← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21677

مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى

الرحيباني

Полный текст (4 464 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الْعَرَبِيَّةِ بِلُغَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْوَعْظُ وَالتَّذْكِيرُ، وَحَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ بِخِلَافِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ دَلِيلُ النُّبُوَّةِ وَعَلَامَةُ الرِّسَالَةِ، وَلَا يَحْصُلُ بِالْعَجَمِيَّةِ. (عَمَّا عَدَا الْقِرَاءَةِ) ، فَلَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَهُوَ) ، أَيْ: اخْتِيَارُ صَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (حَسَنٌ) مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ، (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ الْقِرَاءَةِ، (وَجَبَ ذِكْرُ بَدَلِهَا) قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ. (وَسُنَّ بُدَاءَةُ) خَطِيبٍ (بِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ بِالثَّنَاءِ) عَلَيْهِ (وَهُوَ) ، أَيْ: الثَّنَاءُ (مُسْتَحَبٌّ) عَلَى الْمَذْهَبِ، (ثُمَّ بِالصَّلَاةِ) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (ثُمَّ بِالْمَوْعِظَةِ) ثُمَّ يَقْرَأُ آيَةً. (فَإِنْ نَكَّسَ) بِأَنْ بَدَأَ بِالْمَوْعِظَةِ أَوْ غَيْرِهَا، (أَجْزَأَهُ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ. (وَإِنْ انْفَضُّوا) ، أَيْ: الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ أَوْ بَعْضُهُمْ (عَنْهُ) وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، (سَكَتَ) ، لِفَوَاتِ الشَّرْطِ. (فَإِنْ عَادُوا قَرِيبًا عُرْفًا، بَنَى) عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَعُودُوا قَرِيبًا (أَوْ فَاتَ رُكْنٌ مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ الْخُطْبَةِ (اسْتَأْنَفَ) الْخُطْبَةَ، لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ لَكِنْ لَوْ فَاتَ رُكْنٌ، وَلَمْ يَطُلْ التَّفْرِيقُ، كَفَاهُ إعَادَتُهُ. (وَتَبْطُلُ) الْخُطْبَةُ (بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ) فِي أَثْنَائِهَا (وَلَوْ يَسِيرًا) كَالْأَذَانِ وَأَوْلَى. (وَسُنَّ لَهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (طَهَارَةٌ مِنْ حَدَثٍ وَجَنَابَةٍ) ، وَتُجْزِئُ مَعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذِكْرٌ تَقَدَّمَ الصَّلَاةَ، أَشْبَهَ الْأَذَانَ وَنَصُّهُ: تُجْزِئُ خُطْبَةُ الْجُنُبِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ لُبْثِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِوَاجِبِ الْعِبَادَةِ، كَمَنْ صَلَّى وَمَعَهُ دِرْهَمٌ غَصْبٌ. (وَ) سُنَّ لَهُمَا (سَتْرُ) الـ (عَوْرَةِ وَاجْتِنَابُ) الـ (نَّجَاسَةِ) كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَأَوْلَى. (وَ) سُنَّ (وُقُوعُهُمَا مَعَ صَلَاةٍ مِنْ وَاحِدٍ) ،

стр. 772

فَلَوْ خَطَبَ وَاحِدٌ وَصَلَّى آخَرُ: أَجْزَأَ وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْخُطْبَةَ، لِانْفِصَالِ الصَّلَاةِ عَنْهَا، (فَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ الْخَطِيبِ، (سُنَّ حُضُورُهُ الْخُطْبَةَ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ. (وَسُنَّ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ) ، لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَ إلَى امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهَا إذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي الصَّحِيحِ " أَنَّهُ عُمِلَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، فَكَانَ يَرْتَقِي عَلَيْهِ " وَكَانَ اتِّخَاذُهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: سَنَةُ ثَمَانٍ، وَكَانَ ثَلَاثَ دَرَجٍ. وَسُمِّيَ مِنْبَرًا لِارْتِفَاعِهِ، مِنْ النَّبْرِ، وَهُوَ: الِارْتِفَاعُ، وَاِتِّخَاذُهُ سُنَّةً مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، قَالَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ": وَيَكُونُ صُعُودُهُ فِيهِ عَلَى تُؤَدَةٍ إلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي السَّطْحَ، (أَوْ) عَلَى (مَوْضِعٍ عَالٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْبَرًا. وَيَكُونُ الْمِنْبَرُ أَوْ الْمَوْضِعُ الْعَالِي (عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ) بِالْمِحْرَابِ؛ لِأَنَّ مِنْبَرَهُ ﷺ كَذَا كَانَ، وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ الَّتِي تَلِي مَكَانَ الِاسْتِرَاحَةِ، ثُمَّ وَقَفَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الثَّانِيَةِ، ثُمَّ عُمَرُ عَلَى الْأُولَى تَأَدُّبًا، ثُمَّ وَقَفَ عُثْمَانُ مَكَانَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عَلِيٌّ مَوْقِفَ النَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ قَلَعَهُ مَرْوَانُ وَزَادَ فِيهِ سِتَّ دَرَجٍ، فَكَانَ الْخُلَفَاءُ يَرْتَقُونَ سِتًّا يَقِفُونَ مَكَانَ عُمَرَ، أَيْ: عَلَى السَّابِعَةِ، وَلَا يَتَجَاوَزُونَ ذَلِكَ تَأَدُّبًا. (وَإِنْ وَقَفَ بِالْأَرْضِ فَ) يَقِفُ (عَنْ يَسَارِهِمْ) ، أَيْ: مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، بِخِلَافِ الْمِنْبَرِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي. (وَ) سُنَّ (سَلَامُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ (إذَا خَرَجَ) عَلَيْهِمْ، (أَوْ) ، أَيْ: وَكَذَا إذَا (أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ

стр. 773

سَلَّمَ» وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: لِأَنَّهُ اسْتِقْبَالٌ بَعْدَ اسْتِدْبَارٍ، أَشْبَهَ مَنْ فَارَقَ قَوْمًا ثُمَّ عَادَ إلَيْهِمْ، وَعَكْسُهُ الْمُؤَذِّنُ، قَالَهُ الْمَجْدُ. (وَرَدُّهُ) ، أَيْ: رَدُّ هَذَا السَّلَامِ وَكُلُّ سَلَامٍ مَشْرُوعٌ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ. (وَ) سُنَّ (جُلُوسُهُ) عَلَى الْمِنْبَرِ (حَتَّى يُؤَذَّنَ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ مُخْتَصِرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يَسْتَرِيحُ بِذَلِكَ مِنْ تَعَبِ الصُّعُودِ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْكَلَامِ التَّمَكُّنَ التَّامَّ. (وَ) سُنَّ جُلُوسُهُ (بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ جَلْسَةً خَفِيفَةً جِدًّا، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (قَالَ جَمَاعَةٌ) ، مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ ": (بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، فَإِنْ أَبَى) أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَهُمَا، (أَوْ خَطَبَ جَالِسًا) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَصَلَ بِسَكْتَةٍ) . وَلَا يَجِبُ الْجُلُوسُ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ سَرَدُوا الْخُطْبَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَلْسَةِ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ. (وَ) سُنَّ (أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا) اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ وَلَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الِاسْتِقْبَالُ، فَلَمْ يَجِبْ الْقِيَامُ كَالْأَذَانِ (مُعْتَمِدًا عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًى بِإِحْدَى يَدَيْهِ) . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ بِالْيُسْرَى (وَ) يَدِهِ (الْأُخْرَى بِحَرْفِ مِنْبَرٍ، أَوْ يُرْسِلُهُمَا) ، لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ حَزْنٍ قَالَ: «وَفَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدْنَا مَعَهُ الْجُمُعَةَ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى سَيْفٍ أَوْ

стр. 774

قَوْسٍ أَوْ عَصًى» مُخْتَصَرٌ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لَهُ، وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ قَامَ بِهِ. (وَإِنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى شَيْءٍ، أَمْسَكَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ أَوْ أَرْسَلَهُمَا) عِنْدَ جَنْبَيْهِ وَسَكَّنَهُمَا، فَلَا يُحَرِّكُهُمَا، وَلَا يَرْفَعُهُمَا فِي دُعَائِهِ حَالَ الْخُطْبَةِ (وَسُنَّ أَنْ يَقْصِدَ) الْخَطِيبُ (تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا) ، لَفِعْلِهِ ﷺ ؛ وَلِأَنَّ فِي الْتِفَاتِهِ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ إعْرَاضًا عَنْهُ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا الْتَفَتَ أَوْ اسْتَدْبَرَ النَّاسَ أَنَّهُ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، صَرَّحُوا بِهِ فِي الِاسْتِدْبَارِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. (وَ) سُنَّ (قَصْرُهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَمَّارٍ مَرْفُوعًا «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَقَصِّرُوا الْخُطْبَةَ» . (وَ) سُنَّ كَوْنُ خُطْبَةٍ (ثَانِيَةٍ أَقْصَرَ) مِنْ الْأُولَى كَالْإِقَامَةِ مَعَ الْأَذَانِ. (وَ) سُنَّ (رَفْعُ صَوْتِهِ) فِي الْخُطْبَةِ (حَسَبَ طَاقَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ (وَيُعَرِّبُهُمَا بِلَا تَمْطِيطٍ) كَالْأَذَانِ. (وَيُتَّعَظُ بِمَا يَعِظُ النَّاسَ بِهِ) ، لِيَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِوَعْظِهِ. وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقِيلَ لِي: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» . (وَ) سُنَّ كَوْنُهُ حَالَ الْخُطْبَةِ (مُسْتَقْبِلًا لَهُمْ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِينَ (وَيَسْتَقْبِلُونَهُ) وَيَنْحَرِفُونَ إلَيْهِ وَيَتَرَبَّعُونَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ، (فَإِنْ اسْتَدْبَرَهُمْ فِيهَا) ، أَيْ: فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، (كُرِهَ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ. (كَ) مَا يُكْرَهُ لَهُ (رَفْعُ يَدَيْهِ بِدُعَاءٍ حَالَ خُطْبَةٍ) ، قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ بِدْعَةٌ، وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. (وَدُعَاؤُهُ عَقِبَ صُعُودِهِ لَا أَصْلَ لَهُ) وَكَذَا مَا يَقُولُهُ مَنْ يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ مِنْ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ.

стр. 775

(وَسُنَّ دُعَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا بَأْسَ) بِالدُّعَاءِ (لِمُعَيَّنٍ كَالسُّلْطَانِ، وَسُنَّ دُعَاءٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ) . قَالَ أَحْمَدُ، أَوْ غَيْرُهُ: لَوْ كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِإِمَامٍ عَادِلٍ؛ وَلِأَنَّ فِي صَلَاحِهِ صَلَاحَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ يَدْعُو فِي خُطْبَتِهِ لِعُمَرَ. وَرَوَى الْبَزَّارُ: " أَرْفَعُ النَّاسِ دَرَجَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ إمَامٌ عَادِلٌ " قَالَ أَحْمَدُ: إنِّي لَأَدْعُو لَهُ بِالتَّسْدِيدِ وَالتَّوْفِيقِ. (وَإِذَا فَرَغَتْ الْخُطْبَةُ نَزَلَ مُسْرِعًا) مِنْ غَيْرِ عَجَلَةٍ تَقْبُحُ، بِخِلَافِ صُعُودِهِ، فَيَكُونُ عَلَى تُؤَدَةٍ (عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) كَمَا يَقُومُ إلَيْهَا مَنْ لَيْسَ بِخَطِيبٍ إذَنْ. [فَصْلٌ الْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ] (فَصْلٌ) (وَالْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ) إجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قَالَ عُمَرُ: " صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١] رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. (يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ) فِيهِمَا جَهْرًا، لِفِعْلِهِ ﷺ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ إلَّا الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ» فَيَقْرَأُ: سُورَةَ (" الْجُمُعَةِ " بِ) رَكْعَةٍ (أُولَى) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، (وَ) سُورَةَ: (" الْمُنَافِقِينَ " بِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) " لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (أَوْ) " يَقْرَأُ: (" سَبِّحْ ") فِي الْأُولَى، (ثُمَّ: " الْغَاشِيَةَ ") فِي الثَّانِيَةِ "؛ (فَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِهِمَا) ، أَيْ: بِالصِّفَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ (وَ) يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ (فِي فَجْرِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ بِرَكْعَةٍ أُولَى: (" الم السَّجْدَةَ "، وَبِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ: " هَلْ أَتَى ") نَصَّ عَلَيْهِ " لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَاسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِتَضَمُّنِهِمَا ابْتِدَاءَ خَلْقِ

стр. 776

السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَخَلْقِ الْإِنْسَانِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ. فَإِنْ سَهَا عَنْ السَّجْدَةِ، فَنَصَّ أَحْمَدُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. قَالَ الْقَاضِي: كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا، لَا يَلْزَمُ بَقِيَّةُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَثَّ وَالتَّرْغِيبَ وُجِدَ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ أَكْثَرَ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهُمَا) نَصًّا لِئَلَّا يُظَنّ أَنَّهَا مُفَضَّلَةٌ بِسَجْدَةٍ أَوْ الْوُجُوبُ (وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا) تُكْرَهُ مُدَاوَمَةُ (كُلِّ سُنَّةٍ) غَيْرِ رَاتِبَةٍ (خِيفَ اعْتِقَادُ وُجُوبِهَا) خُصُوصًا إذَا كَانَ مُدَاوِمُ ذَلِكَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ (أَوْ) تَرْكُ مُدَاوَمَةِ سُنَّةٍ خِيفَ (إنْكَارُهَا، كَجَهْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ) فَإِنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا أَحْيَانَا لِئَلَّا يَظُنَّ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وُجُوبَ الْإِخْفَاتِ بِهَا. (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ (يَجْهَرُ) الْمُصَلِّي (بِالْبَسْمَلَةِ) أَحْيَانَا تَأَلُّفًا لِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ. (وَ) يَجْهَرُ (بِالتَّعَوُّذِ وَالْفَاتِحَةِ فِي) صَلَاةِ (الْجِنَازَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْقُنُوتِ فِي الْوَتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ (أَحْيَانًا) ، فَلَا يُدَاوِمُ عَلَيْهِ (فَإِنَّهُ) ، أَيْ: فِعْلَ ذَلِكَ أَحْيَانًا (الْمَنْصُوصُ عَنْ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ) ، وَيَكُونُ قَصْدُهُ بِذَلِكَ (تَعْلِيمًا لِلسُّنَّةِ وَلِلتَّأْلِيفِ) وَاسْتِعْطَافِ الْقُلُوبِ وَعَدَمِ النَّفْرَةِ، فَإِنَّ الْمُخَالِفَ فِي فَرْعٍ إذَا رَأَى شَخْصًا مُثَابِرًا عَلَى فِعْلٍ لَا يَرَاهُ، رُبَّمَا يَصِيرُ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْمُو ذَلِكَ الشَّيْءُ وَيُزَادُ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى النَّفْرَةِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ، فَيَنْشَأُ مِنْهَا مَا لَا خَيْرَ فِيهِ. وَهُوَ اتِّجَاهٌ وَجِيهٌ. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَيُكْرَهُ تَحَرِّيهِ سَجْدَةً

стр. 777

غَيْرَهَا) ، أَيْ: غَيْرَ الم السَّجْدَةِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَعَمُّدَ قِرَاءَةِ سُورَةٍ غَيْرِ الم تَنْزِيلُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ، قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". (وَ) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (فِي عِشَاءِ لَيْلَتِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (بِسُورَةِ: الْجُمُعَةِ وَ) زَادَ (فِي الرِّعَايَةِ " وَ: " الْمُنَافِقِينَ ") ، لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ. (وَحَرُمَ إقَامَتُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، (وَ) إقَامَةِ صَلَاةِ (عِيدٍ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ) وَاحِدٍ (مِنْ الْبَلَدِ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا يُفْعَلَانِ فِي عَهْدِهِ وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ إلَّا كَذَلِكَ، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (إلَّا لِحَاجَةٍ كَضِيقِ) مَسْجِدِ الْبَلَدِ عَنْ أَهْلِهِ، (وَ) كَ (بُعْدٍ) بِأَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ وَاسِعًا وَتَتَبَاعَدُ أَقْطَارُهُ، فَيَشُقُّ عَلَى مَنْ مَنْزِلُهُ بَعِيدٌ عَنْ مَحَلِّ الْجُمُعَةِ الْمَجِيءُ إلَيْهِ (وَخَوْفِ فِتْنَةٍ) ، بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ أَهْلِ الْبَلَدِ عَدَاوَةٌ. فَتُخْشَى إثَارَةُ الْفِتْنَةِ بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، فَتَصِحُّ حِينَئِذٍ السَّابِقَةُ وَاللَّاحِقَةُ؛ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ بِالْأَمْصَارِ الْعَظِيمَةِ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إجْمَاعًا. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا. وَأَمَّا كَوْنُهُ ﷺ لَمْ يَقُمْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ؛ فَلِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُؤْثِرُونَ سَمَاعَ خُطْبَتِهِ وَشُهُودَ جُمُعَتِهِ. وَإِنْ بَعُدَتْ مَنَازِلُهُمْ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ. (وَحَرُمَ) إقَامَتُهَا (بِ) مَوْضِعٍ (ثَالِثٍ إنْ حَصَلَ غِنًى) بِإِقَامَتِهَا (بِمَوْضِعَيْنِ) ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، (وَكَذَا مَا زَادَ) ، أَيْ: إذَا حَصَلَ الْغِنَى بِثَلَاثٍ، لَمْ تَجُزْ الرَّابِعَةُ، أَوْ بِأَرْبَعٍ، لَمْ تَجُزْ الْخَامِسَةُ، وَهَكَذَا، (فَإِنْ عُدِمَتْ) الْحَاجَةُ وَتَعَدَّدَتْ. (صَحَّ) مِنْ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ (مَا بَاشَرَهَا) الْإِمَامُ، (أَوْ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ) وَلَوْ مَسْبُوقَةً؛ لِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ غَيْرِهَا افْتِئَاتًا عَلَيْهِ، وَتَفْوِيتًا لِجُمُعَتِهِ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: إذْنُهُ شَرْطٌ أَوْ لَا، (فَإِنْ اسْتَوَتَا) ، أَيْ: الْجُمُعَتَانِ أَوْ الْعِيدَانِ (فِي

стр. 778

إذْنِ) إمَامٍ (أَوْ عَدَمِهِ) فِي إقَامَتِهِمَا، (فَ) الصَّحِيحَةُ مِنْهُمَا (السَّابِقَةُ بِالْإِحْرَامِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ حَصَلَ بِهَا، فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِهَا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، أَوْ مَكَان يَخْتَصُّ بِهِ جُنْدُ السُّلْطَانِ، أَوْ قَصَبَةِ الْبَلَدِ وَغَيْرِهَا. (فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا) ، بِأَنْ أَحْرَمَ إمَامَاهُمَا فِي آنٍ وَاحِدٍ، بَطَلَتَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُمَا، وَلَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَتُرَجَّحُ بِهَا. (وَوَجَبَتْ إعَادَتُهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (إنْ أَمْكَنَ) اجْتِمَاعُهُمْ وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُهُ، وَلَمْ تَقُمْ صَحِيحَةٌ، فَوَجَبَ تَدَارُكُهَا. (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إقَامَتُهَا لِفَقْدِ شَيْءٍ مِنْ شُرُوطِهَا، (فَ) إنَّهُمْ يُصَلُّونَ (ظُهْرًا) ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْجُمُعَةِ إذَا فَاتَتْ. (وَإِنْ جَهِلَ كَيْفَ وَقَعَتَا) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ سَبْقَ إحْدَاهُمَا وَلَا مَعِيَّتَهُمَا (صَلَّوْا ظُهْرًا) ؛ لِاحْتِمَالِ سَبْقِ إحْدَاهُمَا، فَتَصِحُّ وَلَا تُعَادُ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَتْ جُمَعٌ فِي بَلَدٍ، وَجُهِلَ الْحَالُ أَوْ السَّابِقَةُ. (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْ أَصْحَابِنَا (الصِّحَّةَ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ التَّعَدُّدُ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَطْلَقَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَغَيْرِهِ الصِّحَّةَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدَيْنِ، فَقَالَ: صَلِّ. وَسُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي جَامِعِ قَلْعَةِ دِمَشْقَ: أَجَائِزَةٌ مَعَ كَوْنِ فِي الْبَلَدِ خُطْبَةٌ أُخْرَى مَعَ وُجُودِ سُورِهَا وَغَلْقِ أَبْوَابِهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا جُمُعَةً أُخْرَى؛ لِأَنَّهَا مَدِينَةٌ أُخْرَى كَمِصْرِ وَالْقَاهِرَةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ كَمَدِينَةٍ أُخْرَى، فَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي الْمَدِينَةِ الْكَبِيرَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ لِلْحَاجَةِ تَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلِهَذَا لَمَّا بُنِيَتْ بَغْدَادُ وَلَهَا جَانِبَانِ، أَقَامُوا فِيهَا جُمُعَةً فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَجُمُعَةً فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ (وَإِذَا وَقَعَ عِيدٌ) فِي (يَوْمِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، (سَقَطَتْ) الْجُمُعَةُ (عَمَّنْ حَضَرَهُ) ، أَيْ: الْعِيدَ (خَاصَّةً مَعَ الْإِمَامِ) ذَلِكَ الْيَوْمَ " لِأَنَّهُ ﷺ «صَلَّى الْعِيدَ وَقَالَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يُجَمِّعَ

стр. 779

فَلْيُجَمِّعْ» رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ. (سُقُوطُ حُضُورٍ لَا) سُقُوطُ (وُجُوبٍ) ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ (كَمَرِيضٍ) لَا كَمُسَافِرٍ، فَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَانْعَقَدَتْ بِهِ، وَصَحَّ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ، أَوْ صَلَّاهُ بَعْدَ الْإِمَامِ، فَيَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ اجْتَمَعَ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، أُقِيمَتْ وَإِلَّا، صَلَّوْا ظُهْرًا لِتَحَقُّقِ عُذْرِهِمْ، (إلَّا الْإِمَامَ) ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «قَدْ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ، أَجْزَأَهُ عَنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» . (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: عَدَمُ سُقُوطِهَا عَنْ إمَامٍ أَوْ (مُصَلٍّ) صَلَاةَ الْعِيدِ (مُنْفَرِدًا) ، فَيَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَإِنْ اجْتَمَعَ مَعَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ) لِلْجُمُعَةِ، وَلَوْ مِمَّنْ حَضَرَ الْعِيدَ، (أَقَامَهَا) لِعَدَمِ الْمَانِعِ، (وَإِلَّا) يَجْتَمِعُ مَعَهُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، (صَلَّوْا ظُهْرًا) لِلْعُذْرِ. (وَكَذَا يَسْقُطُ عِيدٌ بِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، عَمَّنْ حَضَرَهَا مَعَ الْإِمَامِ سُقُوطَ حُضُورٍ، (فَيُعْتَبَرُ عَزْمٌ عَلَيْهَا) أَيْ: الْجُمُعَةِ، لِجَوَازِ تَرْكِ الْعَدَدِ اكْتِفَاءً بِهَا. (وَلَوْ فُعِلَتْ) الْجُمُعَةُ (قَبْلَ الزَّوَالِ) قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ ": أَوْ بَعْدَهُ. وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى خِلَافِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " اجْتَمَعَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: عِيدَانِ قَدْ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَجَمَعَهُمْ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً، فَلَمْ يَزِدْ

стр. 780

عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ. فَيُرْوَى أَنَّ فِعْلَهُ بَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَصَابَ السُّنَّةَ " فَمَا صَلَّاهُ الْجُمُعَةَ فَتَسْقُط بِهِ الْعِيدُ وَالظُّهْرُ. (وَأَقَلُّ السُّنَّةِ) الرَّاتِبَةِ (بَعْدَهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ: (رَكْعَتَانِ) " «لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَأَكْثَرُهَا) ، أَيْ: السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ: (سِتُّ) رَكَعَاتٍ نَصًّا، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَلَا رَاتِبَةَ لَهَا قَبْلَهَا) نَصًّا، (بَلْ) يُسَنُّ صَلَاةُ (أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْكَعُ مِنْ قَبْلِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا» وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَبَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَبِي يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. (وَسُنَّ قِرَاءَةُ) سُورَةِ (الْكَهْفِ بِيَوْمِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (وَ) سُنَّ قِرَاءَتُهَا أَيْضًا فِي (لَيْلَتِهَا) ، لِحَدِيثِ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتِهَا وُقِيَ فِتْنَةَ الدَّجَّالِ» وَفِي شُعَبِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سُورَةُ الْكَهْفِ فِي التَّوْرَاةِ تُدْعَى الْحَائِلَةَ تَحُولُ بَيْنَ قَارِئِهَا وَبَيْنَ النَّارِ» وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ الْقِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ وَقْتٍ، فَظَاهِرُهُ: لَا أَفْضَلِيَّةَ فِي وَقْتٍ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا: لَا عَدَدَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي مَرَّةٌ فِي يَوْمِهَا، وَمَرَّةٌ فِي لَيْلَتِهَا، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ فِي أَحَدِهِمَا: فَالْأَوْلَى قِرَاءَتُهَا نَهَارًا. قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي قِرَاءَتِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِيهَا أَهْوَالَ يَوْمِ

стр. 781

الْقِيَامَةِ وَالْجُمُعَةُ تُشْبِهُهَا، لِمَا فِيهَا مِنْ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ، وَقِيَامِ الْخَطِيبِ؛ وَلِأَنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا قُرِئَتْ فِي نَهَارِهَا تَذَكَّرَ بِهَا، وَإِذَا قُرِئَتْ فِي لَيْلَتِهَا تَذَكَّرَ بِهَا لَيْلَةً لَيْسَ بَعْدَهَا إلَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ. (وَ) سُنَّ (كَثْرَةُ دُعَاءٍ رَجَاءَ إصَابَةِ سَاعَةِ الْإِجَابَةِ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَأَفْضَلُهُ) ، أَيْ: الدُّعَاءِ (بَعْدَ الْعَصْرِ) " وَأَرْجَاهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَفِي أَوَّلِهِ أَنَّ النَّهَارَ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً. وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، لَكِنْ لَمْ يَحْكِ فِي " الْإِنْصَافِ " وَ " الْمُبْدِعِ " هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الْإِمَامِ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، بَلْ ذَكَرَا قَوْلَ الْإِمَامِ: أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا الْإِجَابَةُ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَتُرْجَى بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ. وَقَدْ ذَكَرَ دَلِيلَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مَعَ بَقِيَّةِ الْأَقْوَالِ، وَهِيَ: اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ قَوْلًا فِي " فَتْحِ الْبَارِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ " وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ: إنَّهُ أَثْبَتُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ. (وَأَرْجَاهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ) ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الصَّحَابَةِ اجْتَمَعُوا، فَتَذَاكَرُوا سَاعَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ " وَرَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. (فَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا مُنْتَظِرًا صَلَاةَ مَغْرِبٍ) ، فَإِنَّ مَنْ انْتَظَرَ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ. وَفِي الدَّعَوَاتِ لِلْمُسْتَغْفِرَيَّ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ

стр. 782

فِي الْبَابِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ، وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وَانْتَشَرَتْ لِمَا أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. (وَ) سُنَّ (إكْثَارُ صَلَاةٍ عَلَيْهِ ﷺ ) ، فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَيْلَتَهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَقَدْ رُوِيَ الْحَثُّ عَلَيْهَا مُطْلَقًا، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (وَ) سُنَّ (تَنَظُّفٌ بِقَصِّ شَارِبٍ وَتَقْلِيمِ ظُفْرٍ وَقَطْعِ رَوَائِحَ كَرِيهَةٍ بِسِوَاكٍ وَغَيْرِهِ وَتَطَيُّبٌ) بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (وَلَوْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ) ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ. ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» وَقَوْلُهُ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ، أَيْ: مَا خَفِيَ رِيحُهُ وَظَهَرَ لَوْنُهُ لِتَأَكُّدِ الطِّيبِ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ. (وَ) سُنَّ لَهُ أَيْضًا (لُبْسُ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ) ، لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، (وَأَفْضَلُهَا: الْبَيَاضُ) ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ". (وَ) سُنَّ أَيْضًا (تَبْكِيرُ غَيْرِ إمَامٍ وَ) غَيْرِ (مُعْتَكِفٍ وَ) غَيْرِ (أَجِيرٍ) إلَى الْجُمُعَةِ. وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ (مَاشِيًا) بِسَكِينَةٍ، لِحَدِيثِ «وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ» . (بَعْدَ فَجْرٍ) . لِحَدِيثِ «مَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ

стр. 783

الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً» . الْحَدِيثَ، (قَائِلًا: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وَأَقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْكَ، وَأَفْضَلِ مَنْ سَأَلَكَ وَرَغِبَ إلَيْكَ. . .) إلَى آخِرِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي آدَابِ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ. (وَلَا بَأْسَ بِرُكُوبِهِ لِعُذْرٍ) كَمَرَضٍ وَبُعْدٍ وَكِبَرٍ، (وَ) بِرُكُوبِهِ عِنْدَ (عَوْدٍ) وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ. (وَيَجِبُ سَعْيٌ) لِلْجُمُعَةِ (بِنِدَاءٍ ثَانٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] الْآيَةَ. وَخُصَّ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِهِ ﷺ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، بِخِلَافِ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ سُنَّةُ عُثْمَانَ وَعَمِلَتْ بِهِ الْأُمَّةُ. (إلَّا بَعِيدَ مَنْزِلٍ) عَنْ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ، (فَ) يَجِبُ سَعْيُهُ (فِي وَقْتٍ يُدْرِكُهَا) إذَا سَعَى فِيهِ إلَيْهَا، وَالْمُرَادُ: بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا قَبْلَهُ. ذَكَرَهُ فِي " الْخِلَافِ " وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلسَّعْيِ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". (إذَا عَلِمَ حُضُورَ الْعَدَدِ) الْمُعْتَبَرِ لِلْجُمُعَةِ، وَإِلَّا، فَلَا فَائِدَةَ لِسَعْيِهِ. (وَتَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا إذَنْ) ، أَيْ: حِينَ وُجُوبِ السَّعْيِ، وَيَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ (إلَى انْقِضَائِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ. (وَسُنَّ اشْتِغَالٌ بِذِكْرِ) اللَّهِ تَعَالَى، تَحْصِيلًا لِلْأَجْرِ (وَأَفْضَلُهُ) ، أَيْ: أَفْضَلُ الذِّكْرِ: (الْقُرْآنُ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ الْحَسَنَاتِ بِتِلَاوَةِ حُرُوفِهِ. (وَ) سُنَّ اشْتِغَالُهُ بِ (صَلَاةٍ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ) لِلْخُطْبَةِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الْأَجْرِ (فَيَحْرُمُ ابْتِدَاءُ) نَافِلَةٍ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ (غَيْرِ تَحِيَّةِ مَسْجِدٍ) ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ. وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ، أَوْ كَانَ بَعِيدًا بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهَا. (وَيُخَفِّفُ مَا) كَانَ (ابْتَدَأَهُ) مِنْ نَفْلٍ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ إذَا خَرَجَ قَبْلَ

стр. 784

فَرَاغِهِ، (وَلَوْ) كَانَ (نَوَى أَرْبَعًا صَلَّى ثِنْتَيْنِ) . لِيَسْتَمِعَ الْخُطْبَةَ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ. (وَكُرِهَ لِغَيْرِ إمَامٍ تَخَطِّي الرِّقَابِ) «لِقَوْلِهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ لِرَجُلٍ رَآهُ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَأَمَّا الْإِمَامُ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ. وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ الْمُؤَذِّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ (إلَّا إنْ رَأَى فُرْجَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِهِ) ، أَيْ: بِتَخَطِّي الرِّقَابِ، فَيُبَاحُ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا لِإِسْقَاطِهِمْ حَقَّهُمْ بِتَأَخُّرِهِمْ عَنْهَا. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا (إيثَارُهُ) غَيْرَهُ (بِمَكَانٍ أَفْضَلَ) وَيَجْلِسُ فِيمَا دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ رَغْبَةٌ عَنْ الْخَيْرِ. وَ (لَا) يُكْرَهُ لِلْمُؤْثَرِ (قَبُولُهُ) وَلَا رَدُّهُ. قَالَ مُسْنَدِي: رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إلَى مَوْضِعِكَ، فَرَجَعَ إلَيْهِ. (وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ) ، أَيْ: الْمُؤْثَرِ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (سَبْقُهُ إلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَكَانِ الْأَفْضَلِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَهُ، أَشْبَهَ مَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا فَآثَرَ بِهِ غَيْرَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَسَّعَ لِشَخْصٍ فِي طَرِيقٍ، فَمَرَّ غَيْرُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ لِلْمُرُورِ فِيهَا، وَالْمَسْجِدُ لِلْإِقَامَةِ فِيهِ. (وَالْعَائِدُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ لِعَارِضٍ) لَحِقَهُ كَتَطَهُّرٍ (أَحَقُّ بِمَكَانِهِ) الَّذِي كَانَ سَبَقَ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ. فَلَوْ جَلَسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَلَهُ إقَامَتُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ الْقَائِمُ لِعَارِضٍ صَبِيًّا، فَيُؤَخَّرُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُمْ مِنْهُ بِالْأَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ الْعَائِدُ إلَى مَكَانِهِ قَرِيبًا بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْهُ لِعَارِضٍ إلَّا بِالتَّخَطِّي، جَازَ، كَمَنْ رَأَى فُرْجَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِهِ. (وَكَذَا جَالِسٌ لِإِفْتَاءٍ أَوْ إقْرَاءٍ) قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعَارِضٍ لَحِقَهُ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ قَرِيبًا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»

стр. 785

وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِمَا إذَا عَادَ وَلَمْ يَتَشَاغَلْ بِغَيْرِهِ. (وَحَرُمَ أَنْ يُقِيمَ) إنْسَانٌ (غَيْرَهُ) مِنْ مَكَان سَبَقَهُ إلَيْهِ مَعَ أَهْلِيَّتِهِ لَهُ. (وَلَوْ) كَانَ (عَبْدَهُ) الْكَبِيرَ (أَوْ) كَانَ (وَلَدَهُ) الْكَبِيرَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «نَهَى أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا» لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ، فَاسْتَوَى فِيهِ السَّيِّدُ وَالْوَالِدُ وَغَيْرُهُمَا (أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا) كَالتَّعْلِيمِ وَالتَّدْرِيسِ وَالتَّحْدِيثِ (فِيهِ) ، وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ لِلْمُذَاكَرَةِ فِي الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، إذَا جَلَسَ إنْسَانٌ مَوْضِعَ حَلْقَتِهِ، حَرُمَ عَلَيْهِ إقَامَتُهُ لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ، وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ (إلَّا الصَّغِيرَ) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، فَيُؤَخَّرُ؛ لِأَنَّ الْبَالِغَ أَحَقُّ مِنْهُ بِالتَّقَدُّمِ لِلْفَضْلِ. (قَالَ الْمُنَقِّحُ: وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ) ، أَيْ: صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ أَقَامَ مُكَلَّفًا وَجَلَسَ مَكَانَهُ، لِشَبَهِهِ بِالْغَاصِبِ. (وَيَتَّجِهُ: بَلْ) قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ (تَقْتَضِي الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْ مِنْهُ مَا) ، أَيْ: مَكَانًا (يَمْلِكُهُ) ، بَلْ صَلَّى فِي مَكَان هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ سَبَقَهُ أَحَقُّ مِنْهُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْعُهُ مِنْ حَقِّهِ، (أَشْبَهَ مَا لَوْ مَنَعَ الْمَسْجِدَ غَيْرَهُ) مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ. فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَالْمَذْهَبُ الصِّحَّةُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَ) لَهُ أَنْ (يُقِيمَ مَنْ جَلَسَ بِمَوْضِعِهِ) مِنْ الْمَسْجِدِ (لِيَحْفَظَهُ) لَهُ، وَيَجْلِسَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَنَائِبِهِ فِي حِفْظِهِ، سَوَاءٌ حَفِظَهُ لَهُ (بِإِذْنِهِ أَوْ دُونَهُ) ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ يَقُومُ بِاخْتِيَارِهِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ وَلِأَنَّهُ قَعَدَ فِيهِ لِحِفْظِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِقَامَةٍ، لَكِنْ إنْ جَلَسَ فِي مَكَانِ الْإِمَامِ أَوْ طَرِيقِ الْمَارَّةِ أَوْ اسْتَقْبَلَ الْمُصَلِّينَ فِي مَكَان ضَيِّقٍ، أُقِيمَ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. (وَحَرُمَ رَفْعُ مُصَلَّى مَفْرُوشٍ) لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ رَبُّهُ إذَا جَاءَ؛ لِأَنَّهُ افْتِئَاتٌ

стр. 786

عَلَى رَبِّهِ، وَتَصَرُّفٌ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَيَجُوزُ فَرْشُهُ (مَا لَمْ تَحْضُرْ) ، أَيْ: تَقُمْ (الصَّلَاةُ) وَلَا يَحْضُرُ رَبُّهُ، فَلِغَيْرِهِ رَفْعُهُ وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوشَ لَا حُرْمَةَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وَرَبُّهُ لَمْ يَحْضُرْ. (وَ) حَرُمَ (صَلَاةٌ) عَلَيْهِ، (وَجُلُوسٌ عَلَيْهِ) . قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَعَهُ مَفْرُوشًا وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ، فَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ "، فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ: وَلَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضِهِ أَوْ مُصَلَّاهُ بِلَا غَصْبٍ، صَحَّ فِي الْأَصَحِّ. (وَلَهُ) ، أَيْ: مَرِيدِ الصَّلَاةِ (فَرْشُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ إنْ حَرُمَ رَفْعُهُ، وَإِلَّا كُرِهَ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، تَوْجِيهًا. (وَمَنَعَ مِنْهُ) ، أَيْ: الْفَرْشِ (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، (لِتَحَجُّرِهِ) بِفَرْشِهِ مَكَانًا مِنْ (الْمَسْجِدِ) كَحُفْرَةٍ فِي التُّرْبَةِ الْمُسَبَّلَةِ قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَحَرُمَ كَلَامٌ وَلَوْ) كَانَ الْكَلَامُ (لِتَسْكِيتِ غَيْرِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَلَوْ حَالَ تَنَفُّسِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْخُطْبَةِ. (وَهُوَ) ، أَيْ: الْمُتَكَلِّمُ (مِنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ، قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَةِ. وَسُمِّيَتْ قُرْآنًا، لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ» وَاللَّغْوُ: الْإِثْمُ. وَحَدِيثِ: «مَنْ قَالَ: صَهٍ فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا، فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَمَعْنَى لَا جُمُعَةَ لَهُ، أَيْ: كَامِلَةً. (وَإِلَّا) يَسْمَعُ الْخَطِيبَ وَلَا هَمْهَمَتَهُ لِبُعْدِهِ عَنْهُ، (فَلَا) يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، وَحِينَئِذٍ فَاشْتِغَالُهُ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ

стр. 787

مِنْ سُكُوتِهِ نَصًّا. (وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ مَفْهُومَةٌ كَكَلَامٍ) ، لِقِيَامِهَا مَقَامَهُ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ. (وَحَلَّ) كَلَامٌ (لِخَطِيبٍ) وَهُوَ يَخْطُبُ. (وَ) حَلَّ كَلَامٌ أَيْضًا (لِمَنْ كَلَّمَهُ) الْخَطِيبُ (لِمَصْلَحَةٍ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَأَشَارَ إلَيْهِ النَّاسُ أَنْ اُسْكُتْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الثَّالِثَةِ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: إنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. «وَكَلَّمَ ﷺ سُلَيْكًا وَكَلَّمَهُ هُوَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. " وَسَأَلَ عُمَرُ عُثْمَانَ فَأَجَابَهُ " وَ " سَأَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ النَّبِيَّ ﷺ الِاسْتِسْقَاءَ " وَلِأَنَّهُ حَالَ كَلَامِهِ الْإِمَامَ، وَكَلَامِ الْإِمَامِ إيَّاهُ لَا يَشْغَلُ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ. (وَوَجَبَ) الْكَلَامُ حَالَ الْخُطْبَةِ، (لِتَحْذِيرِ ضَرِيرٍ وَغَافِلٍ عَنْ هَلَكَةٍ كَنَارٍ وَبِئْرٍ) وَوَطْءِ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَكُلِّ مَا يُؤْذِي أَوْ تَقْتُلُ، لِإِبَاحَةِ قَطْعِ الصَّلَاةِ لِذَلِكَ (وَيُبَاحُ) الْكَلَامُ (إذَا سَكَتَ) الْخَطِيبُ (بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (أَوْ شَرَعَ فِي دُعَاءٍ) وَلَوْ غَيْرَ مَأْثُورٍ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهُ. (وَيَتَّجِهُ: أَنَّ التَّحْرِيمَ) لِلْكَلَامِ (مَحَلَّهُ) حَالُ (أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ) ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ أَرْكَانِهَا وَاشْتَغَلَ بِالتَّرَضِّي عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ أُبِيحَ الْكَلَامُ لِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَرَفْعُ الصَّوْتِ قُدَّامَ الْخُطَبَاءِ

стр. 788

مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا، فَلَا يَرْفَعُ مُؤَذِّنٌ وَ) لَا (غَيْرُهُ صَوْتَهُ بِصَلَاةٍ) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَ) لَا (غَيْرِهَا) مِنْ الْأَدْعِيَةِ اللَّائِقَةِ بِالْحَالِ، (وَلَا يُسَلِّمُ مَنْ دَخَلَ) عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْخُطْبَةِ وَاسْتِمَاعِهَا. (وَلَيْسَ لَهُ إقْرَاءُ قُرْآنٍ وَ) لَا (مُذَاكَرَةٌ فِي فِقْهٍ) ، لِئَلَّا يَشْغَلَ غَيْرَهُ عَنْ الِاسْتِمَاعِ، (وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَى سَائِلٍ وَقْتَ خُطْبَةٍ؛ لِأَنَّهُ) ، أَيْ: السَّائِلَ (فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ) لَهُ فِعْلُهُ، وَهُوَ: الْكَلَامُ حَالَ الْخُطْبَةِ، (فَلَا يُعِينُهُ) عَلَى مَا لَا يَجُوزُ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: إنْ حَصَبَ السَّائِلَ كَانَ أَعْجَبَ إلَيَّ) " لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَائِلٍ سَأَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " وَلَا يُنَاوِلُ السَّائِلُ حَالَ الْخُطْبَةِ الصَّدَقَةَ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مُحَرَّمٍ، فَإِنْ سَأَلَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ جَلَسَ لِاسْتِمَاعِهَا؛ جَازَ التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ وَمُنَاوَلَتُهُ. قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا إذَا لَمْ يَسْأَلْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ. (وَ) لَهُ أَنْ (يَتَصَدَّقَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَلْ) وَعَلَى مَنْ سَأَلَهَا الْإِمَامُ لَهُ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ أَوْ خُرُوجِهِ أَوْلَى. (وَكُرِهَ عَبَثٌ حَالَ خُطْبَةٍ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى؛ فَقَدْ لَغَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ الْعَبَثَ يَمْنَعُ الْخُشُوعَ، (وَ) كَذَا (شُرْبٌ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ يَشْتَغِلُ بِهِ، أَشْبَهَ مَسَّ الْحَصَى (بِلَا حَاجَةٍ) كَاشْتِدَادِ عَطَشٍ؛ فَلَا يُكْرَهُ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْخُشُوعِ. (وَ) سُنَّ (دُنُوٌّ مِنْ إمَامٍ وَاسْتِمَاعُ) خُطْبَتِهِ لَعَلَّهُ يَتَّعِظُ بِهَا. (وَ) (صَلَاةٌ سِرًّا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إذَا سَمِعَهَا) ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. (كَدُعَاءٍ) اتِّفَاقًا (وَتَأْمِينٍ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الدُّعَاءِ

стр. 789

(وَ) سُنَّ (انْتِقَالُهُ إنْ نَعَسَ مِنْ مَكَانِهِ) الَّذِي نَعَسَ فِيهِ، (وَلَهُ الْحَمْدُ خُفْيَةً إذَا عَطَسَ) نَصًّا، (وَرَدُّ سَلَامٍ) نُطْقًا، (وَتَشْمِيتُ عَاطِسٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ لِحَقِّ آدَمِيٍّ. (وَيَتَّجِهُ: أَنَّ تَشْمِيتَ عَاطِسٍ لَا يَلْزَمُ مُشْتَغِلًا) بِنَحْوِ قِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُ (لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ سَلَامٍ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَصْلٌ مَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِمَسْجِدٍ] (فَصْلٌ) (وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِمَسْجِدٍ؛ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) وَلَوْ وَقْتَ نَهْيٍ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (وَحَرُمَ زِيَادَةٌ عَلَيْهِمَا) ، لِوُجُوبِ الْإِنْصَاتِ حَالَ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ خَطَبَ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ لَمْ يُصَلِّ الدَّاخِلُ شَيْئًا. (وَتُسَنُّ تَحِيَّتُهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (رَكْعَتَانِ فَأَكْثَرُ لِمَنْ دَخَلَهُ بِشَرْطِهِ) بِأَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا وَفِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ، إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَنْ لَا يُطِيلَ الْجُلُوسَ سَوَاءٌ (قَصَدَ الْجُلُوسَ أَوْ لَا) ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (غَيْرُ خَطِيبٍ دَخَلَهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدَ، (لَهَا) ، أَيْ: لِلْخُطْبَةِ (وَ) غَيْرُ (دَاخِلِهِ لِصَلَاةِ عِيدٍ، أَوْ) دَاخِلِهِ (وَقَدْ شَرَعَ فِي إقَامَةٍ بِشَرْطِهِ) بِأَنْ كَانَ قَصْدُهُ الصَّلَاةَ مَعَ إمَامِهَا (وَدَاخِلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ؛ لِأَنَّ تَحِيَّتَهُ الطَّوَافُ، فَيُسَنُّ كُلَّمَا دَخَلَ. (وَقَيِّمُهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (لِتَكْرَارِ دُخُولِهِ) . فَلَا تُسَنُّ لَهُ التَّحِيَّةُ لِلْمَشَقَّةِ، وَأَمَّا غَيْرُ قَيِّمِهِ إذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهُ، فَتُسَنُّ لَهُ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " تَوْجِيهًا.

стр. 790

(وَيَتَّجِهُ: مِثْلُهُ) ، أَيْ: مِثْلُ الْقَيِّمِ (مُجَاوِرٌ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ) لِلْمَشَقَّةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَنْتَظِرُ) مَنْ دَخَلَ حَالَ الْأَذَانِ (فَرَاغَ مُؤَذِّنٍ لِتَحِيَّةِ) مَسْجِدٍ، لِيُجِيبَ الْمُؤَذِّنَ، ثُمَّ يُصَلِّيَهَا، فَيَجْمَعَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ أَذَانِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ أَهَمُّ. (وَإِنْ جَلَسَ) مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ (قَامَ فَأَتَى بِهَا) ، أَيْ: التَّحِيَّةَ، «لِقَوْلِهِ ﷺ لِمَنْ جَلَسَ قَبْلَهَا: قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» وَفِي رِوَايَةٍ " فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ " (مَا لَمْ يَطُلْ فَصْلٌ) بَيْنَ جُلُوسِهِ وَقِيَامِهِ فَيَفُوتُ مَحَلُّهَا، وَلَا تُقْضَى. (وَتَقَدَّمَ) فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ: (تُجْزِئُ رَاتِبَةٌ تَحِيَّةً) وَكَذَا فَرِيضَةٌ وَلَوْ مَقْضِيَّةً. (وَلَا) تَحْصُلُ (تَحِيَّةُ) الْمَسْجِدِ (بِرَكْعَةٍ، وَ) لَا بِ (صَلَاةِ جِنَازَةٍ) ، لِعَدَمِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِيهَا (وَ) لَا بِ (سُجُودِ تُلَاوَةٍ، وَ) لَا سُجُودِ (شُكْرٍ قَالَ بَعْضُهُمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابِ: (وَسُنَّ لِمَنْ دَخَلَهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدَ (غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ قَوْلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا، قِيلَ: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: الْمَسَاجِدُ قِيلَ: وَمَا الرَّتْعُ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَكُرِهَ إسْنَادُ ظَهْرٍ) هـ (لِلْقِبْلَةِ) نَصًّا،

стр. 791

وَفِي مَعْنَاهُ مَدُّ الرِّجْلِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي النَّوْمِ وَغَيْرِهِ، وَمَدُّ رِجْلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، ذَكَرَهُ فِي " الْآدَابِ ". (وَاسْتِقْبَالُهَا) ، أَيْ: الْقِبْلَةِ (مُتَّجِهٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ) كَحَالِ الْخُطْبَةِ، وَبَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ. (وَلَا بَأْسَ بِالْحَبْوَةِ نَصًّا، وَلَوْ حَالَ الْخُطْبَةِ) مَعَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَ) لَا (بِالْقُرْفُصَاءِ، وَهِيَ: الْجُلُوسُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَيْهِ إلَى صَدْرِهِ، مُفْضِيًا بِأَخْمَصِ قَدَمَيْهِ إلَى الْأَرْضِ، وَكَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَقْصِدُ هَذِهِ الْجِلْسَةَ، وَلَا جَلْسَةَ أَخْشَعُ مِنْهَا) . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ جَالِسًا إلَّا الْقُرْفُصَاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاةٍ. (وَلَوْ اجْتَمَعَ قَوْمٌ لِقِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ وَدُعَاءٍ، فَعَنْ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا؟) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْ دُعَائِي وَمَسْأَلَتِي، أُعْطِيهِ أَفْضَلَ ثَوَابِ الشَّاكِرِينَ، وَإِنَّ فَضْلَ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» وَعَنْهُ أَيْضًا مَرْفُوعًا «أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ بِالدُّعَاءِ، وَأَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ وَغَيْرُهُ. (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ لِذَلِكَ (مُحْدَثٌ) لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ. (وَعَنْهُ) رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهُ قَالَ: (مَا أَكْرَهُهُ) ، أَيْ: الِاجْتِمَاعَ لِذَلِكَ (إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا) أَيْ: الْمُجْتَمِعُونَ، (أَيْ: يَتَّخِذُوهُ عَادَةً وَ) قَالَ الْمُنَقِّحُ (فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " الصَّوَابُ أَنْ يُرْجَعَ

стр. 792

فِي ذَلِكَ لِحَالِ الْإِنْسَانِ، فَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ) الِاجْتِمَاعِ (مَا لَا يَحْصُلُ لَهُ بِالِانْفِرَادِ مِنْ الِاتِّعَاظِ وَالْخُشُوعِ، كَانَ) حُضُورُهُ لِذَلِكَ (أَوْلَى) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ، (وَإِلَّا) يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَلَا خُشُوعٌ، (فَلَا) يَحْضُرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَجَامِعِ إذْ حُضُورُهُ ضَيَاعُ وَقْتٍ بِلَا فَائِدَةٍ، وَاشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِي، وَ " مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ". خَاتِمَةٌ: رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَرَأَ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ. وَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ سَبْعًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ» . [بَابُ أَحْكَامِ صَلَاةِ الْعِيدِ] ِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. سُمِّيَ الْيَوْمُ الْمَعْرُوفُ عِيدًا؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ وَيَتَكَرَّرُ لِأَوْقَاتِهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَعُودُ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَقِيلَ: تَفَاؤُلًا، لِيَعُودَ ثَانِيَةً كَالْقَافِلَةِ. وَهُوَ مِنْ: عَادَ يَعُودُ، فَهُوَ الِاسْمُ مِنْهُ، كَالْقِيلِ مِنْ الْقَوْلِ، وَصَارَ عَلَمًا عَلَى الْيَوْمِ الْمَخْصُوصِ، لِمَا تَقَدَّمَ. وَجُمِعَ عَلَى أَعْيَادٍ، بِالْيَاءِ، وَأَصْلُهُ الْوَاوُ، لِلُزُومِهَا فِي الْوَاحِدِ، وَقِيلَ: لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ. (صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) " لِأَنَّهُ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ " وَ " رُوِيَ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةِ عِيدٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ " (إذَا اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ) مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا (عَلَى تَرْكِهَا) ، أَيْ: إذَا تَرَكُوهَا (قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، وَفِي

стр. 793

تَرْكِهَا تَهَاوُنٌ بِالدِّينِ. (وَكُرِهَ أَنْ يَنْصَرِفَ مَنْ حَضَرَ) مُصَلَّاهَا (وَيَتْرُكَهَا) ، لِتَفْوِيتِهِ أَجْرَهَا بِلَا عُذْرٍ. (وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يُكْرَهُ انْصِرَافُ مَنْ حَضَرَ مُصَلَّاهَا قَبْلَ فِعْلِهَا (إنْ لَمْ يَنْقُصْ بِهِ) ، أَيْ: الْمُنْصَرِفِ (عَدَدُ) الْمُصَلِّينَ عَنْ الْأَرْبَعِينَ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يَنْقُصُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ بِانْصِرَافِهِ، (فَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ الِانْصِرَافُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَوَقْتُهَا كَ) وَقْتِ (صَلَاةِ الضُّحَى) مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُ لَمْ يُصَلُّوهَا إلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى فِعْلِهَا ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ. وَ (لَا) يَدْخُلُ وَقْتُهَا (بِطُلُوعِ شَمْسٍ) قَبْلَ ارْتِفَاعِهَا قَيْدَ رُمْحٍ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلْعِيدِ، كَمَا قَبْلَ طُلُوعِهَا، (فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالْعِيدِ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، صَلَّوْا) الْعِيدَ (مِنْ الْغَدِ قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ الزَّوَالِ (قَضَاءً) ، وَلَوْ أَمْكَنَ قَضَاؤُهَا فِي يَوْمِهَا، لِمَا رَوَى أَبُو عُمَيْرِ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ: «غُمَّ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ، فَأَصْبَحْنَا صِيَامًا، فَجَاءَ رَكْبٌ فِي آخِرِ النَّهَارِ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ، وَأَنْ يَخْرُجُوا غَدًا لِعِيدِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَحَسَّنَهُ. (وَكَذَا لَوْ مَضَى أَيَّامٌ) ، وَلَمْ يَعْلَمُوا بِالْعِيدِ، أَوْ لَمْ يُصَلُّوا لِفِتْنَةٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ أَخَّرُوهَا وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ.

стр. 794

(وَتُسَنُّ) صَلَاةُ عِيدٍ (حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ) فِي فِعْلِهَا مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ، وَمَعَهَا تُفْعَلُ بِالْمَسْجِدِ، (بِصَحْرَاءَ قَرِيبَةٍ عُرْفًا) مِنْ بُنْيَانٍ، لِحَدِيثِ أُبَيٍّ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّهُ أَوْقَعُ هَيْبَةً وَأَظْهَرُ شِعَارًا، (فَلَا تَصِحُّ) صَلَاةُ الْعِيدِ بِصَحْرَاءَ (بَعِيدَةٍ) مِنْ بُنْيَانٍ عُرْفًا لِلْمَشَقَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُهَا بَعْضُ النَّاسِ فَيَفُوتُهُ فَضْلُهَا، (إلَّا بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ، فَ) تُصَلَّى (بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ، لِفَضِيلَةِ الْبُقْعَةِ، وَمُشَاهَدَةِ الْكَعْبَةِ. وَلَمْ تَزَلْ الْأَئِمَّةُ يُصَلُّونَهَا بِهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ وَالْأَقْصَى كَبَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ. (وَ) يُسَنُّ (تَقْدِيمُ الْأَضْحَى بِحَيْثُ يُوَافِقُ مَنْ بِمِنًى فِي ذَبْحِهِمْ، وَتَأْخِيرُ) صَلَاةِ (الْفِطْرِ) ، لِحَدِيثِ الشَّافِعِيِّ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ: عَجِّلْ الْأَضْحَى وَأَخِّرْ الْفِطْرَ، وَذَكِّرْ النَّاسَ» وَلِيَتَّسِعَ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةَ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ (وَ) يُسَنُّ (أَكْلٌ فِيهِ) ، أَيْ: عِيدِ الْفِطْرِ (قَبْلَ خُرُوجٍ) إلَى الصَّلَاةِ، لِقَوْلِ بُرَيْدَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يُصَلِّيَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (تَمَرَاتٍ وِتْرًا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعَةٍ: «وَيَأْكُلَهُنَّ وِتْرًا» . (وَ) يُسَنُّ (إمْسَاكٌ) عَنْ أَكْلٍ (بِأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ) الْعِيدَ لِلْخَبَرِ، (لِيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ إنْ ضَحَّى) يَوْمَهُ. (وَالْأَوْلَى) بَدْءُ أَكْلٍ (مِنْ كَبِدِهَا) ، لِسُرْعَةِ تَنَاوُلِهِ وَهَضْمِهِ. (وَإِلَّا) يُضَحِّ (خُيِّرَ) بَيْنَ أَكْلٍ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَتَرْكِهِ نَصًّا (وَ) يُسَنُّ (غُسْلٌ لَهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ عِيدٍ (فِي يَوْمِهِ) ، أَيْ: الْعِيدِ، لِمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يُجْزِئُهُ لَيْلًا، وَلَا بَعْدَهَا.

стр. 795

(وَ) يُسَنُّ (تَنَظُّفُ) بَدَنٍ وَثِيَابٍ (كَجُمُعَةٍ وَتَبْكِيرُ مَأْمُومٍ) لِيَدْنُوَ مِنْ الْإِمَامِ، وَيَنْتَظِرَ الصَّلَاةَ، فَيَكْثُرُ أَجْرُهُ (بَعْدَ صَلَاةِ صُبْحٍ) مِنْ يَوْمِ عِيدٍ (مَاشِيًا) إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ: «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا» (عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «كَانَ يَعْتَمُّ وَيَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ فِي الْعِيدَيْنِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَأَفْضَلُ أَلْوَانِ الثِّيَابِ الْبَيَاضُ، فَإِنْ اسْتَوَى الثَّوْبَانِ فِي الْحُسْنِ وَغَيْرِهِ، فَالْأَبْيَضُ أَفْضَلُ، فَإِنْ كَانَ الْأَحْسَنُ لَيْسَ بِأَبْيَضَ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَبْيَضِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَحِينَئِذٍ، فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْخَارِجُ إلَى الصَّلَاةِ وَالْقَاعِدُ فِي بَيْتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ زِينَةٍ، (إلَّا الْمُعْتَكِفَ وَلَوْ) كَانَ الْمُعْتَكِفُ (إمَامًا، فَ) يَخْرُجُ إلَى الْعِيدِ (فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ) إبْقَاءً لِأَثَرِ الْعِبَادَةِ. (وَ) يُسَنُّ (تَأْخِيرُ إمَامٍ لِ) دُخُولِ وَقْتِ (صَلَاةٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يُنْتَظَرُ وَلَا يَنْتَظِرُ. (وَ) تُسَنُّ (تَوْسِعَةٌ عَلَى أَهْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ سُرُورٍ (وَ) تُسَنُّ (صَدَقَةٌ) فِي يَوْمِ الْعِيدَيْنِ إغْنَاءً لِلْفُقَرَاءِ عَنْ السُّؤَالِ. (وَ) يُسَنُّ (رُجُوعُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (فِي غَيْرِ طَرِيقِ غُدُوِّهِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا خَرَجَ إلَى الْعِيدِ خَالَفَ إلَى الطَّرِيقِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَلَيْهِ شَهَادَةُ الطَّرِيقَيْنِ، أَوْ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا فِي التَّبَرُّكِ لِمُرُورِهِ وَسُرُورِهِمَا بِمُرُورِهِ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى فُقَرَائِهِمَا وَنَحْوُهُ؛ فَلِذَا قَالَ: (وَكَذَا جُمُعَةٌ) ، وَلَا يَمْتَنِعُ فِي غَيْرِهَا. (وَكُرِهَ تَنَفُّلٌ) بِمَوْضِعِ صَلَاةِ الْعِيدِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا قَبْلَ

стр. 796

مُفَارَقَتِهِ نَصًّا، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ عِيدٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا (قَضَاءُ فَائِتَةٍ قَبْلَ صَلَاةِ عِيدٍ بِمَوْضِعِهَا وَبَعْدَهَا قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ) الْمُصَلَّى، إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، (بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ. (وَ) كُرِهَ (أَنْ تُصَلَّى) الْعِيدُ (بِالْجَامِعِ) ، لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (بِغَيْرِ مَكَّةَ) ، فَتُسَنُّ فِيهَا بِهِ وَتَقَدَّمَ، (إلَّا لِعُذْرٍ) كَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَسُنَّ لِإِمَامٍ اسْتِخْلَافُ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ) نَصًّا لِفِعْلِ عَلِيٍّ. (وَيَخْطُبُ بِهِمْ نَدْبًا إنْ شَاءُوا) ، وَلَهُ فِعْلُهَا قَبْلَ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ، (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُصَلُّوا قَبْلَ الْإِمَامِ) ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. (فَإِنْ صَلَّوْا) قَبْلَهُ، (فَلَا بَأْسَ) ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، (وَأَيُّهُمَا سَبَقَ) بِالصَّلَاةِ، (سَقَطَ الْفَرْضُ بِهِ وَأَجْزَأَ) بَعْدَ أَوَّلِ صَلَاةٍ مِنْهُمَا (أُضْحِيَّةٌ) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ. (وَتَنْوِيهِ طَائِفَةٌ مَسْبُوقَةٌ نَفْلًا) ، لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِالسَّابِقَةِ. (وَلَا بَأْسَ بِحُضُورِهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْعِيدِ (لِنِسَاءٍ غَيْرِ مُطَيَّبَاتٍ، وَ) غَيْرِ (مُزَيَّنَاتٍ) ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» (وَيَعْتَزِلْنَ الرِّجَالَ) ، فَلَا يَخْتَلِطْنَ بِهِمْ خَشْيَةَ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ. (وَتَعْتَزِلُ حَائِضٌ الْمُصَلَّى) لِلْخَبَرِ (بِحَيْثُ تَسْمَعُ) الْخُطْبَةَ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ

стр. 797

[فَصْلٌ شُرُوطَ صَلَاةِ الْعِيدِ] (فَصْلٌ) (وَشُرِطَ لَهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْعِيدِ (غَيْرَ خُطْبَةٍ مَا) شُرِطَ (لِجُمُعَةٍ مِنْ وَقْتٍ) كَسَائِرِ الْمُؤَقَّتَاتِ، (وَاسْتِيطَانِ) أَرْبَعِينَ، (وَعَدَدِ) الْجُمُعَةِ (وَحُضُورِهِمْ) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَهَا خُطْبَةٌ رَاتِبَةٌ، أَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَافَقَ الْعِيدَ فِي حَجَّتِهِ وَلَمْ يُصَلِّ، (فَلَا تُقَامُ) الْعِيدُ (إلَّا حَيْثُ تُقَامُ) الْجُمُعَةُ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَهِيَ) ، أَيْ: صَلَاةُ الْعِيدِ: (رَكْعَتَانِ) تُفْعَلُ (قَبْلَ الْخُطْبَةِ) . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا) ، أَيْ: الْخُطْبَةِ (قَبْلَهُمَا) ، أَيْ: رَكْعَتَيْ الْعِيدِ (عَكْسَ جُمُعَةٍ) ، أَيْ: كَمَا لَوْ خَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ بَعْدَهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ تَقْدِيمُ الْخُطْبَةِ. قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ عُثْمَانَ. (وَلَا أَذَانَ لَهُمَا) ، أَيْ: صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ، (وَلَا إقَامَةَ) أَيْضًا، (يُكَبِّرُ بِ) رَكْعَةٍ (أُولَى نَدْبًا بَعْدَ) تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ، وَبَعْدَ (اسْتِفْتَاحٍ وَقَبْلَ تَعَوُّذٍ سِتًّا) زَوَائِدَ، (وَ) يُكَبِّرُ (بِثَانِيَةٍ قَبْلَ قِرَاءَةٍ خَمْسًا) زَوَائِدَ نَصًّا، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ أَبِي: أَنَا أَذْهَبُ إلَى هَذَا وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ التَّكْبِيرُ سَبْعٌ فِي الْأُولَى، وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَقَالَ أَحْمَدُ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّكْبِيرِ، وَكُلُّهُ جَائِزٌ.

стр. 798

(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) نَصًّا، لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» فَأَدَّى أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ. (وَيَقُولُ نَدْبًا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا) ، لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: " سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَمَّا يَقُولُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، قَالَ: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو أَوْ يُكَبِّرُ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مُوسَى: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَحَرْبٌ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ، فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا ذِكْرٌ كَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ. (وَإِنْ أَحَبَّ) مُصَلٍّ (قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ) مِنْ الْأَذْكَارِ (إذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مُؤَقَّتٌ) ، أَيْ: مَخْصُوصٌ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (وَلَا يَأْتِي بِذِكْرٍ بَعْدَ تَكْبِيرَةٍ أَخِيرَةٍ) فِي الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ فَقَطْ، (بَلْ يَسْتَعِيذُ وَيَقْرَأُ جَهْرًا الْفَاتِحَةَ، فَسَبِّحْ بِ) رَكْعَةٍ (أُولَى، فَغَاشِيَةً بِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ) ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ: بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى، وَ: هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَأَنَسٍ. (وَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَسِيَ الِاسْتِفْتَاحَ أَوْ التَّعَوُّذَ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ نَسِيَ قِرَاءَةَ السُّورَةِ حَتَّى رَكَعَ؛ وَلِأَنَّهُ إنْ أَتَى بِالتَّكْبِيرَاتِ، ثُمَّ عَادَ إلَى الْقِرَاءَةِ، فَقَدْ أَلْغَى فَرْضًا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ الْقِرَاءَةَ، فَقَدْ حَصَلَتْ التَّكْبِيرَاتُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا. (وَكَذَا مَسْبُوقٌ أَدْرَكَهُ) -، أَيْ: الْإِمَامَ - قَائِمًا (بَعْدَهُ) - أَيْ:

стр. 799

بَعْدَ التَّكْبِيرِ الزَّائِدِ أَوْ بَعْضَهُ - لَمْ يَأْتِ بِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا، (لَكِنْ يُكَبِّرُ فِيمَا يَقْضِيهِ) وَلَوْ بِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ (بِمَذْهَبِهِ) لَا بِمَذْهَبِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالسَّهْوِ، فَكَذَا فِي التَّكْبِيرِ. (وَسُنَّ لِمَنْ فَاتَتْهُ) صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ (قَضَاؤُهَا فِي يَوْمِهَا) قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ (عَلَى صِفَتِهَا) ، لِفِعْلِ أَنَسٍ؛ وَلِأَنَّهُ قَضَاءُ صَلَاةٍ، فَكَانَ عَلَى صِفَتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، (كَمُدْرِكِ) إمَامٍ (فِي) الـ (تَّشَهُّدِ) ، لِعُمُومِ: «وَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» (فَإِذَا سَلَّمَ إمَامٌ، خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَانِ: (سُنَّةٌ، وَلَا يَجِبُ حُضُورُهُمَا وَلَا اسْتِمَاعُهُمَا) ، لِمَا رَوَى عَطَاءٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِيدَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ، فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ، فَلْيَذْهَبْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. وَلَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَ حُضُورُهَا وَاسْتِمَاعُهَا كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ. (وَأَحْكَامُهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (كَخُطْبَتَيْ جُمُعَةٍ) فِيمَا تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا (حَتَّى فِي) تَحْرِيمِ (كَلَامٍ) حَالَ الْخُطْبَةِ نَصًّا (إلَّا التَّكْبِيرَ مَعَ الْخَاطِبِ) ، فَيُسَنُّ كَمَا فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَمَعْنَاهُ فِي " الشَّرْحِ " وَإِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ، جَلَسَ نَصًّا نَدْبًا، لِيَسْتَرِيحَ، وَيَتَرَادَّ إلَيْهِ نَفْسُهُ، وَيَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِلِاسْتِمَاعِ. (وَيَجْلِسُ يَسْمَعُ) الْخُطْبَةَ (مَنْ فَاتَتْهُ) صَلَاةُ الْعِيدِ (ثُمَّ يَقْضِيهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةَ (إنْ شَاءَ) قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، مُنْفَرِدًا كَانَ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ تَطَوُّعًا فِي حَقِّهِ. (وَسُنَّ لِخَطِيبٍ اسْتِفْتَاحُ) خُطْبَةٍ (أُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ) نَسَقًا،

стр. 800

(وَ) يَسْتَفْتِحُ خُطْبَةً (ثَانِيَةً بِسَبْعِ) تَكْبِيرَاتٍ (نَسَقًا) ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ قَالَ: " يُكَبِّرُ الْإِمَامُ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ "، وَيَكُونُ (قَائِمًا) حَالَ تَكْبِيرِهِ كَسَائِرِ أَذْكَارِ الْخُطْبَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ: إنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ. (يَحُثُّهُمْ فِي خُطْبَةِ) عِيدِ فِطْرٍ (عَلَى صَدَقَةٍ) ، لِحَدِيثِ «أَغْنُوهُمْ عَنْ السُّؤَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ) جِنْسًا وَقَدْرًا، وَوَقْتَ الْوُجُوبِ وَالْإِخْرَاجِ، (وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ) الْفِطْرَةُ، وَمَنْ يُسَنُّ إخْرَاجُهَا عَنْهُ، (وَ) مَنْ (تُدْفَعُ لَهُ) مِنْ الْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ، (وَيُرَغِّبُهُمْ) بِخُطْبَةِ (أَضْحَى فِي أُضْحِيَّةٍ) وَمَا أُعِدَّ لِفَاعِلِهَا مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ، (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حُكْمَهَا) ، أَيْ: مَا يُجْزِئُ وَمَا لَا يُجْزِئُ، وَمَا الْأَفْضَلُ مِنْهَا، وَوَقْتُهَا، وَمَا يُخْرِجُهُ مِنْهَا " لِأَنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ فِي خُطْبَةِ الْأَضْحَى كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الْأُضْحِيَّةِ» مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ وَالْبَرَاءِ وَغَيْرِهِمَا. [فَصْلٌ سُنَّ تَكْبِيرٌ مُطْلَقٌ وَإِظْهَارُهُ فِي صَلَاة الْعِيد] (فَصْلٌ) (سُنَّ تَكْبِيرٌ مُطْلَقٌ وَإِظْهَارُهُ، وَ) سُنَّ (جَهْرُ غَيْرِ أُنْثَى بِهِ) ، أَيْ: التَّكْبِيرِ (فِي لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ) قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا. (وَ) تَكْبِيرُ عِيدِ (فِطْرٍ آكَدُ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، أَيْ: عِدَّةَ رَمَضَانَ ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] (وَ) سُنَّ التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ (مِنْ خُرُوجٍ إلَيْهِمَا) ، أَيْ: الْعِيدَيْنِ (إلَى فَرَاغِ خُطْبَةٍ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ إذَا غَدَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى، ثُمَّ يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ

стр. 801

(وَ) سُنَّ التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ (فِي كُلِّ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) وَلَوْ لَمْ يَرَ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ. وَسُنَّ التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ (بِكُلِّ مَكَان) فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجُوزُ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ (مِنْ مَسْجِدٍ وَمَنْزِلٍ وَطَرِيقٍ لِمُسَافِرٍ وَمُقِيمٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ) ذَكَرٍ (أَوْ أُنْثَى) مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ. (وَ) سُنَّ تَكْبِيرٌ (مُقَيَّدٌ فِي) عِيدِ (الْأَضْحَى) خَاصَّةً (عَقِبَ كُلِّ) صَلَاةِ (فَرِيضَةٍ صَلَّاهَا جَمَاعَةً حَتَّى الْفَائِتَةِ فِي عَامِهِ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْعِيدِ إذَا صَلَّاهَا جَمَاعَةً، (مِنْ صَلَاةِ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حِينَ يُسَلِّمُ مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. (إلَّا الْمُحْرِمَ، فَ) يُكَبِّرُ إدْبَارَ الْمَكْتُوبَاتِ جَمَاعَةً (مِنْ صَلَاةِ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) إلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ تَنْقَطِعُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَإِنَّ وَقْتَهَا مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ كَمَا يَأْتِي، فَعُمُومُ كَلَامِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَرْمِ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، حَمْلًا عَلَى الْغَالِبِ فِي رَمْيِ الْجَمْرَةِ، إذْ هُوَ بَعْدَ الشُّرُوقِ، يُؤَيِّدُهُ لَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ إلَى بَعْدِ صَلَاةِ الظُّهْرِ، فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي حَقِّهِ التَّكْبِيرُ وَالتَّلْبِيَةُ. (وَيُكَبِّرُ ثُمَّ يُلَبِّي مَنْ لَمْ يَرْمِ) جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ تُقْطَعُ بَعْدَ رَمْيِهَا. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، وَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ. إلَى آخِرِهِ، فَيَكُونُ تَكْبِيرُ الْمُحِلِّ عَقِبَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَرِيضَةً، وَتَكْبِيرُ الْمُحْرِمِ عَقِبَ سَبْعَ عَشْرَةَ. (وَمُسَافِرٌ وَمُمَيِّزٌ وَأُنْثَى كَمُقِيمٍ وَبَالِغٍ وَرَجُلٍ) فِي التَّكْبِيرِ عَقِبَ الْمَكْتُوبَاتِ جَمَاعَةً، لِلْعُمُومَاتِ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " إنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً " وَتُكَبِّرُ الْمَرْأَةُ إنْ صَلَّتْ جَمَاعَةً مَعَ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ وَتَخْفِضُ صَوْتَهَا.

стр. 802

(وَيُكَبِّرُ إمَامٌ مُسْتَقْبِلَ النَّاسِ) ، فَيَلْتَفِتُ إلَى الْمَأْمُومِينَ إذَا سَلَّمَ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ، أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ: عَلَى مَكَانِكُمْ، وَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. (وَمَنْ نَسِيَهُ) ، أَيْ: التَّكْبِيرَ، (قَضَاهُ) إذَا ذَكَرَهُ (مَكَانَهُ، فَإِنْ قَامَ) مِنْهُ (أَوْ ذَهَبَ) نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا، (عَادَ فَجَلَسَ) فِيهِ وَكَبَّرَ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَهُ جَالِسًا فِي مُصَلَّاهُ سُنَّةٌ لِمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَتْرُكُهَا مَعَ الْإِمْكَانِ، وَإِنْ كَبَّرَ مَاشِيًا، فَلَا بَأْسَ، (مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَخْرُجْ مِنْ) الـ (مَسْجِدِ أَوْ يَطُلْ فَصْلٌ) بَيْنَ سَلَامِهِ وَتَذَكُّرِهِ، فَلَا يُكَبِّرُ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا. (وَيُكَبِّرُ مَنْ نَسِيَهُ إمَامُهُ) لِيَحُوزَ الْفَضِيلَةَ، وَمَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ كَبَّرَ. (وَ) يُكَبِّرُ (مَسْبُوقٌ إذَا قَضَى) مَا فَاتَهُ وَسَلَّمَ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمَسْبُوقُ وَغَيْرُهُ. (وَلَا يُسَنُّ) التَّكْبِيرُ (عَقِبَ صَلَاةِ عِيدٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا جَاءَ فِي الْمَكْتُوبَاتِ. (وَصِفَتُهُ) ، أَيْ: التَّكْبِيرِ: (شَفْعًا: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَقَالَهُ عَلِيٌّ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: اخْتِيَارِي تَكْبِيرُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَيُجْزِئُ (مَرَّةٌ) وَاحِدَةٌ، (وَإِنْ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا، فَحَسَنٌ) ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَأَمَّا تَكْرِيرُهُ ثَلَاثًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِمْ، وَلَعَلَّهُ يُقَاسُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَعَلَى قَوْلِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ بَعْدَ الْوِتْرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ. (وَلَا بَأْسَ بِتَهْنِئَةِ النَّاسِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِمَا هُوَ مُسْتَفِيضٌ بَيْنَهُمْ مِنْ

стр. 803

الْأَدْعِيَةِ، وَمِنْهُ بَعْدَ فَرَاغِ خُطْبَةٍ: قَوْلُهُ لِغَيْرِهِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ بِرِوَايَةِ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: قِيلَ: وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ؟ قَالَ: نَعَمْ، (كَالْجَوَابِ) ، وَقَالَ: لَا أَبْتَدِئُ بِهِ. وَعَنْهُ: الْكُلُّ حَسَنٌ. [فَرْعٌ سُنَّ اجْتِهَادٌ فِي عَمَلِ خَيْرٍ مِنْ نَحْوِ ذِكْرٍ وَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ] (فَرْعٌ: سُنَّ اجْتِهَادٌ فِي عَمَلِ خَيْرٍ مِنْ نَحْوِ ذِكْرٍ وَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ وَصَدَقَةٍ) وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ (فِي أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْأَيَّامِ) ، لِحَدِيثِ «مَا مِنْ أَيَّامٍ، الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ» (وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْأَمْصَارِ) مِنْ غَيْرِ تَلْبِيَةٍ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ، قِيلَ: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا. وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ. انْتَهَى. (وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَشْرِيقِ اللَّحْمِ، أَيْ: تَقْدِيدِهِ فِيهَا. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يُنْحَرُ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. (وَ) الْأَيَّامُ (الْمَعْلُومَاتُ هِيَ) : أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (بِزِيَادَةِ) يَوْمِ (النَّحْرِ) ، وَفِي " الْإِقْنَاعِ ": وَأَيَّامُ الْعَشْرِ: الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ. وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: (أَوْ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ وَالْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) أَرْبَعَةٌ: (ذُو الْقَعْدَةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ، (وَذُو الْحِجَّةِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ (وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ) وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ الْبُدَاءَةُ بِالْمُحَرَّمِ لِتَقَعَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالصَّوَابُ فِي عَدِّهَا مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وِفَاقًا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ

стр. 804

[بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] (بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ) (وَهُوَ ذَهَابُ ضَوْءِ أَحَدِ النَّيِّرَيْنِ) : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، (أَوْ) ذَهَابُ (بَعْضِهِ) ، أَيْ: الضَّوْءِ. يُقَالُ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ، بِفَتْحِ الْكَافِ، وَضَمِّهَا، وَكَذَا: خَسَفَتْ. وَقِيلَ: الْكُسُوفُ لِلشَّمْسِ. وَالْخُسُوفُ لِلْقَمَرِ، وَقِيلَ عَكْسُهُ. وَرُدَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] وَقِيلَ: الْكُسُوفُ فِي أَوَّلِهِ، وَالْخُسُوفُ فِي آخِرِهِ. وَقِيلَ: الْكُسُوفُ لِذَهَابِ بَعْضِ ضَوْئِهِ، وَالْخُسُوفُ لِذَهَابِ كُلِّهِ. وَفِعْلُهَا ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَاسْتَنْبَطَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] . وَهِيَ (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ، حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَالنَّوَوِيُّ إجْمَاعًا، لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَصَلُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (حَتَّى لِنِسَاءٍ) عَجَائِزَ وَصِبْيَانٍ، قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ. (وَ) حَتَّى (سَفَرًا) ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ، (بِلَا خُطْبَةٍ) ، لِأَمْرِهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ دُونَ الْخُطْبَةِ. (وَفِعْلُهَا جَمَاعَةً بِمَسْجِدِ جُمُعَةٍ أَفْضَلُ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو حَيَّانَ: «خَسَفَ الْقَمَرُ، فَجَعَلَتْ الْيَهُودُ يَرْمُونَ بِالشُّهُبِ، وَيَضْرِبُونَ بِالطَّاسَاتِ، وَيَقُولُونَ: سُحِرَ الْقَمَرُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكُسُوفَ مُخَالَفَةً لَهُمْ» .

стр. 805

(وَ) يَجُوزُ (لِلصِّبْيَانِ حُضُورُهَا) كَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ. (وَسُنَّ أَيْضًا ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ وَتَكْبِيرٌ وَتَقَرُّبٌ إلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَاعَ) مِنْ الْقُرَبِ، كَصَدَقَةٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا» الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) سُنَّ (عِتْقٌ فِي كُسُوفِهَا) ، أَيْ: الشَّمْسِ، لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ «إنَّا كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْعِتْقِ فِي الْكُسُوفِ» وَلِيَحُوزَ فَضِيلَةَ ذَلِكَ، وَيَكُونَ عَامِلًا بِمُقْتَضَى التَّخْوِيفِ. (وَ) سُنَّ (غُسْلٌ لَهَا) ، أَيْ: لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ. (وَوَقْتُهَا: مِنْ ابْتِدَاءِ كُسُوفٍ إلَى التَّجَلِّي) ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَلَا تُقْضَى) صَلَاةُ الْكُسُوفِ (بِفَوْتٍ) بِالتَّجَلِّي، لِمَا تَقَدَّمَ. وَلَمْ يُنْقَلْ الْأَمْرُ بِهَا بَعْدَ التَّجَلِّي، وَلَا قَضَاؤُهَا؛ وَلِأَنَّهَا غَيْرُ رَاتِبَةٍ وَلَا تَابِعَةٍ لِفَرْضٍ، فَلَمْ تُقْضَ، (كَاسْتِسْقَاءٍ، وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ، وَسُنَّةِ وُضُوءٍ، وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ) ، لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا. (وَهِيَ) ، أَيْ: صَلَاةُ الْكُسُوفِ: (رَكْعَتَانِ، يَقْرَأُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى بَعْدَ اسْتِفْتَاحٍ وَتَعَوُّذٍ جَهْرًا، وَلَوْ) كَانَتْ الصَّلَاةُ (فِي كُسُوفِ شَمْسٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً طَوِيلَةً كَالْبَقَرَةِ) وَنَحْوِهَا، (ثُمَّ يَرْكَعُ طَوِيلًا قَالَ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ الْقَاضِي وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ: (نَحْوَ مِائَةِ آيَةٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ) مِنْ رُكُوعِهِ (فَيُسَمِّعُ) ، أَيْ: يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فِي رَفْعِهِ، (وَيُحَمِّدُ) فِي اعْتِدَالِهِ، فَيَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ. (ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، وَيُطِيلُ) قِيَامَهُ (وَهُوَ دُونَ) الْقِيَامِ (الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ) رُكُوعَهُ، (وَهُوَ

стр. 806

دُونَ) الرُّكُوعِ (الْأَوَّلِ) ، نِسْبَةُ الرُّكُوعِ الثَّانِي إلَى الْقِرَاءَةِ، كَنِسْبَةِ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ. (ثُمَّ يَرْفَعُ) مِنْ الرُّكُوعِ وَيُسَمِّعُ وَيُحَمِّدُ، (وَلَا يُطِيلُ اعْتِدَالَهُ) ، لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الرِّوَايَاتِ (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ وَلَا يَزِيدُ وُجُوبًا عَلَيْهِمَا) ، أَيْ: السَّجْدَتَيْنِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ الزَّائِدَ لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّ السُّجُودَ مُتَكَرِّرٌ، بِخِلَافِ الرُّكُوعِ، فَإِنَّهُ مُتَّحِدٌ. (وَلَا يُطِيلُ الْجُلُوسَ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (ثُمَّ يُصَلِّي) الرَّكْعَةَ (الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى) مِنْ إتْيَانِهِ بِهَا بِرُكُوعَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، (لَكِنْ) تَكُونُ (دُونَهَا فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُ) فِيهَا، وَمَهْمَا قَرَأَ بِهِ مِنْ السُّوَرِ، جَازَ، لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْقِرَاءَةِ، (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا أَدْنَى مِنْ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَمَّعَ وَحَمَّدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ: «ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ» وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ» ، (وَإِنْ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ (بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ أَوْ أَرْبَعِ) رُكُوعَاتٍ (أَوْ خَمْسِ) رُكُوعَاتٍ، (فَلَا بَأْسَ) ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «صَلَّى سِتَّ

стр. 807

رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «صَلَّى فِي كُسُوفٍ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ، فَقَرَأَ سُورَةً مِنْ الطِّوَالِ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو حَتَّى انْجَلَى كُسُوفُهَا» . (وَيَتَّجِهُ: مَنْعُ زِيَادَةٍ) عَلَى خَمْسِ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ، وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَا بَعْدَ رُكُوعٍ أَوَّلٍ) كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ (سُنَّةٌ لَا تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ) لِلْمَسْبُوقِ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي السُّنَنِ " عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ صَلَّاهَا بِرُكُوعٍ وَاحِدً " (وَ) لِهَذَا (يَصِحُّ فِعْلُهَا كَنَافِلَةٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا تُعَادُ) الصَّلَاةُ (إنْ فَرَغَتْ قَبْلَ التَّجَلِّي، بَلْ يَذْكُرُ) اللَّهَ (وَيَدْعُوَ) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ وَاحِدٌ، فَلَا يَتَعَدَّدُ مُسَبَّبُهُ، (كَ) مَا لَوْ وَقَعَ (كُسُوفٌ بِوَقْتِ نَهْيٍ) ، فَلَا يُصَلِّي لَهُ، لِحَدِيثِ قَتَادَةَ، قَالَ: " انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ بِمَكَّةَ، فَقَامُوا يَدْعُونَ قِيَامًا، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: هَكَذَا كَانُوا يَصْنَعُونَ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَمِثْلُ هَذَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ. (وَإِنْ تَجَلَّى) كُسُوفٌ وَهُوَ (فِيهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (أَتَمَّهَا خَفِيفَةً) عَلَى صِفَتِهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّجَلِّي، وَقَدْ حَصَلَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]

стр. 808

(وَ) إنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ (قَبْلَهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ، (لَمْ يُصَلِّ) ، لِحَدِيثِ: «إذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» فَجَعَلَهُ غَايَةً لِلصَّلَاةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا زَوَالُ الْعَارِضِ، وَإِعَادَةُ النِّعْمَةِ بِالنُّورِ، وَقَدْ حَصَلَ. وَإِنْ خَفَّ قَبْلَهَا، شَرَعَ وَأَوْجَزَ. (وَإِنْ شَكَّ فِي التَّجَلِّي) لِنَحْوِ غَيْمٍ، (فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ) ، أَيْ: الْكُسُوفِ، فَيُتِمُّهَا مِنْ غَيْرِ تَخْفِيفٍ. (أَوْ ذَهَبَ) الْكُسُوفُ (عَنْ بَعْضِهِ) ، أَيْ: الْقَمَرِ، وَكَذَا الشَّمْسُ، (فَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَهَابِ الْبَاقِي) مِنْ الْكُسُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ، (كَ) مَا لَوْ شَكَّ فِي وُجُودِ كُسُوفٍ مَا غَطَّاهُ السَّحَابُ، ثُمَّ ذَهَبَ عَنْ بَعْضِهِ فَرُئِيَ صَافِيًا، فَلَا يُصَلِّي لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ (عَدَمُ وُجُودِهِ) فَيُعْمَلُ بِهِ. (وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ) فِي كُسُوفٍ وَلَا غَيْرِهِ مِمَّا يُخْبِرُونَ بِهِ، (وَلَا يَجُوزُ عَمَلٌ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الرَّجْمِ بِالْغَيْبِ، فَلَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِمْ عَنْ الْمُغَيَّبَاتِ. " رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يُسَافِرَ لِقِتَالِ الْخَوَارِجِ، اعْتَرَضَهُ مُنَجِّمٌ وَقْتَ الرُّكُوبِ، وَقَالَ: لَا تَسِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، فَإِنَّ الْقَمَرَ فِي الْعَقْرَبِ، فَقَالَ لَهُ: إنْ كَانَ الَّذِي فِي الْعَقْرَبِ قَمَرُ الْقَوْمِ، فَأَيْنَ قَمَرُنَا؟ وَإِنْ كَانَ قَمَرُنَا، فَأَيْنَ قَمَرُهُمْ؟ ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ مُنَجِّمٌ، وَلَا لَنَا مِنْ بَعْدِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ لِلْمُنَجِّمِ: نُخَالِفُكَ وَنَسِيرُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الَّتِي نَهَيْتَنَا عَنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ: إيَّاكُمْ وَتَعَلُّمَ النُّجُومِ، إلَّا مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، إنَّمَا الْمُنَجِّمُ كَالْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ. ثُمَّ سَافَرَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَلَقِيَ الْقَوْمَ وَقَتَلَهُمْ، وَهِيَ وَقْعَةُ النَّهْرَوَانُ الثَّانِيَةُ " وَمُرَادُهُ بِالْمُنَجِّمِ: الَّذِي كَالْكَافِرِ: إنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النُّجُومَ فَعَّالَةٌ بِنَفْسِهَا، لِقَوْلِهِمْ: إضَافَةُ الْمَطَرِ إلَى النَّوْءِ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى كُفْرٌ إجْمَاعًا، وَأَمَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى

стр. 809

يَخْلُقُ، عِنْدَ اقْتِرَانِ الْكَوْكَبِ الْفُلَانِيِّ بِالْكَوْكَبِ الْفُلَانِيِّ، لَا أَنَّهُمَا يَفْعَلَانِهِ، فَلَا. (وَإِنْ غَابَتْ شَمْسٌ كَاسِفَةٌ) ، لَمْ يُصَلِّ، (أَوْ طَلَعَ فَجْرٌ وَقَمَرٌ خَاسِفٌ، لَمْ يُصَلِّ) لِأَنَّهُ ذَهَبَ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا. (وَإِنْ غَابَ) الْقَمَرُ (خَاسِفًا لَيْلًا، صَلَّى) ، لِبَقَاءِ وَقْتِ الِانْتِفَاعِ بِنُورِهِ. (وَمَتَى اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجِنَازَةٌ، قُدِّمَتْ) جِنَازَةٌ عَلَى كُسُوفٍ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيُخْشَى عَلَى الْمَيِّتِ بِالِانْتِظَارِ، (فَتُقَدَّمُ) صَلَاةُ جِنَازَةٍ (عَلَى مَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ كُسُوفٌ مِنْ جُمُعَةٍ أَمِنَ فَوْتَهَا وَلَمْ يَشْرَعْ فِي خُطْبَتِهَا، وَ) تُقَدَّمُ أَيْضًا عَلَى صَلَاةِ (عِيدٍ) أَمِنَ فَوْتَهَا، (وَ) عَلَى (مَكْتُوبَةٍ وَ) قَدْ (أُمِنَ فَوْتٌ) ، فَيُقَدَّمُ الْكُسُوفُ عَلَى ذَلِكَ خَشْيَةَ تَجَلِّيهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ خِيفَ فَوْتُ الْجُمُعَةِ، أَوْ كَانَ شَرَعَ فِي خُطْبَتِهَا، أَوْ خِيفَ فَوْتُ عِيدٍ أَوْ مَكْتُوبَةٍ، قُدِّمَتْ لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لَهَا، إذْ السُّنَّةُ لَا تُعَارِضُ فَرْضًا. (أَوْ) ، أَيْ: وَيُقَدَّمُ كُسُوفٌ عَلَى (وِتْرٍ وَلَوْ خِيفَ فَوْتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُقْضَى بِخِلَافِهَا، وَأَيْضًا هِيَ آكَدُ مِنْ الْوِتْرِ. (وَيُقَدَّمُ تَرَاوِيحُ عَلَى كُسُوفٍ إنْ تَعَذَّرَ فِعْلُهُمَا) فِي وَقْتِهِمَا؛ لِأَنَّ التَّرَاوِيحَ تَخْتَصُّ بِرَمَضَانَ، بِخِلَافِ الْكُسُوفِ، فَتَفُوتُ بِفَوَاتِهِ. (وَإِنْ وَقَعَ) كُسُوفٌ (بِعَرَفَةَ، صَلَّى) صَلَاةَ الْكُسُوفِ، (ثُمَّ دَفَعَ) مِنْهَا. (وَذَهَبَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ إلَى (أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ كُسُوفُ) الشَّمْسِ إلَّا فِي الِاسْتِسْرَارِ آخِرَ الشَّهْرِ إذَا اجْتَمَعَ النِّيرَانُ، فَلَا يَكُونُ (إلَّا فِي ثَامِنِ) عِشْرِينَ (أَوْ) فِي (تَاسِعِ عِشْرِينَ) مِنْ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ. (وَلَا) يُتَصَوَّرُ (خُسُوفٌ إلَّا فِي إبْدَارِ الْقَمَرِ) وَهُوَ إذَا تَقَابَلَا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَنْكَسِفُ إلَّا وَقْتَ الِاسْتِسْرَارِ، وَأَنَّ الْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفُ إلَّا وَقْتَ الْإِبْدَارِ. وَقَالَ: مَنْ

стр. 810

قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ: إنَّ الشَّمْسَ تَنْكَسِفُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الِاسْتِسْرَارِ، فَقَدْ غَلِطَ، وَقَالَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ. وَأَخْطَأَ الْوَاقِدِيُّ فِي قَوْلِهِ: إنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ النَّبِيِّ ﷺ مَاتَ يَوْمَ الْعَاشِرِ، وَهُوَ الَّذِي انْكَسَفَتْ فِيهِ الشَّمْسُ. (وَاخْتَارَهُ) ، أَيْ: اخْتَارَ قَوْلَ الشَّيْخِ (فِي " الْإِقْنَاعِ ") قَائِلًا: وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَحِيلُ كُسُوفُ الشَّمْسِ بِعَرَفَةَ وَيَوْمِ الْعِيدِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَغِيبَ الْقَمَرُ لَيْلًا وَهُوَ خَاسِفٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَرَدَّهُ) ، أَيْ: رَدَّ قَوْلَ الشَّيْخِ (تِلْمِيذُهُ) ابْنُ مُفْلِحٍ (فِي " الْفُرُوعِ ") فَقَالَ: ذَكَرَ أَبُو شَامَةَ فِي تَارِيخِهِ ": أَنَّ الْقَمَرَ خَسَفَ لَيْلَةَ السَّادِسَ عَشْرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي غَدِهِ (وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . قَالَ: وَاتَّضَحَ بِذَلِكَ مَا صَوَّرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْكُسُوفِ وَالْعِيدِ، وَاسْتَبْعَدَهُ أَهْلُ النَّجَّامَةِ انْتَهَى. قَالَ فِي " الْفُصُولِ " لَا يَخْتَلِفُ النَّقْلُ فِي ذَلِكَ، نَقَلَهُ الْوَاقِدِيُّ وَالزُّبَيْرِيُّ. وَإِنَّ الْفُقَهَاءَ فَرَّعُوا وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ إذَا اتَّفَقَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا سِيَّمَا إذَا اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا [فَرْعٌ لَا يُصَلَّى لِآيَةٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ غَيْرُ كُسُوفٍ] (فَرْعٌ: لَا يُصَلَّى لِآيَةٍ) مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ (غَيْرُ كُسُوفٍ، كَ) وُقُوعِ (ظُلْمَةٍ نَهَارًا، وَضِيَاءٍ لَيْلًا وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ وَصَوَاعِقَ) ، لِعَدَمِ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، مَعَ أَنَّهُ وُجِدَ فِي زَمَانِهِمْ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ، وَهُبُوبُ الرِّيَاحِ وَالصَّوَاعِقِ، (إلَّا لِزَلْزَلَةٍ دَائِمَةٍ، فَيُصَلَّى لَهَا كَصَلَاةِ كُسُوفٍ) نَصًّا " لِفِعْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ "
следующие страницы →