← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21677

مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى

الرحيباني

Полный текст (4 464 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ (تَمْوِيهُ نَحْوِ حَائِطٍ) كَإِنَاءٍ (بِنَقْدٍ) ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً، (وَعَمَلُ) - أَيْ: صُنْعُ - (أَوَانِي مُحَرَّمَةٍ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، (وَ) عَمَلُ (ثِيَابِ حَرِيرٍ لِذَكَرٍ) ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ) مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (لَا أُجْرَةَ لَهُ) ، لِصَرْفِهِ عَمَلَهُ فِيمَا هُوَ مُحَرَّمٌ [وَهُوَ مُتَّجِهٌ] . (لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (فَلَا يُقْضَى عَلَى مُسْتَأْجَرٍ بِدَفْعِهَا) - أَيْ: الْأُجْرَةِ - (فَإِنْ دُفِعَتْ لَمْ يُقْضَ - عَلَى أَجِيرٍ بِرَدِّهَا؛ كَتَفْصِيلِ عُقُودِ كُفَّارٍ مُحَرَّمَةٍ، وَأَسْلَمُوا قَبْلَ قَبْضٍ أَوْ بَعْدَهُ، وَتَقَدَّمَ) تَفْصِيلُ عُقُودِ الْكُفَّارِ (فِي بَابِ عَقْدِ الذِّمَّةِ أَنَّهُ يَتَصَدَّق بِهِ وَنَحْوِهِ) ، وَقَالَ: إنَّ الْأَجِيرَ إنْ طَلَبَ الْأُجْرَةَ قُلْنَا لَهُ: أَنْتَ فَرَّطْت حَيْثُ صَرَفْت قُوَّتَك فِي عَمَلٍ مُحَرَّمٍ، فَلَا يُقْضَى لَك بِأُجْرَةٍ، فَإِذَا قَبَضَهَا، وَقَالَ الدَّافِعُ: اقْضُوا إلَيَّ بِرَدِّهَا قُلْنَا لَهُ دَفَعْتهَا بِمُعَاوَضَةٍ رَضِيت بِهَا، وَقَدْ فَوَّتَتْ عَلَى الْأَجِيرِ عَمَلَهُ وَزَمَنَهُ، وَهُوَ وَجِيهٌ. (وَلَا) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ لِكَنْسِ مَسْجِدٍ) فِي حَالَةٍ لَا تَأْمَنَانِ فِيهَا تَلْوِيثَهُ. قَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَكَذَا مَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى. (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ (كَافِرٍ لِعَمَلٍ) كَعِمَارَةٍ وَتَبْلِيطٍ وَنَحْوِهِ (فِي الْحَرَمِ) الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ الشَّرْعِيَّ كَالْحِسِّيِّ، وَلَا الْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْفُحْشِ وَالْخِنَاءِ - بِكَسْرِ الْخَاءِ وَالْمَدِّ - وَعَلَى تَعْلِيمِ التَّوْرَاةِ، وَالْكُتُبِ الْمَنْسُوخَةِ، أَوْ الْعُلُومِ الْمُحَرَّمَةِ، كَالْفَلْسَفَةِ وَالتَّنْجِيمِ وَنَحْوِهِمَا، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى (تَعْلِيمِهِ) - أَيْ: الْكَافِرِ - (قُرْآنًا) وَنَحْوَهُ؛ كَحَدِيثٍ وَتَفْسِيرٍ وَفِقْهٍ وَنَحْوٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى آيَاتٍ أَوْ أَحَادِيثَ. .

стр. 2172

(وَلَا) يَجُوزُ اسْتِئْجَارٌ (لِنَزْوِ فَحْلٍ) لِلضِّرَابِ؛ «لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْعَسْبُ إعْطَاءُ الْكِرَاءِ عَلَى الضِّرَابِ عَلَى أَحَدِ التَّفَاسِيرِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إنَّمَا الَّذِي يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ، وَهُوَ عَيْنٌ، فَيُشْبِهُ إجَارَةَ الْحَيَوَانِ لِأَخْذِ لَبَنِهِ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَالْمَيْتَةِ. (وَ) إنْ احْتَاجَ إنْسَانٌ إلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُطْرِقُ لَهُ دَابَّتَهُ مَجَّانًا؛ (جَازَ) لِرَبِّ الدَّابَّةِ أَنْ يَبْذُلَ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّهُ بَذْلٌ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ (لِحَاجَةٍ) ؛ فَجَازَ (بَذْلُ عِوَضٍ) ؛ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، (وَحَرُمَ) عَلَى رَبِّ الْفَحْلِ (أَخْذُهُ) الْعِوَضَ لِلنَّهْيِ السَّابِقِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ أَنْزَاهُ عَلَى فَرَسِهِ، فَنَقَصَ؛ ضَمِنَ نَقْصَهُ. (كَشِرَاءِ أَسِيرٍ) ؛ فَيَجُوزُ شِرَاءُ الْأَسِيرِ لِتَخْلِيصِهِ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ، (وَ) كَدَفْعِ (رِشْوَةٍ لِظَالِمٍ) لِيَدْفَعَ بِهَا ظُلْمَهُ. (فَإِنْ) أَطْرَقَ إنْسَانٌ فَحْلَهُ لِدَابَّةِ آخَرَ بِغَيْرِ إجَارَةٍ، (فَأَهْدَى لَهُ) رَبُّ الدَّابَّةِ هَدِيَّةً، أَوْ أَكْرَمَهُ تَكْرِمَةً - (وَلَا شَرْطَ - جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَعْرُوفًا؛ فَجَازَتْ مُجَازَاتُهُ عَلَيْهِ. (وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةُ (دَارٍ لِتُجْعَلَ كَنِيسَةً) أَوْ بَيْعَةً أَوْ صَوْمَعَةً، (أَوْ بَيْتَ نَارٍ) لِتَعَبُّدِ الْمَجُوسِ، (أَوْ لِبَيْعِ خَمْرٍ وَقِمَارٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . (وَيَتَّجِهُ أَوْ) اُسْتُؤْجِرَتْ الدَّارُ (لِنَحْوِ زَمْرٍ وَغِنَاءٍ) ، وَكُلِّ مَا حَرَّمَهُ الشَّارِعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَسَوَاءٌ (شُرِطَ ذَلِكَ) الْمُحَرَّمُ؛ بِأَنْ شَرَطَ الْمُسْتَأْجِرُ جَعْلَهَا لَهُ (بِعَقْدٍ،

стр. 2173

أَوْ) لَا؛ بِأَنْ (عُلِمَ بِقَرَائِنَ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، فَلَمْ تَجُزْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ؛ كَإِجَارَةِ عَبْدِهِ لِلْفُجُورِ بِهِ. (وَلِمُكْرٍ) دَارًا (مَنْعُ مُكْتَرٍ ذِمِّيٍّ مِنْ بَيْعِ خَمْرٍ ب) دَارٍ (مُؤَجَّرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ. (وَلَا) يَصِحُّ اسْتِئْجَارٌ (لِحَمْلِ نَحْوِ مَيْتَةٍ) كَدَمٍ (لِأَكْلِهَا لِغَيْرِ مُضْطَرٍّ) ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ لِمُضْطَرٍّ؛ صَحَّتْ. (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ (خَمْرٍ لِشُرْبِهَا) ؛ «لِأَنَّهُ ﵊ لَعَنَ حَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ» . (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) - أَيْ لِمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِشَيْءٍ مُحَرَّمٍ مِمَّا تَقَدَّمَ -. (وَتَصِحُّ) إجَارَةٌ لِحَمْلِ مَيْتَةٍ أَوْ خَمْرٍ (لِإِلْقَاءٍ وَإِرَاقَةٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلَا تَنْدَفِعُ بِدُونِ إبَاحَةِ الْإِجَارَةِ؛ كَكَسْحِ الْكُنُفِ، وَحَمْلِ النَّجَاسَاتِ لِتُلْقَى خَارِجَ الْبَلَدِ؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَكْلُ أُجْرَةِ الْكَسْحِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّنَاءَةِ. وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارٌ لِإِلْقَاءِ مَيْتَةٍ، (وَلَوْ بِمَا عَلَى جِلْدِ الْمَيْتَةِ مِنْ نَحْوِ شَعْرٍ) ؛ كَصُوفٍ وَوَبَرٍ (طَاهِرٍ) ؛ لِجَوَازِ جَزِّهِ وَاسْتِعْمَالِهِ، وَمَنْ أَعْطَى صَيَّادًا أُجْرَةً لِيَصِيدَ لَهُ سَمَكًا لِيَخْتَبِرَ بَخْتَهُ؛ فَقَدْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَعْمَلَ بِشَبَكَتِهِ، قَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ. (وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةٌ (عَلَى طَيْرٍ لِسَمَاعِهِ) ، وَيُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْلُ أُجْرَةِ حَجَّامٍ؛ لِقَوْلَةِ ﵊ «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَطْعِمْهُ نَاضِحَك وَرَقِيقَك. قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ مِنْ أُجْرَةِ الْإِلْقَاءِ وَالْإِرَاقَةِ مُبَاشَرَةُ النَّجَاسَةِ؛ إذْ إلْقَاءُ الْمَيْتَةِ وَإِرَاقَةِ الْخَمْرِ لَا مُبَاشَرَةَ فِيهِ لِلنَّجَاسَةِ غَالِبًا، بِخِلَافِ كَسْحِ الْكَنِيفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ، وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارٌ لِطَحْنِ قَمْحٍ بِنُخَالَتِهِ، وَعَمَلُ سِمْسِمٍ شَيْرَجًا بِكُسْبِهِ الْخَارِجِ مِنْهُ، وَحَلْجُ قُطْنٍ بِحَبِّهِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ؛ لِلْجَهَالَةِ بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ. .

стр. 2174

(أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا تَصِحُّ إجَارَةٌ (نَحْوِ تُفَّاحٍ) كَنِرْجِسٍ (لِشَمٍّ) ؛ لِأَنَّ نَفْعَهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ؛ لِأَنَّ مَنْ غَصَبَ تُفَّاحًا، وَشْمَهُ، وَرَدَّهُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ أُجْرَةُ شَمِّهِ، (أَوْ) إجَارَةُ (شَمْعٍ لِتَجَمُّلٍ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (أَوْ) إجَارَةُ شَمْعٍ (لِشَعْلٍ) أَوْ طَعَامٍ، أَوْ لِيَتَجَمَّلَ بِهِ عَلَى مَائِدَتِهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَمَا لَا يُقْصَدُ لَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ، (أَوْ ثَوْبٍ لِتَغْطِيَةِ نَعْشٍ) فِيهِ الْمَيِّتُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، (أَوْ طَعَامٍ لِأَكْلٍ) ، أَوْ شَرَابٍ لِشُرْبٍ، أَوْ صَابُونٍ لِغَسْلٍ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا بِإِتْلَافِ عَيْنِهَا، فَإِنْ اسْتَأْجَرَ شَمْعًا لِيُشْعِلَ مِنْهُ مَا شَاءَ، وَيَرُدَّ بَقِيَّتَهُ، وَثَمَنَ الذَّاهِبِ وَأُجْرَةَ الْبَاقِي؛ لَمْ يَصِحَّ لِشُمُولِهِ بَيْعًا وَإِجَارَةً - وَالْمَبِيعُ مَجْهُولٌ - فَيَلْزَمُ الْجَهْلُ بِالْمُسْتَأْجَرِ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدَانِ. (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ (حَيَوَانٍ) كَبَقَرٍ وَغَنَمٍ (لِأَخْذِ لَبَنِهِ) أَوْ صُوفِهِ أَوْ شَعْرِهِ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ النَّفْعُ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْعَيْنُ. وَهِيَ لَا تُمْلَكُ وَلَا تُسْتَحَقُّ بِإِجَارَةٍ (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ جَوَازَ إجَارَةِ مَاءِ قَنَاةٍ مُدَّةً، وَمَاءِ فَائِضِ بِرْكَةٍ رَأَيَاهُ، وَإِجَارَةِ حَيَوَانٍ؛ لِأَجْلِ لَبَنِهِ قَامَ بِهِ هُوَ أَوْ رَبُّهُ، فَإِنْ قَامَ عَلَيْهَا لِمُسْتَأْجِرٍ، وَعَلَفَهَا؛ فَكَاسْتِئْجَارِ الشَّجَرِ وَإِنْ عَلَفَهَا رَبُّهَا، وَيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي لَبَنًا مُقَدَّرًا؛ فَبَيْعٌ مَحْضٌ، وَإِنْ كَانَ يَأْخُذُ اللَّبَنَ مُطْلَقًا؛ فَبَيْعٌ أَيْضًا، وَلَيْسَ هَذَا بِغَرَرٍ، وَلِأَنَّ هَذَا يَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ فَهُوَ بِالْمَنَافِعِ أَشْبَهُ، فَإِلْحَاقُهُ بِهَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ عَلَى زَرْعِ الْأَرْضِ هُوَ عَيْنٌ مِنْ أَعْيَانٍ، وَهُوَ مَا يُحْدِثُهُ مِنْ الْحَبِّ بِسَقْيِهِ وَعَمَلِهِ، وَكَذَا مُسْتَأْجَرُ الشَّاةِ لِلَبَنِهَا، مَقْصُودُهُ مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ مِنْ لَبَنِهَا بِعَلْفِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا؛ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَالْآفَاتُ، وَالْمَوَانِعُ الَّتِي تَعْرِضُ لِلزَّرْعِ أَكْثَرُ مِنْ آفَاتِ اللَّبَنِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الْجَوَازُ، وَالصِّحَّةُ قَالَ: وَكَظِئْرٍ انْتَهَى. وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. (غَيْرِ ظِئْرٍ) - أَيْ آدَمِيَّةِ مُرْضِعَةٍ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 2175

﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَهَائِمِ أَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْهَا عَمَلٌ مِنْ وَضْعِ الثَّدْيِ فِي فَمِ الْمُرْتَضِعِ وَنَحْوِهِ. . (وَيَدْخُلُ نَفْعُ بِئْرٍ) فِي إجَارَةِ بِئْرٍ تَبَعًا (وَ) يَدْخُلُ (حِبْرُ نَاسِخٍ) تَبَعًا. (وَ) يَدْخُلُ (خُيُوطُ خَيَّاطٍ) اُسْتُؤْجِرَ لِخِيَاطَةٍ تَبَعًا (وَ) يَدْخُلُ (كُحْلُ كَحَّالٍ) اُسْتُؤْجِرَ لِكَحْلٍ تَبَعًا (وَ) يَدْخُلُ (مَرْهَمُ طَبِيبٍ) اُسْتُؤْجِرَ لِمُدَاوَاةٍ تَبَعًا؛ بِخِلَافِ الدَّوَاءِ؛ فَإِنَّهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، (وَ) يَدْخُلُ (صَبْغُ صَبَّاغٍ) اُسْتُؤْجِرَ لِصَبْغِ نَحْوِ ثِيَابٍ (وَنَحْوُهُ) ؛ كَدِبَاغِ دَبَّاغٍ (تَبَعًا) لِعَمَلِ الصَّانِعِ، لَا أَصَالَةً. هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ (لُزُومًا) ؛ أَيْ: يَلْزَمُ الْعَامِلَ ذَلِكَ، مَا لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى خِلَافِهِ. (فَلَا فَسْخَ) لِمُسْتَأْجِرٍ (بِغَوْرِ مَاءٍ دَارٍ مُؤَجَّرَةٍ) ؛ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي الْإِجَارَةِ، نَقَلَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " عَنْ الْأَصْحَابِ، وَفِي " الْإِقْنَاعِ " لَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ فِي بِئْرِ الدَّارِ، وَتَغَيَّرَ بِحَيْثُ يُمْنَعُ الشُّرْبُ وَالْوَصْفُ؛ ثَبَتَ لِمُسْتَأْجِرٍ الْفَسْخُ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ (وَيَتَّجِهُ الْبُطْلَانُ) - أَيْ بُطْلَانُ الْإِجَارَةِ - (وَلَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ) - أَيْ عَقْدُ الْإِجَارَةِ - (عَلَى التَّابِعِ) ، وَهُوَ نَفْعُ الْبِئْرِ وَالْحِبْرِ وَالْخُيُوطِ وَالْكُحْلِ وَالْمَرْهَمِ وَالصَّبْغِ (وَالْمَتْبُوعِ) ، وَهُوَ الْمَأْجُورُ؛ بِأَنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْت هَذَا الْبِئْرَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ، وَهَذَا النَّاسِخُ وَمَا عِنْدَهُ مِنْ الْحِبْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ، وَلَيْسَ هَذَا كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّ التَّابِعَ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ؛ لِعَدَمِ ضَبْطِهِ. (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ اشْتِرَاطَ تَابِعٍ عَلَى مَتْبُوعٍ جَائِزٌ) ؛ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ (وَمُؤَكَّدٌ)

стр. 2176

لِمَا شُرِطَ، وَمَتَى لَمْ يَفِ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الشَّرْطُ؛ ثَبَتَ خِيَارُ الْفَسْخِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا) تَصِحُّ (إجَارَةُ) عَبْدٍ (آبِقٍ وَ) ، لَا جَمَلٍ (شَارِدٍ) ، وَقِيَاسُ الْبَيْعِ وَلَوْ مِنْ قَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِهَا، (وَ) لَا إجَارَةُ (مَغْصُوبٍ لِغَيْرِ قَادِرٍ عَلَيْهِ) - أَيْ عَلَى أَخَذَهُ مِنْ غَاصِبِهِ - لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ كَبَيْعِهِ، وَكَذَا الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ، وَلَا إجَارَةُ (طَيْرٍ لِحَمْلِ كُتُبٍ) ؛ لِتَعْذِيبِهِ. قَالَ فِي " الْمُوجَزِ " (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ دِيكٍ (لِيُوقِظَهُ لِلصَّلَاةِ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقِفُ عَلَى فِعْلِ الدِّيكِ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ مِنْهُ بِضَرْبٍ وَلَا غَيْرِهِ وَتَقَدَّمَ. و (لَا) تَصِحُّ إجَارَةٌ (مُشَاعٍ) مِنْ عَيْنٍ تُمْكِنُ قِسْمَتُهَا أَوْ لَا (مُفْرَدٍ) عَنْ بَاقِي الْعَيْنِ (لِغَيْرِ شَرِيكٍ) بِالْبَاقِي. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ؛ (لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلَّا بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ) ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَصِحُّ كَالْمَغْصُوبِ. و (لَا) تَصِحُّ إجَارَةُ (عَيْنٍ وَاحِدَةٍ) مَمْلُوكَةٍ لِوَاحِدٍ (لِعَدَدِ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ؛ بِأَنْ أَجَّرَ دَارِهِ أَوْ دَابَّتَهُ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ إجَارَةَ الْمُشَاعِ، (خِلَافًا ل) اخْتِيَارِ (جَمْعٍ فِيهِمَا) - أَيْ: إجَارَةِ الْمُشَاعِ لِغَيْرِ الشَّرِيكِ، وَفِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ لِعَدَدٍ - مِنْهُمْ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالْحَلْوَانِيُّ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي حَوَاشِيهِ، وَقَدَّمَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " قَالَ الْمُنَقَّحُ وَهُوَ - أَيْ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ - رِوَايَةٌ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ - أَيْ عَمَلُ الْحُكَّامِ إلَى زَمَنِنَا - وَقَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ الصَّوَابُ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ اسْتِئْجَارَ الشَّرِيكِ مِمَّنْ يُشْرِكُهُ مَا عَدَا مَالَهُ فِيهِ، وَالْوَاحِدُ مِنْ جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ جَمِيعُهُ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي الْمَجْدِ: فَإِنْ أَجَّرَ اثْنَانِ دَارَهُمَا مِنْ رَجُلٍ فِي صَفْقَةٍ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا بِعَشْرَةٍ، وَالْآخَرَ بِعِشْرِينَ؛ جَازَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُمَا أَجَازَا الْمُسَاقَاةَ مِنْ الْمُثَنَّى

стр. 2177

مَعَ الْوَاحِدِ مَعَ التَّفَاضُلِ فِي الْجَزَاءِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْكِتَابَةِ انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ إجَارَةَ الْمُشَاعِ وَالْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ لِعَدَدٍ؛ لَا تَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَالْمُخْتَارَةِ لِلْجَمْعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ تَصِحُّ، وَصَوَّبَ ذَلِكَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَاسْتَظْهَرَهُ فِي " التَّنْقِيحِ " خُصُوصًا وَقَدْ عَضَدَهُ عَمَلُ حُكَّامِ الْحَنَابِلَةِ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَطَاوِلَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ تَصِحُّ) الْإِجَارَةُ فِي صُورَةِ (مَا لَوْ أَجَّرَ عَيْنًا) مَعْلُومَةً بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْوَصْفِ (لِعَدَدِ) اثْنَيْنِ، فَأَكْثَرَ (يُمْكِنُ انْتِفَاعُ كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الْعَدَدِ الْمُسْتَأْجِرِينَ (بِهَا) - أَيْ الْعَيْنِ - (فِي آنٍ) - أَيْ زَمَنٍ - (وَاحِدٍ؛ كَسَفِينَةٍ وَإِنَاءٍ يَرْكَبُونَهَا) - أَيْ السَّفِينَةَ - (وَيَأْكُلُونَ فِيهِ) - أَيْ الْإِنَاءِ - (جَمِيعًا) حَيْثُ رَضُوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا الْمَنْفَعَةَ بِالِاسْتِئْجَارِ، (بِخِلَافِ نَحْوِ سَيْفٍ) وَرُمْحٍ وَنُشَّابٍ (وَكِتَابٍ) ؛ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ انْتِفَاعِ الْعَدَدِ بِذَلِكَ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ. . (وَلَوْ أَجَّرَا) - أَيْ اثْنَانِ - (دَارَهُمَا) الْمُشْتَرَكَةَ (لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ أَقَالَهُ أَحَدُهُمَا) - أَيْ أَحَدُ الْمُؤَجِّرَيْنِ - (صَحَّ) فِي نَصِيبِهِ، (وَبَقِيَ الْعَقْدُ) - أَيْ عَقْدُ الْإِجَارَةِ - (فِي نَصِيبِ) الشَّرِيكِ (الْآخَرِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى. (وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةُ (امْرَأَةٍ ذَاتِ زَوْجٍ بِلَا إذْنِهِ) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَفْوِيتًا لِحَقِّ الزَّوْجِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ؛ لِاشْتِغَالِهَا عَنْهُ بِمَا اُسْتُؤْجِرَتْ لَهُ، فَلَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهِ - (وَلَوْ) كَانَتْ (أَمَةً - زَمَنَ حَقِّ زَوْجٍ) . (وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا) بَعْدَ أَنْ أَجَّرَتْ نَفْسَهَا، ثُمَّ ادَّعَتْ (عَلَى مُكْتَرٍ أَنَّهَا مُتَزَوِّجَةٌ) ؛ لِتُسْقِطَ حَقَّ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ الْإِجَارَةِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، (وَلَا) يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ ادَّعَتْ (عَلَى زَوْجٍ أَنَّهَا مُؤَجَّرَةٌ قَبْلَ النِّكَاحِ) فِي حَقِّ الزَّوْجِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَا تَدْعِيهِ؛

стр. 2178

لِتَضَمُّنِهِ إسْقَاطَ حَقِّ الزَّوْجِ وَالْمُسْتَأْجِرِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ. (وَلِزَوْجِ) مُؤَجَّرَةٍ (وَطْءُ) هَا (زَمَنَ إجَارَةٍ إنْ لَمْ يُشْغِلْهَا) عَمَّا اُسْتُؤْجِرَتْ لَهُ؛ لِسَبْقِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ. (وَلَا) تَصِحُّ الْإِجَارَةُ (عَلَى دَابَّةٍ مُؤَجَّرَةٍ لِيَرْكَبَهَا) الْمُؤَجِّرُ؛ كَاسْتِئْجَارِ دَارِهِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ، لَكِنْ لَا يَمْنَعُ؛ ذَلِكَ إعَارَتَهَا لِمُؤَجَّرِهَا فِي اثِّنَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ. [فَرْعٌ اسْتِئْجَارُ نَاسِخٍ لِكَتْبِ كِتَابٍ أَوْ سِجِلَّاتٍ] (فَرْعٌ: يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ نَاسِخٍ لِكَتْبِ) كِتَابٍ (مُبَاحٍ) ؛ كَفِقْهٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ نَحْوٍ أَوْ شِعْرٍ مُبَاحٍ، (أَوْ) لِنَسْخِ (سِجِلَّاتٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَشُرِطَ تَقْدِيرٌ) لِنَسْخٍ (بِمُدَّةٍ) كَيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ (أَوْ عَمَلٍ مَعْلُومٍ، فَإِذَا قُدِّرَ بِعَمَلٍ ذَكَرَ عَدَدَ وَرَقٍ وَقَدْرَهُ، وَعَدَدَ سُطُورِ كُلِّ وَرَقَةٍ، وَقَدْرَ حَوَاشٍ، وَدِقَّةَ قَلَمٍ وَغِلَظِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَ ضَبْطُهُ بِالصِّفَةِ ضَبَطَهُ، وَإِلَّا) يُمْكِنْ ضَبْطُهُ (فَلَا بُدَّ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ) ؛ لِاخْتِلَافِ الْأَجْرِ بِاخْتِلَافِ الْخَطِّ. (وَيَجُوزُ تَقْدِيرُ أُجْرَةٍ بِأَجْزَاءِ فَرْعٍ أَوْ أَصْلٍ) مَنْقُولٍ عَنْهُ، (وَإِنْ قَاطَعَهُ عَلَى نَسْخِ الْأَصْلِ بِأَجْرٍ وَاحِدٍ؛ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ، (فَإِنْ أَخْطَأَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ عُرْفًا) ، وَهُوَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ؛ (عُفِيَ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: لَا يَنْقُصُ شَيْءٌ مِنْ أَجْرِ النَّاسِخِ بِعَيْبٍ يَسِيرٍ، وَإِلَّا فَلَا أَجْرَ لَهُ فِيمَا وَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ، وَعَلَيْهِ نَسْخُهُ فِي الْمَكَانِ، وَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَهُ بِذَلِكَ مِنْ الْكَاغِدِ، (وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا عُرْفًا) بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ، (فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَيْسَ لَهُ) - أَيْ الْأَجِيرِ لِلنَّسْخِ - (مُحَادَثَةُ غَيْرِهِ حَالَةَ النَّسْخِ، وَلَا التَّشَاغُلُ بِمَا يُشْغِلُ سِرَّهُ، وَيُوجِبُ غَلَطَهُ، وَلَا لِغَيْرِهِ تَحْدِيثُهُ وَشَغْلُهُ، وَكَذَا الْأَعْمَالُ الَّتِي تَخْتَلُّ بِشَغْلِ السِّرِّ وَالْقَلْبِ؛ كَقِصَارَةٍ وَنِسَاجَةٍ) وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالْمُسْتَأْجِرِ. [تَتِمَّةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ سِمْسَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ ثِيَابًا وَنَحْوَهَا] ؛ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ؛ كَالْبِنَاءِ، فَإِنْ عَيَّنَ الْعَمَلَ دُونَ الزَّمَانِ، فَجَعَلَ لَهُ مِنْ كُلِّ أَلْفِ دِرْهَمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا؛ صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا اشْتَرَيْت ثَوْبًا؛ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَكَانَتْ

стр. 2179

الثِّيَابُ مَعْلُومَةً أَوْ مُقَدَّرَةً بِثَمَنٍ، جَازَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِلْجَهَالَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِيَبِيعَ لَهُ ثِيَابًا بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ؛ فَجَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ كَشِرَاءِ الثِّيَابِ. [فَصْلٌ الْإِجَارَةُ ضَرْبَانِ] (فَصْلٌ: وَالْإِجَارَةُ ضَرْبَانِ) (الضَّرْبُ الْأَوَّلُ) : أَنْ تَقَعَ (عَلَى) مَنْفَعَةِ (عَيْنٍ) ، وَلَهَا صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ تَكُونَ إلَى أَمَدٍ مَعْلُومٍ، وَالْأُخْرَى أَنْ تَكُونَ إلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ، وَسَتَأْتِيَانِ، ثُمَّ الْعَيْنُ تَارَةً مُعَيَّنَةً؛ ك اسْتَأْجَرْتُ مِنْك هَذَا الْعَبْدَ يَخْدِمُنِي سَنَةً بِكَذَا؛ أَوْ لِيَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا، وَتَارَةً تَكُونُ مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ؛ ك اسْتَأْجَرْتُ مِنْك حِمَارًا صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، لِأَرْكَبَهُ سَنَةً بِكَذَا وَكَذَا، أَوْ إلَى بَلَدِ كَذَا بِكَذَا، وَلِكُلٍّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ شُرُوطٌ، وَبَدَأَ بِشُرُوطِ الْمَوْصُوفَةِ؛ لِقِلَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا، فَقَالَ:. (وَشَرْطُ اسْتِقْصَاءِ صِفَاتِ سَلَمٍ فِي) عَيْنٍ (مَوْصُوفَةٍ بِذِمَّةٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ، فَإِنْ اُسْتُقْصِيَتْ صِفَاتُ السَّلَمِ؛ كَانَ أَقْطَعَ لِلنِّزَاعِ، وَأَبْعَدَ مِنْ الْغَرَرِ. (وَيَتَّجِهُ أَوْ) ؛ أَيْ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ اسْتِقْصَاءُ صِفَاتِ السَّلَمِ فِي عَيْنٍ (مُعَيَّنَةٍ غَيْرِ غَائِبَةٍ) عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ؛ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُشَاهَدَةٍ لِلْمُسْتَأْجِرِ، فَاشْتَرَطَ لَهَا مَا يَشْتَرِطُ لَمَا فِي الذِّمَّةِ. وَيَتَّجِهُ (أَنَّهُ) . أَيْ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ - (لَا يُنَافِيه مَا مَرَّ) أَوَّلَ الْبَابِ (مِنْ عَدَمِ) اشْتِرَاطِ (تَعْيِينِ نَوْعٍ) مَأْجُورٍ (وَذُكُورَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ إجَارَةُ مَنْفَعَةٍ) ، وَهَذَا إجَارَةُ عَيْنٍ مُرَادٍ بِهَا الِانْتِفَاعُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ جَرَتْ) إجَارَةٌ عَلَى عَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ بِذِمَّةٍ (بِلَفْظِ سَلَمٍ) ؛ ك أَسْلَمْتُك هَذَا الدِّينَارَ فِي خِدْمَةِ عَبْدٍ صَنْعَتُهُ كَذَا، وَقِبَلَ الْمُؤَجِّرُ؛ (اُعْتُبِرَ قَبْضُ أُجْرَةٍ بِمَجْلِسٍ) جَرَى فِيهِ الْعَقْدُ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، (وَ) اُعْتُبِرَ (تَأْجِيلُ نَفْعٍ) إلَى

стр. 2180

أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ؛ جَازَ التَّصَرُّفُ قَبْلَ الْقَبْضِ. (وَيَتَّجِهُ) اعْتِبَارُ مَا ذُكِرَ (بِمَا لَهُ وَقْعٌ) فِي الْعَادَةِ؛ كَمَا مَرَّ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. ثُمَّ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْمُعَيَّنَةِ فَقَالَ: (وَشُرِطَ فِي) إجَارَةِ عَيْنٍ (مُعَيَّنَةٍ خَمْسَةُ) شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: (صِحَّةُ بَيْعٍ) ؛ أَيْ: كَوْنُهَا يَصِحُّ بَيْعُهَا؛ كَالْأَرْضِ وَالدَّارِ وَالْعَبْدِ وَالْبَهِيمَةِ وَالثَّوْبِ وَالْخَيْمَةِ وَالْخَيْلِ وَالْجَمَلِ وَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَالْفَرَسِ وَاللِّجَامِ وَالسَّرِيرِ وَالْإِنَاءِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ فَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ لِحِرَاسَةٍ وَلَا لِصَيْدٍ وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، (سِوَى وَقْفٍ) - أَيْ مَوْقُوفٍ - (وَ) سِوَى (أُمِّ وَلَدٍ وَحُرٍّ وَحُرَّةٍ) ؛ فَتَصِحُّ إجَارَتُهَا؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مَمْلُوكَةٌ، وَمَنَافِعُ الْحُرِّ تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ؛ فَجَازَتْ إجَارَتُهَا كَمَنَافِعِ الْقِنِّ. (وَيَتَّجِهُ) ب (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَ) سِوَى (جِلْدِ أُضْحِيَّةٍ، وَ) جِلْدِ (عَقِيقَةٍ) فِي الْأُضْحِيَّةِ، أَمَّا الْعَقِيقَةُ؛ فَيَصِحُّ بَيْعُ جِلْدِهَا وَإِجَارَتُهُ قِيَاسًا عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ؛ إذْ تَصِحُّ إجَارَتُهَا، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا، وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا، وَلِأَنَّ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى صِحَّةِ إجَارَةِ الْمَنْفَعَةِ الْمَمْلُوكَةِ لِلْمُؤَجِّرِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إجَارَةِ جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَأَجْنَبِيَّةٍ أُجِّرَتْ [لِغَيْرِ مَحْرَمِهَا] فِي نَظَرِ) مُسْتَأْجِرِهَا إلَيْهَا، (وَ) فِي (خَلَوْته) بِهَا؛ (كَغَيْرِهَا) مِنْ الْأَجَانِبِ. قَالَ الْمَجْدُ: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً لِشُغْلٍ مُبَاحٍ لِعَمَلِهِ؛ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَانَ حُكْمُ النَّظَرِ إلَيْهَا وَالْخَلْوَةِ بِهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِجَارَةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَجْنَبِيُّ الْأَمَةَ وَالْحُرَّةَ لِلْخِدْمَةِ، وَلَكِنْ

стр. 2181

يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ النَّظَرِ لِلْحُرَّةِ. لَيْسَتْ الْأَمَةُ مِثْلَ الْحُرَّةِ، فَلَا يُبَاحُ لِلْمُسْتَأْجِرِ النَّظَرُ لِشَيْءٍ مِنْ الْحُرَّةِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ، فَيَنْظُرُ مِنْهَا إلَى الْأَعْضَاءِ السِّتَّةِ، أَوْ إلَى مَا عَدَّا عَوْرَةَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي النِّكَاحِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَهُمَا كَالْأَجْنَبِيِّ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْلُوَ مَعَ إحْدَاهُمَا فِي بَيْتٍ، وَلَا يَنْظُرَ إلَى الْحُرَّةِ مُتَجَرِّدَةً، وَلَا إلَى شَعْرِهَا الْمُتَّصِلِ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ مِنْهَا، بِخِلَافِ الْأَمَةِ. (وَكُرِهَ اسْتِئْجَارُ أَصْلِهِ) كَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ - وَإِنْ عَلَوَا - (لِخِدْمَتِهِ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إذْلَالِ الْوَالِدَيْنِ بِالْحَبْسِ عَلَى خِدْمَةِ الْوَلَدِ. (وَصَحَّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ مُسْلِمًا) لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ فِي الذِّمَّةِ؛ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَقِصَارَتِهِ، أَوْ إلَى أَمَدٍ كَأَنْ يَسْتَقِي لَهُ أَوْ يَنْسَخُ أَوْ يُقَصِّرُ لَهُ ثِيَابًا شَهْرًا بِكَذَا، نَصًّا. و (لَا) يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا (لِخِدْمَتِهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، إنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ مِنْ الذِّمِّيِّ مِنْ خِدْمَتِهِ؛ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِ شَيْءٍ؛ جَازَ، وَكَوْنُهَا تَصِحُّ لِلْعَمَلِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يَتَضَمَّنُ إذْلَالَ الْمُسْلِمِ، وَلَا اسْتِخْدَامَهُ؛ أَشْبَهَ مُبَايَعَتَهُ، وَكَوْنُهَا لَا تَصِحُّ لِلْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ حَبْسَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْكَافِرِ، وَإِذْلَالَهُ لَهُ، وَاسْتِخْدَامَهُ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ؛ أَشْبَهَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ. الشَّرْطُ (الثَّانِي مَعْرِفَتُهَا) - أَيْ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لِلْعَاقِدَيْنِ - (بِرُؤْيَةٍ) إنْ كَانَتْ لَا تَنْضَبِطُ بِالصِّفَاتِ؛ كَالدَّارِ وَالْحَمَّامِ (أَوْ صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا) مَعْرِفَتُهَا؛ (كَمَبِيعٍ) ؛ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ، (فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ) الْمَعْرِفَةُ (بِهَا) - أَيْ الصِّفَةِ - (أَوْ كَانَتْ) الصِّفَةُ (لَا تَأْتِي فِيهَا) - أَيْ الْمُؤَجَّرَةِ -؛ (كَدَارٍ وَعَقَارٍ) مِنْ بَسَاتِينَ وَنَخِيلٍ وَأَرْضٍ، وَعَطْفُهُ عَلَى الدَّارِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ (اُشْتُرِطَتْ مُشَاهَدَتُهُ وَتَحْدِيدُهُ وَمُشَاهَدَةُ قَدْرِ حَمَّامٍ، وَمَعْرِفَةُ مَائِهِ، وَ) مَعْرِفَةُ (مَصْرِفِهِ) - أَيْ الْمَاءِ - (وَمُشَاهَدَةُ الْإِيوَانِ، وَمَطْرَحُ رَمَادٍ وَزِبْلٍ) . وَمَا رُوِيَ أَنَّ الْإِمَامَ كَرِهَ كَرْيَ الْحَمَّامِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ مَنْ تَنْكَشِفُ عَوْرَتُهُ فِيهِ، حَمَلَهُ ابْنُ حَامِدٍ

стр. 2182

عَلَى التَّنْزِيهِ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ. حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا حَيْثُ حَدَّدَهُ وَذَكَرَ جَمِيعَ السِّتَّةِ شُهُورٍ الْمُسَمَّاةِ. . الشَّرْطُ (الثَّالِثُ قُدْرَةُ) مُؤَجِّرٍ (عَلَى تَسْلِيمِهَا) - أَيْ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ - (كَمَبِيعٍ) ؛ لِأَنَّهَا بَيْعُ الْمَنَافِعِ أَشْبَهَتْ بَيْعَ الْأَعْيَانِ، (فَلَا تَصِحُّ) الْإِجَارَةُ (فِي) عَبْدٍ (آبِقٍ وَنَحْوِهِ) كَجَمَلٍ شَارِدٍ، وَقِيَاسُ الْبَيْعِ [وَلَوْ] مِنْ قَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ، وَلَا مَغْصُوبٍ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ غَاصِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ، وَكَذَا الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ، (وَ) إجَارَةُ (مُشَاعٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ (كَمَا مَرَّ) مُفَصَّلًا. الشَّرْطُ (الرَّابِعُ اشْتِمَالُهَا) - أَيْ الْعَيْنِ - (عَلَى النَّفْعِ) الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (الْمُرَادُ مِنْهَا، فَلَا تَصِحُّ) إجَارَةٌ (فِي) بَهِيمَةٍ (زَمِنَةٍ لِحَمْلٍ) أَوْ رُكُوبٍ، (وَلَا) أَرْضٍ (سَبِخَةٍ) لِزَرْعٍ، وَالسَّبِخَةُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ، (أَوْ) - أَيْ وَلَا إجَارَةُ أَرْضٍ - (لَا مَاءَ لَهَا لِزَرْعٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ. (وَيَتَّجِهُ) وَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ (حَمَّامٍ خَرِبٍ أَوْ) - أَيْ وَلَا - (دَارٍ خَرِبَةٍ لِسُكْنَى) ؛ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ (إلَّا إنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضَهُمَا) - أَيْ الْحَمَّامِ وَالدَّارِ - (لِبِنَاءٍ) ؛ فَتَصِحُّ؛ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةُ (أَخْرَسَ لِتَعْلِيمِ مَنْطُوقٍ أَوْ) - أَيْ وَلَا إجَارَةُ - (أَعْمَى لِحِفْظِ) ؛ أَيْ: لِيَحْفَظَ شَيْئًا يَحْتَاجُ رُؤْيَةً؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ. . الشَّرْطُ (الْخَامِسُ كَوْنُ مُؤَجِّرٍ يَمْلِكُ النَّفْعَ أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِيهِ) بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ؛ كَحَاكِمٍ يُؤَجِّرُ مَالَ نَحْوِ سَفِيهٍ أَوْ غَائِبٍ، أَوْ وَقْفًا لَا نَاظِرَ لَهُ، أَوْ مِنْ

стр. 2183

قِبَلِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ كَنَاظِرٍ خَاصٍّ. وَوَكِيلٍ فِي إجَارَةٍ؛ لِأَنَّهَا بَيْعُ مَنَافِعَ، فَاشْتُرِطَ فِيهَا ذَلِكَ؛ كَبَيْعِ الْأَعْيَانِ؛ (فَتَصِحُّ) الْإِجَارَةُ؛ (مِنْ مُسْتَأْجِرٍ) - لَعَيْنٍ (غَيْرِ حُرٍّ) أَنْ يُؤَجِّرَهَا (لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) ؛ أَيْ: الْمُسْتَأْجِرِ فِي اسْتِيفَاءِ النَّفْعِ، أَوْ هُوَ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الضَّرَرِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ، وَالتَّسَلُّطُ عَلَى اسْتِيفَائِهَا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْعَيْنَ لِمَنْ هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلَا لِمَنْ يُخَالِفُ ضَرَرَهُ؛ لِمَا مَرَّ، مَا لَمْ يَكُنْ الْمَأْجُورُ حُرًّا، كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، خِلَافًا " لِلتَّنْقِيحِ " حَيْثُ قَيَّدَ بِالْكَبِيرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِمُسْتَأْجِرِهِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ يَدُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ يُسَلِّمُ نَفْسَهُ إنْ كَانَ كَبِيرًا، أَوْ يُسَلِّمُهُ وَلِيُّهُ إنْ كَانَ صَغِيرًا. . وَتَصِحُّ إجَارَةِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ - (وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا) الْمُسْتَأْجِرُ -؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْعَيْنِ لَا يَنْتَقِلُ بِهِ الضَّمَانُ إلَيْهِ، فَلَمْ يَقِفْ جَوَازُ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْمَكِيلِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، (حَتَّى لِمُؤَجِّرِهَا) - أَيْ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ - لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ مَعَ غَيْرِ الْعَاقِدِ جَازَ مَعَهُ؛ كَالْبَيْعِ - (وَلَوْ بِزِيَادَةٍ) عَلَى مَا أَجَّرَهَا بِهِ الْمُؤَجِّرُ، وَتَصِحُّ إجَارَتُهَا (بِنَقْصٍ) عَمَّا اُسْتُؤْجِرَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ بِرَأْسِ الْمَالِ، فَجَازَ بِنَقْصٍ وَزِيَادَةٍ، (مَا لَمْ تَكْفِ) إجَارَتُهُ لِمُؤَجِّرِهِ بِزِيَادَةِ (حِيلَةٍ كَعِينَةٍ) ؛ بِأَنْ أَجَّرَهَا بِأُجْرَةٍ حَالَّةٍ نَقْدًا، ثُمَّ اسْتَأْجَرَهَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ مُؤَجَّلًا؛ (فَلَا تَصِحُّ) حَسْمًا لِمَادَّةِ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ الْأَوَّلِ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَأْجِرِ الثَّانِي بِالْأُجْرَةِ، لِأَنَّ غَرِيمَ الْغَرِيمِ لَيْسَ بِغَرِيمٍ، قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: إنْ غَابَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ، أَوْ امْتَنَعَ؛ فَلِلْمُؤَجِّرِ رَفْعُ الْأَمْرِ إلَى الْحَاكِمِ، فَيَأْخُذُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ الثَّانِي، وَيُوَفِّيهِ أُجْرَتَهُ، أَوْ مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، حَفِظَهُ لِلْمُسْتَأْجَرِ، وَإِنْ بَقِيَ لَهُ شَيْءٌ فَمَتَى وَجَدَ لَهُ مَالًا وَفَّاهُ مِنْهُ؛ كَمَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، وَإِذَا تَقَبَّلَ الْأَجِيرُ فِي ذِمَّتِهِ عَمَلًا بِأُجْرَةٍ كَخِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَهُ [بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يُعَنْ فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا

стр. 2184

جَازَ أَنْ يَقْبَلَهُ بِمِثْلِ] الْأَجْرِ الْأَوَّلِ أَوْ أَكْثَرَ؛ جَازَ بِدُونِهِ؛ كَالْبَيْعِ وَكَإِجَارَةِ الْعَيْنِ. (وَ) تَصِحُّ إجَارَةُ عَيْنٍ (مِنْ مُسْتَعِيرٍ بِإِذْنِ مُعِيرٍ) فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهَا؛ لَجَازَ، فَكَذَا فِي إجَارَتِهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَجَازَ بِإِذْنِهِ، (وَتَصِيرُ) الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ (أَمَانَةً) بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لِصَيْرُورَتِهَا مُؤَجَّرَةً، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْمُسْتَعِيرِ مُدَّةً لِلْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ إنْ عَيَّنَ لَهُ رَبَّهَا مُدَّةً تَقَيَّدَ بِهَا، وَإِلَّا فَكَوَكِيلٍ مُطْلَقٍ؛ كَمَا يُؤَجِّرُ الْعُرْفُ كَمَا يَأْتِي (وَالْأُجْرَةُ لِرَبِّهَا) - أَيْ الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ - دُونَ الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهَا وَمَالِكٌ نَفْعَهَا، وَلِانْفِسَاخِ الْعَارِيَّةِ بِوُجُودِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا، لِكَوْنِ الْإِجَارَةِ أَقْوَى؛ لِلُزُومِهَا، وَلَا يَضْمَنُ مُسْتَأْجِرٌ مِنْ مُسْتَعِيرٍ، وَيَأْتِي فِي الْعَارِيَّةِ. (وَ) تَصِحُّ إجَارَةٌ (فِي وَقْفٍ مِنْ نَاظِرِهِ) ، لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْإِيجَارِ؛ كَالْوَلِيِّ يُؤَجِّرُ عَقَارَ مُوَلِّيهِ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَتَصِحُّ إجَارَةٌ مِنْ (مُسْتَحِقِّهِ) - أَيْ: الْوَقْفِ - لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لَهُ، فَلَهُ إجَارَتُهَا كَالْمُسْتَأْجِرِ، (لَكِنْ تَنْفَسِخُ) الْإِجَارَةُ بِمُجَرَّدِ (مَوْتِ مُسْتَحِقٍّ) ، وَهُوَ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ؛ لِكَوْنِهِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ نَاظِرًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ "، وَأَبُو الْحُسَيْنِ أَيْضًا وَحَكَيَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا، (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ النَّاظِمُ وَصَاحِبُ " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَ " شَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ " وَالْقَاضِي فِي " الْمُنْجِزِ " فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ؛ كَمَا لَوْ عُزِلَ الْوَلِيُّ وَنَاظِرُ الْوَقْفِ، وَكَمِلْكِهِ الطَّلْقَ، وَقَالَ فِي " التَّنْقِيحِ ": وَإِنْ مَاتَ الْمُؤَجِّرُ انْفَسَخَتْ إنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِأَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ؛ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ لَا تَنْفَسِخُ، وَهُوَ أَشْهُرٌ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ انْتَهَى. وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَمَلُ الْحُكَّامِ عَلَى مُقَابِلِهِ. (وَلَا) تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ (نَاظِرٍ) ، بِشَرْطٍ؛ بِأَنْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ، وَشَرَطَ لَهُ النَّظَرَ، أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ النَّظَرَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَلَهُ النَّظَرُ

стр. 2185

بِالِاسْتِحْقَاقِ وَالشَّرْطِ (مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ بِشَرْطِ وَاقِفٍ، أَوْ أَقَامَهُ حَاكِمٌ، أَجْنَبِيًّا كَانَ أَوْ مُسْتَحِقًّا، وَلَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ إيجَارَهُ هُنَا بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ، وَمَنْ يَلِي بَعْدَهُ إنَّمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيمَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ الْأَوَّلُ. (وَلَا) تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ (بِعَزْلِهِ) - أَيْ: النَّاظِرِ - بِشَرْطِ الْوَاقِفِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": إنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ هُوَ النَّاظِرُ الْعَامُّ - أَيْ: الْحَاكِمُ - عِنْدَ عَدَمِ النَّاظِرِ الْخَاصِّ أَوْ مَنْ شَرَطَهُ لَهُ، وَكَانَ أَجْنَبِيًّا؛ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا. (وَيَتَّجِهُ وَلَا) تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ (بِتَحَوُّلِ وَقْفٍ) عَلَى جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ (لِجِهَةٍ أُخْرَى بَعْدَ انْقِطَاعِ) الْجِهَةِ الْأُولَى؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْعَزْلِ، وَبَيْنَ التَّحَوُّلِ إلَى جِهَةٍ آلَ إلَيْهَا الْوَقْفُ؛ لِوُجُودِ الِانْتِقَالِ فِي كُلٍّ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَاذَا انْفَسَخَتْ) الْإِجَارَةُ (بِمَوْتِهِ) - أَيْ: النَّاظِرِ بِأَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ - (رَجَعَ مُسْتَأْجِرٌ) عَجَّلَ الْأُجْرَةَ عَلَى الْقَابِضِ إنْ كَانَ حَيًّا، (وَعَلَى تَرِكَتِهِ) إنْ كَانَ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَعْدَهُ حَقٌّ لِغَيْرِهِ فَبِمَوْتِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَجَّرَ مِلْكَهُ، وَمِلْكَ غَيْرِهِ، فَصَحَّ فِي مِلْكِهِ، دُونَ مِلْكِ غَيْرِهِ؛ كَمَا لَوْ أَجَّرَ دَارَيْنِ إحْدَاهُمَا لَهُ وَالْأُخْرَى لِغَيْرِهِ، فَلَا يَنْفُذُ عَقْدُهُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا وِلَايَةٍ، بِخِلَافِ الطَّلْقِ إذَا مَاتَ مُؤَجِّرُهُ، فَإِنَّ الْوَارِثَ يَمْلِكُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُوَرِّثِ، فَلَا يَمْلِكُ مِنْهُ إلَّا مَا خَلْفَهُ، وَمَا تَصَرَّفَ فِيهِ فِي حَيَاتِهِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ، وَالْمَنَافِعُ الَّتِي أَجَّرَهَا قَدْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِالْإِجَارَةِ، فَلَا تَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ، وَالْبَطْنُ الثَّانِي فِي الْوَقْفِ يَمْلِكُونَ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ، فَمَا حَدَثَ مِنْهَا بَعْدَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ كَانَ مِلْكًا لَهُمْ،

стр. 2186

فَقَدْ صَادَفَ تَصَرُّفَ الْمُؤَجِّرِ مِلْكُهُمْ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِمْ؛ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَقَالَ إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ (وَكَذَا) - أَيْ: مِثْلُ النَّاظِرِ بِأَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ - (مُؤَجِّرُ إقْطَاعِهِ) غَيْرَ إقْطَاعِ الِاسْتِغْلَالِ، [أَمَّا هُوَ فَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ كَمَا يَأْتِي فِي التَّتِمَّةِ] ، (ثُمَّ يُقْطَعُهُ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ - (غَيْرُهُ) - أَيْ: غَيْرُ الْمُؤَجِّرِ - يَنْتَزِعُ مَنْ آلَ إلَيْهِ الْوَقْفُ وَالْإِقْطَاعُ ذَلِكَ مِنْ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَيَرْجِعُ مُسْتَأْجِرٌ عَجَّلَ أُجْرَتَهُ عَلَى وَرَثَةِ قَابِضٍ مَاتَ، أَوْ رَقِيقِهِ أَوْ بَهَائِمِهِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَجُوزُ إجَارَةُ الْإِقْطَاعِ كَالْوَقْفِ، وَلَمْ يَزَلْ يُؤَجَّرُ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ إلَى الْآنِ، وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ قَالَ: إجَارَةُ الْإِقْطَاعِ لَا تَجُوزُ حَتَّى حَدَثَ فِي زَمَنِنَا، فَابْتُدِعَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " لَوْ أَجَّرَهُ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْإِقْطَاعُ لِآخَرَ، فَذَكَرَ فِي " الْقَوَاعِدِ " أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْوَقْفِ إذَا انْتَقَلَ إلَى بَطْنٍ ثَانٍ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ تَنْفَسِخُ، لَكِنْ عَمَلُ الْحُكَّامِ مِنْ أَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ عَلَى عَدَمِ الِانْفِسَاخِ. تَتِمَّةٌ: وَإِنْ كَانَتْ الْإِقْطَاعُ عُشْرًا أَوْ خَرَاجًا؛ بِأَنْ أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ إقْطَاعَ اسْتِغْلَالٍ، وَهُوَ عُشْرُ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ، أَوْ خَرَاجُهَا دُونَ الْأَرْضِ؛ لَمْ تَصِحَّ إجَارَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْأَرْضَ، وَلَا مَنْفَعَتَهَا كَتَضْمِينِهِ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة أَنَّهُ بَاطِلٌ. (وَإِنْ أَجَّرَ سَيِّدٌ رَقِيقَهُ أَوْ) أَجَّرَ (وَلِيٌّ يَتِيمًا) مَحْجُورًا عَلَيْهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، (أَوْ) أَجَّرَ (مَالِهِ) - أَيْ: مَالِ مَحْجُورِهِ كَدَارِهِ أَوْ رَقِيقِهِ أَوْ بَهَائِمِهِ - (ثُمَّ عَتَقَ) الرَّقِيقُ (الْمَأْجُورُ، أَوْ بَلَغَ) الْيَتِيمُ، (أَوْ رَشَدَ) الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ، (أَوْ مَاتَ الْمُؤَجِّرُ، أَوْ عُزِلَ) الْوَلِيُّ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ؛ (لَمْ تَنْفَسِخْ) إجَارَةُ الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ لَازِمٌ يَمْلِكُهُ الْمُتَصَرِّفُ؛ كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَةً، ثُمَّ بَاعَهَا، أَوْ أَعْتَقَهَا، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى مَوْلَاهُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ اُسْتُحِقَّتْ بِالْعَقْدِ قَبْلَ الْعِتْقِ، فَلَمْ يَرْجِعْ

стр. 2187

بِبَدَلِهَا، وَلَا تُفْسَخُ إجَارَةُ الْيَتِيمِ أَوْ مَالُهُ بِمَوْتِ الْوَلِيِّ الْمُؤَجِّرِ وَلَا عَزْلِهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ فِيمَا لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَبْطُلْ تَصَرُّفُهُ بِزَوَالِ وِلَايَتِهِ؛ كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ، أَوْ بَاعَ دَارِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُذَهَّبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَغَيْرِهِمْ، (إلَّا إنْ عَلِمَ) الْوَلِيُّ (بُلُوغَهُ) - أَيْ: الْيَتِيمِ - فِي الْمُدَّةِ؛ بِأَنْ كَانَ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَأَجَّرَهُ، أَوْ أَجَّرَ دَارِهِ سَنَتَيْنِ؛ فَتَنْفَسِخُ بِبُلُوغِهِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى صِحَّتِهَا عَلَى جَمِيعِ مَنَافِعِهِ طُولَ عُمُرِهِ، وَإِلَى تَصَرُّفِهِ فِي غَيْرِ زَمَنِ وِلَايَتِهِ عَلَى [الْمَأْجُورِ، (أَوْ) إلَّا إذَا عَلِمَ سَيِّدٌ (عِتْقَهُ) - أَيْ: الرَّقِيقِ - (بِتَعْلِيقٍ فِي الْمُدَّةِ) - أَيْ: مُدَّةِ -]- الْإِجَارَةِ - بِأَنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ سَنَةٍ، ثُمَّ أَجَّرَهُ سَنَتَيْنِ؛ فَتَنْفَسِخُ بِعِتْقِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِذَا لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ) بِمَوْتِ أَوْ عَزْلٍ مُؤَجِّرٍ لَا يَعْلَمُ عِتْقَ الرَّقِيقِ حِينَئِذٍ؛ (فَنَفَقَةُ قِنٍّ عِتْقٍ عَلَى سَيِّدٍ، إلَّا إنْ شُرِطَتْ) النَّفَقَةُ (عَلَى مُسْتَأْجِرٍ) ؛ فَعَلَيْهِ، وَإِذَا بِيعَتْ الْأَرْضُ الْمُحْتَكَرَةُ، أَوْ وُرِثَتْ؛ فَالْحَكْرُ عَلَى مَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. [تَتِمَّةٌ لَوْ وُرِثَ الْمَأْجُورُ أَوْ اُشْتُرِيَ أَوْ غَيْر ذَلِكَ] تَتِمَّةٌ: لَوْ وُرِثَ الْمَأْجُورُ، أَوْ اُشْتُرِيَ، أَوْ اتَّهَبَ أَوْ وَصَّى بِهِ لِإِنْسَانٍ، أَوْ أُخِذَ صَدَاقًا، أَوْ أَخَذَهُ الزَّوْجُ عِوَضًا عَنْ خُلْعٍ أَوْ صُلْحًا؛ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا. قَطَعَ بِهِ فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُنَقَّحِ " وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ، قَالُوا: وَتَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْمُسْتَأْجِرُ. [فَرْعٌ إذَا أَجَّرَ الْوَقْفَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَطَلَبَهُ غَيْرُ مُسْتَأْجِرِهِ بِزِيَادَةٍ] ٍ؛ فَلَا فَسْخَ وَكَذَا لَوْ أَجَّرَهُ الْمُتَوَلِّي عَلَى مَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ. [فَصْلٌ لِإِجَارَةِ الْعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَى مَنْفَعَتِهَا صُورَتَانِ] (فَصْلٌ: وَلِإِجَارَةِ الْعَيْنِ) الْمَعْقُودِ عَلَى مَنْفَعَتِهَا، مُعَيَّنَةً كَانَتْ أَوْ مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ، (صُورَتَانِ) :

стр. 2188

(إحْدَاهُمَا) أَنْ تَكُونَ (إلَى أَمَدٍ) كَهَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا، أَوْ فَرَسًا صِفَتُهُ كَذَا لِيَرْكَبَهُ يَوْمًا - (وَإِنْ طَالَ) الْأَمَدُ - لِأَنَّ كَوْنَ الْمُسْتَأْجِرِ يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا غَالِبًا. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُهُ وَلَوْ ظَنَّ عَدَمَ الْعَاقِدِ (إنْ لَمْ يَظُنَّ عَدَمَهَا) - أَيْ: الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ - بِنَحْوِ مَوْتٍ أَوْ هَدْمٍ (فِيهِ) - أَيْ: فِي أَمَدِ الْإِجَارَةِ - وَلَوْ مُدَّةً لَا يُظَنُّ فَنَاءُ الدُّنْيَا فِيهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْمِلْكِ، بَلْ الْوَقْفُ أَوْلَى، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ " وَ " الْمُغْنِي ". وَالْمُسْقَفُ الْبَسِيطُ سَوَاءٌ. (وَشَرَطَ عِلْمَهُ) - أَيْ: الْأَمَدِ - (ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً؛ كَسَنَةٍ مِنْ الْآنَ) ؛ لِيَحْصُلَ الْعِلْمُ بِهِ، أَوْ سَنَةً ابْتِدَاؤُهَا وَقْتُ كَذَا؛ لِأَنَّهُ الضَّابِطُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمُعَرِّفُ لَهُ، فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهِ؛ كَالْمَكِيلَاتِ. (وَ) إنْ أَجَّرَهُ سَنَةً هِلَالِيَّةً فِي أَوَّلِهَا (مَعَ إطْلَاقِهَا) - أَيْ: السَّنَةِ - (تُحْمَلُ عَلَى الْأَهِلَّةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا) ؛ لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَةُ شَرْعًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] الْآيَةَ، فَإِنْ وَصَفَهَا، كَانَ تَأْكِيدًا، (وَلَوْ) كَانَتْ الْأَشْهُرُ (نَوَاقِصَ) ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى أَشْهُرٍ مَعْلُومَةٍ فِي ابْتِدَاءِ الشَّهْرِ؛ فَيَسْتَوْفِيهَا بِالْأَهِلَّةِ، تَامَّةً كَانَتْ أَوْ نَاقِصَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً. (وَ) إنْ كَانَ الْعَقْدُ (فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ يَكْمُلُ) بِالْعَدَدِ (عَلَى بَاقِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا) مِنْ أَوَّلِ الْمُدَّةِ وَآخِرِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي النَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ إتْمَامُهُ بِإِهْلَالٍ، فَتَمَمْنَاهُ بِالْعَدَدِ، (وَ) تُسْتَوْفَى (الْبَوَاقِي بِالْأَهِلَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا بِالْأَهِلَّةِ، وَهِيَ الْأَصْلُ، (وَكَذَا) حُكْمُ (كُلِّ مَا يُعْتَبَرُ بِالْأَشْهُرِ كَعِدَّةِ) وَفَاةٍ، (وَصَوْمِ) شَهْرَيْ (كَفَّارَةٍ، وَمُدَّةِ خِيَارٍ) ، وَأَجَلِ ثَمَنٍ وَسَلَمٍ؛ لِأَنَّهُ سَاوَى مَا تَقَدَّمَ مَعْنًى. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إلَى مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ، وَإِذَا اسْتَأْجَرَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ شَهْرًا؛ لَمْ تَحْتَجْ إلَى تَقْسِيطِ الْأُجْرَةِ عَلَى كُلِّ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ.

стр. 2189

(وَإِنْ قَالَا سَنَةً عَدَدِيَّةً، أَوْ) قَالَا (سَنَةً بِالْأَيَّامِ؛ فَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ الْعَدَدِيَّ ثَلَاثُونَ) يَوْمًا، وَالسَّنَةَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، (وَإِنْ قَالَا سَنَةً رُومِيَّةً، أَوْ) سَنَةً (شَمْسِيَّةً، أَوْ) سَنَةً (فَارِسِيَّةً، أَوْ) (سَنَةً قِبْطِيَّةً - وَهُمَا يَعْلَمَانِهَا - صَحَّ) ذَلِكَ، (وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا وَرُبُعُ يَوْمٍ) ، فَإِنَّ أَشْهُرَ الرُّومِ، مِنْهَا سَبْعَةٌ أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَأَرْبَعَةٌ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَوَاحِدٌ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَهُوَ شُبَاطُ، وَزَادَهُ الْحِسَابُ رُبْعًا، وَشُهُورُ الْقِبْطِ كُلُّهَا ثَلَاثُونَ ثَلَاثُونَ، وَزَادُوهَا خَمْسَةً وَرُبُعًا لِتُسَاوِي سَنَتُهُمْ السَّنَةَ الرُّومِيَّةَ، وَإِنْ جَهِلَ الْمُتَعَاقِدَانِ مَا ذُكِرَ مِنْ السِّنِينَ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لِلْجَهْلِ بِمُدَّةِ الْإِيجَارِ. (وَلَا تَصِحُّ) الْإِجَارَةُ (شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَيُطْلَقُ) ؛ لِلْجَهَالَةِ؛ لِافْتِقَارِ الْأَمَدِ إلَى التَّعْيِينِ - (وَلَوْ بِمُدَّةٍ تَلِي الْعَقْدَ - خِلَافًا لَهُ) - أَيْ - " لِلْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ تَلِيه - أَيْ الْعَقْدَ - لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهِ - أَيْ الِابْتِدَاءِ - وَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ، فَقَالَ: إنْ أَجَّرْتُك شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَنَحْوَهُمَا كَأُسْبُوعٍ؛ فَيَصِحُّ انْتَهَى كَلَامُ " الْإِقْنَاعِ " مَعَ شَرْحِهِ. وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ، فَاحْتَاجَ إلَى التَّعْيِينِ. . (وَلَا) يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى مَا يَقَعُ اسْمُهُ عَلَى شَيْئَيْنِ؛ كَقَوْلِهِ أَجَّرْتُك (لِنَحْوِ رَبِيعٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَرَبِيعُ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي؟ (أَوْ عِيدٍ) لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَعِيدُ الْفِطْرِ أَوْ النَّحْرِ؟ أَوْ جُمَادَى كَذَلِكَ؟ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ مِنْ أَيِّ سَنَةٍ وَعَلَى يَوْمٍ مِنْ أَيِّ أُسْبُوعٍ قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَلِيَ) مُدَّةُ الْإِجَارَةِ (الْعَقْدَ، فَتَصِحُّ) إجَارَةُ عَيْنٍ (لِسَنَةِ خَمْسٍ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ) ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مَعَ غَيْرِهَا، فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مُفْرَدَةً كَالَّتِي تَلِي الْعَقْدَ. (وَلَوْ) كَانَتْ الْعَيْنُ (مُؤَجَّرَةً أَوْ مَرْهُونَةً) وَقْتَ عَقْدٍ، (وَيَتَّجِهُ) تَصِحُّ

стр. 2190

إجَارَةُ الْمَرْهُونَةِ - (وَلَوْ بِلَا إذْنِ مُرْتَهِنٍ) - إنْ أَمْكَنَ التَّسْلِيمُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. أَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ (مَشْغُولَةً) بِنَحْوِ زَرْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ رَهْنٍ (وَقْتَ عَقْدٍ) ؛ كَمُسْلَمٍ فِيهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ وَقْتَ عَقْدٍ (إنْ قَدَرَ) مُؤَجِّرٌ (عَلَى تَسْلِيمِ) مَا أَجَّرَهُ (عِنْدَ وُجُوبِهِ) - أَيْ التَّسْلِيمِ - فَهُوَ أَوَّلُ دُخُولِ الْمُدَّةِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " فَمُرَادُ الْأَصْحَابِ مُتَّفِقٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ إجَارَةُ الْمُؤَجَّرِ، وَيُعْتَبَرُ التَّسْلِيمُ وَقْتَ وُجُوبِهِ. إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، (فَلَا تَصِحُّ) إجَارَةٌ (فِي) أَرْضٍ (مَشْغُولَةٍ بِغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ) وَنَحْوِهِمَا؛ كَأَمْتِعَةٍ كَثِيرَةٍ يَتَعَذَّرُ تَحْوِيلُهَا إذَنْ، إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ لِغَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ صَاحِبِ الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ (عِنْدَهُ) ؛ أَيْ: عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ. قَالَ فِي " الْفَائِقِ " ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا عَدَمُ صِحَّةِ إجَارَةِ الْمَشْغُولِ بِمِلْكِ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إجَارَةُ أَرْضٍ مَشْغُولَةٍ بِغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ لِلْغَيْرِ، مَا لَمْ يَأْذَنْ مَالِكُهَا، فَإِنْ أَذِنَ فَيَنْبَغِي الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ. (وَمَا لَمْ يُمْكِنْ إزَالَتُهُ) - أَيْ الشَّاغِلِ لِلْأَرْضِ - كَالْمَتَاعِ الْكَثِيرِ فِي الْبَيْتِ أَوْ الطَّعَامِ فِي الْمَخْزَنِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَتْ إزَالَتُهُ (فِي الْحَالِ) ؛ جَازَتْ إجَارَتُهُ لِغَيْرِهِ وَجْهًا وَاحِدًا. قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي " جَمْعِ الْجَوَامِعِ " وَهُوَ مُتَّجِهٌ. .

стр. 2191

تَتِمَّةٌ: لَوْ كَانَتْ مَشْغُولَةً فِي أَوَّلِ الْمُدَّةِ، ثُمَّ خَلَتْ فِي أَثْنَائِهَا، فَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: يَتَوَجَّهُ صِحَّتُهَا فِيمَا خَلَتْ فِيهِ مِنْ الْمُدَّةِ بِقِسْطِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَكَذَا يَتَّجِهُ فِيمَا إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهَا فِي أَوَّلِ الْمُدَّةِ، ثُمَّ أَمْكَنَ فِي أَثْنَائِهَا. (وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةُ عَيْنٍ مَرْهُونَةٍ (مِنْ رَاهِنِهَا) لِغَيْرِ الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ كَانَ (لَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَاءٍ) مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ؛ إذْ لَوْ قِيلَ بِالصِّحَّةِ؛ لَلَزِمَ تَأْخِيرُ حَقِّ الْمُرْتَهِن، وَإِنْ اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى إيجَارِ الْمَرْهُونِ، جَازَ. (وَلَا) تَصِحُّ إجَارَةٍ (مِنْ وَكِيلٍ مُطْلَقٍ) لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ الْمُوَكِّلُ أَمَدًا (مُدَّةً طَوِيلَةً) ، كَخَمْسِ سِنِينَ، (بَلْ) يُؤَجَّرُ (الْعُرْفَ) الْمَعْهُودَ غَالِبًا؛ (كَسَنَتَيْنِ وَ) نَحْوِهِمَا (كَثَلَاثِ) سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مَعَ الْإِطْلَاقِ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِأَهْلِي خُبْزًا، فَاشْتَرَى قِنْطَارًا مِنْهُ؛ فَلَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْوَكِيلَ الْمُطْلَقَ (فِي) إجَارَةِ (حَيَوَانٍ) لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ الْعُرْفَ؛ (كَشَهْرَيْنِ وَثَلَاثٍ) ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَقْتَضِيهَا. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَتَصِحُّ) إجَارَةٌ (فِي آدَمِيٍّ لِنَحْوِ رَعْيٍ) . قَالَ فِي " الْمُغْنِي "؛ لَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ اسْتِئْجَارِ الرَّاعِي (وَ) نَحْوِهِ؛ (كَخِدْمَةٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً) ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ

стр. 2192

لَا يَخُصُّ، (وَيُسَمَّى) مَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً (الْأَجِيرَ الْخَاصَّ؛ لِتَقْدِيرِ زَمَنٍ يَسْتَحِقُّ مُسْتَأْجِرُهُ نَفْعَهُ فِي جَمِيعِهِ) مُخْتَصًّا بِهِ، (سِوَى) زَمَنِ (فِعْلِ) الصَّلَوَاتِ (الْخَمْسِ بِسُنَنِهَا) الرَّاتِبَةِ (فِي أَوْقَاتِهَا) الْمَشْرُوعَةِ فِيهَا. (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّ لِلْأَجِيرِ الْخَاصِّ فِعْلَ الصَّلَاةِ (جَمَاعَةً) ، لَكِنْ قَالَ الْمَجْدُ: ظَاهِرُ النَّصِّ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ خُصُوصِ الْجَمَاعَةِ إلَّا بِإِذْنٍ أَوْ شَرْطٍ، (وَ) سِوَى زَمَنِ فِعْلِ (صَلَاةِ جُمُعَةٍ، وَ) صَلَاةِ (عِيدِ) [فِطْرٍ أَوْ أَضْحَ؛] فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ شَرْعًا، وَعَلَى قِيَاسِ الْخَمْسِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حُضُورُهَا. . (وَلَا يَسْتَنِيبُ) أَجِيرٌ خَاصٌّ فِيمَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ؛ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى عَيْنِهِ؛ كَمَنْ أَجَّرَ دَابَّةً مُعَيَّنَةً لِمَنْ يَرْكَبُهَا مُدَّةً، فَلَيْسَ لَهُ إبْدَالُهَا. (ثَانِيهمَا) - أَيْ الصُّورَتَيْنِ - أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْمَعْقُودُ عَلَى مَنْفَعَتِهَا (لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ؛ كَدَابَّةٍ) مُعِينَةً أَوْ مَوْصُوفَةً (لِرُكُوبٍ لِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ) ، أَوْ لِحَمْلِ شَيْءٍ مَعْلُومٍ إلَى مُعَيَّنٍ (كَبَلَدِ كَذَا، وَ) لَهُ (أَنْ يَرْكَبَ) الدَّابَّةَ الْمُسْتَأْجَرَةَ، لِلرُّكُوبِ (لِمَنْزِلِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) مَنْزِلُهُ (فِي أَوَّلِ عِمَارَتِهِ) - أَيْ الْبَلَدِ - لِأَنَّهُ الْعُرْفُ، (وَلَهُ) - أَيْ الْمُسْتَأْجِرِ - (رُكُوبُ) مُؤَجَّرَةٍ لِمَحَلِّ (مِثْلِهِ) - أَيْ الْمَكَانِ الَّذِي اسْتَأْجَرَ إلَيْهِ (فِي جَادَّةٍ) - أَيْ طَرِيقٍ - (مُمَاثِلَةٍ) لِلطَّرِيقِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (فِي)

стр. 2193

مَسَافَةٍ و (سُهُولَةٍ وَأَمْنٍ وَضِدِّهَا) - أَيْ فِي حُزُونَةٍ - وَخَوْفٍ، فَلَوْ كَانَتْ الطَّرِيقُ الَّتِي يَعْدِلُ إلَيْهَا أَقَلَّ ضَرَرًا؛ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " جَازَ فِي الْأَكْثَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " لِأَنَّ الْمَسَافَةَ عُيِّنَتْ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا الْمَنْفَعَةَ، وَيَعْلَمَ قَدْرَهَا بِهَا؛ فَلَمْ تَتَعَيَّنْ كَنَوْعِ الْمَحْمُولِ وَالرَّاكِبِ، (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ) فِي " الْمُغْنِي " جَوَازَ الْعُدُولِ إلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، (إنْ لَمْ يَكُنْ لِمُكْرٍ غَرَضٌ فِي) الْمَحَلِّ (الْأَوَّلِ) . قَالَ وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ مَتَى كَانَ لِلْمُكْرِي غَرَضٌ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ، لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهَا؛ (كَمُكْرٍ جِمَالَهُ لِمَكَّةَ لِيَحُجَّ مَعَهَا، أَوْ) إلَى (بَلَدٍ بِهِ أَهْلُهُ؛ فَلَا يَعْدِلُ مُكْتَرٍ لِغَيْرِهِ) ، وَلَوْ أَكْرَى جِمَالَهُ جُمْلَةً إلَى بَلَدٍ أُخْرَى، (وَيَتَّجِهُ تَصْوِيبُهُ) - أَيْ تَصْوِيبِ مَا قَالَهُ الْمُوَفَّقُ - وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَقَالَ: وَلَوْ أَكْرَى جِمَالَهُ إلَى بَغْدَادَ؛ لِكَوْنِ أَهْلِهِ بِهَا أَوْ بِبَلَدِ الْعِرَاقِ؛ لَمْ يَجُزْ الذَّهَابُ بِهَا إلَى مِصْرَ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ الْمَسَافَةَ لِغَرَضٍ فِي فَوَاتِهِ ضَرَرٌ؛ فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهُ، كَمَا فِي حَقِّ الْمُكْرِي، فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ حَمَلَهُ إلَى غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي اُكْتُرِيَ إلَيْهِ؛ لَمْ يَجُزْ. انْتَهَى. وَإِنْ سَلَكَ الْمُسْتَأْجِرُ أَبْعَدَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي اسْتَأْجَرَ إلَيْهِ، أَوْ سَلَكَ أَشَقَّ مِنْهُ؛ فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ؛ لِتَعَدِّيهِ بِهِ قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ. (وَمَنْ اكْتَرَى) بَعِيرًا وَنَحْوَهُ (لِمَكَّةَ؛ لَا يَرْكَبُ لِعَرَفَةَ) ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، (وَ) لَوْ اكْتَرَى (لِلْحَجِّ، فَلَهُ الرُّكُوبُ لِمَكَّةَ، ثُمَّ) الرُّكُوبُ مِنْ مَكَّةَ (لِعَرَفَةَ، ثُمَّ) الرُّكُوبُ (لِمَكَّةَ) لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ؛ (ثُمَّ) الرُّكُوبُ (لِمِنًى لِرَمْيِ الْجِمَارِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْكَبُ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ بِلَا شَرْطٍ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ انْقَضَى. (وَلَا يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ

стр. 2194

السَّيْرِ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمَا، وَلَا مَقْدُورًا عَلَيْهِ لَهُمَا، (وَإِنْ سُنَّ) ذِكْرُ قَدْرِ السَّيْرِ كُلَّ يَوْمٍ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ، (لَا سِيَّمَا إذَا كَانَا بِطَرِيقٍ لَيْسَ السَّيْرُ فِيهِ إلَيْهِمَا) ، وَإِنْ كَانَ الْكَرْيُ فِي طَرِيقِ السَّيْرِ إلَيْهِمَا؛ اُسْتُحِبَّ ذِكْرُ قَدْرِ السَّيْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَإِنْ أَطْلَقَ وَالطَّرِيقُ مَنَازِلُ مَعْرُوفَةٌ؛ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ، وَمَتَى اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ السَّيْرِ أَوْ وَقْتِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، أَوْ اخْتَلَفَا فِي مَوْضِعِ الْمَنْزِلِ، إمَّا دَاخِلَ الْبَلَدِ، أَوْ فِي خَارِجٍ مِنْهُ؛ حُمِلَ عَلَى الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلطَّرِيقِ عُرْفٌ وَأَطْلَقَا الْعَقْدَ، فَقَالَ الْمُوَفَّقُ: الْأَوْلَى صِحَّةُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِتَقْدِيرِ السَّيْرِ، وَيَرْجِعُ إلَى الْعُرْفِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الطَّرِيقِ. (وَ) يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ دَوَابِّ الْعَمَلِ، (كَبَقَرٍ) مُعَيَّنَةً أَوْ مَوْصُوفَةً (لِحَرْثِ) أَرْضٍ مَعْلُومَةٍ لَهُمَا بِالْمُشَاهَدَةِ؛ لِاخْتِلَافِ الْأَرْضِ بِالصَّلَابَةِ وَالرَّخَاوَةِ، فَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْبَقَرَ وَحْدَهَا لِيَحْرُثَ هُوَ بِهَا، وَأَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مَعَ صَاحِبِهِ بِآلَتِهَا مِنْ سِكَّةٍ وَغَيْرِهَا، وَيَجُوزُ تَقْدِيرُ الْعَمَلِ بِالْمِسَاحَةِ كَجَرِيبٍ أَوْ جَرِيبَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ، وَبِالْمُدَّةِ كَيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَهُوَ مِنْ الصُّورَةِ الْأُولَى الَّتِي فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ، لَا مِنْ الثَّانِيَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَيَعْتَبِرُ تَعْيِينَ الْبَقَرِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ. فَائِدَةٌ وَإِنْ شَرَطَ الْمُسْتَأْجِرُ حَمَلَ زَادٍ مُقَدَّرٍ كَمِائَةِ رِطْلٍ، وَشَرَطَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يُبْدِلَ مِنْهَا مَا نَقَصَ بِالْأَكْلِ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِصِحَّةِ الشَّرْطِ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يُبْدِلَهُ؛ فَلَيْسَ لَهُ إبْدَالُهُ عَمَلًا بِالشَّرْطِ، فَإِنْ ذَهَبَ بِغَيْرِ الْأَكْلِ؛ كَسَرِقَةٍ، أَوْ سُقُوطٍ ضَاعَ بِهِ؛ فَلَهُ إبْدَالُ مَا سُرِقَ أَوْ ضَاعَ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ إبْدَالًا، وَلَا عَدَمَهُ؛ فَلَهُ إبْدَالُ مَا ذَهَبَ بِسَرِقَةٍ أَوْ أَكْلٍ - وَلَوْ مُعْتَادًا - كَالْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ حَمْلَ مِقْدَارٍ مَعْلُومٍ؛ فَمَلَكَهُ مُطْلَقًا. (أَوْ) بَقَرٍ (لِدِيَاسِ) زَرْعٍ (مُعَيَّنٍ) ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ؛ كَالْحَرْثِ، (أَوْ) اسْتِئْجَارُ (آدَمِيٍّ) حُرٍّ أَوْ قِنٍّ؛ (لِيَدُلَّ عَلَى طَرِيقٍ) ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ

стр. 2195

اسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأُرَيْقِطِ هَادِيًا خِرِّيتًا - وَهُوَ الْمَاهِرُ - بِالْهِدَايَةِ لِيَدُلَّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ إلَى الْمَدِينَةِ» ، (أَوْ يُلَازِمَ غَرِيمًا) يَسْتَحِقُّ مُلَازَمَةً؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُحِقٌّ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ فِي الظَّاهِرِ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِالْحَقِّ، (أَوْ يَخِيطَ، أَوْ يُقَصِّرَ ثَوْبًا أَوْ يَقْلَعَ سِنًّا) أَوْ ضِرْسًا مُعِينَيْنِ. (أَوْ) اسْتِئْجَارُهُ (لِفَصْدٍ أَوْ خَتْنٍ) أَوْ حَلْقِ شَعْرٍ أَوْ تَقْصِيرِهِ أَوْ قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ؛ لِلْحَاجَةِ إلَى قَطْعِهِ لِنَحْوِ أَكْلِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَلَا يُكْرَهُ أَكْلُ أُجْرَتِهِ، وَمَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ؛ يَحْرُمُ الْقَطْعُ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ لَهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَنْعَ الشَّرْعِيَّ كَالْحِسِّيِّ. قَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَمِثْلُهُ حَلْقُ اللِّحْيَةِ؛ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ لَهُ. أَوْ اسْتِئْجَارُ طَبِيبٍ (لِمُدَاوَاةِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ) ؛ فَيَصِحُّ، (أَوْ حَلْبِ) حَيَوَانٍ (وَذَبْحِ أَوْ سَلْخِ حَيَوَانٍ) مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أَعْمَالٌ مُبَاحَةٌ، لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ؛ فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا؛ كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمُبَاحَةِ. (وَ) كَاسْتِئْجَارِ (رَحًى لِطَحْنِ شَيْءٍ مَعْلُومٍ) مِنْ حَبٍّ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، فَمِنْهُ مَا يَسْهُلُ؛ وَمِنْهُ مَا يَعْسُرُ. [تَنْبِيهٌ مَا لَا عَمَلَ لَهُ كَدَارٍ وَأَرْضٍ لَا يُؤَجَّرُ إلَّا لِمُدَّةٍ] قَالَهُ الْمَجْدُ (وَمَا لَهُ عَمَلٌ يَنْضَبِطُ يَجُوزُ تَقْدِيرُ إيجَارِهِ بِمُدَّةٍ وَعَمَلٍ) ، وَيَكْفِي ذِكْرُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، (وَشَرْطُ عِلْمِ) كُلِّ (عَمَلٍ) اُسْتُؤْجِرَ لَهُ، (وَضَبْطُهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ مَجْهُولًا؛ فَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ مَعَهُ، (فَيُعْتَبَرُ فِي إجَارَةٍ دَابَّةٍ لِإِدَارَةِ رَحًى مَعْرِفَةُ) صَاحِبِ الدَّابَّةِ (الْحَجَرَ، إمَّا بِنَظَرِ أَوْ وَصْفٍ) ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْبَهِيمَةِ يَخْتَلِفُ بِثِقَلِهِ وَخِفَّتِهِ، (وَ) يُعْتَبَرُ [تَقْدِيرُ عَمَلٍ] بِزَمَانٍ؛ (كَيَوْمٍ) أَوْ يَوْمَيْنِ (أَوْ طَعَامٍ) اُعْتُبِرَ ذِكْرُ كَيْلِهِ؛ (كَقَفِيزٍ، وَ) اُعْتُبِرَ (ذِكْرُ جِنْسٍ مَطْحُونٍ؛ كَاسْتِئْجَارِ رَحًى لِطَحْنِ بُرٍّ) أَوْ شَعِيرٍ أَوْ ذُرَةٍ. (وَ) إنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً (لِإِدَارَةِ دُولَابٍ؛ اُعْتُبِرَ مُشَاهَدَتُهُ) - أَيْ الدُّولَابِ - (مَعَ) مُشَاهَدَةِ (دِلَائِهِ) ؛ لِاخْتِلَافِهَا، (وَ) اُعْتُبِرَ (تَقْدِيرُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (بِزَمَنٍ أَوْ مِلْءِ نَحْوِ حَوْضٍ، وَلَا) يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ (بِسَقْيِ أَرْضٍ لِتُرْوَى) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ.

стр. 2196

وَإِنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً (لِسَقْيٍ بِدَلْوٍ اُعْتُبِرَ مُشَاهَدَتُهُ) - أَيْ الدَّلْوِ - (وَ) اُعْتُبِرَ (تَقْدِيرُهُ بِعَدَدِ) الدِّلَاءِ، (أَوْ زَمَنٍ) كَيَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ، (أَوْ بِمَاءٍ نَحْوَ حَوْضٍ) كَبِرْكَةٍ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَإِنْ قُدِّرَ السَّقْيُ (بِشُرْبِ مَاشِيَةٍ) ؛ جَازَ؛ (لِأَنَّ شُرْبَهَا يَتَقَارَبُ غَالِبًا) ؛ كَمَا يَجُوزُ تَقْدِيرُهُ (بِبَلِّ تُرَابٍ مَعْرُوفٍ) لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْعُرْفِ. وَإِنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً (لِسَقْيٍ عَلَيْهَا؛ اُعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ الْآلَةِ) الَّتِي يَسْقِي فِيهَا (مِنْ رَاوِيَةِ أَوْ قِرْبَةٍ أَوْ جِرَارٍ) إمَّا بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِالصِّفَةِ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ وَيُقَدَّرُ الْعَمَلُ بِالزَّمَانِ؛ كَيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ، أَوْ بِالْعَدَدِ، أَوْ بِمِثْلِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ قُدِّرَ الْعَمَلُ بِقَدْرِ الْمَرَّاتِ احْتَاجَ إلَى (مَعْرِفَةِ) الْمَكَانِ الَّذِي يَسْتَقِي مِنْهُ، وَمَعْرِفَةِ (الْمَكَانِ) الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ بِالْمَاءِ، وَيَصُبُّ فِيهِ (لِلسَّقْيِ مِنْ قُرْبٍ وَبُعْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ. وَمَنْ اكْتَرَى زَوْرَقًا - هُوَ نَوْعٌ مِنْ السُّفُنِ - فَزَوَاهُ؛ بِأَنْ جَمَعَهُ مَعَ زَوْرَقٍ لَهُ، فَغَرِقَا؛ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهَا مُخَاطَرَةٌ لِاحْتِيَاجِهِمَا إلَى الْمُسَاوَاةِ كَكِفَةِ الْمِيزَانِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْرًا لِاسْتِقَاءِ مَاءٍ، فَقَرَنَهُ بِثَوْرٍ آخَرَ لِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ، فَتَلِفَ؛ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهَا مُخَاطَرَةٌ. (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّتَيْنِ وَاحِدَةً لِمَكَّةَ، وَالْأُخْرَى لِلْمَدِينَةِ؛ بَيَّنَ) الدَّابَّةَ (الَّتِي لِمَكَّةَ) ، وَبَيَّنَ الدَّابَّةَ (الَّتِي لِلْمَدِينَةِ) قَطْعًا لِلنِّزَاعِ. (وَ) إنْ اسْتَأْجَرَ (لِحَفْرِ نَحْوِ بِئْرٍ) كَمَغَارَةٍ (أَوْ) [حَفْرِ] (نَهْرٍ) أَوْ سَاقِيَةٍ؛ (اُعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ أَرْضٍ تُحْفَرُ، وَ) اُعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ (دُورِ بِئْرٍ، وَ) اُعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ (عُمْقِهَا) ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تَخْتَلِفُ بِالصَّلَابَةِ وَضِدِّهَا، (وَ) اُعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ (آلَتِهَا إنْ طَوَاهَا) ؛ أَيْ: بَنَاهَا، وَاعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ (طُولِ نَهْرٍ وَعَرْضِهِ وَعُمْقِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ. وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا اُسْتُؤْجِرَ لِحَفْرِهَا، (فَعَلَيْهِ نَقْلُ تُرَابِهَا مِنْهَا) - أَيْ الْبِئْرِ - لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْحَفْرُ إلَّا بِهِ، فَقَدْ تَضْمَنَّهُ الْعَقْدُ، (فَإِنْ تَهَوَّرَ) فِيهَا (تُرَابٌ مِنْ جَانِبِهَا، أَوْ سَقَطَ فِيهَا) - أَيْ الْبِئْرِ - (نَحْوُ بَهِيمَةٍ) فَانْهَالَ

стр. 2197

بِهَا تُرَابٌ؛ (لَمْ يَلْزَمْهُ) - أَيْ الْأَجِيرَ - (إخْرَاجُهُ) - أَيْ التُّرَابِ - (وَهُوَ عَلَى مُكْتَرٍ) لِحَفْرِهَا، إنْ أَرَادَ تَنْظِيفَهَا؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ فِيهَا مِنْ مِلْكِهِ، وَلَمْ يَتَضَمَّنْ عَقْدَ الْإِجَارَةِ رَفْعَهُ. (وَإِنْ وَصَلَ الْأَجِيرُ) فِي الْحَفْرِ (لِصَخْرَةٍ أَوْ مَحَلٍّ صُلْبٍ) - بِضَمِّ الصَّادِ؛ أَيْ: جَمَادٍ - (يَمْنَعُ الْحَفْرَ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ) - أَيْ الْأَجِيرَ - (حَفْرُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ) الصَّخْرَ وَنَحْوَهُ (مُخَالِفٌ لَمَا شَاهَدَهُ فَوْقَ) ، فَإِذَا ظَهَرَ فِي الْأَرْضِ مَا يُخَالِفُ الْمُشَاهَدَةَ؛ كَانَ لِلْأَجِيرِ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ؛ كَخِيَارِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ. (فَإِنْ فَسَخَ) الْأَجِيرُ؛ (فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِسْطِ مَا عَمِلَ) ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْإِتْمَامِ لَيْسَ مِنْ قِبَلِهِ، فَيَسْقُطُ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْعَمَلِ، وَعَلَى مَا عَمِلَ الْأَجِيرُ، (فَيُقَالُ: كَمْ أَجْرُ مَا عَمِلَ وَكَمْ أَجْرُ مَا بَقِيَ) ؟ فَيَسْقُطُ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى عَلَيْهِمَا، فَإِذَا فَرَضْنَا أَنَّ أَجْرَ مَا عَمِلَ عَشْرَةٌ وَمَا بَقِيَ خَمْسَةً عَشَرَ؛ فَلَهُ خُمُسَانِ، (وَلَا يُقَسَّطُ عَلَى عَدَدِ الْأَذْرُعِ؛ لِأَنَّ أَعْلَى الْبِئْرِ يَسْهُلُ نَقْلُ التُّرَابِ مِنْهُ، وَأَسْفَلَهُ يَشُقُّ) هَذَا مَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " وَالْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. (فَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِحَفْرِ بِئْرِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ طُولًا وَعَشَرَةً عَرْضًا وَعَشَرَةً عُمْقًا، فَحَفَرَ الْأَجِيرُ خَمْسَةً طُولًا فِي خَمْسَةٍ عَرْضًا فِي خَمْسَةٍ عُمْقًا) ؛ وَأَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ لَهُ، (فَاضْرِبْ عَشَرَةً بِعَشَرَةٍ فِي مِائَةٍ، فَاضْرِبْهَا فِي عَشَرَةٍ بِأَلْفٍ) ؛ فَهِيَ الَّتِي اُسْتُؤْجِرَ لِحَفْرِهَا (وَاضْرِبْ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، فَاضْرِبْهَا فِي خَمْسَةٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ) ، وَذَلِكَ الَّذِي حَفَرَهُ (وَهُوَ) - أَيْ الْخَارِجُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَلْفِ - (ثَمَنُ الْأَلْفِ فَلَهُ) - أَيْ الْأَجِيرِ - (ثَمَنُ الْأُجْرَةِ) ؛ لِأَنَّهُ وَفَّى بِثَمَنِ الْعَمَلِ، وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا قَدَّمَهُ، فَتَنَبَّهْ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ صَاحِبِ الرِّعَايَةِ " وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ، وَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ الْأَوَّلَ عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ. وَإِنْ نَبَعَ مِنْ الْمَحْفُورِ مِنْ بِئْرٍ أَوْ نَهْرٍ مَا مَنَعَ الْأَجِيرَ مِنْ الْحَفْرِ؛ فَكَالصَّخْرَةِ فِي الْحُكْمِ، لِلْأَجِيرِ الْفَسْخُ، وَيُقَسَّطُ الْمُسَمَّى عَلَى مَا عَمِلَ

стр. 2198

وَمَا بَقِيَ، وَيَأْخُذُ بِالْقِسْطِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُحْكَى أَنَّ شَخْصَيْنِ مَعَ أَحَدِهِمَا ثَلَاثَةُ أَرْغِفَةٍ وَمَعَ الْآخَرِ خَمْسَةُ، فَخَلَطَا الْجَمِيعَ، فَجَاءَهُمَا ثَالِثٌ، فَأَكَلَ مَعَهُمَا، ثُمَّ أَجَازَهُمَا بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ، فَتَرَافَعَا إلَى عَلِيٍّ، فَحَكَمَ لِرَبِّ الثَّلَاثَةِ بِوَاحِدٍ، وَلِرَبِّ الْخَمْسَةِ بِسَبْعَةٍ، وَقَالَ لَهُمَا: لِأَنَّ مَجْمُوعَ الْخُبْزِ يُضْرَبُ فِي ثَلَاثَةٍ عَدَدِ الْأَشْخَاصِ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ تُضْرَبُ أَرْغِفَةُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي الثَّلَاثَةِ؛ فَلِرَبِّ الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ بِتِسْعَةٍ، أُكِلَ مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ، وَبَقِيَ وَاحِدٌ، وَلِرَبِّ الْخَمْسَةِ خَمْسَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، أُكِلَ مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ، وَبَقِيَ سَبْعَةٌ؛ فَتَمَّ لِكُلٍّ ثَمَانِيَةٌ، وَهِيَ مَجْمُوعُ الْأَرْبَعِ وَعِشْرِينَ. [تَنْبِيهٌ وَلَا تُعْرَفُ الْأَرْضُ الْمُرَادَةُ لِلْحَرْثِ بِغَيْرِ مُشَاهَدَةٍ] (تَنْبِيهٌ: وَلَا تُعْرَفُ الْأَرْضُ) الْمُرَادَةُ (لِلْحَرْثِ بِغَيْرِ مُشَاهَدَةٍ) ؛ لِاخْتِلَافِهَا بِالصَّلَابَةِ وَالرَّخَاوَةِ، (وَأَمَّا تَقْدِيرُ الْعَمَلِ، فَيَجُوزُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ، إمَّا بِمُدَّةٍ كَيَوْمٍ، أَوْ تَحْدِيدِ عَمَلٍ) ؛ كَقَوْلِهِ: (هَذِهِ الْقِطْعَةُ، أَوْ) قَوْلِهِ: (اُحْرُثْ مِنْ هُنَا إلَى هُنَا، أَوْ) بِمِسَاحَةٍ؛ كَقَوْلِهِ لَهُ اُحْرُثْ (جَرِيبًا) ، أَوْ جَرِيبَيْنِ، أَوْ كَذَا ذِرَاعًا فِي كَذَا ذِرَاعًا، (وَمَعَ تَقْدِيرِهِ) - أَيْ الْعَمَلِ - (بِمُدَّةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ بَقَرٍ تَحْرُثُ) ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا. (وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِكَحْلِ) عَيْنَيْ أَرْمَدُ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ جَائِزٌ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ، أَوْ اُسْتُؤْجِرَ طَبِيبٌ (لِمُدَاوَاةِ) مَرِيضٍ؛ صَحَّ، (وَاشْتَرَطَ تَقْدِيرَهُ) - أَيْ التَّكْحِيلَ أَوْ الْمُدَاوَاةَ - بِمَا يَنْضَبِطُ بِهِ مِنْ عَمَلٍ أَوْ مُدَّةٍ، وَلَمَّا جَعَلَ الْمُصَنِّفُ تَقْدِيرَ الْعَمَلِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ؛ احْتَاجَ إلَى أَنْ يَقُولَ: (وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) كَانَ التَّقْدِيرُ (بِمَرَّةٍ) وَاحِدَةٍ (أَوْ مَرَّاتٍ) مُتَعَدِّدَةٍ حَيْثُ كَانَتْ مَعْلُومَةً، (خِلَافًا لَهُ) أَيْ لِلْإِقْنَاعِ " لِاعْتِبَارِهِ صِحَّةَ تَقْدِيرِ الْعَمَلِ بِالْمُدَّةِ، وَعِبَارَتُهُ وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ كَحَّالًا لِيُكْحِلَ عَيْنَهُ، وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ انْتَهَى. وَلَمْ يَشْتَرِطْ تَقْدِيرَ الْعَمَلِ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهِمَ مِنْ الْإِقْنَاعِ " أَنَّهُ مَنَعَ صِحَّةَ التَّقْدِيرِ بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّاتٍ مَعَ أَنَّ عِبَارَتَهُ لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ نَفْيُ مَا عَدَاهُ، فَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ لَا حَاجَةٍ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَشَأَ

стр. 2199

هَذَا الْخَلَلُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْمُصَنِّفِ تَقْدِيرَ الْعَمَلِ، فَلَوْ أَسْقَطَ هَذَا الِاشْتِرَاطَ؛ لَحَصَلَ بَيْنَ كَلَامِهِ وَكَلَامِ " الْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِ كَمَالُ الِارْتِبَاطِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " قَوْلُ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ كَحَّالًا لِيُكَحِّلَ عَيْنَهُ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ جَائِزٌ، وَيُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يُقَدَّرَ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ غَيْرُ مَضْبُوطٍ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ اشْتِرَاطُ تَقْدِيرِ الْعَمَلِ، (أَوْ) ؛ أَيْ: وَاشْتِرَاطُ تَقْدِيرِ الْعَمَلِ (بِمُدَّةٍ كَشَهْرٍ) ؛ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ بِدُونِهَا؛ وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ ذَلِكَ (بِزَمَنِ بُرْءٍ؛ لِجَهَالَتِهِ) - أَيْ الْبُرْءِ -. (وَكَذَا) لَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ إنْسَانًا (لِتَطْيِينِ سَطْحٍ، وَ) تَطْيِينِ (حَائِطٍ وَتَجْصِيصِهِ؛ لِاخْتِلَافِ طِينٍ بِرِقَّةٍ وَغِلَظٍ) ، وَأَرْضُ السَّطْحِ تَخْتَلِفُ، فَمِنْهَا الْعَالِي وَالنَّازِلُ، وَكَذَا الْحِيطَانُ؛ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا عَلَى مُدَّةٍ، (وَشُرِطَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ - (بَيَانُ عَدَدِ مَا يُكْحِلُهُ كُلَّ يَوْمٍ) فَيَقُولُ: (مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) ، فَإِنْ كَانَ الْكُحْلُ مِنْ الْعَلِيلِ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ آلَةَ الْعَمَلِ تَكُونُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ؛ كَاللَّبِنِ فِي الْبِنَاءِ وَالطِّينِ وَالْآجُرِّ وَنَحْوِهَا. وَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْكَحَّالِ جَازَ، خِلَافًا لِلْقَاضِي؛ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ، وَيَشُقُّ عَلَى الْعَلِيلِ تَحْصِيلُهُ، وَقَدْ يَعْجِزُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَجَازَ ذَلِكَ؛ كَالصَّبْغِ مِنْ الصَّبَّاغِ وَالْحِبْرِ وَالْأَقْلَامِ مِنْ النَّاسِخِ، وَاللَّبَنِ فِي الرَّضَاعِ، وَفَارَقَ لَبِنَ الْحَائِطِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَحْصِيلُ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ، وَلَا يَشُقُّ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ مُدَّةً، فَكَحَّلَهُ؛ فَلَمْ تَبْرَأْ عَيْنُهُ، فَإِنَّهُ (يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ) ؛ لِأَنَّهُ وَفَّى بِالْعَمَلِ الَّذِي وَقَعَ

стр. 2200

عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَوَجَبَ لَهُ الْأَجْرُ - (وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ) - كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِبِنَاءِ حَائِطٍ يَوْمًا أَوْ لِخَيَّاطَةِ قَمِيصٍ، فَلَمْ يُتِمَّهُ فِيهِ، (وَإِنْ بَرِئَ) الْأَرْمَدُ (فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ) ؛ انْفَسَخَتْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ حَجَرَ عَنْهُ أَمْرٌ غَالِبٌ، (أَوْ مَاتَ) فِي أَثْنَائِهَا؛ (انْفَسَخَتْ) الْإِجَارَةُ؛ لِمَا مَرَّ، وَيَسْتَحِقُّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِالْقِسْطِ. (وَإِنْ امْتَنَعَ مَرِيضٌ مِنْ طِبٍّ مَعَ بَقَاءِ مَرَضٍ) فِي عَيْنِهِ؛ (اسْتَحَقَّ الطَّبِيبُ الْأُجْرَةَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ) ؛ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْبِنَاءِ، فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ، وَقَدْ بَذَلَ الْأَجِيرُ مَا عَلَيْهِ. (وَإِنْ قَدَّرَهَا) - أَيْ: الْمُدَّةَ - (بِالْبُرْءِ؛ لَمْ تَصِحَّ) الْمُشَارَطَةُ (إجَارَةً) ؛ لِأَنَّ الْبُرْءَ مَجْهُولٌ، (وَلَا) تَصِحُّ (جَعَالَةً) عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَيَأْتِي فِي الْجَعَالَةِ. [تَتِمَّة يَسْتَأْجِرَ طَبِيبًا لِمُدَاوَاتِهِ] تَتِمَّةٌ: وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَبِيبًا لِمُدَاوَاتِهِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْكَحَّالِ سَوَاءٌ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الدَّوَاءِ عَلَى الطَّبِيبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا جَازَ فِي الْكَحَّالِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَجَرْيِ الْعَادَةِ بِهِ فِي الْكُحْلِ دُونَ الدَّوَاءِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الْمَعْنَى هَا هُنَا، فَثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ، وَيَمْلِكُ الْأُجْرَةَ، وَلَوْ أَخْطَأَ فِي تَطْبِيبِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي " جَمْعِ الْجَوَامِعِ " قَالَ: وَيَلْزَمُهُ مَا الْعَادَةُ أَنْ يُبَاشِرَهُ مِنْ وَصْفِ الْأَدْوِيَةِ وَتَرْكِيبِهَا وَعَمَلِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَادَتُهُ تَرْكِيبَهَا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حُقْنَةٍ وَفَصْدٍ وَنَحْوِهِمَا، إنْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ، أَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُبَاشِرَهُ، وَإِلَّا فَلَا. (وَ) يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَقْلَعَ لَهُ ضِرْسَهُ أَوْ سِنَّهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى قَلْعِهِ، (فَإِنْ أَخْطَأَ) الْأَجِيرُ، (فَقَلَعَ غَيْرَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ ضِرْسٍ؛ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ، وَلَا فَرْقَ فِي ضَمَانِهَا بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ إلَّا فِي الْقِصَاصِ وَعَدَمِهِ. (وَتَنْفَسِخُ) الْإِجَارَةُ (بِبُرْءٍ قَبْل قَلْعِهِ) ؛ لِأَنَّ قَلْعَهُ بَعْدَ بُرْئِهِ غَيْرُ جَائِزٍ، (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) - أَيْ: الْمَرِيضِ (فِي بُرْئِهِ) - أَيْ: الضِّرْسِ - لِأَنَّهُ أَدْرَى

стр. 2201

بِهِ، (وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ) الضِّرْسُ، (وَامْتَنَعَ رَبُّهُ مِنْ قَلْعِهِ؛ لَمْ يُجْبَرْ) عَلَى قَلْعِهِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافُ جُزْءٍ مِنْ الْآدَمِيِّ مُحَرَّمٌ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ إذَا صَارَ بَقَاؤُهُ ضَرَرًا، أَوْ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى كُلِّ إنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ إذَا كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَصَاحِبُ الضِّرْسِ أَعْلَمُ بِمَضَرَّتِهِ وَنَفْعِهِ وَقَدْرِ أَلَمِهِ. . [فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ ضَرْبَيْ الْإِجَارَةِ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَنْفَعَةٍ بِذِمَّةٍ] (فَصْلٌ) (الضَّرْبُ الثَّانِي) مِنْ ضَرْبَيْ الْإِجَارَةِ: أَنْ تَكُونَ (عَلَى مَنْفَعَةٍ بِذِمَّةٍ) ، وَهِيَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ؛ كَاسْتَأْجَرْتُكَ لِحَمْلِ هَذِهِ الْغِرَارَةِ الْبُرِّ إلَى مَحَلِّ كَذَا عَلَى بَعِيرٍ تُقِيمُهُ مِنْ مَالِكَ بِكَذَا. وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلٍّ مَوْصُوفٍ؛ كَاسْتَأْجَرْتُكَ لِحَمْلِ غِرَارَةِ بُرٍّ صِفَتُهُ كَذَا إلَى مَكَّةَ بِكَذَا. (وَشَرَطَ ضَبْطَهَا) - أَيْ: الْمَنْفَعَةِ - (بِمَا) - أَيْ وَصْفٍ - (لَا يَخْتَلِفُ) بِهِ الْعَمَلُ؛ (كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ) يُذْكَرُ قَدْرُهُ وَجِنْسُهُ وَصِفَتُهُ لِخِيَاطَةٍ، (وَبِنَاءِ دَارٍ) يَذْكُرُ الْآلَةَ وَنَحْوَهَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (وَحَمْلٍ) لِشَيْءٍ يَذْكُرُ جِنْسَهُ وَقَدْرَهُ، وَأَنَّ الْحَمْلَ (لِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ) ؛ لِيَحْصُلَ الْعِلْمُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ (كَحَمْلِ جَمَاعَةٍ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ) ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ عَدَدِهِمْ، (فَمَا) - أَيْ: كُلُّ مَوْضِعٍ - (وَقَعَ) الْعَقْدُ (عَلَى مُدَّةٍ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ ظَهْرٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالْغَرَضُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ. (وَ) إنْ وَقَعَ الْعَقْدُ (عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ) - أَيْ: مَعْرِفَةُ الظَّهْرِ الَّذِي يَحْمِلُ عَلَيْهِ - لِأَنَّ الْقَصْدَ الْعَمَلُ، وَحَيْثُ ضُبِطَ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ، (أَوْ) وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى (رُكُوبِ عَقَبَةٍ، بِأَنْ يَرْكَبَ تَارَةً وَيَمْشِيَ أُخْرَى) ؛ لَمْ يُشْتَرَطْ مَعْرِفَةُ رُكُوبٍ؛ لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِدُونِهَا، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ اكْتِرَاؤُهَا فِي الْجَمِيعِ؛ جَازَ فِي الْبَعْضِ، (وَ) لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْعَقَبَةِ مَعْلُومَةً، (فَتُقَدَّرُ بِمَسَافَةٍ) كَفَرَاسِخَ مَعْلُومَةٍ؛ بِأَنْ يَرْكَبَ فَرْسَخًا وَيَمْشِيَ آخَرَ، (أَوْ)

стр. 2202

تُقَدَّرُ (بِزَمَنٍ) ؛ بِأَنْ يَرْكَبَ لَيْلًا وَيَمْشِيَ نَهَارًا، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَيُعْتَبَرُ فِي هَذَا زَمَانُ السَّيْرِ دُونَ زَمَانِ النُّزُولِ. (وَيَتَّجِهُ أَنَّ إطْلَاقَهَا) - أَيْ: الْعَقَبَةُ - (لَا يَقْتَضِي رُكُوبَ نِصْفِ الطَّرِيقِ؛ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا) - أَيْ: إجَارَةِ الْعَقَبَةِ - (بِعَدَمِ التَّقْدِيرِ) قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، وَلَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا انْتَهَى. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِطْلَاقُهَا يَقْتَضِي رُكُوبَ نِصْفِ الطَّرِيقِ انْتَهَى. وَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " احْتِمَالٌ مَرْجُوحٌ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيَمْشِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ مَا زَادَ وَنَقَصَ؛ جَازَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا؛ لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمَاشِي، لِدَوَامِ الْمَشْيِ، وَعَلَى الْمَرْكُوبِ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْبَادِئِ مِنْهُمَا؛ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَتَعَيَّنَتْ الْقُرْعَةُ. (وَ) وَشُرِطَ (كَوْنُ أَجِيرٍ فِيهَا) - أَيْ: الْمَنْفَعَةُ فِي الذِّمَّةِ - (آدَمِيًّا جَائِزَ التَّصَرُّفِ) ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ، فَلَمْ تَجُزْ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، (وَيُسَمَّى) الْأَجِيرُ فِيهَا (الْمُشْتَرِكُ لِتَقْدِيرِ نَفْعِهِ بِالْعَمَلِ) ، وَلِأَنَّهُ يَتَقَبَّلُ أَعْمَالًا لِجَمَاعَةٍ، فَتَكُونُ مَنْفَعَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ، (وَ) وَشَرَطَ (أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ وَعَمَلٍ) ؛ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا (لِيَخِيطَهُ) - أَيْ: هَذَا الثَّوْبُ - (فِي يَوْمٍ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْرُغُ مِنْهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْيَوْمِ، فَإِنْ اسْتَعْمَلَ فِي بَقِيَّتِهِ؛ فَقَدْ زَادَ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ؛ فَقَدْ تَرَكَهُ فِي بَعْضِ زَمَنِهِ، فَيَكُونُ غَرَرًا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ.

стр. 2203

(وَيَصِحُّ) الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ (جَعَالَةً) ؛ لِأَنَّهُ يُفْتَقَرُ فِيهَا مَا لَا يُفْتَقَرُ فِي الْإِجَارَةِ. قَالَ الشَّارِحُ: فَإِذَا أَتَمَّ الْعَمَلَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَمَلُ فِي بَقِيَّتِهَا، لِأَنَّهُ وَفَّى مَا عَلَيْهِ قَبْلَ مُدَّتِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ أَجَلِهِ، وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ الْعَمَلِ؛ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْأَجِيرَ لَمْ يَفِ لَهُ بِشَرْطِهِ، فَإِنْ رَضِيَ بِالْبَقَاءِ عَلَيْهِ لَمْ يَمْلِكْ الْأَجِيرُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِالشَّرْطِ مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى الْفَسْخِ، فَإِنْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْعَقْدِ طَالَبَهُ بِالْعَمَلِ لَا غَيْرُ؛ كَالْمُسَلِّمِ إذَا صَبَرَ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ إلَى حِينِ وُجُودِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَإِنْ فُسِخَ الْعَقْدُ قَبْلَ الْعَمَلِ؛ سَقَطَ الْأَجْرُ وَالْعَمَلُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ عَمَلِ بَعْضِهِ؛ فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْفَسَخَ، فَسَقَطَ الْمُسَمَّى، وَرَجَعَ إلَى أَجْرِ الْمِثْلِ انْتَهَى. (وَيَلْزَمُهُ) - أَيْ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ - (الشُّرُوعُ) فِي عَمَلِ مَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ (عَقِبَ الْعَقْدِ) ؛ لِجَوَازِ مُطَالَبَتِهِ بِهِ إذَنْ، (فَإِنْ أَخَّرَ) الْعَمَلَ (بِلَا عُذْرٍ) ، فَتَلِفَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ؛ (ضَمِنَ) ؛ لِتَلَفِهِ بِسَبَبِ تَرْكِهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. (وَ) وَشُرِطَ (كَوْنُ عَمَلٍ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ بِمُسْلِمٍ) ؛ كَخِيَاطَةٍ وَنِسَاجَةٍ وَنَحْوِهِمَا، أَمَّا إنْ كَانَ فَاعِلُهُ يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ (كَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَإِمَامَةٍ وَتَعْلِيمِ قُرْآنٍ وَفِقْهٍ وَحَدِيثٍ وَنِيَابَةٍ فِي حَجٍّ وَقَضَاءٍ) بَيْنَ النَّاسِ؛ فَتَحْرُمُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ. وَلَا تَصِحُّ، (وَلَا يَقَعُ إلَّا قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى وَغَيْرُهُ: هَذَا أَصَحُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ الْعَاصِ «إنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: «عَلَّمْت نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَةَ، فَأَهْدَى إلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا، قَالَ: قُلْت: قَوْسٌ، وَلَيْسَ بِمَالٍ. قَالَ: قُلْت: أَتَقَلَّدُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَقَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، قَالَ: إنْ سَرَّك أَنْ يُقَلِّدَك اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» . وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ

стр. 2204

«أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ، فَأَهْدَى لَهُ خَمِيصَةً أَوْ ثَوْبًا، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّك لَوْ لَبِسْتَهَا لَأَلْبَسَكَ اللَّهُ مَكَانَهَا ثَوْبًا مِنْ نَارٍ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ ". وَعَنْ أُبَيٍّ قَالَ: «كُنْت أَخْتَلِفُ إلَى رَجُلٍ مُسِنٍّ قَدْ أَصَابَتْهُ عِلَّةٌ وَقَدْ احْتَبَسَ فِي بَيْتِهِ أُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَكَانَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِمَّا أُقْرِئُهُ يَقُولُ لِلْجَارِيَةِ: هَلُمِّي طَعَامَ أَخِي، فَيُؤْتَى بِطَعَامٍ لَا آكُلُ مِثْلَهُ بِالْمَدِينَةِ، فَجَالَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ الطَّعَامُ طَعَامَهُ وَطَعَامَ أَهْلِهِ فَكُلْ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ يُتْحِفُكَ بِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ» ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ» . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: هَذِهِ الرُّغْفَانُ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْمُعَلِّمُونَ مِنْ السُّحْتِ. وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَوْنُهَا قُرْبَةً إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَصِحُّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا يُصَلِّي خَلْفَهُ الْجُمُعَةَ أَوْ التَّرَاوِيحَ، وَقِيلَ: يَصِحُّ لِلْحَاجَةِ. نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: التَّعْلِيمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِهَؤُلَاءِ السَّلَاطِينِ، وَمِنْ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِرَجُلٍ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ فِي ضَيْعَةٍ، وَمِنْ [أَنْ] يَسْتَدِينَ، وَيَتَّجِرَ لَعَلَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ، فَيَلْقَى اللَّهَ بِأَمَانَاتِ النَّاسِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَإِهْدَائِهَا إلَى الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الْقَارِئَ، إذَا قَرَأَ لِأَجْلِ الْمَالِ؛ فَلَا ثَوَابَ لَهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ يُهْدَى إلَى الْمَيِّتِ؟ : وَإِنَّمَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى مُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التَّعْلِيمِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ الْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ لِيَحُجَّ، لَا أَنْ يَحُجَّ لِيَأْخُذَ، فَمَنْ أَحَبَّ إبْرَاءَ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، أَوْ رُؤْيَةَ الْمَشَاعِرِ، يَأْخُذُ لِيَحُجَّ، وَمِثْلُهُ كُلُّ رِزْقٍ أُخِذَ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ، يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ يَقْصِدُ الدِّينَ فَقَطْ وَالدُّنْيَا وَسِيلَةٌ، وَعَكْسُهُ؛ فَالْأَشْبَهُ أَنَّ عَكْسَهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَمَنْ حَجّ عَنْ غَيْرِهِ لِيَسْتَفْضِلَ

стр. 2205

مَا يُوَفِّي دَيْنَهُ، الْأَفْضَلُ تَرْكُهُ، لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ. انْتَهَى. (وَيَتَّجِهُ وَلَا يُعَارِضُهُ) ؛ أَيْ: لَا يُعَارِضُ قَوْلُهُ هُنَا: وَلَا يَقَعُ إلَّا قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ (مَا مَرَّ آخِرُ) كِتَابِ (الْجَنَائِزِ) مِنْ قَوْلِهِمْ: وَكُلُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا مُسْلِمٌ وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِحَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ؛ جَازَ، وَنَفَعَهُ ذَلِكَ بِحُصُولِ الثَّوَابِ لَهُ؛ (لِأَنَّهُ هُنَا فِعْلُهُ) الْقُرْبَةِ (فِي نَظِيرِ الْأُجْرَةِ، وَلَمْ تُسَلَّمْ) الْأُجْرَةُ (لَهُ، فَكَانَ الثَّوَابُ لَهُ) ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ. (وَيَحْرُمُ أَخْذُ أُجْرَةٍ عَلَيْهِ) - أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْعَمَلِ الْمُتَقَرَّبِ بِهِ - لِمَا تَقَدَّمَ، وَ (لَا) يَحْرُمُ أَخْذُ (جَعَالَةٍ عَلَى ذَلِكَ) لِأَنَّهَا أَوْسَعُ مِنْ الْإِجَارَةِ، وَلِهَذَا جَازَتْ مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ وَالْمُدَّةِ. (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَحْرُمُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ (عَلَى رُقْيَةٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَاخْتَارَ جَوَازَهُ، وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ:

стр. 2206

لَوْ أَتَيْتُمْ هَذَا الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ بَعْضُ شَيْءٍ فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ؛ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ. إنِّي وَاَللَّهِ لَأَرْقِي، وَلَكِنْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ، فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْتَسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ الَّذِي يَأْمُرُنَا بِهِ، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ؛ فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: أَصَبْتُمْ اقْتَسِمُوا، وَاضْرِبُوا إلَيَّ مَعَكُمْ سَهْمًا، وَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ » . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ أَنَّ الرُّقْيَةَ نَوْعُ مُدَاوَاةٍ، وَالْمَأْخُوذُ عَلَيْهَا جُعْلٌ، وَالْمُدَاوَاةُ يُبَاحُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا، وَالْجَعَالَةُ أَوْسَعُ مِنْ الْإِجَارَةِ، وَلِهَذَا تَجُوزُ مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ وَالْمُدَّةِ، وَقَوْلُهُ ﵊: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» . يَعْنِي الْجُعْلَ أَيْضًا فِي الرُّقْيَةِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ خَبَرِ الرُّقْيَةِ، وَقَالَ ابْنُ هَانِئٍ، سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ صِنَاعَةٌ سِوَى بَيْعِ التَّعَاوِيذِ، فَتَرَى لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا، أَوْ يَسْأَلَ النَّاسَ؟ قَالَ: بَيْعُ التَّعَاوِيذِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، وَقَالَ: التَّعْلِيمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ بَيْعِ التَّعَاوِيذِ انْتَهَى. وَأَمَّا جَعْلُ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَدَاقًا فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ التَّعْلِيمَ صَدَاقٌ، إنَّمَا قَالَ «زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ زَوَّجَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ إكْرَامًا لَهُ؛ كَمَا «زَوَّجَ أَبَا طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ عَلَى إسْلَامِهِ» ، وَنُقِلَ عَنْهُ جَوَازُهُ بِلَا صَدَاقٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَ نِحْلَةً وَوَصْلَةً، وَلِهَذَا جَازَ خُلُوُّ الْعَقْدِ عَنْ تَسْمِيَتِهِ، وَصَحَّ فَسَادُهُ بِخِلَافِ الْأَجْرِ فِي غَيْرِهِ؛. (كَمَا يَجُوزُ الْأَخْذُ فِي الْكُلِّ) - أَيْ كُلِّ عَمَلٍ

стр. 2207

لَا يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ - (بِلَا شَرْطٍ) . قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَإِنْ أُعْطِيَ الْمُعَلِّمُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ؛ جَازَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ سَافِرِيٍّ: لَا يَطْلُبُ وَلَا يُشَارِطُ، فَإِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا أَخَذَهُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعْدٍ: أَكْرَهُ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ إذَا شَرَطَ، وَقَالَ: إذَا كَانَ الْمُعَلِّمُ لَا يُشَارِطُ، وَلَا يَطْلُبُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، إنْ أَتَاهُ شَيْءٌ قَبِلَهُ، كَأَنَّهُ يَرَاهُ أَهْوَنَ، وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْقَوْسِ وَالْخَمِيصَةِ الَّتِي أُعْطِيهِمَا أُبَيٍّ وَعُبَادَةٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ؛ فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ بِشَرْطٍ وَلَا غَيْرِهِ؛ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إشْرَافِ نَفْسٍ؛ فَخُذْهُ وَتَمَوَّلْهُ، فَإِنَّهُ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْك» . وَقَدْ «أَرْخَصَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ فِي أَكْلِ الطَّعَامِ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُ إذَا كَانَ طَعَامَهُ وَطَعَامَ أَهْلِهِ» ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ كَانَ هِبَةً مُجَرَّدَةً؛ فَجَازَ كَمَا لَوْ لَمْ يُعَلِّمْهُ شَيْئًا، فَأَمَّا حَدِيثُ الْقَوْسِ وَالْخَمِيصَةِ؛ فَقَضِيَّتَانِ فِي عَيْنٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ خَالِصًا، فَكَرِهَ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ. انْتَهَى. (وَ) يَجُوزُ (أَخْذُ رِزْقٍ) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (عَلَى مُتَعَدٍّ نَفْعُهُ؛ كَقَضَاءٍ) وَفُتْيَا، وَأَذَانٍ (وَإِمَامَةٍ) ، وَتَعْلِيمِ قُرْآنٍ، (وَتَدْرِيسِ) عِلْمٍ نَافِعٍ مِنْ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ وَنَحْوِهِمَا، وَنِيَابَةٍ فِي حَجٍّ، وَتَحَمُّلِ شَهَادَةٍ وَأَدَائِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ؛ كَمَا يَجُوزُ أَخْذُ (الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الْمَصَالِحِ) الْمُتَعَدِّي نَفْعُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ، بَلْ الْقَصْدُ بِهِ الْإِعَانَةُ عَلَى الطَّاعَةِ. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (مَا يُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ فَلَيْسَ عِوَضًا وَأُجْرَةً، بَلْ رِزْقٌ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ) ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ قُرْبَةً، وَلَا يَقْدَحُ فِي الْإِخْلَاصِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَحَ مَا اُسْتُحِقَّتْ الْغَنَائِمُ وَسَلَبُ الْقَاتِلِ، بِخِلَافِ الْأَجْرِ؛ فَيُمْتَنَعُ أَخْذُهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ) - أَيْ: مِمَّنْ يَقُومُ بِالْمَصَالِحِ - (لِلَّهِ أُثِيبَ) عَلَى عَمَلِهِ الَّذِي

стр. 2208

أَخْلَصَهُ لِلَّهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] . (وَحَرُمَ أَخْذُ رِزْقٍ وَ) أَخْذُ (جُعْلٍ وَ) أَخْذُ (أَجْرِ عَلَى) فِعْلٍ (قَاصِرٍ) عَلَى فَاعِلِهِ لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ؛ (كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ خَلْفَهُ) ؛ بِأَنْ أَعْطَى لِمَنْ يُصَلِّي مَأْمُومًا مَعَهُ جُعْلًا وَأُجْرَةً أَوْ رِزْقًا، (وَعِبَادَتُهُ لِنَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ عِوَضُ الِانْتِفَاعِ؛ فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا. (وَيَتَّجِهُ أَنَّ مَنْ نَفْعُهُ قَاصِرٌ عَلَى نَفْسِهِ) ؛ كَالْحَاجِّ عَنْ نَفْسِهِ وَالْمُعْتَكِفِ وَالطَّائِفِ عَنْهَا؛ (لَا يَجُوزُ) لَهُ (أَنْ يُرْزَقَ) ؛ أَيْ: يَأْخُذَ رِزْقًا (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إلَّا مَا فَضَلَ عَمَّنْ نَفْعُهُ مُتَعَدٍّ) ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْفَيْءِ أَنَّ الْفَاضِلَ عَمَّنْ تَعَدَّى نَفْعُهُ؛ يُقْسَمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ غَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِيهِ، وَالِاشْتِرَاكُ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ. (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ مَنْ نَفْعُهُ مُتَعَدٍّ لَا يَأْخُذُ إلَّا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ) إنْ كَانَ مُحْتَاجًا، وَإِلَّا فَلَا، وَيَأْتِي فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا مَعَ احْتِيَاجِ كُلٍّ مِنْهُمَا يُقَدَّمُ ذُو النَّفْعِ الْعَامِ؛ لِاحْتِيَاجِ النَّاسِ إلَيْهِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِي غَايَةِ اللُّطْفِ. [تَتِمَّة وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَ عَنْهُ غَيْرُهُ فَرْضًا وَلَا نَافِلَةً فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَمَاتِهِ] ِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ، فَلَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ، بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ تَدْخُلُ تَبَعًا، وَتَقَدَّمَ فِي الصَّوْمِ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ صَلَاةٍ وَنَحْوُهَا، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ، كُلُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا مُسْلِمٌ، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِحَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ نَفَعَهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا لَيْسَتْ وَاقِعَةً عَنْ الْعَيْنِ، [بَلْ] لِلْفَاعِلِ وَثَوَابُهُ لِلْمَفْعُولِ عَنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَصَحَّ اسْتِئْجَارٌ لِبِنَاءِ نَحْوِ مَسْجِدٍ وَقَنْطَرَةٍ) ؛ كَرِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ وَخَانْكَاةٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) صَحَّ اسْتِئْجَارٌ (لِذَبْحِ أُضْحِيَّةٍ وَهَدْيٍ، وَتَفْرِقَتِهِمَا وَتَفْرِقَةِ صَدَقَةٍ) ؛

стр. 2209

لِأَنَّ ذَلِكَ عَمَلٌ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ؛ لِصِحَّتِهِ مِنْ الذِّمِّيِّ، (وَحَلْقُ شَعْرٍ) مَطْلُوبٌ أَوْ مُبَاحٌ أَخْذُهُ (وَتَقْصِيرُهُ، وَخِتَانٌ وَقَطْعُ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ) كَسِلْعَةٍ (لِحَاجَةٍ) إلَى قَطْعِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ. (وَ) يَصِحُّ اسْتِئْجَارٌ (لِتَعْلِيمِ نَحْوِ خَطٍّ) ؛ كَنَقْشٍ (وَحِسَابٍ، وَشِعْرٍ مُبَاحٌ) ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَقَعُ قُرْبَةً، وَتَارَةً غَيْرَ قُرْبَةٍ؛ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ لِفِعْلِهِ؛ كَغَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَبِنَاءِ الْبُيُوتِ؛ لِكَوْنِ فَاعِلِهَا لَا يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، (فَإِنْ نَسِيَهُ) - أَيْ: مَا تَعَلَّمَهُ مِنْ شِعْرٍ وَحِسَابٍ وَنَحْوِهِ - (فِي الْمَجْلِسِ أَعَادَ تَعْلِيمَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعُرْفِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ نَسِيَهُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ؛ (فَلَا يَلْزَمُهُ) إعَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ. (وَ) يَصِحُّ اسْتِئْجَارٌ (لِحَجْمٍ وَفَصْدٍ) ، وَلَا يَحْرُمُ أَجْرُهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ عَلِمَهُ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: «لَوْ عَلِمَهُ خَبِيثًا لَمْ يُعْطِهِ» . وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لَا يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهَا مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا؛ كَالرَّضَاعِ. (وَكُرِهَ لِحُرٍّ) لَا رَقِيقٍ (أَكْلُ أَجْرِهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " " وَالْمُذَهَّبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالْمُحَرَّرِ " " وَالْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ، (وَلَوْ أَخَذَهُ بِلَا شَرْطٍ تَنْزِيهًا لَهُ) " عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ (وَيُطْعِمُهُ رَقِيقًا وَبَهَائِمَ) ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ: «أَطْعِمْهُ نَاضِحَك وَرَقِيقَك» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، فَدَلَّ عَلَى إبَاحَتِهِ؛ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُطْعِمَ رَقِيقَهُ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ، فَإِنَّ الرَّقِيقَ آدَمِيٌّ يُمْنَعُ مِمَّا يُمْنَعُ مِنْهُ الْحُرُّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ خَبِيثًا التَّحْرِيمُ، فَإِنَّهُ ﵇ قَدْ سَمَّى الْبَصَلَ وَالثُّومَ خَبِيثَيْنِ مَعَ إبَاحَتِهِمَا، وَخَصَّ الْحُرَّ بِذَلِكَ تَنْزِيهًا لَهُ. (وَكَذَا) يُكْرَهُ لِحُرٍّ أَكْلُ (أُجْرَةِ

стр. 2210

كَسْحِ كَنِيفٍ) ، وَيَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ لِذَلِكَ؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَكَرَاهَةِ أَكْلِ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ وَنَهَى الْحُرَّ عَنْ أَكْلِهِ» . فَهَذَا أَوْلَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا حَجَّ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: إنِّي رَجُلٌ أَكْنُسُ، فَمَا تَرَى فِي مَكْسَبِي؟ قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ تَكْنُسُ؟ قَالَ: الْعُذْرَةَ. قَالَ: وَمِنْهُ حَجَجْت، وَمِنْهُ تَزَوَّجْت، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ خَبِيثٌ وَحَجُّك خَبِيثٌ وَمَا تَزَوَّجْت خَبِيثٌ، أَوْ نَحْوُ هَذَا. ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ بِمَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ دَنَاءَةً؛ فَكُرِهَ كَالْحِجَامَةِ. قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي ": (وَكَسْبُ مَاشِطَةٍ) ؛ لِاشْتِمَالِ فِعْلِهَا عَلَى التَّنَمُّصِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، (وَ) كَسْبُ (حَمَّامِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ دَاخِلُوهُ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا، وَلَا تَحْرِيمَ فِيهَا جَازَتْ الْإِجَارَةُ؛ كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ. [فَصْلٌ وَلِمُسْتَأْجِرٍ اسْتِيفَاءُ نَفْعِ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ بِإِعَارَةٍ أَوْ إجَارَةٍ] (فَصْلٌ وَلِمُسْتَأْجِرٍ اسْتِيفَاءُ نَفْعِ) مَعْقُودٍ عَلَيْهِ (بِمِثْلِهِ) ضَرَرًا كَبُدُونِهٍ (بِإِعَارَةٍ أَوْ إجَارَةٍ) ؛ لِمِلْكِهِ الْمَنْفَعَةَ. (وَلَوْ اشْتَرَطَا) أَيْ: الْمُتَآجِرَانِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مُسْتَأْجِرٌ النَّفْعَ (بِنَفْسِهِ) ؛ لِبُطْلَانِ الشَّرْطِ؛ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَهُوَ مِلْكُ النَّفْعِ، وَالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ نَائِبِهِ، (فَتُعْتَبَرُ مُمَاثَلَةُ رَاكِبٍ) لِمَأْجُورٍ (فِي طُولٍ وَقِصَرٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (وَفِي خِفَّةٍ وَثِقَلٍ) ، فَلَا يَرْكَبُهَا أَطْوَلَ وَلَا أَثْقَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِمَّا عَقَدَ عَلَيْهَا. (وَيَتَّجِهُ وَيَكْفِي فِي الْعِلْمِ بِالْمُمَاثَلَةِ غَلَبَةُ الظَّنِّ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا، وَأَرَادَ أَنْ يُعِيرَهَا، أَوْ يُؤَجِّرَ لِآخَرَ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ؛ كَفَى ذَلِكَ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اعْتِبَارِ نَفْسِهِ بِالْوَزْنِ، ثُمَّ يَعْتَبِرُ الْآخَرَ كَذَلِكَ، فَإِنْ سَاوَاهُ عَقَدَ مَعَهُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَعْسُرُ جِدًّا، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ، فَاغْتُفِرَ فِيهِ التَّفَاوُتُ الْيَسِيرُ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
следующие страницы →