← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21693

شرح منتهى الإرادات للبهوتي = دقائق أولي النهى ط عالم الكتب

البهوتي

Полный текст (1 968 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

عَنْ سَبَبِ خُرُوجِهِمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ الْحُجَّةَ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا فِي قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ (فَإِنْ فَاءُوا) أَيْ رَجَعُوا عَنْ الْبَغْيِ وَطَلَبِ الْقِتَالِ تَرَكَهُمْ (وَإِلَّا) يَفِيئُوا (لَزِمَ) إمَامًا (قَادِرًا قِتَالُهُمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] . (وَ) يَجِبُ (عَلَى رَعِيَّتِهِ مَعُونَتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَرِبْقَةُ الْإِسْلَامِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا اسْتِعَارَةٌ لِمَا يَلْزَمُ الْعُنُقَ مِنْ حُدُودِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِهِ (فَإِنْ اسْتَنْظَرُوهُ) أَيْ قَالُوا أَنْظِرْنَا (مُدَّةً) حَتَّى نَرَى رَأْيَنَا (وَرَجَا فَيْئَتَهُمْ) فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ (أَنْظَرَهُمْ) وُجُوبًا حِفْظًا لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ خَافَ مَكِيدَةً) كَمَدَدٍ يَأْتِيهِمْ أَوْ تَحَيُّزِهِمْ إلَى فِئَةٍ تَمْنَعُهُمْ أَوْ يَكْثُرُ جَمْعُهُمْ وَنَحْوُهُ (فَلَا) يَجُوزُ لَهُ إنْظَارُهُمْ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى قَهْرِ أَهْلِ الْحَقِّ (وَلَوْ أَعْطَوْهُ مَالًا أَوْ رَهْنًا) عَلَى تَأْخِيرِ الْقِتَالِ، أَذِنَ لِأَنَّ الرَّهْنَ يُخْلِي سَبِيلَهُ إذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ كَالْأُسَارَى وَإِنْ سَأَلُوهُ الْإِنْظَارَ أَبَدًا وَيَدَعُهُمْ وَمَا عَلَيْهِ وَيُكَفُّوا عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَإِنْ قَوِيَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُمْ وَإِلَّا جَازَ (وَيُحَرَّمُ قِتَالُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ) الْمُقَاتِلَ وَغَيْرَهُ وَالْمَالَ (كَمَنْجَنِيقِ وَنَارٍ) لِأَنَّ إتْلَافَ أَمْوَالِهِمْ وَغَيْرِ الْمُقَاتِلِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ تَدْعُوهُ إلَيْهِ كَدَفْعِ الصَّائِلِ. (وَ) يُحَرَّمُ (اسْتِعَانَةٌ) عَلَيْهِمْ (بِكَافِرٍ) لِأَنَّهُ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] (إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَعَجْزِ أَهْلِ الْحَقِّ عَنْهُمْ (وَكَفِعْلِهِمْ) بِنَا (إنْ لَمْ نَفْعَلْهُ) بِهِمْ فَيَجُوزُ رَمْيُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ إذَا فَعَلُوهُ بِنَا لَوْ لَمْ نَفْعَلْهُ وَكَذَا الِاسْتِعَانَةُ بِكَافِرٍ. (وَ) يُحَرَّمُ (أَخْذُ مَالِهِمْ) لِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ. (وَ) يُحَرَّمُ أَخْذُ وَقَتْلُ (ذُرِّيَّتِهِمْ) لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ لَا قِتَالَ مِنْهُمْ وَلَا بَغْيَ. (وَ) يُحَرَّمُ (قَتْلُ مُدْبِرِهِمْ وَ) قَتْلُ (جَرِيحِهِمْ) وَلَوْ مِنْ نَحْوِ خَوَارِجَ، إنْ لَمْ نَقُلْ بِكُفْرِهِمْ وَمَا فِي الْإِقْنَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِكُفْرِهِمْ كَمَا فِي الْكَافِي لِعِصْمَتِهِ وَزَوَالِ قِتَالِهِ وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ مَرْوَانَ قَالَ صَرَخَ صَارِخٌ لِعَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ لَا يُقْتَلَنَّ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَعَنْ عَمَّارٍ نَحْوُهُ وَكَالصَّائِلِ وَلِأَنَّهُ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: الْمُدْبِرُ: مَنْ انْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُ إلَّا الْمُنْحَرِفَ إلَى مَوْضِعٍ. (وَ) يُحَرَّمُ قَتْلُ (مَنْ تَرَكَ الْقِتَالَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا قَوَدَ فِيهِ) أَيْ: فِي قَتْلِ مَنْ يُحَرَّمُ قَتْلُهُ مِنْهُمْ لِلشُّبْهَةِ

стр. 1717

(وَيُضْمَنُ بِالدِّيَةِ) لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ (وَيُكْرَهُ) لِعَدْلٍ (قَصْدُ رَحْمَةِ الْبَاغِي) كَأَخِيهِ وَعَمِّهِ (بِقَتْلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاك عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ «كَفَّ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةُ عَنْ قَتْلِ أَبِيهِ» (وَتُبَاحُ اسْتِعَانَةٌ عَلَيْهِمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (بِسِلَاحِ أَنْفُسِهِمْ وَخَيْلِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ لِضَرُورَةٍ فَقَطْ) لِعِصْمَةِ الْإِسْلَامِ أَمْوَالَهُمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ قِتَالُهُمْ لِرَدِّهِمْ إلَى الطَّاعَةِ وَأَمَّا جَوَازُهُ مَعَ الضَّرُورَةِ فَكَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ فِي الْمَخْمَصَةِ (مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ أُنْثَى حُبِسَ حَتَّى مَنْ لَا شَوْكَةَ لَهُ وَلَا حَرْبَ) دَفْعًا لِضَرَرِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَحْصُلُ مِنْهُمْ مُسَاعَدَةُ الْمُقَاتِلَةِ وَفِي حَبْسِهِمْ كَسْرُ قُلُوبِ الْبُغَاةِ (وَإِذَا انْقَضَتْ) الْحَرْبُ (فَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (مَالَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ) مِنْ أَهْلِ عَدْلٍ وَبَغْيٍ (أَخَذَهُ) مِنْهُمْ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ كَأَمْوَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ اغْتِنَامُهَا لِبَقَاءِ مِلْكِهِمْ عَلَيْهَا، وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ: مَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ مَعَ أَحَدٍ فَلْيَأْخُذْهُ فَعَرَفَ بَعْضُهُمْ قِدْرًا مَعَ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَهُوَ يَطْبُخُ فِيهَا فَسَأَلَهُ إمْهَالَهُ حَتَّى يَنْضَجَ الطَّبِيخُ فَأَبَى وَكَبَّهُ وَأَخَذَهَا (وَلَا يَضْمَنُ بُغَاةٌ مَا أَتْلَفُوهُ) عَلَى أَهْلِ عَدْلٍ حَالَ حَرْبٍ (كَ) مَا لَا يَضْمَنُ (أَهْلُ عَدْلٍ) مَا أَتْلَفُوهُ لِبُغَاةٍ حَالَ حَرْبٍ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُضَمِّنْ الْبُغَاةَ مَا أَتْلَفُوهُ حَالَ الْحَرْبِ، مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ قَالَ الزُّهْرِيُّ هَاجَتْ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوَافِرُونَ فَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُقَادُ وَاحِدٌ وَلَا يُؤْخَذُ مَالٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إلَّا مَا وُجِدَ. ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ مُحْتَجًّا بِهِ (وَيَضْمَنَانِ) أَيْ أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْبُغَاةُ (مَا أَتْلَفَاهُ فِي غَيْرِ حَرْبٍ) أَيْ يَضْمَنُ كُلٌّ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ فِي غَيْرِ حَرْبٍ ; لِإِتْلَافِهِ مَعْصُومًا بِلَا حَقٍّ وَلَا ضَرُورَةِ دَفْعٍ (وَمَا أَخَذُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (حَالَ امْتِنَاعِهِمْ) عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، أَيْ: حَالَ شَوْكَتِهِمْ (مِنْ زَكَاةٍ وَخَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ اُعْتُدَّ بِهِ) لِدَافِعِهِ إلَيْهِمْ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ثَانِيًا إذَا ظَفِرَ بِهِ أَهْلُ الْعَدْلِ لِأَنَّ عَلِيًّا لِمَا ظَفِرَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَاهُ الْبُغَاةُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ يَأْتِيهِمْ سَاعِي نَجْدَةَ الْحَرُورِيُّ فَيَدْفَعُونَ إلَيْهِ زَكَاتَهُمْ وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الِاحْتِسَابِ بِذَلِكَ ضَرَرًا عَظِيمًا عَلَى الرَّعَايَا (وَيُقْبَلُ بِلَا يَمِينٍ) مِمَّنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (دَعْوَى دَفْعِ زَكَاةٍ إلَيْهِمْ) أَيْ الْبُغَاةِ كَدَعْوَى دَفْعِهَا إلَى الْفُقَرَاءِ وَلِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهَا كَالصَّلَاةِ وَ (لَا)

стр. 1718

تُقْبَلُ دَعْوَى دَفْعِ (خَرَاجٍ) إلَيْهِمْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (وَلَا) دَعْوَى دَفْعِ (جِزْيَةٍ) إلَيْهِمْ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِوَضٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الدَّفْعِ (وَهُمْ) أَيْ: الْبُغَاةُ (فِي شَهَادَتِهِمْ وَ) فِي (إمْضَاءِ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ) لِأَنَّ التَّأْوِيلَ السَّائِغَ فِي الشَّرْعِ لَا يُفَسَّقُ بِهِ الذَّاهِبُ إلَيْهِ أَشْبَهَ الْمُخْطِئَ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي فَرْعٍ فَيَقْضِي بِشَهَادَةِ عُدُولِهِمْ وَلَا يَنْقُضُ حُكْمَ حَاكِمِهِمْ إلَّا مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعًا وَيَجُوزُ قَبُولُ كِتَابِهِ وَإِمْضَاؤُهُ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فَيُؤْخَذُ عَنْهُمْ الْعِلْمُ مَا لَمْ يَكُونُوا دُعَاةً ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَمَّا الْخَوَارِجُ وَأَهْلُ الْبِدَعِ إذَا خَرَجُوا عَنْ الْإِمَامِ فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ شَهَادَةٌ وَلَا يَنْفُذُ لِقَضَائِهِمْ حُكْمٌ لِفِسْقِهِمْ (وَإِنْ اسْتَعَانُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (بِأَهْلِ ذِمَّةٍ أَوْ أَهْلِ عَهْدٍ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ وَصَارُوا كُلُّهُمْ أَهْلَ حَرْبٍ) لِقِتَالِهِمْ لَنَا كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِهِ (إلَّا إنْ ادَّعَوْا) أَيْ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ (شُبْهَةً كَ) ظَنِّ (وُجُوبِ إجَابَتِهِمْ) أَيْ: الْبُغَاةِ لِكَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ وَقَالُوا لَا نَعْلَمُ الْبُغَاةَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَوْ ظَنَنَّا أَنَّهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا الْقِتَالُ مَعَهُمْ وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ سَبَبُ النَّقْضِ (وَيَضْمَنُونَ) أَيْ: أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ (مَا أَتْلَفُوهُ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ (مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ) كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِإِتْلَافِهِ بِخِلَافِ الْبُغَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّضْمِينُ يُنَافِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَعَدَاوَتُهُمْ قَائِمَةٌ مَا دَامُوا كَذَلِكَ فَلَا ضَرَرَ فِي تَضْمِينِهِمْ (وَإِنْ اسْتَعَانُوا) أَيْ الْبُغَاةُ (بِأَهْلِ حَرْبٍ وَأَمَّنُوهُمْ فَ) أَمَانُهُمْ (كَعَدَمِهِ) لِأَنَّهُمْ عَقَدُوهُ عَلَى قِتَالِنَا وَهُوَ مُحَرَّمٌ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِعِصْمَتِهِمْ فَيُبَاحُ قَتْلُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ (إلَّا أَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى بُغَاةٍ) لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُمْ فَلَا يَغْدِرُونَهُمْ. [فَصْلٌ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ] فَصْلٌ وَإِنْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ كَتَكْفِيرِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ وَسَبِّ الصَّحَابَةِ (وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ) أَيْ: لَمْ يَجْتَمِعُوا لِلْحَرْبِ (لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا " كَانَ يَخْطُبُ فَقَالَ مَنْ بِبَابِ الْمَسْجِدِ: لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ ; تَعْرِيضًا لِلرَّدِّ عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ مِنْ تَحْكِيمِهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ

стр. 1719

ثُمَّ قَالَ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ، وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ " (وَتَجْرِي الْأَحْكَامُ عَلَيْهِمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ) فِي ضَمَانِ نَفْسٍ وَمَالٍ وَوُجُوبِ حَدٍّ لِلُزُومِ الْإِمَامِ الْحُكْمَ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ فِي قَبْضَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِلَا اعْتِبَارٍ لِاعْتِقَادِهِ فِيهِ (وَإِنْ صَرَّحُوا بِسَبِّ إمَامٍ أَوْ) بِسَبِّ (عَدْلٍ أَوْ عَرَّضُوا بِهِ) أَيْ: بِسَبِّ إمَامٍ أَوْ عَدْلٍ (عُزِّرُوا) كَغَيْرِهِمْ (وَمَنْ كَفَّرَ أَهْلَ الْحَقِّ وَالصَّحَابَةِ وَاسْتَحَلَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ) وَأَمْوَالَهُمْ (بِتَأْوِيلٍ فَ) هُمْ (خَوَارِجُ بُغَاةٌ فَسَقَةٌ) قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نُصُوصُهُ صَرِيحَةٌ عَلَى عَدَمِ كُفْرِ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا كَفَّرَ الْجَهْمِيَّةَ لَا أَعْيَانَهُمْ، قَالَ: وَطَائِفَةٌ تَحْكِي عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ مُطْلَقًا حَتَّى الْمُرْجِئَةِ وَالشِّيعَةِ الْمُفَضِّلَةِ لِعَلِيٍّ (وَعَنْهُ) أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا أَهْلَ الْحَقِّ وَالصَّحَابَةَ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ بِتَأْوِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ (كُفَّارٌ) قَالَ (الْمُنَقَّحُ وَهُوَ أَظْهَرُ) . انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَاَلَّذِي نَدِينُ لِلَّهِ بِهِ. انْتَهَى. وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ عَنْ «أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْإِسْلَامِ: الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فَقَالَ لَا تُصَلُّوا مَعَهُمْ وَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ» وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ مَنْ قَالَ عِلْمُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ كَفَرَ (وَإِنْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِلْعَصَبِيَّةِ أَوْ) طَلَبِ (رِئَاسَةٍ فَ) هُمَا (ظَالِمَتَانِ تَضْمَنُ كُلٌّ) مِنْهُمَا (مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الْأُخْرَى) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَأَوْجَبُوا الضَّمَانَ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّائِفَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الْمُتْلِفِ (وَضَمِنَتَا) أَيْ: الطَّائِفَتَانِ (سَوَاءٌ مَا جُهِلَ مُتْلِفُهُ) مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ (كَمَا لَوْ قُتِلَ دَاخِلٌ بَيْنَهُمَا لِصُلْحٍ وَجُهِلَ قَاتِلُهُ) مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنْ عُلِمَ كَوْنُهُ مِنْ طَائِفَةٍ بِعَيْنِهَا وَجُهِلَ عَيْنُهُ ضَمِنَتْهُ وَحْدَهَا بِخِلَافِ الْمَقْتُولِ فِي زِحَامِ جَامِعٍ أَوْ طَوَافٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا تَعَدٍّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. [بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ] ِّ (وَهُوَ) لُغَةً الرَّاجِعُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١]

стр. 1720

وَشَرْعًا (مَنْ كَفَرَ وَلَوْ) كَانَ (مُمَيِّزًا) بِنُطْقٍ أَوْ اعْتِقَادٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ شَكٍّ (طَوْعًا وَلَوْ) كَانَ (هَازِلًا بَعْدَ إسْلَامِهِ وَلَوْ) كَانَ إسْلَامُهُ (كُرْهًا بِحَقٍّ) كَمَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ إذَا قُوتِلَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَوَلَدِ مُسْلِمَةٍ مِنْ كَافِرٍ إذَا أُكْرِهَ عَلَى النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَنَطَقَ بِهِمَا ثُمَّ ارْتَدَّ، وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ إنْ لَمْ يَتُبْ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا. . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَغَيْرِهِمْ وَسَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ «أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَرْوَانَ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ فَبَلَغَ أَمْرُهَا النَّبِيَّ فَأَمَرَ أَنْ تُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ» وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَصْلِيَّةُ، لِأَنَّهُ قَالَ حِينَ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً وَكَانَتْ كَافِرَةً أَصْلِيَّةً، وَيُخَالِفُ الْكُفْرُ الْأَصْلِيُّ الطَّارِئَ ; إذْ الْمَرْأَةُ لَا تُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ بِضَرْبٍ وَلَا حَبْسٍ بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ (فَمَنْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ) أَوْ صَدَّقَ مَنْ ادَّعَاهَا كَفَرَ ; لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وَلِحَدِيثِ «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» . وَفِي الْخَبَرِ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ كَذَّابًا كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ» (أَوْ أَشْرَكَ) أَيْ كَفَرَ (بِاَللَّهِ تَعَالَى) كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] (أَوْ سَبَّهُ) أَيْ اللَّهَ تَعَالَى (أَوْ) سَبَّ (رَسُولًا لَهُ أَوْ مَلَكًا) لَهُ كَفَرَ ; لِأَنَّهُ لَا يَسُبُّهُ إلَّا وَهُوَ جَاحِدٌ بِهِ (أَوْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ) أَيْ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) جَحَدَ (وَحْدَانِيَّتَهُ أَوْ) جَحَدَ (صِفَةً) ذَاتِيَّةً لَهُ تَعَالَى كَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ كَفَرَ (أَوْ) جَحَدَ (رَسُولًا) مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ ثَبَتَ تَوَاتُرُ الْآحَادِ كَخَالِدِ بْنِ سِنَانٍ (أَوْ) جَحَدَ (كِتَابًا أَوْ مِلْكًا لَهُ) أَيْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الرُّسُلِ أَوْ الْمَلَائِكَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِمْ كَفَرَ ; لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ جَحْدُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَجَحْدِ الْكُلِّ (أَوْ) جَحَدَ الْبَعْثَ أَوْ (وُجُوبَ عِبَادَةٍ مِنْ) الْعِبَادَاتِ (الْخَمْسِ) الْمُشَارِ إلَيْهَا بِحَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا» (وَمِنْهَا) أَيْ: مِثْلُهَا (الطَّهَارَةُ) فَيَكْفُرُ مَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا وُضُوءًا كَانَتْ أَوْ غُسْلًا أَوْ تَيَمُّمًا (أَوْ) جَحَدَ (حُكْمًا ظَاهِرًا) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ فَرْضِ السُّدُسِ لِبِنْتِ الِابْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ (مُجْمَعًا عَلَيْهِ

стр. 1721

إجْمَاعًا قَطْعِيًّا) لَا سُكُوتِيًّا لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةً (كَ) جَحْدِ (تَحْرِيمِ زِنًا أَوْ) جَحْدِ تَحْرِيمِ (لَحْمِ خِنْزِيرٍ أَوْ) جَحْدِ (حِلِّ خُبْزٍ وَنَحْوِهِ) كَلَحْمِ مُذَكَّاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالدَّجَاجِ (أَوْ شَكٍّ فِيهِ) أَيْ فِي تَحْرِيمِ زِنًا وَلَحْمِ خِنْزِيرٍ أَوْ فِي حِلِّ خُبْزٍ وَنَحْوِهِ (وَمِثْلُهُ لَا يَجْهَلُهُ) لِكَوْنِهِ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ) كَانَ (يَجْهَلُهُ) مِثْلُهُ (وَعَرَفَ) حُكْمَهُ (وَأَصَرَّ) عَلَى الْجَحْدِ أَوْ الشَّكِّ كَفَرَ ; لِمُعَانَدَتِهِ لِلْإِسْلَامِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ قَبُولِ الْأَحْكَامِ غَيْرَ قَابِلٍ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا أَيْ: لَا شُبْهَةَ فِيهِ نَحْوُ اسْتِحْلَالِ الْخَوَارِجِ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ لَا يُكَفِّرُونَهُمْ لِادِّعَائِهِمْ أَنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ كَمَا. قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ يَمْدَحُ ابْنَ مُلْجَمٍ لِقَتْلِهِ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا إنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ ... أَوْفَى الْبَرِّيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا . بِخِلَافِ مَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ بِلَا تَأْوِيلٍ (أَوْ سَجَدَ لِكَوْكَبٍ) كَشَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ (أَوْ) سَجَدَ لِ (نَحْوِهِ) كَصَنَمٍ كَفَرَ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ بِهِ (أَوْ أَتَى بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ صَرِيحٍ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ) كَفَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥] قَالَ فِي الْمُغْنِي وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْتَفَى مِنْ الْهَازِئِ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يُؤَدَّبَ أَدَبًا يَزْجُرُهُ عَنْ ذَلِكَ (أَوْ امْتَهَنَ الْقُرْآنَ) كِتَابَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ (أَوْ ادَّعَى اخْتِلَافَهُ) أَوْ اخْتِلَاقَهُ (أَوْ) ادَّعَى (الْقُدْرَةَ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ أَسْقَطَ حُرْمَتَهُ كَفَرَ) ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] وَكَذَا مَنْ اعْتَقَدَ قِدَمَ الْعَالَمِ أَوْ حُدُوثَ الصَّانِعِ أَوْ سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ (وَلَا) يَكْفُرُ (مَنْ حَكَى كُفْرًا سَمِعَهُ وَلَا يَعْتَقِدُهُ) وَمَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ كُفْرٍ مِنْ لُبْسِ غِيَارٍ وَشَدِّ زُنَّارٍ وَتَعْلِيقِ صَلِيبٍ بِصَدْرِهِ حَرُمَ وَلَمْ يَكْفُرْ قَالَهُ فِي الِانْتِصَارِ (وَإِنْ تَرَكَ) مُكَلَّفٌ (عِبَادَةً مِنْ)

стр. 1722

الْعِبَادَاتِ (الْخَمْسِ تَهَاوُنًا) مَعَ إقْرَارِهِ بِوُجُوبِهَا (لَمْ يَكْفُرْ) سَوَاءٌ عَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهَا أَبَدًا أَوْ عَلَى تَأْخِيرِهَا إلَى زَمَنٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَيْهِ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَّا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ: إذَنْ يَتَّكِلُوا فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَلَوْ كَفَرَ بِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي مَشِيئَةِ الْغُفْرَانِ لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يُغْفَرُ (إلَّا بِالصَّلَاةِ أَوْ بِشَرْطٍ) لَهَا (أَوْ رُكْنٍ لَهَا مُجْمَعٍ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ لَهَا (إذَا اُدُّعِيَ) أَيْ: دَعَاهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (إلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ) الَّذِي تَرَكَهُ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ شَرْطِهَا أَوْ رُكْنِهَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ (وَامْتَنَعَ) مِنْ فِعْلِهِ حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَ الصَّلَاةِ الَّتِي دُعِيَ لَهَا فَيُكَفَّرُ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ فِي امْتِنَاعِهِ بَعْدَ دُعَاءِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ شَبَهًا بِالْخُرُوجِ عَنْ حَوْزَةِ الْمُسْلِمِينَ (وَيُسْتَتَابُ كَمُرْتَدٍّ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا (فَإِنْ) تَابَ بِفِعْلِهَا خَلَّى سَبِيلَهُ (وَإِنْ أَصَرَّ قُتِلَ) كُفْرًا (بِشَرْطِهِ) وَهُوَ الِاسْتِتَابَةُ وَدِعَايَةُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لَهُ (وَيُقْتَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الصَّلَاةِ وَشَرْطِهَا وَرُكْنِهَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ (حَدًّا) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ (فَمَنْ ارْتَدَّ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا) (وَلَوْ أُنْثَى دُعِيَ) إلَى الْإِسْلَامِ (وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا) لِحَدِيثِ أُمِّ مَرْوَانَ وَتَقَدَّمَ وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيّ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ كَانَ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ قَالَ نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَقَالَ مَا فَعَلْتُمْ بِهِ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ قَالَ عُمَرُ: فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَأَسْقَيْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ أَوْ يُرَاجِعُ اللَّهَ، اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي " وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الِاسْتِتَابَةُ لِمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَأَحَادِيثِ الْأَمْرِ بِقَتْلِهِ تُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَيَنْبَغِي أَنْ يَضِيقَ عَلَيْهِ) مُدَّةَ الِاسْتِتَابَةِ (وَيُحْبَسَ) لِقَوْلِ عُمَرَ فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَأَسْقَيْتُمُوهُ وَلِئَلَّا يَلْحَقَ بِدَارِ حَرْبٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُكَرِّرَ دِعَايَتَهُ لَعَلَّهُ

стр. 1723

يُرَاجِعُ دِينَهُ (فَإِنْ تَابَ لَمْ يُعَزَّرْ) وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ لِأَنَّ فِيهِ تَنْفِيرًا لَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ (وَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى رِدَّتِهِ (قُتِلَ بِالسَّيْفِ) وَلَا يُحْرَقُ بِالنَّارِ لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأُحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» وَحَدِيثِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَا تُعَذِّبُوهُ بِعَذَابِ اللَّهِ - يَعْنِي النَّارَ -» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد (إلَّا رَسُولَ كُفَّارٍ) فَلَا يُقْتَلُ وَلَوْ مُرْتَدًّا (بِدَلِيلِ رَسُولِ مُسَيْلِمَةَ) حَارَبَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَقُتِلَ عَلَى يَدِ وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ وَكَانَ وَحْشِيًّا يَقُولُ قَتَلْت خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَيْ: جَاهِلِيَّتِهِ وَشَرَّهَا فِي الْإِسْلَامِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - وَرَسُولَاهُ وَهُمَا ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثَالٍ جَاءَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقْتُلْهُمَا (وَلَا يَقْتُلُهُ) أَيْ الْمُرْتَدَّ (إلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) حُرًّا كَانَ الْمُرْتَدُّ أَوْ عَبْدًا ; لِأَنَّهُ قَتْلٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ إلَى الْإِمَامِ كَرَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ لِكُفْرِهِ لَا حَدًّا (فَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ الْمُرْتَدَّ (غَيْرُهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ أَحَدِهِمَا (أَسَاءَ وَعُزِّرَ) لِافْتِيَاتِهِ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ (وَلَا ضَمَانَ) بِقَتْلِ مُرْتَدٍّ (وَلَوْ كَانَ) قَتْلُهُ (قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ) لِأَنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ وَرِدَّتُهُ أَبَاحَتْ دَمَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ الضَّمَانُ بِدَلِيلِ نِسَاءِ حَرْبٍ وَذُرِّيَّتِهِمْ (إلَّا أَنْ يَلْحَقَ) الْمُرْتَدُّ (بِدَارِ الْحَرْبِ فَ) يَجُوزُ (لِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُ وَأَخْذُ مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا (وَمَنْ أَطْلَقَ الشَّارِعُ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ (كُفْرَهُ كَدَعْوَاهُ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَمَنْ أَتَى عَرَّافًا) وَهُوَ الَّذِي يُحَدِّثُ وَيَتَخَرَّصُ (فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَهُوَ تَشْدِيدٌ) وَتَأْكِيدٌ نَقَلَ حَنْبَلٌ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ (لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ) انْتَهَى. وَقِيلَ: كُفْرُ نِعْمَةٍ وَقَالَهُ طَوَائِفُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ. . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ وَقِيلَ: قَارَبَ الْكُفْرَ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ " مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ " أَيْ: جَحَدَ تَصْدِيقَهُ بِكَذِبِهِمْ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى هَذَا إذَا اعْتَقَدَ تَصْدِيقَهُمْ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ كُفْرًا حَقِيقَةً انْتَهَى. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ حَنْبَلٍ وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّى الْكَلَامَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ النُّصُوصِ تَوَرُّعًا وَيُمِرُّهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تُخْرِجُ عَنْ الْمِلَّةِ (وَيَصِحُّ إسْلَامُ مُمَيِّزٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (يَعْقِلُهُ) أَيْ الْإِسْلَامَ بِأَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبُّهُ لَا شَرِيك لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَى النَّاسِ

стр. 1724

كَافَّةً. لِأَنَّ «عَلِيًّا ﵁ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ وَمِنْ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ وَمَنْ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ وَمَنْ الْعَبِيدِ بِلَالٌ. وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ لِمَا صَحَّ ذَلِكَ لَهُ. وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: سَبَقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ طَرًّا صَبِيًّا مَا بَلَغْت أَوَانَ حُلُمِي. وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَصَحَّتْ مِنْ الصَّبِيِّ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَكَوْنِهِ يُوجَبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِهِ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ لِأَنَّهَا نَفْعٌ لَهُ وَكَذَا إيجَابُهُ عَلَيْهِ نَفَقَةَ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، وَحِرْمَانُ مِيرَاثِهِ قَرِيبَهُ الْكَافِرَ. لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ مَجْبُورٌ بِمِيرَاثِهِ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ وَسُقُوطِ نَفَقَةِ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ ثُمَّ إنَّهُ ضَرَرٌ مَغْمُورٌ فِي جَنْبٍ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ. (وَ) تَصِحُّ (رِدَّتُهُ) أَيْ الْمُمَيِّزِ كَإِسْلَامِهِ (فَإِنْ أَسْلَمَ) مُمَيِّزٌ يَعْقِلُهُ (حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ) صَوْنًا لَهُ لِضَعْفِ عَقْلِهِ فَرُبَّمَا أَفْسَدُوهُ (فَإِنْ قَالَ بَعْدَ) إسْلَامِهِ (لَمْ أُرِدْ مَا قُلْته فَكَمَا لَوْ ارْتَدَّ) أَيْ: لَمْ يَبْطُلْ إسْلَامُهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَيَكُونُ كَالْبَالِغِ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ (وَلَا يُقْتَلُ هُوَ) أَيْ: الْمُمَيِّزُ حَيْثُ ارْتَدَّ (وَ) لَا (سَكْرَانُ ارْتَدَّا حَتَّى يُسْتَتَابَا) أَيْ: الصَّغِيرُ (بَعْدَ بُلُوغِهِ وَ) السَّكْرَانُ بَعْدَ (صَحْوِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِأَنَّ الْبُلُوغَ وَالصَّحْوَ أَوَّلُ زَمَنٍ صَارَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ حَتَّى يَحْتَلِمَ لِلْخَبَرِ وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَلِأَنَّ الْحَدَّ شُرِعَ لِلزَّجْرِ وَلَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ فِي حَالِ سُكْرِهِ (وَإِنْ مَاتَ) مَنْ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ (فِي سُكْرٍ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَصْحُوَ مَاتَ كَافِرًا لِمَوْتِهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فَلَا يَرِثُهُ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنُ مَعَنَا (أَوْ) مَاتَ مُمَيِّزًا ارْتَدَّ (قَبْلَ بُلُوغٍ) وَقَبْلَ تَوْبَتِهِ (مَاتَ كَافِرًا) لِمَوْتِهِ فِي الرِّدَّةِ (وَلَا تُقْبَلُ فِي) أَحْكَامِ الدُّنْيَا كَتَرْكِ قَتْلٍ وَثُبُوتِ أَحْكَامِ تَوْرِيثٍ وَنَحْوِهَا (تَوْبَةُ زِنْدِيقٍ وَهُوَ الْمُنَافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] وَالزِّنْدِيقُ لَا يُعْلَمُ تَبَيُّنُ رُجُوعِهِ وَتَوْبَتِهِ. لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَنْفِي الْكُفْرَ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَلْبُهُ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ (وَلَا) تُقْبَلُ فِي الدُّنْيَا تَوْبَةُ (مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] وَالِازْدِيَادُ يَقْتَضِي كُفْرًا مُتَجَدِّدًا وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ

стр. 1725

عَلَيْهِ وَلِأَنَّ تَكْرَارَ رِدَّتِهِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالْإِسْلَامِ (أَوْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى) أَيْ صَرِيحًا لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِعِظَمِ ذَنْبِهِ جِدًّا فَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ (أَوْ) سَبَّ (رَسُولًا أَوْ مَلَكًا لَهُ) أَيْ لِلَّهِ تَعَالَى (صَرِيحًا أَوْ انْتَقَصَهُ) أَيْ: اللَّهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ أَوْ وَاحِدًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) تُقْبَلُ تَوْبَةُ (سَاحِرٍ مُكَفَّرٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ مُشَدَّدَةً (بِسِحْرِهِ) كَاَلَّذِي يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ. لِحَدِيثِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. فَسَمَّاهُ حَدًّا وَالْحَدُّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا فِي عِلْمِ إخْلَاصِهِ فِي تَوْبَتِهِ لِأَنَّهُ يُضْمِرُ السِّحْرَ وَلَا يَجْهَرُ بِهِ. وَقَوْلُهُ فِي الدُّنْيَا عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُخْلِصًا قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ لِعُمُومِ حَدِيثِ «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» (وَمَنْ أَظْهَرَ الْخَيْرَ) مِنْ نَفْسِهِ (وَأَبْطَنَ الْفِسْقَ فَ) هُوَ فِي تَوْبَتِهِ مِنْ فِسْقِهِ (كَزِنْدِيقٍ فِي تَوْبَتِهِ) مِنْ كُفْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ إظْهَارِ الْخَيْرِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَنَحْوُهَا. [فَصْلٌ تَوْبَةُ الْمُرْتَدّ] فَصْلٌ وَتَوْبَةُ مُرْتَدٍّ إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ (وَ) تَوْبَةُ (كُلِّ كَافِرٍ) مِنْ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِهِ (إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ) أَيْ: قَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَوْ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْكَنِيسَةَ فَإِذَا هُوَ بِيَهُودِيٍّ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ التَّوْرَاةَ فَقَرَأَ حَتَّى إذَا أَتَى عَلَى صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمَّتِهِ فَقَالَ: هَذِهِ صِفَتُك وَصِفَةُ أُمَّتِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لُوا أَخَاكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِحَدِيثِ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» وَإِذَا ثَبَتَ بِهِمَا إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَكَذَا الْمُرْتَدُّ وَلَا يَلْزَمُ مَنْ جَعَلَ الْإِسْلَامَ اسْمًا لِلْخَمْسَةِ فِي حَدِيثِ " أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ " أَنْ لَا يَكُونَ مُسْلِمًا إلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ لِجَوَازِ أَنْ يَعْرِفَ الشَّارِعُ حَقِيقَةً وَيَجْعَلَ بَعْضَ أَجْزَائِهَا بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْحُكْمِ فَفُرِّقَ بَيْنَ النَّظَرِ فِي الشَّيْء مِنْ حَيْثُ بَيَانُ حَقِيقَتِهِ وَالنَّظَرِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ مَعْرِفَةُ مَا يُجْزِئُ مِنْهُ (مَعَ إقْرَارِ) مُرْتَدٍّ (جَاحِدٍ لِفَرْضٍ أَوْ) جَاحِدٍ لِ (تَحْلِيلِ) حَلَالٍ

стр. 1726

(أَوْ) جَاحِدٍ (لِتَحْرِيمِ) حَرَامٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) جَاحِدِ (نَبِيٍّ) مِنْ الْأَنْبِيَاءِ (أَوْ) جَاحِدِ (كِتَابٍ) مِنْ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ) جَاحِدِ مَلَكٍ أَوْ جَاحِدِ (رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلَى غَيْرِ الْعَرَبِ بِمَا جَحَدَهُ) مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ كُفْرَهُ بِجَحْدِهِ مِنْ حَيْثُ التَّكْذِيبُ فَلَا بُدَّ مِنْ إتْيَانِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْهُ. (أَوْ قَوْلِهِ أَنَا مُسْلِمٌ فَهُوَ تَوْبَةٌ أَيْضًا لِلْمُرْتَدِّ وَلِكُلِّ كَافِرٍ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا تَضَمَّنَ الشَّهَادَتَيْنِ كَانَ مُخْبِرًا بِهِمَا) وَعَنْ الْمِقْدَادِ أَنَّهُ قَالَ «: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْته فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَهَا» وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنِّي مُسْلِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ كُنْتَ قُلْتَ وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَيُحْتَمَل أَنَّ هَذَا فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ أَوْ مَنْ جَحَدَ الْوَحْدَانِيَّةَ أَمَّا مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ أَوْ فَرِيضَةٍ وَنَحْوَ هَذَا فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كُلَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُسْلِمُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ كَافِرٌ (وَلَا يُغْنِي قَوْلُهُ) أَيْ الْكَافِرِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ) أَيْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَلَوْ مِنْ مُقِرٍّ بِهِ) أَيْ: التَّوْحِيدِ. لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَا تَتَضَمَّنُ الشَّهَادَةَ بِالتَّوْحِيدِ كَعَكْسِهِ فَلَا يَكْفِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «قُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً، أَشْهَدُ لَك بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» فَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْ الشَّهَادَتَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَمَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِرِدَّةٍ وَلَوْ) شُهِدَ أَنَّ رِدَّتَهُ (بِجَحْدِ) تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ أَوْ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ (فَأَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ) وَلَمْ يُنْكِرْ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ (لَمْ يُكْشَفْ عَنْ شَيْء) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ مَعَ ثُبُوتِ إسْلَامِهِ إلَى الْكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ (فَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ بِمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ) مِنْ الرِّدَّةِ (لِصِحَّتِهِمَا) أَيْ: الشَّهَادَتَيْنِ (مِنْ مُسْلِمٍ وَمِنْهُ) أَيْ: الْمُرْتَدِّ (بِخِلَافِ تَوْبَتِهِ مِنْ بِدْعَةٍ) فَيُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ بِهَا. لِأَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ لَا يَعْتَقِدُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ بِدْعَةً (وَيَكْفِي جَحْدُهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (الرِّدَّةَ أَقَرَّ بِهَا) وَلَمْ يُشْهَدْ بِهَا عَلَيْهِ كَرُجُوعِهِ عَنْ إقْرَارِهِ بِحَدٍّ وَ (لَا) يَكْفِي جَحْدُهُ لِرِدَّتِهِ (إنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِهَا) أَيْ: الرِّدَّةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ أَوْ

стр. 1727

مَا يَتَضَمَّنهُمَا وَإِلَّا اُسْتُتِيبَ إِن قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ثُمَّ قُتِلَ لِأَنَّ جَحْدَهُ الرِّدَّةَ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ فَلَا يُقْبَلُ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى (وَإِنْ شَهِدَ) اثْنَانِ عَلَى مُسْلِمٍ (أَنَّهُ كَفَرَ) وَلَمْ يَذْكُرُوا كَيْفِيَّةً (فَادَّعَى الْإِكْرَاهَ) عَلَى مَا قَالَ مَثَلًا (قُبِلَ) مِنْهُ ذَلِكَ (مَعَ قَرِينَةٍ) دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ كَحَبْسٍ وَقَيْدٍ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْإِكْرَاهِ وَلَا يُكَلَّفُ مَعَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ (فَقَطْ) فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْإِكْرَاهِ مِنْهُ بِلَا قَرِينَةٍ. لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَلَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ) بِأَنَّهُ نَطَقَ (بِكَلِمَةِ كُفْرٍ) كَقَوْلِهِ: هُوَ كَافِرٌ أَوْ يَهُودِيٌّ (فَادَّعَاهُ) أَيْ الْإِكْرَاهَ عَلَيْهَا (قُبِلَ) قَوْلُهُ (مُطْلَقًا) أَيْ: مَعَ قَرِينَةٍ وَعَدَمِهَا. لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ. وَتَقَدَّمَ لَا يُكَفَّرُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (وَإِنْ أُكْرِهَ ذِمِّيٌّ عَلَى إقْرَارٍ بِإِسْلَامٍ) فَأَقَرَّ بِهِ (لَمْ يَصِحَّ) إقْرَارُهُ بِهِ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ فَحُكْمُهُ كَالْكُفَّارِ وَإِنْ رَجَعَ إلَى دِينِ الْكُفَّارِ لَمْ يُقْتَلْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وَإِنْ قَصَدَ الْإِسْلَامَ لَا دَفْعَ الْإِكْرَاهِ أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَثُبُوتِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ فَمُسْلِمٌ. (وَقَوْلُ مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ) بِرِدَّةٍ (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ أَوْ) قَوْلُهُ (أَنَا مُسْلِمٌ تَوْبَةٌ) كَمَنْ اعْتَرَفَ بِالرِّدَّةِ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ. (وَإِنْ كَتَبَ كَافِرٌ الشَّهَادَتَيْنِ صَارَ مُسْلِمًا) لِأَنَّ الْخَطَّ كَاللَّفْظِ (وَلَوْ قَالَ الْكَافِرُ أَسْلَمْت أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ أَوْ أَنَا مُؤْمِنٌ صَارَ مُسْلِمًا) بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِمَا تَقَدَّمَ (فَلَوْ) عَادَ مَنْ تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ كَتَبَهُمَا أَوْ تَلَفَّظَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ مِمَّا يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا قَالَهُ أَوْ كَتَبَهُ وَ (قَالَ لَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ أَوْ) قَالَ (لَمْ أَعْتَقِدْهُ) أَيْ: الْإِسْلَامَ (أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ قَدْ عُلِمَ مَا يُرَادُ مِنْهُ) فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ وَلَا يُخَلَّى وَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. (وَإِنْ قَالَ: أَنَا مُسْلِمٌ وَلَا أَنْطِقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ) لِحَدِيثِ " أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ " (وَ) مَنْ قَالَ لِكَافِرٍ (أَسْلِمْ وَخُذْ) مِنِّي (أَلْفًا وَنَحْوَهُ) كَفَرَسٍ أَوْ بَعِيرٍ (فَأَسْلَمَ فَلَمْ يُعْطِهِ) مَا وَعَدَهُ (فَأَبَى الْإِسْلَامَ قُتِلَ) بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَعِدْهُ (وَيَنْبَغِي) لِمَنْ وَعَدَهُ (أَنْ يَفِيَ) بِوَعْدِهِ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ. وَخُلْفُ الْوَعْدِ مِنْ آيَاتِ النِّفَاقِ قَالَ الْخَطَّابِيِّ: وَلَمْ يُشَارِطْ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤَلَّفَةَ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَيُعْطِيَهُمْ جُعْلًا عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا أَعْطَاهُمْ عَطَايَا بِأَنَّهُ يَتَأَلَّفُهُمْ (وَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ) الصَّلَوَاتِ (الْخَمْسِ) كَعَلَى صَلَاتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ (قُبِلَ مِنْهُ) الْإِسْلَامُ تَرْغِيبًا لَهُ فِيهِ (وَأُمِرَ

стр. 1728

بِالْخَمْسِ) كُلِّهَا كَغَيْرِهِ (وَإِذَا مَاتَ مُرْتَدٌّ فَأَقَامَ وَارِثُهُ الْمُسْلِمُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَهَا) أَيْ رِدَّتِهِ (حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) وَأُعْطِيَ مِيرَاثُهُ لِحَدِيثِ " مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا " الْخَبَرَ وَتَقَدَّمَ وَسَوَاءٌ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ حَرْبٍ بِخِلَافِ أَدَاءِ زَكَاةٍ وَحَجٍّ وَصَوْمٍ، فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا. وَتَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي الصَّلَاةِ لَهُ وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَأْتِيَ بِصَلَاةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ صَلَاةِ الْكُفَّارِ بِأَنْ يَسْتَقْبِلَ قِبْلَتَنَا وَيَرْكَعَ وَيَسْجُدَ وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَتَكُونُ رِدَّتُهُ بِجَحْدِ فَرِيضَةٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ نَبِيٍّ أَوْ مَلَكٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِالصَّلَاةِ. قَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ. (وَلَا يَبْطُلُ إحْصَانُ مُرْتَدٍّ) بِرِدَّتِهِ فَإِذَا أَحْصَنَ فِي إسْلَامِهِ ثُمَّ زَنَى فِي إسْلَامِهِ أَوْ رِدَّتِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الرَّجْمُ وَلَوْ تَابَ، وَكَذَا إحْصَانُ قَذْفٍ فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ قَاذِفِهِ بِرِدَّتِهِ بَعْدَ طَلَبٍ (وَلَا) تَبْطُلُ (عِبَادَةٌ فَعَلَهَا قَبْلَ رِدَّتِهِ) وَلَا صُحْبَةَ لَهُ ﷺ (إذَا تَابَ) لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.﴾ [البقرة: ٢١٧] وَلِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْهَا بِفِعْلِهَا عَلَى وَجْهِهَا كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، فَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا بَطَلَتْ لِلْآيَةِ [فَصْلُ وَمَنْ ارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ مَالِهِ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ] ِ كَزِنَا الْمُحْصَنِ وَكَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ (وَيَمْلِكُ) مُرْتَدٌّ (بِتَمَلُّكٍ) مِنْ هِبَةٍ وَاحْتِشَاشٍ وَنَحْوِهِمَا كَغَيْرِهِ (وَيُمْنَعُ) مُرْتَدٌّ (التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ) كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَوَقْفٍ وَإِجَارَةٍ لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ (وَتُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ، وَلَوْ جَنَاهَا بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ فِي فِئَةٍ) أَيْ: جَمَاعَةٍ (مُرْتَدَّةٍ مُمْتَنِعَةٍ) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ تَحْتَ حُكْمِنَا بِخِلَافِ الْبُغَاةِ (وَيُنْفَقُ مِنْهُ) أَيْ: مَالِ الْمُرْتَدِّ (عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ شَرْعًا كَالدَّيْنِ (فَإِنْ أَسْلَمَ) الْمُرْتَدُّ فَمَالُهُ لَهُ (وَإِلَّا) يُسْلِمْ بِأَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ مُرْتَدًّا (صَارَ) مَالُهُ (فَيْئًا مِنْ حِينِ مَوْتِهِ مُرْتَدًّا) لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا غَيْرِهِ (وَإِنْ لَحِقَ) مُرْتَدٌّ (بِدَارِ حَرْبٍ فَهُوَ وَمَا مَعَهُ) مِنْ مَالِهِ (كَحَرْبِيٍّ) يُبَاحُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ وَأَخَذُ مَا مَعَهُ دَفْعًا لِفَسَادِهِ وَلِزَوَالِ الْعَاصِمِ لِلْمَالِكِ وَهُوَ دَارُ الْإِسْلَامِ. (وَ) أَمَّا (مَا بِدَارِنَا) مِنْ مَالٍ فَهُوَ فَيْءٌ (مِنْ حِينِ مَوْتِهِ) وَمَا دَامَ حَيًّا فَمِلْكُهُ عَلَيْهِ بَاقٍ، لِأَنَّ حِلَّ دَمِهِ لَا يُوجِبُ تَوْرِيثَ مَالِهِ

стр. 1729

كَالْحَرْبِيِّ الْأَصْلِيِّ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ الْحَاكِمُ بِمَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ (وَلَوْ ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ وَجَرَى فِيهِ حُكْمُهُمْ) أَيْ الْمُرْتَدِّينَ كَالدُّرُوزِ (فَ) هُمْ كَأَهْلِ (دَارِ حَرْبٍ يُغْنَمُ مَالُهُمْ وَ) يُغْنَمُ (وَلَدٌ حَدَثَ) مِنْهُمْ (بَعْدَ الرِّدَّةِ) وَعَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ لِأَنَّ تَرْكَهُمْ رُبَّمَا أَغْرَى أَمْثَالَهُمْ بِالتَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَقَاتَلَ الصِّدِّيقُ بِجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَهْلَ الرِّدَّةِ وَإِذَا قَاتَلَهُمْ قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَيُقْتَلُ مُدْبِرُهُمْ وَيُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ (وَيُؤْخَذُ مُرْتَدٌّ بِحَدٍّ) أَيْ: مَا يُوجِبُهُ كَزِنًا وَقَذْفٍ وَسَرِقَةٍ (أَتَاهُ فِي رِدَّتِهِ) وَإِنْ أَسْلَمَ نَصًّا لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَزِيدُهُ إلَّا تَغْلِيظًا وَ (لَا) يُؤْخَذُ (بِقَضَاءِ مَا تَرَكَ فِيهَا) أَيْ الرِّدَّةِ (مِنْ عِبَادَةٍ) كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَلَمْ يَأْمُرْ الصِّدِّيقُ الْمُرْتَدِّينَ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُمْ وَكَالْحَرْبِيِّ (وَإِنْ لَحِقَ زَوْجَانِ مُرْتَدَّانِ بِدَارِ حَرْبٍ لَمْ يُسْتَرَقَّا) وَلَا أَحَدُهُمَا، لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ بَلْ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ (وَلَا) يُسْتَرَقُّ (مِنْ وَلَدِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ رِدَّةٍ إذَا ارْتَدَّا وَلَحِقَا بِدَارِ حَرْبٍ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُسْتَرَقُّ (حَمْلٌ) مِنْهُمَا حَمَلَتْ بِهِ (قَبْلَ رِدَّةٍ) لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَلَا يَتْبَعُهُمَا فِي الرِّدَّةِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو، ثُمَّ إنْ ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ كِبَرِهِمْ فَمُسْلِمُونَ (وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ قُتِلَ) بَعْدَ أَنْ يُسْتَتَابَ كَآبَائِهِمْ (وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ) الْوَلَدِ (الْحَادِثِ فِيهَا) أَيْ رِدَّةِ زَوْجَيْنِ لَحِقَا بِدَارٍ حَرْبٍ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وُلِدَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ وَلَيْسَ بِمُرْتَدٍّ نَصًّا (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُقَرَّ عَلَى كُفْرٍ بِجِزْيَةٍ) كَأَوْلَادِ الْحَرْبِيِّينَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي جَوَازِ الِاسْتِرْقَاقِ انْتَهَى. [فَصْلُ فِي السِّحْرِ] ِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ فَاعِلُهُ أَوْ يَكْتُبُهُ أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِ مَسْحُورٍ أَوْ قَلْبِهِ أَوْ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَهُ، وَلَهُ حَقِيقَةٌ فَمِنْهُ مَا يَقْتُلُ وَمِنْهُ مَا يُمْرِضُ وَمِنْهُ مَا يَأْخُذُ الرَّجُلَ عَنْ امْرَأَتِهِ فَيَمْنَعُهُ عَنْ وَطْئِهَا، وَمِنْهُ مَا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَا يُبَغِّضُ أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ وَيُحَبِّبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وَحَدِيثِ عَائِشَةَ

стр. 1730

«أَنَّ النَّبِيَّ سُحِرَ حَتَّى أَنَّهُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ» . . وَرُوِيَ مِنْ أَخْبَارِ السَّحَرَةِ مَا لَمْ يُمْكِنْ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إبْطَالُ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُ مَا يَأْتُونَ بِهِ، فَلَا يَنْتَهِي إلَى أَنْ تَسْعَى الْعَصَا وَالْحِبَالُ، وَيُحَرَّمُ تَعَلُّمُ السِّحْرِ وَتَعْلِيمُهُ (وَسَاحِرٌ يَرْكَبُ الْمَكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ وَنَحْوِهِ) كَمُدَّعِي أَنَّ الْكَوَاكِبَ تُخَاطِبُهُ (كَافِرٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢]- أَيْ مَا كَانَ سَاحِرًا كَفَرَ بِسِحْرِهِ - ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ: لَا تَتَعَلَّمْهُ فَتَكْفُرْ بِذَلِكَ (كَمُعْتَقِدٍ حِلَّهُ) لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَ (لَا) يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ (مَنْ سَحَرَ بِأَدْوِيَةٍ وَتَدْخِينٍ وَسَقْيٍ شَيْئًا يَضُرُّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعِصْمَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُزِيلُهَا (وَيُعَزَّرُ) سَاحِرٌ بِذَلِكَ (بَلِيغًا) لِيَنْكَفَّ هُوَ وَمِثْلُهُ عَنْهُ (وَلَا) يَكْفُرُ (مَنْ يُعَزِّمُ عَلَى الْجِنِّ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُهَا وَتُطِيعُهُ) وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي السَّحَرَةِ الَّذِينَ يُقْتَلُونَ (وَلَا) يَكْفُرُ (كَاهِنٌ) أَيْ: مَنْ لَهُ رِدْءٌ مِنْ الْجِنِّ يَأْتِيهِ بِالْأَخْبَارِ (وَلَا) يَكْفُرُ (عَرَّافٌ) أَيْ مِنْ يَحْدُسُ أَوْ يَتَخَرَّصُ (وَلَا) يَكْفُرُ (مُنَجِّمٌ) أَيْ: نَاظِرٌ فِي النُّجُومِ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى الْحَوَادِثِ فَإِنْ أَوْهَمَ قَوْمًا بِطَرِيقَتِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ. (وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرٌ كِتَابِيٌّ) نَصًّا (أَوْ) سَاحِرٌ (نَحْوُهُ) كَمَجُوسِيٍّ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا فَيُقْتَلُ قِصَاصًا، «لِأَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَقْتُلْهُ» ، وَلِأَنَّ كُفْرَهُ أَعْظَمُ مِنْ سِحْرِهِ وَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ، وَالْأَخْبَارُ فِي سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَفَرَ بِسِحْرِهِ (وَمُشَعْبِذٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ (وَقَائِلٍ بِزَجْرِ طَيْرٍ وَضَارِبٌ بِحَصًى أَوْ) ضَارِبٌ بِ (شَعِيرٍ وَ) ضَارِبٌ بِ (قِدَاحٍ) جَمْعُ قِدْحٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ: السَّهْمُ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ وَالنَّظَرُ فِي أَكْتَافِ الْأَلْوَاحِ (إنْ لَمْ يَعْتَقِدْ إبَاحَتَهُ) أَيْ: فَعَلَ مَا سَبَقَ (وَ) لَمْ يَعْتَقِدْ (أَنَّهُ يَعْلَمُ بِهِ الْأُمُورَ الْمُغَيَّبَةَ عُزِّرَ) لِفِعْلِهِ مَعْصِيَةً (وَيُكَفُّ عَنْهُ وَإِلَّا) بِأَنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ بِهِ الْأُمُورَ الْمُغَيَّبَةَ (كَفَرَ) فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (وَيَحْرُمُ طَلْسَمٌ) بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ (وَ) يَحْرُمُ (رُقْيَةٌ بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ) إنْ لَمْ يَعْرِفْ صِحَّةَ مَعْنَاهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبًّا وَكُفْرًا وَكَذَا يُحَرَّمَانِ بِاسْمِ كَوْكَبٍ وَمَا وُضِعَ عَلَى نَجْمٍ مِنْ صُورَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. (وَيَجُوزُ الْحَلُّ) أَيْ: حَلُّ السِّحْرِ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالْأَقْسَامِ وَالْكَلَامِ الَّذِي

стр. 1731

لَا بَأْسَ بِهِ. وَيَجُوزُ حَلُّهُ أَيْضًا (بِسِحْرٍ ضَرُورَةً) أَيْ: لِأَجَلِ الضَّرُورَةِ، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهُ وَسَأَلَهُ مُهَنَّا عَمَّنْ تَأْتِيهِ مَسْحُورَةً فَيُطْلِقُهُ عَنْهَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ. قَالَ الْخَلَّالُ: إنَّمَا كَرِهَ فِعَالَهُ وَلَا يَرَى بِهِ بَأْسًا كَمَا بَيَّنَهُ مُهَنَّا. (وَالْكُفَّارُ وَأَطْفَالُهُمْ) هُوَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بَدَلٌ مِنْ الْكُفَّارِ (وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ) أَيْ الْكُفَّارِ (مَجْنُونًا مَعَهُمْ) أَيْ الْكُفَّارِ أَيْ: آبَائِهِ (عَلَى النَّارِ) تَبَعًا لَهُمْ. وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْجَنَّةِ كَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ بَلَغَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ مَجْنُونًا. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تَكْلِيفَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لِلْأَخْبَارِ. (وَمَنْ وُلِدَ أَعْمَى أَبْكَمَ أَصَمَّ فَ) هُوَ (مَعَ أَبَوَيْهِ كَافِرَيْنِ) كَانَا (أَوْ مُسْلِمَيْنِ وَلَوْ أَسْلَمَا بَعْدَ مَا بَلَغَ) نَصًّا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُمَا، أَيْ: مَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ، وَمَنْ وُلِدَ أَعْمَى أَبْكَمَ أَصَمَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَى، قَالَهُ شَيْخُنَا وَذُكِرَ فِي الْفُنُونِ عَنْ أَصْحَابِنَا لَا يُعَاقَبُ وَمَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَتْ شَرْعًا نَصًّا، وَهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ وَيَجِبُ قَبْلَهَا النَّظَرُ لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ، فَهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ لِغَيْرِهِ وَلَا يَقَعَانِ ضَرُورَةً

стр. 1732

[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ] (وَاحِدُهَا طَعَامٌ، وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهْرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] (وَأَصْلُهَا الْحِلُّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] وَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥] (فَيَحِلُّ كُلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ) لَا نَجِسٍ أَوْ مُتَنَجِّسٍ (لَا مَضَرَّةَ فِيهِ) بِخِلَافِ نَحْوِ: سُمُومٍ (حَتَّى الْمِسْكِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا يُؤْكَلُ عَادَةً كَقِشْرِ بَيْضٍ وَقَرْنِ حَيَوَانٍ مُذَكًّى إذَا دُقَّا وَنَحْوِهِ (وَيَحْرُمُ نَجِسٌ كَدَمٍ وَمَيْتَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] (وَ) يَحْرُمُ (مُضِرٌّ كَسُمٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَالسُّمُّ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَلِذَا عُدَّ مُطْعِمُهُ لِغَيْرِهِ قَاتِلًا. وَفِي الْوَاضِحِ الْمَشْهُورُ أَنَّ السُّمَّ نَجِسٌ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِأَكْلِهِ ﷺ مِنْ الذِّرَاعِ الْمَسْمُومَةِ وَنَحْوِ السَّقَمُونْيَا وَالزَّعْفَرَانِ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ، وَيَجُوزُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ لِقِلَّةٍ أَوْ إضَافَةِ مَا يُصْلِحُهُ (وَ) يَحْرُمُ (مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ حُمُرٌ أَهْلِيَّةٌ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَفِيلٍ) قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ هُوَ مِنْ أَطْعِمَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ مَسْخٌ، وَلِأَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِهَا نَابًا، وَلِأَنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ فَيَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . (وَ) يَحْرُمُ (مَا يَفْتَرِسُ بِنَابِهِ) أَيْ يَنْهَشُ (كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَفَهْدٍ وَكَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ وَقِرْدٍ وَدُبٍّ وَنِمْسٍ وَابْنِ آوَى وَابْنِ عِرْسٍ وَسِنَّوْرٍ مُطْلَقًا) أَيْ: أَهْلِيًّا كَانَ أَوْ بَرِّيًّا، وَمِنْ أَنْوَاعِهِ التَّفَّة لِلْحَدِيثَيْنِ (وَثَعْلَبٌ وَسِنْجَابٌ وَسَمُّورٌ وَفَنَكٌ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالنُّونِ لِأَنَّهَا مِنْ السِّبَاعِ ذَوَاتِ النَّابِ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ (سِوَى ضَبُعٍ) لِعُمُومِ الرُّخْصَةِ فِيهِ عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ " مَا زَالَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُ الضَّبُعَ لَا تَرَى بِأَكْلِهِ بَأْسًا " وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَكْلِ الضَّبُعِ قُلْت هِيَ صَيْدٌ؟ قَالَ نَعَمْ.»

стр. 1733

احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. . وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تُؤَدِّي ذَلِكَ. وَرَوَى بَعْضَهَا أَبُو دَاوُد وَبَعْضَهَا التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَذَا يُخَصِّصُ النَّهْيَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ: وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟» فَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ يَرْوِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ يَنْفَرِدُ بِهِ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ لَكِنْ إنْ عُرِفَ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ فَكَالْجَلَّالَةِ. (وَ) يَحْرُمُ (مِنْ طَيْرٍ مَا يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ كَعُقَابٍ وَبَازٍ وَصَقْرٍ وَبَاشِقٍ وَشَاهِينِ وَحِدَأَةٍ وَبُومَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» وَحَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مَرْفُوعًا «حَرَامٌ عَلَيْكُمْ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطُّيُورِ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَهُوَ مُخَصِّصُ عُمُومَ الْآيَاتِ. (وَ) يَحْرُمُ مِنْ طَيْرٍ (مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ كَنِسْرٍ وَرَخَمٍ وَلَقْلَقٍ) طَائِرٌ نَحْوِ الْإِوَزَّة طَوِيلُ الْعُنُقِ يَأْكُلُ الْحَيَّاتِ (وَعَقْعَقٍ وَهُوَ الْقَاقُ) طَائِرٌ نَحْوُ الْحَمَامَةِ طَوِيلُ الذَّنَبِ فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ نَوْعٌ مِنْ الْغِرْبَانِ (وَغُرَابِ الْبَيْنِ وَالْأَبْقَعِ) قَالَ عُرْوَةُ وَمَنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسِقًا وَاَللَّهِ مَا هُوَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ. وَلِأَنَّهُ ﷺ أَبَاحَ قَتْلَ الْغُرَابِ بِالْحَرَمِ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مَأْكُولٍ فِي الْحَرَمِ. (وَ) يَحْرُمُ كُلُّ (مَا تَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ ذَوُو الْيَسَارِ) وَهُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ لِأَنَّهُمْ أُولُو النُّهَى وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْكِتَابُ وَخُوطِبُوا بِهِ وَبِالسُّنَّةِ فَرَجَعَ فِي مُطْلَقِ أَلْفَاظِهِمَا إلَى عُرْفِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ بِخِلَافِ الْجُفَاةِ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي لِأَنَّهُمْ - لِلْمَجَاعَةِ - يَأْكُلُونَ كُلَّ مَا وَجَدُوهُ (كَوَطْوَاطٍ وَيُسَمَّى خُفَّاشًا وَخُشَافًا) قَالَ أَحْمَدُ وَمَنْ يَأْكُلُ الْخُشَافَ؟ (وَفَأْرٍ) لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مَأْكُولٍ فِي الْحَرَمِ (وَزُنْبُورٍ وَنَحْلٍ وَذُبَابٍ وَنَحْوِهَا) كَفَرَاشٍ لِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ غَيْرُ مُسْتَطَابَةٍ وَلِحَدِيثِ " إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ " حَيْثُ أَمَرَ بِطَرْحِهِ وَلَوْ جَازَ أَكْلُهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِطَرْحِهِ وَهُدْهُدٍ وَصُرَدٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ النَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ»

стр. 1734

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالصُّرَدُ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ طَائِرٌ ضَخْمُ الرَّأْسِ يَصْطَادُ الْعَصَافِيرَ وَهُوَ أَوَّلُ طَائِرٍ صَامَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْجَمْعُ صِرْدَانُ بِكَسْرِ الصَّادِ كَجُرْذٍ وَجُرْذَانٍ وَهُوَ الْفَأْرَةُ أَوْ الذَّكَرُ مِنْهَا (وَغُدَافٍ) وَهُوَ غُرَابُ الْغَيْطِ (وَخُطَّافٍ) طَائِرٌ أَسْوَدُ مَعْرُوفٌ (وَقُنْفُذٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «ذُكِرَ الْقُنْفُذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ هُوَ خَبِيثَةٌ مِنْ الْخَبَائِثِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمِثْلُهُ النَّيْصُ (وَحَيَّةٍ وَحَشَرَاتٍ) كَدِيدَانٍ وَجِعْلَانٍ وَبَنَاتِ وَرْدَانِ وَخَنَافِسَ وَوَزَغٍ وَحِرْبَاءَ وَعَقْرَبٍ وَجُرْدَانَ وَخُلْدٍ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الْكَلِمَةِ وَهِيَ دُوَيْبَّةٌ سَوْدَاءُ كَالسَّمَكَةِ تَسْكُنُ الْبَرَّ إذَا رَأَتْ الْإِنْسَانَ غَابَتْ فَهِيَ حَرَامٌ. (وَ) يَحْرُمُ (كُلُّ مَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِقَتْلِهِ) كَالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ (أَوْ نَهَى عَنْهُ) أَيْ: قَتْلِهِ وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَ) يَحْرُمُ (مَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ كَبَغْلٍ) مُتَوَلِّدٍ مِنْ خَيْلٍ وَحُمُرٍ أَهْلِيَّةٍ وَكَحِمَارٍ مُتَوَلِّدٍ بَيْنَ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ وَوَحْشِيٍّ. (وَ) كَ (سِمْعٍ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (وَلَدِ ضَبُعٍ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَضَمِّ الْبَاءِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا وَجَمْعُهُ ضِبَاعٌ (مِنْ ذِئْبٍ وَعِسْبَارٍ وَلَدِ ذِئْبَةٍ مِنْ ضِبْعَانِ) بِكَسْرِ الضَّادِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَجَمْعُهُ ضُبَاعِينَ كَمَسَاكِينَ ذَكَرُ الضُّبَاعِ فَهُوَ عَكْسُ السِّمْعِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تَمَيَّزَ كَحَيَوَانٍ مِنْ نَعْجَةٍ وَكَلْبٍ نِصْفُهُ خَرُوفٌ وَنِصْفُهُ كَلْبٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ وَعُلِمَ مِنْهُ حِلُّ بَغْلٍ تَوَلَّدَ بَيْنَ خَيْلٍ وَحُمُرٍ وَحْشِيَّةٍ وَنَحْوِهِ (وَمَا يَجْهَلُهُ الْعَرَبُ) مِنْ الْحَيَوَانِ (وَلَا ذُكِرَ فِي الشَّرْعِ يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ) بِالْحِجَازِ فَإِنْ أَشْبَهَ مُحَرَّمًا أَوْ حَلَالًا أُلْحِقَ بِهِ (وَلَوْ أَشْبَهَ) حَيَوَانًا (مُبَاحًا) وَحَيَوَانًا (مُحَرَّمًا غُلِّبَ التَّحْرِيمُ) احْتِيَاطًا لِحَدِيثِ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» وَقَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ شَيْءٍ اُشْتُبِهَ عَلَيْكَ فَدَعْهُ وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ شَيْئًا بِالْحِجَازِ فَمُبَاحٌ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَابْنُ عَبَّاسٍ مَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ (وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ طَاهِرٍ كَذُبَابِ بَاقِلَّا وَدُودِ خَلٍّ وَنَحْوِهِمَا) كَدُودِ جُبْنٍ وَنَبْقٍ (يُؤْكَلُ) جَوَازًا (تَبَعًا لَا أَصْلًا) أَيْ: لَا مُنْفَرِدًا وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الْبَاقِلَاءِ الْمُدَوِّدَةِ تَجَنُّبُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ لَمْ يَتَقَذَّرْهُ فَأَرْجُو، وَقَالَ عَنْ تَفْتِيشِ التَّمْرِ الْمُدَوَّدِ لَا بَأْسَ بِهِ (وَمَا أَحَدُ أَبَوَيْهِ الْمَأْكُولَيْنِ مَغْصُوبٌ فَكَأُمِّهِ) فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَغْصُوبَةً لَمْ تَحِلَّ هِيَ وَلَا شَيْءَ مِنْ أَوْلَادِهَا لِغَاصِبٍ وَإِنْ كَانَ

стр. 1735

الْمَغْصُوبُ الْفَحْلَ وَالْأُمُّ مِلْكٌ لِلْغَاصِبِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَوْلَادِهَا. [فَصْلٌ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ] فَصْلٌ وَيُبَاحُ مَا عَدَا هَذَا الْمُتَقَدِّمَ تَحْرِيمُهُ لِعُمُومِ نُصُوصِ الْإِبَاحَةِ (كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] (وَالْخَيْلِ) كُلِّهَا عِرَابِهَا وَبَرَاذِينِهَا نَصًّا وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَقَالَتْ أَسْمَاءُ «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ خَالِدٍ مَرْفُوعًا «حَرَامٌ عَلَيْكُمْ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةِ وَخَيْلُهَا وَبِغَالُهَا» فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ جَيِّدٌ (وَ) كَ (بَاقِي الْوَحْشِ كَزَرَافَةٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَضَمِّهَا دَابَّةٌ تُشْبِهُ الْبَعِيرَ لَكِنَّ عُنُقَهَا أَطْوَلُ مِنْ عُنُقِهِ وَجِسْمَهَا أَلْطَفُ مِنْ جِسْمِهِ وَيَدَاهَا أَطْوَلُ مِنْ رِجْلَيْهَا لِعُمُومِ النُّصُوصِ الْمُبِيحَةِ وَاسْتِطَابَتِهَا. (وَ) كَ (أَرْنَبٍ) أَكَلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ «أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا فَأَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إلَى أَبِي طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ بِوَرِكِهَا أَوْ قَالَ فَخِذِهَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَوَبْرٍ) لِأَنَّهَا تُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ وَمُسْتَطَابٍ يَأْكُلُ النَّبَاتَ كَالْأَرْنَبِ (وَيَرْبُوعٍ) نَصًّا لِحُكْمِ عُمَرَ فِيهِ بِجَفْرَةٍ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ (وَبَقَرِ وَحْشٍ) عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا كَأَيْلٍ وثيتل وَوَعَلٍ وَمَهَا (وَحُمُرِهِ) أَيْ: الْوَحْشِ (وَضَبٍّ) رُوِيَ حِلُّهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ «كُنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَأَنْ يُهْدَى إلَى أَحَدِنَا ضَبٌّ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ دَجَاجَةٍ وَأَكَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَظِبَاءٍ) وَهِيَ الْغِزْلَانُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا لِأَنَّهَا تُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ. (وَبَاقِي الطَّيْرِ كَنَعَامٍ وَدَجَاجٍ وَطَاوُوسٍ وَبَبَّغَاءَ) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ (وَهِيَ الدُّرَّةُ وَزَاغٍ) طَائِرٌ صَغِيرٌ أَغْبَرُ (وَغُرَابِ زَرْعٍ) يَطِيرُ مَعَ الزَّاغِ يَأْكُلُ الزَّرْعَ أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلِ لِأَنَّ مَرْعَاهُمَا الزَّرْعُ أَشْبَهَا الْحَجَلَ وَكَالْحَمَامِ بِأَنْوَاعِهِ مِنْ فَوَاخِتَ وَقَمَارِيٍّ وَجَوَازِلَ وَرَقَطِيٍّ وَدُقَاسٍ وَحَجَلٍ وَقَطَا وَحُبَارَى قَالَ سَفِينَةُ «أَكَلْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُبَارَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَعَصَافِيرَ وَقَنَابِرَ وَكَرْكِيٍّ وَبَطٍّ وَإِوَزٍّ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يَلْتَقِطُ الْحَبَّ أَوْ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ لِأَنَّ أَكْلَهُ مُسْتَطَابٌ فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (وَيَحِلُّ كُلُّ حَيَوَانٍ

стр. 1736

بَحْرِيٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] وَقَوْلِهِ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ (غَيْرَ ضُفْدَعٍ) فَيَحْرُمُ نَصًّا وَاحْتُجَّ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِ وَلِاسْتِخْبَاثِهَا فَتَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (وَ) غَيْرَ (حَيَّةٍ) لِأَنَّهَا مِنْ الْمُسْتَخْبَثَاتِ (وَ) غَيْرَ (تِمْسَاحٍ) نَصًّا لِأَنَّ لَهُ نَابًا يَفْتَرِسُ بِهِ وَيُؤْكَلُ الْقِرْشُ كَخِنْزِيرِ الْمَاءِ وَكَلْبِهِ وَإِنْسَانِهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ " أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَكِبَ عَلَى سَرْجٍ عَلَيْهِ مِنْ جُلُودِ كَلْبِ الْمَاءِ " (وَتَحْرُمُ الْجَلَّالَةُ الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا نَجَاسَةٌ وَ) يَحْرُمُ (لَبَنُهَا وَبَيْضُهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَنَهَى عَنْ رُكُوبِ جَلَّالَةِ الْإِبِلِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شُرْبِ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَبَيْضُهَا كَلَبَنِهَا لِتَوَلُّدِهِ مِنْهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ لَمْ تَحْرُمْ وَلَا لَبَنُهَا وَلَا بَيْضُهَا (حَتَّى تُحْبَسَ ثَلَاثًا) مِنْ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَرَادَ أَكْلَهَا يَحْبِسُهَا ثَلَاثًا (وَتُطْعَمُ الطَّاهِرَ فَقَطْ) لِزَوَالِ مَانِعِ حِلِّهَا (وَيُكْرَهُ رُكُوبُهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُبَاحُ أَنْ يَعْلِفَ النَّجَاسَةَ مَا لَا يُذْبَحُ) قَرِيبًا (أَوْ) لَا (يَحْلِبُ قَرِيبًا) نَصًّا لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهَا فِي الْمَرْعَى عَلَى اخْتِيَارِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا تَعْلِفُ النَّجَاسَةَ قَالَهُ شَارِحُ الْمُحَرَّرِ (وَمَا سُقِيَ) مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ بِنَجِسٍ (أَوْ سُمِّدَ) أَيْ جُعِلَ فِيهِ السَّمَادُ أَيْ السِّرْجِينُ بِرَمَادٍ (بِنَجِسٍ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ مُحَرَّمٌ) نَصًّا لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كُنَّا نُكْرِي أَرَاضِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا بِعُذْرَةِ النَّاسِ» وَلَوْلَا تَأْثِيرُ ذَلِكَ لِمَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ وَلِأَنَّهُ تَتَرَبَّى أَجْزَاؤُهُ بِالنَّجَاسَةِ كَالْجَلَّالَةِ وَقَوْلُهُ أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا أَيْ: يَسْرِقُوهَا (حَتَّى يُسْقَى) الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ (بَعْدَهُ) أَيْ: النَّجَسِ الَّذِي سُقِيَهُ أَوْ سُمِّدَ بِهِ (بِ) مَاءٍ (طَاهِرٍ) أَيْ: طَهُورٍ (يَسْتَهْلِكُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ) فَيَطْهُرُ وَيَحِلُّ كَالْجَلَّالَةِ إذَا حُبِسَتْ وَأُطْعِمَتْ الطَّاهِرَاتِ (وَيُكْرَهُ أَكْلُ تُرَابٍ وَفَحْمٍ وَطِينٍ) لَا يُتَدَاوَى بِهِ لِضَرَرِهِ نَصًّا بِخِلَافِ الْأَرْمِنِيِّ لِلدَّوَاءِ (وَ) أَكْلُ (غُدَّةٍ وَأُذُنِ قَلْبٍ) نَصًّا قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْلَ الْغُدَّةِ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أُذُنِ الْقَلْبِ (وَ) يُكْرَهُ أَكْلُ (بَصَلٍ وَثُومٍ وَنَحْوِهِمَا) كَكُرَّاثٍ وَفُجْلٍ (مَا لَمْ

стр. 1737

يُنْضَجْ بِطَبْخٍ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَا يُعْجِبُنِي وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ كَرِهَهُ لِمَكَانِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ (وَ) يُكْرَهُ أَكْلُ (حَبٍّ دِيسَ بِحُمُرٍ) أَهْلِيَّةٍ نَصًّا وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَدُوسُوهُ بِهَا وَقَالَ حَرْبٌ كَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى، وَلَا يُؤْكَلُ حَتَّى يُغْسَلَ (وَ) يُكْرَهُ (مُدَاوَمَةُ أَكْلِ لَحْمٍ) لِأَنَّهُ يُورِثُ قَسْوَةً (وَ) يُكْرَهُ (مَاءُ بِئْرٍ بَيْنَ قُبُورٍ وَبَقْلُهَا وَشَوْكِهَا) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ كَمَاءٍ سُمِّدَ بِنَجَسٍ وَالْجَلَّالَةِ وَ (لَا) يُكْرَهُ (لَحْمٌ نِيءٌ وَمُنْتِنٍ) نَصًّا وَيَحْرُمُ تِرْيَاقٌ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْحَيَّاتِ أَوْ الْحُمُرِ وَتَدَاوٍ بِأَلْبَانِ حُمُرٍ وَكُلُّ مُحَرَّمٍ غَيْرُ بَوْلِ إبِلٍ وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْجُبْنِ فَقَالَ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَقِيلَ لَهُ عَنْ الْجُبْنِ الَّذِي تَصْنَعُهُ الْمَجُوسِ فَقَالَ مَا أَدْرِي وَذَكَرَ أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ " أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجُبْنِ وَقِيلَ لَهُ يُعْمَلُ فِيهِ إنْفَحَةُ الْمَيْتَةِ فَقَالَ سَمُّوا اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا ". [فَصْلٌ اُضْطُرَّ بِأَنْ خَافَ التَّلَفَ إنْ لَمْ يَأْكُلْ] . نَقَلَ حَنْبَلٌ إذَا عَلِمَ أَنَّ النَّفْسَ تَكَادُ تَتْلَفُ. وَفِي الْمُنْتَخَبِ أَوْ مَرَضًا أَوْ انْقِطَاعًا عَنْ الرُّفْقَةِ أَيْ: بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ فَيَهْلِكُ كَمَا فِي الرِّعَايَةِ (أَكَلَ وُجُوبًا) نَصًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] قَالَ مَسْرُوقٌ مَنْ اُضْطُرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ (مِنْ غَيْرِ سُمٍّ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يَضُرُّ (مِنْ مُحَرَّمٍ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) أَيْ: بَقِيَّةُ رُوحِهِ أَوْ قُوَّتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] (فَقَطْ) أَيْ: لَا يَزِيدُ عَلَى مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ فَلَيْسَ لَهُ الشِّبَعُ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَاسْتَثْنَى مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ فَإِذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ لَمْ تَحِلَّ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ (إنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَفَرٍ مُحَرَّمٍ) كَسَفَرٍ لِقَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ (وَلَمْ يَتُبْ فَلَا) أَيْ: فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ مَيْتَةٍ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ أَكْلَهَا رُخْصَةٌ وَالْعَاصِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] (وَلَهُ) أَيْ الْمُضْطَرِّ فِي غَيْرِ سَفَرٍ مُحَرَّمٍ (التَّزَوُّدُ إنْ خَافَ) الْحَاجَةَ إنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ كَجَوَازِ التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ إنْ خَافَ عَطَشًا بِاسْتِعْمَالِهِ وَأَوْلَى (وَيَجِبُ) عَلَى مُضْطَرٍّ (تَقْدِيمُ السُّؤَالِ عَلَى أَكْلِهِ) الْمُحَرَّمَ نَصًّا وَقَالَ لِلسَّائِلِ قُمْ قَائِمًا لِيَكُونَ لَكَ عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ

стр. 1738

إنْ اُضْطُرَّ إلَى الْمَسْأَلَةِ فَهِيَ مُبَاحَةٌ فَإِنْ تَوَقَّفَ قَالَ مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَمُوتُ مِنْ الْجُوعِ اللَّهُ يَأْتِيهِ بِرِزْقِهِ (وَإِنْ وَجَدَ) مُضْطَرٌّ (مَيْتَةً وَطَعَامًا مَا يَجْهَلُ مَالِكَهُ) قَدَّمَ الْمَيْتَةَ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ لِحَقِّ اللَّهِ. وَفِي الِاخْتِيَارَاتِ إنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ إلَى رَبِّهِ بِعَيْنِهِ كَالْمَغْصُوبِ وَالْأَمَانَاتِ لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا قَدَّمَ أَكْلَهُ عَلَى الْمَيْتَةِ (أَوْ) وَجَدَ مُضْطَرٌّ مُحَرَّمًا (مَيْتَةً وَصَيْدًا حَيًّا أَوْ) وَجَدَ مَيْتَةً وَ (بَيْضَ صَيْدٍ سَلِيمًا) أَيْ الْبَيْضَ (وَهُوَ مُحَرَّمٌ قَدَّمَ الْمَيْتَةَ) لِأَنَّ فِيهَا جِنَايَةً وَاحِدَةً وَهِيَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا (وَيُقَدِّمُ) مُضْطَرٌّ (عَلَيْهَا) أَيْ: الْمَيْتَةِ (لَحْمَ صَيْدٍ ذَبَحَهُ مُحْرِمٍ) خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَيَتَمَيَّزُ ذَبْحُ الْمُحَرَّمِ بِالِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهِ مُذَكًّى (وَيُقَدِّمُ) مُضْطَرٌّ مُحَرَّمًا (عَلَى صَيْدٍ حَيٍّ طَعَامًا يَجْهَلُ مَالِكَهُ) إنْ لَمْ يَجِدْ مَيْتَةً بِشَرْطِ ضَمَانِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُبَاحُ لَهُ فِي حَالِ بَيْعِ مَالِكِهِ لَهُ وَنَحْوِهِ فَهُوَ أَخَفُّ حُكْمًا مِنْ الصَّيْدِ إذْ لَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَالٍ (وَيُقَدِّمُ مُضْطَرٌّ مُطْلَقًا) مُحْرِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (مَيْتَةً مُخْتَلَفًا فِيهَا) كَمَتْرُوكَةِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أَوْ ثَعْلَبٍ ذُبِحَ (عَلَى) مَيْتَةٍ (مُجْمَعٍ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا مُبَاحَةٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ) فَهِيَ أَحَقُّ (وَيَتَحَرَّى) مُضْطَرٌّ (فِي مُذَكَّاةٍ اشْتَبَهَتْ بِمَيْتَةٍ) لِأَنَّهُ غَايَةُ مَقْدُورِهِ حَيْثُ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَيَكُفُّ عَنْهُمَا قَادِرٌ عَلَى غَيْرِهِمَا حَتَّى يَعْلَمَ الْمُذَكَّاةَ (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ) مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ (إلَّا طَعَامَ غَيْرِهِ فَرَبُّهُ الْمُضْطَرُّ أَوْ الْخَائِفُ أَنْ يُضْطَرَّ أَحَقُّ بِهِ) لِمُسَاوَاتِهِ الْآخَرِ فِي الِاضْطِرَارِ وَانْفِرَادِهِ بِالْمِلْكِ أَشْبَهَ غَيْرَ حَالَةِ الِاضْطِرَارِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: رَبِّ الطَّعَامِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ (إيثَارُهُ) أَيْ: غَيْرِهِ بِهِ لِئَلَّا يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ. وَفِي الْهَدْيِ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ يَجُوزُ وَإِنَّهُ غَايَةُ الْجُودِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وَلِقَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي فُتُوحِ الشَّامِ وَعُدَّ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِهِمْ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَلَعَلَّهُ لِعِلْمِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ (وَإِلَّا) يَكُنْ رَبُّ الطَّعَامِ مُضْطَرًّا وَلَا خَائِفًا أَنْ يُضْطَرَّ (لَزِمَهُ) أَيْ: رَبَّ الطَّعَامِ (بَذْلُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ) أَيْ: الْمُضْطَرِّ (فَقَطْ) لِأَنَّهُ إنْقَاذٌ لِمَعْصُومٍ مِنْ الْهَلَكَةِ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَالْحَرِيقِ (بِقِيمَتِهِ) أَيْ: الطَّعَامِ نَصًّا لَا مَجَّانًا (وَلَوْ فِي ذِمَّةِ مُعْسِرٍ) لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ (فَإِنْ أَبَى) رَبُّ الطَّعَامِ بَذْلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْهُ بِقِيمَتِهِ (أَخَذُهُ) مُضْطَرٌّ (بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ ثُمَّ) إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ بِالْأَسْهَلِ أَخَذَهُ مِنْهُ (قَهْرًا) لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ مَالِكِهِ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ (وَيُعْطِيهِ عِوَضَهُ) أَيْ:

стр. 1739

مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَوَاتُ الْعَيْنِ وَالْبَدَلِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ مُتَقَوِّمٍ (يَوْمَ أَخْذِهِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ تَلَفِهِ (فَإِنْ مَنَعَهُ) رَبُّ الطَّعَامِ مِنْ أَخْذِهِ بِعِوَضِهِ (فَلَهُ) أَيْ: الْمُضْطَرِّ (قِتَالُهُ عَلَيْهِ) لِكَوْنِهِ صَارَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ وَهُوَ يَمْنَعُهُ (فَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ ضَمِنَهُ رَبُّ الطَّعَامِ) لِقَتْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ (بِخِلَافِ عَكْسِهِ) بِأَنْ قُتِلَ رَبُّ الطَّعَامِ فَلَا يَضْمَنُهُ الْمُضْطَرُّ أَشْبَهَ الصَّائِلَ (وَإِنْ مَنَعَهُ) أَيْ: الطَّعَامَ مِنْ الْمُضْطَرِّ رَبُّهُ (إلَّا بِمَا فَوْقَ الْقِيمَةِ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بِذَلِكَ) الَّذِي طَلَبَهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ (كَرَاهَةَ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمَا دَمٌ أَوْ عَجْزًا عَنْ قِتَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: الْمُضْطَرَّ (إلَّا الْقِيمَةُ) لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ بِالْبَدَلِ وَالزَّائِدِ أُكْرِهَ عَلَى الْتِزَامِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ رَجَعَ بِهِ (وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْعَطْشَانِ وَ) كَانَ (عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقِيَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَ) كَانَ (لَهُ طَلَبُ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وَمَتَى وَجَدَ مُضْطَرٌّ مَنْ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيه لَمْ يُبَحْ لَهُ الِامْتِنَاعُ وَلَا الْعُدُولُ إلَى الْمَيْتَةِ إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يُسَمَّ فِيهِ أَوْ كَانَ الطَّعَامُ مِمَّا يَضُرُّ أَكْلُهُ وَإِذَا اشْتَدَّتْ الْمَخْمَصَةُ فِي سَنَةِ مَجَاعَةٍ وَعِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ قَدْرُ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ فَقَطْ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُ شَيْءٍ مِنْهُ لِلْمُضْطَرِّينَ وَلَيْسَ لَهُمْ أَخْذُهُ مِنْهُ كَرْهًا لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ الضَّرُورَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْدَفِعَ عَنْ الْمُضْطَرِّينَ وَكَذَا إنْ كَانَ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ فَقَطْ كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ إنْجَاءُ غَرِيقٍ بِتَغْرِيقِ نَفْسِهِ (وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى نَفْعِ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) أَيْ: الْمَالِ كَثِيَابٍ لِدَفْعِ بَرْدٍ وَمَقْدَحَةِ وَنَحْوِهَا وَدَلْوٍ وَحَبْلٍ لِاسْتَقَاءَ مَاءٍ (وَجَبَ) عَلَى رَبِّ الْمَالِ (بَذْلُهُ) لِمَنْ اُضْطُرَّ لِنَفْعِهِ (مَجَّانًا) بِلَا عِوَضٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ عَلَى مَنْعِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] وَمَا لَا يَجِبُ بَذْلُهُ لَا يُذَمُّ عَلَى مَنْعِهِ وَمَا وَجَبَ فِعْلُهُ لَا يَقِفُ عَلَى بَذْلِ الْعِوَضِ بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ فَلِرَبِّهَا مَنْعُهَا بِدُونِ عِوَضٍ وَلَا يُذَمُّ عَلَى ذَلِكَ وَمَحَلُّ وُجُوبِ بَذْلِ نَحْوِ مَاعُونٍ (مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ) أَيْ: رَبِّهِ (إلَيْهِ) فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِتَمَيُّزِهِ بِالْمِلْكِ (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ) مِنْ مُضْطَرِّينَ (إلَّا آدَمِيًّا مُبَاحَ الدَّمِ كَحَرْبِيٍّ وَزَانٍ مُحْصَنٍ) وَمُرْتَدٍّ (فَلَهُ قَتْلُهُ وَأَكْلُهُ) لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ أَشْبَهَ السِّبَاعَ وَكَذَا إنْ وَجَدَهُ مَيْتًا وَ (لَا) يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ (أَكْلُ مَعْصُومٍ مَيِّتٍ) وَلَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ كَالْحَيِّ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحُرْمَةِ لِحَدِيثِ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» وَسَوَاءٌ

стр. 1740

كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ (عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ نَفْسِهِ) لِأَنَّهُ إتْلَافُ مَوْجُودٍ لِتَحْصِيلِ مَوْهُومٍ وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ مَعْصُومٍ وَأَكْلُهُ وَإِتْلَافُ عُضْوٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْمُضْطَرِّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إبْقَاءُ نَفْسِهِ بِإِتْلَافِ مِثْلِهِ. [فَصْلٌ مَرَّ بِثَمَرَةِ بُسْتَانٍ لَا حَائِطَ عَلَيْهِ وَلَا نَاظِرَ لَهُ] فَصْلٌ وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرَةِ بُسْتَانٍ لَا حَائِطَ عَلَيْهِ وَلَا نَاظِرَ لَهُ أَيْ: حَارِسَ (فَلَهُ أَكْلٌ) مِنْهَا سَاقِطَةً كَانَتْ أَوْ بِشَجَرِهَا (وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ) إلَى أَكْلِهَا (مَجَّانًا) بِلَا عِوَضٍ عَمَّا يَأْكُلُهُ لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي زَيْنَبَ التَّمِيمِيُّ قَالَ: " سَافَرْت مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي بَرْزَةَ فَكَانُوا يَمُرُّونَ بِالثِّمَارِ فَيَأْكُلُونَ فِي أَفْوَاهِهِمْ " وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عُمَرُ يَأْكُلُ وَلَا يَتَّخِذُ خُبْنَةً وَهُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ التَّحْتِيَّةِ وَبَعْدَهَا نُونٌ مَا يَحْمِلُهُ فِي حِضْنِهِ وَكَوْنُ سَعْدٍ أَبَى الْأَكْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ غِنًى عَنْهُ أَوْ تَوَرُّعًا فَإِنْ كَانَ الْبُسْتَانُ مَحُوطًا لَمْ يَجُزْ الدُّخُولُ إلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ فَهُوَ حِرْزٌ فَلَا تَأْكُلْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ فَلَا بَأْسَ وَكَذَا إنْ كَانَ ثَمَّ حَارِسٌ لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى شُحِّ صَاحِبِهِ بِهِ وَعَدَمِ الْمُسَامَحَةِ وَ (لَا) يَجُوزُ (صُعُودُ شَجَرِهِ) أَيْ الثَّمَرِ (وَلَا ضَرْبُهُ أَوْ رَمْيُهُ بِشَيْءٍ) نَصًّا وَلَوْ كَانَ الْبُسْتَانُ غَيْرَ مَحُوطٍ وَلَا حَارِسَ لِحَدِيثِ الْأَثْرَمِ «وَكُلْ مَا وَقَعَ أَشْبَعَكَ اللَّهُ وَأَرْوَاكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ الضَّرْبَ وَالرَّمْيَ يُفْسِدُ الثَّمَرَ (وَلَا يَحْمِلُ) مِنْ الثَّمَرِ مُطْلَقًا كَغَيْرِهِ لِقَوْلِ عُمَرَ وَلَا تَتَّخِذْ خُبْنَةً (وَلَا يَأْكُلُ) أَحَدٌ (مِنْ) ثَمَرٍ (مُجْنًى مَجْمُوعٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ) بِأَنْ كَانَ مُضْطَرًّا كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّعَامِ (وَكَذَا) أَيْ: كَثَمَرَةِ الشَّجَرِ (زَرْعٌ قَائِمٌ) لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِأَكْلِ الْفَرِيكِ. (وَ) كَذَا (شُرْبُ لَبَنِ مَاشِيَةٍ) لِحَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا فَلْيَسْتَحْلِبْ وَيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ (وَأَلْحَقَ جَمَاعَةٌ) وَهُوَ الْمُوَفَّقُ وَمَنْ تَابَعَهُ (بِذَلِكَ) الزَّرْعِ الْقَائِمِ (بَاقِلَّا وَحِمْصًا أَخْضَرَيْنِ) وَشَبَهَهُمَا مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا. قَالَ (الْمُنَقِّحُ وَهُوَ قَوِيٌّ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ. وَهُوَ حَسَنٌ

стр. 1741

بِخِلَافِ شَعِيرٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَمْ تَجْرِ عَادَةٌ بِأَكْلِهِ. (وَيَلْزَمُ مُسْلِمًا) لَا ذِمِّيًّا لِمَفْهُومِ حَدِيثِ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ» (ضِيَافَةُ مُسْلِمٍ) لَا ذِمِّيٍّ (مُسَافِرٍ) لَا مُقِيمٍ (فِي قَرْيَةٍ) لَا مِصْرٍ (يَوْمًا وَلَيْلَةً قَدْرَ كِفَايَتِهِ مَعَ أُدْمٍ) لِحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ. قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُؤْثِمَهُ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَقْرِيهِ» وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الضِّيَافَةُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْأَخْذِ وَاخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِ وَبِالْمُسَافِرِ لِقَوْلِ عُقْبَةَ إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ وَبِأَهْلِ الْقُرَى لِقَوْلِهِ: بِقَوْمٍ. وَالْقَوْمُ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْجَمَاعَاتِ دُونَ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَلِأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إلَى الضِّيَافَةِ وَالْإِيوَاءِ لِبُعْدِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِخِلَافِ الْمِصْرِ فَفِيهِ السُّوقُ وَالْمَسَاجِدُ. (وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ (إنْزَالُهُ) أَيْ: الضَّيْفِ (بِبَيْتِهِ مَعَ عَدَمِ مَسْجِدٍ وَغَيْرِهِ) كَخَانٍ وَرِبَاطٍ يَنْزِلُ فِيهِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْإِيوَاءِ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (فَإِنْ أَبَى) الْمُضِيفُ الضِّيَافَةَ (فَلِلضَّيْفِ طَلَبُهُ بِهِ) أَيْ: بِمَا وَجَبَ لَهُ (عِنْدَ الْحَاكِمِ) لِحَدِيثِ الْمِقْدَادِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى ضَيْفٍ مَنَعَهُ مُضِيفٌ حَقَّهُ طَلَبُهُ عِنْدَ حَاكِمٍ (جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِهِ) بِقَدْرِ مَا وَجَبَ لَهُ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ (وَتُسْتَحَبُّ) الضِّيَافَةُ (ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا وَالْمُرَادُ يَوْمَانِ مَعَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ (وَمَا زَادَ) عَلَيْهَا (فَ) هُوَ (صَدَقَةٌ) لِحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ (وَلَيْسَ لِضِيفَانٍ قِسْمَةُ طَعَامٍ قُدِّمَ لَهُمْ) لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ لَا تَمْلِيكٌ وَلِلضَّيْفِ الشُّرْبُ مِنْ إنَاءِ رَبِّ الْبَيْتِ وَالِاتِّكَاءُ عَلَى وِسَادَةٍ وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ بِمِرْحَاضِهِ بِلَا إذْنِهِ لَفْظًا كَطَرْقِ بَابِهِ وَحَلَقَتِهِ (وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَ) هُوَ (مُبْتَدِعٌ) مَذْمُومٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] فَإِنْ كَانَ لِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ كَطَيِّبٍ فِيهِ شُبْهَةٌ أَوْ عَلَيْهِ فِيهِ كُلْفَةٌ فَلَا بِدَعَ (وَمَا نُقِلَ) أَيْ: نَقَلَهُ وُعَّاظُ الْعِرَاقِ (عَنْ) إمَامِنَا (أَحْمَدَ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ) أَكْلِ

стр. 1742

(الْبِطِّيخِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِكَيْفِيَّةِ أَكْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْبِطِّيخِ (فَكَذِبٌ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَحْمَدَ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. [بَابُ الذَّكَاةِ] وَهِيَ تَمَامُ الشَّيْءِ وَمِنْهُ الذَّكَاةُ فِي السِّنِّ أَيْ: تَمَامِهِ سُمِّيَ الذَّبْحُ ذَكَاةً لِأَنَّهُ إتْمَامُ الزُّهُوقِ وَأَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] أَيْ: أَدْرَكْتُمُوهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ فَأَتْمَمْتُمُوهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الذَّبْحِ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ جُرْحٍ سَابِقٍ أَوْ ابْتِدَاءٍ ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ يُقَالُ ذَكَّى الشَّاةَ وَنَحْوَهَا تَذْكِيَةً أَيْ: ذَبَحَهَا وَالِاسْمُ الذَّكَاةُ وَالْمَذْبُوحُ ذَكِيٌّ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ (وَهِيَ) أَيْ: الذَّكَاةُ شَرْعًا (ذَبْحُ) حَيَوَانٍ (أَوْ نَحْرُ حَيَوَانٍ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مُبَاحٌ أَكْلُهُ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ لَا جَرَادٌ وَنَحْوُهُ) كَالدُّبَّاءِ (بِقَطْعِ حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ أَوْ عَقْرُ مُمْتَنِعٍ) لِأَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَمَا لَمْ يُذَكَّ فَهُوَ مَيْتَةٌ فَذَبْحُ نَحْوِ كَلْبٍ وَسَبُعٍ لَا يُسَمَّى ذَكَاةً. (وَيُبَاحُ جَرَادٌ وَنَحْوُهُ) بِدُونِهَا (وَ) يُبَاحُ (سَمَكٌ وَمَا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ بِدُونِهَا) أَيْ الذَّكَاةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَسَوَاءٌ مَاتَ الْجَرَادُ بِسَبَبٍ كَكَبْسِهِ وَتَغْرِيقِهِ أَوْ لَا، وَلَا بَيْنَ الطَّافِي مِنْ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ مَا صَادَهُ مَجُوسِيٌّ مِنْ سَمَكٍ وَجَرَادٍ وَصَادَهُ غَيْرُهُ. وَ (لَا) يُبَاحُ (مَا يَعِيشُ فِيهِ) أَيْ الْمَاءِ (وَفِي بَرٍّ) كَسُلَحْفَاةٍ وَكَلْبِ مَاءٍ (إلَّا بِهَا) أَيْ: الذَّكَاةِ قَالَ أَحْمَدُ كَلْبُ الْمَاءِ نَذْبَحُهُ وَلَا أَرَى بَأْسًا بِالسُّلَحْفَاةِ إذَا ذُبِحَ إلْحَاقًا لِذَلِكَ بِحَيَوَانِ الْبَرِّ لِكَوْنِهِ يَعِيشُ فِيهِ احْتِيَاطًا. (وَيَحْرُمُ بَلْعُ سَمَكٍ حَيًّا) ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ إجْمَاعًا (وَكُرِهَ شَيُّهُ) أَيْ السَّمَكِ (حَيًّا) لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لَهُ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يَمُوتُ بِسُرْعَةٍ (لَا) شَيُّ (جَرَادٍ) حَيًّا لِأَنَّهُ لَا يَمُوتُ فِي الْحَالِ وَفِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كَعْبًا كَانَ مُحْرِمًا فَمَرَّتْ بِهِ رِجْلُ جَرَادٍ فَنَسِيَ وَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ فَأَلْقَاهُمَا فِي النَّارِ فَشَوَاهُمَا وَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ تَرْكَهَا فِي النَّارِ وَيَجُوزُ أَكْلُ سَمَكٍ وَجَرَادٍ فِيهَا بِأَنْ يُلْقَى أَوْ يُشْوَى بِلَا شَقِّ بَطْنٍ كَدُودِ فَاكِهَةٍ تَبَعًا. (وَشُرُوطُ) صِحَّةِ (ذَكَاةٍ) ذَبْحًا كَانَتْ أَوْ نَحْرًا أَوْ عَقْرَ الْمُمْتَنِعِ (أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا كَوْنُ فَاعِلٍ) لِذَبْحٍ أَوْ نَحْرٍ أَوْ

стр. 1743

عَقْرٍ (عَاقِلًا لِيَصِحَّ) مِنْهُ (قَصْدُ التَّذْكِيَةِ) فَلَا يُبَاحُ مَا ذَكَّاهُ مَجْنُونٌ أَوْ طِفْلٌ لَمْ يُمَيِّزْ لِأَنَّهُمَا لَا قَصْدَ لَهُمَا كَمَا لَوْ ضَرَبَ إنْسَانٌ بِسَيْفٍ فَقَطَعَ عُنُقَ شَاةٍ. وَلِأَنَّ الذَّكَاةَ أَمْرٌ يُعْتَبَرُ لَهُ الدِّينُ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعَقْلُ كَالْغُسْلِ فَتَصِحُّ ذَكَاةُ عَاقِلٍ (وَلَوْ) كَانَ (مُعْتَدِيًا) كَغَاصِبٍ فَيُبَاحُ مَغْصُوبٌ ذَكَّاهُ غَاصِبُهُ أَوْ غَيْرُهُ لِرَبِّهِ وَغَيْرُهُ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ نَصًّا (أَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا) بِأَنْ أَكْرَهَ مَالِكٌ عَاقِلًا عَلَى ذَكَاةٍ نَحْوِ شَاتِهِ فَذَكَّاهَا أَوْ أُكْرِهَ رَبُّهَا عَلَى ذَلِكَ فَفَعَلَهُ (أَوْ) كَانَ (مُمَيِّزًا) فَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ كَالْبَالِغِ (أَوْ) كَانَ (قِنًّا) فَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ كَالْحُرِّ (أَوْ) كَانَ (أُنْثَى) وَلَوْ حَائِضًا (أَوْ) كَانَ (جُنُبًا) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ أُرْسِلَ إلَيْهِ فَأَمَرَ مَنْ سَأَلَهُ وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فَفِيهِ إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالْأَمَةِ وَالْحَائِضِ وَالْجُنُبِ. لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْ عَنْهَا وَفِيهِ أَيْضًا إبَاحَةُ الذَّبْحِ بِالْحَجَرِ وَمَا خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَحِلُّ مَا يَذْبَحُهُ غَيْرُ مَالِكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِبَاحَةُ ذَبْحِهِ عِنْدَ خَوْفِهِ عَلَيْهِ الْمَوْتَ. وَكَذَا حِلُّ ذَكَاةِ الْأَقْلَفِ وَالْفَاسِقِ (أَوْ) كَانَ (كِتَابِيًّا وَلَوْ حَرْبِيًّا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ " وَمَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (أَوْ) كَانَ الْكِتَابِيُّ (مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَ (لَا) تَحِلُّ ذَبِيحَةُ (مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ غَيْرَ كِتَابِيٍّ) تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ (وَلَا) ذَبِيحَةُ (وَثَنِيٍّ وَلَا مَجُوسِيٍّ وَلَا زِنْدِيقٍ وَلَا مُرْتَدٍّ) لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ الْمَجُوسِ الْجِزْيَةُ ; لِأَنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ تَقْتَضِي تَحْرِيمَ دِمَائِهِمْ فَلَمَّا غُلِّبَ التَّحْرِيمُ فِيهَا غُلِّبَ عَدَمُ الْكِتَابِ فِي تَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ احْتِيَاطًا لِلتَّحْرِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ (وَلَا) تَحِلُّ ذَبِيحَةُ (سَكْرَانٍ) لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ (فَلَوْ احْتَكَّ) حَيَوَانٌ (مَأْكُولٌ بِمُحَدَّدٍ بِيَدِهِ) أَيْ: السَّكْرَانِ أَوْ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّذْكِيَةَ فَانْقَطَعَ بِانْحِكَاكِهِ حُلْقُومُهُ وَمَرِيئُهُ (لَمْ يَحِلَّ) لِعَدَمِ قَصْدِ التَّذْكِيَةِ وَ (لَا) يُعْتَبَرُ فِي التَّذْكِيَةِ (قَصْدُ الْأَكْلِ) اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ التَّذْكِيَةِ لِتَضَمُّنِهَا إيَّاهَا. الشَّرْطُ (الثَّانِي الْآلَةُ) بِأَنْ يَذْبَحَ أَوْ يَنْحَرَ بِمُحَدَّدٍ يَقْطَعُ أَيْ: يَنْهَرُ الدَّمُ بِحَدِّهِ (فَتَحِلُّ) الذَّكَاةُ (بِكُلِّ مُحَدَّدٍ حَتَّى حَجَرٍ وَقَصَبٍ

стр. 1744

وَخَشَبٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَعَظْمٍ غَيْرَ سِنٍّ وَظُفُرٍ) نَصًّا لِحَدِيثِ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ (وَلَوْ) كَانَ الْمُحَدَّدُ (مَغْصُوبًا) لِعُمُومِ الْخَبَرِ. الشَّرْطُ (الثَّالِثُ قَطْعُ حُلْقُومٍ) أَيْ: مَجْرَى النَّفَسِ (وَمَرِيءٍ) بِالْمَدِّ أَيْ: مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَطْعُ فَوْقَ الْغَلْصَمَةِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ النَّاتِئُ مِنْ الْحَلْقِ أَوْ دُونَهَا وَ (لَا) يُعْتَبَرُ قَطْعُ (شَيْءٍ غَيْرِهِمَا) لِأَنَّهُ قَطْعٌ فِي مَحَلِّ الذَّبْحِ مَا لَا يَعِيشُ الْحَيَوَانُ مَعَ قَطْعِهِ أَشْبَهَ قَطْعَهُمَا مَعَ الْوَدَجَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ (وَلَا) يُشْتَرَطُ (إبَانَتُهُمَا) أَيْ: الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ بِالْقَطْعِ (وَلَا يَضُرُّ رَفْعُ يَدِهِ) أَيْ: الذَّابِحِ (إنْ أَتَمَّ الذَّكَاةَ عَلَى الْفَوْرِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَرْفَعْهُمَا فَإِنْ تَرَاخَى وَوَصَلَ الْحَيَوَانُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَأَتَمَّهَا لَمْ يَحِلَّ (وَالسُّنَّةُ نَحْرُ إبِلٍ بِطَعْنٍ بِمُحَدَّدٍ فِي لَبَّتِهَا) وَهِيَ الْوَهْدَةُ بَيْنَ أَصْلِ الصَّدْرِ وَالْعُنُقِ (وَ) السُّنَّةُ (ذَبْحُ غَيْرِهَا) أَيْ: الْإِبِلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وَقَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] وَثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ بَدَنَةً وَضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَمَنْ عَكَسَ) أَيْ: ذَبَحَ الْإِبِلَ وَنَحَرَ غَيْرَهَا (أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ لِحَدِيثِ «أَنْهِرْ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ» وَقَالَتْ أَسْمَاءُ «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ» وَعَنْ عَائِشَةَ «نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً» (وَذَكَاةُ مَا عُجِزَ عَنْهُ كَوَاقِعٍ فِي بِئْرٍ وَمُتَوَحِّشٍ بِجَرْحِهِ حَيْثُ كَانَ) أَيْ: فِي أَيْ: مَوْضِعٍ أَمْكَنَ جَرْحُهُ فِيهِ مِنْ بَدَنِهِ. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ. قَالَ «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَدَّ بَعِيرٌ وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرُ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ كَذَا» . وَفِي لَفْظٍ " فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاعْتِبَارُ الْحَيَوَانِ بِحَالِ الذَّكَاةِ لَا بِأَصْلِهِ بِدَلِيلِ الْوَحْشِيِّ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ وَالْمُتَرَدِّي إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَذْكِيَتِهِ يُشْبِهُ الْوَحْشِيَّ فِي الْعَجْزِ عَنْ تَذْكِيَتِهِ (فَإِنْ أَعَانَهُ) أَيْ: الْجَارِحَ عَلَى قَتْلِهِ (غَيْرُهُ كَكَوْنِ رَأْسِهِ) أَيْ: الْوَاقِعِ فِي نَحْوِ بِئْرٍ (بِمَاءٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يَقْتُلُ لَوْ انْفَرَدَ (لَمْ يَحِلَّ) لِحُصُولِ قَتْلِهِ بِمُبِيحٍ وَحَاظِرٍ فَغُلِّبَ الْحَظْرُ كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فِي ذَبْحِهِ (وَمَا ذُبِحَ مِنْ قَفَاهُ وَلَوْ عَمْدًا إنْ أَتَتْ الْآلَةُ) الَّتِي ذُبِحَ

стр. 1745

بِهَا مِنْ نَحْوِ سِكِّينٍ (عَلَى مَحَلِّ ذَبْحِهِ) أَيْ: الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ (وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَلَّ) لِبَقَاءِ الْحَيَاةِ مَعَ الْجَرْحِ فِي الْقَفَا وَإِنْ كَانَ غَائِرًا مَا لَمْ يَقْطَعْ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَكَأَكِيلَةِ السَّبُعِ إذَا أُدْرِكْت وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَذُبِحَتْ حَلَّتْ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعِيشُ مَعَ ذَلِكَ غَالِبًا (وَإِلَّا) تَأْتِ الْآلَةُ عَلَى مَحَلِّ الذَّبْحِ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ (فَلَا) يَحِلُّ وَتُعْتَبَرُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ بِالْحَرَكَةِ الْقَوِيَّةِ. فَإِنْ شُكَّ هَلْ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَبْلَ قَطْعِ حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ؟ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ بَقَاء ذَلِكَ لِحِدَّةِ الْآلَةِ وَسُرْعَةِ الْقَطْعِ حَلَّ وَإِنْ كَانَتْ الْآلَةُ كَالَّةً وَأَبْطَأَ قَطْعُهُ وَطَالَ تَعْذِيبُهُ لَمْ يُبَحْ. (وَلَوْ أَبَانَ رَأْسَهُ) أَيْ: الْمَأْكُولِ مُرِيدًا بِذَلِكَ تَذْكِيَتَهُ (حَلَّ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَةِ وَجْهِهِ أَوْ قَفَاهُ أَوْ غَيْرِهِمَا لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِيمَنْ ضَرَبَ وَجْهَ ثَوْرٍ بِالسَّيْفِ تِلْكَ ذَكَاةٌ وَأَفْتَى بِأَكْلِهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا. وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ قَطْعُ مَا لَا تَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ مَعَ الذَّبْحِ (وَ) حَيَوَانٌ (مُلْتَوٍ عُنُقُهُ كَمَعْجُوزٍ عَنْهُ) لِلْعَجْزِ عَنْ الذَّبْحِ فِي مَحَلِّهِ كَالْمُتَرَدِّيَةِ فِي بِئْرٍ (وَمَا أَصَابَهُ سَبَبُ الْمَوْتِ) مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ (مِنْ مُنْخَنِقَةٍ) الَّتِي تُخْنَقُ فِي حَلْقِهَا (وَمَوْقُوذَةٍ) أَيْ: مَضْرُوبَةٍ حَتَّى تُشْرِفَ عَلَى الْمَوْتِ (وَمُتَرَدِّيَةٍ) أَيْ: وَاقِعَةٍ مِنْ عُلْوٍ كَجَبَلٍ وَحَائِطٍ وَسَاقِطَةٍ فِي نَحْوِ بِئْرٍ (وَنَطِيحَةٍ) بِأَنْ نَطَحَتْهَا نَحْوُ بَقَرَةٍ (وَأَكِيلَةِ سَبُعٍ) أَيْ: حَيَوَانٍ مُفْتَرِسٍ بِأَنْ أَكَلَ بَعْضَهَا نَحْوُ نَمِرٍ أَوْ ذِئْبٍ (وَمَرِيضَةٍ وَمَا صِيدَ بِشَبَكَةٍ أَوْ شَرَكٍ أَوْ أُحْبُولَةٍ أَوْ فَخٍّ) فَأَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَصِلْ إلَى حَدٍّ لَا يَعِيشُ مَعَهُ (أَوْ أَنْقَذَهُ) أَيْ: حَيَوَانٌ (مِنْ مُهْلِكَةٍ) وَلَمْ يَصِلْ إلَى مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ (فَذَكَّاهُ وَحَيَاتُهُ تُمْكِنُ زِيَادَتُهَا عَلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ حَلَّ) أَكْلُهُ. وَلَوْ انْتَهَى قَبْلَ الذَّبْحِ إلَى حَالٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ مَعَهُ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ تَحَرُّكِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] مَعَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَسْبَابٌ لِلْمَوْتِ (وَالِاحْتِيَاطُ) أَنْ لَا يُؤْكَلَ مَا ذُبِحَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا (مَعَ تَحَرُّكِهِ وَلَوْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ طَرْفِ عَيْنٍ أَوْ مَصْعِ ذَنَبٍ) أَيْ: تَحَرُّكِهِ وَضَرْبِ الْأَرْضِ بِهِ (وَنَحْوِهِ) كَتَحْرِيكِ أُذُنِهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ صَاحِبِ الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ (وَمَنْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُقَارِبُ الْحَرَكَةَ الْمَعْهُودَةَ فِي الذَّبْحِ الْمُعْتَادِ بَعْدَ ذَبْحِهِ دَلَّ عَلَى إمْكَانِ الزِّيَادَةِ قَبْلَهُ) فَيَحِلُّ نَصًّا وَمَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا حَرَكَةُ الْمَذْبُوحِ لَا يَحِلُّ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: وَعِنْدِي أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ مَا ظُنَّ بَقَاؤُهَا زِيَادَةً عَلَى أَمَدِ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ سِوَى أَمَدِ الذَّبْحِ (وَمَا قُطِعَ حُلْقُومُهُ أَوْ أُبِينَتْ حَشْوَتُهُ وَنَحْوُهَا) مِمَّا لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ (فَوُجُودُ حَيَاتِهِ

стр. 1746

كَعَدَمِهَا) فَلَا يَحِلُّ بِذَكَاةٍ. الشَّرْطُ (الرَّابِعُ قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ عِنْدَ حَرَكَةِ يَدِهِ) أَيْ: الذَّابِحِ (بِذَبْحٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَالْفِسْقُ الْحَرَامُ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: وَعِنْدَ الذَّبْحِ قَرِيبًا مِنْهُ وَلَوْ فَصَلَ بِكَلَامٍ كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَاخْتُصَّ بِلَفْظِ اللَّهِ لِأَنَّ إطْلَاقَ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ. (وَيُجْزِي) أَنْ يُسَمِّيَ (بِغَيْرِ عَرَبِيَّةٍ وَلَوْ أَحْسَنَهَا) أَيْ: الْعَرَبِيَّةَ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيَاسُهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ وَالسَّلَامِ. فَإِنَّ الْمَقْصُودَ لَفْظُهُ. (وَ) يُجْزِي (أَنْ يُشِيرَ أَخْرَسُ) بِالتَّسْمِيَةِ بِرَأْسِهِ أَوْ طَرَفِهِ إلَى السَّمَاءِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ نُطْقِ النَّاطِقِ (وَيُسَنُّ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ قَوْلِ بِسْمِ اللَّهِ (التَّكْبِيرُ) لِمَا ثَبَتَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا ذَبَحَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُ أَكْبَرُ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُهُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ قَوْلَ بِسْمِ اللَّهِ يُجْزِيهِ وَ (لَا) يُسَنُّ (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الذَّبْحِ لِأَنَّهَا لَمْ تَرِدْ وَلَا تَلِيقُ بِالْمَقَامِ كَزِيَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وَمَنْ بَدَا لَهُ ذَبْحُ غَيْرِ مَا سَمَّى عَلَيْهِ) بِأَنْ سَمَّى عَلَى شَاةٍ مَثَلًا ثُمَّ أَرَادَ ذَبْحَ غَيْرِهَا (أَعَادَ التَّسْمِيَةَ) فَإِنْ ذَبَحَ الثَّانِيَةَ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَمْ تَحِلَّ سَوَاءٌ أَرْسَلَ الْأُولَى أَوْ ذَبَحَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الثَّانِيَةَ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ (وَتَسْقُطُ) التَّسْمِيَةُ (سَهْوًا لَا جَهْلًا) لِحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ» أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ وَلِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعَمْدِ جَمْعًا بَيْنَ الْإِخْبَارِ. وَمَتَى لَمْ يُعْلَمْ هَلْ سَمَّى الذَّابِحُ أَوْ لَا فَالذَّبِيحَةُ حَلَالٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمًا حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرُوا قَالَ سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَيَضْمَنُ أَجِيرٌ تَرَكَهَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ (إنْ حَرُمَتْ) بِأَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا قَالَ فِي النَّوَادِرِ لِغَيْرِ شَافِعِيٍّ لِحِلِّهَا لَهُ. وَفِي الْفُرُوعِ يَتَوَجَّهُ تَضْمِينُهُ النَّقْصَ إنْ حَلَّتْ (وَمَنْ ذَكَرَ) عِنْدَ الذَّبْحِ (مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى اسْمَ غَيْرِهِ حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ شِرْكٌ (وَلَمْ تَحِلَّ) الذَّبِيحَةُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ. [فَصْلٌ ذَكَاةُ الْجَنِينِ] فَصْلٌ وَذَكَاةُ جَنِينٍ مُبَاحٍ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُحَرَّمِ كَجَنِينِ فَرَسٍ مِنْ حِمَارٍ أَهْلِيٍّ وَجَنِينِ ضَبُعٍ مِنْ ذِئْبٍ (خَرَجَ) مِنْ

стр. 1747

بَطْنِ أُمِّهِ الْمُذَكَّاةِ (مَيِّتًا أَوْ مُتَحَرِّكًا كَ) حَرَكَةِ (مَذْبُوحٍ أَشْعَرَ) أَيْ: نَبَتَ شَعْرُ الْجَنِينِ (أَوْ لَا بِتَذْكِيَةِ أُمِّهِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَلِاتِّصَالِ الْجَنِينِ بِأُمِّهِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ يَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا أَشْبَهَ أَعْضَاءَهَا (وَاسْتَحَبَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) ﵀ (ذَبْحَهُ) لِيَخْرُجَ دَمُهُ (وَلَمْ يُبَحْ) جَنِينٌ خَرَجَ (مَعَ حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ إلَّا بِذَبْحِهِ) نَصًّا لِأَنَّهُ نَفْسٌ أُخْرَى وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ بِحَيَاتِهِ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ ذَكَاةُ أُمِّهِ فِيهِ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ. وَالنَّصْبُ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ عَلَى مَعْنَى ذَكَاةِ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ الرَّفْعِ الْمَشْهُورَةِ (لَا يُؤَثِّرُ) جَنِينٌ (مُحَرَّمُ) الْأَكْلِ (كَسَبُعٍ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ) الْمُبَاحَةِ وَهِيَ الضَّبُعُ، لِأَنَّهُ تَبَعٌ فَلَا يَمْنَعُ حِلَّ مَتْبُوعِهِ (وَمَنْ وَجَأَ بَطْنَ أُمِّ جَنِينٍ) بِمُحَدَّدٍ (مُسَمِّيًا فَأَصَابَ مَذْبَحَهُ) أَيْ: الْجَنِينِ (فَهُوَ مُذَكًّى) لِوُجُودِ الذَّكَاةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ (وَالْأُمُّ مَيِّتَةٌ) لِفَوَاتِ شَرْطِ الذَّكَاةِ وَهُوَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مَعَ الْقُدْرَةِ. [فَصْلٌ الذَّبْحُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ] وَيُكْرَهُ الذَّبْحُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ لِحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّ الذَّبْحَ بِالْكَالَّةِ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ (وَ) كُرِهَ (حَدُّهَا) أَيْ الْآلَةِ (وَالْحَيَوَانُ يَرَاهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ تُحَدَّ الشِّفَارُ وَأَنْ تُوَارَى عَنْ الْبَهَائِمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ (وَ) كُرِهَ (سَلْخُهُ) أَيْ الْحَيَوَانِ الْمَذْبُوحِ (أَوْ كَسْرُ عُنُقِهِ قَبْلَ زُهُوقِ نَفْسِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُدَيْلُ بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى بِكَلِمَاتٍ مِنْهَا: لَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ أَنْ تُزْهَقَ وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَكَسْرُ الْعُنُقِ إعْجَالٌ لِزُهُوقِ الرُّوحِ، وَفِي مَعْنَاهُ السَّلْخُ وَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي حِلِّهَا لِتَمَامِ الذَّكَاةِ بِالذَّبْحِ (وَ) كُرِهَ (نَفْخُ لَحْمٍ يُبَاعُ) لِأَنَّهُ غِشٌّ (وَسُنَّ تَوْجِيهُهُ) أَيْ الْمُذَكَّى بِجَعْلِ وَجْهِهِ (لِلْقِبْلَةِ) فَإِنْ كَانَ

стр. 1748

لِغَيْرِهَا حَلَّ وَلَوْ عَمْدًا وَسُنَّ كَوْنُهُ (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَرِفْقٌ بِهِ وَحَمْلٌ عَلَى الْآلَةِ بِقُوَّةٍ وَإِسْرَاعٌ بِالشَّحْطِ) أَيْ: الْقَطْعِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» (وَمَا ذُبِحَ فَغَرِقَ) عِنْدَ ذَبْحِهِ (أَوْ تَرَدَّى مِنْ عُلْوٍ) كَجَبَلٍ أَوْ حَائِطٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ بِخِلَافِ طَائِرٍ (أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَقْتُلُ مِثْلُهُ لَمْ يَحِلَّ) لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ يُعِينُ عَلَى زُهُوقِ رُوحِهِ فَيَحْصُلُ الزُّهُوقُ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ وَسَبَبٍ مُحَرَّمٍ، فَغُلِّبَ التَّحْرِيمُ. وَقَالَ الْأَكْثَرُ يَحِلُّ (وَإِنْ ذَبَحَ كِتَابِيٌّ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ يَقِينًا كَذِي الظُّفُرِ) أَيْ: مَا لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الْأَصَابِعِ مِنْ إبِلٍ وَنَعَامَةٍ وَبَطٍّ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا لِوُجُودِ الذَّكَاةِ وَقَصْدُهُ حِلَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ (أَوْ) ذَبَحَ كِتَابِيٌّ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ (ظَنًّا فَكَانَ) كَمَا ظَنَّ (أَوْ لَا) أَيْ: أَوْ لَمْ يَكُنْ كَمَا ظَنَّ (كَحَالِ الرِّئَةِ) وَهُوَ أَنَّ الْيَهُودَ إذَا وَجَدُوا رِئَةَ الْمَذْبُوحِ لَاصِقَةً بِالْأَضْلَاعِ امْتَنَعُوا عَنْ أَكْلِهِ زَاعِمِينَ التَّحْرِيمَ، وَيُسَمُّونَهَا اللَّازِقَةَ، وَإِنْ وَجَدُوهَا غَيْرَ لَاصِقَةٍ بِالْأَضْلَاعِ أَكَلُوهَا (وَنَحْوِهِ) مِمَّا يَرَى الْكِتَابِيُّ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) ذَبَحَ كِتَابِيٌّ (لِعِيدِهِ أَوْ لِيَتَقَرَّبَ بِهِ إلَى شَيْءٍ يُعَظِّمُهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْنَا إذَا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ) نَصًّا لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ طَعَامِهِمْ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَلِقَصْدِهِ الذَّكَاةَ وَحِلِّ ذَبِيحَتِهِ فَإِنْ ذَكَرَ عَلَيْهَا غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ أَوْ مَعَ اسْمِهِ تَعَالَى لَمْ يَحِلَّ لِأَنَّهُ أَهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ (وَإِنْ ذَبَحَ) كِتَابِيٌّ (مَا يَحِلُّ لَهُ) مِنْ الْحَيَوَانِ كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْنَا الشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ وَهِيَ شَحْمُ الثَّرْبِ) بِوَزْنِ فَلْسٍ أَيْ: الشَّحْمُ الرَّقِيقُ الَّذِي يُغَشِّي الْكَرِشَ وَالْأَمْعَاءَ (وَ) شَحْمُ (الْكُلْيَتَيْنِ) وَاحِدُهَا كُلْيَةٌ أَوْ كُلْوَةٌ بِضَمِّ الْكَافِ فِيهِمَا وَالْجَمْعُ كُلْيَاتٌ وَكُلًى وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وَإِنَّمَا يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ الشَّحْمَانِ (كَذَبْحِ حَنَفِيٍّ حَيَوَانًا) مَأْكُولًا (فَيَبِينُ حَامِلًا) فَيَحِلُّ لَنَا جَنِينُهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً بِغَيْرِ ذَكَاةٍ مَعَ اعْتِقَادِ الْحَنَفِيِّ تَحْرِيمَهُ (وَنَحْوِهِ) كَذَبْحِ مَالِكِيٍّ فَرَسًا مُسَمِّيًا فَتَحِلُّ لَنَا، وَإِنْ اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَهَا (وَيَحْرُمُ عَلَيْنَا إطْعَامُهُمْ) أَيْ: الْيَهُودِ (شَحْمًا) مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ (مِنْ ذَبِيحَتِنَا لِبَقَاءِ تَحْرِيمِهِ) عَلَيْهِمْ نَصًّا لِثُبُوتِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ بِنَصٍّ كِتَابِنَا فَإِطْعَامُهُمْ مِنْهُ حَمْلٌ لَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ كَإِطْعَامٍ مُسْلِمٍ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ (وَتَحِلُّ ذَبِيحَتُنَا لَهُمْ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ تَحْرِيمَهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] (وَيَحِلُّ) حَيَوَانٌ (مَذْبُوحٌ مَنْبُوذٌ بِمَحَلٍّ

стр. 1749

يَحِلُّ ذَبْحُ أَكْثَرَ أَهْلِهِ) بِأَنْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُسْلِمِينَ أَوْ كِتَابِيِّينَ (وَلَوْ جُهِلَتْ تَسْمِيَةُ ذَابِحٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ. وَتَقَدَّمَ وَتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى كُلِّ ذَابِحٍ لِيُعْلَمَ هَلْ سَمَّى أَوْ لَا (وَيَحِلُّ مَا وُجِدَ بِبَطْنِ سَمَكٍ أَوْ) بِبَطْنِ (مَأْكُولٍ مُذَكًّى أَوْ) وُجِدَ (بِحَوْصَلَتِهِ أَوْ فِي رَوْثِهِ مِنْ سَمَكٍ وَجَرَادٍ وَحَبٍّ) أَمَّا السَّمَكُ وَالْجَرَادُ فَلِحَدِيثِ «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ» الْخَبَرَ وَأَمَّا الْحَبُّ، فَلِأَنَّهُ طَعَامٌ طَاهِرٌ وُجِدَ فِي مَحَلٍّ طَاهِرٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وُجِدَ مُلْقًى (وَيَحْرُمُ بَوْلُ) حَيَوَانٍ (طَاهِرٍ) مَأْكُولٍ (كَرَوْثٍ) أَيْ: كَمَا يَحْرُمُ رَوْثُهُ كَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ رَجِيعٌ مُسْتَخْبَثٌ وَتَقَدَّمَ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِبَوْلِ إبِلٍ لِلْخَبَرِ. وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ الذَّبِيحُ عَلَى الصَّحِيحِ:

стр. 1750

[كِتَابُ الصَّيْدِ] وَهُوَ مَصْدَرُ صَادَ يَصِيدُ. وَشَرْعًا (اقْتِنَاصُ حَيَوَانٍ حَلَالٍ مُسْتَوْحَشٍ طَبْعًا غَيْرِ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ) وَلَا مَمْلُوكٍ فَاقْتِنَاصُ نَحْوِ ذِئْبٍ وَنَمِرٍ وَمَا نَدَّ مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ. وَمَا تَأَهَّلَ مِنْ نَحْوِ غِزْلَانٍ أَوْ مُلِكَ مِنْهَا لَيْسَ صَيْدًا (وَالْمُرَادُ بِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ (هُنَا الْمَصْيُودُ وَهُوَ حَيَوَانٌ مُقْتَنَصٌ) بِفَتْحِ النُّونِ يَعْنِي اسْمَ مَفْعُولٍ (حَلَالٌ إلَى آخِرِ الْحَدِّ) أَيْ: مُتَوَحِّشَةٌ طَبْعًا غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ ; وَلَا مَمْلُوكٍ وَهُوَ مُبَاحٌ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وَقَوْلُهُ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا بِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَخْبِرْنِي مَاذَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيُبَاحُ) الصَّيْدُ (لِقَاصِدِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى (وَيُكْرَهُ) الصَّيْدُ (لَهْوًا) لِأَنَّهُ عَبَثٌ، فَإِنْ ظُلِمَ النَّاسُ فِيهِ بِالْعُدْوَانِ عَلَى زُرُوعِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَحَرَامٌ. (وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ (أَفْضَلُ مَأْكُولٍ) لِأَنَّهُ مِنْ اكْتِسَابِ الْحَلَالِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ (وَالزِّرَاعَةُ أَفْضَلُ مُكْتَسَبٍ) لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ لِخَبَرِ «لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَأَفْضَلُ الْمَعَاشِ التِّجَارَةُ (وَأَفْضَلُ التِّجَارَةِ التِّجَارَةُ

стр. 1751

فِي بَزٍّ وَعِطْرٍ وَزَرْعٍ وَغَرْسٍ وَمَاشِيَةٍ وَأَبْغَضُهَا فِي رَقِيقٍ وَحِرَفٍ) لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِيهِمَا (وَأَفْضَلُ الصِّنَاعَةِ خِيَاطَةٌ وَنَصَّ) أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ (إنَّ كُلَّ مَا نُصِحَ فِيهِ فَ) هُوَ (حَسَنٌ) قَالَ الْمَرُّوذِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى لُزُومِ الصَّنْعَةِ لِلْخَبَرِ. قَالَ أَحْمَدُ لَمْ أَرَ مِثْلَ الْغِنَى عَنْ النَّاسِ وَقَالَ فِي قَوْمٍ لَا يَعْمَلُونَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ: هَؤُلَاءِ مُبْتَدِعَةٌ (وَأَرْدَؤُهَا) أَيْ: الصِّنَاعَةِ (حِيَاكَةٌ وَحِجَامَةٌ وَنَحْوُهُمَا) كَقُمَامَةِ وَزُبَالَةٍ وَدَبْغٍ. وَفِي الْحَدِيثِ «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» (وَأَشَدُّهَا) أَيْ: الصَّنَائِعِ (كَرَاهَةً صَبْغٌ وَصِيَاغَةٌ وَحِدَادَةٌ وَنَحْوُهَا) كَجِزَارَةِ لِمَا يَدْخُلُهَا مِنْ الْغِشِّ وَمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ مَعَ إمْكَانِ مَا هُوَ أَصْلَحُ مِنْهَا وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (وَمَنْ أَدْرَكَ) صَيْدًا (مَجْرُوحًا مُتَحَرِّكًا فَوْقَ حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ، وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ لِتَذْكِيَتِهِ لَمْ يُبَحْ إلَّا بِهَا) أَيْ: بِتَذْكِيَتِهِ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ وَفِي حُكْمِ الْحَيِّ حَتَّى (وَلَوْ خَشَى مَوْتَهُ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يُذَكِّيهِ بِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ مَعَ وُجُودِ آلَتِهَا، فَكَذَا مَعَ عَدَمِهَا كَسَائِرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ (وَإِنْ امْتَنَعَ) صَيْدٌ جُرِحَ (بِعَدْوِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ حَتَّى مَاتَ تَعَبًا فَ) هُوَ (حَلَالٌ) بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَذْكِيَتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَهُ مَيْتًا وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ، لَا يَحِلُّ لِأَنَّ الْإِتْعَابَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ كَمَا لَوْ تَرَدَّى فِي مَاءٍ بَعْدَ جُرْحِهِ (وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ لَهَا) أَيْ: لِتَذْكِيَتِهِ (فَكَمَيِّتٍ) يَحِلُّ (بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ أَحَدُهَا كَوْنُ صَائِدٍ أَهْلًا لِذَكَاةٍ) أَيْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالصَّائِدُ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكِّي. (وَلَوْ) كَانَ الصَّائِدُ (أَعْمَى) فَيَحِلُّ صَيْدُهُ كَذَكَاتِهِ (فَلَا يَحِلُّ صَيْدٌ) يَفْتَقِرُ إلَى ذَكَاةٍ بِخِلَافِ سَمَكٍ وَجَرَادٍ (شَارَكَ فِي قَتْلِهِ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ كَمَجُوسِيٍّ وَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَهُ) أَيْ: بَيْنَ مَجُوسِيٍّ (وَبَيْنَ كِتَابِيٍّ وَلَوْ) قَتَلَهُ (بِجَارِحَةٍ حَتَّى وَلَوْ أَسْلَمَ) الْمَجُوسِيُّ وَنَحْوُهُ (بَعْدَ إرْسَالِهِ) أَيْ: الْجَارِحِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْإِرْسَالِ، وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ سَبَبُ إبَاحَةٍ وَسَبَبُ تَحْرِيمٍ فَغُلِّبَ التَّحْرِيمُ (وَإِنْ لَمْ يُصِبْ مَقْتَلَهُ) أَيْ: الصَّيْدِ إلَّا (أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ جَارِحَيْ الْمُسْلِمُ وَنَحْوَ الْمَجُوسِيُّ (عَمِلَ بِهِ) فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَ مَقْتَلَهُ جَارِحٌ مَنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ حَلَّ وَبِالْعَكْسِ لَا يَحِلُّ (وَلَوْ أَثْخَنَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ (كَلْبُ مُسْلِمٍ ثُمَّ قَتَلَهُ كَلْبُ مَجُوسِيٍّ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَرُمَ) الصَّيْدُ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ: الْمَجُوسِيُّ (لَهُ) أَيْ: لِلْمُسْلِمِ بِقِيمَتِهِ مَجْرُوحًا ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ

стр. 1752

عَلَيْهِ. (وَإِنْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ) لِصَيْدٍ (فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ فَزَادَ عَدْوُهُ) بِزَجْرِ الْمَجُوسِيِّ لَهُ فَقَتَلَ صَيْدًا حَلَّ لِأَنَّ الصَّائِدَ هُوَ الْمُسْلِمُ (أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى كَلْبِ مُسْلِمٍ (كَلْبُ مَجُوسِيٍّ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ) كَلْبُ الْمُسْلِمِ حَلَّ لِانْفِرَادِ جَارِحِ الْمُسْلِمِ بِقَتْلِهِ كَمَا لَوْ أَمْسَكَ مَجُوسِيٌّ شَاةٌ فَذَبَحَهَا مُسْلِمٌ (أَوْ ذَبَحَ) مُسْلِمٌ (مَا) أَيْ صَيْدًا (أَمْسَكَهُ لَهُ مَجُوسِيٌّ بِكَلْبِهِ وَقَدْ جَرَحَهُ) كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ جُرْحًا (غَيْرَ مُوحٍ) حَلَّ لِحُصُولِ ذَكَاتِهِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ الْمُسْلِمِ (أَوْ ارْتَدَّ) مُسْلِمٌ بَيْنَ رَمْيِهِ وَإِصَابَةِ سَهْمِهِ (أَوْ مَاتَ) الْمُسْلِمُ (بَيْنَ رَمْيِهِ وَإِصَابَتِهِ حَلَّ) الصَّيْدُ اعْتِبَارًا بِحَالِ الرَّمْيِ. (وَإِنْ رَمَى) مُسْلِمٌ (صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ ثُمَّ رَمَاهُ) ثَانِيًا (أَوْ) رَمَاهُ (آخَرُ فَقَتَلَهُ أَوْ أَوْحَاهُ) الثَّانِي (بَعْدَ إيحَاءِ الْأَوَّلِ لَمْ يَحِلَّ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ بِإِثْبَاتِهِ فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِذَبْحِهِ (وَلِمُثْبِتِهِ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا) عَلَى رَامِيهِ الثَّانِي لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ (حَتَّى وَلَوْ أَدْرَكَ الْأَوَّلُ ذَكَاتَهُ فَلَمْ يُذَكِّهِ إلَّا أَنْ يُصِيبَ) الرَّامِي (الْأَوَّلُ مَقْتَلَهُ) كَحُلْقُومِهِ أَوْ قَلْبِهِ فَيَحِلُّ (أَوْ) يُصِيبُ الرَّامِي (الثَّانِي مَذْبَحَهُ فَيَحِلُّ) لِأَنَّهُ مُذَكًّى. (وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ خَرْقِ جِلْدِهِ) لِتَنْقِيصِهِ لَهُ وَإِنْ وَجَدَاهُ مَيِّتًا حَلَّ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ امْتِنَاعِهِ (وَلَوْ كَانَ الْمَرْمِيُّ قِنًّا) لِلْغَيْرِ (أَوْ شَاةَ الْغَيْرِ) أَيْ: غَيْرِ الرَّامِيَيْنِ (وَلَمْ يُوحِيَاهُ وَسَرَيَا) أَيْ: الْجُرْحَانِ (فَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ قِيمَتِهِ) أَيْ: الْمَرْمِيِّ (مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ مُشَارِكٌ فِي قَتْلِهِ بَعْدَ جَرْحِ الْأَوَّلِ لَهُ (وَيُكَمِّلُهَا) أَيْ: قِيمَةَ الْمَرْمِيِّ حَالَ كَوْنِهِ (سَلِيمًا الْأَوَّلِ) لِمُشَارَكَتِهِ فِي قَتْلِهِ وَلَا جِرَاحَةَ بِهِ حَالَ جِنَايَتِهِ (وَصَيْدٌ قُتِلَ بِإِصَابَتِهِمَا) أَيْ إصَابَةِ اثْنَيْنِ يَحِلُّ ذَبْحُهُمَا (مَعًا) أَيْ فِي آنٍ وَاحِدٍ (حَلَالٌ بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي إصَابَتِهِ (كَذَبْحِهِ) أَيْ: الْمَأْكُولِ (مُشْتَرِكَيْنِ) فِي آنٍ وَاحِدٍ فَيَحِلُّ (وَكَذَا) لَوْ أَصَابَهُ (وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ وَوَجَدَاهُ مَيِّتًا وَجُهِلَ قَاتِلُهُ) مِنْهُمَا فَهُوَ حَلَالٌ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ امْتِنَاعِهِ بَعْدَ إصَابَةِ الْأَوَّلِ وَتَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا بِهِ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ. (فَإِنْ قَالَ) الرَّامِي (الْأَوَّلُ أَنَا أَثْبَتُّهُ ثُمَّ قَتَلْتَهُ أَنْتَ فَتَضْمَنُهُ فَقَالَ الْآخَرِ مِثْلَهُ لَمْ يَحِلَّ) لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَحْرِيمِهِ (وَيَتَحَالَفَانِ) أَيْ: يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ الْآخَرُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَلَا ضَمَانَ) عَلَى أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ (وَإِنْ قَالَ) الثَّانِي (أَنَا قَتَلْتُهُ وَلَمْ تُثْبِتْهُ أَنْتَ) فَيَحِلُّ لِي وَلَا ضَمَانَ عَلَيَّ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ (لَهُ) وَحْدَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ امْتِنَاعِهِ وَيَحْرُمُ عَلَى مُدَّعِي إثْبَاتِهِ لِاعْتِرَافِهِ بِالتَّحْرِيمِ.

стр. 1753

[فَصْلٌ صَيْد وُجِدَ مَيْتًا] فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّانِي لِحِلِّ صَيْدٍ وُجِدَ مَيْتًا أَوْ فِي حُكْمِهِ (الْآلَةُ وَهِيَ نَوْعَانِ) أَحَدُهُمَا (مُحَدَّدُ فَهُوَ كَآلَةِ ذَبْحٍ) فِيمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (وَشَرْطُ جَرْحِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ (بِهِ) أَيْ: الْمُحَدَّدِ لِحَدِيثِ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» وَحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ مَرْفُوعًا «إذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَرَقَتْ فَكُلْ وَإِنْ لَمْ تَخْرِقْ فَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْمِعْرَاضِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْبُنْدُقِ إلَّا مَا ذَكَّيْتَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (فَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ الصَّيْدَ (بِثِقَلِهِ كَشَبَكَةٍ وَفَخٍّ وَعَصَا وَبُنْدُقَةٍ وَلَوْ مَعَ شَدْخٍ أَوْ قَطْعِ حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ أَوْ بِعَرْضِ مِعْرَاضٍ وَهُوَ خَشَبَةٌ مُحَدَّدَةُ الطَّرَفِ) وَرُبَّمَا جَعَلَ فِي رَأْسِهِ حَدِيدَةً (وَلَمْ يَجْرَحْهُ لَمْ يُبَحْ) أَكْلُهُ لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ فَقَالَ إذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَرَقَ فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَمَنْ نَصَبَ مِنْجَلًا أَوْ سِكِّينًا أَوْ نَحْوَهُمَا) كَخِنْجَرٍ (مُسَمِّيًا حَلَّ مَا قَتَلَهُ) ذَلِكَ (بِجُرْحٍ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِ نَاصِبٍ أَوْ رِدَّتِهِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ النَّصْبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّمْيِ بِالسَّهْمِ (وَإِلَّا) يَقْتُلُهُ ذَلِكَ بِجَرْحِهِ أَوْ لَمْ يُسَمِّ عِنْدَ النَّصْبِ (فَلَا) يَحِلُّ لِأَنَّهُ وَقِيذٌ (وَالْحَجَرُ إنْ كَانَ لَهُ حَدٌّ فَكَمِعْرَاضٍ) يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ بِحَدِّهِ لَا بِعَرْضِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ حَدٌّ (فَكَبُنْدُقَةٍ) لَا يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ (وَلَوْ خَرَقَ) لِأَنَّهُ وَقِيذٌ (وَلَمْ يُبَحْ مَا قُتِلَ بِمُحَدَّدٍ فِيهِ سُمٌّ مَعَ احْتِمَالِ إعَانَتِهِ) أَيْ: السُّمِّ (عَلَى قَتْلِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ (وَمَا رُمِيَ) مِنْ صَيْدٍ (فَوَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ تَرَدَّى مِنْ عُلْوٍ أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَكُلٌّ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: الْوُقُوعُ مِنْ عُلْوٍ وَالتَّرَدِّي فِي مَاءٍ وَوَطْءِ شَيْءٍ عَلَيْهِ (يَقْتُلُ مِثْلُهُ لَمْ يَحِلَّ) لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّيْدِ فَقَالَ: إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ إلَّا أَنْ تَجِدَهُ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي: الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالتَّرَدِّي وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ كَالْمَاءِ فِي ذَلِكَ وَتَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ فَإِنْ كَانَ لَا يَقْتُلُهُ مِثْلُ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ رَأْسُ الْحَيَوَانِ خَارِجَ الْمَاءِ أَوْ كَانَ مِنْ طَيْرِهِ حَلَّ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَقْتُلْهُ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (مَعَ إيحَاءِ جُرْحٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَقِيَامِ الِاحْتِمَالِ (وَإِنْ رَمَاهُ) أَيْ الصَّيْدَ (بِالْهَوَاءِ) أَوْ (عَلَى شَجَرَةٍ أَوْ) عَلَى (حَائِطٍ فَسَقَطَ فَمَاتَ) حَلَّ لِأَنَّ مَوْتَهُ

стр. 1754

بِالرَّمْيِ وَوُقُوعَهُ بِالْأَرْضِ لَا بُدَّ مِنْهُ فَلَوْ حَرُمَ بِهِ أَدَّى إلَى أَنْ لَا يَحِلَّ طَيْرٌ أَبَدًا (أَوْ) رَمَى صَيْدًا فَعَقَرَهُ ثُمَّ (غَابَ مَا عَقَرَ أَوْ) غَابَ مَا (أُصِيبَ) بِرَمْيِهِ (يَقِينًا وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (لَيْلًا ثُمَّ وَجَدَ) الصَّيْدَ. (وَلَوْ بَعْدَ يَوْمِهِ) الَّذِي رَمَاهُ فِيهِ (مَيْتًا حَلَّ) لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْضُنَا أَرْضُ صَيْدٍ فَيَرْمِي أَحَدُنَا الصَّيْدَ فَيَغِيبُ عَنْهُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ فَيَجِدُ فِيهِ سَهْمَهُ؟ فَقَالَ: إذَا وَجَدْتَ سَهْمَكَ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ غَيْرِهِ وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي لَفْظٍ قَالَ «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْمِي الصَّيْدَ فَأَجِدُ فِيهِ سَهْمِي مِنْ الْغَدِ فَقَالَ إذَا عَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ فَكُلْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (كَمَا لَوْ وَجَدَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ (بِفَمِ جَارِحِهِ أَوْ وَهُوَ يَعْبَثُ بِهِ أَوْ فِيهِ سَهْمُهُ) فَيَحِلُّ لِأَنَّ وُجُودَهُ كَذَلِكَ بِلَا أَثَرٍ لِغَيْرِهِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ مَوْتِهِ بِجَارِحِهِ أَوْ سَهْمِهِ (وَلَا يَحِلُّ مَا) أَيْ: صَيْدٌ (وُجِدَ بِهِ أَثَرٌ آخَرَ) لِغَيْرِ جَارِحِهِ أَوْ سَهْمِهِ (يُحْتَمَلُ إعَانَتُهُ فِي قَتْلِهِ) كَأَكْلِ سَبُعٍ لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ " بِخِلَافِ أَثَرٍ لَا يَحْتَمِلُ الْإِعَانَةَ عَلَى ذَلِكَ كَأَكْلِ هِرٍّ (وَمَا غَابَ) مِنْ صَيْدٍ (قَبْلَ عَقْرِهِ) ثُمَّ وَجَدَهُ وَفِيهِ سَهْمُهُ (أَوْ عَلَيْهِ جَارِحُهُ حَلَّ) كَمَا لَوْ غَابَ بَعْدَ عَقْرِهِ. (فَلَوْ وَجَدَ مَعَ جَارِحِهِ) جَارِحًا (آخَرَ وَجَهِلَ هَلْ سَمَّى عَلَيْهِ) أَوْ لَا لَمْ يَحِلَّ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ. قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ قَالَ لَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الْآخَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (أَوْ) وَجَدَ مَعَ جَارِحِهِ آخَرَ وَجَهِلَ هَلْ (اسْتَرْسَلَ) الْجَارِحَ الْآخَرُ (بِنَفْسِهِ أَوْ لَا) لَمْ يُبَحْ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّيْدِ الْحَظْرُ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُبِيحَ وَإِرْسَالَ الْآلَةِ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ وَلِذَلِكَ اعْتَبَرَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ إرْسَالِهَا (أَوْ جَهِلَ حَالَ مُرْسِلِهِ) أَيْ: الْجَارِحِ الَّذِي وَجَدَهُ مَعَ جَارِحِهِ (هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّيْدِ أَوْ لَا وَلَمْ يَعْلَمْ أَيْ:) الْجَارِحَيْنِ (قَتَلَهُ) أَيْ الصَّيْدَ لَمْ يُبَحْ (أَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا قَتَلَاهُ مَعًا أَوْ) عَلِمَ (أَنَّ مَنْ جَهِلَ هُوَ الْقَاتِلُ لَمْ يُبَحْ) لِقَوْلِهِ ﷺ «وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا تَأْكُلْ» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ وَقَدْ شَكَّ فِي الْمُبِيحِ (وَإِنْ عَلِمَ وُجُودَ الشَّرَائِطِ الْمُعْتَبَرَةِ) فِي الْجَارِحِ الَّذِي وَجَدَهُ مَعَ جَارِحِهِ بِأَنْ تَبَيَّنَ أَنَّ مُرْسِلَهُ مِنْ أَهْلِ الصَّيْدِ وَأَنَّهُ سَمَّى عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسَالٍ (حَلَّ ثُمَّ إنْ كَانَا) أَيْ: الْجَارِحَانِ (قَتَلَاهُ مَعًا) أَيْ: فِي آنٍ وَاحِدٍ (فَ) الصَّيْدُ (بَيْنَ صَاحِبَيْهِمَا أَيْ: الْجَارِحَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا (وَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ:

стр. 1755

الصَّيْدَ (أَحَدُهُمَا) أَيْ: الْجَارِحَيْنِ (فَ) الصَّيْدُ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ: الْجَارِحِ الْقَاتِلِ لَهُ لِإِثْبَاتِهِ لَهُ (وَإِنْ جَهِلَ الْحَالَ) فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ هُوَ قَتَلَهُ الْجَارِحَانِ مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ أَوْ عَلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَتَلَهُ وَحْدَهُ وَجُهِلَتْ عَيْنُهُ. (فَإِنْ وُجِدَا مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ (فَ) هُوَ (بَيْنَهُمَا) أَيْ: صَاحِبَيْ الْجَارِحَيْنِ نِصْفَيْنِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ جَارِحَيْهِمَا قَتَلَاهُ (وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الْجَارِحَيْنِ (مُتَعَلِّقًا بِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ (فَ) هُوَ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ: الْجَارِحِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ الَّذِي قَتَلَهُ (وَيَحْلِفُ مَنْ حُكِمَ لَهُ بِهِ) أَيْ: بِالصَّيْدِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِدَعْوَى الْآخَرِ (وَإِنْ وُجِدَ) أَيْ: الْجَارِحَانِ (نَاحِيَةً) مِنْ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ (وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا) لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (فَإِنْ خِيفَ فَسَادُهُ) أَيْ: الصَّيْدِ لِتَأَخُّرِ صُلْحِهِمَا (بِيعَ) أَيْ: بَاعَهُ الْحَاكِمُ (وَاصْطَلَحَا عَلَى ثَمَنِهِ) لِتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ بِهِ لِأَحَدِهِمَا (وَيَحْرُمُ عُضْوٌ أَبَانَهُ صَائِدٌ) مِنْ صَيْدٍ (بِمُحَدَّدٍ مِمَّا بِهِ) أَيْ الْمُبَانِ مِنْهُ (حَيَاةٌ مُعْتَبَرَةٌ) لِحَدِيثِ «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ» (لَا إنْ مَاتَ) الصَّيْدُ الْمُبَانُ مِنْهُ (فِي الْحَالِ) فَيَحِلُّ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ «مَا قُطِعَتْ مِنْ الْحَيِّ مَيْتَةٌ» إذَا قُطِعَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ تَمْشِي وَتَذْهَبُ أَمَّا إذَا كَانَتْ الْبَيْنُونَةُ وَالْمَوْتُ جَمِيعًا أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ إذَا كَانَ فِي عِلَاجِ الْمَوْتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَلَا تَرَى الَّذِي يَذْبَحُ رُبَّمَا مَكَثَ سَاعَةً وَرُبَّمَا مَشَى حَتَّى يَمُوتَ وَكَمَا لَوْ قَدَّهُ الصَّائِدُ نِصْفَيْنِ (أَوْ كَانَ) الْمُبَانُ (مِنْ حَوْتٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا تَحِلُّ مَيْتَةً لِأَنَّ قُصَارَاهُ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً وَمَيْتَةُ السَّمَكِ مُبَاحَةٌ. (وَإِنْ بَقِيَ) الْمَقْطُوعُ مِنْ غَيْرِ الْحُوتِ وَنَحْوِهِ (مُعَلَّقًا بِجِلْدِهِ حَلَّ بِحِلِّهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبِنْ (النَّوْعُ الثَّانِي) مِنْ آلَةِ الصَّيْدِ (جَارِحٌ فَيُبَاحُ مَا قَتَلَ) جَارِحٌ (مُعَلَّمٌ) مِمَّا يَصِيدُ بِنَابِهِ كَالْفُهُودِ وَالْكِلَابِ أَوْ بِمِخْلَبِهِ مِنْ الطَّيْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هِيَ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ وَكُلُّ طَيْرٍ تَعَلَّمَ الصَّيْدَ وَالْفُهُودُ وَالصُّقُورُ وَأَشْبَاهُهُمَا وَالْجَارِحُ لُغَةً الْكَاسِبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أَيْ: كَسَبْتُمْ وَيُقَالُ فُلَانٌ جَارِحَةُ أَهْلِهِ أَيْ: كَاسِبُهُمْ، وَمُكَلِّبِينَ مِنْ التَّكْلِيبِ وَهُوَ الْإِغْرَاءُ (غَيْرُ كَلْبٍ أَسْوَدَ بَهِيمٍ وَهُوَ مَا لَا بَيَاضَ فِيهِ) نَصًّا (فَيَحْرُمُ صَيْدُهُ) نَصًّا لِأَنَّهُ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَقَالَ إنَّهُ شَيْطَانٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) يَحْرُمُ (اقْتِنَاؤُهُ) وَتَعْلِيمُهُ لِأَمْرِهِ ﷺ بِقَتْلِهِ وَالْحِلُّ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمُحَرَّمِ لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِكَوْنِهِ شَيْطَانًا وَمَا قَتَلَهُ الشَّيْطَانُ لَا يُبَاحُ أَكْلُهُ
следующие страницы →