Полный текст (1 968 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
« ﷺ كَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعًا» (مَا لَمْ تُظَنَّ بِدْعَتُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ) يُظَنَّ (رَفْضُهُ) فَلَا يُتَابَعُ فِيمَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ، لِأَنَّهُ إظْهَارٌ لِشِعَارِهِمْ (وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَبِّحَ بِهِ) أَيْ الْإِمَامُ إذَا جَاوَزَ السَّبْعَ (بَعْدَهَا) لِاحْتِمَالِ سَهْوِهِ، وَقَبْلَهَا لَا يُسَبِّحُ بِهِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا يَدْعُو) مَأْمُومٌ (فِي مُتَابَعَةٍ) لِإِمَامِهِ (بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الرَّابِعَةِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهُ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ (وَلَا تَبْطُلُ) صَلَاةُ جِنَازَةٍ (بِمُجَاوَزَةِ سَبْعِ) تَكْبِيرَاتٍ فَقَطْ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِي أَصْلِهِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَشْبَهَ تَكْرَارَ الْفَاتِحَةِ، وَعَكْسُهُ زِيَادَةُ الرَّكْعَةِ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ أَفْعَالٍ.
قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ.
(وَحَرُمَ) عَلَى مَأْمُومٍ (سَلَامٌ قَبْلَهُ) أَيْ الْإِمَامِ الْمُجَاوِزِ سَبْعًا نَصًّا ; لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَلَا يُقْطَعُ مِنْ أَجْلِهِ الْمُتَابَعَةُ، كَإِطَالَةِ الدُّعَاءِ (وَيُخَيَّرُ مَسْبُوقٌ) سَلَّمَ إمَامُهُ (فِي قَضَاءِ) مَا فَاتَهُ (وَسَلَامٍ مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ، لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ التَّكْبِيرِ، قَالَ: مَا سَمِعْتِ فَكَبِّرِي، وَمَا فَاتَكِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْك» وَيُسْتَحَبُّ إحْرَامُ مَسْبُوقٍ مَعَهُ فِي أَيْ حَالٍ صَادَفَهُ، وَلَا يُنْتَظَرُ تَكْبِيرُهُ كَبَاقِي الصَّلَوَاتِ.
(وَلَوْ كَبَّرَ) إمَامٌ مُنْفَرِدٌ عَلَى جِنَازَةٍ (فَجِيءَ) بِجِنَازَةٍ (أُخْرَى فَكَبَّرَ) الثَّانِيَةَ (وَنَوَاهَا) أَيْ التَّكْبِيرَ (لَهُمَا) أَيْ الْجِنَازَتَيْنِ (وَقَدْ بَقِيَ مِنْ تَكْبِيرِهِ) السَّبْعِ (أَرْبَعٌ) بِاَلَّتِي نَوَاهَا لَهَا، بِأَنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَمَا دُونُ (جَازَ) نَصًّا.
فَإِنْ جِيءَ بِأُخْرَى بَعْدَ الرَّابِعَةِ لَمْ يَجُزْ إدْخَالُهَا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَنْقِيصِهَا عَنْ أَرْبَعٍ أَوْ زِيَادَةِ مَا قَبْلَهَا عَلَى سَبْعٍ، وَمَتَى نَوَى التَّكْبِيرَةَ لَهُمَا حَيْثُ يَصِحُّ (فَ) إنَّهُ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي تَكْبِيرَةٍ (خَامِسَةٍ وَيُصَلِّي) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي تَكْبِيرَةٍ (سَادِسَةٍ وَيَدْعُو) لِلْمَوْتَى (فِي سَابِعَةٍ) لِتَكْمُلَ الْأَرْكَانُ فِي جَمِيعِ الْجَنَائِزِ.
(وَيَقْضِي مَسْبُوقٌ) إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ مَا فَاتَهُ (عَلَى صِفَتِهَا) لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، كَبَاقِي الصَّلَوَاتِ، فَيُتَابِعُ إمَامَهُ فِيمَا أَدْرَكَهُ فِيهِ، ثُمَّ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ كَبَّرَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ لِأَنَّ مَا أَدْرَكَ آخِرَ صَلَاتِهِ وَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلُهَا (فَإِنْ خَشِي رَفْعَهَا) أَيْ الْجِنَازَةِ (تَابَعَ) التَّكْبِيرَ رُفِعَتْ أَوْ لَمْ يُرْفَعْ.
(وَإِنْ سَلَّمَ) مَسْبُوقٌ عَقِبَ إمَامِهِ (وَلَمْ يَقْضِ) شَيْئًا (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِخَبَرِ عَائِشَةَ ﵂ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْقَضَاءُ (وَيَجُوزُ دُخُولُهُ) أَيْ الْمَسْبُوقِ (بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الرَّابِعَةِ، وَيَقْضِي الثَّلَاثَ) تَكْبِيرَاتٍ اسْتِحْبَابًا لِيَنَالَ أَجْرَهَا.
(وَيُصَلِّي عَلَى
стр. 352
مَنْ قُبِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ دُفِنَ (مَنْ فَاتَتْهُ) أَيْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (قَبْلَهُ) أَيْ الدَّفْنِ (إلَى شَهْرٍ مِنْ دَفْنِهِ) قَالَ أَحْمَدُ: وَمَنْ يَشُكُّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ؟ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ سِتَّةِ وُجُوهٍ كُلُّهَا حِسَانٌ، وَقَالَ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْت «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى أُمِّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بَعْدَ شَهْرٍ» (وَلَا تَضُرُّ زِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ) عَلَى شَهْرٍ.
قَالَ الْقَاضِي: كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ انْتَهَى وَإِنْ شَكَّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ صَلَّى حَتَّى يَعْلَمَ انْتِهَاءَهَا (وَتَحْرُمُ) صَلَاةٌ عَلَى قَبْرٍ (بَعْدَهَا) أَيْ الزِّيَادَةِ الْيَسِيرَةِ نَصًّا لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ بَقَاؤُهُ عَلَى حَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَى قَبْرِهِ ﷺ لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ لَا يُصَلِّي عَلَى قَبْرِهِ (وَيَكُونُ الْمَيِّتُ) إذَا صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ (كَإِمَامٍ) فَيَجْعَلُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، كَمَا قَبْلَ الدَّفْنِ.
(وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ مَيِّتٍ تَحْقِيقًا) بِأَنْ تَحَقَّقَ الْمَوْتُ وَكَانَ الْمَيِّتُ (لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) وَهُوَ (غَيْرُ شَعْرٍ وَسِنٍّ وَظُفُرٍ فَ) حُكْمُهُ (كَكُلِّهِ) أَيْ كُلِّ الْمَيِّتِ لَوْ وُجِدَ، فَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وُجُوبًا ; لِأَنَّ أَبَا أَيُّوبَ صَلَّى عَلَى رِجْلِ إنْسَانٍ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَصَلَّى عُمَرُ عَلَى عِظَامٍ بِالشَّامِ. وَصَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى رُءُوسٍ. رَوَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ " أَلْقَى طَائِرٌ يَدًا بِمَكَّةَ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ عُرِفَتْ بِالْخَاتَمِ وَكَانَتْ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَهْلُ مَكَّةَ " وَلِأَنَّهُ بَعْضٌ مِنْ مَيِّتٍ فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْجُمْلَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ صُلِّيَ عَلَيْهِ، غُسِّلَ مَا وُجِدَ وَكُفِّنَ وُجُوبًا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ نَدْبًا، كَمَا يَأْتِي.
وَإِنْ كَانَ مَا وُجِدَ شَعْرًا أَوْ ظُفُرًا أَوْ سِنًّا، فَلَا لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ حَالَ الْحَيَاةِ (وَيَنْوِي بِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ عَلَى مَا وُجِدَ (ذَلِكَ الْبَعْضُ) الْمَوْجُودُ (فَقَطْ) لِأَنَّهُ الْحَاضِرُ (وَكَذَا إنْ وُجِدَ الْبَاقِي) مِنْ الْمَيِّتِ، فَيُغْسَلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ (وَيُدْفَنُ بِجَنْبِهِ) أَيْ الْقَبْرِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: أَوْ نُبِشَ بَعْضُ الْقَبْرِ وَدُفِنَ فِيهِ وَلَا حَاجَةَ إلَى كَشْفِ مَيِّتٍ.
(وَتُكْرَهُ) لِمَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ (إعَادَةُ الصَّلَاةِ) عَلَيْهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، قَالَ فِي الْفُصُولِ: لَا يُصَلِّيهَا مُرَّتَيْنِ كَالْعِيدِ (إلَّا إذَا وُجِدَ بَعْضُ مَيِّتٍ بِشَرْطِهِ) بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ شَعْرٍ وَسِنٍّ وَظُفُرٍ (صَلَّى عَلَى جُمْلَتِهِ) سِوَى مَا وُجِدَ (فَتُسَنُّ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بَعْدَ تَغْسِيلِهِ وَتَكْفِينِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ (ك) اسْتِحْبَابِ (صَلَاةِ مَنْ فَاتَتْهُ) صَلَاةُ جِنَازَةٍ مَعَ مَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَوَّلًا، فَعَلَهُ أَنَسٌ وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمَا
стр. 353
(وَلَوْ) صَلَّى مَنْ فَاتَتْهُمْ (جَمَاعَةً) كَمَا لَوْ صَلَّوْا فُرَادَى؟ (أَوْ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ) غَائِبًا (بِالنِّيَّةِ إذَا حَضَرَ) فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ثَانِيًا (أَوْ صَلَّى عَلَيْهِ بِلَا إذْنٍ الْأَوْلَى بِهَا) أَيْ الْإِمَامَةِ عَلَيْهِ (مَعَ حُضُورِهِ) أَيْ الْأَوْلَى (فَتُعَادُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مَعَ الْأَوْلَى (تَبَعًا) لِأَنَّهَا حَقُّهُ وَظَاهِرُهُ لَا يُعِيدُ غَيْرُ الْوَلِيِّ فَإِنْ صَلَّى وَلِيٌّ خَلْفَهُ صَارَ إذْنًا.
(وَلَا تُوضَعُ) جِنَازَةٌ (لِصَلَاةٍ) عَلَيْهَا (بَعْدَ حَمْلِهَا) تَخْفِيفًا لِلْمُبَادَرَةِ لِلْمُوَارَاةِ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: فَظَاهِرُهُ يُكْرَهُ.
(وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَأْكُولٍ بِبَطْنِ آكِلٍ) مِنْ سَبُعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ مَعَ مُشَاهَدَةِ الْأَكْلِ (وَ) لَا عَلَى (مُسْتَحِيلٍ بِإِحْرَاقٍ) بِأَنْ صَارَ رَمَادًا (وَنَحْوِهِمَا) كَوَاقِعٍ بِمَلَّاحَةٍ صَارَ مِلْحًا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
(وَلَا) يُصَلَّى (عَلَى بَعْضِ حَيٍّ) كَيَدٍ قُطِعَتْ فِي سَرِقَةٍ أَوْ أَكْلَةٍ (فِي وَقْتٍ لَوْ وُجِدَتْ فِيهِ الْجُمْلَةُ) أَيْ الْبَقِيَّةُ (لَمْ تُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا) لِبَقَاءِ حَيَاتِهَا ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ دُعَاءٌ لَهُ وَشَفَاعَةٌ لِيُخَفَّفَ عَنْهُ، وَهَذَا عُضْوٌ لَا حُكْمَ لَهُ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَكَذَا إنْ شُكَّ فِي مَوْتِ الْبَقِيَّةِ.
(وَلَا يُسَنُّ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَلَا لِإِمَامِ كُلِّ قَرْيَةٍ وَهُوَ وَالِيهَا) أَيْ الْقَرْيَةِ (فِي الْقَضَاءِ: الصَّلَاةُ عَلَى غَالٍّ) نَصًّا، وَهُوَ مَنْ كَتَمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا لِيَخْتَصَّ بِهِ لِأَنَّهُ « ﷺ امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ غَلَّ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ
وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (وَ) لَا عَلَى (قَاتِلٍ نَفْسَهُ عَمْدًا) نَصًّا. لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءُوهُ بِرَجُلٍ قَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَالْمِشْقَصُ: كَمِنْبَرٍ نَصْلٌ عَرِيضٌ أَوْ طَوِيلٌ، أَوْ سَهْمٌ فِيهِ ذَلِكَ يُرْمَى بِهِ الْوُحُوشُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ وَلَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ بِخِلَافِ مَنْ مَاتَ عَنْ دَيْنٍ وَلَا وَفَاءٍ لَهُ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْعُصَاةِ كَسَارِقٍ وَشَارِبِ خَمْرٍ، وَمَقْتُولٍ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا أَوْ نَحْوَهُ.
(وَإِنْ اخْتَلَطَ) مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ (أَوْ اشْتَبَهَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ) كَأَنْ اخْتَلَطَ مَوْتَى مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ وَلَمْ يَتَمَيَّزُوا بِانْهِدَامِ سَقْفٍ وَنَحْوِهِ (صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ، يَنْوِي بِالصَّلَاةِ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ) مِنْهُمْ، وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَلَا طَرِيقَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ (وَغُسِّلُوا وَكُفِّنُوا) كُلُّهُمْ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ لَا تُمْكِنُ إلَّا بِذَلِكَ، إذْ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ لَا تَصِحُّ حَتَّى يُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ مَعَ الْقُدْرَةِ.
وَسَوَاءٌ كَانُوا بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ إسْلَامٍ، قَلَّ
стр. 354
الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ أَوْ كَثُرُوا (وَإِنْ أَمْكَنَ عَزْلُهُمْ) عَنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ دُفِنُوا مُنْفَرِدِينَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ عَزْلُهُمْ (دُفِنُوا مَعًا) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ.
وَإِنْ مَاتَ مَنْ يُعْهَدُ ذِمِّيًّا فَشَهِدَ عَدْلٌ: أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا حُكِمَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، دُونَ تَوْرِيثِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ مِنْهُ.
(وَلِلْمُصَلِّي) عَلَى جِنَازَةٍ (قِيرَاطٌ) مِنْ الْأَجْرِ (وَهُوَ) أَيْ الْقِيرَاطُ (أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي عَلَيْهَا (بِتَمَامِ دَفْنِهَا) قِيرَاطٌ (آخَرُ) لِحَدِيثِ «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ وَلِمُسْلِمٍ أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ» .
(بِشَرْطِ أَنْ لَا يُفَارِقَهَا مِنْ الصَّلَاةِ) عَلَيْهَا (حَتَّى تُدْفَنَ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا» وَسُئِلَ أَحْمَدُ: عَمَّنْ يَحْضُرُ لِمُصَلَّى الْجَنَائِزِ يَتَصَدَّى لِلصَّلَاةِ عَلَى مَنْ يَحْضُرُ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَكَأَنَّهُ رَأَى إذَا تَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ قَالَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ: " وَتَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا " يَعْنِي مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَتَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا " فَلَهُ قِيرَاطٌ ".
стр. 355
[فَصْلٌ فِي حَمْلِ الْجِنَازَةِ]
ِ (وَحَمْلُهَا) إلَى مَحَلِّ دَفْنِهَا (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إجْمَاعًا قَالَهُ فِي شَرْحِهِ وَيُكْرَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْغُسْلِ وَنَحْوِهِ (وَسُنَّ تَرْبِيعٌ فِيهِ) أَيْ الْحَمْلِ. فَيُسَنُّ أَنْ يَحْمِلَهَا أَرْبَعَةٌ.
وَالتَّرْبِيعُ: الْأَخْذُ بِقَوَائِمِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ " إذَا تَبِعَ أَحَدُكُمْ جِنَازَةً فَلْيَأْخُذْ بِقَوَائِمِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ، ثُمَّ لِيَتَطَوَّعْ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لِيَذَرْ " رَوَاهُ سَعِيدٌ (بِأَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ) حَالَ السَّيْرِ، لِأَنَّهَا تَلِي يَمِينَ الْمَيِّتِ مِنْ عِنْدَ رَأْسِهِ (عَلَى كَتِفِهِ) أَيْ الْحَامِلِ (الْيُمْنَى، ثُمَّ) يَدَعَهَا لِغَيْرِهِ.
و (يَنْتَقِلُ إلَى) قَائِمَةِ السَّرِيرِ الْيُسْرَى (الْمُؤَخَّرَةِ) فَيَضَعُهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى أَيْضًا ثُمَّ يَدَعُهَا لِغَيْرِهِ (ثُمَّ) يَضَعُ قَائِمَةَ السَّرِيرِ (الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةَ) وَهِيَ الَّتِي تَلِي يَسَارَ الْمَيِّتِ (عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ) يَدَعُهَا لِغَيْرِهِ، وَ (يَنْتَقِلُ إلَى) قَائِمَةِ السَّرِيرِ الْيُمْنَى (الْمُؤَخَّرَةِ) فَيَضَعُهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى أَيْضًا، فَيَكُونُ الْبَدْءُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِالرَّأْسِ وَالْخَتْمُ مِنْهُمَا بِالرِّجْلَيْنِ كَغُسْلِهِ.
وَلَا يَقُولُ فِي حَمْلِ السَّرِيرِ: سَلِّمْ يَرْحَمْك اللَّهُ. فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ، بَلْ " بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ " وَيَذْكُرُ اللَّهَ إذَا نَاوَلَ السَّرِيرَ نَصًّا (وَلَا يُكْرَهُ حَمْلُ) جِنَازَةٍ (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ) أَيْ قَائِمَتَيْ السَّرِيرِ (كُلُّ) عَمُودٍ (وَاحِدٍ عَلَى عَاتِقٍ) نَصًّا.
لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ حَمَلَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ» وَأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ حَمَلَ جِنَازَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، وَيَبْدَأُ مِنْ عِنْدَ رَأْسِهِ. كَمَا فِي الرِّعَايَةِ (وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ التَّرْبِيعِ وَالْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ (أَوْلَى) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالتَّنْقِيحِ، وَرَدَّهُ الْحَجَّاوِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ وَقَدْ أَوْضَحْته فِي الْحَاشِيَةِ.
قَالَ أَبُو حَفْصٍ وَغَيْرُهُ وَيُكْرَهُ الِازْدِحَامُ عَلَيْهِ أَيُّهُمْ يَحْمِلُهُ.
(وَلَا) يُكْرَهُ حَمْلٌ (بِأَعْمِدَةٍ لِلْحَاجَةِ) كَجِنَازَةِ ابْنِ عُمَرَ (وَلَا) الْحَمْلُ (عَلَى دَابَّةٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) كَبُعْدِ قَبْرٍ (وَلَا) يُكْرَهُ (حَمْلُ طِفْلٍ عَلَى يَدَيْهِ) وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ، أَوْ هَيْئَةٍ يُخَافُ مَعَهَا سُقُوطُهَا، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَحْرُمُ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُ نَعْشِ الْمَرْأَةِ بِالْمُكِبَّةِ. ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَكَذَا مَنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ عَلَى نَعْشٍ إلَّا بِمِثْلِهِ كَحَدَبٍ.
وَفِي الْفُصُولِ: لِمُقَطَّعٍ تُلَفَّقُ أَعْضَاؤُهُ بِطِينٍ حُرٍّ، يُغَطَّى حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ تَشْوِيهُهُ فَإِنْ ضَاعَتْ لَمْ
стр. 356
يُعْمَلْ (شَكْلُهَا مِنْ طِينٍ) قَالَ: وَالْوَاجِبُ جَمْعُ أَعْضَائِهِ فِي كَفَنٍ وَاحِدٍ وَقَبْرٍ وَاحِدٍ.
(وَسُنَّ مَعَ تَعَدُّدِ) مَوْتَى (تَقْدِيمُ الْأَفْضَلِ) مِنْهُمْ (أَمَامَهَا) أَيْ الْجِنَازَةِ (فِي الْمَسِيرِ) لِيَكُونَ مَتْبُوعًا لَا تَابِعًا.
(وَ) سُنَّ (الْإِسْرَاعُ بِهَا) أَيْ الْجِنَازَةِ لِحَدِيثِ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُنْ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيَكُونُ الْإِسْرَاعُ (دُونَ الْخَبَبِ) نَصًّا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ تُمْخَضُ مَخْضًا، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي جَنَائِزِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ يَمْخُضُهَا وَيُؤْذِي حَامِلَهَا وَمُتَّبِعَهَا. وَالْخَبَبُ: خَطْوٌ فَسِيحٌ دُونَ الْعَنَقِ (مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (مِنْهُ) أَيْ الْإِسْرَاعِ، فَيُمْشَى بِهِ الْهُوَيْنَا.
وَسُنَّ اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَكَوْنُ مَاشٍ) مَعَهَا (أَمَامَهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاؤُهُ.
(وَ) سُنَّ كَوْنُ (رَاكِبٍ وَلَوْ سَفِينَةً خَلْفَهَا) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ. حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَقُرْبُ) مُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ (مِنْهَا أَفْضَلُ) لِأَنَّهَا كَالْإِمَامِ (وَكُرِهَ) لِمُتَّبِعِ جِنَازَةٍ (رُكُوبٌ) لِحَدِيثِ «ثَوْبَانَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (لِغَيْرِ حَاجَةٍ) كَمَرَضٍ (وَ) لِغَيْرِ (عَوْدٍ) .
فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ عَائِدًا مُطْلَقًا لَمْ يُكْرَهْ لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَبِعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ (وَ) كُرِهَ (تَقَدُّمُهَا) أَيْ الْجِنَازَةِ (إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ) عَلَيْهَا وَ (لَا) يُكْرَهُ تَقَدُّمُهَا (إلَى الْمَقْبَرَةِ. وَ) كُرِهَ (جُلُوسُ مَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ لِلدَّفْنِ نَصًّا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا إذَا اتَّبَعْتُمْ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ) ، قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ فِيهِ (حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ) (إلَّا لِمَنْ بَعُدَ) فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الْجُلُوسُ قَبْلَ وَضْعِهَا، دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (وَ) كُرِهَ (قِيَامٌ لَهَا) أَيْ الْجِنَازَةِ (إنْ جَاءَتْ) وَهُوَ جَالِسٌ (أَوْ مَرَّتْ بِهِ وَهُوَ جَالِسٌ) لِحَدِيثِ «عَلِيٍّ قَالَ رَأَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فَقُمْنَا تَبَعًا لَهُ، وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا تَبَعًا لَهُ يَعْنِي فِي الْجِنَازَةِ»
стр. 357
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «قَامَ ثُمَّ قَعَدَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (وَ) كُرِهَ (رَفْعُ الصَّوْتِ مَعَهَا) أَيْ الْجِنَازَةِ (وَلَوْ بِقِرَاءَةٍ) أَوْ تَهْلِيلٍ، لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ مَعَ الْجِنَازَةِ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ وَنَحْوَهُ: بِدْعَةٌ. وَرَوَى سَعِيدٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَا لِقَائِلٍ ذَلِكَ " لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ.
(وَ) كُرِهَ (أَنْ تَتْبَعَهَا امْرَأَةٌ) لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَيْ لَمْ يُحَتَّمْ عَلَيْنَا تَرْكُ اتِّبَاعِهِ (وَحَرُمَ أَنْ يَتْبَعَهَا مَعَ مُنْكَرٍ) مِنْ نَحْوِ نَوْحٍ وَلَطْمِ خَدٍّ (عَاجِزٍ عَنْ إزَالَتِهِ) أَيْ الْمُنْكَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (وَيَلْزَمُ الْقَادِرَ) عَلَى إزَالَتِهِ أَنْ يُزِيلَهُ وَلَا يُتْرَكَ اتِّبَاعَهَا. وَيُكْرَهُ مَسُّ النَّعْشِ بِيَدٍ وَغَيْرِهَا. وَلِمُتَّبِعِهَا ضَحِكٌ وَتَبَسُّمٌ، وَتَحَدُّثٌ بِأَمْرِ دُنْيَا. وَأَنْ تُتْبَعَ بِمَاءِ وَرْدٍ وَنَارٍ، وَنَحْوِهِ، وَمِثْلُهُ التَّبْخِيرُ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ وَالضَّجَّةِ عِنْدَ وَضْعِهَا، وَيُسْتَحَبُّ لِمُتَّبِعِهَا الْخُشُوعُ وَالتَّفَكُّرُ فِي مَآلِهِ، وَالِاتِّعَاظِ بِالْمَوْتِ، وَمَا يَصِير إلَيْهِ الْمَيِّتُ.
[فَصْلٌ فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ]
فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ (وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] الْآيَةَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " أَكْرَمَهُ بِدَفْنِهِ " وَقَالَ ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] أَيْ جَامِعَةً لِلْأَحْيَاءِ فِي ظَهْرِهَا بِالْمَسَاكِنِ، وَلِلْأَمْوَاتِ فِي بَطْنِهَا بِالْقُبُورِ. وَالْكَفْتُ: الْجَمْعُ وَهُوَ إكْرَامٌ لِلْمَيِّتِ ; لِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ لَأَنْتَنَ وَتَأَذَّى النَّاسُ بِرَائِحَتِهِ، وَقَدْ أَرْشَدَ اللَّهُ قَابِيلَ إلَى دَفْنِ أَخِيهِ هَابِيلَ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] .
(وَيَسْقُطُ) دَفْنٌ (وَتَكْفِينٌ وَحَمْلٌ ل) مَيِّتٍ بِفِعْلِ (كَافِرٍ) لِأَنَّ فَاعِلَهَا لَا يَخْتَصُّ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ (وَيُقَدَّمُ بِتَكْفِينٍ) ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى (مَنْ يُقَدَّمُ بِغُسْلِهِ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ (وَنَائِبُهُ كَهُوَ) فَيُقَدَّمُ النَّائِبُ عَلَى مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مُسْتَنِيبُهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ وَصِيًّا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (وَالْأَوْلَى) لِغَاسِلٍ (تَوَلِّيهِ) أَيْ التَّكْفِينِ (بِنَفْسِهِ) دُونَ نَائِبِهِ، مُحَافَظَةً عَلَى تَقْلِيلِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْمَيِّتِ.
(وَ) يُقَدَّمُ (بِدَفْنِ رَجُلٍ) ذَكَرٍ (مَنْ قُدِّمَ بِغُسْلِهِ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْحَدَهُ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَأُسَامَةُ»
стр. 358
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَانُوا هُمْ الَّذِينَ تَوَلَّوْا غُسْلَهُ. وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى سَتْرِ أَحْوَالِهِ، وَقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ (ثُمَّ) الْمُقَدَّمُ (بَعْدَ) الرِّجَالِ (الْأَجَانِبِ مَحَارِمُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ مِنْ (النِّسَاءِ) وَعُلِمَ مِنْهُ: تَقْدِيمُ الْأَجَانِبِ عَلَى الْمَحَارِمِ مِنْ النِّسَاءِ، لِضَعْفِهِنَّ عَنْ ذَلِكَ، وَخَشْيَةَ انْكِشَافِ شَيْءٍ مِنْهُنَّ (فَالْأَجْنَبِيَّاتُ) لِلْحَاجَةِ إلَى دَفْنِهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَسٌّ وَلَا نَظَرٌ، بِخِلَافِ الْغُسْلِ.
(وَ) يُقَدَّمُ (بِدَفْنِ امْرَأَةٍ مَحَارِمُهَا الرِّجَالُ) الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ. لِأَنَّ امْرَأَةَ عُمَرَ لَمَّا تُوُفِّيَتْ قَالَ لِأَهْلِهَا " أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا " وَلِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِهَا حَالَ الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ (فَزَوْجٌ) لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِمَحْرَمِهَا مِنْ الْأَجَانِبِ (فَأَجَانِبُ) لِأَنَّ النِّسَاءَ يَضْعُفْنَ عَنْ إدْخَالِ الْمَيِّتِ الْقَبْرَ، «وَلِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ فَنَزَلَ قَبْرَ ابْنَتِهِ» وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ (فَمَحَارِمُهَا) أَيْ الْمَيِّتَةِ (النِّسَاءُ) الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى لِمَزِيَّةِ الْقُرْبِ.
(وَيُقَدَّمُ مِنْ الرِّجَالِ) مُسْتَوِينَ (خَصِيٌّ، فَشَيْخٌ فَأَفْضَلُ دِينًا وَمَعْرِفَةً) بِالدَّفْنِ وَمَا يُطْلَبُ فِيهِ (وَمَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِجِمَاعٍ أَوْلَى مِمَّنْ قَرُبَ) عَهْدُهُ لِضَعْفِ دَاعِيَتِهِ.
وَلَا يُكْرَهُ لَأَجْنَبِيٍّ دَفْنُ امْرَأَةٍ مَعَ حُضُورِ مَحْرَمِهَا نَصًّا.
(وَكُرِهَ) دَفْنٌ (عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقِيَامِهَا وَغُرُوبِهَا) لِلْخَبَرِ وَتَقَدَّمَ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَيُبَاحُ فِي غَيْرِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا.
قَالَ أَحْمَدُ فِي الدَّفْنِ فِي اللَّيْلِ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، أَبُو بَكْرٍ دُفِنَ لَيْلًا، وَعَلِيٌّ دَفَنَ فَاطِمَةَ لَيْلًا، وَالدَّفْنُ نَهَارًا أَوْلَى ; لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى مُتَّبِعِهَا، وَأَكْثَرُ لِلْمُصَلِّينَ، وَأَمْكَنُ لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي دَفْنِهِ.
(وَلَحْدٌ) أَفْضَلُ مِنْ شَقٍّ، وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَالضَّمُّ لُغَةٌ: أَنْ يَحْفِرَ فِي أَسْفَلِ حَائِطِ الْقَبْرِ حُفْرَةً تَسَعُ الْمَيِّتَ، وَأَصْلُهُ الْمَيْلُ (وَكَوْنُهُ) أَيْ اللَّحْدِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ أَفْضَلُ، فَيَكُونُ ظَهْرُهُ إلَى جِهَةِ مُلْحِدِهِ (وَنَصْبِ لَبِنٍ) أَيْ طُوبٍ غَيْرِ مَشْوِيٍّ (عَلَيْهِ) أَيْ اللَّحْدِ (أَفَضْلُ) مِنْ نَصْبِ حِجَارَةٍ وَغَيْرِهَا «لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَيَجُوزُ بِبَلَاطٍ.
(وَكُرِهَ شَقٌّ بِلَا عُذْرٍ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ الشَّقَّ لِحَدِيثِ «اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ. وَالشَّقُّ أَنْ يَحْفِرَ وَسَطَ الْقَبْرِ كَالْحَوْضِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ اللَّحْدُ لِكَوْنِ التُّرَابِ يَنْهَالُ وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِنَصْبِ لَبِنٍ وَلَا حِجَارَةٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُكْرَهْ الشَّقُّ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ شِبْهُ اللَّحْدِ مِنْ الْجَنَادِلِ
стр. 359
وَالْحِجَارَةِ وَاللَّبِنِ جُعِلَ نَصًّا وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الشَّقِّ.
(وَ) كُرِهَ (إدْخَالُهُ) أَيْ الْقَبْرِ (خَشَبًا إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَ) إدْخَالُ (مَا مَسَّتْهُ نَارٌ) كَآجُرٍّ.
(وَ) كُرِهَ (دَفْنٌ فِي تَابُوتٍ وَلَوْ امْرَأَةً) قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ، وَيَكْرَهُونَ الْخَشَبَ، وَلَا يَسْتَحِبُّونَ الدَّفْنَ فِي تَابُوتٍ ; لِأَنَّهُ خَشَبٌ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَرْضُ أَنْشَفُ لِفَضَلَاتِهِ، وَتَفَاؤُلًا أَنْ لَا يَمَسَّ الْمَيِّتَ نَارٌ.
(وَسُنَّ أَنْ يُعَمَّقَ) قَبْرٌ (وَيُوَسَّعَ قَبْرٌ بِلَا حَدٍّ) «لِقَوْلِهِ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ التَّعْمِيقَ أَبْعَدُ لِظُهُورِ الرَّائِحَةِ وَأَمْنَعُ لِلْوُحُوشِ، وَالتَّوْسِيعُ: الزِّيَادَةُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالتَّعْمِيقُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: الزِّيَادَةُ فِي النُّزُولِ (وَيَكْفِي مَا) أَيْ تَعْمِيقٌ (يَمْنَعُ السِّبَاعَ وَالرَّائِحَةَ) لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَسَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ.
(وَ) سُنَّ (أَنْ يُسَجَّى) أَيْ يُغَطَّى قَبْرٌ (لِأُنْثَى) وَلَوْ صَغِيرَةً لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ.
(وَ) ل (خُنْثَى) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً (وَكُرِهَ) أَنْ يُسَجَّى قَبْرٌ (لِرَجُلٍ إلَّا لِعُذْرٍ) مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ نَصًّا لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ " مَرَّ بِقَوْمٍ وَقَدْ دَفَنُوا مَيِّتًا وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ فَجَذَبَهُ، وَقَالَ: إنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ " وَلِأَنَّ الرَّجُلَ، لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَفِي فِعْلِ ذَلِكَ لَهُ تَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ.
(وَ) سُنَّ (أَنْ يَدْخُلَهُ) أَيْ الْقَبْرَ (مَيِّتٌ مِنْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ) أَيْ الْقَبْرِ، بِأَنْ يُوضَعَ النَّعْشُ آخِرَ الْقَبْرِ. فَيَكُونُ رَأْسُ الْمَيِّتِ فِي الْمَوْضِع الَّذِي تَكُونُ فِيهِ رِجْلَاهُ إذَا دُفِنَ، ثُمَّ يُسَلُّ الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ سَلًّا رَفِيقًا، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ» (إنْ كَانَ) ذَلِكَ (أَسْهَلَ) بِالْمَيِّتِ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ إدْخَالُهُ مِنْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ أَسْهَلُ فَيُدْخِلَهُ (مِنْ حَيْثُ سَهُلَ) إدْخَالُهُ مِنْهُ، إذْ الْمَقْصُودُ الرِّفْقُ بِالْمَيِّتِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَتْ الْكَيْفِيَّاتُ فِي السُّهُولَةِ فَهِيَ (سَوَاءٌ) لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْ الْقَبْرِ وَقَالَ: هَذَا مِنْ السُّنَّةِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ.
(وَمَنْ) مَاتَ (بِسَفِينَةٍ يُلْقَى فِي الْبَحْرِ سَلًّا كَإِدْخَالِهِ الْقَبْرَ) بَعْدَ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَبَعْدَ أَنْ يُثَقِّلَهُ بِشَيْءٍ يَسْتَقِرُّ بِهِ فِي قَرَارِ الْبَحْرِ نَصًّا، وَإِنْ كَانُوا بِقُرْبِ السَّاحِلِ وَأَمْكَنَهُمْ دَفْنُهُ فِيهِ. وَجَبَ (وَ) سُنَّ
стр. 360
(قَوْلُ مُدْخِلِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ الْقَبْرَ (بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقَبْرِ فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَإِنْ قَرَأَ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] " أَوْ أَتَى بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ لَائِقٍ عِنْدَ وَضْعِهِ وَإِلْحَادِهِ فَلَا بَأْسَ.
(وَ) سُنَّ (أَنْ يُلْحِدَهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ النَّائِمَ وَهَذِهِ سُنَّةُ النَّوْمِ.
(وَ) يُسَنُّ أَنْ يُجْعَلَ (تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةً) فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَحَجَرٌ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَقَلِيلٌ مِنْ تُرَابٍ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمِخَدَّةَ لِلنَّائِمِ وَلِئَلَّا يَمِيلَ رَأْسُهُ، وَلَا يُجْعَلُ آجُرَّةً، لِأَنَّهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ.
وَيُزَالُ الْكَفَنُ عَنْ خَدِّهِ. وَيُلْصَقُ بِالْأَرْضِ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِاسْتِكَانَةِ. قَالَ عُمَرُ " إذَا أَنَا مِتَّ فَأَفْضُوا بِخَدِّي إلَى الْأَرْضِ " (وَتُكْرَهُ مِخَدَّةٌ) تُجْعَلُ تَحْتَ الرَّأْسِ نَصًّا ; لِأَنَّهُ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْحَالِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ (وَ) تُكْرَهُ (مِضْرَبَةٌ وَقَطِيفَةٌ تَحْتَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُلْقَى تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ شَيْءٌ " ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى " لَا تَجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْئًا " وَالْقَطِيفَةُ الَّتِي وُضِعَتْ تَحْتَهُ ﷺ إنَّمَا وَضَعَهَا شُقْرَانُ.
وَلَمْ يَكُنْ عَنْ اتِّفَاقٍ مِنْ الصَّحَابَةِ (أَوْ) أَيْ يُكْرَهُ (أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ) أَيْ الْقَبْرِ (حَدِيدٌ) وَنَحْوُهُ (وَلَوْ أَنَّ الْأَرْضَ رَخْوَةٌ) تَفَاؤُلًا بِأَنْ لَا يُصِيبَهُ عَذَابٌ، لِأَنَّهُ آلَتُهُ (وَيَجِبُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ بِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (الْقِبْلَةُ) «لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» وَلِأَنَّهُ طَرِيقَةُ الْمُسْلِمِينَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُدْنَى مِنْ الْحَائِطِ لِئَلَّا يَنْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ. وَأَنْ يُسْنَدَ مِنْ وَرَائِهِ بِتُرَابٍ، لِئَلَّا يَنْقَلِبَ. وَيَتَعَاهَدُ خِلَالَ اللَّبِنِ بِسَدِّهِ بِالْمَدَرِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ يُطَيَّنُ فَوْقَهُ، لِئَلَّا يُنْتَخَلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ (وَيُسَنُّ حَثْوُ التُّرَابِ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (ثَلَاثًا بِالْيَدِ ثُمَّ يُهَالُ) عَلَيْهِ التُّرَابُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِيهِ «فَحُثِيَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرَوَى مَعْنَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَزَادَ " وَهُوَ قَائِمٌ ".
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيُوضَعُ فَوْقَهُ جِبَالٌ مِنْ تُرَابٍ، أَوْ يُبْنَى عَلَيْهِ بِنَاءٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَفْنٍ.
(وَ) سُنَّ (تَلْقِينُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ عِنْدَ الْقَبْرِ لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 361
«إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا يَرْحَمْك اللَّهُ وَلَكِنْ لَا تَسْمَعُونَ. فَيَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجْت عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا: شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّك رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا، فَإِنَّ نَكِيرًا وَمُنْكَرًا يَقُولَانِ: مَا يُقْعِدُنَا عِنْدَهُ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ؟ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ قَالَ: فَلْيَنْسُبْهُ إلَى حَوَّاءَ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الشَّافِي وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ» ،
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ، بِنَاءً عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ إلَيْهِ وَرَجَّحَهُ فِي الْإِقْنَاعِ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُكَلَّفِ.
(وَ) سُنَّ (الدُّعَاءُ) لَهُ أَيْ الْمَيِّتِ (بَعْدَ الدَّفْنِ عِنْدَ الْقَبْرِ) نَصًّا فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفَعَلَهُ أَحْمَدُ جَالِسًا وَاسْتَحَبَّ الْأَصْحَابُ وُقُوفَهُ (وَ) سُنَّ (رَشُّهُ) أَيْ الْقَبْرِ (بِمَاءٍ) بَعْدَ وَضْعِ الْحَصْبَاءِ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ مَاءً، وَوَضَعَ عَلَيْهِ الْحَصْبَاءَ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَلِئَلَّا يَذْهَبَ تُرَابُهُ. وَالْحَصْبَاءُ صِغَارُ الْحَصَى.
(وَ) يُسَنُّ (رَفْعُهُ) أَيْ الْقَبْرِ عَنْ الْأَرْضِ (قَدْرَ شِبْرٍ) لِيُعْرَفَ أَنَّهُ قَبْرٌ فَيَتَوَقَّى وَيَتَرَحَّمُ عَلَى صَاحِبِهِ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رُفِعَ قَبْرُهُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ» (وَكُرِهَ) رَفْعُهُ (فَرْقُهُ) أَيْ الشِّبْرِ لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَلِيٍّ «لَا تَدَعْ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْته وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْته» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ
وَالْمُشْرِفُ: مَا رُفِعَ كَثِيرًا، لِقَوْلِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي صِفَةِ قُبُورِ النَّبِيِّ «صَلَّى وَصَاحِبَيْهِ لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ» (وَ) كُرِهَ (زِيَادَةُ تُرَابِهِ) أَيْ الْقَبْرِ نَصًّا لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «نَهَى أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
قَالَ فِي الْفُصُولِ: إلَّا أَنْ يُحْتَاجَ إلَيْهِ (وَ) كُرِهَ (تَزْوِيقُهُ) أَيْ الْقَبْرِ (وَتَخْلِيقُهُ) أَيْ طَلْيُهُ بِالطِّينِ (وَنَحْوِهِ) كَدَهْنِهِ ; لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَغَيْرُ لَائِقٍ بِالْحَالِ (وَ) كُرِهَ (تَجْصِيصُهُ وَاتِّكَاءٌ عَلَيْهِ وَمَبِيتٌ) عِنْدَهُ (وَحَدِيثٌ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَتَبَسُّمٌ عِنْدَهُ، وَضَحِكٌ أَشَدُّ) كَرَاهَةً مِنْ تَبَسُّمٍ (وَكِتَابَةٌ) عَلَى الْقَبْرِ (وَجُلُوسٌ) عَلَيْهِ (وَوَطْءٌ) عَلَيْهِ وَلَوْ بِلَا نَعْلٍ، قَالَ
стр. 362
بَعْضُهُمْ: إلَّا لِحَاجَةٍ (وَبِنَاءُ) قُبَّةٍ وَغَيْرِهَا عَلَيْهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «نَهَى أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَزَادَ " وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ " وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا قَدْ اتَّكَأَ عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ: لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ» وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالتَّبَسُّمَ عِنْدَهُ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْحَالِ.
(وَ) كُرِهَ (مَشْيٌ عَلَيْهِ) أَيْ الْقَبْرِ يَعْنِي الْمَشْيَ بَيْنَ الْقُبُورِ (بِنَعْلٍ) لِلْخَبَرِ (حَتَّى بِالتُّمُشْكِ - بِضَمِّ التَّاءِ وَالْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ) نَوْعٌ مِنْ النَّعْلِ (وَسُنَّ خَلْعُهُ) إذَا دَخَلَ الْمَقْبَرَةَ. لِحَدِيثِ «بَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَةِ بَيْنَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الْقُبُورِ عَلَيْهِ نَعْلَانِ، فَقَالَ لَهُ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ، فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَلَمَّا عَرَفَ الرَّسُولَ ﷺ خَلَعَهُمَا، فَرَمَى بِهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَاحْتِرَامًا لِأَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
(إلَّا خَوْفَ نَجَاسَةٍ أَوْ شَوْكٍ وَنَحْوِهِ) كَحَرَارَةِ الْأَرْضِ أَوْ بُرُودَتِهَا، فَلَا يُكْرَهُ لِلْعُذْرِ، وَلَا يُسَنُّ خَلْعُ خُفٍّ لِأَنَّهُ يَشُقُّ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجِنَازَةِ لَبِسَ خُفَّهُ وَمَا حَمَلْت عَلَيْهِ كَلَامَهُ أَوْلَى مِنْ شَرْحِهِ لِيُوَافِقَ كَلَامَهُ أَوَّلًا
وَكَلَامَ الْأَصْحَابِ. (وَلَا بَأْسَ بِتَطْبِيقِهِ) أَيْ الْقَبْرِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ قُلْت لِعَائِشَةَ " يَا أُمَّهْ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ، لَا مُشْرِفَةٍ، وَلَا لَاطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءَ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ " (وَ) لَا بَأْسَ (بِتَعْلِيمِهِ) أَيْ الْقَبْرِ نَصًّا (بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ وَنَحْوِهِمَا وَبِلَوْحٍ) «لِفِعْلِهِ ﷺ بِقَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، عَلَّمَهُ بِحَجَرٍ وَضَعَهُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: أُعَلِّمُ قَبْرَ أَخِي حَتَّى أَدْفِنَ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (وَتَسْنِيمُ) الْقَبْرِ (أَفْضُلُ) مِنْ تَسْطِيحِهِ «لِقَوْلِ سُفْيَانَ التَّمَّارِ رَأَيْت قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُسَنَّمًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ وَلِأَنَّ التَّسْطِيحَ أَشَبَهُ بِبِنَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا (إلَّا) مَنْ دُفِنَ (بِدَارِ حَرْبٍ إنْ تَعَذَّرَ نَقْلُهُ) مِنْ دَارِ الْحَرْبِ (فَتَسْوِيَتُهُ) أَيْ قَبْرِهِ بِالْأَرْضِ (وَإِخْفَاؤُهُ) أَفْضَلُ حَتَّى مِنْ تَسْنِيمِهِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُظْهَرَ عَلَيْهِ فَيُنْبَشَ، فَيُمَثَّلُ بِهِ.
(وَيَحْرُمُ إسْرَاجُهَا) أَيْ الْقُبُورِ لِحَدِيثِ «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذَاتِ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ وَلِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا فَائِدَةٍ وَمُغَالَاةٍ فِي
стр. 363
تَعْظِيمِ الْأَمْوَاتِ. يُشْبِهُ تَعْظِيمُ الْأَصْنَامِ.
(وَ) يَحْرُمُ (التَّخَلِّي) عَلَى الْقُبُورِ وَبَيْنَهَا لِحَدِيثِ «لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ وَلَا أُبَالِي أَوَسَطَ الْقُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَوْ وَسَطَ السُّوقِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ مَاجَهْ (وَ) يَحْرُمُ (جَعْلُ مَسْجِدٍ عَلَيْهَا وَبَيْنَهَا) أَيْ الْقُبُورِ لِلْخَبَرِ.
(وَدَفْنٌ بِصَحْرَاءَ أَفْضَلُ) مِنْ دَفْنٍ بِعُمْرَانٍ «لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ بِالْبَقِيعِ» وَلَمْ يَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَقْبُرُونَ فِي الصَّحَارَى، وَلِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ (سِوَى النَّبِيِّ ﷺ فَدُفِنَ بِبَيْتِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ " لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِمَا رُوِيَ «تُدْفَنُ الْأَنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ» وَصِيَانَةً لَهُ عَنْ كَثْرَةِ الطُّرُقِ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ (وَاخْتَارَ صَاحِبَاهُ) أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (الدَّفْنَ عِنْدَهُ تَشَرُّفًا وَتَبَرُّكًا وَلَمْ يُزَدْ) عَلَيْهِمَا (لِأَنَّ الْخَرْقَ) بِدَفْنِ غَيْرِهِمَا عِنْدَهُ (يَتَّسِعُ وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى دَفْنِهِمْ كَمَا وَقَعَ) فَلَا يُنْكِرُهُ إلَّا بِدْعِيٌّ ضَالٌّ.
وَكُرِهَ جَعْلُ خَيْمَةٍ أَوْ فُسْطَاطٍ عَلَى قَبْرٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فِي كِسْوَةِ الْقَبْرِ بِالثِّيَابِ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ مُنْكَرٌ إذَا فُعِلَ بِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟ .
(وَمَنْ وَصَّى بِدَفْنِهِ بِدَارٍ) فِي مِلْكِهِ (أَوْ) فِي (أَرْضٍ فِي مِلْكِهِ دُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْوَرَثَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ (وَ) قَالَ (لَا بَأْسَ بِشِرَائِهِ مَوْضِعَ قَبْرِهِ وَيُوصِي بِدَفْنِهِ فِيهِ) فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ. وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا: أَنَّ الْأُولَى إذَا كَانَ بِالْعُمْرَانِ، وَالثَّانِيَةَ إذَا كَانَ بِالصَّحْرَاءِ. إذْ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ بِالْبَقِيعِ.
(وَيَصِحُّ بَيْعُ) وَارِثٍ (مَا دُفِنَ فِيهِ) الْمَيِّتُ (مِنْ مِلْكِهِ مَا لَمْ يُجْعَلْ) أَيْ يَصِير (مَقْبَرَةً) نَصًّا لِبَقَاءِ مِلْكِهِمْ فَإِنْ جُعِلَتْ مَقْبَرَةً صَارَتْ وَقْفًا.
(وَيُسْتَحَبُّ جَمْعُ الْأَقَارِبِ) الْمَوْتَى فِي مَقْبَرَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَعْلِيمِ قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ. وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِزِيَارَتِهِمْ (وَ) يُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي (الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّ مُوسَى ﷺ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةَ حَجَرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ كُنْت ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ» وَقَالَ عُمَرُ " اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِك " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَيُسْتَحَبُّ مَا كَثُرَ فِيهِ الصَّالِحُونَ لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ.
(وَيُدْفَنُ) مَيِّتٌ (فِي مُسَبَّلَةٍ وَلَوْ
стр. 364
بِقَوْلِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ) لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا وَلَا مِنَّةَ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُكَفَّنَ مِنْ أَكْفَانِ الْمُسْلِمِينَ (وَيُقَدَّمُ فِيهَا) أَيْ الْمُسْبَلَةِ عِنْدَ ضِيقٍ (بِسَبْقٍ) لِأَنَّهُ سَبْقٌ إلَى مُبَاحٍ (ثُمَّ) مَعَ تَسَاوٍ فِي سَبْقٍ يُقَدَّمُ ب (قُرْعَةٍ) لِأَنَّهَا لِتَمْيِيزِ مَا أُبْهِمَ (وَيَحْرُمُ الْحَفْرُ فِيهَا) أَيْ الْمُسْبَلَةِ (قَبْلَ الْحَاجَةِ) إلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَيَتَوَجَّهُ هُنَا مَا سَبَقَ فِي الْمُصَلَّى الْمَفْرُوشِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ.
(وَ) يَحْرُمُ (دَفْنُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ) أَيْ مَيِّتٍ عَلَى آخَرَ (حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ) أَيْ الْأَوَّلَ (صَارَ تُرَابًا) فَيَجُوزُ نَبْشُهُ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِقَاعِ وَالْبِلَادِ وَالْهَوَاءِ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ ثُمَّ إنْ وُجِدَ فِيهِ عِظَامٌ لَمْ يَجُزْ دَفْنُ آخَرَ عَلَيْهِ وَتَحْرُمُ عِمَارَةُ قَبْرٍ دَائِرٍ ظُنَّ بِلَاءُ صَاحِبِهِ فِي مُسَبَّلَةٍ
لِئَلَّا يُتَصَوَّرَ بِصُورَةِ الْجَدِيدِ، فَيُمْتَنَعُ مِنْ الدَّفْنِ بِهِ (وَ) يَحْرُمُ أَنْ يُدْفَنَ غَيْرُهُ (مَعَهُ) فِي لَحْدٍ وَاحِدٍ ; «لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدْفِنُ كُلَّ مَيِّتٍ بِقَبْرٍ» وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِمْ (إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ) كَكَثْرَةِ مَوْتَى بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِلْعُذْرِ (وَسُنَّ حَجْزٌ بَيْنَهُمَا بِتُرَابٍ) يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَكْفِي الْكَفَنُ.
(وَ) سُنَّ (أَنْ يُقَدَّمَ إلَى الْقِبْلَةِ مَنْ يُقَدَّمُ إلَى الْإِمَامَةِ) لَوْ اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُهُمْ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، لِحَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ كَثْرَةُ الْجِرَاحَاتِ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: احْفِرُوا وَوَسِّعُوا، وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ أَحْمَدُ وَلَوْ جُعِلَ لَهُمْ شِبْهُ النَّهْرِ وَجُعِلَ رَأْسُ أَحَدِهِمْ عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ، وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ.
(وَ) الْمَيِّتُ (الْمُتَعَذِّرُ إخْرَاجُهُ مِنْ بِئْرٍ إلَّا مُتَقَطِّعًا وَنَحْوَهُ) كَمُمَثَّلٍ بِهِ (وَثَمَّ حَاجَةٌ إلَيْهَا) أَيْ الْبِئْرِ (أُخْرِجَ) مُتَقَطِّعًا لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنْ طَمِّهَا (وَإِلَّا) يَكُنْ ثَمَّ حَاجَةٌ إلَى الْبِئْرِ (طَمَّتْ) عَلَيْهِ فَتَصِيرُ قَبْرَهُ دَفْعًا لِلتَّمْثِيلِ بِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ بِلَا تَقْطِيعٍ بِمُعَالَجَةٍ بِأَكْسِيَةٍ وَنَحْوِهَا تُدَارُ فِيهَا تَجْتَذِبُ الْبُخَارَ أَوْ بِكَلَالِيبٍ وَنَحْوِهَا بِلَا مُثْلَةٍ، وَجَبَ لِتَأْدِيَةِ فَرْضِ غُسْلِهِ وَيُعْرَفُ زَوَالُ بُخَارِهَا بِبَقَاءِ السِّرَاجِ بِهَا فَإِنَّ النَّارَ لَا تَبْقَى عَادَةً إلَّا فِيمَا يَعِيشُ فِيهِ الْحَيَوَانُ.
(وَيَحْرُمُ دَفْنٌ بِمَسْجِدٍ وَنَحْوَهُ) كَمَدْرَسَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِنْ لَهُ (وَيُنْبَشُ) وُجُوبًا مَنْ دُفِنَ بِهِ وَيُخْرَجُ نَصًّا.
(وَ) يَحْرُمُ دَفْنٌ (فِي مِلْكِ غَيْرِهِ) مَا لَمْ يَأْذَنْ مَالِكُهُ فِيهِ فَيُبَاحُ (وَلَهُ) أَيْ الْمَالِكِ إنْ لَمْ يَأْذَنْ (نَقْلُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ مِنْ مِلْكِهِ وَإِلْزَامُ
стр. 365
دَافِنِهِ بِنَقْلِهِ لِتَفْرِيغِ مِلْكِهِ (وَالْأَوْلَى) لَهُ (تَرْكُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ لِئَلَّا يَنْتَهِكَ حُرْمَتَهُ.
(وَيُبَاحُ نَبْشُ قَبْرِ حَرْبِيٍّ لِمَصْلَحَةٍ) «لِأَنَّ مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ ﵊ كَانَ قُبُورًا لِلْمُشْرِكِينَ فَأَمَرَ بِنَبْشِهَا وَجَعْلِهَا مَسْجِدًا» (أَوْ لِمَالٍ فِيهِ) أَيْ قَبْرِ الْحَرْبِيِّ لِحَدِيثِ «هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ ذَهَبٍ إنْ رَأَيْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَأَخْرَجُوا الْغُصْنَ» .
وَ (لَا) يُبَاحُ نَبْشُ قَبْرِ (مُسْلِمٍ مَعَ بَقَاءِ رِمَّتِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَأَنْ دُفِنَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ (بِأَنْ كُفِّنَ بِغَصْبٍ) نُبِشَ وَأُخِذَ مَعَ بَقَائِهِ لِيُرَدَّ إلَى مَالِكِهِ إنْ تَعَذَّرَ غُرْمُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِلَّا لَمْ يُنْبَشْ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ مَعَ إمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ بِدُونِهَا (أَوْ) كَانَ الْمَيِّتُ (بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ وَيَبْقَى) كَالذَّهَبِ وَنَحْوِهِ (وَطَلَبَهُ رَبُّهُ وَتَعَذَّرَ غُرْمُهُ) مِنْ تَرِكَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا لِلْحَيْلُولَةِ: نُبِشَ وَشُقَّ جَوْفُهُ، وَدُفِعَ الْمَالُ لِرَبِّهِ تَخْلِيصًا لِلْمَيِّتِ مِنْ إثْمِهِ، فَإِنْ كَانَ بَلَعَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ أَوْ لَا يَبْقَى أَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ رَبُّهُ أَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ غُرْمُهُ لَمْ يُنْبَشْ (أَوْ وَقَعَ وَلَوْ) كَانَ وُقُوعُهُ (بِفِعْلِ رَبِّهِ فِي الْقَبْرِ مَا) أَيْ شَيْءٌ (لَهُ قِيمَةٌ عُرْفًا) وَإِنْ قُلْت (نُبِشَ وَأُخِذَ) لِمَا رُوِيَ " أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وَضَعَ خَاتَمَهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: خَاتَمِي، فَدَخَلَ وَأَخَذَهُ، وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أَقْرَبُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ " قَالَ أَحْمَدُ: إذَا نَسِيَ الْحَفَّارُ مِسْحَاتَهُ فِي الْقَبْرِ جَازَ أَنْ يُنْبَشَ.
وَ (لَا) يُنْبَشُ (إنْ بَلَعَ) الْمَيِّتُ (مَالَ نَفْسِهِ وَلَمْ يَبْلَ) الْمَيِّتُ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ لِمَالِهِ فِي حَيَاتِهِ أَشْبَهَ إتْلَافَهُ، فَإِنْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَبَقِيَ الْمَالُ أَخَذَهُ الْوَرَثَةُ (إلَّا مَعَ دَيْنٍ) عَلَى بَالِعِ مَالِ نَفْسِهِ فَيُنْبَشُ وَيُشَقُّ جَوْفُهُ وَيُوَفَّى مُبَادَرَةً إلَى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ (وَيَجِبُ نَبْشُ مَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَمْكَنَ) تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ فَيُخْرَجُ وَيُغَسَّلُ مَا لَمْ يُخْشَ تَفَسُّخُهُ (أَوْ) دُفِنَ بِلَا (صَلَاةٍ) عَلَيْهِ، فَيُخْرَجُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُرَدُّ إلَى مَضْجَعِهِ نَصًّا مَا لَمْ يُخْشَ تَفَسُّخُهُ لِأَنَّ مُشَاهَدَتَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَقْصُودَةٌ وَلِذَلِكَ لَوْ صُلِّيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّفْنِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ لَمْ تَصِحَّ (أَوْ) دُفِنَ بِلَا (كَفَنٍ) فَيُخْرَجُ وَيُكَفَّنُ نَصًّا اسْتِدْرَاكًا لِلْوَاجِبِ كَمَا لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وُجُوبًا لِعَدَمِ سُقُوطِ الْفَرْضِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَإِنْ كَانَ كُفِّنَ بِحَرِيرٍ فَوَجْهَانِ.
وَفِي الْإِنْصَافِ: الْأَوْلَى عَدَمُ نَبْشِهِ (أَوْ) دُفِنَ (إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ) فَيُنْبَشُ وَيُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ (وَيَجُوزُ) نَبْشُ
стр. 366
مَيِّتٍ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، كَتَحْسِينِ كَفَنِهِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَنَحْوِهِ) كَإِفْرَادِ مَنْ دُفِنَ مَعَ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ " دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْته فَجَعَلْته فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ ".
(وَ) يَجُوزُ نَبْشُهُ ل (نَقْلِهِ لِبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ وَمُجَاوَرَةِ صَالِحٍ) لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ لِمَالِكٍ: أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ يَقُولُ " إنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ مَاتَا بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَا إلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَا بِهَا " وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ " مَاتَ ابْنُ عُمَرَ هَهُنَا وَأَوْصَى أَنْ لَا يُدْفَنَ هَهُنَا وَأَنْ يُدْفَنَ بِسَرِفٍ " ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ (إلَّا شَهِيدًا دُفِنَ بِمَصْرَعِهِ) فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ قَالَهُ فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَصَارِعِهِمْ» .
(وَدَفْنُهُ) أَيْ الشَّهِيدِ (بِهِ) أَيْ بِمَصْرَعِهِ (سُنَّةٌ) لِلْخَبَرِ (فَيُرَدُّ) الشَّهِيدُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى مَصْرَعِهِ (لَوْ نُقِلَ) مِنْهُ مُوَافَقَةً لِلسُّنَّةِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يَجِبُ نَقْلُهُ لِضَرُورَةٍ نَحْوِ كَوْنِهِ بِدَارِ حَرْبٍ، أَوْ مَكَان يُخَافُ نَبْشُهُ وَتَحْرِيقُهُ أَوْ الْمُثْلَةِ بِهِ.
(وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ) بِمَنْ يُرْجَى حَيَاتُهُ (حَرُمَ شَقُّ بَطْنِهَا) لِلْحَمْلِ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً ; لِأَنَّهُ هَتْكُ حُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، لِإِبْقَاءِ حَيَاةٍ مُتَوَهَّمَةٍ إذْ الْغَالِبُ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَعِيشُ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَزَادَ " فِي الْإِثْمِ ".
(وَأَخْرَجَ النِّسَاءَ مَنْ تُرْجَى حَيَاتُهُ) بِأَنْ كَانَ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً قَوِيَّةً وَانْفَتَحَتْ الْمَخَارِجُ، وَلَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِنَّ إخْرَاجُهُ (لَمْ تُدْفَنْ حَتَّى يَمُوتَ) الْحَمْلُ لِحُرْمَتِهِ، وَلَا يُشَقُّ بَطْنُهَا، وَلَا يُوضَعُ عَلَيْهِ مَا يُمَوِّتُهُ وَلَا يُخْرِجُهُ الرِّجَالُ، لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهَا (وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) أَيْ الْحَمْلِ (حَيًّا شُقَّ) بَطْنُهَا (ل) خُرُوجِ (الْبَاقِي) لِتَيَقُّنِ حَيَاتِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَوْهُومَةً (فَلَوْ مَاتَ) الْحَمْلُ (قَبْلَهُ) أَيْ شَقِّ بَطْنِهَا.
(أُخْرِجَ) لِيُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ، وَلَا يُشَقُّ بَطْنُهَا (فَإِنْ تَعَذَّرَ) إخْرَاجُهُ (غُسِّلَ مَا خَرَجَ) مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ السِّقْطِ (وَلَا يُيَمَّمُ لِلْبَاقِي) لِأَنَّهُ حَمْلٌ (وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) أَيْ الْحَمْلِ خَرَجَ بَعْضُهُ أَوْ لَا (مَعَهَا) أَيْ مَعَ أُمِّهِ الْمُسْلِمَةِ بِأَنْ يُنْوَى الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا (بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ (فَ) يُصَلَّى (عَلَيْهَا دُونَهُ) أَيْ الْحَمْلِ.
(فَإِنْ
стр. 367
مَاتَتْ كَافِرَةٌ) ذِمِّيَّةً أَوْ لَا (حَامِلٌ بِمُسْلِمٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) بِبَطْنِهَا كَمَبْلُوعٍ بِبَطْنِ بَالِعِهِ (وَدَفْنُهَا) أَيْ الْكَافِرَةِ الْحَامِلِ (بِمُسْلِمٍ) مِنْ أَجْلِ حَمْلِهَا (مُنْفَرِدَةً) عَنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ نَصًّا، حَكَاهُ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ (إنْ أَمْكَنَ) إفْرَادُهَا (وَإِلَّا) يُمْكِنُ إفْرَادُهَا (فَمَعَنَا) لِئَلَّا يُدْفَنَ الْجَنِينُ الْمُسْلِمُ مَعَ الْكَافِرِ، وَتُدْفَنُ (عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ مُسْتَدْبِرَةً الْقِبْلَةَ) لِيَكُونَ الْجَنِينُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْمُصَابِ.
(وَسُنَّ لِمُصَابٍ) بِمَوْتِ نَحْوِ قَرِيبٍ (أَنْ يَسْتَرْجِعَ فَيَقُولَ: إنَّا لِلَّهِ) أَيْ نَحْنُ عَبِيدُهُ يَفْعَلُ بِنَا مَا يَشَاءُ (وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ) أَيْ نَحْنُ مُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ الرَّدِيئَةِ (اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا) أَجِرْنِي: مَقْصُورٌ وَقِيلَ: مَمْدُودٌ، وَأَخْلِفْ: بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ.
قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَجَمَاعَةٌ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَرَأَ ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] (وَ) أَنْ (يَصْبِرَ) عَلَى الْمُصِيبَةِ، وَالصَّبْرُ: الْحَبْسُ، وَيَجِبُ مِنْهُ مَا يَمْنَعُهُ عَنْ مُحَرَّمٍ. وَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَوْتِ الْوَلَدِ أَجْرٌ كَبِيرٌ وَرَدَتْ بِهِ الْآثَارُ (وَلَا يَلْزَمُهُ الرِّضَا بِفَقْرٍ وَعَاهَةٍ وَمَرَضٍ) تُصِيبُهُ، وَهِيَ عَرَضٌ مُفْسِدٌ لِمَا أَصَابَهُ، لِأَنَّهَا مِنْ الْمُقْضَى (وَيَحْرُمُ) الرِّضَا (بِفِعْلِهِ الْمَعْصِيَةَ) كَفِعْلِ غَيْرِهِ لَهَا، لِوُجُوبِ إزَالَتِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
فَالرِّضَا أَوْلَى، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إذَا نَظَرَ إلَى إحْدَاثِ الرَّبِّ لِذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا رَضِيَ لِلَّهِ بِمَا رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ، فَيَرْضَاهُ وَيُحِبُّهُ مَفْعُولًا مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى، يَبْغُضُهُ وَيَكْرَهُهُ فِعْلًا لِلْمُذْنِبِ الْمُخَالِفِ لِأَمْرِ اللَّهِ (وَكُرِهَ لِمُصَابٍ تَغْيِيرُ حَالِهِ مِنْ خَلْعِ رِدَاءٍ وَنَحْوِهِ) كَعِمَامَةٍ (وَتَعْطِيلِ مَعَاشِهِ) بِنَحْوِ غَلْقِ حَانُوتِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْجَزَعِ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَمَشَّ مَعَ الْقَدْرِ لَمْ يَتَهَنَّ بِعَيْشٍ. وَ (لَا) يُكْرَهُ (بُكَاؤُهُ) أَيْ الْمُصَابِ قَبْلَ الْمُصِيبَةِ
стр. 368
وَبَعْدَهَا لِلْأَخْبَارِ، وَأَخْبَارُ النَّهْيِ مَحْمُولَةٌ عَلَى بُكَاءٍ مَعَهُ نَدْبٌ أَوْ نِيَاحَةٌ.
قَالَ الْمَجْدُ: أَوْ أَنَّهُ كُرِهَ كَثْرَةُ الْبُكَاءِ وَالدَّوَامُ عَلَيْهِ أَيَّامًا كَثِيرَةٍ (وَ) لَا يُكْرَهُ (جَعْلُ عَلَامَةٍ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُصَابِ (لِيُعْرَفَ فَيُعَزَّى) لِتَتَيَسَّرَ التَّعْزِيَةُ الْمَسْنُونَةُ لِمَنْ أَرَادَهَا.
(وَ) لَا يُكْرَهُ (هَجْرُهُ) أَيْ الْمُصَابِ (الزِّينَةَ وَحَسَنَ الثِّيَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِمَا يَأْتِي فِي الْإِحْدَادِ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ يَوْمَ مَاتَ بِشْرٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ؟ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ جَوَابٍ، هَذَا يَوْمُ حُزْنٍ.
(وَحَرُمَ نَدْبٌ) أَيْ تَعْدَادُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ بِلَفْظِ النُّدْبَةِ، نَحْوُ وَاسَيِّدَاهُ، وَاجَمَلَاهُ، وَانْقِطَاعَ ظَهْرَاهُ (وَ) حَرُمَتْ (نِيَاحَةٌ) : قِيلَ هِيَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ، وَقِيلَ ذِكْرُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ وَأَحْوَالِهِ (وَ) حَرُمَ (شَقُّ ثَوْبٍ وَلَطْمُ خَدٍّ، وَصُرَاخٌ وَنَتْفُ شَعْرٍ وَنَشْرُهُ وَنَحْوُهُ) كَتَسْوِيدِ وَجْهٍ وَخَمْشِهِ لِلْأَخْبَارِ مِنْهَا: حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالسَّخَطِ مِنْ فِعْلِهِ تَعَالَى، صَحَّتْ الْأَخْبَارُ بِتَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِالنِّيَاحَةِ وَالْبُكَاءِ عَلَيْهِ،
وَحُمِلَ عَلَى مَنْ أَوْصَى بِهِ أَوْ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ إذَا كَانَ عَادَةَ أَهْلِهِ، أَوْ عَلَى مَنْ كَذَّبَ بِهِ حِينَ يَمُوتُ، أَوْ عَلَى تَأَذِّيهِ بِهِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى الْبُكَاءِ الَّذِي مَعَهُ نَدْبٌ وَنِيَاحَةٌ، وَنَحْوُ هَذَا وَمَا هَيَّجَ الْمُصِيبَةَ مِنْ وَعْظٍ وَإِنْشَادِ شِعْرٍ مِنْ النَّاحِيَةِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَمَعْنَاهُ فِي الْفُنُونِ.
(وَتُسَنُّ تَعْزِيَةُ مُسْلِمٍ) مُصَابٍ (وَلَوْ) كَانَ (صَغِيرًا) قَبْلَ دَفْنٍ وَبَعْدَهُ لِحَدِيثِ «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ كَمِثْلِ أَجْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.
وَتَحْرُمُ تَعْزِيَةُ كَافِرٍ، وَهِيَ التَّسْلِيَةُ وَالْحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ.
(وَتُكْرَهُ) تَعْزِيَةُ رَجُلٍ (لِشَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ) مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ (إلَى ثَلَاثِ) لَيَالٍ بِأَيَّامِهِنَّ فَلَا يُعَزَّى بَعْدَهَا لِأَنَّهَا مُدَّةُ الْإِحْدَادِ الْمُطْلَقِ قَالَ الْمَجْدُ إلَّا إذَا كَانَ غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِتَعْزِيَتِهِ إذَا حَضَرَ.
قَالَ النَّاظِمُ: مَا لَمْ تُنْسَ الْمُصِيبَةُ (فَيُقَالُ) فِي تَعْزِيَتِهِ (ل) مُسْلِمٍ (مُصَابٍ بِمُسْلِمٍ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك.
وَ) لِمُسْلِمٍ مُصَابٍ (بِكَافِرٍ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك) لِأَنَّ الْغَرَضَ الدُّعَاءُ لِلْمُصَابِ وَمَيِّتِهِ إلَّا إذَا كَانَ كَافِرًا فَيُمْسِكُ عَنْ الدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ
стр. 369
(أَوْ) يُقَالُ (غَيْرُ ذَلِكَ) مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ. وَرَوَى حَرْبٌ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ «عَزَّى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا عَلَى وَلَدِهِ، فَقَالَ: آجَرَكَ اللَّهُ وَأَعْظَمَ لَك الْأَجْرَ» .
(وَكُرِهَ تَكْرَارُهَا) أَيْ التَّعْزِيَةِ نَصًّا فَلَا يُعَزِّي عِنْدَ الْقَبْرِ مَنْ عَزَّى قَبْلُ وَلَهُ الْأَخْذُ بِيَدِ مَنْ يُعَزِّيهِ وَإِنْ رَأَى الرَّجُلَ قَدْ شَقَّ ثَوْبَهُ عَلَى الْمُصِيبَةِ عَزَّاهُ وَلَمْ يَتْرُكْ حَقًّا لِبَاطِلٍ وَإِنْ نَهَاهُ فَحَسَنٌ (وَ) كُرِهَ (جُلُوسٌ لَهَا) أَيْ التَّعْزِيَةِ بِأَنْ يَجْلِسَ الْمُصَابُ بِمَكَانٍ لِيُعَزَّى أَوْ يَجْلِسَ الْمُعَزِّي عِنْدَ الْمُصَابِ بَعْدَهَا لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لِلْحُزْنِ.
وَ (لَا) يُكْرَهُ جُلُوسُ الْمُعَزِّي (بِقُرْبِ دَارِ الْمَيِّتِ) خَارِجًا عَنْهَا (لِيَتَّبِعَ الْجِنَازَةَ) إذَا خَرَجَتْ (أَوْ لِيَخْرُجَ وَلِيُّهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (فَيُعَزِّيَهُ) لِأَنَّهُ لِطَاعَةٍ بِلَا مَفْسَدَةٍ لَكِنْ إنْ كَانَ الْجُلُوسُ خَارِجَ مَسْجِدٍ عَلَى نَحْوِ حَصِيرٍ مِنْهُ كُرِهَ نَصًّا.
بَلْ مُقْتَضَى مَا فِي الْوَقْفِ: يَحْرُمُ لِأَنَّهَا إنَّمَا وُقِفَتْ لِيُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُنْتَفَعَ بِهَا فِيهِ (وَيَرُدُّ مُعَزًّى) عَلَى مَنْ عَزَاهُ (ب) قَوْلِهِ (اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَك، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ) رَدَّ بِهِ أَحْمَدُ (وَسُنَّ أَنْ يُصْلِحَ لِأَهْلِ مَيِّتٍ) حَاضِرًا كَانَ أَوْ غَائِبًا، وَأَتَاهُمْ نَعْيُهُ (طَعَامًا يَبْعَثُ) بِهِ (إلَيْهِمْ ثَلَاثًا) مِنْ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا لِحَدِيثِ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» مُخْتَصَرٌ
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَ (لَا) يُصْلَحُ الطَّعَامُ (لِمَنْ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ) أَيْ أَهْلِ الْمَيِّتِ (فَيُكْرَهُ) لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَكْرُوهٍ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ عِنْدَهُمْ.
قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا، وَلِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ عَنْ جَرِيرٍ " كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ النِّيَاحَةِ " (ك) مَا يُكْرَهُ (فِعْلُهُمْ) أَيْ أَهْلِ الْمَيِّتِ (ذَلِكَ) الطَّعَامَ (لِلنَّاسِ) يَجْتَمِعُونَ عِنْدَهُمْ، قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ: إلَّا لِحَاجَةٍ (وَكَذَبْحٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَأَكْلٍ مِنْهُ) فَيُكْرَهُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ. «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد قَالَ أَحْمَدُ " كَانُوا إذَا مَاتَ لَهُمْ مَيِّتٌ نَحَرُوا جَزُورًا فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ " وَفِي مَعْنَى الذَّبْحِ عِنْدَهُ: الصَّدَقَةُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ مُحْدَثٌ وَفِيهِ رِيَاءٌ. .
стр. 370
[فَصْلٌ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ مُسْلِمٍ]
سُنَّ لِرَجُلٍ زِيَارَةُ قَبْرِ مُسْلِمٍ نَصًّا ذَكَرًا وَأُنْثَى بِلَا سَفَرٍ لِحَدِيثِ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» وَالتِّرْمِذِيِّ " فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ " وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُرَجِّحُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ إنْ كَانَ وَارِدًا بَعْدَ الْحَظْرِ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَقِفُ زَائِرٌ أَمَامَهُ) أَيْ الْقَبْرِ (قَرِيبًا مِنْهُ) عُرْفًا.
(وَتُبَاحُ) زِيَارَةُ مُسْلِمٍ (لِقَبْرِ كَافِرٍ) وَوُقُوفٌ عِنْدَهُ «لِزِيَارَتِهِ ﷺ لِقَبْرِ أُمِّهِ وَكَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ» وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَدْعُو لَهُ، بَلْ يَقُولُ: أَبْشِرْ بِالنَّارِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] الْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ: الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ.
(وَتُكْرَهُ) زِيَارَةُ قُبُورٍ (لِنِسَاءٍ) لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ «نُهِينَا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ عَلِمْنَ) أَيْ النِّسَاءُ (أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُنَّ مُحَرَّمٌ) بِزِيَارَتِهِنَّ (حَرُمَتْ) زِيَارَتُهُنَّ لَهَا لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ لِلْمُحَرَّمِ (إلَّا) زِيَارَةَ النِّسَاءِ (لِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (فَتُسَنُّ) كَالرِّجَالِ، لِعُمُومِ " مَنْ حَجَّ فَزَارَنِي " وَنَحْوَهُ.
(وَلَا يُمْنَعُ كَافِرٌ زِيَارَةَ قَبْرِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ) كَعَكْسِهِ.
(وَسُنَّ لِمَنْ زَارَ قُبُورَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَرَّ بِهَا أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، أَوْ) يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ (أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) وَيَقُولُ بَعْدَ كُلٍّ مِنْ الصِّيغَتَيْنِ (وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ اللَّاحِقُونَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ) لِلْأَخْبَارِ، وَقَوْلُهُ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " لِلتَّبَرُّكِ أَوْ فِي الْمَوْتِ عَلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي الدَّفْنِ عِنْدَهُمْ وَنَحْوِهِ مِمَّا أُجِيبَ بِهِ إذْ الْمَوْتُ مُحَقَّقٌ فَلَا يُعَلَّقُ بِأَنْ (وَيُخَيَّرُ فِيهِ) أَيْ السَّلَامِ (عَلَى حَيٍّ بَيْنَ تَعْرِيفٍ وَتَنْكِيرٍ) لِصِحَّةِ النُّصُوصِ بِهِمَا (وَهُوَ) أَيْ السَّلَامُ (سُنَّةُ) عَيْنٍ مِنْ مُنْفَرِدٍ (وَمِنْ جَمْعٍ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (سُنَّةُ كِفَايَةٍ) لِحَدِيثِ " أَفْشُوا السَّلَامَ " وَمَا بِمَعْنَاهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُسَلِّمُوا كُلُّهُمْ، وَلَا يَجِبُ إجْمَاعًا، قَالَهُ فِي شَرْحِهِ وَيُكْرَهُ فِي الْحَمَّامِ وَعَلَى مَنْ يَأْكُلُ أَوْ يُقَاتِلُ، أَوْ يَبُولُ، أَوْ يَتَغَوَّطُ أَوْ يَتْلُو، أَوْ يَذْكُرُ أَوْ يُلَبِّي، أَوْ يُحَدِّثُ، أَوْ يَعِظُ أَوْ يَسْتَمِعُ لَهُمْ وَمَنْ يُكَرِّرُ فِقْهًا أَوْ يَدْرُسُ، أَوْ يَبْحَثُ فِي
стр. 371
الْعِلْمِ، أَوْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ، أَوْ يَتَمَتَّعُ بِأَهْلِهِ، أَوْ يَشْتَغِلُ بِالْقَضَاءِ وَنَحْوُهُمْ (وَرَدُّهُ) أَيْ السَّلَامِ إنْ لَمْ يُكْرَهْ ابْتِدَاؤُهُ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) فَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَرَدُّ السَّلَامِ سَلَامٌ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ يَجُوزُ بِلَفْظِ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ،
وَلَا تَجِبُ زِيَادَةُ الْوَاوِ فِيهِ وَلَا تُسَنُّ زِيَادَةٌ فِي ابْتِدَاءِ وَرَدٍّ عَلَى: وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَيَجُوزُ زِيَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالْأَوْلَى لَفْظُ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا وَلَا يَسْقُطُ بِرَدِّ غَيْرِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ وَمَنْ بُعِثَ مَعَهُ السَّلَامُ بَلَّغَهُ وُجُوبًا إنْ تَحَمَّلَهُ، وَيَجِبُ الرَّدُّ عِنْدَ الْبَلَاغِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الرَّسُولِ فَيَقُولَ: عَلَيْك وَعَلَيْهِ السَّلَامُ (كَتَشْمِيتِ عَاطِسٍ حَمِدَ) اللَّهَ تَعَالَى.
(وَ) ك (إجَابَتِهِ) أَيْ الْعَاطِسِ لِمَنْ شَمَّتَهُ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ لِأَنَّ التَّشْمِيتَ تَحِيَّةٌ فَحُكْمُهُ كَالسَّلَامِ، وَلِهَذَا لَا يُشَمَّتُ الْكَافِرُ كَمَا لَا يُبْتَدَأُ بِالسَّلَامِ فَيَقُولُ الْعَاطِسُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَوْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ وَيُجِيبُ بِقَوْلِهِ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ أَوْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدْ لَمْ يُشَمَّتْ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَسْمَعُهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ» وَلَا يُشَمِّتُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَالِاعْتِبَارُ بِفِعْلِ التَّشْمِيتِ لَا بِعَدَدِ الْعَطَسَاتِ وَيُعَلَّمُ صَغِيرٌ الْحَمْدَ إذَا عَطَسَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَوَبِوَرِكِ فِيكَ، وَمَنْ عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدْ
فَلَا بَأْسَ بِتَذْكِيرِهِ. (وَيَسْمَعُ الْمَيِّتُ الْكَلَامَ) لِأَنَّهُ ﵇ أَمَرَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ يَأْمُرُ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ لَا يَسْمَعُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اسْتَفَاضَتْ الْآثَارُ بِمَعْرِفَةِ الْمَيِّتِ أَحْوَالَ أَهْلِهِ وَأَحْبَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَجَاءَتْ الْآثَارُ بِأَنَّهُ يَرَى أَيْضًا
وَيَدْرِي بِمَا فُعِلَ عِنْدَهُ: وَيُسَرُّ بِمَا كَانَ حَسَنًا وَيَتَأَلَّمُ بِمَا كَانَ قَبِيحًا (وَيَعْرِفُ) الْمَيِّتُ (زَائِرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) قَالَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ يَعْرِفُهُ كُلَّ وَقْتٍ وَهَذَا وَقْتٌ آكَدُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّائِرَ مَتَى جَاءَ عَلِمَ بِهِ الْمَزُورُ وَسَمِعَ سَلَامَهُ، وَأَنِسَ بِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي حَقِّ الشُّهَدَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ أَثَرِ الضَّحَّاكِ الدَّالِّ عَلَى التَّوْقِيتِ انْتَهَى يُشِيرُ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ الضَّحَّاكِ قَالَ " مَنْ زَارَ قَبْرًا يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلِمَ الْمَيِّتُ
стр. 372
بِزِيَارَتِهِ قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ لِمَكَانِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ " وَنَحْوُهُ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ قَالَ " بَلَغَنِي أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ مَنْ زَارَهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ " (وَيَتَأَذَّى بِالْمُنْكَرِ عِنْدَهُ وَيَنْتَفِعُ بِالْخَيْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
وَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ (وَسُنَّ) لِزَائِرِ مَيِّتٍ فِعْلُ (مَا يُخَفِّفُ عَنْهُ وَلَوْ بِجَعْلِ جَرِيدَةٍ رَطْبَةٍ فِي الْقَبْرِ) لِلْخَبَرِ، وَأَوْصَى بِهِ بُرَيْدَةَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَ) لَوْ (بِذِكْرٍ وَقِرَاءَةٍ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَبْرِ لِخَبَرِ الْجَرِيدَةِ لِأَنَّهُ إذَا رُجِيَ التَّخْفِيفُ بِتَسْبِيحِهَا فَالْقِرَاءَةُ أَوْلَى وَعَنْ ابْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يُسْتَحَبُّ إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، رَوَاهُ اللَّالَكَائِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ عُمُومُ «اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ» . وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ أَوْ أَحَدِهِمَا فَقَرَأَ عِنْدَهُ يس غَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ أَوْ حَرْفٍ» رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ (وَكُلُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا مُسْلِمٌ وَجَعَلَ) الْمُسْلِمُ (ثَوَابَهَا لِمُسْلِمٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ حَصَلَ) ثَوَابُهَا (لَهُ وَلَوْ جَهِلَهُ) أَيْ الثَّوَابَ (الْجَاعِلُ) لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ كَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَوَاجِبٌ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ إجْمَاعًا وَكَذَا الْعِتْقُ وَحَجُّ التَّطَوُّعِ وَالْقِرَاءَةُ وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْمَيِّتُ يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهِ لِلْأَخْبَارِ. وَمِنْهَا مَا رَوَى أَحْمَدُ «أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَمَّا أَبُوك فَلَوْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ فَصُمْت أَوْ تَصَدَّقْتَ عَنْهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ» رَوَى أَبُو حَفْصٍ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ " " أَنَّهُمَا كَانَا يُعْتِقَانِ عَنْ عَلِيٍّ بَعْدَ مَوْتِهِ " وَأَعْتَقَتْ عَائِشَةُ عَنْ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَوْتِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِهْدَاءِ وَنَقْلِ الثَّوَابِ نِيَّتُهُ بِهِ ابْتِدَاءً بَلْ يَتَّجِهُ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ ابْتِدَاءً بِالنِّيَّةِ لَهُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَهَدَاهُ أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: إنْ كُنْت أَثَبْتَنِي عَلَى هَذَا فَاجْعَلْ ثَوَابَهُ لِفُلَانٍ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ إهْدَاءً مَا لَا يَتَحَقَّقُ حُصُولُهُ لِأَنَّهُ يَظُنُّهُ ثِقَةً بِوَعْدِ اللَّهِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ.
وَلَوْ صَلَّى فَرْضًا وَأَهْدَى ثَوَابَهُ لِمَيِّتٍ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَشْهَرِ وَقَالَ الْقَاضِي يَصِحُّ وَبَعُدَ (وَإِهْدَاءُ الْقُرَبِ مُسْتَحَبٌّ) قَالَ فِي الْفُنُونِ وَالْمَجْدِ: حَتَّى لِلنَّبِيِّ ﷺ . " تَتِمَّةٌ ".
رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ «أَنَّ مَوْتَ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلْفَاجِرِ» وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا أَيْضًا.
стр. 373
[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
الزَّكَاةُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِيهِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ ﷺ : «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» مِنْ زَكَا يَزْكُو إذَا نَمَا لِأَنَّهَا تُطَهِّرُ مُؤَدِّيهَا مِنْ الْإِثْمِ، أَيْ تُنَزِّهُهُ عَنْهُ، وَتُنَمِّي أَجْرَهُ أَوْ تُنَمِّي الْمَالَ أَوْ الْفُقَرَاءَ وَأَجْمَعُوا عَلَى فَرِيضَتِهَا وَاخْتَلَفُوا هَلْ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ؟ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ طَلَبُهَا وَبَعْثُ السَّعَادَةِ لِقَبْضِهَا بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ الْحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ: فُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ بَعْدَ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَفِي تَارِيخِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ: أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَهِيَ (حَقٌّ وَاجِبٌ) مِنْ عُشْرٍ أَوْ نِصْفِهِ، أَوْ رُبْعِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَأْتِي مُفَصَّلًا (فِي مَالٍ خَاصٍّ) يَأْتِي (لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) هُمْ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿: إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: وَاجِبٌ: الْحُقُوقُ الْمَسْنُونَةُ، كَالسَّلَامِ وَالصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَبِقَوْلِهِ: فِي مَالٍ خَاصٍّ: رَدُّ السَّلَامِ وَالنَّفَقَةُ وَنَحْوِهَا، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، لِأَنَّ كَلَامَهُ هُنَا فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، وَبِقَوْلِهِ: لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ: الدِّيَةُ.
وَبِقَوْلِهِ: (بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ) وَهُوَ تَمَامُ الْحَوْلِ وَبُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَنَحْوُهُ النَّذْرُ بِمَالٍ خَاصٍّ لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ (وَالْمَالُ الْخَاصُّ) الْمَذْكُورُ (سَائِمَةُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (وَ) سَائِمَةُ (بَقَرِ الْوَحْشِ وَغَنَمِهِ) لِشُمُولِ اسْمِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لَهُمَا (وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ الْأَهْلِيِّ وَالْوَحْشِيِّ وَالسَّائِمِ (وَغَيْرِهِ) كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الظِّبَاءِ وَالْغَنَمِ، وَبَيْنَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ تَغْلِيبًا لِلْوُجُوبِ (وَالْخَارِجُ مِنْ الْأَرْضِ) مِنْ حُبُوبٍ وَثِمَارٍ وَمَعْدِنٍ وَرِكَازٍ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
(وَ) مِنْ
стр. 374
النَّحْلِ وَالْأَثْمَانِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ فَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَيْلٍ وَرَقِيقٍ وَغَيْرِهِمَا لِحَدِيثِ «عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» وَحَدِيثِ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ الرَّأْسِ عَشَرَةً وَمِنْ الْفَرَسِ عَشَرَةً وَمِنْ الْبِرْذَوْنِ خَمْسَةً " فَشَيْءٌ تَبَرَّعُوا بِهِ وَعَوَّضَهُمْ مِنْهُ رِزْقُ عَبِيدِهِمْ كَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَشُرُوطُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ خَمْسَةٌ (وَلَيْسَ مِنْهَا) أَيْ الشُّرُوطِ (بُلُوغٌ، وَ) لَا عَقْلٌ فَتَجِبُ فِي مَالِ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ. لِعُمُومِ حَدِيثِ «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ مَرْفُوعًا «انْتَمُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تُذْهِبُهَا - أَوْ لَا تَسْتَهْلِكُهَا - الصَّدَقَةُ» وَكَوْنُهُ مُرْسَلًا غَيْرُ ضَارٍّ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عُمَرُ، وَابْنُهُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُهُ الْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةُ
وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ وَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا كَالْمَرْأَةِ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ، وَالْعَقْلِ وَلَا تَجِبُ فِي الْمَالِ الْمَنْسُوبِ لِلْجَنِينِ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ (الْإِسْلَامُ وَ) الثَّانِي (الْحُرِّيَّةُ) .
وَ (لَا) يُشْتَرَطُ (كَمَالُهَا) أَيْ الْحُرِّيَّةِ (فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (عَلَى مُبَعَّضٍ بِقَدْرِ مِلْكِهِ) مِنْ الْمَالِ بِجُزْئِهِ، لِتَمَامِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ وَلَا تَجِبُ زَكَاةٌ (عَلَى كَافِرٍ) لِحَدِيثِ «مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الْيَمَنِ إنَّك تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك بِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهَا أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى كَافِرٍ كَالصِّيَامِ (وَلَوْ كَانَ) الْكَافِرُ (مُرْتَدًّا) لِأَنَّهُ كَافِرٌ فَأَشْبَهَ الْأَصْلِيَّ فَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ لِزَمَنِ رِدَّتِهِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ « ﷺ : الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَلَا تَجِبُ زَكَاةٌ عَلَى (رَقِيقٍ) وَلَوْ قِيلَ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ (وَلَوْ) كَانَ (مُكَاتَبًا) لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يَعْتِقَ» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلِأَنَّ مِلْكَهُ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ وَمَتَى عَتَقَ اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ بِمَا بَقِيَ لَهُ إنْ بَقِيَ نِصَابًا (وَلَا يَمْلِكُ رَقِيقٌ غَيْرَهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (وَلَوْ
стр. 375
مَلَكَ) مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مَالٌ فَلَا يَمْلِكُ الْمَالَ كَالْبَهَائِمِ فَمَا جَرَى فِيهِ صُورَةُ تَمْلِيكٍ مِنْ سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ فَزَكَاتُهُ عَلَى السَّيِّدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ.
(وَ) الثَّالِثُ (مِلْكُ نِصَابٍ) وَهُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَيْضًا فَلَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا، لِمَا يَأْتِي فِي أَبْوَابِهِ وَيَكُونُ النِّصَابُ (تَقْرِيبًا فِي أَثْمَانٍ، وَ) قِيَمِ (عُرُوضِ) تِجَارَةٍ، فَتَجِبُ مَعَ نَقْصٍ يَسِيرٍ، كَحَبَّةٍ وَحَبَّتَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا، أَشْبَهَ نَقْصَ الْحَوْلِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ (وَتَحْدِيدًا فِي غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ وَالْعُرُوضِ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْمَوَاشِي
فَإِنْ نَقَصَ نِصَابُهَا، وَلَوْ بِجُزْءٍ يَسِيرٍ لَمْ تَجِبْ لَكِنْ لَا اعْتِبَارَ بِنَقْصٍ يَدْخُلُ فِي الْكَيْلِ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ مِلْكِ نِصَابٍ (لِغَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا: الدَّيْنُ غَيْرُ مَانِعٍ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ حُكْمًا وَلَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ.
(وَلَوْ) كَانَ النِّصَابُ (مَغْصُوبًا) بِيَدِ غَاصِبٍ أَوْ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْهُ أَوْ تَالِفًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْحَوَالَةِ أَشْبَهَ الدَّيْنَ، فَيُزَكِّيهِ رَبُّهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى (وَيَرْجِعُ) رَبُّهُ (بِزَكَاتِهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (عَلَى غَاصِبِهِ) لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِيَدِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ (أَوْ) كَانَ (ضَالًّا) فَيُزَكِّيهِ مَالِكُهُ إذَا وَجَدَهُ لِحَوْلٍ مِنْ التَّعْرِيفِ، لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ (لَا) يُزَكِّيهِ رَبُّهُ (زَمَنَ مِلْكِ مُلْتَقِطٍ) بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُلْتَقِطِ
فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ (وَيَرْجِعُ) رَبُّ مَالٍ ضَالٍّ وَجَدَهُ (بِهَا) أَيْ بِزَكَاتِهِ (عَلَى مُلْتَقِطٍ أَخْرَجَهَا) أَيْ زَكَاةً (مِنْهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ وَلَوْ لِحَوْلِ التَّعْرِيفِ لِتَعَدِّيهِ بِالْإِخْرَاجِ وَلَا تَجْزِيءُ عَنْ رَبِّهَا، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى رَبِّهَا بِشَيْءٍ (أَوْ) كَانَ (غَائِبًا) فَتَجِبُ زَكَاتُهُ كَالْحَاضِرِ وَ (لَا) تَجِبُ (إنْ شَكَّ فِي بَقَائِهِ) لِعَدَمِ تَيَقُّنِ السَّبَبِ لَكِنْ مَتَى وَصَلَ إلَى يَدِهِ زَكَّاهُ لِمَا مَضَى مُطْلَقًا (أَوْ) كَانَ (مَسْرُوقًا أَوْ مَدْفُونًا مَنْسِيًّا) بِدَارِهِ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْ مَوْرُوثًا جَهِلَهُ) أَيْ أَنَّهُ لَهُ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَوْتِ مُورَثِهِ (أَوْ) مَوْرُوثًا جُهِلَ (عِنْدَ مَنْ هُوَ) بِأَنْ عَلِمَ مَوْتَ مُوَرِّثِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ مَوْرُوثُهُ
(وَنَحْوَهُ) كَالْمَوْهُوبِ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَيُزَكِّيهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (إذَا قَدَرَ) رَبُّهُ (عَلَيْهِ) بِأَخْذِهِ مِنْ غَاصِبِهِ، أَوْ مُلْتَقِطِهِ أَوْ سَارِقِهِ وَنَحْوِهِ، أَوْ حُضُورِ غَائِبٍ، أَوْ عِلْمِهِ بِمَدْفُونٍ، أَوْ مَوْرُوثٍ وَقَبْضِ مَوْهُوبٍ لِأَنَّ الزَّكَاةَ
стр. 376
مُوَاسَاةٌ فَلَا تَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهَا (أَوْ) كَانَ النِّصَابُ (مَرْهُونًا) فَتَجِبُ فِيهِ كَغَيْرِهِ (وَيُخْرِجُهَا) أَيْ زَكَاةَ الْمَرْهُونِ (رَاهِنٌ مِنْهُ) أَيْ الْمَرْهُونِ (بِلَا إذْنِ) مُرْتَهِنٍ
(إنْ تَعَذَّرَ غَيْرُهُ) أَيْ الْمَرْهُونِ، بِأَنْ كَانَ غَيْرُهُ غَائِبًا، أَوْ مَغْصُوبًا وَنَحْوَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي جِنَايَةِ رَاهِنٍ عَلَى دَيْنِهِ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ وَتَقَدَّمَ عَلَى حَقِّ مَالِكِهِ فَكَذَا عَلَى حَقِّ مُرْتَهِنٍ (وَيَأْخُذُ مُرْتَهِنٌ) مِنْ رَاهِنٍ أَخْرَجَ زَكَاةَ رَهْنٍ مِنْهُ (عِوَضَ زَكَاةٍ إنْ أَيْسَرَ) رَاهِنٌ بِأَنْ حَضَرَ مَالُهُ الْغَائِبُ، أَوْ انْتَزَعَ الْمَغْصُوبَ وَنَحْوَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ أَتْلَفَ الرَّهْنَ أَوْ بَعْضَهُ (أَوْ) كَانَ النِّصَابُ (دَيْنًا) عَلَى مُوسِرٍ أَوْ مُعْسِرٍ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْحَوَالَةِ أَشْبَهَ الدَّيْنَ عَلَى الْمَلِيءِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ فِي الدَّيْنِ الْمَظْنُونِ " إنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُزَكِّهِ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى " وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ، فِي مَادَّةِ " ظَنَّ " بِالْمُعْجَمَةِ: وَكَصَبُورٍ مِنْ الدُّيُونِ مَا لَا يَدْرِي أَيَقْبِضُهُ آخِذُهُ أَمْ لَا؟ (غَيْرَ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) فَلَا زَكَاةَ فِيهَا إذَا كَانَتْ دَيْنًا لِاشْتِرَاطِ السَّوْمِ فِيهَا
فَإِنْ عُيِّنَتْ زُكِّيَتْ كَغَيْرِهَا (أَوْ) غَيْرِ (دِيَةٍ وَاجِبَةٍ) عَلَى قَاتِلٍ، أَوْ عَاقِلَتِهِ فَلَا تُزَكَّى، لِأَنَّهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ مَالًا زَكَوِيًّا لِأَنَّ الْإِبِلَ أَصْلٌ، أَوْ أَحَدُ الْأُصُولِ (أَوْ) غَيْرِ (دَيْنِ سَلَمٍ) فَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ.
وَالْحَوَالَةُ بِهِ وَعَلَيْهِ (مَا لَمْ يَكُنْ) دَيْنُ السَّلَمِ (أَثْمَانًا) فَتَجِبُ فِيهَا لِوُجُوبِهَا فِي عَيْنِهَا (أَوْ) يَكُنْ دَيْنُ السَّلَمِ (لِتِجَارَةٍ) فَتَجِبُ فِي قِيمَتِهَا، كَسَائِرِ عُرُوضِهَا (وَلَوْ) كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي قُلْنَا تَجِبُ زَكَاتُهُ (مَجْحُودًا بِلَا بَيِّنَةٍ) لِأَنَّ جَحْدَهُ لَا يُزِيلُ مِلْكَ رَبِّهِ عَنْهُ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُزَكِّيهِ حَتَّى يَقْضِيَهُ (وَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ) أَيْ الدَّيْنِ (إنْ سَقَطَ قَبْلَ قَبْضِهِ بِلَا عِوَضٍ وَلَا إسْقَاطٍ) كَصَدَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ يَسْقُطُ بِفَسْخٍ مِنْ جِهَتِهَا، أَوْ تَنَصَّفَ لِطَلَاقِهِ.
وَكَدَيْنٍ بِذِمَّةِ رَقِيقٍ يَمْلِكُهُ رَبُّ الدَّيْنِ، وَكَثَمَنِ نَحْوِ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِتَلَفٍ قَبْلَ قَبْضِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ فَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ فِي الْكُلِّ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، وَلَا تَلْزَمُ فِي شَيْءٍ تَعَذَّرَ حُصُولُهُ قُلْت: وَمِثْلُهُ مَوْهُوبٌ لَمْ يُقْبَضْ رَجَعَ فِيهِ وَاهِبٌ بَعْدَ الْحَوْلِ فَتَسْقُطُ عَنْ مَوْهُوبٍ لَهُ (وَإِلَّا) يَسْقُطُ قَبْلَ قَبْضِهِ بِلَا عِوَضٍ وَلَا إسْقَاطٍ (فَلَا) تَسْقُطْ زَكَاتُهُ (فَيُزَكِّي) الدَّيْنَ (إذَا قَبَضَ) أَوْ عُوِّضَ عَنْهُ أَوْ أَحَالَ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ (أَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ لِمَا
стр. 377
مَضَى) مِنْ السِّنِينَ، وَلَا يَجِبُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَلَيْسَ مِنْهَا إخْرَاجُ زَكَاةِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ (وَيَجْرِي إخْرَاجُهَا) أَيْ زَكَاةِ الدَّيْنِ (قَبْلَ) قَبْضِهِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ لِقِيَامِ الْوُجُوبِ عَلَى رَبِّهِ، وَعَدَمُ إلْزَامِهِ بِالْإِخْرَاجِ إذَنْ رُخْصَةٌ وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ (وَلَوْ قَبَضَ) رَبُّ دَيْنٍ مِنْهُ (دُونَ نِصَابٍ) زَكَّاهُ.
وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ (أَوْ كَانَ بِيَدِهِ) دُونَ نِصَابٍ (وَبَاقِيهِ) أَيْ النِّصَابِ (دَيْنٌ، أَوْ غَصْبٌ، أَوْ ضَالٌّ زَكَّاهُ) أَيْ مَا بِيَدِهِ لِأَنَّهُ مَالِكُ نِصَابٍ مِلْكًا تَامًّا أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ كُلَّهُ، أَوْ كَانَ بِيَدِهِ كُلِّهِ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَلَعَلَّهُ فِيمَا إذَا ظَنَّ رُجُوعَهُ، أَيْ الضَّالِّ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ زَكَّتْ) امْرَأَةٌ (صَدَاقَهَا كُلَّهُ) بَعْدَ الْحَوْلِ، وَهُوَ فِي مِلْكِهَا. (ثُمَّ تَنَصَّفَ) الصَّدَاقُ (بِطَلَاقِهِ) أَيْ الزَّوْجِ أَوْ خُلْعِهِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ (رَجَعَ فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الصَّدَاقِ (بِكُلِّ حَقِّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الْآيَةَ فَلَوْ أَصْدَقَهَا ثَمَانِينَ فَحَالَ الْحَوْلُ وَزَكَّتْهَا أَوْ لَا رَجَعَ بِأَرْبَعِينَ وَتَسْتَقِرُّ الزَّكَاةُ عَلَيْهَا (وَلَا تُجْزِئُهَا زَكَاتُهَا مِنْهُ) أَيْ الصَّدَاقِ (بَعْدَ) طَلَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ حَالَ الْحَوْلُ لِأَنَّهُ مَالٌ مُشْتَرَكٌ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ (وَيُزَكِّي مُشْتَرٍ مَبِيعًا مُعَيَّنًا) كَنِصَابِ سَائِمَةٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَوْصُوفٍ مِنْ قَطِيعٍ مُعَيَّنٍ (أَوْ) مَبِيعًا (مُتَمَيِّزًا) كَهَذِهِ الْأَرْبَعِينَ شَاةً، هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ قُنْدُسٍ قَالَ: فَكُلُّ مُتَمَيِّزَةٍ مُتَعَيِّنَةٍ، وَلَيْسَ كُلُّ مُتَعَيِّنَةٍ مُتَمَيِّزَةً (وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ) - أَيْ الْمَبِيعَ الْمُتَعَيِّنَ وَالْمُتَمَيِّزَ - مُشْتَرٍ (حَتَّى انْفَسَخَ) الْبَيْعُ (بَعْدَ الْحَوْلِ) لِأَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِ الْفَسْخِ لَا مِنْ أَصْلِهِ (وَمَا عَدَاهُمَا) أَيْ الْمُتَعَيِّنِ وَالْمُتَمَيِّزِ، كَأَرْبَعِينَ شَاةً مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ وَحَلَّ الْحَوْلُ قَبْلَ قَبْضِهَا يُزَكِّيهَا (بَائِعٌ) لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِ مُشْتَرٍ إلَّا بِقَبْضِهَا لِعَدَمِ تَعْيِينِهَا، قُلْت: قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي السَّلَمِ إنْ كَانَ لِتِجَارَةٍ أَوْ أَثَمَانًا زَكَّاهُ مُشْتَرٍ، وَفِي تَمْثِيلِهِ فِي شَرْحِهِ بِنِصْفِ زُبْرَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَزْنُهَا أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ: نَظَرٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا لَكِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ بِتَعْيِينِ مَحَلِّهِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ حَوَاشِي ابْنِ قُنْدُسٍ وَكَيْفَ تَجِبُ زَكَاةُ مَالٍ مُعَيَّنٍ عَلَى غَيْرِ مَالِكِهِ؟ .
(وَ) الرَّابِعُ (تَمَامُ الْمِلْكِ) فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي مُقَابَلَةِ تَمَامِ النِّعْمَةِ، وَالْمِلْكُ النَّاقِصُ لَيْسَ بِنِعْمَةٍ تَامَّةٍ (وَلَوْ) كَانَ تَمَامُ الْمِلْكِ (فِي مَوْقُوفٍ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ سَائِمَةٍ) نَصًّا إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ لِعُمُومِ النُّصُوصِ وَلِأَنَّ
стр. 378
الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ أَشْبَهَ سَائِرَ أَمْلَاكِهِ وَمِنْ غَلَّةِ أَرْضٍ وَغَلَّةٍ شَجَرٍ مَوْقُوفَيْنِ عَلَى مُعَيَّنٍ نَصًّا إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا لِأَنَّ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ لَيْسَا وَقْفًا بِدَلِيلِ بَيْعِهِمَا وَيُخْرِجُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهَا أَيْ السَّائِمَةِ فَيُخْرِجُ عَنْ غَلَّةِ أَرْضٍ وَشَجَرٍ مِنْهَا لِمَا مَرَّ، وَأَمَّا السَّائِمَةُ فَيُخْرِجُ عَنْهَا لَا مِنْهَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِي الْمَوْقُوفِ.
وَمَعْنَى تَمَامِ الْمِلْكِ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ، وَفَوَائِدُهُ عَائِدَةٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي بِمَعْنَاهُ فَلَا زَكَاةَ عَلَى سَيِّدِ مُكَاتَبٍ فِي دَيْنِ كِتَابَةٍ لِنَقْصِ مِلْكِهِ فِيهِ بِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ بِحَالٍ وَعَدَمِ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ وَضَمَانُهُ وَمَا قَبَضَهُ مِنْهُ سَيِّدُهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ الْحَوْلَ إنْ بَلَغَ نِصَابًا وَإِلَّا فَكَمُسْتَفَادٍ.
وَكَذَا إنْ عَجَزَ وَبِيَدِهِ شَيْءٌ وَلَا زَكَاةَ فِي حِصَّةِ مُضَارِبٍ مِنْ رِبْحٍ قَبْلَ قِسْمَةٍ وَلَوْ مُلِّكَتْ حِصَّتُهُ لَهُ بِالظُّهُورِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ فَمِلْكُهُ نَاقِصٌ وَيُزَكِّي رَبُّ الْمَالِ حِصَّتَهُ مِنْ رِبْحٍ نَصًّا كَالْأَصْلِ تَبَعًا لَهُ كَأَنْ دَفَعَ أَلْفًا مُضَارَبَةً عَلَى النِّصْفِ فَحَالَ الْحَوْلُ وَرَبِحَ أَلْفَيْنِ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ زَكَاةُ أَلْفَيْنِ وَإِذَا أَدَّاهَا - أَيْ زَكَاةَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ - رَبُّهُ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ مَا يُنْقِصُهُ وَإِنْ أَدَّى زَكَاتَهُ مِنْهُ تُحْسَبُ زَكَاتُهُ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ وَمِنْ قَدْرِ حِصَّتِهِ أَيْ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ فَيُنْقِصُ رُبْعَ عَشْرِ رَأْسِ الْمَالِ مَعَ رُبْعِ عُشْرِ حِصَّةِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ وَلَا تُحْسَبُ كُلُّهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَحْدَهُ وَلَا مِنْ الرِّبْحِ وَحْدَهُ.
وَلَيْسَ لِعَامِلٍ إخْرَاجُ زَكَاةٍ تَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ بِلَا إذْنِهِ نَصًّا فَيَضْمَنُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ وَلِيًّا لَهُ وَلَا وَكِيلًا عَنْهُ وَيَصِحُّ شَرْطُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ زَكَاةِ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِهِ لِنَفْسِهِ نِصْفَ الرِّبْحِ وَثُمُنَ عُشْرِهِ مَثَلًا، وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ زَكَاةِ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ زَكَاةِ بَعْضِهِ مِنْ الرِّبْحِ لِأَنَّهُ قَدْ يُحَطُّ بِالرِّبْحِ كَشَرْطِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ إذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِنِصَابٍ إذَا حَالَ الْحَوْلُ أَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِهَذَا النِّصَابِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ تَامٌّ فِي الْحَوْلِ، وَيُجْزِئُهُ إخْرَاجُهَا مِنْهُ وَيَبْرَأُ نَاذِرٌ مِنْ زَكَاةٍ وَنَذْرٍ بِقَدْرِ مَا يُخْرِجُ مِنْهُ أَيْ النِّصَابِ الْمَنْذُورِ الصَّدَقَةَ بِهِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ بِنِيَّتِهِ أَيْ: الْمُخْرِجِ (عَنْهُمَا) أَيْ:
стр. 379
الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَدَقَةٌ كَمَا لَوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَالسُّنَّةَ. وَ (لَا) تَجِبُ زَكَاةٌ (فِي) نِصَابٍ (مُعَيَّنٍ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ) أَوْ بِبَعْضِهِ، وَلَمْ يَقُلْ إذَا حَالَ الْحَوْلُ لِزَوَالِ مِلْكِهِ أَوْ نَقْصِهِ.
وَمَفْهُومُهُ: لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِنِصَابٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَحَالَ الْحَوْلُ تَجِبُ زَكَاتُهُ لَكِنْ يَأْتِي: لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِهِ (وَ) لَا زَكَاةَ فِي (مَوْقُوفٍ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ) كَعَلَى الْفُقَرَاءِ (أَوْ) مَوْقُوفٍ عَلَى (مَسْجِدٍ) أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ وَنَحْوِهِ، لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَالِكِ (وَ) لَا زَكَاةَ فِي (غَنِيمَةٍ مَمْلُوكَةٍ) مِنْ أَجْنَاسٍ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ قَسْمَهَا بِرَأْيِهِ فَيُعْطِي كُلًّا مِنْ أَيِّ صِنْفٍ شَاءَ بِخِلَافِ مِيرَاثٍ (إلَّا) إنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ (مِنْ جِنْسٍ) وَاحِدٍ، فَبِعَقْدِ الْحَوْلِ عَلَيْهَا (إنْ بَلَغَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ) فِي الْغَانِمِينَ (نِصَابًا) لِتَعَيُّنِ مِلْكِهِ فِيهِ.
(وَلَا) تَبْلُغُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ نِصَابًا (إنْ بُنِيَ عَلَى الْخُلْطَةِ) وَيَأْتِي: أَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ وَلَا تُخْرَجُ قَبْلَ الْقَبْضِ، كَالدَّيْنِ (وَلَا) تَجِبُ زَكَاةٌ (فِي) مَالِ (فَيْءٍ وَ) لَا فِي (خُمُسِ) غَنِيمَةٍ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الصَّرْفِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (وَ) لَا فِي (نَقْدٍ مُوصًى بِهِ فِي وُجُوهِ بِرٍّ، أَوْ) مُوصَى (أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ وَقْفًا، وَلَوْ رَبِحَ) لِعَدَمِ تَعَيُّنِ مَالِكِهِ (وَالرِّبْحُ كَأَصْلٍ) لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ فَيُصْرَفُ فِي الْوَصِيَّةِ وَيَضْمَنُ إنْ خَسِرَ نَصًّا. وَالْمَالُ الْمُوصَى بِهِ يُزَكِّيهِ مَنْ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى مِلْكِهِ وَإِنْ وَصَّى بِنَفْعِ نِصَابِ سَائِمَةٍ زَكَّاهَا مَالِكُ الْأَصْلِ وَيُحْتَمَلُ: لَا زَكَاةَ إنْ وَصَّى بِهَا أَبَدًا ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَلَا) زَكَاةَ (فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ (بِنَقْصِ النِّصَابِ) بَاطِنًا كَانَ الْمَالُ، كَأَثْمَانٍ وَعُرُوضِ تِجَارَةٍ، أَوْ ظَاهِرًا، كَمَاشِيَةٍ وَحُبُوبٍ وَثِمَارٍ. لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: " سَمِعْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ ".
وَفِي لَفْظٍ " مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِ دَيْنَهُ ; وَلْيَتْرُكْ بَقِيَّةَ مَالِهِ " وَقَدْ قَالَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ، حَيْثُ لَمْ يُنْكِرُوهُ،.
وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغَنِيِّ وَحَاجَةُ الْمَدِينِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ كَحَاجَةِ الْفَقِيرِ أَوْ أَشَدَّ.
وَلَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ تَعْطِيلُ حَاجَةِ الْمَالِكِ لِدَفْعِ حَاجَةِ غَيْرِهِ. (وَلَوْ) كَانَ الدَّيْنُ (كَفَّارَةً وَنَحْوَهَا) كَنَذْرٍ (أَوْ) كَانَ (زَكَاةَ غَنَمٍ عَنْ إبِلٍ) لِأَنَّهُ دَيْنٌ يَجِبُ قَضَاؤُهُ، فَمُنِعَ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» وَالزَّكَاةُ مِنْ جِنْسِ مَا وَجَبَتْ فِيهِ تَمْتَنِعُ بِالْأَوْلَى (إلَّا مَا) أَيْ دَيْنًا
стр. 380
(بِسَبَبِ ضَمَانٍ) فَلَا يُمْنَعُ لِأَنَّهُ فَرْعُ أَصْلٍ فِي لُزُومِ الدَّيْنِ فَاخْتَصَّ الْمَنْعُ بِأَصْلِهِ: لِتَرَجُّحِهِ.
وَفِي مَنْعِ الدَّيْنِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِهِ إجْحَافٌ بِالْفُقَرَاءِ وَلَا قَائِلَ بِتَوْزِيعِهِ عَلَى الْجِهَتَيْنِ فَلَوْ غَصَبَ أَلْفًا، ثُمَّ غَصَبَهُ مِنْهُ آخَرُ اسْتَهْلَكَهُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَلْفٌ فَلَا زَكَاةَ عَلَى الثَّانِي وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّى الْأَلْفَ لَرَجَعَ بِهِ عَلَى الثَّانِي (أَوْ) إلَّا دَيْنًا بِسَبَبِ (حَصَادٍ، أَوْ جِذَاذٍ، أَوْ دِيَاسٍ وَنَحْوِهِ) كَتَصْفِيَةٍ، لِسَبْقِ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ الْخَرَاجِ، فَإِنْ لَمْ يُنْقِصْ الدَّيْنُ النِّصَابَ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا يُقَابِلُ الدَّيْنَ لِمَا سَبَقَ وَيُزَكِّي مَا فِيهِ لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَمَتَى بَرِئَ) مَدِينٌ مِنْ دَيْنٍ بِنَحْوِ قَضَاءٍ مِنْ مَالٍ مُسْتَحْدَثٍ أَوْ أُبْرِئَ (ابْتَدَأَ حَوْلًا) مُنْذُ بَرِئَ لِأَنَّ مَا مَنَعَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ مَنَعَ انْعِقَادَ الْحَوْلِ وَقَطَعَهُ.
(وَيَمْنَعُ أَرْشُ جِنَايَةِ عَبْدِ التِّجَارَةِ زَكَاةَ قِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ وَجَبَ جَبْرًا لَا مُوَاسَاةً بِخِلَافِ الزَّكَاةِ.
(وَمَنْ لَهُ عَرْضُ قِنْيَةٍ يُبَاعُ لَوْ أَفْلَسَ) أَيْ لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، بِأَنْ كَانَ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ (يَفِي) الْعَرْضُ (بِدَيْنِهِ) الَّذِي عَلَيْهِ وَمَعَهُ مَالٌ زَكَوِيٍّ (جَعَلَ) الدَّيْنَ (فِي مُقَابَلَةِ مَا مَعَهُ) مِنْ مَالٍ زَكَوِيٍّ (وَلَا يُزَكِّيهِ) لِئَلَّا تَخْتَلَّ الْمُوَاسَاةُ وَلِأَنَّ عَرْضَ الْقِنْيَةِ كَمَلْبُوسِهِ فِي أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ،
فَإِنْ كَانَ الْعَرْضُ لِتِجَارَةٍ زُكِّيَ مَا مَعَهُ نَصًّا (وَكَذَا مَنْ بِيَدِهِ أَلْفٌ) لَهُ (وَلَهُ عَلَى مَلِيءٍ دَيْنُ أَلْفٍ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ) دَيْنٌ فَيَجْعَلُ الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ مَا بِيَدِهِ فَلَا يُزَكِّيهِ يُزَكِّي الدَّيْنَ إذَا قَبَضَهُ (وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ) وُجُوبَ (خُمُسِ زَكَاةٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَكَاةٍ حَقِيقَةً كَمَا يَأْتِي فِي بَيَانِ مَصْرِفِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ نِصَابٌ.
(وَ) الشَّرْطُ الْخَامِسُ (لِ) وُجُوبِ زَكَاةٍ فِي (أَثْمَانٍ وَمَاشِيَةٍ) وَعُرُوضِ تِجَارَةٍ: مُضِيُّ حَوْلٍ عَلَى نِصَابٍ تَامٍّ لِحَدِيثِ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» رِفْقًا بِالْمَالِكِ وَلْيَتَكَامَلْ النَّمَاءُ فَيُوَاسِي مِنْهُ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ ضَابِطٍ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَعَاقُبِ الْوُجُوبِ فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَارِبِ فَيَفْنَى الْمَالُ.
أَمَّا الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ وَالْمَعْدِنُ وَنَحْوُهُ فَهِيَ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهَا، تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهَا عِنْدَ وُجُودِهَا ثُمَّ لَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ لِعَدَمِ إرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْدِنُ أَثْمَانًا وقَوْله تَعَالَى ﴿: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يَنْفِي اعْتِبَارَ الْحَوْلِ فِي الْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا " (وَيُعْفَى فِيهِ) أَيْ الْحَوْلِ (عَنْ نِصْفِ يَوْمٍ) صَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ.
وَكَمَا يُعْفَى فِي
стр. 381
نِصَابِ أَثْمَانٍ عَنْ حِبَّةٍ وَحَبَّتَيْنِ (لَكِنْ يَسْتَقْبِلُ) أَيْ يَبْتَدِئُ الْحَوْلَ (بِصَدَاقٍ وَأُجْرَةٍ وَعِوَضِ خُلْعٍ مُعَيَّنَيْنِ وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهَا مِنْ عَقْدٍ) لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ فَيَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفُ مَنْ وَجَبَ لَهُ (وَ) يَسْتَقْبِلُ (بِمِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ الصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ (مِنْ) حِينِ (تَعْيِينٍ) لَا عَقْدٍ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفٌ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الضَّمَانِ إلَّا بِهِ، فَلَوْ أَصْدَقَهَا أَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ النِّصَابَيْنِ، أَوْ عَلَى نِصَابٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فِي رَجَبٍ مَثَلًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ إلَّا فِي الْمُحَرَّمِ، فَهُوَ ابْتِدَاءُ حَوْلِهِ وَلَوْ أَجَرَ وَنَحْوَهُ بِمَوْصُوفٍ فِي ذِمَّةٍ وَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ فَدَيْنٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقِيَاسُهُ نَحْوَ ثَمَنٍ وَعِوَضِ صُلْحٍ (وَيَتْبَعُ نِتَاجُ) بِكَسْرِ النُّونِ (السَّائِمَةِ) الْأَصْلَ فِي حَوْلِهِ، إنْ كَانَ نِصَابًا لِقَوْلِ عُمَرَ " اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ وَلَا تَأْخُذُهَا مِنْهُمْ " رَوَاهُ مَالِكٌ. وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ " عُدَّ عَلَيْهِمْ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ " وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّ السَّائِمَةَ يَخْتَلِفُ وَقْتُ وِلَادَتِهَا فَإِفْرَادُ كُلٍّ بِحَوْلٍ يَشُقُّ فَجُعِلَتْ تَبَعًا لِأُمَّاتِهَا، كَمَا تَبِعَتْهَا فِي الْمِلْكِ (وَ) يَتْبَعُ (رِبْحُ التِّجَارَةِ) وَهِيَ التَّصَرُّفُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلرِّبْحِ وَهُوَ الْفَضْلُ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ (الْأَصْلَ) أَيْ رَأْسَ الْمَالِ (فِي حَوْلِهِ إنْ كَانَ) الْأَصْلُ (نِصَابًا) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ: وَمَا عَدَا النِّتَاجَ وَالرِّبْحَ مِنْ الْمُسْتَفَادِ وَلَوْ مِنْ جِنْسِ مَا يَمْلِكُهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَيُضَمُّ إلَى نِصَابٍ بِيَدِهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ الْأَصْلُ نِصَابًا (فَحَوْلُ الْجَمِيعِ) أَيْ الْأُمَّاتِ وَالنِّتَاجِ، أَوْ رَأْسِ الْمَالِ وَرِبْحِهِ (مِنْ حِينِ كَمُلَ) النِّصَابُ فَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ بَقَرَةً فَوَلَدَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا فَحَوْلُهَا مُنْذُ بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ أَوْ مَلَكَ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا فِضَّةً وَرَبِحَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَنِصَابُهَا مُنْذُ كَمُلَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا فَنُتِجَتْ سَخْلَةٌ انْقَطَعَ الْحَوْلُ وَكَذَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَنْفَصِلَ جَنِينُهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نُتِجَتْ ثُمَّ مَاتَتْ (وَحَوْلُ صِغَارٍ) مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ (مِنْ حِينِ مَلَكَ ك) حَوْلِ (كِبَارٍ) لِعُمُومِ نَحْوِ حَدِيثِ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» وَلِأَنَّهَا تُعَدُّ مَعَ غَيْرِهَا فَتُعَدُّ مُنْفَرِدَةً كَالْأُمَّاتِ.
وَقَيَّدَهُ فِي الْإِقْنَاعِ - كَالْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ بِمَا إذَا كَانَتْ تَتَغَذَّى بِغَيْرِ اللَّبَنِ لِاعْتِبَارِ السَّوْمِ وَلَا يَبْنِي وَارِثٌ عَلَى حَوْلِ مُورَثِهِ (وَمَتَى نَقَصَ) النِّصَابُ مُطْلَقًا
стр. 382
انْقَطَعَ حَوْلُهُ (أَوْ بِيعَ) النِّصَابُ بَيْعًا صَحِيحًا وَلَوْ بِخِيَارٍ انْقَطَعَ حَوْلٌ فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ (أَوْ أُبْدِلَ مَا) أَيْ نِصَابٌ (تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي عَيْنِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) كَإِبْدَالِ بَقَرٍ بِغَيْرِهَا أَوْ إبِلٍ بِغَيْرِهَا.
وَخَرَجَ بِقَوْلِ: مَا تَجِبُ فِي عَيْنِهِ: مَا تَجِبُ فِي قِيمَتِهِ، كَعُرُوضِ تِجَارَةٍ فَلَا يَنْقَطِعُ حَوْلُهَا بِبَيْعِهَا أَوْ إبْدَالِهَا (لَا فِرَارًا مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (انْقَطَعَ حَوْلُهُ) أَيْ النِّصَابِ لِأَنَّ وُجُودَهُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يُوجَدْ وَكَذَا كُلُّ مَا خَرَجَ بِهِ عَنْ مِلْكِهِ مِنْ إقَالَةٍ أَوْ فَسْخٍ بِنَحْوِ عَيْبٍ وَرُجُوعِ وَاهِبٍ فِي هِبَةٍ، وَوَقْفٍ وَهِبَةٍ، وَجَعَلَهُ ثَمَنًا وَمُثَمَّنًا، أَوْ صَدَاقًا أَوْ أُجْرَةً وَنَحْوَهُ (إلَّا فِي ذَهَبٍ) بِيعَ أَوْ أُبْدِلَ (بِفِضَّةٍ أَوْ عَكْسِهِ) كَفِضَّةٍ بِذَهَبٍ،
فَلَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُضَمُّ إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَيُخْرَجُ عَنْهُ فَهُمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ (وَيُخْرِجُ) مَنْ أَبْدَلَ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ أَوْ عَكْسِهِ (مِمَّا مَعَهُ) عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ الْآخَرِ كَمَا يَأْتِي (وَ) إلَّا (فِي أَمْوَالِ الصَّيَارِفِ) فَلَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ بِإِبْدَالِهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى سُقُوطِ الزَّكَاةِ فِي مَالٍ يَنْمُو وَوُجُوبُهَا فِي مَالٍ لَا يَنْمُو،
وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي عَكْسَهُ وَ (لَا) يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ إذَا بِيعَ أَوْ أُبْدِلَ مَا تَجِبُ فِي عَيْنِهِ (بِجِنْسِهِ) نَصًّا وَإِنْ اخْتَلَفَ نَوْعُهُ لِأَنَّهُ نِصَابٌ يُضَمُّ إلَيْهِ نَمَاؤُهُ فِي الْحَوْلِ فَبَنَى حَوْلَهُ بَدَلَهُ مِنْ جِنْسِهِ عَلَى حَوْلِهِ كَالْعُرُوضِ (فَلَوْ أَبْدَلَهُ) أَيْ النِّصَابَ (بِأَكْثَرَ) مِنْ جِنْسِهِ (زَكَّاهُ) أَيْ الْأَكْثَرَ (إذَا تَمَّ حَوْلُ) النِّصَابِ (الْأَوَّلِ كَنِتَاجٍ) نَصًّا فَمِنْ عِنْدَهُ مِائَةٌ مِنْ الْغَنَمِ سَائِمَةً فَأَبْدَلَهَا بِمِائَتَيْنِ زَكَّاهُمَا وَبِالْعَكْسِ يُزَكِّي مِائَةً وَبِأَنْقَصَ مِنْ نِصَابٍ انْقَطَعَ الْحَوْلُ.
(وَإِنْ فَرَّ) مِنْهَا أَيْ الزَّكَاةِ فَتَحَيَّلَ عَلَى إسْقَاطِهَا فَنَقَصَ النِّصَابُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ أَبْدَلَهُ (لَمْ تَسْقُطْ بِإِخْرَاجِ) النِّصَابِ أَوْ بَعْضِهِ (عَنْ مِلْكِهِ) وَلَا بِإِتْلَافِهِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ عُقُوبَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ كَوَارِثٍ قَتَلَ مُورَثَهُ وَمَرِيضٍ طَلَّقَ فِرَارًا وَقَدْ عَاقَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْفَارِّينَ مِنْ الصَّدَقَةِ كَمَا حَكَاهُ بِقَوْلِهِ ﴿: إنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧]- الْآيَاتِ " وَلِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى إسْقَاطِهَا جُمْلَةً لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنْ الشُّحِّ.
(وَيُزَكِّي) مَنْ نَقَصَ النِّصَابَ أَوْ بَاعَهُ أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فِرَارًا (مِنْ جِنْسِ) النِّصَابِ (الْمَبِيعِ) وَنَحْوِهِ (لِذَلِكَ الْحَوْلِ) الَّذِي فَرَّ فِيهِ مِنْهَا لِأَنَّهُ الَّذِي انْعَقَدَ فِيهِ سَبَبُ الْوُجُوبِ دُونَ مَا بَعْدَهُ (وَإِنْ اُدْعِي) مَالِكُ نِصَابٍ نَقَصَ مِنْهُ
стр. 383
أَوْ بَاعَ وَنَحْوَهُ (عَدَمَهُ) أَيْ الْفِرَارِ (وَثَمَّ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (قَرِينَةُ) فِرَارٍ (عُمِلَ بِهَا) أَيْ الْقَرِينَةِ وَرُدَّ قَوْلُهُ لِدَلَالَتِهَا عَلَى كَذِبِهِ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ (قُبِلَ قَوْلُهُ) فِي عَدَمِ الْفِرَارِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَإِذَا مَضَى) الْحَوْلُ أَوْ بَدَا صَلَاحُ حَبٍّ وَثَمَرٍ وَنَحْوِهِ (وَجَبَتْ) الزَّكَاةُ (فِي عَيْنِ الْمَالِ) الَّذِي تُجْزِئُ زَكَاتُهُ مِنْهُ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ إبِلٍ فَأَكْثَرَ سَائِمَةٍ وَحُبُوبٍ وَثِمَارٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤] «وَقَوْلُهُ ﷺ : فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَقَوْلِهِ «: فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَنَظَائِرِهَا " وَفِي " لِلظَّرْفِيَّةِ أَصَالَةً
، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الْمَالِ وَصِفَاتِهِ حَتَّى وَجَبَ فِي الْجَيِّدِ وَالْوَسَطِ وَالرَّدِيءِ بِحَسَبِهِ فَكَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِعَيْنِهِ لَا بِالذِّمَّةِ وَعَكْسُ ذَلِكَ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَجَوَازُ إخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِ عَيْنِ مَا وَجَبَتْ فِيهِ رُخْصَةٌ (فَفِي نِصَابٍ) فَقَطْ كَعِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةً أَوْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً (لَمْ يُزَكِّ) ذَلِكَ النِّصَابَ (حَوْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ حَوْلَيْنِ (زَكَاةً وَاحِدَةً) لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ مَلَكَ مَالًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لِنَقْصِهِ عَنْ النِّصَابِ بِمَا وَجَبَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ (إلَّا مَا زَكَاتُهُ الْغَنَمُ مِنْ الْإِبِلِ) كَمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْهَا إذَا مَضَى عَلَيْهِ أَحْوَالٌ وَلَمْ يُزَكِّهِ (فَعَلَيْهِ لِكُلِّ حَوْلٍ زَكَاةٌ) لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِذِمَّتِهِ لَا بِالْمَالِ لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ، فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِهِ، وَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا مِنْ إبِلٍ وَمَضَى أَحْوَالٌ لَمْ يَجِبْ غَيْرُ شَاةٍ لِلْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا، لِأَنَّهَا دَيْنٌ عَلَيْهِ فَيَنْقُصُ بِهَا النِّصَابُ فِيمَا بَعْدَ الْأَوَّلِ فَيَنْقَطِعُ.
(وَمَا زَادَ عَلَى نِصَابٍ) مِمَّا زَكَاتُهُ فِي عَيْنِهِ (يُنْقَصُ مِنْ زَكَاتِهِ كُلَّ حَوْلٍ) مَضَى (بِقَدْرِ نَقْصِهِ بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَالِ فَيَنْقُصُ بِقَدْرِهَا فَلَوْ مَلَكَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ غَنَمٍ، وَمَضَى حَوْلَانِ فَأَكْثَرُ فَعَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ شَاتَانِ وَلِمَا بَعْدَهُ شَاةٌ، حَتَّى تَنْقُصَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً فَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ إبِلٍ وَمَضَى أَحْوَالٌ فَعَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَلِمَا بَعْدَهُ أَرْبَعُ شِيَاهٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَتَعَلُّقُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ بِمَا تَجِبُ فِيهِ (ك) تَعَلُّقِ (أَرْشِ جِنَايَةٍ) بِرَقَبَةِ جَانٍ (لَا كَ) تَعَلُّقِ (دَيْنٍ بِرَهْنٍ أَوْ) تَعَلُّقِ دَيْنٍ (بِمَالٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ وَلَا) كَ (تَعَلُّقِ شَرِكَةٍ) بِمَالٍ مُشْتَرَكٍ (فَلَهُ) أَيْ الْمَالِكِ (إخْرَاجُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ النِّصَابِ كَمَا لِسَيِّدِ الْجَانِي فِدَاؤُهُ بِغَيْرِ ثَمَنِهِ (وَالنَّمَاءُ بَعْدَ وُجُوبِهَا) أَيْ
стр. 384
الزَّكَاةِ (لَهُ) أَيْ الْمَالِكِ، كَوَلَدِ الْجَانِيَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فَكَذَا نَمَاءُ النِّصَابِ وَنِتَاجُهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ فَلَا تَكُونُ الْفُقَرَاءُ فِيهِ شُرَكَاءَ.
(وَإِنْ أَتْلَفَهُ) أَيْ النِّصَابَ مَالِكُهُ (لَزِمَهُ مَا وَجَبَ فِيهِ) مِنْ الزَّكَاةِ (لَا قِيمَتُهُ) أَيْ النِّصَابِ كَمَا لَوْ قَتَلَ الْجَانِي مَالِكَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ بِخِلَافِ الرَّاهِنِ (وَلَهُ) أَيْ الْمَالِكِ (التَّصَرُّفُ) فِيمَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ (بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ) كَهِبَةٍ أَوْ صَدَاقٍ كَمَا أَنَّ لَهُ ذَلِكَ فِي الْجَانِي بِخِلَافِ رَاهِنٍ أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَشَرِيكٍ.
(وَلَا يَرْجِعُ بَائِعٌ) لِمَا تَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِعَيْنِهِ (بَعْدَ لُزُومِ بَيْعِهِ فِي قَدْرِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ كَبَائِعِ الْجَانِي (إلَّا إنْ تَعَذَّرَ غَيْرُهُ) أَيْ إنَّ تَعَذَّرَ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ إذَنْ لِسَبْقِ الْوُجُوبِ كَمَا لَوْ بَاعَ جَانِيًا وَأَعْسَرَ بِأَرْشِ جِنَايَةٍ (وَلِمُشْتَرٍ الْخِيَارُ) بِرُجُوعِ بَائِعٍ بِقَدْرِهَا لِتَعَذُّرِ غَيْرِهِ لِتَبَعُّضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ مُشْتَرٍ جَانٍ. وَلِبَائِعٍ إخْرَاجُ زَكَاةِ مَبِيعٍ فِيهِ خِيَارٌ مِنْهُ فَيَبْطُلُ فِي قَدْرِهِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ) لِوُجُوبِ زَكَاةٍ (إمْكَانُ أَدَائِهَا) مِنْ الْمَالِ فَتَجِبُ فِي الدَّيْنِ وَالْغَائِبِ وَالضَّالِّ وَالْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ لِلْعُمُومَاتِ وَكَدَيْنِ الْآدَمِيِّ لَكِنْ يُعْتَبَرُ لِلُزُومِ الْإِخْرَاجِ فَلَا يَلْزَمُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ حُصُولٍ بِيَدِهِ وَتَقَدَّمَ (وَلَا) يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا أَيْضًا (بَقَاءُ مَالٍ) وَجَبَتْ فِيهِ فَلَا تَسْقُطُ بِتَلَفِهِ فَرَّطَ أَوْ لَا لِأَنَّهَا حَقٌّ آدَمِيٌّ أَوْ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَتْ دَيْنَ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ تَسْلِيمِهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا فَضَمِنَهَا بِتَلَفِهَا بِيَدِهِ كَعَارِيَّةٍ وَغَصْبٍ وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْجَانِيَ (إلَّا إذَا تَلِفَ ثَمَرٌ أَوْ زَرْعٌ بِجَائِحَةٍ قَبْلَ حَصَادٍ وَجِذَاذٍ) فَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا كَمَا سَقَطَ الثَّمَنُ إذَا تَلِفَتْ الثَّمَرَةُ بِجَائِحَةٍ وَأَوْلَى وَعِبَارَةُ الْمُوَفَّقِ وَمَنْ تَابَعَهُ: قَبْلَ الْإِحْرَازِ، وَهِيَ أَنْسَبُ بِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ وَعِبَارَةُ الْمَجْدِ وَمُتَابِعِيهِ: قَبْلَ أَخْذِهِ وَتَقَدَّمَ تَسْقُطُ زَكَاةُ الدَّيْنِ إذَا سَقَطَ بِغَيْرِ قَبْضٍ وَلَا إبْرَاءٍ وَلَا يَضْمَنُ زَكَاةَ دَيْنٍ فَاتَ بِمَوْتِ مَدِينٍ مُفْلِسٍ وَنَحْوِهِ.
(وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) نَصًّا وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهَا كَالْعُشْرِ وَلِحَدِيثِ " فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ " وَلِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ أَشْبَهَ دَيْنَ الْآدَمِيِّ.
(وَ) زَكَاةً (مَعَ دَيْنٍ بِلَا رَهْنٍ وَضِيقِ مَالٍ) تَرَكَهُ مَيِّتٌ عَنْ زَكَاةٍ وَدَيْنٍ (يَتَحَاصَّانِ) أَيْ الزَّكَاةُ وَدَيْنُ الْآدَمِيِّ نَصًّا لِلتَّزَاحُمِ كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ، قُلْت: مُقْتَضَى تَعَلُّقِهَا بِعَيْنِ الْمَالِ تَقْدِيمُهَا عَلَى دَيْنٍ بِلَا رَهْنٍ (وَ) دَيْنٍ (بِهِ) أَيْ بِرَهْنٍ
стр. 385
(يُقَدَّمُ) فَيُوفِي مُرْتَهِنٌ دَيْنَهُ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَهُ شَيْءٌ صُرِفَ فِي الزَّكَاةِ وَكَذَا جَازَ (بَعْدَ نَذْرٍ) لِصَدَقَةٍ (بِمُعَيَّنٍ) وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِ يَتَحَاصَّانِ، فَإِنْ كَانَ نَذْرٌ بِمُعَيَّنٍ قُدِّمَ لِوُجُوبِ عَيْنِهِ (ثُمَّ) بَعْدَ (أُضْحِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ) فَإِنْ كَانَتْ قُدِّمَتْ مُطْلَقًا لِتَعْيِينِهَا فَلَا تُبَاعُ فِي دَيْنٍ وَلَا غَيْرِهِ كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا وَتَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي ذَبْحٍ وَتَفْرِقَةٍ وَأَكْلٍ (وَكَذَا لَوْ أَفْلَسَ حَيٌّ) وَلَهُ أُضْحِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ أَوْ نَذْرٌ مُعَيَّنٌ فَيَخْرُجُ ثُمَّ دَيْنٌ بِرَهْنٍ ثُمَّ يُتَحَاصُّ بَقِيَّةُ دُيُونِهِ مِنْ زَكَاتِهِ وَغَيْرِهَا.
[بَابُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ]
زَكَاةِ السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ سُمِّيَتْ بَهِيمَةً لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ. وَبَدَأَ بِهَا اقْتِدَاءً بِالصِّدِّيقِ فِي كَتْبِهِ لِأَنَسٍ ﵄ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِطُولِهِ، وَيَأْتِي بَعْضُهُ مُفَرَّقًا. وَخَرَجَ بِالسَّائِمَةِ الْمَعْلُوفَةُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا لِمَفْهُومِ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «فِي كُلِّ إبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ،
وَحَدِيثِ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا «وَفِي الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ» الْحَدِيثُ وَفِي آخِرِهِ أَيْضًا «إذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا» فَقَيَّدَ بِالسَّوْمِ وَأَبْدَلَ الْبَعْضَ مِنْ الْكُلِّ وَأَعَادَ الْمُقَيَّدَ مَرَّةً أُخْرَى وَذَلِكَ دَلِيلُ اشْتِرَاطِهِ خُصُوصًا مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى مُنَاسَبَةٍ.
(وَلَا تَجِبُ إلَّا فِيمَا) أَيْ سَائِمَةٍ (لِدَرٍّ وَنَسْلٍ وَتَسْمِينٍ) فَلَا تَجِبُ فِي سَائِمَةٍ لِلِانْتِفَاعِ بِظَهْرِهَا كَإِبِلٍ تُكْرَى وَتُؤَجَّرُ وَبَقَرِ حَرْثٍ وَنَحْوِهِ أَكْثَرَ الْحَوْلِ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ (وَالسَّوْمُ) الْمُشْتَقُّ مِنْهُ السَّائِمَةُ (أَنْ تَرْعَى) فَالسَّائِمَةُ الرَّاعِيَةُ، يُقَالُ سَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا إذَا رَعَتْ وَأَسَمْتهَا إذَا رَعَيْتهَا، وَمِنْهُ ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] " (الْمُبَاحَ) غَيْرَ الْمَمْلُوكِ (أَكْثَرَ الْحَوْلِ) نَصًّا لِأَنَّ عَلَفَ السَّوَائِمِ يَقَعُ عَادَةً فِي السَّنَةِ كَثِيرًا
وَيَنْدُرُ وُقُوعُهُ فِي جَمِيعِهَا لِعُرُوضِ مَوَانِعِهِ مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ وَثَلْجٍ فَاعْتِبَارُهُ فِي كُلِّ الْعَامِ إجْحَافٌ بِالْفُقَرَاءِ وَالِاكْتِفَاءُ بِهِ فِي بَعْضِ الْعَامِ إجْحَافٌ بِالْمُلَّاكِ وَاعْتِبَارُ الْأَكْثَرِ تَعْدِيلٌ بَيْنَهُمَا وَدَفْعٌ لِأَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِأَدْنَاهُمَا وَالْأَكْثَرُ أَلْحَقُ بِالْكُلِّ فِي
стр. 386
أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ (وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ) أَيْ السَّوْمِ (فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي سَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا) كَمَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي زَرْعٍ حَمَلَ السَّيْلَ بَذْرَهُ إلَى أَرْضٍ فَنَبَتَ فِيهَا (أَوْ) سَائِمَةً (بِفِعْلِ غَاصِبِهَا) بِأَنْ أَسَامَهَا الْغَاصِبُ فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ كَزَرْعٍ غُصِبَ حَبُّهُ فَزَرَعَهُ فَنَبَتَ فَفِيهِ الْعُشْرُ عَلَى مَالِكِهِ.
وَ (لَا) تَجِبُ (فِي مَعْتَلَفَةٍ بِنَفْسِهَا أَوْ بِفِعْلِ غَاصِبٍ لَهَا) أَيْ الْبَهَائِمِ (أَوْ) بِفِعْلِ غَاصِبٍ (لِعَلَفِهَا) مَالِكًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى لَهَا أَوْ زَرَعَ لَهَا مَا تَأْكُلُهُ أَوْ جَمَعَهُ مِنْ مُبَاحٍ فَلَا زَكَاةَ لِعَدَمِ السَّوْمِ (وَعَدَمُهُ) أَيْ السَّوْمِ (مَانِعٌ) مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ لِأَنَّ وُجُودَهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِهَا.
كَمَا أَنَّ السَّقْيَ بِكُلْفَةٍ أَكْثَرَ الْحَوْلِ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْعُشْرِ كُلِّهِ (فَيَصِحُّ أَنْ تُعَجَّلَ) الزَّكَاةُ (قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ) أَيْ السَّوْمِ لِعَدَمِ الْمَانِعِ إذَنْ وَهُوَ الْعَلَفُ فِي نِصْفِ الْحَوْلِ فَأَكْثَرَ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَصِحُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ فِي بَابِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ (وَيَنْقَطِعُ السَّوْمُ شَرْعًا) أَيْ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ (بِقَطْعِهَا) أَيْ الْمَاشِيَةِ (عَنْهُ) أَيْ السَّوْمِ (بِقَصْدِ قَطْعِ الطَّرِيقِ بِهَا) أَيْ الْمَاشِيَةِ (وَنَحْوِهِ) كَقَصْدِ جَلْبِ خَمْرٍ أَوْ امْرَأَةٍ يُزْنَى بِهَا عَلَيْهَا (ك) انْقِطَاعِ (حَوْلِ التِّجَارَةِ بِنِيَّةِ قِنْيَةِ عَبِيدِهَا) أَيْ التِّجَارَةِ (لِذَلِكَ) أَيْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ (أَوْ) نِيَّةِ قِنْيَةٍ (ثِيَابِهَا) أَيْ التِّجَارَةِ (الْحَرِيرِ لِلُبْسِ مُحَرَّمٍ لَا) يَنْقَطِعُ حَوْلُ السَّوْمِ (بِنِيَّتِهَا) أَيْ السَّائِمَةِ (لِعَمَلٍ) مِنْ حَمْلٍ أَوْ كِرَاءٍ وَنَحْوِهِ (قَبْلَهُ) أَيْ الْعَمَلِ الَّذِي نَوَيْت لَهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ خِلَافُهُ وَلَمْ يُوجَدْ (وَلَا شَيْءَ فِي إبِلٍ) سَائِمَةٍ (حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا) لِحَدِيثِ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» وَبَدَأَ بِالْإِبِلِ تَأَسِّيًا بِكِتَابِ الشَّارِعِ، حِينَ فَرَضَ زَكَاةَ الْأَنْعَامِ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ النِّعَمِ قِيمَةً وَأَجْسَامًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا (فَفِيهَا شَاةٌ) إجْمَاعًا لِحَدِيثِ «وَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَتَكُونُ الشَّاةُ (بِصِفَةِ) إبِلٍ جَوْدَةً وَرَدَاءَةً (غَيْرَ مَعِيبَةٍ) فَفِي إبِلٍ كِرَامٍ سِمَانٍ شَاةٌ كَرِيمَةٌ سَمِينَةٌ.
(وَفِي) الْإِبِلِ (الْمَعِيبَةِ) شَاةٌ (صَحِيحَةٌ تَنْقُصُ قِيمَتُهَا بِقَدْرِ نَقْصِ الْإِبِلِ) كَشَاةِ الْغَنَمِ، فَمَثَلًا لَوْ كَانَتْ الْإِبِلُ مِرَاضًا وَقُوِّمَتْ لَوْ كَانَتْ صِحَاحًا بِمِائَةٍ، وَكَانَتْ الشَّاةُ فِيهَا قِيمَتُهَا خَمْسَةٌ، ثُمَّ قُوِّمَتْ مِرَاضًا بِثَمَانِينَ، كَانَ نَقْصُهَا بِسَبَبِ الْمَرَضِ عِشْرِينَ، وَذَلِكَ خُمُسِ قِيمَتِهَا صِحَاحًا لَوْ كَانَتْ، فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ قِيمَتُهَا أَرْبَعَةٌ بِقَدْرِ نَقْصِ الْإِبِلِ، وَهُوَ الْخُمُسُ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ (وَلَا يُجْزِي) عَنْ خَمْسٍ مِنْ إبِلٍ (بَعِيرٌ)
стр. 387
نَصًّا ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى (وَلَا بَقَرَةٌ) وَلَوْ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الشَّاةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ
أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً (وَلَا) يُجْزِئُ (نِصْفَا شَاتَيْنِ) لِأَنَّهُ تَشْقِيصٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ يَلْزَمُ مِنْهُ سُوءُ الشَّرِكَةِ (ثُمَّ) إنْ زَادَتْ إبِلٌ عَلَى خَمْسٍ فَ (فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَتَجِبُ) فِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ ; وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَجَبَتْ (بِنْتُ مَخَاضٍ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ» (وَهِيَ) أَيْ بِنْتُ الْمَخَاضِ (مَا تَمَّ لَهَا سَنَةٌ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ حَمَلَتْ. وَالْمَخَاضُ الْحَامِلُ وَهُوَ تَعْرِيفٌ لَهَا بِغَالِبِ أَحْوَالِهَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ،
(فَإِنْ كَانَتْ) بِنْتُ الْمَخَاضِ (عِنْدَهُ) أَيْ: الْمُزَكِّي (وَهِيَ) أَيْ: بِنْتُ الْمَخَاضِ الَّتِي عِنْدَهُ (أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ (خُيِّرَ) مَالِكُهَا (بَيْنَ إخْرَاجِهَا) عَنْهُ (وَ) بَيْنَ (شِرَاءِ مَا) أَيْ بِنْتِ مَخَاضٍ (بِصِفَتِهِ) أَيْ: الْوَاجِبِ وَيُخْرِجُهَا وَلَا يُجْزِئُهُ ابْنُ لَبُونٍ إذَنْ لِوُجُودِ بِنْتِ الْمَخَاضِ صَحِيحَةً فِي مَالِهِ (وَإِنْ كَانَتْ) بِنْتُ الْمَخَاضِ (مَعِيبَةً أَوْ لَيْسَتْ فِي مَالِهِ فَذَكَرَ) ابْنَ لَبُونٍ (أَوْ خُنْثَى وَلَدِ لَبُونٍ وَهُوَ مَا تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهُ قَدْ وَضَعَتْ غَالِبًا فَهِيَ ذَاتُ لَبَنٍ.
(وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ وَلَدِ اللَّبُونِ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ قِيمَةِ بِنْتِ الْمَخَاضِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ فَفِيهَا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (أَوْ حَقُّ مَا تَمَّ لَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَيُرْكَبَ وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى: حِقَّةٌ لِذَلِكَ وَلِاسْتِحْقَاقِهَا طَرْقَ الْفَحْلِ لَهَا (أَوْ جَذَعٍ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: (مَا تَمَّ لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجْذَعُ إذَا سَقَطَتْ سِنَّةُ ذَكَرِهِ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ اسْمٌ لَهُ فِي زَمَنٍ لَيْسَ بِسِنٍّ تَنْبُتُ وَلَا تَسْقُطُ (أَوْ ثَنِيٌّ مَا تَمَّ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَلْقَى ثَنِيَّتَهُ (وَ) الْحِقُّ وَالْجَذَعُ وَالثَّنِيُّ (أَوْلَى) بِالْإِجْزَاءِ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ مِنْ ابْنِ اللَّبُونِ لِزِيَادَةِ سِنِّهِ (بِلَا جُبْرَانٍ) فِي الْكُلِّ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَلَا يُجْبَرُ نَقْصُ الذُّكُورِيَّةِ بِزِيَادَةِ السِّنِّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَلَا يُجْزِئُ حِقٌّ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ وَلَا جَذَعٌ عَنْ حِقَّةٍ وَلَا ثَنِيٌّ عَنْ جَذَعَةٍ مُطْلَقًا، لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى ابْنِ اللَّبُونِ مَكَانَ بِنْتِ الْمَخَاضِ لِأَنَّ زِيَادَةَ سِنَّةٍ عَلَيْهَا يَمْتَنِعُ بِهَا مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ وَيَرْعَى الشَّجَرَ
стр. 388
بِنَفْسِهِ وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي الْحِقِّ مَعَ بِنْتِ اللَّبُونِ لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ (أَوْ) يُخْرِجُ مَنْ عَدِمَ بِنْتَ مَخَاضٍ صَحِيحَةً (بِنْتَ لَبُونٍ) عَنْهَا (وَيَأْخُذُهُ) أَيْ: الْجُبْرَانَ وَيَأْتِي (وَلَوْ وُجِدَ ابْنُ لَبُونٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَيَأْتِي (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَفِي إحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) وَهِيَ أَعْلَى سِنٍّ يَجِبُ فِي الزَّكَاةِ (وَتُجْزِئُ ثَنِيَّةٌ و) مَا (فَوْقَهَا) عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ أَوْ حِقَّةٍ أَوْ جَذَعَةٍ (بِلَا جُبْرَانٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الثَّنِيَّةِ (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ وَفِي إحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ) إجْمَاعًا (وَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ فِيمَا كَتَبَ لَهُ الصِّدِّيقُ لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى الْيَمَنِ.
(وَيَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ) بِالنِّصَابِ كُلِّهِ (حَتَّى بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي يَتَغَيَّرُ بِهَا الْفَرْضُ) لِأَنَّهَا مِنْ النِّصَابِ (وَلَا شَيْءَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ) وَيُسَمَّى: الْعَفْوَ وَالْوَقَصَ وَالشَّنَقَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ، فَلَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِهِ فَلَوْ كَانَ لَهُ تِسْعُ إبِلٍ مَغْصُوبَةٌ وَأَخَذَ مِنْهَا بَعِيرًا بَعْدَ الْحَوْلِ أَدَّى عَنْهُ خُمُسَ شَاةٍ لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ مَرْفُوعًا «إنَّ الْأَوْقَاصَ لَا صَدَقَةَ فِيهَا» وَلِأَنَّهُ مَالٌ نَاقِصٌ عَنْ نِصَابٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْوُجُوبُ كَمَا لَوْ نَقَصَ عَنْ النِّصَابِ الْأَوَّلِ. وَعَكْسُهُ زِيَادَةُ مَالِ السَّرِقَةِ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَثُرَتْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ.
وَفِي مَسْأَلَتِنَا حَالَةٌ مُنْتَظَرَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْوُجُوبُ فَوَقَفَ عَلَى بُلُوغِهَا (ثُمَّ تَسْتَقِرُّ) الْفَرِيضَةُ إذَا زَادَتْ الْإِبِلُ عَلَى إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ (فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) لِلْأَخْبَارِ فَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ (فَإِذَا بَلَغَتْ) الْإِبِلُ (مَا) أَيْ: عَدَدًا (يَتَّفِقُ فِيهِ الْفَرْضَانِ كَمِائَتَيْنِ) فِيهَا أَرْبَعُ خَمْسِينَاتٍ وَخَمْسُ أَرْبِعِينَاتٍ (أَوْ أَرْبَعِمِائَةٍ) فِيهَا ثَمَانُ خَمْسِينَاتٍ وَعَشْرُ أَرْبَعِينَاتِ (خَيْرُ) مَخْرَجٍ (بَيْنَ الْحِقَاقِ وَبَيْنَ بَنَاتِ اللَّبُونِ) لِوُجُودِ مُقْتَضَى كُلٍّ مِنْ الْفَرْضَيْنِ، الْأَوْلَى يَتِمُّ يَأْتِي (وَيَصِحُّ) فِي إخْرَاجٍ عَنْ نَحْوِ أَرْبَعِمِائَةٍ (كَوْنُ الشَّطْرِ) أَيْ: النِّصْفِ (مِنْ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ وَالشَّطْرِ مِنْ) النَّوْعِ (الْآخَرِ) بِأَنْ يُخْرِجَ عَنْهَا أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ.
وَلَا يُجْزِئُ عَنْ مِائَتَيْنِ حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ
стр. 389
وَنِصْفٌ لِلتَّشْقِيصِ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ النَّوْعَيْنِ (نَاقِصًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جُبْرَانٍ) وَالْآخَرُ كَامِلًا بِأَنْ كَانَ الْمَالُ مِائَتَيْنِ وَفِيهِ أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَأَرْبَعُ حِقَاقٍ (تَعَيَّنَ الْكَامِلُ) وَهُوَ الْحِقَاقُ ; لِأَنَّ الْجُبْرَانَ بَدَلٌ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ الْأَصْلِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ (وَمَعَ عَدَمِهِمَا) أَيْ: النَّوْعَيْنِ (أَوْ عَيْبِهِمَا أَوْ عَدَمِ) كُلِّ سِنٍّ وَجَبَ (أَوْ عَيْبِ كُلِّ سِنٍّ) أَيْ: ذَاتِ سِنٍّ مُقَدَّرٍ (وَجَبَ) فِي إبِلٍ، وَلَهُ أَسْفَلُ كَبِنْتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٍ وَجَذَعَةٍ (فَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى مَا) أَيْ: سِنٍّ (يَلِيهِ مِنْ أَسْفَلَ وَيَخْرُجُ مَعَهُ جُبْرَانًا أَوْ) كَانَ لَهُ أَعْلَى، كَبِنْتِ مَخَاضٍ، وَبِنْتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٍ أَنْ يَعْدِلَ (إلَى مَا يَلِيهِ مِنْ فَوْقُ وَيَأْخُذُ جُبْرَانًا) لِحَدِيثِ الصِّدِّيقِ فِي الصَّدَقَاتِ قَالَ " وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةَ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيُجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنْ اسْتَيْسَرَتَا أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ - أَيْ: آخِذُ الصَّدَقَةِ - عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَشَاتَيْنِ " إلَى آخِرِهِ.
(فَإِنْ عُدِمَ مَا) أَيْ: سِنٌّ (يَلِيهِ) أَيْ: الْوَاجِبَ مِنْ مَالٍ مُزَكًّى بِأَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ فَعَدِمَهَا وَالْحِقَّةَ (انْتَقَلَ إلَى مَا بَعْدَهُ) وَهُوَ بِنْتُ اللَّبُونِ فِي الْمِثَالِ (فَإِنْ عَدِمَهُ) أَيْ مَا يَلِيهِ وَهُوَ بِنْتُ اللَّبُونِ فِيهِ (أَيْضًا انْتَقَلَ إلَى ثَالِثٍ) وَهُوَ بِنْتُ الْمَخَاضِ فَيُخْرِجُهَا عَنْ جَذَعَةٍ مَعَ الْعَدَمِ، وَيُخْرِجُ مَعَهَا ثَلَاثَ جُبْرَانَاتٍ (بِشَرْطِ كَوْنِ ذَلِكَ) الْمُخْرَجِ مَعَ جُبْرَانٍ فَأَكْثَرَ فِي مِلْكِهِ لِلْخَبَرِ (وَإِلَّا) يَكُنْ فِي مِلْكِهِ (تَعَيَّنَ الْأَصْلُ) الْوَاجِبُ فَيُحَصِّلُهُ وَيُخْرِجُهُ (وَالْجُبْرَانُ شَاتَانُ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا) لِلْخَبَرِ (وَيُجْزِئُ فِي جُبْرَانٍ) وَاحِدٍ (وَ) فِي (ثَانٍ وَثَالِثٍ النِّصْفُ دَرَاهِمَ وَالنِّصْفُ شِيَاهٍ) لِقِيَامِ الشَّاةِ مَقَامَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ،
فَإِذَا اخْتَارَ إخْرَاجَهَا وَعَشْرَةٍ جَازَ، وَكَإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ مِنْ جِنْسَيْنِ (وَيَتَعَيَّنُ عَلَى وَلِيِّ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ) وَسَفِيهٍ (إخْرَاجٌ أَوْ دُونَ مُجْزِئٍ) مُرَاعَاةً لِحَظِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (وَلِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ وَلِيِّ مَنْ ذُكِرَ (دَفْعُ سِنٍّ أَعْلَى إنْ كَانَ النِّصَابُ مَعِيبًا) بِلَا أَخْذِ جُبْرَانٍ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ وَفْقَ مَا بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، وَمَا بَيْنَ الْمَعِيبَيْنِ أَقَلُّ مِنْهُ، فَإِذَا دَفَعَ السَّاعِي فِي مُقَابَلَتِهِ جُبْرَانًا كَانَ حَيْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلِلْمَالِكِ دَفْعُ سِنٍّ أَسْفَلَ مَعَ الْجُبْرَانِ ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْحَيْفِ عَلَيْهِ كَإِخْرَاجِ أَجْوَدَ بِخِلَافِ وَلِيِّ نَحْوِ يَتِيمٍ (وَلَا مَدْخَلَ لِجُبْرَانٍ فِي غَيْرِ إبِلٍ) لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِيهَا،
стр. 390
وَغَيْرُهَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهَا فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ، فَمَنْ عَدِمَ فَرِيضَةَ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ وَوَجَدَ دُونَهَا لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ وَجَدَ أَعْلَى فَإِنْ أَحَبَّ دَفَعَهُ مُتَطَوِّعًا وَإِلَّا حَصَلَ الْوَاجِبُ.
[فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ]
فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالْبَقَرَةُ تَقَعُ عَلَى الْأُنْثَى وَالذَّكَرِ، وَدَخَلَتْهَا الْهَاءُ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ جِنْسٍ وَالْبَقَرَاتُ الْجَمْعُ وَالْبَاقِرُ جَمَاعَةُ الْبَقَرِ مَعَ رُعَاتِهَا، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ بَقَرْت الشَّيْءَ إذَا شَقَقْته لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ بِالْحَرْثِ (وَأَقَلُّ نِصَابِ بَقَرٍ أَهْلِيَّةٍ أَوْ وَحْشِيَّةٍ ثَلَاثُونَ) «لِحَدِيثِ مُعَاذٍ أَمَرَنِي الرَّسُولُ ﷺ حِينَ بَعَثَنِي إلَى الْيَمَنِ أَنْ لَا آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ شَيْئًا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ» " (وَفِيهَا) أَيْ: الثَّلَاثِينَ (تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ) لِحَدِيثِ مُعَاذٍ (وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ: التَّبِيعِ وَالتَّبِيعَةِ (سَنَةٌ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ، وَهُوَ جَذَعُ الْبَقَرِ الَّذِي اسْتَوَى قَرْنَاهُ وَحَاذَى قَرْنُهُ أُذُنَهُ غَالِبًا (وَيُجْزِي) عَنْ تَبِيعٍ (مُسِنٌّ) وَأَوْلَى.
(وَ) يَجِبُ (فِي أَرْبَعِينَ) مِنْ بَقَرٍ (مُسِنَّةٌ) لِحَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَفِيهِ «وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَدِيثٌ ثَابِتٌ مُتَّصِلٌ (وَلَهَا) أَيْ: الْمُسِنَّةِ (سَنَتَانِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَلَقَتْ سِنًّا غَالِبًا وَهِيَ الثَّنِيَّةُ وَلَا فَرْضَ فِي الْبَقَرِ غَيْرُ هَذَيْنِ السِّنَّيْنِ (وَتُجْزِي أُنْثَى) مِنْ بَقَرٍ (أَعْلَى مِنْهَا) أَيْ: الْمُسِنَّةِ (سِنًّا) عَنْهَا بِالْأَوْلَى و (لَا) يُجْزِي (مُسِنٌّ) عَنْ مُسِنَّةٍ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَلَا) يُجْزِي عَنْ مُسِنَّةٍ (تَبِيعَانِ) لِذَلِكَ (وَفِي سِتِّينَ) مِنْ بَقَرٍ (تَبِيعَانِ ثُمَّ) إنْ زَادَتْ فَ (فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ و) فِي (كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ مَا) أَيْ: عَدَدًا (يَتَّفِق فِيهِ الْفَرْضَانِ كَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَكَإِبِلٍ) .
فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَةَ أَتْبِعَةٍ وثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ لِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ عَنْ «مُعَاذٍ وَفِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ السِّتِّينَ تَبِيعَيْنِ، وَمِنْ السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وَتَبِيعًا، وَمِنْ الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ، وَمِنْ التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أَتْبَاعٍ، وَمِنْ الْمِائَةِ مُسِنَّةً وَتَبِيعَيْنِ، وَمِنْ الْعَشَرَةِ وَمِائَةٍ مُسِنَّتَيْنِ وَتَبِيعًا، وَمِنْ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَتْبَاعٍ، قَالَ: وَأَمَرَنِي الرَّسُولُ ﷺ أَنْ آخُذَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ سِنًّا إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا، وَزَعَمَ أَنَّ الْأَوْقَاصَ لَا فَرِيضَةَ فِيهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَلَا يُجْزِئُ ذَكَرٌ فِي زَكَاةٍ إلَّا هَهُنَا) وَهُوَ التَّبِيعُ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ، وَالْمُسِنُّ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ (وَ) إلَّا
следующие страницы →