Полный текст (1 968 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
فَقَالَ قَوِّمْهَا، وَأَدِّ زَكَاتَهَا " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَلِأَنَّهَا مَالٌ مُرْصَدٌ لِلنَّمَاءِ أَشْبَهَ النَّقْدَيْنِ وَالْمَوَاشِيَ (وَإِنَّمَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي قِيمَةِ) عُرُوضِ تِجَارَةٍ (بَلَغَتْ نِصَابًا) مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ لَا فِي نَفْسِ الْعُرُوضِ ; لِأَنَّ النِّصَابَ مُعْتَبَرٌ بِالْقِيمَةِ فَهِيَ مَحَلُّ الْوُجُوبِ.
وَالْقِيمَةُ إنْ لَمْ تُوجَدْ عَيْنًا فَهِيَ مُقَدَّرَةٌ شَرْعًا (لِمَا) أَيْ: عَرْضٍ (مُلِكَ بِفِعْلٍ) كَبَيْعٍ وَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ (وَلَوْ بِلَا عِوَضٍ) كَاكْتِسَابِ مُبَاحٍ وَقَبُولِهِ هِبَةً وَوَصِيَّةً (أَوْ) كَانَ الْعَرْضُ (مَنْفَعَةً) كَمَنْ يَسْتَأْجِرُ حَانَاتٍ وَحَوَانِيتَ لِيَرْبَحَ فِيهَا (أَوْ) كَانَ الْمِلْكُ (اسْتِرْدَادًا) لِمَبِيعٍ بِخِيَارٍ أَوْ إقَالَةٍ (بِنِيَّةِ تِجَارَةٍ) عِنْدَ الْمِلْكِ مَعَ الِاسْتِصْحَابِ إلَى تَمَامِ الْحَوْلِ كَالنِّصَابِ ; لِأَنَّ التِّجَارَةَ عَمَلٌ، فَدَخَلَ فِي " إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " فَإِنْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، كَإِرْثٍ وَمَضَى حَوْلُ تَعْرِيفِ لَفْظَةٍ، أَوْ مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ، لَا بِنِيَّةِ تِجَارَةٍ، ثُمَّ نَوَاهَا لَهَا. لَمْ تَصِرْ لَهَا ; لِأَنَّ مَا لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ مِنْ أَصْلِهِ لَا يَصِيرُ مَحَلًّا لَهَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَالْمَعْلُوفَةِ يَنْوِي سَوْمَهَا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُرُوضِ الْقِنْيَةُ فَلَا تَنْتَقِلُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، لِضَعْفِهَا (أَوْ اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا) أَيْ: بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ (فِيمَا تُعَوِّضُ عَنْ عَرْضِهَا) أَيْ: التِّجَارَةِ وَلَوْ بِصُلْحٍ عَنْ قِنِّهَا الْمَقْتُولِ، بِأَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَ نِيَّةِ التِّجَارَةِ، كَأَنْ تُعَوِّضَ عَنْ عَرْضِهَا شَيْئًا بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ (وَلَا تُجْزِي) زَكَاةُ تِجَارَةٍ (مِنْ الْعُرُوضِ) وَلَوْ بَهِيمَةَ أَنْعَامٍ أَوْ فُلُوسًا نَافِقَةً ; لِأَنَّ مَحَلَّ الْوُجُوبِ الْقِيمَةُ.
(وَمَنْ عِنْدَهُ عَرْضٌ لِتِجَارَةٍ فَنَوَاهُ لِقِنْيَةٍ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا، صَارَ لَهَا لِأَنَّهَا الْأَصْلُ (ثُمَّ) نَوَاهُ (لِتِجَارَةٍ لَمْ يَصِرْ لَهَا) أَيْ: التِّجَارَةِ لِأَنَّ الْقُنْيَةِ الْأَصْلُ، فَلَا تَنْتَقِلُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِضَعْفِهَا، وَفَارَقَ السَّائِمَةَ إذَا نَوَى عَلْفَهَا ; لِأَنَّ الْإِسَامَةَ شَرْطٌ دُونَ نِيَّتِهَا، فَلَا يَنْتَفِي الْوُجُوبُ إلَّا بِانْتِفَاءِ السَّوْمِ (غَيْرَ حُلِيٍّ لُبِسَ) لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ زَكَاتِهِ، فَإِذَا نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ فَقَدْ رَدَّهُ إلَى الْأَصْلِ، فَيَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ.
(وَتُقَوَّمُ) عُرُوضُ تِجَارَةٍ إذَا تَمَّ الْحَوْلُ (بِالْأَحَظِّ لِلْمَسَاكِينِ) يَعْنِي أَهْلَ الزَّكَاةِ (مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) كَأَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهَا نِصَابًا بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَتُقَوَّمَ بِهِ (لَا بِمَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ) مِنْ حَيْثُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ تَقْوِيمُ مَالِ تِجَارَةٍ لِلزَّكَاةِ، فَكَانَ بِالْأَحَظِّ لِأَهْلِهَا، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِعَرْضٍ قِنْيَةً وَفِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ مُتَسَاوِيَانِ غَلَبَةً، وَبَلَغَتْ نِصَابًا بِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْآخَرِ (فَتُقَوَّمُ)
стр. 422
الْأَمَةُ (الْمُغَنِّيَةُ) وَالزَّامِرَةُ وَالضَّارِبَةُ بِآلَةِ لَهْوٍ (سَاذَجَةً) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: مُجَرَّدَةً عَنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا لَا قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا (وَ) يُقَوَّمُ الْعَبْدُ (الْخَصِيُّ بِصِفَتِهِ) أَيْ: خَصِيًّا، لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ فِيهِ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً (وَلَا عَبِرَةَ بِقِيمَةِ آنِيَةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) وَنَحْوِهَا كَرِكَابٍ وَسَرْجٍ لِتَحْرِيمِهَا، فَيُعْتَبَرُ نِصَابُهَا وَزْنًا.
(وَإِنْ اشْتَرَى عَرْضًا) لِتِجَارَةٍ (بِنِصَابٍ مِنْ أَثْمَانٍ أَوْ عُرُوضٍ) بَنَى عَلَى حَوْلِهِ ; لِأَنَّ وَضْعَ التِّجَارَةِ عَلَى التَّقَلُّبِ وَالِاسْتِبْدَالِ. وَلَوْ انْقَطَعَ الْحَوْلُ بِهِ لَبَطَلَتْ زَكَاتُهَا، وَالْأَثْمَانُ كَانَتْ ظَاهِرَةً وَصَارَتْ فِي ثَمَنِ الْعَرْضِ كَمَا مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَقْرَضَهَا (أَوْ) اشْتَرَى (نِصَابَ سَائِمَةٍ لِقِنْيَةٍ بِمِثْلِهِ) أَيْ: نِصَابِ سَائِمَةٍ (لِتِجَارَةٍ، بَنَى عَلَى حَوْلِهِ) أَيْ: مَا اشْتَرَى بِهِ ; لِأَنَّهُمَا مَالَانِ مُتَفِّقَانِ فِي النِّصَابِ وَالْجِنْسِ فَلَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ فِيهِمَا بِالْمُبَادَلَةِ، قَالَهُ فِي شَرْحِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ نِصَابَ السَّائِمَةِ غَيْرُ نِصَابِ التِّجَارَةِ وَالزَّكَاةِ فِي عَيْنِ السَّائِمَةِ، وَقِيمَةِ التِّجَارَةِ، فَلَمْ يَتَّحِدْ النِّصَابُ وَلَا الْجِنْسُ.
وَيَأْتِي: مَنْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ نِصْفَ حَوْلٍ ثُمَّ قَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ اسْتَأْنَفَهُ لِلسَّوْمِ فَهُنَا أَوْلَى. وَعِبَارَةُ التَّنْقِيحِ: وَإِنْ اشْتَرَى نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ لِقُنْيَةٍ بَنَى انْتَهَى، وَمَعْنَاهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ: لِأَنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لِلزَّكَاةِ قُدِّمَ عَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ لِقُوَّتِهِ، فَبِزَوَالِ الْمُعَارِضِ يَثْبُتُ حُكْمُ السَّوْمِ لِظُهُورِهِ انْتَهَى، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا عَكْسُ كَلَامِهِ. و (لَا) يَبْنِي عَلَى الْحَوْلِ (إنْ اشْتَرَى عَرْضًا) غَيْرَ سَائِمَةٍ (بِنِصَابِ سَائِمَةٍ أَوْ بَاعَهُ) أَيْ: نِصَابَ السَّائِمَةِ (بِهِ) أَيْ: بِعَرْضٍ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي النِّصَابِ وَالْوَاجِبِ.
(وَمَنْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ) فَعَلَيْهِ زَكَاةُ تِجَارَةٍ فَقَطْ، وَلَوْ سَبَقَ حَوْلُ السَّوْمِ حَوْلَهَا لِأَنَّ وَصْفَهَا يُزِيلُ سَبَبَ السَّوْمِ وَهُوَ الِاقْتِنَاءُ لِطَلَبِ النَّمَاءِ (أَوْ) مَلَكَ (أَرْضًا) لِتِجَارَةٍ (فَزُرِعَتْ) عَلَيْهِ زَكَاةُ تِجَارَةٍ فَقَطْ (أَوْ) مَلَكَ (نَخْلًا) لِتِجَارَةٍ (فَأَثْمَرَ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ تِجَارَةٍ) وَلَوْ سَبَقَ وَقْتُ الْوُجُوبِ حَوْلَ التِّجَارَةِ (فَقَطْ) لِأَنَّ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ جُزْءٌ وَمَا خَرَجَ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَوَّمَا مَعَ الْأَصْلِ، كَالسِّخَالِ وَالرِّبْحِ الْمُتَجَدِّدِ، وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ لِلتِّجَارَةِ أَوْ الْقُنْيَةِ.
وَفِي الْمُبْدِعِ وَالْإِقْنَاعِ: إنْ زَرَعَ بَذْرَ قُنْيَةٌ بِأَرْضِ تِجَارَةٍ، فَوَاجِبُ الزَّرْعِ الْعُشْرُ وَوَاجِبُ الْأَرْضِ: زَكَاةُ الْقِنْيَةِ.
وَإِنْ زَرَعَ بَذْرَ تِجَارَةٍ فِي أَرْضِ قِنْيَةٍ. زَكَّى الزَّرْعَ (زَكَاةَ قِيمَةٍ إلَّا أَنْ لَا تَبْلُغَ) قِيمَتُهُ أَيْ:
стр. 423
الْمَذْكُورِ مِنْ سَائِمَةٍ وَأَرْضٍ مَعَ زَرْعٍ وَنَخْلٍ مَعَ ثَمَرٍ (نِصَابًا) بِأَنْ نَقَصَتْ عَنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا وَعَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةً (فَيُزَكِّي) ذَلِكَ (لِغَيْرِهَا) أَيْ التِّجَارَةِ، فَيُخْرِجُ مِنْ السَّائِمَةِ زَكَاتَهَا، وَمِنْ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ مَا وَجَبَ فِيهِ لِئَلَّا تَسْقُطَ الزَّكَاةُ بِالْكُلِّيَّةِ.
(وَمَنْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةِ نِصْفِ حَوْلٍ) مَثَلًا (ثُمَّ قَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ اسْتَأْنَفَهُ) أَيْ: الْحَوْلَ (لِلسَّوْمِ) لِأَنَّ حَوْلَ التِّجَارَةِ انْقَطَعَ بِنِيَّةِ الِاقْتِنَاءِ، وَحَوْلَ السَّوْمِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
(وَإِنْ اشْتَرَى صَبَّاغٌ مَا يَصْبُغُ بِهِ) لِلتَّكَسُّبِ (وَيَبْقَى أَثَرُهُ كَزَعْفَرَانٍ وَنِيلٍ وَعُصْفُرٍ وَنَحْوَهُ) كَبَقَّمٍ وفوة وَلَكٍّ (فَهُوَ عَرْضُ تِجَارَةٍ يُقَوَّمُ عِنْدَ) تَمَامِ (حَوْلِهِ) لِاعْتِيَاضِهِ عَنْ الصِّبْغِ الْقَائِمِ بِنَحْوِ الثَّوْبِ، فَفِيهِ مَعْنَى التِّجَارَةِ. وَكَذَا مَا يَشْتَرِيهِ دَبَّاغٌ لِيَدْبَغَ بِهِ كَعَفْصٍ وَقَرْظٍ. وَمَا يُدْهَنُ بِهِ كَسَمْنٍ وَمِلْحٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّاءِ.
وَفِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ: لَا زَكَاةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ، ذَكَرَهُ عَنْهُمَا فِي الْفُرُوعِ. و (لَا) زَكَاةَ فِي (مَا يَشْتَرِيهِ قَصَّارٌ مِنْ قَلْيٍ وَنُورَةٍ وَصَابُونٍ، وَنَحْوِهِ) كَنَطْرُونٍ لِأَنَّ أَثَرَهُ لَا يَبْقَى أَشْبَهَ الْحَطَبَ.
(وَأَمَّا آنِيَةُ عَرْضِ التِّجَارَةِ) كَقَوَارِيرَ وَأَكْيَاسٍ وَأَجْرِبَةٍ (وَآلَةُ دَابَّتِهَا) أَيْ التِّجَارَةِ، كَسَرْجٍ وَلِجَامٍ، وَبَرْذَعَةٍ وَمِقْوَدٍ (فَإِنْ أُرِيدَ بَيْعُهُمَا) أَيْ: الْآنِيَةِ وَالْآلَةِ (مَعَهُمَا) أَيْ: الْعُرُوضِ وَالدَّابَّةِ (فَ) هَمَّا (مَالُ تِجَارَةٍ) يُقَوَّمَانِ مَعَ الْعَرْضِ وَالدَّابَّةِ (وَإِلَّا) يُرِدْ بَيْعَهُمَا (فَلَا) يُقَوَّمَانِ كَسَائِرِ عُرُوضِ الْقِنْيَةِ.
(وَمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا) مَشْفُوعًا (لِتِجَارَةٍ بِأَلْفٍ فَصَارَ) عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ (بِأَلْفَيْنِ زَكَّاهُمَا) أَيْ: الْأَلْفَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا قِيمَتُهُ (وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ) بِالشُّفْعَةِ (بِأَلْفٍ) لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ (وَيَنْعَكِسُ الْحُكْمُ بِعَكْسِهَا) فَإِذَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ، فَصَارَ عِنْدَ الْحَوْلِ بِأَلْفٍ، زَكَّى أَلْفًا وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ إنْ شَاءَ بِأَلْفَيْنِ، وَكَذَا الرَّدُّ بِعَيْبٍ.
(وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ) وَاحِدٍ (مِنْ شَرِيكَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا لِصَاحِبِهِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ) أَيْ: الْإِذْنِ (ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (نَصِيبَ صَاحِبِهِ) مِنْ الْمُخْرَجِ (إنْ أَخْرَجَا) الزَّكَاةَ عَنْهُمَا (مَعًا) فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، لِانْعِزَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ عَنْ الْوَكَالَةِ بِإِخْرَاجِ الْمُوَكِّلِ زَكَاتَهُ عَنْ نَفْسِهِ، لِسُقُوطِهَا عَنْهُ وَالْعَزْلُ حُكْمًا الْعِلْمُ، وَعَدَمُهُ فِيهِ سَوَاءٌ. فَيَقَعُ الْمَدْفُوعُ تَطَوُّعًا وَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى نَحْوِ فَقِيرٍ، لِتَحَقُّقِ التَّفْوِيتِ بِفِعْلِ الْمُخْرِجِ (أَوْ جَهِلَ سَابِقٌ) مِنْهُمَا إخْرَاجًا أَوْ نَسِيَ، فَيَضْمَنُ كُلٌّ نَصِيبَ
стр. 424
صَاحِبِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي إخْرَاجِ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ وَقَعَ الْمَوْقِعَ بِخِلَافِ مُخْرِجٍ عَنْ غَيْرِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ عَلِمَ سَابِقٌ (ضَمِنَ الثَّانِيَ) مَا أَخْرَجَهُ عَنْ الْأَوَّلِ (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ) الثَّانِي إخْرَاجَ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ انْعَزَلَ حُكْمًا كَمَا لَوْ مَاتَ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُوَكِّلٍ أَنَّهُ أَخْرَجَ قَبْلَ دَفْعِ وَكِيلِهِ لِسَاعٍ وَقَوْلُ دَافِعٍ إلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ أَخْرَجَهَا وَتُؤْخَذُ مِنْ سَاعٍ إنْ كَانَتْ بِيَدِهِ وَإِلَّا فَلَا.
و (لَا) يَضْمَنُ وَكِيلٌ (إنْ أَدَّى دَيْنًا) عَنْ مُوَكِّلِهِ (بَعْدَ أَدَاءِ مُوَكِّلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ) أَوْ وَكِيلٌ بِأَدَاءِ مُوَكِّلِهِ لِأَنَّ مُوَكِّلَهُ غَيْرُهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقُ هُنَا التَّفْوِيتُ ; لِأَنَّ لِلْمُوَكِّلِ الرُّجُوعَ عَلَى الْقَابِضِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَابِضُ لِلزَّكَاةِ مِنْهُمَا السَّاعِيَ، وَالزَّكَاةُ بِيَدِهِ، فَلَا يَضْمَنُ الْمُخْرِجُ، وَيَرْجِعُ مُخْرَجٌ عَنْهُ عَلَى سَاعٍ مَا دَامَتْ بِيَدِهِ (وَلِمَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ الصَّدَقَةُ تَطَوُّعًا قَبْلَ إخْرَاجِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ كَالتَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ أَدَاءِ فَرْضِهَا، وَتَقَدَّمَ عَلَى نَذْرِهِ، فَإِنْ قَدَّمَهُ لَمْ يَصِرْ زَكَاةً.
[بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ]
ِ (صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ بِالْفِطْرِ مِنْ) آخِرِ (رَمَضَانَ) طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنْ الرَّفَثِ وَاللَّغْوِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] " هُوَ زَكَاةُ الْفِطْرِ ".
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَقِيلَ لَهَا فِطْرَةٌ، لِأَنَّ الْفِطْرَةَ الْخِلْقَةُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وَهَذِهِ يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ عَنْ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ (وَتُسَمَّى) زَكَاةَ الْفِطْرِ (فَرْضًا) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ» وَلِأَنَّ الْفَرْضَ إمَّا بِمَعْنَى الْوَاجِبِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ، أَوْ الْمُتَأَكِّدِ وَهِيَ مُتَأَكِّدَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَرْضٌ.
قَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(وَمَصْرِفُهَا) أَيْ: زَكَاةِ الْفِطْرِ (ك) مَصْرِفِ (زَكَاةِ) مَالٍ لِعُمُومِ ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ وَكَزَكَاةِ الْمَالِ (وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا) أَيْ زَكَاةِ الْفِطْرِ (دَيْنٌ) لِتَأَكُّدِ هَا بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَتَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ وَلِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَالدَّيْنُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ (إلَّا مَعَ طَلَبٍ) بِالدَّيْنِ فَتَسْقُطُ لِوُجُوبِ أَدَائِهِ بِالطَّلَبِ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، وَبِكَوْنِهِ أَسْبَقَ سَبَبًا.
(وَتَجِبُ) الْفِطْرَةُ
стр. 425
(عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنْ الرَّفَثِ وَاللَّغْوِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ» فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَوْ مُرْتَدًّا (تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِهِ) مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَذَكَرٍ وَأُنْثَى وَيُؤَدِّي عَنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَلِيُّهُ لِحَدِيثِ «أَدُّوا الْفِطْرَةَ عَمَّنْ تَمُونُونَ» فَإِنَّهُ خَاطَبَ بِالْوُجُوبِ غَيْرَهُ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ لَخُوطِبَ بِهَا (وَلَوْ) كَانَ (مُكَاتَبًا) فَتَلْزَمُهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ كَمُؤْنَتِهَا (فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ) أَيْ: مُسْلِمٍ يَمُونُ نَفْسَهُ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لَهُ (وَ) عَنْ قُوتِ (مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ بَعْدَ حَاجَتِهِمَا) أَيْ: الْمُخْرِجِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ مَضِنَّتِهِ (لِمَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَدَابَّةٍ وَثِيَابِ بَذْلَةٍ) بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرُ لُغَةٌ، أَيْ: مِهْنَةٌ فِي الْخِدْمَةِ (وَنَحْوِهِ) كَفَرْشٍ وَغِطَاءٍ وَوِطَاءٍ وَمَاعُونٍ،
قَالَ الْمُوَفَّقُ (وَكُتُبٍ يَحْتَاجُهَا لِنَظَرٍ وَحِفْظٍ) قَالَ: وَلِلْمَرْأَةِ حُلِيٌّ لِلُّبْسِ، أَوْ لِكِرَاءٍ تَحْتَاجُ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ كَغَيْرِهِ مِمَّا سَبَقَ (صَاعٌ) فَاعِلُ فَضَلَ مِنْ الَأَصْنَافِ الْآتِي ذِكْرُهَا (وَإِنْ فَضَلَ) عَنْ ذَلِكَ (دُونَهُ) أَيْ: الصَّاعِ (أَخْرَجَ) أَيْ: أَخْرَجَهُ مَالِكُهُ عَنْ نَفْسِهِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَكَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ إذَا قَدَرَ عَلَى بَعْضِهَا (وَيُكْمِلُهُ) أَيْ: مَا بَقِيَ مِنْ الصَّاعِ (مَنْ تَلْزَمُهُ) فِطْرَةُ مَنْ فَضَلَ عَنْهُ بَعْضُ صَاعٍ (لَوْ عَدِمَ) وَلَمْ يَفْضُلْ عِنْدَهُ شَيْءٌ.
(وَتَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُسْلِمَ إذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَمَّا تَقَدَّمَ وَعَنْ فِطْرَتِهِ (عَمَّنْ يَمُونُهُ مِنْ مُسْلِمٍ) كَزَوْجَةٍ وَعَبْدٍ، وَلَوْ لِتِجَارَةٍ، وَوَلَدٍ (حَتَّى زَوْجَةِ عَبْدِهِ الْحُرَّةِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ، وَكَذَا زَوْجَةُ وَالِدٍ وَوَلَدٍ تَجِبُ نَفَقَتُهُمَا عَلَيْهِ (و) حَتَّى (مَالِكِ نَفْعِ قِنٍّ فَقَطْ) بِأَنْ وَصَّى لَهُ بِنَفْعِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ فَتَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ كَنَفَقَتِهِ.
(وَ) حَتَّى (مَرِيضٍ لَا يَحْتَاجُ نَفَقَةً) لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَمَرَ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَعَبْدُ الْمُضَارَبَةِ فِطْرَتُهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ كَنَفَقَتِهِ (وَ) حَتَّى (مُتَبَرِّعٌ بِمُؤْنَتِهِ رَمَضَانَ) نَصًّا. لِعُمُومِ حَدِيثِ «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ " زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُك " وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ، وَصَحَّحَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَحَمَلَ كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
стр. 426
وَإِنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَتِهِ بَعْدَ الشَّهْرِ أَوْ جَمَاعَةً، فَلَا (وَ) حَتَّى (آبِقٌ وَنَحْوُهُ) كَغَائِبٍ وَمَرْهُونٍ وَمَغْصُوبٍ وَمَحْبُوسٍ ; لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُمْ وَكَنَفَقَتِهِمْ.
و (لَا) تَجِبُ فِطْرَةُ غَائِبٍ (إنْ شُكَّ فِي حَيَاتِهِ) نَصًّا ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَقَاءَ مِلْكِهِ، وَمَتَى عَلِمَ حَيَاتَهُ بَعْدُ أَخْرَجَ لِمَا مَضَى ; لِتَبَيُّنِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، كَمَا لَوْ سَمِعَ بِهَلَاكِ مَالِهِ الْغَائِبِ ثُمَّ بَانَ سَلِيمًا.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ يَمُونُ جَمَاعَةً مَا يَكْفِي (لِجَمِيعِهِمْ بَدَأَ بِنَفْسِهِ) لِحَدِيثِ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَكَالنَّفَقَةِ، لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تُبْنَى عَلَيْهَا (فَزَوْجَتُهُ) إنْ فَضَلَ عَنْ فِطْرَةِ نَفْسِهِ شَيْءٌ، لِتَقَدُّمِ نَفَقَتِهَا عَلَى سَائِرِ النَّفَقَاتِ وَلِوُجُوبِهَا مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ ; لِأَنَّهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ (فَرَقِيقُهُ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ مَعَ الْإِعْسَارِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ لِأَنَّهَا صِلَةٌ (فَأُمُّهُ) لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ قَالَ: «مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمَّك قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمَّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبَاكَ» وَلِضَعْفِهَا عَنْ التَّكَسُّبِ (فَأَبِيهِ) لِحَدِيثِ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (فَوَلَدُهُ) لِقُرْبِهِ (فَأَقْرَبُ فِي مِيرَاثٍ) لِأَوَّلِيَّتِهِ فَقُدِّمَ كَالْمِيرَاثِ (وَيُقْرَعُ مَعَ الِاسْتِوَاءِ) كَأَوْلَادِ وَإِخْوَةٍ وَأَعْمَامٍ. وَلَمْ يَفْضُلْ مَا يَكْفِيهِمْ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ.
(وَتُسَنُّ) الْفِطْرَةُ (عَنْ جَنِينٍ) لِفِعْلِ عُثْمَانَ وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ " كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى عَنْ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ " رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي وَلَا تَجِبُ عَنْهُ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ.
(وَلَا تَجِبُ) فِطْرَةُ (مَنْ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ) كَلَقِيطٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْفَاقٍ، بَلْ إيصَالُ مَالٍ فِي حَقِّهِ (أَوْ) قِنٍّ (لَا مَالِكَ لَهُ مُعَيَّنٌ كَعَبْدِ الْغَنِيمَةِ) وَالْفَيْءِ قَبْلَ قِسْمَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) فِطْرَةَ أَجِيرٍ وَظِئْرٍ (عَلَى مُسْتَأْجِرِ أَجِيرٍ، أَوْ) مُسْتَأْجِرِ (ظِئْرٍ بِطَعَامِهِمَا) لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَا أُجْرَةٌ تَعْتَمِدُ الشَّرْطَ فِي الْعَقْدِ، فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا. كَمَا لَوْ كَانَتْ بِدَرَاهِمَ وَلِهَذَا تَخْتَصُّ بِزَمَنٍ مُقَدَّرٍ، كَسَائِرِ الْأُجَرِ.
(وَلَا) فِطْرَةَ (عَنْ زَوْجَةٍ نَاشِزٍ) وَلَوْ حَامِلًا ; لِأَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا. فَهِيَ كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَنَفَقَةٌ لِحَامِلٍ لِلْحَمْلِ، وَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ (أَوْ) زَوْجَةٌ (لَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا لِصِغَرِ) هَا عَنْ تِسْعِ سِنِينَ (وَنَحْوِهِ) كَحَبْسِهَا وَغَيْبَتِهَا لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا وَلَوْ بِإِذْنِهِ ; لِأَنَّهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ.
(أَوْ) زَوْجَةٍ (أَمَةٍ تَسَلَّمَهَا) زَوْجُهَا (لَيْلًا فَقَطْ) دُونَ نَهَارٍ، لِأَنَّهَا زَمَنُ وُجُوبٍ فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهَا (وَهِيَ) أَيْ: فِطْرَةُ أَمَةٍ تَسَلَّمَهَا زَوْجُهَا لَيْلًا فَقَطْ (عَلَى سَيِّدِهَا كَمَا لَوْ عَجَزَ زَوْجُ) أَمَةٍ (تَجِبُ عَلَيْهِ) فِطْرَتُهَا
стр. 427
بِأَنْ تَسَلَّمَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا (عَنْهَا) أَيْ: فِطْرَتِهَا ; لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَنْ كَالْمَعْدُومِ، وَكَذَا لَوْ عَجَزَ زَوْجُ حُرَّةٍ عَنْهَا.
وَفِي الْإِقْنَاعِ: وَلَا رُجُوعَ إنْ أَيْسَرَ بَعْدُ.
(وَفِطْرَةُ مُبَعَّضٍ) تَسْقُطُ (وَ) فِطْرَةُ (قِنٍّ مُشْتَرَكٍ) بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ تَسْقُطُ.
(وَ) فِطْرَةُ (مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ وَارِثٍ) كَجَدٍّ وَأَخٍ لِغَيْرِ أُمٍّ وَكَجَدَّةٍ وَبِنْتٍ تُقَسَّطُ (أَوْ مُلْحَقٌ) بِفَتْحِ الْحَاءِ (بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ) بِأَنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأَبَوَيْنِ فَأَكْثَرَ (تُقَسَّطُ) فِطْرَتُهُ بِحَسَبِ نَفَقَتِهِ ; لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا، وَلِأَنَّهَا طُهْرَةٌ، فَكَانَتْ عَلَى سَادَاتِهِ أَوْ وُرَّاثِهِ بِالْحِصَصِ، كَمَاءِ غُسْلِ جَنَابَةٍ، وَلَا تَدْخُلُ فِطْرَةٌ فِي مُهَايَأَةٍ، لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَالصَّلَاةِ (وَمَنْ عَجَزَ مِنْهُمْ) أَيْ: الْمُلَّاكِ أَوْ الْوُرَّاثِ (لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ) الَّذِي لَمْ يَعْجِزْ مِنْهُمْ (سِوَى قِسْطِهِ) مِنْ فِطْرَةٍ (كَشَرِيكِ ذِمِّيٍّ) فِي مَالٍ زَكَوِيٍّ (وَلِمَنْ لَزِمَتْ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ) كَزَوْجَةٍ وَوَلَدٍ مُعْسِرٍ (طَلَبُهُ بِإِخْرَاجِهَا) أَيْ: الْفِطْرَةِ عَنْهُ كَالنَّفَقَةِ. لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا.
(وَ) لَهُ (أَنْ يُخْرِجَهَا) أَيْ الْفِطْرَةَ (عَنْ نَفْسِهِ) إنْ كَانَ حُرًّا مُكَلَّفًا (وَتُجْزِئُ) عَنْهُ وَلَوْ أَخْرَجَهَا (بِلَا إذْنِ مَنْ تَلْزَمُهُ) الْفِطْرَةُ (لِأَنَّهُ) أَيْ: مَنْ تَلْزَمُهُ (مُتَحَمِّلٌ) لِفِطْرَةِ الْمُخْرِجِ لِأَنَّهُ كَالنَّائِبِ عَنْهُ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَلَا تَجِبُ) فِطْرَةٌ (إلَّا بِدُخُولِ لَيْلَةِ) عِيدِ (الْفِطْرِ) لِأَنَّهَا أُضِيفَتْ فِي الْأَخْبَارِ إلَى الْفِطْرِ، وَالْإِضَافَةُ تَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ وَالسَّبَبِيَّةَ، وَأَوَّلُ زَمَنٍ يَقَعُ فِيهِ الْفِطْرُ مِنْ جَمِيعِ رَمَضَانَ: مَا ذُكِرَ (فَمَتَى وُجِدَ قَبْلَ الْغُرُوبِ مَوْتٌ) لِمَنْ تَجِبُ فِطْرَتُهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ قِنٍّ أَوْ قَرِيبٍ (وَنَحْوِهِ) أَيْ: الْمَوْتِ، كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ سَارٍ قَرِيبٍ، أَوْ انْتِقَالِ مِلْكٍ فَلَا فِطْرَةَ لِزَوَالِ السَّبَبِ قَبْلَ زَمَنِ الْوُجُوبِ (أَوْ أَسْلَمَ) نَحْوُ عَبْدٍ كَافِرٍ أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ قَرِيبٍ بَعْدَ دُخُولِ لَيْلَةِ الْفِطْرِ (أَوْ مَلَكَ رَقِيقًا أَوْ) تَزَوَّجَ (زَوْجَةً) بَعْدَ دُخُولِ لَيْلَةِ الْفِطْرِ (أَوْ وُلِدَ لَهُ) مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ مِنْ نَحْوِ وَلَدٍ (بَعْدَهُ) أَيْ: دُخُولِ لَيْلَةِ الْفِطْرِ (فَلَا فِطْرَةَ) نَصًّا ; لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَعَكْسُهُ تَجِبُ فَمَنْ مَاتَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَدَائِهَا أُخْرِجَتْ مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَ، وَيَتَحَاصَّانِ مَعَ ضِيقٍ، وَتَقَدَّمَ، وَكَذَا إنْ كَانَ مَعَهُمَا زَكَاةُ مَالٍ، وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
(وَالْأَفْضَلُ إخْرَاجُهَا) أَيْ: الْفِطْرَةِ (يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ صَلَاتِهِ) لِأَنَّهُ ﷺ «أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ»
стр. 428
(أَوْ) مَضَى (قَدْرُهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ حَيْثُ لَا تُصَلَّى.
(وَيَأْثَمُ مُؤَخِّرُهَا عَنْهُ) أَيْ يَوْمِ الْعِيدِ ; لِجَوَازِهَا فِيهِ كُلِّهِ لِحَدِيثِ «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ» وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِهِ. «وَكَانَ ﷺ يُقَسِّمُهَا بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِتَقْدِيمِهَا عَلَى الصَّلَاةِ لِلِاسْتِحْبَابِ (وَيَقْضِي) مَنْ أَخَّرَهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ فَتَكُونُ قَضَاءً (وَتُكْرَهُ فِي بَاقِيهِ) أَيْ: يَوْمِ الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِهَا.
و (لَا) تُكْرَهُ (فِي الْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ) أَيْ: الْعِيدِ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهَذَا إشَارَةً إلَى جَمِيعِهِمْ فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ تَعْجِيلَهَا كَذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِهَا، إذْ الظَّاهِرُ بَقَاؤُهَا أَوْ بَعْضِهَا إلَى يَوْمِ الْعِيدِ.
(وَلَا تُجْزِئُ) فِطْرَةٌ أَخْرَجَهَا (قَبْلَهُمَا) أَيْ: الْيَوْمَيْنِ يَلِيهِمَا الْعِيدُ لِحَدِيثِ «أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» وَمَتَى قَدَّمَهَا بِكَثِيرٍ فَاتَ الْإِغْنَاءُ فِيهِ.
(وَمَنْ) وَجَبَتْ (عَلَيْهِ فِطْرَةُ غَيْرِهِ) كَزَوْجِهِ وَعَبْدٍ وَقَرِيبٍ (أَخْرَجَهَا مَعَ فِطْرَتِهِ مَكَانَ نَفْسِهِ) لِأَنَّهُ أَيْ: الْفِطْرَ السَّبَبُ لِتَعَدُّدِ الْوَاجِبِ بِتَعَدُّدِهِ، وَاعْتُبِرَ لَهَا الْمَالُ بِشَرْطِ الْقُدْرَةِ، وَلِهَذَا لَا تُزَادُ بِزِيَادَتِهِ. .
[فَصْلٌ الْوَاجِبُ فِي زَكَاةِ الْفِطْر]
فَصْلٌ وَالْوَاجِبُ فِي فِطْرَةٍ (صَاعُ بُرٍّ) أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِصَاعِهِ ﷺ وَهُوَ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الْخِلْقَةِ، وَحِكْمَتُهُ: كِفَايَةُ فَقِيرٍ أَيَّامَ عِيدٍ (أَوْ مِثْلُ مَكِيلِهِ) أَيْ الْبُرِّ (مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَقِطٍ) شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنْ لَبَنٍ مَخِيضٍ، أَوْ مِنْ لَبَنِ إبِلٍ فَقَطْ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (أَوْ) صَاعٍ (مَجْمُوعٍ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنْ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ. نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى إجْزَاءِ صَاعٍ مِنْ أَجْنَاسٍ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَجُوزُ مُنْفَرِدًا، فَكَذَا مَعَ غَيْرِهِ لِتَقَارُبِ مَقْصُودِهَا، أَوْ اتِّحَادِهِ (وَيُحْتَاطُ فِي ثَقِيلٍ) كَتَمْرٍ إذَا أَخْرَجَهُ وَزْنًا (لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ) وَمَنْ أَخْرَجَ فَوْقَ صَاعٍ فَأَجْرُهُ أَكْثَرُ وَاسْتَبْعَدَ أَحْمَدُ مَا نُقِلَ لَهُ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَزِيدُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ خَمْسًا.
(وَيُجْزِئُ دَقِيقُ بُرٍّ و) دَقِيقُ
стр. 429
(شَعِيرٍ وَسَوِيقِهِمَا، وَهُوَ مَا يُحَمَّصُ ثُمَّ يُطْحَنُ بِوَزْنِ حَبِّهِ) نَصًّا ; لِتَفَرُّقِ الْأَجْزَاءِ بِالطَّحْنِ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَى إجْزَاءِ الدَّقِيقِ بِزِيَادَةٍ تَفَرَّدَ بِهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ " قِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ " إنَّ أَحَدًا لَا يَذْكُرُهُ فِيهِ، قَالَ بَلْ هُوَ فِيهِ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ الْمَجْدُ: بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ ; لِأَنَّهُ كَفَى مُؤْنَتَهُ كَتَمْرٍ مَنْزُوعٍ نَوَاهُ (وَلَوْ) كَانَ الدَّقِيقُ (بِلَا نَخْلٍ) لِأَنَّهُ بِوَزْنِ حَبِّهِ (ك) مَا يُجْزِئُ حَبٌّ (بِلَا تَنْقِيَةٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِمَا شَيْءٌ إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُحِبُّ أَنْ يُنَقِّيَ الطَّعَامَ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ لِيَكُونَ عَلَى الْكَمَالِ وَيَسْلَمَ مِمَّا يُخَالِطُهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَ (لَا) يُجْزِئُ (خُبْزٌ) لِخُرُوجِهِ عَنْ الْكَيْلِ وَالِادِّخَارِ، وَكَذَا بُكْصُمَاتٌ وَهَرِيسَةٌ.
(وَ) لَا يُجْزِئُ (مَعِيبٌ) مِمَّا تَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (كَمُسَوِّسٍ) لِأَنَّ السُّوسَ أَكَلَ جَوْفَهُ (وَمَبْلُولٍ) لِأَنَّ الْبَلَلَ يَنْفُخُهُ (وَقَدِيمٍ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ) لِعَيْبِهِ بِتَغَيُّرِ طَعْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَلَا رِيحُهُ أَجْزَأَ ; لِعَدَمِ عَيْبِهِ، وَالْجَدِيدُ أَفْضَلُ (وَنَحْوُهُ) أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَعِيبِ.
(وَ) لَا يُجْزِئُ صِنْفٌ مِنْ الْخَمْسَةِ (مُخْتَلِطٌ بِكَثِيرٍ مِمَّا لَا يُجْزِئُ) كَقَمْحٍ اخْتَلَطَ بِكَثِيرِ زُوَانٍ أَوْ عَدَسٍ أَوْ نَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ مُجْزِئٍ مِنْهُ (وَيُزَادُ) عَلَى صَاعٍ (إنْ قَلَّ) خَلِيطٌ لَا يُجْزِئُ (بِقَدْرِهِ) أَيْ: الْخَلِيطِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُصَفَّى صَاعًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَيْبًا لِقِلَّةِ مَشَقَّةِ تَنْقِيَتِهِ، وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ قِيمَةِ الصَّاعِ نَصًّا.
(وَيُجْزِئُ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ) أَيْ: الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ (مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ حَبٍّ) يُقْتَاتُ.
(وَ) مِنْ (تَمْرٍ مَكِيلٍ يُقْتَاتُ) كَدُخْنٍ وَذُرَةٍ وَعَدَسٍ وَأُرْزٍ وَتِينٍ يَابِسٍ وَنَحْوِهَا ; لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَكَانَ أَوْلَى (وَالْأَفْضَلُ) إخْرَاجُ (تَمْرٍ) مُطْلَقًا. نَصًّا لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ.
قَالَ نَافِعٌ: " كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي التَّمْرَ، إلَّا عَامًا وَاحِدًا أَعْوَزَ التَّمْرُ، فَأَعْطَى الشَّعِيرَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَقَالَ لَهُ أَبُو مِجْلَزٍ: " إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْسَعَ وَالْبُرُّ أَفْضَلُ فَقَالَ: إنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْلُكَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ،
وَظَاهِرُهُ: أَنَّ جَمَاعَةَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُخْرِجُونَ التَّمْرَ ; وَلِأَنَّهُ قُوتٌ وَحَلَاوَةٌ، وَأَقْرَبُ تَنَاوُلًا، وَأَقَلُّ كُلْفَةً (فَزَبِيبٌ) لِأَنَّ فِيهِ قُوتًا وَحَلَاوَةً وَقِلَّةَ كُلْفَةٍ، فَهُوَ أَشْبَهُ بِالتَّمْرِ مِنْ الْبُرِّ (فَبُرٌّ) لِأَنَّ الْقِيَاسَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْكُلِّ، لَكِنْ تُرِكَ اقْتِدَاءً بِالصَّحَابَةِ فِي التَّمْرِ وَمَا
стр. 430
شَارَكَهُ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ الزَّبِيبُ (فَأَنْفَعُ) فِي اقْتِيَاتٍ وَدَفْعِ حَاجَةِ فَقِيرٍ. وَإِنْ اسْتَوَتْ فِي نَفْعٍ فَشَعِيرٌ، (فَدَقِيقُهُمَا) أَيْ: دَقِيقُ بُرٍّ، فَدَقِيقُ شَعِيرٍ (فَسَوِيقُهُمَا) كَذَلِكَ (فَأَقِطٍ) . وَالْأَفْضَلُ (أَنْ لَا يَنْقُصَ مُعْطًى) مِنْ فِطْرَةٍ (عَنْ مُدِّ بُرٍّ) أَيْ رُبْعِ صَاعٍ (أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ الْبُرِّ كَتَمْرٍ وَشَعِيرٍ، لِيُغْنِيَهُ عَنْ السُّؤَالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
(وَيَجُوزُ إعْطَاءُ) نَحْوِ فَقِيرٍ (وَاحِدٍ مَا عَلَى جَمَاعَةٍ) مِنْ فِطْرَةٍ نَصًّا.
(وَ) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) أَيْ: إعْطَاءُ جَمَاعَةٍ مَا عَلَى وَاحِدٍ (وَلِإِمَامٍ وَنَائِبِهِ رَدُّ زَكَاةٍ، و) رَدُّ (فِطْرَةٍ إلَى مَنْ أَخَذَ) أَيْ: الزَّكَاةَ وَالْفِطْرَةَ (مِنْهُ) إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ (وَكَذَا فَقِيرٌ لَزِمَتَاهُ) أَيْ: الزَّكَاةُ وَالْفِطْرَةُ فَيَرُدُّهُمَا بَعْدَ أَخْذِهِمَا إلَى مَنْ أَخَذَهُمَا مِنْهُ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ قَبْضَ الْإِمَامِ وَالْمُسْتَحِقِّ أَزَالَ مِلْكَ الْمُخْرَجِ، وَعَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِيرَاثٍ، فَإِنْ تُرِكَتْ الزَّكَاةُ لِمُسِنٍّ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِلَا قَبْضٍ لَمْ يَبْرَأْ.
قَالَ (الْمُنَقِّحُ: مَا لَمْ تَكُنْ حِيلَةٌ) أَيْ: عَلَى عَدَمِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ، فَيَمْتَنِعُ كَسَائِرِ الْحِيَلِ عَلَى مُحْرِمٍ، وَكَانَ عَطَاءٌ يُعْطِي عَنْ أَبَوَيْهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ تَبَرُّعٌ اسْتَحَبَّهُ أَحْمَدُ.
[بَابُ إخْرَاج الزَّكَاةِ]
ِ أَيْ: زَكَاةِ الْمَالِ بَعْدَ أَنْ تَسْتَقِرَّ (وَاجِبٌ فَوْرًا. ك) إخْرَاجِ (نَذْرٍ مُطْلَقٍ وَكَفَّارَةٍ) لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ - وَمِنْهُ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]- يَقْتَضِي الْفَوْرِيَّةَ بِدَلِيلِ ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ لَا تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] فَوَبَّخَهُ إذْ لَمْ يَسْجُدْ حِينَ أُمِرَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: «كُنْت أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ ثُمَّ أَتَيْته فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْت أُصَلِّي فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ ; وَلِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا أَمَرَ عَبْدَهُ بِشَيْءٍ فَأَهْمَلَهُ حَسُنَ لَوْمُهُ وَتَوْبِيخُهُ عُرْفًا، وَلَمْ يَكُنْ انْتِفَاءُ قَرِينَةِ الْفَوْرِ عُذْرًا (إنْ أَمْكَنَ) إخْرَاجُهَا كَمَا لَوْ طُولِبَ بِهَا ; وَلِأَنَّ النُّفُوسَ طُبِعَتْ عَلَى الشُّحِّ، وَحَاجَةُ الْفَقِيرِ نَاجِزَةٌ، فَإِذَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ اخْتَلَّ الْمَقْصُودُ، وَرُبَّمَا فَاتَ بِنَحْوِ طُرُوُّ إفْلَاسٍ أَوْ مَوْتٍ (وَلَمْ يَخَفْ) مُزَكٍّ (رُجُوعَ سَاعٍ) عَلَيْهِ بِهَا إنْ أَخْرَجَهَا بِلَا عِلْمِهِ (أَوْ) لَمْ يَخَفْ بِدَفْعِهَا فَوْرًا ضَرَرًا (عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ نَحْوِهِ) كَمَعِيشَةٍ لِحَدِيثِ " «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» " وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ
стр. 431
تَأْخِيرُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ فَالزَّكَاةُ أَوْلَى.
(وَلَهُ تَأْخِيرُهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (لِشِدَّةِ حَاجَةٍ) أَيْ: لِيَدْفَعَهَا لِمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ مِمَّنْ هُوَ حَاضِرٌ نَصًّا، وَقَيَّدَهُ جَمَاعَةٌ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ.
(وَ) لَهُ تَأْخِيرُهَا لِيَدْفَعَهَا (الْقَرِيبُ وَجَارٍ) لِأَنَّهَا عَلَى الْقَرِيبِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ، وَالْجَارُ فِي مَعْنَاهُ.
(وَ) لَهُ تَأْخِيرُهَا (لِحَاجَتِهِ) أَيْ الْمَالِكِ (إلَيْهَا إلَى مَيْسَرَتِهِ) نَصًّا. وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ «إنَّهُمْ احْتَاجُوا عَامًا فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ الصَّدَقَةَ فِيهِ، وَأَخَذَهَا مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى» .
(وَ) لَهُ تَأْخِيرُهَا (لِتَعَذُّرِ إخْرَاجِهَا مِنْ الْمَالِ لِغَيْبَةِ) الْمَالِ (وَغَيْرِهَا) كَغَصْبِهِ وَسَرِقَتِهِ وَكَوْنِهِ دَيْنًا (إلَى قُدْرَتِهِ) عَلَيْهِ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، فَلَا يُكَلِّفُهَا مِنْ غَيْرِهِ (وَلَوْ قَدَرَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ غَيْرِهِ) لَمْ يَلْزَمْهُ ; لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ مِنْ عَيْنِ الْمَخْرَجِ مِنْهُ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهِ رُخْصَةٌ. فَلَا تَنْقَلِبُ تَضْيِيقًا.
(وَلِإِمَامٍ وَسَاعٍ تَأْخِيرُهَا عِنْدَ رَبِّهَا لِمَصْلَحَةٍ، كَقَحْطٍ وَنَحْوِهِ) نَصًّا، لِفِعْلِ عُمَرَ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ ﷺ عَنْ الْعَبَّاسِ «فَهِيَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَكَذَا أَوَّلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ (عَالِمًا) وُجُوبَهَا (أَوْ جَاهِلًا) بِهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ كَوْنِهِ نَشَأَ (بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ) عَنْ الْقُرَى (وَعَرَفَ) جَاهِلٌ (فَعَلِمَ وَأَصَرَّ) عَلَى جُحُودِهِ عِنَادًا (فَقَدْ ارْتَدَّ) لِتَكْذِيبِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثًا فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
(وَلَوْ أَخْرَجَهَا) جَاحِدًا لِظُهُورِ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ، فَلَا عُذْرَ لَهُ (وَتُؤْخَذُ) مِنْهُ إنْ كَانَتْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لِاسْتِحْقَاقِ أَهْلِ الزَّكَاةِ لَهَا.
(وَمَنْ مَنَعَهَا) أَيْ: الزَّكَاةَ (بُخْلًا بِهَا أَوْ تَهَاوُنًا) بِلَا جَحْدٍ (أُخِذَتْ مِنْهُ) قَهْرًا كَدَيْنِ آدَمِيٍّ وَخَرَاجٍ (وَعَزَّرَ مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ) أَيْ: الْمَنْعِ بُخْلًا أَوْ تَهَاوُنًا (إمَامٌ) فَاعِلُ عَزَّرَ (عَادِلٌ) لِارْتِكَابِهِ مُحَرَّمًا، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فَاسِقًا لَا يَصْرِفُهَا فِي مَصَارِفِهَا فَهُوَ عُذْرٌ لَهُ فِي عَدَمِ دَفْعِهَا إلَيْهِ، فَلَا يُعَزِّرُهُ (أَوْ) عَزَّرَهُ (عَامِلٌ) عَدْلٌ يَمْنَعُهُ الزَّكَاةَ.
(فَإِنْ غَيَّبَ) مَالَهُ (أَوْ كَتَمَ مَالَهٌ قَاتَلَهُ دُونَهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ أَيْ: قَاتَلَ جَابِيهَا (وَأَمْكَنَ أَخْذُهَا) مِنْهُ (بِقِتَالِهِ) أَيْ: قِتَالِ الْإِمَامِ إيَّاهُ (وَجَبَ قِتَالُهُ عَلَى إمَامٍ وَضَعَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (مَوَاضِعَهَا) لِاتِّفَاقِ الصِّدِّيقِ مَعَ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَقَالَ: " وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا - وَفِي لَفْظٍ عِقَالًا - كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَأُخِذَتْ) الزَّكَاةُ (فَقَطْ) أَيْ: بِلَا زِيَادَةٍ
стр. 432
عَلَيْهَا لِحَدِيثِ الصِّدِّيقِ وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا يُعْطِهِ، وَكَانَ مَنْعُ الزَّكَاةِ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ ﵁ مَعَ تَوَفُّرِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ أَخْذُ زِيَادَةٍ وَلَا قَوْلٌ بِهِ، وَحَدِيثِ «فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إبِلِهِ، أَوْ مَالِهِ» كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَتْ الْعُقُوبَاتُ بِالْمَالِ ثُمَّ نُسِخَ.
(وَلَا يُكَفَّرُ) مَانِعُ زَكَاةٍ غَيْرُ جَاحِدٍ إذَا قَاتَلَ عَلَيْهَا (بِقِتَالِهِ لِلْإِمَامِ) لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ " كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ إلَّا الصَّلَاةَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمَا وَرَدَ مِنْ التَّكْفِيرِ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى جَاحِدِ الْوُجُوبِ أَوْ التَّغْلِيظِ (وَإِلَّا) يُمْكِنُ أَخْذُهَا بِقِتَالِهِ، وَهُوَ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ (اُسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِأَنَّهَا مِنْ مَبَانِي الْإِسْلَامِ، فَيُسْتَتَابُ تَارِكُهَا كَالصَّلَاةِ.
(فَإِنْ) تَابَ (وَأَخْرَجَ) الزَّكَاةَ كُفَّ عَنْهُ (وَإِلَّا قُتِلَ) لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِهَا (حَدًّا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ بِذَلِكَ (وَأُخِذَتْ) الزَّكَاةُ (مِنْ تَرِكَتِهِ) لَوْ مَاتَ، وَالْقَتْلُ لَا يُسْقِطُ دَيْنًا لِآدَمِيٍّ، فَكَذَا الزَّكَاةُ.
(وَمَنْ ادَّعَى أَدَاءَهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ وَقَدْ طُولِبَ بِهَا صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ (أَوْ) ادَّعَى (بَقَاءَ الْحَوْلِ أَوْ) ادَّعَى (نَقْصَ النِّصَابِ، أَوْ) ادَّعَى (زَوَالَ مِلْكِهِ) عَنْ النِّصَابِ فِي الْحَوْلِ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ (أَوْ) ادَّعَى (تَجَدُّدَهُ) أَيْ: مِلْكِ النِّصَابِ (قَرِيبًا، أَوْ) ادَّعَى (أَنَّ مَا بِيَدِهِ) مِنْ مَالٍ زَكَوِيٍّ (لِغَيْرِهِ) صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ (أَوْ) ادَّعَى (أَنَّهُ) أَيْ: مَالَ السَّائِمَةِ (مُفْرَدٌ أَوْ مُخْتَلِطٌ وَنَحْوُهُ) مِمَّا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا أَوْ يَنْقُصُهَا، كَدَعْوَى عَلْفِ مَاشِيَةٍ نِصْفَ الْحَوْلِ، فَأَكْثَرَ، أَوْ نِيَّةِ قِنْيَةٍ بِعَرْضِ تِجَارَةٍ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ.
(أَوْ أَقَرَّ بِقَدْرِ زَكَاتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ مَالِهِ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا فَلَا يُسْتَخْلَفُ عَلَيْهَا كَالصَّلَاةِ وَالْكَفَّارَةِ، بِخِلَافِ وَصِيَّةٍ لِفُقَرَاءَ بِمَالٍ، وَكَذَا إنْ مَرَّ بِعَاشِرٍ وَادَّعَى أَنَّهُ عَشَّرَهُ عَاشِرٌ آخَرُ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَخَذَ مِنْهُ الْمُصَدِّقُ كَتَبَ لَهُ بَرَاءَةً، فَإِذَا جَاءَ آخَرُ أَخْرَجَ إلَيْهِ بَرَاءَتَهُ، أَيْ: لِتَنْتَفِيَ التُّهْمَةُ عَنْهُ.
(وَيَلْزَمُ) بِإِخْرَاجٍ (عَنْ) مَالٍ (صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَلِيِّهِمَا) فِيهِ نَصًّا ; لِأَنَّهُ حَقٌّ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، فَقَامَ الْوَلِيُّ فِيهِ مَقَامَ مُوَلًّى عَلَيْهِ، كَنَفَقَةٍ وَغَرَامَةٍ.
(وَسُنَّ) لِمُخْرِجِ زَكَاةٍ (إظْهَارُهَا) لِتَنْتَفِيَ التُّهْمَةُ عَنْهُ وَيُقْتَدَى بِهِ.
(وَ) سُنَّ (تَفْرِقَةُ رَبِّهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (بِنَفْسِهِ) لِيَتَيَقَّنَ وُصُولَهَا إلَى مُسْتَحَقِّهَا وَكَالدَّيْنِ، وَسَوَاءٌ الْمَالُ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ (بِشَرْطِ أَمَانَتِهِ) أَيْ: رَبِّ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِنَفْسِهِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ
стр. 433
دَفْعُهَا إلَى السَّاعِي ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا مَنَعَهُ الشُّحُّ مِنْ إخْرَاجِهَا أَوْ بَعْضِهَا.
(وَ) سُنَّ (قَوْلُهُ) أَيْ: رَبُّ الْمَالِ (عِنْدَ دَفْعِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا) أَيْ مُثْمِرَةً (وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا) أَيْ: مُنَقِّصَةً ; لِأَنَّ التَّمَيُّزَ كَالْقِيمَةِ وَالتَّنْقِيصَ كَالْغَرَامَةِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «وَإِذَا أَعْطَيْتُمْ الزَّكَاةَ فَلَا تَنْسَوْا ثَوَابَهَا أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ الْبُحْتُرِيُّ بْنُ عُبَيْدٍ ضَعِيفٌ - قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى تَوْفِيقِهِ لِأَدَائِهَا.
(وَ) سُنَّ (قَوْلُ آخِذِ) زَكَاةٍ (آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْت، وَبَارَكَ لَك فِيمَا أَبْقَيْت، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أَيْ: اُدْعُ لَهُمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى أَلْ أَبِي أَوْفَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ ; لِأَنَّهُ ﷺ " لَمْ يَأْمُرْ بِهِ سَعَتَهُ ".
(وَلَهُ) أَيْ: لِرَبِّ الْمَالِ (دَفْعُهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (إلَى السَّاعِي) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ دَفْعَهَا لِلْإِمَامِ جَائِزٌ، سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، أَوْ الْبَاطِنَةِ، وَيَبْرَأُ بِدَفْعِهَا، سَوَاءٌ تَلِفَتْ فِي يَدِ الْإِمَامِ أَوْ لَا، صَرَفَهَا فِي مَصَارِفِهَا أَوْ لَمْ يَصْرِفْهَا انْتَهَى. وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: " إنَّهُمْ يُقَلِّدُونَ بِهَا الْكِلَابَ وَيَشْرَبُونَ بِهَا الْخُمُورَ فَقَالَ: ادْفَعْهَا إلَيْهِمْ " حَكَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ.
وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَالْإِقْنَاعِ: يَحْرُمُ دَفْعُهَا إلَيْهِ إنْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، وَيَجِبُ كَتْمُهَا عَنْهُ إذَنْ وَتُجْزِئُ لِخَوَارِجَ نَصًّا. وَلِبُغَاةٍ إذَا غَلَبُوا عَلَى بَلَدٍ.
[فَصْلٌ شُرُوطُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ]
فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِإِخْرَاجِهَا أَيْ: الزَّكَاةِ (نِيَّةٌ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهَا فَافْتَقَرَتْ إلَى تَعَيُّنِ النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَلِأَنَّ مَصْرِفَ الْمَالِ إلَى الْفَقِيرِ لَهُ جِهَاتٌ مِنْ زَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَصَدَقَةٍ وَتَطَوُّعٍ، فَاعْتُبِرَتْ نِيَّةُ التَّمَيُّزِ، وَيَأْتِي صِفَةُ النِّيَّةِ (وَيُشْتَرَطُ) أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُهَا (مِنْ مُكَلَّفٍ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَالِيٌّ أَشْبَهَ سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ (إلَّا أَنْ تُؤْخَذَ) مِنْهُ الزَّكَاةُ (قَهْرًا) فَتُجْزِئُ ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ
стр. 434
رَبِّ الْمَالِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِهَا ثَانِيًا (أَوْ يَغِيبُ مَالُهُ) فَتُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ حَيْثُ وُجِدَ، وَتُجْزِئُ بِلَا نِيَّةٍ كَمَأْخُوذَةٍ قَهْرًا (أَوْ يَتَعَذَّرُ وُصُولٌ إلَى مَالِكٍ) لِتُؤْخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ (بِحَبْسٍ وَنَحْوِهِ) كَأَسْرٍ (فَيَأْخُذُهَا السَّاعِي) مِنْ مَالِهِ (وَتُجْزِئُ) ظَاهِرًا و (بَاطِنًا فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأَخِيرَةِ فَقَطْ) بِخِلَافِ الْأَوْلَيَيْنِ قَبْلَهَا فَتُجْزِئُ ظَاهِرًا فَقَطْ،
(وَالْأَوْلَى: قَرْنُهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (بِدَفْعٍ) كَصَلَاةٍ (وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ: النِّيَّةِ عَلَى الْإِخْرَاجِ (ب) زَمَنٍ (يَسِيرٍ كَصَلَاةٍ) وَلَوْ عَزَلَ الزَّكَاةَ لَمْ تَكْفِ النِّيَّةُ إذَنْ مَعَ طُولِ زَمَنٍ (فَيَنْوِي) بِمَخْرَجِ (الزَّكَاةِ، أَوْ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ، أَوْ صَدَقَةِ الْمَالِ، أَوْ) صَدَقَةِ (الْفِطْرِ، وَلَا يُجْزِئُ إنْ نَوَى صَدَقَةَ مُطْلَقٍ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ) كَنِيَّةِ صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ. وَمَحَلُّ النِّيَّةِ: الْقَلْبُ. وَتَقَدَّمَ (وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ فَرْضٍ) اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ ; لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فَرْضًا (وَلَا) يَجِبُ (تَعْيِينُ) مَالٍ (مُزَكًّى عَنْهُ) وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمَالُ، كَشَاةٍ عَنْ خَمْسٍ مِنْ إبِلٍ، وَأُخْرَى عَنْ أَرْبَعِينَ مِنْ غَنَمٍ، وَدِينَارٍ عَنْ أَرْبَعِينَ تَالِفَةً، وَأُخْرَى عَنْ أَرْبَعِينَ قَائِمَةً وَصَاعٍ عَنْ فِطْرَةٍ، وَآخَرَ عَنْ زَرْعٍ أَوْ تَمْرٍ.
(فَلَوْ نَوَى) زَكَاةً (عَنْ مَالِهِ الْغَائِبِ وَإِنْ كَانَ) الْغَائِبُ (تَالِفًا فَعَنْ الْحَاضِرِ. أَجْزَأَ عَنْهُ) أَيْ: الْحَاضِرِ (إنْ كَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا) بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِاعْتِبَارِ التَّعْيِينِ فِيهَا.
(فَإِنْ أَدَّى قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ (جَعَلَهَا) أَيْ: الزَّكَاةَ (لِأَيِّهِمَا شَاءَ، كَتَعَيُّنِهِ ابْتِدَاءً) حِينَ إخْرَاجٍ (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) وَاحِدًا مِنْهُمَا (أَجْزَأَ) مُخْرَجٌ (عَنْ أَحَدِهِمَا) فَيُخْرِجُ عَنْ الْآخَرِ.
(وَلَوْ نَوَى) الزَّكَاةَ (عَنْ) الْمَالِ (الْغَائِبِ فَبَانَ) الْغَائِبُ (تَالِفًا لَمْ يُصْرَفْ) أَيْ: الْمُخْرَجُ (إلَى غَيْرِهِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ، كَعِتْقٍ فِي كَفَّارَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلَمْ تَكُنْ.
(وَإِنْ نَوَى) الزَّكَاةَ (عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا أَجْزَأَ عَنْهُ إنْ كَانَ سَالِمًا أَوْ نَوَى) عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا (وَإِلَّا) يَكُنْ سَالِمًا (فَ) هِيَ (نَفْلٌ) فَبَانَ الْغَائِبُ سَالِمًا (أَجْزَأَ) عَنْهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِطْلَاقِ، فَلَا يَضُرُّ تَقَيُّدُهُ بِهِ بِخِلَافِ: إنْ كَانَ مُورِثِي مَاتَ فَهَذِهِ زَكَاةُ إرْثِي مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى أَصْلٍ.
(وَإِنْ نَوَى) الزَّكَاةَ (عَنْ) مَالِهِ (الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا، وَإِلَّا) يَكُنْ سَالِمًا (فَأَرْجَعَ) فِي الْمَدْفُوعِ (فَلَهُ الرُّجُوعُ) فِيهِ (إنْ بَانَ تَالِفًا) وَإِنْ بَانَ سَالِمًا أَجْزَأَ عَنْهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ، وَمَنْ شَكَّ فِي بَقَاءِ غَائِبٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ
стр. 435
إخْرَاجٌ عَنْهُ، وَكَذَا إنْ عَلِمَ بَقَاءَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ مَتَى مَا وَصَلَ إلَيْهِ زَكَّاهُ لِمَا مَضَى.
(وَإِنْ وَكَّلَ) رَبُّ مَالٍ (فِيهِ) أَيْ: إخْرَاجِ الزَّكَاةِ (مُسْلِمًا ثِقَةً) نَصًّا مُكَلَّفًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، قَالَهُ فِي شَرْحِهِ صَحَّ، و (أَجْزَأَتْ نِيَّةُ مُوَكِّلٍ) فَقَطْ (مَعَ قُرْبِ) زَمَنِ (إخْرَاجٍ) مِنْ زَمَنِ تَوْكِيلٍ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُوَكِّلِ، وَتَأَخُّرُ الْأَدَاءِ عَنْ النِّيَّةِ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ جَائِزٌ (وَإِلَّا) يَقْرُبْ مِنْ إخْرَاجٍ مِنْ زَمَنِ تَوْكِيلٍ (نَوَى وَكِيلٌ أَيْضًا) أَيْ: كَمَا يَنْوِي الْمُوَكِّلُ ; لِئَلَّا يَخْلُوَ الدَّفْعُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ عَنْ نِيَّةٍ مُقَارَنَةٍ، أَوْ مُقَارِبَةٍ فَيَنْوِيَ مُوَكِّلٌ عِنْدَ التَّوْكِيلِ وَوَكِيلٌ عِنْدَ الدَّفْعِ لِنَحْوِ الْفُقَرَاءِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، وَلَوْ نَوَى وَكِيلٌ فَقَطْ. لَمْ تُجْزِئْ ; لِتَعَلُّقِ الْفَرْضِ بِالْمُوَكِّلِ وَوَقَعَ الْإِجْزَاءُ عَنْهُ، وَفِي تَوْكِيلِ مُمَيِّزٍ فِي إخْرَاجِهَا خِلَافٌ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. وَجَزَمَ فِي الْإِقْنَاعِ بِالصِّحَّةِ، وَلَوْ دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ إلَى الْإِمَامِ وَالسَّاعِي نَاوِيًا أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إمَامٌ أَوْ سَاعٍ حَالَ دَفْعٍ إلَى الْفُقَرَاءِ ; لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ.
(مَنْ عَلِمَ) قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُرَادُ ظَنُّ (أَهْلِيَّةِ آخِذِ) زَكَاةٍ (كُرِهَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ نَصًّا.) قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يُبَكِّتْهُ؟ يُعْطِيهِ، وَيَسْكُتُ، مَا حَاجَتُهُ إلَى أَنْ يَقْرَعَهُ؟ (مَعَ عَدَمِ عَادَتِهِ) أَيْ: الْآخِذِ (بِأَخْذِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) دَفْعُهَا لَهُ (إلَّا أَنْ يُعْلِمَهُ) أَنَّهَا زَكَاةٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ زَكَاةً ظَاهِرًا. .
[فَصْلٌ الْأَفْضَلُ جَعْلُ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهِ]
فَصْلٌ وَالْأَفْضَلُ جَعْلُ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهِ أَيْ: الْمَالِ، وَلَوْ تَفَرَّقَ أَوْ كَانَ الْمِلْكُ بِغَيْرِهِ لِلْخَبَرِ (مَا لَمْ تَتَشَقَّصْ زَكَاةُ سَائِمَةٍ) كَأَرْبَعِينَ بِبَلَدَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ (فَ) يُخْرِجُ (فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ) شَاةً أَيَّ الْبَلَدَيْنِ شَاءَ، دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ (وَيَحْرُمُ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لِرَحِمٍ أَوْ شِدَّةِ حَاجَةٍ أَوْ ثَغْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (نَقَلَهَا) أَيْ: الزَّكَاةَ (إلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ) مَعَ وُجُودِ مُسْتَحِقٍّ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فَظَاهِرُهُ: عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ. وَلِإِنْكَارِ عُمَرَ عَلَى مُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَ إلَيْهِ بِثُلُثِ الصَّدَقَةِ ثُمَّ بِشَطْرِهَا ثُمَّ بِهَا وَأَجَابَهُ مُعَاذٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِ شَيْئًا وَهُوَ يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهُ مِنْهُ " رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يُفْضِ إلَى تَشْقِيصٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ.
(وَتُجْزِي) زَكَاةٌ نَقَلَهَا فَوْقَ الْمَسَافَةِ، وَأَخْرَجَهَا فِي غَيْرِ بَلَدِ الْمَالِ مَعَ حُرْمَةِ
стр. 436
النَّقْلِ ; لِأَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَبَرِئَ كَالدَّيْنِ.
و (لَا) يَحْرُمُ نَقْلُ (نَذْرٍ) مُطْلَقٍ (وَكَفَّارَةٍ وَوَصِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ) أَيْ: لَمْ يَخُصَّهَا مُوصٍ بِمَكَانٍ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ رَاتِبَةٌ فِي الْمَالِ فَكَانَتْ لِجِيرَانِهِ، بِخِلَافِ الْمَذْكُورَاتِ.
وَإِنْ خَصَّ الْوَصِيَّةَ بِفُقَرَاءِ مَكَانٍ تَعَيَّنُوا لَهَا.
(وَمَنْ بِبَادِيَةٍ) وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ فَرَّقَهَا بِأَقْرَبِ بَلَدٍ مِنْهُ.
(أَوْ خَلَا بَلَدُهُ عَنْ مُسْتَحِقٍّ) لِلزَّكَاةِ يَسْتَغْرِقُهَا (فَرَّقَهَا) أَوْ مَا بَقِيَ (بِأَقْرَبِ بَلَدٍ) أَيْ: مَكَان (مِنْهُ) لِأَنَّهُمْ أَوْلَى نَصًّا.
(وَمُؤْنَةُ نَقْلِ) زَكَاةٍ مَعَ حِلِّهِ أَوْ حُرْمَتِهِ عَلَيْهِ (وَ) مُؤْنَةُ (دَفْعِ) زَكَاةٍ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (ك) مُؤْنَةِ (كَيْلٍ وَوَزْنٍ) لِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ تَسْلِيمِهَا لِمُسْتَحِقِّهَا كَامِلَةً، وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ التَّوْفِيَةِ.
(وَمُسَافِرٌ بِالْمَالِ) الزَّكَوِيِّ (يُفَرِّقُهَا) أَيْ: زَكَاتَهُ (بِبَلَدٍ أَكْثَرُ إقَامَتِهِ) أَيْ رَبِّ الْمَالِ (بِهِ) أَيْ: ذَلِكَ الْبَلَدِ نَصًّا لِأَنَّ الْأَطْمَاعَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ غَالِبًا بِمُضِيِّ زَمَنِ الْوُجُوبِ أَوْ مَا قَارَبَهُ.
(وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ بَعْثُ السُّعَاةِ قُرْبَ) زَمَنِ (الْوُجُوبِ تَقْبِضُ زَكَاةَ) الْمَالِ (الظَّاهِرِ) وَهُوَ السَّائِمَةُ وَالزَّرْعُ وَالثَّمَرُ لِفِعْلِهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُزَكِّي وَلَا يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ فَإِهْمَالُ ذَلِكَ إضَاعَةٌ لِلزَّكَاةِ، وَيَجْعَلُ حَوْلَ الْمَاشِيَةِ الْمُحَرَّمَ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعُدَّ عَلَيْهِمْ الْمَاشِيَةَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي أَفْنِيَتِهِمْ لِلْخَبَرِ. وَيُقْبَلُ قَوْلُ صَاحِبِهَا فِي عَدَدِهَا بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ وَجَدَ مَا يَحِلُّ حَوْلُهُ: فَإِنْ عَجَّلَ رَبُّهُ زَكَاتَهُ، وَإِلَّا وَكَّلَ ثِقَةً، يَقْبِضُهَا ثُمَّ يَصْرِفُهَا، وَلَهُ جَعْلُهُ لِرَبِّ الْمَالِ وَمَا قَبَضَهُ السَّاعِي فُرْقَةً فِي مَكَانِهِ وَمَا قَارَبَهُ، وَيَبْدَأُ بِأَقَارِبِ مُزَكٍّ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ حَمَلَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَهُ بَيْعُ سَائِمَةٍ وَغَيْرِهَا مِنْ زَكَاةٍ لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ. وَصَرْفُهَا فِي الْأَحَظِّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ حَاجَتِهِمْ، حَتَّى أُجْرَةُ مَسْكَنٍ، وَيَضْمَنُ مَا أَخَّرَ قِسْمَتَهُ بِلَا عُذْرٍ إنْ تَلِفَ لِتَفْرِيطِهِ.
(وَيُسَنُّ لَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (وَسْمُ مَا حَصَلَ) عِنْدَهُ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ جِزْيَةٍ (مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ فِي أَفْخَاذِهَا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ «غَدَوْت إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ، يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. .
(وَ) وَسَمَ مَا حَصَلَ مِنْ (غَنَمٍ فِي آذَانِهَا) لِخَبَرِ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ «وَهُوَ يَسِمُ غَنَمًا فِي آذَانِهَا» (فَ) الْوَسْمُ (عَلَى زَكَاةٍ " لِلَّهِ " أَوْ " زَكَاةٍ " و) الْوَسْمُ (عَلَى جِزْيَةٍ " صِغَارٍ " أَوْ " جِزْيَةٍ ") لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهَا، وَخُصَّ الْفَخِذُ وَالْأُذُنُ بِالْوَسْمِ لِخِفَّتِهِ وَقِلَّةِ أَلَمِهِ فِيهِمَا.
стр. 437
[فَصْلٌ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ]
فَصْلٌ وَيُجْزِئُ تَعْجِيلُهَا أَيْ: الزَّكَاةِ وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ (لِحَوْلَيْنِ) لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّلَ مِنْ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ» وَيُعَضِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ «فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا» وَكَمَا لَوْ عَجَّلَ لِعَامٍ وَاحِدٍ (فَقَطْ) أَيْ: لَا أَكْثَرَ مِنْ حَوْلَيْنِ، اقْتِصَارٌ عَلَى مَا وَرَدَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ (إذَا كَمُلَ النِّصَابُ) لِأَنَّهُ سَبَبُهَا، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ كَالْكَفَّارَةِ عَلَى الْحَلِفِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ و (لَا) يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا (عَمَّا يَسْتَفِيدُهُ) النِّصَابُ نَصًّا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، فَقَدْ عَجَّلَ زَكَاةً عَمَّا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ (أَوْ) عَنْ (مَعْدِنٍ أَوْ رِكَازٍ أَوْ زَرْعٍ قَبْلَ حُصُولِ) مَا ذَكَرَ (أَوْ) عَنْ زَكَاةِ تَمْرٍ قَبْلَ (طُلُوعِ طَلْعٍ أَوْ) عَنْ زَبِيبٍ قَبْلَ طُلُوعِ (حِصْرِمٍ) لِأَنَّهُ تَقْدِيمُ زَكَاةٍ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا وَيَجُوزُ بَعْدَ نَبَاتِ زَرْعٍ، وَطُلُوعِ طَلْعٍ وَحِصْرِمٍ ; لِأَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ بِمُنْزِلَةِ مِلْكِ النِّصَابِ، وَالْإِدْرَاكُ بِمَنْزِلَةِ حَوَلَانِ الْحَوْلِ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ. وَتَعْلِيقُ زَكَاتِهِ بِالْإِدْرَاكِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّعْجِيلِ ; لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِدُخُولِ شَوَّالٍ وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا قَبْلَهُ.
(وَإِنْ تَمَّ الْحَوْلُ وَالنِّصَابُ نَاقِصٌ قَدْرَ مَا عَجَّلَهُ صَحَّ) تَعْجِيلُهُ وَإِجْزَاءُ مُعَجَّلٍ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْمُعَجَّلِ حُكْمُ الْمَوْجُودِ فِي مِلْكِهِ يَتِمُّ النِّصَابُ بِهِ. وَإِنْ نَقَصَ أَكْثَرَ مِمَّا عَجَّلَهُ كَمَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً عَجَّلَ مِنْهَا وَاحِدَةً، ثُمَّ تَلِفَتْ أُخْرَى، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلزَّكَاةِ، فَإِنْ زَادَ بَعْدُ بِنِتَاجٍ أَوْ شِرَاءِ مَا تَمَّ بِهِ النِّصَابُ اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ مِنْ كَمَالِ النِّصَابِ. وَلَمْ يَجُزْ مُعَجَّلٌ (فَلَوْ عَجَّلَ عَنْ مِائَتَيْ شَاةٍ شَاتَيْنِ فَنُتِجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةً لَزِمَتْهُ) شَاةٌ (ثَالِثَةٌ) لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ فِي إجْزَائِهِ عَنْ مَالِهِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ فِي تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِ.
(وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ) فِضَّةً خَمْسَةً مِنْهَا (ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ لَزِمَهُ أَيْضًا دِرْهَمَانِ وَنِصْفٌ) نَصًّا لِيُتِمَّ رُبْعَ الْعُشْرِ.
(وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ أَلْفِ) دِرْهَمٍ فِضَّةً (خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مِنْهَا، ثُمَّ رَبِحَتْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ) دِرْهَمًا (لَزِمَهُ زَكَاتُهَا) أَيْ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ.
وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً ثُمَّ أَبْدَلَ الْأَرْبَعِينَ بِمِثْلِهَا أَوْ نُتِجَتْ أَرْبَعِينَ سَخْلَةً ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّاتُ. أَجْزَأَ مُعَجَّلٌ عَنْ بَدَلٍ أَوْ سَخْلٍ ; لِأَنَّهَا تُجْزِئُ مَعَ بَقَاءِ الْأُمَّاتِ عَنْ الْكُلِّ فَعَنْ أَحَدِهِمَا أَوْلَى.
(وَيَصِحُّ) أَنَّ يُعَجِّلَ (عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً) شَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِهَا لِحَوْلَيْنِ و (لَا) يَصِحُّ أَنْ
стр. 438
يُعَجِّلَ (مِنْهَا) أَيْ: الْأَرْبَعِينَ (لِحَوْلَيْنِ، وَلَا لِ) لِحَوْلِ (الثَّانِي فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْأَوَّلِ (وَيَنْقَطِعُ الْحَوْلُ) بِإِخْرَاجِ الشَّاتَيْنِ مِنْهَا لِحَوْلَيْنِ وَالْوَاحِدَةِ لِلثَّانِي فَقَطْ ; لِنَقْصِ النِّصَابِ، فَإِنْ أَخْرَجَ شَاةً لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَطْ صَحَّ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ.
(وَإِنْ مَاتَ قَابِضُ) زَكَاةٍ (مُعَجَّلَةٍ الْمُسْتَحِقُّ) لِقَبْضِهَا لِنَحْوِ فَقْرِهِ (أَوْ ارْتَدَّ) قَابِضُ مُعَجَّلَةٍ (أَوْ اسْتَغْنَى قَبْلَ) مُضِيِّ (الْحَوْلِ) الَّذِي تَعَجَّلَ زَكَاتُهُ (أَجْزَأَتْ) الزَّكَاةُ عَمَّنْ عَجَّلَهَا ; لِأَنَّهُ أَدَّاهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، كَدَيْنٍ عَجَّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ.
و (لَا) تُجْزِئُ زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ (إنْ دَفَعَهَا) رَبُّ الْمَالِ (إلَى مَنْ يَعْلَمُ غِنَاهُ فَافْتَقَرَ) عِنْدَ الْحَوْلِ أَوْ قَبْلَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْتَقِرْ.
(وَإِنْ مَاتَ مُعَجِّلُ) زَكَاتِهِ (أَوْ ارْتَدَّ أَوْ تَلِفَ النِّصَابُ) الْمُعَجَّلُ زَكَاتُهُ (أَوْ نَقَصَ) قَبْلَ الْحَوْلِ (فَقَدْ بَانَ الْمُخْرَجُ غَيْرَ زَكَاةٍ) لِانْقِطَاعِ الْوُجُوبِ بِذَلِكَ (وَلَا رُجُوعَ) لِمُعَجِّلٍ بِشَيْءٍ مِمَّا عَجَّلَهُ (إلَّا فِيمَا بِيَدِ سَاعٍ عِنْدَ تَلَفِ) النِّصَابِ، وَلَوْ تَعَمَّدَ الْمَالِكُ تَلَفَهُ غَيْرَ قَاصِدٍ الْفِرَارَ مِنْهَا، فَإِنْ دَفَعَهَا سَاعٍ أَوْ رَبُّ مَالٍ لِفَقِيرٍ، فَلَا رُجُوعَ حَتَّى فِي تَلَفِ النِّصَابِ.
وَإِنْ اسْتَسْلَفَ سَاعٍ زَكَاةً فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْهَا وَضَاعَتْ عَلَى الْفُقَرَاءِ، سَوَاءٌ سَأَلَهُ الْفُقَرَاءُ ذَلِكَ أَوْ رَبُّ الْمَالِ أَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ، وَيُشْتَرَطُ لِإِجْزَائِهَا وَمِلْكِ فَقِيرٍ لَهَا قَبْضُهُ، فَلَوْ عَزَلَهَا فَتَلِفَتْ قَبْلَهُ أَوْ غَدَّى الْفُقَرَاءَ أَوْ عَشَّاهُمْ لَمْ تَجُزْ.
وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ فَقِيرٍ فِيهَا قَبْلَ قَبْضِهَا نَصًّا. وَلَوْ قَالَ فَقِيرٌ لِرَبِّ مَالٍ: اشْتَرِ لِي بِهَا قَمِيصًا وَنَحْوَهُ وَلَمْ يَقْبِضْهَا مِنْهُ فَفَعَلَ. لَمْ تُجْزِئْهُ وَالثَّوْبُ لِلْمَالِكِ، وَتَلَفُهُ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ عَجَّلَ) زَكَاةً (عَنْ أَلْفِ) دِرْهَمٍ (يَظُنُّهَا) أَيْ: الدَّرَاهِمَ كُلَّهَا (لَهُ فَبَانَتْ) الَّتِي لَهُ مِنْهَا (خَمْسُمِائَةٍ أَجْزَأَ) مَا عَجَّلَهُ (عَنْ عَامَيْنِ) لِأَنَّهُ نَوَاهَا زَكَاةً مُعَجَّلَةً وَالْأَلْفُ كُلُّهَا لَيْسَتْ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ زَكَاةُ مَا لَيْسَ لَهُ.
(وَمَنْ عَجَّلَ) زَكَاةً (عَنْ أَحَدِ نِصَابَيْهِ وَلَوْ) كَانَ الْوَاجِبُ (مِنْ جِنْسٍ) وَاحِدٍ (فَتَلِفَ) النِّصَابُ الْمُعَجَّلُ عَنْهُ (لَمْ يَصْرِفْهُ إلَى) النِّصَابِ (الْآخَرِ) كَمَنْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ خَمْسِ إبِلٍ وَلَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً، فَتَلِفَتْ إبِلُهُ لَمْ يَصْرِفْ الشَّاةَ عَنْ الْأَرْبَعِينَ لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
(وَلِمَنْ أَخَذَ السَّاعِي مِنْهُ زِيَادَةً) عَنْ زَكَاةٍ (عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَدَّ بِهَا) أَيْ: الزِّيَادَةِ (مِنْ) سَنَةٍ (قَابِلَةٍ) نَصًّا، أَيْ: نَوَى أَنَّ حَالَ الدَّفْعِ إلَيْهِ أَنَّهَا مِنْ زَكَاةِ الْقَابِلَةِ، وَقَالَ
стр. 439
أَحْمَدُ: أَنَّهُ يُحْتَسَبُ مَا أَهْدَاهُ لِلْعَامِلِ مِنْ الزَّكَاةِ أَيْضًا، وَيَأْتِي مَنْ ظُلِمَ فِي خَرَاجِهِ لَمْ يَحْتَسِبْهُ مِنْ عُشْرِهِ، أَيْ: إذَا لَمْ يَنْوِهِ زَكَاةً كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقِ فِي بَعْضِ الْمُوَاضِعِ. .
[بَابُ مَنْ يُجْزِئُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ وَمَنْ لَا يُجْزِئُ]
وَحُكْمِ السُّؤَالِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ (أَهْلُ) أَخْذِ (الزَّكَاةِ ثَمَانِيَةُ) أَصْنَافٍ، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا لِغَيْرِهِمْ كَبِنَاءِ مَسَاجِدَ وَقَنَاطِرَ وَتَكْفِينِ مَوْتَى وَسَدِّ بُثُوقٍ، وَوَقْفِ مَصَاحِفَ وَغَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]- الْآيَةَ " وَكَلِمَةُ " إنَّمَا " تُفِيدُ الْحَصْرَ، فَتُثْبِتُ الْمَذْكُورَيْنِ وَتَنْفِي مَنْ عَدَاهُمْ. وَكَذَا تَعْرِيفُ " الصَّدَقَاتِ " بِأَلْ، فَإِنَّهُ يَسْتَغْرِقُهَا، فَلَوْ جَازَ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْهَا إلَى غَيْرِ الثَّمَانِيَةِ لَكَانَ لَهُمْ بَعْضُهَا لَا كُلُّهَا. وَلِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ هُوَ فِيهَا فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ كُنْت مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
الْأَوَّلُ (فَقِيرٌ، مَنْ لَمْ يَجِدْ) شَيْئًا أَوْ لَمْ يَجِدْ (نِصْفَ كِفَايَتِهِ) فَهُوَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنْ الْمِسْكِينِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى بَدَأَ بِهِ. وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] وَلِاشْتِقَاقِ الْفَقِيرِ مِنْ فِقَر الظَّهْرِ بِمَعْنَى مَفْقُورٍ، وَهُوَ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَةُ ظَهْرِهِ. فَانْقَطَعَ صُلْبُهُ.
(وَ) الثَّانِي (مِسْكِينٌ: مَنْ يَجِدُ نِصْفَهَا) أَيْ الْكِفَايَةِ (أَوْ أَكْثَرَهَا) مِنْ السُّكُونِ ; لِأَنَّهُ أَسْكَنَتْهُ الْحَاجَةُ، وَمَنْ كُسِرَ صُلْبُهُ أَشَدُّ حَاجَةً مِنْ السَّاكِنِ. فَالْفُقَرَاءُ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ الْكِفَايَةِ، كَعُمْيَانٍ وَزَمْنَى ; لِأَنَّهُمْ غَالِبًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى اكْتِسَابٍ يَقَعُ الْمَوْقِعَ مِنْ كِفَايَتِهِمْ، وَرُبَّمَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] الْآيَةَ.
و (يُعْطَيَانِ) أَيْ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ (تَمَامَ كِفَايَتِهِمَا مَعَ) كِفَايَةِ (عَائِلَتِهِمَا سَنَةً) مِنْ الزَّكَاةِ ; لِأَنَّ وُجُوبَهَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ، فَيُعْطَى مَا يَكْفِيهِ إلَى مِثْلِهِ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَائِلَتِهِمَا مَقْصُودٌ دَفْعُ حَاجَتِهِ فَيُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ لِلْمُنْفَرِدِ (حَتَّى وَلَوْ كَانَ احْتِيَاجُهُمَا ب) سَبَبِ (إتْلَافِ مَا لَهُمَا فِي الْمَعَاصِي) لِصِدْقِ اسْمِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ عَلَيْهِمَا حِينَ الْأَخْذِ.
(وَمَنْ مَلَكَ وَلَوْ) كَانَ مَا مَلَكَهُ (مِنْ أَثْمَانٍ
стр. 440
مَا) أَيْ: قَدْرًا (لَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ) وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ، وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ (فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ) فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ; لِأَنَّ الْغَنِيَّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا حَرُمَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا حَلَّتْ لَهُ مَسْأَلَتُهَا،
قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: ذَاكَرْت أَحْمَدَ، فَقُلْت: قَدْ يَكُونُ لِلرَّجُلِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَهُوَ فَقِيرٌ، وَيَكُونُ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً، وَتَكُونُ لَهُ الضَّيْعَةُ لَا تَكْفِيهِ، يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ " أَعْطُوهُمْ وَإِنْ رَاحَتْ - أَيْ: رَجَعَتْ - عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِبِلِ كَذَا وَكَذَا " قُلْت: فَلِهَذَا قُدِّرَ مِنْ الْعَدَدِ أَوْ الْوَقْتِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ، وَقَالَ: إذَا كَانَ لَهُ عَقَارٌ وَضِيعَةٌ يَسْتَغِلُّهَا عَشَرَةُ آلَافٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ لَا تُقِيمُهُ، أَيْ: تَكْفِيهِ، يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ.
(وَإِنْ تَفَرَّغَ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ) تَفَرُّغًا كُلِّيًّا (لِلْعِلْمِ) الشَّرْعِيِّ (لَا) إنْ تَفَرَّغَ (لِلْعِبَادَةِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ) بَيْنَ التَّكَسُّبِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ (أُعْطِيَ) مِنْ زَكَاةٍ لِحَاجَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعِلْمُ لَازِمًا لَهُ يَتَعَدَّى نَفْعُهُ، بِخِلَافِ الْعِبَادَةِ، وَيَجُوزُ أَخْذُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ الَّتِي لَا بُدَّ لِمَصْلَحَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ مِنْهَا. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَ) الثَّالِثُ (عَامِلٌ عَلَيْهَا، كَجَابٍ) يَبْعَثُهُ إمَامٌ لِأَخْذِ زَكَاةٍ مِنْ أَرْبَابِهَا (وَحَافِظٍ، وَكَاتِبٍ، وَقَاسِمٍ) وَمَنْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهَا لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] «وَكَانَ ﷺ يَبْعَثُ عَلَى الصَّدَقَةِ سُعَاةً وَيُعْطِيهِمْ عِمَالَتَهُمْ» (وَشَرْطُهُ: كَوْنُهُ) أَيْ: الْعَامِلِ (مُكَلَّفًا) لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ لِلْقَبْضِ (مُسْلِمًا) لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَاشْتُرِطَ فِيهَا الْإِسْلَامُ ; كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ (أَمِينًا) لِأَنَّ غَيْرَهُ يَذْهَبُ بِمَالِ الزَّكَاةِ وَيُضَيِّعُهُ (كَافِيًا) لِأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الْوِلَايَةِ (مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى) وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَمِثْلُهُمْ مَوَالِيهِمْ. «لِأَنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ سَأَلَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَهُمَا عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبِي أَنْ يَبْعَثَهَا، وَقَالَ: إنَّمَا هَذِهِ أَوْسَاخُ النَّاسِ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا (وَلَوْ) كَانَ (قِنًّا) فَلَا تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ لِحَدِيثِ «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُود، أَشْبَهَ الْحُرَّ.
(أَوْ) كَانَ الْعَامِلُ (غَنِيًّا) لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ»
стр. 441
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَلَا كَوْنُهُ فَقِيهًا، إذَا عَلِمَ بِمَا يَأْخُذُهُ، وَكَتَبَ لَهُ، كَمَا كَتَبَ ﷺ لِعُمَّالِهِ فَرَائِضَ الصَّدَقَةِ. وَكَذَا الصِّدِّيقُ ﵁. وَاشْتِرَاطُ ذُكُورِيَّتِهِ أَوْلَى، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ.
(وَيُعْطَى) عَامِلٌ (قَدْرَ أُجْرَتِهِ مِنْهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ جَاوَزَتْ ثَمَنَ مَا جَبَاهُ أَوْ لَا نَصًّا. وَذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (إلَّا إنْ تَلِفَتْ) الزَّكَاةُ (بِيَدِهِ) أَيْ: الْعَامِلِ (بِلَا تَفْرِيطٍ) مِنْهُ (ف) أَنَّهُ يُعْطَى أُجْرَتَهُ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ لِلْإِمَامِ رِزْقَهُ عَلَى عَمَلِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَيُوَفِّرُ الزَّكَاةَ عَلَى أَهْلِهَا، فَإِذَا تَلِفَتْ تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَلَا ضَمَانَ عَلَى عَامِلٍ لَمْ يُفَرِّطْ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَلَهُ الْأَخْذُ وَلَوْ تَطَوَّعَ بِعَمَلِهِ لِقِصَّةِ عُمَرَ، وَلَهُ تَفْرِقَةُ الزَّكَاةِ إنْ أَذِنَ لَهُ. وَكَذَا مَعَ الْإِطْلَاقِ وَإِلَّا فَلَا، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُسَمِّيَ أَوْ يَعْقِدَ لَهُ إجَارَةً وَأَنْ يَبْعَثَهُ بِغَيْرِهِمَا.
(وَإِنْ عَمِلَ) عَلَيْهَا أَيْ: الزَّكَاةِ (إمَامٌ أَوْ) عَمِلَ عَلَيْهَا (نَائِبُهُ) بِأَنْ جَبَاهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِلَا بَعْثِ عُمَّالٍ (لَمْ يَأْخُذْ) مِنْهَا (شَيْئًا) لِأَنَّهُ يَأْخُذُ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ مَالِكِ) مَالٍ مُزَكًّى (عَلَى عَامِلٍ بِوَضْعِهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا) لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا، وَلَا تَجُرُّ إلَيْهِ نَفْعًا، لِبَرَاءَتِهِ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ، فَلَا تُقْبَلُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ فِيهَا (وَيُصَدَّقُ) رَبُّ الْمَالِ (فِي دَفْعِهَا إلَيْهِ) أَيْ: الْعَامِلِ (بِلَا يَمِينٍ) لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى عِبَادَتِهِ (وَيَحْلِفُ عَامِلٌ) أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ (وَيَبْرَأُ) مِنْ عُهْدَتِهَا فَتَضِيعُ عَلَى الْفُقَرَاءِ ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَإِنْ ثَبَتَ) عَلَى عَامِلٍ أَخَذَ زَكَاةٍ مِنْ أَرْبَابِهَا (وَلَوْ بِشَهَادَةِ بَعْضٍ) مِنْهُمْ (لِبَعْضٍ بِلَا تَخَاصُمٍ) بَيْنَ عَامِلٍ وَشَاهِدٍ قُبِلَتْ، و (غَرِمَ) الْعَامِلُ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الزَّكَاةِ لِعَامِلٍ أَوْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ (وَيُصَدَّقُ عَامِلٌ فِي) دَعْوَى (دَفْعِ) زَكَاةٍ (لِفَقِيرٍ) فَيَبْرَأُ مِنْهَا (وَ) يُصَدَّقُ (فَقِيرٌ فِي عَدَمِهِ) أَيْ: الدَّفْعِ إلَيْهِ مِنْهَا، وَظَاهِرُهُ: بِلَا يَمِينٍ، فَيَأْخُذُ مِنْ زَكَاةٍ أُخْرَى، وَيُقْبَلُ إقْرَارُ عَامِلٍ بِقَبْضِ زَكَاةٍ وَلَوْ بَعْدَ عَزْلِهِ، كَحَاكِمٍ أَقَرَّ بِحُكْمٍ بَعْدَ عَزْلِهِ.
(وَيَجُوزُ كَوْنُ حَامِلِهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (وَرَاعِيهَا مِمَّنْ مَنَعَهَا) أَيْ: الزَّكَاةَ، لِقِيَامِ مَانِعٍ بِهِ كَكَوْنِهِ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى أَوْ كَافِرًا، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً لِعَمَلِهِ لَا لِعِمَالَتِهِ.
(وَ) الرَّابِعُ (مُؤَلَّفٌ لِلْآيَةِ) وَهُوَ (السَّيِّدُ الْمُطَاعُ فِي عَشِيرَتِهِ مِمَّنْ يُرْجَى إسْلَامُهُ أَوْ يُخْشَى شَرُّهُ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ
стр. 442
«بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبِيَّةٍ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدِ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَقَالُوا تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَتَدَعُنَا؟ فَقَالَ: إنَّمَا فَعَلْت ذَلِكَ لِأَتَأَلَّفَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: وَإِنَّمَا الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْيَمَنِ الصَّدَقَةُ (أَوْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إيمَانِهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ «هُمْ قَوْمٌ كَانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ ﷺ يَرْضَخُ لَهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ فَإِذَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الصَّدَقَةِ، قَالُوا هَذَا دِينٌ صَالِحٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ عَابُوهُ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّفْسِيرِ (أَوْ) يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ (إسْلَامُ نَظِيرِهِ) لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَعْطَى عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ، مَعَ حُسْنِ نِيَّاتِهِمَا وَإِسْلَامِهِمَا، رَجَاءَ إسْلَامِ نَظَائِرِهِمَا (أَوْ) لِأَجْلِ (جِبَايَتِهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا) إلَّا بِالتَّخْوِيفِ (أَوْ) لِأَجْلِ (دَفْعٍ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) بِأَنْ يَكُونُوا فِي أَطْرَافِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، إذَا أُعْطُوا مِنْ الزَّكَاةِ دَفَعُوا الْكُفَّارَ عَمَّنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَيُعْطَى) مُؤَلَّفٌ مِنْ زَكَاةٍ (مَا) أَيْ قَدْرًا (يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ) لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ (يُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُطَاعِ فِي عَشِيرَتِهِ (فِي ضَعْفِ إسْلَامِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ و (لَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ (إنَّهُ مُطَاعٌ) فِي عَشِيرَتِهِ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِعَدَمِ تَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ: بَقَاءُ حُكْمِ مُؤَلَّفَةٍ ; لِأَنَّ الْآيَةَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، وَصَحَّتْ الْأَحَادِيثُ بِإِعْطَائِهِمْ وَدَعْوَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ تَأَلُّفِهِمْ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ، وَرَآهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً، وَعَدَمُ إعْطَاءِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ لَهُمْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، لَا لِسُقُوطِ سَهْمِهِمْ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الصَّرْفُ لَهُمْ رَدَّ عَلَى بَاقِي الْأَصْنَافِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ مَا يَأْخُذُهُ لِيَكُفَّ شَرَّهُ، كَأَخْذِ الْعَامِلِ الْهَدِيَّةَ.
(وَ) الْخَامِسُ (مُكَاتَبٌ) قَدَرَ عَلَى تَكَسُّبٍ أَوْ لَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] (وَلَوْ قَبْلَ حُلُولِ نَجْمٍ) عَلَى مُكَاتَبٍ، لِئَلَّا يَحِلَّ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، فَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ. (وَيُجْزِئُ) مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا رَقَبَةً لَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ) لِرَحِمٍ أَوْ تَعْلِيقٍ (فَيُعْتِقُهَا) عَنْ زَكَاتِهِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِلْقِنِّ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ ; لِأَنَّ الرَّقَبَةَ إذَا أُطْلِقَتْ انْصَرَفَتْ إلَيْهِ.
وَتَقْدِيرُهَا: وَفِي إعْتَاقِ الرِّقَابِ
стр. 443
(وَيُجْزِئُ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ أَنْ يَفْدِيَ بِهَا أَسِيرًا مُسْلِمًا) نَصًّا ; لِأَنَّهُ فَكَّ رَقَبَةً مِنْ الْأَسْرِ، فَهُوَ كَفَكِّ الْقِنِّ مِنْ الرِّقِّ، وَإِعْزَازٌ لِلدِّينِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَمِثْلُهُ لَوْ دَفَعَ إلَى فَقِيرٍ مُسْلِمٍ غَرَّمَهُ سُلْطَانٌ مَالًا لِيَدْفَعَ جَوْرَهُ. و (لَا) يُجْزِئُ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (أَنْ يُعْتِقَ قِنَّهُ أَوْ مُكَاتَبَهُ عَنْهَا) أَيْ: زَكَاتِهِ لِأَنَّ أَدَاءَ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ تَكُونُ مِنْ جِنْسِهِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ. وَكَذَا لَا يُجْزِئُ الدَّفْعُ مِنْهَا لِمَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِأَدَاءِ مَالٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ تِجَارَةٍ لَمْ يُجْزِئْهُ ; لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي قِيمَتِهِمْ لَا فِي عَيْنِهِمْ (وَمَا أَعْتَقَ) إمَامٌ أَوْ (سَاعٍ مِنْهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (فَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ نَائِبُهُمْ وَمَا أَعْتَقَ رَبُّ الْمَالِ مِنْهَا، فَوَلَاؤُهُ لَهُ.
(و) السَّادِسُ (غَارِمٌ) وَهُوَ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ (تَدَيَّنَ لَا بِإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ) أَيْ: وَصْلٍ، كَقَبِيلَتَيْنِ أَوْ أَهْلِ قَرْيَتَيْنِ وَلَوْ ذِمِّيَّيْنِ تَشَاجَرُوا فِي دِمَاءٍ أَوْ أَمْوَالٍ، وَخِيفَ مِنْهُ فَتَوَسَّطَ بَيْنَهُمْ رَجُلٌ، وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ وَأَلْزَمَ فِي ذِمَّتِهِ مَالًا عِوَضًا عَمَّا بَيْنَهُمْ، لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ، فَقَدْ أَتَى مَعْرُوفًا عَظِيمًا، فَكَانَ مِنْ الْمَعْرُوفِ حَمْلُهُ عَنْهُ مِنْ الصَّدَقَةِ، لِئَلَّا يُجْحَفَ بِسَادَةِ الْقَوْمِ الْمُصْلِحِينَ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ الرَّجُلُ الْحَمْلَةَ - بِفَتْحِ الْحَاءِ - ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْقَبَائِلِ، يَسْأَلُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، فَأَقَرَّتْ الشَّرِيعَةُ ذَلِكَ، وَأَبَاحَتْ الْمَسْأَلَةَ فِيهِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ (أَوْ تَحَمَّلَ إتْلَافًا أَوْ نَهْيًا عَنْ غَيْرِهِ) فَيَأْخُذُ مِنْ زَكَاتِهِ (وَلَوْ) كَانَ (غَنِيًّا) لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَأَشْبَهَ الْمُؤَلَّفَ، وَالْعَامِلَ (وَلَمْ يَدْفَعْ مِنْ مَالِهِ) مَا نَحْمِلُهُ ; لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَهُ مِنْهُ لَمْ يَصِرْ مَدِينًا، وَإِنْ اقْتَرَضَ وَوَفَّاهُ فَلَهُ الْأَخْذُ بِوَفَائِهِ، لِبَقَاءِ الْغُرْمِ (أَوْ لَمْ يَحِلَّ) الدَّيْنُ، فَلَهُ الْأَخْذُ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ قَبِيصَةَ (أَوْ) كَانَ مَا لَزِمَهُ (ضَمَانًا) بِأَنْ ضَمِنَ غَيْرَهُ فِي دَيْنٍ (وَأَعْسَرَا) أَيْ: الْمَضْمُونُ وَالضَّامِنُ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْأَخْذُ مِنْ زَكَاةٍ لِوَفَائِهِ، فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِمَا، وَلَا إلَى أَحَدِهِمَا. وَالثَّانِي مِنْ ضَرْبِ الْغَارِمِ: مَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ تَدَيَّنَ لِشِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ كُفَّارٍ، أَوْ) تَدَيَّنَ (لِنَفْسِهِ) فِي شَيْءٍ (مُبَاحٍ، أَوْ) تَدَيَّنَ لِنَفْسِهِ (فِي) شَيْءٍ (مُحَرَّمٍ، وَتَابَ) مِنْهُ (وَأَعْسَرَ) بِالدَّيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] (وَيُعْطَى) غَارِمٌ (وَفَاءَ دَيْنِهِ، كَمُكَاتَبٍ) لِانْدِفَاعِ حَاجَتِهِمَا بِهِ، وَدَيْنُ اللَّهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ (وَلَا يُقْضَى مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (دَيْنٌ
стр. 444
عَلَى مَيِّتٍ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِقَبُولِهَا، كَمَا لَوْ كَفَّنَهُ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ اسْتَدَانَهُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ أَوْ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ.
(السَّابِعُ: غَازٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] (بِلَا دِيوَانٍ، أَوْ لَهُ) فِي الدِّيوَانِ (مَا لَا يَكْفِيهِ) لِغَزْوِهِ (فَيُعْطَى) وَلَوْ غَنِيًّا ; لِأَنَّهُ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ (مَا يَحْتَاجُ) إلَيْهِ (لِغَزْوِهِ) ذَهَابًا وَإِيَابًا، وَثَمَنَ سِلَاحٍ وَدِرْعٍ وَفَرَسٍ، إنْ كَانَ فَارِسًا، وَلَا يُجْزِئُ إنْ اشْتَرَاهُ رَبُّ مَالٍ، ثُمَّ دَفَعَهُ لِغَازٍ ; لِأَنَّهُ كَدَفْعِ الْقِيمَةِ. .
(وَيُجْزِئُ) أَنْ يُعْطَى مِنْ زَكَاةِ (الْحَجِّ فَرْضَ فَقِيرٍ وَعُمْرَتَهُ) فَيُعْطَى مَا يَحُجُّ بِهِ فَقِيرٌ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يَعْتَمِرُ، أَوْ يُعِينُهُ فِيهِمَا لِحَدِيثِ «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنَّ الرِّبَاطَ كَالْغَزْوِ.
و (لَا) يُجْزِئُ (أَنْ يَشْتَرِيَ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (مِنْهَا فَرَسًا يَحْبِسُهَا) فِي سَبِيلِ اللَّهِ (أَوْ) أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا (عَقَارًا يَقِفُهُ عَلَى الْغُزَاةِ) لِعَدَمِ الْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
و (لَا) يُجْزِئُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (غَزْوَةً عَلَى فَرَسٍ) أَوْ بِدِرْعٍ وَنَحْوِهِ (مِنْهَا) أَيْ زَكَاتِهِ ; لِأَنَّ نَفْسَهُ لَيْسَتْ مَصْرِفًا لِزَكَاتِهِ، كَمَا لَا يَقْضِي بِهَا دَيْنَهُ.
(وَلِلْإِمَامِ شِرَاءُ فَرَسٍ بِزَكَاةِ رَجُلٍ وَدَفْعِهَا) أَيْ: الْفَرَسِ (إلَيْهِ) أَيْ: رَبِّ زَكَاةٍ (يَغْزُو عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ بَرِيءَ مِنْهَا بِدَفْعِهَا لِلْإِمَامِ، وَتَقَدَّمَ: لِإِمَامٍ رَدُّ زَكَاةٍ وَفِطْرَةٍ إلَى مَنْ أُخِذَتَا مِنْهُ (وَإِنْ لَمْ يَغْزُ) مَنْ أَخَذَ فَرَسًا أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الزَّكَاةِ (رَدَّهَا) عَلَى إمَامٍ، لِأَنَّهُ أَعْطَى عَلَى عَمَلٍ، وَلَمْ يَعْمَلْهُ، نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: إذَا خَرَجَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَكَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ.
(الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ) لِلْآيَةِ وَهُوَ الْمُسَافِرُ (الْمُنْقَطِعُ بِغَيْرِ بَلَدِهِ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ، أَوْ) فِي سَفَرٍ (مُحَرَّمٍ وَتَابَ مِنْهُ) لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا. وَ (لَا) يُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ فِي سَفَرٍ (مَكْرُوهٍ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ.
(وَ) لَا فِي سَفَرِ (نُزْهَةٍ) لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَمَنْ يُرِيدُ إنْشَاءَ سَفَرٍ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، فَلَيْسَ بِابْنِ السَّبِيلِ ; لِأَنَّ السَّبِيلَ هِيَ الطَّرِيقُ، وَسُمِّيَ مَنْ بِغَيْرِ بَلَدِهِ ابْنَ السَّبِيلِ لِمُلَازَمَتِهِ لَهَا، كَمَا يُقَالُ: وَلَدُ اللَّيْلِ، لِمَنْ يَكْثُرُ خُرُوجُهُ فِيهِ، وَابْنُ الْمَاءِ لِطَيْرِهِ، لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ.
(وَيُعْطَى) ابْنُ السَّبِيلِ (وَلَوْ وَجَدَ مُقْرِضًا مَا يُبَلِّغُهُ بَلَدُهُ) وَلَوْ مُوسِرًا فِي بَلَدِهِ، لِعَجْزِهِ عَنْ الْوُصُولِ لِمَالِهِ، كَمَنْ سَقَطَ مَتَاعُهُ فِي بَحْرٍ، أَوْ ضَاعَ مِنْهُ، أَوْ غُصِبَ فَعَجَزَ عَنْهُ (أَوْ) مَا يُبَلِّغُهُ (مُنْتَهَى قَصْدِهِ وَعَوْدِهِ إلَيْهَا) أَيْ: بَلَدِهِ، كَمَنْ قَصَدَ بَلَدًا، وَسَافَرَ إلَيْهِ، وَاحْتَاجَ قَبْلَ وُصُولِهِ، فَيُعْطَى مَا يَصِلُ بِهِ إلَيْهِ، ثُمَّ يَعُودُ بِهِ إلَى بَلَدِهِ بِخِلَافِ مُنْشِئِ السَّفَرِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا فَارَقَ وَطَنَهُ لِغَرَضٍ مَقْصُودٍ وَشُرِعَ
стр. 445
فِيهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ عَنْهُ بِعَدَمِ الْإِعْطَاءِ حَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ بِضَيَاعِ تَعَبِهِ وَسَفَرِهِ، وَالْمُرِيدُ إنْشَاءَ سَفَرٍ لَمْ يَضَعْ عَلَيْهِ شَيْءٍ، بَلْ مَقَامُهُ بِبَلَدِهِ مَظِنَّةَ الرِّفْقِ بِهِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ ابْنِ السَّبِيلِ فِي الْحَاجَةِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ بِالْمَحَلِّ الَّذِي هُوَ بِهِ، وَفِي إرَادَةِ الرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ.
(وَإِنْ سَقَطَ مَا عَلَى غَارِمٍ) مِنْ دَيْنٍ (أَوْ) سَقَطَ مَا عَلَى (مُكَاتَبٍ) مِنْ مَالِ كِتَابَةٍ (أَوْ فَضَلَ مَعَهُمَا) أَيْ: الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ شَيْءٌ عَنْ الْوَفَاءِ (أَوْ) فَضَلَ (مَعَ غَازٍ أَوْ ابْنِ سَبِيلٍ شَيْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِ رَدَّ) غَارِمٌ أَوْ مُكَاتَبٌ سَقَطَ مَا عَلَيْهِ (الْكُلَّ) أَيْ: مَا أَخَذَهُ (أَوْ) رَدَّ مَنْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ غَارِمٍ وَمُكَاتَبٍ وَغَازٍ وَابْنِ سَبِيلٍ (مَا فَضَلَ) مَعَهُ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ مُرَاعِي، فَإِنْ صَرَفَهُ فِي جِهَتِهِ الَّتِي اسْتَحَقَّ أَخْذَهُ لَهَا، وَإِلَّا اسْتَرْجَعَ مِنْهُ (وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ) وَهُمْ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالْعَامِلُونَ عَلَى الزَّكَاةِ وَالْمُؤَلَّفَةُ (يَتَصَرَّفُ فِي فَاضِلٍ بِمَا شَاءَ) لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَضَافَ الزَّكَاةَ إلَيْهِمْ فَاللَّامُ الْمِلْكِ، ثُمَّ قَالَ ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَلِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ لِمَعْنًى يَحْصُلُ بِأَخْذِهِمْ، وَهُوَ غِنَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَأَدَاءِ أَجْرِ الْعَامِلِينَ، وَتَأْلِيفِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَالْأَرْبَعَةُ الْآخَرُونَ يَأْخُذُونَ لِغِنًى لَا يَحْصُلُ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ، فَافْتَرَقُوا.
(وَلَوْ اسْتَدَانَ مُكَاتَبٌ مَا) أَيْ: مَالًا أَدَّاهُ لِسَيِّدِهِ (عَتَقَ بِهِ) أَيْ: بِأَدَائِهِ (وَبِيَدِهِ) أَيْ: الْمُكَاتَبِ (مِنْهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (بِقَدْرِهِ) أَيْ: مَا اسْتَدَانَهُ (فَلَهُ) أَيْ: الْمُكَاتَبِ (صَرْفُهُ) أَيْ: مَا بِيَدِهِ مِنْهَا (فِيهِ) أَيْ: فِيمَا اسْتَدَانَهُ وَعَتَقَ بِهِ ; لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ، وَمَا أَخَذَهُ غَارِمٌ فَقِيرٌ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ صَرْفُهُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ دُفِعَ إلَيْهِ لِفَقْرِهِ جَازَ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ.
(تُجْزِيهِ) أَيْ زَكَاةٌ (وَكَفَّارَةٌ وَنَحْوُهُمَا) كَنَذْرٍ وَمُطْلَقٍ (لِصَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ) لِصِغَرِهِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، لِلْعُمُومِ، فَيُصْرَفُ فِي أُجْرَةِ رَضَاعِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ (وَيُقْبَلُ) لَهُ وَلِيُّهُ (وَيَقْبِضُ لَهُ) أَيْ: الصَّغِيرِ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ وَالْهِبَةَ وَنَحْوَهَا (وَلِيُّهُ) فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمَنْ يَلِيهِ مِنْ أُمٍّ وَغَيْرِهَا ; لِأَنَّ حِفْظَهُ مِنْ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوِلَايَةِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ. مَنْصُوصُ أَحْمَدَ.
(و) تُجْزِئُ زَكَاةٌ وَكَفَّارَةٌ وَنَحْوُهُمَا (لِمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ بِنِسْبَتِهِ) أَيْ: الْبَعْضِ الْحُرِّ مِنْهُ، فَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ يَأْخُذ مِنْ زَكَاةٍ نِصْفَ كِفَايَتِهِ سَنَةً، وَمَنْ ثُلُثُهُ حُرٌّ، يَأْخُذُ ثُلُثَ كِفَايَتِهِ سَنَةً، وَهَكَذَا.
(وَيُشْتَرَطُ)
стр. 446
لِإِجْزَاءِ زَكَاةٍ (تَمْلِيكُ الْمُعْطَى) لَهُ، لِيَحْصُلَ لَهُ الْإِيتَاءُ الْمَأْمُورُ بِهِ، فَلَا يَكْفِي إبْرَاءُ فَقِيرٍ مِنْ دَيْنِهِ، وَلَا حَوَالَتِهِ بِهَا. وَكَذَا لَا يُقْضَى مِنْهَا دَيْنُ مَيِّتٍ غَرِمَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا.
(وَلِلْإِمَامِ قَضَاءُ دَيْنٍ عَنْ) غَارِمٍ (حَيٍّ) مِنْ زَكَاةٍ بِلَا إذْنِهِ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ فِي إيفَائِهِ، وَلِهَذَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ (وَالْأَوْلَى لَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ دَفْعُ زَكَاةٍ إلَى سَيِّدِ مُكَاتَبٍ.
(وَ) الْأَوْلَى (لِمَالِكٍ) مُزَكٍّ (دَفْعُهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (إلَى سَيِّدِ مُكَاتَبٍ لِرَدِّهِ) أَيْ: سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ (مَا قَبَضَ) مِنْ زَكَاةِ مَالِ كِتَابَةٍ (إنْ رَقَّ) مُكَاتَبٌ (بِعَجْزِهِ) عَنْ وَفَاءِ كِتَابَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ الْعِتْقُ الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَ الْأَخْذُ (لَا) يَرُدُّ سَيِّدُ مُكَاتَبٍ (مَا قَبَضَ مُكَاتَبٌ مِنْ زَكَاةٍ) وَدَفَعَهُ لِسَيِّدِهِ، ثُمَّ عَجَزَ أَوْ مَاتَ وَنَحْوَهُ وَلَوْ بِيَدِهِ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ.
(وَلِمَالِكِ) زَكَاةٍ (دَفْعُهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (إلَى غَرِيمٍ مَدِينٍ) مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ (بِتَوْكِيلِهِ) أَيْ: الْمَدِينِ (وَيَصِحُّ) تَوْكِيلُ مَدِينٍ لِرَبِّهَا فِي ذَلِكَ (وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا) مَدِينٌ.
(وَ) لِلْمَالِكِ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى غَرِيمٍ مَدِينٍ (بِدُونِهِ) أَيْ تَوْكِيلِ الْمَدِينِ نَصًّا ; لِأَنَّهُ دَفَعَ الزَّكَاةَ فِي قَضَاءِ دَيْنِ الْمَدِينِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ فَقَضَى بِهَا دَيْنَهُ.
[فَصْلٌ: مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ غَيْرِهَا]
كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ (أُبِيحَ لَهُ سُؤَالُهُ) نَصًّا لِظَاهِرِ حَدِيثِ «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» وَلِأَنَّهُ يَطْلُبُ حَقَّهُ الَّذِي جُعِلَ لَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ سُؤَالُ مَا لَا يُبَاحُ أَخْذُهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ الْمَسْأَلَةَ كُلَّهَا، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ، إلَّا أَنَّهُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْأَبِ أَيْسَرُ (وَلَا بَأْسَ بِمَسْأَلَةِ شُرْبِ الْمَاءِ) نَصًّا وَاحْتَجَّ بِفِعْلِهِ ﷺ وَقَالَ فِي الْعَطْشَانِ، يَسْتَقِي: يَكُونُ أَحْمَقَ، وَلَا بَأْسَ بِفِعْلِهِ بِالِاسْتِعَارَةِ وَالِافْتِرَاضِ نَصًّا، وَكَذَا نَحْوُ شِسْعِ النَّعْلِ (وَإِعْطَاءِ السُّؤَالِ) جَمْعُ سَائِلٍ (مَعَ صِدْقِهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِحَدِيثِ «لَوْ صَدَقَ مَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَأَجَابَ بِأَنَّ السَّائِلَ إذَا قَالَ: أَنَا جَائِعٌ، وَظَهَرَ صِدْقُهُ وَجَبَ إطْعَامُهُ، وَإِنْ سَأَلُوا مُطْلَقًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجِبْ إعْطَاؤُهُمْ، وَلَوْ أَقْسَمُوا ; لِأَنَّ إبْرَارَ الْقَسَمِ إنَّمَا هُوَ إذَا أَقْسَمَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَإِنْ جَهِلَ
стр. 447
حَالَ السَّائِلِ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَإِطْعَامُ جَائِعٍ وَنَحْوِهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
(وَيَجِبُ قَبُولُ مَالٍ طَيِّبٍ أَتَى بِلَا مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ) نَقَلَ الْأَثْرَمُ: عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ لِقَوْلِ ﷺ " خُذْهُ " وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا أَنَّهُ رَدَّ، وَقَالَ: دَعْنَا نَكُونُ أَعِزَّاءً، وَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ: يُكْرَهُ رَدُّهَا، وَإِنْ قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مُحَرَّمًا، أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ رَدَّهُ، وَكَذَا إنْ اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ، بِأَنْ قَالَ: سَيَبْعَثُ لِي فُلَانٌ بِكَذَا وَنَحْوِهِ، وَمَنْ أَعْطَى شَيْئًا لِيُفَرِّقَهُ، فَحَسَّنَ أَحْمَدُ عَدَمَ الْأَخْذِ فِي رِوَايَةِ، وَالْأَوْلَى الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ.
(وَمَنْ سَأَلَ وَاجِبًا) كَمَنْ طَلَبَ شَيْئًا مِنْ زَكَاةٍ (مُدَّعِيًا كِتَابَةً) أَيْ: أَنَّهُ مُكَاتَبٌ (أَوْ) مُدَّعِيًا (غُرْمًا) أَيْ: أَنَّهُ غَارِمٌ (أَوْ) مُدَّعِيًا (أَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ. أَوْ) مُدَّعِيًا (فَقْرًا وَعُرِفَ بِغِنًى قَبْلُ لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ صُدِّقَ فِي إرَادَةِ السَّفَرِ، كَمَا تَقَدَّمَ بِلَا يَمِينٍ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ إنَّهُ غَارِمٌ، جَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ فِي الْإِقْنَاعِ، وَقَالَ: وَيَكْفِي اشْتِهَارُ الْغُرْمِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ (وَهِيَ) أَيْ: الْبَيِّنَةُ (فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأَخِيرَةِ) أَيْ: إذَا ادَّعَى فَقْرًا مَنْ عُرِفَ بِغِنًى (ثَلَاثَةُ رِجَالٍ) لِحَدِيثِ «إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ إلَّا لِثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَإِنْ صَدَّقَ مُكَاتَبًا سَيِّدُهُ قُبِلَ) وَأُعْطِيَ (أَوْ) صَدَّقَ (غَارِمًا غَرِيمُهُ) أَنَّهُ مَدِينُهُ (قُبِلَ وَأُعْطِيَ) مِنْ الزَّكَاةِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُ.
(وَيُقَلَّدُ مَنْ ادَّعَى) مِنْ فُقَرَاءَ أَوْ مَسَاكِينِ (عِيَالًا) فَيُعْطِي لَهُمْ بِلَا بَيِّنَةٍ (أَوْ) ادَّعَى (فَقْرًا وَلَمْ يُعْرَفْ بِغِنًى) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَالِ، فَلَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً بِهِ.
(وَكَذَا يُقَلَّدُ جَلْدٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ: صَحِيحٌ (ادَّعَى عَدَمَ مَكْسَبٍ) وَيُعْطَى مِنْ زَكَاةٍ (بَعْدَ إعْلَامِهِ) أَيْ: الْجَلْدِ وُجُوبًا (أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد فِي الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ سَأَلَاهُ وَفِيهِ " «أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ، فَصَعَّدَ فِينَا النَّظَرَ، فَرَآنَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» .
(وَيَحْرُمُ أَخْذُ) صَدَقَةٍ (بِدَعْوَى غِنَى فُقَرَاءَ، وَلَوْ مِنْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَمَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
стр. 448
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَسُنَّ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ) أَيْ: أَهْلِ الزَّكَاةِ الثَّمَانِيَةِ (بِلَا تَفْضِيلٍ) بَيْنَهُمْ (إنْ وُجِدَتْ) الْأَصْنَافُ (حَيْثُ وَجَبَ الْإِخْرَاجُ) وَإِلَّا عُمِّمَ مَنْ أَمْكَنَ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَلِيَحْصُلَ الْإِجْزَاءُ بِيَقِينٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَمَنْ تَابَعَهُ، وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ مَا ظَاهِرُهُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَقَدْ يَتَكَلَّفُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
(وَ) سُنَّ (تَفْرِقَتُهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (فِي أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ) كَذَوِي رَحِمِهِ، وَمَنْ لَا يَرِثُهُ مِنْ نَحْوِ أَخٍ وَعَمٍّ (عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ) فَيَزِيدُ ذَا الْحَاجَةِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ لِحَدِيثِ «صَدَقَتُك عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
وَيَبْدَأُ بِأَقْرَبَ فَأَقْرَبَ (وَمَنْ فِيهِ) مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ (سَبَبَانِ) كَفَقِيرٍ غَارِمٍ أَوْ ابْنِ سَبِيلٍ (أَخَذَ بِهِمَا) أَيْ: السَّبَبَيْنِ، فَيُعْطَى بِفَقْرِهِ كِفَايَتَهُ مَعَ عَائِلَتِهِ سَنَةً، وَبِغُرْمِهِ مَا يَفِي بِهِ دَيْنَهُ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى بِأَحَدِهِمَا) أَيْ السَّبَبَيْنِ (لَا بِعَيْنِهِ) لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا فِي الِاسْتِقْرَارِ وَعَدَمِهِ (وَإِنْ أُعْطِيَ بِهِمَا) أَيْ: السَّبَبَيْنِ (وَعُيِّنَ لِكُلِّ سَبَبٍ قَدْرٌ) مَعْلُومٌ فَذَاكَ (وَإِلَّا) يُعَيَّنْ لِكُلِّ سَبَبٍ قَدْرٌ (كَانَ) مَا أُعْطِيهِ (بَيْنَهُمَا) أَيْ: السَّبَبَيْنِ (نِصْفَيْنِ) وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ إنْ وُجِدَ مَا يُوجِبُ الرَّدَّ.
(وَيُجْزِئُ اقْتِصَارٌ) فِي إيتَاءِ زَكَاةٍ (عَلَى إنْسَانٍ) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ (وَلَوْ غَرِيمَهُ) أَيْ الْمُزَكِّي (أَوْ مُكَاتَبَهُ مَا لَمْ تَكُنْ حِيلَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] وَلِحَدِيثِ مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ فَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ إلَّا صِنْفٌ وَاحِدٌ ; وَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ تَعْمِيمُ كُلِّ صِنْفٍ بِهَا، فَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ، كَالْوَصِيَّةِ لِجَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ مَنْ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ، لَا لِإِيجَابِ الصَّرْفِ لِلْجَمِيعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَعْمِيمُ كُلِّ صِنْفٍ بِهَا، وَلِمَا فِيهَا مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَجَازَ دَفْعُهَا لِغَرِيمِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَارِمِينَ، فَإِنْ رَدَّهَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ بِلَا شَرْطٍ جَازَ لَهُ أَخْذُهَا ; لِأَنَّ الْغَرِيمَ مَلَكَ مَا أَخَذَهُ بِالْأَخْذِ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَفَاهُ مِنْ مَالِ آخَرَ، لَكِنْ إنْ قَصَدَ بِالدَّفْعِ إحْيَاءَ مَالِهِ وَاسْتِيفَاءَ دَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَصْرِفُهَا إلَى نَفْعِهِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي مُكَاتَبٍ.
(وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لِتِجَارَةٍ، قِيمَتُهُ نِصَابٌ بَعْدَ الْحَوْلِ، قَبْلَ إخْرَاجِ مَا فِيهِ مِنْ زَكَاةٍ. فَلَهُ) أَيْ: سَيِّدِهِ (دَفْعُهُ) أَيْ: مَا فِيهِ مِنْ زَكَاةٍ (إلَيْهِ) أَيْ:
стр. 449
الْعَتِيقِ. وَكَذَا فِطْرَةُ عَبْدٍ أَعْتَقَهُ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ سَيِّدُهُ فَقِيرًا (مَا لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ) مِنْ غِنًى وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ مَا وَجَبَ فِيهِ.
[فَصْلٌ لَا تُجْزِئُ زَكَاةٌ إلَى كَافِرٍ غَيْرِ مُؤَلَّفٍ]
فَصْلٌ وَلَا تُجْزِئُ زَكَاةٌ إلَى كَافِرٍ غَيْرِ مُؤَلَّفٍ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ (وَلَا) تُجْزِئُ (إلَى كَامِلِ رِقٍّ) مِنْ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَلَوْ كَانَ سَيِّدُهُ فَقِيرًا وَنَحْوَهُ، لِاسْتِغْنَائِهِ بِنَفَقَةِ سَيِّدِهِ، وَتَقَدَّمَ الْمُبَعَّضُ (غَيْرَ عَامِلٍ) لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةَ عَمَلِهِ يَسْتَحِقُّهَا سَيِّدُهُ (وَ) غَيْرَ (مُكَاتَبٍ) لِأَنَّهُ فِي الرِّقَابِ.
(وَلَا) تُجْزِئُ إلَى (زَوْجَةِ) الْمُزَكِّي، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ، فَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ، وَكَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَالنَّاشِزُ كَغَيْرِهَا، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ.
(و) لَا تُجْزِئُ إلَى (فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (مُسْتَغْنِيَيْنِ بِنَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ) عَلَى قَرِيبٍ أَوْ زَوْجٍ غَنِيَّيْنِ، لِحُصُولِ الْكِفَايَةِ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لَهَا، أَشْبَهَ مَنْ لَهُ عَقَارٌ يَسْتَغْنِي بِأُجْرَتِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ مِنْهُمَا جَازَ الدَّفْعُ، كَمَا لَوْ تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ الْعَقَارِ.
(وَلَا) تُجْزِئُ إلَى (عَمُودِيِّ نَسَبِهِ) أَيْ: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ عَلَوْا أَوْ سَفَلُوا: مِنْ أَوْلَادِ الْبَنِينَ أَوْ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ، الْوَارِثُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ نَصًّا ; لِأَنَّ دَفْعَهَا إلَيْهِمْ يُغْنِيهِمْ عَنْ نَفَقَتِهِ وَيُسْقِطُهَا عَنْهُ فَيَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى نَفْسِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَا) أَيْ: عَمُودَا نَسَبِهِ (عُمَّالًا) عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ أُجْرَةَ عَمَلِهِمْ كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَهُمْ فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ (أَوْ) يَكُونَا (مُؤَلَّفَيْنِ) لِأَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ لِلتَّأْلِيفِ، كَمَا لَوْ كَانُوا أَجَانِبَ (أَوْ) يَكُونَا (غُزَاةً) لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، أَشْبَهُوا الْعَامِلِينَ (أَوْ) يَكُونَا (غَارِمِينَ لِ) إصْلَاحِ (ذَاتِ بَيْنٍ) كَمَا سَبَقَ، بِخِلَافِ غَارِمٍ لِنَفْسِهِ.
(وَلَا) يُجْزِئُ امْرَأَةً دَفْعُ زَكَاتِهَا إلَى (زَوْجِ) هَا لِأَنَّهَا تَعُودُ إلَيْهَا بِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهَا.
(وَلَا) يُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةِ إنْسَانٍ إلَى (سَائِرِ مَنْ تَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُزَكِّيَ (نَفَقَتُهُ) مِمَّنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، كَأُخْتٍ وَعَمٍّ وَعَتِيقٍ، حَيْثُ لَا حَاجِبَ (مَا لَمْ يَكُنْ) مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ (عَامِلًا أَوْ غَازِيًا أَوْ مُؤَلَّفًا، أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ ابْنَ سَبِيلٍ، أَوْ غَارِمًا لِإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ) لِأَنَّهُ يُعْطَى لِغَيْرِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ، بِخِلَافِ
стр. 450
عَمُودِيِّ النَّسَبِ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ.
(وَلَا) يُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةٍ إلَى (بَنِي هَاشِمٍ، وَهُمْ سُلَالَتُهُ) أَيْ: هَاشِمٍ، ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا (فَدَخَلَ آلُ عَبَّاسِ) بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (وَآلُ عَلِيٍّ، وَ) آلُ (جَعْفَرٍ، وَ) آلُ (عَقِيلِ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ (وَآلُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، و) آلُ (أَبِي لَهَبٍ) سَوَاءٌ أُعْطُوا مِنْ الْخُمْسِ أَوْ لَا، لِعُمُومِ «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (مَا لَمْ يَكُونُوا) أَيْ: بَنُو هَاشِمٍ (غُزَاةً أَوْ مُؤَلَّفَةً، أَوْ غَارِمِينَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ) فَيُعْطَوْنَ لِذَلِكَ، لِجَوَازِ الْأَخْذِ مَعَ الْغِنَى، وَعَدَمِ الْمِنَّةِ فِيهِ.
(وَكَذَلِكَ مَوَالِيهِمْ) أَيْ: عُتَقَاءُ بَنِي هَاشِمٍ. لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا، فَقَالَ: حَتَّى آتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْأَلُهُ فَانْطَلَقَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
و (لَا) كَذَلِكَ (مَوَالِي مَوَالِيهِمْ) فَيُجْزِئُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ لِأَنَّ النَّصَّ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ، وَتُجْزِئُ إلَى وَلَدِ هَاشِمِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ اعْتِبَارًا بِالْأَبِ (وَلِكُلٍّ) مِمَّنْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةٍ إلَيْهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ (أَخْذُ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وَلَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ يَوْمَئِذٍ إلَّا كَافِرًا، وَلِحَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: «قَدِمْت عَلَى أُمِّي، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» .
(وَسُنَّ تَعَفُّفُ غَنِيٍّ عَنْهَا) أَيْ: صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ (وَ) سُنَّ لَهُ (عَدَمُ تَعَرُّضِهِ لَهَا) أَيْ: صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِمَدْحِهِ تَعَالَى الْمُتَعَفِّفِينَ عَنْ السُّؤَالِ مَعَ حَاجَتِهِمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] .
وَلِكُلِّ فَقِيرٍ (وَ) مِسْكِينٍ هَاشِمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ أَخْذٌ مِنْ (وَصِيَّةٍ لِفُقَرَاءَ) لِدُخُولِهِ فِي مُسَمَّاهُمْ إلَّا النَّبِيَّ ﷺ فَمُنِعَ مِنْ فَرْضِ الصَّدَقَةِ وَنَفْلِهَا ; لِأَنَّ اجْتِنَابَهَا كَانَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ وَأَكَلَ مَعَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَرِضَ، أَوْ يُهْدَى لَهُ أَوْ يُنْظَرَ بِدَيْنِهِ، أَوْ يُوضَعَ عَنْهُ، أَوْ يَشْرَبَ مِنْ سِقَايَةٍ
стр. 451
مَوْقُوفَةٍ، أَوْ يَأْوِي إلَى مَكَان جُعِلَ لِلْمَارَّةِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ الَّتِي لَا غَضَاضَةَ فِيهَا، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهَا فِي حَقِّ الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، مَعَ أَنَّ فِي الْخَبَرِ «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» وَلِكُلِّ مَنْ مُنِعَ الزَّكَاةَ مِنْ هَاشِمِيٍّ (و) غَيْرِهِ الْأَخْذُ (مِنْ نَذْرٍ) مُطْلَقٍ دُخُولُهُ فِيهَا غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ و (لَا) يَأْخُذُ مَنْ مُنِعَ الزَّكَاةَ مِنْ (كَفَّارَةٍ) لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ بِالشَّرْعِ، أَشْبَهَتْ الزَّكَاةَ، بَلْ أَوْلَى. لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّتِهَا لِمَحْوِ الذَّنْبِ فَهِيَ مِنْ أَشَدِّ أَوْسَاخِ النَّاسِ.
(وَيُجْزِئُ) دَفْعُ زَكَاتِهِ (إلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ) غَيْرِ عَمُودِيِّ نَسَبِهِ كَأَخْوَالِهِ وَأَوْلَادِ أُخْتِهِ (وَلَوْ وَرِثُوا) لِحَدِيثِ «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ لِذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» وَلِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ ضَعِيفَةٌ.
(وَ) يُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةٍ إلَى (بَنِي الْمُطَّلِبِ) لِشُمُولِ الْأَدِلَّةِ لَهُمْ خَرَجَ مِنْهَا بَنُو هَاشِمٍ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ بَنِي هَاشِمٍ أَشْرَفُ وَأَقْرَبُ إلَيْهِ ﷺ وَشَارَكُوهُمْ فِي الْخُمْسِ بِالنُّصْرَةِ مَعَ الْقَرَابَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ» وَالنُّصْرَةُ لَا تَقْتَضِي حِرْمَانَ الزَّكَاةِ.
(و) يُجْزِئُ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ دَفْعُهَا إلَى (مَنْ تَبَرَّعَ بِنَفَقَتِهِ بِضَمِّهِ إلَى عِيَالِهِ) كَيَتِيمٍ غَيْرِ وَارِثٍ، لِدُخُولِهِ فِي الْعُمُومَاتِ، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ يُخْرِجُهُ، بَلْ رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ بَنِي أَخٍ لَهَا أَيْتَامٌ فِي حِجْرِهَا فَتُعْطِيهِمْ زَكَاتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» (أَوْ) مَنْ (تَعَذَّرَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ قَرِيبٍ بِغَيْبَةٍ أَوْ امْتِنَاعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا) كَمَنْ لَهُ عَقَارٌ وَتَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُ.
(وَإِنْ دَفَعَهَا) أَيْ: الزَّكَاةَ رَبُّ الْمَالِ (لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا لِجَهْلٍ) مِنْهُ بِحَالِهِ، بِأَنْ دَفَعَهَا لِعَبْدٍ أَوْ كَافِرٍ أَوْ هَاشِمِيٍّ أَوْ وَارِثِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ (ثُمَّ عَلِمَ) (لَمْ تُجْزِئْهُ) لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا كَدَيْنِ آدَمِيٍّ، وَتُرَدُّ بِنَمَائِهَا مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا، فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَهَا قَابِضٌ، وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، (إلَّا لِغَنِيٍّ إذَا ظَنَّهُ فَقِيرًا) فَدَفَعَهَا إلَيْهِ فَتُجْزِئُهُ ; لِأَنَّ الْغَنِيَّ مِمَّا يُخْفِي، وَلِذَلِكَ اكْتَفَى فِيهِ بِقَوْلِ الْآخِذِ.
[فَصْلٌ تُسَنُّ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ بِفَاضِلٍ عَنْ كِفَايَةٍ دَائِمَةٍ]
فَصْلٌ وَتُسَنُّ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ بِفَاضِلٍ عَنْ كِفَايَةٍ دَائِمَةٍ (بِمُتَّجَرٍ أَوْ غَلَّةٍ أَوْ صَنْعَةٍ عَنْهُ) أَيْ: الْمُتَصَدِّقِ (وَعَمَّنْ يَمُونُهُ) لِحَدِيثِ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
стр. 452
(كُلَّ وَقْتٍ) لِإِطْلَاقِ الْحَثِّ عَلَيْهَا فِي الْكِتَابِ وَالْأَخْبَارِ. (وَ) كَوْنُهَا (سِرًّا بِطِيبِ نَفْسٍ فِي صِحَّةٍ) أَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] وَلِحَدِيثِ " وَأَنْتَ صَحِيحٌ ".
(وَ) كَوْنُهَا فِي شَهْرِ (رَمَضَانَ) أَفْضَلُ. لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» . (وَ) كَوْنُهَا فِي (وَقْتِ حَاجَةٍ) أَفْضَلُ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] (و) فِي (كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ فَاضِلٍ، كَالْعَشْرِ) الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (وَ) كَ (الْحَرَمَيْنِ) أَفْضَلُ، لِكَثْرَةِ التَّضَاعُفِ.
(وَ) كَوْنُهَا عَلَى (جَارٍ) أَفْضُلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] وَحَدِيثِ «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» . (وَ) كَوْنُهَا عَلَى (ذِي رَحِمٍ) لَهُ (لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَاوَةٍ) بَيْنَهُمَا لِحَدِيثِ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ عَلَى الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ (وَهِيَ) أَيْ: الصَّدَقَةُ (عَلَيْهِمْ) أَيْ: ذَوِي رَحِمِهِ صَدَقَةٌ وَ (صِلَةٌ) لِلْخَيْرِ (أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] وَلِلْخَبَرِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَخُصَّ بِالصَّدَقَةِ مَنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] .
(وَمَنْ تَصَدَّقَ بِمَا يُنْقِصُ مُؤْنَةً تَلْزَمُهُ) كَمُؤْنَةِ زَوْجَةٍ أَوْ قَرِيبٍ أَثِمَ لِحَدِيثِ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» إلَّا أَنْ يُوَافِقَهُ عِيَالُهُ عَلَى الْإِيثَارِ فَهُوَ أَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وَقَوْلِهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جَهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إلَى فَقِيرٍ فِي السِّرِّ» .
(أَوْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَرِيمِهِ أَوْ بِكَفِيلِهِ) بِسَبَبِ صَدَقَةٍ (أَثِمَ) لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
(وَمَنْ أَرَادَهَا) أَيْ: الصَّدَقَةَ (بِمَالِهِ كُلِّهِ وَلَهُ عَائِلَةٌ لَهُمْ كِفَايَةٌ أَوْ) لَهُ عَائِلَةٌ (يَكْفِيهِمْ بِمَكْسَبِهِ) فَلَهُ ذَلِكَ لِقِصَّةِ الصِّدِّيقِ ﵁ (أَوْ) كَانَ (وَحْدَهُ) لَا عِيَالَ لَهُ (وَيَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ. فَلَهُ ذَلِكَ) لِعَدَمِ الضَّرِّ (وَإِلَّا) يَكُنْ لِعِيَالِهِ كِفَايَةٌ وَلَمْ يَكْفِهِمْ بِمَكْسَبِهِ (حَرُمَ) وَحُجِرَ عَلَيْهِ لِإِضَاعَةِ عِيَالِهِ. وَالْحَدِيثُ «يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ؟ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَكَذَا إنْ كَانَ وَحْدَهُ
стр. 453
وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ.
(وَكُرِهَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ) عَلَى الضِّيقِ (أَوْ لَا عَادَةَ لَهُ عَلَى الضِّيقِ أَنْ يَنْقُصَ نَفْسَهُ عَنْ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ) نَصًّا ; لِأَنَّهُ نَوْعُ إضْرَارٍ بِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَقْتَرِضُ لِيَتَصَدَّقَ، لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي فَقِيرٍ لِقَرِيبِهِ وَلِيمَةٌ يَسْتَقْرِضُ، وَيُهْدِي لَهُ. ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الطَّبَقَاتِ.
(وَمَنْ مَيَّزَ شَيْئًا لِلصَّدَقَةِ) بِهِ (أَوْ وَكَّلَ فِيهِ) أَيْ الصَّدَقَةِ بِشَيْءٍ (ثُمَّ بَدَا لَهُ) أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ بِهِ (سُنَّ) لَهُ (إمْضَاؤُهُ) مُخَالَفَةً لِلنَّفْسِ وَالشَّيَاطِينِ. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْضَاؤُهُ ; لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
و (لَا) يُسَنُّ لَهُ (إبْدَالُ مَا أَعْطَى سَائِلًا فَسَخِطَهُ) فَإِنْ قَبَضَهُ وَسَخِطَهُ لَمْ يُعْطِ لِغَيْرِهِ: قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَفِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ضَعِيفٌ. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ فِي الْأَظْهَرِ: أَنَّ أَخْذَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَوْلَى مِنْ الزَّكَاةِ، وَإِنْ أَخَذَهَا سِرًّا أَوْلَى (وَالْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ) وَغَيْرِهَا (كَبِيرَةٌ) عَلَى نَصِّهِ، الْكَبِيرَةُ مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ (وَيَبْطُلُ الثَّوَابُ بِهِ) أَيْ: الْمَنِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلِأَصْحَابِنَا خِلَافٌ فِيهِ وَفِي إبْطَالِ طَاعَةٍ بِمَعْصِيَةٍ. وَاخْتَارَ شَيْخُنَا الْإِحْبَاطَ بِمَعْنَى الْمُوَازَنَةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَر السَّلَفِ.
стр. 454
[كِتَابُ الصِّيَامِ]
ِ لُغَةً: الْإِمْسَاكُ يُقَالُ: صَامَ النَّهَارَ إذَا وَقَفَ سَيْرُ الشَّمْسِ وَلِلسَّاكِتِ: صَائِمٌ، لِإِمْسَاكِهِ عَنْ الْكَلَامِ وَمِنْهُ ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أَيْ: سُكُوتًا وَإِمْسَاكًا عَنْ الْكَلَامِ، وَصَامَ الْفَرَسُ: أَمْسَكَ عَنْ الْعَلَفِ وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ عَنْ الصَّهِيلِ فِي مَوْضِعِهِ وَشَرْعًا (إمْسَاكٌ بِنِيَّةٍ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ) وَهِيَ مُفْسِدَاتُهُ وَتَأْتِي (فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ) وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ (مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ) هُوَ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ غَيْرُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ (وَصَوْمُ) شَهْرِ (رَمَضَانَ فَرْضٌ) اُفْتُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ إجْمَاعًا، فَصَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ إجْمَاعًا، وَالْأَصْلُ فِي فَرْضِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَسُمِّيَ شَهْرُ الصَّوْمِ رَمَضَانَ، قِيلَ: لِحَرِّ جَوْفِ الصَّائِمِ فِيهِ، وَرَمَضِهِ، وَالرَّمْضَاءُ: شِدَّةُ الْحَرِّ، أَوْ أَنَّهُ وَافَقَ هَذَا الشَّهْرُ أَيَّامَ شِدَّةِ الْحَرِّ وَرَمَضِهِ، حِينَ نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنْ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ يُحْرِقُ الذُّنُوبَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَالْمُسْتَحَبُّ قَوْلُ: شَهْرُ رَمَضَانَ، كَمَا فِي الْآيَةِ، وَلَا يُكْرَهُ قَوْلُ: رَمَضَانَ، بِلَا شَهْرٍ، كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَخْبَارِ.
و (يَجِبُ) صَوْمُهُ (بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ) لِحَدِيثِ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»
وَيُسْتَحَبُّ تَرَائِي الْهِلَالِ وَقَوْلُ رَاءٍ مَا وَرَدَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ
стр. 455
وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَفْظُهُ: قَالَ «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ» .
(فَإِنْ لَمْ يُرَ) الْهِلَالُ (مَعَ صَحْوِ لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَصُومُوا) يَوْمَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَيْ: كُرِهَ صَوْمُهُ ; لِأَنَّهُ يَوْمُ الشَّكِّ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ
(وَإِنْ حَالَ دُونَ مَطْلَعِهِ) أَيْ: الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ (غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ) بِالتَّحْرِيكِ الْغَبَرَةُ. كَالْقَتَرَةِ (أَوْ غَيْرِهِمَا) أَيْ: الْغَيْمِ وَالْقَتَرِ كَالدُّخَانِ، وَكَذَا الْبَعْدُ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ (وَجَبَ صِيَامُهُ) أَيْ: يَصُومُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ (حُكْمًا ظَنِّيًّا احْتِيَاطًا) لِلْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ (بِنِيَّةِ) أَنَّهُ مِنْ (رَمَضَانَ) فِي قَوْلِ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ ابْنَتَيْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ لِحَدِيثِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» .
قَالَ نَافِعٌ " كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ الْهِلَالَ فَإِنْ رُئِيَ فَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُرَ، وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا " وَمَعْنَى " اُقْدُرُوا لَهُ " ضَيِّقُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] و (قَدِّرْ فِي السَّرْدِ) وَالتَّضْيِيقِ: جَعَلَ شَعْبَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ رَاوِيهِ وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، كَتَفْسِيرِ التَّفَرُّقِ مِنْ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَقَدْ صَنَّفَ أَصْحَابٌ فِي الْمَسْأَلَةِ التَّصَانِيفَ، وَنَصَرُوا الْمَذْهَبَ، وَرَدُّوا حُجَجَ الْمُخَالِفِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَإِنْ اشْتَغَلُوا عَنْ التَّرَائِي لِعَدُوٍّ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ نَحْوِهِ فَذَلِكَ نَادِرٌ، فَيُسْحَبُ عَلَيْهِ ذَيْلُ الْغَالِبِ، وَفَارَقَ الْغَيْمَ وَالْقَتَرَ فَإِنَّ وُقُوعَهُمَا غَالِبٌ، وَقَدْ اسْتَوَى مَعَهُمَا الِاحْتِمَالَانِ، فَعَمِلْنَا بِأَحْوَطِهِمَا، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَيُجْزِئُ) صَوْمُ هَذَا الْيَوْمِ (إنْ ظَهَرَ) أَنَّهُ (مِنْهُ) أَيْ: رَمَضَانَ بِأَنْ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، لِأَنَّ صَوْمَهُ وَقَعَ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ لِمُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ، أَشْبَهَ الصَّوْمَ لِلرُّؤْيَةِ (وَتُثْبَتُ)
стр. 456
تَبَعًا لِوُجُوبِ صَوْمِهِ (أَحْكَامُ صَوْمِ) رَمَضَانَ (مِنْ صَلَاةِ تَرَاوِيحَ) احْتِيَاطًا ; لِأَنَّهُ ﷺ " وَعَدَ مَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ بِالْغُفْرَانِ " وَلَا يَتَحَقَّقُ قِيَامُهُ كُلُّهُ إلَّا بِذَلِكَ (وَ) كَ (وُجُوبِ كَفَّارَةٍ بِوَطْءٍ فِيهِ) أَيْ: ذَلِكَ الْيَوْمِ (وَنَحْوِهِ) كَوُجُوبِ إمْسَاكٍ عَلَى مَنْ أَكَلَ فِيهِ جَاهِلًا، أَوْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ (مَا لَمْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ) بِأَنْ لَمْ يُرَ مَعَ صَحْوٍ بَعْدَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي غَمَّ فِيهَا هِلَالُ رَمَضَانَ، فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ بِالْوَطْءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ و (لَا) تُثْبَتُ (بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ) الشَّهْرِيَّةِ بِالْغَيْمِ، فَلَا يَحِلُّ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ بِهِ، وَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَعِتْقٌ مُعَلَّقَيْنِ بِهِ، وَلَا تَنْقَضِي عِدَّةٌ، وَلَا مُدَّةُ إيلَاءٍ بِهِ وَنَحْوِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، خُولِفَ لِلنَّصِّ، وَاحْتِيَاطًا لِعِبَادَةٍ عَامَّةٍ
(وَكَذَا) أَيْ: كَرَمَضَانَ فِي وُجُوبِ صَوْمِهِ إذَا غُمَّ هِلَالٌ (حُكْمُ شَهْرٍ) مُعَيَّنٍ (نُذِرَ صَوْمُهُ، أَوْ) نُذِرَ (اعْتِكَافُهُ فِي وُجُوبِ الشُّرُوعِ) فِي الْمَنْذُورِ فِيهِ (إذَا غُمَّ هِلَالُهُ) أَيْ: الشَّهْرِ الْمَنْذُورِ احْتِيَاطًا لَا فِي تَرَاوِيحَ أَوْ وُجُوبِ كَفَّارَةٍ بِوَطْءٍ فِيهِ، وَإِمْسَاكٍ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيَّتَ النِّيَّةَ وَنَحْوَهُ، لِخُصُوصِ ذَلِكَ بِرَمَضَانَ.
وَإِنْ صَامَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ بِلَا مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَلَوْ لِحِسَابٍ أَوْ نُجُومٍ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَلَوْ بَانَ مِنْهُ.
(وَالْهِلَالُ الْمَرْئِيُّ نَهَارًا وَلَوْ) رُئِيَ (قَبْلَ الزَّوَالِ) فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ فِي آخِرِهِ (لِ) لَيْلَةِ (الْمُقْبِلَةِ) نَصًّا ; لِأَنَّهَا لَيْلَةٌ رُئِيَ الْهِلَالُ فِي غَيْرِ يَوْمِهَا فَلَا يُجْعَلُ لَهَا، كَمَا لَوْ رُئِيَ آخِرَ النَّهَارِ. وَالْهِلَالُ يَخْتَلِفُ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَالْعُلُوِّ وَالِانْخِفَاضِ، وَقُرْبِهِ مِنْ الشَّمْسِ اخْتِلَافًا شَدِيدًا لَا يَنْضَبِطُ، فَيَجِبُ طَرْحُهُ وَالْعَمَلُ بِمَا عَوَّلَ الشَّرْعُ عَلَيْهِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ مَرْفُوعًا «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَرَوْا الْهِلَالَ يَقُولُونَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ»
(وَإِذَا ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ) أَيْ: هِلَالِ رَمَضَانَ (بِبَلَدٍ لَزِمَ الصَّوْمُ جَمِيعَ النَّاسِ) لِحَدِيثِ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَهُوَ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ كَافَّةً ; وَلِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ كَحُلُولِ دَيْنٍ وَوُقُوعِ طَلَاقٍ، وَعِتْقٍ مُعَلَّقَيْنِ بِهِ وَنَحْوِهِ، فَكَذَا حُكْمُ الصَّوْمِ، وَلَوْ قُلْنَا بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ، وَلِكُلِّ بَلَدٍ حُكْمُ نَفْسِهِ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا لِمَشَقَّةِ
стр. 457
تَكَرُّرِهَا، بِخِلَافِ الْهِلَالِ، فَإِنَّهُ فِي السَّنَةِ مَرَّةٌ
(وَإِنْ ثَبَتَتْ) رُؤْيَةُ هِلَالِ رَمَضَانَ (نَهَارًا) وَلَمْ يَكُونُوا بَيَّتُوا النِّيَّةَ لِنَحْوِ غَيْمٍ (أَمْسَكُوا) عَنْ مُفْسِدَاتِ الصَّوْمِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ (وَقَضَوْا) ذَلِكَ الْيَوْمَ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصُومُوهُ (كَمَنْ أَسْلَمَ) فِي أَثْنَاءِ نَهَارٍ (أَوْ عَقَلَ) مِنْ جُنُونٍ (أَوْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ) فِي أَثْنَاءِ نَهَارٍ، فَيَجِبُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ
(أَوْ تَعَمَّدَ مُقِيمٌ) الْفِطْرَ (أَوْ) تَعَمَّدَتْ (طَاهِرَةٌ الْفِطْرَ فَسَافَرَ) الْمُقِيمُ بَعْدَ فِطْرِهِ عَمْدًا (أَوْ حَاضَتْ) الطَّاهِرَةُ بَعْدَ فِطْرِهَا عَمْدًا لَزِمَهَا إمْسَاكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعَ الْحَيْضِ وَالسَّفَرِ نَصًّا، عُقُوبَةً، وَالْقَضَاءُ
(أَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ أَوْ بَرِيءَ مَرِيضٌ مُفْطِرَيْنِ) فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ لَزِمَهُمَا الْإِمْسَاكُ لِزَوَالِ الْمُبِيحِ لِلْفِطْرِ أَوْ الْقَضَاءُ.
(أَوْ بَلَغَ صَغِيرٌ) ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى (فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ مُفْطِرٌ لَزِمَهُ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لِتَكْلِيفِهِ وَالْقَضَاءُ (مَا لَمْ يَبْلُغْ) الصَّغِيرُ (صَائِمًا بِسِنٍّ أَوْ احْتِلَامٍ، وَقَدْ نَوَى) الصَّوْمَ (مِنْ اللَّيْلِ فَيُتِمُّ) صَوْمَهُ (وَيُجْزِئُ) عَنْهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (كَنَذْرِ إتْمَامِ نَفْلٍ) بِخِلَافِ صَلَاةٍ وَحَجٍّ بَلَغَ فِيهِمَا غَيْرَ مَا يَأْتِي فِي الْحَجِّ
(وَإِنْ عَلِمَ مُسَافِرٌ) بِرَمَضَانَ (أَنَّهُ يَقْدَمُ غَدًا) بَلَدَ قَصْدِهِ (لَزِمَهُ الصَّوْمُ) نَصًّا كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، وَعَلِمَ يَوْمَ قُدُومِهِ فَيَنْوِيهِ مِنْ اللَّيْلِ (لَا صَغِيرٌ عَلِمَ أَنَّهُ يَبْلُغُ غَدًا) بِرَمَضَانَ، فَلَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ مِنْ أَوَّلِ الْغَدِ (لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ) قَبْلَ دُخُولِ الْغَدِ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ ثُبُوتُ هِلَالِ رَمَضَانَ]
فَصْلٌ وَيُقْبَلُ فِيهِ أَيْ: هِلَالِ رَمَضَانَ وَحْدَهُ خَبَرُ مُكَلَّفٍ لَا مُمَيِّزٍ (عَدْلٍ) نَصًّا، لَا مَسْتُورٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: رَأَيْت الْهِلَالَ فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوهُ غَدًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْته فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» رَوَاهُ
стр. 458
أَبُو دَاوُد ; وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ آخِرِ الشَّهْرِ (وَلَوْ) كَانَ الْمُخْبِرُ بِهِ (عَبْدًا أَوْ أُنْثَى) كَالرِّوَايَةِ (أَوْ) كَانَ إخْبَارُهُ (بِدُونِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ) لِلْخَبَرَيْنِ (وَلَا يَخْتَصُّ) ثُبُوتُهُ (بِحَاكِمٍ) فَيَلْزَمُ الصَّوْمُ مَنْ سَمِعَ عَدْلًا يُخْبِرُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ، وَلَوْ رَدَّهُ حَاكِمٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِ الْمُخْبِرِ، وَقَدْ يَجْهَلُ الْحَاكِمُ مَنْ يَعْلَمُ غَيْرُهُ عَدَالَتَهُ (وَتَثْبُتُ) بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ) مِنْ حُلُولِ دُيُونٍ وَنَحْوِهَا تَبَعًا، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الشُّهُورِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، كَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ: الِاحْتِيَاطُ لِلْعِبَادَةِ
(فَلَوْ صَامُوا) أَيْ: النَّاسُ (ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ) يَوْمًا (ثُمَّ رَأَوْهُ) أَيْ هِلَالَ شَوَّالٍ (قَضَوْا يَوْمًا) وَاحِدًا (فَقَطْ) نَصًّا، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَلِبُعْدِ الْغَلَطِ بِيَوْمَيْنِ
(وَ) إنْ صَامُوا (بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ) عَدْلَيْنِ (ثَلَاثِينَ) يَوْمًا (وَلَمْ يَرَوْهُ) أَيْ: هِلَالَ شَوَّالٍ (أَفْطَرُوا) مَعَ الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلَيْنِ يَثْبُتُ بِهَا الْفِطْرُ ابْتِدَاءً، فَتَبَعًا لِثُبُوتِ الصَّوْمِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُمَا أَخْبَرَا بِالرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ عَنْ يَقِينٍ وَمُشَاهَدَةٍ، فَلَا يُقَابِلُهَا الْإِخْبَارُ بِنَفْيٍ وَعَدَمٍ لَا يَقِينَ مَعَهُ لِاحْتِمَالِ حُصُولِ الرُّؤْيَةِ بِمَكَانٍ آخَرَ. و (لَا) يُفْطِرُونَ إنْ صَامُوا (ب) شَهَادَةِ (وَاحِدٍ) ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَرَوْهُ لِحَدِيثِ «وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» وَلِأَنَّ الْفِطْرَ لَا يَسْتَنِدُ إلَى شَهَادَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِلَالِ شَوَّالٍ، بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْقَرَائِنِ (وَلَا) إنْ صَامُوا (لِغَيْمٍ) ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَرَوْهُ فَلَا يُفْطِرُونَ ; لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا فَمَعَ مُوَافَقَتِهِ الْأَصْلَ - وَهُوَ بَقَاء رَمَضَانَ - أَوْلَى
(فَلَوْ غُمَّ) الْهِلَالُ (لِشَعْبَانَ) وَغُمَّ أَيْضًا (لِرَمَضَانَ وَجَبَ تَقْدِيرُ رَجَبٍ، وَ) تَقْدِيرُ (شَعْبَانَ نَاقِصَيْنِ) احْتِيَاطًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ (فَلَا يُفْطِرُوا قَبْلَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ) يَوْمًا (بِلَا رُؤْيَةٍ) لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا وَالْأَصْلُ بَقَاءُ رَمَضَانَ (وَكَذَا الزِّيَادَةُ) أَيْ: زِيَادَةُ صَوْمِ يَوْمَيْنِ عَلَى الصَّوْمِ الْوَاجِبِ (لَوْ غُمَّ) الْهِلَالُ (لِرَمَضَانَ وَشَوَّالٍ. و) صُمْنَا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، ثُمَّ (أَكْمَلْنَا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ) أَيْ: فَرْضَاهُمَا كَامِلَيْنِ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ.
(وَ) بَانَ أَنَّهُمَا (كَانَا نَاقِصَيْنِ) قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَعَلَى هَذَا
стр. 459
فَقِسْ، إذَا غُمَّ هِلَالُ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، أَيْ: فَلَا يُفْطِرُوا قَبْلَ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ بِلَا رُؤْيَةٍ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالُوا - يَعْنِي الْعُلَمَاءَ - لَا يَقَعُ النَّقْصُ مُتَوَالِيًا فِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
(وَمَنْ رَآهُ) أَيْ: الْهِلَالَ (وَحْدَهُ لِشَوَّالٍ. لَمْ يُفْطِرْ) لِحَدِيثِ «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحُّونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مَعْنَاهُ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ وَإِنْ اعْتَقَدَهُ مِنْ شَوَّالٍ يَقِينًا فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْيَقِينُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لِجَوَازِ أَنَّهُ خُيِّلَ إلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَّهَمَ فِي رُؤْيَتِهِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ وَمُوَافَقَةً لِلْجَمَاعَةِ، وَالْمُنْفَرِدُ بِمَفَازَةٍ يَبْنِي عَلَى يَقِينِ رُؤْيَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ مُخَالَفَةَ الْجَمَاعَةِ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ.
وَإِنْ رَآهُ عَدْلَانِ وَلَمْ يَشْهَدَا عِنْدَ حَاكِمٍ، أَوْ شَهِدَا، فَرَدَّهُمَا جَهْلًا بِحَالِهِمَا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا وَلَا لِمَنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُمَا الْفِطْرُ عِنْدَ الْمَجْدِ، وَجَزَمَ الْمُوَفَّقُ بِالْجَوَازِ، وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ.
(وَ) مَنْ رَأَى الْهِلَالَ وَحْدَهُ (لِرَمَضَانَ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَجَمِيعُ أَحْكَامِ الشَّهْرِ، مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَغَيْرِهِمَا) كَظِهَارٍ (مُعَلَّقٍ بِهِ) لِأَنَّهُ يَوْمٌ عَلِمَهُ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ، كَاَلَّذِي بَعْدَهُ وَإِنَّمَا جَعَلَ مِنْ شَعْبَانَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ظَاهِرًا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ وَيَلْزَمُهُ إمْسَاكُهُ لَوْ أَفْطَرَ فِيهِ وَالْكَفَّارَةُ إنْ جَامَعَ فِيهِ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عُقُوبَةً مَحْضَةً، بَلْ عِبَادَةً، أَوْ فِيهَا شَائِبَتُهَا
(وَإِنْ اشْتَبَهَتْ الْأَشْهُرُ عَلَى مَنْ أُسِرَ، أَوْ طُمِرَ، أَوْ) عَلَى مَنْ (بِمَفَازَةٍ وَنَحْوِهَا) كَمَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ كُفْرٍ، وَعَلِمَ وُجُوبَ صَوْمِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَدْرِ أَيَّ الشُّهُورِ يُسَمَّى رَمَضَانَ (تَحَرَّى) أَيْ: اجْتَهَدَ (وَصَامَ) مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ رَمَضَانُ لِأَمَارَةٍ، لِأَنَّهُ غَايَةُ جَهْدِهِ (وَيُجْزِئُهُ) الصَّوْمُ (إنْ شَكَّ هَلْ وَقَعَ) صَوْمُهُ (قَبْلَهُ) أَيْ: رَمَضَانَ (أَوْ بَعْدَهُ) كَمَنْ تَحَرَّى فِي غَيْمٍ وَصَلَّى، وَشَكَّ هَلْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ صَامَ أَوْ صَلَّى قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ (كَمَا لَوْ وَافَقَهُ) أَيْ: وَافَقَ صَوْمُهُ رَمَضَانَ (أَوْ) وَافَقَ (مَا بَعْدَهُ) مِنْ الشُّهُورِ ; لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِالِاجْتِهَادِ فِي مَحَلِّهِ، فَإِذَا أَصَابَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ أَجْزَأَهُ، كَالْقِبْلَةِ إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَى مُسَافِرٍ (لَا إنْ وَافَقَ) صَوْمُهُ رَمَضَانَ (الْقَابِلَ، فَلَا يُجْزِئُ) الصَّوْمُ (عَنْ وَاحِدٍ
стр. 460
مِنْهُمَا) أَيْ: الرَّمَضَانَيْنِ لِاعْتِبَارِ نِيَّةِ التَّعْيِينِ (وَ) إنْ صَامَ شَوَّالًا أَوْ ذَا الْحِجَّةِ، فَإِنَّهُ (يَقْضِي مَا وَافَقَ عِيدًا أَوْ أَيَّامَ تَشْرِيقٍ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ رَمَضَانَ
(وَلَوْ صَامَ) مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْأَشْهُرُ (شَعْبَانَ ثَلَاثَ سِنِينَ مُتَوَالِيَةً، ثُمَّ عَلِمَ) الْحَالَ (قَضَى مَا فَاتَ) وَهُوَ رَمَضَانُ ثَلَاثَ سِنِينَ قَضَاءً (مُرَتَّبًا شَهْرًا عَلَى إثْرِ شَهْرٍ) بِالنِّيَّةِ كَالْفَائِتَةِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: مَا يَأْتِي فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ: أَنْ لَا يُؤَخِّرَهُ عَنْ شَعْبَانَ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّتَابُعُ، بَلْ يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ نَصًّا
(وَيَجِبُ) صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَائِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ مَا مَضَى مِنْ الْأَيَّامِ لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ " قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ وَضُرِبَ عَلَيْهِمْ قُبَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا صَامُوا مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ " وَلَا كُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ (قَادِرٍ) عَلَى صَوْمٍ لَا عَلَى عَاجِزٍ عَنْهُ لِنَحْوِ مَرَضٍ، لِلْآيَةِ (مُكَلَّفٍ) فَلَا يَجِبُ عَلَى صَغِيرٍ وَلَا مَجْنُونٍ لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» (لَكِنْ عَلَى وَلِيِّ صَغِيرٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (مُطِيقٍ) لِلصَّوْمِ (أَمْرُهُ بِهِ وَضَرْبُهُ عَلَيْهِ) أَيْ: الصَّوْمِ (لِيَعْتَادَهُ) إذَا بَلَغَ، وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا يُؤَاخَذُ بِهِ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ الْعَشْرِ كَالصَّلَاةِ
(وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُ) أَيْ: الصَّوْمِ (لِكِبَرٍ) كَشَيْخٍ هَرِمٍ وَعَجُوزٍ يُجْهِدُهُمَا الصَّوْمُ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً (أَوْ) عَجَزَ عَنْهُ لِ (مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَفْطَرَ، وَعَلَيْهِ) أَيْ: مَنْ عَجَزَ عَنْهُ لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ إنْ كَانَ أَفْطَرَهُ (لَا مَعَ عُذْرٍ مُعْتَادٍ كَسَفَرٍ) إطْعَامٌ (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ لِمِسْكِينٍ مَا) أَيْ: طَعَامٌ (يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ) مُدٌّ مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ: هِيَ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ - فَذَكَرَهُ، وَأَلْحَقَ بِهِ مَنْ لَا يُرْجَى بُرْءُ مَرَضِهِ، فَإِنْ كَانَ الْعَاجِزُ عَنْهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ مُسَافِرًا فَلَا فِدْيَةَ لِفِطْرِهِ لِعُذْرٍ
следующие страницы →