Полный текст (4 464 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
وَالدَّفْنِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
تَنْبِيهٌ: إذَا لَمْ تَكُنْ الْبُغَاةُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَيْسُوا بِفَاسِقِينَ، بَلْ مُخْطِئِينَ فِي تَأْوِيلِهِمْ؛ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ.
(وَيُكْرَهُ) لِعَدْلٍ (قَصْدُ رَحِمِهِ الْبَاغِي) كَأَخِيهِ وَعَمِّهِ (بِقَتْلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «كَفَّ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُقْبَةَ عَنْ قَتْلِ أَبِيهِ» .
(وَتُبَاحُ اسْتِعَانَةٌ عَلَيْهِمْ) ؛ أَيْ: الْبُغَاةِ (بِسِلَاحِ أَنْفُسِهِمْ وَخَيْلِهِمْ) وَعَبِيدِهِمْ (وَصِبْيَانِهِمْ لِضَرُورَةٍ فَقَطْ) لِعِصْمَةِ الْإِسْلَامِ أَمْوَالَهُمْ وَذُرِّيَّتَهُمْ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ قِتَالُهُمْ لِرَدِّهِمْ إلَى الطَّاعَةِ، وَأَمَّا جَوَازُهُ مَعَ الضَّرُورَةِ فَكَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ فِي الْمُخْصَمَةِ.
(وَمَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ) ؛ أَيْ: الْبُغَاةِ (وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ أُنْثَى حُبِسَ حَتَّى لَا شَوْكَةَ وَلَا حَرْبَ) دَفْعًا لِضَرَرِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَحْصُلُ مِنْهُ مُسَاعَدَةُ الْمُقَاتِلَةِ، وَفِي حَبْسِهِمْ كَسْرُ قُلُوبِ الْبُغَاةِ.
(وَإِذَا انْقَضَتْ) الْحَرْبُ (فَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ) ؛ أَيْ: الْبُغَاةِ (مَالُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ) مِنْ أَهْلِ عَدْلٍ أَوْ بَغْيٍ (أَخَذَهُ) مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ كَأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ اغْتِنَامُهَا؛ لِبَقَاءِ مِلْكِهِمْ عَلَيْهَا: وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمَ الْجَمَلِ: مَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ مَعَ أَحَدٍ فَلْيَأْخُذْهُ، فَعَرَفَ بَعْضُهُمْ قِدْرًا مَعَ أَصْحَابِ عَلِيٍّ - وَهُوَ يَطْبُخُ فِيهَا - فَسَأَلَهُ إمْهَالَهُ حَتَّى يَنْضَجَ الطَّبِيخُ، فَأَبَى وَكَبَّهُ وَأَخَذَهَا.
(وَلَا يَضْمَنُ بُغَاةٌ مَا أَتْلَفُوهُ) عَلَى أَهْلِ عَدْلٍ (حَالَ حَرْبٍ ك) مَا لَا يَضْمَنُ (أَهْلُ عَدْلٍ) مَا أَتْلَفُوهُ لِبُغَاةٍ حَالَ حَرْبٍ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُضَمِّنْ الْبُغَاةَ مَا أَتْلَفُوهُ حَالَ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ.
قَالَ: الزُّهْرِيُّ هَاجَتْ: الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوَافِرُونَ، فَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُقَادُ أَحَدٌ، وَلَا يُؤْخَذُ
стр. 4027
مَالٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إلَّا مَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ مُحْتَجًّا بِهِ.
(وَيَضْمَنَانِ) ؛ أَيْ: أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْبُغَاةُ (مَا أَتْلَفَاهُ فِي غَيْرِ حَرْبٍ) ؛ أَيْ: يَضْمَنُ كُلٌّ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ فِي غَيْرِ حَرْبٍ؛ لِإِتْلَافِهِ مَعْصُومًا بِلَا حَقٍّ وَلَا ضَرُورَةِ دَفْعٍ (وَمَا أَخَذُوا) ؛ أَيْ: الْبُغَاةُ (حَالَ امْتِنَاعِهِمْ) عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ حَالَ شَوْكَتِهِمْ؛ أَيْ: (مِنْ زَكَاةٍ وَخَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ، اُعْتُدَّ بِهِ) لِدَافِعِهِ إلَيْهِمْ؛ فَلَا يُؤْخَذُ ثَانِيًا إذَا ظَفَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمَّا ظَفَرَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَاهُ الْبُغَاةُ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ يَأْتِيهِمْ سَاعِي نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ فَيَدْفَعُونَ إلَيْهِ زَكَاتَهُمْ؛ وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الِاحْتِسَابِ بِذَلِكَ ضَرَرًا عَظِيمًا عَلَى الرَّعَايَا.
(وَيُقْبَلُ بِلَا يَمِينٍ) مِمَّنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ دَعْوَى (دَفْعِ زَكَاةٍ إلَيْهِمْ) ؛ أَيْ: الْبُغَاةِ كَدَعْوَى دَفْعِهَا إلَى الْفُقَرَاءِ، وَلِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهَا كَالصَّلَوَاتِ.
(وَ) لَا تُقْبَلُ دَعْوَى دَفْعِ (خَرَاجٍ) إلَيْهِمْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (وَ) لَا دَعْوَى دَفْعِ (جِزْيَةٍ) إلَيْهِمْ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا عِوَضٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الدَّفْعِ.
(وَهُمْ) ؛ أَيْ؛ الْبُغَاةُ (فِي شَهَادَتِهِمْ وَفِي إمْضَاءِ حُكْمِ حَاكِمْهُمْ كَأَهْلِ عَدْلٍ) ؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي لَهُ مَسَاغٌ فِي الشَّرْعِ لَا يُوجِبُ تَفْسِيقَ قَائِلِهِ، وَالذَّاهِبِ إلَيْهِ أَشْبَهَ الْخَطَأَ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي فَرْعٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَيُقْضَى بِشَهَادَتِهِمْ إذَا كَانُوا عُدُولًا، وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ إلَّا مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةً صَحِيحَةٍ أَوْ إجْمَاعًا، وَيَجُوزُ قَبُولُ كِتَابِهِ وَإِمْضَائِهِ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ.
قَالَ: ابْنُ عَقِيلٍ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَيُؤْخَذُ عَنْهُمْ الْعِلْمُ مَا لَمْ يَكُونُوا دُعَاةً.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (لَا إنْ كَانُوا) ؛ أَيْ: الْبُغَاةُ (أَهْلَ بِدَعٍ) كَالْخَوَارِجِ؛ فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ شَهَادَةٌ، وَلَا يَنْفُذُ لِقَاضِيهِمْ حُكْمٌ لِفِسْقِهِمْ.
(وَإِنْ اسْتَعَانُوا) ؛ أَيْ: الْبُغَاةُ (بِأَهْلِ ذِمَّةٍ) أَهْلِ (عَهْدٍ؛ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ،
стр. 4028
وَصَارُوا) كُلُّهُمْ (كَأَهْلِ حَرْبٍ) لِقِتَالِهِمْ لَنَا كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِهِ (لَا إنْ ادَّعَوْا) ؛ أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ أَوْ الْعَهْدِ (شُبْهَةً ك) ظَنِّ (وُجُوبِ إجَابَتِهِمْ) ؛ أَيْ: الْبُغَاةِ؛ لِكَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ؛ وَقَالُوا: لَا نَعْلَمُ الْبُغَاةُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، أَوْ ظَنَنَّا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا الْقِتَالُ مَعَهُمْ، وَيُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ سَبَبُ النَّقْضِ.
(وَيَضْمَنُونَ) ؛ أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدُ (مَا أَتْلَفُوهُ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ (مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ) كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِإِتْلَافِهِ، بِخِلَافِ الْبُغَاةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّضْمِينُ يُنَافِيه؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَعَدَاوَتُهُمْ قَائِمَةٌ مَا دَامُوا كَذَلِكَ؛ فَلَا ضَرَرَ فِي تَضْمِينِهِمْ.
(وَإِنْ اسْتَعَانُوا) ؛ أَيْ: الْبُغَاةُ (بِأَهْلِ حَرْبٍ وَأَمَّنُوهُمْ ف) أَمَانُهُمْ (كَعَدَمِهِ) ؛ لِأَنَّهُمْ عَقَدُوهُ عَلَى قِتَالِنَا وَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِعِصْمَتِهِمْ، فَيُبَاحُ قَتْلُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ، وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ (إلَّا أَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى بُغَاةٍ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَمَنُّوهُمْ، فَلَا يَغْدِرُونَهُمْ.
[فَصْلٌ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ]
فَصْلٌ (وَإِنْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ) كَتَكْفِيرِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ مِثْلِ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، وَاسْتِحْلَالِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ (وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ) ؛ أَيْ: لَمْ يَجْتَمِعُوا لِلْحَرْبِ (لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَخْطُبُ، فَقَالَ رَجُلٌ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ: لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ، تَعْرِيضًا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ مِنْ تَحْكِيمِهِ، فَقَالَ: عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، ثُمَّ قَالَ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ، وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ.
стр. 4029
(وَتَجْرِي الْأَحْكَامُ عَلَيْهِمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ) فِي ضَمَانِ نَفْسٍ وَمَالٍ وَوُجُوبِ حَدٍّ؛ لِلُزُومِ الْإِمَامِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ فِي قَبْضَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِلَا اعْتِبَارٍ لِاعْتِقَادِهِمْ فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ هَذَا) ؛ أَيْ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ (إنْ لَمْ يَمْتَنِعُوا مِنْ الْتِزَامِهِمْ) الْقِيَامَ بِأَوَامِرِ (الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ) الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ وَنَحْوِهَا، وَإِلَّا بِأَنْ امْتَنَعُوا مِنْ إقَامَةِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ (وَجَبَ) عَلَى الْإِمَامِ (جِهَادُهُمْ) حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ كَالْمُحَارِبِينَ وَأَوْلَى (قَالَ: الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ) وَعَلَى رَعِيَّتِهِ (مَعُونَتُهُ عَلَى حَرْبِهِمْ، كَمَا قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَانِعِي الزَّكَاةِ بِمَحْضَرٍ) مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ صَرَّحُوا بِ) سَبِّ إمَامٍ أَوْ (سَبِّ عَدْلٍ، أَوْ عَرَّضُوا بِهِ) ؛ أَيْ: السَّبِّ (عُزِّرُوا) لِارْتِكَابِهِمْ مُحَرَّمًا لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ (وَمَنْ كَفَّرَ أَهْلَ الْحَقِّ وَالصَّحَابَةَ وَاسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ) وَأَمْوَالَهُمْ (بِتَأْوِيلٍ ف) هُمْ (خَوَارِجُ بُغَاةٌ فَسَقَةٌ) بِاعْتِقَادِهِمْ الْفَاسِدِ قَالَ: فِي " الْمُبْدِعِ " تَتَعَيَّنُ اسْتِتَابَتُهُمْ، فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا قُتِلُوا عَلَى إفْسَادِهِمْ لَا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَبْدَءُوا بِالْقِتَالِ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ نُصُوصُهُ عَلَى عَدَمِ كُفْرِ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا كَفَّرَ الْجَهْمِيَّةَ لَا أَعْيَانَهُمْ، قَالَ: وَطَائِفَةٌ تَحْكِي عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ مُطْلَقًا حَتَّى الْمُرْجِئَةِ وَالشِّيعَةِ الْمُفَضِّلَةِ لِعَلِيٍّ (وَعَنْهُ) ؛ أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ إنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا أَهْلَ الْحَقِّ وَالصَّحَابَةَ، وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ
стр. 4030
الْمُسْلِمِينَ بِتَأْوِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ (كُفَّارٌ) قَالَ: (الْمُنَقِّحُ: وَهُوَ أَظْهَرُ) انْتَهَى.
قَالَ: فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ الصَّوَابُ، وَاَلَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ، وَنَقَلَ مُحَمَّدٌ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ: مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْإِسْلَامِ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ وَالرَّافِضَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ فَقَالَ: لَا تُصَلُّوا مَعَهُمْ، وَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ.
وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ مَنْ قَالَ: عِلْمُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ كَفَرَ، (وَ) .
قَالَ: (فِي " الْمُغْنِي " يُخَرَّجُ مِثْلُهُ فِي كُلِّ مُحَرَّمٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلٍ) كَالْخَوَارِجِ، وَمَنْ كَفَّرَهُمْ فَحُكْمُهُمْ عِنْدَهُ كَمُرْتَدِّينَ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْإِرْشَادِ " وَعَنْ أَصْحَابِنَا تَكْفِيرُ مَنْ خَالَفَ فِي أَصْلٍ كَخَوَارِجَ وَرَوَافِضَ وَمُرْجِئَةٍ، (وَ) قَالَ: (فِي " نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِ " مَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وَإِلَّا) يَكُنْ مُسْتَحِلًّا (فَسَقَ، وَالْمُرَادُ وَلَا تَأْوِيلَ، وَلِذَا لَمْ يَحْكُمْ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِكُفْرِ ابْنِ مُلْجِمٍ، قَاتِلِ عَلِيٍّ) فَإِنَّهُ قَالَ: حِينَ جَرَحَهُ أَطْعِمُوهُ وَاسْقُوهُ وَاحْبِسُوهُ، فَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، وَإِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تُمَثِّلُوا بِهِ (وَلَا يُحْكَمُ بِكُفْرِ مَادِحِهِ) ؛ أَيْ: مَادِحِ ابْنِ مُلْجِمٍ (عَلَى قَتْلِهِ لِعَلِيٍّ)
(وَإِنْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ) طَلَبِ (رِيَاسَةٍ فَهُمَا ظَالِمَتَانِ تَضْمَنُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الْأُخْرَى) ؛ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ نَفْسًا مَعْصُومَةً وَمَالًا مَعْصُومًا.
قَالَ: فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " فَأَوْجَبُوا الضَّمَانَ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّائِفَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الْمُتْلَفِ، وَإِنْ تَقَابَلَا (تَقَاصَّا) ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ وَالْمُعِينَ سَوَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (وَضَمِنَتَا) ؛ أَيْ: الطَّائِفَتَانِ (سَوَاءٌ) أَيْ بِالسَّوِيَّةِ؛ (مَا) أَيْ: مَالًا (جُهِلَ مُتْلِفُهُ) قَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُ مَا نَهَبَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ الْأُخْرَى تَسَاوَيَا يَعْنِي فِي ضَمَانِهِ.
قَالَ: كَمَا لَوْ جُهِلَ قَدْرُ الْحَرَامِ الْمُخْتَلِطِ بِمَالِهِ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ نِصْفَهُ، وَالْبَاقِي لَهُ انْتَهَى (كَمَا لَوْ قُتِلَ دَاخِلٌ بَيْنَهُمَا لِصُلْحٍ؛ وَجُهِلَ قَاتِلُهُ) مِنْ كَوْنِهِ مِنْ أَيِّ الطَّائِفَتَيْنِ (وَإِنْ عُلِمَ قَاتِلُهُ مِنْ طَائِفَةٍ) بِعَيْنِهَا (وَجُهِلَ) عَيْنُهُ (ضَمِنَتْهُ وَحْدَهَا) قَالَ: ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُفَارِقُ الْمَقْتُولَ فِي زِحَامِ الْجَامِعِ وَالطَّوَافِ لِأَنَّ الزِّحَامَ وَالطَّوَافَ لَيْسَ فِيهِمَا تَعَدٍّ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
стр. 4031
[بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ]
ِّ (وَهُوَ) لُغَةً الرَّاجِعُ، يُقَالُ ارْتَدَّ فَهُوَ مُرْتَدٌّ إذَا رَجَعَ قَالَ: تَعَالَى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] وَشَرْعًا (مَنْ كَفَرَ) نُطْقًا أَوْ اعْتِقَادًا أَوْ شَكًّا (وَلَوْ) كَانَ (مُمَيِّزًا) فَتَصِحُّ رِدَّتُهُ كَإِسْلَامِهِ، وَيَأْتِي (طَوْعًا) وَلَوْ كَانَ هَازِلًا بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَلَوْ كَانَ إسْلَامُهُ (كُرْهًا بِحَقٍّ) كَمَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ كَعَابِدِ وَثَنٍ إذَا قُوتِلَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ (وَكَحَرْبِيٍّ) مِنْ أُمِّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْحَرْبِيُّونَ، ثُمَّ أُخِذَتْ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَتَتْ مِنْهُمْ بِهِ (وَذِمِّيٍّ) انْتَقَضَ عَهْدُهُ (وَأُكْرِهَا عَلَى الْإِسْلَامِ) بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، فَامْتَنَعَا مِنْهُ (وَأُرِيدَ قَتْلُهُمَا) فَإِذَا أَسْلَمَا، ثُمَّ ارْتَدَّا كَانَا كَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهُ الْمُسْلِمِينَ بِحَقٍّ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ مَا لَمْ يَتُبْ، وَسَنَدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ. قَالَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ) . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَخَالِدِ بْنَ الْوَلِيدِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ «أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَرْوَانَ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ أَمْرُهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَ أَنْ تُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ» ) وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ حِينَ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً وَكَانَتْ كَافِرَةً أَصْلِيَّةً، وَيُخَالِفُ الْكُفْرَ الْأَصْلِيَّ الطَّارِئُ؛ إذْ الْمَرْأَةُ لَا تُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ بِضَرْبٍ وَلَا حَبْسٍ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ.
стр. 4032
(فَمَنْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، أَوْ صَدَّقَهُ) ؛ أَيْ: مَنْ صَدَّقَ مَنْ ادَّعَاهَا؛ كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وَلِحَدِيثِ: «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» .
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ كَذَّابًا كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ» (أَوْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ تَعَالَى) كَفَرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] (أَوْ سَبَّهُ) ؛ أَيْ: اللَّهَ تَعَالَى: (أَوْ) سَبَّ (رَسُولًا لَهُ أَوْ مَلَكًا لَهُ) كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسُبُّهُ إلَّا وَهُوَ جَاحِدٌ لَهُ (أَوْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ) ؛ أَيْ: اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) جَحَدَ (وَحْدَانِيَّتَهُ أَوْ) جَحَدَ (صِفَةً) مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ اللَّازِمَةِ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ "؛ أَيْ: فَإِنَّهُ يَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ كَجَاحِدِ الْوَحْدَانِيَّةِ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ كُفْرِ جَاحِدٍ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى إذَا كَانَتْ الصِّفَةُ مُتَّفَقٌ عَلَى إثْبَاتِهَا (كَقَدِيرٍ وَبَصِيرٍ) وَنَحْوِهِمَا كَسَمِيعٍ؛ إذْ هَذِهِ صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ مُؤَثِّرَةٌ بِالْمَقْدُورَاتِ الْمُمْكِنَةِ عِنْدَ تَعَلُّقِهَا بِهَا، وَمُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُبْصِرَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ بِاتِّفَاقِ؛ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَ (لَا) يَكْفُرُ بِجَحْدِهِ (الْقُدْرَةَ وَالْبَصَرَ) لِلِاخْتِلَافِ فِيهِمَا إذْ مِنْ النَّاسِ مِنْ يَقُولُ عَنْ الْقُدْرَةِ إنَّهَا الْعِلْمُ بِالْمَقْدُورَاتِ، وَعَنْ الْبَصَرِ إنَّهُ الْعِلْمُ بِالْمُبْصَرَاتِ وَهَكَذَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ مَذْهَبُ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقُدْرَةِ وَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ صِفَةٌ مُغَايِرَةٌ لِلْعِلْمِ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ؛ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَالْآيَاتِ.
قَالَ: فِي " الْمَوَاقِفِ " بَعْدَ تَقْرِيرِ الْمَسْأَلَةِ: وَظَوَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَة وَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ انْتَهَى.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ قُدْرَةً وَبَصَرًا قَدِيمِينَ زَائِدَيْنِ عَلَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ الْقُدْرَةِ قِدَمُ الْمَقْدُورَاتِ، وَلَا مِنْ (قِدَمِ) الْبَصَرِ قِدَمُ الْمُبْصَرَاتِ كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ السَّمْعِ وَالْعِلْمِ قِدَمُ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمَعْلُومَاتِ
стр. 4033
لِأَنَّهَا صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ تَحْدُثُ لَهَا تَعَلُّقَاتٌ بِالْحَوَادِثِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
أَوْ جَحَدَ (كِتَابًا أَوْ رَسُولًا) مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَوْ ثَبَتَ تَوَاتُرًا لَا أَحَادًا كَخَالِدِ بْنِ سِنَانٍ (أَوْ جَحَدَ مَلَكًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ الرُّسُلِ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِمْ كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ جَحْدَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَجَحْدِ الْكُلِّ، أَوْ جَحَدَ الْبَعْثَ (أَوْ وُجُوبَ عِبَادَةٍ مِنْ) الْعِبَادَاتِ (الْخَمْسِ) الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي حَدِيثِ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ» .
(وَمِنْهَا) ؛ أَيْ: مِثْلُهَا (الطَّهَارَةُ) فَيُكَفَّرُ مَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا (حُكْمًا ظَاهِرًا) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ فَرْضِ السُّدُسِ لِبِنْتِ الِابْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ (مُجْمَعًا عَلَيْهِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا) لَا سُكُوتِيًّا؛ لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةً (بِلَا تَأْوِيلٍ) أَمَّا إذَا كَانَ بِتَأْوِيلٍ كَاسْتِحْلَالِ الْخَوَارِجِ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ لَا يُكَفِّرُونَهُمْ لِادِّعَائِهِمْ أَنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ: عُمْرَانِ بْن حِطَّانَ يَمْدَحُ ابْنَ مُلْجِمٍ لِقَتْلِهِ عَلِيًّا ﵁:
يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانًا
إنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسِبُهُ ... أَوْفَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا
стр. 4034
وَمَا أَحْسَنَ مَا رَدَّ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ السَّاهِرِيُّ، عَلَى ابْنِ حِطَّانَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ مِنْهَا قَوْلُهُ:
قُلْ لِابْنِ مُلْجَمٍ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ ... هَدَمْتَ وَيْلَكَ لِلْإِسْلَامِ أَرْكَانًا
إلَى أَنْ قَالَ:
إنِّي لَأَحْسَبُهُ مَا كَانَ مِنْ بَشَرٍ ... يَخْشَى الْمَعَادَ وَلَكِنْ كَانَ شَيْطَانًا
أَشْقَى مُرَادٍ إذَا عَنَّتْ قَبَائِلُهَا ... وَأَخْسَرُ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا
كَعَاقِرِ النَّاقَةِ الْأُولَى الَّتِي جَلَبَتْ ... عَلَى ثَمُودَ بِأَرْضِ الْحِجْرِ خُسْرَانًا
قَدْ كَانَ يُخْبِرُهُمْ أَنْ سَوْفَ يَخْضِبُهَا ... قَبْلَ الْمُنْيَةِ أَزْمَانًا وَأَزْمَانًا
فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ مَا تَحَمَّلَهُ ... وَلَا سَقَى قَبْرَ عُمْرَانِ بْنِ حَطَّانَا
لِقَوْلِهِ فِي شَقِيٍّ ظَلَّ مُحْتَرَمًا ... وَنَالَ مَا نَالَهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا
يَا ضَرْبَةً مِنْ غَوِيٍّ أَوْرَثَتْهُ لَظًى ... فَسَوْفَ يَلْقَى بِهَا الرَّحْمَنَ غَضْبَانَا
فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَصْدًا بِضَرْبَتِهِ ... إلَّا لِيَصْلَى عَذَابَ الْخُلْدِ نِيرَانًا
(بِخِلَافِ مَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، بِلَا تَأْوِيلٍ ك) .
جَحْدِ (تَحْرِيمِ زِنًا أَوْ) جَحْدِ تَحْرِيمِ (لَحْمِ) مَيْتَةٍ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهَا كَفَرَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِتَحْرِيمِهَا لَا يَكَادُ يَخْفَى (لَا) إنْ جَحَدَ تَحْرِيمَ (شَحْمِ الْخِنْزِيرِ) وَكُلْيَتِهِ وَكَبِدِهِ وَطِحَالِهِ؛ لِلِاخْتِلَافِ بِحِلِّ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ، بِخِلَافِ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ؛ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، أَوْ جَحَدَ تَحْرِيمَ (حَشِيشَةٍ) كَفَرَ بِلَا نِزَاعٍ.
(أَوْ) جَحَدَ (حِلَّ خُبْزٍ وَنَحْوِهِ) كَلَحْمِ مُذَكَّاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالدَّجَاجِ (أَوْ شَكَّ فِيهِ) أَيْ فِي تَحْرِيمِ زِنًا وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ أَوْ فِي حِلِّ خُبْزٍ وَنَحْوِهِ (وَمِثْلُهُ لَا يَجْهَلُهُ) لِكَوْنِهِ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ) كَانَ (يَجْهَلُهُ) مِثْلُهُ (وَعَرَفَ) حُكْمَهُ؛ (وَأَصَرَّ عَلَى الْجَحْدِ وَالشَّكِّ) ؛ كَفَرَ؛ لِمُعَانِدَتِهِ الْإِسْلَامَ؛ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ قَبُولِ الْأَحْكَامِ غَيْرَ قَابِلٍ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
(أَوْ سَجَدَ لِصَنَمٍ أَوْ كَوْكَبٍ) كَشَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ؛ كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ بِهِ .
(وَيَتَّجِهُ السُّجُودُ لِلْحُكَّامِ وَالْمَوْتَى بِقَصْدِ الْعِبَادَةِ كَفْرٌ) قَوْلًا وَاحِدًا
стр. 4035
بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ (وَالتَّحِيَّةُ) لِمَخْلُوقٍ بِالسُّجُودِ لَهُ (كَبِيرَةٌ) مِنْ الْكَبَائِرِ الْعِظَامِ، وَالسُّجُودُ لِمَخْلُوقٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ (مَعَ الْإِطْلَاقِ) الْعَارِي عَنْ كَوْنِهِ لِخَالِقٍ أَوْ مِخْلَاقٍ (أَكْبَرُ إثْمًا وَأَعْظَمُ جُرْمًا إذْ السُّجُودُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ) .
(أَوْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ وَيَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ) كَفَرَ (إجْمَاعًا قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: أَوْ كَانَ مُبْغِضًا لِرَسُولِهِ أَوْ لِمَا جَاءَ بِهِ كَفَرَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَفِعْلِ عَابِدِي الْأَصْنَامِ قَائِلِينَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيَقْرَبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى
(أَوْ أَتَى بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ صَرِيحٍ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ) الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ اسْتَهْزَأَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] قَالَ: فِي " الْمُغْنِي " وَالشَّرْحِ " وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى فِي الْهَازِئِ بِذَلِكَ؛ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يُؤَدَّبَ أَدَبًا يَزْجُرُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُكْتَفَ مِمَّنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالتَّوْبَةِ؛ فَهَذَا أَوْلَى (أَوْ امْتَهَنَ الْقُرْآنَ الَّذِي صَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ ادَّعَى اخْتِلَافَهُ أَوْ اخْتِلَاقَهُ، أَوْ ادَّعَى الْقُدْرَةَ عَلَى مِثْلِهِ، أَوْ أَسْقَطَ حُرْمَتَهُ، كَفَرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ:
стр. 4036
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]
وَ (لَا) يُكَفَّرُ (مَنْ حَكَى كُفْرًا سَمِعَهُ وَلَا يَعْتَقِدُهُ) قَالَ: فِي " الْفُرُوعِ " وَلَعَلَّ هَذَا إجْمَاعٌ.
وَفِي " الِانْتِصَارِ " مَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ كُفْرٍ مِنْ لُبْسِ غِيَارٍ وَشَدِّ زُنَّارٍ وَتَعْلِيقِ صَلِيبٍ بِصَدْرِهِ؛ حَرُمَ، وَلَمْ يُكَفَّرْ
(أَوْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ كُفْرٍ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهَا) فَلَا يُكَفَّرُ بِذَلِكَ، وَلَا مَنْ جَرَى الْكُفْرُ عَلَى لِسَانِهِ سَبْقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ لِشِدَّةِ فَرَحٍ أَوْ دَهْشٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتِ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُك فَقَالَ: غَلَطًا أَنْتِ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك لِحَدِيثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» .
(وَإِنْ تَرَكَ مُكَلَّفٌ عِبَادَةً مِنْ الْخَمْسِ تَهَاوُنًا) مَعَ إقْرَارِهِ بِوُجُوبِهَا (لَمْ يُكَفَّرْ) سَوَاءٌ عَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهَا أَبَدًا أَوْ عَلَى تَأْخِيرِهَا إلَى زَمَنٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ دُخُولَ النَّارِ. قَالَ: مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَخْبَرَ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: إذَنْ يَتَّكِلُوا، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وَلَوْ كَفَرَ بِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي مَشِيئَةِ الْغُفْرَانِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يُغْفَرُ (إلَّا بِالصَّلَاةِ أَوْ بِشَرْطٍ لَهَا أَوْ رُكْنٍ لَهَا مُجْمَعٍ عَلَيْهِ) ؛ أَيْ: عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ لَهَا (إذَا دَعَاهُ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ) إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي تَرَكَهُ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ شَرْطِهَا أَوْ رُكْنِهَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ (وَامْتَنَعَ) مِنْ فِعْلِهِ حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَ الصَّلَاةِ الَّتِي دُعِيَ لَهَا؛ فَيُكَفَّرُ (عَلَى مَا مَرَّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ) مُفَصَّلًا، وَيُسْتَتَابُ كَمُرْتَدٍّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا، فَإِنْ تَابَ بِفِعْلِهَا خُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَإِنْ أَصَرَّ قُتِلَ كُفْرًا بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ وَدِعَايَةِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، أَوْ يُقْتَلُ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ
стр. 4037
مِنْ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا وَرُكْنِهَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ حَدًّا، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ.
(وَمَنْ اعْتَقَدَ قِدَمَ الْعَالَمِ، أَوْ اعْتَقَدَ حُدُوثَ الصَّانِعِ، أَوْ سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّهِ أَوْ وَعِيدِهِ) فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ كَالِاسْتِهْزَاءِ بِاَللَّهِ وَالْعِيَاذِ بِاَللَّهِ (أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ) ؛ أَيْ: تَدَيَّنَ (بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ) كَالنَّصَارَى وَالْيَهُودِ (أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ) أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُ؛ فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الْآيَةَ.
(أَوْ قَالَ: قَوْلًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ) ؛ أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ (أَوْ كَفَّرَ الصَّحَابَةَ) بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ (فَهُوَ كَافِرٌ) ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلرَّسُولِ فِي قَوْلِهِ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» ) وَغَيْرِهِ. وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ.
(قَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ) وَكَذَا مَنْ اعْتَقَدَ أَنْ الْكَنَائِسَ بُيُوتُ اللَّهِ، أَوْ أَنَّهُ يُعْبَدُ (فِيهَا،) أَوْ أَنْ مَا يَفْعَلُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِبَادَةٌ لِلَّهِ وَطَاعَةٌ لَهُ وَلِرَسُولِهِ، أَوْ أَنَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ، أَوْ (يَرْضَاهُ) فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ اعْتِقَادُهُ صِحَّةَ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ كُفْرٌ (أَوْ أَعَانَهُمْ عَلَى فَتْحِهَا) ؛ أَيْ: الْكَنَائِسِ (وَإِقَامَةِ دِينِهِمْ؛ وَ) اعْتَقَدَ (أَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ أَوْ طَاعَةٌ) فَهُوَ كَافِرٌ لِتَضَمُّنِهِ اعْتِقَادَ صِحَّةِ دِينِهِمْ.
وَقَالَ: الشَّيْخُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَنْ اعْتَقَدَ أَنْ زِيَارَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَنَائِسَهُمْ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ؛ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، وَإِنْ جَهِلَ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عُرِّفَ ذَلِكَ، فَإِنْ أَصَرَّ صَارَ مُرْتَدًّا؛ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]
وَقَالَ: قَوْلُ الْقَائِلِ مَا ثَمَّ إلَّا اللَّهُ، إنْ أَرَادَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِلْحَادِ مِنْ أَنَّ مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ إلَّا اللَّهُ، وَيَقُولُونَ إنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ، وَالْخَالِقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ، وَالْمَخْلُوقُ هُوَ الْخَالِقُ، وَالْعَبْدُ هُوَ الرَّبُّ، وَالرَّبُّ هُوَ الْعَبْدُ،
стр. 4038
وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى بُطْلَانِهَا، فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا الْقَتْلُ.
وَقَالَ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (أَوْ) اعْتَقَدَ (أَنْ لِأَحَدٍ طَرِيقًا إلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ مُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ) أَوْ أَنَّ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ خُرُوجًا عَنْ اتِّبَاعِهِ ﷺ وَعَنْ أَخْذِ مَا بُعِثَ بِهِ (أَوْ قَالَ: أَنَا مُحْتَاجٌ إلَى مُحَمَّدٍ فِي عِلْمِ الظَّاهِرِ دُونَ عِلْمِ الْبَاطِنِ، أَوْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، أَوْ قَالَ: إنَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ يَسَعُهُ الْخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَتِهِ) ﷺ (كَمَا وَسِعَ الْخَضِرُ الْخُرُوجَ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى) - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أَوْ اعْتَقَدَ أَنْ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَالَ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَخِفَّ بِالتَّوْرَاةِ (أَوْ) يَلْعَنَهَا، بَلْ مَنْ (لَعَنَ التَّوْرَاةَ) فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، وَحِينَئِذٍ فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْرَفُ أَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا؛ فَهَذَا يُقْتَلُ بِشَتْمِهِ لَهَا، وَ (لَا) يُكَفَّرُ بِشَتْمِهِ (مَا بِأَيْدِيهِمْ) ؛ أَيْ: الْيَهُودِ (الْآنَ مِنْهَا) بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَصْدَهُ ذِكْرُ تَحْرِيفِهَا مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: نُسَخُ هَذِهِ التَّوْرَاةِ مُبَدَّلَةٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِيهَا، وَمَنْ عَمِلَ الْيَوْمَ بِشَرَائِعِهَا الْمُبَدَّلَةِ وَالْمَنْسُوخَةِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، أَوْ لَعَنَ دِينَ الْيَهُودِ الَّذِينَ هُمْ عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ فَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ لَا بَأْسَ عَلَى قَائِلِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(أَوْ زَعَمَ أَنْ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ مُخْتَلِطًا بِالْمَخْلُوقَاتِ) يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (أَوْ قَالَ: إنَّ) قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] بِمَعْنَى قَدَّرَ فَإِنَّ اللَّهَ مَا قَدَّرَ شَيْئًا إلَّا وَقَعَ وَجَعَلَ (عُبَّادَ الْأَصْنَامِ مَا عَبَدُوا [إلَّا]
стр. 4039
اللَّهَ) فَإِنَّ هَذَا الْمُعْتَقَدَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كُفْرًا بِالْكُتُبِ كُلِّهَا، لِتَكْذِيبِهِ لَهَا فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ ثُبُوتِ وَحْدَانِيِّتِهِ تَعَالَى، بَلْ مَعْنَى قَضَى هُنَا أَوْجَبَ، وَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهَذِهِ الْفِرَقِ وَأَفْسَدَ كَثِيرًا مِنْ عَقَائِدِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ.
(أَوْ ادَّعَى أُلُوهِيَّةَ عَلَيَّ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَالنُّصَيْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِحُلُولِ الْإِلَهِ فِيهِ وَبِالتَّنَاسُخِ وَإِنْكَارِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَأَنَّ جَنَّةَ الْإِنْسَانِ الْمَعِيشَةُ الْهَنِيَّةُ وَنَارَهُ هِيَ الْمَعِيشَةُ الرَّزِيَّةُ، وَأَنَّ لَيَالِيَ رَمَضَانَ أَسْمَاءُ ثَلَاثِينَ امْرَأَةً، هُنَّ فُلَانَةُ وَفُلَانَةُ وَفُلَانَةُ وَأَيَّامُهُ أَسْمَاءُ لِثَلَاثِينَ رَجُلًا هُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَأَنَّ الْخَمْرَ مُبَاحٌ شُرْبُهَا، وَيَلْعَنُونَ مَنْ يَقُولُ بِتَحْرِيمِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْهَذَيَانَاتِ الَّتِي هِيَ صَرِيحَةٌ بِكُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ (أَوْ ادَّعَى نُبُوَّتَهُ) ؛ أَيْ: عَلَيَّ ﵁ (أَوْ) ادَّعَى (أَنْ جِبْرِيلَ) ﵇ (غَلَطَ) كَغُلَاةِ الرَّوَافِضِ؛ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، بَلْ لَا شَكَّ فِي كُفْرِ مَنْ تَوَقَّفَ فِي تَكْفِيرِهِ.
(أَوْ) ؛ أَيِّ: وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ (أَنْ الْقُرْآنَ نَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ كُتِمَ مِنْهُ شَيْءٌ وَأَنَّ لَهُ تَأْوِيلَاتٌ بَاطِنَةٌ تُسْقِطُ الْأَعْمَالَ الْمَشْرُوعَةَ) مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَزَكَاةٍ وَغَيْرِهَا (كَالْقَرَامِطَةِ وَهِيَ الْبَاطِنِيَّةُ) الْقَائِلُونَ إنَّ اللَّهَ احْتَجَبَ بِالْحُكْمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، كَمَا احْتَجَبَ بِالشَّجَرَةِ حِينَ كَلَّمَ مُوسَى، وَهُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يَنْطِقَ الْبَارِّي عَلَى لِسَانِهِ، وَيُظْهِرُ لِلْعَالَمِينَ قُدْرَتَهُ، وَيَحْتَجِبُ عَنْهُمْ فِيهِ فَلَمَّا حَلَّ فِيهِ صَارَ هُوَ هُوَ، وَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَأَنَّ الْقُرْآنَ لَهُ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، مَنْ قَالَ: بِظَاهِرِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَالصَّلَاةُ هِيَ الْعَهْدُ الْمَأْلُوفُ، وَسُمِّيَتْ صَلَاةً؛ لِأَنَّهَا صِلَةٌ بَيْنَ الْمُسْتَجِيبِينَ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ، فَالصَّلَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ صِلَةُ الْقُلُوبِ بِتَوْحِيدِ الْحَاكِمِ، فَمَنْ تَرَكَ تَوْحِيدَهُ فَقَدْ كَفَرَ وَالزَّكَاةُ هِيَ وِلَايَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَقَدْ أَسْقَطَهَا الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ تَوْحِيدُهُ.
وَقَالُوا: الصَّوْمُ هُوَ الصَّمْتُ، وَالْحَجُّ تَوْحِيدُهُ، وَالْجِهَادُ هُوَ فِي الْحَشْوِيَّةِ النَّوَاصِبُ، وَفِي
стр. 4040
الْحَقِيقَةِ بَذْلُ الْجَهْدِ فِي تَوْحِيدِ الْحَاكِمِ وَالنَّاطِقُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْأَسَاسُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ نَسَخَ الْحَاكِمُ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ بِالْكَمَالِ، وَالْعَرْشُ هُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ، وَالْعَذَابُ الْأَلِيمُ تَجْدِيدُ الظَّاهِرِ فِي الْقُلُوبِ، وَقَالُوا: إنَّ الْبَارِيَ أَظْهَرَ مِنْ نُورِهِ صُورَةً كَامِلَةً، سَمَّاهَا الْعَقْلَ وَهُوَ عِلَّةُ الْعِلَلِ، وَهُوَ السَّابِقُ الْحَقِيقِيُّ؛ لِأَنَّهُ هُيُولِيٌّ كُلِّ شَيْءٍ وَبِهِ تَكْوِينُهُ، فَسَأَلَ الْعَقْلُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مُعِينًا عَلَى الضِّدِّ الْمُخَالِفِ - وَهُوَ إبْلِيسُ - فَأَبْدَعَ لَهُ الشَّوْقَ وَهُوَ التَّالِي، وَجَعَلَهُ سَامِعًا لِلسَّابِقِ مُطِيعًا لِأَمْرِهِ، وَقَالُوا إنَّ: الْحَاكِمَ مُعْلٍ عِلَّةَ الْعِلَلِ، يَظْهَرُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَزَمَانٍ فِي صُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ وَصِفَةٍ مَرْئِيَّةٍ كَيْف شَاءَ حَيْثُ يَشَاءُ، وَهُوَ مُبْدِعُ الْإِبْدَاعِ، وَخَالِقُ الْأَنْوَاعِ، مُنَزَّهٌ عَنْ الصِّفَاتِ وَالْمُبْدَعَاتِ، لَا تُحِيطُ بِهِ الْجِهَاتُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى وَصْفِهِ اللُّغَاتُ، بَلْ هُوَ مَعْبُودُ جَمِيعِ الْأَنَامِ، وَهُوَ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ الظَّاهِرَةُ لِخَلْقِهِ بِالْبَشَرِيَّةِ، الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَالِمِ الْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي يَحْكُمُ عَلَى جَمِيعِ النُّطَقَاءِ، وَيَسْتَعْبِدُهُمْ تَحْتَ حُكْمِهِ وَسُلْطَانِهِ، ثُمَّ نَسَخَ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ؛ لِأَنَّهَا مُنْكَرَاتٌ قَالَ: لِمُحَمَّدٍ: وَإِنَّهُ عَنْ الْمُنْكَرِ يَعْنِي الشَّرِيعَةَ، وَأَرْسَلَ حَمْزَةَ، وَسَمَّاهُ هَادِيَ الْمُسْتَجِيبِينَ، يَهْدِي الْعَالَمَ إلَى دِينِ الْحَقِّ، وَهُوَ دِينُ الْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَفْظُ الْجَلَالَةِ كَيْف مَا وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ هِيَ لَاهُوتُ الْحَاكِمِ وَلَفْظُ الرَّسُولِ هُوَ حَمْزَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ ذُو معة؛ لِأَنَّهُ وِعَاءُ تَوْحِيدِ الْحَاكِمِ، وَإِنَّ الْحَاكِمَ يَظْهَرُ فِي سَبْعِينَ عَصْرًا، وَظُهُورُهُ فِي النَّاسُوتِ الْبَشَرِيِّ دَلِيلٌ عَلَى تَغْيِيرِ الشَّرِيعَةِ، وَإِثْبَاتِ التَّوْحِيدِ، وَإِظْهَارُهُ الشَّرِيعَةَ الشَّرِيفَةَ الرُّوحَانِيَّةَ عَلَى يَدِ عَبْدِهِ حَمْزَةَ، وَقَالُوا: النَّارُ عِلْمُ الْحَقِيقَةِ، وَالْجَنَّةُ الدَّعْوَةُ التَّوْحِيدِيَّةُ، وَالنُّطَقَاءُ هُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَلِكُلِّ نَاطِقٍ أَسَاسٌ، وَخَاتَمُ النُّطَقَاءُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ خَتَمَ الشَّرَائِعَ، وَتَمَّمَهَا، وَنَسَخَ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ، فَلَا يَكُونُ بَعْدَهُ شَرِيعَةٌ تَكْلِيفِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الشَّرَائِعَ كُلَّهَا تَدْعُوَا إلَى عِبَادَةِ الْعَدَمِ، وَكَذَلِكَ ظَهَرَ الْحَاكِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ بِالصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْقَائِمِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلَ مَا ظَهَرَ لِخَلْقِهِ بِالْمُلْكِ
стр. 4041
وَالْبَشَرِيَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ حَتَّى يُعْرَفَ وَلَا يُنْكَرُ، وَيُطَاعَ وَلَا يُكْفَرَ، وَأَرْسَلَ عَبْدَهُ حَمْزَةَ، وَسَمَّاهُ هَادِيَ الْمُسْتَجِيبِينَ، الْمُنْتَقِمَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ كِتَابٍ لَهُمْ مَرْسُومٍ بِكَشْفِ الْحَقَائِقِ.
وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة هُمْ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الْأَمَانَةَ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرَ الصَّادِقِ، وَمِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ اللَّهَ لَا مَوْجُودَ وَلَا مَعْدُومَ وَلَا عَالِمَ وَلَا جَاهِلَ، وَلَا قَادِرَ وَلَا عَاجِزَ، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِثْبَاتَ لِحَقِيقِيَّتِهِ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْجُودَاتِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ، وَالنَّفْيُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي مُشَارَكَتَهُ لِلْمَعْدُومَاتِ، وَهُوَ تَعْطِيلٌ، بَلْ هُوَ وَاهِبُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَرَبُّ الْمُتَضَادَّاتِ انْتَهَى مِنْ تَعْرِيفَاتِ السَّيِّدِ.
وَكَذَا الدُّرُوزُ والتيامنة الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ عَقَائِدَ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ، وَجَمِيعُ الطَّوَائِفِ الْمَذْكُورُونَ زَنَادِقَةٌ مَلَاحِدَةٌ مُتَقَارِبُونَ فِي الِاعْتِقَادِ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ مِثْلُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ كُفْرًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ بِجِزْيَةٍ وَلَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ وَلَا فِي حُصُونِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَزَمَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُمْ أَشَدُّ كُفْرًا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ تَنَاسُخَ الْأَرْوَاحِ، وَحُلُولَ الْإِلَهِ فِي عَلِيٍّ وَالْحَاكِمِ، وَقَالَ: لَيْسَ هُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ، بَلْ بِمَنْزِلَةِ الْكُفْرِ وَالصَّابِئِينَ؛ فَيُبَاحُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَخْذُ أَمْوَالِهِمْ، وَسَبْيُ نِسَائِهِمْ - لَا افْتِرَاشُهَا - لِأَنَّهُمْ زَنَادِقَةٌ فُجَّارٌ، لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ، بَلْ يُقْتَلُونَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا، وَيُلْعَنُونَ كَمَا وُصِفُوا، وَلَا يَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُمْ لِلْحِرَاسَةِ وَالْبِوَابَةِ؛ وَيَجُوزُ قَتْلُ عُلَمَائِهِمْ وَصُلَحَائِهِمْ لِئَلَّا؛ يُضِلُّوا غَيْرَهُمْ، وَيَحْرُمُ النَّوْمُ مَعَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَرُفْقَتُهُمْ وَالْمَشْيُ مَعَهُمْ وَتَشْيِيعُ جَنَائِزِهِمْ إذَا عُلِمَ مَوْتُهَا، وَيَحْرُمُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ إضَاعَةُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
وَقَالَ: فِي الِانْتِصَارِ: مَالُ كَافِرٍ مُصَالِحٍ مُبَاحٌ بِطِيبِ نَفْسِهِ، وَالْحَرْبِيُّ مُبَاحٌ أَخْذُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ.
(أَوْ قَذَفَ عَائِشَةَ) ﵂ (بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ) مِنْهُ؛ كُفْرٌ بِلَا خِلَافٍ
стр. 4042
لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَصِّ الْكِتَابِ (وَفِي قَذْفِ غَيْرِهَا مِنْ نِسَائِهِ) ﷺ (قَوْلَانِ؛ صَحَّحَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (أَنَّهُ كَهُوَ) ؛ أَيْ كَقَذْفِ عَائِشَةَ ﵂ وَالثَّانِي أَنَّهُ كَسَبِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، لِعَدَمِ نَصٍّ خَاصٍّ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلَّ كَوْنِ قَذْفِ إحْدَى نِسَائِهِ الطَّاهِرَاتِ غَيْرَ عَائِشَةَ (فِي حَيَاتِهِ خَاصَّةً لِتَنْقِيصِهِ ﵊) وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْغَضَاضَةِ وَالْعَارِ ﵊ وَهَذَا مَفْقُودٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَذَا قَالَ: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ وُقُوعِ ذَلِكَ، فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ كَذَا قَالَ: مَعَ أَنَّهُ ﷺ وَاجِبُ الِاحْتِرَامِ حَيًّا وَمَيِّتًا، بَلْ جُرْمُ مُتَنَقَّصِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَعْظَمُ مِنْ جُرْمِ مَنْ تَنَقَّصَهُ فِي حَيَاتِهِ؛ إذْ يُمْكِنُ فِي حَيَاتِهِ الْعَفْوُ عَمَّنْ فَرَطَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ فَالْعَفْوُ مُتَعَذَّرٌ وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَذَاهُ بِقَذْفِ نِسَائِهِ الطَّاهِرَاتِ أَعْظَمُ مِنْ أَذَاهُ بِنِكَاحِهِنَّ بَعْدَهُ
(أَوْ زَعَمَ أَنْ الصَّحَابَةَ ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا نَفَرًا قَلِيلًا لَا يَبْلُغُونَ بِضْعَةَ عَشْرَ) نَفْسًا (أَوْ زَعَمَ أَنَّهُمْ فَسَقَوْا، كَفَرَ فِي الْكُلِّ) ؛ أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِمَا نَصَّهُ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الرِّضَا عَنْهُمْ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، بَلْ مَنْ شَكَّ فِي مِثْلِ هَذَا فَكُفْرُهُ مُتَعَيَّنٌ فَإِنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنَّ نَقَلَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كُفَّارٌ أَوْ فُسَّاقٌ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ الَّتِي هِيَ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَخَيْرُهَا هُوَ الْقَرْنُ الْأَوَّلُ كَانَ عَامَّتُهُمْ كُفَّارًا أَوْ فُسَّاقًا، وَمَضْمُونُهَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ شَرُّ الْأُمَمِ، وَأَنَّ سَابِقِي هَذِهِ الْأُمَّةِ هُمْ شِرَارُهَا، وَكُفْرُ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
(قَالَ: الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (فِي) كِتَابِهِ (الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ) وَقَالَ: وَلِهَذَا تَجِدُ عَامَّةَ مَنْ ظَهَرَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ؛ فَإِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَعَامَّةُ الزَّنَادِقَةِ
стр. 4043
إنَّمَا يَسْتَتِرُونَ بِمَذْهَبِهِمْ؛ وَقَدْ ظَهَرَتْ لِلَّهِ فِيهِمْ مُثُلَاتٌ وَتَوَاتَرَ النَّقْلُ بِأَنَّ وُجُوهَهُمْ تُمْسَخُ خَنَازِيرَ فِي الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ انْتَهَى.
(وَكَذَا مَنْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ أَبِي بَكْرٍ) بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَقَدْ كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠] فَإِنْكَارُ صُحْبَتِهِ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ، وَكَذَا يَكْفُرُ مُنْكِرُ صُحْبَتِهِ نَحْوَ عُمَرَ كَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ؛ لِتَكْذِيبِهِ النَّبِيَّ ﷺ لِصَحَابِيَّتِهِ، وَلِأَنَّهُ يَعْرِفُهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، فَنَافِي صَحَابِيَّتِهِ أَحَدِهِمْ مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ
[تَتِمَّةٌ سَبَّ الصَّحَابَةَ سَبَّا لَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ وَلَا دِينِهِمْ]
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ سَبَّا لَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ وَلَا دِينِهِمْ مِثْلُ مَنْ وَصَفَ بَعْضُهُمْ بِبُخْلٍ أَوْ جُبْنٍ أَوْ قِلَّةِ عِلْمٍ أَوْ عَدَمِ زُهْدٍ وَنَحْوِهِ؛ فَهَذَا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ وَالتَّعْزِيرَ، وَلَا يُكَفَّرُ، وَأَمَّا مَنْ لَعَنَ وَقَبَّحَ مُطْلَقًا، فَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ أَعْنِي هَلْ يُكَفَّرُ أَوْ يُفَسَّقُ؟ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي كُفْرِهِ وَقَتْلِهِ، وَقَالَ: يُعَاقَبُ وَيُجْلَدُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ، وَفِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ يَسْتَحِقُّ عُقُوبَةً بَلِيغَةً بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
(أَوْ شُفِعَ عِنْدَهُ) فِي رَجُلٍ فَقَالَ: " لَوْ جَاءَ النَّبِيُّ " ﷺ (لِيَشْفَعَ فِيهِ مَا قَبِلْت مِنْهُ؛ كَفَرَ وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُحْكَمُ بِكُفْرِ قَائِلِ ذَلِكَ (إنْ قَالَهُ اسْتِخْفَافًا) بِمَقَامِهِ الرَّفِيعِ ﷺ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَتُوبَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أَوْ قَبْلَهَا فَإِنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ قُتِلَ (لَا) إنْ تَابَ قَبْلَهَا.
أَوْ قَالَ ذَلِكَ (لِلتَّأْكِيدِ) دُونَ الِاسْتِخْفَافِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُكَفَّرُ، وَلَا يُقْتَلُ كَالْمُحَارِبِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَفَادَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 4044
[فَصْلٌ فِي مَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا]
فَصْلٌ
(فَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا - وَلَوْ أُنْثَى - دُعِيَ إلَيْهِ وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا) رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ هَلْ كَانَ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ قَالَ عُمَرُ: فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَأَسْقَيْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ أَوْ يُرَاجِعُ اللَّهَ؟ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الِاسْتِتَابَةُ لَمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِقَتْلِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِ) مُدَّةَ الِاسْتِتَابَةِ (وَيُحْبَسَ) لِقَوْلِ عُمَرَ فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ، وَلِئَلَّا يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَيَنْبَغِي أَنْ تُكَرَّرَ دِعَايَتُهُ، لَعَلَّهُ يُرَاجِعُ دِينَهُ (فَإِنْ تَابَ لَمْ يُعَزَّرْ) وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ لِأَنَّ فِيهِ تَنْفِيرًا لَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ (وَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى رِدَّتِهِ (قُتِلَ بِالسَّيْفِ، وَلَا يُحْرَقُ بِالنَّارِ) لِحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» وَحَدِيث: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» يَعْنِي النَّارَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد.
(وَلَا يُقْتَلُ رَسُولُ كُفَّارٍ مُرْتَدٌّ بِدَلِيلِ رَسُولَيْ مُسَيْلِمَةَ) الْكَذَّابِ حَارَبَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَقُتِلَ عَلَى يَدِ وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ، وَكَانَ وَحْشِيٌّ يَقُولُ: قَتَلْت خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -؛ أَيْ: جَاهِلِيَّتِهِ - وَشَرَّهَا فِي الْإِسْلَامِ الْكَذَّابَ مُسَيْلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ، - وَهُمَا ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أَثَالٍ جَاءَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقْتُلْهُمَا.
стр. 4045
(وَلَا يَقْتُلُ الْمُرْتَدَّ إلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَكَانَ إلَى الْإِمَامِ كَرَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ لِكُفْرِهِ لَا حَدًّا (فَإِنْ قَتَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَدَّ (غَيْرُهُمَا) ؛ أَيْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ أَحَدِهِمَا (أَسَاءَ وَعُزِّرَ) لِافْتِئَاتِهِ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ.
(وَلَا ضَمَانَ) بِقَتْلِ مُرْتَدٍّ (وَلَوْ كَانَ) قَتْلُهُ (قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ، وَرِدَّتُهُ أَبَاحَتْ دَمَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ كَمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ بَعْدَهَا (أَوْ) كَانَ الْمَقْتُولُ (مُمَيِّزًا) إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ الضَّمَانُ بِدَلِيلِ نِسَاءِ حَرْبٍ وَذُرِّيَّتِهِمْ (إلَّا أَنْ يَلْحَقَ) الْمُرْتَدُّ (بِدَارِ حَرْبٍ ف) يَجُوزُ (لِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُ) بِلَا اسْتِتَابَةٍ (وَأَخْذُ مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا، وَمَا تَرَكَهُ بِدَارِنَا مَعْصُومٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَالطِّفْلُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونُ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ وَلَا إسْلَامُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ، فَإِنْ ارْتَدَّ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يُقْتَلْ فِي حَالِ جُنُونِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَإِنْ أَفَاقَ اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
(وَمَنْ أَطْلَقَ الشَّارِعُ) ؛ أَيْ: النَّبِيُّ ﷺ (كُفْرَهُ كَدَعْوَاهُ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَمَنْ أَتَى عَرَّافًا) وَهُوَ الَّذِي يَحْدُسُ وَيَتَخَرَّصُ (فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَهُوَ تَشْدِيدٌ) وَتَأْكِيدٌ (لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ أَوْ) ؛ أَيْ: وَقِيلَ (كُفْرُ نِعْمَةٍ أَوْ قَارَبَ الْكُفْرَ أَوْ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ) نَقَلَهُ حَنْبَلٌ.
وَعَنْهُ يَجِبُ الْوَقْفُ وَلَا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يُنْقَلُ عَنْ الْمِلَّةِ (وَنَصَّ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَالْبُخَارِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْكُفْرِ دُونَ بَعْضٍ) وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» ؛ أَيْ: جَحَدَ تَصْدِيقَهُ بِكَذِبِهِمْ؛ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى هَذَا إذَا اعْتَقَدَ تَصْدِيقَهُمْ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ كُفْرًا حَقِيقَةً انْتَهَى.
(وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ جَوَازُ إطْلَاقِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ عَلَى بَعْضِ الذُّنُوبِ
стр. 4046
الَّتِي لَا تُخْرِجُ عَنْ الْمِلَّةِ) وَأَنْكَرَ الْقَاضِي جَوَازَ إطْلَاقِ اسْمِ كُفْرِ النِّعْمَةِ عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ حَنْبَلٍ، وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّى الْكَلَامَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ النُّصُوصِ تَوَرُّعًا، وَيَمُرُّ بِهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تُخْرِجُ عَنْ الْمِلَّةِ.
(وَيَصِحُّ إسْلَامُ مُمَيِّزٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (عَقَلَهُ) ؛ أَيْ: الْإِسْلَامَ؛ بِأَنْ عَلِمَ أَنْ اللَّهَ تَعَالَى رَبُّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً؛ لِإِسْلَامِ عَلِيٍّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، وَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ مَنَاقِبِهِ وَسَبْقِهِ، وَقَالَ ﵁: سَبَقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا صَبِيًّا مَا بَلَغْت أَوَانَ حُلُمِي وَيُقَالُ: إنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الصِّبْيَانِ، وَمِنْ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنْ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنْ الْعَبِيدِ بِلَالٌ.
وَقَالَ عُرْوَةُ: أَسْلَمَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَهُمَا ابْنَا ثَمَانِ سِنِينَ.
وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
وَالصَّبِيُّ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَصَحَّتْ مِنْ الصَّبِيِّ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَلِأَنَّ اللَّهَ دَعَا إلَى دَارِ السَّلَامِ، وَجَعَلَ طَرِيقَهَا الْإِسْلَامَ؛ فَلَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِنْ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ وَسُلُوكِ طَرِيقِهَا.
لَا يُقَالُ الْإِسْلَامُ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فِي مَالِهِ، وَنَفَقَةَ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، وَحِرْمَانَ مِيرَاثِ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ، وَفَسْخَ نِكَاحِهِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ نَفْعٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ مُحْصِنَةٌ لِلْمَالِ، وَالْمِيرَاثُ وَالنَّفَقَةُ أَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ، وَذَلِكَ مَجْبُورٌ بِحُصُولِ الْمِيرَاثِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَسُقُوطِ نَفَقَةِ أَقَارِبِهِ الْكُفَّارِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا الضَّرَرَ مَغْمُورٌ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ سَعَادَةِ الدَّارَيْنِ.
(وَتَصِحُّ رِدَّتُهُ) ؛ أَيْ: الْمُمَيِّزِ (فَإِنْ أَسْلَمَ) وَهُوَ يَعْقِلُهُ (حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُفَّارٍ) صَوْنًا لَهُ؛ لِضَعْفِ عَقْلِهِ فَرُبَّمَا أَفْسَدُوهُ (فَإِنْ قَالَ بَعْدَ إسْلَامِهِ لَمْ أُرِدْ مَا قُلْت فَكَمَا لَوْ ارْتَدَّ) ؛ أَيْ: لَمْ يَبْطُلْ إسْلَامُهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ
стр. 4047
خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَيَكُونُ كَالْبَالِغِ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ.
(وَلَا يُقْتَلُ هُوَ) ؛ أَيْ: الْمُمَيِّزُ حَيْثُ ارْتَدَّ (وَلَا سَكْرَانُ إنْ ارْتَدَّ حَتَّى يُسْتَتَابَا) ؛ أَيْ: الصَّغِيرُ (بَعْدَ بُلُوغِهِ وَ) السَّكْرَانُ (بَعْدَ صَحْوِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِأَنَّ الْبُلُوغَ وَالصَّحْوَ أَوَّلُ زَمَنٍ صَارَا فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ حَتَّى يَحْتَلِمَ لِلْخَبَرِ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَلِأَنَّ الْحَدَّ شُرِعَ لِلزَّجْرِ، وَلَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ فِي حَالِ سُكْرِهِ.
(وَإِنْ مَاتَ) مَنْ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ (فِي سُكْرٍ) ؛ أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَصْحُوَ مَاتَ كَافِرًا؛ لِمَوْتِهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فَلَا يَرِثُهُ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ، وَلَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ مَعَنَا
(أَوْ) مَاتَ مُمَيِّزٌ ارْتَدَّ (قَبْلَ بُلُوغٍ) وَقَبْلَ تَوْبَتِهِ (مَاتَ كَافِرًا) لِمَوْتِهِ فِي الرِّدَّةِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ) السَّكْرَانُ وَلَوْ أَصْلِيًّا (فِي حَالِ سُكْرِهِ) ، صَحَّ إسْلَامُهُ، ثُمَّ يُسْأَلُ بَعْدَ صَحْوِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى إسْلَامِهِ حَالَ سُكْرِهِ، فَيَقْضِي الصَّلَاةَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَفَرَ فَهُوَ كَافِرٌ مِنْ حِينِ كُفْرِهِ بَعْدَ صَحْوِهِ فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ) قَوِيٌّ مَحِلَّ صِحَّةِ إسْلَامِهِ إنْ ارْتَدَّ فِي حَالِ سُكْرِهِ لَا إنْ حَصَلَتْ مِنْهُ الرِّدَّةُ فِي حَالِ عَقْلِهِ ثُمَّ سَكِرَ بِشُرْبِهِ مُحَرَّمًا عَمْدًا؛ فَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ حَتَّى يَصْحُوَ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكْمُلْ عَقْلُهُ وَلَا يُدْرِكُ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ إذَا أَسْلَمَ فِي سُكْرِهِ؛ فَيَصِحُّ مِنْهُ، وَيُؤْمَرُ بَعْدَ صَحْوِهِ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا تُقْبَلُ فِي) أَحْكَامِ (الدُّنْيَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ) بِحَيْثُ يُتْرَكُ قَتْلُهُمْ وَتَثْبُتُ
стр. 4048
أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ (تَوْبَةُ زِنْدِيقٍ وَهُوَ الْمُنَافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] وَالزِّنْدِيقُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ رُجُوعُهُ وَتَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّ الزِّنْدِيقَ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَنْفِي الْكُفْرَ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَلْبُهُ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَكُونُ لِمَا قَالَهُ حُكْمٌ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَدْفِعُ الْقَتْلَ بِإِظْهَارِ التَّوْبَةِ فِي ذَلِكَ.
وَالْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ أَنَّ الزِّنْدِيقَ هُوَ الَّذِي لَا يَتَمَسَّكُ بِشَرِيعَةٍ، وَيَقُولُ بِدَوَامِ الدَّهْرِ.
وَالْعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِمْ: مُلْحِدٌ؛ أَيْ: طَاعِنٌ فِي الْأَدْيَانِ.
(وَلَا) تُقْبَلُ فِي الدُّنْيَا تَوْبَةُ (مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] (وَيَتَّجِهُ أَقَلُّهُ) ؛ أَيْ: أَقَلُّ مَا يَثْبُتُ بِهِ تَكْرَارُ الِارْتِدَادِ (ثَلَاثًا) ؛ أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (ك) ثُبُوتِ (عَادَةِ حَائِضٍ) بِتَكْرَارِ ثَلَاثٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٣٧] وَالِازْدِيَادُ يَقْتَضِي كُفْرًا مُتَجَدِّدًا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ تَكْرَارَ رِدَّتِهِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 4049
(أَوْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى صَرِيحًا) ؛ أَيْ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؛ لِعِظَمِ ذَنْبِهِ جِدًّا، فَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ، (أَوْ) سَبَّ (رَسُولًا أَوْ مَلِكًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِلَّهِ تَعَالَى: (أَوْ تَنَقَّصَهُ) ؛ أَيْ: اللَّهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ أَوْ وَاحِدًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ؛ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِاسْتِخْفَافِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ رَسُولِهِ ﵊
(أَوْ) ؛ أَيْ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ سَاحِرٍ (كَفَرَ بِسِحْرِهِ) كَاَلَّذِي يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ؛ لِمَا رَوَى جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، فَسَمَّاهُ حَدًّا، وَالْحَدُّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى إخْلَاصِهِ فِي تَوْبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُضْمِرُ السِّحْرَ وَلَا يَجْهَرُ بِهِ، فَيَكُونُ إظْهَارُهُ لِلْإِسْلَامِ وَالتَّوْبَةِ خَوْفًا مِنْ الْقَتْلِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ.
(وَكَالْحُلُولِيَّةِ) وَالْمُبَاحِيَّةِ، وَكَمَنْ يُفَضِّلُ مَتْبُوعَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَالزَّاعِمِ أَنَّهُ إذَا حَصَلَتْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ وَالتَّحْقِيقُ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ؛ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَارِفَ الْمُحَقِّقَ يَجُوزُ لَهُ التَّدَيُّنُ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الطَّوَائِفِ الْمَارِقِينَ مِنْ الدِّينِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ فِي الظَّاهِرِ (وَيُقْتَلُونَ بِكُلِّ حَالٍ) كَالْمُنَافِقِينَ وَأَوْلَى (وَمَنْ صَدَقَ مِنْهُمْ فِي تَوْبَتِهِ) قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ بَاطِنًا (وَنَفَعَتْهُ فِي الْآخِرَةِ)
(وَمَنْ كَفَرَ بِبِدْعَةٍ مِنْ الْبِدَعِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَوْ كَانَ دَاعِيَةً إلَى بِدْعَتِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ) وَمَنْ أَظْهَر الْخَيْرَ وَأَبْطَنَ الْفِسْقَ فَهُوَ كَزِنْدِيقٍ فِي تَوْبَتِهِ لِمُؤَاخَذَتِهِ بِالْبَاطِنِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ظَاهِرًا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَتَّجِهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ) ؛ أَيْ: بِإِظْهَارِ الْخَيْرِ وَإِبْطَانِ
стр. 4050
الْفِسْقِ، لِأَنَّهُ كَالْمُنَافِقِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[تَتِمَّةٌ قَبُولُ تَوْبَةُ الْقَاتِلِ]
تَتِمَّةٌ: وَتُقْبَلُ تَوْبَةُ الْقَاتِلِ لِحَدِيثِ «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» فَلَوْ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَعُفِيَ عَنْهُ فَهَلْ يُطَالِبُهُ الْمَقْتُولُ فِي الْآخِرَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَتْلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ.
حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَقٌّ لِلْمَقْتُولِ، وَحَقٌّ لِلْوَلِيِّ، فَإِذَا أَسْلَمَ الْقَاتِلُ نَفْسَهُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا إلَى الْوَلِيِّ نِدَامًا عَلَى مَا فَعَلَ، وَخَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْبَةً نَصُوحًا؛ سَقَطَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ، وَحَقُّ الْأَوْلِيَاءِ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْ الصُّلْحِ أَوْ الْعَفْوِ، وَبَقِيَ حَقُّ الْمَقْتُولِ يُعَوِّضُهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيمَةِ عَنْ عَبْدِهِ التَّائِبِ، وَيُصْلِحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِنَايَاتِ.
[فَصْلٌ تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ وَالْكَافِرِ الْإِتْيَانُ بِالشَّهَادَتَيْنِ]
فَصْلٌ
(وَتَوْبَةُ مُرْتَدٍّ) إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ (وَ) تَوْبَةُ (كُلِّ كَافِرٍ) مِنْ كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ (إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ) ؛ أَيْ: قَوْلُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَنِيسَةَ فَإِذَا؛ بِيَهُودِيٍّ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ التَّوْرَاةَ، فَقَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمَّتِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ صِفَتُك وَصِفَةُ أُمَّتِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّك رَسُولُ اللَّهِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: لَوْ أَخَاكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ أَبِي صَخْرٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: «حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ الْأَعْرَابِ قَالَ جَلَبْت حَلُوبَةً إلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغْت
стр. 4051
مِنْ بَيْعَتِي قُلْت: لَأَلْقِيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ فَلَأَسْمَعَنَّ مِنْهُ، فَلَقِيتُهُ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ، فَتَبِعْتُهُمْ فِي أَقْفَائِهِمْ حَتَّى أَتَوْا عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ نَاشِرًا التَّوْرَاةَ يَقْرَأهَا يُعَزِّي نَفْسَهُ عَنْ ابْنٍ لَهُ فِي الْمَوْتِ كَأَحْسَنِ الْفِتْيَانِ وَأَجْمَلِهَا؛ فَقَالَ رَسُولُ ﷺ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَجِدُ فِي كِتَابِك ذَا صِفَتِي وَمَخْرَجِي؟ فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا، أَيْ لَا قَالَ: فَقَالَ ابْنُهُ إي وَاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ إنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا صِفَتَك وَمَخْرَجَك، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّك رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: أَقِيمُوا الْيَهُودَ عَنْ أَخِيكُمْ، ثُمَّ وَلِيَ كَفَنَهُ وَدَفْنَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ
، فَجَعَلَهُ أَخًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَوَلِيَ كَفَنَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِصْمَةَ ثَبَتَتْ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا كَالْمُسْلِمِ، فَإِذَا أَتَى الْكَافِرُ وَالْمُرْتَدُّ بِهِمَا ثَبَتَ إسْلَامُهُ، وَانْتَفَى كُفْرُهُ وَرِدَّتُهُ، وَيَكْفِي ذَلِكَ الْقَوْلُ لِعَدَمِ زِيَادَةِ النَّصِّ عَلَيْهِ وَالْحَلُوبَةُ: الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُ فَصَاعِدًا.
(وَيَتَّجِهُ أَوْ) إتْيَانُهُ (بِصَلَاةِ رَكْعَةٍ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا» الْخَبَرَ، لِأَنَّهَا رُكْنٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْإِسْلَامُ؛ فَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ كَالشَّهَادَتَيْنِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ: وَلَا يَثْبُتُ الْإِسْلَامُ حَتَّى يَأْتِيَ بِصَلَاةٍ تَتَمَيَّزُ عَنْ صَلَاةِ الْكُهَّانِ، وَلَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ.
وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَرْتِيبٌ لِلشَّهَادَتَيْنِ بِأَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، بَلْ لَوْ شَهِدَ بِالرِّسَالَةِ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ تَلْزَمُ (مُوَالَاةٌ فِيهِمَا) أَيْ؛ الشَّهَادَتَيْنِ بَلْ لَوْ أَتَى بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ سَكَتَ أَوْ تَكَلَّمَ بِمَا يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ؛ ثَبَتَ
стр. 4052
إسْلَامُهُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(مَعَ إقْرَارِ مُرْتَدٍّ جَاحِدٍ لِغَرَضٍ أَوْ) جَاحِدِ (تَحْلِيلٍ أَوْ) جَاحِدِ (تَحْرِيمٍ أَوْ) جَاحِدِ (نَبِيٍّ أَوْ) جَاحِدِ (كِتَابٍ) مِنْ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) جَاحِدِ (رِسَالَةِ نَبِيِّنَا) مُحَمَّدٍ ﷺ (إلَى غَيْرِ الْعَرَبِ بِمَا جَحَدَهُ) مِنْ ذَلِكَ؛ (وَإِلَّا) يُقِرُّ بِمَا جَحَدَهُ (لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ) ، لِأَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا يَكْفُرُ بِجُحُودِهِ لَا يُكْتَفَى مِنْهُ الْإِتْيَانُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَضَمَّنَانِ الْإِقْرَارَ بِمَا جَحَدَهُ؛ فَكُفْرُهُ بَاقٍ؛ فَلَا بُدَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ جَحْدِهِ، لِأَنَّهُ كَذَبَ اللَّهَ بِمَا اعْتَقَدَهُ مِنْ الْجَحْدِ، فَلَا بُدَّ فِي إسْلَامِهِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِمَا جَحَدَهُ (أَوْ قَوْلُهُ أَنَا مُسْلِمٌ) يَعْنِي أَنَّ تَوْبَةَ الْمُرْتَدِّ وَكُلِّ كَافِرٍ إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، أَوْ قَوْلُهُ أَنَا مُسْلِمٌ وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِهِمَا لِأَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ، بِمَا تَضَمَّنَ الشَّهَادَتَيْنِ كَانَ مُخْبِرًا بِهِمَا.
وَعَنْ الْمِقْدَادِ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت لَوْ لَقِيت رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدَى يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْت أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا قَالَ: لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْته، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَهَا» وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ كُنْت قُلْت وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك أَفْلَحْت كُلَّ الْفَلَاحِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ أَوْ مَنْ جَحَدَ الْوَحْدَانِيَّةَ، أَمَّا مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ أَوْ فَرِيضَةٍ وَنَحْوِ هَذَا فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كُلَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُسْلِمُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ كَافِرٌ.
(وَلَا يُغْنِي قَوْلُهُ)
стр. 4053
أَيْ: الْكَافِرِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ شَهَادَةِ التَّوْحِيدِ) أَيْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَلَوْ مِنْ مُقِرٍّ بِهِ) ؛ أَيْ: التَّوْحِيدِ كَيَهُودِيٍّ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَا تَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ كَعَكْسِهِ، فَلَا يَكْفِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : «قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَك بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» فَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْ الشَّهَادَتَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ.
(وَقَوْلُ مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِرِدَّةٍ: بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ أَوْ قَوْلُهُ أَنَا مُسْلِمٌ: تَوْبَةٌ) كَمَا لَوْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ ارْتَدَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ (وَإِنْ كَتَبَ كَافِرٌ الشَّهَادَتَيْنِ) بِيَدِهِ (وَيَتَّجِهُ) اعْتِبَارُ كِتَابَتِهِ الشَّهَادَتَيْنِ (اسْتِقْلَالًا) فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ وَثَبَاتِ فَهْمِهِ (لَا) إنْ كَتَبَهُمَا (تَبَعًا) كَمَا لَوْ كَانَ نَسَّاخًا فَكَتَبَهُمَا ذُهُولًا مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ (نَسْخِ كِتَابٍ هُمَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَتَانِ (فِيهِ) ؛ أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ؛ فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَكَمَا لَوْ أُكْرِهَ ذِمِّيٌّ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ: لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ طَوْعًا، وَيَأْتِي، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (صَارَ مُسْلِمًا) لِأَنَّ الْخَطَّ كَاللَّفْظِ (كَنَاطِقٍ بِهِمَا) ؛ أَيْ: الشَّهَادَتَيْنِ (وَكَذَلِكَ قَائِلٍ: أَسْلَمْت أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ أَوْ أَنَا مُؤْمِنٌ) صَارَ مُسْلِمًا بِذَلِكَ أَوْ إنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالشَّهَادَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ عَادَ مَنْ تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ كَتَبَهُمَا أَوْ تَلَفَّظَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ مِمَّا يَصِيرُ بِهِ
стр. 4054
مُسْلِمًا (وَقَالَ لَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ وَلَمْ أَعْتَقِدْهُ) ؛ أَيْ: الْإِسْلَامَ (أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ) وَلَا يُخَلَّى.
نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ فِي الْيَهُودِيِّ إنْ قَالَ: قَدْ أَسْلَمْت أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ يُجْبَرُ عَلَيْهِ قَدْ عَلِمَ مَا يُرَادُ مِنْهُ انْتَهَى.
(وَإِنْ قَالَ أَنَا مُسْلِمٌ وَلَا أَنْطِقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمَا) لِحَدِيثِ: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» .
(وَمَنْ) (شُهِدَ عَلَيْهِ بِرِدَّةٍ وَلَوْ) كَانَتْ الشَّهَادَةُ أَنْ رِدَّتَهُ (بِجَحْدِ) تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ أَوْ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ (فَأَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ) (فَهُوَ مُسْلِمٌ) إذَا لَمْ يُنْكِرْ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الرِّدَّةِ وَنَحْوِهَا، وَلَمْ يَكْشِفْ عَنْ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ مَعَ ثُبُوتِ إسْلَامِهِ إلَى الْكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ بِمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ) مِنْ الرِّدَّةِ؛ بِصِحَّةِ الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ مُسْلِمٍ وَمُرْتَدٍّ (بِخِلَافِ تَوْبَةٍ مِنْ بِدْعَةٍ؛ فَيُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ بِهَا) لِأَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ لَا يَعْتَقِدُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ، (وَيَكْفِي جَحْدُهُ) أَيْ: الْمُرْتَدِّ (لِرِدَّةٍ) أَقَرَّ بِهَا كَرُجُوعٍ عَنْ (إقْرَارٍ) بِحَدٍّ أَوْ صَوَابِهِ لَا أَنْ (شُهِدَ عَلَيْهِ بِهَا) ؛ أَيْ: الرِّدَّةِ؛ أَيْ: فَلَا يَكْفِي جُحُودُهُ لِرِدَّتِهِ بَعْدَ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِهَا، بَلْ يُجَدِّدُ إسْلَامَهُ بِأَنْ يَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ مَا يَتَضَمَّنُهَا وَيُسْتَتَابَ إنْ كَانَتْ الرِّدَّةُ الْمَشْهُودُ بِهَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مِنْهَا، وَإِلَّا قُتِلَ فِي الْحَالِ، لِأَنَّ جَحْدَ الرِّدَّةِ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ فَلَا يُقْبَلُ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى
(وَمَنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِكُفْرِهِ) وَلَمْ يُذْكَرْ كَيْفِيَّتُهُ (فَادَّعَى الْإِكْرَاهَ) عَلَى مَا قَالَهُ مَثَلًا (قُبِلَ) ذَلِكَ مِنْهُ (بِقَرِينَةٍ) دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ كَحَبْسٍ وَقَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْإِكْرَاهِ، وَلَا يُكَلَّفُ مَعَ ذَلِكَ بَيِّنَةً، وَإِلَّا تَكُنْ قَرِينَةً فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَ) لَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ نَطَقَ (بِكَلِمَةِ كُفْرٍ) كَقَوْلِهِ هُوَ كَافِرٌ أَوْ يَهُودِيٌّ (فَادَّعَاهُ) ؛ أَيْ: الْإِكْرَاهَ عَلَيْهَا (قُبِلَ قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ: مَعَ قَرِينَةٍ وَبِدُونِهَا؛ لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ، وَلَمْ يَصِرْ كَافِرًا بِإِتْيَانِهِ
стр. 4055
بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَعَ الْإِكْرَاهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] .
(وَإِنْ أُكْرِهَ ذِمِّيٌّ) أَوْ مُسْتَأْمَنٌ (عَلَى إسْلَامٍ) فَأَقَرَّ بِهِ (لَمْ يَصِحَّ) إسْلَامُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُهُ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ طَوْعًا؛ مِثْلُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى دِينِ الْكُفَّارِ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَلَا إكْرَاهُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ كَالْمُسْلِمِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وَإِنْ قَصَدَ الْإِسْلَامَ لَا دَفْعَ الْإِكْرَاهِ أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَثُبُوتِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ فَمُسَلَّمٌ.
(وَ) مَنْ قَالَ لِكَافِرٍ (أَسْلِمْ وَخُذْ مِنِّي أَلْفًا وَنَحْوَهُ) كَأَسْلَم وَخُذْ مِنِّي فَرَسًا أَوْ بَعِيرًا (فَأَسْلَمَ فَلَمْ يُعْطِهِ) مَا وَعَدَهُ (فَأَبَى الْإِسْلَامَ؛ قُتِلَ) بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَعِدْهُ (وَيَنْبَغِي) لِمَنْ وَعَدَ (أَنْ يَفِيَ) لَهُ بِمَا وَعَدَهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَخَلْفُ الْوَعْدِ مِنْ آيَاتِ النِّفَاقِ.
قَالَ الْخَطَّابِيِّ: «وَلَمْ يُشَارِطْ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤَلَّفَةَ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَيُعْطِيَهُمْ جَمَلًا عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا أَعْطَاهُمْ عَطَايَا بِأَنَّهُ يَتَأَلَّفُهُمْ» .
(وَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ) الصَّلَاةِ (الْخَمْسِ) كَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى صَلَاتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ (قُبِلَ مِنْهُ) الْإِسْلَامُ تَرْغِيبًا لَهُ فِيهِ (وَأُمِرَ بِالْخَمْسِ) كُلِّهَا كَغَيْرِهِ.
(وَإِذَا مَاتَ مُرْتَدًّا فَأَقَامَ وَارِثُهُ) الْمُسْلِمُ (بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَهَا) ؛ أَيْ: رِدَّتِهِ (حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِالصَّلَاةِ وَأُعْطِيَ حَقَّهُ مِنْ تَرِكَتِهِ) ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ -
стр. 4056
«مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا» .
الْخَبَرَ، وَسَوَاءٌ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا فِي دَارِ إسْلَامٍ أَوْ حَرْبٍ، وَ (لَا) يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ (بِصَوْمٍ وَحَجٍّ وَزَكَاةٍ) فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى مَنَعَهُمْ بِقَوْلِهِ: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ» وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ، وَهُمْ يَتَصَدَّقُونَ وَقَدْ فَرَضَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ مِنْ الزَّكَاةِ مَثَلًا مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَصِيرُوا بِذَلِكَ مُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَلِكُلِّ أَهْلِ دِينٍ صِيَامٌ، وَلِأَنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ أَفْعَالًا وَإِنَّمَا هُوَ إمْسَاكٌ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ، وَقَدْ يَتَّفِقُ هَذَا مِنْ الْكَافِرِ كَاتِّفَاقِهِ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَلَا عِبْرَةَ بِنِيَّةِ الصِّيَامِ لِأَنَّهَا أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا أَفْعَالٌ تَتَمَيَّزُ عَنْ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ، وَيَخْتَصُّ بِهَا عَنْ صَلَاةِ الْكُفَّارِ مِنْ اسْتِقْبَالِ قِبْلَتِنَا وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ فِي صَلَاتِهِمْ.
(وَلَا يَبْطُلُ إحْصَانُ مُرْتَدٍّ) بِرِدَّتِهِ، فَإِذَا أُحْصِنَ فِي إسْلَامِهِ ثُمَّ زَنَى فِي إسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ؛ يَسْقُطُ عَنْهُ الرَّجْمُ لَوْ تَابَ، وَكَذَا إحْصَانُ قَذْفٍ؛ فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ قَاذِفِهِ بِرِدَّتِهِ بَعْدَ طَلَبٍ.
(وَلَا) تَبْطُلُ (عِبَادَةٌ فَعَلَهَا) مُرْتَدٌّ (قَبْلَ رِدَّتِهِ وَ) لَا صُحْبَتُهُ لَهُ ﵊ (إذَا تَابَ) مِنْهَا لِأَنَّهُ فَعَلَهَا عَلَى وَجْهِهَا وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ (فَلَا يُعِيدُ الْحَجَّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ مَاتَ مُرْتَدًّا بَطُلَتْ عِبَادَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
стр. 4057
[فَصْلٌ الْمُرْتَدّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ]
فَصْلٌ
(وَمَنْ ارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ) عَنْ مَالِهِ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ كَزِنَا الْمُحْصَنِ وَكَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارِبَةِ (وَيَمْلِكُ) مُرْتَدٌّ (بِتَمْلِيكٍ) مِنْ هِبَةٍ وَاحْتِشَاشٍ وَصَيْدٍ وَشِرَاءٍ وَإِيجَارِ نَفْسِهِ إجَارَةٍ خَاصَّةً أَوْ مُشْتَرَكَةً لِأَنَّ عَدَمَ عِصْمَتِهِ لَا يُنَافِي صِحَّةَ ذَلِكَ كَالْحَرْبِيِّ.
(وَيُمْنَعُ) مُرْتَدٌّ (التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ خَاصَّةً) كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَوَقْفٍ وَإِجَارَةٍ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ كَمَالِ الْمُفْلِسِ (لَا) إنْ تَصَرَّفَ (بِوَكَالَةٍ عَنْ غَيْرِهِ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (وَتُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ، وَلَوْ جَنَاهَا بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ فِي فِئَةٍ مُرْتَدَّةٍ مُمْتَنِعَةٍ) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ تَحْتَ حُكْمِنَا بِخِلَافِ الْبُغَاةِ
(أَوْ) كَانَ الْمُرْتَدُّ (قَتَلَ) إنْسَانًا (خَطَأً) وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ وَكَذَا شِبْهُ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ.
قَالَ الْقَاضِي: تُؤْخَذُ مِنْهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ كَمَا كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْ عَاقِلَةٍ، فَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ أُخِذَتْ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ تَأْجِيلٍ.
[تَنْبِيهٌ إذَا تَزَوَّجَ الْمُرْتَدُّ لَمْ يَصِحَّ]
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَ الْمُرْتَدُّ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى النِّكَاحِ كَنِكَاحِ الْكَافِرِ مُسْلِمَةً، أَوْ زُوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ مِنْ نَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ، أَوْ زُوِّجَ أَمَتَهُ؛ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ مَوْقُوفًا، وَلِزَوَالِ وِلَايَتِهِ بِالرِّدَّةِ.
(وَيُنْفَقُ) مِنْ مَالِ الْمُرْتَدِّ (عَلَيْهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ شَرْعًا كَالدَّيْنِ (فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ) فِي مَالِهِ، (وَإِلَّا) يُسْلَمُ بِأَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ مُرْتَدًّا (صَارَ مَالُهُ فَيْئًا مِنْ حِينِ مَوْتِهِ مُرْتَدًّا) لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ، وَبَطَلَ تَصَرُّفُهُ الَّذِي كَانَ تَصَرَّفَهُ فِي رِدَّتِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ بِقَطْعِ ثَوَابِهِ، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ.
стр. 4058
(وَإِنْ لَحِقَ) مُرْتَدٌّ (بِدَارِ حَرْبٍ فَهُوَ وَمَا مَعَهُ) مِنْ مَالٍ (كَحَرْبِيٍّ) يُبَاحُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ، وَأَخْذُ مَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ؛ دَفْعًا لِفَسَادِهِ، وَلِزَوَالِ الْعَاصِمِ لَهُ وَهُوَ دَارُ الْإِسْلَامِ (وَأَمَّا مَا بِدَارِنَا) مِنْ مَالٍ (فَهُوَ فَيْءٌ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ) وَمَا دَامَ حَيًّا فَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حِلَّ دَمِهِ لَا يُوجِبُ تَوْرِيثَ مَالِهِ كَالْحَرْبِيِّ الْأَصْلِيِّ (فَإِنْ طَالَ) زَمَنُ لُحُوقِهِ بِدَارِ حَرْبٍ، وَتَعَذَّرَ قَتْلُهُ (فَعَلَ حَاكِمٌ) فِي مَالِهِ مَا يَرَى (الْحَظَّ) وَالْمَصْلَحَةَ (مِنْ بَيْعِ نَحْوِ حَيَوَانِهِ) الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ (أَوْ إجَارَتِهِ) إنْ أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ لِوِلَايَتِهِ الْعَامَّةِ، وَمُكَاتَبُهُ يُؤَدِّي إلَى الْحَاكِمِ وَيُعْتَقُ بِالْأَدَاءِ لَوْ أَدَّى إلَيْهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ.
(وَلَوْ ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ، وَجَرَى فِيهِ حُكْمُهُمْ) ؛ أَيْ: الْمُرْتَدِّينَ (ف) هُمْ كَأَهْلِ (دَارِ حَرْبٍ يُغْنَمُ مَالُهُمْ وَ) يَجُوزُ اسْتِرْقَاقٌ (حَدَثَ مِنْهُمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ) وَعَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ لِأَنَّ تَرْكَهُمْ رُبَّمَا أَغْرَى أَمْثَالَهُمْ بِالتَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَقَاتَلَ الصِّدِّيقُ بِجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَإِذَا قَاتَلَهُمْ قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَيُقْتَلُ مُدَبَّرُهُمْ، وَتُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ.
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ إقْرَارُ مَنْ حَدَثَ مِنْ جِزْيَة إذَا كَانَ عَلَى دِينِ مَنْ يُقَرُّ بِهَا كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس، وَإِلَّا لَمْ يُقَرَّ كَمَا فِي الدُّرُوزِ والتيامنة وَالنُّصَيْرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ وَلَا يَجْرِي عَلَى الْمُرْتَدِّ رِقٌّ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَقَامَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الرِّدَّةِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُؤْخَذُ مُرْتَدٌّ بِحَدٍّ) ؛ أَيْ: مَا يُوجِبُهُ كَزِنًا وَقَذْفٍ وَسَرِقَةٍ (أَتَاهُ فِي رِدَّتِهِ) وَإِنْ أَسْلَمَ نَصًّا؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُزِيدُهُ إلَّا تَغْلِيظًا.
(وَلَا) يُؤْخَذُ مُرْتَدٌّ (بِقَضَاءِ مَا تَرَكَ) أَيْ: زَمَنَ الرِّدَّةِ (مِنْ عِبَادَةٍ) كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
стр. 4059
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَلَمْ يَأْمُرْ الصِّدِّيقُ الْمُرْتَدِّينَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُمْ وَكَالْحَرْبِيِّ.
(وَإِنْ لَحِقَ زَوْجَانِ مُرْتَدَّانِ بِدَارِ حَرْبٍ؛ لَمْ يُسْتَرَقَّا) وَلَا أَحَدُهُمَا (لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَى الْمُرْتَدِّ رِقٌّ بِحَالٍ) بَلْ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ.
(وَلَا) يُسْتَرَقُّ (مَنْ وُلِدَ لَهُمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ رِدَّةٍ إذَا ارْتَدَّا وَلَحِقَا بِدَارِ حَرْبٍ (أَوْ) ؛ أَيْ: وَلَا يُسْتَرَقُّ (حَمْلٌ) مِنْهُمَا حَمَلَتْ بِهِ (قَبْلَ رِدَّةٍ) لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَلَا يَتْبَعُهُمَا فِي الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو، فَقَدْ تَبِعُوهُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يَتْبَعُونَهُمْ فِي الرِّدَّةِ.
(وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ) ؛ أَيْ: مِنْ أَوْلَادِهِمْ الَّذِينَ وُلِدُوا، أَوْ حُمِلَ بِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ (قُتِلَ) بَعْدَ بُلُوغِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ؛ لِخَبَرِ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ) الْوَلَدِ (الْحَادِثِ فِيهَا) أَيْ: رِدَّةِ زَوْجَيْنِ لَحِقَا بِدَارِ حَرْبٍ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وُلِدَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ وَلَيْسَ بِمُرْتَدٍّ نَصًّا (وَ) يَجُوزُ (إقْرَارُهُ عَلَى كُفْرِهِ) إذَا كَانَ كِتَابِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا (بِجِزْيَةٍ) كَأَوْلَادِ الْحَرْبِيِّينَ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي جَوَازِ الِاسْتِرْقَاقِ.
[فَصْلٌ فِي السِّحْرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
ِ يَحْرُمُ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ وَفِعْلُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذَى (وَالسِّحْرُ كَبِيرَةٌ) مِنْ الْكَبَائِرِ الْعِظَامِ، وَهُوَ عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ فَاعِلُهُ أَوْ يَكْتُبُهُ أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِ الْمَسْحُورِ أَوْ قَلْبِهِ أَوْ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَهُ (وَلَهُ حَقِيقَةٌ) فَمِنْهُ (مَا يَقْتُلُ وَ) مِنْهُ مَا (يُمْرِضُ وَمِنْهُ) مَا (يَأْخُذُ الرَّجُلُ عَنْ زَوْجَتِهِ فَيَمْنَعُهُ وَطْأَهَا وَ) مِنْهُ مَا (يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَيُبَغِّضُ أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ، أَوْ يُحَبِّبُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وَمَا كَانَ مِثْلُ فِعْلِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ حِينَ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ - بِضَمِّ الْمِيمِ فِيهِمَا - مَا يَسْقُطُ مِنْ الشَّعْرِ
стр. 4060
عِنْدَ مَشْطِهِ.
رَوَتْ عَائِشَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ حَتَّى إنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ»
(فَسَاحِرٌ يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ يَدَّعِي أَنْ الْكَوَاكِبَ تُخَاطِبُهُ كَافِرٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وَقَوْلِهِ ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] ؛ أَيْ: لَا تَتَعَلَّمْهُ فَتَكْفُرْ بِذَلِكَ (كَمُعْتَقِدِ حِلِّهِ) لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ؛ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَ (لَا) يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ (مَنْ يُسْحِرُ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ وَسَقْيِ شَيْءٍ يَضُرُّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعِصْمَةُ، وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُزِيلُهَا (وَيُعَزَّرُ) سَاحِرٌ بِذَلِكَ (بَلِيغًا) لِيَنْكَفَّ هُوَ وَمَنْ مِثْلُهُ (بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْقَتْلَ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً (وَقِيلَ) لَهُ تَعْزِيرُهُ (بِالْقَتْلِ) وَيُقْتَلُ السَّاحِرُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا بِالسَّيْفِ؛ لِمَا رَوَى جُنْدُبٌ مَرْفُوعًا، قَالَ: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ عَنْ جُنْدُبٍ مَوْقُوفٌ وَعَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدٍ قَالَ: كُنْت كَاتِبًا لِجُزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ فَأَتَانَا كِتَابُ مُعَاوِيَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: أَنْ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَةَ سَوَاحِرَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
وَقَتَلَتْ حَفْصَةُ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا. رَوَاهُ مَالِكٌ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ.
(وَلَا) يَكْفُرُ (مَنْ يُعَزِّمُ عَلَى الْجِنِّ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا وَتُطِيعُهُ) وَلَا يُقْتَلُ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَى قَتْلِهِ بِالسِّحْرِ؛ وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا دُونَ الْقَتْلِ، لِارْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً.
(وَلَا يَكْفُرُ كَاهِنٌ) ؛ أَيْ: مَنْ (لَهُ رَئِيٌّ مِنْ الْجِنِّ يَأْتِيه بِالْأَخْبَارِ، وَلَا عَرَّافٌ وَهُوَ الْخَرَّاصُ، وَلَا مُنَجِّمٌ يَسْتَدِلُّ بِنَظَرِهِ فِي النُّجُومِ عَلَى الْحَوَادِثِ، فَإِنْ أَوْهَمَ قَوْمًا أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ؛ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ:
стр. 4061
التَّنْجِيمُ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَحْوَالِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْحَوَادِثِ الْأَرْضِيَّةِ مِنْ السِّحْرِ وَيَحْرُمُ إجْمَاعًا؛ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَدْفَعُ عَنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ بِبَرَكَتِهِ مَا زَعَمُوا أَنَّ الْأَفْلَاكَ تُوجِبُهُ، وَأَنَّ لَهُمْ مِنْ ثَوَابِ الدَّارَيْنِ مَا لَا تَقْوَى الْأَفْلَاكُ أَنْ تَجْلُبَهُ.
(وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرٌ كِتَابِيٌّ نَصًّا وَنَحْوُهُ) كَمَجُوسِيٍّ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا؛ فَيُقْتَلُ قِصَاصًا؛ لِأَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَلِأَنَّ كُفْرَهُ أَعْظَمُ مِنْ سِحْرِهِ، وَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ، وَالْأَخْبَارُ فِي سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَفَرَ بِسِحْرِهِ.
(وَلَا) يَكْفُرُ (مُشَعْبِذٌ وَ) لَا (قَائِلَ بِزَجْرِ طَيْرٍ وَلَا ضَارِبٌ بِحَصَى وَشَعِيرٍ وَقِدَاحٍ) ؛ أَيْ: سِهَامٍ.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ " وَالنَّظَرُ فِي أَلْوَاحِ الْأَكْتَافِ (إنْ لَمْ يَعْتَقِدْ إبَاحَتَهُ) ؛ أَيْ: فَعَلَ مَا سَبَقَ (وَ) لَمْ يَعْتَقِدْ (أَنَّهُ يَعْلَمُ بِهِ الْأُمُورَ الْمُغَيَّبَةَ، وَيُعَزَّرُ) لِفِعْلِهِ مَعْصِيَةً، وَيُكَفُّ عَنْهُ، (وَإِلَّا) بِأَنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ وَأَنَّهُ يَعْلَمُ بِهِ الْأُمُورَ الْمُغَيَّبَةَ (كَفَرَ) فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
(وَيَحْرُمُ طَلْسَمٌ وَحِرْزٌ وَرُقْيَةٌ) وَعَزِيمَةٌ (بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ) إنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبًّا وَكُفْرًا (وَ) وَكَذَا تَحْرُمُ (رُقْيَةٌ بِاسْمِ كَوْكَبٍ وَمَا وُضِعَ عَلَى نَجْمٍ مِنْ صُورَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.)
وَفِي نُسْخَةٍ (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (إنَّ رُقَى الْبَخُورِ، وَرُقَاهُ - يَعْنِي بِاسْمِ كَوْكَبٍ - هُوَ دِينُ النَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ) انْتَهَى.
(وَيَجُوزُ الْحَلُّ) ؛ أَيْ؛ حَلُّ السِّحْرِ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالْأَقْسَامِ وَالْكَلَامِ الْمُبَاحِ، وَيَجُوزُ حَلُّهُ أَيْضًا (بِسِحْرٍ ضَرُورَةً) ؛ أَيْ: لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي الْحَلِّ وَهُوَ إلَى الْجَوَازِ أَمْيَلُ، وَسَأَلْتُ مُهَنَّا عَمَّنْ تَأْتِيه مَسْحُورَةٌ فَيُطْلِقُهُ عَنْهَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ؛ قَالَ الْخَلَّالُ: إنَّمَا كُرِهَ فِعَالُهُ وَلَا يَرَى بِهِ بَأْسًا كَمَا بَيَّنَهُ مُهَنَّا، وَهَذَا مِنْ الضَّرُورَةِ الَّتِي تُبِيحُ فِعْلَهَا، وَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُ ضَرُورَةً
(وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَمِنْ السِّحْرِ السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ وَالْإِفْشَاءُ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ غَرِيبٌ) وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْأَذَى بِكَلَامِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَكْرِ وَالْحِيلَةِ أَشْبَهَ السِّحْرَ، وَلِهَذَا
стр. 4062
يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ وَالْعُرْفِ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ، وَيَنْتُجُ مَا يَفْعَلُهُ السِّحْرُ أَوْ أَكْثَرَ فَيُعْطَى حُكْمَهُ سَوِيَّةً بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ أَوْ الْمُتَقَارِبَيْنِ، وَلَا سِيَّمَا إنْ قُلْنَا يَقْتُلُ الْآمِرُ بِالْقَتْلِ عَلَى رِوَايَةٍ فَهُنَا أَوْلَى.
[فُرُوعٌ أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي النَّارِ]
(فُرُوعٌ: أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ) فِي النَّارِ نَصًّا (وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ مَجْنُونًا مَعَهُمْ فِي النَّارِ) تَبَعًا لَهُمْ، وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَبِمَوْتِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا بِدَارِنَا، بِخِلَافِ مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ، وَيُقَسَّمُ لِلطِّفْلِ أَوْ الْمُمَيِّزِ الْمِيرَاثُ مِنْ أَبِيهِ الْكَافِرِ أَوْ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وَقْتَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا الْحَمْلُ فَلَا يَرِثُ مِنْ أَبِيهِ الْكَافِرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مِيرَاثِ الْحَمْلِ.
وَلَوْ عُدِمَ الْأَبَوَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِلَا مَوْتٍ كَزِنَا ذِمِّيَّةٍ وَلَوْ بِكَافِرٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ اشْتِبَاهِ وَلَدِ مُسْلِمٍ بِوَلَدِ كَافِرٍ؛ فَمُسْلِمٌ نَصًّا (قَالَ الْقَاضِي هُوَ) أَيْ: كَوْنُ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ مَجْنُونًا مَعَهُمْ فِي النَّارِ (مَنْصُوصُ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ) وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ.
(غَلِطَ الْقَاضِي عَلَى) الْإِمَامِ أَحْمَدَ (بَلْ يُقَالُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) فَلَا يُحْكَمُ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ لَا بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ (وَهُوَ حَسَنٌ) ؛ أَيْ: قَوْلُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ (وَعَنْهُ) أَيْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ (الْوَقْفُ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا فِي " الْمُغْنِي " ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ كَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ (وَ) اخْتَارَ (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (تَكْلِيفَهُمْ فِي الْآخِرَةِ) فَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ.
فَمَنْ أَطَاعَ مِنْهُمْ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ، وَقَالَ أَيْضًا: أَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ فِيهِمْ مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّهُ سُئِلَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ".
(وَمَنْ وُلِدَ أَعْمَى أَبْكَمَ أَصَمَّ) وَصَارَ رَجُلًا (فَ) هُوَ (مَعَ أَبَوَيْهِ كَافِرَيْنِ أَوْ مُسْلِمَيْنِ وَلَوْ) كَانَا كَافِرَيْنِ ثُمَّ (أَسْلَمَا بَعْدَ مَا بَلَغَ) قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مَعَهُمَا؛ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُمَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، وَقَالَهُ شَيْخُنَا.
وَذُكِرَ فِي " الْفُنُونِ " عَنْ أَصْحَابِنَا لَا يُعَاقَبُ، وَفِي " نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِ " كَذَلِكَ (وَذَكَرَ جَمْعٌ) مِنْ أَصْحَابِنَا (أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لَا تَجِبُ عَقْلًا) خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ
стр. 4063
الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِهَا عَقْلًا، قَالُوا: لِأَنَّهَا دَافِعَةٌ لِلضَّرَرِ الْمَظْنُونِ وَهُوَ خَوْفُ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ (وَإِنَّمَا تَجِبُ) مَعْرِفَتُهُ تَعَالَى (بِالشَّرْعِ) نَصًّا (وَهُوَ بِعْثَةُ الرُّسُلِ) صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ بِمَعْرِفَتِهِ تَعَالَى مَعْرِفَةُ وُجُودِ ذَاتِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ فِيمَا لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، دُونَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ذَاتِهِ، لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَقْلًا لِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْحَقَائِقِ، وَتَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ شَرْعًا، وَالْعَقْلُ آلَةُ الْإِدْرَاكِ، فَبِهِ يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ.
وَأَوَّلُ نِعَمِ اللَّهِ الدِّينِيَّةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَأَعْظَمُهَا وَأَنْفَعُهَا أَنْ أَقْدَرَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ ، وَأَوَّلُ نِعَمِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْحَيَاةُ الْعَرِيَّةُ عَنْ ضَرَرٍ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَلَوْ مَاتَ الْإِنْسَانُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَهُ الدَّعْوَةُ (لَمْ يُقْطَعْ عَلَيْهِ بِالنَّارِ) بَلْ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَا يُعَاقَبُ.
قَالَ فِي " الْفُنُونِ ": وَإِذَا مَنَعَ حَائِلُ الْبُعْدِ شُرُوطَ التَّكْلِيفِ فَأَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ فِيمَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا أَوْ وُلِدَ أَعْمَى أَبْكَمَ أَصَمَّ؛ لِعَدَمِ جَوَازِ إرْسَالِ رَسُولٍ إلَيْهِمَا، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا تَجِبُ مَعْرِفَتُهُ بِالشَّرْعِ (لِآيَةِ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] ؛ أَيْ: لَا يُعَذَّبُ فِيمَا طَرِيقُهُ السَّمْعُ إلَّا بِقِيَامِ حُجَّةِ السَّمْعِ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ أَسْلَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَسْمَعْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ إلَّا بَعْدَ قِيَامِ حُجَّةِ السَّمْعِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قِصَّةُ أَهْلِ قُبَاءَ، حِينَ اسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ، وَلَمْ يَسْتَأْنِفُوا.
وَلَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِفَرْضِ الصَّلَاةِ؛ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَأَى النَّاسَ يُصَلُّونَ فِي الْمَسَاجِدِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَذَلِكَ دُعَاءٌ إلَيْهِمَا.
ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ.
(وَمَعْرِفَةُ اللَّهِ) تَعَالَى (أَوَّلُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ، وَيَجِبُ قَبْلَهَا) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ
стр. 4064
(النَّظَرُ) فِي الْوُجُودِ وَالْمَوْجُودِ، وَوُجُوبُ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ دُونَ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ وَلَا يُحَرِّمُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ (لِتَوَقُّفِهَا) ؛ أَيْ: الْمَعْرِفَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى النَّظَرِ (فَهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ لِغَيْرِهِ، وَالْمُخْتَارُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلِيُّ) قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ (وَغَيْرُهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالشَّهَادَتَيْنِ يَتَضَمَّنُ الْمَعْرِفَةَ خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَهَا) أَيْ الْمَعْرِفَةَ (قَبْلَهُمَا) أَيْ: قَبْلَ الشَّهَادَتَيْنِ.
[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ]
ِ (وَاحِدُهَا طَعَامٌ، وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ) قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مَا يَأْكُلُ، وَرُبَّمَا خَصَّ بِهِ الْبُرَّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا بَيَانُ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَمَا يُبَاحُ (وَأَصْلُهَا الْحِلُّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] وَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] .
(فَيَحِلُّ كُلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ) لَا نَجَسٍ أَوْ مُتَنَجِّسٍ (لَا مَضَرَّةَ فِيهِ) مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتَاتِ غَيْرِ الْمُضِرَّةِ (وَلَا مُسْتَقْذَرٍ حَتَّى نَحْوُ مَسَكٍ) مِمَّا لَا يُؤْكَلُ عَادَةً كَالْفَاكِهَةِ الْمُسَوَّسَةِ وَالْمُدَوِّدَةِ (وَقِشْرِ بَيْضٍ وَقَرْنِ) حَيَوَانٍ مُذَكَّى إذَا دُقَّا وَنَحْوِهِ.
стр. 4065
(وَيَحْرُمُ نَجَسٌ كَدَمٍ وَمَيْتَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] (وَ) يَحْرُمُ (مُضِرٌّ كَسُمٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَالسُّمُّ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا وَلِذَا عُدَّ مُطْعِمُهُ لِغَيْرِهِ قَاتِلًا، وَفِي الْوَاضِحِ أَنَّ السُّمَّ نَجِسٌ وَفِيهِ احْتِمَالٌ؛ «لِأَكْلِهِ ﵊ مِنْ الذِّرَاعِ الْمَسْمُومَةِ» .
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَاطِبَةً أَنَّ السَّمُومَ نَجِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَكَذَا مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ انْتَهَى.
وَأَمَّا السَّقَمُونْيَا وَالزَّعْفَرَانُ وَنَحْوُهُمَا فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ، وَيَجُوزُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ لِقِلَّتِهِ أَوْ إضَافَةِ مَا يُصْلِحُهُ.
(وَ) يَحْرُمُ أَكْلُ (مُسْتَقْذَرٍ كَرَوْثٍ وَبَوْلٍ وَلَوْ طَاهِرَيْنِ) بِلَا ضَرُورَةٍ، لِاسْتِقْذَارِهِمَا (وَ) كَذَا يَحْرُمُ أَكْلُ نَحْوِ (قَمْلٍ وَبُرْغُوثٍ) لِاسْتِقْذَارِهِمَا أَيْضًا
(وَ) يَحْرُمُ (مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ حُمُرٌ أَهْلِيَّةٌ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ لَبَنِهَا حُكْمُهَا (وَقِيلَ) قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ هُوَ مِنْ أَطْعِمَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ مَسْخٌ؛ وَلِأَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِهَا نَابًا، وَلِأَنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ فَيَدْخُلُ فِي ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
(وَ) يَحْرُمُ (مَا يَفْتَرِسُ بِنَابِهِ) ؛ أَيْ: يَنْهَشُ (كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَفَهْدٍ وَكَلْبٍ) لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «كُلُّ ذِي نَابٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَاتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يَبْدَأُ
следующие страницы →