← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21677

مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى

الرحيباني

Полный текст (4 464 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

[بَابُ اللَّقِيطِ] ُ: هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ، كَقَتِيلٍ وَجَرِيحٍ وَشَرْعًا (طِفْلٌ) لَا مُمَيِّزٌ، (لَا يَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَلَا) يَعْرِفُ (رِقَّهُ، نُبِذَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - أَيْ: طُرِحَ فِي شَارِعٍ أَوْ بَابِ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، (أَوْ ضَلَّ) الطَّرِيقَ، مَا بَيْنَ وِلَادَتِهِ (إلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ) فَقَطْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ": (وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ إلَى الْبُلُوغِ) . قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُمَيِّزَ يَكُونُ لَقِيطًا؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا الْتَقَطَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مَعًا مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ؛ أُقْرِعَ، وَلَمْ يُخَيَّرْ، بِخِلَافِ الْأَبَوَيْنِ. وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ لَوْ نُبِذَ أَوْ ضَلَّ طِفْلٌ مَعْرُوفٌ النَّسَبِ، أَوْ مَعْلُومُ الرِّقِّ، فَعَرَفَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ أَوْ غَيْرُهُ؛ فَهُوَ لَقِيطٌ لُغَةً لَا شَرْعًا. (وَالْتِقَاطُهُ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - شَرْعًا (فَرْضُ كِفَايَةٍ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ نَفْسٍ، فَكَانَ وَاجِبًا، كَإِطْعَامِهِ إذَا اُضْطُرَّ، وَإِنْجَائِهِ مِنْ نَحْوِ غَرَقٍ. فَلَوْ تَرَكَهُ جَمِيعُ مَنْ رَآهُ؛ أَثِمُوا. وَيَحْرُمُ النَّبْذُ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِالْمَنْبُوذِ لِلتَّلَفِ. (وَسُنَّ إشْهَادٌ عَلَيْهِ) كَاللُّقَطَةِ، وَدَفْعًا لِنَفْسِهِ لِئَلَّا تُرَاوِدَهُ بِاسْتِرْقَاقِهِ. [وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَآهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُرَبِّيَهُ إنْ كَانَ أَمِينًا، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا] فَلِلْحَاكِمِ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ، وَتَسْلِيمُهُ إلَى أَمِينٍ لِيُرَبِّيَهُ. وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: اللَّقِيطُ، وَقَدْ عُرِّفَ، وَالِالْتِقَاطُ، وَالْمُلْتَقِطُ: وَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ عَدْلٍ وَلَوْ ظَاهِرًا.

стр. 2557

(وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِمَّا مَعَهُ) إنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَاجِبَةٌ فِي مَالِهِ، وَمَا وَجَدَ مَعَهُ فَهُوَ مَالُهُ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ يَمْلِكُ، وَلَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرِثُ وَيُورَثُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ وَلِيُّهُ وَيَبِيعَ مِنْ مَالِهِ. (وَإِلَّا) يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ؛ (فَ) يُنْفِقُ عَلَيْهِ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ سِنِينَ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ: وَجَدْتُ مَلْقُوطًا، فَأَتَيْتُ بِهِ عُمَرَ، فَقَالَ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ: فَاذْهَبْ هُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ أَوْ رَضَاعُهُ. (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِكَوْنِهِ لَا مَالَ فِيهِ، أَوْ لِكَوْنِ الْبَلَدِ لَيْسَ فِيهَا بَيْتُ مَالٍ وَنَحْوِهِ؛ (اقْتَرَضَ عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى بَيْتِ الْمَالِ - (حَاكِمٌ) ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ مُتَبَرِّعٍ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بِدُونِ مِنَّةٍ تَلْحَقُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، أَشْبَهَ الْأَخْذَ لَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى ". (فَلَوْ) اقْتَرَضَ الْحَاكِمُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ (بَانَ) اللَّقِيطُ رَقِيقًا، أَوْ بَانَ (لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) ؛ كَأَبٍ مُوسِرٍ أَوْ وَارِثٍ مُوسِرٍ؛ (رَجَعَ) الْحَاكِمُ (عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى سَيِّدِ الرَّقِيقِ، وَأَبِي الْحُرِّ الْمُوسِرِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حِينَئِذٍ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَحَدٌ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ؛ وَفِي الْحَاكِمِ مَا اقْتَرَضَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ حِينَئِذٍ وَاجِبَةٌ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ لِلَّقِيطِ مَالٌ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ لِمَانِعٍ، أَوْ يُنْتَظَرُ حُصُولُهُ مِنْ وَقْفٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَلِمَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَنِيٌّ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ. هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْحَارِثِيِّ، وَقَالَ: وَإِذَا أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ نَفَقَةَ الْمِثْلِ، بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، لِيَرْجِعَ؛ فَلَهُ الرُّجُوعُ انْتَهَى. وَإِذَا أَنْفَقَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ فَقَالَ أَحْمَدُ: يُؤَدِّي النَّفَقَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى الْحَاكِمِ الِاقْتِرَاضُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ مِنْهُ لِنَحْوِ مَنْعٍ مَعَ وُجُودِ الْمَالِ فِيهِ؛ (فَعَلَى مَنْ عَلِمَ) الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مَجَّانًا؛ لِلْأَمْرِ

стр. 2558

بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَبِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَلِأَنَّهُ إحْيَاءُ مَعْصُومٍ، وَإِنْقَاذٌ لَهُ مِنْ التَّلَفِ. (وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) حُكْمُ (كُلِّ فَرْضِ كِفَايَةٍ) ، يَلْزَمُ مَنْ عَلِمَ بِهِ الْقِيَامُ بِهِ مَجَّانًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَلَا يَرْجِعُ) الْمُنْفِقُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ (إذَنْ) ؛ أَيْ: عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ الِاقْتِرَاضِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ سَقَطَتْ عَنْ الْبَاقِينَ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَإِنْ تَرَكَ الْكُلُّ أَثِمُوا، أَوْ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِلْمُوَاسَاةِ، فَهِيَ كَنَفَقَةِ الْغَرِيبِ وَقِرَى الضَّيْفِ. جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُسْتَوْعِبِ " " وَالتَّلْخِيصِ "، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْمُوجَزِ " " وَالتَّبْصِرَةِ "، وَقَالَا: لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ ". قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مَجَّانًا، وَاسْتِحْقَاقَ الْعِوَضِ لَا يَجْتَمِعَانِ انْتَهَى. (وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - إنْ وُجِدَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فِيهِ مُسْلِمٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ لِظَاهِرِ الدَّارِ، وَتَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ. (وَ) يُحْكَمُ (بِحُرِّيَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَالرِّقُّ لِعَارِضٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. فَاللَّقِيطُ حُرٌّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، حَتَّى فِي قَذْفٍ وَقَوَدٍ، (إلَّا أَنْ يُوجَدَ) اللَّقِيطُ (بِبَلَدِ حَرْبٍ، وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ) - أَيْ: فِي بَلَدِ الْحَرْبِ - (أَوْ فِيهِ مُسْلِمٌ كَتَاجِرٍ وَأَسِيرٍ؛ فَهُوَ كَافِرٌ رَقِيقٌ) ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ كَانَ أَهْلُهَا مِنْهُمْ. وَإِنْ كَانَ فِيهَا قَلِيلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَتَاجِرٍ وَأَسِيرٍ؛ غَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْأَكْثَرِ، مِنْ أَجْلِ كَوْنِ الدَّارِ لَهُمْ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ سَاكِنٌ؛ فَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ

стр. 2559

الْحَارِثِيُّ فَقَالَ مَثَّلَ الْأَصْحَابُ فِي الْمُسْلِمِ هُنَا بِالتَّاجِرِ وَالْأَسِيرِ، وَاعْتَبَرَ إقَامَتَهُ زَمَنًا، حَتَّى صَرَّحَ فِي " التَّلْخِيصِ ": أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُرُورُهُ مُسَافِرًا. (وَإِنْ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ) فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ فَلَقِيطُهَا (مُسْلِمٌ) حُرٌّ، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ أَوْ وُجِدَ اللَّقِيطُ (فِي بَلَدِ إسْلَامٍ كُلُّ أَهْلِهِ ذِمَّةٌ) ، (فَ) قِيلَ: إنَّهُ (مُسْلِمٌ) ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ مُسْلِمٍ يَكْتُمُ إيمَانَهُ. قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، (خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " " وَالْإِقْنَاعِ " - فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ (تَغْلِيبًا لِلدَّارِ وَانْعِدَامِ أَبَوَيْهِ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَفِي بَلَدٍ كُلُّ أَهْلِهِ ذِمَّةٌ فَكَافِرٌ. وَقَالَ فِي الْإِقْنَاعِ ": وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فِي بَلَدٍ كُلُّ أَهْلِهَا ذِمَّةٌ، وَوُجِدَ فِيهَا لَقِيطٌ؛ حُكِمَ بِكُفْرِهِ. انْتَهَى. وَكَذَلِكَ جَزَمَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَصَاحِبُ " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرُهُمْ: بِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّ تَغْلِيبَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَهَذِهِ لَا مُسْلِمَ فِيهَا يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ بِهَا مُسْلِمٌ؛ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى كَتْمِ إيمَانِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَاهُ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَى مَا نَقَلَاهُ. (وَإِنْ كَانَ بِهَا) ؛ أَيْ: بِبَلَدِ إسْلَامٍ كُلُّ أَهْلِهِ ذِمَّةٌ، (مُسْلِمٌ) ، وَلَوْ وَاحِدًا، (يُمْكِنُ كَوْنُهُ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - (مِنْهُ) - أَيْ: الْمُسْلِمِ - فَاللَّقِيطُ (مُسْلِمٌ) . قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: (قَوْلًا وَاحِدًا) ،

стр. 2560

تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ، وَلِظَاهِرِ الدَّارِ. (وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَنْ) - أَيْ: لَقِيطٌ - (قُلْنَا بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ) - أَيْ: دَارِ الْكُفْرِ - وَهُوَ مَنْ وُجِدَ فِي بَلَدِ أَهْلِ حَرْبٍ لَا مُسْلِمَ بِهِ، أَوْ بِهِ نَحْوُ تَاجِرٍ وَأَسِيرٍ، (حَتَّى صَارَتْ) دَارُ الْكُفْرِ (دَارَ إسْلَامٍ؛ فَهُوَ مُسْلِمٌ فِيهَا) ؛ أَيْ: حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ. (وَمَا وُجِدَ مَعَهُ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - (مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ؛) كَوِطَاءٍ وَبِسَاطٍ وَوِسَادَةٍ وَسَرِيرٍ (وَثِيَابٍ) وَحُكِيَ أَوْ غِطَاءٍ عَلَيْهِ، (أَوْ مَالٍ بِجَيْبِهِ، أَوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ) أَوْ وِسَادَتِهِ، أَوْ وُجِدَ (مَدْفُونًا تَحْتَهُ) دَفْنًا (طَرِيًّا) ؛ بِأَنْ تَجَدَّدَ حَفْرُهُ، (أَوْ) وُجِدَ (مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ) ، كَثَوْبٍ مَوْضُوعٍ إلَى جَانِبِهِ، (أَوْ) وَجَدْنَا (حَيَوَانًا مَشْدُودًا بِثِيَابِهِ) ؛ فَهُوَ لَهُ، وَكَذَا مَا طُرِحَ مِنْ فَوْقِهِ، أَوْ رَبَطَهُ بِهِ، أَوْ بِثِيَابِهِ أَوْ سَرِيرِهِ، وَمَا بِيَدِهِ مِنْ عِنَانِ دَابَّةٍ؛ أَوْ مَرْبُوطٌ عَلَيْهَا، أَوْ مَرْبُوطٌ بِهِ أَوْ بِثِيَابِهِ، قَالَهُ الْحَارِثِيُّ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالْمُكَلَّفِ. وَيَمْتَنِعُ الْتِقَاطُهُ بِدُونِ الْتِقَاطِ الْمَالِ الْمَوْجُودِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمَالِ وَمَالِكِهِ (وَكَذَا خَيْمَةٌ وَدَارٌ وُجِدَ فِيهَا) ، فَهِيَ لَهُ. (وَيَتَّجِهُ وَجَهِلَ مَالِكُهَا) وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ بَالِغٌ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ؛ فَهُوَ بِهِ أَخَصُّ، إضَافَةً لِلْحُكْمِ إلَى أَقْوَى السَّبَبَيْنِ، فَإِنَّ يَدَ الْمُلْتَقِطِ ضَعِيفَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى يَدِ الْبَالِغِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَقِيطًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِاسْتِوَاءِ يَدِهِمَا. إلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ؛ فَيُعْمَلُ بِهَا. وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَمَا وُجِدَ مَدْفُونًا بَعِيدًا عَنْهُ، أَوْ مَدْفُونًا تَحْتَهُ غَيْرَ طَرِيٍّ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ، اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ وَمَا لَيْسَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ فَلُقَطَةٌ.

стр. 2561

(وَالْأَوْلَى بِحَضَانَتِهِ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - (وَاجِدُهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ، (إنْ كَانَ أَمِينًا) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ ﵁. (عَدْلًا) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَقَرَّ اللَّقِيطَ فِي يَدِ أَبِي جَمِيلَةَ، حِينَ قَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ. (وَلَوْ) كَانَ (ظَاهِرًا) ؛ أَيْ: لَمْ تُعْلَمْ عَدَالَتُهُ بَاطِنًا؛ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالشَّهَادَةِ فِيهِ وَأَكْثَرِ الْأَحْكَامِ. (حُرًّا) تَامَّ الْحُرِّيَّةِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ مَنَافِعُهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ، فَلَا يَصْرِفُهَا فِي غَيْرِ نَفْعِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ؛ وَكَذَا الْمُكَاتَبُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَالِهِ، وَلَا مَنَافِعُهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَكَذَا الْمُبَعَّضُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِكْمَالِ الْحَضَانَةِ. فَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِرَقِيقِهِ أُقِرَّ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّ السَّيِّدَ الْتَقَطَهُ، وَاسْتَعَانَ بِرَقِيقِهِ فِي حَضَانَتِهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَصَارَ كَمَا لَوْ الْتَقَطَهُ (مُكَلَّفًا) ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَلِي أَمْرَ نَفْسِهِ، فَلَا يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ. (رَشِيدًا) ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى. وَيَجُوزُ لِمَنْ لَا يُقِرُّ بِيَدِهِ الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ قُرْبَةٌ لَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ دُونَ آخَرَ، وَعَدَمُ إقْرَارِهِ بِيَدِهِ دَوَامًا لَا يَمْنَعُ أَخْذَهُ ابْتِدَاءً، إلَّا الرَّقِيقَ فَلَيْسَ لَهُ الْتِقَاطُهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، إلَّا أَنْ لَا يَعْلَمَ بِهِ سِوَاهُ؛ فَعَلَيْهِ الْتِقَاطُهُ؛ لِتَخْلِيصِهِ مِنْ الْهَلَاكِ كَالْغَرَقِ، وَيَأْتِي. (وَلَهُ) - أَيْ: لِوَاجِدِهِ - الْمُتَّصِفِ بِمَا تَقَدَّمَ (حِفْظُ مَالِهِ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ؛ (لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ) ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ: وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَلِأَنَّهُ وَلِيٌّ بِحَضَانَتِهِ لَا مِنْ أَجْلِ قَرَابَتِهِ مِنْهُ، أَشْبَهَ الْحَاكِمَ، وَلِوَاجِدِهِ الْمُتَّصِفِ بِمَا تَقَدَّمَ (الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - مِمَّا وَجَدَ مَعَهُ، (بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ) ؛ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَصِيٌّ. وَلِأَنَّهُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ؛ بِخِلَافِ مَنْ أَوْدَعَ مَالًا وَغَابَ، وَلَهُ وَلَدٌ؛ فَلَا يُنْفِقُ الْوَدِيعُ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ الْوَدِيعَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ، بَلْ تَقُومُ امْرَأَتُهُ إلَى الْحَاكِمِ، حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالْإِنْفَاقِ؛ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى نَظَرِ الْحَاكِمِ. (وَنُدِبَ) لِوَاجِدِ اللَّقِيطِ الْإِنْفَاقُ (بِإِذْنِهِ) - أَيْ: الْحَاكِمِ - إنْ وَجَدَ،

стр. 2562

لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ، وَأَقْطَعُ مِنْ الْمَظِنَّةِ، وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ، وَحِفْظٌ لِمَالِهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ [تَنْبِيهٌ يَنْبَغِي لِوَلِيِّ اللَّقِيطِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ] ِ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، فَإِذَا بَلَغَ وَاخْتَلَفَا هُوَ وَوَاجِدُهُ فِي قَدْرِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي التَّفْرِيطِ فِي الْإِنْقَاقِ بِأَنْ قَالَ اللَّقِيطُ: أَنْفَقْتُ فَوْقَ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْكَرَهُ وَاجِدُهُ؛ فَقَوْلُ الْمُنْفِقِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ. (وَكَذَا) لِوَاجِدِ اللَّقِيطِ (قَبُولُ هِبَةٍ) لِلَّقِيطِ، وَقَبُولُ (وَصِيَّةٍ) لَهُ، وَزَكَاةٍ، وَنَذْرٍ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ، فَكَانَ لَهُ بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ، كَحِفْظِهِ وَتَرْبِيَتِهِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ يَجِبُ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِاللَّقِيطِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ. (وَيَصِحُّ) - أَيْ: يَجُوزُ - (الْتِقَاطُ قِنٍّ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ) ، بَلْ يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ تَخْلِيصٌ لَهُ مِنْ الْمَهْلَكَةِ؛ وَهُوَ وَاجِبٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ لِانْحِصَارِهِ فِيهِ. وَيَصِحُّ الْتِقَاطُ (ذِمِّيٍّ لِذِمِّيٍّ) ، وَيُقَرُّ بِيَدِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] . (وَلَوْ الْتَقَطَ) لَقِيطًا (كَافِرًا) اثْنَانِ (مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ) ؛ فَهُمَا (سَوَاءٌ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الِالْتِقَاطِ. وَلِلْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ الْوِلَايَةُ (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَالشَّارِحِ وَالنَّظْمِ " أَنَّ (الْمُسْلِمَ أَحَقُّ بِهِ) . قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ بِلَا تَرَدُّدٍ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْمُسْلِمِ يَنْشَأُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيَتَعَلَّمُ شَرَائِعَ الدِّينِ، فَيَفُوزُ بِالسَّعَادَةِ الْكُبْرَى. (وَيُقَرُّ) لَقِيطٌ (بِيَدِ مَنْ) الْتَقَطَهُ (بِالْبَادِيَةِ مُقِيمًا فِي حِلَّةٍ) - بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَهُوَ بُيُوتٌ مُجْتَمِعَةٌ لِلِاسْتِيطَانِ؛ لِأَنَّهَا كَالْقَرْيَةِ، فَإِنَّ أَهْلَهَا لَا يَرْحَلُونَ عَنْهَا لِطَلَبِ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ. (أَوْ) لَمْ يَكُنْ فِي حِلَّةٍ، لَكِنَّهُ (يُرِيدُ) وَاجِدُهُ (نَقْلَهُ)

стр. 2563

أَيْ: اللَّقِيطِ (إلَى الْحَضَرِ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُهُ مِنْ أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالشَّقَاءِ، إلَى أَرْضِ الرَّفَاهِيَةِ وَالدِّينِ. وَ (لَا) يُقَرُّ بِيَدِ مُلْتَقِطِهِ إنْ كَانَ (بَدَوِيًّا يَنْتَقِلُ فِي الْمَوَاضِعِ) ؛ لِأَنَّهُ إتْعَابٌ لِلطِّفْلِ بِنَقْلِهِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ إلَى مَنْ فِي قَرْيَةٍ، لِأَنَّهُ أَرْفَهُ لَهُ وَأَخَفُّ عَلَيْهِ. (أَوْ) - أَيْ: وَلَا يُقَرُّ أَيْضًا بِيَدِ (مَنْ وَجَدَهُ) - أَيْ: اللَّقِيطَ - (فِي الْحَضَرِ، فَأَرَادَ نَقْلَهُ لِلْبَادِيَةِ) ؛ لِأَنَّ مَقَامَهُ فِي الْحَضَرِ أَصْلَحُ لَهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَأَرْفَهُ لَهُ، وَكَوْنُهُ وُجِدَ فِي الْحَضَرِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وُلِدَ فِيهِ، فَبَقَاؤُهُ فِيهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ، وَظُهُورِ أَهْلِهِ، وَاعْتِرَافِهِمْ بِهِ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يُقَرُّ بِيَدِ وَاجِدِهِ (مَعَ فِسْقِهِ) الظَّاهِرِ، (أَوْ رِقِّهِ) ؛ لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْحَضَانَةِ وَالْوِلَايَةِ عَلَى الْأَحْرَارِ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ؛ فَهُوَ نَائِبُهُ. وَلَا يُقَرُّ بِيَدِ مُدَبَّرٍ، وَأُمِّ وَلَدٍ، وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَمُكَاتَبٍ وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ؛ لِقِيَامِ الرِّقِّ وَتَقَدَّمَ. (أَوْ) مَعَ (كُفْرِهِ) - أَيْ: الْوَاجِدِ - (وَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ) ؛ لِانْتِفَاءِ وِلَايَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَلَا يُؤْمَنُ فِتْنَتُهُ فِي الدِّينِ، وَلَا يُقَرُّ بِيَدِ صَبِيٍّ، وَمَجْنُونٍ، وَسَفِيهٍ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمْ لِلْوِلَايَةِ. (وَإِنْ الْتَقَطَهُ حَضَرًا مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ) ؛ لَمْ يُقَرَّ بِيَدِهِ. (أَوْ) الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ النَّقْلَةَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ؛ أَوْ إلَى (قَرْيَةٍ) ، أَوْ الْتَقَطَهُ مَنْ يُرِيدُ النَّقْلَةَ (مِنْ حِلَّةٍ إلَى حِلَّةٍ؛ لَمْ يُقَرَّ بِيَدِهِ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي بَلَدِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ أَوْ حِلَّتِهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ. وَكَالْمُنْتَقِلِ بِهِ إلَى الْبَادِيَةِ. وَمَحَلُّ الْمَنْعِ (مَا لَمْ يَكُنْ الْمَحَلُّ الَّذِي كَانَ) - أَيْ: وُجِدَ - (بِهِ وَبِيئًا) - أَيْ: وَخِيمًا (كَغَوْرِ بَيْسَانِ) - بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ، ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ - مَوْضِعٌ بِالشَّامِ، (وَنَحْوُهُ) أَيْ: نَحْوِ غَوْرِ بَيْسَانِ مِنْ الْأَرَاضِي الْوَبِيئَةِ؛ كَالْجُحْفَةِ بِالْحِجَازِ، فَإِنَّ اللَّقِيطَ يُقَرُّ بِيَدِ الْمُنْتَقِلِ عَنْهَا إلَى الْبِلَادِ الَّتِي لَا وَبَاءَ فِيهَا، أَوْ دُونَهَا فِي الْوَبَاءِ؛ لِتَعَيُّنِ الْمَصْلَحَةِ فِي النَّقْلِ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ.

стр. 2564

(وَإِنْ وَجَدَهُ) - أَيْ اللَّقِيطَ - (بِفَضَاءٍ خَالٍ) مِنْ السُّكَّانِ؛ (نَقَلَهُ حَيْثُ شَاءَ) قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " " وَالتَّلْخِيصِ " إذْ لَا وَجْهَ لِلتَّرْجِيحِ. [فَائِدَةٌ لَا يُقَرُّ اللَّقِيطُ بِيَدِ مُبَذِّرٍ] ٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " فَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِهِ لَمْ يُمْنَعْ؛ لِلْأَمْنِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَسْتُورَ الْحَالِ، لَمْ تُعْرَفُ مِنْهُ حَقِيقَةً عَدَالَةٌ وَلَا خِيَانَةٌ؛ أَقَرَّ اللَّقِيطُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَدْلِ فِي لُقَطَةِ الْمَالِ، وَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ وَالشَّهَادَةِ فِيهِ، وَفِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةُ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ ﵁: " الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ". . فَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِلَقِيطِهِ لِغَيْرِ نَقْلَةٍ؛ أُقِرَّ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَرُّ فِي يَدِهِ فِي الْحَضَرِ مِنْ غَيْرِ مُشْرِفٍ يُضَمُّ إلَيْهِ، فَأَشْبَهَ الْعَدْلَ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ السَّتْرُ وَالصِّيَانَةُ. (وَحَيْثُ قُلْنَا: لَمْ يُقَرَّ) اللَّقِيطُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ، (فَإِنَّمَا هُوَ) - أَيْ: عَدَمُ إقْرَارِهِ (عِنْدَ وُجُودِ الْأَوْلَى بِهِ) مِنْ الْمُلْتَقِطِ، (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ) أَوْلَى مِنْهُ، (فَإِقْرَارُهُ بِيَدِهِ أَوْلَى كَيْف كَانَ) ؛ لِرُجْحَانِهِ بِالسَّبْقِ إلَيْهِ. (وَيُقَدَّمُ مُوسِرٌ وَمُقِيمٌ مِنْ مُلْتَقِطَيْنِ) لِلَّقِيطِ مَعًا (عَلَى ضِدِّهِمَا) ، فَيُقَدَّمُ الْمُوسِرُ عَلَى الْمُعْسِرِ؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لِلَّقِيطِ، وَيُقَدَّمُ الْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ. (فَإِنْ اسْتَوَيَا) - أَيْ: الْمُلْتَقِطَانِ - بِأَنْ لَمْ يَتَّصِفْ أَحَدُهُمَا بِمَا يَكُونُ بِهِ أَوْلَى، وَتَشَاحَّا؛ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. وَإِنْ تَهَايَآهُ، بِأَنْ جُعِلَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ؛ أَضَرَّ بِالطِّفْلِ؛ لِأَنَّهُ تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْأَغْذِيَةُ وَالْأُنْسُ وَالْإِلْفُ، وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ إلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ بِالتَّحَكُّمِ لِتَسَاوِي حَقِّهِمَا؛ فَتَعَيَّنَ الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا؛ كَالشَّرِيكَيْنِ فِي تَعْيِينِ السِّهَامِ بِالْقِسْمَةِ، وَكَمَا يُقْرَعُ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْبُدَاءَةِ بِالْقَسَمِ.

стр. 2565

وَلَا تُرَجَّحُ الْمَرْأَةُ فِي الِالْتِقَاطِ، كَمَا تُرَجَّحُ فِي حَضَانَةِ وَلَدِهَا عَلَى أَبِيهِ. لِأَنَّهَا إنَّمَا رَجَحَتْ هُنَاكَ لِشَفَقَتِهَا عَلَى وَلَدِهَا، وَتَوَلِّيهَا لِحَضَانَتِهِ بِنَفْسِهَا، وَالْأَبُ يَحْضُنُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، فَكَانَتْ أُمُّهُ أَحَظَّ لَهُ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ اللَّقِيطِ، وَالرَّجُلُ يَحْضُنُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ؛ فَاسْتَوَيَا. وَ (لَا) يُقَدَّمُ (ظَاهِرُ عَدَالَةٍ، أَوْ كَرِيمٌ، أَوْ بَلَدِيٌّ عَلَى ضِدِّهِ) ؛ أَيْ: ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ وَمَسْتُورُهَا سَوَاءٌ، وَالْكَرِيمُ وَالْبَخِيلُ سَوَاءٌ، وَالْبَلَدِيُّ وَالْقَرَوِيُّ سَوَاءٌ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْأَهْلِيَّةِ. (وَإِنْ اخْتَلَفَا) - أَيْ: الْمُتَنَازِعَانِ - (فِي الْمُلْتَقِطِ مِنْهُمَا) ؛ بِأَنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الَّذِي الْتَقَطَ وَحْدَهُ؛ فَاللَّقِيطُ (لِمَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ) بِهِ بِلَا نِزَاعٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهِ؛ إعْمَالًا لِبَيِّنَتِهِ. فَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ؛ قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ إنَّمَا أَخَذَ مِمَّنْ ثَبَتَ الْحَقُّ لَهُ. قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " " وَالْكَافِي " " وَالشَّرْحِ " " وَالْهِدَايَةِ " " وَالْمُذَهَّبِ " " وَالْمُسْتَوْعِبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّقِيطَ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ، فَهُوَ كَالْمَالِ؛ فَيَجْرِي مَا فِي بَيِّنَةِ الْمَالِ مِنْ رِوَايَةِ اعْتِبَارِ سَبْقِ التَّارِيخِ، وَرِوَايَةِ تَسَاوِي الْبَيِّنَتَيْنِ، فَإِنْ اتَّحَدَتَا تَارِيخًا، أَوْ أُطْلِقَتَا، أَوْ أُرِّخَتْ إحْدَاهُمَا وَأُطْلِقَتْ الْأُخْرَى؛ تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا؛ فَكَدَعْوَى الْمَالِ؛ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ خَارِجٍ، (عَدِمَاهَا) - أَيْ: الْبَيِّنَةَ - وَهُوَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا؛ فَاللَّقِيطُ (لِذِي الْيَدِ) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تُفِيدُ الْمِلْكَ، فَأَوْلَى أَنْ تُفِيدَ الِاخْتِصَاصَ (بِيَمِينِهِ) ؛ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْآخَرِ. (فَإِنْ كَانَ) اللَّقِيطُ (بِيَدَيْهِمَا) ، وَلَا بَيِّنَةَ؛ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي السَّبَبِ وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي كَفَالَةِ اللَّقِيطِ، كَمَا تَقَدَّمَ [ (فَمَنْ قَرَعَ) - أَيْ: خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهُ - (سُلِّمَ) اللَّقِيطُ (إلَيْهِ بِيَمِينِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ] . (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا) - أَيْ: لِمَنْ عَدِمَتْ بَيِّنَتَاهُمَا أَوْ تَعَارَضَتَا، - (يَدٌ)

стр. 2566

عَلَى اللَّقِيطِ، (فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا بِعَلَامَةٍ مَسْتُورَةٍ) ، بِأَنْ يَقُولَ بِظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ أَوْ كَتِفِهِ أَوْ فَخِذِهِ شَامَةٌ أَوْ أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ نَارٍ وَنَحْوِهِ، فَكُشِفَ وَوُجِدَ كَمَا ذَكَرَ؛ (قُدِّمَ) عَلَى مَنْ لَمْ يَصِفْهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ اللُّقَطَةِ، فَقُدِّمَ بِوَصْفِهَا كَلُقَطَةِ الْمَالِ، وَلِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ (وَصَفَاهُ) جَمِيعًا بِمَا تَقَدَّمَ؛ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا؛ لِانْتِفَاءِ الْمُرَجِّحِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ لَهُمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا، (وَلَمْ يَصِفَاهُ) ، وَلَا وَصَفَهُ أَحَدُهُمَا، (وَلَا يَدَ) لَهُمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا؛ (سَلَّمَهُ حَاكِمٌ لِمَنْ يَرَى) مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُمَا وَلَا بَيِّنَةَ، فَاسْتَوَيَا وَغَيْرُهُمَا فِيهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَنَازَعَاهُ. (وَلَا تَخْيِيرَ لِلَّقِيطِ) ؛ إذْ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ، بِخِلَافِ اخْتِيَارِ الصَّغِيرِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ إلَى تَجْرِبَةٍ تَقَدَّمَتْ. قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ". (وَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ) مِنْ مُخْتَلِفَيْنِ فِي لَقِيطٍ؛ (سَقَطَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَكَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا تَرْكُهُ لِلْآخَرِ، كَالشَّفِيعَيْنِ. وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنْ الْآخَرَ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا، وَسَأَلَ يَمِينَهُ؛ فَفِي " الْفُرُوعِ " يُتَوَجَّهُ يَمِينُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ» . [تَتِمَّةٌ الشَّرِكَةُ فِي الِالْتِقَاطِ] تَتِمَّةٌ وَالشَّرِكَةُ فِي الِالْتِقَاطِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُلْتَقِطَانِ اللَّقِيطَ مَعًا. وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهِ كَالْأَخْذِ. وَلَا اعْتِبَارَ بِالْقِيَامِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْأَخْذِ عِنْدَ اللَّقِيطِ؛ لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَخْذِ، وَفِي مَعْنَاهُ وَضْعُ الْيَدِ، فَلَا يُوجَدُ بِدُونِهِمَا. [فَصْلٌ إرْثُ اللَّقِيطِ إنْ مَاتَ لِبَيْتِ الْمَالِ] (فَصْلٌ: وَإِرْثُهُ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - إنْ مَاتَ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَرِثُهُ الْمُلْتَقِطُ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ رَحِمٌ، وَلَا نِكَاحٌ فَالْإِرْثُ بِالْوَلَاءِ (وَدِيَتُهُ إنْ قُتِلَ لِبَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ مِيرَاثِهِ، كَسَائِرِ مَالِهِ، إنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ؛ فَلَهَا الرُّبُعُ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ. وَإِنْ مَاتَتْ لَقِيطَةٌ لَهَا زَوْجٌ؛ فَلَهُ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ أَوْ

стр. 2567

بِنْتُ ابْنٍ أَوْ ابْنُ بِنْتٍ؛ أَخَذَ جَمِيعَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَالرَّحِمَ مُقَدَّمٌ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. (وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ ذَلِكَ (مَا لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ مُلْتَقِطُهُ) ، بِأَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ مِنْهُ، فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ، وَأَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُ لَحِقَهُ، وَحَازَ إرْثَهُ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَإِذَا جَنَى اللَّقِيطُ جِنَايَةً تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ؛ بِأَنْ جَنَى خَطَأً أَوْ شَبَهَ عَمْدٍ؛ (فَدِيَةُ خَطَئِهِ) وَنَحْوُهَا (فِيهِ) - أَيْ: فِي بَيْتِ الْمَالِ - لِأَنَّ مِيرَاثَهُ لَهُ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، كَالْعَمْدِ الْمَحْضِ وَإِتْلَافِ الْمَالِ؛ فَحُكْمُهُ فِيهَا حُكْمُ غَيْرِ اللَّقِيطِ، فَإِنْ كَانَتْ تُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ؛ اُقْتُصَّ مِنْهُ مَعَ الْمُكَافَأَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، وَلَهُ مَالٌ؛ اُسْتُوْفِيَ مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ مِنْ مَالِهِ، وَإِلَّا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ. (وَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي) قَتْلٍ (عَمْدٍ، بَيْنَ أَخْذِهَا) - أَيْ: الدِّيَةِ - وَبَيْنَ (الْقِصَاصِ) نَصًّا، أَيَّهُمَا فَعَلَهُ جَازَ، إذَا رَآهُ أَصْلَحَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَمَتَى عَفَا عَلَى مَالٍ أَوْ صَالَحَ عَلَيْهِ؛ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ؛ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ. (وَإِنْ قُطِعَ طَرَفُهُ) - أَيْ: طَرَفُ اللَّقِيطِ - وَهُوَ صَغِيرٌ وَمَجْنُونٌ حَالَ كَوْنِ الْقَطْعِ (عَمْدًا؛ اُنْتُظِرَ بُلُوغُهُ وَرُشْدُهُ) لِيَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ؛ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ الِاسْتِيفَاءِ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِيفَاءِ، فَانْتُظِرَتْ أَهْلِيَّتُهُ، وَفَارَقَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ لَهُ، بَلْ لِوَارِثِهِ، وَالْإِمَامُ هُوَ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهِ؛ فَيَحْبِسُ الْجَانِيَ عَلَى طَرَفِ اللَّقِيطِ إلَى أَوَانِ الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ لِئَلَّا يَهْرَبَ. (إلَّا أَنْ يَكُونَ) اللَّقِيطُ (فَقِيرًا) عَاقِلًا كَانَ أَوْ مَجْنُونًا؛ (فَيُلْزِمُهُ الْإِمَامُ الْعَفْوَ عَلَى مَا) ؛ أَيْ: شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ، يَكُونُ فِيهِ حَظٌّ لِلَّقِيطِ، (يُنْفَقُ عَلَيْهِ) مِنْهُ، دَفْعًا لِحَاجَةِ الْإِنْفَاقِ. قَالَ فِي

стр. 2568

شَرْحِ الْمُنْتَهَى " عَنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَجْنُونِ وَالْعَاقِلِ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَيَأْتِي فِي بَابِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ أَنَّ لِوَلِيِّ الْمَجْنُونِ الْعَفْوَ، لِأَنَّهُ لَا أَمَدَ لَهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ، بِخِلَافِ وَلِيِّ الْعَاقِلِ. وَقُطِعَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " " وَالْمُغْنِي " هُنَا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " " وَالْمُذَهَّبِ " " وَالْمُسْتَوْعِبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " وَغَيْرِهِمْ هُنَاكَ. وَعَلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّقِيطَ لَوْ كَانَ مَجْنُونًا غَنِيًّا؛ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ، بَلْ تُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ ". (وَإِنْ ادَّعَى جَانٍ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى اللَّقِيطِ - جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الْمَالَ - رِقَّهُ، أَوْ ادَّعَى (قَاذِفُهُ رِقَّهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَكَذَّبَهُمَا) اللَّقِيطُ؛ فَالْقَوْلُ (قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلظَّاهِرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَذَفَ إنْسَانًا، وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْحُرِّ. فَلِلَّقِيطِ طَلَبُ حَدِّ الْقَذْفِ، وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ الْجَانِي، وَإِنْ كَانَ حُرًّا. وَإِنْ أَوْجَبَتْ الْجِنَايَةُ مَالًا طَالَبَ، بِمَا يَجِبُ فِي الْحُرِّ. وَإِنْ صَدَّقَ اللَّقِيطُ قَاذِفَهُ؛ أَوْ الْجَانِيَ عَلَيْهِ عَلَى كَوْنِهِ رَقِيقًا؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا مَا يَجِبُ فِي قَذْفِ الرَّقِيقِ أَوْ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ. (وَإِنْ ادَّعَى أَجْنَبِيٌّ) - أَيْ: غَيْرُ وَاجِدِهِ - (رِقَّهُ) - أَيْ اللَّقِيطِ - (أَوْ) ادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّ (مَجْهُولَ نَسَبِ غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ اللَّقِيطِ - مَمْلُوكُهُ، (وَهُوَ بِيَدِهِ) - أَيْ: الْمُدَّعِي رِقَّهُ - (صُدِّقَ) الْمُدَّعِي؛ لِدَلَالَةِ الْيَدِ عَلَى الْمِلْكِ، (بِيَمِينِهِ) ؛ لِإِمْكَانِ عَدَمِ الْمِلْكِ حَيْثُ كَانَ دُونَ التَّمْيِيزِ أَوْ مَجْنُونًا، ثُمَّ إذَا بَلَغَ وَقَالَ: أَنَا حُرٌّ لَمْ يُقْبَلْ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اللَّقِيطُ أَوْ مَجْهُولُ النَّسَبِ بِيَدِ الْمُدَّعِي؛ فَلَا يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ تُخَالِفُ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ. (وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - إذَا ادَّعَاهُ، (مَعَ) بَقَاءِ (رِقِّهِ) لِسَيِّدِهِ، وَلَوْ مَعَ بَيِّنَةٍ بِنَسَبِهِ. قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيهِ امْرَأَةً حُرَّةً؛ فَتَثْبُتُ حُرِّيَّتُهُ. فَإِنْ ادَّعَى مُلْتَقِطُهُ رِقَّهُ، أَوْ ادَّعَاهُ أَجْنَبِيٌّ، وَلَيْسَ بِيَدِهِ؛ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّهَا تُخَالِفُ

стр. 2569

الظَّاهِرَ. بِخِلَافِ دَعْوَى النَّسَبِ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ يَثْبُتُ بِهَا حَقُّ اللَّقِيطِ، وَدَعْوَى الرِّقِّ يَثْبُتُ بِهَا حَقٌّ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ تُقْبَلْ بِمُجَرَّدِهَا، كَرِقِّ غَيْرِ اللَّقِيطِ. (وَإِلَّا) يَكُنْ اللَّقِيطُ بِيَدِ الْأَجْنَبِيِّ الْمُدَّعِي لِرِقِّهِ، (وَحَلَفَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِيَدِهِ) ، كَمَا لَوْ قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّهُ جَارٍ فِي مِلْكِهِ كَانَ بِيَدِهِ حُكِمَ لَهُ بِالْيَدِ، (وَحَلَفَ أَنَّهُ) - أَيْ: اللَّقِيطَ - (مِلْكُهُ) ؛ حُكِمَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْيَدِ دَلِيلُ الْمِلْكِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ (أَوْ شَهِدَتْ) لَهُ بَيِّنَةٌ (بِمِلْكٍ) بِأَنْ قَالَ: نَشْهَدُ أَنَّهُ جَارٍ فِي مِلْكِهِ، أَوْ أَنَّهُ مِلْكُهُ، أَوْ أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ أَوْ عَبْدُهُ، وَلَوْ لَمْ تَذْكُرْ الْبَيِّنَةُ سَبَبَ الْمِلْكِ؛ حُكِمَ لَهُ بِهِ؛ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِمِلْكِ دَارٍ أَوْ ثَوْبٍ، (أَوْ) شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ (أَنَّ أَمَتَهُ) - أَيْ: الْمُدَّعِي (وَلَدَتْهُ) - أَيْ: اللَّقِيطَ (بِمِلْكِهِ) ؛ أَيْ: الْمُدَّعِي - (أَوْ) شَهِدَتْ (أَنَّهُ قِنُّهُ، وَلَوْ لَمْ تَذْكُرْ سَبَبَ الْمِلْكِ؛ حُكِمَ لَهُ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تَلِدُ فِي مِلْكِهِ إلَّا مَلَكَهُ فَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ ابْنُ أَمَتِهِ، أَوْ أَنْ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ، وَلَمْ تَقُلْ فِي مِلْكِهِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْهُ قَبْلَ مِلْكِهِ لَهَا، فَلَا يَكُونُ لَهُ، مَعَ كَوْنِهِ ابْنَ أَمَتِهِ وَكَوْنُهَا وَلَدَتْهُ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَإِنْ شَهِدَتْ بِالْوِلَادَةِ؛ قُبِلَ فِيهِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ. (وَإِنْ ادَّعَاهُ) - أَيْ: رِقَّ اللَّقِيطِ - (مُلْتَقِطٌ؛ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِمِلْكِهِ لَهُ، أَوْ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ، فَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُلْتَقِطَهُ، وَلَا تَكْفِي يَدُهُ، وَلَا بَيِّنَةَ تَشْهَدُ لَهُ بِالْيَدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ، وَيَدُهُ عَنْ سَبَبٍ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا. بِخِلَافِ الْمَالِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْمِلْكُ. (وَيَتَّجِهُ هَذَا) ؛ أَيْ: عَدَمُ قَبُولِ دَعْوَى الْمُلْتَقِطِ بِدُونِ بَيِّنَةٍ إنْ أَقَامَهَا، (بَعْدَ اعْتِرَافِهِ) - أَيْ: الْمُلْتَقِطِ - (أَنَّهُ لَقِيطٌ) ؛ لِجِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالِاعْتِرَافِ، (وَإِلَّا) يَعْتَرِفْ بِأَنَّهُ لَقِيطٌ (فَلَوْ ادَّعَاهُ) - أَيْ: رِقَّ اللَّقِيطِ - (ابْتِدَاءً) مِنْ غَيْرِ

стр. 2570

تَقَدُّمِ اعْتِرَافٍ مِنْهُ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالرِّقِّ؛ (قُبِلَ) قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ، وَحُكِمَ لَهُ بِهِ؛ كَمَا لَوْ صَدَرَتْ دَعْوَى ذَلِكَ مِنْ (أَجْنَبِيٍّ) ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ لَقِيطٍ وَمَجْهُولٍ نَسَبُهُ بَالِغًا عَاقِلًا، وَكَذَا مُمَيِّزًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَاوَى، فَأَنْكَرَ أَنَّهُ رَقِيقٌ، وَقَالَ: أَنَا حُرٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنَّهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ. (وَإِنْ أَقَرَّ بِرِقِّ لَقِيطٍ بَالِغٍ) ، بِأَنْ قَالَ: أَنَا مِلْكُ زَيْدٍ؛ (لَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهُ، (وَلَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إقْرَارَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ - (تَصَرُّفٌ مِنْهُ بِنَحْوِ بَيْعٍ) أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إقْرَارَهُ (صَدَاقٌ وَلَا نِكَاحٌ، أَوْ) لَمْ يَتَقَدَّمْهُ (اعْتِرَافٌ بِحُرِّيَّتِهِ) قُبِلَ ذَلِكَ، بِأَنْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ جَوَابًا لِدَعْوَى مُدَّعٍ، (أَوْ) أَقَرَّ ابْتِدَاءً، وَلَوْ (صَدَّقَ مُقِرٌّ لَهُ) بِالرِّقِّ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْحُرِّيَّةِ الْمَحْكُومِ بِهَا، فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ؛ كَمَا لَوْ أَقَرَّ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْحُرِّيَّةِ، وَلِأَنَّ الطِّفْلَ الْمَنْبُوذَ لَا يَعْلَمُ رِقَّ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِمَّنْ لَا يَعْقِلُ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ رِقٌّ بَعْدَ الْتِقَاطِهِ؛ فَكَانَ إقْرَارُهُ بَاطِلًا. (فَإِنْ شَهِدَتْ) لِمُدَّعِي رِقِّ اللَّقِيطِ أَوْ مَجْهُولِ النَّسَبِ (بَيِّنَةٌ) بِدَعْوَاهُ؛ (حُكِمَ لَهُ بِهَا) - أَيْ: بِبَيِّنَتِهِ - (وَنُقِضَ تَصَرُّفُهُ) الْوَاقِعُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ لِمُدِعِّ رِقِّهِ؛ لِأَنَّهُ بَانَ قَدْ تَصَرَّفَ بِدُونِ إذْنِ سَيِّدِهِ.

стр. 2571

وَإِنْ أَقَرَّ لَقِيطٌ بَالِغٌ (بِكُفْرٍ، وَقَدْ نَطَقَ بِإِسْلَامٍ، وَهُوَ مُمَيِّزٌ يَعْقِلُهُ) - أَيْ: الْإِسْلَامَ - أَوْ أَقَرَّ بِهِ لَقِيطٌ بَالِغٌ (مُسْلِمٌ حُكْمًا) ؛ بِأَنْ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ (تَبَعًا لِلدَّارِ) ؛ بِأَنْ كَانَ وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِيهِ مُسْلِمٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ؛ (فَ) هُوَ (مُرْتَدٌّ) ؛ أَيْ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ، يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ فِي الصُّورَتَيْنِ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَبِلَا نِزَاعٍ فِي الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ مُتَيَقَّنٌ؛ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِمَا يُنَافِيهِ. وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ؛ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وُجِدَ عُرْيًا عَنْ الْمَعَارِضِ، وَثَبَتَ حُكْمُهُ وَاسْتَقَرَّ؛ فَلَمْ يَجُزْ إزَالَةُ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ ابْنٌ مُسْلِمٌ، وَقَوْلُهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ فِي الْحَالِ مَنْ كَانَ أَبُوهُ، وَلَا مَا كَانَ دِينُهُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. [فَائِدَةٌ أَمَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ وَلَدَتْ مِنْ فُجُورٍ] فَائِدَةٌ قَالَ أَحْمَدُ فِي أَمَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ وَلَدَتْ مِنْ فُجُورٍ: وَلَدُهَا مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، وَهَذَا لَيْسَ مَعَهُ إلَّا أُمُّهُ. (وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ) ؛ أَيْ: بِأَنَّ اللَّقِيطَ وَلَدُهُ، (مَنْ) - أَيْ: إنْسَانٌ - (كَوْنُهُ) - أَيْ: اللَّقِيطِ - (مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ الْمُقِرِّ - وَلَوْ كَانَ الْمُقِرُّ (كَافِرًا، أَوْ قِنًّا، أَوْ أُنْثَى ذَاتَ زَوَاجٍ أَوْ) ذَاتَ (نَسَبٍ مَعْرُوفٍ) ، أَوْ ذَاتَ إخْوَةٍ؛ (أُلْحِقَ) اللَّقِيطُ، (وَلَوْ) كَانَ (مَيِّتًا، بِهِ) - أَيْ: بِالْمُقِرِّ - لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ لِلَّقِيطِ لِاتِّصَالِ نَسَبِهِ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ؛ فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ. وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ رَجُلًا حُرًّا مُسْلِمًا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَعَلَى الصَّحِيحِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ كَافِرًا، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ نَصِّ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِنَسَبِ مَجْهُولِ النَّسَبِ، وَلَيْسَ فِي إقْرَارِهِ إضْرَارٌ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْحَقُهُ فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ؛ فَصَحَّ إقْرَارُهُ. كَالْمُسْلِمِ. وَعَلَى الصَّحِيحِ أَيْضًا، فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ أُنْثَى ذَاتَ زَوْجٍ، أَوْ نَسَبٍ مَعْرُوفٍ، أَوْ إخْوَةٍ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ؛ فَثَبَتَ النَّسَبُ بِدَعْوَاهَا، كَالْأَبِ.

стр. 2572

وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا، كَمَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْ الرَّجُلِ، بَلْ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي بِهِ مِنْ زَوْجٍ، وَمَنْ وَطِئَ شُبْهَةً، وَيَلْحَقُهَا وَلَدُهَا مِنْ الزِّنَا دُونَ الرَّجُلِ. وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ اللَّقِيطِ عَلَى الْقِنِّ الَّذِي أَلْحَقْنَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، وَلَا حَضَانَةَ لَهُ عَلَى مَنْ اسْتَلْحَقَهُ؛ لِاشْتِغَالِهِ بِالسَّيِّدِ، فَيَضِيعُ، فَلَا يَتَأَهَّلُ لِلْحَضَانَةِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ جَازَ؛ لِانْتِفَاءِ مَانِعِ الشَّغْلِ. وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ مَنْ اسْتَلْحَقَهُ الْقِنُّ عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، وَالسَّيِّدُ غَيْرُ نَسِيبٍ لَهُ، وَتَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ. وَلَا يَلْحَقُ (بِزَوْجِ) امْرَأَةٍ (مُقِرَّةٍ) بِهِ، بِدُونِ تَصْدِيقِ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهَا لَا يَنْفُذُ عَلَى غَيْرِهَا، فَلَا يَلْحَقُهُ بِذَلِكَ نَسَبُ وَلَدٍ لَمْ يُولَدْ عَلَى فِرَاشِهِ، وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ. فَإِنْ أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ بَيِّنَةً أَنَّهَا وَلَدَتْهُ عَلَى فِرَاشِ زَوْجِهَا؛ لَحِقَ بِهِ. وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا ادَّعَى نَسَبَهُ؛ لَمْ يَلْحَقْ بِزَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَا يَسْرِي عَلَيْهَا. (وَلَا يَتْبَعُ) اللَّقِيطُ رَقِيقًا ادَّعَى نَسَبَهُ (فِي رِقٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَبَعِيَّتِهِ النَّسَبَ الرِّقُّ بِدُونِ بَيِّنَةٍ. (وَ) لَا يَتْبَعُ لَقِيطٌ كَافِرًا اسْتَلْحَقَهُ فِي (كُفْرٍ) ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ، فَلَا يَتَأَثَّرُ بِدَعْوَى الْكَافِرِ، وَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ، وَفِيهِ إضْرَارٌ بِاللَّقِيطِ وَلَا حَقَّ لِلْكَافِرِ فِي حَضَانَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِكَفَالَةِ مُسْلِمٍ، وَلَا تُؤْمَنُ فِتْنَتُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. (وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) الْحُكْمُ (لَوْ وَطِىءَ) اثْنَانِ (مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ) امْرَأَةً (كَافِرَةً) بِشُبْهَةٍ، وَادَّعَاهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، (وَأَلْحَقَتْهُ) الْقَافَةُ (بِالْكَافِرِ) ؛ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ فِي النَّسَبِ، وَلَا يَتْبَعُهُ فِي الدِّينِ؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ الْمُسْلِمِ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

стр. 2573

وَلَا يُسَلَّمُ اللَّقِيطُ إلَى مُسْتَلْحَقِهِ الْكَافِرِ، (إلَّا أَنْ يُقِيمَ) مُسْتَلْحَقُهُ (بَيِّنَةً) تَشْهَدُ (أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) ، فَيَلْحَقُهُ دِينًا؛ لِثُبُوتِ أَنَّهُ وَلَدُ ذِمِّيَّيْنِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَقِيطًا، بِشَرْطِ اسْتِمْرَارِ أَبَوَيْهِ عَلَى الْحَيَاةِ وَالْكُفْرِ إلَى بُلُوغِهِ عَاقِلًا، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ بُلُوغِهِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ. [تَنْبِيهٌ الْمَجْنُونُ إذَا أَقَرَّ إنْسَانٌ أَنَّهُ وَلَدُهُ] تَنْبِيهٌ وَالْمَجْنُونُ كَالطِّفْلِ، إذَا أَقَرَّ إنْسَانٌ أَنَّهُ وَلَدُهُ؛ لَحِقَ بِهِ، إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، وَكَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمَجْنُونِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَهُوَ كَالطِّفْلِ. وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ لِحَاقُهُ بِالِاسْتِلْحَاقِ، لَوْ بَلَغَ أَوْ عَقَلَ وَأَنْكَرَ؛ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ؛ لِنُفُوذِ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ فِي صِغَرِهِ أَوْ جُنُونِهِ لِمُسْتَنَدٍ صَحِيحٍ، أَشْبَهَ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ. (وَإِنْ ادَّعَاهُ) - أَيْ: نَسَبَ اللَّقِيطِ - (جَمْعٌ) ، اثْنَانِ فَأَكْثَرُ؛ سُمِعَتْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَوْ انْفَرَدَ صَحَّتْ دَعْوَاهُ فَإِذَا تَنَازَعُوا تَسَاوَوْا فِي الدَّعْوَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ. فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ بَيِّنَةٌ؛ (قُدِّمَ ذُو الْبَيِّنَةِ) بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُظْهِرُ الْحَقَّ، وَتُبَيِّنُهُ. وَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ الْمُدَّعَى نَسَبُهُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ؛ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ خَارِجٍ، كَالْمَالِ. وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ امْرَأَةٍ، وَادَّعَتْ نَسَبَهُ، وَأَقَامَتْ بِهِ بَيِّنَةً؛ قُدِّمَتْ عَلَى امْرَأَةٍ ادَّعَتْهُ بِلَا بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَامَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى إظْهَارِ الْحَقِّ. (فَإِنْ تَسَاوَوْا فِيهَا) - أَيْ: الْبَيِّنَةِ بِأَنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمْ بَيِّنَةً، وَالطِّفْلُ بِأَيْدِيهِمْ، أَوْ لَيْسَ بِيَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، (أَوْ) تَسَاوَوْا (فِي عَدَمِهَا) ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ؛ (عَرَضَ) اللَّقِيطُ (مَعَ مُدَّعٍ) مَوْجُودٍ (أَوْ) مَعَ (أَقَارِبِهِ) - أَيْ: الْمُدَّعِي - كَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَأَخِيهِ وَابْنِهِ وَابْنِ ابْنِهِ. (إنْ) كَانَ (مَاتَ) الْمُدَّعِي، (عَلَى الْقَافَةِ) - بِالتَّخْفِيفِ - جَمَعَ قَائِفٌ. وَيَأْتِي مَعْنَاهُ. وَكَانَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَائِفًا، وَكَذَا شُرَيْحٌ. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ) الْقَافَةُ (بِوَاحِدٍ) ؛ لَحِقَ بِهِ؛ لِحَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ

стр. 2574

يَوْمٍ، وَهُوَ مَسْرُورٌ تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَيْ عَائِشَةُ، أَلَم تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا، وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» وَفِي لَفْظٍ: «دَخَلَ قَائِفٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ شَاهِدٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْجَبَهُ، وَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. فَلَوْلَا جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقَافَةِ؛ لَمَا سُرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ عُمَرَ قَضَى بِهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ: اُنْظُرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ حَمْشَ السَّاقَيْنِ، كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا. وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا، جَمَالِيًّا، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ، فَأَتَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» ، فَحَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي أَشْبَهَ مِنْهُمَا " وَقَوْلُهُ: لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ؛ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْعَمَلِ بِالشَّبَهِ إلَّا الْأَيْمَانُ، فَإِذَا انْتَفَى الْمَانِعُ؛ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ. وَقَوْلُهُ حَمْشَ السَّاقَيْنِ - أَيْ: دَقِيقَهُمَا - وَالْجَعْدُ لَئِيمُ الْحَسَبِ، وَخَدَلَّجُ السَّاقَيْنِ مُمْتَلِئُهُمَا، وَكَذَلِكَ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، حِينَ رَأَى بِهِ شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» . فَعَمِلَ بِالشَّبَهِ فِي حَجْبِ سَوْدَةَ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْحَدِيثَانِ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، إذْ لَمْ يَحْكُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِالشَّبَهِ فِيهِمَا، بَلْ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِزَمْعَةَ، وَقَالَ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» وَلَمْ يَعْمَلْ شَبَهُ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا لِشَبَهِهِ بِالْمَقْذُوفِ، قُلْنَا: إنَّمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ فِي أَمَةِ ابْنِ زَمْعَةَ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ أَقْوَى، وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَةِ لِمُعَارَضَةِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا؛ لَا يُوجِبُ الْإِعْرَاضَ عَنْهَا، إذَا خَلَتْ عَنْ الْمَعَارِضِ، وَلِذَلِكَ تَرَكَ

стр. 2575

إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ أَيْمَانِهَا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» . عَلَى أَنَّ ضَعْفَ الشَّبَهِ عَنْ إقَامَةِ الْحَدِّ، لَا يُوجِبُ ضَعْفَهُ عَنْ إلْحَاقِ النَّسَبِ، فَإِنَّ الْحَدَّ فِي الزِّنَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَقْوَى الْبَيِّنَتَيْنِ، وَأَكْثَرِهَا عَدَدًا وَأَقْوَى الْإِقْرَارِ، حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهِ تَكْرَارُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَيُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْوِلَادَةِ، وَيَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَيَثْبُتُ مَعَ ظُهُورِ انْتِفَائِهِ، حَتَّى لَوْ أَنْ امْرَأَةً أَتَتْ بِوَلَدِ وَزَوْجُهَا غَائِبٌ عَنْهَا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً؛ لَحِقَهُ وَلَدُهَا، فَكَيْفَ يَحْتَجُّ عَلَى نَفْيِهِ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ. وَلِأَنَّهُ حَكَمَ بِظَنٍّ غَالِبٍ وَرَأْيٍ رَاجِحٍ، مِمَّنْ هُوَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ؛ فَجَازَ؛ كَقَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَاهُنَا إذَا عَمِلْتُمْ بِالْقِيَافَةِ فَقَدْ نَفَيْتُمْ النَّسَبَ عَمَّنْ تَلْحَقُهُ الْقَافَةُ بِهِ؛ قُلْنَا: إنَّمَا انْتَفَى النَّسَبُ هَاهُنَا لِعَدَمِ دَلِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إلَّا مُجَرَّدَ الدَّعْوَى، وَقَدْ عَارَضَهَا مِثْلُهَا؛ فَسَقَطَ حُكْمُهَا، فَكَانَ الشَّبَهُ مُرَجِّحًا لِأَحَدِهِمَا، فَانْتَفَتْ دَلَالَةُ الْأُخْرَى، فَلَزِمَ انْتِفَاءُ النَّسَبِ لِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ، وَتَقْدِيمِ اللِّعَانِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ، كَالْيَدِ تُقَدَّمُ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ وَيُعْمَلُ بِهَا انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ " الْمُغْنِي ". (أَوْ) أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ (بِاثْنَيْنِ؛ لَحِقَ) نَسَبُهُ بِهِمَا؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ، فِي امْرَأَةٍ وَطِئَهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ، فَقَالَ الْقَائِفُ: قَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا، وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: وَعَلِيٌّ يَقُولُ: هُوَ ابْنُهُمَا وَهُمَا أَبَوَاهُ، يَرِثُهُمَا، وَيَرِثَانِهِ. رَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ عَنْ عُمَرَ (فَيَرِثُ) اللَّقِيطُ الْمُلْحَقُ بِأَبَوَيْنِ (كُلًّا مِنْهُمَا) - أَيْ: الْأَبَوَيْنِ - إرْثَ وَلَدٍ كَامِلٍ، فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ غَيْرَهُ وَرِثَ جَمِيعَ مَالِهِمَا. (وَيَرِثَانِهِ إرْثَ أَبٍ) وَاحِدٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ إلْحَاقُ الْقَافَةِ لَقِيطًا بِاثْنَيْنِ مُعْتَبَرًا (فَلَوْ تَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا) ؛ أَيْ: مَنْ أَلْحَقَتْ الْقَافَةُ الْوَلَدَ بِهِ، (بِنْتَ) الْمُلْحَقِ (الْآخَرِ) الْمَفْرُوضِ فِي مَسْأَلَتِنَا (قِيلَ) - أَيْ: قَالَ الْقَائِلُ - (فِيهِ) ؛ أَيْ: الشَّخْصِ الَّذِي تَزَوَّجَ: قَدْ

стр. 2576

(تَزَوَّجَ) هَذَا (أُخْتَ ابْنِهِ) لِأَبِيهِ (نَسَبًا) ؛ أَيْ: فِي النَّسَبِ لَا فِي الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [تَنْبِيهٌ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِاثْنَيْنِ وَكَانَ لِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ بِنْتٌ وَلِلَّقِيطِ أُمٌّ] تَنْبِيهٌ قَالَ الْخَلْوَتِيُّ: إذَا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِاثْنَيْنِ، وَكَانَ لِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ بِنْتٌ، وَلِلَّقِيطِ أُمٌّ؛ جَازَ لِوَاحِدٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُمَا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ بِنْتَيْ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ وَأُمِّ اللَّقِيطِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُنَّ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْآخَرَيْنِ، وَيُعَايَا بِهَا، فَيُقَال: شَخْصٌ تَزَوَّجَ بِأُمِّ شَخْصٍ وَأُخْتَيْهِ مَعًا، وَأُقِرُّ النِّكَاحُ مَعَ إسْلَامِ الْجَمِيعِ. وَفِي ذَلِكَ قُلْتُ مُلْغِزًا: يَا فَقِيهًا حَوَى الْفَضَائِلَ طُرًّا ... وَتَسَامَى عَلَى الْأَنَامِ بِعِلْمِهِ أَفْتِنَا فِي شَخْصٍ تَزَوَّجَ أُخْ ... تَيْنِ لِشَخْصٍ مَعَ الْبِنَاءِ بِأُمِّهِ وَأَجَازُوا عُقُودَهُ دُونَ رَيْبٍ ... أَوْ مَلَامٍ فِي الشَّرْعِ أَرْشِدْ لِفَهْمِهِ. (وَإِنْ وَصَّى) أَيْ: الْمُلْحَقُ بِاثْنَيْنِ؛ قَبِلَا لَهُ الْوَصِيَّةَ (أَوْ وَهَبَ لَهُ؛ قَبِلَا) لَهُ الْهِبَةَ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ أَبٍ وَاحِدٍ. وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ الْمُوَضِّحُ: وَهُمَا وَلِيَّانِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ كَنِكَاحٍ وَغَيْرِهِ. (وَإِنْ خَلَّفَ) الْمُلْحَقُ بِاثْنَيْنِ (أَحَدَهُمَا فَلَهُ) - أَيْ: الْمُخَلَّفِ مِنْهُمَا - (إرْثُ أَبٍ كَامِلٌ، وَنَسَبُهُ) مَعَ ذَلِكَ (ثَابِتٌ مِنْ الْمَيِّتِ) ، لَا يُزِيلُهُ شَيْءٌ، كَمَا أَنَّ الْجَدَّةَ إذَا انْفَرَدَتْ أَخَذَتْ مَا تَأْخُذُهُ الْجَدَّاتُ وَالزَّوْجَةُ وَحْدَهَا تَأْخُذُ مَا تَأْخُذُهُ الزَّوْجَاتُ. (وَلِأُمِّ أَبَوَيْهِ) ، إذَا مَاتَ وَخَلَّفَهُمَا (مَعَ أُمِّ أُمِّهِ) وَعَاصِبٍ، (نِصْفُ سُدُسٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ جَدَّةِ الْأَبِ (وَلَهَا) ؛ أَيْ: لِأُمِّ أُمِّهِ (نِصْفُهُ) - أَيْ: السُّدُسِ - كَمَا لَوْ كَانَتْ مَعَ أُمِّ أَبٍ وَاحِدٍ. (وَكَذَا لَوْ أَلْحَقَتْهُ) الْقَافَةُ (بِأَكْثَرَ) مِنْ اثْنَيْنِ؛ فَيَلْحَقُ بِهِمْ وَإِنْ كَثُرُوا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ أُلْحِقَ بِاثْنَيْنِ مَوْجُودٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، فَقِيَاسٌ عَلَيْهِ. وَإِذَا جَازَ

стр. 2577

أَنْ يُخَلِّفَ مِنْ اثْنَيْنِ جَازَ أَنْ يُخَلِّفَ مِنْ أَكْثَرَ. وَلَوْ تَوَقَّفَتْ الْقَافَةُ فِي إلْحَاقِهِ بِأَحَدِ مَنْ ادَّعَاهُ، أَوْ نَفَتْهُ عَنْ الْآخَرِ؛ لَمْ يَلْحَقْ بِاَلَّذِي تَوَقَّفَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لَهُ. وَإِنْ ادَّعَى نَسَبَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ أُلْحِقَ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا؛ لِإِمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُمَا بِنِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ، فَيَكُونُ ابْنُهُمَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمَا، كَالِانْفِرَادِ فَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ: هُوَ ابْنِي مِنْ زَوْجَتِي، وَادَّعَتْ زَوْجَتُهُ أَنَّهُ ابْنُهَا مِنْهُ، وَادَّعَتْ امْرَأَةٌ أَنَّهُ ابْنُهَا فَهُوَ ابْنُهُ، وَتُرَجَّحُ زَوْجَتُهُ عَلَى الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ زَوْجَهَا أَبُوهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا أُمُّهُ. (وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ) ، وَقَدْ ادَّعَاهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ، ضَاعَ نَسَبُهُ فَإِنْ وُجِدَتْ (وَلَوْ بَعِيدَةً) ؛ ذَهَبُوا إلَيْهَا. (أَوْ نَفَتْهُ) الْقَافَةُ عَمَّنْ ادَّعَيَاهُ أَوْ ادَّعَوْهُ، (أَوْ أَشْكَلَ) أَمْرُهُ عَلَى الْقَافَةِ، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ؛ ضَاعَ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِأَحَدِهِمْ، أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يُدَّعَ نَسَبُهُ. (أَوْ اخْتَلَفَ) فِيهِ (قَائِفَانِ) ، فَأَلْحَقَهُ أَحَدُهُمَا بِوَاحِدٍ، وَالْآخَرُ بِآخَرَ، (أَوْ) اخْتَلَفَ قَائِفَانِ (اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ) مِنْ الْقَافَةِ فَأَكْثَرَ؛ بِأَنْ قَالَ اثْنَانِ مِنْهُمْ: هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: هُوَ ابْنُ عُمَرَ؛ (ضَاعَ نَسَبُهُ) ؛ لِتَعَارُضِ الدَّلِيلِ، وَلَا مُرَجِّحَ لِبَعْضِ مَنْ يَدَّعِيهِ، أَشْبَهَ تَعَارُضَ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَلَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمْ بِذِكْرِ عَلَامَةٍ فِي جَسَدِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الْغَيْرُ، فَلَا يَحْصُلُ الثِّقَةُ بِذِكْرِهَا. (وَيُؤْخَذُ) بِقَوْلِ قَائِفِينَ (اثْنَيْنِ خَالَفَهُمَا) قَائِفٌ (ثَالِثٌ) ؛ لِكَمَالِ النِّصَابِ إنْ اُعْتُبِرَ التَّعَدُّدُ، وَإِلَّا فَتَعَارُضُ الْقَائِفَيْنِ يَقْتَضِي تَسَاقُطَهُمَا، وَالثَّالِثُ خَلَا عَنْ مُعَارِضٍ فَيُعْمَلُ بِهِ، (كَبَيْطَارَيْنِ) خَالَفَهُمَا بَيْطَارٌ فِي عَيْبٍ، (وَكَطَبِيبَيْنِ) خَالَفَهُمَا طَبِيبٌ (فِي عَيْبٍ) قَالَهُ فِي " الْمُنْتَخَبِ ".

стр. 2578

وَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَوْ رَجَعَا بَعْدَ التَّقْوِيمِ، بِأَنْ قَوَّمَاهُ بِعَشْرَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ ثَمَانِيَةٍ؛ لَمْ يُقْبَلْ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا بَعْدَ الْحُكْمِ. (وَلَوْ رَجَعَ عَنْ دَعْوَاهُ) النَّسَبَ (مَنْ أَلْحَقَتْهُ قَافَةٌ بِهِ؛ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ (وَمَعَ عَدَمِ إلْحَاقِ) الْقَافَةِ بِهِ (فَرَجَعَ أَحَدُهُمَا) عَنْ دَعْوَاهُ؛ (أُلْحِقَ بِالْآخَرِ) ؛ لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ، وَلَا يُضَيَّعُ نَسَبُهُ. (وَيَكْفِي قَائِفٌ وَاحِدٌ) فِي إلْحَاقِ النَّسَبِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: " أَنَّهُ اسْتَقَافَ الْمُصْطَلَقَيْ وَحَّدَهُ " وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ اسْتَقَافَ ابْنَ كَلْدَةَ وَاسْتَلْحَقَ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ حَكَمٌ، فَقُبِلَ فِيهِ الْوَاحِدُ، كَالْحَاكِمِ. (وَهُوَ كَحَاكِمٍ فَيَكْفِي مُجَرَّدُ خَبَرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْفُذُ مَا يَقُولُهُ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ. فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ، ثُمَّ أَلْحَقَهُ قَائِفٌ آخَرُ بِآخَرَ؛ كَانَ لَاحِقًا بِالْأَوَّلِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ إلْحَاقَهُ جَرَى مَجْرَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، فَلَا يُنْقَضُ بِمُخَالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ، وَكَذَا لَوْ أَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ، ثُمَّ عَادَ فَأَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ. وَإِنْ أَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ؛ حُكِمَ لَهُ بِهِ، وَسَقَطَ قَوْلُ الْقَائِفِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ، فَيَسْقُطُ بِوُجُودِ الْأَصْلِ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ. (وَشُرِطَ كَوْنُهُ) - أَيْ: الْقَائِفِ - (ذَكَرًا) ؛ لِأَنَّ الْقِيَافَةَ حُكْمٌ مُسْتَنَدُهَا النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الذُّكُورَةُ؛ كَالْقَضَاءِ (عَدْلًا) ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. وَعُلِمَ مِنْهُ اشْتِرَاطُ إسْلَامِهِ بِالْأَوْلَى؛ إذْ الْحَاكِمُ لَا يَكُونُ إلَّا مُسْلِمًا حُرًّا؛ لِأَنَّهُ كَحَاكِمٍ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَالشَّارِحِ، وَالْمُوَفَّقُ، وَذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " عَنْ الْأَصْحَابِ، قَالَ فِي " الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ ": الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ كَحَاكِمٍ، فَتُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ، وَالْحُكْمُ يُعْتَبَرُ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ انْتَهَى. (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا

стр. 2579

تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ. كَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى قَوْلِ صَاحِبِ " الْإِنْصَافِ ": إنَّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ هُوَ الْمَذْهَبُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ عَنْهُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ: فَعَلَى الْأَوَّلِ - وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ - يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ، وَعَلَى الثَّانِي - وَهُوَ اشْتِرَاطُهَا - يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ. ثُمَّ لَمَّا أَلَّفَ " التَّنْقِيحَ " جَزَمَ بِأَنَّ الْقَائِفَ كَحَاكِمٍ، فَإِذَنْ تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ وَمُقْتَضَى أَنَّهُ كَحَاكِمٍ وَشَاهِدٍ اعْتِبَارُ الْإِسْلَامِ قَطْعًا (مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ) لِأَنَّهُ أَمْرٌ عِلْمِيٌّ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِعِلْمِهِ لَهُ، وَذَلِكَ لَا يُعْرَفُ بِغَيْرِ التَّجْرِبَةِ فِيهِ. قَالَ الْقَاضِي فِي كَيْفِيَّةِ التَّجْرِبَةِ: هُوَ أَنْ يُتْرَكَ اللَّقِيطُ مَعَ عَشَرَةٍ مِنْ الرِّجَالِ، غَيْرَ مَنْ يَدَّعِيهِ، وَيَرَى إيَّاهُمْ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ سَقَطَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّا نَتَبَيَّنُ خَطَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يُلْحِقْهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَرَيْنَاهُ إيَّاهُ مَعَ عِشْرِينَ مِنْهُمْ مُدَّعِيهِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِ لَحِقَ. وَلَوْ اُعْتُبِرَ بِأَنْ يَرَى صَبِيًّا مَعْرُوفَ النَّسَبِ، مَعَ قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُوهُ أَوْ أَخُوهُ، فَإِذَا أَلْحَقَهُ بِقَرِيبِهِ عُلِمَتْ إصَابَتُهُ، وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ سَقَطَ قَوْلُهُ. وَهَذِهِ التَّجْرِبَةُ عِنْدَ عَرْضِهِ عَلَى الْقَائِفِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي مَعْرِفَةِ إصَابَتِهِ وَإِنْ لَمْ نُجَرِّبْهُ فِي الْحَالِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْإِصَابَةِ وَصِحَّةِ الْمَعْرِفَةِ فِي مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ؛ جَازَ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَقَدْ رُوِينَا أَنَّ رَجُلًا شَرِيفًا شَكَّ فِي وَلَدٍ لَهُ مِنْ جَارِيَتِهِ، وَأَبَى أَنْ يَسْتَلْحِقَهُ، فَمَرَّ بِهِ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي الْمَكْتَبِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ اُدْعُ لِي أَبَاكَ، فَقَالَ الْمُعَلِّمُ: وَمَنْ أَبُو هَذَا؟ قَالَ: فُلَانٌ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ أَنَّهُ أَبُوهُ؟ قَالَ: هُوَ أَشْبَهُ مِنْ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ، فَقَامَ الْمُعَلِّمُ مَسْرُورًا إلَى أَبِيهِ، فَأَعْلَمَهُ بِقَوْلِ إيَاسٍ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ وَسَأَلَ إيَاسًا: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا وَلَدِي؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَهَلْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ؟ إنَّهُ لَأَشْبَهُ مِنْكَ مِنْ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ، فَسُرَّ الرَّجُلُ، وَاسْتَلْحَقَ وَلَدَهُ انْتَهَى. (وَكَذَا) - أَيْ: كَاللَّقِيطِ (إنْ وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً) بِلَا زَوْجٍ (بِشُبْهَةٍ) فِي طُهْرٍ، (أَوْ) وَطِئَا (أَمَتَهُمَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ أَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ زَوْجَةً) لِآخَرَ، (أَوْ سُرِّيَّةً لِآخَرَ) ، هِيَ فِرَاشٌ لِذَلِكَ الْآخَرِ، وَهُوَ أَنْ يَجِدَهَا الْوَاطِئُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَيَظُنُّهَا

стр. 2580

زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، أَوْ يَدْعُو زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَتُجِيبُهُ زَوْجَةُ آخَرَ أَوْ أَمَتُهُ، أَوْ يَتَزَوَّجَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَزْوِيجًا فَاسِدًا، أَوْ يَكُونُ نِكَاحُ أَحَدِهِمَا صَحِيحًا وَالْآخَرُ فَاسِدًا، مِثْلُ أَنْ يُطَلِّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَيَنْكِحَهَا آخَرُ فِي عِدَّتِهَا أَوْ يَطَؤُهَا؛ أَوْ يَبِيعُ جَارِيَتَهُ أَوْ يَطَؤُهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، فَإِذَا وَقَعَ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ (وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ) مِنْهُمَا - أَيْ: الْوَاطِئَيْنِ -؛ فَإِنَّهُ يَرَى الْقَافَةُ مَعَهُمَا. قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": سَوَاءٌ ادَّعَيَاهُ، أَوْ جَحَدَاهُ، أَوْ أَحَدُهُمَا، وَقَدْ ثَبَتَ الِافْتِرَاشُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. (وَلَمْ يَدَّعِ؛ زَوْجٌ أَنَّهُ) - أَيْ: الْوَلَدَ - (مِنْ وَاطِئٍ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، (خِلَافًا لَهُ - أَيْ:) لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ، أَوْ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا، فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، أَوْ وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ، أَوْ أُمُّ وَلَدٍ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنْ الْوَاطِئِ أَرَى الْقَافَةَ مَعَهُمَا. انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ مِنْ اشْتِرَاطِ دَعْوَى الزَّوْجِ، تَبِعَ فِيهِ اخْتِيَارَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَهُوَ مَرْجُوحٌ؛ لِانْفِرَادِهِ بِهِ عَنْ الْأَصْحَابِ. وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُوَ الصَّوَابُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَكَلَامُهُ فِي " الْإِنْصَافِ " هُنَا مُشْكِلٌ، فَلْيُرَاجِعْهُ بِتَأَمُّلٍ مَنْ شَاءَ. انْتَهَى. وَعِبَارَةُ " الْإِنْصَافِ ": وَكَذَا الْحُكْمُ إنْ وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ، أَوْ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا، فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، أَوْ وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ بِشُبْهَةٍ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنْ الْوَاطِئِ أَرَى الْقَافَةَ مَعَهُمَا، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ عِبَارَاتِ مَنْ ذَكَرَ، وَأَمْعَنَ فِيهَا دِقَّةَ الْفِكْرِ، وَحِدَّةَ النَّظَرِ؛ وَجَدَ بَعْضَهَا مُخَالِفًا لِمَا رَقَمَ، وَجَزَمَ بِأَنَّهَا مُجَرَّدُ سَبْقِ قَلَمٍ، فَإِنَّ دَعْوَى الزَّوْجِ لَمْ يَشْتَرِطْهَا سِوَى أَبِي الْخَطَّابِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ قَبْلَهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، بَلْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ خَلَفَ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِلْحَائِزِينَ بِالتَّقَدُّمِ غَايَةَ الشَّرَفِ.

стр. 2581

[تَتِمَّةٌ نَفَقَةُ الْمَوْلُودِ الْمُشْتَبَهِ نَسَبُهُ] تَتِمَّةٌ: وَنَفَقَةُ الْمَوْلُودِ الْمُشْتَبَهِ نَسَبُهُ عَلَى الْوَاطِئِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي إمْكَانِ لُحُوقِهِ بِهِمَا، فَإِذَا لَحِقَ بِأَحَدِهِمَا رَجَعَ مَنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ عَلَى الْآخَرِ بِنَفَقَتِهِ؛ لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ مَحَلُّ الْوُجُوبِ. وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ فِي غَيْرِ بُنُوَّةٍ؛ كَأُخُوَّةٍ وَعُمُومَةٍ وَخُؤُولَةٍ، لِحَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ؛ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَعْمَامَهُ» ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ وَلَا يَخْتَصُّ بِالْعَصَبَاتِ، كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ شَبَهِ الْمُدَّعَى لِلْمَيِّتِ بِشَبَهِ مُنَاسِبِيهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْعَصَبَاتِ. (وَيَتَّجِهُ وَ) إنْ وُطِئَتْ مُزَوَّجَةٌ أَوْ أَمَةٌ (بِزِنًا) ، وَهِيَ فِرَاشٌ لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، مِنْ الْوَاطِئِ، فَالْوَلَدُ الَّذِي أَتَتْ بِهِ الزَّوْجَةُ (لِزَوْجٍ، وَ) الَّذِي أَتَتْ بِهِ الْأَمَةُ (لِسَيِّدٍ) ؛ لِقُوَّةِ جَانِبِ كُلٍّ مِنْهَا، بِكَوْنِهَا فِرَاشًا لَهُ. وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ إذَا وَطِئَ اثْنَانِ أَمَةً لَهُمَا، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ، وَأَشْكَلَ أَمْرُهُ (فِي أَمَتِهِمَا) الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَدَّعِهِ أَحَدُهُمَا، (وَلَا قَافَةَ) مَوْجُودَةً يُعْرَضُ عَلَيْهَا، أَوْ وَجَدَ قَافَةَ وَأَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَيْهَا؛ (يَلْحَقُهُمَا) ؛ أَيْ: الْوَلَدُ الْوَاطِئَيْنِ مَعًا، إذْ لَوْ انْفَرَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْمِلْكِ لَلَحِقَهُ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ فِرَاشٍ، فَكَذَلِكَ هُنَا؛ إذْ لَا فَرْقَ (وَتَعْتِقُ بِمَوْتِهِمَا) ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِمَا، وَبِمَوْتِ أَحَدِهِمَا يَعْتِقُ مِنْهَا قَدْرَ نَصِيبِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

стр. 2582

(وَلَيْسَ لِزَوْجٍ) وُطِئَتْ زَوْجَتُهُ بِشُبْهَةٍ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ، وَ (أُلْحِقَ بِهِ) الْوَلَدُ بِإِلْحَاقِ الْقَافَةِ لَهُ، وَهُوَ يَجْحَدُهُ؛ (اللِّعَانُ؛ لِنَفْيِهِ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ اللِّعَانِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ قَذْفٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] وَهَذَا لَيْسَ بِقَاذِفٍ؛ فَلَا يَصِحُّ اللِّعَانُ؛ لِعَدَمِ شَرْطِهِ (وَالْقَافَةُ) قَوْمٌ يَعْرِفُونَ الْإِنْسَانَ بِالشَّبَهِ، جَمْعُ قَائِفٍ، وَ (لَا تَخْتَصُّ) الْقَافَةُ (بِقَبِيلَةٍ) مُعَيَّنَةٍ كَبَنِي مُدْلِجٍ، (بَلْ مَنْ) عُرِفَ عَنْهُ الْمَعْرِفَةُ، وَ (جُرِّبَ فِي) هَذَا الشَّأْنِ، وَتَكَرَّرَتْ مِنْهُ (الْإِصَابَةُ؛ فَهُوَ قَائِفٌ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ: يُقَالُ قِفْتُ، وَقَفَوْتُ، وَقَافَ، وَاقْتَافَ أَثَرَهُ، إذَا اتَّبَعَهُ، وَهُوَ أَقْوَفُ النَّاسِ انْتَهَى. [فَرْعٌ لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرًا وَوَلَدَتْ امْرَأَةٌ أُخْرَى أُنْثَى وَاخْتَلَفَا] (فَرْعٌ: لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرًا وَ) وَوَلَدَتْ امْرَأَةٌ (أُخْرَى أُنْثَى، وَاخْتَلَفَا) ؛ بِأَنْ ادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنْ الذَّكَرَ وَلَدُهَا دُونَ الْأُنْثَى؛ (عُرِضَ) الْوَلَدَانِ مَعَ أُمَّيْهِمَا (عَلَى قَافَةٍ، كَرَجُلَيْنِ) فِيمَا تَقَدَّمَ، فَيَلْحَقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ الْقَافَةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ آخَرُ (لَكِنْ لَا يَلْحَقُ) الْوَلَدُ الْوَاحِدُ (بِأَكْثَرَ مِنْ) امْرَأَةٍ (وَاحِدَةٍ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأُمَّيْنِ، سَقَطَ قَوْلُهُ) ؛ أَيْ: الْقَائِفِ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ. (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَائِفٌ؛ اُعْتُبِرَ بِاللَّبَنِ) خَاصَّةً، (فَلَبَنُ الذَّكَرِ يُخَالِفُ لَبَنَ الْأُنْثَى فِي طَبْعِهِ، وَزِنَتِهِ، فَلَبَنُهُ) - أَيْ: الذَّكَرِ - (أَثْقَلُ مِنْ لَبَنِهَا) - أَيْ: الْأُنْثَى - فَمَنْ كَانَ لَبَنُهَا لَبَنَ الذَّكَرِ؛ فَهُوَ وَلَدُهَا، وَالْبِنْتُ لِلْأُخْرَى. تَنْبِيهٌ: وَإِنْ كَانَ الْوَلَدَانِ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ، وَادَّعَتَا أَحَدَهُمَا؛ تَعَيَّنَ عَرْضُ الْوَلَدِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ عَلَى الْقَائِفِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ ادَّعَى اثْنَانِ مَوْلُودًا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ ابْنِي، وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ بِنْتِي؛ نُظِرَ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَلِمُدَّعِيهِ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَلِمُدَّعِيهَا، سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَسْتَحِقُّ سِوَى مَا ادَّعَاهُ. وَإِنْ كَانَ خُنْثَى مُشْكِلٌ؛ عُرِضَ مَعَهُمَا عَلَى الْقَافَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَوْلُ أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2583

[كِتَابُ الْوَقْفِ] الْوَقْفُ: مَصْدَرُ وَقَفَ بِمَعْنَى حَبَسَ وَأَحْبَسَ وَسَبَّلَ، قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَأَوْقَفَهُ لُغَةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ. وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: «أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَصَبْتُ مَالًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ قَطُّ مَالًا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهِ؟ قَالَ: إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَذَوِي الْقُرْبَى، وَالرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضِّيَافِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ» وَفِي لَفْظٍ: " غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ، فِي صَدَقَةِ عُمَرَ: «لَيْسَ عَلَى الْوَالِي جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ، وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا لَهُ، غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ» . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ، وَيُهْدِي لِلنَّاسِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ الْمَجْدُ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ شَيْئًا عَلَى صِنْفٍ مِنْ النَّاسِ، وَوَلَدُهُ مِنْهُمْ؛ دَخَلَ فِيهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَالَ جَابِرٌ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي تَحْبِيسِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْوَقْفُ (تَحْبِيسُ مَالِكٍ) بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ، (مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ) ، وَهُوَ

стр. 2584

الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ الرَّشِيدُ، (مَالَهُ الْمُنْتَفَعَ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، بِقَطْعِ تَصَرُّفِهِ) - أَيْ: الْمَالِكِ - وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَحْبِيسٍ، عَلَى أَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ؛ أَيْ: إمْسَاكُ الْمَالِ عَنْ أَسْبَابِ التَّمَلُّكَاتِ بِقَطْعِ تَصَرُّفِ مَالِكِهِ (وَغَيْرِهِ فِي رَقَبَتِهِ) بِشَيْءٍ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، (يُصْرَفُ رِيعُهُ) ؛ أَيْ: غَلَّةُ الْمَالِ وَثَمَرَتُهُ وَنَحْوُهَا، بِسَبَبِ تَحْبِيسِهِ، (إلَى جِهَةِ بِرٍّ) يُعَيِّنُهَا وَاقِفٌ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ؛ أَيْ: إطْلَاقُ فَوَائِدِ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ، مِنْ غَلَّةٍ وَثَمَرَةٍ وَغَيْرِهَا؛ لِلْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ، (تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى) ؛ بِأَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْقُرْبَةَ. وَهَذَا الْحَدُّ لِصَاحِبِ " الْمُطْلِعِ " وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَالْمُنْتَهَى " وَالْإِقْنَاعِ " وَتَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ وَاسْتَظْهَرَ شَارِحُ الْمُنْتَهَى " أَنَّ قَوْلَهُ: تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ فِي حَدِّ الْوَقْفِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ، لَا غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقِفُ مِلْكَهُ عَلَى غَيْرِهِ تَوَدُّدًا لَا لِأَجْلِ الْقُرْبَةِ، وَيَكُونُ وَقْفًا لَازِمًا. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقِفُ عَقَارَهُ عَلَى وَلَدِهِ، خَشْيَةً عَلَى بَيْعِهِ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِتْلَافِ ثَمَنِهِ وَاحْتِيَاجِهِ إلَى غَيْرِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْطِرَ الْقُرْبَةَ بِبَالِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَدِينُ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ الدَّيْنُ مَالَهُ، وَهُوَ مِمَّا يَصِحُّ وَقْفُهُ، فَيَخْشَى أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ، وَيُبَاعُ مَالُهُ فِي الدَّيْنِ، فَيَقِفُهُ؛ لِيُفَوِّتَ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ، وَيَكُونَ وَقْفًا لَازِمًا؛ لِكَوْنِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، لَكِنَّهُ آثِمٌ بِذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ عَلَى مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ غَالِبًا إلَّا قُرْبَةً؛ كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ، قَاصِدًا بِذَلِكَ الرِّيَاءَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ، وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْتَغِ بِهِ وَجْهَ اللَّه - تَعَالَى. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ مِنْ نَحْوِ مُكَاتَبٍ، وَلَا سَفِيهٍ، وَلَا وَقْفُ نَحْوِ الْكَلْبِ وَالْخَمْرِ، وَلَا نَحْوِ الْمَطْعُومِ وَالْمَشْرُوبِ، إلَّا الْمَاءَ، وَيَأْتِي. (فَهُوَ) - أَيْ: الْوَقْفُ - (سُنَّةٌ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] ، وَلِفِعْلِهِ ﵊، وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ. (وَأَرْكَانُهُ) - أَيْ: الْوَقْفِ - (أَرْبَعَةٌ، وَاقِفٌ، وَمَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وَمَا

стр. 2585

يَنْعَقِدُ بِهِ) مِنْ الصِّيَغِ الْقَوْلِيَّةِ أَوْ الْفِعْلِيَّةِ؛ (فَيَصِحُّ) الْوَقْفُ (بِإِشَارَةٍ مِنْ أَخْرَسَ مُفْهِمَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ الْقَوْلِ مِنْ النَّاطِقِ (وَ) يَصِحُّ الْوَقْفُ (بِفِعْلٍ مَعَ) شَيْءٍ (دَالٍّ عَلَيْهِ) - أَيْ: الْوَقْفِ - (عُرْفًا) ، كَمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ الْقَوْلُ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ؛ (كَبِنَاءِ هَيْئَةِ مَسْجِدٍ مَعَ إذْنٍ عَامٍّ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، وَلَوْ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ فِيهِ) أَيْ: فِيمَا بَنَاهُ عَلَى هَيْئَةِ الْمَسْجِدِ، بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ نَصَبَهُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ فِيهِ كَالْإِذْنِ الْعَامِّ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ نَوَى خِلَافَهُ. وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ؛ أَيْ: إنَّ نِيَّةَ خِلَافِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ لَا أَثَرَ لَهَا. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَيْسَ يُعْتَبَرُ لِلْإِذْنِ وُجُودُ صِيغَةٍ، بَلْ يَكْفِي مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ فَتْحِ الْأَبْوَابِ وَالتَّأْذِينِ، أَوْ كِتَابَةِ لَوْحٍ بِالْأَذَانِ أَوْ الْوَقْفِ انْتَهَى (أَوْ) كَانَ مَا بَنَاهُ عَلَى هَيْئَةِ الْمَسْجِدِ وَأَذِنَ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ (أَسْفَلَ بَيْتِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِسَطْحِهِ) - أَيْ: الْبَيْتِ - فَيَصِحُّ (وَلَوْ) كَانَ انْتِفَاعُهُ بِهِ (بِجِمَاعٍ) ؛ فَيُبَاحُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ. (أَوْ) جَعَلَ (عُلْوَهُ) - أَيْ: الْبَيْتِ - مَسْجِدًا، وَانْتَفَعَ بِعُلْوِهِ وَسُفْلِهِ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ اسْتِطْرَاقًا إلَى مَا جَعَلَهُ مَسْجِدًا؛ فَيَصِحُّ الْوَقْفُ، (وَيَسْتَطْرِقُ) إلَيْهِ؛ (كَمَا لَوْ بَاعَ) بَيْتًا مِنْ دَارِهِ، (أَوْ أَجَّرَ بَيْتًا مِنْ دَارِهِ) ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ اسْتِطْرَاقًا؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ، وَيَسْتَطْرِقُ إلَيْهِ عَلَى الْعَادَةِ. (أَوْ) بَنَى بَيْتًا (لِقَضَاءِ حَاجَةٍ وَتَطَهُّرٍ وَيَشْرَعُهُ) ؛ أَيْ: يَفْتَحُ بَابَهُ إلَى الطَّرِيقِ، (وَيَمْلَأُ خَابِيَةَ مَاءٍ عَلَى الطَّرِيقِ) ، أَوْ يَنْثُرُ عَلَى النَّاسِ نِثَارًا، فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ كَانَ تَسْبِيلًا وَإِذْنًا فِي الِالْتِقَاطِ، وَأُبِيحَ أَخْذُهُ، وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْحَمَّامِ، وَاسْتِعْمَالُ مَائِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، مُبَاحٌ بِدَلَالَةِ الْحَالِ. (أَوْ يَجْعَلُ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً، وَيَأْذَنُ) لِلنَّاسِ (إذْنًا عَامًّا بِالدَّفْنِ فِيهَا) ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ الْخَاصَّ قَدْ يَقَعُ عَلَى غَيْرِ الْمَوْقُوفِ، فَلَا يُفِيدَ دَلَالَةَ الْوَقْفِ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (أَوْ يَفْرِشُ نَحْوَ حَصِيرٍ) كَبِسَاطٍ (بِمَسْجِدٍ)

стр. 2586

وَمَدْرَسَةٍ، (وَيَأْذَنُ) لِلنَّاسِ (إذْنًا عَامًّا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ) . وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَهُ لِقَيِّمِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَهُ بِافْتِرَاشِهِ فِيهِ، أَوْ خَاطَهُ بِمَفْرُوشٍ بِجَانِبِهِ؛ فَيَصِحُّ ذَلِكَ، وَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) يَحْصُلُ الْوَقْفُ (بِقَوْلٍ) رِوَايَةً وَاحِدَةً. (وَصَرِيحُهُ وَقَفْتُ، وَحَبَسْتُ، وَسَبَّلْتُ) فَمَنْ أَتَى بِكَلِمَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ؛ صَحَّ الْوَقْفُ، لِعَدَمِ احْتِمَالِ غَيْرِهِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ الْمُنْضَمِّ إلَيْهِ عُرْفُ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَسَبَّلَتْ ثَمَرَتَهَا» . فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فِي الْوَقْفِ كَلَفْظِ التَّطْلِيقِ فِي الطَّلَاقِ. وَإِضَافَةُ التَّحْبِيسِ إلَى الْأَصْلِ، وَالتَّسْبِيلِ إلَى الثَّمَرَةِ، لَا يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مُحْبَسَةٌ أَيْضًا عَلَى مَا شَرَطَ صَرْفَهَا إلَيْهِ. فَلَوْ قَالَ مَالِكٌ: أَحْبَسْتُ ثَمَرَةَ نَخْلٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ كَانَ ذَلِكَ وَقْفًا لَازِمًا، بِاتِّفَاقِ مَنْ يَرَى أَنَّ التَّحْبِيسَ صَرِيحٌ فِي الْوَقْفِ. وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَقَدْ سَبَقَ لَهَا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي غَيْرِ الْوَقْفِ، هِيَ أَعَمُّ مِنْ الْوَقْفِ، فَلَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ لَهَا إلَّا بِقَيْدٍ يُخْرِجُهَا عَنْ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ. وَلِهَذَا كَانَتْ كَكِنَايَةٍ فِيهِ. وَفِي جَمْعِ الشَّارِعِ بَيْنَ لَفْظَيْ التَّحْبِيسِ وَالتَّسْبِيلِ، تَبْيِينٌ لِحَالَةِ الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْوَقْفِ ابْتِدَاءُ تَحْبِيسِهِ، وَدَوَامُ تَسْبِيلِ مَنْفَعَتِهِ؛ وَلِهَذَا حَدَّ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ الْوَقْفَ بِأَنَّهُ، تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الثَّمَرَةِ وَالْمَنْفَعَةِ. (وَكِنَايَتُهُ) - أَيْ: الْوَقْفِ - (تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأَبَّدْتُ) ؛ لِعَدَمِ خُلُوصِ كُلِّ لَفْظٍ مِنْهَا عَنْ الِاشْتِرَاكِ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي الزَّكَاةِ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَالتَّحْرِيمَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، وَالتَّأْبِيدَ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا يُرَادُ

стр. 2587

تَأْبِيدُهُ مِنْ وَقْفٍ وَغَيْرِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ بِهَا مُجَرَّدَةً عَمَّا يَصْرِفُهَا إلَيْهِ كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا عُرْفٌ لُغَوِيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ. (إلَّا بِنِيَّةٍ) لِلْوَقْفِ، فَمَنْ أَتَى بِكِنَايَةٍ وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ نَوَى بِهَا الْوَقْفَ؛ لَزِمَهُ حُكْمًا؛ لِأَنَّهَا بِالنِّيَّةِ صَارَتْ ظَاهِرَةً فِيهِ وَإِنْ قَالَ مَا أَرَدْتُ بِهَا الْوَقْفَ؛ قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا غَيْرَهُ. (أَوْ قَرَنَهَا) - أَيْ: الْكِنَايَةَ فِي اللَّفْظِ - (بِإِحْدَى الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ) ، وَهِيَ الصَّرَائِحُ الثَّلَاثُ، وَالْكِنَايَاتُ؛ كَقَوْلِهِ: (تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، أَوْ) تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً (مُحَبَّسَةً، أَوْ) تَصَدَّقَتْ صَدَقَةً (مُسَبَّلَةً، أَوْ) تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً (مُحَرَّمَةً، أَوْ) يَقُولُ: (حَرَّمْتُ كَذَا تَحْرِيمًا مَوْقُوفًا، إلَى آخِرِهِ) ، كَقَوْلِهِ: حَرَّمْتُهُ تَحْرِيمًا مُحَبَّسًا، أَوْ تَحْرِيمًا مُسَبَّلًا، أَوْ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا. (أَوْ قَرَنَهَا) - أَيْ: الْكِنَايَةَ - (بِحُكْمِ الْوَقْفِ) ؛ كَقَوْلِهِ: تَصَدَّقْتُ بِهِ (صَدَقَةً لَا تُبَاعُ، أَوْ) صَدَقَةً (لَا تُوهَبُ، أَوْ) صَدَقَةً (لَا تُورَثُ، أَوْ تَصَدَّقْتُ) بِدَارِي (عَلَى قَبِيلَةِ) كَذَا، (أَوْ) عَلَى (طَائِفَةِ كَذَا، أَوْ) عَلَى (مَسْجِدِ كَذَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْوَقْفِ، فَانْتَفَتْ الشَّرِكَةُ، (أَوْ) قَرَنَ الْكِنَايَةَ بِحُكْمِ الْوَقْفِ؛ كَأَنْ يَقُولَ: تَصَدَّقْتُ بِأَرْضِي (عَلَى زَيْدٍ وَالنَّظَرُ لِي) أَيَّامَ حَيَاتِي، أَوْ النَّظَرُ لِفُلَانٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِفُلَانٍ. (أَوْ) تَصَدَّقْتُ بِهِ (عَلَيْهِ) - أَيْ: زَيْدٍ - ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ (عَلَى وَلَدِهِ) ، وَعَلَى عَمْرٍو. (فَلَوْ قَالَ) رَبُّ دَارٍ: (تَصَدَّقْتُ بِدَارِي عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ قَالَ) الْمُتَصَدِّقُ: (أَرَدْتُ الْوَقْفَ، وَأَنْكَرَ زَيْدٌ) ، وَقَالَ: إنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ، فَلِيَ التَّصَرُّفُ فِي رَقَبَتِهَا بِمَا أُرِيدُ؛ قُبِلَ قَوْلُ زَيْدٍ، وَ (لَمْ يَكُنْ وَقْفًا) ؛ لِمُخَالَفَةِ قَوْلِ الْمُتَصَدِّقِ لِلظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ زَيْدًا يَدَّعِي مَا اللَّفْظُ صَرِيحٌ فِيهِ، وَالْوَاقِفُ يَدَّعِي مَا هُوَ كِنَايَةٌ فِيهِ، فَقُدِّمَتْ دَعْوَى زَيْدٍ. لَكِنْ إنْ كَانَ الْوَاقِفُ قَدْ نَوَى الْوَقْفَ؛ كَانَ وَقْفًا بَاطِنًا، وَحَصَلَ لَهُ ثَوَابُ الْوَقْفِ. وَبِهَذَا يُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَ تَصَدَّقْتُ وَغَيْرِهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْكِنَايَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ صَرِيحَةً. فَلَوْ قَالَ: حُرِّمَتْ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى زَيْدٍ،

стр. 2588

وَقَالَ: أَرَدْتُ الْوَقْفَ، وَأَنْكَرَ زَيْدٌ؛ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ، وَتَكُونُ وَقْفًا. (وَعِنْدَ الشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ (لَوْ قَالَ) إنْسَانٌ: قَرْيَتِي الَّتِي فِي الثَّغْرِ لِمَوَالِي الَّذِينَ بِهِ وَلِأَوْلَادِهِمْ؛ صَحَّ وَقْفًا. وَنَقَلَهُ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ عَنْ أَحْمَدَ. وَإِذَا قَالَ وَاحِدٌ: (جَعَلْتُ هَذَا الْمَكَانِ مَسْجِدًا) ، أَوْ وَقْفًا، صَارَ مَسْجِدًا أَوْ وَقْفًا بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ عِبَارَتُهُ. (أَوْ قَالَ) كُلُّ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ: (جَعَلْتُ مِلْكِي لِلْمَسْجِدِ) ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ (صَحَّ) ، وَصَارَ بِذَلِكَ وَقْفًا لِلْمَسْجِدِ. قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَقْفَ يَحْصُلُ بِكُلِّ مَا أَدَّى مَعْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ. وَوَقْفُ الْهَازِلِ وَوَقْفُ التَّلْجِئَةِ، إنْ غَلَبَ عَلَى الْوَقْفِ جِهَةُ التَّحْرِيرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْفَسْخَ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ، كَالْعِتْقِ وَالْإِتْلَافِ. وَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ شِبْهُ التَّمْلِيكِ؛ فَيُشْبِهُ الْهِبَةَ وَالتَّمْلِيكَ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْ الْهَازِلِ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ". قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيُتَوَجَّهُ مِنْهُ الِاكْتِفَاءُ بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بِالْمَقْصُودِ، وَهُوَ أَظْهَرُ عَلَى أَصْلِنَا؛ فَيَصِحُّ جَعَلْتُ هَذَا لِلْمَسْجِدِ وَفِي الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ انْتَهَى. [فَصْلٌ شُرُوطُ الْوَقْفِ] (فَصْلٌ: وَشُرُوطُهُ) ؛ أَيْ: شُرُوطُ الْوَقْفِ الْمُعْتَبَرَةُ لِصِحَّتِهِ (سِتَّةٌ) : (أَحَدُهَا كَوْنُهُ) - أَيْ: الْوَقْفُ - (مِنْ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ؛ فَلَا يَصِحُّ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ سَفِيهٍ أَوْ مَجْنُونٍ، كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِمْ الْمَالِيَّةِ. قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا فِي يَدِهِ فِي الْوَقْفِ وَغَيْرِهِ، حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لَهُ. (أَوْ) كَوْنُ الْوَقْفِ (مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) ، كَوَكِيلِهِ، لَا الْوَلِيِّ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ لِعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِيهِ (الثَّانِي كَوْنُهُ) - أَيْ: الْمَوْقُوفِ - (عَيْنًا) فَ (لَا) يَصِحُّ وَقْفُ (مَا فِي الذِّمَّةِ) ، كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ دَارًا أَوْ عَبْدًا، وَلَوْ مَوْصُوفًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ (مَعْلُومَةً

стр. 2589

يَصِحُّ بَيْعُهَا) ، بِخِلَافِ نَحْوِ أُمِّ الْوَلَدِ، (وَأَنْ) تَكُونَ الْعَيْنُ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّتِي (يُنْتَفَعُ بِهَا) ، انْتِفَاعًا (عُرْفًا) ، وَأَنْ يَكُونَ النَّفْعُ مُبَاحًا بِلَا ضَرُورَةٍ، مَقْصُودًا، مُتَقَوِّمًا، (كَإِجَارَةٍ) ، وَاسْتِغْلَالِ ثَمَرَةٍ، وَنَحْوِهِ (مَعَ بَقَائِهَا) ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ يُرَادُ لِلدَّوَامِ؛ لِيَكُونَ صَدَقَةً جَارِيَةً، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِيمَا لَا تَبْقَى عَيْنُهُ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: كَإِجَارَةٍ، إلَى أَنَّ الْمُنْتَفَعَ بِهِ تَارَةً يُرَادُ مِنْهُ مَا لَيْسَ عَيْنًا؛ كَسُكْنَى الدَّارِ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ، وَزِرَاعَةِ الْأَرْضِ، وَتَارَةً يُرَادُ مِنْهُ حُصُولُ عَيْنٍ، كَالثَّمَرِ مِنْ الشَّجَرِ، وَالصُّوفِ، وَالْوَبَرِ، وَالْأَلْبَانِ، وَالْبَيْضِ مِنْ الْحَيَوَانِ. (وَلَوْ) صَادَفَ الْوَقْفُ جُزْءًا (مُشَاعًا مِنْهَا) ؛ أَيْ: مِنْ الْعَيْنِ الْمُتَّصِفَةِ بِمَا تَقَدَّمَ، كَنِصْفٍ أَوْ سَهْمٍ مَعْلُومٍ مِنْهَا؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ قَالَ: الْمِائَةُ سَهْمٍ الَّتِي بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَعْجَبَ إلَيَّ مِنْهَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : احْبِسْ أَصْلَهَا، وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَقُولَ: كَذَا سَهْمًا مِنْ كَذَا سَهْمًا. قَالَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ عَلَى بَعْضِ الْجُمْلَةِ مُفْرَزًا، فَجَازَ عَلَيْهِ مُشَاعًا، كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ، وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ يَحْصُلُ فِي الْمُشَاعِ كَحُصُولِهِ فِي الْمَفْرُوزِ. وَلَا نُسَلِّمُ اعْتِبَارَ الْبَعْضِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَهُوَ يَصِحُّ فِي الْوَقْفِ؛ كَمَا يَصِحُّ فِي الْبَيْعِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُشَاعَ لَوْ وَقَفَهُ مَسْجِدًا؛ (يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْمَسْجِدِ) فِي الْحَالِ، (فَيُمْنَعُ مِنْهُ نَحْوُ جُنُبٍ) ، كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ. (وَتَتَعَيَّنُ الْقِسْمَةُ) هُنَا؛ (لِتَعَيُّنِهَا طَرِيقًا لِلِانْتِفَاعِ بِالْمَوْقُوفِ) . انْتَهَى وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ (أَوْ) كَوْنُهُ (مَنْقُولًا كَحَيَوَانٍ) ؛ أَيْ: كَمَا لَوْ وَقَفَ فَرَسًا عَلَى الْغُزَاةِ، أَوْ عَبْدًا لِخِدْمَةِ الْمَرْضَى (وَأَثَاثٍ) يُفْرَشُ فِي مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ. (وَسِلَاحٍ) ؛ كَسَيْفٍ أَوْ رُمْحٍ أَوْ قَوْسٍ، عَلَى الْغُزَاةِ. أَمَّا الْحَيَوَانُ؛ فَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ

стр. 2590

اللَّهِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرَوْثَهُ فِي مِيزَانِهِ حَسَنَاتٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا الْأَثَاثُ وَالسِّلَاحُ؛ فَلِقَوْلِهِ ﵇: «أَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ حَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: " وَأَعْتُدَهُ ". قَالَ الْخَطَّابِيِّ: الْأَعْتَادُ مَا يُعِدُّهُ الرَّجُلُ مِنْ رَكُوبٍ وَسِلَاحٍ وَآلَةِ الْجِهَادِ. وَقَالَ فِي " النِّهَايَةِ: " الْأَعْتُدُ جَمْعُ قِلَّةٍ لِلْعَتَادِ، وَهُوَ مَا أَعَدَّهُ الرَّجُلُ مِنْ السِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ وَآلَةِ الْحَرْبِ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَعْتِدَةٍ أَيْضًا. وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: " أَعْبُدُ " بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، جَمْعُ عَبْدٍ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مَقِيسٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا مَقْصُودًا، فَجَازَ وَقْفُهُ؛ كَوَقْفِ السِّلَاحِ. (أَوْ) صَادَفَ الْوَقْفُ (دَارًا لَمْ يَذْكُرْ) الْوَاقِفُ (حُدُودَهَا) ؛ فَيَصِحُّ (إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً) . قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَقَارًا مَشْهُورًا لَمْ يَشْتَرِطْ حُدُودَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": نَقَلَ جَمَاعَةٌ فِيمَنْ وَقَفَ دَارًا، وَلَمْ يَحُدَّهَا، قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَحُدَّهَا إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً انْتَهَى. (وَكَذَا) يَصِحُّ وَقْفُ (حُلِيٍّ عَلَى لُبْسٍ وَعَارِيَّةٍ) ؛ لِمَا رَوَى نَافِعٌ: أَنَّ حَفْصَةَ ابْتَاعَتْ حُلِيًّا بِعِشْرِينَ أَلْفًا حَبَسَتْهُ عَلَى نِسَاءِ آلِ الْخَطَّابِ، فَكَانَتْ لَا تُخْرِجُ زَكَاتَهُ. رَوَاهُ الْخَلَّالُ. (فَلَا يَصِحُّ إنْ أَطْلَقَ) وَاقِفٌ وَقْفَ الْحُلِيِّ، فَلَمْ يُعَيِّنْهُ لِلُبْسٍ أَوْ عَارِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا بِاسْتِهْلَاكِهِ. وَ (لَا) يَصِحُّ الْوَقْفُ (مُبْهَمًا) غَيْرَ مُعَيَّنٍ؛ (كَ) وَقَفْتُ (أَحَدَ هَذَيْنِ) الْعَبْدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ نَقْلُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ، فَلَمْ تَصِحَّ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْهِبَةِ. فَإِنْ كَانَ الْمُعَيَّنُ مَجْهُولًا؛ مِثْلُ أَنْ يَقِفَ دَارًا لَمْ يَرَهَا، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: مَنْعُ هَذَا بَعِيدٌ. وَكَذَلِكَ هِبَةٌ (أَوْ) وَقْفُ (مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَأُمِّ وَلَدٍ) ؛ فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا أَيْضًا. فَإِنْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِهَا؛ كَعَلَى زَيْدٍ، عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ،

стр. 2591

أَوْ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا، عَلَى أَنْ يَكُونَ الرُّبْعُ لِأُمِّ وَلَدِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، صَحَّ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمَنْفَعَةِ لِأُمِّ وَلَدِهِ كَاسْتِثْنَائِهَا لِنَفْسِهِ. (وَ) لَا يَصِحُّ أَيْضًا وَقْفُ (كَلْبٍ) وَخِنْزِيرٍ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، وَكَذَا جَوَارِحُ الطَّيْرِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا، وَلَا وَقْفُ مَنْفَعَةٍ يَمْلِكُهَا؛ كَخِدْمَةِ عَبْدٍ مُوصَى لَهُ بِهَا، وَمَنْفَعَةِ أُمِّ وَلَدِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَمَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقِفَ الْحُرُّ نَفْسَهُ، وَإِنْ صَحَّتْ إجَارَتُهُ، وَلَا أَنْ يَقِفَ الْعَبْدُ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ. (وَ) لَا يَصِحُّ وَقْفُ (نَحْوِ أَرْضِ مِصْرَ) ؛ كَأَرْضِ الشَّام وَالْعِرَاقِ، (وَ) لَا وَقْفُ (مَرْهُونٍ بِلَا إذْنِ) رَاهِنٍ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَصَرُّفٌ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ فِيمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ. (وَيَتَّجِهُ فَلَوْ وَقَفَ) جَائِزُ التَّصَرُّفِ (نَحْوَ أَرْضِ مِصْرَ) ؛ كَأَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَكُلِّ مَا فُتِحَ عَنْوَةً، وَوَقَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (عَلَى نَحْوِ مَدَارِسَ) ؛ كَمَسَاجِدَ وَخَوَانِكَ وَغَيْرِهَا، (إنَّمَا هِيَ) - أَيْ: الْأَرْضُ - (إرْصَادٌ) - أَيْ: اعْتِدَادٌ - وَإِرْصَادُ الْأَرْضِ اعْتِدَادُهَا، فَكَأَنَّهُ أَعَدَّهَا لِصَرْفِ نَمَائِهَا عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا. (وَإِفْرَازٌ) ، يُقَالُ: أَفْرَزَ الشَّيْءَ إذَا عَزَلَهُ وَمَيَّزَهُ، وَبَابُهُ ضَرَبَ، فَكَأَنَّهُ أَفْرَزَهَا عَنْ مِلْكِهِ (وَوَقَفَهَا) - أَيْ: الْأَرْضَ - (مَسَاجِدَ؛ يَكْتَفِي فِي) ثُبُوتِ وَقْفِهِ لَهَا بِنَاءَ (الْمَسْجِدِيَّةِ بِالصُّورَةِ) أَيْ: صُورَةِ الْمَسْجِدِ - كَبِنَاءِ مِحْرَابٍ أَوْ مِنْبَرٍ، (وَ) يَكْتَفِي بِذَلِكَ أَيْضًا (بِالِاسْمِيَّةِ) ؛ أَيْ: بِتَسْمِيَتِهِ مَسْجِدًا، (فَإِذَا زَالَتْ) تِلْكَ الصُّورَةُ بِانْهِدَامِهَا، وَتَعَطُّلِ مَنَافِعِهَا؛ (عَادَتْ الْأَرْضُ إلَى حُكْمِهَا) الْأَصْلِيِّ، (مِنْ جَوَازِ لُبْثِ جُنُبٍ) فِيهَا، (وَعَدَمِ صِحَّةِ اعْتِكَافٍ) ؛ لِزَوَالِ حُكْمِ الْمَسْجِدِيَّةِ عَنْهَا، وَعَوْدِهَا إلَى الْحُكْمِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ إذْ هِيَ وَقْفٌ وَقَفَهَا الْإِمَامُ عُمَرُ ﵁ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَقْسِمْهَا بَيْنَهُمْ، كَمَا وَصَلَ إلَيْنَا ذَلِكَ بِالتَّوَاتُرِ،

стр. 2592

وَالْوَقْفُ لَا يُوقَفُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ وَقْفَهَا مُجَرَّدَ إرْصَادٍ وَإِفْرَازٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ. (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ مَا (لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ) دَائِمًا (غَيْرَ مَاءٍ) ؛ فَيَصِحُّ وَقْفُهُ. قَالَ فِي " الْفَائِقِ. ": وَيَجُوزُ وَقْفُ الْمَاءِ. نُصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَفِي الْجَامِعِ ": يَصِحُّ وَقْفُ الْمَاءِ قَالَ الْفَضْلُ: سَأَلْتُهُ عَنْ وَقْفِ الْمَاءِ فَقَالَ: إنْ كَانَ شَيْئًا اسْتَخَارُوهُ بَيْنَهُمْ جَازَ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: هَذَا النَّصُّ يَقْتَضِي تَصْحِيحَ الْوَقْفِ لِنَفْسِ الْمَاءِ، كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ دِمَشْقَ، يَقِفُ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ أَوْ بَعْضَهَا مِنْ مَاءِ النَّهْرِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إثْبَاتُ الْوَقْفِ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَاءَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا. الثَّانِي: ذَهَابُ الْعَيْنِ بِالِانْتِفَاعِ. وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: بَقَاءُ مَادَّةِ الْحُصُولِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرِهِ بِالِانْتِفَاعِ، يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ بَقَاءِ أَصْلِ الْعَيْنِ مَعَ الِانْتِفَاعِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا صِحَّةُ وَقْفِ الْبِئْرِ؛ فَإِنَّ الْوَقْفَ وَارِدٌ عَلَى مَجْمُوعِ الْمَاءِ وَالْحَفِيرَةِ، فَالْمَاءُ أَصْلٌ فِي الْوَقْفِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْبِئْرِ ثُمَّ لَا أَثَرَ لِذَهَابِ الْمَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ لِتَجَدُّدِ بَدَلِهِ، فَهُنَا كَذَلِكَ: فَيَجُوزُ وَقْفُ الْمَاءِ لِذَلِكَ. انْتَهَى. (كَمَطْعُومٍ وَمَشْمُومٍ يُسْرِعُ فَسَادُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ،

стр. 2593

بِخِلَافِ نَدٍّ وَصَنْدَلٍ وَقَطْعِ كَافُورٍ؛ فَيَصِحُّ وَقْفُهُ لِشَمِّ مَرِيضٍ وَغَيْرِهِ؛ لِبَقَائِهِ مَعَ الِانْتِفَاعِ، وَقَدْ صَحَّتْ إجَارَتُهُ لِذَلِكَ، فَصَحَّ وَقْفُهُ. وَاسْتَظْهَرَ فِي " الْإِنْصَافِ " أَنَّ هَذَا مِنْ الْمُتَّفَقَ عَلَى صِحَّتِهِ؛ لِوُجُودِ شُرُوطِ الْوَقْفِ فِيهِ. (وَ) لَا يَصِحُّ وَقْفُ (دُهْنٍ عَلَى مَسْجِدٍ) وَلَا وَقْفُ شَمْعٍ كَذَلِكَ، وَلَا وَقْفُ الرَّيْحَانِ لِيَشُمَّهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ فِي تَجْوِيزِ وَقْفِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَوْ تَصَدَّقَ بِدُهْنٍ عَلَى مَسْجِدٍ لِيُوقَدَ فِيهِ؛ جَازَ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْوَقْفِ، وَتَسْمِيَتُهُ وَقْفًا بِمَعْنَى أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ، لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِهَا. لَا تَأْبَاهُ اللُّغَةُ، وَهُوَ جَارٍ فِي الشَّرْعِ. وَقَالَ أَيْضًا: يَصِحُّ وَقْفُ الرِّيحَانِ لِيَشُمَّهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ قَالَ: وَطِيبُ الْكَعْبَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ كِسْوَتِهَا. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": فَعَلِمَ أَنَّ التَّطَيُّبَ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ، لَكِنْ قَدْ تَطُولُ مُدَّةُ التَّطَيُّبِ، وَقَدْ تَقْصُرُ، وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ. انْتَهَى. وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. (وَ) لَا يَصِحُّ وَقْفُ (أَثْمَانٍ) ، وَلَوْ لِتَحَلٍّ وَوَزْنٍ، (كَقِنْدِيلٍ) عَلَى مَسْجِدٍ، (وَحَلْقَةٍ مِنْ نَقْدٍ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ تُجْعَلُ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ؛ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (عَلَى الْمَسْجِدِ) ؛ كَمَا لَا يَصِحُّ وَقْفُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِيُنْتَفَعَ بِاقْتِرَاضِهَا؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا فِي الْإِتْلَافِ لَا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ. (فَيُزَكِّيهِ) - أَيْ: النَّقْدَ (رَبُّهُ) ؛ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ. وَلَمَّا كَانَ وَاقِفُ الْأَثْمَانِ يَصِحُّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ، أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا) إذَا وَقَفَ الْأَثْمَانَ (تَبَعًا) ؛ كَوَقْفِ (فَرَسٍ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى - (بِلِجَامٍ وَسَرْجٍ مُفَضَّضَيْنِ) ، فَيَصِحُّ الْوَقْفُ فِي الْكُلِّ. (فَتُبَاعُ الْفِضَّةُ) ؛ لِأَنَّهَا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا، (وَتُصْرَفُ) - أَيْ: ثَمَنُهَا - (فِي وَقْفِ مِثْلِهِ) . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَنْ وَصَّى بِفَرَسٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ مُفَضَّضٍ يُوقَفُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: فَهُوَ عَلَى مَا وُقِفَ وَوَصَّى، وَإِنْ بِيعَتْ الْفِضَّةُ مِنْ السَّرْجِ

стр. 2594

فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ الْفِضَّةَ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا، وَلَعَلَّهُ يُشْتَرَى بِتِلْكَ الْفِضَّةِ سَرْجٌ وَلِجَامٌ، فَيَكُونُ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ. قِيلَ: فَتُبَاعُ الْفِضَّةُ، وَتُجْعَلُ فِي نَفَقَتِهِ؟ قَالَ: لَا قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": فَأَبَاحَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِفِضَّةِ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ سَرْجًا وَلِجَامًا؛ لِأَنَّهَا صَرْفٌ فِي جِنْسِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهَا فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْفَرَسَ الْحَبِيسَ إذَا عَطِبَ فَلَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي الْجِهَادِ، جَازَ بَيْعُهُ وَصَرْفُ ثَمَنِهِ فِي مِثْلِهِ، وَلَمْ يَجُزْ إنْفَاقُهَا عَلَى الْفَرَسِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ لَهَا إلَى غَيْرِ جِهَتِهَا. انْتَهَى. وَ (لَا) تُصْرَفُ (فِي نَفَقَتِهِ) - أَيْ: الْفَرَسِ - (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ: فَيُبَاعُ ذَلِكَ، وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. (وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) ؛ أَيْ: مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ، (وَقْفُ دَارٍ بِقَنَادِيلِ نَقْدٍ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ عَلَى جِهَةِ بِرٍّ؛ فَإِنَّهَا تُبَاعُ الْقَنَادِيلُ، وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهَا دَارًا أَوْ حَانُوتًا يَكُونُ وَقْفًا، وَتُصْرَفُ غَلَّةُ ذَلِكَ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ، مَا لَمْ تَكُنْ الدَّارُ مُحْتَاجَةً لِعِمَارَةٍ أَوْ إصْلَاحٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْوَقْفِ مَا يُصْرَفُ مِنْهُ؛ فَتُبَاعُ، وَيُصْرَفُ ثَمَنُهَا فِي ذَلِكَ؛ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلِجَوَازِ بَيْعِ بَعْضِ الْوَقْفِ لِإِصْلَاحِ بَاقِيهِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. الشَّرْطُ (الثَّالِثُ كَوْنُهُ) أَيْ: الْوَقْفِ - (عَلَى بِرٍّ) ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ

стр. 2595

لِلْخَيْرِ، وَأَصْلُهُ الطَّاعَةُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَاشْتِرَاطُ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي الصَّرْفِ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ قُرْبَةٌ وَصَدَقَةٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا فِيمَا لِأَجْلِهِ الْوَقْفُ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْفُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ الْوَقْفُ عَلَيْهِ؛ لَا يَصِحُّ مِنْ الذِّمِّيِّ، كَالْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ. قَالَ أَحْمَدُ فِي نَصَارَى: وَقَفُوا عَلَى الْبَيْعَةِ، وَمَاتُوا وَلَهُمْ أَبْنَاءٌ نَصَارَى، فَأَسْلَمُوا وَالضِّيَاعُ بِيَدِ النَّصَارَى: فَلَهُمْ أَخْذُهَا، وَلِلْمُسْلِمِينَ عَوْنُهُمْ حَتَّى يَسْتَخْرِجُوهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ، لَا يُقَالُ: مَا عَقَدَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَتَقَابَضُوهُ، ثُمَّ أَسْلَمُوا وَتَرَافَعُوا إلَيْنَا؛ لَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إزَالَةُ مِلْكٍ عَنْ الْمَوْقُوفِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ صَحِيحًا لَمْ يَزُلْ الْمِلْكُ؛ فَيَبْقَى بِحَالِهِ، كَالْعِتْقِ. وَالْقُرْبَةُ قَدْ تَكُونُ عَلَى الْآدَمِيِّ؛ كَالْفُقَرَاءِ (وَالْمَسَاكِينِ) وَالْغُزَاةِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ، وَقَدْ تَكُونُ عَلَى غَيْرِ آدَمِيٍّ؛ كَالْحَجِّ، وَالْغَزْوِ، وَالسِّقَايَةِ الَّتِي يَتَّخِذُ فِيهَا الشَّرَابَ فِي الْمَوَاسِمِ، وَغَيْرِهَا، وَإِصْلَاحِ الطُّرُقِ (وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَقَابِرِ) وَالْمَدَارِسِ والْبيمَارِستاناتِ، وَإِنْ كَانَتْ مَنَافِعُهَا تَعُودُ عَلَى الْآدَمِيِّ، فَيَتَصَرَّفُ فِي مَصَالِحِهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. وَمِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ (الْأَقَارِبُ) ؛ فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْقَرِيبِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى بِرٍّ؛ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ الَّذِي شُرِعَ لِأَجْلِهِ. وَيَصِحُّ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ قُرْبَةٌ؛ كَالرُّبُطِ وَالْخَانَاتِ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، (وَكُتُبِ الْعِلْمِ) النَّافِعِ كَالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالْعَرَبِيَّةِ؛ (فَلَا يَصِحُّ) الْوَقْفُ (عَلَى) تَعْلِيمِ شِعْرٍ (مُبَاحٍ) (وَ) لَا عَلَى (مَكْرُوهٍ) ؛ كَتَعْلِيمِ مَنْطِقٍ؛ لِانْتِفَاءِ الْقُرْبَةِ. (وَ) لَا عَلَى (مَعْصِيَةٍ) ، وَتَأْتِي أَمْثِلَتُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَعُونَةِ عَلَيْهَا. وَ (يَصِحُّ) الْوَقْفُ (مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ) مُعَيَّنٍ؛ لِمَا رُوِيَ: " أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَفَتْ عَلَى أَخٍ لَهَا يَهُودِيٍّ "؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لِلْقُرْبَةِ؛ لِجَوَازِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ. (وَلَوْ) كَانَ الذِّمِّيُّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ (أَجْنَبِيًّا) مِنْ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُ تَجُوزُ صِلَتُهُ. وَفِي " الِانْتِصَارِ ": لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ عَلَى ذِمِّيَّةٍ
следующие страницы →