍ عَلَى أَسْفَلِهِ كَمَا فِي وُضُوءٍ، وَنَزْعِ نَحْوِ خَاتَمٍ عِنْدَ مَسْحِ وَجْهٍ لِيَمْسَحَ جَمِيعَهُ بِجَمِيعِ يَدٍ) تَحْصِيلًا لِلْكَمَالِ، (وَفِي مَسْحِ يَدٍ يَجِبُ نَزْعُهُ) - أَيْ: الْخَاتَمِ (لِيَصِلَ تُرَابٌ إلَى مَحَلِّهِ) مِنْ الْيَدِ، (وَلَا يَكْفِي تَحْرِيكُهُ) - أَيْ: الْخَاتَمِ - (بِخِلَافِ مَاءٍ، لِ) قُوَّةِ (سَرَيَانِهِ، وَإِدَامَةُ يَدٍ عَلَى عُضْوٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ مَسْحِهِ) ، فَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ عَنْ الْعُضْوِ مَعَ بَقَاءِ الْغُبَارِ عَلَيْهَا جَازَ
стр. 219
إعَادَتُهَا وَتَكْمِيلُ الْمَسْحِ بِهَا، وَإِلَّا ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، (وَالْإِتْيَانُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ مَا بَعْدَهُمَا كَمَا فِي وُضُوءٍ، وَعِنْدَ الْقَاضِي وَالشِّيرَازِيِّ وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ وَأَبِي الْبَرَكَاتِ: وَتَجْدِيدُ ضَرْبَةٍ لِيَدَيْهِ وَمَسْحُهُمَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَهُوَ) - أَيْ: مَا قَالُوهُ - (حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمَنْصُوصِ) عَنْ الْإِمَامِ، (خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ) .
وَإِنْ مَسَحَ بِبَعْضِ يَدِهِ أَوْ بِخِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ جَازَ، لِأَنَّ الْقَصْدَ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَكَيْفَ مَا حَصَلَ جَازَ كَالْوُضُوءِ.
(وَإِنْ مَسَحَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ مَعَ اكْتِفَاءٍ بِدُونِهِ كُرِهَ) ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا تُسَنُّ الزِّيَادَةُ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ إذَا حَصَلَ الِاسْتِيعَابُ بِهِمَا.
(وَإِنْ بُذِلَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ - مَاءٌ لِأَوْلَى جَمَاعَةٍ (أَوْ نُذِرَ) مَاءٌ لِأَوْلَى جَمَاعَةٍ (أَوْ وُقِفَ) مَاءٌ (أَوْ وُصِّيَ مَاءٌ لِأَوْلَى جَمَاعَةٍ) (قُدِّمَ بِهِ) مِنْهُمْ (غُسْلُ طِيبِ مُحْرِمٍ) ، لِأَنَّ تَأْخِيرَ غُسْلِهِ بِلَا عُذْرٍ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ، (فَ) إنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ قُدِّمَ غَسْلُ (نَجَاسَةِ ثَوْبٍ) ، لِوُجُوبِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى عَادِمِ غَيْرِهِ، فَ (إنْ) فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ قُدِّمَ غَسْلُ نَجَاسَةِ (بُقْعَةٍ) تَعَذَّرَتْ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهَا، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فَلَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ لَهَا، فَ (إنْ) فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ غَسْلُ نَجَاسَةِ (بَدَنٍ) لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لَهَا بِخِلَافِ حَدَثٍ (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ (مَيِّتٌ) فَيُغَسَّلُ بِهِ، لِأَنَّ غُسْلَهُ خَاتِمَةُ طَهَارَتِهِ وَالْأَحْيَاءُ يَرْجِعُونَ إلَى الْمَاءِ فَيَغْتَسِلُونَ، (فَ) إنْ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ قُدِّمَتْ بِهِ (حَائِضٌ وَنُفَسَاءُ) انْقَطَعَ دَمُهُمَا، لِأَنَّ ذَلِكَ أَغْلَظُ مِنْ الْجَنَابَةِ، (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ بِهِ (جُنُبٌ) ، لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ مَا لَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُحْدِثُ بِهِ، (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ تَوَضَّأَ بِهِ (مُحْدِثٌ إلَّا إنْ كَفَاهُ) - أَيْ: الْمُحْدِثَ - الْمَاءُ لِلْوُضُوءِ (وَحْدَهُ) - أَيْ: دُونَ الْجُنُبِ - بِأَنْ كَانَ لَا يَكْفِيه لِغُسْلِهِ: (فَيُقَدَّمُ) الْمُحْدِثُ (عَلَى جُنُبٍ) ، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي بَعْضِ طَهَارَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكْفِ كُلًّا مِنْهُمَا قُدِّمَ جُنُبٌ، لِأَنَّهُ
стр. 220
يَسْتَفِيدُ بِهِ تَطْهُرُ بَعْضُ أَعْضَائِهِ، (وَيُقْرَعُ مَعَ تَسَاوٍ، كَمُحْدِثَيْنِ) فَأَكْثَرَ وَحَائِضَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَالْمَاءُ لَا يَكْفِي إلَّا وَاحِدًا لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ قُدِّمَ بِهِ لِأَوْلَوِيَّتِهِ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ لَهُ، (أَوْ) وُجِدَ طِيبٌ عَلَى (مُحْرِمَيْنِ) وَالْمَاءُ لَا يَكْفِي إلَّا غُسْلَ مَا عَلَى أَحَدِهِمَا فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ اسْتَعْمَلَهُ إذْ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا، (فَإِنْ تَطَهَّرَ بِهِ) - أَيْ: الْمَاءِ الْمَذْكُورِ - (غَيْرُ الْأَوْلَى) بِهِ كَمُحْدِثٍ مَعَ ذِي نَجَسٍ: (أَسَاءَ) ، لِفِعْلِهِ مَا لَيْسَ لَهُ، (وَصَحَّتْ) طَهَارَتُهُ، لِأَنَّ الْأَوْلَى لَمْ يَمْلِكْهُ لِكَوْنِهِ أَوْلَى وَإِنَّمَا رَجَحَ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ.
(وَيَتَّجِهُ: وَيَأْثَمُ) غَيْرُ الْأَوْلَى (بِتَعَدِّيهِ) عَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " غَايَةِ الْمَطْلَبِ " وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِأَحَدِ الْمُحْتَاجِينَ إلَيْهِ تَعَيَّنَ لَهُ، لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُؤْثِرَ بِهِ غَيْرَهُ، وَلَوْ أَحَدَ أَبَوَيْهِ، لِتَعَيُّنِهِ لِأَدَاءِ فَرْضِهِ وَتَعَلَّقَ حَقُّ اللَّهِ بِهِ، (وَالثَّوْبُ) الْمَبْذُولُ لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ يَحْتَاجَانِهِ (يُصَلِّي فِيهِ) الْحَيُّ (عَلَى مَيِّتٍ ثُمَّ يُكَفَّنُ بِهِ) الْمَيِّتُ، جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، (وَمَعَ) احْتِيَاجِ حَيٍّ لِكَفَنِ مَيِّتٍ لِشِدَّةِ (بَرْدٍ يُخْشَى مِنْهُ تَلَفٌ يُقَدَّمُ حَيٌّ) عَلَى مَيِّتٍ (وَلَا تَكْفِينَ) ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ آكَدُ، قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ.
[بَابُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ]
(بَابُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ) أَيْ: تَطْهُرُ مَوَارِدِ الْأَنْجَاسِ، وَذَكَرَ النَّجَاسَاتِ وَمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْهَا.
(وَهِيَ) - أَيْ: النَّجَاسَةُ الْحُكْمِيَّةُ - (الطَّارِئَةُ عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ، وَالْعَيْنِيَّةُ لَا تَطْهُرُ بِحَالٍ) ، أَيْ: لَا بِغُسْلٍ وَلَا بِاسْتِحَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَلَا يُعْقَلُ لِلنَّجَاسَةِ مَعْنًى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.
(يُشْتَرَطُ لِ) تَطْهِيرِ (كُلِّ مُتَنَجِّسٍ غَيْرُ مَا يَأْتِي) مِنْ مُتَّصِلٍ بِأَرْضٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ صَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ، (حَتَّى أَسْفَلَ
стр. 221
خُفٍّ وَ) أَسْفَلَ (حِذَاءٍ) - بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَوَّلَهُ - أَيْ نَعْلٍ، (وَ) حَتَّى (ذَيْلِ امْرَأَةٍ سَبْعَ غَسَلَاتٍ) .
لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أُمِرْنَا بِغَسْلِ الْأَنْجَاسِ سَبْعًا» فَيَنْصَرِفُ إلَى أَمْرِهِ ﷺ وَقِيَاسًا عَلَى نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ.
وَقِيسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ عَلَى الرِّجْلِ، وَذَيْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى بَقِيَّةِ ثَوْبِهَا، وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ أَنْ تَسْتَوْعِبَ الْمَحَلَّ، وَيُحْسَبُ الْعَدَدُ مِنْ أَوَّلِ غَسْلَةٍ، فَيُجْزِئُ (إنْ أَنْقَتْ) السَّبْعُ غَسَلَاتٍ، (وَإِلَّا) ، بِأَنْ لَمْ تُنْقِ بِهَا، فَيَزِيدُ عَلَى السَّبْعِ (حَتَّى تُنْقِيَ) النَّجَاسَةَ (بِمَاءٍ طَهُورٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِغَسَلَاتٍ - أَيْ: يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ غَسْلَةٍ مِنْ السَّبْعِ بِمَاءٍ طَهُورٍ، لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ قَالَتْ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْف تَصْنَعُ؟ قَالَ: تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَ «أَمَرَ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ» .
وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْحَدَثِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَاءُ الطَّهُورُ (غَيْرَ مُبَاحٍ) لِأَنَّ إزَالَتَهَا مِنْ قِسْمِ التُّرُوكِ.
وَلِذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا نِيَّةٌ، (مَعَ حَتٍّ) - أَيْ: قِشْرٍ وَحَكٍّ - (وَقَرْصٍ) لِمَحَلِّ النَّجَاسَةِ وَهُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: الدَّلْكُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَالْأَظْفَارِ. مَعَ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ.
(لِحَاجَةٍ) إلَى ذَلِكَ وَلَوْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ (إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ) الْمَحَلُّ بِالْحَتِّ أَوْ الْقَرْصِ، فَإِنْ تَضَرَّرَ سَقَطَ.
(وَيُحْسَبُ عَدَدُهُ مِنْ أَوَّلِ غَسْلَةٍ) مِنْ الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ، (وَلَوْ قَبْلَ زَوَالِ عَيْنِهَا) - أَيْ: النَّجَاسَةِ - (فَلَوْ لَمْ تَزُلْ) النَّجَاسَةُ (إلَّا فِي) الْغَسْلَةِ (الْأَخِيرَةِ أَجْزَأَ) ذَلِكَ لِإِتْيَانِهِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ.
(إنْ وَضَعَهُ) - أَيْ: الْمُتَنَجِّسُ - (بِإِنَاءٍ وَأَوْرَدَ) - أَيْ: صَبَّ - (عَلَيْهِ) الْمَاءَ (فَغَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ يَبْنِي عَلَيْهَا) بَعْدَ عَصْرِ الْمُتَنَجِّسِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ، (وَيَطْهُرَ) الْمَحَلُّ الْمُتَنَجِّسُ بَعْدَ ذَلِكَ (نَصًّا) لِوُرُودِ الْمَاءِ عَلَى مَحَلِّ التَّطْهِيرِ، (وَلَا) يَطْهُرَ. (إنْ أَوْرَدَهُ)
стр. 222
أَيْ: الْمُتَنَجِّسُ - (عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ) ، لِأَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ يُنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، فَلَا يَحْصُلُ بِهِ تَطْهِيرٌ وَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الْغَسْلَةِ، (وَشُرِطَ عَصْرٌ مَعَ إمْكَانِ) الْعَصْرِ (فِيمَا تَشْرَبُ) النَّجَاسَةُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ بِحَيْثُ لَا يُخَافُ فَسَادُهُ (كُلَّ مَرَّةٍ) مِنْ السَّبْعِ (خَارِجَ الْمَاءِ) لِيَحْصُلَ انْفِصَالُ الْمَاءِ عَنْهُ، (وَإِلَّا يَعْصِرُهُ) خَارِجَ الْمَاءِ بَلْ عَصْرُهُ فِيهِ وَلَوْ سَبْعًا؛ (فَ) هِيَ (غَسْلَةٌ) وَاحِدَةٌ، (يَنْبَنِي عَلَيْهَا) مَا بَقِيَ مِنْ السَّبْعِ (أَوْ دَقَّهُ) - مِنْ أَيِّ: مَا تَشْرَبُ النَّجَاسَةُ - (وَتَقْلِيبُهُ) إنْ لَمْ يُمْكِنْ عَصْرُهُ، (أَوْ تَثْقِيلُهُ) كُلَّ غَسْلَةٍ حَتَّى يَذْهَبَ أَكْثَرُ مَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَلَا يَكْفِي عَنْ عَصْرِهِ وَنَحْوِهِ تَجْفِيفُهُ، وَمَا لَا يَتَشَرَّبُ يَطْهُرُ بِوُرُودِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَانْفِصَالِهِ عَنْهُ.
(وَ) يُشْتَرَطُ (كَوْنُ إحْدَاهَا) - أَيْ: السَّبْعِ غَسَلَاتٍ - (وَالْأُولَى) مِنْهَا (أَوْلَى) بِجَعْلِ التُّرَابِ فِيهَا (فِي مُتَنَجِّسٍ بِكَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مُتَوَلِّدٍ) مِنْهُمَا أَوْ (مِنْ أَحَدِهِمَا) - أَيْ: الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ - (بِتُرَابٍ طَاهِرٍ) - أَيْ: طَهُورٍ - لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وَلَا يَكْفِي تُرَابٌ نَجِسٌ وَلَا مُسْتَعْمَلٌ (يَسْتَوْعِبُ) ، أَيْ: يَعُمُّ التُّرَابُ (الْمَحَلَّ) الْمُتَنَجِّسَ، لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعُمَّهُ لَمْ تَكُنْ غَسْلَةٌ (إلَّا فِيمَا) - أَيْ: مَحَلٍّ - (يَضُرُّهُ) التُّرَابُ، (فَيَكْفِي مُسَمَّاهُ) ، أَيْ: مَا يُسَمَّى تُرَابًا دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
(وَيُعْتَبَرُ مَزْجُهُ) - أَيْ: التُّرَابِ - (بِمَائِعٍ يُوصِلُهُ إلَيْهِ) - أَيْ: الْمَحَلِّ النَّجِسِ - فَ (لَا) يَكْفِي (ذَرُّهُ) عَلَيْهِ (وَإِتْبَاعُهُ الْمَاءَ) وَالْمُرَادُ بِالْمَائِعِ هُنَا: الْمَاءُ الطَّهُورُ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ.
وَجَعْلُ التُّرَابِ فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ فِيمَا بَعْدَهَا، لِمُوَافَقَةِ لَفْظِ الْخَبَرِ وَلِيَأْتِيَ بَعْدَهُ فَيُنَظِّفَهُ، فَإِنْ جَعَلَهُ فِي غَيْرِهَا جَازَ، لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ «إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وَفِي حَدِيثٍ «أُولَاهُنَّ» وَفِي حَدِيثٍ «فِي الثَّامِنَةِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ التُّرَابِ مِنْ
стр. 223
الْغَسَلَاتِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وَرِوَايَةُ الثَّامِنَةِ مَعْنَاهَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنْ تَكُونَ إحْدَى السَّبْعِ بِالتُّرَابِ، لَكِنْ لَمَّا أُضِيفَ الْمَاءُ فِيهَا إلَى التُّرَابِ، عُدَّ التُّرَابُ كَأَنَّهُ غَسْلَةٌ ثَامِنَةٌ.
(وَيَقُومُ نَحْوُ أُشْنَانٍ وَصَابُونٍ وَنُخَالَةٍ) مِنْ كُلِّ مَا لَهُ قُوَّةُ إزَالَةٍ (مَقَامَ تُرَابٍ وَلَوْ مَعَ وُجُودِهِ) - أَيْ: التُّرَابِ - لِأَنَّهَا أَبْلَغُ مِنْهُ فِي الْإِزَالَةِ، فَنَصُّهُ عَلَى التُّرَابِ تَنْبِيهٌ عَلَيْهَا وَلِأَنَّهُ جَامِدٌ أُمِرَ بِهِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، فَأُلْحِقَ بِهِ مَا يُمَاثِلُهُ كَالْحَجَرِ فِي الِاسْتِجْمَارِ.
(وَيَضُرُّ بَقَاءُ طَعْمِ) النَّجَاسَةِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَلِسُهُولَةِ إزَالَتِهِ، فَلَا يَطْهُرُ الْمَحَلُّ مَعَ بَقَائِهِ.
وَ (لَا) يَضُرُّ بَقَاءُ (لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ) بَقَاءُ (هُمَا عَجْزًا) عَنْ إزَالَتِهِمَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ، كَمَا لَوْ صُبِغَ ثَوْبٌ بِنَجَاسَةٍ، ثُمَّ غُسِلَ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ اللَّوْنِ لِأَنَّهُ عَرَضٌ، وَالنَّجَاسَةُ لَا تُخَالِطُ الْعَرَضَ، وَالْمَاءُ لَا يُخَالَطُ، فَإِذَا زَالَتْ الْعَيْنُ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ زَالَتْ النَّجَاسَةُ بِزَوَالِهَا، جَزَمَ فِي " الْفُصُولِ " بِمَعْنَى ذَلِكَ.
وَيَطْهُرُ الْمَحَلُّ (وَإِنْ لَمْ يَزُولَا) - أَيْ: اللَّوْنُ وَالرِّيحُ - (إلَّا بِمِلْحٍ وَنَحْوِهِ) كَأُشْنَانٍ (مَعَ الْمَاءِ لَمْ يَجِبْ) اسْتِعْمَالُهُ مَعَهُ، قَالَ الشِّيشْنِيُّ: لَوْ خَضَّبَ يَدَهُ أَوْ شَعْرَهُ بِحِنَّاءٍ مُتَنَجِّسٍ بِبَوْلٍ أَوْ دَمٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ نَحْوِهِ ثُمَّ أَزَالَ الْحِنَّاءَ وَغَسَلَ الْمَحَلَّ وَبَقِيَ لَوْنُهُ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ، لِأَنَّهُ إذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَيْهِ عَلِمْنَا أَنَّ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ النَّجَاسَةِ قَدْ زَالَ، وَإِنَّمَا يَبْقَى اللَّوْنُ، انْتَهَى.
(وَحَسَنٌ) فِعْلُ ذَلِكَ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ «امْرَأَةٍ مِنْ غِفَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَةٍ فَحَاضَتْ، قَالَتْ: فَنَزَلَتْ فَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنِّي فَقَالَ: مَالَكِ لَعَلَّك نَفِسْت؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِك، ثُمَّ خُذِي إنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنْ الدَّمِ» وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمِلْحَ لَيْسَ بِقُوتٍ وَإِنَّمَا يُصْلِحُ الْقُوتَ.
(وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَطْعُومِ آدَمِيٍّ) - كَدَقِيقٍ - (فِي إزَالَتِهَا) - أَيْ: النَّجَاسَةِ.
стр. 224
(وَيَتَّجِهُ إنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ) ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ، لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا بَأْسَ) (بِاسْتِعْمَالِ نُخَالَةٍ) خَالِصَةٍ، (وَنَحْوُ دَقِيقِ بَاقِلَاءَ) كَدَقِيقِ حِمَّصٍ وَعَدَسٍ (فِي غَسْلِ) أَيْدٍ وَنَحْوِهَا لِلتَّنْظِيفِ.
(وَمَا نَجِسَ) مِنْ مَحَلٍّ طَاهِرٍ (بِ) إصَابَةِ مَاءِ (غَسْلَةٍ) (يُغْسَلُ) ذَلِكَ الْمَحَلُّ (عَدَدَ مَا بَقِيَ بَعْدَهَا) ، أَيْ: تِلْكَ الْغَسْلَةِ، لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ تَطْهُرُ فِي مَحَلِّهَا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْغَسَلَاتِ فَطَهُرَتْ بِهِ فِي مِثْلِهِ، فَمَا تَنَجَّسَ بِرَابِعَةٍ مَثَلًا غُسِلَ ثَلَاثًا إحْدَاهُنَّ (بِتُرَابٍ طَاهِرٍ حَيْثُ شُرِطَ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ) قَبْلَ تَنَجُّسِ الْمَحَلِّ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ اسْتَعْمَلَ التُّرَابَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُعِدْ.
(وَيَطْهُرُ نَحْوُ آنِيَةٍ وَسِكِّينٍ) وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ (بِمُرُورِ مَاءٍ عَلَيْهِ وَانْفِصَالِهِ عَنْهُ سَبْعًا) ، وَلَا يَكْفِي مَسْحُهُ لَوْ كَانَ صَقِيلًا كَسَيْفٍ وَمِرْآةٍ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْأَنْجَاسِ، وَالْمَسْحُ لَيْسَ غَسْلًا.
(وَيُغْسَلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (بِخُرُوجِ مَذْيٍ) مِنْ (ذَكَرٍ وَأُنْثَيَانِ مَرَّةً) ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ، قِيلَ لِتَبْرِيدِهِمَا، وَقِيلَ لِتَلْوِيثِهِمَا غَالِبًا لِنُزُولِهِ مُتَسَبِّبًا.
(وَ) يُغْسَلُ (مَا أَصَابَهُ) الْمَذْيُ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ بَلْ وَمِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ وَالثِّيَابِ (سَبْعًا) كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ.
(وَيُجْزِئُ فِي قَيْءٍ وَبَوْلِ غُلَامٍ لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا لِشَهْوَةٍ نَضْحُهُ، وَهُوَ غَمْرُهُ بِمَاءٍ) وَإِنْ لَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَرْسٍ وَعَصْرٍ، لِحَدِيثِ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ «أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَبَوْلِ صَبِيٍّ أَكَلَ الطَّعَامَ» لِشَهْوَةٍ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ نُضِحَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَلْعَقُ الْعَسَلَ سَاعَةَ يُولَدُ،
стр. 225
«وَالنَّبِيُّ ﷺ حَنَّكَ بِالتَّمْرَةِ» .
(وَيَتَّجِهُ الْمُرَادُ بِطَعَامٍ) : أَيَّ طَعَامٍ كَانَ جَامِدًا أَوْ مَائِعًا (غَيْرَ لَبَنٍ مُطْلَقًا) مِنْ آدَمِيَّةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ بِمَصٍّ مِنْ ثَدْيٍ أَوْ شُرْبٍ مِنْ إنَاءٍ وَلَوْ كَانَ تَغَذِّيهِ بِاللَّبَنِ، لِعَدَمِ غَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) يُجْزِئُ (فِي نَحْوِ) (صَخْرَةٍ وَأَجْرِنَةٍ) صِغَارٍ مَبْنِيَّةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ مُطْلَقًا.
قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ " وَأَحْوَاضٍ وَحِيطَانٍ وَأَرْضٍ تَنَجَّسَتْ بِمَائِعٍ (أَوْ) بِنَجَاسَةٍ (ذَاتِ جُرْمٍ أُزِيلَ) ذَلِكَ الْجُرْمُ (عَنْهَا وَلَوْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ مُكَاثَرَتُهَا بِمَاءٍ حَتَّى يَذْهَبَ لَوْنُ نَجَاسَةٍ وَرِيحُهَا) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَهُمْ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ
стр. 226
عَلَيْهِ.
وَالْأَعْرَابِيُّ هُوَ خُوَيْصِرَةُ التَّيْمِيُّ وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ زَجْرِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَقُومَ فَيُنَجِّسَ مَحَلًّا آخَرَ.
أَوْ لِأَنَّهُ إذَا أَقَامَ انْقَطَعَ بَوْلُهُ فَيَتَأَذَّى بِالْحُقْنَةِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ أَغْلَظُوا عَلَيْهِ وَحَقُّهُمْ الرِّفْقُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ نَهْيَهُ لَهُمْ كَانَ لِأَجْلِ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ كَيْفِيَّةَ غَسْلِ النَّجَاسَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ وَالرِّيحُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ تَطْهُرْ لِأَنَّهُ دَلِيلُ بَقَائِهَا، (مَا لَمْ يُعْجَزْ) عَنْ إذْهَابِهِمَا أَوْ إذْهَابِ أَحَدِهِمَا، فَيَطْهُرُ كَغَيْرِ الْأَرْضِ.
(وَلَوْ) بَقِيَ الْمَاءُ (وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا، وَعَنْ مَحَلِّ بَوْلِ الْغُلَامِ فَتَطْهُرُ مَعَ بَقَاءِ الْمَاءِ عَلَيْهَا لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ.
وَلَا يَطْهُرُ (بِغَسْلِ دُهْنٍ تَنَجَّسَ) لِأَنَّهُ ﷺ «سُئِلَ عَنْ السَّمْنِ تَقَعُ فِيهِ الْفَأْرَةُ، فَقَالَ: إنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلَوْ أَمْكَنَ تَطَهُّرُهُ لَمَا أَمَرَ بِإِرَاقَتِهِ.
(وَ) لَا تَطْهُرُ (أَرْضٌ اخْتَلَطَتْ بِنَجَاسَةٍ ذَاتِ أَجْزَاءٍ) مُتَفَرِّقَةٍ: (كَرَمِيمٍ وَدَمٍ جَافٍ وَرَوْثٍ) إذَا اخْتَلَطَ بِأَجْزَائِهَا، فَلَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تَنْقَلِبُ، بَلْ بِإِزَالَةِ أَجْزَاءِ الْمَكَانِ بِحَيْثُ يُتَيَقَّنُ زَوَالُ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ.
(وَلَا) يَطْهُرُ (بَاطِنُ حُبٍّ وَ) لَا (إنَاءٍ) تَشَرَّبَهَا، (وَ) لَا تَطْهُرُ (سِكِّينٌ سُقِيَتْهَا) - أَيْ: النَّجَاسَة - بِأَنْ أُحْمِيَتْ وَسُقِيَتْ بِمَاءٍ نَجِسٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَلَا) يَطْهُرُ (عَجِينٌ وَلَحْمٌ تَشَرَّبَهَا) - أَيْ: النَّجَاسَةَ - بِغَسْلٍ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَأْصَلُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ مِمَّا ذُكِرَ، قَالَ أَحْمَدُ فِي الْعَجِينِ: يُطْعَمُ النَّوَاضِحَ، وَلَا يُطْعَمُ لِشَيْءٍ يُؤْكَلُ فِي الْحَالِ. وَلَا يُحْلَبُ لَبَنُهُ، لِئَلَّا
стр. 227
يَتَنَجَّسَ بِهِ وَيَصِيرَ كَالْجَلَّالَةِ.
(وَلَا) يَطْهُرُ (صَقِيلٌ كَسَيْفٍ) وَمِرْآةٍ وَزُجَاجٍ (بِمَسْحٍ) بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ كَالْأَوَانِي (فَيُنَجَّسُ نَحْوُ بِطِّيخٍ) كَقِثَّاءٍ وَخِيَارٍ (قُطِعَ بِهِ) قَبْلَ غَسْلِهِ، وَكَذَا كُلُّ مَا فِيهِ بَلَلٌ.
وَ (لَا) يُنَجَّسُ (رَطْبٌ بِلَا بَلَلٍ كَجُبْنٍ) كَمَا لَوْ قُطِعَ بِهِ يَابِسًا، لِعَدَمِ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ إلَيْهِ.
(وَلَا) تَطْهُرُ (أَرْضٌ بِشَمْسٍ وَرِيحٍ وَجَفَافٍ) لِأَنَّهُ ﷺ «أَمَرَ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبٌ مِنْ مَاءٍ» وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ نَجِسٌ فَلَمْ يَطْهُرْ بِغَيْرِ الْغَسْلِ كَالثِّيَابِ.
(وَلَا) تَطْهُرُ (نَجَاسَةٌ بِنَارٍ فَرَمَادُهَا وَبُخَارُهَا وَدُخَّانُهَا نَجِسٌ) إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ إلَّا هَيْئَةُ جِسْمِهَا، كَالْمَيْتَةِ تَصِيرُ بِتَطَاوُلِ الزَّمَنِ تُرَابًا.
وَكَذَا صَابُونٌ عُمِلَ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ، (وَلَا) تَطْهُرُ (بِاسْتِحَالَةٍ فَمُتَوَلِّدٌ مِنْهَا كَدُودِ جُرْحٍ وَصَرَاصِيرَ كُنُفٍ) ، جَمْعُ: كَنِيفٍ، وَكَالْكِلَابِ تُلْقَى فِي مَلَّاحَةٍ فَتَصِيرَ مِلْحًا (نَجِسٌ) ، كَالدَّمِ يَسْتَحِيلُ قَيْحًا وَلِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» لِأَكْلِ النَّجَاسَةِ، فَلَوْ كَانَتْ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ أَكْلُهَا النَّجَاسَةَ لِأَنَّهَا تَسْتَحِيلُ، (إلَّا عَلَقَةً يُخْلَقُ مِنْهَا) حَيَوَانٌ (طَاهِرٌ) فَتَطْهُرُ بِذَلِكَ.
(وَ) إلَّا (خَمْرَةً انْقَلَبَتْ خَلًّا بِنَفْسِهَا) فَتَطْهُرُ.
لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا لِشِدَّتِهَا الْمُسْكِرَةِ الْحَادِثَةِ لَهَا، وَقَدْ زَالَتْ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ خَلَّفَتْهَا، كَالْمَاءِ الْكَثِيرِ الْمُتَغَيِّرِ يَزُولُ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ النَّجَاسَاتِ الْعَيْنِيَّةِ، (أَوْ) انْقَلَبَتْ خَلًّا (بِنَقْلٍ) مِنْ دَنٍّ إلَى آخَرَ، أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى غَيْرِهِ فَتَطْهُرُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَ (لَا) تَطْهُرُ بِنَقْلِ مَا ذُكِرَ (لِقَصْدِ تَخْلِيلٍ) ، لِخَبَرِ النَّهْيِ عَنْ تَخْلِيلِهَا فَلَا تَطْهُرُ، (وَدَنُّهَا) - أَيْ: الْخَمْرَةِ، وَهُوَ وِعَاؤُهَا - (كُلُّهُ مِثْلُهَا) يَطْهُرُ بِطَهَارَتِهَا، لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهَا الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْخَلَّ مَا أَصَابَهُ خَمْرٌ فِي غَلَيَانِهِ كَمُحْتَفَرٍ) فِي أَرْضٍ فِيهِ مَاءٌ كَثِيرٌ تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ، ثُمَّ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ فَيَطْهُرُ، وَمَحَلُّهُ تَبَعًا لَهُ.
وَكَذَا
стр. 228
مَا بُنِيَ فِي الْأَرْضِ كَالصَّهَارِيجِ وَالْبَحَرَاتِ.
(وَلَا) يَطْهُرُ (إنَاءٌ طَهُرَ مَاؤُهُ) بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِضَافَةٍ أَوْ نَزْحٍ، لِأَنَّ الْأَوَانِيَ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، لَا تَطْهُرُ إلَّا بِسَبْعِ غَسَلَاتٍ، فَإِنْ انْفَصَلَ عَنْهُ الْمَاءُ حَسِبَ غَسْلَةً ثُمَّ يُكْمِلُ، وَلَا يَطْهُرُ الْإِنَاءُ بِدُونِ إرَاقَةٍ.
[تَنْبِيهٌ طَهُرَ مَاءٌ كَثِيرٌ فِي إنَاءٍ كَبِيرٍ]
(تَنْبِيهٌ) : إذَا طَهُرَ مَاءٌ كَثِيرٌ فِي إنَاءٍ كَبِيرٍ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ حَتَّى يَنْقُصَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ، ثُمَّ يُحْكَمَ بِنَجَاسَةِ الْإِنَاءِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ بِمُجَرَّدِ نَقْصِهِ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ، بِخِلَافِ الْحَوْضِ.
(وَنَبِيذٌ) فِي الْحُكْمِ (كَخَمْرٍ) مِنْ أَنَّهُ يَطْهُرُ هُوَ وَإِنَاؤُهُ إذَا انْقَلَبَ، خَلًّا (خِلَافًا لِلْقَاضِي) أَبِي يَعْلَى، حَيْثُ جَزَمَ فِي " التَّعْلِيقِ " بِعَدَمِ طَهَارَتِهِ بِانْقِلَابِهِ خَلًّا، (مُحْتَجًّا بِأَنَّ فِيهِ) مَا قَدْ (تَنَجَّسَ) فَيَتَنَجَّسُ مَا أَصَابَهُ، وَلَوْ صَارَ خَلًّا.
(وَحَرُمَ عَلَى غَيْرِ خَلَّالٍ) - أَيْ: صَانِعِ الْخَلِّ - (إمْسَاكُهَا) - أَيْ: الْخَمْرَةِ - لِتَتَخَلَّلَ - أَيْ: لِتَصِيرَ خَلًّا - لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إمْسَاكِ الْخَمْرَةِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِرَاقَتِهَا، وَأَمَّا الْخَلَّالُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ.
وَالْخَلُّ الْمُبَاحُ: أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْعِنَبِ أَوْ الْعَصِيرِ خَلٌّ قَبْلَ غَلَيَانِهِ، وَقَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ حَتَّى لَا يَغْلِيَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ صُبَّ عَلَيْهِ خَلٌّ مَغْلِيٌّ قَالَ يُهْرَاقُ.
(ثُمَّ إنْ تَخَلَّلَتْ) الْخَمْرَةُ بِنَفْسِهَا بِيَدِ مُمْسِكِهَا وَلَوْ غَيْرَ خَلَّالٍ حَلَّتْ، (أَوْ اتَّخَذَ عَصِيرًا لِيَتَخَمَّرَ فَتَخَلَّلَ) بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ إلَيْهِ، وَلَا نُقِلَ لِقَصْدِ تَخْلِيلٍ: (حَلَّ) ، أَيْ: طَهُرَ.
فَإِنْ ضُمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يَطْهُرْ، لِأَنَّهُ اُسْتُعْجِلَ إلَى مَقْصُودِهِ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، فَعُوقِبَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ.
(وَمَنْ بَلَعَ نَحْوَ لَوْزٍ) كَبُنْدُقٍ (فِي قِشْرِهِ ثُمَّ قَاءَهُ) (وَنَحْوَهُ) ، بِأَنْ خَرَجَ
стр. 229
مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ، (لَمْ يُنَجِّسْ بَاطِنَهُ) لِصَلَابَةِ الْحَائِلِ.
(كَبَيْضٍ سُلِقَ فِي خَمْرٍ) أَوْ نَحْوِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ، فَلَا يُنَجَّسُ بَاطِنُهُ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ، بِخِلَافِ نَحْوِ لَحْمٍ وَخُبْزٍ.
(وَأَيُّ نَجَاسَةٍ خَفِيَتْ) فِي بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ (غُسِلَ) مَا احْتَمَلَ أَنَّ النَّجَاسَةَ أَصَابَتْهُ (حَتَّى تَيَقَّنَ غَسْلَهَا فَيَغْسِلُ كُمَّيْنِ تَنَجَّسَ أَحَدُهُمَا وَنَسِيَهُ) ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، فَإِنْ جَهِلَ جِهَتَهَا مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ غَسَلَهُ كُلَّهُ، وَإِنْ عَلِمَهَا فِيمَا يُدْرِكُهُ بَصَرُهُ مِنْ ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ غَسَلَ مَا يُدْرِكُهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الْمَانِعَ، كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ، وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ.
وَ (لَا) يَلْزَمُهُ غَسْلٌ إنْ خَفِيَتْ النَّجَاسَةُ (فِي صَحْرَاءَ وَنَحْوِهَا) كَالْحَوْشِ الْوَاسِعِ.
فَلَا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِهِ لِأَنَّهُ يَشُقُّ، (وَيُصَلِّي فِيهَا بِلَا تَحَرٍّ) دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا كَالْبَيْتِ وَالْحَوْشِ الصَّغِيرِ، وَخَفِيَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ، وَأَرَادَ الصَّلَاةَ فِيهِ لَزِمَهُ غَسْلُهُ كَالثَّوْبِ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ النَّجَاسَاتِ وَمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
(النَّجِسُ مَائِعٌ) لَا جَامِدٌ: (مُحَرَّمٌ) كَخَمْرٍ، (وَلَوْ غَيْرَ مُسْكِرٍ) كَنَبِيذِ تَمْرٍ أَوْ عَصِيرٍ أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَمْ يَغْلِ، أَوْ غَلَى وَلَوْ قَبْلَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] . . . إلَى قَوْله: ﴿رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠] ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ أَشْبَهَ الدَّمَ، وَلِأَنَّ النَّبِيذَ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ أَشْبَهَ الْخَمْرَةَ، (لَا حَشِيشَةَ مُسْكِرَةً) فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " " وَحَوَاشِي صَاحِبِ الْفُرُوعِ عَلَى الْمُقْنِعِ ".
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " - حَيْثُ جَزَمَ بِنَجَاسَتِهَا تَبَعًا لِمَا صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "
стр. 230
وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " وَالْمُرَادُ بَعْدَ عِلَاجِهَا: أَيْ بِالْإِمَاعَةِ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ.
(وَقِيلَ: إنْ أُمِيعَتْ) الْحَشِيشَةُ؛ (فَهِيَ نَجِسَةٌ) وَإِلَّا فَلَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْغَزِّيِّ فِي مَنْظُومَتِهِ.
(وَهُوَ) أَيْ: الْقَوْلُ بِنَجَاسَتِهَا إنْ أُمِيعَتْ: (حَسَنٌ) مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ، لِأَنَّهَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مَائِعٌ مُسْكِرٌ، وَهُوَ نَجِسٌ قَطْعًا.
(وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْ طَيْرٍ وَبَهَائِمَ مِمَّا فَوْقَ هِرٍّ خِلْقَةً) نَجِسٌ: (كَصَقْرٍ وَبُومٍ) وَعُقَابٍ وَحَدَأَةٍ وَنَسْرٍ وَرَخَمٍ وَغُرَابِ الْبَيْنِ وَالْأَبْقَعِ، (وَكَبَغْلٍ وَحِمَارٍ) وَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَفَهْدٍ، وَذِئْبٍ وَكَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ وَابْنِ آوَى وَدُبٍّ وَقِرْدٍ، وَسِمْعٍ: هُوَ وَلَدُ ضَبُعٍ مِنْ ذِئْبٍ، وَعِسْبَارُ: وَلَدُ ذِئْبَةٍ مِنْ ضِبْعَانٍ، (خِلَافًا " لِلْمُغْنِي ") ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي طَهَارَةُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى طَهَارَتِهِمَا بِرُكُوبِهِ.
ﷺ ، وَالْمَذْهَبُ نَجَاسَتُهُمَا إذَا كَانَا أَهْلِيَّيْنِ، وَأَمَّا مَا دُونَ ذَلِكَ فِي الْخِلْقَةِ فَهُوَ طَاهِرٌ كَالنِّمْسِ وَالنَّسْنَاسِ وَابْنِ عُرْسٍ وَالْقُنْفُذِ وَالْفَأْرِ.
(وَمَيْتَةُ) مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (كَضُفْدَعٍ وَحَيَّةٍ وَوَزَغٍ) نَجِسَةٌ، لِأَنَّ لَهَا نَفْسًا سَائِلَةً فَتُنَجَّسُ بِالْمَوْتِ، وَ (لَا) يُنَجَّسُ (سَمَكٌ وَجَرَادٌ وَمَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ) بِمَوْتٍ (وَيَتَّجِهُ) طَهَارَتُهُ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ دَمٌ بِقَطْعِ عُضْوِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الدَّمُ مُقَوِّمًا لِجَسَدِهِ (أَصَالَةً) ، أَيْ: مَوْجُودًا فِيهِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، لِأَنَّهُ يَسِيرٌ نَادِرٌ.
(لَا) إنْ كَانَ الدَّمُ وَنَحْوُهُ (كِسْبًا) كَمَا لَوْ انْغَمَسَ فِي دَمٍ أَوْ مَائِعٍ نَجِسٍ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ، فَمَيْتَةٌ نَجِسَةٌ بِلَا رَيْبٍ لِتَضَمُّخِهِ بِالنَّجَاسَةِ، وَمِثْلُهُ عَلَقٌ مَصَّ دَمًا لِوُجُودِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 231
وَاَلَّذِي لَا دَمَ لَهُ سَائِلَ: (كَذُبَابٍ وَبَقٍّ وَقَمْلٍ وَبَرَاغِيثَ وَخَنَافِسَ وَعَقَارِبَ وَصَرَاصِيرَ وَسَرَطَانٍ وَنَحْلٍ) وَعَنْكَبُوتٍ وَنَمْلٍ وَزُنْبُورٍ وَدُودٍ مِنْ طَاهِرٍ وَنَحْوِهَا؛ فَمَيْتَتُهُ طَاهِرَةٌ، لِحَدِيثِ «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَمْقُلْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي لَفْظٍ «فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ» وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ بَارِدٍ وَحَارٍّ وَدُهْنٍ مِمَّا يَمُوتُ الذُّبَابُ بِغَمْسِهِ فِيهِ، فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُهُ كَانَ آمِرًا بِإِفْسَادِهِ.
(وَ) لَا يَنْجُسُ (آدَمِيٌّ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ) كَأَطْرَافِهِ (وَمَشِيمَتِهِ) ، وَهِيَ: كِيسُ الْوَلَدِ، (وَلَوْ كَافِرًا) بِمَوْتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] وَلِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجَسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ " حَيًّا وَلَا مَيِّتًا.
(وَلَا يَنْجُسُ مَائِعٌ وَقَعَ فِيهِ) آدَمِيٌّ أَوْ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، (فَغَيْرُهُ) كَرِيقِهِ وَعَرَقِهِ وَبُصَاقِهِ وَمُخَاطِهِ، (وَعَلَقَةٌ وَلَوْ خُلِقَ مِنْهَا حَيَوَانٌ طَاهِرٌ كَآدَمِيٍّ) نَجِسَةٌ لِأَنَّهَا دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ.
(وَبَيْضَةٌ صَارَتْ دَمًا أَوْ مَذِرَةً) نَجِسَةٌ كَالْعَلَقَةِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
(وَلَبَنٌ وَمَنِيٌّ لِغَيْرِ مَأْكُولٍ) كَلَبَنِ هِرٍّ وَمَنِيِّهِ نَجِسٌ، (أَوْ) غَيْرِ (آدَمِيٍّ) ، أَمَّا لَبَنُ الْآدَمِيِّ وَمَنِيُّهُ فَطَاهِرٌ.
стр. 232
(وَلَوْ خَرَجَ) مَنِيُّهُ (بَعْدَ اسْتِجْمَارٍ) بِطَاهِرٍ فَلَا يَنْجُسُ مَا أَصَابَهُ مِنْ ثَوْبٍ وَغَيْرِهِ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " سَوَاءٌ كَانَ مِنْ احْتِلَامٍ أَوْ جِمَاعٍ.
مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ لَا يَجِبُ فِيهِ فَرْكٌ وَلَا غَسْلٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَخْرَجِ نَجَاسَةٌ فَالْمَنِيُّ نَجِسٌ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ".
(قَالَ) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيٌّ (ابْنُ عَقِيلٍ: غَيْرُ مَنِيِّ خَصِيٍّ) فَإِنَّهُ نَجِسٌ (لِاخْتِلَاطِهِ بِمَجْرَى بَوْلِهِ) فَيُغْسَلُ مَا أَصَابَهُ وُجُوبًا.
(وَعَرَقٌ وَرِيقٍ لِغَيْرِ طَاهِرٍ) نَجِسٌ (وَبَيْضٌ وَقَيْءٌ وَوَدْيٌ) لِغَيْرِ مَأْكُولٍ نَجِسٌ. وَهُوَ: مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ غَيْرُ لَزِجٍ، (وَمَذْيٌ) مِمَّا لَا يُؤْكَلُ نَجِسٌ. وَهُوَ: مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ لَزِجٌ كَمَاءِ السَّيْسَبَانِ يَخْرُجُ عِنْدَ مَبَادِئِ الشَّهْوَةِ وَالِانْتِشَارِ.
(وَبَوْلٌ وَغَائِطٍ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ كَخُطَّافٍ وَخُفَّاشٍ أَوْ مِنْ آدَمِيٍّ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ) - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، نَجِسٌ.
وَأَمَّا مِنْهُمْ فَطَاهِرٌ.
(أَوْ) كَانَ مَا ذَكَرَ مِنْ حَيَوَانٍ (أُكِلَ) لَحْمُهُ - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - فَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ، لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فِي الْإِبِلِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي، (وَ) أَمَّا إذَا كَانَ الْمَأْكُولُ (أَكْثَرُ عَلَفِهِ نَجَاسَةٌ) فَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ وَقَيْؤُهُ نَجِسٌ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "
(وَقَيْحٌ وَصَدِيدٌ وَمَاءُ قُرُوحٍ) نَجِسٌ (وَدَمٌ لِغَيْرِ سَمَكٍ وَبَقٍّ وَقَمْلٍ وَبَرَاغِيثَ وَذُبَابٍ) نَجِسٌ، وَأَمَّا مِنْ السَّمَكِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا يَسِيلُ دَمُهُ فَدَمُهُ طَاهِرٌ.
(وَمَا) يَبْقَى (فِي خِلَالِ لَحْمٍ مَأْكُولٍ) بَعْدَ ذَبْحِهِ (وَدَمُ عُرُوقِهِ، وَلَوْ غَلَبَتْ حُمْرَتُهُ) أَيْ حُمْرَةُ دَمٍ فِي خِلَالِ لَحْمٍ مَأْكُولٍ أَوْ عُرُوقِهِ (فِي الْقِدْرِ) - بِكَسْرِ الْقَافِ - فَإِنَّهُ طَاهِرٌ مُبَاحٌ (وَيُؤْكَلُ) تَبَعًا لِلَحْمٍ هُوَ مِنْهُ، وَلَوْ مَسَّهُ بِيَدِهِ فَظَهَرَ عَلَيْهَا، أَوْ مَسَحَهُ بِقُطْنَةٍ لَمْ يَنْجُسْ نَصًّا.
(وَ) غَيْرُ (دَمِ شَهِيدٍ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ طَاهِرٌ مَا دَامَ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ انْفَصَلَ عَنْهُ فَيَنْجُسُ.
(وَكَبِدٌ وَطِحَالٌ) مِنْ مَأْكُولٍ طَاهِرٌ، لِحَدِيثِ «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» .
(وَلَا يُعْفَى فِي غَيْرِ مَا يَأْتِي عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَةٍ، وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا طَرَفٌ) - أَيْ: بَصَرٌ - (كَمُتَعَلِّقٍ بِرِجْلِ ذُبَابٍ) ،
стр. 233
لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «أُمِرْنَا أَنْ نَغْسِلَ الْأَنْجَاسَ سَبْعًا» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ.
(وَيُعْفَى فِي غَيْرِ مَائِعٍ وَ) غَيْرِ (مَطْعُومٍ عَنْ يَسِيرٍ لَمْ يُنْقِضْ) الْوُضُوءَ خُرُوجُ قَدْرِهِ مِنْ الْبَدَنِ.
وَهُوَ مَا لَا يَفْحُشُ فِي النَّفْسِ (مِنْ قَيْحٍ وَصَدِيدٍ، وَمَاءِ قُرُوحٍ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ كَهِرٍّ) ، أَيْ: يُعْفَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ غَالِبًا لَا يَسْلَمُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ، وَأَمَّا الْمَائِعُ وَالْمَطْعُومُ فَلَا يُعْفَى فِيهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ.
(وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ يَسِيرِ (دَمٍ، وَلَوْ حَيْضًا وَنِفَاسًا وَاسْتِحَاضَةً) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ " مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إلَّا ثَوْبٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْهُ دَمٌ؛ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَمَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا " أَيْ: حَرَّكَتْهُ وَفَرَكَتْهُ، قَالَهُ فِي " النِّهَايَةِ "
وَ (لَا) يُعْفَى عَنْ يَسِيرٍ خَرَجَ (مِنْ سَبِيلٍ) ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ.
(وَيُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ بِثَوْبٍ) مِنْهُ دَمٌ وَنَحْوُهُ، فَإِنْ فَحَشَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، وَإِلَّا عُفِيَ عَنْهُ، وَ (لَا) يُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ فِي (أَكْثَرَ) مِنْ ثَوْبٍ بَلْ يُعْتَبَرُ مَا فِي كُلِّ ثَوْبٍ عَلَى حِدَتِهِ، لِأَنَّ أَحَدَهَا لَا يَتَّبِعُ الْآخَرَ، وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي شَيْءٍ صَفِيقٍ قَدْ نَفَذَتْ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَهِيَ نَجَاسَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ بَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ لَمْ يُصِبْهُ الدَّمُ فَهُمَا نَجَاسَتَانِ إذَا بَلَغَا لَوْ جَمَعَا قَدْرًا لَا يُعْفَى عَنْهُ، لَمْ يُعْفَ عَنْهَا كَجَانِبَيْ الثَّوْبِ.
(وَمَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ) كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ (عُفِيَ عَنْ أَثَرِ كَثِيرِهِ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ بَعْدَ مَسْحٍ) ، لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْمَسْحِ يَسِيرٌ، وَإِنْ كَثُرَ مَحَلُّهُ فَعُفِيَ عَنْهُ كَيَسِيرِ غَيْرِهِ.
(وَ) يُعْفَى (عَنْ أَثَرِ اسْتِجْمَارٍ بِمَحَلِّهِ) بَعْدَ الْإِنْقَاءِ وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ بِلَا خِلَافٍ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى مَحَلُّهُ إلَى الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، وَلَا يُرَدُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَنِيَّ الْمُسْتَجْمِرِ طَاهِرٌ، مَعَ أَنَّ أَثَرَ الِاسْتِجْمَارِ قَدْ تَعَدَّى مَحَلَّهُ بِسَبَبِ الْمَنِيِّ، لِأَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ
стр. 234
طِينِ الشَّارِعِ إذَا تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ لَا بِمَنْزِلَةِ النَّجَاسَةِ بِالْعَيْنِ إذَا تَعَدَّتْ إلَى غَيْرِهَا.
(وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (يَسِيرِ سَلَسِ بَوْلٍ مَعَ كَمَالِ تَحَفُّظٍ) لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ.
(وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (دُخَانِ نَجَاسَةٍ وَبُخَارِهَا وَغُبَارِهَا) .
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ وَلَوْ) كَانَ اخْتِلَاطُ مَا ذُكِرَ مِنْ الدُّخَّانِ وَالْبُخَارِ وَالْغُبَارِ (بِمَائِعٍ) لَمْ يُغَيِّرْهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (مَا لَمْ تَظْهَرْ لَهُ) - أَيْ: الدُّخَانِ وَنَحْوِهِ - (صِفَةٌ) فِي الشَّيْءِ الطَّاهِرِ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَا لَمْ يَتَكَاثَفْ.
(وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (يَسِيرِ مَائِعٍ تَنَجَّسَ) بِشَيْءٍ (مَعْفُوٍّ عَنْ يَسِيرِهِ) كَدَمٍ وَقَيْحٍ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتَيْهِ " وَعِبَارَتُهُ: وَعَنْ يَسِيرِ الْمَاءِ النَّجِسِ بِمَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ مِنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ، وَأَطْلَقَ الْمُنَقِّحُ الْقَوْلَ بِالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الْمَاءِ النَّجِسِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَنَجِّسَ، بَلْ وَكُلُّ مُتَنَجِّسٍ، حُكْمُهُ حُكْمُ نَجَاسَةٍ: فَإِنْ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهَا كَالدَّمِ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ، وَإِلَّا كَالْبَوْلِ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، لِأَنَّهُ فَرْعُهَا، وَالْفَرْعُ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ أَصْلِهِ.
(وَ) يُعْفَى أَيْضًا (عَنْ نَجَاسَةٍ بِعَيْنٍ) فَلَا يَجِبُ غَسْلُهَا لِلتَّضَرُّرِ بِهِ.
стр. 235
(وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا يُعْفَى عَنْ نَجَاسَةٍ دَاخِلَ (أُذُنٍ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّضَرُّرِ أَيْضًا،
وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) يُعْفَى أَيْضًا (عَنْ حَمْلِ كَثِيرِهَا) - أَيْ: النَّجَاسَةِ - (فِي صَلَاةِ خَوْفٍ) لِلضَّرُورَةِ.
(وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (يَسِيرِ طِينِ شَارِعٍ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ) لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ تُرَابٌ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَإِنْ هَبَّتْ رِيحٌ فَأَصَابَ شَيْئًا رَطْبًا غُبَارٌ نَجِسٌ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ.
(وَعَرَقٌ وَرِيقٍ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ) مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِ مَأْكُولٍ (طَاهِرٌ، وَبَلْغَمٌ) مِنْ صَدْرٍ أَوْ رَأْسٍ أَوْ مَعِدَةٍ طَاهِرٌ (وَلَوْ ازْرَقَّ) - بِتَشْدِيدِ الْقَافِ - لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى النُّخَامَةَ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ ، فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا» وَوَصَفَهُ الْقَاسِمُ: فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.
وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمَا أَمَرَ بِمَسْحِهَا فِي ثَوْبِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا تَحْتَ قَدَمِهِ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَنَجَّسَ الْفَمَ، وَلِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ مِنْ الْأَبْخِرَةِ أَشْبَهَ الْمُخَاطَ.
(وَرُطُوبَةُ فَرْجِ آدَمِيَّةٍ) طَاهِرَةٌ، لِأَنَّ الْمَنِيَّ طَاهِرٌ وَلَوْ عَنْ جِمَاعٍ، فَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَكَانَ نَجِسًا لِخُرُوجِهِ مِنْهُ.
(وَسَائِلٌ مِنْ فَمِ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى كَبِيرٌ أَوْ صَغِيرٌ (وَقْتَ نَوْمٍ) طَاهِرٌ كَالْبُصَاقِ.
(وَدُودُ قَزٍّ) وَبِزْرُهُ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ.
(وَطِينُ شَارِعٍ ظُنَّتْ نَجَاسَتُهُ) وَتُرَابُهُ طَاهِرٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ.
(وَمِسْكٌ وَفَأْرَتُهُ) طَاهِرَانِ، وَهُوَ سُرَّةُ الْغَزَالِ وَانْفِصَالُهُ بِطَبْعِهِ كَالْجَنِينِ.
(وَكَذَا زَبَادٌ) طَاهِرٌ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ جَزَمَ بِنَجَاسَتِهِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي
стр. 236
الْفُرُوعِ " طَهَارَتُهُ، (لِأَنَّهُ عِرْقُ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ) .
قَالَ الشَّرِيفُ الْإِدْرِيسِيُّ: الزَّبَادُ: نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ يُجْمَعُ مِنْ بَيْنِ أَفْخَاذِ حَيَوَانٍ مَعْرُوفٍ يَكُونُ بِالصَّحْرَاءِ، وَيُصَادُ وَيُطْعَمُ اللَّحْمَ، ثُمَّ يَعْرَقُ فَيَكُونُ مِنْ عِرْقٍ بَيْنَ فَخِذَيْهِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ الْهِرِّ الْأَهْلِيِّ.
انْتَهَى.
وَالْعَنْبَرُ طَاهِرٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعَنْبَرُ مِنْ الطِّيبِ رَوْثُ دَابَّةٍ بَحْرِيَّةٍ أَوْ نَبْعُ عَيْنٍ فِيهِ وَيُؤَنَّثُ.
(وَلَا يُكْرَهُ سُؤْرُ) حَيَوَانٍ (طَاهِرٍ وَلَوْ حَائِضًا وَهُوَ) - أَيْ: السُّؤْرُ -: (فَضْلُ طَعَامِهِ) - أَيْ: الْحَيَوَانِ - (وَشَرَابِهِ، غَيْرَ دَجَاجَةٍ مُخَلَّاةٍ) غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ، فَيُكْرَهُ سُؤْرُهَا احْتِيَاطًا، (قِيلَ: وَ) غَيْرُ سُؤْرِ (فَأْرٍ، لِأَنَّهُ يُورِثُ النِّسْيَانَ) فَيُكْرَهُ تَنَاوُلُهُ لِذَلِكَ.
(وَلَا يُكْرَهُ نَحْوُ) (عَجْنٍ وَ) لَا (طَبْخٍ مِنْ حَائِضٍ) وَنُفَسَاءَ (وَلَا وَضْعُ يَدِهَا فِي مَائِعٍ) لِطَهَارَةِ بَدَنِهَا.
(وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ هِرٌّ وَنَحْوُهُ) كَنِمْسٍ وَفَأْرٍ وَقُنْفُذٍ وَدَجَاجَةٍ وَبَهِيمَةٍ نَجَاسَةً فَلُعَابُهُ طَاهِرٌ، لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْهِرِّ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» مُشَبِّهًا بِالْخَدَمِ أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] وَلِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا كَحَشَرَاتِ الْأَرْضِ كَالْحَيَّةِ، قَالَ الْقَاضِي: فَطَهَارَتُهَا مِنْ النَّصِّ وَمِثْلُهَا وَمَا دُونَهَا مِنْ التَّعْلِيلِ.
(أَوْ) أَكَلَ (طِفْلٌ نَجَاسَةً فَلُعَابُهُ طَاهِرٌ ثُمَّ شَرِبَ) الْهِرُّ وَنَحْوُهُ مِمَّا دُونَهُ فِي الْخِلْقَةِ أَوْ الطِّفْلُ (وَلَوْ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ) بَعْدَ أَكْلِ النَّجَاسَةِ (مِنْ مَائِعٍ) أَوْ مَاءٍ (يَسِيرٍ) لَمْ يُؤَثِّرْ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، (أَوْ وَقَعَ فِيهِ) - أَيْ: الْمَاءِ - الْيَسِيرِ، أَوْ مَائِعٍ غَيْرِهِ (هِرٌّ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَنْضَمُّ دُبُرُهُ إذَا وَقَعَ) فِي مَائِعٍ، (وَخَرَجَ حَيًّا لَمْ يُؤَثِّرْ) ، لِعَدَمِ وُصُولِ نَجَاسَةٍ إلَيْهِ، (وَكَذَا) لَوْ وَقَعَ (فِي جَامِدٍ) وَخَرَجَ حَيًّا لَمْ يُؤَثِّرْ.
(وَهُوَ) - أَيْ: الْجَامِدُ - (مَا يُمْنَعُ انْتِقَالُهَا) - أَيْ: النَّجَاسَةِ - فِيهِ لِكَثَافَتِهِ.
стр. 237
(وَإِنْ مَاتَ) حَيَوَانٌ يَنْجُسُ بِمَوْتٍ (أَوْ وَقَعَ مَيِّتًا رَطْبًا فِي دَقِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَسَمْنٍ جَامِدٍ (أُلْقِيَ) الْمَيِّتُ (وَمَا حَوْلَهُ) مِنْ دَقِيقٍ أَوْ نَحْوِهِ لِمُلَاقَاتِهِ النَّجَاسَةَ وَاسْتُعْمِلَ الْبَاقِي.
(وَإِنْ اخْتَلَطَ) النَّجِسُ بِغَيْرِهِ (وَلَمْ يَنْضَبِطْ حَرُمَ) الْكُلُّ تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَائِعًا لِلْخَبَرِ.
[بَابُ الْحَيْضِ]
(بَابُ الْحَيْضِ) لُغَةً: السَّيَلَانُ، مَصْدَرُ: حَاضَ، مَأْخُوذٌ مِنْ حَاضَ الْوَادِي: إذَا سَالَ، وَحَاضَتْ الشَّجَرَةُ: إذَا سَالَ مِنْهَا شِبْهُ الدَّمِ، وَهُوَ: الصَّمْغُ الْأَحْمَرُ، وَتَحَيَّضَتْ: قَعَدَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا عَنْ نَحْوِ صَلَاةٍ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ: الطَّمْثُ وَالْعِرَاكُ وَالضَّحِكُ وَالْإِعْصَارُ وَالْإِكْبَارُ وَالنِّفَاسُ وَالدِّرَاسُ، وَاسْتُحِيضَتْ الْمَرْأَةُ: اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا وَيُتَصَوَّرُ وُجُودُ شِبْهِ الْحَيْضِ مِنْهُ سَبْعٍ سِوَى الْمَرْأَةِ، وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
إنَّ (الْإِنَاثَ) اللَّوَاتِي حِضْنَ قَدْ جُمِعَتْ ... فِي بَيْتِ شِعْرٍ فَكُنْ مِمَّنْ لَهُنَّ يَعِي
(فَ) فَأْرَةٌ، نَاقَةٌ، مَعَ أَرْنَبٍ، وَزَغٌ ... وَحُجْرَةُ كَلْبَةٍ، خُفَّاشٌ، مَعَ ضَبُعِ
وَشَرْعًا: (دَمُ طَبِيعَةٍ وَجِبِلَّةٍ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا، أَيْ: سَجِيَّةٍ وَخِلْقَةٍ، جَبَلَ اللَّهُ بَنَاتَ آدَمَ عَلَيْهَا، (يَخْرُجُ مَعَ صِحَّةٍ) بِخِلَافِ الِاسْتِحَاضَةِ (مِنْ غَيْرِ سَبَبِ وِلَادَةٍ) خَرَجَ النِّفَاسُ (مِنْ قَعْرِ رَحِمٍ) - أَيْ: بَيْتِ مَنْبَتِ الْوَلَدِ وَوِعَائِهِ، (يَعْتَادُ أُنْثَى إذَا بَلَغَتْ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ) ، وَلَيْسَ بِدَمِ فَسَادٍ بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ لِحِكْمَةِ غِذَاءِ الْوَلَدِ وَتَرْبِيَتِهِ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا، فَإِذَا حَمَلَتْ انْصَرَفَ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى غِذَائِهِ، وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ، فَإِذَا وَضَعَتْ قَلَبَهُ اللَّهُ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ، وَلِذَلِكَ قَلَّ مَا تَحِيضُ الْمُرْضِعُ فَإِذَا خَلَتْ مِنْهُمَا بَقِيَ الدَّمُ لَا مَصْرِفَ لَهُ، فَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَان، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَيَقِلُّ وَيَطُولُ شَهْرُهَا وَيَقْصُرُ بِحَسَبِ مَا رَكَّبَهُ اللَّهُ فِي الطِّبَاعِ، وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِرِّ الْأُمِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَبِبِرِّ الْأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
стр. 238
وَالْأَصْلُ فِي الْحَيْضِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الْآيَةَ وَالسُّنَّةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْحَيْضُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: حَدِيثُ فَاطِمَةَ.
وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَحَمْنَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أُمِّ سَلَمَةَ مَكَانَ أُمِّ حَبِيبَةَ.
(وَالِاسْتِحَاضَةُ سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ) الْمُعْتَادِ (مِنْ مَرَضٍ وَفَسَادٍ مِنْ عِرْقٍ فَمُهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ يُسَمَّى: الْعَاذِلَ) : بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَالْعَاذِرُ: لُغَةً فِيهِ، حَكَاهُمَا ابْنُ سِيدَهْ. يُقَالُ: اُسْتُحِيضَتْ الْمَرْأَةُ: اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ.
(وَيَأْتِي) الْكَلَامُ عَلَى (النِّفَاسِ) مُسْتَوْفًى.
(وَيَمْتَنِعُ بِحَيْضٍ اثْنَا عَشَرَ) شَيْئًا: أَحَدُهَا: (غُسْلٌ لَهُ) ، فَلَا يَصِحُّ لِقِيَامِ مُوجِبِهِ، وَ (لَا) يُمْنَعُ الْغُسْلُ (لِجَنَابَةٍ وَنَحْوِ إحْرَامٍ بَلْ يُسَنُّ) الْغُسْلُ لِذَلِكَ تَخْفِيفًا لِلْحَدَثِ.
(وَ) الثَّانِي: (وُضُوءٌ) ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ انْقِطَاعَ مَا يُوجِبُهُ، وَتَقَدَّمَ.
(وَ) الثَّالِثُ: (وُجُوبُ صَلَاةٍ) إجْمَاعًا فَلَا تَقْضِيهَا إجْمَاعًا، قِيلَ لِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: فَإِنْ أَحَبَّتْ أَنْ تَقْضِيَهَا؟ قَالَ: لَا هَذَا خِلَافٌ، أَيْ: بِدْعَةٌ وَتَفْعَلُ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ إذَا طَهُرَتْ لِأَنَّهَا نُسُكٌ لَا آخَرَ لِوَقْتِهِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " بِمَعْنَاهُ.
(وَ) الرَّابِعُ: امْتِنَاعُ (فِعْلِهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - وَلَوْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ لِمُسْتَمِعَةٍ، لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِهَا.
(وَ) الْخَامِسُ: (فِعْلُ طَوَافٍ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ «غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَوُجُوبُهُ بَاقٍ فَتَفْعَلُهُ إذَا طَهُرَتْ إذًا لِأَنَّهُ لَا آخَرَ لِوَقْتِهِ وَيَسْقُطُ عَنْهَا وُجُوبُ طَوَافٍ وَوَدَاعٍ كَمَا يَأْتِي.
(وَ) السَّادِسُ: فِعْلُ (صَوْمٍ) إجْمَاعًا، لِقَوْلِهِ ﷺ «أَلَيْسَتْ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى يَا رَسُولَ
стр. 239
اللَّهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلَا يَمْنَعُ الْحَيْضُ وُجُوبَ صَوْمٍ فَتَقْضِيهِ إجْمَاعًا، لِحَدِيثِ مُعَاذَةَ قَالَتْ: «سَأَلْت عَائِشَةَ فَقُلْت: مَا بَالُ الْحَائِضُ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْت: لَسْت بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ، فَقَالَتْ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَضَاؤُهُ بِالْأَمْرِ السَّابِقِ لَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
(وَ) السَّابِعُ: (مَسُّ الْمُصْحَفِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] .
(وَ) الثَّامِنُ: (قِرَاءَةُ قُرْآنٍ) مُطْلَقًا خَافَتْ نِسْيَانَهُ أَوْ لَا، لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (إذَا ظَنَّتْ نِسْيَانَهُ وَجَبَتْ) عَلَيْهَا الْقِرَاءَةُ.
وَاخْتَارَهُ فِي " الْفَائِقِ " وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
(وَ) : (لُبْثٌ بِمَسْجِدٍ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا أُحِلَّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا لِجُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَلَوْ) كَانَ اللُّبْثُ (بِوُضُوءٍ) وَمَعَ أَمْنِ التَّلَوُّثِ فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا، وَ (لَا) يَمْنَعُ الْحَيْضُ الـ (مُرُورَ) بِالْمَسْجِدِ (مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثٍ) نَصًّا، فَإِنْ لَمْ تَأْمَنْهُ مُنِعَتْ.
(وَ) الْعَاشِرُ: (وَطْءٌ فِي فَرْجٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الْآيَةَ، وَهُوَ: مَوْضِعُ الْحَيْضِ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
وَإِنْ أَرَادَ وَطْأَهَا فَادَّعَتْهُ قُبِلَ مِنْهَا نَصًّا إنْ أَمْكَنَ كَطُهْرِهَا، (إلَّا لِمَنْ بِهِ شَبَقٌ) - مَرَضٌ مَعْرُوفٌ - فَيُبَاحُ لَهُ الْوَطْءُ فِي الْحَيْضِ إنْ خَافَ تَشَقُّقَ أُنْثَيَيْهِ إنْ لَمْ يَطَأْ، (وَلَا تَنْدَفِعُ شَهْوَتُهُ بِدُونِ وَطْءٍ فِي فَرْجٍ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى مَهْرِ حُرَّةٍ أَوْ ثَمَنِ أَمَةٍ) وَلَا يَجِدُ غَيْرَ الْحَائِضِ.
(وَيَتَّجِهُ: أَوْ خَوْفَ عَنَتٍ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا) بِأَنْ لَمْ تَنْدَفِعْ الشَّهْوَةُ بِدُونِ
стр. 240
إيلَاجٍ فِي فَرْجِهَا، فَيُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ إزَالَةً لِلضَّرَرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ: (سُنَّةُ طَلَاقٍ) ، لِأَنَّهُ فِي الْحَيْضِ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ، كَمَا يَأْتِي مُوَضَّحًا فِي بَابِهِ، (مَا لَمْ تَسْأَلْهُ) - أَيْ: الْحَائِضُ - (خُلْعًا أَوْ طَلَاقًا) فَيُبَاحُ لَهُ إجَابَتُهَا، لِأَنَّ الْمَنْعَ لِتَضَرُّرِهَا بِطُولِ الْعِدَّةِ، وَمَعَ سُؤَالِهَا قَدْ أَدْخَلَتْ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ سُؤَالُهَا الزَّوْجَ الْخُلْعَ أَوْ الطَّلَاقَ (بِلَا عِوَضٍ، خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " - حَيْثُ قَيَّدَا سُؤَالَهَا بِالْعِوَضِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَلَعَلَّ اعْتِبَارَ الْعِوَضِ لِأَنَّهَا قَدْ تُظْهِرُ خِلَافَ مَا تُبْطِنُ، فَبَذْلُ الْعِوَضِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، (كَمَا يَأْتِي) فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مُفَصَّلًا.
(وَالْعِلَّةُ) الَّتِي ذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ: أَنَّ حُرْمَةَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ لِحَقِّهَا، فَأُبِيحَ الطَّلَاقُ بِسُؤَالِهَا مُطْلَقًا بِعِوَضٍ وَبِدُونِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّهَا أَدْخَلَتْ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا بِسُؤَالِهَا ذَلِكَ (تَقْتَضِيهِ) ، أَيْ: تَقْتَضِي جَوَازَ الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ بِسُؤَالِهَا ذَلِكَ بِعِوَضٍ وَبِدُونِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 241
(وَ) الثَّانِي عَشَرَ (اعْتِدَادٌ بِأَشْهُرٍ) ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَحِيضُ لَا تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ بَلْ بِالْحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ بِالْقُرُوءِ، وَلِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤] الْآيَةَ.
(إلَّا) الِاعْتِدَادُ (لِوَفَاةٍ) فَبِالْأَشْهُرِ إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَلَوْ أَنَّهَا تَحِيضُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] .
(وَيَجِبُ بِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ (خَمْسَةُ) أَشْيَاءَ: (غُسْلٌ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يَجِبُ بِهِ (بُلُوغٌ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
فَأَوْجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَتِرَ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ حَصَلَ بِهِ.
(وَ) يَجِبُ عَلَى حَائِضٍ (اعْتِدَادٌ) بِالْحَيْضِ (إلَّا لِوَفَاةٍ) ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.
(وَ) يَجِبُ (الْحُكْمُ بِبَرَاءَةِ رَحِمٍ فِي اعْتِدَادٍ) بِهِ، إذْ الْعِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةُ الْعِدَّةِ فِي الْأَصْلِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، (وَ) يَجِبُ الْحُكْمُ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي (اسْتِبْرَاءِ) الْإِمَاءِ، إذْ فَائِدَتُهُ ذَلِكَ (وَ) تَجِبُ (كَفَّارَةٌ بِوَطْءٍ فِيهِ) - أَيْ: فِي الْحَيْضِ - قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: قَدْ يُقَالُ الْمُوجِبُ الْوَطْءُ وَالْحَيْضُ شَرْطٌ كَمَا قَالُوا فِي الزِّنَا إنَّهُ مُوجِبٌ.
وَالْإِحْصَانُ شَرْطٌ، وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ.
(وَنِفَاسٌ مِثْلُهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (فِي كُلِّ مَا مَرَّ) مِمَّا يَمْنَعُهُ وَيُوجِبُهُ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ اُحْتُبِسَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ، (إلَّا فِي) ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ (اعْتِدَادٌ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْءٍ، فَلَا تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ.
(وَوُجُوبُ بُلُوغٍ، لِحُصُولِهِ بِ) إنْزَالٍ سَابِقٍ: لِ (حَمْلٍ
стр. 242
وَعَدَمُ احْتِسَابٍ بِهِ فِي مُدَّةِ إيلَاءٍ) ، أَيْ: الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ الَّتِي تُضْرَبُ لِلْمُولِي لِطُولِ مُدَّتِهِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ.
(وَلَا يُبَاحُ قَبْلَ غُسْلٍ أَوْ تَيَمُّمٍ بِانْقِطَاعِ دَمِ) حَيْضٍ (غَيْرِ صَوْمٍ) ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ فِعْلَهُ كَالْجَنَابَةِ، (وَ) غَيْرِ (طَلَاقٍ) ، لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ، (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ (لُبْثٌ بِمَسْجِدٍ بِوُضُوءٍ) ، وَتَقَدَّمَ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ) زَوْجٌ وَسَيِّدٌ (مِنْ حَائِضٍ) زَمَنَ حَيْضٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) مِنْ (نُفَسَاءَ) كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِدُونِ فَرْجٍ) مِمَّا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا، لِمَا " رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيْ: اعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ وَلِأَنَّ الْمَحِيضَ اسْمٌ لِمَكَانِ الْحَيْضِ، كَالْمَقِيلِ وَالْمَبِيتِ، فَيَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ " إلَّا الْجِمَاعَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَحِلُّ مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ، وَالْمَنْطُوقُ رَاجِحٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ «إنَّهُ كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَتَّزِرَ فَيُبَاشِرَنِي وَأَنَا حَائِضٌ» فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَيْضًا لِلتَّحْرِيمِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحِ تَعَذُّرًا، كَتَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ.
(وَيُسَنُّ سَتْرُهُ) - أَيْ: الْفَرْجِ - (إذَنْ) أَيْ: حِينِ اسْتِمْتَاعِهِ بِمَا دُونَهُ، لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا خِرْقَةً» رَوَاهُ
стр. 243
أَبُو دَاوُد.
(فَإِنْ) (أَوْلَجَ) مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ (الْحَشَفَةَ أَوْ قَدْرَهَا) مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي فَرْجِ حَائِضٍ (قَبْلَ انْقِطَاعِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ - (أَوْ حَاضَتْ) مُجَامَعَةً (فِي أَثْنَاءِ وَطْءِ مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ) وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ (وَلَوْ بِحَائِلٍ) لَفَّهُ عَلَى ذَكَرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) سَوَاءٌ كَانَ إيلَاجُهُ بِمَنْ تُبَاحُ لَهُ أَوْ بِشُبْهَةٍ (أَوْ زِنًى) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْمُولِجِ - (كَفَّارَةُ دِينَارٍ، زِنَتُهُ مِثْقَالٌ خَالٍ مِنْ غِشٍّ أَوْ نِصْفُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَتَخَيُّرُهُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنِصْفِهِ كَتَخْيِيرِ الْمُسَافِرِ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ.
(أَوْ قِيمَتُهُ مِنْ فِضَّةٍ لَا) مِنْ (غَيْرِهَا) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ جَامَعَ طَاهِرًا فَحَاضَتْ، فَنَزَعَ فِي الْحَالِ، لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمُولِجُ (مُكْرَهًا) ، لِأَنَّ الْإِيلَاجَ لَا يَتَأَتَّى مَعَ الْإِكْرَاهِ.
(وَيَتَّجِهُ مَا لَمْ) (يُدْخِلْهُ) - أَيْ: ذَكَرَهُ - بِأُصْبُعِهِ (إذَنْ) أَيْ: حَالَ الْإِكْرَاهِ (بِلَا انْتِشَارٍ) فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ مُكْرَهٌ، وَالْمُكْرَهُ غَيْرُ آثِمٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 244
(أَوْ) كَانَ (نَاسِيًا) الْحَيْضَ.
(أَوْ) كَانَ (جَاهِلَ حَيْضٍ وَتَحْرِيمٍ) ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ.
وَكَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ، (وَكَذَا هِيَ) ، أَيْ: وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْكَفَّارَةِ قِيَاسًا عَلَيْهِ (إنْ طَاوَعَتْهُ) عَلَى الْوَطْءِ فَإِنْ أَكْرَهَهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وَقِيَاسُهُ لَوْ كَانَتْ نَاسِيَةً أَوْ جَاهِلَةً.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى وَاطِئٍ وَمَوْطُوءٍ اخْتِيَارًا، (وَلَوْ) كَانَا (قِنَّيْنِ) لِتَكْلِيفِهِمَا بِالْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ، فَتَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ بِرَقَبَتِهِمَا يُؤَدِّيَانِهَا بَعْدَ عِتْقِهِمَا، مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمَا السَّيِّدُ بِالتَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ، (فَإِنْ) أَذِنَ لَهُمَا، وَأَجْزَأَهُمَا، (وَلَا يُعَزَّرَانِ لِوُجُوبِهَا) - أَيْ: الْكَفَّارَةِ - عَلَيْهِمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتَسْقُطُ) الْكَفَّارَةُ (بِعَجْزٍ) عَنْهَا، كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ فَكَالصَّوْمِ، فَلَوْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ ثُمَّ فِي آخَرَ وَلَمْ يُكَفِّرْ، لَزِمَتْهُ ثَانِيَةٌ، كَمَنْ أَعَادَ فِي يَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ كَفَّرَ.
(وَمَصْرِفُهَا) - أَيْ: هَذِهِ الْكَفَّارَةِ - (كَغَيْرِهَا) مِنْ بَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ، أَيْ: لِمَنْ لَهُ أَخْذُ زَكَاةٍ لِحَاجَتِهِ، (وَتُجْزِئُ لِمِسْكِينٍ) وَاحِدٍ (كَنَذْرِ مُطْلَقٍ) ، أَيْ: كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَنْ يَتَصَدَّقُ
стр. 245
عَلَيْهِ.
(وَوَطْءُ حَائِضٍ) فِي فَرْجِهَا (كَبِيرَةٌ،) (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) وَأَمَّا فِي " الشَّهَادَاتِ " فَإِنَّهُ عَدَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ.
(وَلَا كَفَّارَةَ بِوَطْءِ) حَائِضٍ (بَعْدَ انْقِطَاعِ) الدَّمِ (وَقَبْلَ غُسْلِهَا) مِنْهُ، لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ «وَهِيَ حَائِضٌ» وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِحَائِضٍ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا كَفَّارَةَ (بِوَطْءِ) الْحَائِضِ (فِي دُبُرِهَا) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.
[فَرْعٌ أَرَادَ وَطْأَهَا فَادَّعَتْ حَيْضًا وَأَمْكَنَ]
(فَرْعٌ: لَوْ أَرَادَ وَطْأَهَا فَادَّعَتْ حَيْضًا وَأَمْكَنَ) بِأَنْ كَانَتْ فِي سِنٍّ يَتَأَتَّى فِيهِ الْحَيْضُ (قُبِلَ) قَوْلُهَا (نَصًّا لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ) فَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْهَا.
(وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا) - أَيْ: الْعُلَمَاءُ - (عَلَى قَبُولِ) (قَوْلِ الْمَرْأَةِ) - أَيْ: الْمَاشِطَةِ وَنَحْوِهَا - (تَزِفُّ الْعَرُوسَ إلَى زَوْجِهَا فَتَقُولُ: هَذِهِ زَوْجَتُك) ، وَعَلَى اسْتِبَاحَةِ وَطْئِهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ، (وَ) عَلَى تَصْدِيقِ مَنْ أُرِيدَ وَطْؤُهَا (فِي قَوْلِهَا: أَنَا حَائِضٌ، أَوْ) قَوْلُهَا: (قَدْ طَهُرْت) ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا.
[فَصْلٌ سِنُّ الْحَيْضِ وَقَدْره]
(فَصْلٌ) (وَأَقَلُّ سِنِّ حَيْضٍ) ، أَيْ: سِنُّ امْرَأَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَحِيضَ: (تَمَامُ تِسْعِ سِنِينَ) تَحْدِيدًا لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ قَبْلَ هَذَا السِّنِّ، وَلِأَنَّهُ خُلِقَ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، وَهَذِهِ لَا تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، فَلَا تُوجَدُ فِيهَا حِكْمَتُهُ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ " إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ " وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَالْمُرَادُ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ، فَمَتَى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا وَبِبُلُوغِهَا.
وَإِنْ رَأَتْهُ قَبْلَ.
هَذَا السِّنِّ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا.
(وَأَكْثَرُهُ) ، أَيْ: أَكْثَرُ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ النِّسَاءُ: (خَمْسُونَ سَنَةً) ، هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " " وَالْمَذْهَبِ " " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " " وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ " " وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ "
стр. 246
وَالْهَادِي " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالتَّرْغِيبِ " " وَنَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ " " وَالْإِفَادَاتِ " " وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ " وَهُوَ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: هُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ.
قَالَ فِي " الْبُلْغَةِ " هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ " قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ " إذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ " وَعَنْهَا أَيْضًا " لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ " رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّالَنْجِيُّ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِنَّ.
لِاسْتِوَائِهِنَّ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) ، أَيْ: سِنِّ الْحَيْضِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
(وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ: لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ الْقَاضِي فَجَعَلَ الْحَيْضَ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ، وَقَالَ ﵊ فِي حَقِّ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ «لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» فَجَعَلَ الْحَمْلَ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ كَالطُّهْرِ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
(فَلَا يَثْبُتُ لَهَا) - أَيْ: الْحَامِلِ - (وَلَا لِمَنْ جَاوَزَتْ خَمْسِينَ سَنَةً حُكْمُ حَائِضٍ) وَلَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ حَيْضُهَا عَنْ عَادَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تَرَاهُ فِيهَا، فَلَا تَتْرُكُ الْعِبَادَةَ (بِدَمٍ تَرَاهُ) ، لِأَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ لَا حَيْضٍ، وَلَا يُمْنَعُ زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا وَطْأَهَا.
قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ ": إنْ خَافَ الْعَنَتَ، أَيْ: مِنْهُ أَوْ مِنْهَا، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ نِفَاسٌ، وَيَأْتِي.
وَتَغْتَسِلُ الْحَامِلُ إذَا رَأَتْ دَمًا عِنْدَ انْقِطَاعِهِ نَصًّا اسْتِحْبَابًا لِلِاحْتِيَاطِ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(وَأَقَلُّ حَيْضٍ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّهُ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحَرْزِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا، وَلَمْ يُوجَدْ أَقَلُّ مِنْهُ، قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْت مَنْ
стр. 247
تَحِيضُ يَوْمًا لَا تَزِيدُهُ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْدِيُّ: كَانَ فِي نِسَائِنَا مَنْ تَحِيضُ، أَيْ: بِلَيْلَتِهِ، لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ الْيَوْمِ، وَالْمُرَادُ مِقْدَارُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَيْ: أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً، (فَلَوْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (لِأَقَلَّ) مِنْ يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ، (فَ) لَيْسَ بِحَيْضٍ، بَلْ هُوَ (دَمُ فَسَادٍ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَأَكْثَرُهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهِنَّ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ " مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ " وَأَقَلُّ الْحَيْضِ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْت مَنْ تَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي سُنَنِهِ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ، قِيلَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟ ، قَالَ: تَمْكُثُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمُرِهَا لَا تُصَلِّي» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: لَا يَثْبُتُ هَذَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلِهَذَا قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّى أَنَّهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(وَغَالِبُهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ (سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ لَمَّا سَأَلَتْهُ «تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُك وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَاهُ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا) ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: قُلْ فِيهَا، فَقَالَ شُرَيْحٌ: إنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ
стр. 248
يُرْجَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ، وَإِلَّا: فَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قالون " - أَيْ: جَيِّدٌ بِالرُّومِيَّةِ - وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا، وَهُوَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ اشْتَهَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، وَوُجُودُ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ صَحِيحٌ يَقِينًا، قَالَ أَحْمَدُ: لَا نَخْتَلِفُ أَنَّ الْعِدَّةَ يَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرٍ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ.
(وَأَقَلُّهُ) - أَيْ: الطُّهْرِ - (بِزَمَنِ حَيْضٍ) - أَيْ: فِي أَثْنَائِهِ - (حُصُولُ نَقَاءٍ خَالِصٍ بِأَنْ لَا تَتَغَيَّرَ قُطْنَةٌ احْتَشَتْ بِهَا) ، طَالَ زَمَنُهُ أَوْ قَصُرَ، (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) ، أَيْ: مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا وَاغْتَسَلَتْ، (زَمَنَهُ) ، أَيْ: زَمَنَ طُهْرِهَا فِي أَثْنَاءِ حَيْضِهَا، لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا انْقَطَعَ وَاغْتَسَلَتْ فَقَدْ زَالَ الْأَذَى.
(وَغَالِبُهُ) - أَيْ: الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ - (بَقِيَّةُ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ) بَعْدَ مَا حَاضَتْهُ مِنْهُ إذْ الْغَالِبُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، فَمَنْ تَحِيضُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً مِنْ الشَّهْرِ، فَغَالِبُ طُهْرِهَا: أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا.
(وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) - أَيْ: الطُّهْرِ - لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُهُ شَرْعًا.
وَمِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ الشَّهْرَ وَالثَّلَاثَ وَالسِّتَّةَ فَأَكْثَرَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا.
[فَرْعٌ أَحَبَّتْ حَائِضٌ قَضَاءَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَرَكَتْهَا أَيَّامَ حَيْضِهَا]
(فَرْعٌ: لَوْ أَحَبَّتْ حَائِضٌ قَضَاءَ الصَّلَاةِ) الَّتِي تَرَكَتْهَا أَيَّامَ حَيْضِهَا: (فَظَاهِرُ نَقْلِ الْأَثْرَمُ) عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (الْمَنْعُ) مِنْ الْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ.
[فَصْلٌ الْمُبْتَدَأَةُ بِدَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ]
(فَصْلٌ) (وَالْمُبْتَدَأَةُ بِدَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ) ، أَيْ: الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ (تَجْلِسُ) ، أَيْ: تَدَعُ نَحْوَ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ
стр. 249
وَقِرَاءَةٍ وَطَوَافٍ (بِمُجَرَّدِ مَا تَرَاهُ) ، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ دَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ، لِأَنَّ الْحَيْضَ جِبِلَّةٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْفَسَادِ فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ بُلُوغِ أَقَلِّ الْحَيْضِ لَمْ يَجِبْ لَهُ غُسْلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا، وَإِلَّا جَلَسَتْ (أَقَلَّهُ) : يَوْمًا وَلَيْلَةً، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ، وَمَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا نُسْقِطُهَا بِالشَّكِّ، وَلَوْ لَمْ نُجْلِسْهَا الْأَقَلَّ لَأَدَّى إلَى عَدَمِ جُلُوسِهَا أَصْلًا.
(وَيَتَّجِهُ) بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ (أَنَّهُ) - أَيْ: الْأَقَلُّ (حَيْضٌ) فَلَا تُعِيدُ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْهُ نَحْوَ صَلَاةٍ تَرَكَتْهَا زَمَنَهُ، لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَيْضٌ (وَلَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (بِخِلَافِ مَا زَادَ) عَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِهِ إذْ لَا يَكُونُ حَيْضًا إلَّا بِتَكَرُّرِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(ثُمَّ تَغْتَسِلُ) بَعْدَهُ سَوَاءٌ انْقَطَعَ لِذَلِكَ أَوْ لَا، (وَتُصَلِّي وَنَحْوَهُ) ، أَيْ: تَصُومُ وَتَطُوفُ، لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّهِ يَحْتَمِلُ الِاسْتِحَاضَةَ، فَلَا تَتْرُكُ الْوَاجِبَ بِالشَّكِّ وَلَا تُصَلِّي قَبْلَ الْغُسْلِ لِوُجُوبِهِ لِلْحَيْضِ.
(فَإِذَا) جَاوَزَ الدَّمُ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثُمَّ (انْقَطَعَ وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - بِأَنْ انْقَطَعَ لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ، (اغْتَسَلَتْ أَيْضًا) وُجُوبًا لِصَلَاحِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، تَفْعَلُهُ، أَيْ: مَا ذُكِرَ، وَهُوَ: جُلُوسُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَغُسْلُهَا عِنْدَ آخِرِهَا، وَغُسْلُهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، (تَفْعَلُهُ ثَلَاثًا) - أَيْ: فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ - لِقَوْلِهِ ﷺ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك» وَهِيَ صِيغَةُ جَمْعٍ.
وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ، (فَلَا تَثْبُتُ عَادَةٌ بِدُونِهَا) - أَيْ: الثَّلَاثِ - عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا مَا اُعْتُبِرَ لَهُ التَّكْرَارُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الثَّلَاثُ كَالْأَقْرَاءِ وَالشُّهُورِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَكَخِيَارِ الْمُصَرَّاةِ وَمُهْلَةِ الْمُرْتَدِّ.
(فَإِنْ
стр. 250
لَمْ يَخْتَلِفْ) حَيْضُهَا فِي الشُّهُورِ الثَّلَاثَةِ (صَارَ عَادَةً تَنْتَقِلُ إلَيْهِ) فَتَجْلِسُ جَمِيعَهُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ، لِتَيَقُّنِهِ حَيْضًا، (وَتُعِيدُ نَحْوَ صَوْمِ فَرْضٍ) كَرَمَضَانَ وَقَضَائِهِ وَنَذْرٍ وَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبِينَ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ (فِيهِ) .
لِأَنَّا تَبَيَّنَّا فَسَادَهُ، لِكَوْنِهِ فِي الْحَيْضِ وَإِنْ اخْتَلَفَ، فَمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ثَلَاثًا: فَحَيْضٌ، مُرَتَّبًا كَانَ كَخَمْسَةٍ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ وَسِتَّةٍ فِي ثَانٍ وَسَبْعَةٍ فِي ثَالِثٍ، أَوْ غَيْرَ مُرَتَّبٍ، وَ (لَا) تُعِيدُ ذَلِكَ (إنْ أَيِسَتْ قَبْلَ تَكْرَارِهِ ثَلَاثًا) بِلَيَالِيِهَا، (أَوْ لَمْ يَعُدْ) الدَّمُ إلَيْهَا حَتَّى أَيِسَتْ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ حِينَئِذٍ، لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ كَوْنَهُ حَيْضًا وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا.
(وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِيهِ) ، أَيْ: فِي الدَّمِ الزَّائِدِ، أَيْ: زَمَنِهِ، الْمُجَاوِزِ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ قَبْلَ تَكْرَارِهِ نَصًّا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهَا بِالْعِبَادَةِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا، فَتَعَيَّنَ تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِمَا فِي وَطْءٍ.
زَمَنَ حَيْضٍ مُجَاوِزٍ لِأَقَلِّهِ.
(إلَّا إنْ تَكَرَّرَ) ثَلَاثًا.
إذْ تَكْرَارُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ يَقِينًا، فَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ حِينَئِذٍ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " " وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يُكْرَهُ) وَطْؤُهَا بَعْدَ غُسْلِهَا (إنْ حَصَلَ نَقَاءٌ خَالِصٌ) فِي أَثْنَائِهِ، (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ النَّقَاءُ (دُونَ يَوْمٍ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حُصُولِهِ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، لِأَنَّهَا رَأَتْ النَّقَاءَ الْخَالِصَ، (خِلَافًا
следующие страницы →