مرفوعٌ بلا خلافٍ، والحامل له على ذلك الشَّكُّ في الصِّيغة التي سمع بها، أَهِيَ: قال رسول الله ﷺ ، أو النَّبيُّ، أو نحو ذلك، كسمعت أو حدَّثني؟ وهو ممَّن لا يرى الإبدال، أو طلبًا للتَّخفيف وإيثارًا للاختصار، أو للشَّكِّ في ثبوته أو ورعًا، حيث علم أنَّ المرويَّ بالمعنى فيه خلافٌ، وفي بعض الأحاديث قول الصَّحابيِّ عن النَّبيِّ ﷺ : يرفعه، وهو في حكم قوله عن الله تعالى، ولو قال تابعيٌّ: «كنَّا نفعل» فليس بمرفوعٍ ولا بموقوفٍ إن لم يضفه لزمن الصَّحابة، بل مقطوعٌ. فإن أضافه لِزَمنهم احتمل الوقف؛
стр. 72
لأنَّ الظَّاهر اطِّلاعهم عليه وتقريرهم، واحتمل عدمه؛ لأنَّ تقرير الصَّحابيِّ قد لا يُنسَب إليه، بخلاف تقريره ﷺ ، وإذا أتى شيءٌ عن صحابيٍّ موقوفًا عليه ممَّا لا مجال للاجتهاد فيه؛ كقول ابن مسعودٍ: «من أتى ساحرًا أو عرَّافًا فقد كفر بما أُنزِل على محمَّدٍ ﷺ » فحكمُه الرَّفعُ؛ تحسينًا للظَّنِّ بالصَّحابة، قاله الحاكم.
و الموصول -ويسمَّى المتَّصل-: ما اتَّصل سنده رفعًا ووقفًا، لا ما اتَّصل للتَّابعيِّ. نعم؛ يسوغ أن يُقال: متَّصلٌ إلى سعيد بن المسيَّب، أو إلى الزُّهريِّ مثلًا.
стр. 73
و المُرسَل: ما رفعه تابعيٌّ مطلقًا، أو تابعيٌّ كبيرٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ،
стр. 74
وهو ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به كما عند الشَّافعيِّ
стр. 75
والجمهور، واحتجَّ به أبو حنيفة ومالكٌ وأحمد في المشهور عنه، فإن اعتُضِدَ بمجيئه من وجهٍ آخر مسندًا،
стр. 76
أو مرسلًا أخذ مُرسِله العلم عن غير رجال المُرسَل الأوَّل؛ احتُجَّ به، ومن ثمَّ احتجَّ الشَّافعيُّ بمراسيل سعيد بن المسيَّب؛ لأنَّها وُجدت مسانيدَ من وجوهٍ أُخر.
стр. 77
قال النَّوويُّ: إنَّما اختلف أصحابنا المتقدِّمون في معنى قول الشَّافعيِّ: إرسال سعيد بن المسيَّب عندنا حسنٌ على قولين؛ أحدهما: أنها حجَّةٌ عنده، بخلاف غيرها من المراسيل؛ لأنَّها وُجِدت مُسنَدةً، ثانيهما: أنَّها ليست بحجَّةٍ عنده بل كغيرها، وإنَّما رَجَّحَ الشَّافعيُّ بمُرسَله، والتَّرجيح بالمُرسَل جائزٌ.
قال الخطيب: والصَّواب الثَّاني، وأمَّا الأوَّل فليس بشيءٍ؛ لأنَّ في مراسيل سعيدٍ ما لم يوجد بحالٍ من وجهٍ يصحُّ،
стр. 78
وأمَّا مُرسَل الصَّحابيِّ كابن عبَّاسٍ وغيره من صغار الصَّحابة عنه ﷺ ممَّا لم يسمعوه منه فهو حُجَّةٌ، وإذا تعارض الوصل والإرسال بأن تختلف الثِّقات في حديثٍ، فيرويه بعضهم
стр. 79
متَّصلًا وآخر مرسلًا؛ كحديث: «لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ» رواه إسرائيلُ وجماعةٌ عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ عن أبي بُردةَ عن أبي موسى عن النَّبيِّ ﷺ ، ورواه الثَّوريُّ وشعبةُ عن أبي إسحاق عن أبي بردةَ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ فقيل: الحكم للمُسنِد إذا كان عدلًا ضابطًا، قال الخطيب: وهو الصَّحيح، وسُئِلَ عنه البخاريُّ فحَكَمَ لمن وصل، وقال: الزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، هذا مع أنَّ المرسِل شعبة وسفيان، ودرجتهما في (١) الحفظ والإتقان معلومةٌ، وقِيلَ: الحكم للأكثر، وقِيلَ: للأحفظ، وإذا قلنا به وكان المرسِلُ الأحفظَ فلا يُقدَح في عدالة الواصل وأهليَّته على الصَّحيح، وإذا تعارض الرَّفع والوقف بأن يرفع ثقةٌ حديثًا وقَفَهُ ثقةٌ غيرُه فالحكمُ للرَّافع؛ لأنَّه مُثبِتٌ وغيرُه ساكتٌ، ولو كان نافيًا فالمثبِت مقدَّمٌ، وتُقبَل زيادة الثِّقات مطلقًا على الصَّحيح، سواءً كانت من شخصٍ واحدٍ، بأن رواه مرَّةً ناقصًا، ومرَّةً أخرى وفيه تلك الزِّيادة، أو كانت الزيادة مِن غير مَن رواه ناقصًا، وقِيلَ: بل مردودةٌ مطلقًا، وقِيلَ: مردودةٌ منه،
стр. 80
مقبولةٌ من غيره. وقال الأصوليُّون: إن اتَّحد المجلس ولم يحتمل غفلته عن تلك الزِّيادة غالبًا رُدَّتْ، وإن احتمل قُبِلت عند الجمهور، وإن جُهِلَ تعدُّدُ المجلس فأَوْلى بالقَبول من صورة اتِّحاده، وإن تعدَّدت يقينًا قُبِلَت اتِّفاقًا.
و المقطوع: ما جاء عن تابعيٍّ من قوله أو فعله موقوفًا عليه، وليس بحجَّةٍ.
стр. 81
و المنقطع: ما سقط من رواته واحدٌ قبل الصَّحابيِّ، وكذا من مكانين أو أكثر، بحيث لا يزيد كلُّ ما سقط منها على راوٍ واحدٍ.
و المُعضَل: ما سقط من رواته
стр. 82
قبل الصَّحابيِّ اثنان فأكثر، مع التَّوالي، كقول مالكٍ: قال رسول الله ﷺ ، ولعدم التَّقييد باثنين قال ابن الصَّلاح: إنَّ قول المصنِّفين: «قال رسول الله ﷺ » من قبيل المُعضَل، ومنه أيضًا حذف لفظ النَّبيِّ والصَّحابيِّ معًا، ووَقْف المتن على التَّابعيِّ؛
стр. 83
كقول الأعمش عن الشَّعبيِّ: «يُقال للرَّجل يوم القيامة: عملتَ كذا وكذا، فيقول: ما عملتُه، فتنطق جوارحُه … » الحديث.
و المُعنعَن:
стр. 84
الذي قِيلَ فيه: فلانٌ عن فلانٍ، من غير لفظٍ صريحٍ بالسَّماع أو التَّحديث أو الإخبار، أتى عن رواةٍ مُسمَّين معروفين؛ موصولٌ عند الجمهور، بشرط ثبوت لقاء المُعَنعِنين بعضهم بعضًا ولو مرَّةً، وعدم التَّدليس من المُعنعِن، لكن في شرطيَّةِ ثبوتِ اللِّقاء بينهما وكذا طول الصُّحبة
стр. 85
ومعرفة الرِّواية للمعنعِن عن المَعنعَن عنه خُلْفٌ، صرَّح باشتراط اللِّقاء عليُّ بن المدينيِّ، وعليه البخاريُّ، وجعلاه شرطًا في أصل الصِّحَّة، وعَزَاه النَّوويُّ للمحقِّقين، وهو مُقتضَى كلام الشَّافعيِّ، ولم يشترطه مسلمٌ، بل أنكر اشتراطه في مقدِّمة «صحيحه»، وادَّعى أنَّه قولٌ مُختَرعٌ لم يُسبق قائله إليه.
стр. 86
و المؤنَّن: قول الرَّاوي: حدَّثنا فلانٌ أنَّ فلانًا قال، وهو كـ «عن» في اللِّقاء والمجالسة والسَّماع، مع السَّلامة من التَّدليس.
стр. 87
و المعلَّق: ما حُذِف من أوَّل إسناده لا وسطه، مأخوذٌ من تعليق الجدار؛ لقطع اتِّصاله،
стр. 88
وسبق، ويأتي حكمه -إن شاء الله تعالى- في الفصل التَّالي بعون الله .
و المدلَّس -بفتح اللَّام المشدَّدة- ثلاثةٌ:
أحدها: أن يُسقط اسمَ شيخِه ويرتقي إلى شيخ شيخه أو مَنْ فوقه، فيسند (١) عنه ذلك بلفظٍ
стр. 89
لا يقتضي الاتِّصال، بل بلفظٍ موهمٍ له، فلا يقول: أخبرنا، وما في معناها، بل يقول: عن فلانٍ، أو قال فلانٌ، أو أنَّ فلانًا، موهمًا بذلك أنَّه سمعه ممَّن رواه عنه، وإنَّما يكون تدليسًا إذا كان المدلِّس قد عاصر الذي روى عنه، أو لقيه ولم يسمع منه، أو سمع منه ولم يسمع ذلك الذي دلَّسه عنه،
стр. 90
فلا يُقبَل ممَّن عُرِف بذلك إلَّا ما صَرَّح فيه بالاتِّصال، كـ «سمعت»، وفي «الصَّحيحين» من حديث أهل هذا القِسم المصرَّح فيه بالسَّماع كثيرٌ؛ كالأعمش وقَتادة والثَّوريِّ، وما فيهما من حديثهم بالعنعنة ونحوها محمولٌ على ثبوت السَّماع عند المخرِّج من وجهٍ آخر، ولو لم نطَّلع عليه؛ تحسينًا للظَّنِّ بصاحبي الصَّحيح.
стр. 91
ثانيها: تدليس التَّسوية؛ بأن يُسقط ضعيفًا بين شيخيهما الثقتين، فيستوي الإسناد كلُّه ثقاتٌ، وهو شرُّ التَّدليس، وكان بقيَّةُ بن الوليد أفعلَ النَّاس له.
ثالثها: تدليس الشُّيوخ؛ بأن يسمِّيَ شيخَه الذي سمع منه بغير اسمه المعروف، أو ينسبه أو
стр. 92
يصفه بما لم يشتهر به تعميةً؛ كي لا يُعرَف، وهو جائزٌ؛ لقصد تيقُّظ الطَّالب واختبارِه؛ ليبحث عن الرُّواة.
عقب الحديث متَّصلًا يوهم أنَّه منه، أو يكون عنده متنان بإسنادَين، فيرويهما بأحدهما،
стр. 95
كرواية سعيد ابن أبي مريم: «لا تَباغضوا ولا تَحاسدوا ولا تَدَابروا ولا تَنافسوا»، أَدرج ابن أبي مريم: «ولا تنافسوا» من متنٍ آخر، أو يسمع حديثًا من جماعةٍ مختلِفين في إسناده أو متنه، فيرويه عنهم على الاتِّفاق،
стр. 96
أو يسوق الإسناد، فيعرض له عارضٌ، فيقول كلامًا من قِبَل نفسه، فيظنُّ بعضُ مَن سمعه أنَّ ذلك الكلام من متن الحديث، فيرويه عنه كذلك.
ويكون في المتن؛ تارةً في أوَّله كحديث أبي هريرة: «أسبِغوا الوضوء، فإنَّ أبا القاسم ﷺ قال: ويلٌ للأعقاب من النَّار» [خ¦١٦٥]، فـ «أسبغوا» من قول أبي هريرة، والباقي
стр. 97
مرفوعٌ، ويكون أيضًا في أثنائه، وفي آخره، وهو الأكثر؛ إلى آخره كحديث ابن مسعودٍ: «أنَّه ﷺ علَّمه التَّشهُّدَ في الصَّلاة، فقال: التَّحيَّات لله … » [خ¦٨٣١] أدرج فيه
стр. 98
أبو خَيْثَمَة زهير بن معاوية أحدُ رواته عن الحسن بن الحرِّ هنا كلامًا لابن مسعود، وهو: «فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد».
والعالي خمسةٌ:
стр. 99
المطلق؛ وهو القرب من رسول الله ﷺ بعددٍ قليلٍ، بالنِّسبة إلى سندٍ آخرَ يَرِدُ بذلك الحديث بعينه بعددٍ كثيرٍ، أو بالنِّسبة لمطلق الأسانيد.
والقرب من إمامٍ من أئمَّة الحديث ذي صفةٍ عاليةٍ؛ كالحفظ والضَّبط، كمالكٍ والشَّافعيِّ،
стр. 100
والقرب بالنِّسبة لرواية الشَّيخين وأصحاب السنن.
والعلوُّ بتقدُّم وفاة الرَّاوي، سواء كان سماعه مع (١) متأخِّر (٢) الوفاة في آنٍ واحدٍ أو قبله.
والعلوُّ بتقدُّم السَّماع، فَمَنْ تقدَّم سماعه من شيخٍ أعلى ممَّن سمع من ذلك الشَّيخ نفسه بعده.
والنَّازل؛ كالعالي بالنِّسبة إلى ضدِّ الأقسام العالية.
стр. 101
و المُسلسَل: ما ورد بحالةٍ واحدةٍ
стр. 102
في الرُّواة أو الرِّواية،
стр. 103
وأصحُّها قراءة سورة الصَّفِّ.
стр. 104
و الغريب: ما انفرد راوٍ بروايته، أو برواية زيادةٍ فيه عمَّن
стр. 105
يُجمَع حديثُه، كالزُّهريِّ أحدِ الحفَّاظ في المتن أو السَّند، وينقسم إلى: غريبٍ صحيحٍ؛ كالأفراد المخرَّجة في «الصَّحيحين»، وإلى غريبٍ ضعيفٍ، وهو الغالب على الغرائب، وإلى غريبٍ حسنٍ، وفي «جامع التِّرمذيِّ» منه كثيرٌ.
و العزيز: ما انفرد بروايته اثنان أو ثلاثةٌ دون سائر رواة الحافظ المرويِّ عنه (١).
стр. 106
و المعلَّل:
стр. 107
ولا يُقال المعلول:
стр. 108
خبرٌ ظاهره السَّلامة؛ لجمعه شروط الصِّحَّة، لكن فيه علَّةٌ خفيَّةٌ فيها غموضٌ،
стр. 109
تظهر للنُّقَّاد أطبَّاءِ السُّنَّةِ الحاذقين بعللها عند جمع طرق الحديث والفحص عنها؛ كمخالفة راوي ذلك الحديث لغيره ممَّن هو أحفظ وأضبط وأكثر عددًا، وتفرُّده وعدم المتابعة عليه، مع قرائنَ تنبِّه على وهمه في وصل مُرسَلٍ، أو رفع موقوفٍ، أو إدراج حديثٍ في حديثٍ، أو لفظةٍ أو جملةٍ ليست من الحديث أدرجها فيه، أو وهمٍ بإبدال راوٍ ضعيفٍ بثقةٍ، ويقع في الإسناد والمتن:
стр. 110
فالأوَّل: كحديث يعلى بن عبيدٍ عن الثَّوريِّ عن عمرو بن دينارٍ: «البيِّعان بالخيار» صرَّح النُّقَّاد بأنَّ «يعلى» غَلِطَ، إنَّما هو عبد الله بن دينار لا عمرو بن دينارٍ، وشذّ بذلك عن سائر أصحاب الثَّوريِّ، وسبب الاشتباه: اتِّفاقهما في اسم الأب، وفي غير واحدٍ من الشُّيوخ، وتقاربهما في الوفاة.
وأمَّا علَّة المتن فكحديث مسلمٍ من جهة الأوزاعيِّ عن قتادة: أنَّه كتب إليه يخبره عن أنسٍ أنَّه حدَّثه أنَّه قال: «صلَّيت خلفَ النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، فكانوا يستفتحون بـ: الحمد لله ربِّ العالمين، لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أوَّل قراءةٍ ولا في آخرها»، فقد أعلَّ الشَّافعيُّ ﵁ وغيره هذه الزِّيادة التي فيها عدم البسملة، بأنَّ سبعةً أو ثمانيةً خالفوا في ذلك، واتَّفقوا على الاستفتاح بـ «الحمد لله رب العالمين»، ولم يذكروا البسملة والمعنى: أنَّهم