Полный текст (4 464 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
الْإِنْسَانُ (مَا) - أَيْ: وَقْفًا - (يَمْلِكُهُ) بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّمْلِيكَاتِ الصَّحِيحَةِ.
(فَأَمَّا وَقْفُ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ فَلَا يَتْبَعُ شُرُوطَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَا مِلْكَ لَهُمْ؛ إذْ مَا بِأَيْدِيهِمْ إمَّا مُجْتَمِعٌ مِنْ الْمَظَالِمِ، أَوْ مِنْ الْغَنَائِمِ، أَوْ مِنْ الْجِزْيَةِ، أَوْ مِنْ مَالٍ لَا وَارِثَ لَهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَ لَهُمْ مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، يُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
فَلَوْ اشْتَرَوْا مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ عَقَارَاتٍ وَوَقَفُوهَا، وَشَرَطُوا فِي أَوْقَافِهِمْ شُرُوطًا؛ فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا، فَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَمُنِعَ مِنْهُ؛ فَلَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ أَوْقَافِهِمْ كِفَايَتَهُ، وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا شَرَطُوهُ.
(إلَّا إنْ كَانَ فِيهِ) ؛ أَيْ: فِيمَا شَرَطُوهُ (مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ كَمُدَرِّسِ كَذَا) مِنْ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، (وَطَالِبِ كَذَا) مِنْهَا كَذَلِكَ، (وَ) كَشَرْطِهِمْ (إنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ وَهُوَ) - أَيْ: الْوَلَدُ - (فِي مَرْتَبَتِهِ) ؛ أَيْ: مَرْتَبَةِ وَالِدِهِ؛ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِلْقِيَامِ بِوَظِيفَةِ أَبِيهِ؛ (فَالْوَظِيفَةُ لَهُ) - أَيْ: الْوَلَدُ - لِاسْتِحْقَاقِهِ إيَّاهَا، فَفِي هَذَا كُلِّهِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِشُرُوطِهِمْ؛ إذْ فِي الْعَمَلِ بِهَا مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا.
وَ (لَا) يَجِبُ الْعَمَلُ بِشَرْطِهِمْ إذَا شَرَطُوا أَنْ وَظِيفَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَ (إنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ) ؛ أَيْ: مِثْلَ وَالِدِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رَفْعُ الشَّيْءِ لِغَيْرِ أَهْلِهِ، وَوَضْعُهُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ.
(أَوْ) شَرَطَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَدْفَعَ كَذَا مِنْ رَيْعِ وَقْفِهِ لِمَنْ (يَقْرَأُ الدَّرْسَ) مِنْ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ (فِي مَدْرَسَتِهِ) ؛ فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فِي تِلْكَ الْمَدْرَسَةِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ الدَّرْسَ الْمَشْرُوطَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، عَمَلًا بِشَرْطِ الْوَاقِفِ فِي الْجُمْلَةِ.
(أَوْ) شَرَطَ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ كَذَا، عَلَى أَنْ يَقْرَأَ (عَلَى قَبْرِهِ) شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ؛ فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَذَا الشَّرْطِ؛ (لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ غَرَضٍ لِلْوَاقِفِ) ، بَلْ يَقْرَأُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَيُهْدِي لَهُ الثَّوَابَ؛ لِأَنَّ كُلَّ قُرْبَةٍ فُعِلَتْ، وَجُعِلَ ثَوَابُهَا لِمُسْلِمٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ؛ نَفَعَهُ ذَلِكَ وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مِنْ أَحْسَنِ اتِّجَاهَاتِهِ.
стр. 2627
(وَمِثْلُ شَرْطٍ) صَرِيحٍ فِي حُكْمِ وُجُوبِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ (اسْتِثْنَاءٌ) .
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَالِاسْتِثْنَاءُ كَالشَّرْطِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ انْتَهَى. أَيْ: فَيُرْجَعُ إلَيْهِ.
فَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ زَيْدٍ، أَوْ قَبِيلَةِ كَذَا إلَّا بَكْرًا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.
(وَ) مِثْلُ الشَّرْطِ (مُخَصَّصٌ مِنْ صِفَةٍ) ؛ كَمَا لَوْ وَقَفَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِمْ، فَلَا يُشَارِكُهُمْ مَنْ سِوَاهُمْ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِتَخْصِيصِهِ فَائِدَةٌ.
(وَ) مِثْلُ الشَّرْطِ فِي حُكْمِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ مُخَصَّصٌ مِنْ (عَطْفِ بَيَانٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالصِّفَةِ فِي إيضَاحِ مُتَنَوِّعِهِ، وَعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ.
فَمَنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ، وَفِي أَوْلَادِهِ مَنْ كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ غَيْرُهُ؛ اخْتَصَّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ.
(وَ) مِثْلُهُ فِي حُكْمٍ أَيْضًا مُخَصَّصٍ مِنْ تَوْكِيدٍ؛ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِ زَيْدٍ نَفْسِهِ؛ فَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ. وَكَذَا مُخَصَّصٌ مِنْ بَدَلٍ، كَمَنْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَوْلَادٍ، وَقَالَ: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَعَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي؛ فَإِنَّ الْوَقْفَ يَكُونُ عَلَى أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَوْلَادِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهُ أَبْدَلَ بَعْضَ الْوَلَدِ وَهُوَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، مِنْ اللَّفْظِ الْمُتَنَاوَلِ لِلْجَمِيعِ وَهُوَ وَلَدِي، فَاخْتَصَّ بِالْبَعْضِ الْمُبْدَلِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] لَمَّا خَصَّ الْمُسْتَطِيعَ بِالذِّكْرِ اخْتَصَّ الْوُجُوبُ بِهِ، وَلَوْ قَالَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ، وَرَأَيْتُ زَيْدًا وَجْهَهُ؛ اخْتَصَّ الضَّرْبُ بِالرَّأْسِ، وَالرُّؤْيَةِ بِالْوَجْهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي "
стр. 2628
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٣٧] وَقَوْلُ الْقَائِلِ: طَرَحْتُ الثِّيَابَ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ؛ فَإِنَّ الْفَوْقِيَّةَ تَخْتَصُّ بِالْبَعْضِ مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ، كَذَا هَاهُنَا.
وَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ؛ لَا يَشْتَمِلُ وَلَدَ وَلَدِهِ.
وَنَحْوُ مَا تَقَدَّمَ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ؛ كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ دَارِي عَلَى أَوْلَادِي وَالسَّاكِنِ مِنْهُمْ عِنْدَ حَاجَتِهِ بِلَا أُجْرَةٍ فُلَانٍ.
(وَ) كَذَا مُخَصَّصٌ مِنْ (جَارٍّ) وَمَجْرُورٍ؛ (نَحْوُ) وَقَفْتُ هَذَا (عَلَى أَنَّهُ) مَنْ اشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَوْلَادِي؛ صُرِفَ إلَيْهِ.
وَكَذَا إنْ قَالَ: وَقَفْته (بِشَرْطِ أَنَّهُ) مَنْ تَأَدَّبَ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ صُرِفَ إلَيْهِ، (وَنَحْوُهُ) ؛ فَيُرْجَعُ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ كَالشَّرْطِ.
(فَلَوْ تَعَقَّبَ الشَّرْطُ) وَنَحْوُهُ (جُمَلًا؛ عَادَ) الشَّرْطُ وَنَحْوُهُ (إلَى الْكُلِّ) ؛ أَيْ: إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ. وَكَذَا الصِّفَةُ إذَا تَعَقَّبَتْ جُمَلًا؛ عَادَتْ إلَى الْكُلِّ.
قَالَ فِي " الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: " فِي عَوْدِ الصِّفَةِ لِلْكُلِّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً أَوْ مُتَأَخِّرَةً.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مُوجِبُ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا أَيْ: فِي عَوْدِ الشَّرْطِ وَنَحْوِهِ لِلْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ وَبِالْفَاءِ أَوْ بِثُمَّ عَلَى عُمُومِ كَلَامِهِمْ.
(وَ) يَجِبُ الْعَمَلُ بِالشَّرْطِ (فِي عَدَمِ إيجَارِهِ) - أَيْ: الْوَقْفِ (أَوْ) فِي (قَدْرِ مُدَّتِهِ) - أَيْ: الْإِيجَارِ، فَإِنَّ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ؛ لَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا لَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ يُزَادُ بِحَسَبِهَا، وَلَمْ يَزَلْ عَمَلُ الْقُضَاةِ عَلَيْهِ مِنْ أَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالشُّرُوطُ إنَّمَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا إذَا لَمْ تُفْضِ إلَى الْإِخْلَالِ بِالْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ.
وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالشَّرْطِ، (إنْ لَمْ يُحْتَجْ) إلَى زِيَادَةٍ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوطِ، أَمَّا إذَا اُحْتِيجَ؛ بِأَنْ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ الْمَوْقُوفِ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَعْمِيرُهُ إلَّا بِذَلِكَ؛ جَازَ.
стр. 2629
وَيَتَّجِهُ (إنْ تَعَذَّرَ عُقُودٌ) حَيْثُ اُحْتِيجَ إلَيْهِ (كَعَقْدٍ) وَاحِدٍ، حَتَّى لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ أَبَدًا، وَاحْتَاجَ الْوَقْفُ إلَى الْإِجَارَةِ؛ فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ بَيْعِهِ، وَقَدْ أَفْتَى بِهِ الْمِرْدَاوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ تَزَلْ عُلَمَاؤُنَا تُفْتِي بِهِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ بَيْعِهِ.
وَلَا تَجُوزُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى بَعْضِهَا مَعَ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ بِهَا وَيَأْتِي قَالَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ " إنْ كَانَ الْوَقْفُ يَحْتَاجُ إلَى عِمَارَةٍ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِأَنْ يُزَادَ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَشْرُوطَةِ مُدَّةً أُخْرَى؛ جَازَ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهَا بِقَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فَقَطْ؛ كَكَوْنِ الْعِمَارَةِ تَحْتَاجُ إلَى اسْتِلَافِ دَرَاهِمَ، وَلَمْ يَحْصُلْ مَنْ يُسَلِّفُهُمْ إلَّا مَنْ يَسْتَأْجِرُ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَأَنْ تَكُونَ عِمَارَتُهُ مَعَ الْخَرَابِ لِيَعْمُرَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ الْأُجْرَةِ لَا تُمْكِنُ إلَّا مَعَ الزِّيَادَةِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ عِمَارَةَ الْوَقْفِ وَاجِبَةٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ وَهَذَا وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ انْتَهَى. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ (فِي قِسْمَتِهِ) ؛ أَيْ: الْوَقْفِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَى شَرْطِهِ، (بِتَقْدِيرِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ تَسَاوٍ أَوْ تَفْضِيلٍ) ؛ كَعَلَى أَنَّ لِلْأُنْثَى سَهْمًا، وَلِلذَّكَرِ سَهْمَيْنِ، أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ عَلَى أَنَّ لِلْمُؤَذِّنِ كَذَا، وَلِلْإِمَامِ كَذَا، وَلِلْخَطِيبِ كَذَا، وَلِلْمُدَرِّسِ كَذَا، وَنَحْوِهِ.
(وَ) يُرْجَعُ أَيْضًا إلَى شَرْطِهِ (فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ أَهْلِهِ) - أَيْ: الْوَقْفِ - كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ هَذَا (عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ وَيُبْدَأُ) بِالدَّفْعِ (لِزَيْدٍ بِكَذَا، أَوْ) وَقَفْتُ (عَلَى طَائِفَةٍ كَذَا، وَيُبْدَأُ بِنَحْوِ الْأَصْلَحِ) ؛ كَالْأَفْقَهِ، أَوْ الْأَدْيَنِ أَوْ الْمَرِيضِ أَوْ الْفَقِيرِ.
وَيُرْجَعُ أَيْضًا إلَى شَرْطِهِ فِي تَأْخِيرٍ، وَهُوَ عَكْسُ التَّقْدِيمِ؛ كَقَوْلِهِ: يُعْطِي مِنْهُ أَوَّلًا مَا سِوَى فُلَانٍ كَذَا، ثُمَّ مَا فَضَلَ لِفُلَانٍ؛ فَلَيْسَ لِلْمُؤَخِّرِ إلَّا مَا فَضَلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ يَسْقُطُ.
стр. 2630
وَيُرْجَعُ أَيْضًا إلَى شَرْطِهِ فِي جَمْعٍ؛ كَجَعْلِ الِاسْتِحْقَاقِ مُشْتَرَكًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ كَأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ.
(وَ) يُرْجَعُ أَيْضًا إلَى شَرْطِهِ (فِي تَرْتِيبٍ؛ كَجَعْلِ اسْتِحْقَاقِ بَطْنٍ مُرَتَّبًا عَلَى الْآخَرِ؛) كَأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ (فَالتَّقْدِيمُ بَقَاءُ الِاسْتِحْقَاقِ لِلْمُؤَخَّرِ عَلَى صِفَةِ أَنَّ لَهُ مَا فَضَلَ) عَنْ الْمُقَدَّمِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ الْمُقَدَّمِ شَيْءٌ؛ (سَقَطَ) الْمُؤَخَّرُ.
وَالْمُرَادُ إذَا كَانَ لِلْمُقَدَّمِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ؛ كَمِائَةٍ مَثَلًا، فَحِينَئِذٍ إنْ كَانَتْ الْغَلَّةُ وَافِرَةً، حَصَلَ بَعْدَ الْمُقَدَّرِ لِلْمُقَدَّمِ فَضْلٌ، فَيَأْخُذُهُ الْمُؤَخَّرُ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَتْ الْغَلَّةُ غَيْرَ وَافِرَةٍ، فَلَا يَفْضُلُ بَعْدَهُ فَضْلٌ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُؤَخَّرِ.
(وَالتَّرْتِيبُ عَدَمُهُ) ؛ أَيْ: عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْمُؤَخَّرِ (مَعَ وُجُودِ الْمُقَدَّمِ) ، فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَا. (وَالتَّسَاوِي جَعْلُ رَيْعٍ بَيْنَ أَهْلِ وَقْفٍ مُتَسَاوِيًا) ؛ كَقَوْلِهِ: وَقَفْت عَلَى جَمِيعِ أَوْلَادِي، يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
(وَالتَّفْضِيلُ جَعْلُهُ) - أَيْ: الرَّيْعِ - (مُتَفَاوِتًا) ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] ، وَنَحْوِهِ.
وَالتَّسْوِيَةُ وَالتَّفْضِيلُ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: فِي قِسْمَتِهِ (وَ) يُرْجَعُ إلَى شَرْطِهِ (فِي إخْرَاجِ مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ مُطْلَقًا أَوْ بِصِفَةٍ) ؛ كَإِخْرَاجِ مَنْ تَزَوَّجَتْ مِنْ الْبَنَاتِ وَنَحْوِهِ، (وَإِدْخَالِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ) ؛ أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ مُطْلَقًا؛ كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي، أُخْرِجُ مَنْ أَشَاءُ مِنْهُمْ، وَأُدْخِلُ مَنْ أَشَاءُ (أَوْ بِصِفَةٍ كَصِفَةِ فَقْرٍ، أَوْ اشْتِغَالٍ بِعِلْمٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِخْرَاجٍ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْوَقْفِ؛ وَإِنَّمَا عَلَّقَ الِاسْتِحْقَاقَ بِصِفَةٍ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ حَقًّا فِي الْوَقْفِ إذَا اتَّصَفَ بِإِرَادَتِهِ أَعْطَاهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَقًّا إذَا اتَّفَقَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ فِيهِ وَلَيْسَ هُوَ تَعْلِيقٌ لِلْوَقْفِ بِصِفَةٍ، بَلْ وَقْفٌ مُطْلَقٌ، وَالِاسْتِحْقَاقُ لَهُ صِفَةٌ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ " كَالتَّنْقِيحِ " وَالْمُنْتَهَى " " وَالْإِقْنَاعِ "؛ لِأَنَّهُ
стр. 2631
لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِلنَّاظِرِ بَعْدَهُ، وَفَرَضَهَا فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ فِيمَا إذَا اشْتَرَطَهُ لِلنَّاظِرِ بَعْدَهُ، لَكِنَّ التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ.
(وَ) وَقَفَ (عَلَى زَوْجَتِهِ مَا دَامَتْ عَازِبَةً) ، وَمَتَى تَزَوَّجَتْ فَلَا حَقَّ لَهَا (أَوْ) وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَشَرَطَ (أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْ بَنَاتِهِ فَلَا حَقَّ لَهُ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَعْنَى الْإِخْرَاجِ وَالْإِدْخَالِ بِصِفَةٍ؛ جَعْلُ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْحِرْمَانِ مُرَتَّبًا عَلَى وَصْفٍ مُشْتَرَطٍ، (فَمَنْ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ) مِنْ صِفَاتِ (الِاسْتِحْقَاقِ؛ اسْتَحَقَّ) مَا شَرَطَ لَهُ، (فَإِنْ زَالَتْ) تِلْكَ الصِّفَةُ، (زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ، فَإِنْ عَادَتْ) الصِّفَةُ؛ (عَادَ) اسْتِحْقَاقُهُ.
وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ إنْ شَرَطَ فِيهِ (إدْخَالَ مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ) - أَيْ: أَهْلِ الْوَقْفِ - وَإِخْرَاجَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ فَأَفْسَدَهُ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَمَنْ تَابَعَهُ.
(كَشَرْطِهِ) - أَيْ: الْوَاقِفِ - (تَغْيِيرَ شَرْطٍ) ؛ فَلَا يَصِحُّ، (وَيَبْطُلُ بِهِ وَقْفٌ) ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلنَّاظِرِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ فَأَفْسَدَهُ؛ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُنْتَفَعَ بِهِ، بِخِلَافِ إدْخَالِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَإِخْرَاجِهِ، وَتَقَدَّمَ تَعْلِيلُهُ.
(وَ) يُرْجَعُ إلَى شَرْطِ وَاقِفِهِ (فِي نَاظِرِهِ) - أَيْ: الْوَقْفِ - لِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ وَقْفَهُ إلَى بِنْتِهِ حَفْصَةَ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْي مِنْ أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ مُصَرِّفَ الْوَقْفِ يُتَّبَعُ فِيهِ شَرْطُ وَاقِفِهِ، فَكَذَا فِي نَاظِرِهِ.
(وَ) فِي (إنْفَاقٍ عَلَيْهِ) إذَا خَرِبَ، وَإِذَا كَانَ حَيَوَانًا؛ بِأَنْ يَقُولَ، يُنْفَقُ عَلَيْهِ، أَوْ يُعْمَرُ مِنْ جِهَةِ كَذَا (وَ) فِي (سَائِرِ أَحْوَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِوَقْفِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُتَّبَعُ فِيهِ شَرْطُهُ.
(كَ) مَا لَوْ شَرَطَ (أَنْ لَا يَنْزِلَ فِيهِ فَاسِقٌ وَلَا شِرِّيرٌ وَلَا مُتَجَوِّهٌ وَنَحْوُهُ) ؛ كَذِي بِدْعَةٍ؛ فَيُعْمَلُ بِهِ.
(بَلْ قَالَ الشَّيْخُ) : تَقِيُّ الدِّينِ: (الْجِهَاتُ الدِّينِيَّةُ، كَالْخَوَانِكِ وَالْمَدَارِسِ وَغَيْرِهَا؛ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ فِيهَا فَاسِقٌ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ بِظُلْمِهِ الْخَلْقَ
стр. 2632
وَتَعَدِّيهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ مِنْ نَحْوِ سَبٍّ أَوْ ضَرْبٍ، أَوْ كَانَ فِسْقُهُ بِتَعَدِّيهِ حُقُوقَ اللَّهِ، يَعْنِي (وَلَوْ لَمْ يَشْرِطْهُ الْوَاقِفُ) ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَعُقُوبَتُهُ، فَكَيْفَ يَنْزِلُ؟ (وَهُوَ) ؛ أَيْ: مَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، (صَحِيحٌ) مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: الشَّرْطُ الْمُبَاحُ الَّذِي لَا يُظْهِرُ قَصْدَ الْقُرْبَةِ مِنْهُ هَلْ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ، إلَى أَنْ قَالَ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ جَعْلِ الْمُبَاحِ جِهَةً لِلْوَقْفِ انْتِفَاءٌ جَعْلِهِ شَرْطًا فِيهِ؛ لِأَنَّ جَعْلَهُ أَصْلًا فِي الْجِهَةِ مُخِلٌّ بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ الْقُرْبَةُ، وَجَعْلُهُ شَرْطًا لَا يُخِلُّ بِهِ، فَإِنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا يُفِيدُ تَخْصِيصَ الْبَعْضِ بِالْعَطِيَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَرْفَعُ أَصْلَ الْقُرْبَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّوَابِعِ، وَالشَّيْءِ قَدْ يَثْبُتُ لَهُ حَالُ تَبَعِيَّتِهِ مَا لَا يَثْبُتُ لَهُ حَالَ أَصَالَتِهِ.
(وَإِنْ خَصَّصَ) الْوَاقِفُ (مَقْبَرَةً أَوْ رِبَاطًا أَوْ مَدْرَسَةً) ، أَوْ (خَصَّصَ) (إمَامَتَهَا أَوْ) خَصَّصَ (خَطَابَتَهَا، بِأَهْلِ مَذْهَبٍ أَوْ) بِأَهْلِ (بَلَدٍ، أَوْ قَبِيلَةٍ؛ تَخَصَّصَتْ) بِهَا، إعْمَالًا لِلشَّرْطِ، إلَّا أَنْ يَقَعَ الِاخْتِصَاصُ بِنِحْلَةٍ بِدْعَةٍ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ.
وَ (لَا) يَصِحُّ شَرْطُ وَاقِفِ الْمَدْرَسَةِ وَنَحْوِهِ تَخْصِيصَ (الْمُصَلِّينَ بِهَا) بِذِي مَذْهَبٍ؛ فَلَا تَخْتَصُّ بِهِمْ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْمَسْجِدِيَّةِ يَقْتَضِي عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ، كَمَا فِي التَّحْرِيرِ " فَاشْتِرَاطُ التَّخْصِيصِ يُنَافِيهِ، وَلِغَيْرِهِمْ الصَّلَاةُ بِهَا؛ لِعَدَمِ التَّزَاحُمِ بِهَا، وَلَوْ وَقَعَ، وَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تُرَادُ لَهُ.
وَ (لَا) يَصِحُّ تَخْصِيصُ (الْإِمَامَةِ بِذِي مَذْهَبٍ مُخَالِفٍ) لِصَرِيحِ، (أَوْ ظَاهِرِ السُّنَّةِ) ، سَوَاءٌ كَانَ خِلَافَهُ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا، أَوْ لِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ؛ إذْ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ مِثْلِ هَذَا.
قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. (أَوْ) ؛ أَيْ: لَا يَصِحُّ شَرْطُ وَاقِفٍ (أَنْ لَا يُنْتَفَعَ بِهِ) - أَيْ: الْوَقْفِ - (أَوْ) شَرْطُهُ (عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ مُرْتَكِبِ الْخَيْرِ) لِشَيْءٍ مِنْ رَيْعِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ
стр. 2633
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: نُصُوصُ الْوَقْفِ كَنُصُوصِ الشَّارِعِ، يَعْنِي فِي الْفَهْمِ وَالدَّلَالَةِ، لَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ) .
وَهَذَا مُقَابِلٌ لِمَا تَقَدَّمَ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ.
(مَعَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ لَفْظَهُ) - أَيْ: الْوَاقِفِ - (وَلَفْظَ الْمُوصِي وَالْحَالِفِ وَالنَّاذِرِ وَكُلِّ عَاقِدٍ؛ يُحْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ وَلُغَتِهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا) ، سَوَاءٌ (وَافَقَتْ لُغَةَ الْعَرَبِ، أَوْ لُغَةَ الشَّارِعِ، أَوْ لَا) .
(وَقَالَ) الشَّيْخُ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى صَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ جِهَادٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ وَنَحْوِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ، وَالْخِلَافُ فِي الْمُبَاحِ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَلَا يَجُوزُ اعْتِقَادُ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ مَشْرُوعًا وَقُرْبَةً وَطَاعَةً، وَاتِّخَاذُهُ دِينًا.
وَقَالَ: (الشُّرُوطُ إنَّمَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا؛ إذْ لَمْ تُفْضِ إلَى الْإِخْلَالِ بِالْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ) ، وَلَا يَجُوزُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى بَعْضِهَا مَعَ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ بِهَا.
وَقَالَ: (فَمَنْ شَرَطَ فِي الْقُرُبَاتِ أَنْ يُقَدِّمَ فِيهَا الصِّنْفَ الْمَفْضُولَ، فَقَدْ شَرَطَ خِلَافَ شَرْطِ اللَّهِ؛ كَشَرْطِهِ فِي الْإِمَامَةِ تَقْدِيمَ غَيْرِ الْأَعْلَمِ) .
وَقَالَ أَيْضًا: إنْ نَزَّلَ مُسْتَحِقًّا تَنْزِيلًا شَرْعِيًّا؛ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ عَمَّا نَزَلَ فِيهِ بِلَا مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ.
(وَقَالَ) : كُلُّ مُتَصَرِّفٍ بِوِلَايَةٍ إذَا قِيلَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ فِعْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ، حَتَّى (لَوْ صَرَّحَ وَاقِفٌ بِفِعْلِ مَا يَهْوَاهُ) النَّاظِرُ مُطْلَقًا (أَوْ مَا يَرَاهُ؛ فَشَرْطٌ بَاطِلٌ) عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ؛ لِمُخَالِفَتِهِ الشَّرْعِيِّ، وَغَايَتِهِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا مُبَاحًا، وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، حَتَّى لَوْ تُسَاوَى فِعْلَانِ عَمِلَ بِالْقُرْعَةِ.
(وَ) قَالَ: الشَّرْطُ (الْمَكْرُوهُ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا وَعِنْدَهُ) - أَيْ: الشَّيْخِ - (إنَّمَا يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِشَرْطٍ مُسْتَحَبٍّ) .
قَالَ: وَعَلَى النَّاظِرِ بَيَانُ الْمَصْلَحَةِ أَيْ: التَّثَبُّتُ وَالتَّحَرِّي فِيهَا؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ، فَيَعْمَلُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ، وَمَعَ الِاشْتِبَاهَ إنْ كَانَ النَّاظِرُ عَالِمًا عَادِلًا سَاغَ لَهُ اجْتِهَادُهُ.
стр. 2634
(وَقَالَ: لَوْ شَرَطَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى أَهْلِ مَدْرَسَةٍ بِالْقُدْسِ بِهَا) - أَيْ: الْمَدْرَسَةِ - (كَانَ الْأَفْضَلُ لِأَهْلِهَا صَلَاةُ الْخَمْسِ بِ) الْمَسْجِدِ (الْأَقْصَى، وَلَا يَقِفُ اسْتِحْقَاقُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ بِالْمَدْرَسَةِ، وَكَانَ يُفْتِي بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ) .
وَقَالَ: إذَا شَرَطَ فِي اسْتِحْقَاقِ رَيْعِ الْوَقْفِ الْعُزُوبَةَ، فَالْمُتَأَهِّلُ أَحَقُّ مِنْ الْمُتَعَزِّبِ، إذَا اسْتَوَيَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ.
وَقَالَ: إذَا وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَأَقَارِبُ الْوَاقِفِ الْفُقَرَاءُ أَحَقُّ مِنْ الْفُقَرَاءِ الْأَجَانِبِ، مَعَ التَّسَاوِي فِي الْحَاجَةِ، وَإِذَا قُدِّرَ وُجُودُ فَقِيرٍ مُضْطَرٍّ، كَانَ دَفْعُ ضَرُورَتِهِ وَاجِبًا، وَإِذَا لَمْ تَنْدَفِعْ ضَرُورَتُهُ إلَّا بِتَنْقِيصِ كِفَايَةِ أَقَارِبِ الْوَاقِفِ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَحْصُلُ لَهُمْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ.
(وَقَالَ: فِي وَاقِفِ مَدْرَسَةٍ، شَرْطٌ أَنْ لَا يُصْرَفَ رَيْعُهَا لِمَنْ لَهُ وَظِيفَةٌ بِجَامِكِيَّةِ، أَوْ مُرَتَّبٌ فِي جِهَةٍ أُخْرَى: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الشَّرْطِ مَقْصُودٌ شَرْعِيٌّ خَالِصٌ أَوْ رَاجِحٌ؛ كَانَ) الشَّرْطُ (بَاطِلًا؛ كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ نَوْعَ مَطْعَمٍ أَوْ مَلْبَسٍ) أَوْ مَسْكَنٍ (لَا تَسْتَحِبُّهُ الشَّرِيعَةُ، وَلَا يَمْنَعُهُمْ النَّاظِرُ مِنْ تَنَاوُلِ كِفَايَتِهِمْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى) هُمْ مُرَتَّبُونَ فِيهَا وَلَيْسَ هَذَا إبْطَالًا لِلشَّرْطِ، لَكِنَّهُ تَرْكٌ لِلْعَمَلِ.
(وَقَالَ: لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِمَحْضَرِ وَقْفٍ فِيهِ شُرُوطٌ) هُمْ مُرْتَبِطُونَ فِيهَا وَالْمَحْضَرُ خَطٌّ يُكْتَبُ فِي وَاقِفِهِ خُطُوطُ الشُّهُودِ فِي آخِرِهِ؛ لِصِحَّةِ مَا تَضْمَنَّهُ صَدْرُهُ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
(ثُمَّ ظَهَرَ كِتَابُ الْوَقْفِ بِخِلَافِهِ؛ وَجَبَ ثُبُوتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ) ، إنْ أَمْكَنَ إثْبَاتَهُ.
(أَوْ أَقَرَّ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ فِي هَذَا الْوَقْفِ إلَّا مِقْدَارًا مَعْلُومًا، ثُمَّ ظَهَرَ شَرْطُ الْوَاقِفِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ) مِمَّا قَالَ: (حُكِمَ لَهُ بِمُقْتَضَاهُ) - أَيْ: الشَّرْطِ - (وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ الْإِقْرَارُ الْمُتَقَدِّمُ) ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِعَدَمِ عِلْمِهِ إيَّاهُ. (انْتَهَى) .
وَقَوْلُهُ ثُمَّ ظَهَرَ شَرْطُ الْوَاقِفِ إلَى آخِرِهِ؛ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا كَذَا، يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فَإِنْ
стр. 2635
انْتَقَلَ اسْتِحْقَاقُهُ بَعْدَهُ لِوَلَدِهِ مَثَلًا؛ فَلَهُ الطَّلَبُ بِمَا فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ مِنْ حِينِ الِانْتِقَالِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَا يَسْرِي عَلَى وَلَدِهِ.
وَذَكَرَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ " الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ، سَوَاءٌ عَلِمَ شَرْطَ الْوَاقِفِ وَكَذَبَ فِي إقْرَارِهِ، أَمْ لَمْ يَعْلَمْ؛ فَإِنَّ ثُبُوتَ هَذَا الْحَقِّ لَهُ لَا يَنْتَقِلُ بِكَذِبِهِ. انْتَهَى.
قَالَ الْمُحِبُّ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ كَوْنُ الْمُقِرِّ يَمْلِكُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِي الْعَيْنِ الَّتِي يُقِرُّ بِهَا، وَمُسْتَحِقُّ الْوَقْفِ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ؛ فَلَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ، وَلَا يَمْلِكُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِي رَيْعِهِ إلَّا بَعْدَ حُصُولِهِ فِي يَدِهِ، فَلَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ جَوَازِ بَيْعِهِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلَوْ صَحَّ الْإِقْرَارُ بِالرَّيْعِ قَبْلَ مِلْكِ الْمُسْتَحِقِّ لَهُ؛ لَاُتُّخِذَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى إجَارِهِ مُدَّةً مَجْهُولَةً؛ بِأَنْ يَأْخُذَ الْمُسْتَحِقُّ عِوَضَهَا مِنْ شَخْصٍ عَنْ رَيْعِهِ أَوْ عَنْ رَقَبَتِهِ، وَيُقِرُّ لَهُ بِهِ، فَيَسْتَحِقُّهُ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُقِرِّ، أَوْ مُدَّةَ اسْتِحْقَاقِ الْمُقِرِّ؛ فَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ إقْرَارِ الْمُسْتَحِقِّ بِالْوَقْفِ وَلَا بِرَيْعِهِ إلَّا بِشَرْطِ مِلْكِهِ لِلرَّيْعِ، وَلَمْ أَزَلْ أُفْتِي بِهَذَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ أَكُونَ قَدْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ، وَلَا رَأَيْتُ فِيهِ كَلَامًا لِغَيْرِهِ، وَلَكِنِّي قُلْته تَفَقُّهًا، وَلَا أَظُنُّ لِمَنْ لَهُ نَظَرٌ تَامٌّ فِي الْفِقْهِ يَقُولُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَةٌ يَأْكُلُ نَاظِرُ الْوَقْفِ بِمَعْرُوفٍ]
ٍ نَصًّا
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا، قَالَهُ فِي " الْقَوَاعِدِ " وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَهُ أَخْذُ أُجْرَةِ عَمَلِهِ مَعَ فَقْرِهِ انْتَهَى.
(وَلَوْ تَصَادَقَ) مُسْتَحِقُّو وَقْفٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَصَارِفِهِ، وَ (عَلَى) مَقَادِيرِ (اسْتِحْقَاقِهِمْ فِيهِ) - أَيْ: الْوَقْفِ - (وَنَحْوِهِ) ؛ كَدَفْعِ سَهْمٍ لِمُدَّعٍ اسْتِحْقَاقًا، (ثُمَّ ظَهَرَ كِتَابُ الْوَقْفِ مُنَافِيًا لِمَا تَصَادَقُوا) عَلَيْهِ؛ (عُمِلَ بِهِ) ؛ أَيْ: بِمَا تَضْمَنَّهُ كِتَابُ الْوَقْفِ وُجُوبًا، عَلَى حَسَبِ مَا وَظَّفَهُ الْوَاقِفُ مِنْ تَعْيِينِ مَصَارِفَ وَتَقْدِيرِ
стр. 2636
وَظَائِفِ، (وَأُلْغِيَ التَّصَادُقُ) الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمْ؛ لِمُخَالِفَتِهِ كِتَابَ الْوَاقِفِ.
(أَفْتَى بِهِ) الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ بْنُ رَجَبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(وَ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى (فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": يَعْمَلُ وَالِي الْمَظَالِمَ فِي وَقْفٍ عَامٍّ) لَيْسَ لَهُ نَاظِرٌ مُعَيَّنٌ بِكِتَابِ (دِيوَانِ حَاكِمٍ) ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْقُضَاةُ سِجِلًّا؛ إذْ هُوَ لِلصِّحَّةِ وَالضَّبْطِ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ.
(أَوْ) يَعْمَلُ بِمَا فِي دِيوَانِ (سَلْطَنَةٍ) ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِالدَّفْتَرِ السُّلْطَانِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونُ التَّزْوِيرِ، وَمَحْفُوظٌ مِنْ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ.
(أَوْ) يَعْمَلُ (بِكِتَابِ) وَقْفٍ (قَدِيمٍ) ظَهَرَ، وَعَلَيْهِ أَمَارَاتُ الصِّدْقِ، بِحَيْثُ (يَقَعُ فِي النَّفْسِ صِحَّتُهُ) ، وَلَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إلَى مَنْ يَشْهَدُ؛ لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ مَا تَضْمَنَّهُ.
وَلِأَنَّ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْكِتَابِ الْقَدِيمِ مُتَعَذِّرٌ، فَاكْتُفِيَ بِمُجَرَّدِ وُجُودِهِ.
(وَلَوْ جَهِلَ) ؛ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ (شَرْطَ) كَيْفِيَّةِ (قَسَمِ وَاقِفِ) غَلَّةٍ مَا وَقَفَهُ، وَأَمْكَنَ التَّأَنُّسَ بِصَرْفِ مَنْ تَقَدَّمَ، مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ؛ رَجَعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَرْجَحُ مِمَّا عَدَاهُ، وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ صَرْفِهِ وَوُقُوعِهِ عَلَى الْوَاقِفِ؛ فَإِنْ تَعَذَّرَ، وَكَانَ الْوَقْفُ عَلَى عِمَارَةٍ أَوْ إصْلَاحٍ؛ صُرِفَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
قَالَهُ الْحَارِثِيُّ وَإِنْ كَانَ عَلَى قَوْمٍ؛ (عُمِلَ) - بِالْبِنَاءِ الْمَجْهُولِ - (بِعَادَةٍ جَارِيَةٍ) ، إنْ كَانَتْ، (ثُمَّ) إنْ لَمْ تَكُنْ عَادَةٌ؛ عُمِلَ (بِعُرْفٍ) مُسْتَقِرٍّ فِي الْوَقْفِ فِي مَقَادِيرِ الْوَقْفِ؛ كَفُقَهَاءِ الْمَدَارِسِ؛ (لِأَنَّهُ) - أَيْ: الْعُرْفَ الْمُسْتَقِرَّ - (يَدُلُّ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ أَكْثَرَ مِنْ) دَلَالَةِ لَفْظِ (الِاسْتِفَاضَةِ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَلِأَنَّ الْغَالِبَ وُقُوعُ الشَّرْطِ عَلَى وَقْفِهِ وَأَيْضًا فَالْأَصْلُ عَدَمُ تَقْيِيدِ الْوَاقِفِ، فَيَكُونُ مُطْلَقًا، وَالْمُطْلَقُ مِنْهُ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْعُرْفِ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ.
(ثُمَّ) إنْ لَمْ تَكُنْ عَادَةٌ، وَلَا عُرْفٌ بِبَلَدِ الْوَقْفِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ بِبَادِيَةٍ لَيْسَ لَهَا عَادَةٌ وَلَا عُرْفٌ، (التَّسَاوِي) ؛ أَيْ: سَاوَى فِيهِ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ ثَبَتَتْ، وَلَمْ يَثْبُتْ التَّفْضِيلُ، فَوَجَبَتْ التَّسْوِيَةُ. وَمَحَلُّ كَوْنِ الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ فِي أَيْدِيهِمْ، أَوْ لَا يَدَ لِوَاحِدٍ
стр. 2637
مِنْهُمْ عَلَيْهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ فِي يَدِ بَعْضِهِمْ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. كَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ. فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ حَيًّا يُرْجَعُ إلَى قَوْلِهِ.
[فَرْعٌ وَقَفَ عَلَى أَحَدِ أَوْلَادِهِ وَقْفًا وَجُهِلَ اسْمُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ]
(فَرْعٌ: أَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ) ، (فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى أَحَدِ أَوْلَادِهِ) وَقْفًا، (وَجُهِلَ اسْمُهُ) - أَيْ: الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ -؛ (أَنَّهُ يُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ) ، وَلَوْ وَجَدَ فِي كِتَابِ وَقْفٍ رَجُلًا وَقَفَ (عَلَى فُلَانٍ، وَ) عَلَى (بَنِي بَنِيهِ، وَاشْتَبَهَ هَلْ الْمُرَادُ ذَلِكَ) ؛ أَيْ: بَيْنَ بَنِيهِ - جَمْعُ ابْنٍ -، أَوْ الْمُرَادُ (بَنِي بِنْتِهِ) ، وَاحِدَةِ الْبَنَاتِ؛ فَيَكُونُ الْوَقْفُ (لِبَنِي الْبَنِينَ) خَاصَّةً، (وَلَا يُشَارِكُهُمْ بَنُو الْبَنَاتِ، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ) فِي قَوْلِهِ فِي " الْفُنُونِ ": يَكُونُ بَيْنَهُمَا؛ لِتَسَاوِيهِمَا؛ كَمَا فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ هَذَا مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ تَرَدُّدِ الْبَيِّنَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ؛ فَالْقِسْمَةُ عِنْدَ التَّعَارُضِ رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ، وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ إمَّا التَّسَاقُطُ وَإِمَّا الْقُرْعَةُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَعَ هُنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَجَّحَ بَنُو الْبَنِينَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِ بَنِيهِ لَا يَخُصُّ مِنْهُمَا الذُّكُورَ، بَلْ يَعُمُّ أَوْلَادَهُمَا، بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى وَلَدِ الذُّكُورِ؛ فَإِنَّهُ يَخُصُّ ذُكُورَهُمْ كَثِيرًا كَآبَائِهِمْ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ وَلَدَ الْبِنْتِ لَسَمَّاهَا بِاسْمِهَا، أَوْ لَشَرَّكَ بَيْنَ وَلَدِهَا وَوَلَدِ سَائِرِ بَنَاتِهِ. قَالَ: وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ. نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْإِنْصَافِ.
[فَصْلٌ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ]
(فَصْلٌ: وَإِذَا لَمْ يَشْرُطْ وَاقِفٌ نَاظِرًا) عَلَى الْمَوْقُوفِ (أَوْ شَرَطَهُ) ؛ أَيْ: النَّظَرَ (لِمُعَيَّنٍ، فَمَاتَ) الْمَشْرُوطُ لَهُ؛ فَلَيْسَ لِلْوَاقِفِ وِلَايَةُ النَّصْبِ؛ لِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ النَّصْبَ وَلَا الْعَزْلَ، وَيَكُونُ (نَظَرُهُ لِمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ، إنْ حُصِرَ) مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ؛ كَأَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ زَيْدٍ (فَيَنْظُرُ كُلٌّ) مِنْهُمْ (عَلَى حِصَّتِهِ) كَالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ الْمُشْتَرَكِ، سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَغَلَّتَهُ لَهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَحْصُورٍ.
كَالْوَقْفِ (عَلَى الْفُقَرَاءِ) وَالْمَسَاكِينِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْقُرَّاءِ، فَنَظَرُهُ لِلْحَاكِمِ، وَإِلَّا فَالْمَوْقُوفُ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ مَدْرَسَةٍ، أَوْ رِبَاطٍ، أَوْ قَنْطَرَةٍ،
стр. 2638
أَوْ سِقَايَةٍ، فَنَظَرُهُ (لِحَاكِمِ بَلَدِ الْوَقْفِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ (أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ) الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمَوْجُودِينَ، وَحَقُّ مَنْ يَأْتِي مِنْ الْبُطُونِ؛ فَكَانَ نَظَرُهُ لِلْحَاكِمِ أَوْ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ الْحَاكِمُ.
(وَمَنْ أَطْلَقَ النَّظَرَ) مِنْ الْوَاقِفِينَ (لِلْحَاكِمِ) فَلَمْ يُعَيِّنْهُ بِكَوْنِهِ حَنَفِيًّا أَوْ مَالِكِيًّا أَوْ شَافِعِيًّا أَوْ حَنْبَلِيًّا (شَمِلَ) لَفْظُ الْحَاكِمِ (أَيَّ حَاكِمٍ كَانَ، مِنْ أَيِّ مَذْهَبٍ) كَانَ؛ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مَذْهَبُ الْحَاكِمِ مَذْهَبَ حَاكِمِ الْبَلَدِ زَمَنَ الْوَاقِفِ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظَرٌ إذَا انْفَرَدَ، وَهُوَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ ".
(وَيَتَّجِهُ) فِي إطْلَاقِ الْوَاقِفِ النَّظَرَ لِلْحَاكِمِ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ لِمَنْ بِالْبَلْدَةِ مِنْ الْحُكَّامِ جَمِيعًا (وَلَوْ تَعَدَّدُوا) - أَيْ: حُكَّامُ الْبَلَدِ (لَا إنَّهُ) - أَيْ: أَمْرُ النَّظَرِ -، يَكُونُ (لِلسُّلْطَانِ إذَنْ) أَيْ: حَيْثُ كَانَ مُطْلَقًا (إذْ هُمْ) - أَيْ: الْحُكَّامُ الْمُتَعَدِّدُونَ - (نُوَّابُهُ) - أَيْ: السُّلْطَانِ -، فَيُعْمَلُ بِتَوْجِيهٍ سَابِقٍ مِنْ أَحَدِهِمْ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ وَلَا غَيْرِهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ، وَلَا نَقْضُ تَوْجِيهٍ صَدَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ ذَلِكَ بِإِطْلَاقِ الْوَاقِفِ النَّظَرَ، وَبِكَوْنِهِ نَائِبًا عَنْ السُّلْطَانِ، مَأْذُونًا لَهُ فِي تَعَاطِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَذَا مِنْهَا (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " وَالْمُنْتَهَى " الْقَائِلِينَ فِي ذَلِكَ (تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ) مِنْهُمْ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ، وَابْنُ قُنْدُسٍ، فَإِنَّهُمَا جَزَمَا بِأَنَّ النَّظَرَ يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ مَعَ التَّعَدُّدِ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ مَقْبُولٌ، لَوْ سَاعَدَتْهُ النُّقُولُ.
وَعِبَارَةُ الْإِقْنَاعِ ": فَإِنْ تَعَدَّدَ الْحُكَّامُ؛ كَانَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْمُتَأَهِّلِينَ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى فِي شَرْحِهِ: قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَقَدْ أَفْتَى الشَّيْخُ نَصْرُ اللَّهِ الْحَنْبَلِيُّ، وَالشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ وَلَدُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ " " فِي وَقْفٍ شَرَطَ وَاقِفُهُ أَنْ النَّظَرَ فِيهِ لِحَاكِمِ
стр. 2639
الْمُسْلِمِينَ كَائِنًا مَنْ كَانَ؛ بِأَنَّ الْحُكَّامَ إذَا تَعَدَّدُوا؛ يَكُونُ النَّظَرُ فِيهِ لِلسُّلْطَانِ، يُوَلِّيهِ مَنْ شَاءَ مِنْ الْمُتَأَهِّلِينَ، وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ، وَشِهَابُ الدِّينِ الْبَاعُونِيُّ، وَابْنُ الْهَائِمِ، وَالتَّفْهَنِيُّ الْحَنَفِيُّ، وَالْبِسَاطِيُّ الْمَالِكِيُّ.
(فَلَوْ وَلَّى كُلٌّ مِنْهُمَا) - أَيْ: الْحَاكِمَيْنِ -، أَوْ الْحُكَّامِ الْمُتَعَدِّدِينَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ (شَخْصًا؛ صَحَّ، وَقَدَّمَ السُّلْطَانُ أَحَقَّهُمَا) - أَيْ: الشَّخْصَيْنِ -؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا بِذَلِكَ، إنْ اتَّحَدَا تَارِيخًا، وَلَا يَشْتَرِكَانِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إنَّمَا وُلِّيَ لِيَنْظُرَ فِيهِ عَلَى انْفِرَادِهِ، فَكَانَ أَحَقُّهُمَا بِذَلِكَ أَوْلَى، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْأَحَقِّيَّةِ؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا.
(وَلَوْ فَوَّضَهُ) - أَيْ: النَّظَرَ - (حَاكِمٌ) لِإِنْسَانٍ (لَمْ يَجُزْ) لِحَاكِمٍ آخَرَ (نَقْضُهُ) قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْأَصْحَابَ قَاسُوا التَّفْوِيضَ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ قَبْلَهُ. انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْحَاكِمَ لَهُ نَصْبُ نَاظِرٍ وَعَزْلُهُ. إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا تَعَدَّدَتْ الْحُكَّامُ، وَمَا تَقَدَّمَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا حَاكِمٌ وَاحِدٌ، بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ. أَوْ يُقَالُ النَّصْبُ بِمَعْنَى التَّوْكِيلِ، أَوْ التَّفْوِيضُ إسْنَادُهُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَقِلُّ بِهِ (بَلْ يَنْظُرُ) الْحَاكِمُ (مَعَهُ) - أَيْ: مَعَ الْمُفَوَّضِ لَهُ النَّظَرُ، حِفْظًا لِلْوَقْفِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (لَا يَجُوزُ لِوَاقِفٍ شَرْطَ نَظَرٍ لِذِي مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ دَائِمًا) وَهَذَا اخْتِيَارُ مِنْهُ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ.
(وَمَنْ شَرَطَهُ) - أَيْ: النَّظَرَ - (لِفُلَانٍ، فَإِنْ مَاتَ فَفُلَانٍ) بِأَنْ قَالَ الْوَاقِفُ: النَّظَرُ لِزَيْدٍ، فَإِنْ مَاتَ فَلِعَمْرٍو مَثَلًا (فَعَزَلَ) زَيْدٌ (نَفْسَهُ، أَوْ فَسَقَ) وَقُلْنَا: يَنْعَزِلُ (فَكَمَوْتِهِ) لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ الْمَوْتَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ فَلَا يُعْتَدُّ بِمَفْهُومِهِ، وَإِنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ النَّظَرِ لِغَيْرِهِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إدْخَالٌ فِي الْوَقْفِ لِغَيْرِ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ، وَحَقُّهُ بَاقٍ. فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى عَدَمِ التَّصَرُّفِ؛ انْتَقَلَ
стр. 2640
إلَى مَنْ يَلِيهِ، كَمَا لَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَلِيهِ؛ أَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَلَمْ أَرَهُ مَسْطُورًا، وَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
(وَ) إنْ شَرَطَ النَّظَرَ (لِأَفْضَلِ أَوْلَادِهِ) أَوْ أَوْلَادِ زَيْدٍ؛ فَالنَّظَرُ لَهُ - أَيْ: لِلْأَفْضَلِ مِنْهُمْ؛ عَمَلًا بِالشَّرْطِ (فَإِنْ أَبَى) الْأَفْضَلُ الْقَبُولَ (فَ) النَّظَرُ (لِمَنْ يَلِيهِ) كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ. (وَلَوْ وَلِيَهُ) - أَيْ: النَّظَرَ (الْأَفْضَلُ، فَحَدَثَ) مَنْ هُوَ (أَفْضَلُ مِنْهُ انْتَقَلَ) النَّظَرُ (إلَيْهِ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِيهِ (فَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ) فِي الْفَضْلِ (اشْتَرَكَا) فِي النَّظَرِ.
(وَ) إنْ شَرَطَ النَّظَرَ (لِاثْنَيْنِ مِنْ أَفَاضِلِ وَلَدِهِ) - أَيْ: الْوَاقِفِ - (فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا) فَاضِلٌ (وَاحِدٌ) مِنْ أَوْلَادِهِ (ضُمَّ إلَيْهِ أَمِينٌ) يَنْظُرُ مَعَهُ؛ عَمَلًا بِشَرْطِ الْوَاقِفِ (وَكَذَا) الْحُكْمُ (لَوْ جَعَلَهُ) - أَيْ: النَّظَرَ - (لِاثْنَيْنِ غَيْرِ مُسْتَقِلَّيْنِ) لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ بِلَا شَرْطِ وَاقِفٍ، كَالْوَكِيلَيْنِ وَالْوَصِيَّيْنِ عَنْ وَاحِدٍ (فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ انْعَزَلَ) ضُمَّ إلَى الْحَيِّ أَمِينٌ يَنْظُرُ مَعَهُ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
(وَشُرِطَ فِي نَاظِرٍ أَجْنَبِيٍّ) - أَيْ: غَيْرِ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ - وَكَذَا إنْ كَانَ لِبَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ إنْ كَانَتْ (وِلَايَتُهُ مِنْ حَاكِمٍ) كَوَقْفٍ عَلَى جَمَاعَةٍ غَيْرِ مَحْصُورِينَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاقِفُهُ نَاظِرًا، فَفَوَّضَهُ الْحَاكِمُ إلَى إنْسَانٍ (أَوْ) كَانَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ (نَاظِرٍ أَصَالَةً) أَيْ: بِجَعْلِ الْوَاقِفِ لَهُ ذَلِكَ، أَوْ بِدُونِهِ إنْ جَازَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ (إسْلَامٌ) إنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا، أَوْ كَانَتْ جِهَةٌ مِنْ جِهَاتِ الْإِسْلَامِ؛ كَمَسْجِدٍ وَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ وَنَحْوِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى كَافِرٍ مُعَيَّنٍ؛ جَازَ شَرْطُ النَّظَرِ فِيهِ لِكَافِرٍ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ الْكُفَّارِ، وَشَرَطَ النَّظَرَ لِأَحَدِهِمْ، أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ؛
стр. 2641
فَيَصِحُّ، كَمَا فِي وَصِيَّةِ الْكَافِرِ لِكَافِرٍ عَلَى كَافِرٍ، أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي وَغَيْرُهُ.
(وَ) شُرِطَ أَيْضًا فِي النَّاظِرِ الْمَشْرُوطِ (تَكْلِيفٌ) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَنْظُرُ فِي مِلْكِهِ الطَّلْقِ، فَفِي الْوَقْفِ أَوْلَى.
(وَ) شُرِطَ فِيهِ أَيْضًا (رُشْدٌ) لِأَنَّ السَّفِيهَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ فِي مَالِهِ؛ فَلَا يَتَصَرَّفُ فِي غَيْرِهِ.
(وَ) شُرِطَ فِيهِ أَيْضًا (كِفَايَةٌ لِتَصَرُّفٍ، وَخِبْرَةٌ) - أَيْ: عِلْمٌ - (بِهِ) - أَيْ: التَّصَرُّفِ (وَقُوَّةٌ عَلَيْهِ) لِأَنَّ مُرَاعَاةَ حِفْظِ الْوَقْفِ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُتَصَرِّفُ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَمْ يُمْكِنْهُ مُرَاعَاةُ حِفْظِ الْوَقْفِ، وَلَا تُشْتَرَطُ فِي النَّاظِرِ الذُّكُورِيَّةُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَوْصَى بِالنَّظَرِ لِحَفْصَةَ ﵄.
(وَيَضُمُّ) لِنَاظِرٍ (ضَعِيفٍ) تَعَيَّنَ كَوْنُهُ نَاظِرًا، بِشَرْطِ وَاقِفٍ، أَوْ كَوْنُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (قَوِيًّا أَمِينًا) لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ (وَ) إنْ كَانَتْ الْوِلَايَةُ عَلَى الْوَقْفِ مِنْ نَاظِرٍ أَصْلِيٍّ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ الـ (عَدَالَةِ) فِيهِ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ عَلَى مَالٍ، فَاشْتُرِطَ لَهَا الْعَدَالَةُ، كَالْوِلَايَةِ، عَلَى مَالِ الْيَتِيمِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَجْنَبِيُّ الْمُوَلَّى مِنْ حَاكِمٍ أَوْ نَاظِرٍ أَصْلِيٍّ عَدْلًا؛ لَمْ تَصِحَّ وِلَايَتُهُ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا وَهُوَ الْعَدَالَةُ، وَأُزِيلَتْ يَدُهُ عَنْ الْوَقْفِ حِفْظًا لَهُ.
(فَإِنْ فَسَقَ مَنْصُوبُ حَاكِمٍ) بَعْدَ أَنْ كَانَ عَدْلًا؛ عُزِلَ (أَوْ أَصَرَّ مُتَصَرِّفًا بِخِلَافِ الشَّرْطِ) الصَّحِيحِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ (عُزِلَ) مِنْ التَّوْلِيَةِ، وَأُزِيلَتْ يَدُهُ عَنْ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ مَا مَنَعَ التَّوْلِيَةَ ابْتِدَاءُ مَنْعِهَا دَوَامًا (فَإِنْ عَادَ) إلَى أَهْلِيَّتِهِ (عَادَ حَقُّهُ) مِنْ النَّظَرِ الْمَشْرُوطِ لَهُ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِأَنَّهُ إذَا عَادَ إلَى أَهْلِيَّتِهِ عَادَ حَقُّهُ (كَوَصِيٍّ) عُزِلَ لِمُقْتَضٍ ثُمَّ زَالَ؛ فَيُعَادُ
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ إذَا عَادَ إلَى أَهْلِيَّتِهِ؛ يُعَادُ إلَى النَّظَرِ (مَا لَمْ يُقَرِّرْ) الْحَاكِمُ شَخْصًا (غَيْرَهُ قَبْلَ) عَوْدِهِ، فَإِنْ قَرَّرَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ إزَالَتُهُ بِدُونِ مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ؛ لِمُصَادَفَةِ تَقْرِيرِهِ مَحَلَّهُ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 2642
(وَ) إنْ وُلِّيَ النَّظَرَ أَجْنَبِيٌّ (مِنْ وَاقِفٍ) بِأَنْ شَرَطَهُ لَهُ (وَهُوَ) - أَيْ: الْأَجْنَبِيُّ - (فَاسِقٌ أَوْ) وَهُوَ عَدْلٌ، ثُمَّ (فَسَقَ؛ يُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ) لِحِفْظِ الْوَقْفِ، وَلَمْ تَزُلْ يَدُهُ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَمَتَى لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ مِنْهُ؛ أُزِيلَتْ وِلَايَتُهُ، فَإِنَّ مُرَاعَاةَ حِفْظِ الْوَقْفِ أَهَمُّ مِنْ إبْقَاءِ وِلَايَةِ الْفَاسِقِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ لِمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ، إمَّا بِجَعْلِهِ) أَيْ: الْوَاقِفِ النَّظَرَ (لَهُ) أَيْ: الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (أَوْ لِكَوْنِهِ) أَيْ: الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (أَحَقَّ) بِالنَّظَرِ (لِعَدَمِ) تَعْيِينِ (غَيْرِهِ؛ فَهُوَ) أَيْ: الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ (مَعَ رُشْدٍ أَحَقُّ) بِالنَّظَرِ (مُطْلَقًا) أَيْ: عَدْلًا كَانَ، أَوْ فَاسِقًا، رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْوَقْفَ، فَهُوَ يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ غَيْرَ رَشِيدٍ، وَلَمْ يُشْرَطْ النَّظَرُ لِغَيْرِهِ (فَوَلِيُّهُ) يَقُومُ بِالنَّظَرِ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ، فَهُوَ كَمِلْكِهِ الطَّلْقِ.
(وَلَوْ شَرَطَهُ) أَيْ: النَّظَرَ (وَاقِفٌ لِغَيْرِهِ) مِنْ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ، ثُمَّ عَزَلَهُ (لَمْ يَصِحَّ عَزْلُهُ لَهُ) كَإِخْرَاجِ بَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ (إلَّا إنْ شَرَطَ) الْوَاقِفُ (لِنَفْسِهِ، وِلَايَةَ الْعَزْلِ) فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فَلَهُ شَرْطُهُ.
(وَ) إنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ (لِنَفْسِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ) أَيْ: النَّظَرَ (لِغَيْرِهِ، أَوْ أَسْنَدَهُ، أَوْ فَوَّضَهُ) أَيْ: النَّظَرَ (إلَيْهِ) بِأَنْ قَالَ: جَعَلْت النَّظَرَ، أَوْ فَوَّضْته، أَوْ أَسْنَدْته إلَى زَيْدٍ (فَلَهُ) أَيْ: الْوَاقِفِ (عَزْلُهُ) أَيْ: الْمَجْعُولِ أَوْ الْمُسْنَدِ أَوْ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ (لِأَنَّهُ نَائِبُهُ) أَشْبَهَ الْوَكِيلَ.
стр. 2643
(وَلِنَاظِرٍ بِأَصَالَةٍ كَمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ) إنْ كَانَ مُعَيَّنًا (وَحَاكِمٍ) فِيمَا وَقَفَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْوَاقِفُ غَيْرَهُ (نُصِّبَ) وَكِيلٌ عَنْهُ (وَعَزَلَهُ) لِأَصَالَةِ وِلَايَتِهِ، أَشْبَهَ الْمُتَصَرِّفَ فِي مَالِ نَفْسِهِ، وَتَصَرُّفَ الْحَاكِمِ فِي مَالِ يَتِيمٍ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ وَحَاكِمٍ عَزْلُ وَكِيلِهِ (وَلَوْ بِلَا جُنْحَةٍ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَكَوْنُهُ لَهُ عَزْلُهُ (لِأَصَالَةِ نَظَرِهِ فَهُوَ) أَيْ: مَنْ نَصَّبَهُ النَّاظِرُ أَوْ الْحَاكِمُ (نَائِبُهُ) كَمَا فِي الْمُطْلَقِ، وَلَهُ الْوَصِيَّةُ لِنَظَرٍ؛ لِأَصَالَةِ الْوِلَايَةِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: (وَلِلْمُسْتَنِيبِ عَزْلُ نَائِبِهِ مَتَى شَاءَ) لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ، وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَهُ مَتَى شَاءَ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ النَّائِبَ وَكِيلٌ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ (فَلَوْ فَوَّضَهُ) أَيْ: النَّظَرَ (حَاكِمٌ) لِشَخْصٍ؛ وَعُزِلَ الْحَاكِمُ لِطُرُوِّ فِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ مَاتَ (جَازَ) لِحَاكِمٍ (آخَرَ نَقْضُهُ) - أَيْ: نَقْضُ مَا فَوَّضَهُ -؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُ، وَمَتَى عُزِلَ الْأَصِيلُ، أَوْ مَاتَ عُزِلَ الْوَكِيلُ.
(خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " وَالْمُنْتَهَى " (فِيمَا يُوهِمُ) خِلَافَ ذَلِكَ.
وَعِبَارَةُ الْإِقْنَاعِ ": وَلِنَاظِرٍ - وَهُوَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ - وَلِحَاكِمٍ نَصْبُ نَاظِرٍ، وَعَزْلُهُ. وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى ": وَلِنَاظِرٍ بِأَصَالَةٍ، كَمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ وَحَاكِمٍ، نَصْبٌ وَعَزْلٌ. فَاقْتِصَارُهُمَا عَلَى أَنَّ النَّصْبَ وَالْعَزْلَ لِلنَّاظِرِ وَالْحَاكِمِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِحَاكِمٍ آخَرَ نَقْضُ مَا فَوَّضَهُ حَاكِمٌ قَبْلَهُ، مَعَ أَنَّ الْمُقْتَضَى خِلَافُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَفْوِيضَ النَّاظِرِ بِالْأَصَالَةِ أَوْ الْحَاكِمِ، إنَّمَا هُوَ اسْتِنَابَةٌ قَائِمَةٌ مَقَامَ التَّوْكِيلِ، فَإِذَا طَرَأَ الْعَزْلُ عَلَى أَحَدِهِمَا؛ فَلِمَنْ لَهُ التَّوْلِيَةُ بَعْدَهُ نَقْضُ مَا فَعَلَهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ، مِنْ أَنَّهُ لَوْ فَوَّضَ النَّظَرَ حَاكِمٌ؛ لَمْ يَجُزْ لِآخَرَ نَقْضُهُ فَإِنَّهُ هُنَاكَ إذَا كَانَ التَّفْوِيضُ مَعَ تَعَدُّدِ الْحُكَّامِ، وَهُنَا مَعَ الِانْفِرَادِ، فَانْتَفَى التَّعَارُضُ.
стр. 2644
(وَلَا يُنَصَّبُ) نَاظِرٌ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ نَظَرَهُ مُسْتَفَادٌ بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ النَّصْبُ لَهُ، وَلَوْ مَاتَ النَّاظِرُ بِالشَّرْطِ فِي حَيَاةِ الْوَاقِفِ، لَمْ يَمْلِكْ الْوَاقِفُ نَصْبَ غَيْرِهِ بِدُونِ شَرْطٍ، أَيْ بِدُونِ شَرْطِ وِلَايَةِ النَّصْبِ لِنَفْسِهِ، وَانْتَقَلَ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ. وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ وَفَاةِ الْوَاقِفِ، فَكَذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ.
(وَلَا يَعْزِلُ نَاظِرٌ بِشَرْطٍ) نَاظِرًا حَيْثُ أَقَامَهُ هُوَ. فَقَوْلُهُ: وَلَا يَعْزِلُ، فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ إذْ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ النَّصْبِ أَصَالَةً، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: وَلَا يَعْزِلُ؛ إذْ لَيْسَ ثَمَّ مَنْصُوبًا يَعْزِلُهُ.
(وَلَا يُوصِي) نَاظِرٌ بِشَرْطٍ (بِهِ) ؛ أَيْ: بِالنَّظَرِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْظُرُ بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يُشْرَطْ الْإِيصَاءُ لَهُ (مُطْلَقًا) ؛ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ لَا، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْعَمَلَ بِوَصِيَّتِهِ بِالنَّظَرِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ (بِلَا شَرْطِ وَاقِفٍ) أَمَّا لَوْ جَعَلَ لَهُ الْوَاقِفُ أَنْ يُوصِيَ؛ صَحَّ إيصَاؤُهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ هُوَ الْمَشْرُوطُ فَالْأَشْبَهُ أَنَّ لَهُ النَّصْبَ؛ لِأَصَالَةِ وِلَايَتِهِ؛ إذْ الشَّرْطُ كَالْمُؤَكِّدِ لِمُقْتَضَى الْوَقْفِ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ أَسْنَدَ) الْوَاقِفُ النَّظَرَ (لِاثْنَيْنِ) فَأَكْثَرَ، مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوْ غَيْرِهِمْ، أَوْ جَعَلَ النَّظَرَ الْحَاكِمُ أَوْ النَّاظِرُ الْأَصْلِيُّ إلَيْهِمَا (لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا) عَنْ الْآخَرِ (بِلَا شَرْط) لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَرْضَ بِوَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا وَاحِدٌ، وَأَبَى أَحَدُهُمَا، أَوْ مَاتَ؛ أَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ آخَرَ.
(وَإِنْ شَرَطَ) وَاقِفٌ (النَّظَرَ لِكُلِّ مِنْهُمَا) بِأَنْ قَالَ: جَعَلْت النَّظَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (أَوْ) جَعَلَ (التَّصَرُّفَ لِوَاحِدٍ، أَوْ) جَعَلَ (الْيَدَ لِآخَرَ) صَحَّ (أَوْ) جَعَلَ (عِمَارَتَهُ) أَيْ: الْوَقْفَ (لِوَاحِدٍ، وَ) جَعَلَ (تَحْصِيلَ رِيعِهِ لِآخَرَ؛ صَحَّ) تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا. وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ أَبَى؛ لَمْ يُحْتَجْ إلَى إقَامَةِ آخَرَ، وَاسْتَقَلَّ الْمَوْجُودُ مِنْهُمَا بِالنَّظَرِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَاللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
стр. 2645
(فَلَوْ) تَنَازَعَ نَاظِرَانِ غَيْرُ مُسْتَقِلَّيْنِ بِالتَّصَرُّفِ فِي نَصْبِ إمَامٍ، نَصَّبَ أَحَدُهُمَا زَيْدًا، وَالْآخَرُ عَمْرًا؛ لَمْ تَنْعَقِدْ وِلَايَةُ الْإِمَامَةِ لِأَحَدِهِمَا، لِانْتِفَاءِ شَرْطِهَا. وَإِنْ اسْتَقَلَّا وَ (قُرِّرَا فِي وَظِيفَةٍ) وَسَبَقَ نَصْبُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ؛ انْعَقَدَتْ وَ (قُدِّمَ الْأَسْبَقُ) مِنْهُمَا دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ لَمْ تُصَادِفْ مَحَلًّا (وَإِلَّا) بِأَنْ اتَّحَدَ وَاسْتَوَى الْمَنْصُوبَانِ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قُرِعَ صَاحِبُهُ قُدِّمَ؛ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ.
(وَيَتَّجِهُ) وُجُوبُ اتِّبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ فِيمَا وَظَّفَهُ (فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاكُ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (فِي) وَظِيفَةٍ وَاحِدَةٍ، كَإِمَامَةٍ أَوْ خَطَابَةٍ وَنَحْوِهَا مِنْ (وَظَائِفِ أَوْقَافٍ حَقِيقِيَّةٍ) كَأَوْقَافِ التُّجَّارِ وَنَحْوِهِمْ؛ كَمَا لَا يَجُوزُ جَمْعُ شَخْصٍ وَاحِدٍ جُمْلَةً مِنْ الْوَظَائِفِ فِي وَقْفٍ، وَيَأْتِي. (بَلْ) يَجُوزُ اشْتِرَاكُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي وَظِيفَةٍ فِي أَوْقَافٍ صُورِيَّةٍ (كَأَوْقَافِ) الْأُمَرَاءِ وَ (الْمُلُوكِ) فَإِنَّ أَوْقَافَهُمْ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ، وَأَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ وَقْفَ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى جِهَاتِ الْخَيْرِ نُورُ الدِّينِ الشَّهِيدُ صَاحِبُ دِمَشْقَ، ثُمَّ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ صَاحِبُ مِصْرَ لَمَّا اسْتَفْتَيَا ابْنَ أَبِي عَصْرُونٍ فَأَفْتَاهُمَا بِالْجَوَازِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إرْصَادٌ وَإِفْرَازٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى بَعْضِ مُسْتَحِقِّيهِ، لِيَصِلُوا إلَيْهِ بِسُهُولَةٍ؛ لِأَنَّهُ وَقْفٌ حَقِيقِيٌّ؛ إذْ مِنْ شَرْطِ الْمَوْقُوفِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ، وَالسُّلْطَانُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِذَلِكَ. وَوَافَقَ ابْنَ أَبِي عَصْرُونٍ عَلَى فَتْوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ، مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ.
وَحَيْثُ كَانَتْ هَذِهِ الْأَوْقَافُ الصُّورِيَّةُ إفْرَازًا وَإِرْصَادًا؛ فَلِلسُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي ذَلِكَ، أَنْ يُقِيمَ وَكِيلًا عَنْهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ بِإِجَارَةٍ وَغَيْرِهَا؛ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَا رِيبَةَ فِي صِحَّةِ تَصَرُّفِ هَذَا النَّاظِرِ الْمَنْصُوبِ وَكِيلًا عَمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ. وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِي غَايَةِ اللُّطْفِ.
стр. 2646
(وَلَا نَظَرَ لِحَاكِمٍ مَعَ نَاظِرٍ خَاصٍّ) أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَيَتَوَجَّهُ) عَدَمُ النَّظَرِ لِغَيْرِ النَّاظِرِ (مَعَ حُضُورِهِ) فِي الْبَلَدِ، أَمَّا إذَا غَابَ النَّاظِرُ (فَيُقَرَّرُ حَاكِمٌ فِي وَظِيفَةٍ خَلَتْ فِي غَيْبَتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْقِيَامِ بِلَفْظِ الْوَاقِفِ فِي الْمُبَاشَرَةِ وَدَوَامِ نَفْعِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرِيدُهُ وَلَا حُجَّةَ فِي تَوْلِيَةِ الْأَئِمَّةِ مَعَ الْبُعْدِ لِمَنْعِهِمْ غَيْرَهُمْ التَّوْلِيَةَ، فَنَظِيرُهُ مَنْعُ الْوَاقِفِ التَّوْلِيَةَ لِغَيْبَةِ النَّاظِرِ. (انْتَهَى) .
وَعَلَى هَذَا لَوْ وَلَّى النَّاظِرُ الْغَائِبُ إنْسَانًا، وَوَلَّى الْحَاكِمُ آخَرَ؛ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ تَوْلِيَةً مِنْهُمَا (لَكِنْ لَهُ) أَيْ: الْحَاكِمِ (النَّظَرُ الْعَامُّ، فَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى النَّاظِرِ الْخَاصِّ (إنْ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ) لَهُ فِعْلُهُ؛ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْحَاكِمِ (ضَمُّ أَمِينٍ) إلَى النَّاظِرِ الْخَاصِّ (مَعَ تَفْرِيطِهِ أَوْ تُهْمَتِهِ؛ لِيَحْصُلَ) بِالْأَمِينِ (الْمَقْصُودِ) مِنْ حِفْظِ الْوَقْفِ، وَاسْتِصْحَابِ يَدِ مَنْ أَرَادَهُ الْوَاقِفُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ يَرْجِعُ إلَى رَأْيِ الثَّانِي، وَلَا يَتَصَرَّفُ إلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِيَحْصُلَ الْغَرَضُ مِنْ نَصْبِهِ. وَكَذَا إذَا ضُمَّ إلَى ضَعِيفٍ قَوِيٌّ مُعَاوِنًا لَهُ، فَلَا تَزَالُ يَدُ الْأَوَّلِ عَنْ الْمَالِ، وَلَا نَظَرِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ النَّاظِرُ دُونَ الثَّانِي، هَذَا قِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُوصَى لَهُ.
(وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَهْلِ الْوَقْفِ عَلَى نَاظِرٍ أَمِينٍ) وَلَّاهُ الْوَاقِفُ، وَلَهُمْ مَسْأَلَتُهُ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إلَى عِلْمِهِ مِنْ أَمْرِ وَقْفِهِمْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ عِلْمُهُمْ وَعِلْمُهُ فِيهِ (وَلَهُمْ) أَيْ: أَهْلِ الْوَقْفِ (الْمُطَالَبَةُ بِانْتِسَاخِ كِتَابِ الْوَقْفِ) . لِتَكُونَ نُسْخَتُهُ فِي أَيْدِيهِمْ وَثِيقَةً لَهُمْ.
(وَلِلنَّاظِرِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْوَقْفِ (بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ لِمَصْلَحَةٍ؛ كَشِرَاءٍ لِلْوَقْفِ نَسِيئَةً، أَوْ شِرَاءٍ بِنَقْدٍ لَمْ يُعِنْهُ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِي قَرْضِهِ مَالًا كَوَلِيٍّ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى النَّاظِرِ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَاكِمُ أَوْ
стр. 2647
غَيْرُهُ (نَصْبُ) جَابٍ (مُسْتَوْفٍ لِلْعُمَّالِ) عَلَى الْوَقْفِ (الْمُتَفَرِّقِينَ) وَظَائِفَهُ الْقَائِمِينَ بِهَا، وَلَهُ أَنْ يَفْرِضَ لِكُلٍّ عَلَى عَمَلِهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِثْلُهُ، فِي كُلِّ مَالٍ يَعْمَلُ فِيهِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ (إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ) - أَيْ: الْمُسْتَوْفِي - أَوْ لَمْ تَتِمَّ مَصْلَحَةٌ إلَّا بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ وَتَمَّتْ الْمَصْلَحَةُ بِدُونِهِ لِقِلَّةِ الْأَعْمَالِ، وَمُبَاشَرَتِهِ الْحِسَابَ بِنَفْسِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ نَصْبُهُ، وَلِهَذَا كَانَ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ يُبَاشِرُ الْحُكْمَ وَاسْتِيفَاءَ الْحِسَابِ بِنَفْسِهِ، وَيُوَلِّي مَعَ الْبُعْدِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَإِذَا قَامَ الْمُسْتَوْفِي بِمَا عَلَيْهِ) مِنْ الْعَمَلِ (اسْتَحَقَّ مَا فُرِضَ لَهُ) وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ؛ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ، وَلَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ.
(وَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ نَصْبُ دِيوَانٍ) يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا (لِحِسَابِ أَمْوَالِ الْأَوْقَافِ)
عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ
؛ كَمَا لَهُ نَصْبُ دَوَاوِينَ لِحِسَابِ (الْأُمُورِ السُّلْطَانِيَّةِ) كَالْفَيْءِ وَغَيْرِهِ، مِمَّا يَئُولُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ مِنْ تَرِكَاتٍ وَنَحْوِهَا.
[فَصْلٌ وَظِيفَةُ نَاظِرِ الْوَقْفِ]
(فَصْلٌ: وَوَظِيفَةُ نَاظِرٍ حِفْظُ وَقْفٍ، وَعِمَارَتُهُ، وَإِيجَارُهُ، وَزَرْعُهُ، وَمُخَاصَمَةٌ فِيهِ، وَتَحْصِيلُ رِيعِهِ مِنْ أُجْرَةٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ وَالِاجْتِهَادُ فِي تَنْمِيَتِهِ، وَصَرْفُهُ فِي جِهَاتِهِ) بِمَا تَحْصُلُ بِهِ تَنْمِيَتُهُ (مِنْ عِمَارَةٍ، وَإِصْلَاحٍ، وَإِعْطَاءِ مُسْتَحِقٍّ) وَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ؛ يُقْبَلُ قَوْلُ النَّاظِرِ الْمُتَبَرِّعِ فِي دَفْعِ الْمُسْتَحَقِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " وَلَا يُعْمَلُ بِالدَّفْتَرِ الْمَمْضِيِّ الْمَعْرُوفِ فِي زَمَنِنَا بِالْمُحَاسَبَاتِ، فِي مَنْعِ مُسْتَحَقٍّ وَنَحْوِهِ، إذَا كَانَ بِمُجَرَّدِ إمْلَاءِ النَّاظِرِ وَالْكَاتِبِ عَلَى مَا اُعْتِيدَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ. وَقَدْ أَفْتَى بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي عَصْرِنَا. (وَنَحْوُهُ) كَشِرَاءِ طَعَامٍ وَشَرَابٍ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ هُوَ الَّذِي يَلِي الْوَقْفَ، وَحِفْظُهُ وَحِفْظُ رِيعِهِ، وَتَنْفِيذُ شَرْطِ وَاقِفِهِ، وَطَلَبُ الْحَظِّ مَطْلُوبٌ فِيهِ شَرْعًا، فَكَانَ ذَلِكَ إلَى النَّاظِرِ.
(وَلَهُ) - أَيْ: النَّاظِرِ - (وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ) - أَيْ: الْوَقْفِ -، وَعَلَى رِيعِهِ (وَ) لَهُ (التَّقْرِيرُ فِي وَظَائِفِهِ) ذَكَرُوهُ فِي نَاظِرِ الْمَسْجِدِ، فَيُنَصِّبُ مَنْ يَقُومُ بِوَظَائِفِهِ، مِنْ إمَامٍ وَمُؤَذِّنٍ وَقَيِّمٍ وَغَيْرِهِمْ؛ كَمَا أَنَّ لِلنَّاظِرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ نَصْبَ مَنْ يَقُومُ بِمَصْلَحَةِ الْوَقْفِ، مِنْ جَابٍ وَحَافِظٍ.
قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. وَمَتَى امْتَنَعَ مِنْ نَصْبِ
стр. 2648
مَنْ يَجِبُ نَصْبُهُ؛ نَصَّبَهُ الْحَاكِمُ؛ كَوَلِيِّ النِّكَاحِ إذَا عَضَلَ، وَإِنْ طَلَبَ عَلَى النَّصْبِ جُعْلًا سَقَطَ حَقُّهُ، وَقَرَّرَ الْحَاكِمُ مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ. وَلَيْسَ لِمُتَكَلِّمٍ عَلَى وَقْفٍ، مِنْ نَاظِرٍ وَغَيْرِهِ، تَقْرِيرُ نَفْسِهِ، أَوْ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ؛ كَوَلَدِهِ وَنَحْوِهِ، فِي شَيْءٍ مِنْ وَظَائِفِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُمْ كَهُوَ؛ وَلِذَلِكَ لَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ لَهُ وَلَا لَهُمْ؛ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ مَعَ كَوْنِهِ نَاظِرًا أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لِوَقْفٍ، وَلَا مُبَاشِرًا فِيهِ، وَلَا أَنْ يَتَصَرَّفَ بِغَيْرِ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ، أَفْتَى بِذَلِكَ ابْنُ النَّجَّارِ.
(وَلَا يَتَوَقَّفُ الِاسْتِحْقَاقُ) [عَلَى نَصْبِهِ]- أَيْ: النَّاظِرِ، وَلَا الْإِمَامِ (إلَّا بِشَرْطٍ) مِنْ الْوَاقِفِ، فَإِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ فِي الصَّرْفِ نَصْبَ النَّاظِرِ لِلْمُسْتَحِقِّ؛ كَالْمُدَرِّسِ وَالْمُعِيدِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ بِالْمَدْرَسَةِ مَثَلًا؛ فَلَا إشْكَالَ فِي تَوَقُّفِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى نَصْبِ النَّاظِرِ لَهُ، عَمَلًا بِالشَّرْطِ، وَإِلَّا يَشْرِطُ الْوَاقِفُ نَصْبَ النَّاظِرِ لِلْمُسْتَحِقِّ، بَلْ قَالَ: وَيَصْرِفُ النَّاظِرُ إلَى مُدَرِّسٍ أَوْ مُعِيدٍ أَوْ مُتَفَقِّهَةٍ بِالْمَدْرَسَةِ؛ فَلَا يَتَوَقَّفُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى نَصْبِ نَاظِرٍ وَلَا إمَامٍ.
(فَلَوْ انْتَصَبَ بِمَدْرَسَةٍ مُدَرِّسٌ أَوْ مُعِيدٌ وَأَذْعَنَ لَهُ) الطَّلَبَةُ (بِالِاسْتِفَادَةِ، وَتَأَهَّلَ لِذَلِكَ؛ اسْتَحَقَّ، وَلَمْ يُنَازَعْ) لِوُجُودِ الْوَصْفِ الْمَشْرُوطِ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ مِنْ الشَّيْخِ غَيْرُ شَرْطٍ فِي جَوَازِ التَّصَدِّي لِلْإِقْرَاءِ وَالْإِفَادَةِ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَهْلِيَّةَ؛ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ أَحَدٌ، وَعَلَى ذَلِكَ السَّلَفُ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ عِلْمٍ، وَفِي الْإِقْرَاءِ وَالْإِفْتَاءِ، خِلَافًا لِمَا يَتَوَهَّمُهُ الْأَغْبِيَاءُ مِنْ اعْتِقَادِ كَوْنِهِمَا شَرْطًا. قَالَ السُّيُوطِيّ فِي الْإِتْقَانِ ": وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْمَالِ فِي مُقَابَلَتِهَا إجْمَاعًا، بَلْ إنْ عَلِمَ أَهْلِيَّتَهُ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِجَازَةُ، أَوْ عَدِمَهَا؛ حَرُمَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَادَّعَى ابْنُ خَيْرٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُلَ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ - وَلَوْ بِالْإِجَازَةِ - انْتَهَى.
(وَكَذَا لَوْ أَقَامَ بِهَا) أَيْ: الْمَدْرَسَةِ (طَالِبٌ مُتَفَقِّهًا) وَلَوْ لَمْ يُنَصِّبْهُ نَاصِبٌ اسْتَحَقَّ؛ لِوُجُودِ التَّفَقُّهِ (وَكَذَا) لَوْ شُرِطَ الصَّرْفُ الْمُطْلَقُ إلَى (إمَامِ) مَسْجِدٍ (وَنَحْوِ مُؤَذِّنِهِ) كَقَيِّمِهِ فَأَمَّ إمَامٌ، وَرَضِيَهُ الْجِيرَانُ أَوْ أَذَّنَ فِيهِ مُؤَذِّنٌ، أَوْ قَامَ
стр. 2649
بِخِدْمَةِ الْمَسْجِدِ قَائِمٌ؛ كَانَ مُسْتَحِقًّا؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ (وَمَعَ شَرْطِ وَاقِفٍ نَحْوِ نَاظِرٍ) كَأَمِينٍ (وَمُدَرِّسٍ وَمُعِيدٍ وَإِمَامٍ لَمْ يَجُزْ قِيَامُ شَخْصٍ) وَاحِدٍ بِالْوَظَائِفِ كُلِّهَا (وَلَوْ أَمْكَنَهُ جَمْعٌ بَيْنَهَا) صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ الْكَبِيرِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ أَمْكَنَ النَّاظِرُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْوَظَائِفِ لِوَاحِدٍ فَعَلَ.
(وَ) قَالَ (فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ") وَ (لَا) يَجُوزُ أَنْ (يَؤُمَّ) فِي الْمَسَاجِدِ السُّلْطَانِيَّةِ وَهِيَ (الْجَوَامِعُ الْكِبَارُ إلَّا مَنْ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ) لِئَلَّا يُفْتَأَتَ عَلَيْهِ فِيمَا وُكِّلَ إلَيْهِ، وَإِنْ نَدَبَ لَهُ إمَامَيْنِ، وَخَصَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ جَازَ؛ كَمَا فِي تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِصَلَاةِ النَّهَارِ وَالْآخَرِ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، فَإِنْ لَمْ يُخَصِّصْ فَهُمَا سَوَاءٌ وَأَيُّهُمَا سَبَقَ كَانَ أَحَقَّ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَؤُمَّ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ بِقَوْمٍ آخَرِينَ وَإِنْ حَضَرَا مَعًا وَتَنَازَعَا؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا؛ إذْ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
(وَيَسْتَنِيبُ) مَنْ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ (إنْ غَابَ) وَيَصِيرُ نَائِبُهُ أَحَقَّ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَإِنْ غَابَ وَلَمْ يُقِمْ نَائِبًا؛ فَيُقَدَّمُ مَنْ رَضِيَهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ؛ لِتَعَذُّرِ إذْنِهِ (وَمَا بَنَاهُ أَهْلُ الشَّوَارِعِ وَالْقَبَائِلِ مِنْ الْمَسَاجِدِ فَالْإِمَامَةُ لِمَنْ رَضُوهُ) لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمْ فِي أَئِمَّةِ مَسَاجِدِهِمْ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) اتِّفَاقُهُمْ عَلَى وَاحِدٍ (فَلِرَئِيسِ الْقَرْيَةِ) نَصْبُ إمَامٍ عَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِهِ (وَلَيْسَ لَهُمْ بَعْدَ الرِّضَا) بِهِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ (عَزْلُهُ) عَنْ إمَامَتِهِ؛ لِأَنَّ رِضَاهُمْ بِهِ كَالْوِلَايَةِ، فَلَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ (مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ) بِنَحْوِ فِسْقٍ أَوْ مَا يَمْنَعُ الْإِمَامَةَ (لَكِنْ يَسْتَنِيبُ إنْ غَابَ) قَالَهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْجِيرَانِ لَهُ لَيْسَ وِلَايَةً، وَإِنَّمَا قُدِّمَ لِرِضَاهُمْ بِهِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رِضَاهُمْ بِهِ الرِّضَى بِنَائِبِهِ كَمَا فِي الْوَصِيِّ بِالصَّلَاةِ عَلَى مَيِّتٍ، بِخِلَافِ مَنْ وَلَّاهُ النَّاظِرُ أَوْ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ صَارَ لَهُ بِالْوِلَايَةِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ (وَأَقَلُّ مَا يُعْتَبَرُ فِي هَذَا الْإِمَامِ) الَّذِي نَصَّبَهُ جِيرَانُ الْمَسْجِدِ أَوْ رَئِيسُ الْقَرْيَةِ (الْعَدَالَةُ) ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (وَالْقِرَاءَةُ الْوَاجِبَةُ) فِي الصَّلَاةِ (وَالْعِلْمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ) وَمَا يُعْتَبَرُ بِهَا مِنْ صِحَّةٍ وَفَسَادٍ.
(قَالَ الْحَارِثِيُّ) : فَجُعِلَ نَصْبُ الْإِمَامِ فِي هَذَا النَّوْعِ
стр. 2650
لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ أَيْ: جِيرَانِهِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ لِلْإِمَامِ النَّصْبَ أَيْضًا) لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ (لَكِنْ لَا يُنَصِّبُ إلَّا بِرِضَى الْجِيرَانِ) عِبَارَتُهُ لَا يُنَصِّبُ إلَّا مَنْ يَرْضَاهُ الْجِيرَانُ (وَكَذَا نَاظِرٌ خَاصٌّ، فَلَا يُنَصِّبُ مَنْ لَا يَرْضَوْنَهُ) أَيْ: الْجِيرَانُ؛ لِمَا فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَلَاةً، مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» .
وَذُكِرَ بَقِيَّةُ الْخَبَرِ، وَقَالَ الْحَارِثِيُّ أَيْضًا مَا مَعْنَاهُ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ مَعَ وُجُودِ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ نَصْبُ نَاظِرٍ فِي مَصَالِحِهِ وَوَقْفِهِ كَمَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْقَاضِي كَالْقُرَى الصِّغَارِ وَالْأَمَاكِنِ النَّائِيَةِ، أَوْ وُجِدَ وَكَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ أَوْ وُجِدَ وَهُوَ مَأْمُونٌ، لَكِنَّهُ يُنَصِّبُ غَيْرَ مَأْمُونٍ؛ فَلِأَهْلِهِ النَّصْبُ؛ تَحْصِيلًا لِلْغَرَضِ، وَدَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ، وَكَذَا مَا عَدَا الْمَسْجِدَ مِنْ الْأَوْقَافِ لِأَهْلِهِ نَصْبُ نَاظِرٍ فِيهِ كَذَلِكَ؛ أَيْ: لِعَدَمِ وُجُودِ الْقَاضِي الْمَأْمُونِ نَاصِبًا لِمَأْمُونٍ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": (وَيَجِبُ أَنْ يُوَلَّى فِي الْوَظَائِفِ وَإِمَامَةِ الْمَسَاجِدِ الْأَحَقُّ شَرْعًا) وَأَنْ يَعْمَلَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلٍ وَاجِبٍ.
وَقَالَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": الْإِمَامَةُ بِالنَّاسِ طَرِيقُهَا الْأَوْلَى لَا الْوُجُوبُ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالنِّقَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَاضَى النَّاسُ بِإِمَامٍ يُصَلِّي لَهُمْ صَحَّ (وَلَيْسَ لِلنَّاسِ أَنْ يُوَلُّوا عَلَيْهِمْ الْفُسَّاقُ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْوِلَايَةُ خَاصَّةً أَوْ عَامَّةً قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَالْحَاصِلُ إنْ كَانَ النَّظَرُ لِغَيْرِ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ نَاظِرٍ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَرْطِ الْعَدَالَةِ، وَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ [مِنْ] وَاقِفٍ وَهُوَ فَاسِقٌ أَوْ عَدْلٌ فَفَسَقَ؛ صَحَّ، وَضُمَّ إلَيْهِ أَمِينٌ (وَمَنْ قُرِّرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بِوَظِيفَةٍ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ حَرُمَ) عَلَى نَاظِرٍ وَغَيْرِهِ (صَرْفُهُ عَنْهَا بِلَا مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ) يَقْتَضِي ذَلِكَ كَتَعْطِيلِهِ الْقِيَامَ بِهَا وَفِسْقٍ يُنَافِيهَا، وَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ وَلَوْ عَيَّنَهُ وَاقِفٌ (وَمَنْ لَمْ يُقَمْ بِوَظِيفَةِ بَدَلٍ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أَيْ: غَيَّرَهُ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ (بِمَنْ يَقُومُ بِهَا) تَحْصِيلًا لِغَرَضِ الْوَاقِفِ (إنْ لَمْ يَتُبْ وَيَلْتَزِمْ
стр. 2651
الْوَاجِبَ) قُبِلَ صَرْفُهُ.
قَالَ فِي " النُّكَتِ ": وَلَوْ عُزِلَ مِنْ وَظِيفَةٍ لِلْفِسْقِ، ثُمَّ تَابَ لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا. انْتَهَى.
وَإِنْ قَصَّرَ فَتَرَكَ بَعْضَ الْعَمَلِ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا قَابَلَهُ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا عَلَى الزِّيَادَةِ
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (مَنْ وَقَفَ) وَقْفًا (عَلَى مُدَرِّسٍ وَفُقَهَاءَ فَلِنَاظِرٍ ثُمَّ حَاكِمٍ تَقْدِيرُ أَعْطِيَتِهِمْ) [فَلَوْ زَادَ النَّمَاءُ فَهُوَ لَهُمْ] وَلَيْسَ تَقْدِيرُ النَّاظِرِ أَمْرًا حَتْمًا كَتَقْدِيرِ الْحَاكِمِ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ زِيَادَتُهُ وَنَقْصُهُ لِمَصْلَحَةٍ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ تَغْيِيرُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَنَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ، وَلَيْسَ مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ، بَلْ عَمَلٍ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي لِتَغَيُّرِ السَّبَبِ، وَإِنْ قِيلَ إنَّ الْمُدَرِّسَ لَا يُزَادُ وَلَا يَنْقُصُ بِزِيَادَةِ النَّمَاءِ وَنَقْصِهِ لِلْمَصْلَحَةِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ لَهُمْ (وَالْحُكْمُ بِتَقْدِيرِ مُدَرِّسٍ أَوْ غَيْرِهِ بَاطِلٌ لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا يُعْتَدُّ بِهِ قَالَ بِهِ) وَلَا بِمَا يُشْبِهُهُ.
(وَلَوْ نَفَّذَهُ حَاكِمٌ) . وَبُطْلَانُهُ لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْطَ وَالْعُرْفَ أَيْضًا (لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّذَ) الْحَاكِمُ (حُكْمَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ) لِلْحُكْمِ كَالْمُجْتَهِدِ؛ لِأَنَّهُ (لِحُكْمِهِ مَسَاغٌ، وَالضَّرُورَةُ وَإِنْ أَلْجَأَتْ إلَى تَنْفِيذِ حُكْمِ الْمُقَلِّدِ، فَإِنَّمَا هُوَ) أَيْ: التَّنْفِيذُ يَسُوغُ (إذَا وَقَفَ) الْمُقَلِّدُ (عَلَى حَدِّ التَّقْلِيدِ) وَلَمْ يَتَجَاسَرْ عَلَى قَضِيَّةٍ لَوْ نَزَلَتْ عَلَى عُمَرَ لَجَمَعَ لَهَا أَهْلَ الشُّورَى (وَ) إنَّمَا كَانَ الْحُكْمُ بِالتَّقْدِيمِ بَاطِلًا (لِأَنَّهُ حُكْمٌ) عَلَى مَا سَيُوجَدُ؛ فَهُوَ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ (فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَةٍ) فُوِّضَ إلَيْهِ (الْحُكْمُ) بِهَا فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ (وَلِأَنَّ النَّمَاءَ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْقَيِّمُ وَنَحْوُ إمَامٍ وَمُؤَذِّنٍ؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ، وَلِهَذَا يَحْرُمُ أَخْذُهُ فَوْقَ أُجْرَةِ مِثْلِهِ بِلَا شَرْطٍ، بِخِلَافِ مُدَرِّسٍ وَمُعِيدٍ وَفُقَهَاءَ) أَيْ: مُتَفَقِّهَةٍ (فَإِنَّهُمْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَهُمْ) .
قَالَ فِي " الْفَائِقِ ": وَلَوْ شُرِطَ عَلَى مُدَرِّسٍ أَوْ فُقَهَاءَ وَإِمَامٍ؛ فَلِكُلِّ جِهَةٍ الثُّلُثُ أَيْ: (وَإِنْ تَفَاوَتُوا فِي الْمَنْفَعَةِ كَالْجَيْشِ) فَإِنَّ فِيهِ الْمُقَاتِلَةَ وَغَيْرَهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ (فِي الْمَغْنَمِ) سَوَاءٌ (لَكِنْ دَلَّ الْعُرْفُ عَلَى التَّفْضِيلِ) .
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا (لَوْ عَطَّلَ مُغِلٌّ) وَقْفَ (مَسْجِدٍ سَنَةً، قُسِّطَتْ أُجْرَةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى السَّنَةِ الَّتِي تَعَطَّلَ مُغِلُّهَا (وَعَلَى)
стр. 2652
السَّنَةِ (الْمَاضِيَةِ) الَّتِي لَمْ يَتَعَطَّلْ مُغِلُّهَا لِتَقْوِيمِ الْوَظِيفَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ التَّعْطِيلِ، وَلَا يُنْقِصُ الْإِمَامُ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ الزَّرْعِ بَعْضَ الْعَامِ (وَ) قَالَ (فِي " الْفُرُوعِ ") فَقَدْ أَدْخَلَ يَعْنِي الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ مُغِلَّ سَنَةٍ فِي سَنَةٍ، وَقَدْ (أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَّا) ؛ أَيْ: الْحَنَابِلَةِ (فِي زَمَانِنَا فِيمَا نَقَصَ عَمَّا قَدَّرَهُ الْوَاقِفُ كُلَّ شَهْرٍ أَنَّهُ يُتَمِّمُ مَا بَعْدَهُ) وَحَكَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْدَ سِنِينَ انْتَهَى.
وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: إذَا وَقَفَ عَلَى مَصَالِحِ الْحَرَمِ وَعِمَارَتِهِ؛ فَالْقَائِمُونَ بِالْوَظَائِفِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمَسْجِدُ مِنْ التَّنْظِيفِ وَالْحِفْظِ وَالْفَرْشِ وَفَتْحِ الْأَبْوَابِ وَإِغْلَاقِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ (وَمَا يَأْخُذُهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ الْوَقْفِ فَكَرِزْقٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ رِزْقٌ (لِلْإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِلْمِ، لَا كَجُعْلٍ، أَوْ) ؛ أَيْ: (لَا) كَ (أُجْرَةٍ) عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَلِذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْقَدْرِ، وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا أَنَّ الْقَائِلَ بِالْمَنْعِ مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَى نَوْعِ الْقُرْبِ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَخْذِ الْمَشْرُوطِ فِي الْوَقْفِ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ فِي النَّاظِرِ (وَكَذَا مَا وُقِفَ عَلَى أَعْمَالِ بِرٍّ وَمُوصًى بِهِ وَمَنْذُورٌ لَهُ) لَيْسَ كَالْأُجْرَةِ وَالْجُعْلِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: وَلَا يُقَالُ إنَّ مِنْهُ مَا يُؤْخَذُ أُجْرَةٌ عَنْ عَمَلٍ كَالتَّدْرِيسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ أَوَّلًا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ أُجْرَةٌ مَحْضَةٌ، بَلْ هُوَ رِزْقٌ وَإِعَانَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأَمْوَالِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " قُلْت: وَعَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ حَيْثُ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِشَرْطٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ انْتَهَى. وَهَذَا فِي الْأَوْقَافِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَأَمَّا الْأَوْقَافُ الَّتِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَأَوْقَافِ الْأُمَرَاءِ أَوْ الْمُلُوكِ فَلَيْسَتْ بِأَوْقَافٍ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْقَافٌ بِالصُّورَةِ، فَكُلُّ مَنْ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَهُ التَّنَاوُلُ مِنْهَا - وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ الْمَشْرُوطَ - كَمَا أَفْتَى بِهِ صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " مُوَافَقَةً لِلشَّيْخِ الرَّمْلِيِّ وَغَيْرِهِ فِي وَقْفِ جَامِعِ طُولُونَ وَنَحْوِهِ.
وَفِي " الْيَنْبُوعِ لِلسُّيُوطِيِّ " فَرْعٌ ": نَذْكُرُ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا الْفُقَهَاءُ فِي الْوَظَائِفِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَوْقَافِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ كُلِّهَا، إنْ كَانَ لَهَا أَصْلٌ مِنْ
стр. 2653
بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ تَرْجِعُ إلَيْهِ؛ فَيَجُوزُ لِمَنْ كَانَ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ عَالِمٍ لِلْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَطَالِبِ الْعِلْمِ كَذَلِكَ، وَصُوفِيٍّ عَلَى طَرِيقَةِ الصُّوفِيَّةِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا وَقَفُوهُ غَيْرِ مُتَقَيِّدٍ بِمَا شَرَطُوهُ، وَيَجُوزُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الِاسْتِنَابَةُ لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ، وَيَتَنَاوَلُ الْمَعْلُومَ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ، وَلَا اسْتَنَابَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لَمْ يَحِلَّ الْأَكْلِ مِنْ هَذَا الْوَقْفِ - وَلَوْ قَرَّرَهُ النَّاظِرُ وَبَاشَرَ الْوَظِيفَةَ - لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا يَتَحَوَّلُ عَنْ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ بِجُعْلِ أَحَدٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا (مَنْ أَكَلَ الْمَالَ بِالْبَاطِلِ، قُوِّمَ لَهُمْ رَوَاتِبُ أَضْعَافُ حَاجَاتِهِمْ) أَيْ: مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (وَقُوِّمَ لَهُمْ جِهَاتٌ مَعْلُومُهَا كَثِيرٌ يَأْخُذُونَهُ وَيَسْتَنِيبُونَ) فِي الْجِهَاتِ (بِيَسِيرٍ) مِنْ الْمَعْلُومِ؛ لِأَنَّ هَذَا خِلَافُ غَرَضِ الْوَاقِفِينَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَالنِّيَابَةُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْمَشْرُوطَةِ) مِنْ تَدْرِيسٍ وَإِمَامَةٍ وَخَطَابَةٍ وَأَذَانٍ وَغَلْقِ بَابٍ وَنَحْوِهَا (جَائِزَةٌ وَلَوْ عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ) وَفِي عِبَارَةٍ أُخْرَى لَهُ: وَلَوْ نَهَى الْوَاقِفُ عَنْهُ (إذَا كَانَ النَّائِبُ مِثْلَ مُسْتَنِيبِهِ) فِي كَوْنِهِ أَهْلًا لِمَا اُسْتُنِيبَ فِيهِ (وَلَا مَفْسَدَةَ) رَاجِحَةٌ انْتَهَى. وَجَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ كَالْأَعْمَالِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ كَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَبِنَاءِ الْحَائِطِ.
[فَصْلٌ أَجَرَ النَّاظِرُ الْوَقْفِ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ بِأَنْقَصَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ]
(فَصْلٌ: وَلَوْ أَجَرَ نَاظِرُ الْوَقْفِ) الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ (بِأَنْقَصَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلٍ صَحَّ) عَقْدُ الْإِجَارَةِ (وَضَمِنَ) النَّاظِرُ (نَقْصًا لَا يَتَغَابَنُ بِهِ) فِي الْعَادَةِ إنْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ الْحَظِّ، فَضَمِنَ مَا نَقَصَهُ بِعَقْدِهِ كَالْوَكِيلِ إذَا بَاعَ أَوْ أَجَرَ بِدُونِ ثَمَنٍ أَوْ أَجْرِ الْمِثْلِ.
(وَلَا تُفْسَخُ) الْإِجَارَةُ حَيْثُ صَحَّتْ (لَوْ طُلِبَ) الْوَقْفُ (بِزِيَادَةٍ) عَنْ الْأُجْرَةِ الْأُولَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ضَرَرٌ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ.
قَالَ " الْمُنَقَّحُ " (وَمَنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى) لِنَفْسِهِ (فِيمَا هُوَ وَقْفٌ عَلَيْهِ وَحْدَهُ فَهُوَ) أَيْ: الْغِرَاسُ أَوْ الْبِنَاءُ لَهُ، أَيْ: الْغَارِسِ أَوْ الْبَانِي (مُحْتَرَمٌ) لِأَنَّهُ وَضَعَهُ بِحَقٍّ.
قَالَ فِي
стр. 2654
شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": (فَلَوْ مَاتَ، وَانْتَقَلَ الْوَقْفُ لِغَيْرِهِ) فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَغَرْسٍ وَبِنَاءٍ مُسْتَأْجَرٍ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ [ (وَإِنْ كَانَ) الْغَارِسُ أَوْ الْبَانِي (شَرِيكًا) فِي الْوَقْفِ؛ بِأَنْ كَانَ عَلَى جَمَاعَةٍ، فَغَرَسَ] فِيهِ أَحَدُهُمْ، أَوْ بَنَى، فَغَرْسُهُ وَبِنَاؤُهُ لَهُ، غَيْرُ مُحْتَرَمٍ فَيُقْلَعُ (أَوْ) كَانَ (لَهُ النَّظَرُ فَقَطْ) دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ وَغَرَسَ أَوْ بَنَى فِي الْوَقْفِ فَغَرْسُهُ أَوْ بِنَاؤُهُ (غَيْرُ مُحْتَرَمٍ، فَيُقْلَعُ) وَلَيْسَ لَهُ إبْقَاؤُهُ بِغَيْرِ رِضَا أَهْلِ الْوَقْفِ (إنْ أَشْهَدَ، وَيَتَوَجَّهُ) إنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى [مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ أَوْ نَاظِرُ وَقْفٍ (أَنَّ لَهُ إنْ أَشْهَدَ) أَنَّهُ غَرَسَهُ أَوْ بَنَاهُ] لَهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُشْهِدْ أَنَّهُ لَهُ فَغَرْسُهُ وَبِنَاؤُهُ (لِلْوَقْفِ) تَبَعًا لِلْأَرْضِ.
(وَلَوْ غَرَسَهُ) النَّاظِرُ أَوْ بَنَاهُ (لِلْوَقْفِ أَوْ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ، فَهُوَ وَقْفٌ، وَيَتَوَجَّهُ فِي غَرْسِ أَجْنَبِيٍّ) وَمِثْلُهُ بِنَاؤُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيِّ غَيْرُ النَّاظِرِ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (أَنَّهُ لِلْوَقْفِ بِنِيَّتِهِ) انْتَهَى. وَالتَّوْجِيهَانِ لِصَاحِبِ " الْفُرُوعِ ".
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَدُ الْوَقْفِ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمُتَّصِلِ بِهِ، مَا لَمْ تَأْتِ حُجَّةٌ تَدْفَعُ مُوجِبَهَا كَمَعْرِفَةِ كَوْنِ الْغَارِسِ غَرَسَهَا لَهُ بِحُكْمِ إجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ غَصْبٍ، وَيَدُ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، فَلَيْسَ لَهُ دَعْوَى الْبِنَاءِ بِلَا حُجَّةٍ.
وَيَدُ أَهْلِ عَرْصَةٍ مُشْتَرَكَةٍ ثَابِتَةٍ عَلَى مَا فِيهَا بِحُكْمِ الِاشْتِرَاكِ، إلَّا مَعَ بَيِّنَةٍ بِاخْتِصَاصِهِ بِبِنَاءٍ وَنَحْوِهِ
(وَيُنْفِقُ) النَّاظِرُ (عَلَى) مَوْقُوفٍ (ذِي رُوحٍ) كَالرَّقِيقِ وَالْخَيْلِ (مِمَّا عَيَّنَ وَاقِفٌ) الْإِنْفَاقَ مِنْهُ رُجُوعًا إلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ (فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) الْوَاقِفُ مَحَلًّا لِلنَّفَقَةِ؛ فَنَفَقَتُهُ (مِنْ غَلَّتِهِ) لِأَنَّ الْوَقْفَ اقْتَضَى تَحْبِيسَ أَصْلِهِ وَتَسْبِيلَ مَنْفَعَتِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَتِهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) لَهُ غَلَّةٌ لِضَعْفِهِ وَنَحْوِهِ؛ فَنَفَقَتُهُ (عَلَى مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ مُعَيَّنٍ) لِأَنَّهُ مِلْكُهُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِعَجْزِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ وَنَحْوِهِمَا (بِيعَ) الْمَوْقُوفُ (وَصُرِفَ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ) لَكِنَّ غَيْرَ ذِي رُوحٍ (يَكُونُ وَقْفًا) لِمَحَلِّ الضَّرُورَةِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ إيجَارُهُ (فَإِنْ أَمْكَنَ إيجَارُهُ كَعَبْدٍ أَوْ فَرَسٍ، أُوجِرَ) مُدَّةً (بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ) لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْبَيْعِ بِذَلِكَ (وَنَفَقَةُ مَا) أَيْ: حَيَوَانٍ (عَلَى
стр. 2655
غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَفُقَرَاءَ وَمَسْجِدٍ، مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ هُنَا مِنْ الْمَصَالِحِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْأَخْذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (بِيعَ) الْمَوْقُوفُ، وَصُرِفَ ثَمَنُهُ فِي عَيْنٍ أُخْرَى (كَمَا تَقَدَّمَ) فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَتَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ.
وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ الْمَوْقُوفُ فَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَوْقُوفُ (عَقَارًا) وَاحْتَاجَ لِعِمَارَةٍ (لَمْ تَجِبْ عِمَارَتُهُ) عَلَى أَحَدٍ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ لَا (بِلَا شَرْطٍ) مِنْ وَاقِفِهِ (كَالطِّلْقِ) ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ وَغَيْرُهُ، مَعَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدُ فِي عِمَارَةِ الْوَقْفِ: تَجِبُ إبْقَاءً لِلْأَصْلِ لِيَحْصُلَ دَوَامُ الصَّدَقَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: تَحْتَ عِمَارَةِ الْوَقْفِ بِحَسَبِ الْبُطُونِ (فَإِنْ شَرَطَهَا) أَيْ: الْعِمَارَةَ وَاقِفٌ (عُمِلَ بِهِ) أَيْ: بِالشَّرْطِ عَلَى حَسَبِ مَا شَرَطَ؛ لِوُجُوبِ اتِّبَاعِ شَرْطِهِ، سَوَاءٌ شَرَطَ الْبَدَاءَةَ بِالْعِمَارَةِ أَوْ تَأْخِيرَهَا، فَيُعْمَلُ بِمَا شَرَطَ، لَكِنْ إنْ شَرَطَ تَقْدِيمَ الْجِهَةِ عُمِلَ بِهِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى التَّعْطِيلِ، فَإِذَا أَدَّى إلَيْهِ؛ قُدِّمَتْ الْعِمَارَةُ حِفْظًا لِأَصْلِ الْوَقْفِ، وَقَالَ: اشْتِرَاطُ الصَّرْفِ إلَى الْجِهَةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا، فِي مَعْنَى اشْتِرَاطِ تَقْدِيمِهِ عَلَى الْعِمَارَةِ، وَمَعَ الْإِطْلَاقِ تُقَدَّمُ عَلَى أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ (وَأَمَّا نَحْوُ مَسْجِدٍ وَمَدَارِسَ) وَزَوَايَا (فَتُقَدَّمُ عِمَارَةٌ عَلَى أَرْبَابِ وَظَائِفَ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ شَرَطَ الْبَدَاءَةَ بِالْعِمَارَةِ أَوْ بِالْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا، أَوْ لَمْ يَشْرُطْ شَيْئًا. قَالَ الْمُنَقِّحُ (مَا لَمْ يُفْضِ) تَقْدِيمُ الْعِمَارَةِ (إلَى تَعْطِيلِ مَصَالِحِهِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْعِمَارَةِ وَأَرْبَابِ الْوَظَائِفِ (حَسَبَ الْإِمْكَانِ) لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ الْوَقْفُ أَوْ مَصَالِحُهُ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِمَارَةِ وَأَرْبَابِ الْوَظَائِفِ فِيمَا إذَا اُحْتِيجَ إلَى (عِمَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ، كَحَائِطِ مَسْجِدٍ) وَمَدْرَسَةٍ (وَسَقْفِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ أَوْ الْمَدْرَسَةِ فَيُعَادُ ذَلِكَ (بِلَا تَزْوِيقٍ) بِنَقْشٍ وَصَبْغٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَمِثْلُهُ التَّجْصِيصُ. وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْمَسَاجِدِ وَزَخْرَفَتُهَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
стр. 2656
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا أُمِرْت بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَأَمَّا إعَادَةُ الْحَائِطِ بِهِ؛ أَيْ: التَّزْوِيقُ (أَوْ) إعَادَةُ (مِئْذَنَةٍ مُرْتَفِعَةٍ) انْهَدَمَتْ كُلُّهَا أَوْ غَالِبُهَا (فَلَا يَجُوزُ) إعَادَتُهَا (مِنْ مَالِ الْوَقْفِ) إذْ الْمَنَارَةُ غَيْرُ ضَرُورِيَّةٍ لِلْمَسْجِدِ، وَيُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهَا بِالْأَذَانِ عَلَى مَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ مِنْ سَطْحٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى التَّزْوِيقِ أَوْ إعَادَةِ الْمَنَارَةِ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ، أَوْ أَنْفَقَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ (بَيْتِ مَالِ) الْمُسْلِمِينَ؛ حَرُمَ عَلَيْهِ (وَيَضْمَنُ) بَدَلَ مَا أَنْفَقَهُ لِلْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ احْتَاجَ خَانٌ) مُسَبَّلٌ أَوْ احْتَاجَتْ (دَارٌ مَوْقُوفَةٌ) وُقِفَتْ (لِسُكْنَى نَحْوِ حَاجٍّ) كَعَابِرِي سَبِيلٍ (وَغُزَاةٍ إلَى مَرَمَّةٍ، أُوجِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْمَوْقُوفِ جُزْءٌ (بِقَدْرِ ذَلِكَ) أَيْ: بِقَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إلَى مَرَمَّتِهِ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُؤَجِّرُ مِنْهُ ذَلِكَ جَوَازًا؛ لِأَنَّ الْعِمَارَةَ لَا تَجِبُ إلَّا بِشَرْطٍ مِنْ الْوَاقِفِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنْ يُؤَجِّرَ جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ لِإِصْلَاحِ الْبَاقِي (إنْ تَعَذَّرَ) الْإِنْفَاقُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ (بَيْتِ الْمَالِ) فَإِنْ أَمْكَنَ الْإِنْفَاقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ امْتَنَعَ صِحَّةُ
стр. 2657
إيجَارِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَتَسْجِيلُ كِتَابِ الْوَقْفِ مِنْهُ) كَالْعَادَةِ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
تَتِمَّةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ عَمَّرَ وَقْفًا بِالْمَعْرُوفِ؛ فَلَهُ أَخْذٌ مِنْ غَلَّتِهِ، وَقَالَ أَيْضًا: وَلَوْ وَقَفَ مَسْجِدًا، أَوْ شَرَطَ إمَامًا وَسِتَّةَ قُرَّاءٍ وَقَيِّمًا وَمُؤَذِّنًا، وَعَجَزَ الْوَقْفُ عَنْ تَكْمِيلِ حَقِّ الْجَمِيعِ، وَلَمْ يَرْضَ الْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ وَالْقَيِّمُ إلَّا بِأَخْذِ جَامَكِيَّةٍ مِثْلِهِمْ؛ صُرِفَ لِلْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ جَامَكِيَّةٍ مِثْلُهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقُرَّاءِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ انْتَهَى.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ الْآنَ بِتَقْدِيمِ أَرْبَابِ الشَّعَائِرِ.
[فَصْلٌ مَنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ الْمَسَاكِينِ]
(فَصْلٌ: مَنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ) ثُمَّ الْمَسَاكِينِ، أَوْ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ الْمَسَاكِينِ، أَوْ وَقَفَ عَلَى (وَلَدِ غَيْرِهِ) أَوْ عَلَى أَوْلَادِ غَيْرِهِ (ثُمَّ) عَلَى (الْمَسَاكِينِ دَخَلَ مَوْجُودٌ) مِنْ أَوْلَادِهِ (إذَنْ) ؛ أَيْ: حَالَ الْوَقْفِ فَقَطْ. نُصَّ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ) دُخُولُ مَوْجُودٍ حَالَ الْوَقْفِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَوْجُودُ (حَمْلًا) وَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَلَدًا قَبْلَهُ، فَيَسْتَحِقُّ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ، كَمُشْتَرٍ. نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (لِأُنْثَى) مِنْ أَوْلَادِهِ وَخُنْثَى (كَذَكَرٍ) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، كَمَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ. وَيَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ لَهُمْ،
стр. 2658
وَإِطْلَاقُ التَّشْرِيكِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ؛ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمْ بِشَيْءٍ. وَكَوَلَدِ الْأُمِّ فِي الْمِيرَاثِ. وَلَا يَدْخُلُ فِيهِمْ الْمَنْفِيُّ بِلِعَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ كَوَلَدِ زِنًا؛ ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ صِيغَةِ الْوَلَدِ أَوْ الْأَوْلَادِ فِي اسْتِقْلَالِ الْمَوْجُودِ مِنْهُمْ فِي الْوَقْفِ، وَاحِدًا كَانَ أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ عِلْمَ الْوَاقِفِ بِوُجُودِ مَا دُونَ الْجَمْعِ دَلِيلُ إرَادَتِهِ مِنْ الصِّيغَةِ، وَ (لَا) يَدْخُلُ وَلَدٌ (حَادِثٌ) لِلْوَاقِفِ؛ بِأَنْ حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ بَعْدَ صُدُورِ الْوَقْفِ مِنْهُ. قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَالنَّظْمِ " وَقَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى ". (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ "؛ - فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ حَدَثَ لِلْوَاقِفِ وَلَدٌ بَعْدَ وَقْفِهِ؛ اسْتَحَقَّ كَالْمَوْجُودِينَ. وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ (مَا لَمْ يَقُلْ) الْوَاقِفُ: وَقَفْت كَذَا عَلَى وَلَدِي (وَمَنْ يُولَدُ لِي) فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ، دَخَلَ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْوَقْفِ، وَمَنْ يَحْدُثُ بَعْدَهُ، (وَ) دَخَلَ أَيْضًا فِي الْوَقْفِ عَلَى وَلَدِهِ، أَوْ أَوْلَادِهِ، أَوْ أَوْ وَلَدِ غَيْرِهِ، أَوْ أَوْلَادِهِ. (وَلَدُ) بَنِيهِ (الْمَوْجُودِينَ تَبَعًا) سَوَاءٌ (وُجِدُوا) - أَيْ: وَلَدُ الْبَنِينَ - (حَالَةَ وَقْفٍ أَوْ لَا كَوَصِيَّتِهِ) لِوَلَدِ فُلَانٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُهُ الْمَوْجُودُونَ حَالَ الْوَصِيَّةِ، وَأَوْلَادُ بَنِيهِ، وُجِدُوا حَالَ الْوَصِيَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، لَا مَنْ وُجِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، مَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ. (لَكِنْ لَا يَدْخُلُ وَلَدُ بَنَاتٍ) فِي الْوَقْفِ عَلَى الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُنْسَبُونَ إلَيْهِ، بَلْ إلَى آبَائِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] . قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي
стр. 2659
عَبْدِ اللَّهِ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ وَقَفَ ضَيْعَةً عَلَى وَلَدِهِ، فَمَاتَ الْأَوْلَادُ وَتَرَكُوا النِّسْوَةَ حَوَامِلَ؟ فَقَالَ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ بَنَاتٍ كُنَّ أَوْ بَنِينَ؛ فَالضَّيْعَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِمْ، وَمَا كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ؛ فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] . دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ وَإِنْ سَفَلُوا؛ وَلِمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] تَنَاوَلَ وَلَدَ الْبَنِينَ، فَالْمُطْلَقُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ إذَا خَلَا عَنْ قَرِينَةٍ؛ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُطْلَقِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُفَسَّرُ بِمَا يُفَسَّرُ بِهِ، وَلِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ وَلَدٌ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٧] وَ ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠] .
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا» وَقَالُوا: " نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بَنُو كِنَانَةَ "، وَالْقَبَائِلُ كُلُّهَا تُنْسَبُ إلَى جُدُودِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ - وَهُمْ قَبِيلَةٌ - دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُونُوا قَبِيلَةً؛ وَإِنَّمَا يُسَمَّى وَلَدُ الْوَلَدِ وَلَدًا مَجَازًا، وَلِهَذَا يَصِحُّ نَفْيُهُ، فَيُقَالُ: مَا هَذَا وَلَدِي، فَأَمَّا وَلَدُ الْبَنَاتِ فَلَا يَدْخُلُونَ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] قَالَ الشَّاعِرُ:
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ
(وَيَسْتَحِقُّونَهُ) ؛ أَيْ: يَسْتَحِقُّ أَوْلَادُ الْبَنِينَ الْوَقْفَ (مُرَتَّبًا) بَعْدَ آبَائِهِمْ.
(وَإِنْ سَفَلُوا) لَكِنْ يَحْجُبُ أَعْلَاهُمْ أَسْفَلَهُمْ (كَقَوْلِهِ) وَقَفْته عَلَى أَوْلَادِي (بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ أَوْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ أَوْ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ أَوْ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ أَوْ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، أَوْ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، أَوْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، مَا لَمْ يَكُونُوا قَبِيلَةً كَوَلَدِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، أَوْ يَأْتِي بِمَا يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ كَعَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ، فَلَا تَرْتِيبَ.
وَإِنْ قَالَ وَقَفْت (عَلَى وَلَدِي
стр. 2660
وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِي شَمِلَ) قَوْلُهُ (فَوْقَ ثَلَاثَةِ بُطُونٍ) لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتَنَاوَلُ أَوْلَادَ الِابْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ (خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ قَالَ وَقَفْت عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ [وَلَدِ وَلَدِي] دَخَلَ ثَلَاثَةُ بُطُونٍ، دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَ) إنْ قَالَ: وَقَفْتُ (عَلَى وَلَدِي ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِي ثُمَّ الْفُقَرَاءِ؛ شَمِلَ) قَوْلُهُ الْبَطْنَ الثَّالِثَ (وَ) شَمِلَ (مَنْ بَعْدَهُ) لِتَنَاوُلِ الْوَلَدِ أَوْلَادَ الِابْنِ، (خِلَافًا " لِلْمُبْدِعِ ") فَإِنَّهُ قَالَ مَسْأَلَةٌ إذَا قَالَ عَلَى وَلَدِي ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي ثُمَّ الْفُقَرَاءِ؛ لَمْ يَشْمَلْ الْبَطْنَ الثَّالِثَ وَمَنْ بَعْدَهُ فِي الْأَشْهَرِ، كَذَا قَالَ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ.
وَإِنْ قَالَ: وَقَفْتُ (عَلَى وَلَدِي لِصُلْبِي) لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُ وَلَدٍ (أَوْ) قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى (أَوْلَادِي الَّذِينَ يَلُونِي) اُخْتُصَّ بِهِمْ (وَلَمْ يَدْخُلْ وَلَدُ وَلَدٍ) مَعَهُمْ، وَإِنْ وَقَفَ (عَلَى عَقِبِهِ أَوْ) وَقَفَ عَلَى (نَسْلِهِ أَوْ) وَقَفَ عَلَى (وَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ) وَقَفَ عَلَى (ذُرِّيَّتِهِ؛ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ وَلَدُ بَنَاتِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ الْوَقْفِ) كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ (إلَّا بِقَرِينَةٍ) كَقَوْلِهِ (مَنْ مَاتَ) عَنْ وَلَدٍ (فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ أَوْ لِوَلَدِ الْأُنْثَى سَهْمٌ وَالذَّكَرِ سَهْمَانِ) أَوْ وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانَةَ، ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ.
وَأَصْلُ النَّسْلِ مِنْ النُّسَالَةِ هِيَ شَعْرُ الدَّابَّةِ إذَا سَقَطَ عَنْ جَسَدِهَا.
وَالذُّرِّيَّةُ مِنْ ذَرَأَ إذَا زَرَعَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
شَقَقْتُ الْأَرْضَ ثُمَّ ذَرَأْت فِيهِ
أَوْ مِنْ ذَرَّ إذَا طَلَعَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: ذَرَّ قَرْنُ الشَّهْرِ. (أَوْ قَالَ: فَإِذَا خَلَتْ الْأَرْضُ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَيَّ مِنْ قِبَلِ أَبٍ أَوْ أُمٍّ، أَوْ قَالَ عَلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ مِنْ أَوْلَادِي) ثُمَّ عَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَأَوْلَادِهِمْ (وَالْبَطْنُ الْأَوَّلُ بَنَاتٌ) وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ؛ فَيَدْخُلُونَ بِلَا خِلَافٍ. (أَوْ قَالَ الْهَاشِمِيُّ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ الْهَاشِمِيِّينَ فَتَزَوَّجْنَ) أَيْ: بَنَاتُهُ (بِهَاشِمِيٍّ) دَخَلَ أَوْلَادُهُنَّ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ، قَالَهُ الْمُوَفَّقُ. وَإِنْ تَزَوَّجْنَ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ؛ لَمْ يَدْخُلْ أَوْلَادُهُنَّ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ الْوَصْفِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الْوَاقِفُ.
стр. 2661
وَمَنْ وَقَفَ (عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ) أَوْ عَلَى أَوْلَادِهِ، أَوْ أَوْلَادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا أَوْ تَعَاقَبُوا الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، أَوْ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، أَوْ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، أَوْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ. أَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي (فَتَرْتِيبُ جُمْلَةٍ عَلَى) جُمْلَةٍ (مِثْلِهَا لَا يَسْتَحِقُّ الْبَطْنُ الثَّانِي شَيْئًا قَبْلَ انْقِرَاضِ) الْبَطْنِ (الْأَوَّلِ) لِأَنَّ الْوَقْفَ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ فَيُتْبَعُ فِيهِ مُقْتَضَى كَلَامِهِ، كَقَوْلِهِ: (بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَنَحْوِهِ) كَقَرْنٍ بَعْدَ قَرْنٍ (فَمَتَى بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ كَانَ الْكُلُّ لَهُ) ؛ أَيْ: لِمَنْ وُجِدَ مِنْ الْبَطْنِ الْأَعْلَى حَيْثُ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ أَوْلَادِهِ، أَوْ ذَكَرَ مَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ (وَعِنْدَ الشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ (الْمُرَتَّبُ بِثُمَّ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ، لَا) تَرْتِيبِ (الْبُطُونِ) فَعَلَيْهِ (يَسْتَحِقُّ الْوَلَدُ نَصِيبَ أَبِيهِ بَعْدَهُ، وَالْمَذْهَبُ مَا تَقَدَّمَ) .
(فَلَوْ قَالَ الْوَاقِفُ: وَمَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ) فَهُوَ دَلِيلُ تَرْتِيبٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ [لَوْ] اقْتَضَى التَّشْرِيكَ لَاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ، وَلَوْ جَعَلْنَا لِوَلَدِ الْوَلَدِ سَهْمًا مِثْلَ سَهْمِ أَبِيهِ، ثُمَّ دَفَعْنَا إلَيْهِ مِثْلَ سَهْمِ أَبِيهِ؛ صَارَ لَهُ سَهْمَانِ، وَلِغَيْرِهِ سَهْمٌ، وَهَذَا يُنَافِي التَّسْوِيَةَ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَفْضِيلِ وَلَدِ الِابْنِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مُرَادِ الْوَاقِفِ خِلَافُهُ، فَإِذَا ثَبَتَ التَّرْتِيبُ؛ فَإِنَّهُ تَرْتِيبٌ بَيْنَ كُلِّ وَالِدٍ وَوَلَدِهِ، فَإِذَا مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ مِمَّنْ لَهُ وَلَدٌ (اسْتَحَقَّ كُلُّ وَلَدٍ بَعْدَ أَبِيهِ نَصِيبَهُ الْأَصْلِيَّ وَالْعَائِدَ إلَيْهِ) سَوَاءٌ بَقِيَ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَاحِدٌ أَوْ لَمْ يَبْقَ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ.
فَلَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةً، وَمَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ؛ فَنَصِيبُهُ لِأَخَوَيْهِ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ وَلَدٍ كَانَ النِّصْفُ لِوَلَدِهِ، فَإِذَا مَاتَ الثَّانِي عَنْ وَلَدَيْنِ فَأَكْثَرَ؛ فَنَصِيبُهُ لَهُمْ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ إخْوَةٍ فَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ عَنْ وَلَدٍ؛ انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَيَمُوتُ الثَّانِي عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ؛ فَنَصِيبُهُ لِأَخِيهِ الثَّالِثِ، فَإِذَا مَاتَ الْأَخُ الثَّالِثُ عَنْ وَلَدٍ؛ اسْتَحَقَّ الْوَلَدُ جَمِيعَ مَا كَانَ فِي يَدِ أَبِيهِ مِنْ الثُّلُثِ الْأَصْلِيِّ، وَالثُّلُثِ الْعَائِدِ إلَيْهِ مِنْ أَخِيهِ؛ لِعُمُومِ؛ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ لِمَعْرِفَةٍ فَيَعُمُّ (وَكَذَا) إنْ زَادَ الْوَاقِفُ فِي شَرْطِهِ (عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ) ؛ أَيْ: قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الْوَقْفِ
стр. 2662
وَلَهُ وَلَدٌ (ثُمَّ مَاتَ الْوَالِدُ) عَنْ أَوْلَادِهِ لِصُلْبِهِ، وَعَنْ وَلَدِ وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ (فَلَهُ) أَيْ: وَلَدِ الِابْنِ مَعَ أَعْمَامِهِ (مَا لِأَبِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا) فَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ، فَإِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ مُسْتَحَقِّي الْوَقْفِ وَجُهِلَ شَرْطُ الْوَاقِفِ؛ صُرِفَ إلَى جَمِيعِ الْمُسْتَحَقِّينَ بِالسَّوِيَّةِ. ذَكَرَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ".
قَالَ فِي الْفُرُوعِ ": وَقَوْلُ الْوَاقِفِ مَنْ مَاتَ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ يَعُمُّ مَا اسْتَحَقَّهُ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مَعَ صِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ؛ اسْتَحَقَّهُ أَوَّلًا؛ تَكْثِيرًا لِلْفَائِدَةِ، وَلِصِدْقِ الْإِضَافَةِ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، يَعْنِي لَوْ مَاتَ إنْسَانٌ عَنْ وَلَدِ [وَلَدٍ] قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ أَبُوهُ فِي الْوَقْفِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ، أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ؛ فَلِوَلَدِ الْوَلَدِ نَصِيبُ جَدِّهِ [لِأَنَّ أَبَاهُ اسْتَحَقَّهُ أَنْ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، وَلِأَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ] لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ عِنْدَ الْعَامَّةِ الشَّارِطِينَ، وَيَقْصِدُونَهُ لِأَنَّهُ يَتِيمٌ لَمْ يَرِثْ هُوَ وَأَبُوهُ مِنْ الْجَدِّ، وَلِأَنَّ فِي صُورَةِ الِاجْتِمَاعِ يَنْتَقِلُ مَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ إلَى وَلَدِهِ، لَكِنْ هُنَا [هَلْ] يُعْتَبَرُ مَوْتُ الْوَالِدِ؟ يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا مَا اسْتَحَقَّهُ؛ فَمَفْهُومُهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَقَدْ تَنَاوَلَهُ الْوَقْفُ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ، قَالَ فَعَلَى قَوْلِ شَيْخِنَا أَيْ: الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ إنْ قَالَ: بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَنَحْوَهُ؛ فَتَرْتِيبُ جُمْلَةٍ مَعَ أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ، فَإِنْ زَادَ عَلَى أَنَّهُ إنْ تُوُفِّيَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ، وَلَهُ وَلَدٌ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ عَنْ أَوْلَادِهِ لِصُلْبِهِ وَعَنْ وَلَدٍ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ؛ فَلَهُ مَعَهُمْ مَا لِأَبِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ صِفَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ لِلْوَقْفِ ثَلَاثَةٌ: تَرْتِيبُ جُمْلَةٍ، وَتَرْتِيبُ أَفْرَادٍ، وَاشْتِرَاكٌ. فَتَرْتِيبُ الْجُمْلَةِ: عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ يَنْفَرِدُ بِالْوَقْفِ كُلِّهِ عَمَّنْ بَعْدَهُ مَا دَامَ مِنْهُ وَاحِدٌ، ثُمَّ إذَا انْقَرَضَ أَهْلُ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ كُلُّهُمْ؛ انْتَقَلَ إلَى الثَّانِي فَقَطْ، وَمَا دَامَ مِنْ الثَّانِي وَاحِدٌ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنْهُ شَيْءٌ لِلثَّالِثِ، وَهَكَذَا.
стр. 2663
وَتَرْتِيبُ أَفْرَادٍ: عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّخْصِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ لَا يُشَارِكُهُ وَلَدُهُ، وَلَا يَتَنَاوَلُ مِنْ الْوَقْفِ شَيْئًا مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا، فَإِذَا مَاتَ الْأَبُ؛ انْتَقَلَ مَا بِيَدِهِ إلَى وَلَدِهِ، فَاسْتِحْقَاقُهُ مَشْرُوطٌ بِمَوْتِ أَبِيهِ.
وَالِاشْتِرَاكُ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِحْقَاقِ جَمِيعِ الْمَوْجُودِينَ مِنْ الْبُطُونِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى شَيْءٍ، بَلْ هُمْ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَيُشَارِكُ الْوَلَدُ وَالِدَهُ وَكَذَا وَلَدُ الْوَلَدِ. ثُمَّ الصِّفَةُ الْأُولَى تَحْصُلُ بِصِيَغٍ: مِنْهَا أَنْ يَقُولَ: هَذَا وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِي أَوْ وَلَدِي، أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، أَوْ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، أَوْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، أَوْ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ.
وَتَحْصُلُ الثَّانِيَةُ بِقَوْلِهِ: مَنْ مَاتَ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ؛ فَلِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَتَحْصُلُ الثَّالِثَةُ بِالْوَاوِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ:
(وَ) إنْ أَتَى الْوَاقِفُ (بِالْوَاوِ) بِأَنْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ، كَانَ الْوَاوُ (لِلِاشْتِرَاكِ) لِأَنَّهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَيَشْتَرِكُونَ فِيهِ بِلَا تَفْضِيلٍ (فَيَسْتَحِقُّ الْأَوْلَادُ مَعَ آبَائِهِمْ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بِلَا قَرِينَةٍ.
وَإِنْ قَالَ الْوَاقِفُ: هَذَا وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ (عَلَى أَنْ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ) فَنَصِيبُهُ (لِوَلَدِهِ) (فَ) هُوَ (تَرْتِيبٌ بَيْنَ كُلِّ وَالِدٍ وَوَلَدِهِ) فَيَسْتَحِقُّ كُلُّ وَلَدٍ بَعْدَ أَبِيهِ نَصِيبَهُ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ.
وَلَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِي عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِأَهْلِ دَرَجَتِهِ؛ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَلَدٍ نَصِيبَ أَبِيهِ بَعْدَهُ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ، فَهَذَا دَالٌّ عَلَى إرَادَةِ تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ.
وَإِنْ مَاتَ وَلَدٌ فَنَصِيبُهُ لَهُ (وَ) إنْ قَالَ (عَلَى أَنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَالْوَقْفُ مُرَتَّبُ) بِثُمَّ أَوْ نَحْوِهَا فَمَاتَ أَحَدُهُمْ (فَهُوَ) أَيْ: نَصِيبُهُ (لِأَهْلِ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ) دُونَ بَقِيَّةِ الْبُطُونِ (مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ) الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِمْ وَدُونَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ فِي الْوَقْفِ؛ عَمَلًا بِسَوَابِقِ الْكَلَامِ، فَلَوْ كَانَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ ثَلَاثَةً، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ ابْنٍ، ثُمَّ مَاتَ الثَّانِي عَنْ ابْنَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ، وَتَرَك أَخَاهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَعَمَّهُ وَأَبْنَاءً لِعَمِّهِ الْحَيِّ؛ كَانَ نَصِيبُهُ
стр. 2664
لِأَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ، دُونَ عَمِّهِ الْحَيِّ وَابْنِهِ، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ بَنِيهِ الْأَرْبَعِ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ، فَمَاتَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ؛ كَانَ نَصِيبُهُ بَيْنَ أَخَوَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ دُونَ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ، أَشْبَهَ ابْنَ عَمِّهِمْ.
تَتِمَّةٌ: قَالَ السُّبْكِيُّ: إذَا وَقَفَ عَلَى شَخْصٍ ثُمَّ أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ، وَشَرَطَ أَنْ مَنْ مَاتَ مِنْ بَنَاتِهِ فَنَصِيبُهَا لِلْبَاقِينَ مِنْ إخْوَتِهَا، وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ وَلَهُ وَلَدٌ؛ اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْمُتَوَفَّى [لَوْ كَانَ حَيًّا فَمَاتَ الْمَوْقُوفُ] عَلَيْهِ وَخَلَفَ وَلَدَيْنِ وَوَلَدَ وَلَدٍ، مَاتَ أَبُوهُ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ، فَأَخَذَ الْوَلَدَانِ نَصِيبَهُمَا وَهُمَا ابْنٌ وَبِنْتٌ، وَأَخَذَ وَلَدُ الْوَلَدِ النَّصِيبَ الَّذِي لَوْ كَانَ وَالِدُهُ حَيًّا لَأَخَذَهُ، ثُمَّ مَاتَتْ الْبِنْتُ، فَهَلْ يَخْتَصُّ أَخُوهَا الْبَاقِي بِنَصِيبِهَا أَوْ يُشَارِكُهُ فِيهِ ابْنُ أَخِيهِ؟ قَالَ: تَعَارَضَ اللَّفْظَانِ الْمَذْكُورَانِ، وَنَظَرْنَا، فَرَجَّحْنَا أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْإِخْوَةِ وَعَلَى الْبَاقِينَ مِنْهُمْ كَالْخَاصِّ، وَقَوْلُهُ: مَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ كَالْعَامِّ، فَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِ؛ فَلِذَلِكَ تَرَجَّحَ عِنْدَنَا تَخْصِيصُ الْأَخِ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ مُحْتَمَلًا وَهُوَ مُشَارَكَةُ ابْنِ الْأَخِ انْتَهَى
(وَكَذَا) الْحُكْمُ (إنْ كَانَ) الْوَقْفُ (مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْبُطُونِ) وَشَرَطَ إنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ؛ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ، فَيَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَلَيْسَ لِلْأَعْلَى مَعَ أَهْلِ دَرَجَةِ الْمَيِّتِ شَيْءٌ مِنْ نَصِيبِهِ، وَإِنْ كَانُوا مُشَارِكِينَ لَهُمْ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ قَوْلِ الْوَاقِفِ: مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ دَلِيلًا عَلَى تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ إذَا كَانَ الْوَقْفُ غَيْرَ مُشْتَرَكٍ، بَلْ كَانَ مُرَتَّبًا تَرْتِيبَ جُمْلَةٍ عَلَى مِثْلِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِي أَوْ أَوْلَادِي أَوْ زَادَ: ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ، أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ إلَى آخِرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا نَصَّ عَلَى التَّشْرِيكِ أَوْ أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَالْوَاوِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ حِينَئِذٍ: مَنْ جَاءَتْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ غَيْرُ مُخْرِجٍ لَهُ إلَى تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ، بَلْ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَكَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَمَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ؛
стр. 2665
فَالظَّاهِرُ [أَنَّ] نَصِيبَهُ يَكُونُ لِأَهْلِ الْوَقْفِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، فَكَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الشَّرْطَ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَخُصَّهُمْ بِنَصِيبِهِ لَمْ يَكُنْ فِي اشْتِرَاطِ الْوَاقِفِ لِهَذَا الشَّرْطِ.
فَائِدَةٌ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ شَيْئًا يُفِيدُ (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي دَرَجَتِهِ) أَيْ: دَرَجَةِ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ (أَحَدٌ) مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ (فَكَمَا لَوْ لَمْ يُذْكَرْ الشَّرْطُ) [لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِيهِ (فَيَشْتَرِكُ الْجَمِيعُ) مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ (فِي مَسْأَلَةِ الِاشْتِرَاكِ) ] لِأَنَّ التَّشْرِيكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، وَتَخْصِيصُ بَعْضِ الْبُطُونِ يُفْضِي إلَى عَدَمِهَا (وَيَخْتَصُّ) الْبَطْنُ (الْأَعْلَى بِهِ) أَيْ: بِنَصِيبِ الْمُتَوَفَّى الَّذِي لَمْ يُوجَدْ فِي دَرَجَتِهِ أَحَدٌ (فِي مَسْأَلَةِ التَّرْتِيبِ) لِأَنَّ الْوَقْفَ مُرَتَّبٌ، فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي عَلَى أَنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ؛ فَكَذَلِكَ نَصِيبُهُ لِأَهْلِ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَرَجَتِهِ أَحَدٌ اخْتَصَّ بِهِ الْأَعْلَى؛ كَمَا لَوْ لَمْ يُذْكَرْ الشَّرْطُ، وَحَيْثُ كَانَ نَصِيبُ مَيِّتٍ لِأَهْلِ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ (فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إخْوَتُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (وَبَنُو عَمِّهِ وَبَنُو بَنِي عَمِّ أَبِيهِ وَنَحْوُهُمْ) كَبَنِي بَنِي عَمِّ أَبِي أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي دَرَجَتِهِ فِي الْقُرْبِ إلَى الْجَدِّ الَّذِي يَجْمَعُهُمْ، وَالْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، وَكَذَا إنَاثُهُمْ حَيْثُ لَا مُخَصِّصٌ لِلذُّكُورِ (إلَّا أَنْ يَقُولَ) الْوَاقِفُ (يُقَدَّمُ) مِنْهُمْ (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إلَى الْمُتَوَفَّى وَنَحْوُهُ) كَأَنْ يَقُولُ: يُقَدَّمُ وَلَدُ الظَّهْرِ، أَوْ يُقَدَّمُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ إخْوَتِهِ (فَيَخْتَصُّ) نَصِيبُ الْمَيِّتِ (بِالْأَقْرَبِ) فَلَوْ كَانَ لَهُ أَخٌ شَقِيقٌ وَأَخٌ لِأَبٍ؛ فَمُقْتَضَى مَا يَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ يُقَدَّمُ الشَّقِيقُ فِيمَا إذَا قَالَ: الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَبِالْأُخُوَّةِ إذَا قَالَ لِإِخْوَتِهِ عَمَلًا بِالشَّرْطِ (وَلَيْسَ مِنْ الدَّرَجَةِ مَنْ هُوَ أَعْلَى) مِنْ الْمَيِّتِ كَعَمِّهِ (أَوْ أَنْزَلُ) مِنْهُ كَابْنِ أَخِيهِ (وَالْحَادِثُ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْآيِلِ نَصِيبُهُ إلَيْهِمْ كَالْمَوْجُودِينَ حِينَهُ) ؛ أَيْ: الْمَوْتِ؛ لِوُجُودِ الْوَصْفِ فِيهِ، وَالشَّرْطُ مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِ (وَعَلَى هَذَا) الْقَوْلِ؛ أَيْ: مُشَارَكَةُ الْحَادِثِ لِلْمَوْجُودِينَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ،
следующие страницы →