Полный текст (4 464 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
فِي كُلِّ مَالٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] وَاحْتَجَّ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ فِعْلُهَا، وَيُعَاقَبُ بِهَا بِقَوْلِهِ ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧] وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا الزَّكَاةَ فِيهَا بِالتَّوْحِيدِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ: إنَّهَا فُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ بَعْدَ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الزَّكَوَاتِ، وَفِي تَارِيخِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: فُرِضَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَبُيِّنَتْ بَعْدَهَا.
(وَهِيَ) أَيْ: الزَّكَاةُ شَرْعًا: (حَقٌّ وَاجِبٌ) يَأْتِي تَقْدِيرُهُ فِي أَبْوَابِ الْمُزَكِّيَاتِ، (فِي مَالٍ خَاصٍّ) يَأْتِي بَيَانُهُ (لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) وَهُمْ: الْأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ الْمُشَارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] . . . الْآيَةَ، (بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ) ، هُوَ: تَمَامُ الْحَوْلِ فِي الْمَاشِيَةِ وَالْأَثْمَانِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ وَعِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ فِي الْحُبُوبِ، وَعِنْدَ بُدُوِّ الثَّمَرَةِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَعِنْدَ حُصُولِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ الْعَسَلِ، وَاسْتِخْرَاجِ مَا تَجِبُ فِيهِ مِنْ الْمَعَادِنِ، وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ، لِوُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: وَاجِبٌ: الْحَقُّ الْمَسْنُونُ، كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ، وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَبِقَوْلِهِ: فِي مَالٍ: رَدُّ السَّلَامِ وَنَحْوُهُ، وَبِقَوْلِهِ: خَاصٍّ: مَا يَجِبُ فِي كُلِّ الْأَمْوَالِ، كَالدُّيُونِ وَالنَّفَقَاتِ، وَبِقَوْلِهِ: لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ: نَحْوُ الدِّيَةِ، لِأَنَّهَا لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ، وَبِقَوْلِهِ: بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ: نَحْوُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ.
стр. 947
(وَالْمَالُ الْخَاصُّ) الْمَذْكُورُ: (سَائِمَةُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) ، وَهِيَ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، سُمِّيَتْ بَهِيمَةً لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ، وَيَأْتِي بَيَانُ السَّوْمِ. (وَ) سَائِمَةُ (بَقَرِ الْوَحْشِ وَغَنَمِهِ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، لِشُمُولِ اسْمِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لَهُمَا، (خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ وَجَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ " وَابْنُ رَزِينٍ، (وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ ذَلِكَ) الْأَهْلِيُّ وَالْوَحْشِيُّ وَالسَّائِمُ (وَغَيْرُهُ) كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الظِّبَاءِ وَالْغَنَمِ وَبَيْنَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ تَغْلِيبًا لِلْوُجُوبِ.
(وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ الْمَنْفَعَةَ) ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِنِصَابِ سَائِمَةٍ لِشَخْصٍ، فَإِنَّهُ يُزَكِّيهَا مَالِكُ الْأَصْلِ. (وَالْخَارِجُ مِنْ أَرْضٍ) مِنْ حُبُوبٍ وَثِمَارٍ وَمَعْدِنٍ وَرِكَازٍ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. (وَ) مِنْ (نَحْلٍ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ. (وَالْأَثْمَانُ) وَهِيَ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ. (وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ) ، وَيَأْتِي بَيَانُ الْمُزَكَّيَاتِ فِي أَبْوَابِهَا مُفَصَّلَةً.
(ولَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ) إذَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، حَيَوَانًا كَانَ الْمَالُ، كَالرَّقِيقِ وَالطُّيُورِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالظِّبَاءِ، سَائِمَةً أَوْ لَا، أَوْ غَيْرَ حَيَوَانٍ، كَاللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ وَالثِّيَابِ وَالسِّلَاحِ، وَآلَاتِ الصُّنَّاعِ وَأَثَاثِ الْبُيُوتِ وَالْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَوَانِي، (وَلَوْ) كَانَ الْمَالُ (عَقَارًا) مِنْ دُورٍ وَأُرَاضِيَن (مُعَدًّا لِكِرَاءٍ) أَوْ لِسُكْنَى لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَفَرَسِهِ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَبِي دَاوُد: «لَيْسَ فِي الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ زَكَاةٌ إلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ» وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ بَاقِي الْمَذْكُورَاتِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ إلَّا لِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ فِيهَا
(وَشُرُوطُهَا) - أَيْ: الزَّكَاةِ، (وَلَيْسَ مِنْهَا) ، أَيْ: الشُّرُوطِ (بُلُوغٌ وَ) لَا (عَقْلٌ) فَتَجِبُ فِي مَالِ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ، لِعُمُومِ الْحَدِيثِ «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» رَوَاهُ
стр. 948
الْجَمَاعَةُ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ مَرْفُوعًا: «انْتَمُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تُذْهِبُهَا أَوْ لَا تَسْتَهْلِكُهَا الصَّدَقَةُ» وَكَوْنُهُ مُرْسَلًا غَيْرُ ضَارٍ، لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُمَرُ وَابْنه وَعَلِيٌّ وَابْنه الْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةُ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ وَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا كَالْمَرْأَةِ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ وَالْعَقْلِ - (أَرْبَعَةٌ) : أَحَدُهَا: (الْإِسْلَامُ) .
(وَ) الثَّانِي: (الْحُرِّيَّةُ) ، وَ (لَا) يُشْتَرَطُ (كَمَالُهَا) ، أَيْ: الْحُرِّيَّةِ، (فَيَجِبُ) الزَّكَاةُ (عَلَى مُبَعَّضٍ بِقَدْرِ مِلْكِهِ) مِنْ الْمَالِ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، لِتَمَامِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ. وَ (لَا) تَجِبُ زَكَاةٌ عَلَى (كَافِرٍ) ، «لِحَدِيثِ مُعَاذٍ حِين بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الْيَمَنِ: إنَّك تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ؛ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهَا أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى كَافِرٍ كَالصِّيَامِ.
(وَلَوْ) كَانَ الْكَافِرُ (مُرْتَدًّا) ، لِأَنَّهُ كَافِرٌ، فَأَشْبَهَ الْأَصْلِيَّ، فَإِذَا أَسْلَمَ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ لِزَمَنِ رِدَّتِهِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ، وَقَوْلِهِ ﵊: «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» (وَلَا) تَجِبُ زَكَاةٌ عَلَى (رَقِيقٍ) ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِتَمْلِيكٍ مِنْ سَيِّدٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَلَوْ) كَانَ (مُكَاتَبًا) ، لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يَعْتِقَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَقَالَهُ جَابِرٌ وَابْنُ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ تَعَلُّقَ
стр. 949
حَاجَتِهِ إلَى فَكِّ رَقَبَتِهِ مِنْ الرِّقِّ بِمَالِهِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِ حَاجَةِ الْحُرِّ الْمُفْلِسِ بِمَسْكَنِهِ وَثِيَابِ بِذْلَته، فَكَانَ بِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ أَوْلَى وَأَحْرَى. (وَلَا يَمْلِكُ رَقِيقٌ غَيْرُهُ) ، أَيْ: الْمُكَاتَبَ.
(وَلَوْ مَلَكَ) مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مَالٌ فَلَا يَمْلِكُ الْمَالَ كَالْبَهَائِمِ، فَمَا جَرَى فِيهِ صُورَةُ تَمْلِيكٍ مِنْ سَيِّدِهِ لِعَبْدِهِ زَكَاتُهُ عَلَى السَّيِّدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، (فَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا) أَوْ أَمَةً، (وَوَهَبَهُ شَيْئًا) زَكَوِيًّا، (ثُمَّ ظَهَرَ أَنْ الْعَبْدَ) أَوْ الْأَمَةَ (كَانَ حُرًّا، فَلَهُ) ، أَيْ السَّيِّدَ (أَخْذُ مَا وَهَبَهُ لَهُ) ، لِأَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَلَكَهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ خِلَافُهُ رَجَعَ بِهِ
[فَرْعٌ الزَّكَاةُ فِي مَالٍ مَوْقُوفٍ لِجَنِينٍ]
(فَرْعٌ: لَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي مَالٍ مَوْقُوفٍ لِجَنِينٍ) ، أَيْ: الَّذِي وُقِفَ لَهُ فِي إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، (لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ) ، أَيْ: الْجَنِينِ (أَحْكَامُ الدُّنْيَا) مَا دَامَ حَمْلًا (إلَّا فِي عِتْقٍ) ، كَمَا لَوْ كَانَ رَقِيقًا وَعَتَقَهُ سَيِّدُهُ، ثُمَّ انْفَصِلْ حَيًّا، فَثَبَتَتْ لَهُ الْحُرِّيَّةُ بِالْعِتْقِ (عَنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ) ، أَمَّا عَنْهَا فَلَا يُجْزِئُ بَدَلًا.
(وَ) إلَّا (فِي إرْثٍ وَ) إلَّا فِي (وَصِيَّةٍ) ، أَيْ: فَيَمْلِكُ مَا وَرِثَهُ أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ مِلْكًا مُرَاعًا (بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا) ، قَالَهُ الْمُوَفَّقُ، لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ مِلْكُهُ حِينَئِذٍ فَيُزْكِيهِ وَلِيُّهُ إذَا حَالَ عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ حِينِ تَمَامِ الْمِلْكِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ حَيًّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، فَيُزَكِّي مَا وُقِفَ لَهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ، وَأَمَّا وَصِيٌّ لَهُ بِهِ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْمُوصِي، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ. (وَيَتَّجِهُ) : بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ.
(وَ) لَوْ خَرَجَ الْجَنِينُ الْمَوْقُوفُ إرْثُهُ (مَيِّتًا، يَنْفُذْ تَصَرُّفٌ) صَدَرَ مِنْ (وَارِثٍ) فِي ذَلِكَ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ قُبَيْلَ خُرُوجِ الْجَنِينِ، لِعَدَمِ ثُبُوتِ مِلْكِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَ مُورِثِهِ ظَانًّا أَنَّهُ حَيٌّ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَيًّا حِينَ الْبَيْعِ، فَيَصِحُّ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِمَا ظَنَّ الْمُكَلَّفُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
стр. 950
(الثَّالِثُ: مِلْكُ نِصَابٍ) ، وَهُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَيْضًا، فَلَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ، وَيَكُونُ النِّصَابُ (تَقْرِيبًا فِي أَثْمَانٍ وَ) قِيَمِ (عُرُوضِ) تِجَارَةٍ، (فَلَا يَضُرُّ نَقْصٌ) يَسِيرٌ كَحَبَّةٍ وَ (حَبَّتَيْنِ) ، لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا، فَهُوَ كَنَقْصِ الْحَوْلِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمُوَاسَاةِ، لِأَنَّ النَّقْصَ الْيَسِيرَ لَا حُكْمَ لَهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَالْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ، وَانْكِشَافٍ يَسِيرٍ مِنْ الْعَوْرَةِ، وَالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ، فَكَذَا هُنَا، فَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بَيِّنًا كَالدَّانَقِ وَالدَّانَقَيْنِ لَمْ يَجِبْ. (وَتَحْدِيدًا فِي غَيْرِهِمَا) ، أَيْ: غَيْرِ الْأَثْمَانِ وَالْعُرُوضِ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْمَوَاشِي، فَإِنْ نَقَصَ نِصَابُهَا، وَلَوْ بِجُزْءٍ يَسِيرٍ، لَمْ تَجِبْ، (فَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (مَعَ نَقْصِ مَاشِيَةٍ جُزْءًا، وَ) لَا مَعَ نَقْصِ (حَبٍّ) وَلَوْ (يَسِيرًا) كَصَاعٍ، (لَكِنْ لَا اعْتِبَارَ بِنَقْصٍ يَتَدَاخَلُ فِي الْمَكَايِيلِ، كَأُوقِيَّةٍ. كَذَا قِيلَ) ، يُشِيرُ إلَى ضَعْفِهِ، مَعَ أَنَّهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": جَزَمَ بِهِ الْأَئِمَّةُ.
(وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ) ، كَمَا يَأْتِي، (إلَّا السَّائِمَةَ، فَلَا زَكَاةَ فِي وَقْصِهَا) ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِهِ
стр. 951
مَرْفُوعًا: «لَيْسَ فِي الْأَوْقَاصِ صَدَقَةٌ» وَقَالَ: الْوَقْصُ مَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ. وَفِي حَدِيثِ «مُعَاذٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَمَرْت فِي الْأَوْقَاصِ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: لَا وَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ لَهُ تِسْعٌ مِنْ إبِلٍ مَغْصُوبَةٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا بَعِيرًا بَعْدَ الْحَوْلِ، زَكَّاهُ بِخُمْسِ شَاةٍ. (وَتَلْزَمُ) الزَّكَاةُ (مَالِكَ نِصَابٍ، وَلَوْ) كَانَ النِّصَابُ (مَغْصُوبًا) بِيَدِ غَاصِبٍ أَوْ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْهُ أَوْ تَالِفًا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْحَوَالَةِ، أَشْبَهَ الدَّيْنَ، فَيُزَكِّيهِ رَبُّهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى.
(وَيَرْجِعُ) رَبُّهُ (بِزَكَاتِهِ) ، أَيْ: الْمَغْصُوبِ، (عَلَى غَاصِبٍ) لَا نَقْصَ حَصَلَ بِيَدِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ (أَوْ) كَانَ (ضَالًّا) ، فَيُزْكِيهِ مَالِكُهُ إذَا وَجَدَهُ لِحَوْلِ التَّعْرِيفِ، لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، (وَزَمَنُ مِلْكِهِ مُلْتَقَطٌ) وَهُوَ بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْمُلْتَقِطِ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فَيُزْكِيهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ.
(وَيَرْجِعُ) رَبُّ مَالٍ ضَالٍّ (بِهَا) ، أَيْ: بِزَكَاتِهِ (عَلَى مُلْتَقِطٍ أَخْرَجَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (مِنْهَا) - أَيْ: اللَّقَطَةِ - وَلَوْ لِحَوْلِ التَّعْرِيفِ، لِتَعَدِّيهِ بِالْإِخْرَاجِ: وَلَا تُجَزِّئُ عَنْ رَبِّهَا، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى رَبِّهَا بِشَيْءٍ (أَوْ) كَانَ (غَائِبًا) فَتَجِبُ زَكَاتُهُ كَالْحَاضِرِ، (أَوْ) كَانَ (مَشْكُوكًا فِي بَقَائِهِ) فَتَجِبُ زَكَاتُهُ كَالْغَائِبِ (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") حَيْثُ قَالَ: لَا إنْ شَكَّ فِي بَقَائِهِ، قَالَ فِي شَرْحِهِ: بِأَنْ شَكَّ: هَلْ هُوَ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ؟ فَإِنَّ زَكَاتَهُ لَا تَجِبُ مَعَ الشَّكِّ، وَقَالَ الْبُهُوتِيُّ: لِعَدَمِ تَيَقُّنِ السَّبَبِ لَكِنْ مَتَى وَصَلَ إلَى يَدِهِ زَكَّاهُ لِمَا مَضَى مُطْلَقًا. انْتَهَى. قُلْت: لَا فَائِدَةَ فِي قَوْلِهِ: أَوْ مَشْكُوكًا فِي بَقَائِهِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ عُلِمَ بَقَاؤُهُ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ إلَّا إذَا حَصَلَ فِي يَدِهِ،
стр. 952
(أَوْ) كَانَ (مَسْرُوقًا، أَوْ مَدْفُونًا مَنْسِيًّا) بِدَارٍ أَوْ غَيْرِهَا، (أَوْ) كَانَ (مَوْرُوثًا جَهِلَهُ) ، أَيْ: إرْثَهُ لَهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَوْتِ مُورِثِهِ، أَوْ كَانَ مَوْقُوفًا لِجَنِينٍ وَخَرَجَ مَيِّتًا، (أَوْ) كَانَ مَوْرُوثًا وَجَهِلَ (عِنْدَ مَنْ هُوَ) بِأَنْ عَلِمَ مَوْتَ مُورِثِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ مُورِثُهُ.
(وَنَحْوُهُ) كَمَوْهُوبٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، (وَيُزَكِّي مَا مَرَّ) مِنْ مَغْصُوبٍ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (إذَا قَدَرَ) رَبُّهُ (عَلَيْهِ) بِأَخْذِهِ مِنْ غَاصِبِهِ وَمُلْتَقِطِهِ، أَوْ حُضُورِ غَائِبٍ أَوْ عِلْمِهِ بِمَشْكُوكٍ فِيهِ وَحُصُولِهِ أَوْ أَخْذِهِ مِنْ سَارِقِهِ، أَوْ عِلْمِهِ بِمَدْفُونٍ أَوْ مَوْرُوثٍ، وَقَبْضِ مَوْهُوبٍ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، فَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ جَمِيعِ النِّصَابِ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، بَلْ كُلَّمَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ زَكَّاهُ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ فَلَا تَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهَا، (أَوْ) كَانَ النِّصَابُ (مَرْهُونًا) ، فَتَجِبُ فِيهِ كَغَيْرِهِ، (وَيُخْرِجُهَا) ، أَيْ: زَكَاةَ الْمَرْهُونِ (رَاهِنٌ مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَرْهُونَ، (بِلَا إذْنِ) مُرْتَهِنٍ (إنْ تَعَذَّرَ غَيْرُ) - أَيْ: الْمَرْهُونَ - بِأَنْ كَانَ غَيْرُهُ غَائِبًا أَوْ مَغْصُوبًا وَنَحْوَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ جِنَايَةُ رَهْنٍ عَلَى دَيْنِهِ، لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ، وَتَقَدَّمَ عَلَى حَقِّ مَالِكِهِ، فَكَذَا عَلَى حَقِّ مُرْتَهِنٍ، (وَيَأْخُذُ مُرْتَهِنٌ) مِنْ رَاهِنٍ أَخْرَجَ زَكَاةَ رَهْنٍ مِنْهُ (عِوَضَ زَكَاةٍ إنْ أَيْسَرَ) رَاهِنٌ بِأَنْ حَضَرَ مَالُهُ الْغَائِبُ، أَوْ انْتَزَعَ الْمَغْصُوبَ وَنَحْوَهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الرَّهْنَ أَوْ بَعْضَهُ، (أَوْ) كَانَ النِّصَابُ (دَيْنًا) عَلَى مُوسِرٍ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّ تَأْجِيلَهُ تَكَسُّبٌ، وَاسْتِنْمَاءٌ بِرِضَى رَبِّهِ وَاخْتِيَارِهِ، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَعَنْ عَلِيٍّ: فِي الدَّيْنِ الظَّنُونُ إنْ كَانَ صَادِقًا،
стр. 953
فَيَلْزَمُهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَحْوُهُ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ فِي مَادَّةِ ظَنَّ بِالْمُعْجَمَةِ، وَكَصَبُورٍ مِنْ الدُّيُونِ: مَا لَا يَدْرِي أَيَقْضِيهِ أَخْذُهُ أَوْ لَا؟ (غَيْرَ بَهِيمَةِ نِعَمٍ) ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا إذَا كَانَتْ دَيْنًا، بِأَنْ جَعَلَهَا مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ عِوَضًا فِي بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِعَدَمِ السَّوْمِ، فَإِنْ عُيِّنَتْ زُكِّيَتْ كَغَيْرِهَا. (وَيَتَّجِهُ: وَ) غَيْرَ دَيْنٍ عَلَى (مُعْسِرٍ) ، أَيْ: فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، لِتُعَذِّر قَبْضِهِ عَادَةً، وَلِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِهِ، أَشْبَهَ التَّالِفَ قَبْلَ الْحَوْلِ، هَذَا عَلَى كَوْنِ مُعْسِرٍ - بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ - غَيْرُ مُتَّجِهٍ، لِإِمْكَانِ إيسَارِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَمُعَشَّرٌ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: وَغَيْرَ مُعَشَّرٍ إذَا كَانَ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ، عِوَضًا عَنْ نَحْوِ بَيْعٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ إلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَرْضَ تِجَارَةٍ فَتَجِبُ فِيهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعُرُوضِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (أَوْ) غَيْرَ (دِيَةٍ وَاجِبَةٍ) عَلَى قَاتِلٍ أَوْ عَاقِلَتِهِ فَلَا تُزَكَّى، لِأَنَّهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ مَالًا زَكَوِيًّا، لِأَنَّ الْإِبِلَ أَصْلٌ أَوْ أَحَدُ الْأُصُولِ، (أَوْ) غَيْرَ (دَيْنِ سَلَمٍ) ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، لِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ وَالْحَوَالَةِ بِهِ، وَعَلَيْهِ (مَا لَمْ يَكُنْ) دَيْنُ السَّلَمِ (أَثْمَانًا) ، فَتَجِبُ فِيهَا لِوُجُوبِهَا فِي عَيْنِهَا، (أَوْ) يَكُنْ دَيْنُ السَّلَمِ (لِتِجَارَةٍ) ، فَتَجِبُ فِي قِيمَتِهِ كَسَائِرِ عُرُوضِهَا.
(وَلَوْ) كَانَ
стр. 954
الدَّيْنُ الَّذِي قُلْنَا: تَجِبُ زَكَاتُهُ (مَجْحُودًا بِلَا بَيِّنَةٍ) ، لِأَنَّ جَحْدَهُ لَا يُزِيلُ مِلْكَ رَبِّهِ عَنْهُ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يُزَكِّيهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، (وَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ) ، أَيْ: الدَّيْنِ (إنْ سَقَطَ قَبْلَ قَبْضِهِ بِلَا عِوَضٍ، وَلَا إسْقَاطٍ كَصَدَاقٍ سَقَطَ لِفَسْخٍ) مِنْ جِهَتِهَا، أَوْ تَنَصَّفَ لِطَلَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَكَدَيْنٍ بِذِمَّةِ رَقِيقٍ يَبْلُغُ نِصَابًا فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، ثُمَّ مَلَكَ رَبُّ الدَّيْنِ الرَّقِيقَ سَقَطَ الدَّيْنُ وَزَكَاتُهُ لِسُقُوطِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَلَا إسْقَاطٍ.
(وَثَمَنِ نَحْوِ مَكِيلٍ) كَمَوْزُونٍ (تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ) بَعْدَ الْحَوْلِ، (وَمَوْتِ مَدِينٍ مُفْلِسًا) فَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، وَلَا تَلْزَمُ فِي شَيْءٍ تَعَذَّرَ حُصُولُهُ، وَمِثْلُهُ مَوْهُوبٌ لَمْ يُقْبَضْ رَجَعَ فِيهِ وَاهِبٌ بَعْدَ الْحَوْلِ، فَتَسْقُطُ عَنْ مَوْهُوبٍ لَهُ، (وَإِلَّا) يَسْقُطْ قَبْلَ قَبْضِهِ بِلَا عِوَضٍ، وَلَا إسْقَاطٍ (فَلَا) تَسْقُطُ زَكَاتُهُ، (فَيُزَكِّي) الدَّيْنَ (إذَا قَبَضَ) أَوْ عُوِّضَ عَنْهُ، أَوْ أُحِيلَ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ (أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ لِمَا مَضَى) مِنْ السِّنِينَ، وَلَا يَجِبُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَلَيْسَ مِنْهَا إخْرَاجُ زَكَاةِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ (وَيُجْزِئُ إخْرَاجُهَا) ، أَيْ: زَكَاةِ الدَّيْنِ (قَبْلَ) قَبْضِهِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ، لِقِيَامِ الْوُجُوبِ عَلَى رَبِّهِ، وَعَدَمُ إلْزَامِهِ بِالْإِخْرَاجِ إذَنْ رُخْصَةٌ، وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ، (وَلَوْ قَبَضَ) رَبُّ دَيْنٍ مِنْهُ (دُونَ نِصَابٍ) زَكَّاهُ، وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ، (أَوْ كَانَ بِيَدِهِ) دُونَ نِصَابٍ (وَبَاقِيهِ) ، أَيْ: النِّصَابِ (دَيْنٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ ضَالٌّ زَكَّاهُ) أَيْ: مَا بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ نِصَابٍ مِلْكًا تَامًّا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ كُلَّهُ، أَوْ كَانَ بِيَدِهِ كُلُّهُ.
(وَفِي " الْإِقْنَاعِ " وَلَعَلَّهُ فِيمَا إذَا ظَنَّ رُجُوعَهُ) ، أَيْ: الضَّالِّ وَنَحْوِهِ
(وَإِنْ زَكَّتْ) امْرَأَةٌ (صَدَاقَهَا كُلَّهُ) بَعْدَ الْحَوْلِ، وَهُوَ فِي مِلْكِهَا، (ثُمَّ تَنَصَّفَ) الصَّدَاقُ بِطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، (أَوْ سَقَطَ) الصَّدَاقُ
стр. 955
كُلُّهُ بِفَسْخٍ مِنْ جِهَتِهَا لِفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، (رَجَعَ) الزَّوْجُ (فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الصَّدَاقِ (بِكُلِّ حَقِّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَلَوْ أَصْدَقهَا ثَمَانِينَ، فَحَالَ الْحَوْلُ وَزَكَّتْهَا أَوْ لَا، رَجَعَ بِأَرْبَعِينَ، وَتَسْتَقِرُّ الزَّكَاةُ عَلَيْهَا.
(وَلَا تُجْزِئُهَا زَكَاتُهَا مِنْهُ) أَيْ: الصَّدَاقِ (بَعْدَ) طَلَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ حَالَ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
(وَيَتَّجِهُ: إجْزَاءُ) هَا الْإِخْرَاجَ (فِي قَدْرِ مَا يَخُصُّهَا) ، وَتَغْرَمُ لَهُ نِصْفَ مَا أَخْرَجَتْ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ عَبَّرَ عَنْهُ صَاحِبُ " الْإِنْصَافِ ": بِقِيلَ
(وَيُزْكِي مُشْتَرٍ مَبِيعًا مُتَعَيَّنًا) كَنِصَابِ سَائِمَةٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَوْصُوفٍ مِنْ قَطِيعٍ مُعَيَّنٍ، (أَوْ) مَبِيعًا (مُتَمَيِّزًا) : كَهَذِهِ الْأَرْبَعِينَ شَاةً، هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ قُنْدُسٍ، قَالَ: فَكُلُّ مُتَمَيِّزَةٍ مُتَعَيِّنَةٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُتَعَيِّنَةٍ مُتَمَيِّزَةً، (وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعَ الْمُتَعَيِّنَ أَوْ الْمُتَمَيِّزَ مُشْتَرٍ (حَتَّى انْفَسَخَ) الْبَيْعُ (بَعْدَ الْحَوْلِ) ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِ الْفَسْخِ لَا مِنْ أَصْلِهِ، (وَمَا عَدَاهُمَا) ، أَيْ: الْمُتَعَيِّنَ أَوْ الْمُتَمَيِّزَ يُزَكِّيهِ (بَائِعٌ كَ) أَرْبَعِينَ شَاةً مَوْصُوفَةً (فِي ذِمَّةِ) بَائِعٍ (أَقَبَضَ) الْمُشْتَرِي ثَمَنَهَا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَهِيَ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَزَكَاتُهَا (عَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ ذَلِكَ الْحَوْلِ عَلَى الْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ يُزَكِّيهَا عَمَّا بَعْدَهُ (مَا) دَامَتْ (فِي يَدِهِ) إلَى أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا لَمْ تُوجَبْ زَكَاتُهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، لِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَضْمَنُهَا الْمُشْتَرِي وَلَوْ تَلِفَتْ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا، لَكِنَّ تَسْمِيَتَهَا مَبِيعَةً فِيهِ تَسَمُّحٌ؛ لِأَنَّهَا عَلَى صِفَةِ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا الْبَيْعُ فِي الذِّمَّةِ، أَيْ:
стр. 956
شَيْءٌ سَلَّمَهُ الْبَائِعُ عَنْهُ بِالصِّفَاتِ لَزِمَ قَبُولُهُ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا: إذَا لَمْ يَنْقُصْ النِّصَابُ بِهَا، وَإِلَّا، فَيَأْتِي لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ، وَلَا زَكَاةَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ فِي الْمِثَالِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ لَا زَكَاةَ فِيهَا، لِعَدَمِ السَّوْمِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَبِيعُ الْمَوْصُوفُ فِي الذِّمَّةِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ عُرُوضَ تِجَارَةٍ، فَزَكَاتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي
(وَلَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ فِي) مَالٍ (مُوصًى بِهِ) لِمُعَيَّنٍ (قَبْلَ قَبُولٍ وَرَدٍّ خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) ، حَيْثُ أَطْلَقَ فَقَالَ: وَالْمَالُ الْمُوصَى بِهِ يُزَكِّيهِ مَنْ حَالَ الْحَوْلُ، وَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَوْ وَصَّى بِنَفْعِ نِصَابِ سَائِمَةٍ زَكَّاهَا مَالِكُ الْأَصْلِ، وَقَالَ فِي الْوَصَايَا: لَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ زَكَوِيًّا وَتَأَخَّرَ الْقَبُولُ مُدَّةً تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا بِمِثْلِهَا، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ
(الرَّابِعُ: تَمَامُ الْمِلْكِ) فِي الْجُمْلَةِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ النَّاقِصَ لَيْسَ بِنِعْمَةٍ كَامِلَةٍ، وَهِيَ إنَّمَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَتِهَا، إذْ الْمِلْكُ التَّامُّ عِبَارَةٌ عَمَّا كَانَ بِيَدِهِ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى حَسْبِ اخْتِيَارِهِ، وَفَوَائِدُهُ حَاصِلَةٌ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
(وَلَوْ) كَانَ تَمَامُ الْمِلْكِ (فِي مَوْقُوفٍ عَلَى مُعَيَّنٍ عَنْ سَائِمَةٍ) نَصًّا إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ، لِعُمُومِ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَشْبَهَ سَائِرَ أَمْلَاكِهِ، (أَوْ) مِنْ (غَلَّةِ أَرْضٍ وَ) غَلَّةِ (شَجَرٍ) مَوْقُوفَيْنِ عَلَى مُعَيَّنٍ
стр. 957
نَصًّا إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ لَيْسَا وَقْفًا بِدَلِيلِ بَيْعِهِمَا. (وَيُخْرِجُ) الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ (مِنْ غَيْرِ السَّائِمَةِ وَ) غَيْرِ (أَوْلَادِهَا) ، إذْ السَّائِمَةُ بِخُرُوجٍ عَنْهَا لَا مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ (إنْ بَلَغَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ نِصَابًا) مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنْ غَلَّةِ أَرْضٍ وَشَجَرٍ (نِصَابًا) ، وَإِلَّا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْخُلْطَةِ فِي غَيْر الْمَاشِيَةِ، (فَلَا زَكَاةَ عَلَى سَيِّدِ) مُكَاتَبٍ (فِي دَيْنِ كِتَابَةٍ) لِنَقْصِ مِلْكِهِ فِيهِ بِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ بِحَالٍ، وَعَدَمِ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ، وَضَمَانِهِ، وَمَا قَبَضَهُ مِنْهُ سَيِّدُهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ الْحَوْلَ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَإِلَّا فَكَمُسْتَفَادٍ، وَكَذَا إنْ عَجَزَ وَبِيَدِهِ شَيْءٌ.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَا) تَجِبُ زَكَاةٌ (عَلَى مُسْتَحِقٍّ اسْتِحْقَاقُهُ دَيْنٌ مُوقَفٌ) ، لِعَدَمِ تَمَامِ مِلْكِهِ، فَإِذَا قَبَضَهُ ابْتَدَأَ حَوْلَهُ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) لَا زَكَاةَ فِي (حِصَّةِ مُضَارِبٍ) مِنْ رِبْحٍ (قَبْلَ قِسْمَتِهِ، وَلَوْ
стр. 958
مُلِكَتْ) حِصَّتُهُ (بِالظُّهُورِ) ، لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ فَمِلْكُهُ نَاقِصٌ، (وَابْتِدَاءُ حَوْلِهِ مِنْ قِسْمَةٍ) أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَاهَا، فَيُزْكِي رَبُّ الْمَالِ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ كَرَأْسِ الْمَالِ لِمِلْكِهِ الرِّبْحَ بِظُهُورِهِ وَتَبْقِيَتِهِ لِمَالِهِ، بِخِلَافِ الْمُضَارَبِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زَكَاةُ حِصَّةِ الْمُضَارَبِ مِنْ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكِهِ لَهَا.
(وَلَا) تَجِبُ زَكَاةٌ (فِي) مَالٍ (مُعَيَّنٍ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ) وَلَمْ يَقُلْ: إذَا حَالَ الْحَوْلُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى رَبِّهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ أَوْ نَقْصِهِ، وَكِلَاهُمَا مُسْقِطٌ لِلزَّكَاةِ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَحَالَ الْحَوْلُ، تَجِبُ زَكَاتُهُ، مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَ) لَا زَكَاةَ فِي (مَوْقُوفٍ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ) كَعَلَى الْفُقَرَاءِ، (أَوْ) مَوْقُوفٍ عَلَى (مَسْجِدٍ) أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ وَنَحْوِهِ، لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَالِكِ، (وَ) لَا زَكَاةَ فِي (غَنِيمَةٍ مَمْلُوكَةٍ) مِنْ أَجْنَاسٍ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ قَسْمَهَا بِرَأْيِهِ، فَيُعْطِي كُلًّا مِنْ أَيِّ صِنْفٍ شَاءَ، بِخِلَافِ مِيرَاثٍ، (إلَّا) إذَا كَانَتْ الْغَنِيمَةُ (مِنْ جِنْسٍ) وَاحِدٍ، فَيَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَيْهَا، (إنْ بَلَغَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الْغَانِمِينَ (نِصَابًا) ، لِتَعَيُّنِ مِلْكِهِ فِيهِ، (وَإِلَّا) تَبْلُغْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ نِصَابًا، (فَخُلْطَةٌ) . وَيَأْتِي أَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ، وَلَا يَخْرُجُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالدَّيْنِ.
(وَلَا) تَجِبُ زَكَاةٌ (فِي) مَالٍ (فَيْءٍ، وَ) لَا فِي (خُمُسِ) غَنِيمَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الصَّرْفِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، (وَ) لَا فِي (نَقْدٍ مُوصًى بِهِ فِي وُجُوهِ بِرٍّ، أَوْ) مُوصًى (لِيُشْتَرَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (بِهِ وَقْفٌ) ، لِعَدَمِ تَعْيِينِ مَالِكِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) : الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ مُوصًى بِهِ لِشِرَاءِ وَقْفٍ: أَيْ: (عَلَى غَيْرِ وَارِثِهِ) ، أَمَّا عَلَيْهِمْ فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا حَالَ
стр. 959
الْحَوْلُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَقَبُولِهِمْ الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ مِلْكًا تَامًّا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَبْلَ الشِّرَاءِ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ كَبَقِيَّةِ أَمْوَالِهِمْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ رَبِحَ) ، لِعَدَمِ تَعَيُّنِ مَالِكِهِ (وَالرِّبْحُ كَأَصْلٍ) ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَمَنْ وَصَّى بِدَرَاهِمَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ لِيَشْتَرِيَ بِهَا مَا يُوقَفُ، فَاتَّجِرْ بِهَا الْوَصِيُّ، فَرِبْحُهُ مَعَ الْمَالِ فِيمَا وَصَّى بِهِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا، وَيَضْمَنُ إنْ خَسِرَ، نَقَلَ ذَلِكَ الْجَمَاعَةُ. (وَلَا) زَكَاةَ (فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ (يُنْقِصُ النِّصَابَ) ، بَاطِنًا كَانَ الْمَالُ، كَأَثْمَانٍ وَعُرُوضِ تِجَارَةٍ، أَوْ ظَاهِرًا، كَمَاشِيَةٍ وَحُبُوبٍ وَثِمَارٍ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: " سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلِيُؤَدِّهِ، حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ " وَفِي لَفْظٍ
стр. 960
مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِ دَيْنَهُ، وَلْيُزَكِّ بَقِيَّةَ مَالِهِ " وَقَدْ قَالَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُنْكِرُوهُ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ، وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغِنَى، وَحَاجَةُ الْمَدِينِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ كَحَاجَةِ الْفَقِيرِ أَوْ أَشَدُّ، وَلَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ تَعْطِيلُ حَاجَةِ الْمَالِكِ لِدَفْعِ حَاجَةِ غَيْرِهِ.
(وَلَوْ) كَانَ الدَّيْنُ (كَفَّارَةً وَنَحْوَهُ) كَنَذْرٍ، (أَوْ) كَانَ (خَرَاجًا) عَنْ الْأَرْضِ، (أَوْ) كَانَ (زَكَاةَ غَنَمٍ عَنْ إبِلٍ) ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ، يَجِبُ قَضَاؤُهُ فَمَنَعَ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَفِي الْحَدِيث: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» وَالزَّكَاةُ مِنْ جِنْسِ مَا وَجَبَتْ فِيهِ تَمْنَعُ بِالْأَوْلَى (لَا مَا) أَيْ: دَيْنًا (بِسَبَبِ ضَمَانٍ) فَلَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ أَصْلٍ فِي لُزُومِ الدَّيْنِ، فَاخْتَصَّ الْمَنْعُ بِأَصْلِهِ لِتَرَجُّحِهِ، وَفِي مَنْعِ الدَّيْنِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِهِ إجْحَافٌ بِالْفُقَرَاءِ، وَلَا قَائِلَ بِتَوْزِيعِهِ عَلَى الْجِهَتَيْنِ، فَلَوْ غَصَبَ الْغَانِمُ فَغَصَبَهُ مِنْهُ آخَرُ وَاسْتَهْلَكَهُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَلْفٌ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى الثَّانِي، وَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّى الْأَلْفَ لَرَجَعَ بِهِ عَلَى الثَّانِي. (أَوْ) إلَّا (دَيْنَ حَصَادٍ وَجِذَاذٍ وَدِيَاسٍ، لِسَبْقِ وُجُوبِهَا) - أَيْ: الزَّكَاةِ - بِخِلَافِ الْخَرَاجِ، فَإِنْ لَمْ يُنْقِصْ الدَّيْنُ النِّصَابَ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا يُقَابِلُ الدَّيْنَ لِمَا سَبَقَ، وَيُزَكِّي بَاقِيَهُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَالِ حَتَّى دَيْنُ خَرَاجٍ وَأَرْشِ جِنَايَةِ عَبْدِ التِّجَارَةِ، وَمَا اسْتَدَانَهُ لِمَئُونَةِ حَصَادٍ وَجِذَاذٍ وَدِيَاسٍ، (وَمَتَى بَرِيءَ) مَدِينٍ مِنْ دَيْنٍ بِنَحْوِ قَضَاءٍ مِنْ مَالٍ مُسْتَحْدَثٍ مِنْ إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إبْرَاءٍ، (ابْتَدَأَ حَوْلًا) مُنْذُ بَرِئَ؛ لِأَنَّ مَا مَنَعَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ مَنَعَ انْعِقَادَ الْحَوْلِ وَقَطَعَهُ. (وَيَمْنَعُ أَرْشَ جِنَايَةِ عَبْدِ التِّجَارَةِ زَكَاةَ قِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ جَبْرًا لَا مُوَاسَاةً، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ.
(وَمَنْ لَهُ عَرَضٌ قُنْيَةٌ يُبَاعُ لَوْ أَفْلَسَ) ،
стр. 961
أَيْ: حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلِسٍ، بِأَنْ كَانَ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ، (يَفِي) الْعَرْضَ (بِدَيْنِهِ) الَّذِي عَلَيْهِ وَمَعَهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ (جَعَلَ) الدَّيْنَ (فِي مُقَابَلَةِ مَا مَعَهُ) مِنْ مَالٍ زَكَوِيٍّ، (وَلَا يُزَكِّيهِ) لِئَلَّا تَخْتَلَّ الْمُوَاسَاةُ، وَلِأَنَّ عَرَضَ الْقُنْيَةِ كَمَلْبُوسِهِ فِي أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الْعَرَضُ لِتِجَارَةٍ، زَكَّى مَا مَعَهُ نَصًّا.
(وَكَذَا مَنْ بِيَدِهِ أَلْفٌ) لَهُ، (وَلَهُ عَلَى مَلِيءٍ) دَيْنٌ (أَلْفٌ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ) دَيْنٌ فَيُجْعَلُ الدَّيْنُ فِي مُقَابَلَةِ مَا بِيَدِهِ فَلَا يُزَكِّيهِ وَيُزَكِّي الدَّيْنَ إذَا قَبَضَهُ، (وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنَ) وُجُوبُ (خُمُسِ الزَّكَاةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَكَاةٍ حَقِيقِيَّةً كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا فِي بَيَانِ مَصْرِفِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ نِصَابٌ
(وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (إذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِنِصَابٍ) إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، (أَوْ) نَذَرَ الصَّدَقَةَ (بِهَذَا النِّصَابِ إذَا حَالَ) عَلَيْهِ (الْحَوْلُ) ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ تَامٌّ، وَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ.
(وَيَبْرَأُ) النَّاذِرُ (مِنْ زَكَاةٍ وَنَذْرٍ بِقَدْرِ مَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ بِنِيَّةٍ عَنْهُمَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَدَقَةٌ، كَمَا لَوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَالرَّاتِبَةَ، وَكَذَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِبَعْضِ النِّصَابِ، فَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِعَشْرٍ مِنْ الْأَرْبَعِينَ، وَحَالَ الْحَوْلُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْعَشْرِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَأَجْزَأَتْهُ مِنْهَا، وَبَرِئَ بِقَدْرِهَا مِنْ الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ إنْ نَوَاهُمَا جَمِيعًا. (وَيَلْزَمُ رَبَّ مَالٍ زَكَاةُ حِصَّتِهِ مِنْ رِبْحٍ كَأَصْلٍ) تَبَعًا لَهُ، (وَإِذَا أَدَّاهَا) ، أَيْ: زَكَاةَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ (مِنْ غَيْرِهِ) ، أَيْ غَيْرِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، (فَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُنْقِصُهُ.
(وَ) إنْ أَدَّى زَكَاتَهُ (مِنْهُ تُحْسَبُ) زَكَاتُهُ (مِنْ أَصْلِ الْمَالِ، وَ) مِنْ (قَدْرِ حِصَّتِهِ) ، أَيْ:
стр. 962
رَبِّ الْمَالِ (مِنْ رِبْحٍ) ، فَيُنْقِصُ رُبْعَ عُشْرِ رَأْسِ الْمَالِ مَعَ عَدِّ رُبْعِ عُشْرِ حِصَّةِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَا تُحْسَبُ كُلُّهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَحْدَهُ، وَلَا مِنْ الرِّبْحِ وَحْدَهُ، (وَلَيْسَ لِعَامِلٍ إخْرَاجُ زَكَاةٍ تَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ بِلَا إذْنِهِ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَلِيًّا لَهُ، وَلَا وَكِيلًا عَنْهُ فِيهَا (وَيَصِحُّ شَرْطُ كُلِّ مِنْهُمَا) ، أَيْ: مِنْ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ (زَكَاةَ حِصَّتِهِ مِنْ رِبْحٍ عَلَى الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِهِ لِنَفْسِهِ نِصْفَ الرِّبْحِ وَثُمُنَ عُشْرِهِ مَثَلًا، وَ (لَا) يَصِحُّ شَرْطُ (زَكَاةِ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ) زَكَاةِ (بَعْضِهِ مِنْ رِبْحٍ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُحِيطُ بِالرِّبْحِ كَشَرْطِ فَضْلِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ
[فَصْلٌ شُرُوط وُجُوبِ الزَّكَاة فِي الْأَثْمَان وَالْمَاشِيَة وَعُرُوضِ التِّجَارَة]
(فَصْلٌ) (وَشُرِطَ مَعَ مَا مَرَّ) مِنْ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ، وَهَذَا شَرْطٌ خَامِسٌ لِوُجُوبِ زَكَاةٍ فِي (أَثْمَانٍ وَمَاشِيَةٍ وَعُرُوضِ تِجَارَةٍ، لَا لِخَارِجٍ مِنْ أَرْضٍ وَنَحْلٍ مُضِيُّ حَوْلٍ) عَلَى نِصَابٍ تَامٍّ، لِحَدِيثِ: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» رِفْقًا بِالْمَالِكِ، وَلِيَتَكَامَلَ النَّمَاءُ فَيُوَاسِيَ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ ضَابِطٍ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَعَاقُبِ الْوُجُوبِ فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَارِبِ فَيَفْنَى الْمَالُ، أَمَّا الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ وَالْمَعْدِنُ وَنَحْوُهُ، فَهِيَ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهَا تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهَا عِنْدَ وُجُودِهَا، ثُمَّ لَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ، لِعَدَمِ إرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْدِنُ أَثْمَانًا، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يَنْفِي اعْتِبَارَ الْحَوْلِ فِي الْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا، (وَيُعْفَى فِيهِ) أَيْ: الْحَوْلِ (عَنْ نَحْوِ نِصْفِ يَوْمٍ) ، صَحَّحَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَكَمَا يُعْفَى فِي أَثْمَانٍ عَنْ حَبَّةٍ وَحَبَّتَيْنِ، (لَكِنْ يَسْتَقْبِلُ) ، أَيْ: يَبْتَدِئُ الْحَوْلَ (بِصَدَاقٍ
стр. 963
وَأُجْرَةٍ وَعِوَضِ خُلْعٍ مُعَيَّنَيْنِ، وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِ) هَا (مِنْ عَقْدٍ) لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ، فَيَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفُ مَنْ وَجَبَ لَهُ، وَفِي تَسْمِيَةِ الْخُلْعِ عَقْدًا تَجَوُّزٌ.
(وَ) يَسْتَقْبِلُ (بِمُبْهَمٍ مِنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: الصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ (مِنْ) حِينِ (تَعْيِينٍ) لَا عَقْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفٌ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الضَّمَانِ إلَّا بِهِ، فَلَوْ أَصْدَقَهَا أَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ النِّصَابَيْنِ، أَوْ عَلَى نِصَابٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فِي رَجَبٍ مَثَلًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ إلَّا فِي الْمُحَرَّمِ، فَهُوَ ابْتِدَاءُ حَوْلِهِ، وَلَوْ آجَرَ وَنَحْوُهُ بِمَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ وَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ فَدَيْنٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقِيَاسُهُ نَحْوُ ثَمَنٍ وَعِوَضِ صُلْحٍ.
(وَيَتْبَعُهُ نِتَاجُ) - بِكَسْرِ النُّونِ - (سَائِمَةٍ) الْأَصْلُ فِي حَوْلِهِ إنْ كَانَ نِصَابًا، لِقَوْلِ عُمَرَ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ، وَلَا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ: عُدَّ عَلَيْهِمْ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّ السَّائِمَةَ يَخْتَلِفُ وَقْتُ وِلَادَتِهَا فَإِفْرَادُ كُلٍّ بِحَوْلٍ يَشُقُّ فَجُعِلَتْ تَبَعًا لِأُمَّهَاتِهَا كَمَا تَتْبَعُهَا بِالْمِلْكِ. (وَ) يَتْبَعُ (رِبْحُ تِجَارَةٍ) وَهِيَ التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلرِّبْحِ، وَهُوَ الْفَضْلُ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ (الْأَصْلَ) أَيْ: رَأْسَ الْمَالِ (فِي حَوْلِهِ إنْ كَانَ) الْأَصْلُ (نِصَابًا) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ، وَمَا عَدَا النِّتَاجَ وَالرِّبْحَ مِنْ الْمُسْتَفَادِ، وَلَوْ مِنْ جِنْسِ مَا يَمْلِكُهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَيُضَمُّ إلَى نِصَابٍ بِيَدِهِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ الْأَصْلُ نِصَابًا (فَحَوْلُ الْجَمِيعِ) ، أَيْ: الْأُمَّهَاتِ وَالنِّتَاجِ، أَوْ رَأْسِ الْمَالِ وَرِبْحِهِ (مِنْ حِينَ كَمُلَ النِّصَابُ) ، فَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ بَقَرَةً فَوَلَدَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا مُنْذُ بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ، أَوْ مَلَكَ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا فِضَّةً وَرَبِحَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَنِصَابُهَا مُنْذُ كَمُلَتْ مِائَتِي دِرْهَمٍ، وَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ
стр. 964
مِنْهَا فَنَتَجَتْ سَخْلَةً، انْقَطَعَ الْحَوْلُ. وَكَذَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَنْفَصِلَ جَنِينُهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَتَجَتْ ثُمَّ مَاتَتْ. (وَحَوْلُ صِغَارٍ) مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ (مِنْ حِينِ مِلْكٍ) كَحَوْلِ (كِبَارٍ) ، لِعُمُومِ حَدِيثِ: «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» وَلِأَنَّهَا تُعَدُّ مَعَ غَيْرِهَا، فَتُعَدُّ مُنْفَرِدَةً كَالْأُمَّهَاتِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " كَالْإِنْصَافِ " وَغَيْرِهِ بِمَا إذَا كَانَتْ تَتَغَذَّى بِغَيْرِ اللَّبَنِ، لِاعْتِبَارِ السَّوْمِ، وَلَا يَبْنِي وَارِثٌ عَلَى حَوْلِ مُورِثِهِ.
(وَمَتَى نَقَصَ) النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ انْقَطَعَ (أَوْ بِيعَ) النِّصَابُ بَيْعًا صَحِيحًا وَلَوْ بِخِيَارٍ انْقَطَعَ حَوْلُهُ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ (أَوْ قُرِضَ) النِّصَابُ انْقَطَعَ حَوْلُهُ (أَوْ أُبْدِلَ مَا) ، أَيْ: نِصَابٌ (تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي عَيْنِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) ، كَإِبْدَالِ بَقَرٍ بِغَيْرِهَا، أَوْ إبِلٍ بِغَيْرِهَا، (لَا فِرَارًا مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (انْقَطَعَ حَوْلُهُ) أَيْ: النِّصَابِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ، لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَكَذَا كُلُّ مَا خَرَجَ بِهِ عَنْ مِلْكِهِ مِنْ إقَالَةٍ وَفَسْخٍ لِنَحْوِ عَيْبٍ وَرُجُوعِ وَاهِبٍ فِي هِبَتِهِ، وَوَقْفٍ وَهِبَةٍ وَجَعْلِهِ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا أَوْ صَدَاقًا أَوْ أُجْرَةً وَنَحْوَهُ، (إلَّا فِي ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، وَعَكْسِهِ) كَفِضَّةٍ بِذَهَبٍ، فَلَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُضَمُّ إلَى الْآخِرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَبِخُرُوجٍ عَنْهُ، فَهُمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ.
(وَ) إلَّا فِي (عُرُوضِ تِجَارَةٍ) ، فَلَا يَنْقَطِعُ حَوْلُهَا بِبَيْعِهَا أَوْ إبْدَالِهَا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي قِيمَتِهَا لَا فِي عَيْنِهَا، (وَ) إلَّا فِي (أَمْوَالِ صَيَارِفَ) ، فَلَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ بِإِبْدَالِهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى سُقُوطِ الزَّكَاةِ فِي مَالٍ يَنْمُو، وَوُجُوبِهَا فِي مَالٍ لَا يَنْمُو، وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي عَكْسَهُ. (وَيُخْرِجُ) مَنْ أَبْدَلَ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ أَوْ عَكْسُهُ (مِمَّا مَعَهُ) عِنْدَ تَمَامِ
стр. 965
الْحَوْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ الْآخِرِ، وَ (لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ إذَا بِيعَ أَوْ أُبْدِلَ) مَا تَجِبُ فِي عَيْنِهِ (بِجِنْسِهِ) ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ نَوْعُهُ؛ لِأَنَّهُ نِصَابٌ يُضَمُّ إلَيْهِ نَمَاؤُهُ فِي الْحَوْلِ فَبُنِيَ حَوْلُهُ بَدَلَهُ مِنْ جِنْسِهِ عَلَى حَوْلِهِ كَالْعُرُوضِ، (فَلَوْ أَبْدَلَهُ) ، أَيْ: النِّصَابَ (بِأَكْثَرَ) مِنْ جِنْسِهِ (زَكَّاهُ) ، أَيْ: الْأَكْثَرَ (إذَا تَمَّ حَوْلُ) النِّصَابِ (الْأَوَّلِ) (كَنِتَاجٍ) نَصًّا، (فَبَائِعُ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ بِعِشْرِينَ) مِنْهَا (قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلٍ يُزَكِّي الْعِشْرِينَ) ، وَلَوْ بَاعَهَا بِأَرْبَعٍ، انْقَطَعَ الْحَوْلُ.
(وَإِنْ فَرَضَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (بَعْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِهِ) ، أَيْ: الْحَوْلِ، حَرُمَ، وَ (لَمْ تَسْقُطْ) الزَّكَاةُ (بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ) بِبَيْعٍ أَوْ إبْدَالٍ بِأَنْقَصَ مِنْ النِّصَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] الْآيَاتِ، فَعَاقَبَهُمْ - تَعَالَى - بِذَلِكَ لِفِرَارِهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ، وَلِأَنَّهُ قُصِدَ بِهِ إسْقَاطُ حَقِّ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ، كَالْمُطَلِّقِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ. وَقَوْلُهُ: بَعْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِهِ، هُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْهَا لَا تَسْقُطُ مُطْلَقًا، أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ انْتَهَى، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى ".
(وَيُزَكِّي) مَنْ نَقَّصَ النِّصَابَ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فِرَارًا (مِنْ جِنْسِ مَا) ، أَيْ: النِّصَابِ الَّذِي (فَرَّ مِنْهُ) بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ، لِذَلِكَ الْحَوْلِ الَّذِي فَرَّ فِيهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي انْعَقَدَ فِيهِ الْوُجُوبُ دُونَ مَا بَعْدَهُ.
(وَإِنْ ادَّعَى) مَالِكُ نِصَابٍ نَقَّصَ مِنْهُ أَوْ بَاعَ وَنَحْوُهُ (عَدَمَ) ، أَيْ: الْفِرَارِ، (وَثَمَّ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (قَرِينَةُ) فِرَارٍ، كَكَوْنِهِ شَحِيحًا، أَوْ تَخَاصَمَ مَعَ السَّاعِي، أَوْ الْفُقَرَاءِ (عُمِلَ بِهَا) ، أَيْ: الْقَرِينَةِ، وَرُدَّ قَوْلُهُ، لِدَلَالَتِهَا عَلَى كَذِبِهِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ (قُبِلَ قَوْلُهُ) فِي عَدَمِ الْفِرَارِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
стр. 966
(وَيَتَّجِهُ) : قَبُولُ قَوْلِ مُدَّعٍ عَدَمَ الْفِرَارِ (بِلَا يَمِينٍ) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى -، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِذَا مَضَى حَوْلٌ) أَوْ بَدَأَ صَلَاحُ حَبٍّ وَثَمَرٍ وَنَحْوِهِ (وَجَبَتْ) الزَّكَاةُ (فِي عَيْنِ الْمَالِ) الَّذِي تُجْزِئُ زَكَاتُهُ مِنْهُ، كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ إبِلٍ فَأَكْثَرَ سَائِمَةً، وَحُبُوبٍ وَثِمَارٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] وَقَوْلُهُ ﷺ : «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» ، وَقَوْلُهُ: «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَنَظَائِرُهَا، وَ (لَا) يَجِبُ إخْرَاجُهَا (مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ عَيْنِ الْمَالِ الْمُزَكَّى، فَيَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَهَا بِالْعَيْنِ، كَالْعَبْدِ الْجَانِي إذَا فَدَاهُ سَيِّدُهُ. (وَيَتَّجِهُ) : تَعَلُّقُهَا بِعَيْنِ مَالٍ (لَا بِذِمَّتِهِ) مُزَكٍّ؛ لِأَنَّ " فِي " فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْحَدِيثَيْنِ وَنَظَائِرِهِمَا لِلظَّرْفِيَّةِ أَصَالَةً، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الْمَالِ وَصِفَاتِهِ حَتَّى وَجَبَتْ بِالْجَيِّدِ وَالْوَسَطِ وَالرَّدِيءِ بِحَسَبِهِ، فَكَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِعَيْنِهِ لَا بِالذِّمَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَكْسُ ذَلِكَ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَمَعَ كَوْنِهَا تَجِبُ فِي عَيْنِ الْمَالِ (فَيَجُوزُ) أَنْ (تَخْرُجَ مِنْ غَيْرِهِ) ، أَيْ: الْمَالِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَفِي نِصَابٍ) فَقَطْ، كَعِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا، أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةً، أَوْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، (لَمْ يُزَكَّ) ذَلِكَ النِّصَابُ (حَوْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ حَوْلَيْنِ، (زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ) لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ مَلَكَ مَالًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لِنَقْصِهِ عَنْ النِّصَابِ بِمَا وَجَبَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ (إلَّا مَا زَكَاتُهُ الْغَنَمُ عَنْ إبِلٍ) ، كَمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْهَا إذَا مَضَى عَلَيْهِ أَحْوَالٌ وَلَمْ يُزَكِّهِ، (فَعَلَيْهِ لِكُلِّ حَوْلٍ زَكَاةٌ) نَصًّا، لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِذِمَّتِهِ لَا بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 967
لَا يُخْرِجُ مِنْهُ، فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِهِ، (لَكِنْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى خَمْسٍ) مِنْ (إبِلٍ امْتَنَعَتْ زَكَاةُ) حَوْلٍ (ثَانٍ لِكَوْنِهَا دَيْنًا) فَيَنْقُصُ بِهَا النِّصَابُ، فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ.
(وَمَا زَادَ عَلَى نِصَابٍ) مِمَّا زَكَاتُهُ فِي عَيْنِهِ (يَنْقُصُ مِنْ زَكَاتِهِ كُلَّ حَوْلٍ) مَضَى (بِقَدْرِ نَقْصِهِ بِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَيَنْقُصُ بِقَدْرِهَا، فَلَوْ مَلَكَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ غَنَمٍ، ثُمَّ مَضَى حَوْلَانِ فَأَكْثَرَ، فَعَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ شَاتَانِ، وَلِمَا بَعْدَهُ شَاةٌ حَتَّى تَنْقُصَ عَنْ أَرْبَعِينَ. وَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ إبِلٍ، وَمَضَى أَحْوَالٌ، فَعَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ بِنْتُ مَخَاصٍ، وَلِمَا بَعْدَهُ أَرْبَعُ شِيَاهٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَتَعَلُّقُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (بِالنِّصَابِ) كَتَعَلُّقِ (أَرْشِ جِنَايَةٍ) بِرَقَبَةِ جَانٍ، (لَا) كَتَعَلُّقِ (دَيْنٍ بِرَهْنٍ، أَوْ) تَعَلُّقِ دَيْنٍ (بِمَالٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، وَلَا) (كَتَعَلُّقِ شَرِكَةٍ) بِمَالٍ مُشْتَرَكٍ، (فَلَهُ) ، أَيْ: الْمَالِكِ (إخْرَاجُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (مِنْ غَيْرِهِ) ، أَيْ: النِّصَابِ، كَمَا لِسَيِّدِ الْجَانِي فِدَاؤُهُ بِغَيْرِ ثَمَنِهِ (وَالنَّمَاءُ بَعْدَ وُجُوبِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لَهُ) ، أَيْ: الْمَالِكِ كَوَلَدِ الْجَانِيَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ، فَكَذَا إنْمَاءُ النِّصَابِ وَنِتَاجُهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ، فَلَا تَكُونُ الْفُقَرَاءُ شُرَكَاءَ فِيهِ.
(وَإِنْ أَتْلَفَهُ) ، أَيْ: النِّصَابَ مَالِكٌ، (لَزِمَ) هـ (مَا وَجَبَ فِيهِ) مِنْ الزَّكَاةِ (لَا قِيمَتُهُ) ، أَيْ: النِّصَابِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الْجَانِي مَالِكَهُ، وَكَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ دُونَ قِيمَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ، بِخِلَافِ الرَّاهِنِ إذَا أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ مَكَانَهُ، (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمَالِكِ (التَّصَرُّفُ) فِيمَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ (بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ) كَهِبَةٍ وَإِصْدَاقٍ، كَمَا أَنَّ لَهُ ذَلِكَ فِي الْجَانِي، بِخِلَافِ رَاهِنٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ وَشَرِيكٍ
(وَلَا يَرْجِعُ بَائِعٌ بَعْدَ لُزُومِ بَيْعٍ فِي قَدْرِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ حَيْثُ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِهِ. وَيُخْرِجُهَا الْبَائِعُ،
стр. 968
كَمَا لَوْ بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِيَ لَزِمَ فِدَاؤُهُ وَلَزِمَ الْبَيْعُ، (إلَّا إنْ تَعَذَّرَ غَيْرُهُ) فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْبَائِعِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ فُسِخَ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ لِسَبْقِ وُجُوبِهَا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إنْ صَدَّقَهُ مُشْتَرٍ عَلَى وُجُوبِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ، وَعَجْزُهُ عَنْ إخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْبَائِعِ عَلَيْهِ.
(وَلِمُشْتَرٍ الْخِيَارُ) إذَا رَجَعَ الْبَائِعُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ لِتَعَذُّرِ غَيْرِهِ، لِتَبَعُّضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ. وَمِثْلُهُ مُشْتَرٍ جَانٍ. وَلِبَائِعٍ إخْرَاجُ زَكَاةِ مَبِيعٍ فِيهِ خِيَارٌ مِنْهُ، فَيَبْطُلُ فِي قَدْرِهِ. (وَلَا يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (إمْكَانُ أَدَائِهَا) مِنْ الْمَالِ، فَتَجِبُ فِي الدَّيْنِ وَالْغَائِبِ وَالضَّالِّ وَالْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ لِلْعُمُومَاتِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَطَ لَمْ يَنْعَقِدْ الْحَوْلُ الثَّانِي حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَنْعَقِدُ عَقِبَ الْأَوَّلِ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا إمْكَانُ الْأَدَاءِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ وَالْعَاجِزِ عَنْ أَدَائِهِ. (وَلَا) يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا أَيْضًا (بَقَاءُ مَالٍ) وَجَبَتْ فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ) : مَحِلُّ وُجُوبِهَا فِيهِ إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَهُوَ (بِيَدِهِ) فَتَلِفَ، أَوْ أُتْلِفَ، فَلَا تَسْقُطُ زَكَاتُهُ فَرَّطَ أَوْ لَا، تَمَكَّنَ مِنْ إخْرَاجِهَا أَوْ لَا؛ لِأَنَّهَا حَقُّ آدَمِيٍّ أَوْ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَتْ دَيْنَ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ تَسْلِيمِهَا إلَى مُسْتَحَقِّهَا فَضَمِنَهَا بِتَلَفِهَا بِيَدِهِ، كَعَارِيَّةٍ وَغَصْبٍ، وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْجَانِي
وَ (لَا) يَلْزَمُ إخْرَاجُ زَكَاةِ (نَحْوِ) مَالٍ (غَائِبٍ) عَنْ مُزْكٍ، كَمَغْصُوبٍ وَمُودَعٍ وَمُسَافَرٍ بِهِ لِتِجَارَةٍ حَتَّى يَصِلَ إلَى يَدِهِ فَيُزَكِّيهِ لِمَا مَضَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (إلَّا إذَا تَلِفَ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ بِجَائِحَةٍ
стр. 969
قَبْلَ وَضْعِ بَيْدَرٍ وَمِسْطَاحٍ، وَلَوْ بَعْدَ حَصَادٍ وَجِذَاذٍ) ، فَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا، كَمَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ إذَا تَلِفَتْ الثَّمَرَةُ بِجَائِحَةٍ وَأَوْلَى. هَذَا الْمَذْهَبُ (خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى " (هُنَا) حَيْثُ قَالَا: قَبْلَ حَصَادٍ وَجِذَاذٍ، لَكِنَّ صَاحِبَ " الْإِقْنَاعِ " أَحَالَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، ثُمَّ صَرَّحَ هُوَ وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى " هُنَاكَ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إلَّا بِجَعْلِهَا فِي جَرِينٍ وَبَيْدَرٍ وَمِسْطَاحٍ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ، خُرِصَتْ الثَّمَرَةُ أَوْ لَمْ تُخْرَصْ
(وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) نَصًّا، وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهَا كَالْعَشْرِ، وَلِحَدِيثِ: «فَدِينُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» ، وَلِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ أَشْبَهَ دَيْنَ الْآدَمِيِّ.
(وَيَتَّجِهُ: وَمَعَ جَهْلِ) وَرَثَةٍ (بِإِخْرَاجِ) مُوَرِّثٍ (فَاسِقٍ) الزَّكَاةَ فِي حَيَاتِهِ (فَالْأَصْلُ عَدَمُ) ، أَيْ: الْإِخْرَاجِ، فَيُخْرِجُهَا وَارِثٌ مِنْ تَرِكَتِهِ.
(وَفِي) جَهْلِ وَرَثَتِهِ بِإِخْرَاجِ مُوَرِّثٍ (عَدْلٍ يُحْتَمَلُ) الْإِخْرَاجُ وَعَدَمُهُ، وَحَيْثُ احْتَمَلَ فَالِاحْتِيَاطُ الْإِخْرَاجُ تَبْرِئَةً لِذِمَّةِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
стр. 970
(وَ) زَكَاةٌ (مَعَ دَيْنٍ بِلَا رَهْنٍ وَضِيقِ مَالٍ) تَرِكَةِ مَيِّتٍ عَنْ زَكَاةٍ وَدَيْنٍ (يَتَحَاصَّانِ) ، أَيْ: الزَّكَاةُ وَدَيْنُ الْآدَمِيِّ نَصًّا لِلتَّزَاحُمِ، (كَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ) وَحَجٍّ ضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْ الْجَمِيعِ، تُقْسَمُ التَّرِكَةُ بِالْحِصَصِ لِعُمُومِ حَدِيثِ: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» .
(وَ) دَيْنٌ (بِهِ) ، أَيْ: الرَّهْنِ (يُقَدَّمُ) فَيُوَفَّى مُرْتَهِنٌ دَيْنَهُ مِنْ الرَّهْنِ، فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَهُ شَيْءٌ صُرِفَ فِي الزَّكَاةِ. وَكَذَا جَانٍ (بَعْدَ نَذْرٍ) بِصَدَقَةٍ (بِمُعَيَّنٍ) وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِيَتَحَاصَّانِ، فَإِنْ كَانَ نَذَرَ بِمُعَيَّنٍ قُدِّمَ لِوُجُوبِ عَيْنِهِ. (ثُمَّ) بَعْدَ (أُضْحِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ) فَتُقَدَّمُ عَلَى الدَّيْنِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ ذَبْحُهَا، فَلَمْ تُبَعْ فِي دَيْنِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا، وَتَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي ذَبْحِهَا وَتَفْرِقَتِهَا.
(وَيَتَّجِهُ: هَذَا) ، أَيْ: مَحَلُّ وُجُوبِ تَقَدُّمِ النَّذْرِ بِمُعَيَّنٍ، وَالْأُضْحِيَّةَ الْمُعَيَّنَةِ عَلَى الدَّيْنِ بِالرَّهْنِ (إذَا لَزِمَا ذِمَّتَهُ) ، أَيْ: ذِمَّةَ الْمَيِّتِ (بِإِتْلَافِهِ لَهُمَا) فِي حَيَاتِهِ، فَيُؤْخَذُ بَدَلُهُمَا مِنْ تَرِكَتِهِ (وَإِلَّا) بِتَلَفِهِمَا، فَإِنْ كَانَا بَاقِيَيْنِ أُخْرِجَا قَبْلَ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَا تَالِفَيْنِ، وَالْمُتْلِفُ لَهُمَا غَيْرُ الْمَيِّتِ، (فَلَا يُتَصَوَّرُ) أَخْذُ بَدَلِهِمَا مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بَدَلُهُمَا مِمَّنْ أَتْلَفَهُمَا، وَإِنْ كَانَا تَلِفَا بِفِعْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطِ أَحَدٍ، فَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا بَدَلُهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَا لَوْ أَفْلَسَ حَيٌّ) وَلَهُ أُضْحِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ
стр. 971
أَوْ نَذْرٌ مُعَيَّنٌ، فَيَخْرُجُ ثَمَّ دَيْنٌ بِرَهْنٍ، ثُمَّ يُتَحَاصُّ بَقِيَّةُ دُيُونِهِ مِنْ زَكَاةٍ وَغَيْرِهَا
[بَابُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ]
(بَابُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) سُمِّيَتْ بَهِيمَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ، وَبَدَأَ بِهَا اقْتِدَاءً بِالصِّدِّيقِ فِي كِتَابِهِ لِأَنَسٍ ﵄ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِطُولِهِ، وَيَأْتِي بَعْضُهُ مُفَرَّقًا.
وَخَرَجَ بِالسَّائِمَةِ الْمَعْلُوفَةُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، لِمَفْهُومِ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «فِي كُلِّ إبِلٍ سَائِمَةٍ، فِي كُلٍّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَحَدِيثِ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا: «وَفِي الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ» الْحَدِيثَ. وَفِي آخِرِهِ أَيْضًا «إذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا» فَقَيَّدَ بِالسَّوْمِ، وَأَبْدَلَ
стр. 972
الْبَعْضَ مِنْ الْكُلِّ، وَأَعَادَ الْمُعْتَدَّ مَرَّةً أُخْرَى، وَذَلِكَ دَلِيلُ اشْتِرَاطِهِ خُصُوصًا مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى مُنَاسَبَةٍ. .
(وَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (إلَّا فِيمَا) ، أَيْ: سَائِمَةٍ (لِدَرٍّ، وَنَسْلٍ وَتَسْمِينٍ) ، فَ (لَا) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي سَائِمَةٍ (لِعَمَلٍ كَإِبِلٍ) تُؤَجَّرُ وَيُنْتَفَعُ بِظَهْرِهَا، وَبَقَرِ حَرْثٍ وَنَحْوِهِ أَكْثَرَ الْحَوْلِ، (وَالسَّوْمُ) الْمُشْتَقُّ مِنْهُ السَّائِمَةُ: (أَنْ تَرْعَى) ، فَالسَّائِمَةُ الرَّاعِيَةُ يُقَالُ: سَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا، وَأَسَمْتُهَا: إذَا رَعَيْتُهَا، وَمِنْهُ ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] ، (الْمُبَاحَ) غَيْرَ الْمَمْلُوكِ (أَكْثَرَ الْحَوْلِ) نَصًّا؛ لِأَنَّ عَلَفَ السَّوَائِمِ يَقَعُ عَادَةً فِي السَّنَةِ كَثِيرًا، وَيَنْدُرُ وُقُوعُهُ فِي جَمِيعِهَا لِعُرُوضِ مَوَانِعِهِ مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ وَثَلْجٍ، فَاعْتِبَارُهُ فِي كُلِّ الْعَامِ إجْحَافٌ بِالْفُقَرَاءِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِهِ فِي بَعْضِهِ إجْحَافٌ بِالْمُلَّاكِ، وَاعْتِبَارُ الْأَكْثَرِ تَعْدِيلٌ بَيْنَهُمَا، وَدَفْعٌ لِأَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِأَدْنَاهُمَا، وَالْأَكْثَرُ أُلْحِقَ بِالْكُلِّ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ.
(وَلَوْ) كَانَ الْأَكْثَرُ (أَثْنَاءَ) الْحَوْلِ طَرَفًا أَوْ وَسَطًا، (وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ) ، أَيْ: السَّوْمِ، (فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي سَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا) كَمَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي زَرْعٍ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرَهُ إلَى أَرْضٍ فَنَبِتْ فِيهَا، (أَوْ) سَائِمَةٍ (بِفِعْلِ غَاصِبِهَا) بِأَنْ أَسَامَهَا الْغَاصِبُ، فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، كَزَرْعٍ غُصِبَ حَبُّهُ فَنَبَتَ، فَفِيهِ الْعُشْرُ عَلَى مَالِكِهِ.
وَ (لَا) تَجِبُ (فِي مُعْتَلِفَةٍ بِنَفْسِهَا أَوْ بِفِعْلِ غَاصِبٍ لَهَا) ، أَيْ: الْبَهَائِمِ (أَوْ) بِفِعْلِ غَاصِبٍ (لِعَلَفِهَا) مَالِكًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى لَهَا، أَوْ زَرَعَ مَا تَأْكُلُهُ، أَوْ جَمَعَهُ مِنْ مُبَاحٍ، فَلَا زَكَاةَ، لِعَدَمِ السَّوْمِ، (وَعَدَمُهُ) ، أَيْ: السَّوْمِ (مَانِعٌ) مِنْ مُبَاحٍ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، لَا أَنَّ وُجُودَهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِهَا، كَمَا أَنَّ السَّقْيَ بِكُلْفَةٍ أَكْثَرَ الْحَوْلِ مَانِعٌ مِنْ
стр. 973
وُجُوبِ الْعُشْرِ كُلِّهِ (فَيَصِحُّ أَنْ تُعَجَّلَ) الزَّكَاةُ (قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهِ) ، أَيْ: السَّوْمِ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ إذَنْ، وَهُوَ الْعَلَفُ فِي نِصْفِ الْحَوْلِ فَأَكْثَرَ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فِي بَابِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى السَّوْمِ، هَلْ هُوَ شَرْطٌ؟ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ "، فَلَا يَصِحُّ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ.
أَوْ عَدَمُ السَّوْمِ مَانِعٌ، كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " وَغَيْرُهُ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، فَيَصِحُّ التَّعْجِيلُ
(وَيَنْقَطِعُ السَّوْمُ شَرْعًا) ، أَيْ: فِي حُكْمِ الشَّرْعِ (بِقَطْعِهَا) ، أَيْ: الْمَاشِيَةِ (عَنْهُ) ، أَيْ: السَّوْمِ (عُرْفًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ (بِقَصْدِ قَطْعِ طَرِيقٍ بِهَا) ، أَيْ: الْمَاشِيَةِ.
(وَنَحْوِهِ) كَقَصْدِ جَلْبِ خَمْرٍ أَوْ امْرَأَةٍ يَزْنِي بِهَا عَلَيْهَا كَانْقِطَاعِ (حَوْلِ تِجَارَةٍ بِنِيَّةِ قِنْيَةِ عَبِيدِهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ (لِذَلِكَ) ، أَيْ: قَطْعِ الطُّرُقِ وَنَحْوِهِ (أَوْ) نِيَّةِ، قِنْيَةِ (ثِيَابِهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ (الْحَرِيرِ لِلُبْسٍ مُحَرَّمٍ) كَمَا يَنْقَطِعُ إذَا قَطَعَهَا لِأَجْلِ مُبَاحٍ.
(وَيَتَّجِهُ) إنَّمَا يَنْقَطِعُ السَّوْمُ إذَا كَانَ فَاعِلُ مَا ذُكِرَ (غَيْرُ فَارٍّ فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلَّ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِرَارًا لَبَقِيَ السَّوْمُ مُعَامَلَةً لَهُ بِضِدِّ قَصْدِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَلَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ السَّوْمِ (بِنِيَّتِهَا) ، أَيْ: السَّائِمَةِ لِعَمَلٍ مِنْ حَمْلٍ أَوْ كِرَاء وَنَحْوِهِ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: الْعَمَلِ الَّذِي نَوَيْتَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ خِلَافُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ
стр. 974
(وَلَا شَيْءَ فِي إبِلٍ) سَائِمَةٍ (حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا) لِحَدِيثِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» وَبَدَأَ بِالْإِبِلِ تَأْسِيسًا بِكِتَابِ الشَّارِعِ حِينَ فَرَضَ زَكَاةَ الْأَنْعَامِ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ النَّعَمِ قِيمَةً وَإِحْسَانًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا (فَفِيهَا شَاةٌ) إجْمَاعًا (أَصَالَةً) ، فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ دَرَاهِمَ بَدَلًا عَنْهَا، سَوَاءٌ وُجِدَتْ أَوْ لَمْ تُوجَدْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. (مِنْ ضَأْنٍ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَمِنْ مَعْزِلِهَا سَنَةٌ) ، لِحَدِيثِ: «إذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَتَكُونُ الشَّاةُ (بِصِفَةِ) إبِلٍ جَوْدَةً وَرَدَاءَةً (غَيْرَ مَعِيبَةٍ) ، فَفِي إبِلٍ كِرَامٍ سِمَانٍ شَاةٌ كَرِيمَةٌ سَمِينَةٌ، (وَفِي) الْإِبِلِ (الْمَعِيبَةِ) شَاةٌ (صَحِيحَةٌ تَنْقُصُ قِيمَتُهَا بِقَدْرِ نَقْصِ إبِلٍ) كَشَاةِ الْغَنَمِ، فَمَثَلًا لَوْ كَانَتْ الْإِبِلُ مِرَاضًا، وَقُوِّمَتْ لَوْ كَانَتْ صِحَاحًا بِمِائَةٍ، وَكَانَتْ الشَّاةُ فِيهَا قِيمَتُهَا خَمْسَةٌ، ثُمَّ قُوِّمَتْ مِرَاضًا بِثَمَانِينَ، كَانَ نَقْصُهَا بِسَبَبِ الْمَرَضِ عِشْرِينَ، وَذَلِكَ خُمْسُ قِيمَتِهَا لَوْ كَانَتْ صِحَاحًا، فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ قِيمَتُهَا أَرْبَعَةٌ، بِقَدْرِ نَقْصِ الْإِبِلِ، وَهُوَ الْخُمُسُ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ (وَلَا يُجْزِئُ) عَنْ خَمْسٍ مِنْ إبِلٍ (بَعِيرٌ) نَصًّا، ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، (وَلَا بَقَرَةٌ) وَلَوْ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الشَّاةِ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً.
(وَلَا) يُجْزِئُ (نِصْفَا شَاتَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ تَشْقِيصٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ يَلْزَمُ مِنْهُ سُوءُ الشَّرِكَةِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يُجْزِئُ (مَعِيبَةٌ) لَا يُضَحَّى بِهَا، كَمَا لَوْ أُخْرِجَتْ عَنْ شِيَاهٍ (ثُمَّ) إنْ زَادَتْ إبِلٌ عَلَى خَمْسٍ، فَ (فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، فَتَجِبُ) فِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَجَبَتْ (بِنْتُ مَخَاضٍ) إجْمَاعًا، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ: «فَإِذَا
стр. 975
بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ» (وَهِيَ: مَا تَمَّ لَهَا سَنَةٌ) وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ، (سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ حَمَلَتْ غَالِبًا، وَلَيْسَ) حَمْلُ أُمِّهَا (بِشَرْطٍ) فِي إجْزَائِهَا وَلَا تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَعْرِيفًا بِغَالِبِ حَالِهَا (وَالْمَاخِضُ الْحَامِلُ، فَإِنْ كَانَتْ) بِنْتُ الْمَخَاضِ (عِنْدَهُ وَهِيَ أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ فِيمَا بِيَدِهِ، (خُيِّرَ بَيْنَ إخْرَاجِهَا وَ) بَيْنَ (شِرَاءِ مَا) ، أَيْ: بِنْتِ مَخَاضٍ (بِصِفَتِهِ) ، أَيْ: الْوَاجِبِ، وَيُخْرِجُهَا وَلَا يُجْزِيهِ ابْنُ لَبُونٍ إذَنْ، لِوُجُودِ بِنْتِ مَخَاضٍ صَحِيحَةٍ فِي مَالِهِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) بِنْتُ الْمَخَاضِ (مَعِيبَةً، أَوْ لَيْسَتْ فِي مَالِهِ، فَذَكَرٌ) ابْنُ لَبُونٍ (أَوْ خُنْثَى وَلَدُ لَبُونٍ، وَهُوَ: مَا تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ) ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ قَدْ وَضَعَتْ غَالِبًا، فَهِيَ ذَاتُ لَبَنٍ،.
(وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ) ، أَيْ: وَلَدَ اللَّبُونِ (عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ، فَفِيهَا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (أَوْ حِقٌّ: مَا تَمَّ لَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ) ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَيُرْكَبَ، وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى: حِقَّةٌ لِذَلِكَ، وَلِاسْتِحْقَاقِهَا طَرْقَ الْفَحْلِ لَهَا، (أَوْ جَذَعٌ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: (مَا تَمَّ لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ) ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُجْذَعُ إذَا سَقَطَتْ سِنُّهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ اسْمٌ لَهُ فِي زَمَنٍ لَيْسَ بِسِنٍّ تَنْبُتُ وَلَا تَسْقُطُ. (أَوْ ثَنِيٍّ: مَا تَمَّ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ) ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَلْقَى ثَنِيَّتَهُ. (وَ) الْحِقُّ وَالْجَذَعُ وَالثَّنِيِّ (أَوْلَى) بِالْإِجْزَاءِ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ مِنْ ابْنِ اللَّبُونِ لِزِيَادَةِ سِنِّهِ (بِلَا جُبْرَانٍ) إذَا أَخْرَجَ ابْنَ اللَّبُونِ فَمَا فَوْقَهُ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ فِي ذَلِكَ. وَيُجْزِئُ الْحِقُّ أَوْ الْجَذَعُ أَوْ الثَّنِيُّ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ، وَلَوْ وُجِدَ ابْن لَبُونٍ لِزِيَادَةِ سِنِّهِ، فَإِنْ عُدِمَ ابْنُ اللَّبُونِ، لَزِمَ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ ابْنُ لَبُونٍ يَشْتَرِيهِ
стр. 976
إذَنْ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْعَدَمِ، فَلَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ لِتَرَجُّحِهَا بِالْأَصَالَةِ.
(وَلَا يُجْبَرُ فَقْدُ أُنُوثَةٍ بِزِيَادَةِ سِنٍّ ذَكَرٍ غَيْرَ هُنَا) ، أَيْ: فِي غَيْرِ بِنْتِ الْمَخَاضِ، (فَلَا يُخْرِجُ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ حِقًّا) إذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا تُجْزِئُ (عَنْ حِقَّةٍ جِذَعًا) ، وَلَا عَنْ الْجَذَعَةِ ثَنِيًّا مَعَ وُجُودِهِمَا أَوْ عَدَمِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى ابْنِ اللَّبُونِ مَكَانَ بِنْتِ الْمَخَاضِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ سِنِّهِ عَلَيْهَا يَمْتَنِعُ بِهَا مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَيَرْعَى الشَّجَرَ بِنَفْسِهِ، وَيَرِدُ الْمَاءَ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي الْحِقِّ مَعَ بِنْتِ اللَّبُونِ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي هَذَا، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ زِيَادَةِ السِّنِّ، فَلَمْ يُقَابِلْ الْأُنُوثِيَّةَ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَهُ فِي الْحَدِيثِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ (أَوْ يُخْرِجُ) مَنْ عَدِمَ بِنْتَ مَخَاضٍ صَحِيحَةٍ (بِنْتَ لَبُونٍ) عَنْهَا، (وَيَأْخُذُ الْجُبْرَانَ، وَلَوْ وَجَدَ ابْنَ لَبُونٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ.
(وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ) بَعِيرًا (بِنْتُ لَبُونٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا وَضَعَتْ) غَالِبًا (فَهِيَ ذَاتُ لَبَنٍ) ، وَلَيْسَ شَرْطًا بَلْ تَعْرِيفًا لَهَا بِغَالِبِ أَحْوَالِهَا (وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَفِي إحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) وَهِيَ أَعْلَى سِنٍّ يَجِبُ فِي الزَّكَاةِ.
(وَتُجْزِئُ ثَنِيَّةٌ) ، وَهِيَ: مَا دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ (وَ) مَا (فَوْقَهَا) عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ أَوْ حِقَّةٍ أَوْ جَذَعَةٍ (بِلَا جُبْرَانٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الثَّنِيَّةِ (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ) ، إجْمَاعًا، (وَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ) ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ فِيمَا كَتَبَ لَهُ الصِّدِّيقُ حِينَ وَجَّهَهُ إلَى الْيَمَنِ، (ثُمَّ تَسْتَقِرُّ) الْفَرِيضَةُ (فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) لِخَبَرِ الصِّدِّيقِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (فَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ
стр. 977
وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ) ، لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ بِذَلِكَ، وَلَا أَثَرَ بِزِيَادَةِ بَعْضِ بَعِيرٍ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ، أَوْ زِيَادَةِ بَعْضِ بَقَرَةٍ أَوْ بَعْضِ شَاةٍ، (فَإِذَا بَلَغَتْ) الْإِبِلُ (مَا يَتَّفِقُ فِيهِ الْفَرْضَانِ كَمِئَتَيْنِ) فِيهَا أَرْبَعُ خَمْسِينِيَّاتٍ وَخَمْسُ أَرْبَعِينِيَّاتٍ (أَوْ أَرْبَعُمِائَةٍ) فِيهَا ثَمَانُ خَمْسِينِيَّاتٍ وَعَشْرُ أَرْبَعِينِيَّاتٍ، (خُيِّرَ) مُخْرِجٌ (بَيْنَ حِقَاقٍ وَ) بَيْنَ (بَنَاتِ لَبُونٍ) لِوُجُودِ مُقْتَضَى كُلٍّ مِنْ الْفَرْضَيْنِ، إلَّا وَلِيَّ يَتِيمٍ وَيَأْتِي، (وَيَصِحُّ) فِي إخْرَاجٍ عَنْ نَحْوِ أَرْبَعِمِائَةٍ (كَوْنُ الشَّطْرِ) ، أَيْ: النِّصْفَ (مِنْ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ، وَالشَّطْرِ مِنْ) النَّوْعِ (الْآخَرِ، فَيُخْرِجُ) عَنْهَا (أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ) وَلَا يُجْزِئُ عَنْ مِئَتَيْنِ حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ وَنِصْفُ التَّشْقِيصِ.
(وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) ، أَيْ: النَّوْعَيْنِ (نَاقِصًا يَحْتَاجُ لِجُبْرَانٍ كَمِئَتَيْنِ بِهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَأَرْبَعُ حِقَاقٍ) ، وَالْآخَرُ كَامِلًا، (تَعَيَّنَ الْكَامِلُ) وَهُوَ الْحِقَاقُ؛ لِأَنَّ الْجُبْرَانَ بَدَلٌ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ الْأَصْلِ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ، (وَمَعَ عَدَمِ النَّوْعَيْنِ أَوْ عَيْبِهِمَا أَوْ عَدَمِ) كُلِّ سِنٍّ وَجَبَ، (أَوْ عَيْبِ كُلِّ سِنٍّ) ، - أَيْ: ذَاتِ سِنٍّ - وَجَبَ فِي إبِلٍ وَلَهُ أَسْفَلُ كَبِنْتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٍ وَجَذَعَةٍ، (فَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى مَا) ، أَيْ: سِنٍّ (يَلِيهِ مِنْ أَسْفَلَ وَيُخْرِجُ مَعَهُ جُبْرَانًا أَوْ) كَانَ لَهُ أَعْلَى كَبِنْتِ مَخَاضٍ وَبِنْتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٍ، فَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ (إلَى مَا يَلِيهِ مِنْ فَوْقٍ وَيَأْخُذَ جُبْرَانًا) ، لِحَدِيثِ الصِّدِّيقِ فِي الصَّدَقَاتِ قَالَ: «وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهُ تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنْ اسْتَيْسَرَتَا، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ وَيُعْطِيهِ
стр. 978
الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ» . إلَى آخِرِهِ. (فَإِنْ عَدِمَ مَا) ، أَيْ: سِنًّا (يَلِيهِ) ، أَيْ: الْوَاجِبُ مِنْ مَالِ مُزَكٍّ، بِأَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ، فَعَدِمَهَا وَالْحِقَّةَ، (انْتَقِلْ لِمَا بَعْدَهُ) وَهُوَ بِنْتُ اللَّبُونِ فِي الْمِثَالِ، (فَإِنْ عَدِمَ) ، أَيْ: مَا يَلِيهِ، وَهُوَ بِنْتُ اللَّبُونِ فِيهِ (أَيْضًا، انْتَقَلَ لِثَالِثٍ) وَهُوَ بِنْتُ الْمَخَاضِ، (فَيُخْرِجُ مَنْ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ بِنْتَ مَخَاضٍ مَعَ ثَلَاثِ جُبْرَانَاتٍ بِشَرْطِ كَوْنِ ذَلِكَ) الْمُخْرِجِ مَعَ جُبْرَانٍ فَأَكْثَرَ (فِي مِلْكِهِ) لِلْخَبَرِ، وَ (إلَّا) يَكُنْ فِي مِلْكِهِ (تَعَيَّنَ الْأَصْلُ) الْوَاجِبُ، فَيُحَصِّلُهُ وَيُخْرِجُهُ، (وَالْجُبْرَانُ: شَاتَانِ، أَوْ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا) لِلْخَبَرِ، (وَيُجْزِئُ فِي جُبْرَانٍ) وَاحِدٍ (وَ) فِي (ثَانٍ وَثَالِثٍ، النِّصْفُ دَرَاهِمَ وَالنِّصْفُ شِيَاهًا) ، لِقِيَامِ الشَّاةِ مَقَامَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ. فَإِذَا اخْتَارَ إخْرَاجَهَا وَعَشَرَةً جَازَ، وَكَإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ مِنْ جِنْسَيْنِ
(وَيَتَعَيَّنُ عَلَى وَلِيِّ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ) جُنُونًا مُطْبِقًا. (وَيَتَّجِهُ: وَ) وَلِيُّ (سَفِيهٍ) كَذَلِكَ. - وَهُوَ مُتَّجِهٌ -، (إخْرَاجُ أَدْوَنَ مُجْزِئٍ) مُرَاعَاةً لَحَظِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (وَلِغَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرِ وَلِيِّ مَنْ ذُكِرَ (دَفْعُ سِنٍّ أَعْلَى إنْ كَانَ النِّصَابُ مَعِيبًا) بِلَا أَخْذِ جُبْرَانٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ وَفْقَ مَا بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، وَمَا بَيْنَ الْمَعِيبِينَ أَقَلُّ مِنْهُ، فَإِذَا دَفَعَ السَّاعِي فِي مُقَابَلَتِهِ جُبْرَانًا كَانَ حَيْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلِمَالِكٍ دَفْعُ سِنٍّ أَسْفَلَ مَعَ الْجُبْرَانِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْحَيْفِ عَلَيْهِ كَإِخْرَاجِ أَجْوَدَ، بِخِلَافِ وَلِيِّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ. (وَلَا مَدْخَلَ لِجُبْرَانٍ فِي غَيْرِ إبِلٍ) ؛ لِأَنَّ النَّصَّ، إنَّمَا وَرَدَ فِيهَا، وَغَيْرُهَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهَا، فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ، فَلَوْ جَبَرَ الْوَاجِبَ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَتِهِ، فَأَخْرَجَ الرَّدِيءَ عَنْ الْجَيِّدِ، وَزَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَضْلِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ النَّفْعُ بِعَيْنِهَا، فَيَفُوتُ بَعْضُ
стр. 979
الْمَقْصُودِ. وَمِنْ الْأَثْمَانِ الْقِيمَةُ، (فَعَادِمُ فَرِيضَةِ بَقَرٍ، أَوْ) فَرِيضَةِ (غَنَمٍ) يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُ الْفَرِيضَةِ وَإِخْرَاجُهَا، وَ (لَا يُخْرِجُ أَدُونَ) مِنْهَا، (بَلْ) يُخْرِجُ (أَعْلَى) مِنْهَا (إنْ شَاءَ مُتَطَوِّعًا) بِغَيْرِ جُبْرَانٍ كَمُسِنَّةٍ عَنْ تَبِيعٍ وَلَوْ مَعَ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ وَزِيَادَةً تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، (وَإِلَّا) يُخْرِجْ الْأَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ (كُلِّفَ شِرَاءَهَا) ، أَيْ: الْفَرِيضَةَ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ، لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ
[فَرْعٌ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الزَّكَاة بِجَمِيعِ النِّصَابِ]
(فَرْعٌ: يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِجَمِيعِ النِّصَابِ حَتَّى بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي يَتَغَيَّرُ بِهَا الْفَرْضُ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ النِّصَابِ، (وَلَا شَيْءَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ، وَيُسَمَّى) مَا بَيْنَهُمَا (الْوَقَصُ) بِفَتْحَتَيْنِ، وَقَدْ يُسَكَّنُ.
(وَالْعَفْوُ) وَالشَّنَقُ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ. (وَأَكْثَرُ وَقَصِ إبِلٍ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ إحْدَى وَتِسْعِينَ إلَى مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ) ، وَأَكْثَرُ وَقَصِ (بَقَرٍ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ، وَ) أَكْثَرُ وَقَصِ (غَنَمٍ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَتِسْعُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ إلَى أَرْبَعمِائَةٍ) ، فَهَذِهِ الْأَوْقَاصُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا الزَّكَاةُ بَلْ بِالنِّصَابِ فَقَطْ، فَلَوْ كَانَ لَهُ تِسْعُ إبِلٍ مَغْصُوبَةٍ حَوْلًا، فَخَلَّصَ مِنْهَا بَعِيرًا، لَزِمَهُ خَمْسُ شِيَاهٍ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكِيمِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ الْأَوْقَاصَ لَا صَدَقَةَ فِيهَا» وَلِأَنَّ الْعَفْوَ مَالٌ نَاقِصٌ عَنْ نِصَابٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْوُجُوبُ قَبْلَهُ، كَمَا لَوْ نَقَصَ النِّصَابُ الْأَوَّلُ، وَعَكْسُهُ زِيَادَةُ نِصَابِ السَّرِقَةِ، فَإِنَّهَا وَإِنَّ كَثُرَتْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا النِّصَابُ مُبْتَدَأً، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَهُ حَالَةٌ مُنْتَظَرَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْوُجُوبُ فَوَقَفَ عَلَى بُلُوغِهَا، (وَلَا وَقَصَ لِغَيْرِ سَائِمَةِ) بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وُقُوفًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، فَيَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ مِنْ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَأَثْمَانٍ بِقَدْرِهَا
стр. 980
[فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ]
(فَصْلٌ) فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ وَهُوَ: اسْمُ جِنْسٍ، وَالْبَقَرَةُ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَدَخَلَتْهَا الْهَاءُ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ جِنْسٍ. وَالْبَقَرَاتُ: الْجَمْعُ، وَالْبَاقِرُ: جَمَاعَةُ الْبَقَرِ مَعَ رُعَاتِهَا، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ: بَقَرْتُ الشَّيْءَ، إذَا شَقَقْتُهُ؛ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ بِالْحِرَاثَةِ.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا: الْإِجْمَاعُ فِي الْأَهْلِيَّةِ، وَدَلِيلُهُ: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَّا جَاءَتْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، كُلَّمَا قَعَدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ إلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَأَقَلُّ نِصَابِ بَقَرٍ أَهْلِيَّةٍ أَوْ وَحْشِيَّةٍ ثَلَاثُونَ) ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَعَثَنِي إلَى الْيَمَنِ أَنْ لَا آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ شَيْئًا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ» (وَفِيهَا) ، أَيْ: الثَّلَاثِينَ (تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ) ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ، (لِكُلٍّ مِنْهُمَا) ، أَيْ: التَّبِيعِ وَالتَّبِيعَةِ (سَنَةٌ) سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ، وَهُوَ جَذَعُ الْبَقَرِ الَّذِي اسْتَوَى قَرْنَاهُ، وَحَاذَى قَرْنَاهُ أُذُنَهُ غَالِبًا.
(وَيُجْزِئُ) عَنْ تَبِيعٍ (مُسِنٍّ) ، أَيْ: مَالَهُ سَنَتَانِ. (وَيَتَّجِهُ: وَ) الْمُسِنُّ (أَوْلَى) بِالْإِجْزَاءِ مِنْ التَّبِيعِ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَى ثَمَنًا، وَأَوْفَرُ لَحْمًا، وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) يَجِبُ (فِي أَرْبَعِينَ) مِنْ بَقَرٍ (مُسِنَّةٌ) لِحَدِيثِ مُعَاذٍ، وَفِيهِ: «وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ مُتَّصِلٌ. (لَهَا) ، أَيْ: الْمُسِنَّةِ (سَنَتَانِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَلْقَتْ سِنَّهَا غَالِبًا، وَهِيَ
стр. 981
الثَّنِيَّةُ. وَلَا فَرْضَ فِي الْبَقَرِ غَيْرَ هَذَيْنِ السِّنَّيْنِ (وَتُجْزِئُ أُنْثَى) مِنْ بَقَرٍ (أَعْلَى مِنْهَا) ، أَيْ: الْمُسِنَّةِ (سِنًّا) عَنْهَا بِالْأَوْلَى، وَ (لَا) يُجْزِئُ (مُسِنٌّ) عَنْ مُسِنَّةٍ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، (وَلَا) يُجْزِئُ عَنْ مُسِنَّةٍ (تَبِيعَانِ) اقْتِصَارًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ (وَفِي سِتِّينَ) مِنْ بَقَرٍ (تَبِيعَانِ، ثُمَّ يَتَغَيَّرُ الْفَرْضُ بِزِيَادَةِ عَشَرَةٍ عَشَرَةٍ، فَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَ) فِي (كُلِّ أَرْبَعِينَ: مُسِنَّةٌ، فَفِي سَبْعِينَ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ) ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ وَفِيهِ: «فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ آخُذَ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ، وَمَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَمَا بَيْنَ الثَّمَانِينَ وَالتِّسْعِينَ، فَأَبَيْتُ ذَلِكَ، وَقُلْت لَهُمْ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدِمْتُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ السِّتِّينَ تَبِيعَيْنِ، وَمِنْ السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وَتَبِيعًا، وَمِنْ الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ، وَمِنْ التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أَتْبَاعٍ، قَالَ: وَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْ لَا آخُذَ فِيمَا بَيَّنَ ذَلِكَ سِنًّا إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا» .
(فَإِذَا بَلَغَتْ) الْبَقَرُ (مَا يَتَّفِقُ فِيهِ الْفَرْضَانِ، كَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَكَإِبِلٍ، فَيُخَيَّرُ) مُخْرِجٌ (بَيْنَ) إخْرَاجِ (ثَلَاثِ مُسِنَّاتٍ وَأَرْبَعَةِ أَتْبِعَةٍ) لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا، (وَلَا يُجْزِئ ذَكَرٌ فِي زَكَاةٍ إلَّا هُنَا) وَهُوَ التَّبِيعُ، لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ وَيُجْزِئُ الْمُسِنُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ.
(وَ) إلَّا (ابْنُ لَبُونٍ وَحِقٍّ وَجَذَعٍ) ، أَيْ: تَبِيعٌ وَمَا فَوْقَهُ (عِنْدَ عَدَمِ بِنْتِ مَخَاضٍ) عَنْهَا، وَتَقَدَّمَ، (وَ) إلَّا (إذَا كَانَ النِّصَابُ مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ كُلُّهُ كَذَلِكَ) ، أَيْ: ذُكُورًا، كَأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يُكَلَّفُهَا مِنْ غَيْرِ مَالِهِ
стр. 982
[فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ]
(فَصْلٌ) فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ مُؤَنَّثٍ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ، (وَأَقَلُّ نِصَابِ غَنَمٍ أَهْلِيَّةٍ أَوْ وَحْشِيَّةٍ: أَرْبَعُونَ) إجْمَاعًا فِي الْأَهْلِيَّةِ، فَلَا شَيْءَ فِيمَا دُونَهَا.
(وَ) يَجِبُ (فِيهَا شَاةٌ أُنْثَى) إجْمَاعًا فِي الْأَهْلِيَّةِ، (وَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ: شَاتَانِ) إجْمَاعًا (وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ: ثَلَاثُ) شِيَاهٍ (إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ) شَاةٍ، (ثُمَّ تَسْتَقِرُّ) الْفَرِيضَةُ (وَاحِدَةٌ عَنْ كُلِّ مِائَةٍ) ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: " فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا، إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ: شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى مِئَتَيْنِ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، وَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا " مُخْتَصَرٌ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَلَى هَذَا لَا تَتَغَيَّرُ بَعْدَ مِئَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةٍ، فَيَجِبُ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ. كَالْوَقَصِ مَا بَيْنَ مِئَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ إلَى أَرْبَعمِائَةِ، وَهُوَ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، (وَيُؤْخَذُ مِنْ مَعْزٍ ثَنِيٌّ) هُنَا، وَفِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ إبِلٍ، وَفِي جُبْرَانٍ.
(وَ) هُوَ: مَا تَمَّ (لَهُ سَنَةٌ، وَ) يُؤْخَذُ (مِنْ ضَأْنٍ) كَذَلِكَ (جَذَعٌ، وَ) هُوَ: مَا تَمَّ (لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) ، لِحَدِيثِ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: «أَتَانَا مُصَدِّقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَمَرَنَا أَنْ نَأْخُذَ الْجَذَعَةَ مِنْ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيَّةَ مِنْ الْمَعْزِ» وَلِأَنَّهُمَا يُجْزِئَانِ فِي الْأُضْحِيَّةَ، فَكَذَا هُنَا. وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِهِ وَلَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِ الْبَلَدِ، فَإِنْ أُوجِدَ الْفَرْضُ فِي الْمَالِ أَخَذَهُ السَّاعِي، وَإِنْ كَانَ أَعْلَى، خُيِّرَ مَالِكٌ بَيْنَ دَفْعِهِ، وَتَحْصِيلِ وَاجِبٍ فَيُخْرِجُهُ.
стр. 983
(وَلَا يُؤْخَذُ تَيْسٌ) فِي زَكَاةٍ، وَهُوَ الذَّكَرُ مِنْ الْمَعْزِ تَمَّ لَهُ حَوْلٌ (حَيْثُ يُجْزِئُ ذَكَرٌ) لِنَقْصِهِ وَفَسَادِ لَحْمِهِ، (إلَّا تَيْسَ ضِرَابٍ) فَلِسَاعٍ أَخْذُهُ (لِخَيْرِهِ بِرِضَى رَبِّهِ) حَيْثُ يُؤْخَذُ ذَكَرٌ، وَيُجْزِئُ أَخْذُهُ إذَنْ، (وَلَا) تُؤْخَذُ (هَرِمَةٌ) ، أَيْ: كَبِيرَةٌ طَاعِنَةٌ فِي السِّنِّ، (وَلَا مَعِيبَةٌ لَا يُضَحَّى بِهَا) نَصًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (إلَّا إنْ كَانَ الْكُلُّ كَذَلِكَ) ، أَيْ: هَرِمَاتٍ أَوْ مَعِيبَاتٍ، فَيُجَزِّئُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يُكَلَّفُ إخْرَاجَهَا، مِنْ غَيْرِ مَالِهِ (وَلَا) تُؤْخَذُ (الرُّبَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (وَهِيَ: الَّتِي تُرَبِّي وَلَدَهَا) ، قَالَهُ أَحْمَدُ. وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تُرَبَّى فِي الْبَيْتِ لِأَجْلِ اللَّبَنِ، (وَلَا تُؤْخَذُ حَامِلٌ) ، لِقَوْلِ عُمَرَ: " لَا تُؤْخَذُ الرُّبَى وَلَا الْمَاخِضُ " (وَلَا) تُؤْخَذُ (طَرُوقَةُ فَحْلٍ) ؛ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ غَالِبًا، (وَ) لَا تُؤْخَذُ (كَرِيمَةٌ) وَهِيَ: النَّفِيسَةُ لِشَرَفِهَا، (وَ) لَا تُؤْخَذُ (أَكُولَةٌ) ، لِقَوْلِ عُمَرَ: " وَلَا الْأَكُولَةُ " وَمُرَادُهُ: السَّمِينَةُ (إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) ، أَيْ: الرُّبَى أَوْ الْحَامِلِ أَوْ طَرُوقَةِ الْفَحْلِ أَوْ الْكَرِيمَةِ أَوْ الْأَكُولَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَحَقِّهِ وَلَهُ إسْقَاطُهُ، (وَتُؤْخَذُ مَرِيضَةٌ مِنْ) نِصَابٍ كُلُّهُ (مِرَاضٌ) ، وَتَكُونُ وَسَطًا فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَتَكْلِيفُ الصَّحِيحَةِ عَنْ الْمِرَاضِ إخْلَالٌ بِهَا.
(وَ) تُؤْخَذُ (صَغِيرَةٌ مِنْ صِغَارِ غَنَمٍ) ، لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ: " وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا " فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَدُّونَ الْعَنَاقَ وَ (لَا) تُؤْخَذُ صَغِيرَةٌ مِنْ صِغَارِ (إبِلٍ وَبَقَرٍ، فَلَا يُجْزِئُ فُصْلَانٌ، وَ) لَا (عَجَاجِيلُ) لِفَرْقِ الشَّارِعِ بَيْنَ فَرْضَيْنِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَسِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ بِزِيَادَةِ السِّنِّ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ.
стр. 984
مِثَالُ كَوْنِ النِّصَابِ صِغَارًا: مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (كَمَا لَوْ نَتَجَتْ) أَرْبَعُونَ شَاةً مَثَلًا، ثُمَّ مَاتَتْ، الْأُمَّهَاتُ وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى أَوْلَادِهَا (أَوْ أُبْدِلَتْ كِبَارٌ بِصِغَارٍ) فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، (فَيَقُومُ النِّصَابُ مِنْ الْكِبَارِ، وَيَقُومُ فَرْضُهُ ثُمَّ تَقُومُ الصِّغَارُ وَيُؤْخَذُ عَنْهَا) ، أَيْ: الصِّغَارِ (كَبِيرَةٌ بِالْقِسْطِ) مُحَافَظَةً عَلَى الْفَرْضِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِلَا إجْحَافٍ بِالْمَالِكِ.
(وَإِنْ اجْتَمَعَ) فِي نِصَابٍ (كِبَارٌ وَصِغَارٌ وَصِحَاحٌ وَمَعِيبَاتٌ وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، لَمْ يُؤْخَذْ إلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) ، أَيْ: الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، أَوْ الصِّحَاحِ وَالْمَعِيبَاتِ، أَوْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لِلنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ الصَّغِيرِ وَالْمَعِيبِ وَالْكَرِيمَةِ، لِقَوْلِهِ: ﷺ «وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِهِمْ» ، وَلِتَحْصِيلِ الْمُوَاسَاةِ، (فَلَوْ كَانَ قِيمَةُ مُخْرَجٍ مَعَ كَوْنِ نِصَابِ كُلِّهِ كِبَارًا صِحَاحًا عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ مَعَ كَوْنِهِ كُلِّهِ صِغَارًا مِرَاضًا عَشَرَةً، وَكَانَ) النِّصَابُ نِصْفَيْنِ، (نِصْفُهُ مِنْ ذَا) ، أَيْ: الْكِبَارِ الصِّحَاحِ، (وَنِصْفُهُ مِنْ ذَا) ، أَيْ: مِنْ الصِّغَارِ الْمِرَاضِ.
(وَجَبَ إخْرَاجُ كَبِيرَةٍ صَحِيحَةٍ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ إلَّا) شَاةً (كَبِيرَةً مَعَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَخْلَةً، فَيُخْرِجُهَا) أَيْ: الْكَبِيرَةَ (وَ) يُخْرِجُ (سَخْلَةً) ، وَإِلَّا شَاةً (صَحِيحَةً مَعَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مَعِيبَةً، فَيُخْرِجُهَا) ، أَيْ: الصَّحِيحَةَ (وَ) تُخْرَجُ (مَعِيبَةٌ) ، لِئَلَّا تَخْتَلَّ الْمُوَاسَاةُ (فَإِنْ كَانَ) النِّصَابُ (نَوْعَيْنِ) وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ (كَبَخَاتِيٍّ) الْوَاحِدُ: بُخْتِي، وَالْأُنْثَى: بُخْتِيَّةٌ. قَالَ عِيَاضٌ: هِيَ إبِلٌ غِلَاظٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ (وَعِرَابٍ) هِيَ: إبِلٌ جُرْدٌ مُلْسٌ حِسَانُ الْأَلْوَانِ كَرِيمَةٌ (أَوْ) كَ (بَقَرٍ وَجَوَامِيسَ، أَوْ) كَ (ضَأْنٍ وَمَعْزٍ، أَوْ) كَ (أَهْلِيَّةٍ وَوَحْشِيَّةٍ) مِنْ بَقَرٍ وَغَنَمٍ (أُخِذَتْ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا) ، أَيْ: النَّوْعَيْنِ (عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) فَإِذَا كَانَ النَّوْعَانِ سَوَاءً، وَقِيمَةُ الْمُخْرَجِ مِنْ أَحَدِهِمَا اثْنَيْ عَشَرَ، وَقِيمَةُ الْآخَرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، أَخْرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ
стр. 985
عَشَرَ وَنِصْفٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ ضَمُّ الْأَنْوَاعِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ، (وَ) يَجِبُ (فِي) نِصَابِ (كِرَامٍ وَلِئَامٍ، وَ) نِصَابِ (سِمَانٍ وَمَهَازِيلَ الْوَسَطُ) لِلْخَبَرِ: «مِنْ أَيِّ النَّوْعَيْنِ شَاءَ» (بِقَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) ، أَيْ: الْكِرَامِ وَاللِّئَامِ، وَالسِّمَانِ وَالْمَهَازِيلِ، عَدْلًا بَيْنَ الْمَالِكِ وَأَهْلِ الزَّكَاةِ.
(وَمَنْ أَخْرَجَ عَنْ النِّصَابِ) الزَّكَوِيِّ (مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ مَا لَيْسَ مِنْ مَالِهِ) ، كَمَنْ عِنْدَهُ بَقَرٌ، فَأَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ الْجَوَامِيسِ، أَوْ ضَأْنٌ، فَأَخْرُج عَنْهُ مِنْ الْمَعْزِ وَبِالْعَكْسِ، (جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ النَّوْعَانِ فِي مَالِهِ وَأَخْرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا (إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ) ، أَيْ: الْمُخْرَجِ (عَنْ الْوَاجِبِ) فِي النَّوْعِ الَّذِي فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ نَقَصَتْ لَمْ يَجُزْ.
(وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (سِنٍّ أَعْلَى مِنْ فَرْضٍ) عَلَيْهِ (مِنْ جِنْسِهِ) ، أَيْ: الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْوَاجِبَ وَزِيَادَةً.
و (لَا) تُجْزِئُ (الْقِيمَةُ) ، أَيْ: قِيمَةُ مَا وَجَبَ فِي السَّائِمَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ نَحْوِ حَبٍّ وَتَمْرٍ (مُطْلَقًا) فِي الْفِطْرَةِ وَغَيْرِهَا، اُحْتِيجَ إلَيْهَا أَوْ لَا، لِمَصْلَحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ : «خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبِّ، وَالْإِبِلَ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَ مِنْ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمَ مِنْ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(فَتُجْزِئُ بِنْتُ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَحِقَّةٌ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ، وَجَذَعَةٌ عَنْ حِقَّةٍ) ، وَثَنِيَّةٌ عَنْ جَذَعَةٍ، (وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ) ، أَيْ: الْمُخْرِجِ (الْوَاجِبُ) لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَذَاكَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْكَ، فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد
следующие страницы →