Полный текст (4 464 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
فَرَّقَ أَصْحَابُنَا هُنَا بَيْنَ الْوِتْرِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ. انْتَهَى. وَأَكْثَرُ الْوَاصِفِينَ لِتَهَجُّدِهِ ﷺ اقْتَصَرُوا عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَذَلِكَ هُوَ الْوِتْرُ، وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَنَّ التَّهَجُّدَ بَعْدَ نَوْمٍ، وَعَلَيْهِ فَإِنْ نَامَ ثُمَّ أَوْتَرَ، فَتَهَجَّدَ وَوَتَرَ، وَإِنْ أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ فَوَتَرَ لَا تَهَجُّدَ.
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ (سِوَاكٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ) ، لِأَنَّهُ ﷺ «أَمَرَ بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ.
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ (أُضْحِيَّةٌ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا، وَلَوْ عَبَّرَ بِالتَّضْحِيَةِ لَكَانَ أَوْلَى، لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ اسْمٌ لِلشَّاةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُضَحَّى بِهِ.
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا (رَكْعَتَا فَجْرٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: الْوِتْرُ وَالنَّحْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا (تَخْيِيرُ نِسَائِهِ) ﵅ (بَيْنَ فِرَاقِهِ) طَلَبًا لِلدُّنْيَا (وَالْإِقَامَةِ مَعَهُ) طَلَبًا لِلْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] الْآيَتَيْنِ. وَلِئَلَّا يَكُونَ مُكْرِهًا لَهُنَّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَا آثَرَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ الْفَقْرِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ تَعَوَّذَ مِنْ الْفَقْرِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَعَوُّذٌ مِنْ فِتْنَةِ فِتْنَتِهِ كَمَا تَعَوَّذَ مِنْ الْغِنَى وَتَعَوَّذَ مِنْ فَقْرِ الْقَلْبِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» .
«وَخَيَّرَهُنَّ، وَبَدَأَ مِنْهُنَّ بِعَائِشَةَ، فَاخْتَرْنَ الْمُقَامَ» .
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا (إنْكَارُ مُنْكَرٍ رَآهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ) فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْخَوْفِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَهُ بِالْعِصْمَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَا إذَا كَانَ الْمُرْتَكِبُ يَزِيدُهُ الْإِنْكَارُ إغْرَاءً؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ إبَاحَتُهُ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأُمَّةِ. ذَكَرَهُ السَّمْعَانِيُّ فِي الْقَوَاطِعِ.
стр. 3117
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا (مُشَاوَرَةٌ فِي الْأَمْرِ مَعَ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ) ذَوِي الْأَحْلَامِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» وَالْحِكْمَةُ أَنْ يَسْتَنَّ بِهَا الْحُكَّامُ بَعْدَهُ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ غَنِيًّا عَنْهَا بِالْوَحْيِ.
(وَ) وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا (مُصَابَرَةُ عَدُوٍّ كَثِيرٍ) إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى الضِّعْفِ (لِلْوَعْدِ بِالنَّصْرِ) أَيْ: لِأَنَّهُ مَوْعُودٌ بِالْعِصْمَةِ وَالنَّصْرِ، بَلْ رَوَى الدَّمِيرِيِّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ أُمِرَ بِالْقِتَالِ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْمَحْظُورِ بِقَوْلِهِ: (وَمُنِعَ) ﷺ (مِنْ رَمْزٍ بِعَيْنٍ وَإِشَارَةٍ بِهَا) لِحَدِيثِ: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَهِيَ الْإِيمَاءُ إلَى مُبَاحٍ مِنْ نَحْوِ ضَرْبٍ وَقَتْلٍ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَسُمِّيَ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ، لِشَبَهِهِ بِالْخِيَانَةِ وَبِإِخْفَائِهِ، وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا فِي مَحْظُورٍ.
(وَ) مِنْ (نَزْعِ لَأْمَةِ حَرْبٍ) أَيْ: سِلَاحِهِ كَدِرْعِهِ إذَا (لَبِسَهَا قَبْلَ لِقَاءِ عَدُوٍّ) وَيُقَاتِلُهُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ لَمَّا أُشِيرَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْحَرْبِ بَعْدَ أَنْ لَبِسَ لَأْمَتَهُ: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَسَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ ثُمَّ يَنْزِعَهَا حَتَّى يُنْجِزَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ» . وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ اخْتِصَاصِ الْأَنْبِيَاءِ (وَ) مِنْ (إمْسَاكِ مَنْ كَرِهْت نِكَاحَهُ) كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ تَخْيِيرِ نِسَائِهِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِخَبَرِ الْعَائِذَةِ بِقَوْلِهَا: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِمَعَاذٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَ) مِنْ (شِعْرٍ وَخَطٍّ وَتَعَلُّمِهِمَا) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وَقَالَ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]
стр. 3118
الْآيَةَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» . وَنَحْوُهُ فَلَيْسَ بِشِعْرٍ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مَوْزُونٌ بِلَا قَصْدِ زِنَتِهِ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعَرُوضِ وَالْأَدَبِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ شِعْرًا إلَّا بِالْقَصْدِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجَزِ، أَشِعْرٌ هُوَ أَمْ لَا؟ وَكَانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ جَيِّدِ الشِّعْرِ وَرَدِيئِهِ.
(وَ) مِنْ (نِكَاحِ كِتَابِيَّةٍ) لِأَنَّهَا تَكْرَهُ صُحْبَتَهُ، وَلِأَنَّهُ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَضَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ كَافِرَةٍ. وَفِي الْخَبَرِ: «سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا أُزَوَّجَ إلَّا مَنْ كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ فَأَعْطَانِي» ) . رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ. (وَ) مِنْ نِكَاحِ (أَمَةٍ) وَلَوْ مُسْلِمَةً، لِأَنَّ نِكَاحَهَا مُعْتَبَرٌ بِخَوْفِ الْعَنَتِ، وَهُوَ مَعْصُومٌ، وَبِفِقْدَانِ مَهْرِ الْحُرَّةِ وَنِكَاحُهُ غِنًى عَنْ الْمَهْرِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، وَخَرَجَ بِالنِّكَاحِ التَّسَرِّي.
وَمِنْ أَخْذِ (صَدَقَةٍ) لِنَفْسِهِ وَلَوْ تَطَوُّعًا، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ، وَكَذَا لِكَفَّارَةٍ؛ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» ) . وَصِيَانَةً لِمَنْصِبِهِ الشَّرِيفِ؛ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ ذُلِّ الْآخِذِ وَعِزِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، وَأُبْدِلَ بِهَا الْفَيْءَ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ الْمُنْبِئِ عَنْ عِزِّ الْآخِذِ وَذُلِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ.
(وَ) مِنْ (زَكَاةٍ عَلَى أَقَارِبِهِ) وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ عَلَى قَوْلٍ فِي بَنِي الْمُطَّلِبِ، وَكَذَا مَوَالِيهِمْ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَيَكُونُ تَحْرِيمُهَا عَلَى هَؤُلَاءِ بِسَبَبِ انْتِسَابِهِمْ إلَيْهِ، عُدَّ مِنْ خَصَائِصِهِ، أَمَّا صَدَقَةُ النَّفْلِ فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ.
(وَ) مِنْ (أَنْ يُهْدِيَ لِيُعْطَى أَكْثَرَ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ» . لَا تُهْدِ لِتُعْطَى أَكْثَرَ، هَذَا
стр. 3119
الْأَدَبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، وَأَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى أُمَّتِهِ فِي ذَلِكَ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلَى قَوْلِهِ: ﴿اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الْآيَةَ، تَدُلُّ عَلَى (أَنَّ مَنْ لَمْ تُهَاجِرْ) مَعَهُ (لَمْ تَحِلَّ لَهُ: قَالَهُ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي قَرَابَاتِهِ فِي الْآيَةِ، لَا الْأَجْنَبِيَّاتِ، فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ نَسْخَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ.
(وَكَانَ) ﵊ (لَا يُصَلِّي) فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ (عَلَى مَدِينٍ) مَاتَ وَ (لَا وَفَاءَ لَهُ) كَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إذَا كَانَ (بِلَا ضَامِنٍ) وَيَأْذَنُ ﵊ لِأَصْحَابِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (ثُمَّ نُسِخَ) الْمَنْعُ (فَكَانَ) آخِرًا (يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَيُوفِي دَيْنَهُ مِنْ عِنْدِهِ) لِخَبَرِ " الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ» (وَلَا يُوَرَّثُ بَلْ تَرِكَتُهُ صَدَقَةٌ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِنَبِيِّنَا، بَلْ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُهُ، فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ. (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ أَنَّهُ (لَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِرْثِ. وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لَا يَرِثُ؛ وَلَا يَعْقِلُ بِالْإِجْمَاعِ) وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي " الْإِنْصَافِ ".
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْمُبَاحَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَأُبِيحَ لَهُ) ﷺ (التَّزَوُّجُ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ،) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] الْآيَةَ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُونُ الْجَوْرِ. وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " كَانَ لَهُ ﷺ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ ثُمَّ مُنِعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] انْتَهَى (ثُمَّ نُسِخَ تَحْرِيمُ الْمَنْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 3120
﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الْآيَةَ. (لِتَكُونَ الْمِنَّةُ لَهُ ﷺ ) بِتَرْكِ التَّزَوُّجِ عَلَيْهِنَّ، وَقِيلَ: نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] الْآيَةَ.
(وَ) لَهُ ﷺ (التَّزَوُّجُ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ) لِأَنَّ اعْتِبَارَ الشُّهُودِ لَأَمِنَ الْجُحُودِ، وَهُوَ مَأْمُونٌ مِنْهُ، وَالْمَرْأَةُ لَوْ جَحَدَتْ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا، وَاعْتِبَارُ الْوَلِيِّ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْكَفَاءَةِ، وَهُوَ فَوْقَ الْأَكْفَاءِ.
وَلَهُ التَّزَوُّجُ أَيْضًا بِلَا (مَهْرٍ) وَهُوَ بِمَعْنَى الْهِبَةِ، فَلَا يَجِبُ مَهْرٌ ابْتِدَاءً وَلَا انْتِهَاءً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ، الْآيَةَ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي زَمَنِ الْإِحْرَامِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» لَكِنَّ أَكْثَرَ الرَّوِيَّاتِ أَنَّهُ كَانَ حَلَالًا، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا. وَفِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ» . وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ: «تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْت السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَقَدْ رَدَّ بِهَذَا رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأُولَى.
وَلَهُ التَّزَوُّجُ (بِلَفْظِ هِبَةٍ) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ (وَيَحِلُّ لَهُ) نِكَاحُ الْمَرْأَةِ (بِتَزْوِيجِ اللَّهِ) تَعَالَى مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِعَقْدٍ (كَزَيْنَبِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وَإِذَا تَزَوَّجَ ﷺ بِلَفْظِ الْهِبَةِ لَا يَجِبُ مَهْرٌ بِالْعَقْدِ وَلَا بِالدُّخُولِ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
وَلَهُ أَنْ (يُرْدِفَ الْأَجْنَبِيَّةَ خَلْفَهُ) لِقِصَّةِ أَسْمَاءَ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ «امْرَأَةٍ مِنْ غِفَارٍ:
стр. 3121
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَتِهِ» . وَلَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا لِقِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ.
(وَ) لَهُ أَنْ (يُزَوِّجَهَا) أَيْ الْأَجْنَبِيَّةَ (لِمَنْ شَاءَ بِلَا إذْنِهَا وَإِذْنِ وَلِيِّهَا، وَأَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .
(وَإِنْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (خَلِيَّةً) مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ (وَرَغِبَ) ﷺ (فِيهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْإِجَابَةُ، وَحَرُمَ عَلَى غَيْرِهِ خِطْبَتُهَا) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ.
وَأُبِيحَ لَهُ ﷺ (وِصَالُ صَوْمٍ) لِخَبَرِ " الصَّحِيحَيْنِ ": «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ. فَقِيلَ: إنَّك تُوَاصِلُ، فَقَالَ: إنِّي لَسْت مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» ؛ أَيْ: أُعْطِيَ قُوَّةَ الطَّاعِمِ وَالشَّارِبِ.
(وَ) أُبِيحَ لَهُ (خُمُسُ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ) وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْوَقْعَةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] .
وَأُبِيحَ لَهُ (الصَّفِيُّ مِنْ الْمَغْنَمِ) وَهُوَ شَيْءٌ يَخْتَارُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، كَجَارِيَةٍ وَسَيْفٍ وَدِرْعٍ، وَمِنْهُ صَفِيَّةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂.
وَأُبِيحَ لَهُ (دُخُولُ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ) مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَأُبِيحَ لَهُ (الْقِتَالُ فِيهَا) أَيْ: فِي مَكَّةَ (سَاعَةً) مِنْ النَّهَارِ، وَكَانَتْ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الْعَصْرِ (وَ) لَهُ (أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْعَطْشَانِ) وَالطَّعَامِ مِنْ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
وَأُبِيحَ لَهُ (أَنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ إحْدَى الثَّلَاثِ) نَصًّا، يَعْنِي بِالثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ، الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ
стр. 3122
عَنْ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " وَابْنِ عَقِيلٍ: وَيُبَاحُ لَهُ مِلْكُ الْيَمِينِ مُسْلِمَةً كَانَتْ الْأَمَةُ أَوْ مُشْرِكَةً كِتَابِيَّةً، وَلَا يَسْتَشْكِلُ جَوَازُ التَّسَرِّي بِالْكِتَابِيَّةِ بِمَا عَلَّلُوا بِهِ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ مِنْ كَوْنِهَا تَكْرَهُ صُحْبَتَهُ، لِأَنَّ التَّسَرِّيَ لَا يَسْتَلْزِمُ الصُّحْبَةَ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ كَرَاهَتَهَا، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ بِالنِّكَاحِ أَصَالَةُ التَّوَالُدِ فَاحْتِيطَ لَهُ، وَيَلْزَمُ فِي النِّكَاحِ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ الْمُشْرِكَةُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ
ثُمَّ ذَكَرَ الْكَرَامَاتِ بِقَوْلِهِ (وَأُكْرِمَ) ﷺ " بِأَنْ جُعِلَ خَاتَمَ (الْأَنْبِيَاءِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (وَ) جُعِلَ (خَيْرَ الْخَلْقِ وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ) لِحَدِيثِ «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» ؛ أَيْ وَلَا فَخْرَ أَكْمَلُ مِنْ هَذَا الْفَخْرِ الَّذِي أُعْطِيتُهُ، أَوْ لَا أَقُولُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِافْتِخَارِ، بَلْ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ أَوْ لِلتَّبْلِيغِ، وَحَدِيثِ «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» . وَنَحْوِهِ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ تَفْضِيلٌ يُؤَدِّي إلَى التَّنْقِيصِ، وَنَوْعُ الْآدَمِيِّ أَفْضَلُ الْخَلْقِ.
(وَ) هُوَ (أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ» . (وَأَوَّلُ شَافِعٍ) وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَأَوَّلُ (قَارِعٍ) يَقْرَعُ (بَابَ الْجَنَّةِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ.
(وَ) هُوَ (أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَابِعًا» ) . وَحَدِيثِ الْبَزَّارِ: «يَأْتِي مَعِي مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ السَّيْلِ وَاللَّيْلِ» .
وَحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «مَا صُدِّقَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْت؛ إذْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ» ) ". (" وَأُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ") رَوَاهُ مُسْلِمٌ. أَيْ أَلْفَاظًا قَلِيلَةً تُفِيدُ مَعَانِيَ كَثِيرَةً.
(وَصُفُوفُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أَلَّا تُصَفُّونَ
стр. 3123
كَمَا تُصَفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا، يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» .
(وَأُمَّتُهُ أَفْضَلُ الْأُمَمِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى الْأُمَمِ (بِتَبْلِيغِ رُسُلِهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
(وَأَصْحَابُهُ خَيْرُ الْقُرُونِ) لِحَدِيثِ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَأُمَّتُهُ مَعْصُومَةٌ مِنْ اجْتِمَاعٍ عَلَى الضَّلَالَةِ) لِحَدِيثِ: «لَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ضَلَالَةٍ أَبَدًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعِيفٌ. لَكِنْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ لَهُ شَوَاهِدَ، (وَ) لِذَلِكَ كَانَ (إجْمَاعُهُمْ) أَيْ: إجْمَاعُ مُجْتَهِدِيهِمْ (حُجَّةً) وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةً.
(وَنَسَخَ شَرْعُهُ الشَّرَائِعَ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ أَمَرَ بِتَرْكِ شَرَائِعِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، (وَلَا يُنْسَخُ) شَرْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ (وَكِتَابُهُ مُعْجِزٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] الْآيَةَ. (وَمَحْفُوظٌ عَنْ التَّبْدِيلِ) وَالتَّحْرِيفِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ، وَقَدْ اشْتَمَلَ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَزِيَادَةً، وَجَمَعَ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُسِّرَ لِلْحِفْظِ، وَنَزَلَ مُنَجَّمًا، وَعَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ - أَيْ أَوْجُهٍ - مِنْ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ، وَبِكُلِّ لُغَةٍ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ، لَكِنَّ أَكْثَرَهُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَفِيهِ خَمْسُونَ لُغَةً ذَكَرَهَا الْوَاسِطِيُّ فِي الْإِرْشَادِ ".
(وَإِذَا ادَّعَى) عَلَى غَيْرِهِ (أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ) بِشَيْءٍ؛ (فَالْقَوْلُ) (قَوْلُهُ ﷺ ) (بِلَا يَمِينٍ) لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ، وَالصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ.
(وَكَانَ لَهُ الْقَضَاءُ بِعِلْمِهِ) لِأَنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ، فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ خَطَأٌ يُقَرُّ عَلَيْهِ.
стр. 3124
وَلَهُ ﷺ أَنْ يَقْضِيَ وَيُفْتِيَ (وَهُوَ غَضْبَانُ) ، (وَ) لَهُ أَنْ (يَحْكُمَ) لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ (وَيَشْهَدُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ) أَوْ لِوَلَدِهِ، لِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَشْهَدُ وَيَقْبَلُ وَيَحْكُمُ عَلَى عَدُوِّهِ وَبِإِبَاحَةِ الْحِمَى لِنَفْسِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي (إحْيَاءِ الْمَوَاتِ) ؛ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " (وُجُوبُ قَسْمٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ) وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ (كَغَيْرِهِ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَذَكَرَهُ فِي " الْمُجَرَّدِ " وَ " الْفُنُونِ " وَ " الْفُصُولِ " انْتَهَى؛ لِقَوْلِهِ: ﷺ «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» . رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَرُوِيَ مُرْسَلًا وَهُوَ أَصَحُّ (وَابْنُ الْجَوْزِيِّ قَالَ: الْقَسْمُ غَيْرُ وَاجِبٍ) عَلَيْهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَأُبِيحَ لَهُ تَرْكُ الْقَسْمِ، قَسْمِ الِابْتِدَاءِ وَقَسْمِ الِانْتِهَاءِ. قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ "
(وَجُعِلَ) ﷺ (أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .
(وَيَلْزَمُ كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يَقِيَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ) وَلَهُ طَلَبُ ذَلِكَ حَتَّى مِنْ الْمُحْتَاجِ، وَيَفْدِي بِمُهْجَتِهِ مُهْجَتَهُ ﷺ ؛ فَإِنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَصَدَهُ ظَالِمٌ فَعَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ دُونَهُ.
(وَ) يَلْزَمُ كُلَّ أَحَدٍ (أَنْ يُحِبَّهُ أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِهِ) - لِحَدِيثِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «لَنْ يُؤْمِنَ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَحَبَّةُ الْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ، لَا مَحَبَّةُ الشَّوْقِ النَّاشِئَةِ فِي الْغَالِبِ عَنْ الْعِشْقِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَشَوَّقُ لِمَحْبُوبِهِ وَوَلَدِهِ وَيَوْلَعُ بِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا الْإِجْلَالُ وَالتَّعْظِيمُ فَكُلُّ مُسْلِمٍ يُجِلُّهُ وَيُعَظِّمُهُ وُجُوبًا؛ وَيُقَدِّمُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ. أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ - (وَ) أَكْثَرُ مِنْ (مَالِهِ وَوَلَدِهِ) وَوَالِدِهِ
стр. 3125
(وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. زَادَ النَّسَائِيُّ: «وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
(وَحَرُمَ) عَلَى غَيْرِهِ (نِكَاحُ زَوْجَاتِهِ بَعْدَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] حَتَّى مَنْ فَارَقَهَا فِي الْحَيَاةِ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ "؛ وَأَمَّا تَحْرِيمُ سَرَارِيهِ ﷺ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا. وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ؛ وَجَزَمَ الطَّاوُسِيُّ وَالْبَارِزِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْهُمْ بِالتَّحْرِيمِ قِيَاسًا عَلَى زَوْجَاتِهِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ ": وَظَاهِرُ الْأَدِلَّةِ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَلَا أُمٍّ لِلْمُؤْمِنِينَ، لَكِنَّ الْمَنْعَ أَقْوَى مَنْعًا انْتَهَى.
(وَهُنَّ أَزْوَاجُهُ دُنْيَا وَأُخْرَى) لِلْخَبَرِ (وَ) جُعِلْنَ (أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالزَّوْجِيَّةُ بَاقِيَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ مَنْ مَاتَتْ عَنْهُ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ، وَ (فِي وُجُوبِ احْتِرَامِهِنَّ وَطَاعَتِهِنَّ وَتَحْرِيمِ عُقُوقِهِنَّ) دُونَ الْخَلْوَةِ وَالنَّظَرِ وَالْمُسَافَرَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا يَتَعَدَّى تَحْرِيمُ نِكَاحِهِنَّ إلَى قَرَابَتِهِنَّ؛ فَلَا تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ، وَلَا أُمَّهَاتُهُنَّ، وَلَا أَخَوَاتُهُنَّ وَنَحْوُهُنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إجْمَاعًا: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (وَجُعِلَ ثَوَابُهُنَّ وَعِقَابُهُنَّ ضِعْفَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] الْآيَتَيْنِ.
(وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُسْأَلْنَ شَيْئًا إلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] (وَيَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ غَيْرُهُنَّ) مِنْ النِّسَاءِ مُشَافَهَةً. وَأَفْضَلُهُنَّ خَدِيجَةُ وَعَائِشَةُ، وَمَا ثَبَتَ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ
стр. 3126
حِينَ قَالَتْ لَهُ: قَدْ رَزَقَك اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا: لَا وَاَللَّهِ مَا رَزَقَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا، آمَنَتْ بِي حِينَ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَأَعْطَتْنِي مَالَهَا حِينَ حَرَمَنِي النَّاسُ» . وَمَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ أَقْرَأَهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ جِبْرِيلَ، وَخَدِيجَةُ أَقْرَأَهَا جِبْرِيلُ مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ» ، يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ خَدِيجَةَ، وَخَبَرِ: «فَاطِمَةُ بُضْعَةٌ مِنِّي» وَقَوْلُهُ لَهَا: «أَمَّا تَرْضِينَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ. وَاحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ عَائِشَةَ بِمَا احْتَجَّتْ بِهِ مِنْ أَنَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الدَّرَجَةِ، وَفَاطِمَةُ مَعَ عَلِيٍّ فِيهَا، (وَأَوْلَادُ بَنَاتِهِ) ﷺ (يُنْسَبُونَ إلَيْهِ) لِحَدِيثِ «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ مُشِيرًا إلَى الْحَسَنِ» . رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى (دُونَ أَوْلَادِ بَنَاتِ غَيْرِهِ؛ لِحَدِيثِ) : «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ إلَّا جَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ، غَيْرِي، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ ذُرِّيَّتِي مِنْ صُلْبِ عَلِيٍّ» ذَكَرَهُ فِي " الْخَصَائِصِ الصُّغْرَى "
(وَالنَّجَسُ مِنَّا طَاهِرٌ مِنْهُ ﷺ وَمِنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ) ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَشْفَى بِبَوْلِهِ وَدَمِهِ، رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ: «أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ شَرِبَتْ بَوْلَهُ، فَقَالَ: إذَنْ لَا تَلِجُ النَّارُ بَطْنَك» . لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ: «أَنَّ غُلَامًا حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حِجَامَتِهِ شَرِبَ دَمَهُ، فَقَالَ: وَيْحَك مَا صَنَعْت بِالدَّمِ؟ قَالَ: غَيَّبْتُهُ فِي بَطْنِي. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ أَحْرَزْت نَفْسَك مِنْ النَّارِ» . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَانَ السِّرُّ فِي ذَلِكَ مَا صَنَعَهُ الْمَلَكَانِ مِنْ غَسْلِهِمَا جَوْفَهُ (وَهُوَ) ﷺ (طَاهِرٌ بَعْدَ مَوْتِهِ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ) وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ غَيْرَهُ أَيْضًا طَاهِرٌ
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ) ﷺ (فَيْءٌ) أَيْ: ظِلٌّ فِي شَمْسٍ وَلَا قَمَرٍ (لِأَنَّهُ نُورَانِيٌّ، وَالظِّلُّ نَوْعُ ظُلْمَةٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَجِهَاتِهِ نُورًا، وَخَتَمَ بِقَوْلِهِ: «وَاجْعَلْنِي نُورًا» (وَكَانَتْ الْأَرْضُ تَجْذِبُ أَتْفَالَهُ) لِلْأَخْبَارِ (وَسَاوَى الْأَنْبِيَاءَ فِي مُعْجِزَاتِهِمْ، وَانْفَرَدَ بِالْقُرْآنِ) فَآدَمُ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَمُحَمَّدٌ شَقَّ صَدْرَهُ وَمَلَأَهُ ذَلِكَ الْخُلُقَ النَّبَوِيَّ، وَأَعْطَى إدْرِيسَ عُلُوَّ الْمَكَانِ، وَمُحَمَّدًا الْمِعْرَاجَ وَلَمَّا نَجَّى إبْرَاهِيمَ مِنْ النَّارِ نَجَّى
стр. 3127
مُحَمَّدًا مِنْ نَارِ الْحَرْبِ، وَلَمَّا أَعْطَاهُ مَقَامَ الْخُلَّةِ أَعْطَى مُحَمَّدًا مَقَامَ الْمَحَبَّةِ؛ بَلْ جَمَعَهُ لَهُ مَعَ الْخُلَّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي يَعْلَى فِي الْمِعْرَاجِ. فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَتَّخِذُهُ خَلِيلًا وَحَبِيبًا، وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدٌ حَبِيبُ الرَّحْمَنِ، وَلَمَّا أَعْطَى مُوسَى قَلْبَ الْعَصَا حَيَّةً أَعْطَى مُحَمَّدًا حُنَيْنَ الْجِذْعِ الَّذِي هُوَ أَغْرَبُ، وَلَمَّا أَعْطَاهُ انْفِلَاقَ الْبَحْرِ أَعْطَى مُحَمَّدًا انْشِقَاقَ الْقَمَرِ الَّذِي هُوَ أَبْهَرُ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَلَمَّا أَعْطَاهُ تَفْجِيرَ الْمَاءِ مِنْ الْحَجَرِ، أَعْطَى مُحَمَّدًا نَبْعَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ، وَلَمَّا أَعْطَاهُ الْكَلَامَ أَعْطَى مُحَمَّدًا الدُّنُوَّ وَالرُّؤْيَةَ، وَأَعْطَى يُوسُفَ شَطْرَ الْحُسْنِ، وَأَعْطَى مُحَمَّدًا الْحُسْنَ كُلَّهُ، وَلَمَّا أَعْطَى دَاوُد تَلْيِينَ الْحَدِيدِ، أَعْطَى مُحَمَّدًا اخْضِرَارَ الْعُودِ الْيَابِسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَمَّا أَعْطَى سُلَيْمَانَ كَلَامَ الطَّيْرِ أَعْطَى مُحَمَّدًا أَنْ كَلَّمَ الْحَجَرَ وَالشَّجَرَ وَالزَّرْعَ وَالضَّبَّ، وَلَمَّا أَعْطَى عِيسَى إبْرَاءَ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْيَاءَ الْمَوْتَى، أَعْطَى مُحَمَّدًا رَدَّ الْعَيْنِ بَعْدَ سُقُوطِهَا، وَهَكَذَا.
(وَ) أُحِلَّتْ لَهُ (الْمَغَانِمُ) وَلَمْ تَحُلَّ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ؛ لِحَدِيثِ: «أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ مِنْ قَبْلِي» وَالْأَنْبِيَاءُ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْجِهَادِ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ غَنَائِمُ وَالْمَأْذُونُ لَهُ مَمْنُوعٌ مِنْهَا، فَتَأْتِي نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ فَتُحْرِقُهَا إلَّا الذُّرِّيَّةَ.
(وَجُعِلَتْ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا) أَيْ: مَحَلَّ سُجُودٍ، فَأَيَّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي مَكَان صَلَّى، وَلَمْ تَكُنْ الْأُمَمُ الْمُتَقَدِّمَةُ تُصَلِّي إلَّا فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ (وَ) جُعِلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ «تُرَابُهَا طَهُورًا» ) أَيْ: مُطَهِّرًا وَهُوَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَاءِ شَرْعًا رَوَى ذَلِكَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا.
«وَنُصِرَ بِالرُّعْبِ» ) أَيْ: بِسَبَبِ خَوْفِ الْعَدُوِّ مِنْهُ (مَسِيرَةَ شَهْرٍ) أَمَامَهُ وَشَهْرٍ خَلْفَهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ. رَوَى ذَلِكَ الشَّيْخَانِ، وَجُعِلَتْ الْغَايَةُ شَهْرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ.
стр. 3128
(وَبُعِثَ لِلنَّاسِ كَافَّةً) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] وَأَمَّا عُمُومُ رِسَالَةِ نُوحٍ بَعْدَ الطُّوفَانِ؛ فَلِانْحِصَارِ الْبَاقِينَ فِيمَا كَانُوا مَعَهُ، وَأُرْسِلَ إلَى الْجِنِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلٍ.
(وَأُعْطِيَ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ) وَهُوَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى؛ لِأَنَّ فِيهِ يَحْمَدُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، وَعَلَى مَا فِي " الْمَوَاهِبِ " وَ " الْخَصَائِصِ " وَغَيْرِهِمَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ: جُلُوسُهُ ﷺ عَلَى الْعَرْشِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: عَلَى الْكُرْسِيِّ.
(وَمُعْجِزَاتُهُ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) كَالْقُرْآنِ، وَانْقَطَعَتْ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ بِمَوْتِهِمْ؛ إذْ أَكْثَرُ مُعْجِزَاتِ بَنْيِ إسْرَائِيلَ كَانَتْ حِسِّيَّةً تُشَاهَدُ بِالْأَبْصَارِ؛ كَنَاقَةِ صَالِحٍ، وَعَصَا مُوسَى، فَانْقَرَضَتْ بِانْقِرَاضِ أَعْصَارِهِمْ، وَلَمْ يُشَاهِدْهَا إلَّا مَنْ حَضَرَهَا، وَمُعْجِزَةُ الْقُرْآنِ تُشَاهَدُ بِالْبَصِيرَةِ، فَتَسْتَمِرُّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَمُرُّ عَصْرٌ إلَّا وَيَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَكُونُ؛ إذْ مَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ يَعْلَمُهُ مَنْ جَاءَ بَعْدَ الْأَوَّلِ
(وَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ بِبَرَكَةٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَلَّتْ فِيهِ) أَيْ: الْمَاءِ (بِوَضْعِ أَصَابِعِهِ، فَجَعَلَ يَفُورُ؛ وَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) حِينَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وُقُوعُهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَنَفَذَ الْمَاءُ، فَجَعَلَ ﷺ يَدَهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، فَفَارَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أُصْبُعَيْهِ، فَشَرِبُوا، وَتَوَضَّئُوا وَهُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ (لَا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ نَفْسِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ، قَالَهُ فِي " الْهَدْيِ ") قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ، وَبِهِ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ "، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ جَابِرٍ: فَرَأَيْت الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. قَالَ فِي " الْمَوَاهِبِ ": وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَكِلَاهُمَا مُعْجِزَةٌ لَهُ ﷺ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ غَيْرِ مُلَابَسَةِ مَاءٍ وَلَا وَضْعِ إنَاءٍ، تَأَدُّبًا مَعَ
стр. 3129
اللَّهِ تَعَالَى؛ إذَا هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِابْتِدَاعِ الْمَعْدُومَاتِ وَإِيجَادِهَا مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ.
(وَيَجِبُ عَلَى مَنْ دَعَاهُ) النَّبِيُّ ﷺ (قَطْعُ صَلَاتِهِ وَإِجَابَتُهُ) : لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
(وَتَطَوُّعُهُ) ﷺ (قَاعِدًا) بِلَا عُذْرٍ (كَتَطَوُّعِهِ قَائِمًا فِي الْأَجْرِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد عَنْ «ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: مَالَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قُلْت: حُدِّثْت أَنَّك قُلْت: صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ» . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَحَمْلُهُ عَلَى الْعُذْرِ لَا يَصِحُّ؛ لِعَدَمِ الْفَرْقِ (وَقَالَ الْقَفَّالُ) تَطَوُّعُهُ بِالصَّلَاةِ قَاعِدًا (عَلَى النِّصْفِ) مِنْ أَجْرِ الْقَائِمِ (كَغَيْرِهِ) وَيَرُدُّهُ مَا سَبَقَ.
(وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ رَفْعُ صَوْتِهِ فَوْقَ صَوْتِهِ ﷺ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] (وَلَا أَنْ يُنَادِيَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] أَوْ أَيْ: وَلَا أَنْ يُنَادِيَهُ (بِاسْمِهِ كَيَا مُحَمَّدُ، بَلْ) يَقُولُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْكُنْيَةُ مِنْ الِاسْمِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنْ نِدَائِهِ بِكُنْيَتِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ قَائِلُهُ، أَوْ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ. (وَيُخَاطَبُ فِي الصَّلَاةِ) بِقَوْلِهِ: (السَّلَامُ عَلَيْك أَيَّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) وَتَبْطُلُ بِخِطَابِ مَخْلُوقٍ غَيْرِهِ، «وَخَاطَبَ ﷺ إبْلِيسَ بِقَوْلِهِ: أَلْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّهِ» وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَفِي " الْفُرُوعِ " قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَوْ مُؤَوَّلٌ انْتَهَى فَظَاهِرُهُ
стр. 3130
عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ
وَكَانَتْ الْهَدِيَّةُ حَلَالًا لَهُ (فَكَانَ إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ، أَهَدِيَّةٌ أَوْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ) ، قَالَهُ لِأَصْحَابِهِ: " كُلُوا " وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ وَأَكَلَ مَعَهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ فَلَا تَحِلُّ لَهُمْ هَدِيَّةُ رَعَايَاهُمْ) لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ
(وَمَنْ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآهُ حَقًّا؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِ) لِأَنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنْهُ، لَكِنْ لَا يَعْمَلُ الرَّائِي بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ لِعَدَمِ الضَّبْطِ، لَا لِلشَّكِّ فِي رُؤْيَتِهِ.
(وَكَانَ لَا يَتَثَاءَبُ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَاَللَّهُ عَصَمَهُ مِنْهُ (وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مِنْ آدَمَ إلَى مَنْ بَعْدَهُ) كَمَا عَلَّمَ آدَمَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ؛ (لِحَدِيثِ الدَّيْلَمِيِّ: «مُثِّلَتْ لِي الدُّنْيَا بِالْمَاءِ وَالطِّينِ، وَعُلِّمْت الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا؛ كَمَا عُلِّمَ آدَم الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا» ) وَعَرَضَ عَلَيْهِ أُمَّتَهُ بِأَسْرِهِمْ حَتَّى رَآهُمْ؛ لِحَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي الْبَارِحَةَ لَدَى هَذِهِ الْحُجْرَةِ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا، صُوِّرُوا لِي بِالْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى إنِّي لَأَعْرَفُ بِالْإِنْسَانِ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِصَاحِبِهِ» . وَعَرَضَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا هُوَ كَائِنٌ فِي أُمَّتِهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: «أَرَأَيْت مَا تَلْقَى أُمَّتِي بَعْدِي وَسَفْكَ بَعْضِهِمْ دِمَاءَ بَعْضٍ» .
(وَيَبْلُغُهُ سَلَامُ النَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِ) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» .
(وَالْكَذِبُ عَلَيْهِ) ﷺ (لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ كَبِيرَةٌ؛ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَعْنَاهُ، وَالْكَذِبُ عَلَى غَيْرِهِ صَغِيرَةٌ، إلَّا فِيمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ «وَمَنْ تَعَمَّدَهُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ فِي النَّارِ» )
стр. 3131
(وَتَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ) لِخَبَرِ " الصَّحِيحَيْنِ ": «إنَّ عَيْنَايَ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» . وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي خَبَرِ الْإِسْرَاءِ: «وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ، وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ» . وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ نَوْمُهُ فِي الْوَادِي عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ لِأَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ إنَّمَا يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ، وَهِيَ نَائِمَةٌ، أَوْ يُقَالُ: كَانَ لَهُ نُوَمَانِ أَحَدُهُمَا تَنَامُ عَيْنُهُ وَقَلْبُهُ، وَالثَّانِي عَيْنُهُ دُونَ قَلْبِهِ، وَكَانَ نَوْمُ الْوَادِي مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهِ: «وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» ، وَالْفِعْلُ كَالنَّكِرَةِ؛ فَيَعُمُّ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَلَا نَقْضَ بِنَوْمِهِ وَلَوْ كَانَ مَضْجَعًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّهُ ﷺ اضْطَجَعَ، وَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (وَ) كَانَ ﷺ (يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَ) مَا يَرَى مِنْ (أَمَامِهِ رُؤْيَةً بِالْعَيْنِ حَقِيقَةً نَصًّا) كَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِيهِ مُقَيَّدَةٌ بِحَالِ الصَّلَاةِ، فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ؛ لِقَوْلِهِ: «لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي هَذَا» .
قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ
(وَالدَّفْنُ فِي الْبُنْيَانِ مُخْتَصٌّ بِهِ لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا) وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا: «لَمْ يُقْبَرْ نَبِيٌّ إلَّا حَيْثُ قُبِضَ» . (وَاسْتُحِبَّتْ زِيَارَتُهُ لِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ) لِعُمُومِ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» . وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» . وَكَقَبْرِهِ الشَّرِيفِ وَفِي عُمُومِ الزِّيَارَةِ تَبَعًا لَهُ قَبْرُ صَاحِبَيْهِ ﵃، وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ مَنْ عَدَاهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتَقَدَّمَ. (وَخُصَّ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ) اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: كَانَ خَاصًّا بِهِ، وَكَذَا أَجَابَ الْقَاضِي؛ «لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَنْهَى عَنْهُمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْهَا: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ» . وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِمْ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ أَنَّهُ مِنْ قَضَاءِ الرَّاتِبَةِ إذَا فَاتَتْ، وَلَيْسَ بِخُصُوصِيَّةٍ حَيْثُ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَازِ قَضَاءِ الرَّاتِبَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ (وَقَدْ ذُكِرَ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ مُفَرَّقًا فِي مَوَاضِعِهِ) . وَخَصَائِصُهُ ﷺ -
стр. 3132
لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذُكِرَ، وَفِيهَا كُتُبٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى بَعْضِهَا.
تَتِمَّةٌ: قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إنْ كَانَ لِنَبِيٍّ مَالٌ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ. قِيلَ لِلْقَاضِي: الزَّكَاةُ طُهْرَةٌ وَالنَّبِيُّ مُطَهَّرٌ، فَقَالَ: بَاطِلٌ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، ثُمَّ بِالْأَنْبِيَاءِ ﵈؛ لِأَنَّهُمْ مُطَهَّرُونَ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ لَزِمَتْهُمْ الزَّكَاةُ
[بَابُ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَشُرُوطِهِ]
أَرْكَانُ الشَّيْءِ أَجْزَاءُ مَاهِيَّتِهِ، وَالْمَاهِيَّةُ لَا تُوجَدُ بِدُونِ جُزْئِهَا، فَكَذَا الشَّيْءُ لَا يَتِمُّ بِدُونِ رُكْنِهِ، وَالشَّرْطُ مَا يَنْتَفِي الْمَشْرُوطُ بِانْتِفَائِهِ، وَلَيْسَ جُزْءًا لِلْمَاهِيَّةِ. (أَرْكَانُهُ) أَيْ: النِّكَاحِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: (الزَّوْجَانِ) الْخَالِيَانِ مِنْ الْمَوَانِعِ الْآتِيَةِ فِي مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ، وَأَسْقَطَهُ فِي " الْمُقْنِعِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِمَا؛ لِوُضُوحِهِ (فَإِيجَابٌ) وَهُوَ الثَّانِي (فَقَبُولٌ) وَهُوَ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّ مَاهِيَّةَ النِّكَاحِ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، وَمُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهِمَا، وَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِهِمَا إلَّا (مُرَتَّبَيْنِ) الْإِيجَابُ أَوَّلًا، وَهُوَ اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنْ قِبَلِ الْوَلِيِّ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ وَالْقَبُولُ وَهُوَ اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ؛ فَإِذَا وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا؛ لِعَدَمِ مَعْنَاهُ.
(وَيَتَّجِهُ: أَنَّ تَرْتِيبَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ يَجِبُ إنْ تَعَدَّدَ الْعَاقِدُ) لَا مُطْلَقًا، أَيْ: سَوَاءٌ تَعَدَّدَ الْعَاقِدُ أَوْ لَا (لِإِجْزَاءِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: اللَّفْظَيْنِ (فِي) صُورَةِ (تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ) كَمَا يَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مُسْتَوْفًى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَشُرِطَ فِي إيجَابٍ) وَهُوَ اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنْ الْوَلِيِّ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ (لَفْظُ إنْكَاحٍ) أَوْ لَفْظُ (تَزْوِيجٍ) بِأَنْ يَقُولَ: أَنْكَحْتُك فُلَانَةَ، أَوْ زَوَّجْتُكهَا؛ إذْ الْإِيجَابُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ لَا غَيْرُ، هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا وَرَدَ بِهِمَا فِي قَوْله تَعَالَى:
стр. 3133
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] وَلَمْ يَرِدْ بِغَيْرِهِمَا، وَغَيْرُهُمَا لَيْسَ بِمَعْنَاهُمَا، فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا فِيهِمَا، وَإِذَا لَمْ يَرِدْ صَرِيحًا كَانَ كِنَايَةً، وَالنِّكَاحُ لَا يَحْتَمِلُ الْكِنَايَةَ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الشَّهَادَةَ، وَالْكِنَايَةُ إنَّمَا تَعْمَلُ بِالنِّيَّةِ، وَالنِّيَّةُ لَا اطِّلَاعَ لِلشَّاهِدِ عَلَيْهَا، فَلَا يُمْكِنُهُ الشَّهَادَةُ بِهِ، فَلَا يَصِحُّ لِذَلِكَ. (وَيَتَّجِهُ احْتِمَالُ أَنَّ) الْإِيجَابَ يَنْعَقِدُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، وَيَنْعَقِدُ أَيْضًا (بِمَا تَصَرَّفَ مِنْهُمَا) كَقَوْلِ وَلِيٍّ: جَعَلْت مُولِيَتِي مُزَوَّجَةً مِنْ فُلَانٍ، أَوْ زَوْجَةً لَهُ، أَوْ جَعَلْتهَا مَنْكُوحَةً؛ إذْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ اللَّفْظَيْنِ الَّذِينَ يَحْصُلُ بِهِمَا الْإِيجَابُ إجْمَاعًا؛ فَصَحَّ بِهَا كَمَا صَحَّ بِأَصْلِهَا، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ خَطِيبِ السَّلَامِيَّةِ فِي نُكَتِهِ عَلَى " الْمُحَرَّرِ " قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمِنْ خَطِّهِ نُقِلَتْ: الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ. قَالَ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقِيَاسُ مَذْهَبِهِ، وَعَلَيْهِ قُدُمًا أَصْحَابُهُ، فَإِنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك، وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ إنْكَاحٌ وَلَا تَزْوِيجٌ، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْ أَحْمَدَ أَحَدٌ أَنَّهُ خَصَّهُ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ فِيمَا عَلِمْت: أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ ابْنُ حَامِدٍ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، لِسَبَبِ انْتِشَارِ كُتُبِهِ، وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ. انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا إذَا صَحَّ الْإِيجَابُ بِغَيْرِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ فَلَأَنْ يَصِحَّ بِمَا اُشْتُقَّ مِنْهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَالْمَذْهَبُ مَا تَقَدَّمَ، أَوْ أَيْ: وَيَصِحُّ قَوْلُ سَيِّدٍ (لِمَنْ يَمْلِكُهَا) أَوْ (يَمْلِكُ بَعْضَهَا) وَبَعْضَهَا الْآخَرَ حُرٌّ إذَا أَذِنْت لَهُ هِيَ وَمُعْتِقُ الْبَقِيَّةِ (أَعْتَقْتُك وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَقَتَك وَنَحْوَهُ) مَا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى، وَيَأْتِي لِقِصَّةِ صَفِيَّةَ؛ إذْ الْعَادِلُ عَنْ هَذِهِ
стр. 3134
الصِّيَغِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ لَهَا عَادِلٌ عَنْ اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَعَ الْقُدْرَةِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً فَقَالَ: مُلِّكْتَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ: " زَوَّجْتُكَهَا " " وَزَوَّجْنَاكَهَا "، وَ " أَنْكَحْتُكَهَا " مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، أَوْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ وَرَّى بِالْمَعْنَى ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَوْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَبْقَى حُجَّةٌ.
(وَإِنْ فَتَحَ وَلِيٌّ تَاءَ زَوَّجْتُك صَحَّ) النِّكَاحُ (لِجَاهِلٍ) بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ؛ أَيْ: صَحَّ مِنْهُ، وَصَحَّ أَيْضًا (مِنْ عَاجِزَةٍ) عَنْ النُّطْقِ بِضَمِّ التَّاءِ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": يَصِحُّ جَهْلًا أَوْ عَجْزًا، وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ ". قِيلَ: وَمِنْ عَالِمٍ بِالْعَرَبِيَّةِ قَادِرٍ عَلَى النُّطْقِ بِضَمِّ التَّاءِ أَوْ لَا. أَفْتَى بِهِ الْمُوَفَّقُ، وَتَوَقَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَاصِحُ الْإِسْلَامِ ابْنُ أَبِي الْفَهْمِ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ الزَّوْجُ قَبِلْت بِفَتْحِ التَّاءِ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ نِكَاحًا بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ كَانَ) وَأَنَّ مِثْلَهُ كُلُّ عَقْدٍ، فَيَنْفُذُ الْبَيْعُ؛ بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ كَانَ، وَالْإِجَارَةُ بِمَا عَدَّهُ النَّاسُ إجَارَةً بِأَيِّ لُغَةٍ وَلَفْظٍ كَانَ؛ وَهَكَذَا. وَقَالَ أَيْضًا: إنَّ الشَّرْطَ بَيْنَ النَّاسِ مَا عَدُوُّهُ شَرْطًا. (وَيَصِحُّ) إيجَابٌ بِلَفْظِ زُوِّجَتْ بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ التَّاءِ لِحُصُولِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِهِ، لَا جَوَّزْتُك بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ، وَشَرْطٌ فِي قَبُولِ لَفْظِ قَبِلْت، أَوْ لَفْظِ رَضِيت، أَوْ لَفْظِ تَزَوَّجْت. وَسُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقُولَ إلَّا قَبِلْت تَجْوِيزَهَا بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ، فَأَجَابَ بِالصِّحَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: جَوْزَتِي طَالِقٌ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْت: يُكْتَفَى مِنْهُ بِقَوْلِهِ: قَبِلْت عَلَى مَا يَأْتِي، وَيَكُونُ هَذَا قَوْلُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَإِنْ قِيلَ) أَيْ: قَالَ الْخَاطِبُ (لِمُزَوِّجٍ: أَزَوَّجْت) مُوَلِّيَتَك (فَقَالَ) الْمُزَوِّجُ (نَعَمْ، وَ) قَالَ الْخَاطِبُ (لِمُتَزَوِّجٍ: أَقَبِلْت) النِّكَاحَ (فَقَالَ) الْمُتَزَوِّجُ (نَعَمْ؛ صَحَّ)
стр. 3135
النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: نَعَمْ زَوَّجْتُ، نَعَمْ قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ، لِأَنَّ السُّؤَالَ يَكُونُ مُضْمَرًا فِي الْجَوَابِ مَعَادًا فِيهِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] أَيْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، وَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ: أَلِفُلَانٍ عِنْدَك أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ؛ كَانَ إقْرَارًا صَرِيحًا لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَلَا يَرْجِعُ فِيهِ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَبِمِثْلِهِ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ، مَعَ أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ التَّزْوِيجُ.
(وَيَصِحَّانِ) أَيْ إيجَابُ النِّكَاحِ وَقَبُولُهُ (هَزْلًا وَتَلْجِئَةً) لِحَدِيثِ «ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جِدٌّ، وَجِدُّهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا، أَوْ طَلَّقَ لَاعِبًا، أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا جَازَ» . وَقَالَ عُمَرُ: أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إذَا تُكُلِّمَ بِهِنَّ: الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالنَّذْرُ. وَقَالَ عَلِيٌّ: أَرْبَعٌ لَا لَعِبَ فِيهِنَّ: الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالنَّذْرُ.
وَيَصِحَّانِ (بِمَا) أَيْ: لَفْظٍ (يُؤَدِّي مَعْنَاهُمَا) الْخَاصَّ (بِكُلِّ لِسَانٍ) أَيْ لُغَةٍ عَرَفَهَا (مِنْ عَاجِزٍ عَنْ) التَّلَفُّظِ بِلِسَانٍ (عَرَبِيٍّ) لِأَنَّ ذَلِكَ فِي لُغَتِهِ نَظِيرُ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنْ لَا يَصِحَّ بِلَفْظٍ لَا يُؤَدِّي مَعْنَى النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ مَنْ عَدَلَ عَنْ اللَّفْظِ الْخَاصِّ بِذَلِكَ اللِّسَانِ إلَى غَيْرِهِ مُشْبِهٌ لِمَنْ هُوَ عَرَبِيٌّ وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِهِمَا الْخَاصِّ.
(وَلَا) يَصِحُّ النِّكَاحُ مِنْ (قَادِرٍ) عَلَى النُّطْقِ بِإِشَارَةٍ وَلَا كِتَابَةٍ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا. (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَصَاحِبُ " الْفَائِقِ " " وَالتَّبْصِرَةِ "؛ فَإِنَّهُمْ اخْتَارُوا أَنْ يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي ذَلِكَ قَرِيبًا، وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ دُونَ الْآخَرِ، أَتَى الَّذِي يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ
стр. 3136
بِمَا هُوَ مِنْ قِبَلِهِ مِنْ إيجَابٍ أَوْ قَبُولٍ بِهَا؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَالْعَاقِدُ الْآخَرُ يَأْتِي بِمَا هُوَ مِنْ قِبَلِهِ بِلِسَانِهِ (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ كُلٌّ) مِنْ الْعَاقِدَيْنِ (لِسَانَ الْآخَرِ تَرْجَمَ بَيْنَهُمَا ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسَانَيْنِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ الْقَاضِي: وَلَمْ يُشْتَرَطْ تَعَدُّدُهُ أَيْ الثِّقَةِ الَّذِي يُتَرْجِمُ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ - وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّ التَّرْجَمَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ كَالشَّهَادَةِ - فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُمَا فَلَا بُدَّ فِي التَّرْجَمَةِ عِنْدَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ (وَشَرْطُ مَعْرِفَةٍ لِلِّسَانَيْنِ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ) ، الْمَعْقُودِ بِهِمَا لِيَتَمَكَّنَا مِنْ حَمْلِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى اللَّفْظِ الصَّادِرِ مِنْهُمَا، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفَاهُ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُمَا الشَّهَادَةُ بِهِ كَمَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ (إشَارَةِ أَخْرَسَ) مَفْهُومَةٍ يَفْهَمُهَا الْعَاقِدُ مَعَهُ وَالشَّاهِدَانِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ مَعْنَى لَا يُسْتَفَادُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ؛ فَصَحَّ بِإِشَارَتِهِ كَبَيْعِهِ وَطَلَاقِهِ: (وَلَا يَلْزَمُ عَاجِزًا) عَنْهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ " تَعَلُّمُ " أَرْكَانِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ، بِخِلَافِ تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصِدَ هُنَا الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ الْمُعْجِزِ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ.
وَلَا (يَصِحُّ) إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ " بِكِتَابَةٍ وَلَا إشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ إلَّا مِنْ أَخْرَسَ " فَيَصِحَّانِ مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ نَصًّا كَبَيْعِهِ وَطَلَاقِهِ؛ وَإِذَا صَحَّا مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ فَبِالْكِتَابَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ.
(وَصَحَّ تَرَاخِي قَبُولٍ) عَنْ إيجَابٍ (وَإِنْ طَالَ) الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) مِنْ الْمَجْلِسِ (أَوْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا) لِأَنَّ الْمَجْلِسَ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَبِدَلِيلِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ.
وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبُولِ وَبَعْدَ الْإِيجَابِ؛ بَطَلَ الْإِيجَابُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَكَذَا لَوْ تَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا، لِأَنَّ ذَلِكَ إعْرَاضٌ عَنْهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ رَدَّهُ.
تَنْبِيهٌ
وَإِنْ اخْتَلَفَ لَفْظُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُك بِنْتِي مَثَلًا، فَقَالَ الْمُتَزَوِّجُ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ قَالَ الْوَلِيُّ: أَنْكَحْتُك بِنْتِي: فَقَالَ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْتهَا وَنَحْوَهُ؛ صَحَّ الْعَقْدُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ وَإِنْ اخْتَلَفَ؛ فَالْمَعْنَى مُتَّحِدٌ.
стр. 3137
(وَمَنْ أَوْجَبَ) أَيْ: صَدَرَ مِنْهُ إيجَابُ عَقْدٍ، (وَلَوْ) كَانَ الْإِيجَابُ (فِي غَيْرِ نِكَاحٍ كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبُولٍ) لِمَا أَوْجَبَهُ (بَطَلَ) إيجَابُهُ بِذَلِكَ كَبُطْلَانِهِ، بِمَوْتِهِ أَيْ: مَوْتِ مَنْ أَوْجَبَ لَهُ، لِعَدَمِ لُزُومِ الْإِيجَابِ إذَنْ، أَشْبَهَ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ (بِفِسْقِهِ) أَيْ: الْوَلِيِّ الْمُوجِبِ لِلنِّكَاحِ، وَبِحُضُورِ وَلِيٍّ أَقْرَبَ مِنْهُ قَبْلَ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْوَلِيِّ إلَى أَنْ يَتِمَّ الْعَقْدُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا) يَبْطُلُ الْإِيجَابُ (إنْ نَامَ) مَنْ أَوْجَبَ عَقْدًا قَبْلَ قَبُولِهِ إنْ قُبِلَ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يُبْطِلُ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ، (وَ) كَانَ (لِنَبِيِّنَا) ﷺ (التَّزَوُّجُ بِلَفْظِ هِبَةٍ) دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلَا مَهْرٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الْآيَةَ.
[فَصْلٌ شُرُوطُ النِّكَاحِ]
(فَصْلٌ: وَشُرُوطُهُ) أَيْ: النِّكَاحِ (خَمْسَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ: (أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ) فِي الْعَقْدِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ؛ أَشْبَهَ تَعْيِينَ الْمَبِيعِ فِي الْبَيْعِ (فَلَا يَصِحُّ) النِّكَاحُ إنْ قَالَ الْوَلِيُّ (زَوَّجْتُك بِنْتِي وَلَهُ) بِنْتٌ (غَيْرُهَا حَتَّى يُمَيِّزَهَا) عَنْ غَيْرِهَا (بِاسْمٍ) يَخُصُّهَا كَفَاطِمَةَ مَثَلًا (أَوْ صِفَةٍ) لَا يُشَارِكُهَا فِيهَا غَيْرُهَا مِنْ أَخَوَاتِهَا؛ كَالْكُبْرَى أَوْ الطَّوِيلَةِ أَوْ الصُّغْرَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْبَيْضَاءِ أَوْ السَّمْرَاءِ (أَوْ) يُمَيِّزُهَا (بِإِشَارَةٍ) كَ زَوَّجْتُك بِنْتِي هَذِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ إلَّا بِنْتٌ وَاحِدَةٌ؛ (صَحَّ) الْعَقْدُ (وَلَوْ سَمَّاهَا) الْوَلِيُّ (بِغَيْرِ اسْمِهَا) لِأَنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ إنَّمَا جَاءَ مِنْ التَّعَدُّدِ، وَلَا تَعَدُّدَ هُنَا (وَكَذَا لَوْ أَشَارَ إلَيْهَا وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا) بِأَنْ قَالَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي فَاطِمَةَ هَذِهِ وَأَشَارَ إلَى خَدِيجَةَ؛ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ أَقْوَى (وَإِنَّ سَمَّاهَا) الْوَلِيُّ (بِاسْمِهَا) بِأَنْ قَالَ: زَوَّجْتُك فَاطِمَةَ (وَلَمْ يَقُلْ: بِنْتِي) لَمْ يَصِحَّ
стр. 3138
الْعَقْدُ؛ لِاشْتِرَاكِ هَذَا الِاسْمِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْفَوَاطِمِ. (أَوْ قَالَ مَنْ لَهُ) بِنْتَانِ (عَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ: زَوَّجْتُك بِنْتِي عَائِشَةَ فَقَبِلَ) الزَّوْجُ النِّكَاحَ (وَنَوَيَا) أَيْ: الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ (أَوْ) نَوَى (أَحَدُهُمَا) فِي الْبَاطِنِ (فَاطِمَةَ لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ (فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُذْكَرْ بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ؛ فَإِنَّ اسْمَ أُخْتِهَا لَا يُمَيِّزُهَا، بَلْ يَصْرِفُ الْعَقْدَ عَنْهَا، وَلِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَلَفَّظَا بِمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك عَائِشَةَ فَقَطْ، أَوْ مَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي، وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا لَمْ يُسَمِّهَا فَفِيمَا إذَا سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْلَى، وَكَذَا إنْ قَصَدَ الْوَلِيُّ وَاحِدَةً، وَالزَّوْجُ أُخْرَى (كَمَنْ سُمِّيَ لَهُ فِي الْعَقْدِ غَيْرُ مَخْطُوبَتِهِ فَقَبِلَ يَظُنُّهَا) أَيْ: غَيْرَ الْمَخْطُوبَةِ (إيَّاهَا) أَيْ: الْمَخْطُوبَةَ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ انْصَرَفَ إلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ الْإِيجَابُ فِيهَا (وَلَوْ رَضِيَ) الزَّوْجُ (بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ فَلَا يَنْقَلِبُ النِّكَاحُ صَحِيحًا، فَإِنْ قَبِلَ غَيْرَ ظَانٍّ أَنَّهَا الْمَخْطُوبَةُ؛ صَحَّ النِّكَاحُ (فَإِنْ كَانَ) الَّذِي سُمِّيَ لَهُ فِي الْعَقْدِ غَيْرُ مَخْطُوبَتِهِ، وَقَبِلَ يَظُنُّهَا إيَّاهَا (قَدْ أَصَابَهَا) أَيْ: وَطِئَهَا، وَهِيَ جَاهِلَةٌ بِالْحَالِ، أَيْ: بِأَنَّهَا سُمِّيَتْ لَهُ فِي الْعَقْدِ بَعْدَ أَنْ خَطَبَ غَيْرَهَا، أَوْ جَاهِلَةٌ (بِالتَّحْرِيمِ؛ فَلَهَا الصَّدَاقُ) أَيْ: مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ (يَرْجِعُ بِهِ) الْوَاطِئُ (عَلَى وَلِيِّهَا. قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَيَعْقِدُ عَلَى مَخْطُوبَتِهِ) الَّتِي خَطَبَهَا عَقْدًا جَدِيدًا، لِتَوَقُّفِ الْحِلِّ عَلَيْهِ، وَتُجَهَّزُ إلَيْهِ اسْتِحْبَابًا (إنْ شَاءَ) وَيَكُونُ الْعَقْدُ (بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ مَنْ أَصَابَهَا إنْ حَرُمَ الْجَمْعُ) بَيْنَهُمَا بِأَنْ كَانَتْ أُخْتَ الْمُصَابَةِ أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا وَنَحْوِهِ، لِمَا يَأْتِي فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُصَابَةُ وَلَدَتْ مِنْهُ؛ لَحِقَهُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ (وَمَعَ عِلْمِهَا) أَيْ: الْمُصَابَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَتُهُ، وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَهِيَ زَانِيَةٌ لَا صَدَاقَ لَهَا وَعَلَيْهَا الْحَدُّ؛ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ، وَجَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجَةِ يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الزَّوْجِ، وَلَمْ يُنَبِّهُوا عَلَيْهِ؛ لِوُضُوحِهِ. وَلَا يَصِحُّ: زَوَّجْتُك حَمْلَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ مَجْهُولٌ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ أُنْثَى، وَلَمْ يَثْبُتْ
стр. 3139
لَهُ حُكْمُ الْوُجُودِ، وَكَذَا: إنْ وَضَعَتْ زَوْجَتِي بِنْتًا، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: رِضَى زَوْجٍ مُكَلَّفٍ) أَيْ: بَالِغٍ عَاقِلٍ (رَشِيدٍ) (وَلَوْ) كَانَ الْمُكَلَّفُ (رَقِيقًا) نَصَّ عَلَيْهِ، فَلَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ إجْبَارَهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ خَالِصُ حَقِّهِ، وَنَفْعُهُ لَهُ؛ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ، وَالْأَمْرُ بِإِنْكَاحِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] مُخْتَصٌّ بِحَالِ طَلَبِهِ، بِدَلِيلِ عَطْفِهِ عَلَى الْأَيَامَى، وَإِنَّمَا يُزَوَّجْنَ عِنْدَ الطَّلَبِ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ تَزْوِيجُهُ إذَا طَلَبَ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَالسَّيِّدُ يَمْلِكُ مَنَافِعَ بُضْعِهَا وَالِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحُ الْإِجَارَةَ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِ بَدَنِهِ، وَسَيِّدُهُ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهَا، بِخِلَافِ النِّكَاحِ (وَرِضَى زَوْجَةٍ حُرَّةٍ عَاقِلَةٍ ثَيِّبٍ تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ) وَلَهَا إذْنٌ صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ، فَيُشْتَرَطُ مَعَ ثُيُوبَتِهَا، وَيُسَنُّ مَعَ بَكَارَتِهَا نَصًّا؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَوَجْهُ تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِبِنْتِ تِسْعٍ، مَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: وَمَعْنَاهُ، فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّهَا تَصْلُحُ بِذَلِكَ لِلنِّكَاحِ، وَتَحْتَاجُ إلَيْهِ؛ أَشْبَهَتْ الْبَالِغَةَ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَيُجْبِرُ أَبٌ لَا جَدٌّ ثَيِّبًا دُونَ ذَلِكَ) أَيْ: دُونَ تِسْعِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ لَهَا مُعْتَبَرٌ، (وَ) يُجْبِرُ أَبٌ (بِكْرًا أَوْ لَوْ) كَانَتْ (مُكَلَّفَةً) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَقَسَّمَ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ، وَأَثْبَتَ الْحَقَّ لِأَحَدِهِمَا، فَدَلَّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ الْآخَرِ، وَهِيَ الْبِكْرُ، فَيَكُونُ وَلِيُّهَا أَحَقَّ مِنْهَا بِهَا، وَدَلَّ الْحَدِيثُ
стр. 3140
عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْمَارَ هُنَا وَالِاسْتِئْذَانَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ.
(وَيُسَنُّ اسْتِئْذَانُهَا) أَيْ: الْبِكْرِ إذَا تَمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ؛ لِمَا سَبَقَ (مَعَ) اسْتِئْذَانِ (أُمِّهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَيُؤْخَذُ بِتَعْيِينِ بِنْتِ تِسْعٍ فَأَكْثَرَ، وَلَوْ) كَانَتْ (مُجْبَرَةً كُفْئًا، لَا بِتَعْيِينِ أَبٍ) أَوْ وَصِيِّهِ نَصًّا، فَإِنْ عَيَّنَتْ غَيْرَ كُفْءٍ، قُدِّمَ تَعْيِينُ الْأَبِ (فَإِنْ امْتَنَعَ) الْمُجْبِرُ مِنْ تَزْوِيجِهَا مَنْ عَيَّنَتْهُ بِنْتُ تِسْعٍ فَأَكْثَرَ؛ فَهُوَ عَاضِلٌ (سَقَطَتْ وِلَايَتُهُ) وَيَفْسُقُ بِهِ إنْ تَكَرَّرَ عَلَى مَا يَأْتِي، وَلَا يَجُوزُ لِسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ غَيْرِ الْأَبِ تَزْوِيجُ حُرَّةٍ بَالِغَةٍ ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ بِكْرًا، إلَّا بِإِذْنِهَا، لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
(وَ) يُجْبِرُ أَبٌ (مَجْنُونَةً وَلَوْ) كَانَتْ (بِلَا شَهْوَةٍ أَوْ) كَانَتْ (ثَيِّبًا أَوْ بَالِغَةً) لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِجْبَارِ انْتَفَتْ عَنْ الْعَاقِلَةِ بِخِبْرَةِ نَظَرِهَا لِنَفْسِهَا، بِخِلَافِ الْمَجْنُونَةِ. (وَيُزَوَّجُهَا) أَيْ: الْمَجْنُونَةَ (وَلِيُّهَا مَعَ شَهْوَتِهَا) مُجْبِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُجْبِرٍ؛ لِأَنَّ لَهَا حَاجَةً إلَى النِّكَاحِ؛ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنْهَا، وَصِيَانَتِهَا عَنْ الْفُجُورِ، وَتَحْصِيلِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالْعَفَافِ، وَصِيَانَةِ الْعِرْضِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إذْنِهَا، فَأُبِيحَ تَزْوِيجُهَا كَالْبِنْتِ مَعَ أَبِيهَا. (وَتُعْرَفُ) شَهْوَتُهَا (بِكَلَامِهَا وَ) قَرَائِنِ أَحْوَالِهَا (بِتَتَبُّعِهَا الرِّجَالَ وَمِيلِهَا إلَيْهِمْ) وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْفَى (وَكَذَا لَوْ قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ) - وَلَعَلَّ الْمُرَادَ ثِقَةٌ مِنْهُمْ إنْ تَعَذَّرَ غَيْرُهُ، وَإِلَّا فَاثْنَانِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ - (إنَّ: عِلَّتَهَا تَزُولُ بِتَزْوِيجِهَا) فَلِكُلِّ وَلِيٍّ تَزْوِيجُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهَا (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا) أَيْ: الْمَجْنُونَةِ ذَاتِ الشَّهْوَةِ، وَنَحْوِهَا (وَلِيٌّ إلَّا الْحَاكِمَ؛ زَوَّجَهَا) لِمَا سَبَقَ.
(وَيُجْبِرُ) أَبٌ (ابْنًا صَغِيرًا) أَيْ: غَيْرَ بَالِغٍ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ زَوَّجَ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَاخْتَصَمُوا إلَى زَيْدٍ فَأَجَازَهُ جَمِيعًا. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَلَهُ تَزْوِيجُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ لِحَاجَةٍ، وَالْكِفَايَةُ تَحْصُلُ بِذَلِكَ، لَا أَنْ تَكُونَ غَائِبَةً أَوْ صَغِيرَةً طِفْلَةً وَبِهِ حَاجَةٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ثَانِيَةً. قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
(وَ) يُجْبِرُ
стр. 3141
أَبٌ (بَالِغًا مَجْنُونًا) مُطْبَقًا وَمَعْتُوهًا (وَلَوْ كَانَ بِلَا شَهْوَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ؛ أَشْبَهَ الصَّغِيرَ، فَإِذَا جَازَ تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ فِي الْحَالِ، وَتَوَقُّعِ نَظَرِهِ فَعِنْدَ حَاجَتِهِ أَوْلَى، وَرُبَّمَا كَانَ النِّكَاحُ دَوَاءً لَهُ يُرْجَى بِهِ شِفَاؤُهُ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْإِيوَاءِ وَالْحِفْظِ، أَوْ أَيْ: وَلِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (بِفَوْقِ مَهْرِ الْمِثْلِ) كَتَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ لِمَصْلَحَةٍ (وَيُزَوِّجُهُمَا) أَيْ: الصَّغِيرَ وَالْبَالِغَ الْمَجْنُونَ (مَعَ عَدَمِ أَبٍ وَصِيُّهُ) أَيْ: الْأَبِ فِي النِّكَاحِ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَبِ (فَإِنْ عُدِمَ) وَصِيُّ الْأَبِ (وَثَمَّ حَاجَةٌ) إلَى نِكَاحِهِمَا (فَحَاكِمٌ) يُزَوِّجُهُمَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي مَصَالِحِهِمَا بَعْدَ الْأَبِ وَوَصِيِّهِ. تَتِمَّةٌ
: وَمَنْ يُخْنَقُ أَحْيَانًا لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ إنْ كَانَ بَالِغًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَزَوَّجَ لِنَفْسِهِ فَلَمْ تَثْبُتْ وِلَايَةُ تَزْوِيجِهِ لِغَيْرِهِ كَالْعَاقِلِ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِبِرْسَامٍ أَوْ مَرَضٍ مَرْجُوٍّ لِلزَّوَالِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَاقِلِ، فَإِنْ دَامَ بِهِ صَارَ كَالْمَجْنُونِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسَوَّدَةِ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُ ابْنِهِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا أَوْ يَكُونَ النِّكَاحُ أَصْلَحَ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ زَمِنًا أَوْ ضَعِيفًا يَحْتَاجُ إلَى امْرَأَةٍ تَخْدُمُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ؛ فَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ تَزْوِيجُهُ. وَلِلْأَبِ قَبُولُ النِّكَاحِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَوْ مُمَيِّزًا وَلِابْنِهِ الْمَجْنُونِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا الْمَعْتُوهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ مَعَ ظُهُورِ أَمَارَاتِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِهَا.
(وَيَصِحُّ قَبُولُ) صَبِيٍّ (مُمَيِّزٍ لِنِكَاحِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فِي مَالِهِ لِمَصْلَحَةٍ) نَصًّا، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ.
، وَلَا يَصِحُّ قَبُولُ طِفْلٍ دُونَ التَّمْيِيزِ لِنِكَاحِهِ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا، لِأَنَّ قَوْلَهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
(وَلِكُلِّ وَلِيٍّ) مِنْ أَبٍ وَوَصِيِّهِ وَبَقِيَّةِ الْعَصَبَاتِ (وَحَاكِمٍ تَزْوِيجُ بِنْتِ تِسْعٍ فَأَكْثَرَ بِإِذْنِهَا) نَصًّا، (وَهُوَ) أَيْ: اسْتِئْذَانُهَا (مُعْتَبَرٌ) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ لَمْ تُكْرَهْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْيَتِيمَةَ تُزَوَّجُ بِإِذْنِهَا، وَأَنَّ لَهَا إذْنًا صَحِيحًا، وَقَدْ انْتَفَى ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ تَبْلُغْ تِسْعًا بِالِاتِّفَاقِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْ تِسْعًا. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ
стр. 3142
أَنَّهَا قَالَتْ: إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَمَعْنَاهُ: فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّهَا تَصْلُحُ بِذَلِكَ لِلنِّكَاحِ، وَتَحْتَاجُ إلَيْهِ؛ أَشْبَهَتْ الْبَالِغَةَ.
وَ (لَا) يُزَوِّجُ غَيْرُ أَبٍ وَوَصِيِّهِ (مَنْ) أَيْ: صَغِيرَةً (دُونَ تِسْعِ) سِنِينَ (بِحَالٍ) مِنْ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ لَهَا، وَغَيْرُ الْأَبِ وَوَصِيِّهِ لَا إجْبَارَ لَهُ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ ابْنَةَ أَخِيهِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّهَا يَتِيمَةٌ، وَلَا تُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِهَا» وَالصَّغِيرَةُ لَا إذْنَ لَهَا بِحَالٍ (وَلَا لِلْحَاكِمِ: تَزْوِيجُهَا) أَيْ: بِنْتٍ دُونَ تِسْعِ سِنِينَ كَغَيْرِهِ، خِلَافًا لِمَا فِي " الْفُرُوعِ " فَإِنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجَ الصَّغِيرَةِ، وَإِنْ مَنَعْنَا غَيْرَهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَلَا أَعْلَمُ لَهُ مُوَافِقًا عَلَى ذَلِكَ، بَلْ صَرَّحَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " " وَالرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهِمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ (غَيْرَ وَصِيِّ أَبٍ) ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ فِي إجْبَارِهَا.
(وَإِذْنُ ثَيِّبٍ بِوَطْءِ آدَمِيٍّ) لَا غَيْرُ (فِي قُبُلٍ وَلَوْ) كَانَ وَطْؤُهَا (بِزِنًا) لِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى لِلثَّيِّبِ دَخَلَتْ فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ وَصَّى لِلْأَبْكَارِ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِنَّ (أَوْ مَعَ عَوْدِ بَكَارَةٍ) بَعْدَ وَطْئِهَا بِآلَةِ الرِّجَالِ (الْكَلَامَ) لِحَدِيثِ: «الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ رِضَاهَا صَمْتُهَا» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي اقْتَضَتْ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبِكْرِ مُبَاضَعَةُ الرِّجَالِ وَمُخَالَطَتُهُمْ، وَهَذَا مَوْجُودٌ مَعَ عَوْدِ الْبَكَارَةِ.
(وَ) إذْنُ (بِكْرٍ وَلَوْ وُطِئَتْ فِي دُبُرٍ أَوْ زَوَّجَهَا غَيْرُ أَبٍ، الصُّمَاتُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ لَمْ تُكْرَهْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: «قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الْبِنْتَ تَسْتَحِي، قَالَ: رِضَاهَا صُمَاتُهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ) كَانَ إذْنًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ، فَإِذَا بَكَتْ أَوْ سَكَتَتْ؛ فَهُوَ رِضَاهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» ؛ وَلِأَنَّهَا غَيْرُ نَاطِقَةٍ بِالِامْتِنَاعِ مَعَ سَمَاعِ الِاسْتِئْذَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ إذْنًا مِنْهَا كَالصُّمَاتِ، وَالْبُكَاءُ يَدُلُّ عَلَى
стр. 3143
فَرْطِ الْحَيَاءِ، لَا الْكَرَاهَةِ، وَلَوْ كَرِهَتْ لَامْتَنَعَتْ، فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِي مِنْ الِامْتِنَاعِ (وَنُطْقُهَا) أَيْ: الْبِكْرِ بِالْإِذْنِ (أَبْلَغُ) مِنْ سُكُوتِهَا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْإِذْنِ، وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِالصُّمَاتِ مِنْ الْبِكْرِ؛ لِلِاسْتِحْيَاءِ.
(وَشُرِطَ فِي اسْتِئْذَانٍ - وَيَتَّجِهُ) إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ (مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهَا) كَكَوْنِهَا ثَيِّبًا جَاوَزَ سِنُّهَا تِسْعًا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَبِ وَوَصِيِّهِ، أَوْ كَوْنُهَا بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا جَاوَزَتْ التِّسْعَ بِالنِّسْبَةِ لِبَاقِي الْأَوْلِيَاءِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ - (تَسْمِيَةُ زَوْجٍ) نَائِبُ فَاعِلِ شُرِطَ (عَلَى وَجْهٍ تَقَعُ بِهِ) أَيْ: بِالزَّوْجِ (الْمَعْرِفَةُ) مِنْ الْمَرْأَةِ، بِأَنْ يَذْكُرَ لَهَا نَسَبَهُ وَمَنْصِبَهُ وَنَحْوَهُ مِمَّا يَتَّصِفُ بِهِ لِتَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي إذْنِهَا فِي تَزْوِيجِهِ بِهَا. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي اسْتِئْذَانٍ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ رُكْنًا فِي النِّكَاحِ، وَلَا مَقْصُودًا مِنْهُ.
(وَمَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِغَيْرِ وَطْءٍ) كَأُصْبُعٍ، أَوْ وَثْبَةٍ أَوْ شِدَّةِ حَيْضَةٍ أَوْ سُقُوطٍ مِنْ شَاهِقٍ (فَكَبِكْرٍ) فِي الْإِذْنِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَخْتَرْ الْمَقْصُودَ، وَلَا وُجِدَ وَطْؤُهَا فِي الْقُبُلِ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ تَزُلْ عُذْرَتُهَا.
(وَيُجْبِرُ سَيِّدٌ عَبْدًا صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا) وَلَوْ بَالِغًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا مَلَكَ تَزْوِيجَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، فَعَبْدُهُ الَّذِي كَذَلِكَ مَعَ مِلْكِهِ وَتَمَامِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ أَوْلَى، بِخِلَافِ عَبْدِهِ الْكَبِيرِ الْعَاقِلِ، وَتَقَدَّمَ، (وَ) يُجْبِرُ سَيِّدٌ (أَمَةً مُطْلَقًا) كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً، بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، قِنًّا أَوْ مُدَبَّرَةً، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ، وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَتِهَا؛ أَشْبَهَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْعَبْدَ، وَلِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ مَهْرِهَا وَوَلَدِهَا، وَتَسْقُطُ عَنْهُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا؛ بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا مُبَاحَةً أَوْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ كَأُخْتِهِ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا لَهُ، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِعَارِضٍ.
وَلَا يُجْبِرُ سَيِّدٌ (مُكَاتَبًا أَوْ مُكَاتَبَةً) وَلَوْ صَغِيرَيْنِ، لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجَيْنِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمَا، وَلَا يَمْلِكُ إجَارَتَهُمَا وَلَا أَخْذَ مَهْرِ الْمُكَاتَبَةِ
(وَيُعْتَبَرُ فِي) إنْكَاحِ (مُعْتِقِ بَعْضُهَا
стр. 3144
إذْنُهَا) لِمَا فِيهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ، (وَ) يُعْتَبَرُ (إذْنُ مُعْتِقِهَا الذَّكَرِ وَإِذْنِ مَالِكِ الْبَقِيَّةِ) الَّتِي لَمْ تُعْتَقْ (كَالشَّرِيكَيْنِ) فِي أَمَةٍ فَيُعْتَبَرُ فِي نِكَاحِهَا إذْنُهُمَا (وَيَقُولُ كُلٌّ) مِنْ مَعْتُوقٍ وَمَالِكِ الْبَقِيَّةِ، أَوْ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْمُشْتَرَكَةِ (حَيْثُ لَا تَوْكِيلَ) مِنْ وَاحِدٍ لِلْآخَرِ (زَوَّجْتُكهَا؛ فَلَا يَصِحُّ) أَنْ يَقُولَ: (زَوَّجْتُك بَعْضَهَا) لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَقْبَلُ التَّشْقِيصَ وَالتَّجَزُّؤَ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ زَمَنِ الْإِيجَابِ مِنْهُمَا، أَوْ يَجُوزُ تَرَتُّبُهُمَا، فِيهِ نَظَرٌ، قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ تَرَتُّبُهُمَا فِيهِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا، وَفِي اعْتِبَارِ اتِّحَادِهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ) مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ (الْوَلِيُّ) نَصًّا (إلَّا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وَالْأَصْلُ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ. قَالَهُ المروذي؛ وَقَالَ: سَأَلْت أَحْمَدَ وَيَحْيَى عَنْ حَدِيثِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، فَقَالَا: صَحِيحٌ، وَهُوَ لِنَفْيِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا اللُّغَوِيَّةِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا؛ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنَاكِحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ؛ أَيْ: لَا نِكَاحَ شَرْعِيٌ أَوْ مَوْجُودٌ فِي الشَّرْعِ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَالنَّهْيُ عَنْ الْعَضْلِ عَمَّ الْأَوْلِيَاءَ، وَنَهْيُهُمْ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِهِمْ؛ إذْ الْعَضَلُ لُغَةً: الْمَنْعُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعَضْلِ الْحِسِّيِّ وَالشَّرْعِيِّ، «ثُمَّ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ حِينَ امْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِ أُخْتِهِ،
стр. 3145
فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَزَوَّجَهَا» وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِمَعْقِلٍ وِلَايَةٌ، وَأَنَّ الْحُكْمَ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ لَمَّا عُوتِبَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْإِضَافَةُ إلَيْهِنَّ، فَلِأَنَّهُنَّ مَحَلٌّ لَهُ (فَلَا يَصِحُّ) مِنْ امْرَأَةٍ (إنْكَاحُهَا لِنَفْسِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ غَيْرِهَا) كَأَمَتِهَا وَبِنْتِهَا وَأُخْتِهَا وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ إنْكَاحُهَا لِنَفْسِهَا فَغَيْرُهَا أَوْلَى.
تَتِمَّةٌ
لَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا أَوْ غَيْرَهَا، أَوْ وَكَّلَتْ غَيْرَ وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهَا فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ؛ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ، وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مَأْمُونَةٍ عَلَى الْبُضْعِ؛ لِنَقْصِ عَقْلِهَا وَسُرْعَةِ انْخِدَاعِهَا؛ فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيضُهُ إلَيْهَا كَالْمُبَذِّرِ فِي الْمَالِ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ تُوَكِّلَ فِيهِ، وَلَا أَنْ تَتَوَكَّلَ فِيهِ. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، فَإِنْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ حَاكِمٌ، أَوْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِعَقْدِهِ حَاكِمًا يَرَاهُ، لَمْ يُنْقَضْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا حَكَمَ بِهَا مَنْ يَرَاهَا لَمْ يُنْقَضْ؛ لِأَنَّهُ يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ؛ فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ بِهَا. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَيُزَوِّجُ أَمَةً) لِأُنْثَى (مَحْجُورٍ عَلَيْهَا) لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ (وَلِيُّهَا فِي مَالِهَا) لِمَصْلَحَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ مَالٌ، وَالتَّزْوِيجَ تَصَرُّفٌ فِيهِ؛ وَكَذَا أَمَةُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، (وَ) يُزَوِّجُ (أَمَةَ) امْرَأَةٍ (رَشِيدَةٍ مَنْ يُزَوِّجُ سَيِّدَتَهَا) ، أَيْ: وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا فِي النِّكَاحِ؛ لِامْتِنَاعِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ فِي حَقِّهَا لِأُنُوثَتِهَا، فَتَثْبُتُ لِأَوْلِيَائِهَا كَوِلَايَةِ نَفْسِهَا، وَلِأَنَّهُمْ يَلُونَهَا لَوْ عَتَقَتْ، فَفِي حَالِ رَقِّهَا أَوْلَى (بِشَرْطِ إذْنِ السَّيِّدِ نُطْقًا، وَلَوْ) كَانَتْ سَيِّدَتُهَا (بِكْرًا) فَلَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا بِالْإِذْنِ؛ لِأَنَّ صُمَاتَهَا إنَّمَا اُكْتُفِيَ بِهِ فِي تَزْوِيجِ نَفْسِهَا لِحَيَائِهَا، وَلَا تَسْتَحِي فِي تَزْوِيجِ أَمَتِهَا.
(وَلَا إذْنَ لِمَوْلَاةِ مُعْتَقَةٍ) فِي تَزْوِيجِهَا لِمِلْكِهَا نَفْسَهَا بِالْعِتْقِ، وَلَيْسَتْ الْمُعْتِقَةُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ (وَيُزَوِّجُهَا) أَيْ: الْعَتِيقَةَ (بِإِذْنِهَا أَقْرَبُ عَصَبَتُهَا) أَيْ: الْعَتِيقَةِ نَسَبًا؛ كَأَبِيهَا، وَابْنِهَا وَأَخِيهَا وَنَحْوِهِمْ؛ لِأَنَّ عَصَبَةَ النَّسَبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى عَصَبَةِ الْوَلَاءِ، فَإِنْ عُدِمَ عَصَبَتُهَا مِنْ النَّسَبِ، فَيُزَوِّجُهَا بِإِذْنِهَا أَقْرَبُ وَلِيٍّ لِسَيِّدَتِهَا الْمُعْتِقَةِ لَهَا؛ لِأَنَّ أَوْلِيَاءَ سَيِّدَتِهَا عَصَبَاتٌ يَرِثُونَ وَيَعْقِلُونَ،
стр. 3146
فَكَذَلِكَ يُزَوِّجُونَ؛ وَإِذَا اجْتَمَعَ ابْنُ مُعْتِقَةِ وَأَبُوهَا (فَابْنٌ أَحَقُّ) بِتَزْوِيجِ عَتِيقَةِ أُمِّهِ (مِنْ أَبِ الْمُعْتِقَةِ) ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْمَوْلَاةِ أَقْرَبُ مِنْ أَبِيهَا؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ بِمُقْتَضَى وَلَاءِ الْعِتْقِ، وَالْوَلَاءُ يُقَدَّمُ فِيهِ الِابْنُ عَلَى الْأَبِ.
تَنْبِيهٌ وَيُعْتَبَرُ فِي أَحَقِّيَّةِ ابْنِ الْمُعْتِقَةِ الْوِلَايَةَ مِنْ أَبِيهَا شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: عَدَمُ الْعَصَبَةِ مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ أَقْرَبُ مِنْ الْمُعْتِقِ وَأَوْلَى مِنْهُ. الثَّانِي: إذْنُ الْمُزَوَّجَةِ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إجْبَارٍ. فَإِنَّهُ أَبْعَدُ الْعَصَبَاتِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ مَوْلَاتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهَا وَلَا مِلْكَ؛ فَأَشْبَهَتْ الْقَرِيبَ الطِّفْلَ إذَا زَوَّجَ الْبَعِيدَ، (وَ) قِيلَ: إنَّهُ (يُجْبِرُ الْعَتِيقَةَ) أَيْ: عَتِيقَةَ الْمَرْأَةِ (مَنْ يُجْبِرُ مَوْلَاتَهَا) عَلَى النِّكَاحِ، فَلَوْ كَانَتْ الْعَتِيقَةُ بِكْرًا وَلِمَوْلَاتِهَا أَبٌ أَجْبَرَهَا كَمَوْلَاتِهَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. وَقَالَ عَنْ عَدَمِ الْإِجْبَارِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَقْطُوعُ بِهِ عِنْدَ صَاحِبِ " الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الْكَبِيرَةِ، يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْعَتِيقَةُ كَبِيرَةً فَلَا إجْبَارَ، بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ يَتِمَّ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَى التَّمْثِيلِ بِهَا فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ".
(وَالْأَحَقُّ بِإِنْكَاحِ حُرَّةٍ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (أَبُوهَا) لِأَنَّ الْوَلَدَ مَوْهُوبٌ لِأَبِيهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠] وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] وَقَالَ ﵊: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَإِثْبَاتُ وِلَايَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى الْهِبَةِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَلِأَنَّ الْأَبَ أَكْمَلُ شَفَقَةً وَأَتَمَّ نَظَرًا، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا مِنْ مَالِهِ وَلَهُ مِنْ مَالِهَا (فَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا) لِأَنَّ الْجَدَّ لَهُ إيلَادٌ وَتَعْصِيبٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ وَابْنِهِ كَالْأَبِ، فَإِنْ اجْتَمَعَ أَجْدَادٌ فَأَوْلَاهُمْ أَقْرَبُهُمْ كَالْجَدِّ مَعَ الْأَبِ (فَابْنُهَا) أَيْ: الْحُرَّةِ (فَابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ) وَإِنْ اجْتَمَعَ أَبْنَاءُ الْأَبْنَاءِ؛ قُدِّمَ الْأَقْرَبُ؛ لِحَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَ إلَيْهَا، فَقَالَتْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدًا،
стр. 3147
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِك شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: قُمْ يَا عُمَرُ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجَهُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، حِينَ زَوَّجَ النَّبِيَّ ﷺ أُمَّهُ أُمَّ سَلَمَةَ، أَلَيْسَ كَانَ صَغِيرًا؟ قَالَ: وَمَنْ يَقُولُ كَانَ صَغِيرًا؟ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ مِنْ عَصَبَتِهَا، فَثَبَتَتْ لَهُ وِلَايَةُ تَزْوِيجِهَا كَأَخِيهَا (فَالْأَخُ لِأَبَوَيْنِ) كَالْمِيرَاثِ، (فَ) الْأَخُ (لِأَبٍ) لِأَنَّ وِلَايَةَ النِّكَاحِ حَقٌّ يُسْتَفَادُ بِالتَّعْصِيبِ، فَقُدِّمَ فِيهِ الْأَخُ كَالْمِيرَاثِ، وَكَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ (فَابْنُ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ) (فَ) ابْنُ أَخٍ (لِأَبٍ، وَإِنْ سَفَلَا) أَيْ: ابْنُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ، وَيُقَدَّمُ مِنْهُمْ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ (فَعَمٌّ لِأَبَوَيْنِ فَعَمٌّ لِأَبٍ، ثُمَّ بَنُوهُمَا) أَيْ: الْعَمَّيْنِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ (كَذَلِكَ) أَيْ: وَإِنْ سَفَلُوا يُقَدَّمُ ابْنُ الْعَمِّ لِأَبَوَيْنِ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ لِأَبٍ (ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَةِ نَسَبٍ) كَعَمِّ الْأَبِ، ثُمَّ بَنِيهِ، ثُمَّ عَمِّ الْجَدِّ، ثُمَّ بَنِيهِ كَذَلِكَ، وَإِنْ عَلَوْا (كَإِرْثٍ) أَيْ: تَرْتِيبِ الْوِلَايَةِ بَعْدَ الْإِخْوَةِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ بِالتَّعْصِيبِ، فَأَحَقُّهُمْ بِالْمِيرَاثِ أَحَقُّهُمْ بِالْوِلَايَةِ، فَلَا يَلِي بَنُو أَبٍ أَعْلَى مَعَ بَنِي أَبٍ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، وَأَوْلَى وَلَدُ كُلِّ أَبٍ أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْوِلَايَةِ عَلَى الشَّفَقَةِ وَالنَّظَرِ، وَمَظِنَّتُهَا الْقَرَابَةُ، فَأَقْرَبُهُمْ أَشْفَقُهُمْ، وَلَا وِلَايَةَ لِغَيْرِ الْعَصَبَاتِ كَالْأَخِ لِأُمٍّ وَعَمٍّ لِأُمٍّ وَبَنِيهِ، وَالْخَالِ وَأَبِي الْأُمِّ وَنَحْوِهِمْ نَصًّا، لِقَوْلِ عَلِيٍّ: إذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحَقَائِقِ فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى، يَعْنِي إذَا أَدْرَكْنَ. رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْغَرِيبِ " وَلِأَنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ عَصَبَتِهَا شَبِيهٌ بِالْأَجْنَبِيِّ مِنْهَا. (وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ) وَلِيٍّ (أَقْرَبَ بِإِسْقَاطِهِ لَهُ) كَمَا لَوْ أَسْقَطَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا عَلَيْهِ، وَكَذَا الْوِلَايَةُ فِي النِّكَاحِ؛ فَإِنَّهَا حَقٌّ اسْتَفَادَهُ بِسَبَبِ التَّعْصِيبِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِسْقَاطِهِ (ثُمَّ) يَلِي نِكَاحَ حُرَّةٍ عِنْدَ عَدَمِ عَصَبَتِهَا مِنْ النَّسَبِ (الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ) بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُهَا وَيَعْقِلُ عَنْهَا، فَكَانَ لَهُ تَزْوِيجُهَا وَقَدَّمُوا عَلَيْهِ عَصَبَةَ النَّسَبِ كَمَا قُدِّمُوا عَلَيْهِ فِي الْإِرْثِ (ثُمَّ عَصَبَتُهُ) ؛ أَيْ: الْمَوْلَى،
стр. 3148
الْمُعْتِقِ بَعْدَهُ (فَالْأَقْرَبُ) كَالْمِيرَاثِ، ثُمَّ مَوْلَى الْمَوْلَى، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ كَذَلِكَ ثُمَّ مَوْلَى الْمَوْلَى ثُمَّ عَصَبَاتُهُ كَذَلِكَ أَبَدًا (وَهُوَ هُنَا الِابْنُ وَإِنْ نَزَلَ) فَيُقَدَّمُ عَلَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ وَأَقْوَى فِي التَّعْصِيبِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْأَبُ النَّسِيبُ؛ لِزِيَادَةِ شَفَقَتِهِ وَفَضِيلَةِ وِلَادَتِهِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي أَبِي الْمُعْتِقِ، فَرَجَعَ فِيهِ إلَى الْأَصْلِ، وَإِذَا كَانَ (ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ فَكَأَخٍ لِأَبَوَيْنِ) وَأَخٍ لِأَبٍ، أَيْ: فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ مِنْ أُمٍّ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي وَطَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ (ثُمَّ) عِنْدَ عَدَمِ عَصَبَةِ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ يَلِي نِكَاحَ حُرَّةٍ (السُّلْطَانُ) لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا (وَهُوَ الْإِمَامُ) الْأَعْظَمُ (أَوْ نَائِبُهُ) الْحَاكِمُ أَوْ مَنْ فَوَّضْنَا إلَيْهِ الْأَنْكِحَةَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْأَمِيرَ لَا يُزَوِّجُ، وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: الْقَاضِي يَقْضِي فِي الْفُرُوجِ وَالْحُدُودِ وَالرَّجْمِ، وَصَاحِبِ الشُّرَطِ إنَّمَا هُوَ مُسَلَّطٌ فِي الْأَدَبِ وَالْجِنَايَةِ، لَيْسَ إلَيْهِ الْمَوَارِيثُ وَالْوَصَايَا وَالْفُرُوجُ وَالرَّجْمُ وَالْحُدُودُ، وَهُوَ إلَى الْقَاضِي أَوْ إلَى الْخَلِيفَةِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ المروذي - فِي الرُّسْتَاقِ يَكُونُ فِيهِ الْوَالِي، وَلَيْسَ فِيهِ قَاضٍ يُزَوِّجُ إذَا احْتَاطَ لَهَا فِي الْمَهْرِ وَالْكُفْءِ -: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَظْهَرُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ (وَلَوْ) كَانَ الْإِمَامُ أَوْ الْحَاكِمُ (مِنْ بُغَاةٍ إذَا اسْتَوْلَوْا عَلَى بَلَدٍ) لِأَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ سُلْطَانِهِمْ وَقَاضِيهِمْ مَجْرَى حُكْمِ الْإِمَامِ وَقَاضِيهِ.
وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ خُلُوَّهَا مِنْ الْمَوَانِعِ وَأَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا، زُوِّجَتْ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ ".
فَائِدَةٌ وَمَنْ حَكَّمَهُ الزَّوْجَانِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ صَالِحٌ لِلْحُكْمِ؛ فَهُوَ كَحَاكِمٍ مُوَلًّى مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَلَا وِلَايَةَ لِمَنْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى يَدَيْهِ، وَلَا لِمُلْتَقِطٍ؛ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ وَلَا وَلَاءَ؛ لِحَدِيثِ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» .
(فَإِنْ عُدِمَ الْكُلُّ) أَيْ: كُلُّ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، أَوْ عَضَلَ وَلِيُّهَا، وَلَمْ
стр. 3149
يُوجَدْ غَيْرُهُ، وَعُدِمَ السُّلْطَانُ وَنَائِبُهُ مِنْ الْمَحَلِّ الَّذِي بِهِ الْحُرَّةُ (زَوَّجَهَا ذُو سُلْطَانٍ فِي مَكَانِهَا كَعَضْلِ) أَوْلِيَائِهَا مَعَ عَدَمِ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ فِي مَكَانِهَا، فَيُزَوِّجُهَا وَالِي الْبَلَدِ أَوْ كَبِيرُهُ أَوْ أَمِيرُ الْقَافِلَةِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ سَلْطَنَةً؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَ الْأَيَامَى فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) ذُو سُلْطَانٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ (زَوَّجَهَا عَدْلٌ بِإِذْنِهَا قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي دِهْقَانِ قَرْيَةٍ) بِكَسْرِ - الدَّالِ وَتُضَمُّ وَدَهَقَ الرَّجُلُ وَتَدَهْقَنَ: كَثُرَ مَالُهُ - (أَيْ: رَئِيسِهَا -: يُزَوِّجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا إذَا احْتَاطَ لَهَا فِي الْكُفْءِ وَالْمَهْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَاضٍ) لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْوَالِي فِي هَذَا الْحَالِ يَمْنَعُ النِّكَاحَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَجُزْ كَاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْوَلِيِّ عَصَبَةً فِي حَقِّ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهَا.
(وَإِنْ كَانَ) فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ (وَأَبَى التَّزْوِيجَ إلَّا بِظُلْمٍ كَطَلَبِهِ جُعْلًا لَا يَسْتَحِقُّهُ) إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ، أَوْ طَلَبَ زِيَادَةً عَلَى جُعْلِ مِثْلِهِ (فَوُجُودُهُ) أَيْ: الْحَاكِمِ (كَعَدَمِهِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ " وَغَيْرُ عَاصِبٍ كَأَخٍ لِأُمٍّ وَخَالٍ وَعَمِّ لِأُمٍّ وَأَبِيهَا " حُكْمُهُ (كَأَجْنَبِيٍّ) إذْ لَا وِلَايَةَ بِغَيْرِ الْعَصَبَاتِ النَّسَبِيَّةِ وَالسَّبَبِيَّةِ.
(وَوَلِيُّ أَمَةٍ وَلَوْ) كَانَتْ (آبِقَةَ سَيِّدُهَا) الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهَا، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِي رَقَبَتِهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ؛ فَفِي التَّزْوِيجِ أَوْلَى (وَلَوْ) كَانَ السَّيِّدُ (فَاسِقًا) لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ أَوْ كَانَ (مُكَاتَبًا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ) فِي تَزْوِيجِ إمَائِهِ.
(وَمَنْ تَعَدَّدَ سَيِّدُهُ فَ) الْوِلَايَةُ (لِلْكُلِّ) وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ الِاسْتِقْلَالُ بِهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ كَمَا لَا يَبِيعُهَا وَلَا يُؤَجِّرُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَا يَتَأَتَّى تَزْوِيجُ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَشَقَّصُ، فَإِنْ اشْتَجَرَ مَالِكُوهَا لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةٌ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِمُكَلَّفٍ رَشِيدٍ حَاضِرٍ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ.
(وَيَتَّجِهُ مَعَ عَضْلِ) أَيْ: امْتِنَاعِ (بَعْضِهِمْ) أَيْ: الشُّرَكَاءِ مِنْ تَزْوِيجِهَا أَوْ غَيْبَةِ ذَلِكَ الْبَعْضِ (قِيَامُ حَاكِمٍ مَقَامَهُ) أَيْ: مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ أَوْ الْغَائِبِ مِنْهُمْ؛ فَيُزَوِّجُهَا مَعَ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ: بِطَلَبِهَا دَفْعًا لِضَرَرِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ فَإِنْ أَعْتَقُوهَا مَعًا أَوْ وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ، وَالْأَوَّلُ مُعْسِرٌ، وَلَيْسَ لَهَا عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ؛ فَهُمْ أَوْلِيَاؤُهَا
стр. 3150
يُزَوِّجُونَهَا بِإِذْنِهَا، وَلَوْ تَفَاوَتُوا فِي الْعِتْقِ، فَإِنْ اشْتَجَرُوا قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ حُرَّةً، وَصَارَ نِكَاحُهَا حَقًّا لَهَا، وَلَا يَسْتَقِلُّ الْآخِرُ بِهِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ سَبَبُهَا الْعِتْقُ، وَهُوَ إنَّمَا أَعْتَقَ بَعْضَهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ الْمُعْتِقَةُ وَاحِدًا وَلَهُ عَصَبَتَانِ كَالِابْنَيْنِ وَالْأَخَوَيْنِ، فَلِأَحَدِهِمَا الِاسْتِقْلَالُ بِتَزْوِيجِهَا بِإِذْنِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ، وَإِنَّمَا زَوَّجَ بِكَوْنِهِ عَصَبَةً لِلْمُعْتِقِ، وَلَا تَبَعُّضَ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمُعْتَقَيْنِ وَعَصَبَتَيْهِمَا؛ وَلَا تَزُولُ الْوِلَايَةُ بِالْإِغْمَاءِ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ عَادَةً كَالنَّوْمِ، وَلَا بِالْعَمَى لِأَنَّ الْأَعْمَى أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ، فَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ كَالْبَصِيرِ، وَلَا بِالسَّفَهِ؛ لِأَنَّ رُشْدَ الْمَالِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي النِّكَاحِ، وَأَمَّا الْخَرَسُ فَإِنْ مَنَعَ فَهْمَ الْإِشَارَةِ أَزَالَ الْوِلَايَةَ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا لَمْ تَزُلْ الْوِلَايَةُ؛ لِأَنَّ الْأَخْرَسَ يَصِحُّ تَزَوُّجُهُ؛ فَصَحَّ تَزْوِيجُهُ، كَالنَّاطِقِ.
(وَشُرِطَ فِي وَلِيٍّ) سَبْعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا - (ذُكُورِيَّةٌ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَثْبُتُ لَهَا وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهَا فَعَلَى غَيْرِهَا أَوْلَى.
(وَ) الثَّانِي - (بُلُوغٌ) لِأَنَّ الْوِلَايَةَ يُعْتَبَرُ لَهَا كَمَالُ الْحَالِ؛ لِأَنَّهَا تَنْفِيذُ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ مَوْلًى عَلَيْهِ لِقُصُورِ نَظَرِهِ؛ فَلَا تَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةٌ كَالْمَرْأَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُزَوَّجُ الْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ، لَيْسَ لَهُ أَمْرٌ.
(وَ) الثَّالِثُ - (عَقْلٌ) فَلَا وِلَايَةَ لِمَجْنُونٍ مُطْبِقٍ (فَإِنْ جُنَّ) الْوَلِيُّ (أَحْيَانًا) أَوْ نَقَصَ عَقْلُهُ بِنَحْوِ مَنْ يُرْجَى زَوَالُهُ، أَوْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (اُنْتُظِرَ) زَوَالُهُ ذَلِكَ (كَإِغْمَاءٍ) لِأَنَّ مُدَّتَهُ لَا تَطُولُ عَادَةً (وَلَا يَنْعَزِلُ وَكِيلُهُ) بِطَرَيَانِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْوِلَايَةَ.
(وَ) الرَّابِعُ - (حُرِّيَّةٌ)
أَيْ: كَمَالُهَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَالْمُبَعَّضَ لَا يَسْتَقِلَّانِ بِالْوِلَايَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَعَلَى غَيْرِهِمَا أَوْلَى (إلَّا مُكَاتَبًا يُزَوِّجُ أَمَتَهُ) بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَيَصِحُّ، وَتَقَدَّمَ.
وَالْخَامِسُ - (اتِّفَاقُ دِينِ) الْوَلِيِّ وَالْمُوَلَّى عَلَيْهَا، فَلَا وِلَايَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمَةٍ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَلَا لِنَصْرَانِيٍّ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ وَنَحْوُهُ وَلَوْ بِنْتِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ
стр. 3151
جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا بِالنَّسَبِ (إلَّا السُّلْطَانَ) فَيُزَوِّجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا مِنْ الْكَوَافِرِ، لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ عَلَى أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذِهِ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا كَالْمُسْلِمَةِ (وَإِلَّا أَمَةَ كَافِرٍ لِمُسْلِمٍ) فَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا لِكَافِرٍ، وَكَذَا أَمَةٌ كَافِرَةٌ لِمُسْلِمَةٍ، فَيُزَوِّجُهَا وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا عَلَى مَا سَبَقَ (وَإِلَّا أُمَّ وَلَدٍ لِكَافِرٍ أَسْلَمَتْ) فَيُزَوِّجُهَا لِمُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ. وَلِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا فَيَلِيَهُ كَإِجَارَتِهَا (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ (مُدَبَّرَتِهِ وَلَا مُكَاتَبَتِهِ) إذَا أَسْلَمَتَا، قَالَهُ فِي " الْهِدَايَةِ "، " وَالْمَذْهَبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَبْقَيَانِ فِي مِلْكِهِ؛ لِصِحَّةِ بَيْعِهِمَا، بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ فِي الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ، فَإِنْ قَالَ: وَلَا يَلِي كَافِرٌ نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ وَلَوْ بِنْتِهِ إلَّا إذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ وَمُكَاتَبَتُهُ وَمُدَبَّرَتُهُ؛ فَيَلِيَهُ، وَيُبَاشِرُهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَ) السَّادِسُ - (عَدَالَةٌ) نَصًّا؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا نِكَاحَ إلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَوَلِيٍّ مُرْشِدٍ. قَالَ أَحْمَدُ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا. «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَهَا وَلِيٌّ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» وَرَوَى الْبَرْقَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» وَلِأَنَّهَا وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ؛ فَلَا يَسْتَبِدُّ بِهَا الْفَاسِقُ كَوِلَايَةِ الْمَالِ (وَلَوْ) كَانَتْ الْعَدَالَةُ (ظَاهِرَةً) فَيَكْفِي مَسْتُورُ الْحَالِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ، وَيُفْضِي إلَى بُطْلَانِ غَالِبِ الْأَنْكِحَةِ (إلَّا فِي سُلْطَانٍ) يُزَوِّجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا؛ فَلَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ لِلْحَاجَةِ؛ (وَ) إلَّا فِي (سَيِّدِ أَمَةٍ) فَلَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِهِ؛ كَمَا لَوْ أَجَرَهَا.
(وَ) السَّابِعُ - (رُشْدٌ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، (وَهُوَ) أَيْ: الرُّشْدُ هُنَا (مَعْرِفَةُ الْكُفْءِ وَمَصَالِحِ النِّكَاحِ) وَلَيْسَ هُوَ حِفْظَ الْمَالِ، فَإِنَّ رُشْدَ كُلِّ مَقَامٍ بِحَسَبِهِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا اشْتَرَطَهُ فِي " الْوَاضِحِ " مِنْ كَوْنِهِ عَالِمًا بِالْمَصَالِحِ، لَا شَيْخًا كَبِيرًا جَاهِلًا بِالْمَصْلَحَةِ. وَقَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا، وَيُقَدِّمُ الْوَلِيُّ أَصْلَحَ الْخَاطِبَيْنِ لِمُوَلِّيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لَهَا. وَفِي " النَّوَادِرِ ": يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ لِمُوَلِّيَتِهِ
стр. 3152
حَسَنَ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يُعْجِبُهَا مِنْ الرَّجُلِ مَا يُعْجِبُهُ مِنْهَا.
(فَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ مِنْ) أَوْلِيَاءِ الْحُرَّةِ (نَحْوِ طِفْلٍ) يَعْنِي غَيْرَ بَالِغٍ (وَكَافِرٍ وَفَاسِقٍ) ظَاهِرِ الْفِسْقِ (وَقِنٍّ وَمَجْنُونٍ مُطْبِقٍ وَشَيْخٍ إذَا أَفْنَدَ) أَيْ: ضَعُفَ فِي الْعَقْلِ وَالتَّصَرُّفِ. قَالَ فِي " الْقَامُوسِ " الْفَنَدُ بِالتَّحْرِيكِ: إنْكَارُ الْعَقْلِ لِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ، وَالْخَطَأُ فِي الْقَوْلِ وَالرَّأْيِ وَالْكَذِبُ كَالْإِفْنَادِ، وَلَا تَقُلْ: عَجُوزٌ مُفْنِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ رَأْيٍ أَبَدًا (أَوْ) اتَّصَفَ الْأَقْرَبُ بِصِفَاتِ الْوِلَايَةِ، لَكِنْ (عَضَلَ بِأَنْ مَنَعَهَا كُفْئًا رَضِيَتْهُ وَرَغِبَ) فِيهَا (بِمَا صَحَّ مَهْرًا) وَلَوْ كَانَ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا (وَيَفْسُقُ) الْوَلِيُّ (بِهِ) أَيْ: الْعَضْلِ (إنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ أَنَّهُ يَفْسُقُ إذَا تَكَرَّرَ الْعَضْلُ مِنْهُ (ثَلَاثًا) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ بِالْعَضْلِ صَارَ فَاسِقًا؛ لِأَنَّ الْعَضْلَ قَدْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ حَتَّى يَتَكَرَّرَ، فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِأَنْ خَطَبَهَا كُفْءٌ، فَمَنَعَ، وَآخَرُ فَمَنَعَ؛ وَآخَرُ فَمَنَعَ، صَارَ ذَلِكَ كَبِيرَةً تَمْنَعُ الْوِلَايَةَ؛ لِأَجْلِ الْإِضْرَارِ، وَلِأَجْلِ الْفِسْقِ: نَقَلَهُ الشَّيْخُ التَّقِيُّ فِي " الْمُسَوَّدَةِ " (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ) أَيْ الْعَاضِلَ مُوَلِّيَتَهُ عَنْ التَّزْوِيجِ بِكُفْءٍ رَضِيَتْهُ (لَا يُزَوِّجُ) مُوَلِّيَةً أُخْرَى (غَيْرَ مَعْضُولَةٍ) مِنْ جِهَتِهِ (بِفِسْقِهِ) بِعَضْلِهِ الْأُولَى وَفِقْدَانِهِ الْعَدَالَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ أَهَمِّ شُرُوطِ الْوِلَايَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمِنْ) صُوَرِ (الْعَضْلِ) الْمُسْقِطِ لِوِلَايَتِهِ (لَوْ امْتَنَعَ الْخُطَّابُ لِشِدَّةِ الْوَلِيِّ. قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ عَلَى الْوَلِيِّ هُنَا، لَأَنْ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ فِي ذَلِكَ (أَوْ غَابَ) الْأَقْرَبُ (غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً) وَلَمْ يُوَكِّلْ مَنْ يُزَوِّجَ؛ زَوَّجَ الْوَلِيُّ الْأَبْعَدُ (وَهِيَ) أَيْ: الْغَيْبَةُ الْمُنْقَطِعَةُ (مَا لَا تُقْطَعُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ غَيْبَتُهُ (فَوْقَ مَسَافَةِ قَصْرٍ أَوْ دُونِهَا) قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ، فَإِنَّ التَّحْدِيدَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ، وَلَا تَوْقِيفَ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " لِتَحْدِيدِهِ الْمَسَافَةَ بِقَوْلِهِ: وَتَكُونُ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " هُوَ احْتِمَالٌ مَرْجُوحٌ (أَوْ جُهِلَ مَكَانُهُ) أَيْ الْأَقْرَبُ، بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ مَحَلُّهُ أَقَرِيبٌ هُوَ أَمْ بَعِيدٌ، أَوْ عُلِمَ
стр. 3153
أَنَّهُ قَرِيبٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ (أَوْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ) أَيْ: الْأَقْرَبِ (بِأَمْرٍ أَوْ) تَعَسَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ (بِحَبْسٍ) وَلَوْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ (زَوَّجَ) فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا (حُرَّةً) وَلِيٌّ (أَبْعَدُ) وَهُوَ الَّذِي يَلِي الْأَقْرَبَ الْمَذْكُورَ فِي الْوِلَايَةِ أَمَّا إذَا كَانَ طِفْلًا أَوْ كَافِرًا وَهِيَ مُسْلِمَةٌ، أَوْ فَاسِقًا أَوْ عَبْدًا، فَلِعَدَمِ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لِلْأَقْرَبِ مَعَ اتِّصَافِهِ بِمَا ذُكِرَ؛ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَأَمَّا مَعَ عَضْلِ الْأَقْرَبِ أَوْ غَيْبَتِهِ الْغَيْبَةَ الْمَذْكُورَةَ، أَوْ تَعَذُّرِ مُرَاجَعَتِهِ فَلِتَعَذُّرِ التَّزْوِيجِ مِنْ جِهَتِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ جُنَّ، فَإِنْ عَضَلُوا كُلُّهُمْ زَوَّجَهَا حَاكِمٌ.
(وَ) زَوَّجَ (أَمَةً حَاكِمٌ) ؛ لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي مَالِ الْغَائِبِ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُ أَمَةَ مَنْ عُذِرَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ (إنْ كَانَ لَا وَلِيَّ لَهَا) أَيْ: الْأَمَةِ (غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ سَيِّدِهَا الْمَعْذُورِ، أَمَّا إذَا كَانَتْ مُشْتَرَكَةً، وَاضْطُرَّتْ لِلْفِرَاشِ؛ فَلِلْحَاضِرِ تَزْوِيجُهَا كَالْحُرَّةِ يُزَوِّجُهَا الْأَبْعَدُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَقْرَبِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ زَوَّجَ) امْرَأَةً (حَاكِمٌ) مَعَ وُجُودِ وَلِيِّهَا؛ لَمْ يَصِحَّ (أَوْ) زَوَّجَهَا وَلِيٌّ (أَبْعَدُ بِلَا عُذْرٍ لِلْأَقْرَبِ) إلَيْهَا مِنْهُ (لَمْ يَصِحَّ) وَلَوْ أَجَازَهُ الْأَقْرَبُ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ وَالْأَبْعَدَ لَا وِلَايَةَ لَهُمَا مَعَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُمَا؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ زَوَّجَهَا أَجْنَبِيٌّ (فَلَوْ كَانَ الْأَقْرَبُ) عِنْدَ تَزْوِيجِ الْحَاكِمِ، أَوْ الْأَبْعَدِ (لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ عَصَبَةٌ) ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يُعِدْ (أَوْ) كَانَ الْمَعْهُودُ عَدَمَ أَهْلِيَّةِ الْأَقْرَبِ لِصِغَرٍ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ (صَارَ) أَهْلًا (أَوْ عَادَ أَهْلًا) فَزَوَّجَ (بَعْدَ مُنَافٍ) كَالْجُنُونِ (ثُمَّ عَلِمَ) أَنَّهُ صَارَ أَهْلًا أَوْ عَادَ أَهْلًا قَبْلَ تَزْوِيجِهَا؛ لَمْ يُعِدْ الْعَقْدَ (أَوْ اسْتَلْحَقَ بِنْتَ مُلَاعَنَةٍ أَبٌ بَعْدَ عَقْدِ) وَلِيِّهَا عَلَيْهَا (لَمْ يُعِدْ) الْعَقْدَ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ.
(وَيَلِي كِتَابِيٌّ نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِ) كَبِنْتِهِ وَأُخْتِهِ (الْكِتَابِيَّةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] (حَتَّى) فِي تَزْوِيجِهَا (مِنْ مُسْلِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهَا، فَيَصِحُّ أَنْ يُزَوِّجَهَا
стр. 3154
مِنْهُ؛ كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا مِنْ كَافِرٍ (وَيُبَاشِرُهُ) أَيْ: النِّكَاحَ، لِأَنَّهُ وَلِيٌّ مُنَاسِبٌ لَهَا، فَجَازَ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَمُبَاشَرَتُهُ. (وَيُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ: كَافِرٍ يُزَوِّجُ مُوَلِّيَتَهُ الْكَافِرَةَ (شُرُوطُ) الْوَلِيِّ (الْمُسْلِمِ) مِنْ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالذُّكُورَةِ وَالْعَدَالَةِ فِي دِينِهِ وَالرُّشْدِ وَالْحُرِّيَّةِ وَاتِّفَاقِ الدِّينِ. تَتِمَّةٌ
لَوْ تَزَوَّجَ الْأَجْنَبِيُّ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ زَوَّجَ الْوَلِيُّ مُوَلِّيَتَهُ الَّتِي: يُعْتَبَرُ إذْنُهَا كَأُخْتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا، أَوْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ. وَلَوْ أَجَازُوا بَعْدَ الْعَقْدِ، لِقَوْلِهِ ﵊: «إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» - وَفِي لَفْظٍ " فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ "؛ وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَمْ تَثْبُتْ أَحْكَامُهُ مِنْ الطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ وَالتَّوَارُثِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ، وَهُوَ نِكَاحُ الْفُضُولِيِّ، فَإِنْ وَطِئَ فِيهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
[فَصْلٌ الْوَكِيلُ يَقُومُ مَقَامَ الولى فِي الزَّوَاج غَائِبًا وَحَاضِرًا]
فَصْلٌ (وَوَكِيلُ كُلِّ وَلِيٍّ) مِمَّنْ تَقَدَّمَ (يَقُومُ مَقَامَهُ غَائِبًا وَحَاضِرًا) مُجْبِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَجَازَ التَّوْكِيلُ، فِيهِ كَالْبَيْعِ، وَقِيَاسًا عَلَى تَوْكِيلِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِهِ مَيْمُونَةَ؛ وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ» .
(وَالْوَلِيُّ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لِلْمَرْأَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ وِلَايَتُهُ مِنْ جِهَتِهَا (وَإِلَّا مَلَكَتْ عَزْلَهُ) كَسَائِرِ الْوُكَلَاءِ وَإِنَّمَا إذْنُهَا حَيْثُ اُعْتُبِرَ، شَرْطٌ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ، فَأَشْبَهَ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ عَلَيْهَا، وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا عَنْهَا (فَلَهُ تَوْكِيلُ) مَنْ يُوجِبُ نِكَاحَهَا (بِلَا
стр. 3155
إذْنِهَا) وَقَبْلَ إذْنِهَا لَهُ فِي تَزْوِيجِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً، لِأَنَّهُ إذْنٌ مِنْ الْوَلِيِّ فِي التَّزْوِيجِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْمَرْأَةِ وَلَا الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ كَإِذْنِ الْحَاكِمِ، وَ (لَا) يَمْلِكُ الْوَلِيُّ تَوْكِيلًا فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ (إنْ وَكَّلَتْ) هِيَ (غَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرَ وَلِيِّهَا، كَمَا لَوْ وَكَّلَتْ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ (وَلَوْ) كَانَ تَوْكِيلُهَا لِلْبَعِيدِ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: وَلِيِّهَا، فَلَوْ وَكَّلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ لَمْ يَصِحَّ تَوْكِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ صَحَّ بِدُونِ إذْنِهَا، لَكِنَّ صِحَّةَ تَصَرُّفِ وَكِيلِ الْوَلِيِّ مَوْقُوفَةٌ عَلَى اسْتِئْذَانِهَا، وَقَدْ سَبَقَ صُدُورُ الْإِذْنِ مِنْهَا لِغَيْرِهِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ تَوْكِيلُهُ لِذَلِكَ.
(وَيَثْبُتُ لِوَكِيلِ) وَلِيٍّ (مَا) يَثْبُتُ (لِوَلِيٍّ مِنْ إجْبَارٍ وَغَيْرِهِ) ، فَإِنْ كَانَ لِلْوَلِيِّ الْإِجْبَارُ ثَبَتَ ذَلِكَ لِوَكِيلِهِ، وَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ وِلَايَةَ مُرَاجَعَةٍ احْتَاجَ الْوَكِيلُ إلَى مُرَاجَعَةِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ فَيَثْبُتُ لَهُ مِثْلُ مَا يَثْبُتُ لِلْمَنُوبِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي السُّلْطَانِ وَالْحَاكِمِ يَأْذَنُ لِغَيْرِهِ فِي التَّزْوِيجِ، فَيَكُونُ الْمَأْذُونُ لَهُ قَائِمًا مَقَامَهُ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَثْبُتُ لِوَكِيلِ الْوَلِيِّ مَا يَثْبُتُ لِمُوَكِّلِهِ (كَعَدَالَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَرَطَةٌ فِي الْوَلِيِّ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجِبَ الْوَكِيلُ نِكَاحًا عَمَّنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ إيجَابُهُ لِمُوَلِّيَتِهِ، لِنَحْوِ جُنُونٍ (وَفِسْقٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ؛ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ بِالنِّيَابَةِ عَنْهُ أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ) امْرَأَةٍ (غَيْرِ مُجْبَرَةٍ لِوَكِيلِ) وَلِيِّهَا؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ غَيْرِ مُجْبِرٍ، فَيَثْبُتُ لَهُ مَا يَثْبُتُ لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ (فَلَا يَكْفِي إذْنُهَا لِوَلِيِّهَا بِتَزْوِيجٍ) مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ وَكِيلٍ لَهَا وَإِذْنُهَا لَهُ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَكْفِي إذْنُهَا لِوَلِيِّهَا (بِتَوْكِيلٍ فِيهِ) أَيْ: التَّزْوِيجِ (بِلَا مُرَاجَعَةِ وَكِيلٍ لَهَا) أَيْ: لِغَيْرِ الْمُجْبَرَةِ فِي التَّزْوِيجِ (وَإِذْنُهَا) لِلْوَكِيلِ فِي التَّزْوِيجِ (بَعْدَ تَوْكِيلِهِ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُعْتَبَرُ إذْنُهَا فِيهِ لِلْوَكِيلِ هُوَ غَيْرُ مَا يُوَكِّلُ فِيهِ الْمُوَكِّلُ؛ فَهُوَ كَالْمُوَكَّلِ فِي ذَلِكَ، وَلَا أَثَرَ لِإِذْنِهَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يُوَكِّلَ الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ وَبَعْدَ تَوَكُّلِهِ كَوَلِيٍّ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": فَيُؤْخَذُ مِنْهُ لَوْ أَذِنَتْ لِلْأَبْعَدِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مَعَ أَهْلِيَّةِ الْأَقْرَبِ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ
следующие страницы →