Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
مُجَنِّبَتَيْهِ الزُّرْدُقُ وَبَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ الَّذِي جُعِلَ مَكَانَ ذِي الْحَاجِبِ. وَقَدْ تَوَافَى إِلَيْهِمُ الْأَمْدَادُ بِنَهَاوَنْدَ، كُلُّ مَنْ غَابَ عَنِ الْقَادِسِيَّةِ لَيْسُوا بِدُونِهِمْ، فَلَمَّا رَآهُمُ النُّعْمَانُ كَبَّرَ وَكَبَّرَ مَعَهُ النَّاسُ فَتَزَلْزَلَتِ الْأَعَاجِمُ وَحَطَّتِ الْعَرَبُ الْأَثْقَالَ، وَضُرِبَ فُسْطَاطُ النُّعْمَانِ، فَابْتَدَرَ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ فَضَرَبُوهُ، مِنْهُمْ: حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَبَشِيرُ بْنُ الْخَصَاصِيَّةِ، وَحَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ وَغَيْرُهُمْ. فَلَمْ يُرَ بُنَّاءُ فُسْطَاطٍ بِالْعِرَاقِ كَهَؤُلَاءِ.
وَأَنْشَبَ النُّعْمَانُ الْقِتَالَ بَعْدَ حَطِّ الْأَثْقَالِ، فَاقْتَتَلُوا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ وَالْحَرْبُ بَيْنَهُمْ سِجَالٌ وَإِنَّهُمُ انْجَحَرُوا فِي خَنَادِقِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَأَقَامُوا عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَالْفُرْسُ بِالْخِيَارِ لَا يَخْرُجُونَ إِلَّا إِذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ، فَخَافَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَطُولَ أَمْرُهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتُ يَوْمٍ فِي جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ تَجَمَّعَ أَهْلُ الرَّأْيِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: نَرَاهُمْ عَلَيْنَا بِالْخِيَارِ. وَأَتَوُا النُّعْمَانَ فِي ذَلِكَ فَوَافَوْهُ وَهُوَ يُرَوِّي فِي الَّذِي رَوَّوْا فِيهِ فَأَخْبَرُوهُ، فَبَعَثَ إِلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ النَّجَدَاتِ وَالرَّأْيِ فَأَحْضَرَهُمْ، فَتَكَلَّمَ النُّعْمَانُ فَقَالَ: قَدْ تَرَوْنَ الْمُشْرِكِينَ وَاعْتِصَامَهُمْ بِخَنَادِقِهِمْ وَمُدُنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إِلَيْنَا إِلَّا إِذَا شَاءُوا وَلَا يَقْدِرُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ. وَقَدْ تَرَوْنَ الَّذِي فِيهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ التَّضَايُقِ، فَمَا الرَّأْيُ الَّذِي بِهِ نَسْتَخْرِجُهُمْ إِلَى الْمُنَاجَزَةِ وَتَرْكِ التَّطْوِيلِ؟
فَتَكَلَّمَ عَمْرُوبْنُ ثُنَيٍّ، وَكَانَ أَكْبَرَ النَّاسِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ عَلَى الْأَسْنَانِ، فَقَالَ: التَّحَصُّنُ عَلَيْهِمْ أَشَدُّ مِنَ الْمُطَاوَلَةِ عَلَيْكُمْ فَدَعْهُمْ وَقَاتِلْ مَنْ أَتَاكَ مِنْهُمْ. فَرَدُّوا عَلَيْهِ رَأْيَهُ.
وَتَكَلَّمَ عَمْرُوبْنُ مَعْدِ يكَرِبَ فَقَالَ: نَاهِدْهُمْ وَكَابِرْهُمْ وَلَا تَخَفْهُمْ، فَرَدُّوا جَمِيعًا عَلَيْهِ رَأْيَهُ وَقَالُوا: إِنَّمَا يُنَاطِحُ بِنَا الْجُدْرَانَ وَهِيَ أَعْوَانٌ عَلَيْنَا.
وَقَالَ طُلَيْحَةُ: أَرَى أَنْ نَبْعَثَ خَيْلًا لِيُنْشِبُوا الْقِتَالَ، فَإِذَا اخْتَلَطُوا بِهِمْ رَجَعُوا إِلَيْنَا اسْتِطْرَادًا، فَإِنَّا لَمْ نَسْتَطْرِدْ لَهُمْ فِي طُولِ مَا قَاتَلْنَاهُمْ، فَإِذَا رَأَوْا ذَلِكَ طَمِعُوا وَخَرَجُوا
стр. 1087
فَقَاتَلْنَاهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيهِمْ وَفِينَا مَا أَحَبَّ.
فَأَمَرَ [النُّعْمَانُ] الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، وَكَانَ عَلَى الْمُجَرَّدَةِ، فَأَنْشَبَ الْقِتَالَ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ خَنَادِقِهِمْ كَأَنَّهُمْ جِبَالُ حَدِيدٍ قَدْ تَوَاثَقُوا أَنْ لَا يَفِرُّوا، وَقَدْ قَرَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كُلُّ سَبْعَةٍ فِي قِرَانٍ، وَأَلْقَوْا حَسَكَ الْحَدِيدِ خَلْفَهُمْ لِئَلَّا يَنْهَزِمُوا. فَلَمَّا خَرَجُوا نَكَصَ ثُمَّ نَكَصَ، وَاغْتَنَمَهَا الْأَعَاجِمُ فَفَعَلُوا كَمَا ظَنَّ طُلَيْحَةُ وَقَالُوا: هِيَ هِيَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ يَقُومُ عَلَى الْأَبْوَابِ وَرَكِبُوهُمْ. وَلَحِقَ الْقَعْقَاعُ بِالنَّاسِ، وَانْقَطَعَ الْفُرْسُ عَنْ حِصْنِهِمْ بَعْضَ الِانْقِطَاعِ وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى تَعْبِيَةٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ صَدْرَ النَّهَارِ، وَقَدْ عَهِدَ النُّعْمَانُ إِلَى النَّاسِ عَهْدَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْزَمُوا الْأَرْضَ وَلَا يُقَاتِلُوا حَتَّى يَأْذَنَ لَهُمْ، فَفَعَلُوا وَاسْتَتَرُوا بِالْحَجَفِ مِنَ الرَّمْيِ، وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ يَرْمُونَهُمْ حَتَّى أَفْشَوْا فِيهِمُ الْجِرَاحَ.
وَشَكَا بَعْضُ النَّاسِ وَقَالُوا لِلنُّعْمَانِ: أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَمَا تَنْتَظِرُ بِهِمْ؟ ائْذَنْ لِلنَّاسِ فِي قِتَالِهِمْ. فَقَالَ رُوَيْدًا رُوَيْدًا. وَانْتَظَرَ النُّعْمَانُ بِالْقِتَالِ أَحَبَّ السَّاعَاتِ كَانَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْقَى الْعَدُوَّ فِيهَا وَذَلِكَ عِنْدَ الزَّوَالِ، فَلَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ رَكِبَ فَرَسَهُ وَسَارَ فِي النَّاسِ، وَوَقَفَ عَلَى كُلِّ رَايَةٍ يُذَكِّرُهُمْ وَيُحَرِّضُهُمْ وَيُمَنِّيهِمُ الظَّفَرَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي مُكَبِّرٌ ثَلَاثًا، فَإِذَا كَبَّرْتُ الثَّالِثَةَ فَإِنِّي حَامِلٌ فَاحْمِلُوا، وَإِنْ قُتِلْتُ فَالْأَمِيرُ بَعْدِي حُذَيْفَةُ، فَإِنْ قُتِلَ فَفُلَانٌ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً آخِرُهُمُ الْمُغِيرَةُ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعْزِزْ دِينَكَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ، وَاجْعَلِ النُّعْمَانَ أَوَّلَ شَهِيدٍ الْيَوْمَ عَلَى إِعْزَازِ دِينِكَ وَنَصْرِ عِبَادِكَ.
وَقِيلَ: بَلْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُقِرَّ عَيْنِي الْيَوْمَ بِفَتْحٍ يَكُونُ فِيهِ عِزُّ الْإِسْلَامِ وَاقْبِضْنِي شَهِيدًا. فَبَكَى النَّاسُ. وَرَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ فَكَبَّرَ ثَلَاثًا وَالنَّاسُ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ مُسْتَعِدُّونَ لِلْقِتَالِ، وَحَمَلَ النُّعْمَانُ وَالنَّاسُ مَعَهُ وَانْقَضَّتْ رَايَتُهُ انْقِضَاضَ الْعُقَابِ وَالنُّعْمَانُ مُعَلَّمٌ بِبَيَاضِ الْقَبَاءِ وَالْقَلَنْسُوَةِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ بِوَقْعَةٍ كَانَتْ أَشَدَّ مِنْهَا، وَمَا كَانَ يُسْمَعُ إِلَّا وَقْعُ الْحَدِيدِ، وَصَبَرَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ صَبْرًا عَظِيمًا، وَانْهَزَمَ الْأَعَاجِمُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَا بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْإِعْتَامِ مَا طَبَّقَ أَرْضَ الْمَعْرَكَةِ دَمًا يُزْلِقُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ.
стр. 1088
فَلَمَّا أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَ النُّعْمَانِ بِالْفَتْحِ اسْتَجَابَ لَهُ فَقُتِلَ شَهِيدًا، زَلَقَ بِهِ فَرَسُهُ فَصُرِعَ. وَقِيلَ: بَلْ رُمِيَ بِسَهْمٍ فِي خَاصِرَتِهِ فَقَتَلَهُ، فَسَجَّاهُ أَخُوهُ نُعَيْمٌ بِثَوْبٍ، وَأَخَذَ الرَّايَةَ وَنَاوَلَهَا حُذَيْفَةَ، فَأَخَذَهَا وَتَقَدَّمَ إِلَى مَوْضِعِ النُّعْمَانِ وَتَرَكَ نُعَيْمًا مَكَانَهُ. وَقَالَ لَهُمُ الْمُغِيرَةُ: اكْتُمُوا مُصَابَ أَمِيرِكُمْ حَتَّى نَنْتَظِرَ مَا يَصْنَعُ اللَّهُ فِينَا وَفِيهِمْ لِئَلَّا يَهِنَ النَّاسُ. فَاقْتَتَلُوا. فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ عَلَيْهِمُ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَذَهَبُوا، وَلَزِمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَعُمِّيَ عَلَيْهِمْ قَصْدُهُمْ فَتَرَكُوهُ وَأَخَذُوا نَحْوَ اللَّهَبِ الَّذِي كَانُوا دُونَهُ بَإِسْبِيذُهَانَ فَوَقَعُوا فِيهِ، فَكَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَقَعُ فَيَقَعُ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ فِي قِيَادٍ وَاحِدٍ فَيُقْتَلُونَ جَمِيعًا، وَجَعَلَ يَعْقِرُهُمْ حَسَكُ الْحَدِيدِ، فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي اللَّهَبِ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ.
وَقِيلَ: قُتِلَ فِي اللَّهَبِ ثَمَانُونَ أَلْفًا، وَفِي الْمَعْرَكَةِ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الطَّلَبِ، وَلَمْ يُفْلِتْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَنَجَا الْفَيْرُزَانُ مِنْ بَيْنِ الصَّرْعَى فَهَرَبَ نَحْوَ هَمَذَانَ، فَاتَّبَعَهُ نُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَقَدَّمَ الْقَعْقَاعَ قُدَّامَهُ فَأَدْرَكَهُ بِثَنِيَّةِ هَمَذَانَ، وَهِيَ إِذْ ذَاكَ مَشْحُونَةٌ مِنْ بِغَالٍ وَحَمِيرٍ مُوقَرَةٍ عَسَلًا، فَحَبَسَهُ الدَّوَابُّ عَلَى أَجَلِهِ. فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَصَعِدَ فِي الْجَبَلِ، فَتَبِعَهُ الْقَعْقَاعُ رَاجِلًا فَأَدْرَكَهُ فَقَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الثَّنِيَّةِ وَقَالُوا: إِنَّ لِلَّهِ جُنُودًا مِنْ عَسَلٍ. وَاسْتَاقُوا الْعَسَلَ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْأَحْمَالِ. وَسُمِّيَتِ الثَّنِيَّةُ ثَنِيَّةَ الْعَسَلِ.
وَدَخَلَ الْمُشْرِكُونَ هَمَذَانَ وَالْمُسْلِمُونَ فِي آثَارِهِمْ فَنَزَلُوا عَلَيْهَا وَأَخَذُوا مَا حَوْلَهَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خُسْرَوْشُنُومُ اسْتَأْمَنَهُمْ، وَلَمَّا تَمَّ الظَّفَرُ لِلْمُسْلِمِينَ جَعَلُوا يَسْأَلُونَ عَنْ أَمِيرِهِمُ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، فَقَالَ لَهُمْ أَخُوهُ مَعْقِلٌ: هَذَا أَمِيرُكُمْ قَدْ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ بِالْفَتْحِ وَخَتَمَ لَهُ بِالشَّهَادَةِ فَاتَّبِعُوا حُذَيْفَةَ.
وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ نَهَاوَنْدَ يَوْمَ الْوَقْعَةِ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ وَاحْتَوَوْا مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَغَيْرِهَا وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْأَسْلَابِ وَالْأَثَاثِ وَجَمَعُوا إِلَى صَاحِبِ الْأَقْبَاضِ السَّائِبِ بْنِ الْأَقْرَعِ. وَانْتَظَرَ مَنْ بِنَهَاوَنْدَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ عَلَى هَمَذَانَ مَعَ الْقَعْقَاعِ وَنُعَيْمٍ، فَأَتَاهُمُ الْهِرْبِذُ صَاحِبُ بَيْتِ النَّارِ عَلَى أَمَانٍ، فَأُبْلِغَ حُذَيْفَةُ، فَقَالَ: أَتُؤَمِّنُنِي وَمَنْ شِئْتُ عَلَى أَنْ أُخْرِجَ لَكَ ذَخِيرَةً لِكِسْرَى تُرِكَتْ عِنْدِي لِنَوَائِبِ الزَّمَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَحْضَرَ جَوْهَرًا نَفِيسًا فِي سَفَطَيْنِ، فَأَرْسَلَهُمَا مَعَ الْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ. وَكَانَ حُذَيْفَةُ قَدْ نَفَّلَ مِنْهَا وَأَرْسَلَ الْبَاقِيَ مَعَ السَّائِبِ بْنِ
стр. 1089
الْأَقْرَعِ الثَّقَفِيِّ، وَكَانَ كَاتِبًا حَاسِبًا، أَرْسَلَهُ عُمَرُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ لَهُ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَاقْسِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيْئَهُمْ وَخُذِ الْخُمُسَ، وَإِنْ هَلَكَ هَذَا الْجَيْشُ فَاذْهَبْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا.
قَالَ السَّائِبُ: فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَحْضَرَ الْفَارِسِيُّ السَّفَطَيْنِ اللَّذَيْنِ أَوْدَعَهُمَا عِنْدَهُ النَّخَيْرَجَانُ فَإِذَا فِيهِمَا اللُّؤْلُؤُ وَالزَّبَرْجَدُ وَالْيَاقُوتُ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْقِسْمَةِ احْتَمَلْتُهُمَا مَعِي وَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ قَدْ قَدَّرَ الْوَقْعَةَ فَبَاتَ يَتَمَلْمَلُ وَيَخْرُجُ وَيَتَوَقَّعُ الْأَخْبَارَ، فَبَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَرَجَ فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِ فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيْلًا، فَمَرَّ بِهِ رَاكِبٌ فَسَأَلَهُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ؟ فَقَالَ: مِنْ نَهَاوَنْدَ، وَأَخْبَرَهُ بِالْفَتْحِ وَقَتْلِ النُّعْمَانِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الرَّجُلُ تَحَدَّثَ بِهَذَا بَعْدَ ثَلَاثٍ مِنَ الْوَقْعَةِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ عُمَرَ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ذَلِكَ بَرِيدُ الْجِنِّ.
ثُمَّ قَدِمَ الْبَرِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا يَسُرُّهُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِقَتْلِ النُّعْمَانِ. قَالَ السَّائِبُ: فَخَرَجَ عُمَرُ مِنَ الْغَدِ يَتَوَقَّعُ الْأَخْبَارَ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقُلْتُ: خَيْرًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَأَعْظَمَ الْفَتْحَ، وَاسْتُشْهِدَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. ثُمَّ بَكَى فَنَشَجَ حَتَّى بَانَتْ فُرُوعُ كَتِفَيْهِ فَوْقَ كَتِدِهِ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ وَمَا لَقِيَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أُصِيبَ بَعْدَهُ رَجُلٌ يُعْرَفُ وَجْهُهُ. فَقَالَ: أُولَئِكَ الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّ الَّذِي أَكْرَمَهُمْ بِالشَّهَادَةِ يَعْرِفُ وُجُوهَهُمْ وَأَنْسَابَهُمْ، وَمَا يَصْنَعُ أُولَئِكَ بِمَعْرِفَةِ عُمَرَ! ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ بِالسَّفَطَيْنِ فَقَالَ: أَدْخِلْهُمَا بَيْتَ الْمَالِ حَتَّى نَنْظُرَ فِي شَأْنِهِمَا وَالْحَقْ بِجُنْدِكَ. قَالَ: فَفَعَلْتُ وَخَرَجْتُ سَرِيعًا إِلَى الْكُوفَةِ.
وَبَاتَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بَعَثَ فِي أَثَرِي رَسُولًا، فَمَا أَدْرَكَنِي حَتَّى دَخَلْتُ الْكُوفَةَ فَأَنَخْتُ بَعِيرِي وَأَنَاخَ بِعِيرَهُ عَلَى عُرْقُوبَيْ بَعِيرِي فَقَالَ: الْحَقْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ بَعَثَنِي فِي طَلَبِكَ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْكَ إِلَّا الْآنَ. قَالَ: فَرَكِبْتُ مَعَهُ فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: إِلَيَّ وَمَا لِي وَلِلسَّائِبِ! قُلْتُ: وَلِمَاذَا؟ قَالَ: وَيْحَكَ وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ نِمْتُ اللَّيْلَةَ الَّتِي خَرَجْتَ فِيهَا فَبَاتَتِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَحِبُنِي إِلَى السَّفَطَيْنِ يَشْتَعِلَانِ نَارًا فَيَقُولُونَ: لَنَكْوِيَنَّكَ بِهِمَا، فَأَقُولُ: إِنِّي سَأُقَسِّمُهُمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَخُذْهُمَا عَنِّي فَبِعْهُمَا فِي أَعْطِيَةِ الْمُسْلِمِينَ
стр. 1090
وَأَرْزَاقِهِمْ. قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهِمَا فَوَضَعْتُهُمَا فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، فَابْتَاعَهُمَا مِنِّي عَمْرُوبْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ بِأَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا إِلَى أَرْضِ الْأَعَاجِمِ فَبَاعَهُمَا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ أَلْفٍ، فَمَا زَالَ أَكْثَرَ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَالًا. وَكَانَ سَهْمُ الْفَارِسِ بِنَهَاوَنْدَ سِتَّةَ آلَافٍ وَسَهْمُ الرَّاجِلِ أَلْفَيْنِ.
وَلَمَّا قَدِمَ سَبْيُ نَهَاوَنْدَ الْمَدِينَةَ جَعَلَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لَا يَلْقَى مِنْهُمْ صَغِيرًا إِلَّا مَسَحَ رَأْسَهُ وَبَكَى وَقَالَ لَهُ: أَكَلَ عُمَرُ كَبِدِي! وَكَانَ مِنْ نَهَاوَنْدَ فَأَسَرَتْهُ الرُّومُ وَأَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الرُّومِ فَنُسِبَ إِلَى حَيْثُ سُبِيَ.
وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ فَتْحَ نَهَاوَنْدَ فَتْحَ الْفُتُوحِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْفُرْسِ بَعْدَهُ اجْتِمَاعٌ. وَمَلَكَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُمْ.
ذكر فَتْحِ الدِّينَوَرِ وَالصَّيْمَرَةِ وَغَيْرِهِمَا
لَمَّا انْصَرَفَ أَبُو مُوسَى مِنْ نَهَاوَنْدَ، وَكَانَ قَدْ جَاءَ مَدَدًا عَلَى بَعْثِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَمَرَّ بِالدِّينَوَرِ فَأَقَامَ عَلَيْهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ وَمَضَى، فَصَالَحَهُ أَهْلُ سِيرَوَانَ عَلَى مِثْلِ صُلْحِهِمْ، وَبَعَثَ السَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ الثَّقَفِيَّ إِلَى الصَّيْمَرَةِ مَدِينَةِ مِهْرِجَانَ قَذَقَ فَفَتَحَهَا صُلْحًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ وَجَّهَ السَّائِبَ مِنَ الْأَهْوَازِ فَفَتَحَ وِلَايَةَ مِهْرِجَانَ قَذَقَ.
ذكر فَتْحِ هَمَذَانَ وَالْمَاهَيْنِ وَغَيْرِهِمَا
لَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ دَخَلَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ هَمَذَانَ وَحَاصَرَهُمْ نُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ
стр. 1091
وَالْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خُسْرَوْشُنُومُ اسْتَأْمَنَهُمْ وَقَبِلَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ مِنْهُمْ هَمَذَانَ وَدَسْتَبَى وَأَلَّا يُؤْتَى الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَآمَنُوهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْفُرْسِ، وَأَقْبَلَ كُلُّ مَنْ كَانَ هَرَبَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمَاهَيْنِ بِفَتْحِ هَمَذَانَ وَمُلْكِهَا وَنُزُولِ نُعَيْمٍ وَالْقَعْقَاعِ بِهَا، فَاقْتَدَوْا بِخُسْرَوْشُنُومَ فَرَاسَلُوا حُذَيْفَةَ فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا وَأَجْمَعُوا عَلَى الْقَبُولِ وَأَجْمَعُوا عَلَى إِتْيَانِ حُذَيْفَةَ، فَخَدَعَهُمْ دِينَارٌ وَهُوَ أَحَدُ أُولَئِكَ الْمُلُوكِ، وَكَانَ أَشْرَفَهُمْ قَارِنُ، وَقَالَ: لَا تَلْقَوْهُمْ فِي جَمَالِكُمْ، فَفَعَلُوا، وَخَالَفَهُمْ فَأَتَاهُمْ فِي الدِّيبَاجِ وَالْحُلِيِّ فَأَعْطَاهُمْ حَاجَتَهُمْ، وَاحْتَمَلَ الْمُسْلِمُونَ مَا أَرَادُوا وَعَاقَدُوهُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَجِدِ الْآخَرُونَ بُدًّا مِنْ مُتَابَعَتِهِ وَالدُّخُولِ فِي أَمْرِهِ، فَقِيلَ " مَاهَ دِينَارٌ " لِذَلِكَ. وَكَانَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ قَدْ عَاقَدَ بِهْرَاذَانَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَنُسِبَ إِلَى بِهْرَاذَانَ، وَكَانَ قَدْ وَكَّلَ النُّسَيْرَ بْنَ ثَوْرٍ بِقَلْعَةٍ قَدْ لَجَأَ إِلَيْهَا قَوْمٌ فَجَاهَدَهُمْ فَافْتَتَحَهَا فَنُسِبَتْ إِلَى النُّسَيْرِ وَهُوَ تَصْغِيرُ نَسْرٍ.
قِيلَ: دَخَلَ دِينَارٌ الْكُوفَةَ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ إِنَّكُمْ أَوَّلَ مَا مَرَرْتُمْ بِنَا كُنْتُمْ خِيَارَ النَّاسِ، فَبَقِيتُمْ كَذَلِكَ زَمَنَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، ثُمَّ تَغَيَّرْتُمْ وَفَشَتْ فِيكُمْ خِصَالٌ أَرْبَعٌ: بُخْلٌ، وَخِبٌّ، وَغَدْرٌ، وَضِيقٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِيكُمْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَقَدْ رَمَقْتُكُمْ فَرَأَيْتُ ذَلِكَ فِي مُوَلَّدِيكُمْ فَعَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ، فَإِذَا الْخِبُّ مِنْ قِبَلِ النَّبَطِ، وَالْبُخْلُ مِنْ قِبَلِ فَارِسَ، وَالْغَدْرُ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ، وَالضِّيقُ مِنْ قِبَلِ الْأَهْوَازِ.
ذكر دُخُولِ الْمُسْلِمِينَ بِلَادَ الْأَعَاجِمِ
وَفِيهَا أَمَرَ عُمَرُ الْمُسْلِمِينَ بِالِانْسِيَاحِ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ وَطَلَبِ الْفُرْسِ أَيْنَ كَانُوا، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ يَزْدَجِرْدَ وَبَعْثِهِ الْجُنُودَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَوَجَّهَ الْأُمَرَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ بَعْدَ فَتْحِ نَهَاوَنْدَ، وَكَانَ بَيْنَ عَمَلِ سَعْدٍ وَعَمَلِ عَمَّارٍ أَمِيرَانِ، أَحَدُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَفِي زَمَانِهِ كَانَتْ وَقْعَةُ نَهَاوَنْدَ، وَالْآخَرُ زِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وَفِي زَمَانِهِ أُمِرَ بِالِانْسِيَاحِ وَعُزِلَ عَبْدُ اللَّهِ وَبُعِثَ فِي وَجْهٍ آخَرَ، وَوُلِّيَ زِيَادٌ، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَعَمِلَ
стр. 1092
قَلِيلًا وَأَلَحَّ فِي الِاسْتِعْفَاءِ فَأَعْفَاهُ عُمَرُ، وَوَلَّى عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ: إِنِّي بَعَثْتُ عَمَّارًا أَمِيرًا وَجَعَلْتُ مَعَهُ ابْنَ مَسْعُودٍ مُعَلِّمًا. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِحِمْصَ فَسَيَّرَهُ عُمَرُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَمَدَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَدَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ بِأَبِي مُوسَى. وَكَانَ أَهْلُ هَمَذَانَ قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ الصُّلْحِ، فَبَعَثَ عُمَرُ لِوَاءً إِلَى نُعَيْمِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَأَمَرَهُ بِقَصْدِ هَمَذَانَ، فَإِذَا فَتَحَهَا سَارَ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَبَعَثَ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ وَبُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا مِنْ حُلْوَانَ وَالْآخَرُ مِنَ الْمَوْصِلِ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَأَمَّرَ عُمَرُ سُرَاقَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ.
[ذكر فَتْحِ أَصْبَهَانَ]
وَفِيهَا بَعَثَ عُمَرُ إِلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَكَانَ شُجَاعًا مِنْ أَشْرَافِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ وُجُوهِ الْأَنْصَارِ حَلِيفًا لِبَنِي الْحُبُلِيِّ، وَأَمَدَّهُ بِأَبِي مُوسَى، وَجَعَلَ عَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيَّ وَعِصْمَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَارُوا إِلَى نَهَاوَنْدَ، وَرَجَعَ حُذَيْفَةُ إِلَى عَمَلِهِ عَلَى مَا سَقَتْ دِجْلَةُ وَمَا وَرَاءَهَا، وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَنْ كَانَ مَعَهُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ جُنْدِ النُّعْمَانِ بِنَهَاوَنْدَ نَحْوَ أَصْبَهَانَ، وَعَلَى جُنْدِهَا الْأَسْبِيدَانُ، وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ شَهْرَيَارُ بْنُ جَاذَوَيْهِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ، فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، وَمُقَدَّمَةُ الْمُشْرِكِينَ بِرُسْتَاقٍ لِأَصْبَهَانَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَدَعَا الشَّيْخُ إِلَى الْبِرَازِ، فَبَرَزَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيُّ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ أَصْبَهَانَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الرُّسْتَاقُ رُسْتَاقَ الشَّيْخِ إِلَى الْيَوْمِ، وَصَالَحَهُمُ الْأَسْبِيدَانُ عَلَى رُسْتَاقِ الشَّيْخِ، وَهُوَ أَوَّلُ رُسْتَاقٍ أُخِذَ مِنْ أَصْبَهَانَ.
ثُمَّ سَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى مَدِينَةِ جَيٍّ وَهِيَ مَدِينَةُ أَصْبَهَانَ، فَانْتَهَى إِلَيْهَا وَالْمَلِكُ بِأَصْبَهَانَ الْفَاذُوسْفَانُ، فَنَزَلَ بِالنَّاسِ عَلَى جَيٍّ وَحَاصَرَهَا وَقَاتَلَهَا، ثُمَّ صَالَحَهُ الْفَاذُوسْفَانُ عَلَى أَصْبَهَانَ وَأَنَّ عَلَى مَنْ أَقَامَ الْجِزْيَةَ وَأَقَامَ عَلَى مَالِهِ وَأَنْ يَجْرِيَ مَنْ أُخِذَتْ أَرْضُهُ عَنْوَةً مَجْرَاهُمْ وَمَنْ أَبَى وَذَهَبَ كَانَ لَكُمْ أَرْضُهُ، وَقَدِمَ أَبُو مُوسَى عَلَى عَبْدِ اللَّهِ مِنْ نَاحِيَةِ
стр. 1093
الْأَهْوَازِ وَقَدْ صَالَحَ، فَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ جَيٍّ وَدَخَلُوا فِي الذِّمَّةِ إِلَّا ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ لَحِقُوا بِكَرْمَانَ. وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو مُوسَى جَيًّا، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ. فَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ: أَنْ سِرْ حَتَّى تَقْدُمَ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ فَتَكُونَ مَعَهُ عَلَى قِتَالِ مَنْ بِكَرْمَانَ، فَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى أَصْبَهَانَ السَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ، وَلَحِقَ بِسُهَيْلٍ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى كَرْمَانَ.
قِيلَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ الْأَمِيرَ كَانَ عَلَى الْجُنْدِ الَّذِينَ فَتَحُوا أَصْبَهَانَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَأَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنْ يُمِدُّوهُ، فَسَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ وَبِهَا مَلِكُهَا ذُو الْحَاجِبَيْنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وَعَادَ مِنْ عِنْدِهِ فَقَاتَلَهُمْ، وَقُتِلَ النُّعْمَانُ وَوَقَعَ ذُو الْحَاجِبَيْنِ عَنْ دَابَّتِهِ فَانْشَقَّتْ بَطْنُهُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ. قَالَ مَعْقِلٌ: فَأَتَيْتُ النُّعْمَانَ وَهُوَ صَرِيعٌ فَجَعَلْتُ عَلَيْهِ عَلَمًا. فَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ أَتَيْتُهُ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَغَسَلْتُ عَنْ وَجْهِهِ التُّرَابَ فَقَالَ: مَا فَعَلَ النَّاسُ؟ فَقُلْتُ: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ! وَمَاتَ.
هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ النُّعْمَانَ قُتِلَ بِنَهَاوَنْدَ وَافْتَتَحَ أَبُو مُوسَى قُمَّ وَقَاشَانَ.
ذكر وِلَايَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلَى الْكُوفَةِ
وَفِيهَا وَلَّى عُمَرُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَلَى الْكُوفَةِ، وَابْنَ مَسْعُودٍ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. فَشَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ عَمَّارًا، فَاسْتَعْفَى عَمَّارٌ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَوَلَّى عُمَرُ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ الْكُوفَةَ، وَقَالَ لَهُ: لَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ. فَسَمِعَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ عُمَرَ خَلَا بِجُبَيْرٍ، فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ إِلَى امْرَأَةِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ لِتَعْرِضَ عَلَيْهَا طَعَامَ السَّفَرِ، فَفَعَلَتْ، فَقَالَتْ: نِعْمَ مَا حَيَّيْتِنِي بِهِ. فَلَمَّا عَلِمَ الْمُغِيرَةُ جَاءَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَنْ وَلَّيْتَ! وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَعَزَلَهُ وَوَلَّى الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ الْكُوفَةَ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ عُمَرُ. وَقِيلَ: إِنَّ عَمَّارًا عُزِلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو مُوسَى. وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
стр. 1094
قِيلَ وَفِيهَا بَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ الْفِهْرِيَّ فَافْتَتَحَ زَوِيلَةَ صُلْحًا، وَمَا بَيْنَ بَرْقَةَ وَزَوِيلَةَ سِلْمٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ سَنَةَ عِشْرِينَ.
كَانَ الْأُمَرَاءُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ: عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ عَلَى دِمَشْقَ وَحَوْرَانَ وَحِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ وَالْجَزِيرَةِ، وَمُعَاوِيَةَ عَلَى الْبَلْقَاءِ وَالْأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ وَالسَّوَاحِلِ وَأَنْطَاكِيَةَ وَقِلِقِيَّةَ وَمَعَرَّةَ مَصْرِينَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ صَالَحَ أَبُو هَاشِمِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ عَلَى قِلِقِيَّةَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَمَعَرَّةَ مَصْرِينَ.
وَفِيهَا وُلِدَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَنِ وَالْيَمَامَةِ وَمِصْرَ وَالْبَصْرَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَشُرَيْحٌ عَلَى الْقَضَاءِ.
وَفِيهَا بَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بَعْثًا إِلَى سَاحِلِ فَارِسَ فَحَارَبُوهُمْ وَمَعَهُمُ الْجَارُودُ الْعَبْدِيُّ، فَقُتِلَ الْجَارُودُ بِعَقَبَةٍ تُعْرَفُ بِعَقَبَةِ الْجَارُودِ. وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ بِنَهَاوَنْدَ مَعَ النُّعْمَانِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ حَمَمَةُ، وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ، بِأَصْبَهَانَ بَعْدَ فَتْحِهَا. وَالْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ وَهُوَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ مَكَانَهُ أَبَا هُرَيْرَةَ. وَفِيهَا مَاتَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحِمْصَ وَأَوْصَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
стр. 1095
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ]
٢٢ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ افْتُتِحَتْ أَذْرَبِيجَانُ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ هَمَذَانَ وَالرَّيِّ وَجُرْجَانَ، فَنَبْدَأُ بِذِكْرِ فَتْحِ هَذِهِ الْبِلَادِ ثُمَّ نَذْكُرُ أَذْرَبِيجَانَ بَعْدَهَا.
ذكر فَتْحِ هَمَذَانَ ثَانِيًا
قَدْ تَقَدَّمَ مَسِيرُ نُعَيْمِ بْنِ مُقَرِّنٍ إِلَى هَمَذَانَ وَفَتْحِهَا عَلَى يَدِهِ وَيَدِ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو، فَلَمَّا رَجَعَا عَنْهَا كَفَرَ أَهْلُهَا مَعَ خُسْرَوْشُنُومَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَهْدُ نُعَيْمٍ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ وَدَّعَ حُذَيْفَةَ وَسَارَ يُرِيدُ هَمَذَانَ وَعَادَ حُذَيْفَةُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَخَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ عَلَى تَعْبِيَةٍ إِلَى هَمَذَانَ فَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِهَا جَمِيعًا وَحَاصَرَهَا، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُهَا ذَلِكَ سَأَلُوا الصُّلْحَ فَفَعَلَ وَقَبِلَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ فَتْحَهَا كَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُمَرَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. فَبَيْنَمَا نُعَيْمٌ بِهَمَذَانَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْجُنْدِ كَاتَبَ الدَّيْلَمَ وَأَهْلَ الرَّيِّ وَأَذْرَبِيجَانَ، إِذْ خَرَجَ مُوتَا فِي الدَّيْلَمِ حَتَّى نَزَلَ بِوَاجِ رُوذَ، وَأَقْبَلَ الزَّيْنَبِيُّ أَبُو الْفَرُّخَانِ فِي أَهْلِ الرَّيِّ، وَأَقْبَلَ أَسْفَنْدِيَارُ أَخُو رُسْتُمَ فِي أَهْلِ أَذْرَبِيجَانَ، فَاجْتَمَعُوا وَتَحَصَّنَ مِنْهُمْ أُمَرَاءُ الْمَسَالِحِ وَبَعَثُوا إِلَى نُعَيْمٍ بِالْخَبَرِ، فَاسْتَخْلَفَ يَزِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا بِوَاجِ رُوذَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَتْ وَقْعَةً عَظِيمَةً تَعْدِلُ بِنَهَاوَنْدَ، فَانْهَزَمَ الْفُرْسُ هَزِيمَةً قَبِيحَةً وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ كَبِيرَةٌ لَا يُحْصَوْنَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى عُمَرَ مُبَشِّرًا، فَأَمَرَ عُمَرُ نُعَيْمًا بِقَصْدِ الرَّيِّ وَقِتَالِ مَنْ بِهَا وَالْمُقَامِ بِهَا بَعْدَ فَتْحِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَهُوَ عَامِلٌ عَلَى الْكُوفَةِ،
стр. 1096
أَرْسَلَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى هَمَذَانَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا وَأُصِيبَتْ عَيْنُهُ بِسَهْمٍ، فَقَالَ: احْتَسَبْتُهَا عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي زَيَّنَ بِهَا وَجْهِي وَنَوَّرَ لِي مَا شَاءَ ثُمَّ سَلَبَنِيهَا فِي سَبِيلِهِ. ثُمَّ فَتَحَهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ نَهَاوَنْدَ وَغَلَبَ عَلَى أَرْضِهَا قَسْرًا. وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا عَلَى يَدِ الْمُغِيرَةِ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ جَرِيرٌ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ. وَقِيلَ: فَتَحَهَا قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ.
ذكر فَتْحِ قَزْوِينَ وَزَنْجَانَ
لَمَّا سَيَّرَ الْمُغِيرَةُ جَرِيرًا إِلَى هَمَذَانَ فَفَتَحَهَا سَيَّرَ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فِي جَيْشٍ إِلَى قَزْوِينَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهَا، فَإِنْ فَتَحَهَا غَزَا الدَّيْلَمَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ مَغْزَاهُمْ قَبْلُ مِنْ دَسْتَبَى. فَسَارَ الْبَرَاءُ حَتَّى أَتَى أَبْهَرَ، وَهُوَ حِصْنٌ، فَقَاتَلُوهُ، ثُمَّ طَلَبُوا الْأَمَانَ فَآمَنَهُمْ وَصَالَحَهُمْ، ثُمَّ غَزَا قَزْوِينَ، فَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَهَا الْخَبَرُ أَرْسَلُوا إِلَى الدَّيْلَمِ يَطْلُبُونَ النُّصْرَةَ فَوَعَدُوهُمْ، وَوَصَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ فَخَرَجُوا لِقِتَالِهِمْ، وَالدَّيْلَمُ وُقُوفٌ عَلَى الْجَبَلِ لَا يَمُدُّونَ يَدًا، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ قَزْوِينَ ذَلِكَ طَلَبُوا الصُّلْحَ عَلَى صُلْحِ أَبْهَرَ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ:
قَدْ عَلِمَ الدَّيْلَمُ إِذْ تُحَارِبْ حِينَ أَتَى فِي جَيْشِهِ ابْنُ عَازِبْ ... بِأَنَّ ظَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَاذِبْ فَكَمْ قَطَعْنَا فِي دُجَى الْغَيَاهِبْ
مِنْ جَبَلٍ وَعْرٍ وَمِنْ سَبَاسِبْ
وَغَزَا الْبَرَاءُ الدَّيْلَمَ حَتَّى أَدَّوْا إِلَيْهِ الْإِتَاوَةَ، وَغَزَا جِيلَانَ وَالطَّيْلَسَانَ، وَفَتَحَ زَنْجَانَ عَنْوَةً. وَلَمَّا وَلِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ الْكُوفَةَ غَزَا الدَّيْلَمَ، وَجِيلَانَ، وَمُوقَانَ، وَالْبَبَرَ،
стр. 1097
وَالطَّيْلَسَانَ ثُمَّ انْصَرَفَ.
ذكر فَتْحِ الرَّيِّ
ثُمَّ انْصَرَفَ نُعَيْمٌ مِنْ وَاجِ رُوذَ حَتَّى قَدِمَ الرَّيَّ، وَخَرَجَ الزَّيْنَبِيُّ أَبُو الْفَرُّخَانِ مِنَ الرَّيِّ فَلَقِيَ نُعَيْمًا طَالِبًا الصُّلْحَ وَمُسَالِمًا لَهُ وَمُخَالِفًا لِمَلِكِ الرَّيِّ، وَهُوَ سِيَاوَخْشُ بْنُ مِهْرَانَ بْنِ بَهْرَامَ جُوبِينَ، فَاسْتَمَدَّ سِيَاوَخْشُ أَهْلَ دُنْبَاوَنْدَ وَطَبَرِسْتَانَ وَقُومِسَ وَجُرْجَانَ فَأَمَدُّوهُ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَالْتَقَوْا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي سَفْحِ جَبَلِ الرَّيِّ إِلَى جَنْبِ مَدِينَتِهَا، فَاقْتَتَلُوا بِهِ، وَكَانَ الزَّيْنَبِيُّ قَالَ لِنُعَيْمٍ: إِنَّ الْقَوْمَ كَثِيرٌ وَأَنْتَ فِي قِلَّةٍ، فَابْعَثْ مَعِي خَيْلًا أَدْخُلْ بِهِمْ مَدِينَتَهُمْ مِنْ مَدْخَلٍ لَا يَشْعُرُونَ بِهِ، وَنَاهِدْهُمْ أَنْتَ، فَإِنَّهُمْ إِذَا خَرَجْنَا عَلَيْهِمْ لَمْ يَثْبُتُوا لَكَ. فَبَعَثَ مَعَهُ نُعَيْمٌ خَيْلًا مِنَ اللَّيْلِ، عَلَيْهِمُ ابْنُ أَخِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فَأَدْخَلَهُمُ الزَّيْنَبِيُّ الْمَدِينَةَ، وَلَا يَشْعُرُ الْقَوْمُ، وَبَيَّتَهُمْ نُعَيْمٌ بَيَاتًا فَشَغَلَهُمْ عَنْ مَدِينَتِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا وَصَبَرُوا لَهُ حَتَّى سَمِعُوا التَّكْبِيرَ مِنْ وَرَائِهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَقُتِلُوا مَقْتَلَةً عُدُّوا بِالْقَصَبِ فِيهَا، وَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالرَّيِّ نَحْوًا مِمَّا فِي الْمَدَائِنِ، وَصَالَحَهُ الزَّيْنَبِيُّ عَلَى الرَّيِّ، وَمَرْزَبَهُ عَلَيْهِمْ نُعَيْمٌ، فَلَمْ يَزَلْ شَرَفُ الرَّيِّ فِي أَهْلِ الزَّيْنَبِيِّ، وَأَخْرَبَ نُعَيْمٌ مَدِينَتَهُمْ، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْعَتِيقَةُ، وَأَمَرَ الزَّيْنَبِيَّ فَبَنَى مَدِينَةَ الرَّيِّ الْحُدْثَى. وَكَتَبَ نُعَيْمٌ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ وَأَنْفَذَ الْأَخْمَاسَ، وَكَانَ الْبَشِيرُ الْمُضَارِبَ الْعِجْلِيَّ. وَرَاسَلَهُ الْمُصْمُغَانُ فِي الصُّلْحِ عَلَى شَيْءٍ يَفْتَدِي بِهِ مِنْهُ عَلَى دُنْبَاوَنْدَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ فَتْحَ الرَّيِّ كَانَ عَلَى يَدِ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ، وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذكر فَتْحِ قُومِسَ وَجُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ
لَمَّا أَرْسَلَ نُعَيْمٌ إِلَى عُمَرَ بِالْبِشَارَةِ وَأَخْمَاسِ الرَّيِّ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ أَخِيهِ
стр. 1098
سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَمَعَهُ هِنْدُ بْنُ عَمْرٍو الْجَمَلِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى قُومِسَ، فَسَارَ سُوَيْدٌ نَحْوَ قُومِسَ، فَلَمْ يَقُمْ لَهُ أَحَدٌ، فَأَخَذَهَا سِلْمًا وَعَسْكَرَ بِهَا، وَكَاتَبَهُ الَّذِينَ لَجَأُوا إِلَى طَبَرِسْتَانَ مِنْهُمْ وَالَّذِينَ أَخَذُوا الْمَفَاوِزَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى الصُّلْحِ وَالْجِزْيَةِ وَكَتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ. ثُمَّ سَارَ سُوَيْدٌ إِلَى جُرْجَانَ فَعَسْكَرَ بِهَا بِبَسْطَامَ وَكَتَبَ إِلَى مَلِكِ جُرْجَانَ، وَهُوَ زُرْنَانُ صُولُ، وَكَاتَبَهُ زُرْنَانُ صُولُ وَصَالَحَهُ عَلَى جُرْجَانَ عَلَى الْجِزْيَةِ وَكِفَايَةِ حَرْبِ جُرْجَانَ وَأَنْ يُعِينَهُ سُوَيْدٌ إِنْ غَلَبَ، فَأَجَابَهُ سُوَيْدٌ إِلَى ذَلِكَ، وَتَلَقَّاهُ زُرْنَانُ صُولُ قَبْلَ دُخُولِهِ جُرْجَانَ فَدَخَلَ مَعَهُ وَعَسْكَرَ بِهَا حَتَّى جَبَى الْخَرَاجَ وَسَمَّى فُرُوجَهَا، فَسَدَّهَا بِتُرْكِ دِهِسْتَانَ، وَرَفَعَ الْجِزْيَةَ عَمَّنْ قَامَ بِمَنْعِهَا وَأَخَذَهَا مِنَ الْبَاقِينَ.
وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ. وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ زَمَنَ عُثْمَانَ.
وَقِيلَ: وَرَاسَلَ الْإِصْبَهْبَذُ صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ سُوَيْدًا فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَتَوَادَعَا وَيَجْعَلَ لَهُ شَيْئًا عَلَى غَيْرِ نَصْرٍ وَلَا مَعُونَةٍ عَلَى أَحَدٍ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا.
ذكر فَتْحِ طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ وَبَرْقَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ مِصْرَ إِلَى بَرْقَةَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ وَأَنْ يَبِيعُوا مِنْ أَبْنَائِهِمْ مَنْ أَرَادُوا بَيْعَهُ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَرْقَةَ سَارَ إِلَى طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ فَحَاصَرَهَا شَهْرًا فَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ شَرْقِيَّهَا، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ يَتَصَيَّدُ فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ، وَسَلَكُوا غَرْبَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا رَجَعُوا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحَرُّ فَأَخَذُوا عَلَى جَانِبِ الْبَحْرِ، وَلَمْ يَكُنِ السُّورُ مُتَّصِلًا بِالْبَحْرِ، وَكَانَتْ سُفُنُ الرُّومِ فِي مَرْسَاهَا مُقَابِلَ بُيُوتِهِمْ، فَرَأَى الْمُدْلِجِيُّ وَأَصْحَابُهُ مَسْلَكًا بَيْنَ الْبَحْرِ وَالْبَلَدِ فَدَخَلُوا مِنْهُ وَكَبَّرُوا، فَلَمْ يَكُنْ لِلرُّومِ مَلْجَأٌ إِلَّا سُفُنُهُمْ، لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ دَخَلُوا الْبَلَدَ، وَنَظَرَ عَمْرٌو وَمَنْ مَعَهُ فَرَأَى السُّيُوفَ فِي
стр. 1099
الْمَدِينَةِ وَسَمِعُوا الصِّيَاحَ، فَأَقْبَلَ بِجَيْشِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمُ الْبَلَدَ، فَلَمْ يُفْلِتِ الرُّومُ إِلَّا بِمَا خَفَّ مَعَهُمْ فِي مَرَاكِبِهِمْ.
وَكَانَ أَهْلُ حِصْنِ سَبْرَةَ قَدْ تَحَصَّنُوا لَمَّا نَزَلَ عَمْرٌو عَلَى طَرَابُلُسَ، فَلَمَّا امْتَنَعُوا عَلَيْهِ بِطَرَابُلُسَ أَمِنُوا وَاطْمَأَنُّوا، فَلَمَّا فُتِحَتْ طَرَابُلُسُ جَنَّدَ عَمْرٌو عَسْكَرًا كَثِيفًا وَسَيَّرَهُ إِلَى سَبْرَةَ، فَصَبَّحُوهَا وَقَدْ فَتَحَ أَهْلُهَا الْبَابَ وَأَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمْ لِتَسْرَحَ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمْ خَبَرُ طَرَابُلُسَ، فَوَقَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ وَدَخَلُوا الْبَلَدَ مُكَابَرَةً وَغَنِمُوا مَا فِيهِ وَعَادُوا إِلَى عَمْرٍو. ثُمَّ سَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى بَرْقَةَ وَبِهَا لُوَاتَةُ، وَهُمْ مِنَ الْبَرْبَرِ.
وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِ الْبَرْبَرِ إِلَيْهَا وَإِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْغَرْبِ أَنَّهُمْ كَانُوا بِنَوَاحِي فِلَسْطِينَ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ مَلِكُهُمْ جَالُوتَ، فَلَمَّا قُتِلَ سَارَتِ الْبَرَابِرُ وَطَلَبُوا الْغَرْبَ، حَتَّى إِذَا انْتَهَوْا إِلَى لُوبِيَّةَ وَمَرَاقِيَّةَ، وَهُمَا كُورَتَانِ مِنْ كُوَرِ مِصْرَ الْغَرْبِيَّةِ، تَفَرَّقُوا فَسَارَتْ زَنَاتَةُ وَمُغِيلَةُ، وَهُمَا قَبِيلَتَانِ مِنَ الْبَرْبَرِ إِلَى الْغَرْبِ فَسَكَنُوا الْجِبَالَ، وَسَكَنَتْ لُوَاتَةُ أَرْضَ بَرْقَةَ، وَتُعْرَفُ قَدِيمًا بِأَنْطَابُلُسَ، وَانْتَشَرُوا فِيهَا حَتَّى بَلَغُوا السُّوسَ، وَنَزَلَتْ هَوَّارَةُ مَدِينَةَ لَبْدَةَ، وَنَزَلَتْ نَفُوسَةُ إِلَى مَدِينَةِ سَبْرَةَ وَجَلَا مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الرُّومِ لِذَلِكَ، وَقَامَ الْأَفَارِقُ، وَهُمْ خَدَمُ الرُّومِ، عَلَى صُلْحٍ يُؤَدُّونَهُ إِلَى مَنْ غَلَبَ عَلَى بِلَادِهِمْ. وَسَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ - كَمَا ذَكَرْنَا - فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ يُؤَدُّونَهَا جِزْيَةً، وَشَرَطُوا أَنْ يَبِيعُوا مَنْ أَرَادُوا مِنْ أَوْلَادِهِمْ فِي جِزْيَتِهِمْ.
ذكر فَتْحِ أَذْرَبِيجَانَ
قَالَ: فَلَمَّا افْتَتَحَ نُعَيْمٌ الرَّيَّ بَعَثَ سِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ الْأَنْصَارِيَّ، وَلَيْسَ بِأَبِي دُجَانَةَ، مُمِدًّا لَبُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِأَذْرَبِيجَانَ، أَمَرَهُ عُمَرُ بِذَلِكَ، فَسَارَ سِمَاكٌ نَحْوَ بُكَيْرٍ، وَكَانَ بُكَيْرٌ حِينَ بُعِثَ إِلَيْهَا سَارَ حَتَّى إِذَا طَلَعَ بِجِبَالِ جَرْمِيذَانَ طَلَعَ عَلَيْهِمُ اسْفَنْدِيَارُ بْنُ فَرُّخْزَاذَ مَهْزُومًا مِنْ وَاجِ رُوذَ، فَكَانَ أَوَّلَ قِتَالٍ لَقِيَهُ بِأَذْرَبِيجَانَ، فَاقْتَتَلُوا، فَهُزِمَ الْفُرْسُ وَأَخَذَ بُكَيْرٌ اسْفَنْدِيَارَ أَسِيرًا. فَقَالَ لَهُ اسْفَنْدِيَارُ: الصُّلْحُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ الْحَرْبُ؟ قَالَ: بَلِ الصُّلْحُ.
стр. 1100
قَالَ: أَمْسِكْنِي عِنْدَكَ فَإِنَّ أَهْلَ أَذْرَبِيجَانَ إِنْ لَمْ أُصَالِحْ عَلَيْهِمْ أَوْ أَجِئْ إِلَيْهِمْ لَمْ يَقُومُوا لَكَ، وَجَلَوْا إِلَى الْجِبَالِ الَّتِي حَوْلَهَا، وَمَنْ كَانَ عَلَى التَّحَصُّنِ تَحَصَّنَ إِلَى يَوْمٍ مَا. فَأَمْسَكَهُ عِنْدَهُ، وَصَارَتِ الْبِلَادُ إِلَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ حِصْنٍ. وَقَدِمَ عَلَيْهِ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ مُمِدًّا، وَاسْفَنْدِيَارُ فِي إِسَارِهِ وَقَدِ افْتَتَحَ مَا يَلِيهِ، وَافْتَتَحَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ مَا يَلِيهِ.
وَكَتَبَ بُكَيْرٌ إِلَى عُمَرَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي التَّقَدُّمِ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ نَحْوَ الْبَابِ، وَأَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى مَا افْتَتَحَهُ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ، فَأَقَرَّ عُتْبَةُ سِمَاكَ بْنَ خَرَشَةٍ عَلَى عَمَلِ بُكَيْرٍ الَّذِي كَانَ افْتَتَحَهُ، وَجَمَعَ عُمَرُ أَذْرَبِيجَانَ كُلَّهَا لِعُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ.
وَكَانَ بَهْرَامُ بْنُ فَرُّخْزَاذَ قَصَدَ طَرِيقَ عُتْبَةَ، وَأَقَامَ بِهِ فِي عَسْكَرِهِ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ عُتْبَةُ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ بَهْرَامُ، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُ اسْفَنْدِيَارَ وَهُوَ فِي الْأَسْرِ عِنْدَ بُكَيْرٍ قَالَ: الْآنَ تَمَّ الصُّلْحُ وَطُفِئَتِ الْحَرْبُ. فَصَالَحَهُ وَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ أَهْلُ أَذْرَبِيجَانَ كُلُّهُمْ، وَعَادَتْ أَذْرَبِيجَانُ سِلْمًا. وَكَتَبَ بِذَلِكَ بُكَيْرٌ وَعُتْبَةُ إِلَى عُمَرَ وَبَعَثَا بِمَا خَمَّسَا. وَلَمَّا جَمَعَ عُمَرُ لِعُتْبَةَ عَمَلَ بُكَيْرٍ كَتَبَ لِأَهْلِ أَذْرَبِيجَانَ كِتَابًا بِالصُّلْحِ.
وَفِيهَا قَدِمَ عُتْبَةُ عَلَى عُمَرَ بِالْخَبِيصِ الَّذِي كَانَ أُهْدِيَ لَهُ. وَكَانَ عُمَرُ يَأْخُذُ عُمَّالَهُ بِمُوَافَاةِ الْمَوْسِمِ كُلَّ سَنَةٍ يَمْنَعُهُمْ بِذَلِكَ عَنِ الظُّلْمِ.
ذكر فَتْحِ الْبَابِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ فَتْحُ الْبَابِ، وَكَانَ عُمَرُ رُدَّ أَبَا مُوسَى إِلَى الْبَصْرَةِ وَبَعَثَ سُرَاقَةَ بْنَ عَمْرٍو، وَكَانَ يُدْعَى ذَا النُّورِ، إِلَى الْبَابِ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ، وَكَانَ أَيْضًا يُدْعَى ذَا النُّورِ، وَجَعَلَ عَلَى إِحْدَى مُجَنِّبَتَيْهِ حُذَيْفَةَ بْنَ أَسِيدٍ الْغِفَارِيَّ، وَعَلَى الْأُخْرَى بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ، وَكَانَ بُكَيْرٌ سَبَقَهُ إِلَى الْبَابِ. وَجَعَلَ عَلَى الْمَقَاسِمِ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ. فَسَارَ سُرَاقَةُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ قَدِمَ بُكَيْرٌ إِلَى الْبَابِ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ أَمَدَّ سُرَاقَةَ بِحَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ مِنَ الْجَزِيرَةِ وَجَعَلَ مَكَانَهُ زِيَادَ بْنَ حَنْظَلَةَ. وَلَمَّا أَطَلَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ عَلَى الْبَابِ، وَالْمَلِكُ بِهَا يَوْمَئِذٍ شَهْرَيَارُ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ شَهْرَيَارَ الَّذِي أَفْسَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَغْزَى الشَّامَ بِهِمْ، فَكَاتَبَهُ شَهْرَيَارُ وَاسْتَأْمَنَهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ، فَفَعَلَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي بِإِزَاءِ عَدُوٍّ كَلِبٍ وَأُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ لَيْسَتْ لَهُمْ أَحْسَابٌ وَلَا يَنْبَغِي لِذِي الْحَسَبِ
стр. 1101
وَالْعَقْلِ أَنْ يُعِينَهُمْ عَلَى ذِي الْحَسَبِ، وَلَسْتُ مِنَ الْقَبْجِ وَلَا الْأَرْمَنِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمْ عَلَى بِلَادِي وَأُمَّتِي، فَأَنَا مِنْكُمْ وَيَدِي مَعَ أَيْدِيكُمْ، وَجِزْيَتِي إِلَيْكُمْ وَالنَّصْرُ لَكُمْ، وَالْقِيَامُ بِمَا تُحِبُّونَ، فَلَا تَسُومُونَنَا الْجِزْيَةَ فَتُوَهِّنُونَا بِعَدُوِّكُمْ.
قَالَ: فَسَيَّرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى سُرَاقَةَ، فَلَقِيَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقَبِلَ مِنْهُ سُرَاقَةُ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنَ الْجِزْيَةِ مِمَّنْ يُقِيمُ وَلَا يُحَارِبُ الْعَدُوَّ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَكَتَبَ سُرَاقَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ فَأَجَازَهُ عُمَرُ وَاسْتَحْسَنَهُ.
ذكر فَتْحِ مُوقَانَ
لَمَّا فَرَغَ سُرَاقَةُ مِنَ الْبَابِ أَرْسَلَ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ أَسِيدٍ، وَسَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ إِلَى أَهْلِ تِلْكَ الْجِبَالِ الْمُحِيطَةِ بِأَرْمِينِيَّةَ، فَوَجَّهَ بُكَيْرًا إِلَى مُوقَانَ، وَحَبِيبًا إِلَى تَفْلِيسَ، وَحُذَيْفَةَ إِلَى جِبَالِ اللَّانِ، وَسَلْمَانَ إِلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ. وَكَتَبَ سُرَاقَةُ بِالْفَتْحِ إِلَى عُمَرَ، وَبِإِرْسَالِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ إِلَى الْجِهَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَأَتَى عُمَرَ أَمْرٌ لَمْ يَظُنَّ أَنْ يَتِمَّ لَهُ بِغَيْرِ مَؤُونَةٍ ; لِأَنَّهُ فَرْجٌ عَظِيمٌ وَجُنْدٌ عَظِيمٌ، فَلَمَّا اسْتَوْسَقُوا وَاسْتَحْلَوُا الْإِسْلَامَ وَعَدْلَهُ مَاتَ سُرَاقَةُ، وَاسْتَخْلَفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ. وَلَمْ يَفْتَتِحْ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ الْقُوَّادِ إِلَّا بُكَيْرٌ، فَإِنَّهُ فَضَّ أَهْلَ مُوقَانَ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا عَلَى الْجِزْيَةِ، عَنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارٌ.
وَكَانَ فَتْحُهَا سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. وَلَمَّا بَلَّغَ عُمَرَ مَوْتُ سُرَاقَةَ وَاسْتِخْلَافُهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ أَقَرَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرْجِ الْبَابِ وَأَمَرَهُ بِغَزْوِ التُّرْكِ.
(أَسِيدٌ فِي هَذِهِ التَّرَاجِمِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ. وَالنُّورُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّاءِ) .
ذكر غَزْوِ التُّرْكِ
لَمَّا أُمِرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ بِغَزْوِ التُّرْكِ خَرَجَ بِالنَّاسِ حَتَّى قَطَعَ الْبَابَ. فَقَالَ لَهُ شَهْرَيَارُ: مَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ قَالَ: أُرِيدُ غَزْوَ بَلَنْجَرَ وَالتُّرْكِ. قَالَ: إِنَّا لَنَرْضَى مِنْهُمْ أَنْ يَدَعُونَا مِنْ دُونِ الْبَابِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَكِنَّا لَا نَرْضَى حَتَّى نَغْزُوَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ، وَبِاللَّهِ
стр. 1102
إِنَّ مَعَنَا أَقْوَامًا لَوْ يَأْذَنُ لَهُمْ أَمِيرُنَا فِي الْإِمْعَانِ لَبَلَغْتُ بِهِمُ الرُّومَ. قَالَ: وَمَا هُمْ؟ قَالَ: أَقْوَامٌ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَدَخَلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ بِنِيَّةٍ، وَلَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ لَهُمْ دَائِمًا وَلَا يَزَالُ النَّصْرُ مَعَهُمْ حَتَّى يُغَيِّرَهُمْ مَنْ يَغْلِبُهُمْ، وَحَتَّى يُلْفَتُوا عَنْ حَالِهِمْ. فَغَزَا بَلَنْجَرَ غَزَاةً فِي زَمَنِ عُمَرَ فَقَالُوا: مَا اجْتَرَأَ عَلَيْنَا إِلَّا وَمَعَهُ الْمَلَائِكَةُ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الْمَوْتِ، فَهَرَبُوا مِنْهُ وَتَحَصَّنُوا، فَرَجَعَ بِالْغَنِيمَةِ وَالظَّفَرِ، وَقَدْ بَلَغَتْ خَيْلُهُ الْبَيْضَاءَ عَلَى رَأْسِ مِائَتَيْ فَرْسَخٍ مِنْ بَلَنْجَرَ، وَعَادُوا وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
ثُمَّ غَزَاهُمْ أَيَّامَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ غَزَوَاتٍ، فَظَفِرَ كَمَا كَانَ يَظْفَرُ، حَتَّى تَبَدَّلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لِاسْتِعْمَالِ عُثْمَانَ مَنْ كَانَ ارْتَدَّ اسْتِصْلَاحًا لَهُمْ فَزَادَهُمْ فَسَادًا، فَغَزَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَتَذَامَرَتِ التُّرْكُ، وَاجْتَمَعُوا فِي الْغِيَاضِ، فَرَمَى رَجُلٌ مِنْهُمْ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى غِرَّةٍ فَقَتَلَهُ، وَهَرَبَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ، فَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ، وَنَادَى مُنَادٍ مِنَ الْجَوِّ: صَبْرًا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَمَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ! فَقَاتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَتَّى قُتِلَ، وَانْكَشَفَ أَصْحَابُهُ، وَأَخَذَ الرَّايَةَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُوهُ فَقَاتَلَ بِهَا، وَنَادَى مُنَادٍ مِنَ الْجَوِّ: صَبْرًا آلَ سَلْمَانَ! فَقَالَ سَلْمَانُ: أَوَتَرَى جَزَعًا؟ وَخَرَجَ سَلْمَانُ بِالنَّاسِ مَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ عَلَى جِيلَانَ، فَقَطَعُوهَا إِلَى جُرْجَانَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ ذَلِكَ مِنْ إِنْجَاءِ جَسَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِهِ إِلَى الْآنَ.
ذكر تَعْدِيلِ الْفُتُوحِ بَيْنَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَدَّلَ عُمَرُ فُتُوحَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ بَيْنَهُمْ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ سُرَاقَةَ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَذْكُرُ لَهُ كَثْرَةَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعَجْزَ خَرَاجِهِمْ عَنْهُمْ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَزِيدَهُمْ أَحَدَ الْمَاهَيْنِ أَوْ مَاسَبَذَانَ، وَبَلَغَ أَهْلَ الْكُوفَةِ ذَلِكَ، وَقَالُوا لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ أَمِيرًا سَنَةً وَبَعْضَ أُخْرَى: اكْتُبْ إِلَى عُمَرَ أَنَّ رَامَهُرْمُزَ وَإِيذَجَ لَنَا دُونَهُمْ لَمْ يُعِينُونَا عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَلْحَقُونَا حَتَّى افْتَتَحْنَاهُمَا، فَلَمْ يَفْعَلْ عَمَّارٌ، فَقَالَ لَهُ عُطَارِدٌ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الْأَجْدَعُ فَعَلَامَ تَدَعُ فَيْئَنَا؟ فَقَالَ: لَقَدْ سَبَبْتَ أَحَبَّ أُذُنَيَّ إِلَيَّ! فَأَبْغَضُوهُ لِذَلِكَ. وَاخْتَصَمَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَادَّعَى أَهْلُ الْبَصْرَةِ قُرًى افْتَتَحَهَا أَبُو مُوسَى دُونَ أَصْبَهَانَ، أَيَّامَ أَمَدَّ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَهْلَ الْكُوفَةِ. فَقَالَ لَهُمْ
стр. 1103
أَهْلُ الْكُوفَةِ: أَتَيْتُمُونَا مَدَدًا، وَقَدِ افْتَتَحْنَا الْبِلَادَ فَأَنْشَبْنَاكُمْ فِي الْمَغَانِمِ، وَالذِّمَّةُ ذِمَّتُنَا وَالْأَرْضُ أَرْضُنَا. فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقُوا. فَقَالَ أَهْلُ الْأَيَّامِ وَالْقَادِسِيَّةِ مِمَّنْ سَكَنَ الْبَصْرَةَ: فَلْتُعْطُونَا نَصِيبَنَا مِمَّا نَحْنُ شُرَكَاؤُكُمْ فِيهِ مِنْ سَوَادِهِمْ وَحَوَاشِيهِمْ. فَأَعْطَاهُمْ عُمَرُ مِائَةَ دِينَارٍ بِرِضَا أَهْلِ الْكُوفَةِ، أَخَذَهَا مَنْ شَهِدَ الْأَيَّامَ وَالْقَادِسِيَّةَ.
وَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي جَنَّدَ قِنَّسْرِينَ مِمَّنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ أَيَّامَ عَلِيٍّ، وَإِنَّمَا كَانَ قِنَّسْرِينُ رُسْتَاقًا مِنْ رَسَاتِيقِ حِمْصَ، فَأَخَذَ لَهُمْ مُعَاوِيَةُ حِينَ وَلِيَ نَصِيبَهُمْ مِنْ فُتُوحِ الْعِرَاقِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَالْمَوْصِلِ وَالْبَابِ، لِأَنَّهُ مِنْ فُتُوحِ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَكَانَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ يَوْمَئِذٍ نَاقِلَةً، انْتَقَلَ إِلَيْهَا كُلُّ مَنْ نَزَلَ بِهِجْرَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدَيْنِ أَيَّامَ عَلِيٍّ، فَأَعْطَاهُمْ مُعَاوِيَةُ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبًا.
وَكَفَرَ أَهْلُ أَرْمِينِيَّةَ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ أَمَّرَ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى الْبَابِ، وَحَبِيبٌ يَوْمَئِذٍ بِجُرْزَانَ، وَكَاتَبَ أَهْلَ تَفْلِيسَ وَتِلْكَ الْجِبَالِ مَنْ جُرْزَانَ فَاسْتَجَابُوا لَهُ.
ذكر عَزْلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنِ الْكُوفَةِ وَوِلَايَةِ أَبِي مُوسَى وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ
وَفِيهَا عَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَنِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا مُوسَى. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَكَوْهُ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ مَا هُوَ فِيهِ وَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينٍ، وَنَزَا بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ. فَدَعَاهُ عُمَرُ، فَخَرَجَ مَعَهُ وَفْدٌ يُرِيدُ أَنَّهُمْ مَعَهُ، فَكَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهِ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، وَقَالُوا: إِنَّهُ غَيْرُ كَافٍ وَعَالِمٍ بِالسِّيَاسَةِ، وَلَا يَدْرِي عَلَى مَا اسْتَعْمَلْتَهُ. وَكَانَ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ - عَمُّ الْمُخْتَارِ -، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَعَيَا بِهِ، فَعَزَلَهُ عُمَرُ. وَقَالَ عُمَرُ لِعَمَّارٍ: أَسَاءَكَ الْعَزْلُ؟ قَالَ: مَا سَرَّنِي حِينَ اسْتُعْمِلْتُ وَلَقَدْ سَاءَنِي حِينَ عُزِلْتُ. فَقَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتُ مَا أَنْتَ بِصَاحِبِ عَمَلٍ، وَلَكِنِّي تَأَوَّلْتُ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] .
стр. 1104
ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقَالَ: مَنْ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: أَبَا مُوسَى. فَأَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ عَمَّارٍ. فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ سَنَةً فَبَاعَ غُلَامُهُ الْعَلَفَ، فَشَكَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ وَقَالُوا: إِنَّ غُلَامَهُ يَتَّجِرُ فِي جِسْرِنَا، فَعَزَلَهُ عَنْهُمْ وَصَرَفَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ. وَصَرَفَ عُمَرَ بْنَ سُرَاقَةَ إِلَى الْجَزِيرَةِ.
وَخَلَا عُمَرُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَنَامَ، فَأَتَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَحَرَسَهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتُ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مِنْ عَظِيمٍ. فَقَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَعْظَمُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ لَا يَرْضَوْنَ عَنْ أَمِيرٍ وَلَا يَرْضَى عَنْهُمْ أَمِيرٌ؟ وَأُحِيطَتِ الْكُوفَةُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ. وَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدْ عَضَّلُونِي. وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ. وَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي تَوْلِيَةِ رَجُلٍ ضَعِيفٍ مُسْلِمٍ أَوْ رَجُلٍ قَوِيٍّ مُسَدِّدٍ؟ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَمَّا الضَّعِيفُ الْمُسْلِمُ فَإِنَّ إِسْلَامَهُ لِنَفْسِهِ وَضَعْفَهُ عَلَيْكَ، وَأَمَّا الْقَوِيُّ الْمُسَدِّدُ فَإِنَّ سَدَادَهُ لِنَفْسِهِ وَقُوَّتَهُ لِلْمُسْلِمِينَ. فَوَلَّى الْمُغِيرَةَ الْكُوفَةَ، فَبَقِيَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ عُمَرُ، وَذَلِكَ نَحْوَ سَنَتَيْنِ وَزِيَادَةٍ. وَقَالَ لَهُ حِينَ بَعَثَهُ: يَا مُغِيرَةُ لِيَأْمَنْكَ الْأَبْرَارُ، وَلْيَخَفْكَ الْفُجَّارُ. ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَبْعَثَ سَعْدًا عَلَى عَمَلِ الْمُغِيرَةِ، فَقُتِلَ عُمَرُ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَوْصَى بِهِ.
ذكر فَتْحِ خُرَاسَانَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ خُرَاسَانَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنْ يَزْدَجِرْدَ لَمَّا سَارَ إِلَى الرَّيِّ بَعْدَ هَزِيمَةِ أَهْلِ جَلُولَاءَ، وَانْتَهَى إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا أَبَانُ جَاذَوَيْهِ وَثَبَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ. فَقَالَ يَزْدَجِرْدُ: يَا أَبَانُ تَغْدِرُ بِي! قَالَ: لَا وَلَكِنْ قَدْ تَرَكْتَ مُلْكَكَ، فَصَارَ فِي يَدِ غَيْرِكَ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكْتَتِبَ عَلَى مَا كَانَ لِي مِنْ شَيْءٍ. وَأَخَذَ خَاتَمَ يَزْدَجِرْدَ وَاكْتَتَبَ الصِّكَاكَ بِكُلِّ مَا أَعْجَبَهُ، ثُمَّ خَتَمَ عَلَيْهَا وَرَدَّ الْخَاتَمَ، ثُمَّ أَتَى بَعْدُ سَعْدًا فَرَدَّ عَلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ فِي كِتَابِهِ.
стр. 1105
وَسَارَ يَزْدَجِرْدُ مِنَ الرَّيِّ إِلَى أَصْبَهَانَ، ثُمَّ مِنْهَا إِلَى كَرْمَانَ وَالنَّارُ مَعَهُ، ثُمَّ قَصَدَ خُرَاسَانَ فَأَتَى مَرْوًا فَنَزَلَهَا وَبَنَى لِلنَّارِ بَيْتًا، وَاطْمَأَنَّ وَأَمِنَ أَنْ يُؤْتَى، وَدَانَ لَهُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْأَعَاجِمِ. وَكَاتَبَ الْهُرْمُزَانَ وَأَثَارَ أَهْلَ فَارِسَ، فَنَكَثُوا، وَأَثَارَ أَهْلَ الْجِبَالِ وَالْفَيْرُزَانِ، فَنَكَثُوا، فَأَذِنَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ فَدَخَلُوا بِلَادَ الْفُرْسِ، فَسَارَ الْأَحْنَفُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَدَخَلَهَا مِنَ الطَّبَسَيْنِ، فَافْتَتَحَ هَرَاةَ عَنْوَةً، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا صُحَارَ بْنَ فُلَانٍ الْعَبْدِيَّ، ثُمَّ سَارَ نَحْوَ مَرْوِ الشَّاهْجَانِ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَإِلَى سَرْخَسَ الْحَارِثَ بْنَ حَسَّانَ، فَلَمَّا دَنَا الْأَحْنَفُ مِنْ مَرْوِ الشَّاهْجَانِ خَرَجَ مِنْهَا يَزْدَجِرْدُ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ حَتَّى نَزَلَهَا، وَنَزَلَ الْأَحْنَفُ مَرْوَ الشَّاهْجَانِ، وَكَتَبَ يَزْدَجِرْدُ، وَهُوَ بِمَرْوِ الرُّوذِ، إِلَى خَاقَانَ وَإِلَى مَلِكِ الصُّغْدِ وَإِلَى مَلِكِ الصِّينِ يَسْتِمِدُّهُمْ. وَخَرَجَ الْأَحْنَفُ مِنْ مَرْوِ الشَّاهْجَانِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا حَارِثَةَ بْنَ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيَّ بَعْدَمَا لَحِقَتْ بِهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَسَارَ نَحْوَ مَرْوِ الرُّوذِ.
فَلَمَّا سَمِعَ يَزْدَجِرْدُ سَارَ عَنْهَا إِلَى بَلْخَ، وَنَزَلَ الْأَحْنَفُ مَرْوَ الرُّوذِ. وَقَدِمَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى يَزْدَجِرْدَ وَاتَّبَعَهُمُ الْأَحْنَفُ، فَالْتَقَى أَهْلُ الْكُوفَةِ وَيَزْدَجِرْدُ بِبَلْخَ، فَانْهَزَمَ يَزْدَجِرْدُ وَعَبَرَ النَّهْرَ، وَلَحِقَ الْأَحْنَفُ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَبَلْخُ مِنْ فُتُوحِهِمْ.
وَتَتَابَعَ أَهْلُ خُرَاسَانَ مَنْ هَرَبَ وَشَذَّ عَلَى الصُّلْحِ فِيمَا بَيْنَ نَيْسَابُورَ إِلَى طُخَارِسْتَانَ، وَعَادَ الْأَحْنَفُ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ فَنَزَلَهَا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى طُخَارِسْتَانَ رِبْعِيَّ بْنَ عَامِرٍ، وَكَتَبَ الْأَحْنَفُ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَدِدْتُ أَنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا بَحْرًا مِنْ نَارٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَلِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: لِأَنَّ أَهْلَهَا سَيَنْفَضُّونَ مِنْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيُجْتَاحُونَ فِي الثَّالِثَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ بِأَهْلِهَا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ.
وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْأَحْنَفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا دُونَ النَّهْرِ وَلَا يَجُوزَهُ.
وَلَمَّا عَبَرَ يَزْدَجِرْدُ النَّهْرَ مَهْزُومًا أَنْجَدَهُ خَاقَانُ فِي التُّرْكِ وَأَهْلِ فَرْغَانَةَ وَالصُّغْدِ، فَرَجَعَ يَزْدَجِرْدُ وَخَاقَانُ إِلَى خُرَاسَانَ فَنَزَلَا بَلْخَ، وَرَجَعَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى الْأَحْنَفِ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَنَزَلَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ بِمَرْوٍ أَيْضًا.
وَكَانَ الْأَحْنَفُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ عُبُورِ يَزْدَجِرْدَ وَخَاقَانَ النَّهْرَ إِلَيْهِ خَرَجَ لَيْلًا يَتَسَمَّعُ هَلْ يَسْمَعُ بِرَأْيٍ يَنْتَفِعُ بِهِ، فَمَرَّ بِرَجُلَيْنِ يُنَقِّيَانِ عَلَفًا، وَأَحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: لَوْ أَسْنَدَنَا الْأَمِيرُ إِلَى هَذَا الْجَبَلِ، فَكَانَ النَّهْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدُوِّنَا خَنْدَقًا، وَكَانَ الْجَبَلُ فِي ظُهُورِنَا فَلَا يَأْتُونَا
стр. 1106
مِنْ خَلْفِنَا، وَكَانَ قِتَالُنَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ رَجَوْتُ أَنْ يَنْصُرَنَا اللَّهُ. فَرَجَعَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَمَعَ النَّاسَ وَرَحَلَ بِهِمْ إِلَى سَفْحِ الْجَبَلِ، وَكَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَشَرَةُ آلَافٍ وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ نَحْوٌ مِنْهُمْ، وَأَقْبَلَتِ التُّرْكُ وَمَنْ مَعَهَا، فَنَزَلَتْ وَجَعَلُوا يُغَادُونَهُمُ الْقِتَالَ وَيُرَاوِحُونَهُمْ، وَفِي اللَّيْلِ يَتَنَحَّوْنَ عَنْهُمْ.
فَخَرَجَ الْأَحْنَفُ لَيْلَةً طَلِيعَةً لِأَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ عَسْكَرِ خَاقَانَ وَقَفَ، فَلَمَّا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ خَرَجَ فَارِسٌ مِنَ التُّرْكِ بِطَوْقِهِ، فَضَرَبَ بِطَبْلِهِ، ثُمَّ وَقَفَ مِنَ الْعَسْكَرِ مَوْقِفًا يَقِفُهُ مِثْلُهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ الْأَحْنَفُ فَتَقَاتَلَا، فَطَعَنَهُ الْأَحْنَفُ فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ طَوْقَ التُّرْكِيِّ وَوَقَفَ، فَخَرَجَ آخَرُ مِنَ التُّرْكِ فَفَعَلَ فِعْلَ صَاحِبِهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ الْأَحْنَفُ فَتَقَاتَلَا، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ طَوْقَهُ وَوَقَفَ، ثُمَّ خَرَجَ الثَّالِثُ مِنَ التُّرْكِ فَفَعَلَ فِعْلَ الرَّجُلَيْنِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ الْأَحْنَفُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ الْأَحْنَفُ إِلَى عَسْكَرِهِ.
وَكَانَتْ عَادَةُ التُّرْكِ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثَةٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ أَكْفَاءٌ، كُلُّهُمْ يَضْرِبُ بِطَبْلِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّالِثِ. فَلَمَّا خَرَجُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ بَعْدَ الثَّالِثِ فَأَتَوْا عَلَى فُرْسَانِهِمْ مُقَتَّلِينَ تَشَاءَمَ خَاقَانُ وَتَطَيَّرَ فَقَالَ: قَدْ طَالَ مُقَامُنَا وَقَدْ أُصِيبَ فُرْسَانُنَا، مَا لَنَا فِي قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ خَيْرٌ ; فَرَجَعُوا. وَارْتَفَعَ النَّهَارُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَرَوْا مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِانْصِرَافِ خَاقَانَ وَالتُّرْكِ إِلَى بَلْخَ، وَقَدْ كَانَ يَزْدَجِرْدُ تَرَكَ خَاقَانَ مُقَابِلَ الْمُسْلِمِينَ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَانْصَرَفَ إِلَى مَرْوِ الشَّاهْجَانِ، فَتَحَصَّنَ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ وَمَنْ مَعَهُ، فَحَصَرَهُمْ وَاسْتَخْرَجَ خَزَائِنَهُ مِنْ مَوْضِعِهَا، وَخَاقَانُ مُقِيمٌ بِبَلْخَ.
فَلَمَّا جَمَعَ يَزْدَجِرْدُ خَزَائِنَهُ، وَكَانَتْ كَبِيرَةً عَظِيمَةً، وَأَرَادَ أَنْ يَلْحَقَ بِخَاقَانَ قَالَ لَهُ أَهْلُ فَارِسَ: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ قَالَ: أُرِيدُ اللَّحَاقَ بِخَاقَانَ فَأَكُونُ مَعَهُ أَوْ بِالصِّينِ. قَالُوا لَهُ: إِنَّ هَذَا رَأْيُ سُوءٍ، ارْجِعْ بِنَا إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَنُصَالِحَهُمْ فَإِنَّهُمْ أَوْفِيَاءُ وَهُمْ أَهْلُ دِينٍ، وَإِنَّ عَدُوًّا يَلِينَا فِي بِلَادِنَا أَحَبُّ إِلَيْنَا مَمْلَكَةً مِنْ عَدُوٍّ يَلِينَا فِي بِلَادِهِ وَلَا دِينَ لَهُمْ، وَلَا نَدْرِي مَا وَفَاؤُهُمْ. فَأَبَى عَلَيْهِمْ. فَقَالُوا: دَعْ خَزَائِنَنَا نَرُدَّهَا إِلَى بِلَادِنَا وَمَنْ يَلِينَا لَا تُخْرِجْهَا مِنْ بِلَادِنَا. فَأَبَى، فَاعْتَزَلُوهُ وَقَاتَلُوهُ فَهَزَمُوهُ وَأَخَذُوا الْخَزَائِنَ وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، وَانْهَزَمَ مِنْهُمْ وَلَحِقَ بِخَاقَانَ، وَعَبَرَ النَّهْرَ مِنْ بَلْخَ إِلَى فَرْغَانَةَ، وَأَقَامَ يَزْدَجِرْدُ بِبَلَدِ التُّرْكِ، فَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا زَمَنَ عُمَرَ كُلَّهُ إِلَى أَنْ كَفَرَ أَهْلُ خُرَاسَانَ زَمَنَ عُثْمَانَ، وَكَانَ يُكَاتِبُهُمْ وَيُكَاتِبُونَهُ. وَسَيَرِدُ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
ثُمَّ أَقْبَلَ أَهْلُ فَارِسَ بَعْدَ رَحِيلِ يَزْدَجِرْدَ عَلَى الْأَحْنَفِ، فَصَالَحُوهُ وَدَفَعُوا إِلَيْهِ تِلْكَ الْخَزَائِنَ وَالْأَمْوَالَ، وَتَرَاجَعُوا إِلَى بُلْدَانِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عَلَى أَفْضَلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ زَمَنَ الْأَكَاسِرَةِ، وَاغْتَبَطُوا بِمُلْكِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَصَابَ الْفَارِسُ يَوْمَ يَزْدَجِرْدَ كَسَهْمِهِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ.
стр. 1107
وَسَارَ الْأَحْنَفُ إِلَى بَلْخَ فَنَزَلَهَا بَعْدَ عُبُورِ خَاقَانَ النَّهْرَ مِنْهَا، وَنَزَلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي كُوَرِهَا الْأَرْبَعِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ فَنَزَلَهَا، وَكَتَبَ بِفَتْحِ خَاقَانَ وَيَزْدَجِرْدَ إِلَى عُمَرَ.
وَلَمَّا عَبَرَ خَاقَانُ وَيَزْدَجِرْدُ النَّهْرَ لَقِيَا رَسُولَ يَزْدَجِرْدَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى مَلِكِ الصِّينِ، فَأَخْبَرَهُمَا أَنَّ مَلِكَ الصِّينِ قَالَ لَهُ: صِفْ لِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ بِلَادِكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكَ تَذْكُرُ قِلَّةً مِنْهُمْ وَكَثْرَةً مِنْكُمْ، وَلَا يَبْلُغُ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْقَلِيلِ مِنْكُمْ مَعَ كَثْرَتِكُمْ، إِلَّا بِخَيْرٍ عِنْدَهُمْ وَشَرٍّ فِيكُمْ. فَقُلْتُ: سَلْنِي عَمَّا أَحْبَبْتَ. فَقَالَ: أَيُوفُونَ بِالْعَهْدِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَا يَقُولُونَ لَكُمْ قَبْلَ الْقِتَالِ؟ قَالَ قُلْتُ: يَدْعُونَنَا إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا دِينِهِمْ، فَإِنْ أَجَبْنَا أَجْرَوْنَا مَجْرَاهُمْ، أَوِ الْجِزْيَةِ وَالْمَنَعَةِ، أَوِ الْمُنَابَذَةِ. قَالَ: فَكَيْفَ طَاعَتُهُمْ أُمَرَاءَهُمْ؟ قُلْتُ: أَطْوَعُ قَوْمٍ وَأَرْشَدُهُمْ. قَالَ: فَمَا يُحِلُّونَ وَمَا يُحَرِّمُونَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: هَلْ يُحِلُّونَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُحَرِّمُونَ مَا حُلِّلَ لَهُمْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ عَلَى ظَفَرٍ حَتَّى يُحِلُّوا حَرَامَهُمْ أَوْ يُحَرِّمُوا حَلَالَهُمْ.
ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ لِبَاسِهِمْ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، وَعَنْ مَطَايَاهُمْ؟ فَقُلْتُ: الْخَيْلُ الْعِرَابُ، وَوَصَفْتُهَا لَهُ. فَقَالَ: نِعْمَتِ الْحُصُونُ! وَوَصَفْتُ لَهُ الْإِبِلَ وَبُرُوكَهَا وَقِيَامَهَا بِحِمْلِهَا. فَقَالَ: هَذِهِ صِفَةُ دَوَابٍّ طِوَالِ الْأَعْنَاقِ. وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى يَزْدَجِرْدَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَبْعَثَ إِلَيْكَ بِجُنْدٍ أَوَّلُهُ بِمَرْوٍ وَآخِرُهُ بِالصِّينِ الْجَهَالَةُ بِمَا يَحِقُّ عَلَيَّ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ وَصَفَ لِي رَسُولُكَ لَوْ يُحَاوِلُونَ الْجِبَالَ لَهَدُّوهَا، وَلَوْ خَلَا لَهُمْ سَرْبُهُمْ أَزَالُونِي مَا دَامُوا عَلَى [مَا] وَصَفَ، فَسَالِمْهُمْ وَارْضَ مِنْهُمْ بِالْمُسَاكَنَةِ، وَلَا تُهَيِّجْهُمْ مَا لَمْ يُهَيِّجُوكَ. فَأَقَامَ يَزْدَجِرْدُ بِفَرْغَانَةَ وَمَعَهُ آلُ كِسْرَى بِعَهْدٍ مِنْ خَاقَانَ.
وَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُ الْفَتْحِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ، وَخَطَبَهُمْ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ الْفَتْحِ، وَحَمِدَ اللَّهَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى إِنْجَازِ وَعْدِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنَّ مُلْكَ الْمَجُوسِيَّةِ قَدْ هَلَكَ، فَلَيْسُوا يَمْلِكُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا يَضُرُّ بِمُسْلِمٍ. أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَلَا تُبَدِّلُوا فَيَسْتَبْدِلُ اللَّهُ بِكُمْ غَيْرَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ تُؤْتَى إِلَّا مِنْ قِبَلِكُمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ فَتْحَ خُرَاسَانَ كَانَ زَمَنَ عُثْمَانَ، وَسَيَرِدُ هُنَاكَ.
ذِكْرُ فَتْحِ شَهْرَزُورَ وَالصَّامَغَانَ
стр. 1108
لَمَّا اسْتَعْمَلَ عُمَرُ عَزْرَةَ بْنَ قَيْسٍ عَلَى حُلْوَانَ حَاوَلَ فَتْحَ شَهْرَزُورَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَغَزَاهَا عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ، فَفَتَحَهَا بَعْدَ قِتَالٍ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ حُلْوَانَ، فَكَانَتِ الْعَقَارِبُ تُصِيبُ الرَّجُلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ. وَصَالَحَ أَهْلَ الصَّامَغَانَ وَدَارَابَاذَ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْأَكْرَادِ. وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّ فُتُوحِي قَدْ بَلَغَتْ أَذْرَبِيجَانَ. فَوَلَّاهُ إِيَّاهَا وَوَلَّى هَرْثَمَةَ بْنَ عَرْفَجَةَ الْمَوْصِلَ. وَلَمْ تَزَلْ شَهْرَزُورُ وَأَعْمَالُهَا مَضْمُومَةً إِلَى الْمَوْصِلِ حَتَّى أُفْرِدَتْ عَنْهَا آخِرَ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ.
ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بِلَادَ الرُّومِ وَدَخَلَهَا فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا وُلِدَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَ عُمَّالُهُ عَلَى الْأَمْصَارِ فِيهَا عُمَّالَهُ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا إِلَّا الْكُوفَةَ، فَإِنَّ عَامِلَهُ كَانَ عَلَيْهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَإِلَّا الْبَصْرَةَ فَإِنَّ عَامِلَهُ عَلَيْهَا صَارَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ.
стр. 1109
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ]
٢٣ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ
قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ فَتْحُ إِصْطَخْرَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا بَعْدَ تَوَّجَ الْآخِرَةِ.
ذكر الْخَبَرِ عَنْ فَتْحِ تَوَّجَ
لَمَّا خَرَجَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا إِلَى فَارِسَ أُمَرَاءَ عَلَيْهَا، وَكَانَ مَعَهُمْ سَارِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ الْكِنَانِيُّ، فَسَارُوا وَأَهْلُ فَارِسَ مُجْتَمِعُونَ بِتَوَّجَ فَلَمْ يَقْصِدْهُمُ الْمُسْلِمُونَ، بَلْ تَوَجَّهَ كُلُّ أَمِيرٍ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ فَارِسَ، فَافْتَرَقُوا إِلَى بُلْدَانِهِمْ كَمَا افْتَرَقَ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَتْ تِلْكَ هَزِيمَتَهُمْ وَتَشَتُّتَ أُمُورِهِمْ. فَقَصَدَ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ لِسَابُورَ وَأَرْدِشِيرَ خُرَّهَ، فَالْتَقَى هُوَ وَالْفُرْسُ بِتَوَّجَ، فَاقْتَتَلُوا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْفُرْسُ، وَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ كَيْفَ شَاءُوا كُلَّ قِتْلَةٍ، وَغَنِمُوا مَا فِي عَسْكَرِهِمْ، وَحَصَرُوا تَوَّجَ فَافْتَتَحُوهَا، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَغَنِمُوا مَا فِيهَا، وَهَذِهِ تَوَّجَ الْآخِرَةِ، وَالْأُولَى هِيَ الَّتِي اسْتَقْدَمَتْهَا جُنُودُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَيَّامَ طَاوُسٍ. ثُمَّ دُعُوا إِلَى الْجِزْيَةِ، فَرَجَعُوا وَأَقَرُّوا بِهَا. وَأَرْسَلَ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ بِالْبِشَارَةِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
ذِكْرُ فَتْحِ إِصْطَخْرَ وَجُورَ وَغَيْرِهِمَا
стр. 1110
وَقَصَدَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيَّ لِإِصْطَخْرَ، فَالْتَقَى هُوَ وَأَهْلُ إِصْطَخْرَ بِجُورَ، فَاقْتَتَلُوا وَانْهَزَمَ الْفُرْسُ، وَفَتَحَ الْمُسْلِمُونَ جُورَ ثُمَّ إِصْطَخْرَ، وَقَتَلُوا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ فَرَّ مَنْ فَرَّ، فَدَعَاهُمْ عُثْمَانُ إِلَى الْجِزْيَةِ وَالذِّمَّةِ، فَأَجَابَهُ الْهِرْبِذُ إِلَيْهَا، فَتَرَاجَعُوا، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ جَمَعَ الْغَنَائِمَ لَمَّا هَزَمَهُمْ، فَبَعَثَ بِخُمُسِهَا إِلَى عُمَرَ وَقَسَّمَ الْبَاقِيَ فِي النَّاسِ.
وَفَتَحَ عُثْمَانُ كَازَرُونَ وَالنُّوبَنْدَجَانَ وَغَلَبَ عَلَى أَرْضِهَا، وَفَتَحَ هُوَ وَأَبُو مُوسَى مَدِينَةَ شِيرَازَ وَأَرَّجَانَ، وَفَتَحَا سِينِيزَ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ. وَقَصَدَ عُثْمَانُ أَيْضًا جَنَّابَا فَفَتَحَهَا، وَلَقِيَهُ جَمْعُ الْفُرْسِ بِنَاحِيَةِ جَهْرَمَ فَهَزَمَهُمْ وَفَتَحَهَا.
ثُمَّ إِنَّ شَهْرَكَ خَلَعَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ وَأَوَّلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ. فَوُجِّهَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ثَانِيَةً وَأَتَتْهُ الْأَمْدَادُ مِنَ الْبَصْرَةِ وَأَمِيرُهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرٍ وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، فَالْتَقَوْا بِأَرْضِ فَارِسَ. فَقَالَ شَهْرَكُ لِابْنِهِ وَهُمَا فِي الْمَعْرَكَةِ، وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ قَرْيَةٍ لَهُمَا تُدْعَى رِيشَهْرَ ثَلَاثَةُ فَرَاسِخَ: يَا بُنَيَّ أَيْنَ يَكُونُ غَدَاؤُنَا هَاهُنَا أَمْ بِرِيشَهْرَ؟ قَالَ لَهُ: يَا أَبَهْ، إِنْ تَرَكُونَا فَلَا يَكُونُ غَدَاؤُنَا هَاهُنَا وَلَا بِرِيشَهْرَ وَلَا نَكُونَنَّ إِلَّا فِي الْمَنْزِلِ، [وَلَكِنْ وَاللَّهِ] مَا أَرَاهُمْ يَتْرُكُونَنَا. فَمَا فَرَغَا مِنْ كَلَامِهِمَا حَتَّى أَنْشَبَ الْمُسْلِمُونَ الْحَرْبَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا
стр. 1111
شَدِيدًا، وَقُتِلَ شَهْرَكُ وَابْنُهُ وَخَلْقٌ عَظِيمٌ. وَالَّذِي قَتَلَ شَهْرَكَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ أَخُو عُثْمَانَ. وَقِيلَ: قَتَلَهُ سَوَّارُ بْنُ هَمَّامٍ الْعَبْدِيُّ حَمَلَ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ. وَحَمَلَ ابْنُ شَهْرَكَ عَلَى سَوَّارٍ فَقَتَلَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ إِصْطَخْرَ كَانَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، وَكَانَتْ فَارِسُ الْآخِرَةُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَرْسَلَ أَخَاهُ الْحَكَمَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فِي أَلْفَيْنِ إِلَى فَارِسَ، فَفَتَحَ جَزِيرَةَ بَرْكَاوَانَ فِي طَرِيقِهِ ثُمَّ سَارَ إِلَى تَوَّجَ، وَكَانَ كِسْرَى أَرْسَلَ شَهْرَكَ فَالْتَقَوْا مَعَ شَهْرَكَ، وَكَانَ الْجَارُودُ وَأَبُو صُفْرَةَ عَلَى مُجَنِّبَتَيِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَبُو صُفْرَةَ هَذَا هُوَ وَالِدُ الْمُهَلَّبِ، فَحَمَلَ الْفُرْسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهَزَمُوهُمْ. فَقَالَ الْجَارُودُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ ذَهَبَ الْجُنْدُ. فَقَالَ: سَتَرَى أَمْرَكَ. قَالَ: فَمَا لَبِثُوا حَتَّى رَجَعَتْ خَيْلٌ لَهُمْ لَيْسَ عَلَيْهَا فُرْسَانُهَا وَالْمُسْلِمُونَ يَتْبَعُونَهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ، فَنُثِرَتِ الرُّءُوسُ فَرَأَى الْمُكَعْبِرُ رَأْسًا ضَخْمًا فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ هَذَا رَأْسُ الِازْدِهَاقَ - يَعْنِي شَهْرَكَ -. وَحُوصِرَ الْفُرْسُ بِمَدِينَةِ سَابُورَ، فَصَالَحَ عَلَيْهَا مَلِكُهَا أَرْزَنْبَانُ، فَاسْتَعَانَ بِهِ الْحَكَمُ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ إِصْطَخْرَ. وَمَاتَ عُمَرُ. وَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْمَرٍ مَكَانَهُ، فَبَلَغَ عُبَيْدَ اللَّهِ أَنَّ أَرْزَنْبَانَ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: أُحِبُّ أَنْ تَتَّخِذَ لِأَصْحَابِي طَعَامًا وَتَذْبَحَ لَهُمْ بَقَرَةً وَتَجْعَلَ عِظَامَهَا فِي الْجَفْنَةِ الَّتِي تَلِينِي فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَمَشَّشَ الْعِظَامَ، فَفَعَلَ وَجَعَلَ يَأْخُذُ الْعَظْمَ الَّذِي لَا يُكْسَرُ إِلَّا بِالْفُؤُوسِ فَيَكْسِرُهُ بِيَدِهِ وَيَأْخُذُ مُخَّهُ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ، فَقَامَ أَرْزَنْبَانُ فَأَخَذَ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ! فَأَعْطَاهُ عَهْدًا. وَأَصَابَ عُبَيْدَ اللَّهِ مَنْجَنِيقٌ فَأَوْصَاهُمْ وَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فَاقْتُلُوهُمْ بِي سَاعَةً فِيهَا، فَفَعَلُوا، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ بَشَرًا كَثِيرًا، وَمَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ قَتْلَهُ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ.
ذِكْرُ فَتْحِ فَسَا وَدَارَابْجِرْدَ
стр. 1112
وَقَصَدَ سَارِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ الدِّئَلِيُّ فَسَا وَدَارَابْجِرْدَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى عَسْكَرِهِمْ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ وَحَاصَرَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إِنَّهُمُ اسْتَمَدُّوا وَتَجَمَّعُوا، وَتَجَمَّعَتْ إِلَيْهِمْ أَكْرَادُ فَارِسَ، فَدَهَمَ الْمُسْلِمِينَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَجَمْعٌ كَثِيرٌ، وَأَتَاهُمُ الْفُرْسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَرَأَى عُمَرُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَعْرَكَتَهُمْ وَعَدَدَهُمْ فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ، فَنَادَى مِنَ الْغَدِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ! حَتَّى إِذَا كَانَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي رَأَى فِيهَا مَا رَأَى خَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ ابْنُ زُنَيْمٍ وَالْمُسْلِمُونَ بِصَحْرَاءَ إِنْ أَقَامُوا فِيهَا أُحِيطَ بِهِمْ، وَإِنِ اسْتَنَدُوا إِلَى جَبَلٍ مِنْ خَلْفِهِمْ لَمْ يُؤْتَوْا إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ. فَقَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَأَيْتُ هَذَيْنِ الْجَمْعَيْنِ، وَأَخْبَرَ بِحَالِهِمَا، وَصَاحَ عُمَرُ وَهُوَ يَخْطُبُ: يَا سَارِيَةُ بْنَ زُنَيْمٍ، الْجَبَلَ الْجَبَلَ! ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ جُنُودًا، وَلَعَلَّ بَعْضَهَا أَنْ يُبْلِغَهُمْ. فَسَمِعَ سَارِيَةُ وَمَنْ مَعَهُ الصَّوْتَ فَلَجَئُوا إِلَى الْجَبَلِ، ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مَغَانِمَهُمْ، وَأَصَابُوا فِي الْغَنَائِمِ سَفَطًا فِيهِ جَوْهَرٌ، فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهُمْ سَارِيَةُ وَبَعَثَ بِهِ وَبِالْفَتْحِ مَعَ رَجُلٍ إِلَى عُمَرَ. فَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ وَهُوَ يُطْعِمُ الطَّعَامَ، فَأَمَرَهُ فَجَلَسَ وَأَكَلَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ عُمَرُ اتَّبَعَهُ الرَّسُولُ، فَظَنَّ عُمَرُ أَنَّهُ لَمْ يَشْبَعْ، فَأَمَرَهُ فَدَخَلَ بَيْتَهُ، فَلَمَّا جَلَسَ أُتِيَ عُمَرُ بِغَدَائِهِ خُبْزٍ وَزَيْتٍ وَمِلْحٍ جَرِيشٍ فَأَكَلَا. فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا رَسُولُ سَارِيَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا. ثُمَّ أَدْنَاهُ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتُهُ رُكْبَتَهُ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخْبَرَهُ بِقِصَّةِ الدُّرْجِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَصَاحَ بِهِ: لَا وَلَا كَرَامَةَ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ الْجُنْدِ فَيُقَسِّمَهُ بَيْنَهُمْ. فَطَرَدَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي قَدْ أَنْضَيْتُ جَمَلِي وَاسْتَقْرَضْتُ فِي جَائِزَتِي فَأَعْطِنِي مَا أَتَبَلَّغُ بِهِ. فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى أَبْدَلَهُ بَعِيرًا مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَجَعَلَ بَعِيرَهُ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَرَجَعَ الرَّسُولُ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ مَحْرُومًا. وَسَأَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الرَّسُولَ هَلْ سَمِعُوا شَيْئًا يَوْمَ الْوَقْعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْنَا: يَا سَارِيَةُ، الْجَبَلَ الْجَبَلَ، وَقَدْ كِدْنَا نَهْلِكُ فَلَجَأْنَا إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا.
ذِكْرُ فَتْحِ كَرْمَانَ
стр. 1113
ثُمَّ قَصَدَ سُهَيْلُ بْنُ عَدِيٍّ كَرْمَانَ، وَلَحِقَهُ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَحَشَدَ لَهُمْ أَهْلُ كَرْمَانَ وَاسْتَعَانُوا عَلَيْهِمْ بِالْقُفْصِ، فَاقْتَتَلُوا فِي أَدَانِي أَرْضِهِمْ، فَفَضَّ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمُشْرِكِينَ وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ. وَقَتَلَ النُّسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو الْعِجْلِيُّ مَرْزُبَانَهَا، فَدَخَلَ سُهَيْلٌ مِنْ قِبَلِ طَرِيقِ الْقُرَى الْيَوْمَ إِلَى جِيرَفْتَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ مَفَازَةِ سِيرَ، فَأَصَابُوا مَا أَرَادُوا مِنْ بَعِيرٍ أَوْ شَاءٍ، فَقَوَّمُوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَتَحَاصُّوهَا بِالْأَثْمَانِ لِعِظَمِ الْبُخْتِ عَلَى الْعِرَابِ، وَكَرِهُوا أَنْ يَزِيدُوا، وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِذَلِكَ، فَأَجَابَهُمْ: إِذَا رَأَيْتُمْ أَنَّ فِي الْبُخْتِ فَضْلًا فَزِيدُوا.
وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي فَتَحَ كَرْمَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، ثُمَّ أَتَى الطَّبَسَيْنِ مِنْ كَرْمَانَ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: أَقْطِعْنِي الطَّبَسَيْنِ، فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ، فَقِيلَ: إِنَّهُمَا رُسْتَاقَانِ، فَامْتَنَعَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ.
ذكر فَتْحِ سِجِسْتَانَ
وَقَصَدَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو سِجِسْتَانَ، وَلَحِقَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ أَهْلُهَا، فَالْتَقَوْا هُمْ وَأَهْلُ سِجِسْتَانَ فِي أَدَانِي أَرَضِيهِمْ، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ اتَّبَعُوهُمْ حَتَّى
стр. 1114
حَصَرُوهُمْ بِزَرَنْجَ، وَمَخَرُوا أَرْضَ سِجِسْتَانَ مَاهْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ طَلَبُوا الصُّلْحَ عَلَى زَرَنْجَ وَمَا احْتَازُوا مِنَ الْأَرَضِينَ فَأُعْطُوا، وَكَانُوا قَدِ اشْتَرَطُوا فِي صُلْحِهِمْ أَنَّ فَدَافِدَهَا حِمًى، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَجَنَّبُونَهَا خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبُوا مِنْهَا شَيْئًا فَيُخْفِرُوا، وَأُقِيمَ أَهْلُ سِجِسْتَانَ عَلَى الْخَرَاجِ، وَكَانَتْ سِجِسْتَانُ أَعْظَمَ مِنْ خُرَاسَانَ وَأَبْعَدَ فُرُوجًا، يُقَاتِلُونَ الْقُنْدُهَارَ وَالتُّرْكَ وَأُمَمًا كَثِيرَةً، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ، فَهَرَبَ الشَّاهُ مِنْ أَخِيهِ رُتْبِيلَ إِلَى بَلَدٍ فِيهَا يُدْعَى آمُلَ، وَدَانَ لِسَلْمِ بْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِجِسْتَانَ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ وَعَقَدَ لَهُمْ وَأَنْزَلَهُمُ الْبِلَادَ وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ يُرِي أَنَّهُ فُتِحَ عَلَيْهِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّ ابْنَ أَخِي لَيَفْرَحُ بِأَمْرٍ إِنَّهُ لَيُحْزِنُنِي وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْزِنَهُ. قَالَ: وَلِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: إِنَّ آمُلَ بَلْدَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَرَنْجَ صُعُوبَةٌ وَتَضَايُقٌ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ غُدُرٌ، فَإِذَا اضْطَرَبَ الْحَبْلُ غَدًا فَأَهْوَنُ مَا يَجِيءُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَ عَلَى بِلَادِ آمُلَ بِأَسْرِهَا. وَأَقَرَّهُمْ عَلَى عَهْدِ سَلْمِ بْنِ زِيَادٍ. فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَعْدَ مُعَاوِيَةَ كَفَرَ الشَّاهُ وَغَلَبَ عَلَى آمُلَ وَاعْتَصَمَ مِنْهُ رُتْبِيلُ بِمَكَانِهِ، وَلَمْ يُرْضِهِ ذَلِكَ حِينَ تَشَاغَلَ عَنْهُ النَّاسُ حَتَّى طَمِعَ فِي زَرَنْجَ فَغَزَاهَا وَحَصَرَ مَنْ بِهَا حَتَّى أَتَتْهُمُ الْأَمْدَادُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَصَارَ رُتْبِيلُ وَالَّذِينَ مَعَهُ عُصْبَةً، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِلَادُ مُذَلَّلَةً إِلَى أَنْ مَاتَ مُعَاوِيَةُ.
وَقِيلَ فِي فَتْحِ سِجِسْتَانَ غَيْرُ هَذَا، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
ذكر فَتْحِ مُكْرَانَ
وَقَصَدَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو التَّغْلِبِيُّ مُكْرَانَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا، وَلَحِقَ بِهِ شِهَابُ بْنُ الْمُخَارِقِ وَسُهَيْلُ بْنُ عَدِيٍّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، فَانْتَهَوْا إِلَى دُوَيْنِ النَّهْرِ، وَأَهْلُ مُكْرَانَ عَلَى شَاطِئِهِ، فَاسْتَمَدَّ مَلِكُهُمْ مَلِكَ السِّنْدِ، فَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ كَثِيفٍ، فَالْتَقَوْا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَانْهَزَمُوا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ
стр. 1115
أَيَّامًا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى النَّهْرِ، وَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مُكْرَانَ فَأَقَامُوا بِهَا. وَكَتَبَ الْحَكَمُ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْأَخْمَاسِ مَعَ صُحَارٍ الْعَبْدِيِّ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ مُكْرَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هِيَ أَرْضٌ سَهْلُهَا جَبَلٌ، وَمَاؤُهَا وَشَلٌ، وَتَمْرُهَا دَقَلٌ، وَعَدُوُّهَا بَطَلٌ، وَخَيْرُهَا قَلِيلٌ، وَشَرُّهَا طَوِيلٌ، وَالْكَثِيرُ فِيهَا قَلِيلٌ، وَالْقَلِيلُ فِيهَا ضَائِعٌ، وَمَا وَرَاءَهَا شَرٌّ مِنْهَا. فَقَالَ: أَسَجَّاعٌ أَنْتَ أَمْ مُخْبِرٌ؟ لَا وَاللَّهِ لَا يَغْزُوهَا جَيْشٌ لِي أَبَدًا. وَكَتَبَ إِلَى سُهَيْلٍ وَالْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو: أَنْ لَا يَجُوزَنَّ مُكْرَانَ أَحَدٌ مِنْ جُنُودِكُمَا. وَأَمَرَهُمَا بِبَيْعِ الْفِيَلَةِ الَّتِي غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ. (وَقَسْمِ أَثْمَانِهَا عَلَى الْغَانِمِينَ) .
(مُكْرَانَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ) .
ذكر خَبَرِ بَيْرُوذَ مِنَ الْأَهْوَازِ
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْخُيُولُ إِلَى الْكُوَرِ، اجْتَمَعَ بِبَيْرُوذَ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ الْأَكْرَادِ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ عَهِدَ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ يَسِيرَ إِلَى أَقْصَى ذِمَّةِ الْبَصْرَةِ، حَتَّى لَا يُؤْتَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَخَشِيَ أَنْ يَهْلِكَ بَعْضُ جُنُودِهِ أَوْ يُخْلَفُوا فِي أَعْقَابِهِمْ، فَاجْتَمَعَ الْأَكْرَادُ بِبَيْرُوذَ، وَأَبْطَأَ أَبُو مُوسَى حَتَّى تَجَمَّعُوا، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ بِهِمْ بِبَيْرُوذَ، فَالْتَقَوْا فِي رَمَضَانَ بَيْنَ نَهْرِ تِيرَى وَمَنَاذِرَ، فَقَامَ الْمُهَاجِرُ بْنُ زِيَادٍ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَاسْتَقْتَلَ، وَعَزَمَ أَبُو مُوسَى عَلَى النَّاسِ فَأَفْطَرُوا، وَتَقَدَّمَ الْمُهَاجِرُ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى قُتِلَ. وَوَهَّنَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى تَحَصَّنُوا فِي قِلَّةٍ وَذِلَّةٍ، وَاشْتَدَّ جَزَعُ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ عَلَى أَخِيهِ الْمُهَاجِرِ، وَعَظُمَ عَلَيْهِ فَقْدُهُ، فَرَقَّ لَهُ أَبُو مُوسَى فَاسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِمْ فِي جُنْدٍ، وَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى بَلَغَ أَصْبَهَانَ، وَاجْتَمَعَ بِهَا بِالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُحَاصِرُونَ جَيًّا، فَلَمَّا فُتِحَتْ رَجَعَ أَبُو مُوسَى إِلَى الْبَصْرَةِ، وَفَتَحَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْحَارِثِيُّ بَيْرُوذَ مِنْ نَهْرِ تِيرَى وَغَنِمَ مَا مَعَهُمْ.
وَوَفَّدَ أَبُو مُوسَى وَفْدًا مَعَهُمُ الْأَخْمَاسُ، فَطَلَبَ ضَبَّةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْعَنَزِيُّ أَنْ يَكُونَ فِي
стр. 1116
الْوَفْدِ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَبُو مُوسَى، وَكَانَ أَبُو مُوسَى قَدِ اخْتَارَ مِنْ سَبْيِ بَيْرُوذَ سِتِّينَ غُلَامًا، فَانْطَلَقَ ضَبَّةُ إِلَى عُمَرَ شَاكِيًا، وَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ يُخْبِرُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ ضَبَّةُ عَلَى عُمَرَ سَلَّمَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا! فَقَالَ: أَمَّا الْمَرْحَبُ فَمِنَ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَهْلُ فَلَا أَهْلَ. ثُمَّ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا مُوسَى انْتَقَى سِتِّينَ غُلَامًا مِنْ أَبْنَاءِ الدَّهَاقِينِ لِنَفْسِهِ، وَلَهُ جَارِيَةٌ تُغَدَّى جَفْنَةً وَتُعَشَّى جَفْنَةً تُدْعَى عَقِيلَةَ، وَلَهُ قَفِيزَانِ وَلَهُ خَاتَمَانِ، وَفَوَّضَ إِلَى زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أُمُورَ الْبَصْرَةِ، وَأَجَازَ الْحُطَيْئَةَ بِأَلْفٍ.
فَاسْتَدْعَى عُمَرُ أَبَا مُوسَى. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ حَجَبَهُ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَسَأَلَ عُمَرُ ضَبَّةَ عَمَّا قَالَ فَقَالَ: أَخَذَ سِتِّينَ غُلَامًا لِنَفْسِهِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: دُلِلْتُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ لَهُمْ فِدَاءٌ فَفَدَيْتُهُمْ وَقَسَّمْتُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ ضَبَّةُ: مَا كَذَبَ وَلَا كَذَبْتُ. فَقَالَ: لَهُ قَفِيزَانِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَفِيزٌ لِأَهْلِي أَقُوتُهُمْ بِهِ، وَقَفِيزٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَيْدِيهِمْ يَأْخُذُونَ بِهِ أَرْزَاقَهُمْ. فَقَالَ ضَبَّةُ: مَا كَذَبَ وَلَا كَذَبْتُ. فَلَمَّا ذَكَرَ عَقِيلَةَ سَكَتَ أَبُو مُوسَى وَلَمْ يَعْتَذِرْ. فَعَلِمَ أَنَّ ضَبَّةَ قَدْ صَدَقَهُ، قَالَ: وَوَلَّى زِيَادًا. قَالَ: رَأَيْتُ لَهُ رَأْيًا وَنُبْلًا فَأَسْنَدْتُ إِلَيْهِ عَمَلِي. قَالَ: وَأَجَازَ الْحُطَيْئَةَ بِأَلْفٍ. قَالَ: سَدَدْتُ فَمَهُ بِمَالِي أَنْ يَشْتُمَنِي. فَرَدَّهُ عُمَرُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ زِيَادًا وَعَقِيلَةَ، فَفَعَلَ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ زِيَادٌ سَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَعَطَائِهِ وَالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْقُرْآنِ، فَرَآهُ فَقِيهًا، فَرَدَّهُ وَأَمَرَ أُمَرَاءَ الْبَصْرَةِ أَنْ يَسِيرُوا بِرَأْيِهِ، وَحَبَسَ عَقِيلَةَ بِالْمَدِينَةِ.
وَقَالَ عُمَرُ: أَلَا إِنَّ ضَبَّةَ غَضِبَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَفَارَقَهُ مُرَاغِمًا أَنْ فَاتَهُ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، فَصَدَقَ عَلَيْهِ وَكَذَبَ، فَأَفْسَدَ كَذِبُهُ صِدْقَهُ، فَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى النَّارِ.
(بَيْرُوذَ: بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَضَمِّ الرَّاءِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَآخِرُهُ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ) .
ذكر خَبَرِ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ وَالْأَكْرَادِ
كَانَ عُمَرُ إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ سَلَمَةَ بْنَ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيَّ. فَقَالَ: سِرْ بَاسْمِ اللَّهِ، قَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ عَدُوَّكُمْ فَادْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوا وَأَقَامُوا بِدَارِهِمْ فَعَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْفَيْءِ نَصِيبٌ، وَإِنْ سَارُوا مَعَكُمْ فَلَهُمْ مِثْلُ الَّذِي لَكُمْ وَعَلَيْهِمْ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَادْعُوهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوا فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَقَاتِلُوهُمْ، وَإِنْ تَحَصَّنُوا مِنْكُمْ وَسَأَلُوكُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ
стр. 1117
اللَّهِ وَرَسُولِهِ. أَوْ (ذِمَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) فَلَا تُجِيبُوهُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ أَتُصِيبُونَ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَذِمَّتَهُمَا أَمْ لَا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَلَا تُمَثِّلُوا.
قَالَ: فَسَارُوا حَتَّى لَقُوا عَدُوًّا مِنَ الْأَكْرَادِ الْمُشْرِكِينَ فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَلَمْ يُجِيبُوا، فَقَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَوُا الذُّرِّيَّةَ، فَقَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ، وَرَأَى سَلَمَةُ جَوْهَرًا فِي سَفَطٍ، فَاسْتَرْضَى عَنْهُ الْمُسْلِمِينَ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى عُمَرَ. فَقَدِمَ الرَّسُولُ بِالْبِشَارَةِ وَالسَّفَطِ عَلَى عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُمُورِ النَّاسِ وَهُوَ يُخْبِرُهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ بِالسَّفَطِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَأَمَرَ بِهِ فَوُجِئَ بِهِ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: إِنْ تَفَرَّقَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ تَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وَيُقَسِّمَهُ سَلَمَةُ فِيهِمْ لَأَسُوءَنَّكَ. فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى سَلَمَةَ فَبَاعَهُ وَقَسَّمَهُ فِي النَّاسِ. وَكَانَ الْفَصُّ يُبَاعُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَقِيمَتُهُ عِشْرُونَ أَلْفًا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَحَجَّ مَعَهُ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا. وَفِيهَا قُتِلَ عُمَرُ ﵁.
ذكر الْخَبَرِ عَنْ مَقْتَلِ عُمَرَ ﵁
قَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَطُوفُ يَوْمًا فِي السُّوقِ، فَلَقِيَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعِدْنِي عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَإِنَّ عَلَيَّ خَرَاجًا كَثِيرًا. قَالَ: وَكَمْ خَرَاجُكَ؟ قَالَ: دِرْهَمَانِ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: وَأَيْشٍ صِنَاعَتُكَ؟ قَالَ: نَجَّارٌ، نَقَّاشٌ، حَدَّادٌ. قَالَ: فَمَا أَرَى خَرَاجَكَ كَثِيرًا عَلَى مَا تَصْنَعُ مِنَ الْأَعْمَالِ، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَصْنَعَ رَحًى تَطْحَنُ بِالرِّيحِ لَفَعَلْتُ! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاعْمَلْ لِي رَحًى. قَالَ: لَئِنْ سَلِمْتَ لَأَعْمَلَنَّ لَكَ رَحًى يَتَحَدَّثُ بِهَا مَنْ بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ! ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَوْعَدَنِي الْعَبْدُ الْآنَ.
ثُمَّ انْصَرَفَ عُمَرُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اعْهَدْ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ. قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: أَجِدُهُ فِي كِتَابِ التَّوْرَاةِ. قَالَ عُمَرُ: [آللَّهَ! إِنَّكَ] لَتَجِدُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا وَلَكِنِّي
стр. 1118
أَجِدُ حِلْيَتَكَ وَصِفَتَكَ وَأَنَّكَ قَدْ فَنِيَ أَجْلُكَ. قَالَ: وَعُمَرُ لَا يُحِسُّ وَجَعًا! فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَهُ كَعْبٌ فَقَالَ: بَقِيَ يَوْمَانِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَهُ كَعْبٌ فَقَالَ: مَضَى يَوْمَانِ وَبَقِيَ يَوْمٌ. فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَ عُمَرُ إِلَى الصَّلَاةِ وَكَانَ يُوَكِّلُ بِالصُّفُوفِ رِجَالًا فَإِذَا اسْتَوَتْ كَبَّرَ، وَدَخَلَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ فِي النَّاسِ وَبِيَدِهِ خِنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ، فَضَرَبَ عُمَرَ سِتَّ ضَرَبَاتِ إِحْدَاهُنَّ تَحْتَ سُرَّتِهِ وَهِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ، وَقَتَلَ مَعَهُ كُلَيْبَ بْنَ أَبِي الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيَّ وَكَانَ خَلْفَهُ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً غَيْرَهُ.
فَلَمَّا وَجَدَ عُمَرُ حَرَّ السِّلَاحِ سَقَطَ، وَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَعُمَرُ طَرِيحٌ، فَاحْتُمِلَ فَأُدْخِلَ بَيْتَهُ، وَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْهَدَ إِلَيْكَ. قَالَ: أَتُشِيرُ عَلَيَّ بِذَلِكَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ فِيهِ أَبَدًا. قَالَ: فَهَبْنِي صَمْتًا حَتَّى أَعْهَدَ إِلَى النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا فَقَالَ: انْتَظِرُوا أَخَاكُمْ طَلْحَةَ ثَلَاثًا، فَإِنْ جَاءَ وَإِلَّا فَاقْضُوا أَمْرَكُمْ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عَلِيُّ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا سَعْدُ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ أَقَارِبَكَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، قُومُوا فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ اقْضُوا أَمْرَكُمْ وَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ صُهَيْبٌ.
ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ: قُمْ عَلَى بَابِهِمْ فَلَا تَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ إِلَيْهِمْ. وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْأَنْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ، أَنْ يُحْسِنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَيَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ بِالْعَرَبِ، فَإِنَّهُمْ مَادَّةُ الْإِسْلَامِ، أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ حَقَّهَا فَتُوضَعَ فِي فُقَرَائِهِمْ، وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ بِذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ لَقَدْ تَرَكْتُ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي عَلَى أَنْقَى مِنَ الرَّاحَةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اخْرُجْ فَانْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي.
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَتَلَكَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً وَاحِدَةً! يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى عَائِشَةَ فَسَلْهَا أَنْ تَأْذَنَ لِي أَنْ أُدْفَنَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ. يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنِ اخْتَلَفَ الْقَوْمُ فَكُنْ مَعَ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ تَشَاوَرُوا فَكُنْ مَعَ الْحِزْبِ الَّذِي فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، يَا
стр. 1119
عَبْدَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِلنَّاسِ. فَجَعَلَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُمْ: أَهَذَا عَنْ مَلَإٍ مِنْكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَعَاذَ اللَّهِ! قَالَ: وَدَخَلَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ مَعَ النَّاسِ فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ قَالَ:
تَوَعَّدَنِي كَعْبٌ ثَلَاثًا أَعُدُّهَا ... وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَ لِي كَعْبُ
وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ، إِنِّي لَمَيِّتٌ
،
وَلَكِنْ حِذَارُ الذَّنْبِ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ
وَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ لِي بِهَذَا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ أَنْ قُلْ نَعَمْ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَغُرَّنِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ. ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، خُذْ رَأْسِي عَنِ الْوِسَادَةِ فَضَعْهُ فِي التُّرَابِ لَعَلَّ اللَّهَ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَنْظُرُ إِلَيَّ فَيَرْحَمُنِي، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ.
وَدُعِيَ لَهُ طَبِيبٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَسَقَاهُ نَبِيذًا فَخَرَجَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ، فَسَقَاهُ لَبَنًا فَخَرَجَ كَذَلِكَ أَيْضًا، فَقَالَ لَهُ: اعْهَدْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: قَدْ فَرَغْتُ.
وَلَمَّا احْتُضِرَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
ظَلُومٌ لِنَفْسِي غَيْرَ أَنِّيَ مُسْلِمٌ ... أُصَلِّي الصَّلَاةَ كُلَّهَا وَأَصُومُ
وَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُدِيمُ الشَّهَادَةَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَّ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: طُعِنَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَدُفِنَ يَوْمَ الْأَحَدِ هِلَالَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ.
وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَبُويِعَ عُثْمَانُ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ. وَقِيلَ: كَانَتْ وَفَاتُهُ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ
стр. 1120
ذِي الْحِجَّةِ، وَاسْتَقْبَلَ بِخِلَافَتِهِ هِلَالَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَكَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَشْرَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ. وَصَلَّى عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، وَحُمِلَ إِلَى بَيْتِ عَائِشَةَ، وَدُفِنَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
ذكر نَسَبِ عُمَرَ وَصِفَتِهِ وَعُمُرِهِ
فَأَمَّا نَسَبُهُ فَهُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو حَفْصٍ، وَأُمُّهُ حَنْتَمَةُ بِنْتُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ أَبِي جَهْلٍ، وَقَدْ زَعَمَ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ أَنَّهَا أُخْتُ أَبِي جَهْلٍ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ الْفَارُوقَ، وَقِيلَ: بَلْ سَمَّاهُ أَهْلُ الْكِتَابِ.
وَأَمَّا صِفَتُهُ فَكَانَ طَوِيلًا آدَمَ أَصْلَعَ أَعْسَرَ يَسَرًا - يَعْنِي يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ - وَكَانَ لِطُولِهِ كَأَنَّهُ رَاكِبٌ. وَقِيلَ: كَانَ أَبْيَضَ أَبْهَقَ - يَعْنِي شَدِيدَ الْبَيَاضِ - تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، طُوَالًا أَصْلَعَ أَشْيَبَ، وَكَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ وَيُرَجِّلُ رَأْسَهُ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ قَبْلَ الْفِجَارِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَكَانَ عُمُرُهُ
стр. 1121
خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَشْهُرٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: ابْنُ إِحْدَى وَسِتِّينَ سَنَةً.
(رِيَاحٌ: بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ) .
ذكر أَسْمَاءِ وَلَدِهِ وَنِسَائِهِ
تَزَوَّجَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ زَيْنَبَ بِنْتَ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَكْبَرَ، وَحَفْصَةَ. وَتَزَوَّجَ مُلَيْكَةَ بِنْتَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَفَارَقَهَا فِي الْهُدْنَةِ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ، وَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بِصِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ: كَانَتْ أُمُّهُ أُمَّ زَيْدٍ الْأَصْغَرِ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عُمَرَ. وَتَزَوَّجَ قُرَيْبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَفَارَقَهَا فِي الْهُدْنَةِ أَيْضًا، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَكَانَا سِلْفَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ قُرَيْبَةَ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَزَوَّجَ أُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ فِي الْإِسْلَامِ، فَوَلَدَتْ لَهُ فَاطِمَةَ فَطَلَّقَهَا، وَقِيلَ لَمْ يُطَلِّقْهَا. وَتَزَوَّجَ جَمِيلَةَ أُخْتَ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ الْأَوْسِيِّ الْأَنْصَارِيِّ فِي الْإِسْلَامِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمًا فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَصْدَقَهَا أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَوَلَدَتْ لَهُ رُقَيَّةَ وَزَيْدًا. وَتَزَوَّجَ لُهَيَّةَ امْرَأَةً مِنَ الْيَمَنِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَوْسَطَ، وَقِيلَ الْأَصْغَرَ، وَقِيلَ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ فُكَيْهَةُ أُمُّ وَلَدٍ فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْنَبَ، وَهِيَ أَصْغَرُ وَلَدِ عُمَرَ. وَتَزَوَّجَ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقُتِلَ عَنْهَا، فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ تَزَوَّجَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، فَقُتِلَ عَنْهَا أَيْضًا، فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ، فَقَالَتْ: لَا أَفْعَلُ، إِنِّي أَضِنُّ بِكَ عَنِ الْقَتْلِ فَإِنَّكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ. فَتَرَكَهَا.
стр. 1122
وَخَطَبَ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، إِنَّهُ خَشِنُ الْعَيْشِ شَدِيدٌ عَلَى النِّسَاءِ. فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: أَنَا أَكْفِيكِ. فَأَتَى عُمَرَ فَقَالَ: بَلَغَنِي خَبَرٌ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْهُ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: خَطَبْتَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ نَعَمْ، أَفَرَغِبْتَ بِي عَنْهَا أَمْ رَغِبْتَ بِهَا عَنِّي؟ قَالَ: وَلَا وَاحِدَةَ، وَلَكِنَّهَا حَدَثَةٌ نَشَأَتْ تَحْتَ كَنَفِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي لِينٍ وَرِفْقٍ، وَفِيكَ غِلْظَةٌ، وَنَحْنُ نَهَابُكَ وَمَا نَقْدِرُ أَنْ نَرُدَّكَ عَنْ خُلُقٍ مِنْ أَخْلَاقِكَ، فَكَيْفَ بِهَا إِنْ خَالَفَتْكَ فِي شَيْءٍ فَسَطَوْتَ بِهَا كُنْتَ قَدْ خَلَفْتَ أَبَا بَكْرٍ فِي وَلَدِهِ بِغَيْرِ مَا يَحِقُّ عَلَيْكَ. وَقَالَ: فَكَيْفَ بِعَائِشَةَ وَقَدْ كَلَّمَتْهَا؟ قَالَ: أَنَا لَكَ بِهَا وَأَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْهَا، أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تَعَلَّقْ مِنْهَا بِسَبَبٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَخَطَبَ أُمَّ أَبَانَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَكَرِهَتْهُ وَقَالَتْ: يُغْلِقُ بَابَهُ، وَيَمْنَعُ خَيْرَهُ، وَيَدْخُلُ عَابِسًا وَيَخْرُجُ عَابِسًا.
ذكر بَعْضِ سِيرَتِهِ ﵁
قَالَ عُمَرُ: إِنَّمَا مَثَلُ الْعَرَبِ مَثَلُ جَمَلٍ أَنِفٍ اتَّبَعَ قَائِدَهُ، فَلْيَنْظُرْ قَائِدُهُ حَيْثُ يَقُودُهُ، فَأَمَّا أَنَا فَوَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَأَحْمِلَنَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ! قَالَ نَافِعٌ الْعَيْشِيُّ: دَخَلْتُ حَيْرَ الصَّدَقَةِ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: فَجَلَسَ عُثْمَانُ فِي الظِّلِّ يَكْتُبُ، وَقَامَ عَلِيٌّ عَلَى رَأْسِهِ يُمْلِي عَلَيْهِ مَا يَقُولُ عُمَرُ، وَعُمَرُ قَائِمٌ فِي الشَّمْسِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَسْوَدَانِ اتَّزَرَ بِأَحَدِهِمَا وَلَفَّ الْآخَرَ عَلَى رَأْسِهِ، يَعُدُّ إِبِلَ الصَّدَقَةِ، يَكْتُبُ أَلْوَانَهَا وَأَسْنَانَهَا. فَقَالَ عَلِيٌّ لِعُثْمَانَ: فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] . ثُمَّ أَشَارَ عَلِيٌّ بِيَدِهِ إِلَى عُمَرَ وَقَالَ: هَذَا الْقَوِيُّ الْأَمِينُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: رَأَيْتُ عُمَرَ أَخَذَ بِتِبْنَةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي هَذِهِ التِّبْنَةُ، يَا لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا، يَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا. وَقَالَ
стр. 1123
الْحَسَنُ: قَالَ عُمَرُ: لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَسِيرَنَّ فِي الرَّعِيَّةِ حَوْلًا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ لِلنَّاسِ حَوَائِجَ تُقْطَعُ دُونِي، أَمَّا عُمَّالُهُمْ فَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَيَّ، وَأَمَّا هُمْ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيَّ، فَأَسِيرُ إِلَى الشَّامِ فَأُقِيمُ شَهْرَيْنِ، وَبِالْجَزِيرَةِ شَهْرَيْنِ، وَبِمِصْرَ شَهْرَيْنِ، وَبِالْبَحْرَيْنِ شَهْرَيْنِ، وَبِالْكُوفَةِ شَهْرَيْنِ، وَبِالْبَصْرَةِ شَهْرَيْنِ، وَاللَّهِ لَنِعْمَ الْحَوْلُ هَذَا! وَقِيلَ لِعُمَرَ: إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْبَارِ لَهُ بَصَرٌ بِالدِّيوَانِ لَوِ اتَّخَذْتَهُ كَاتِبًا. فَقَالَ: لَقَدِ اتَّخَذْتُ إِذَنْ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
قِيلَ: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ لَوْ أَنَّ جَمَلًا هَلَكَ ضَيَاعًا بِشَطِّ الْفُرَاتِ لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو فِرَاسٍ: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي مَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ عُمَّالًا لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، وَإِنَّمَا أُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ دِينَكُمْ وَسُنَّتَكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ شَيْءٌ سِوَى ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ، فَوَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ. فَوَثَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ [أُمَرَاءِ] الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَعِيَّةٍ، فَأَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ إِنَّكَ لَتُقِصُّهُ مِنْهُ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ إِذَنْ لَأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ، وَكَيْفَ لَا أُقِصُّهُ مِنْهُ وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقِصُّ مِنْ نَفْسِهِ! أَلَا لَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ، وَلَا تَحْمَدُوهُمْ فَتَفْتِنُوهُمْ، وَلَا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فَتُكَفِّرُوهُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهُمُ الْغِيَاضَ فَتُضَيِّعُوهُمْ.
قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ لَيْلًا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا جَاءَ بِكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: رُفْقَةٌ نَزَلَتْ فِي نَاحِيَةِ السُّوقِ خَشِيتُ عَلَيْهِمْ سُرَّاقَ الْمَدِينَةِ، فَانْطَلِقْ فَلْنَحْرُسْهُمْ. فَأَتَيَا السُّوقَ فَقَعَدَا عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ يَتَحَدَّثَانِ، فَرُفِعَ لَهُمَا مِصْبَاحٌ فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَنْهَ عَنِ الْمَصَابِيحِ بَعْدَ النَّوْمِ؟ فَانْطَلَقَا فَإِذَا قَوْمٌ عَلَى شَرَابٍ لَهُمْ. قَالَ: انْطَلِقْ فَقَدْ عَرَفْتُهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَالَ: يَا فُلَانُ كُنْتَ وَأَصْحَابُكَ الْبَارِحَةَ عَلَى شَرَابٍ! قَالَ: وَمَا أَعْلَمَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: شَيْءٌ شَهِدْتُهُ. قَالَ: أَوَلَمْ يَنْهَكَ اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ؟ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ.
وَإِنَّمَا نَهَى عُمَرُ عَنِ الْمَصَابِيحِ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ تَأْخُذُ الْفَتِيلَةَ فَتَرْمِي بِهَا فِي سَقْفِ الْبَيْتِ
стр. 1124
فَتُحْرِقُهُ، وَكَانَتِ السُّقُوفُ مِنْ جَرِيدٍ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ قَبْلَهُ.
وَقَالَ أَسْلَمُ: وَخَرَجَ عُمَرُ إِلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ وَأَنَا مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِصِرَارٍ إِذَا نَارٌ تَسَعَّرُ. فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِمْ. فَهَرْوَلْنَا حَتَّى دَنَوْنَا مِنْهُمْ، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ مَعَهَا صِبْيَانٌ لَهَا وَقِدْرٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى نَارٍ وَصِبْيَانُهَا يَتَضَاغَوْنَ. فَقَالَ عُمَرُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَصْحَابَ الضَّوْءِ. وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ: يَا أَصْحَابَ النَّارِ. قَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ. قَالَ: أَدْنُوا؟ قَالَتْ: ادْنُ بِخَيْرٍ أَوْ دَعْ. فَدَنَا فَقَالَ: مَا بَالُكُمْ؟ قَالَتْ: قَصَّرَ بِنَا اللَّيْلُ وَالْبَرْدُ. قَالَ: فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَةِ يَتَضَاغَوْنَ؟ قَالَتْ: [مِنْ] الْجُوعِ. قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْقِدْرِ؟ قَالَتْ: مَا لِي مَا أُسْكِتُهُمْ حَتَّى يَنَامُوا، فَأَنَا أُعَلِّلُهُمْ وَأُوهِمُهُمْ أَنِّي أُصْلِحُ لَهُمْ شَيْئًا حَتَّى يَنَامُوا، اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عُمَرَ! قَالَ: أَيْ رَحِمَكِ اللَّهُ، مَا يُدْرِي بِكُمْ عُمَرَ؟ قَالَتْ: يَتَوَلَّى أَمْرَنَا وَيَغْفُلُ عَنَّا. فَأَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا. فَخَرَجْنَا نُهَرْوِلُ حَتَّى أَتَيْنَا دَارَ الدَّقِيقِ، فَأَخْرَجَ عِدْلًا فِيهِ كُبَّةُ شَحْمٍ فَقَالَ: احْمِلْهُ عَلَى ظَهْرِي. قَالَ أَسْلَمُ: فَقُلْتُ: أَنَا أَحْمِلُهُ عَنْكَ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. فَقَالَ آخِرَ ذَلِكَ: أَنْتَ تَحْمِلُ عَنِّي وِزْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا أُمَّ لَكَ! فَحَمَلْتُهُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ نُهَرْوِلُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا، فَأَلْقَى ذَلِكَ عِنْدَهَا وَأَخْرَجَ مِنَ الدَّقِيقِ شَيْئًا فَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا: ذُرِّي عَلَيَّ وَأَنَا أُحَرِّكُ لَكِ، وَجَعَلَ يَنْفُخُ تَحْتَ الْقِدْرِ، وَكَانَ ذَا لِحْيَةٍ عَظِيمَةٍ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الدُّخَانِ مِنْ خَلَلِ لِحْيَتِهِ حَتَّى أَنْضَجَ ثُمَّ أَنْزَلَ الْقِدْرَ، فَأَتَتْهُ بِصَحْفَةٍ فَأَفْرَغَهَا فِيهَا ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمِيهِمْ وَأَنَا أُسَطِّحُ لَكِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَلَّى عِنْدَهَا فَضْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَجَعَلَتْ تَقُولُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، أَنْتَ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ! فَيَقُولُ: قُولِي خَيْرًا، فَإِنَّكِ إِذَا جِئْتِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَجَدْتِنِي هُنَاكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -! ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا وَرَبَضَ لَا يُكَلِّمُنِي حَتَّى رَأَى الصِّبْيَةَ يَضْحَكُونَ وَيَصْطَرِعُونَ، ثُمَّ نَامُوا وَهَدَأُوا، فَقَامَ وَهُوَ يَحْمَدُ اللَّهَ، فَقَالَ: يَا أَسْلَمُ، الْجُوعُ أَسْهَرَهُمْ وَأَبْكَاهُمْ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَنْصَرِفَ حَتَّى أَرَى مَا رَأَيْتُ مِنْهُمْ.
(صِرَارٌ: بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَرَائَيْنِ) .
قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا نَهَى النَّاسَ عَنْ شَيْءٍ جَمَعَ أَهْلَهُ فَقَالَ: إِنِّي نَهَيْتُ النَّاسَ عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ إِلَى اللَّحْمِ، وَأُقْسِمُ
стр. 1125
بِاللَّهِ لَا أَجِدُ أَحَدًا [مِنْكُمْ] فَعَلَهُ إِلَّا أَضْعَفْتُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ. قَالَ سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ: وَكَانَ عُمَرُ إِذَا احْتَاجَ أَتَى صَاحِبَ بَيْتِ الْمَالِ فَاسْتَقْرَضَهُ، فَرُبَّمَا أَعْسَرَ فَيَأْتِيهِ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ يَتَقَاضَاهُ، فَيَلْزَمُهُ فَيَحْتَالُ لَهُ عُمَرُ، وَرُبَّمَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ فَقَضَاهُ.
قَالَ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دُعِيَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ قَالُوا لَهُ: يَا خَلِيفَةَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا أَمْرٌ يَطُولُ، كُلَّمَا جَاءَ خَلِيفَةٌ قَالُوا يَا خَلِيفَةَ خَلِيفَةِ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، بَلْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنَا أَمِيرُكُمْ، فَسُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ التَّارِيخَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ بَيْتَ الْمَالِ، وَأَوَّلُ مَنْ عَسَّ اللَّيْلَ، وَأَوَّلُ مَنْ عَاقَبَ عَلَى الْهِجَاءِ، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُصَلُّونَ أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى إِمَامٍ يُصَلِّي بِهِمُ التَّرَاوِيحَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَتَبَ بِهِ إِلَى الْبُلْدَانِ وَأَمَرَهُمْ بِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَمَلَ الدِّرَّةَ وَضَرَبَ بِهَا، وَأَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ فِي الْإِسْلَامِ.
قَالَ زَاذَانُ: قَالَ عُمَرُ لِسَلْمَانَ: أَمَلِكٌ أَنَا أَمْ خَلِيفَةٌ؟ قَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنْ أَنْتَ جَبَيْتَ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَوَضَعْتَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، فَأَنْتَ مَلِكٌ غَيْرُ خَلِيفَةٍ. فَبَكَى عُمَرُ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةُ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ حَنْتَمَةَ! لَقَدْ رَأَيْتُهُ عَامَ الرَّمَادَةِ وَإِنَّهُ لَيَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ جِرَابَيْنِ وَعُكَّةَ زَيْتٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَيَعْتَقِبُ هُوَ وَأَسْلَمُ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مِنْ أَيْنَ يَا أَبَا
следующие страницы →