Полный текст (6 163 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
وَنَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ. فَقَالَ لَهُمْ: لَا أَرَى أَنْ نُقِيمَ حَتَّى يَأْتُونَا وَهُمْ مُسْتَرِيحُونَ، بَلْ أَرَى أَنْ نَسِيرَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَيَخْرُجُوا فِي طَلَبِنَا فَيَنْقَطِعُوا وَيَتَبَدَّدُوا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ.
فَسَارُوا فَعَبَرُوا بِجَرْجَرَايَا، وَمَضَوْا إِلَى أَرْضِ جُوخَى ثُمَّ بَلَغُوا الْمَذَارَ فَأَقَامُوا بِهَا.
وَبَلَغَ ابْنَ عَامِرٍ بِالْبَصْرَةِ خَبَرُهُمْ، فَسَأَلَ كَيْفَ صَنَعَ الْمُغِيرَةُ فَأُخْبِرَ بِفِعْلِهِ، فَاسْتَدْعَى شَرِيكَ بْنَ الْأَعْوَرِ الْحَارِثِيَّ، وَكَانَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الْمَارِقَةِ. فَفَعَلَ. وَانْتَخَبَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ مِنَ الشِّيعَةِ، وَكَانَ أَكْثُرُهُمْ مِنْ رَبِيعَةَ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى الْمَذَارِ.
وَأَمَّا مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ فَسَارَ إِلَى الْمَدَائِنِ حَتَّى بَلَغَهَا، فَبَلَغَهُ رَحِيلُهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ لَهُمْ مَعْقِلٌ:
إِنَّهُمْ سَارُوا لِتَتَّبِعُوهُمْ وَتَتَبَدَّدُوا وَتَنْقَطِعُوا فَتَلْحَقُوهُمْ وَقَدْ تَعِبْتُمْ، وَإِنَّهُ لَا يُصِيبُكُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ أَصَابَهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ. وَسَارَ فِي أَثَارِهِمْ وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَبَا الرَّوَاغِ الشَّاكِرِيَّ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، فَتَبِعَهُمْ أَبُو الرَّوَاغِ حَتَّى لَحِقَهُمْ بِالْمَذَارِ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي قِتَالِهِمْ قَبْلَ قُدُومِ مَعْقِلٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَفْعَلْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
بَلْ نُقَاتِلُهُمْ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ مَعْقِلًا أَمَرَنِي أَنْ لَا أُقَاتِلَهُمْ. فَقَالُوا لَهُ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ مَعْقِلٌ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ. فَبَاتُوا يَتَحَارَسُونَ حَتَّى أَصْبَحُوا، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ خَرَجَتِ الْخَوَارِجُ إِلَيْهِمْ، وَكَانُوا أَيْضًا ثَلَاثَمِائَةٍ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي الرَّوَاغِ سَاعَةً ثُمَّ صَاحَ بِهِمْ أَبُو الرَّوَاغِ: الْكَرَّةَ الْكَرَّةَ! وَحَمَلَ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْخَوَارِجِ عَادُوا مُنْهَزِمِينَ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَصَاحَ بِهِمْ أَبُو الرَّوَاغِ أَيْضًا:
ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمُ! ارْجِعُوا بِنَا نَكُنْ قَرِيبًا مِنْهُمْ لَا نُفَارِقُهُمْ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَيْنَا أَمِيرُنَا، وَمَا أَقْبَحَ بِنَا أَنْ نَرْجِعَ إِلَى الْجَيْشِ مُنْهَزِمِينَ مِنْ عَدُوِّنَا! فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ، قَدْ وَاللَّهِ هَزَمُونَا. فَقَالَ لَهُ: لَا أَكْثَرَ اللَّهُ فِينَا مِثْلَكَ، إِنَّا مَا لَمْ نُفَارِقِ الْمَعْرَكَةَ فَلَمْ نُهْزَمْ، وَمَتَى عَطَفْنَا عَلَيْهِمْ وَكُنَّا قَرِيبًا مِنْهُمْ فَنَحْنُ عَلَى حَالٍ حَسَنَةٍ، فَقِفُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ فَإِنْ أَتَوْكُمْ وَعَجَزْتُمْ عَنْهُمْ فَتَأَخَّرُوا قَلِيلًا، فَإِذَا حَمَلُوا عَلَيْكُمْ وَعَجَزْتُمْ عَنْ
стр. 1472
قِتَالِهِمْ فَانْحَازُوا عَلَى حَامِيَةٍ، فَإِذَا رَجَعُوا عَنْكُمْ فَاعْطِفُوا عَلَيْهِمْ وَكُونُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ الْجَيْشَ يَأْتِيكُمْ عَنْ سَاعَةٍ.
فَجَعَلَتِ الْخَوَارِجُ كُلَّمَا حَمَلَتْ عَلَيْهِمُ انْحَازُوا عَنْهُمْ، فَإِذَا عَادَ الْخَوَارِجُ رَجَعَ أَبُو الرَّوَاغِ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ، فَنَزَلَ الطَّائِفَتَانِ يُصَلُّونَ ثُمَّ أَقَامُوا إِلَى الْعَصْرِ، وَكَانَ أَهْلُ الْقُرَى وَالسَّيَّارَةُ قَدْ أَخْبَرُوا مَعْقِلًا بِالْتِقَاءِ الْخَوَارِجِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَنَّ الْخَوَارِجَ تَطْرُدُ أَصْحَابَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَإِذَا رَجَعُوا عَادَ أَصْحَابُهُ خَلْفَهُمْ. فَقَالَ مَعْقِلٌ: إِنْ كَانَ ظَنِّي فِي أَبِي الرَّوَاغِ صَادِقًا لَا يَأْتِيكُمْ مُنْهَزِمًا أَبَدًا. ثُمَّ أَسْرَعَ السَّيْرَ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ وَاسْتَخْلَفَ مُحْرِزَ بْنَ شِهَابٍ التَّمِيمِيَّ عَلَى ضَعَفَةِ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى أَبِي الرَّوَاغِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَذِهِ غَبَرَةٌ فَتَقَدَّمُوا بِنَا إِلَى عَدُوِّنَا حَتَّى لَا يَرَانَا أَصْحَابُنَا، أَنَّا تَنَحَّيْنَا عَنْهُمْ وَهِبْنَاهُمْ. فَتَقَدَّمَ حَتَّى وَقَفَ مُقَابِلَ الْخَوَارِجِ وَلَحِقَهُمْ مَعْقِلٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَصَلَّى أَبُو الرَّوَاغِ بِأَصْحَابِهِ وَصَلَّى الْخَوَارِجُ أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو الرَّوَاغِ لِمَعْقِلٍ: إِنَّ لَهُمْ شَدَّاتٍ مُنْكَرَاتٍ فَلَا تَلِهَا بِنَفْسِكَ وَلَكِنْ قِفْ وَرَاءَ النَّاسِ تَكُونُ رِدْءًا لَهُمْ. فَقَالَ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ.
فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ حَمَلَتِ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمَ عَامَّةُ أَصْحَابِ مَعْقِلٍ وَثَبَتَ هُوَ، فَنَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ وَمَعَهُ أَبُو الرَّوَاغِ فِي نَحْوِ مِائَتَيْ رَجُلٍ، فَلَمَّا غَشِيَهُمُ الْمُسْتَوْرِدُ اسْتَقْبَلُوهُ بِالرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ، فَانْهَزَمَتْ خَيْلُ مَعْقِلٍ سَاعَةً، ثُمَّ نَادَاهُمْ مِسْكِينُ بْنُ عَامِرٍ، وَكَانَ شُجَاعًا: أَيْنَ الْفِرَارُ وَقَدْ نَزَلَ أَمِيرُكُمْ، أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ ثُمَّ رَجَعَ وَرَجَعَتْ مَعَهُ خَيْلٌ عَظِيمَةٌ وَمَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ يُقَاتِلُ الْخَوَارِجَ بِمَنْ مَعَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُهُمْ حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى الْبُيُوتِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى جَاءَهُمْ مُحْرِزُ بْنُ شِهَابٍ فِيمَنْ مَعَهُ، فَجَعَلَهُمْ مَعْقِلٌ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَقَالَ لَهُمْ: لَا تَبْرَحُوا حَتَّى تُصْبِحُوا وَنَثُورَ إِلَيْهِمْ.
وَوَقَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مُقَابِلَ بَعْضٍ فَبَيْنَمَا هُمْ مُتَوَافِقُونَ أَتَى الْخَوَارِجَ عَيْنٌ لَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ شَرِيكَ بْنَ الْأَعْوَرِ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَصْرَةِ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ.
فَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ لِأَصْحَابِهِ: لَا أَرَى أَنْ نُقِيمَ لِهَؤُلَاءِ جَمِيعًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ نَرْجِعَ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي جِئْنَا مِنْهُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لَا يَتْبَعُونَنَا إِلَى أَرْضِ الْكُوفَةِ فَيَهُونُ عَلَيْنَا (قِتَالُ) أَهْلِ الْكُوفَةِ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالنُّزُولِ لِيُرِيحُوا دَوَابَّهُمْ سَاعَةً، فَفَعَلُوا، ثُمَّ دَخَلُوا الْقَرْيَةَ وَأَخَذُوا مِنْهَا مَنْ دَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي أَقْبَلُوا مِنْهُ وَعَادُوا رَاجِعِينَ.
стр. 1473
وَأَمَّا مَعْقِلٌ فَإِنَّهُ بَعَثَ مَنْ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ حِينَ لَمْ يَرَ سَوَادَهُمْ، فَعَادَ إِلَيْهِ الْخَبَرُ أَنَّهُمْ قَدْ سَارُوا، فَخَافَ أَنْ تَكُونَ مَكِيدَةً وَخَافَ الْبَيَاتَ فَاحْتَاطَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَتَحَارَسُوا إِلَى الصَّبَاحِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَاهُمْ مَنْ أَخْبَرَهُمْ بِمَسِيرِهِمْ، وَجَاءَ شَرِيكُ بْنُ الْأَعْوَرِ فِيمَنْ مَعَهُ فَلَقِيَ مَعْقِلًا فَتَسَاءَلَا سَاعَةً وَأَخْبَرَهُ مَعْقِلٌ بِخَبَرِهِمْ، فَدَعَا شَرِيكٌ أَصْحَابَهُ إِلَى الْمَسِيرِ مَعَ مَعْقِلٍ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَاعْتَذَرَ إِلَى مَعْقِلٍ بِخِلَافِ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ يَجْمَعُهُمَا رَأْيُ الشِّيعَةِ، وَدَعَا مَعْقِلٌ أَبَا الرَّوَاغِ وَأَمَرَهُ بِاتِّبَاعِهِمْ، فَقَالَ لَهُ: زِدْنِي مِثْلَ الَّذِينَ كَانُوا مَعِي لِيَكُونَ أَقْوَى لِي إِنْ أَرَادُوا مُنَاجِزَتِي. فَبَعَثَ مَعَهُ سِتَّمِائَةِ فَارِسٍ، فَسَارُوا سِرَاعًا حَتَّى أَدْرَكُوا الْخَوَارِجَ بِجَرْجَرَايَا وَقَدْ نَزَلُوا فَنَزَلَ بِهِمْ أَبُو الرَّوَاغِ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ قَالُوا: إِنَّ قِتَالَ هَؤُلَاءِ أَيْسَرُ مِنْ قِتَالِ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ، فَحَمَلُوا عَلَى أَبِي الرَّوَاغِ وَأَصْحَابِهِ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَثَبَتَ فِي مِائَةِ فَارِسٍ، فَقَاتَلَهُمْ طَوِيلًا وَهُوَ يَقُولُ:
إِنَّ الْفَتَى كُلَّ الْفَتَى مَنْ لَمْ يُهَلْ ... إِذَا الْجَبَانُ حَادَ عَنْ وَقْعِ الْأَسَلْ
قَدْ عَلِمَتْ أَنِّي إِذَا الْبَأْسُ نَزَلْ ... أَرْوَعُ يَوْمَ الْهَيْجِ مِقْدَامٌ بَطَلْ
ثُمَّ عَطَفَ أَصْحَابُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَصَدَقُوهُمُ الْقِتَالَ حَتَّى أَعَادُوهُمْ إِلَى مَكَانِهِمْ، فَلَمَّا رَأَى الْمُسْتَوْرِدُ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُمْ إِنْ أَتَاهُمْ مَعْقِلٌ وَمِنْ مَعَهُ هَلَكُوا، فَمَضَى هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَعَبَرُوا دِجْلَةَ وَوَقَفُوا فِي أَرْضِ بَهُرَسِيرَ وَتَبِعَهُمْ أَبُو الرَّوَاغِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ بِسَابَاطَ، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِمْ قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ حُمَاةُ أَصْحَابِ مَعْقِلٍ وَفُرْسَانُهُ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنِّي أَسْبِقُهُمْ إِلَيْهِ بِسَاعَةٍ لَسِرْتُ إِلَيْهِ فَوَاقَعْتُهُ. ثُمَّ أَمَرَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ مَعْقِلٍ، فَسَأَلُوا بَعْضَ مَنْ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُ نَزَلَ دَيْلَمَايَا وَبَيْنَهُمْ ثَلَاثَةُ فَرَاسِخَ، فَلَمَّا أُخْبِرَ الْمُسْتَوْرِدُ ذَلِكَ رَكِبَ وَرَكِبَ أَصْحَابُهُ وَأَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى جِسْرِ سَابَاطَ، وَهُوَ جِسْرُ نَهْرِ مَلِكٍ، وَهُوَ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي يَلِي الْكُوفَةَ، وَأَبُو الرَّوَاغِ مِنْ جَانِبِ الْمَدَائِنِ، فَقَطَعَ الْمُسْتَوْرِدُ الْجِسْرَ، وَلَمَّا رَآهُمْ أَبُو الرَّوَاغِ قَدْ رَكِبُوا عَبَّى أَصْحَابَهُ وَاعْتَزَلَ إِلَى صَحْرَاءَ بَيْنَ الْمَدَائِنِ وَسَابَاطَ لِيُكُونَ الْقِتَالُ بِهَا وَوَقَفَ يَنْتَظِرُهُمْ، فَلَمَّا قَطَعَ الْمُسْتَوْرِدُ الْجِسْرَ سَارَ إِلَى دَيْلَمَايَا نَحْوَ مَعْقِلٍ لِيُوقِعَ بِهِ، فَانْتَهَى إِلَيْهِ وَأَصْحَابُهُ مُتَفَرِّقُونَ عَنْهُ وَهُوَ يُرِيدُ الرَّحِيلَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ،
стр. 1474
فَلَمَّا رَآهُمْ مَعْقِلٌ نَصَبَ رَايَتَهُ وَنَادَى:
يَا عِبَادَ اللَّهِ الْأَرْضَ الْأَرْضَ! فَنَزَلَ مَعَهُ نَحْوُ مِائَتَيْ رَجُلٍ، فَحَمَلَتِ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِمْ فَاسْتَقْبَلُوهُمْ بِالرِّمَاحِ جُثَاةً عَلَى الرُّكَبِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَتَرَكُوهُمْ وَعَدَلُوا إِلَى خُيُولِهِمْ فَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا وَقَطَعُوا أَعِنَّتَهَا، فَذَهَبَتْ فِي كُلِّ جَانِبٍ، ثُمَّ مَالَ عَلَى الْمُتَفَرِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَعْقِلٍ فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَعْقِلٍ وَأَصْحَابِهِ وَهُمْ عَلَى الرُّكَبِ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّ يَتَجَلْجَلُوا، فَحَمَلُوا أُخْرَى فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ لِأَصْحَابِهِ: لِيَنْزِلْ نِصْفُكُمْ وَيَبْقَى نِصْفُكُمْ عَلَى الْخَيْلِ. فَفَعَلُوا وَاشْتَدَّ الْحَالُ عَلَى أَصْحَابِ مَعْقِلٍ وَأَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَاكِ.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلُ أَبُو الرَّوَاغِ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ. وَكَانَ سَبَبُ عَوْدِهِ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَانِهِ يَنْتَظِرُهُمْ، فَلَمَّا أَبْطَأُوا عَلَيْهِ أَرْسَلَ مِنْ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَرَأَوُا الْجِسْرَ مَقْطُوعًا فَفَرِحُوا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْخَوَارِجَ فَعَلُوا ذَلِكَ لَهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى أَبِي الرَّوَاغِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُمْ وَأَنَّ الْجِسْرَ قَدْ قَطَعُوهُ هَيْبَةً لَهُمْ.
فَقَالَ لَهُمْ أَبُو الرَّوَاغِ: لَعَمْرِي مَا فَعَلُوا هَذَا إِلَّا مَكِيدَةً، وَمَا أُرَاهُمْ إِلَّا وَقَدْ سَبَقُوكُمْ إِلَى مَعْقِلٍ حَيْثُ رَأَوْا فُرْسَانَ أَصْحَابِهِ مَعِي، وَقَدْ قَطَعُوا الْجِسْرَ لِيَشْغَلُوكُمْ بِهِ عَنْ لَحَاقِهِمْ، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ فِي الطَّلَبِ.
ثُمَّ أَمَرَ أَهْلَ الْقَرْيَةِ فَعَقَدُوا الْجِسْرَ وَعَبَرَ عَلَيْهِ وَاتَّبَعَ الْخَوَارِجَ، فَلَقِيَهُ أَوَائِلُ النَّاسِ مُنْهَزِمِينَ، فَصَاحَ بِهِمْ: إِلَيَّ إِلَيَّ! فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ وَأَنَّهُمْ تَرَكُوا مَعْقِلًا يُقَاتِلُهُمْ وَمَا يَظُنُّونَهُ إِلَّا قَتِيلًا. فَجَدَّ فِي السَّيْرِ وَرَدَّ مَعَهُ كُلَّ مَنْ لَقِيَهُ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَانْتَهَى إِلَى الْعَسْكَرِ فَرَأَى رَايَةَ مَعْقِلٍ مَنْصُوبَةً وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ، فَحَمَلَ أَبُو الرَّوَاغِ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْخَوَارِجِ فَأَزَالُوهُمْ غَيْرَ بَعِيدٍ، وَوَصَلَ أَبُو الرَّوَاغِ إِلَى مَعْقِلٍ فَإِذَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ يُحَرِّضُ أَصْحَابَهُ، فَشَدُّوا عَلَى الْخَوَارِجِ شَدَّةً مُنْكَرَةً، وَنَزَلَ الْمُسْتَوْرِدُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَنَزَلَ أَصْحَابُ مَعْقِلٍ أَيْضًا ثُمَّ اقْتَتَلُوا طَوِيلًا مِنَ النَّهَارِ بِالسُّيُوفِ أَشَدَّ قِتَالٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَوْرِدَ نَادَى مَعْقِلًا لِيَبْرُزَ إِلَيْهِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ، فَمَنَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكَانَ مَعَهُ سَيْفُهُ وَمَعَ الْمُسْتَوْرِدِ رُمْحُهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ مَعْقِلٍ: خُذْ رُمْحَكَ فَأَبَى وَأَقْبَلَ عَلَى الْمُسْتَوْرِدِ، فَطَعَنَهُ الْمُسْتَوْرِدُ بِرُمْحِهِ فَخَرَجَ السِّنَّانِ مِنْ ظَهْرِهِ، وَتَقَدَّمَ مَعْقِلٌ وَالرُّمْحُ فِيهِ إِلَى الْمُسْتَوْرِدِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَخَالَطَ دِمَاغَهُ فَوَقَعَ الْمُسْتَوْرِدُ مَيِّتًا وَمَاتَ مَعْقِلٌ أَيْضًا.
وَكَانَ مَعْقِلٌ قَدْ قَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَأَمِيرُكُمْ عَمْرُو بْنُ شِهَابٍ التَّمِيمِيُّ.
فَلَمَّا
стр. 1475
قُتِلَ أَخَذَ الرَّايَةَ عَمْرٌو ثُمَّ حَمَلَ فِي النَّاسِ عَلَى الْخَوَارِجِ فَقَتَلُوهُمْ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ غَيْرُ خَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَ الْمُسْتَوْرِدُ مِنْ تَمِيمٍ ثُمَّ مِنْ بَنِي رِيَاحٍ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ جَرِيرٍ:
وَمِنَّا فَتَى الْفِتْيَانِ وَالْجُودِ مَعْقِلُ ... وَمِنَّا الَّذِي لَاقَى بِدِجْلَةَ مَعْقِلَا
يَعْنِي هَذِهِ الْوَقْعَةَ.
ذِكْرُ عَوْدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى وِلَايَةِ سِجِسْتَانَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ عَلَى سِجِسْتَانَ، فَأَتَاهَا وَعَلَى شُرْطَتِهِ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ الْحَبَطِيُّ وَمَعَهُ مِنَ الْأَشْرَافِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ وَغَيْرُهُ، فَكَانَ يَغْزُو الْبَلَدَ قَدْ كَفَرَ أَهْلُهُ فَيَفْتَحُهُ، حَتَّى بَلَغَ كَابُلَ فَحَصَرَهَا أَشْهُرًا وَنَصَبَ عَلَيْهَا مَجَانِيقَ فَثَلَمَتْ سُورَهَا ثُلْمَةً عَظِيمَةً، فَبَاتَ عَلَيْهَا عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ لَيْلَةً يُطَاعِنُ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى أَصْبَحَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى سَدِّهَا وَخَرَجُوا مِنَ الْغَدِ يُقَاتِلُونَ فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَدَخَلُوا الْبَلَدَ عَنْوَةً، ثُمَّ سَارَ إِلَى بُسْتَ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وَسَارَ إِلَى زَرَانَ فَهَرَبَ أَهْلُهَا وَغَلَبَ عَلَيْهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى خُشَّكَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا، ثُمَّ أَتَى الرُّخَّجَ فَقَاتَلُوهُ، فَظَفِرَ بِهِمْ وَفَتَحَهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى زَابُلُسْتَانَ، وَهِيَ غَزْنَةُ وَأَعْمَالُهَا، (فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا) ، وَقَدْ كَانُوا نَكَثُوا، فَفَتَحَهَا، وَعَادَ إِلَى كَابُلَ وَقَدْ نَكَثَ أَهْلُهَا فَفَتَحَهَا.
ذِكْرُ غَزْوَةِ السِّنْدِ
اسْتَعْمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ عَلَى ثَغْرِ الْهِنْدِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَوَّارٍ الْعَبْدِيَّ، وَيُقَالُ وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ مِنْ قِبَلِهِ، فَغَزَا الْقِيقَانَ فَأَصَابَ مَغْنَمًا، وَوَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْدَى لَهُ خَيْلًا قِيقَانِيَّةً، وَرَجَعَ فَغَزَا الْقِيقَانَ فَاسْتَنْجَدُوا بِالتُّرْكِ فَقَتَلُوهُ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
وَابْنُ سَوَّارٍ عَلَى عِدَّانِهِ ... مُوقِدُ النَّارِ وَقَتَّالُ الشَّغَبْ
стр. 1476
وَكَانَ كَرِيمًا لَمْ يُوقِدْ أَحَدٌ فِي عَسْكَرِهِ نَارًا، فَرَأَى ذَاتَ لَيْلَةٍ نَارًا فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ قَالُوا: امْرَأَةُ نُفَسَاءُ يُعْمَلُ لَهَا الْخَبِيصُ، فَأَمَرَ أَنْ يُطْعَمَ النَّاسُ الْخَبِيصَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ خُرَاسَانَ
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ قَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ الْقَيْسِيَّ ثُمَّ السُّلَمِيَّ عَنْ خُرَاسَانَ وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قَيْسًا أَبْطَأَ بِالْخَرَاجِ وَالْهَدِيَّةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ: وَلِّنِي خُرَاسَانَ أَكْفِكَهَا. فَكَتَبَ لَهُ عَهْدَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ قَيْسًا فَخَافَ ابْنَ خَازِمٍ وَشَغَبَهُ فَتَرَكَ خُرَاسَانَ وَأَقْبَلَ، فَازْدَادَ ابْنُ عَامِرٍ غَضَبًا لِتَضْيِيعِهِ الثَّغْرَ، فَضَرْبَهُ وَحَبَسَهُ وَبَعَثَ رَجُلًا مِنْ يَشْكُرَ عَلَى خُرَاسَانَ، وَقِيلَ: بَعَثَ أَسْلَمَ بْنَ زُرْعَةَ الْكِلَابِيَّ ثُمَّ ابْنَ خَازِمٍ.
وَقِيلَ فِي عَزْلِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ ابْنَ خَازِمٍ قَالَ لِابْنِ عَامِرٍ: إِنَّكَ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى خُرَاسَانَ قَيْسًا وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنِّي أَخَافُ إِنْ لَقِيَ حَرْبًا أَنْ يَنْهَزِمَ بِالنَّاسِ فَتَهْلِكَ خُرَاسَانُ وَتَفْضَحُ أَخْوَالَكَ، يَعْنِي قَيْسَ عَيْلَانَ. قَالَ ابْنُ عَامِرٍ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: تَكْتُبُ لِي عَهْدًا إِنْ هُوَ انْصَرَفَ عَنْ عَدُوٍّ قُمْتُ مَقَامَهُ. فَكَتَبَ لَهُ.
وَجَاشَ جَمَاعَةٌ مِنْ طَخَارُسْتَانَ فَشَاوَرَهُ قَيْسٌ فَأَشَارَ عَلَيْهِ ابْنُ خَازِمٍ أَنْ يَنْصَرِفَ حَتَّى يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ أَطْرَافُهُ، فَلَمَّا سَارَ مَرْحَلَةً أَوِ اثْنَيْنِ أَخْرَجَ ابْنُ خَازِمٍ عَهْدَهُ وَقَامَ بِأَمْرِ النَّاسِ وَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَهَزَمَهُمْ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ وَالشَّامَ فَغَضِبَ الْقَيْسِيَّةَ وَقَالُوا: خَدَعَ قَيْسًا وَابْنَ عَامِرٍ! وَشَكَوْا إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَاسْتَقْدَمَهُ، فَاعْتَذَرَ مِمَّا قِيلَ فِيهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قُمْ غَدًا فَاعْتَذِرْ فِي النَّاسِ. فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: إِنِّي أُمِرْتُ بِالْخُطْبَةِ وَلَسْتُ بِصَاحِبِ كَلَامٍ فَاجْلِسُوا حَوْلَ الْمِنْبَرِ فَإِذَا قُلْتُ فَصَدِّقُونِي. فَقَامَ مِنَ الْغَدِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا يَتَكَلَّفُ الْخُطْبَةَ إِمَامٌ لَا يَجِدُ مِنْهَا بُدًّا أَوْ أَحْمَقٌ يَهْمُرُ مِنْ رَأْسِهِ، وَلَسْتُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ عَلِمَ مَنْ عَرَفَنِي أَنِّي بَصِيرٌ بِالْفُرَصِ، وَثَّابٌ إِلَيْهَا وَقَّافٌ عِنْدَ الْمَهَالِكِ، أَنْفُذُ بِالسَّرِيَّةِ وَأَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، أَنْشُدُ اللَّهَ مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنِّي فَلْيُصَدِّقْنِي. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: صَدَقْتَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ فِيمَنْ نَشَدْتُ فَقُلْ بِمَا تَعْلَمُ. فَقَالَ: صَدَقْتَ.
стр. 1477
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَحَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ:
وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ الْمُغِيرَةُ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ.
[الْوَفَيَاتُ] :
فِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَلَهُ صُحْبَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَشَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ.
стр. 1478
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ]
٤٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِلَادَ الرُّومِ وَشَتَوْا بِهَا، وَغَزَا بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَأَةَ فِي الْبَحْرِ.
ذِكْرُ عَزْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ عَنِ الْبَصْرَةِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ عَنِ الْبَصْرَةِ.
وَسَبَبُهُ أَنَّ ابْنَ عَامِرٍ كَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا لَيِّنًا، لَا يَأْخُذُ عَلَى أَيْدِي السُّفَهَاءِ، وَفَسَدَتِ الْبَصْرَةُ فِي أَيَّامِهِ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ: جَرَّدِ السَّيْفَ. فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُصْلِحَهُمْ بِفَسَادِ نَفْسِي. ثُمَّ إِنَّ ابْنَ عَامِرٍ وَفَّدَ وَفْدًا مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَوَافَقُوا عِنْدَهُ وَفْدَ الْكُوفَةِ، وَفِيهِمُ ابْنُ الْكَوَّا وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى الْيَشْكُرِيُّ، فَسَأَلَهُمْ مُعَاوِيَةُ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَعَنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ خَاصَّةً، فَقَالَ ابْنُ الْكَوَّا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَدْ أَكَلَهُمْ سُفَهَاؤُهُمْ، وَضَعُفَ عَنْهُمْ سُلْطَانُهُمْ، وَعَجَّزَ ابْنَ عَامِرٍ وَضَعَّفَهُ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: نَتَكَلَّمُ عَنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَهُمْ حُضُورٌ؟
فَلَمَّا عَادَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أَبْلَغُوا ابْنَ عَامِرٍ، فَغَضِبَ وَقَالَ: أَيُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَشَدُّ عَدَاوَةً لِابْنِ الْكَوَّا؟ فَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْخٍ الْيَشْكُرِيُّ، فَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الْكَوَّا، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ دَجَاجَةَ، يَعْنِي ابْنَ عَامِرٍ، قَلِيلُ الْعِلْمِ فِيَّ، ظَنَّ أَنَّ وِلَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ خُرَاسَانَ تَسُوءُنِي! لَوَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ يَشْكُرِيٌّ إِلَّا عَادَانِي وَأَنَّهُ وَلَّاهُ.
وَقِيلَ إِنَّ الَّذِي وَلَّاهُ ابْنُ عَامِرِ خُرَاسَانَ طُفَيْلُ بْنُ عَوْفٍ الْيَشْكُرِيُّ.
فَلَمَّا عَلِمَ مُعَاوِيَةُ حَالَ الْبَصْرَةِ أَرَادَ عَزْلَ ابْنِ عَامِرٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَسْتَزِيرُهُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ
стр. 1479
فَرَدَّهُ عَلَى عَمِّهِ، فَلَمَّا وَدَّعَهُ قَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ ثَلَاثًا فَقُلْ هُنَّ لَكَ. فَقَالَ: هُنَّ لَكَ، وَأَنَا ابْنُ أُمِّ حَكِيمٍ قَالَ:
تَرُدُّ عَلِيَّ عَمَلِي وَلَا تَغْضَبْ.
قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: وَتَهَبُ لِي مَالَكَ بِعَرَفَةَ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ:
وَتَهَبُ لِي دُورَكَ بِمَكَّةَ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: وَصَلَتْكَ رَحِمٌ:
فَقَالَ ابْنُ عَامِرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي سَائِلُكَ ثَلَاثًا فَقُلْ هُنَّ لَكَ. فَقَالَ: هُنَّ لَكَ، وَأَنَا ابْنُ هِنْدٍ.
قَالَ: تَرُدُّ عَلِيَّ مَالِي بِعَرَفَةَ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: وَلَا تُحَاسِبْ لِي عَامِلًا وَلَا تَتَّبِعْ لِي أَثَرًا. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ:
قَالَ: وَتُنْكِحُنِي ابْنَتَكَ هِنْدًا. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
وَيُقَالُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ: اخْتَرْ إِمَّا أَنْ أَتَّبِعَ أَثَرَكَ وَأُحَاسِبَكَ بِمَا صَارَ إِلَيْكَ وَأَرُدَّكَ، وَإِمَّا أَنْ أَعْزِلَكَ وَأُسَوِّغَكَ مَا أَصَبْتَ. فَاخْتَارَ الْعَزْلَ وَأَنْ لَا يُسَوِّغَهُ مَا أَصَابَ، فَعَزَلَهُ وَوَلَّى الْبَصْرَةَ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيَّ.
ذِكْرُ اسْتِلْحَاقِ مُعَاوِيَةَ زِيَادًا
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَلْحَقَ مُعَاوِيَةُ زِيَادَ بْنَ سُمَيَّةَ فَزَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانَ مَعَ زِيَادٍ لَمَّا وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لِزِيَادٍ: إِنَّ لِابْنِ عَامِرٍ عِنْدِي يَدًا فَإِذَا أَذِنْتَ لِي أَتَيْتُهُ. قَالَ: عَلَى أَنْ تُحَدِّثَنِي بِمَا يَجْرِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ. قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُ فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ: هِيهْ هِيهْ! وَابْنُ سُمَيَّةَ يُقَبِّحُ آثَارِي وَيُعَرِّضُ بِعُمَّالِي! لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آتِيَ بِقَسَامَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ) أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمْ يَرَ سُمَيَّةَ.
فَلَمَّا رَجَعَ سَأَلَهُ زِيَادٌ فَلَمْ يُخْبِرْهُ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ، فَأَخْبَرَ زِيَادٌ بِذَلِكَ مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِحَاجِبِهِ: إِذَا جَاءَ ابْنُ عَامِرٍ فَاضْرِبْ وَجْهَ دَابَّتِهِ عَنْ أَقْصَى الْأَبْوَابِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ. فَأَتَى ابْنُ عَامِرٍ يَزِيدَ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَرَكِبَ مَعَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ قَامَ فَدَخَلَ، فَقَالَ يَزِيدُ لِابْنِ عَامِرٍ: اجْلِسْ، فَكَمْ عَسَى أَنْ تَقْعُدَ فِي الْبَيْتِ عَنْ مَجْلِسِهِ! فَلَمَّا أَطَالَا خَرَجَ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ يَتَمَثَّلُ:
لَنَا سِبَاقٌ وَلَكُمْ سِبَاقُ ... قَدْ عَلِمَتْ ذَلِكُمُ الرِّفَاقُ
стр. 1480
ثُمَّ قَعَدَ فَقَالَ يَا ابْنَ عَامِرٍ أَنْتَ الْقَائِلُ فِي زِيَادٍ مَا قُلْتَ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الْعَرَبُ أَنِّي كُنْتُ أَعَزَّهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْنِي إِلَّا عِزًّا، وَأَنِّي لَمْ أَتَكَثَّرْ بِزِيَادٍ مِنْ قِلَّةٍ وَلَمْ أَتَعَزَّزْ بِهِ مِنْ ذِلَّةٍ، وَلَكِنْ عَرَفْتُ حَقًّا لَهُ فَوَضَعْتُهُ مَوْضِعَهُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَرْجِعُ إِلَى مَا يُحِبُّ زِيَادٌ. قَالَ: إِذًا نَرْجِعُ إِلَى مَا تُحِبُّ. فَخَرَجَ ابْنُ عَامِرٍ إِلَى زِيَادٍ فَتَرَضَّاهُ.
فَلَمَّا قَدِمَ زِيَادٌ الْكُوفَةَ قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ فِي أَمْرٍ مَا طَلَبْتُهُ إِلَّا لَكُمْ. قَالُوا: مَا تَشَاءُ؟ قَالَ: تُلْحِقُونَ نَسَبِي بِمُعَاوِيَةَ:
قَالُوا: أَمَّا بِشَهَادَةِ الزُّورِ فَلَا. فَأَتَى الْبَصْرَةَ فَشَهِدَ لَهُ رَجُلٌ.
هَذَا جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي اسْتِلْحَاقِ مُعَاوِيَةَ نَسَبَ زِيَادٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَقِيقَةَ الْحَالِ فِي ذَلِكَ، إِنَّمَا ذَكَرَ حِكَايَةً جَرَتْ بَعْدَ اسْتِلْحَاقِهِ، وَأَنَا أَذْكُرُ سَبَبَ ذَلِكَ وَكَيْفِيَّتَهُ، فَإِنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَنْبَغِي إِهْمَالُهَا.
وَكَانَ ابْتِدَاءُ حَالِهِ أَنَّ سُمَيَّةَ أُمَّ زِيَادٍ كَانَتْ لِدِهْقَانَ زَنْدَوَرْدَ بِكَسْكَرَ، فَمَرِضَ الدِّهْقَانُ، فَدَعَا الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ الطَّبِيبَ الثَّقَفِيَّ، فَعَالَجَهُ فَبَرَأَ، فَوَهَبَهُ سُمَيَّةَ، فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْحَارِثِ أَبَا بَكْرَةَ، وَاسْمُهُ نُفَيْعٌ، فَلَمْ يُقِرَّ بِهِ، ثُمَّ وَلَدَتْ نَافِعًا، فَلَمْ يُقِرَّ بِهِ أَيْضًا، فَلَمَّا نَزَلَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ حَصَرَ الطَّائِفَ، قَالَ الْحَارِثُ لِنَافِعٍ: أَنْتَ وَلَدِي. وَكَانَ قَدْ زَوَّجَ سُمَيَّةَ مِنْ غُلَامٍ لَهُ اسْمُهُ عُبَيْدٌ، وَهُوَ رُومِيٌّ، فَوَلَدَتْ لَهُ زِيَادًا.
وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ سَارَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى الطَّائِفِ فَنَزَلَ عَلَى خَمَّارٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَرْيَمَ السَّلُولِيُّ، وَأَسْلَمَ أَبُو مَرْيَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَصَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِأَبِي مَرْيَمَ: قَدِ اشْتَهَيْتُ النِّسَاءَ فَالْتَمِسْ لِي بَغِيًّا. فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ فِي سُمَيَّةَ؟ فَقَالَ: هَاتِهَا عَلَى طُولِ ثَدْيَيْهَا وَذَفَرِ بَطْنِهَا، فَأَتَاهُ بِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَعَلِقَتْ بِزِيَادٍ، ثُمَّ وَضَعَتْهُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ فَلَمَّا كَبِرَ وَنَشَأَ اسْتَكْتَبَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ لَمَّا وَلِيَ الْبَصْرَةَ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَكْفَى زِيَادًا أَمْرًا فَقَامَ فِيهِ مَقَامًا مَرْضِيًا، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ حَضَرَ، وَعِنْدَ عُمَرَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَخَطَبَ خُطْبَةً لَمْ يَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لِلَّهِ هَذَا الْغُلَامُ لَوْ كَانَ أَبُوهُ مِنْ قُرَيْشٍ لَسَاقَ الْعَرَبَ بِعَصَاهُ! فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ، وَهُوَ حَاضِرٌ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَمَنْ وَضَعَهُ فِي رَحِمِ أُمِّهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَبَا سُفْيَانَ اسْكُتْ فَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ لَوْ سَمِعَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكَ لَكَانَ إِلَيْكَ سَرِيعًا.
стр. 1481
فَلَمَّا وَلِيَ عَلِيٌّ الْخِلَافَةَ اسْتَعْمَلَ زِيَادًا عَلَى فَارِسَ، فَضَبَطَهَا وَحَمَى قِلَاعَهَا، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِمُعَاوِيَةَ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ وَكَتَبَ إِلَى زِيَادٍ يَتَهَدَّدُهُ وَيُعَرِّضُ لَهُ بِوِلَادَةِ أَبِي سُفْيَانَ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَرَأَ زِيَادٌ كِتَابَهُ قَامَ فِي النَّاسِ وَقَالَ: الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنِ ابْنِ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ، وَرَأْسِ النِّفَاقِ! يُخَوِّفُنِي بِقَصْدِهِ إِيَّايَ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ ابْنَا عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَذِنَ لِي فِي لِقَائِهِ لَوَجَدَنِي أَحَمْزَ مَخْشِيًّا ضَرَّابًا بِالسَّيْفِ.
وَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي وَلَّيْتُكَ مَا وَلَّيْتُكَ وَأَنَا أَرَاكَ لَهُ أَهْلًا، وَقَدْ كَانَتْ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فَلْتَةٌ مِنْ أَمَانِيِّ الْبَاطِلِ وَكَذِبِ النَّفْسِ لَا تُوجِبُ لَهُ مِيرَاثًا وَلَا تُحِلُّ (لَهُ نَسَبًا) ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ يَأْتِي الْإِنْسَانَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمَنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فَاحْذَرْ ثُمَّ احْذَرْ، وَالسَّلَامُ.
فَلَمَّا قُتِلَ عَلِيٌّ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ زِيَادٍ وَمُصَالَحَتِهِ مُعَاوِيَةَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاضَعَ زِيَادٌ مَصْقَلَةَ بْنَ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيَّ، وَضَمِنَ لَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِيَقُولَ لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّ زِيَادًا قَدْ أَكَلَ فَارِسَ بَرًّا وَبَحْرًا وَصَالَحَكَ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَاللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي يُقَالُ إِلَّا حَقًّا، فَإِذَا قَالَ لَكَ: وَمَا يُقَالُ؟ فَقُلْ: يُقَالُ إِنَّهُ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ. فَفَعَلَ مَصْقَلَةُ ذَلِكَ، وَرَأَى مُعَاوِيَةُ أَنْ يَسْتَمِيلَ زِيَادًا، وَاسْتَصْفَى مَوَدَّتَهُ بِاسْتِلْحَاقِهِ، فَاتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، وَأَحْضَرَ النَّاسُ وَحَضَرَ مَنْ يَشْهَدُ لِزِيَادٍ، وَكَانَ فِيمَنْ حَضَرَ أَبُو مَرْيَمَ السَّلُولِيُّ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: (بِمَ) تَشْهَدُ يَا أَبَا مَرْيَمَ؟ فَقَالَ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ حَضَرَ عِنْدِي وَطَلَبَ مِنِّي بَغِيًّا فَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا سُمَيَّةُ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِهَا عَلَى قَذَرِهَا وَوَضَرِهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَخَلَا مَعَهَا ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَإِنَّ إِسْكَتَيْهَا لَتَقْطُرَانِ مَنِيًّا. فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: مَهْلَا أَبَا مَرْيَمَ! إِنَّمَا بُعِثْتَ شَاهِدًا وَلَمْ تُبْعَثْ شَاتِمًا.
فَاسْتَلْحَقَهُ مُعَاوِيَةُ، وَكَانَ اسْتِلْحَاقُهُ أَوَّلَ مَا رُدَّتْ أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ عَلَانِيَةً، «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرَ» .
وَكَتَبَ زِيَادٌ إِلَى عَائِشَةَ: (مِنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ تَكْتُبَ لَهُ: إِلَى زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَيَحْتَجُّ بِذَلِكَ، فَكَتَبَتْ: مِنْ عَائِشَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى ابْنِهَا زِيَادٍ:
стр. 1482
وَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً وَعَلَى بَنِي أُمَيَّةَ خَاصَّةً، وَجَرَى (أَقَاصِيصُ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ فَأَضْرَبْنَا عَنْهَا. وَمَنِ اعْتَذَرَ لِمُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّمَا) اسْتَلْحَقَ مُعَاوِيَةُ زِيَادًا لِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ أَنْوَاعًا، لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ جَمِيعِهَا، وَكَانَ مِنْهَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ يُجَامِعُونَ الْبَغِيَّ فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَلَدَتْ أَلْحَقَتِ الْوَلَدَ لِمَنْ شَاءَتْ مِنْهُمْ فَيَلْحَقُهُ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ حَرَّمَ هَذَا النِّكَاحَ، إِلَّا أَنَّهُ أَقَرَّ كُلَّ وَلَدٍ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى أَبٍ مِنْ أَيِّ نِكَاحٍ كَانَ مِنْ أَنْكِحَتِهِمْ عَلَى نَسَبِهِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْهَا، فَتَوَهَّمَ مُعَاوِيَةُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اسْتِلْحَاقٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، (وَهَذَا مَرْدُودٌ لِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إِنْكَارِهِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَلْحَقْ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهُ لِيَكُونَ بِهِ حُجَّةً) .
قِيلَ: أَرَادَ زِيَادٌ أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ أَنِ اسْتَلْحَقَهُ مُعَاوِيَةُ، فَسَمِعَ أَخُوهُ أَبُو بَكْرَةَ، وَكَانَ مُهَاجِرًا لَهُ مِنْ حِينِ خَالَفَهُ فِي الشَّهَادَةِ (بِالزِّنَا) عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِحَجِّهِ جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ وَأَخَذَ ابْنًا لَهُ وَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ قُلْ لِأَبِيكَ إِنَّنِي سَمِعْتُ أَنَّكَ تُرِيدُ الْحَجَّ وَلَا بُدَّ مِنْ قُدُومِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَا شَكَّ أَنْ تَطْلُبَ الِاجْتِمَاعَ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ أَذِنَتْ لَكَ فَأَعْظِمْ بِهِ خِزْيًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ مَنَعَتْكَ فَأَعْظِمْ بِهِ فَضِيحَةً فِي الدُّنْيَا وَتَكْذِيبًا لِأَعْدَائِكَ.
فَتَرَكَ زِيَادٌ الْحَجَّ وَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغْتَ فِي النُّصْحِ.
ذِكْرُ غَزْوِ الْمُهَلَّبِ السِّنْدَ
وَفِيهَا غَزَا الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ ثَغْرَ السِّنْدِ فَأَتَى بَنَّةَ وَالْأَهْوَازَ، وَهُمَا بَيْنَ الْمُلْتَانِ
стр. 1483
وَكَابُلَ، فَلَقِيَهُ الْعَدُوُّ وَقَاتَلَهُ، وَلَقِيَ الْمُهَلَّبَ بِبِلَادِ الْقِيقَانِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَارِسًا مِنَ التُّرْكِ فَقَاتَلُوهُ فَقُتِلُوا جَمِيعًا، فَقَالَ الْمُهَلَّبُ:
مَا جُعِلَ هَؤُلَاءِ الْأَعَاجِمُ أَوْلَى بِالتَّشْمِيرِ مِنَّا! فَحَذَفَ الْخَيْلَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ حَذَفَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي يَوْمِ بَنَّةَ يَقُولُ الْأَزْدِيُّ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْأَزْدَ لَيْلَةَ بُيِّتُوا ... بِبَنَّةَ كَانُوا خَيْرَ جَيْشِ الْمُهَلَّبِ
؟
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُعَاوِيَةُ:
وَفِيهَا عَمِلَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ الْمَقْصُورَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَهَا بِهَا، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ عَمِلَهَا بِالشَّامِ لَمَّا ضَرَبَهُ الْخَارِجِيُّ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ .
وَفِيهَا قُتِلَ رِفَاعَةُ الْعَدَوِيُّ مِنْ عَدِيِّ رَبَابَ، (وَهُوَ بَصْرِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ) .
стр. 1484
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ]
٤٥ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ
فِيهَا وَلَّى مُعَاوِيَةُ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيَّ الْبَصْرَةَ فِي أَوَّلِهَا حِينَ عَزَلَ ابْنَ عَامِرٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَاسْتَعْمَلَ الْحَارِثُ عَلَى شُرْطَتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الثَّقَفِيَّ، فَبَقِيَ الْحَارِثُ أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّاهَا زِيَادًا.
ذِكْرُ وِلَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ الْبَصْرَةَ
قَدِمَ زِيَادٌ الْكُوفَةَ فَأَقَامَ يَنْتَظِرُ إِمَارَتَهُ عَلَيْهَا، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَسَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَاسْتَقَالَهُ الْإِمَارَةَ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَنَازِلَ بِقَرْقِيسْيَا لِيَكُونَ بَيْنَ قَيْسٍ، فَخَافَهُ مُعَاوِيَةُ وَقَالَ لَهُ: لَتَرْجِعَنَّ إِلَى عَمَلِكَ. فَأَبَى، فَازْدَادَ مُعَاوِيَةُ تُهْمَةً لَهُ، فَرَدَّهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَعَادَ إِلَى الْكُوفَةِ لَيْلًا وَأَرْسَلَ إِلَى زِيَادٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ لَمْ يَسِرْ إِلَى الشَّامِ وَإِنَّمَا مُعَاوِيَةُ أَرْسَلَ إِلَى زِيَادٍ، وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَوَلَّاهُ الْبَصْرَةَ وَخُرَاسَانَ وَسَجِسْتَانَ، ثُمَّ جَمَعَ لَهُ الْهِنْدَ وَالْبَحْرَيْنِ وَعُمَانَ، فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ آخِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَالْفِسْقُ ظَاهِرٌ فَاشٍ، فَخَطَبَهُمْ خُطْبَتَهُ الْبَتْرَاءَ، لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فِيهَا، وَقِيلَ: بَلْ حَمِدَ اللَّهَ فَقَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِفْضَالِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَنَسْأَلُهُ مَزِيدًا مِنْ نِعَمِهِ، اللَّهُمَّ كَمَا زِدْتَنَا نِعَمًا فَأَلْهِمْنَا شُكْرًا عَلَى نِعَمِكَ عَلَيْنَا! أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجَهَالَةَ الْجَهْلَاءَ وَالضَّلَالَةَ الْعَمْيَاءَ،
стр. 1485
وَالْفُجْرَ الْمُوقِدَ لِأَهْلِهِ النَّارَ، الْبَاقِي عَلَيْهِمْ سَعِيرُهَا، مَا يَأْتِي سُفَهَاؤُكُمْ وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ حُلَمَاؤُكُمْ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، فَيَنْبُتُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَلَا يَتَحَاشَى عَنْهَا الْكَبِيرُ، كَأَنْ لَمْ تَسْمَعُوا نَبِيَّ اللَّهِ، وَلَمْ تَقْرَءُوا كِتَابَ اللَّهِ، وَلَمْ تَعْلَمُوا مَا أَعَدَّ اللَّهُ مِنَ الثَّوَابِ الْكَرِيمِ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ، وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ فِي الزَّمَنِ السَّرْمَدِ الَّذِي لَا يَزُولُ، أَتَكُونُونَ كَمَنْ طَرَفَتْ عَيْنَهُ الدُّنْيَا، وَسَدَّتْ مَسَامِعَهُ الشَّهَوَاتُ، وَاخْتَارَ الْفَانِيَةَ عَلَى الْبَاقِيَةِ، وَلَا تَذْكُرُونَ أَنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ فِي الْإِسْلَامِ الْحَدَثَ الَّذِي لَمْ تُسْبَقُوا إِلَيْهِ، هَذِهِ الْمَوَاخِيرُ الْمَنْصُوبَةُ وَالضَّعِيفَةُ الْمَسْلُوبَةُ فِي النَّهَارِ الْمُبْصِرِ، وَالْعَدَدُ غَيْرُ قَلِيلٍ، أَلَمْ تَكُنْ مِنْكُمْ نُهَاةٌ تَمْنَعُ الْغُوَاةَ عَنْ دَلَجِ اللَّيْلِ وَغَارَةِ النَّهَارِ؟ قَرَّبْتُمُ الْقَرَابَةَ وَبَاعَدْتُمُ (الدِّينَ تَعْتَذِرُونَ) بِغَيْرِ الْعُذْرِ، وَتَعْطِفُونَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ، كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ يَذُبُّ عَنْ سَفِيهِهِ، صَنِيعُ مَنْ لَا يَخَافُ عَاقِبَةً، وَلَا يَخْشَى مَعَادًا! مَا أَنْتُمْ بِالْحُلَمَاءِ، وَلَقَدِ اتَّبَعْتُمُ السُّفَهَاءَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ مَا تَرَوْنَ مِنْ قِيَامِكُمْ دُونَهُمْ حَتَّى انْتَهَكُوا حُرُمَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَطْرَقُوا وَرَاءَكُمْ كُنُوسًا فِي مَكَانِسِ الرِّيَبِ، حَرَامٌ عَلِيَّ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ حَتَّى أُسَوِّيَهَا بِالْأَرْضِ هَدْمًا وَإِحْرَاقًا! إِنِّي رَأَيْتُ آخِرَ هَذَا الْأَمْرِ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهُ، لِينٌ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، وَشِدَّةٌ فِي غَيْرِ (جَبْرِيَّةٍ) وَعُنْفٍ، وَإِنِّي لَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَآخُذَنَّ الْوَلِيَّ بِالْوَلِيِّ، وَالْمُقِيمَ بِالظَّاعِنِ، وَالْمُقْبِلَ بِالْمُدْبِرِ، وَالصَّحِيحَ مِنْكُمْ بِالسَّقِيمِ، حَتَّى يَلْقَى الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ فَيَقُولُ: انْجُ سَعْدُ فَقَدْ
стр. 1486
هَلَكَ سَعِيدٌ، أَوْ تَسْتَقِيمُ لِي قَنَاتُكُمْ، إِنَّ كِذْبَةَ الْمِنْبَرِ بَلْقَاءُ مَشْهُورَةٌ، فَإِذَا تَعَلَّقْتُمْ عَلِيَّ بِكِذْبَةٍ فَقَدْ حَلَّتْ لَكُمْ مَعْصِيَتِي، مَنْ بُيِّتَ مِنْكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ لِمَا ذَهَبَ لَهُ، إِيَّايَ وَدَلَجَ اللَّيْلِ، فَإِنِّي لَا أَوُتَى بِمُدْلِجٍ إِلَّا سَفَكْتُ دَمَهُ، وَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَأْتِي الْخَبَرُ الْكُوفَةَ وَيَرْجِعُ إِلَيْكُمْ، وَإِيَّايَ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنِّي لَا أَجِدُ أَحَدًا دَعَا بِهَا إِلَّا قَطَعْتُ لِسَانَهُ.
وَقَدْ أَحْدَثْتُمْ أَحْدَاثًا لَمْ تَكُنْ، وَقَدْ أَحْدَثْنَا لِكُلِّ ذَنْبٍ عُقُوبَةً، فَمَنْ غَرَّقَ قَوْمًا غَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ حَرَّقَ عَلَى قَوْمٍ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ نَقَبَ بَيْتًا نَقَبْتُ عَنْ قَلْبِهِ، وَمَنْ نَبَشَ قَبْرًا دَفَنْتُهُ فِيهِ حَيًّا، فَكُفُّوا عَنِّي أَيْدِيَكُمْ وَأَلْسِنَتَكُمْ أَكْفُفْ عَنْكُمْ لِسَانِي وَيَدِي، وَإِيَّايَ لَا يَظْهَرُ مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ عَامَّتُكُمْ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَقَدْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَقْوَامٍ إِحَنٌ فَجَعَلْتُ ذَلِكَ دُبُرَ أُذُنِي وَتَحْتَ قَدَمِي، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُحْسِنًا فَلْيَزْدَدْ إِحْسَانًا، وَمَنْ كَانَ مُسِيئًا فَلْيَنْزِعْ عَنْ إِسَاءَتِهِ.
إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدَكُمْ قَدْ قَتَلَهُ السُّلُّ مِنْ بُغْضِي لَمْ أَكْشِفْ لَهُ قِنَاعًا، وَلَمْ أَهْتِكْ لَهُ سِتْرًا حَتَّى يُبْدِيَ لِي صَفْحَتَهُ، فَإِذَا فَعَلَ لَمْ أُنَاظِرْهُ، فَاسْتَأْنِفُوا أُمُورَكُمْ، وَأَعِينُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَرُبَّ مُبْتَئِسٍ بِقُدُومِنَا سَيُسَرُّ، وَمَسْرُورٍ بِقُدُومِنَا سَيَبْتَئِسُ.
стр. 1487
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا أَصْبَحْنَا لَكُمْ سَاسَةً، وَعَنْكُمْ ذَادَةً، نَسُوسُكُمْ بِسُلْطَانِ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَانَا، وَنَذُودُ عَنْكُمْ بِفَيْءِ اللَّهِ الَّذِي خَوَّلَنَا، فَلَنَا عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحْبَبْنَا، وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَدْلُ فِيمَا وَلِينَا، فَاسْتَوْجِبُوا عَدْلَنَا وَفَيْئَنَا بِمُنَاصَحَتِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنِّي مَهْمَا قَصَّرْتُ عَنْهُ فَإِنِّي لَا أُقَصِّرُ عَنْ ثَلَاثٍ: لَسْتُ مُحْتَجِبًا عَنْ طَالِبِ حَاجَةٍ مِنْكُمْ وَلَوْ أَتَانِي طَارِقًا بِلَيْلٍ، وَلَا حَابِسًا رِزْقًا وَلَا عَطَاءً عَنْ إِبَّانِهِ، وَلَا مُجَمِّرًا لَكُمْ بَعْثًا، فَادْعُوا اللَّهَ بِالصَّلَاحِ لِأَئِمَّتِكُمْ فَإِنَّهُمْ سَاسَتُكُمُ الْمُؤَدِّبُونَ، وَكَهْفِكُمُ الَّذِي إِلَيْهِ تَأْوُونَ، وَمَتَى تَصْلُحُوا يَصْلُحُوا، وَلَا تُشْرِبُوا قُلُوبَكُمْ بُغْضَهُمْ فَيَشْتَدَّ لِذَلِكَ غَيْظُكُمْ، وَيَطُولَ لَهُ حُزْنُكُمْ، وَلَا تُدْرِكُوا حَاجَتَكُمْ، مَعَ أَنَّهُ لَوِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ لَكَانَ شَرًّا لَكُمْ، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِينَ كُلًّا عَلَى كُلٍّ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي أُنَفِّذُ فِيكُمُ الْأَمْرَ فَأَنْفِذُوهُ عَلَى أَذْلَالِهِ، وَإِنَّ لِي فِيكُمْ لَصَرْعَى كَثِيرَةً، فَلْيَحْذَرْ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَرْعَايَ.
فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَهْتَمِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ أَنَّكَ أُوتِيتَ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ. فَقَالَ: كَذَبْتَ، ذَاكَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ!
فَقَالَ الْأَحْنَفُ: قَدْ قُلْتَ فَأَحْسَنْتَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ، وَالثَّنَاءُ بَعْدَ الْبَلَاءِ، وَالْحَمْدُ بَعْدَ الْعَطَاءِ، وَإِنَّا لَنْ نُثْنِيَ حَتَّى نَبْتَلِيَ. فَقَالَ زِيَادٌ: صَدَقْتَ. فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو بِلَالٍ مِرْدَاسُ بْنُ أُدَيَّةَ، وَهُوَ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَقَالَ: أَنْبَأَ اللَّهُ بِغَيْرِ مَا قُلْتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٧] . فَأَوْعَدَنَا اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا أَوْعَدْتَنِي يَا زِيَادُ. فَقَالَ زِيَادٌ: إِنَّا
стр. 1488
لَا نَجِدُ إِلَى مَا تُرِيدُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ سَبِيلًا حَتَّى نَخُوضَ إِلَيْهَا الدِّمَاءَ.
وَاسْتَعْمَلَ زِيَادٌ عَلَى شُرْطَتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حِصْنٍ، وَأَجَّلَ النَّاسَ حَتَّى بَلَغَ الْخَبَرُ الْكُوفَةَ وَعَادَ إِلَيْهِ وُصُولُ الْخَبَرِ، فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ثُمَّ يُصَلِّي فَيَأْمُرُ رَجُلًا أَنْ يَقْرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ أَوْ مِثْلَهَا يُرَتِّلُ الْقُرْآنَ، فَإِذَا فَرَغَ أَمْهَلَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ إِنْسَانًا يَبْلُغُ أَقْصَى الْبَقَرَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ بِالْخُرُوجِ، فَيَخْرُجُ فَلَا يَرَى إِنْسَانًا إِلَّا قَتَلَهُ، فَأَخَذَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَعْرَابِيًّا فَأَتَى بِهِ زِيَادًا فَقَالَ: هَلْ سَمِعْتَ النِّدَاءَ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ قَدِمْتُ بِحَلُوبَةٍ لِي وَغَشِيَنِي اللَّيْلُ فَاضْطَرَرْتُهَا إِلَى مَوْضِعٍ وَأَقَمْتُ لِأُصْبِحَ وَلَا عِلْمَ لِي بِمَا كَانَ مِنَ الْأَمِيرِ. فَقَالَ: أَظُنُّكَ وَاللَّهِ صَادِقًا وَلَكِنْ فِي قَتْلِكَ صَلَاحُ الْأُمَّةِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
وَكَانَ زِيَادٌ أَوَّلَ مَنْ شَدَّدَ أَمْرَ السُّلْطَانِ، وَأَكَّدَ الْمُلْكَ لِمُعَاوِيَةَ، وَجَرَّدَ سَيْفَهُ، وَأَخَذَ بِالظِّنَّةِ، وَعَاقَبَ عَلَى الشُّبْهَةِ، وَخَافَهُ النَّاسُ خَوْفًا شَدِيدًا حَتَّى أَمِنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَحَتَّى كَانَ الشَّيْءُ يُسْقِطُ مِنْ يَدِ الرَّجُلِ أَوِ الْمَرْأَةِ فَلَا يَعْرِضُ لَهُ أَحَدٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ صَاحِبُهُ فَيَأْخُذَهُ، وَلَا يُغْلِقُ أَحَدٌ بَابَهُ.
(وَأَدَرَّ الْعَطَاءَ) ، وَبَنَى مَدِينَةَ الرِّزْقِ، وَجَعَلَ الشُّرَطَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ السَّبِيلَ مَخُوفَةٌ. فَقَالَ: لَا أُعَانِي شَيْئًا وَرَاءَ الْمِصْرِ حَتَّى أُصْلِحَ الْمِصْرَ، فَإِنْ غَلَبَنِي فَغَيْرُهُ أَشَدُّ غَلَبَةً مِنْهُ. فَلَمَّا ضَبَطَ الْمِصْرَ وَأَصْلَحَهُ تَكَلَّفَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَأَحْكَمَهُ.
ذِكْرُ عُمَّالِ زِيَادٍ
اسْتَعَانَ زِيَادٌ بِعِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ: عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ وَلَّاهُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ. فَأَمَّا عِمْرَانُ
стр. 1489
فَاسْتَعْفَى مِنَ الْقَضَاءِ فَأَعْفَاهُ. وَاسْتَقْضَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ فَضَالَةَ اللَّيْثِيَّ، ثُمَّ أَخَاهُ عَاصِمًا، ثُمَّ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى، وَكَانَتْ أُخْتُهُ عِنْدَ زِيَادٍ.
وَقِيلَ إِنَّ زِيَادًا أَوَّلُ مَنْ سَيَّرَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْحِرَابِ وَالْعَمَدِ، وَاتَّخَذَ الْحَرَسَ رَابِطَةً خَمْسَمِائَةٍ لَا يُفَارِقُونَ الْمَسْجِدَ.
وَجَعَلَ خُرَاسَانَ أَرْبَاعًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَرْوَ أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ، وَعَلَى نَيْسَابُورَ خُلَيْدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيَّ، وَعَلَى مَرْوِ الرُّوذِ وَالْفَارِيَابِ وَالطَّالَقَانِ قَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ، وَعَلَى هَرَاةَ وَبَاذَغِيسَ [وَقَادِسَ] وَبُوشَنْجَ نَافِعَ بْنَ خَالِدٍ الطَّاحِيَّ، ثُمَّ عَتَبَ عَلَيْهِ فَعَزَلَهُ.
وَسَبَبُ تَغَيُّرِهِ عَلَيْهِ أَنَّ نَافِعًا بَعْثَ بِخُوَانَ بَاذْزَهْرَ إِلَى زِيَادٍ قَوَائِمُهُ مِنْهُ، فَأَخَذَ نَافِعٌ مِنْهَا قَائِمَةً وَعَمَلَ مَكَانَهَا قَائِمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَبَعَثَ الْخُوَانَ مَعَ غُلَامٍ لَهُ اسْمُهُ زَيْدٌ، وَكَانَ يَلِي أُمُورَ نَافِعٍ كُلَّهَا، فَسَعَى زَيْدٌ بِنَافِعٍ إِلَى زِيَادٍ وَقَالَ: إِنَّهُ خَانَكَ وَأَخَذَ قَائِمَةَ الْخُوَانِ. فَعَزَلَهُ زِيَادٌ وَحَبَسَهُ وَكَتَبَ عَلَيْهِ كِتَابًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقِيلَ: بِثَمَانِمِائَةِ أَلْفٍ، فَشَفَعَ فِيهِ رِجَالٌ مِنْ وُجُوهِ الْأَزْدِ فَأَطْلَقَهُ.
وَاسْتَعْمَلَ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَكَانَ زِيَادٌ قَالَ لِحَاجِبِهِ: ادْعُ لِيَ الْحَكَمَ، يُرِيدُ الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيَّ، لِيُوَلِّيَهُ خُرَاسَانَ، فَخَرَجَ حَاجِبُهُ فَرَأَى الْحَكَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ فَاسْتَدْعَاهُ، فَحِينَ رَآهُ زِيَادٌ قَالَ لَهُ: مَا أَرَدْتُكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَكَ! فَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ وَجَعَلَ مَعَهُ رِجَالًا عَلَى جِبَايَةِ الْخَرَاجِ، مِنْهُمْ: أَسْلَمُ بْنُ زُرْعَةَ الْكِلَابِيُّ وَغَيْرُهُ، وَغَزَا الْحَكَمُ طَخَارُسْتَانَ، فَغَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، ثُمَّ مَاتَ، وَاسْتَخْلَفَ أَنَسَ بْنَ أَبِي أُنَاسِ بْنِ زُنَيْمٍ، فَعَزَلَهُ زِيَادٌ وَكَتَبَ إِلَى خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيِّ بِوِلَايَةِ خُرَاسَانَ، ثُمَّ بَعَثَ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْحَارِثِيَّ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا مِنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ.
стр. 1490
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا مَاتَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ الْبَلَوِيُّ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَقِيلَ: لَمْ يَشْهَدْهَا بَلْ رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ، وَكَانَ عُمُرُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَفِيهَا مَاتَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ الْأَنْصَارِيُّ بِالْمَدِينَةِ، وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَكَانَ عُمُرُهُ سَبْعِينَ سَنَةً. وَفِيهَا تُوُفِّيَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ الْكِلَابِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي جُبَيْرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ.
стр. 1491
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ]
٤٦ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ مَشْتَى مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السَّكُونِيُّ:
وَفِيهَا انْصَرَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ إِلَى حِمْصَ وَمَاتَ.
ذِكْرُ وَفَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ عَظُمَ شَأْنُهُ عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ وَمَالُوا إِلَيْهِ لِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ آثَارِ أَبِيهِ وَلِغَنَائِهِ فِي بِلَادِ الرُّومِ وَلِشِدَّةِ بَأْسِهِ، فَخَافَهُ مُعَاوِيَةُ وَخَشِيَ مِنْهُ وَأَمَرَ ابْنَ أُثَالٍ النَّصْرَانِيَّ أَنْ يَحْتَالَ فِي قَتْلِهِ وَضَمِنَ لَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ خَرَاجَهُ مَا عَاشَ وَأَنْ يُوَلِّيَهُ [جِبَايَةَ] خَرَاجِ حِمْصَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنَ الرُّومِ دَسَّ إِلَيْهِ ابْنُ أُثَالٍ شَرْبَةً مَسْمُومَةً مَعَ بَعْضِ مَمَالِيكِهِ، فَشَرِبَهَا، فَمَاتَ بِحِمْصَ، فَوَفَى لَهُ مُعَاوِيَةُ بِمَا ضَمِنَ لَهُ.
وَقَدِمَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ الْمَدِينَةَ فَجَلَسَ يَوْمًا إِلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ مَا فَعَلَ ابْنُ أُثَالٍ؟ فَقَامَ مِنْ عِنْدِهِ وَسَارَ إِلَى حِمْصَ فَقَتَلَ ابْنَ أُثَالٍ، فَحُمِلَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَحَبَسَهُ أَيَّامًا ثُمَّ غَرَّمَهُ دِيَتَهُ، وَرَجَعَ خَالِدٌ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَتَى عُرْوَةَ، فَقَالَ عُرْوَةُ: مَا فَعَلَ ابْنُ أُثَالٍ؟ فَقَالَ: قَدْ كَفَيْتُكَ ابْنَ أُثَالٍ؟ وَلَكِنْ مَا فَعَلَ ابْنُ جُرْمُوزٍ؟ يَعْنِي قَاتِلَ الزُّبَيْرِ، فَسَكَتَ عُرْوَةُ.
стр. 1492
ذِكْرُ خُرُوجِ سَهْمٍ وَالْخَطِيمِ
وَفِيهَا خَرَجَ الْخَطِيمُ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ مَالِكٍ الْبَاهِلِيُّ، وَسَهْمُ بْنُ غَالِبٍ الْهُجَيْمِيُّ، فَحُكِّمَا، فَأَمَّا سَهْمٌ فَإِنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْأَهْوَازِ فَحُكِّمَ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَاخْتَفَى وَطَلَبَ الْأَمَانَ فَلَمْ يُؤَمِّنْهُ زِيَادٌ وَطَلَبَهُ حَتَّى أَخَذَهُ وَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ عَلَى بَابِهِ.
وَأَمَّا الْخَطِيمُ فَإِنَّ زِيَادًا سَيَّرَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ ثُمَّ أَقْدَمَهُ وَقَالَ لِمُسْلِمِ بْنِ عَمْرٍو الْبَاهِلِيِّ، وَالِدِ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ: اضْمَنْهُ، فَأَبَى وَقَالَ: إِنْ بَاتَ خَارِجًا عَنْ بَيْتِهِ أَعْلَمْتُكَ، ثُمَّ أَتَاهُ مُسْلِمٌ فَقَالَ لَهُ:
لَمْ يَبِتِ الْخَطِيمُ اللَّيْلَةَ فِي بَيْتِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ وَأُلْقِيَ فِي بَاهِلَةَ، (وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ هَا هُنَا لِأَنَّهُ قُتِلَ هَذِهِ السَّنَةِ) .
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ مَوْلَى بَنِي غِفَارٍ، وَقِيلَ: مَوْلَى بَنِي عَامِرٍ، (وَقِيلَ الْخُزَاعِيُّ) .
стр. 1493
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ]
٤٧ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ مَشْتَى مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَمَشْتَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَيْنِيِّ بِأَنْطَاكِيَةَ.
ذِكْرُ عَزْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مِصْرَ وَوِلَايَةِ ابْنِ حُدَيْجٍ
وَفِيهَا عُزِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ مِصْرَ وَوَلِيَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ وَكَانَ عُثْمَانِيًّا، فَمَرَّ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُعَاوِيَةُ قَدْ أَخَذْتَ جَزَاءَكَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، قَدْ قَتَلْتَ أَخِي مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ لِتَلِيَ مِصْرَ فَقَدَ وُلِيتَهَا. فَقَالَ: مَا قَتَلْتُ مُحَمَّدًا إِلَّا بِمَا صَنَعَ بِعُثْمَانَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَلَوْ كُنْتَ إِنَّمَا تَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ لَمَا شَارَكْتَ مُعَاوِيَةَ فِيمَا صَنَعَ حَيْثُ عَمِلَ عَمْرٌو بِالْأَشْعَرِيِّ مَا عَمِلَ فَوَثَبْتَ أَوَّلَ النَّاسِ فَبَايَعْتَهُ.
(حُدَيْجٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْجِيمِ) .
ذِكْرُ غَزْوَةِ الْغَوْرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى جِبَالِ الْغَوْرِ فَغَزَا مَنْ بِهَا، وَكَانُوا ارْتَدُّوا، فَأَخَذَهُمْ بِالسَّيْفِ عَنْوَةً وَفَتَحَهَا وَأَصَابَ مِنْهَا مَغَانِمَ كَثِيرَةً وَسَبَايَا، وَلَمَّا رَجَعَ الْحَكَمُ مِنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ مَاتَ بِمَرْوَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَكَانَ الْحَكَمُ قَدْ قَطَعَ النَّهْرَ فِي وِلَايَتِهِ وَلَمْ
стр. 1494
يَفْتَحْ. وَكَانَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ شَرِبَ مِنَ النَّهْرِ مَوْلًى لِلْحَكَمِ اغْتَرَفَ بِتُرْسِهِ فَشَرِبَ وَنَاوَلَ الْحَكَمَ فَشَرِبَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ.
ذِكْرُ مَكِيدَةٍ لِلْمُهَلَّبِ
وَكَانَ الْمُهَلَّبُ مَعَ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو بِخُرَاسَانَ، وَغَزَا مَعَهُ بَعْضَ جِبَالِ التُّرْكِ فَغَنِمُوا، وَأَخَذَ التُّرْكُ عَلَيْهِمُ الشِّعَابَ وَالطُّرُقَ، فَعَيِيَ الْحَكَمُ بِالْأَمْرِ، فَوَلَّى الْمُهَلَّبَ الْحَرْبَ، فَلَمْ يَزَلْ يَحْتَالُ حَتَّى أَسَرَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ التُّرْكِ، فَقَالَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُخْرِجَنَا مِنْ هَذَا الضِّيقِ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ لَهُ: أَوْقِدِ النَّارَ (حِيَالَ طَرِيقٍ) مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ وَسَيِّرِ الْأَثْقَالَ نَحْوَهُ فَإِنَّهُمْ سَيَجْتَمِعُونَ فِيهِ وَيُخَلُّونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الطُّرُقِ فَبَادِرْهُمْ إِلَى طَرِيقٍ آخَرَ فَمَا يُدْرِكُونَكُمْ حَتَّى تَخْرُجُوا مِنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسَلِمَ النَّاسُ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةِ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقِيلَ: عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ الْوُلَاةُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
стр. 1495
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ]
٤٨ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ
فِيهَا كَانَ مَشْتَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَيْنِيِّ بِأَنْطَاكِيَةَ. وَصَائِفَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْفَزَارِيِّ. وَغَزْوَةُ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ السَّكُونِيِّ الْبَحْرَ. وَغَزْوَةُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ بِأَهْلِ مِصْرَ الْبَحْرَ وَبِأَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ زِيَادٌ غَالِبَ بْنَ فَضَالَةَ اللَّيْثِيَّ عَلَى خُرَاسَانَ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ مَرْوَانُ وَهُوَ يَتَوَقَّعُ الْعَزْلَ لِمُوجِدَةٍ كَانَتْ مِنْ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِ، وَارْتَجَعَ مُعَاوِيَةُ مِنْهُ فَدَكَ وَكَانَ وَهَبْهَا لَهُ.
وَكَانَ وُلَاةُ الْأَنْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
стр. 1496
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ]
٤٩ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ
فِيهَا كَانَ مَشْتَى مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ بِأَرْضِ الرُّومِ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ جَرَبَّةَ وَشَتَا بِهَا، وَفُتِحَتْ عَلَى يَدِهِ، وَأَصَابَ فِيهَا شَيْئًا كَثِيرًا وَفِيهَا كَانَتْ صَائِفَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرْزٍ الْبَجَلِيِّ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ الرُّهَاوِيِّ فِي الْبَحْرِ فَشَتَا بِأَهْلِ الشَّامِ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ الْبَحْرَ فَشَتَا بِأَهْلِ مِصْرَ.
ذِكْرُ غَزْوَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ:
سَنَةَ خَمْسِينَ، سَيَّرَ مُعَاوِيَةُ جَيْشًا كَثِيفًا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ لِلْغَزَاةِ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ سُفْيَانَ بْنَ عَوْفٍ وَأَمَرَ ابْنَهُ يَزِيدَ بِالْغَزَاةِ مَعَهُمْ، فَتَثَاقَلَ وَاعْتَلَّ، فَأَمْسَكَ عَنْهُ أَبُوهُ، فَأَصَابَ النَّاسُ فِي غَزَاتِهِمْ جُوعٌ وَمَرَضٌ شَدِيدٌ، فَأَنْشَأَ يَزِيدُ يَقُولُ:
مَا إِنْ أُبَالِي بِمَا لَاقَتْ جُمُوعُهُمُ ... بِالْغَزْقَذُونَةِ مِنْ حُمَّى وَمِنْ مُومِ
стр. 1497
إِذَا اتَّكَأْتُ عَلَى الْأَنْمَاطِ مُرْتَفِقًا
بِدَيْرِ مُرَّانَ عِنْدِي أُمُّ كُلْثُومِ
وَأُمُّ كُلْثُومٍ امْرَأَتُهُ، وَهِيَ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ.
فَبَلَغَ مُعَاوِيَةَ شِعْرُهُ فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ لَيَلْحَقَنَّ بِسُفْيَانَ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ لِيُصِيبَهُ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَسَارَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ أَضَافَهُمْ إِلَيْهِ أَبُوهُ، وَكَانَ فِي هَذَا الْجَيْشِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ زُرَارَةَ الْكِلَابِيُّ، فَأَوْغَلُوا فِي بِلَادِ الرُّومِ حَتَّى بَلَغُوا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَاقْتَتَلَ الْمُسْلِمُونَ وَالرُّومُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْعَزِيزِ يَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ فَلَمْ يُقْتَلْ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
قَدْ عِشْتُ فِي الدَّهْرِ أَطْوَارًا عَلَى طُرُقٍ ... شَتَّى فَصَادَفْتُ مِنْهَا اللِّينَ وَالْبَشِعَا
كُلًّا بَلَوْتُ فَلَا النَّعْمَاءُ تُبْطِرُنِي ... وَلَا تَجَشَّمْتُ مِنْ لَأْوَائِهَا جَزَعًا
لَا يَمْلَأُ الْأَمْرُ صَدْرِي قَبْلَ مَوْقِعِهِ ... وَلَا أَضِيقُ بِهِ ذَرْعًا إِذَا وَقَعَا
ثُمَّ حَمَلَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ فَقَتَلَ فِيهِمْ وَانْغَمَسَ بَيْنَهُمْ، فَشَجَرَهُ الرُّومُ بِرِمَاحِهِمْ حَتَّى قَتَلُوهُ، ﵀، فَبَلَغَ خَبَرُ قَتْلِهِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لِأَبِيهِ:
وَاللَّهِ هَلَكَ فَتَى الْعَرَبِ! فَقَالَ: ابْنِي أَوِ ابْنُكَ؟ قَالَ: ابْنُكَ، فَآجَرَكَ اللَّهُ. فَقَالَ:
فَإِنْ يَكُنِ الْمَوْتُ أَوْدَى بِهِ ... وَأَصْبَحَ مُخُّ الْكِلَابِيِّ زِيرًا
فَكُلُّ فَتًى شَارِبٌ كَأْسَهُ ... فَإِمَّا صَغِيرًا وَإِمَّا كَبِيرًا
ثُمَّ رَجَعَ يَزِيدُ وَالْجَيْشُ إِلَى الشَّامِ وَقَدْ تُوُفِّيَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ عِنْدَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ سُورِهَا، فَأَهْلُهَا يَسْتَسْقُونَ بِهِ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ وَغَيْرَهَا مِنْ حُرُوبِهِ.
стр. 1498
ذِكْرُ عَزْلِ مَرْوَانَ عَنِ الْمَدِينَةِ وَوِلَايَةِ سَعِيدٍ
وَفِيهَا عَزَلَ مُعَاوِيَةُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ عَنِ الْمَدِينَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَأَمَّرَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ عَلَيْهَا (فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَقِيلَ: فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ) ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ مَرْوَانَ كُلُّهَا بِالْمَدِينَةِ لِمُعَاوِيَةَ ثَمَانِيَ سِنِينَ وَشَهْرَيْنِ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، فَعَزَلَهُ سَعِيدٌ حِينَ وَلِيَ، وَاسْتَقْضَى أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵇
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، سَمَّتْهُ زَوْجَتُهُ جَعْدَةُ بِنْتُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيِّ، وَوَصَّى أَنْ يُدْفَنَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنْ تُخَافَ فِتْنَةٌ فَيُنْقَلُ إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَأْذَنَ الْحُسَيْنُ عَائِشَةَ فَأَذِنَتْ لَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَرَادُوا دَفْنَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يَعْرِضْ إِلَيْهِمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَهُوَ الْأَمِيرُ، فَقَامَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَجَمَعَ بَنِي أُمَيَّةَ وَشِيعَتَهُمْ وَمَنَعَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَرَادَ الْحُسَيْنُ الِامْتِنَاعَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَخَاكَ قَالَ: إِذَا خِفْتُمُ الْفِتْنَةَ فَفِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ فِتْنَةٌ. فَسَكَتَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: لَوْلَا أَنَّهُ سُنَّةٌ لَمَا تَرَكْتُكَ تُصَلِّي عَلَيْهِ.
стр. 1499
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ] .
فِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ بُسْرِ بْنِ أَبِي أَرْطَاةَ وَسُفْيَانَ بْنِ عَوْفٍ الْأَزْدِيِّ أَرْضَ الرُّومِ، وَغَزْوَةُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ فِي الْبَحْرِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَوِلَايَةِ زِيَادٍ الْكُوفَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ كَانَتْ وَفَاةُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَكَانَ الطَّاعُونُ قَدْ وَقَعَ بِالْكُوفَةِ، فَهَرَبَ الْمُغِيرَةُ مِنْهُ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ الطَّاعُونُ عَادَ إِلَى الْكُوفَةِ فَطُعِنَ فَمَاتَ.
وَكَانَ طُوَالًا أَعْوَرَ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: كَانَ مَوْتُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ (سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ) .
فَلَمَّا مَاتَ الْمُغِيرَةُ اسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةُ زِيَادًا عَلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُمِعَتَا لَهُ. فَلَمَّا وَلِيَهَا سَارَ إِلَيْهَا وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبٍ، وَكَانَ زِيَادٌ يُقِيمُ بِالْكُوفَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَبِالْبَصْرَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا وَصَلَ الْكُوفَةَ خَطَبَهُمْ فَحُصِبَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَجَلَسَ حَتَّى أَمْسَكُوا ثُمَّ دَعَا قَوْمًا مِنْ خَاصَّتِهِ فَأَمَرَهُمْ فَأَخَذُوا أَبْوَابَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ:
لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ جَلِيسَهُ وَلَا يَقُولَنَّ لَا أَدْرِي مَنْ جَلِيسِي، ثُمَّ أَمَرَ بِكُرْسِيٍّ فَوُضِعَ لَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَاهُمْ أَرْبَعَةً أَرْبَعَةً يَحْلِفُونَ: مَا مِنَّا مَنْ حَصَبَكَ:
стр. 1500
فَمَنْ حَلَفَ خَلَّاهُ وَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ حَبَسَهُ، حَتَّى صَارَ إِلَى ثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: إِلَى ثَمَانِينَ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْمَكَانِ.
وَكَانَ أَوَّلُ قَتِيلٍ قَتَلَهُ زِيَادٌ بِالْكُوفَةِ أَوْفَى بْنَ حِصْنٍ، وَكَانَ بَلَغَهُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَطَلَبَهُ فَهَرَبَ، فَعَرَضَ النَّاسَ [زِيَادٌ] ، فَمَرَّ بِهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَوْفَى بْنُ حِصْنٍ. فَقَالَ زِيَادٌ: أَتَتْكَ بِحَائِنٍ رِجْلَاهُ:
وَقَالَ لَهُ: مَا رَأْيُكَ فِي عُثْمَانَ؟ قَالَ: خَتَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنَتَيْهِ. قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي مُعَاوِيَةَ؟ قَالَ:
جَوَادٌ حَلِيمٌ. قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِيَّ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ بِالْبَصْرَةِ وَاللَّهِ لَآخُذَنَّ الْبَرِيءَ بِالسَّقِيمِ، وَالْمُقْبِلَ بِالْمُدْبِرِ. قَالَ: قَدْ قُلْتُ ذَاكَ. قَالَ: خَبَطْتَهَا عَشْوَاءَ! فَقَالَ زِيَادٌ: لَيْسَ النَّفَّاخُ بِشَرِّ الزَّمَرَةِ! فَقَتَلَهُ.
وَلَمَّا قَدِمَ زِيَادٌ الْكُوفَةَ قَالَ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْحَمِقِ يَجْمَعُ إِلَيْهِ شِيعَةَ أَبِي تُرَابٍ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: مَا هَذِهِ الْجَمَاعَاتُ عِنْدَكَ؟ مَنْ أَرَدْتَ كَلَامَهُ فَفِي الْمَسْجِدِ. وَقِيلَ: الَّذِي سَعَى بِعَمْرٍو يَزِيدُ بْنُ رُوَيْمٍ:
فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: قَدِ أَشَطْتُ بِدَمِهِ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ مُخَّ سَاقِهِ قَدْ سَالَ مِنْ بُغْضِي مَا هَجَتْهُ حَتَّى يَخْرُجَ عَلَيَّ. فَاتَّخَذَ زِيَادٌ الْمَقْصُورَةَ حِينَ حُصِبَ.
فَلَمَّا اسْتَخْلَفَ زِيَادٌ سَمُرَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ أَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهَا، فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَتَلَ سَمُرَةُ فِي غَيْبَةِ زِيَادٍ هَذِهِ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ. فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ قَتَلْتَ بَرِيئًا؟ فَقَالَ: لَوْ قَتَلْتُ مَعَهُمْ مِثْلَهُمْ مَا خَشِيتُ. وَقَالَ أَبُو السَّوَّارِ الْعَدَوِيُّ: قَتَلَ سَمُرَةُ مِنْ قَوْمِي فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعَةً وَأَرْبَعِينَ كُلُّهُمْ قَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ.
وَرَكِبَ سَمُرَةُ يَوْمًا فَلَقِيَ أَوَائِلُ خَيْلِهِ رَجُلًا فَقَتَلُوهُ، فَمَرَّ بِهِ سَمُرَةُ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ أَصَابَهُ أَوَائِلُ
стр. 1501
خَيْلِكَ. فَقَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِنَا قَدْ رَكِبْنَا فَاتَّقُوا أَسِنَّتَنَا.
ذِكْرُ خُرُوجِ قُرَيْبٍ وَفِيهَا خَرَجَ قُرَيْبٌ الْأَزْدِيُّ وَزَحَّافٌ الطَّائِيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ، وَزِيَادٌ بِالْكُوفَةِ وَسَمُرَةُ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَأَتَيَا بَنِي ضُبَيْعَةَ، وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ شَيْخًا، وَخَرَجَ عَلَى قُرَيْبٍ وَزَحَّافٍ شَبَابٌ مِنْ بَنِي عَلِيٍّ وَبَنِي رَاسِبٍ فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، وَقَتَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَوْسٍ الطَّاحِيُّ قُرَيْبًا وَجَاءَ بِرَأْسِهِ:
وَاشْتَدَّ زِيَادٌ فِي أَمْرِ الْخَوَارِجِ فَقَتَلَهُمْ، وَأَمَرَ سَمُرَةَ بِذَلِكَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ بَشَرًا كَثِيرًا:
وَخَطَبَ زِيَادٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ وَاللَّهِ لَتَكُفُّنَّنِي هَؤُلَاءِ أَوْ لَأَبْدَأَنَّ بِكُمْ! وَاللَّهِ لَئِنْ أَفْلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ لَا تَأْخُذُونَ الْعَامَ مِنْ عَطَائِكُمْ دِرْهَمًا! فَثَارَ النَّاسُ بِهِمْ فَقَتَلُوهُمْ.
ذِكْرُ إِرَادَةِ مُعَاوِيَةَ نَقْلَ الْمِنْبَرِ مِنَ الْمَدِينَةِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بِمِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُحْمَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ، وَقَالَ: لَا يُتْرَكُ هُوَ وَعَصَا النَّبِيِّ ﷺ ، بِالْمَدِينَةِ وَهُمْ قَتَلَةُ عُثْمَانَ، وَطَلَبَ الْعَصَا، وَهُوَ عِنْدُ سَعْدٍ الْقَرَظِ، فَحُرِّكَ الْمِنْبَرُ فَكُسِفَتِ الشَّمْسُ حَتَّى رُؤَيَتِ النُّجُومُ بَادِيَةً، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَتَرَكَهُ. وَقِيلَ أَتَاهُ جَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَقَالَا لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَصْلُحُ أَنْ تُخْرِجَ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَوْضِعٍ وَضَعَهُ، وَلَا تَنْقُلْ عَصَاهُ إِلَى الشَّامِ، فَانْقُلِ الْمَسْجِدَ، فَتَرَكَهُ، وَزَادَ فِيهِ سِتَّ دَرَجَاتٍ وَاعْتَذَرَ مِمَّا صَنَعَ.
فَلَمَّا وَلِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ هَمَّ بِالْمِنْبَرِ، فَقَالَ لَهُ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ أَنْ تَفْعَلَ! إِنَّ مُعَاوِيَةَ حَرَّكَهُ فَكُسِفَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي [آثِمًا] فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ، فَتُخْرِجُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُقَطَّعُ الْحُقُوقِ عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ! فَتَرَكَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ.
فَلَمَّا كَانَ الْوَلِيدُ ابْنُهُ وَحَجَّ هَمَّ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ
стр. 1502
الْعَزِيزِ فَقَالَ: كَلِّمْ صَاحِبَكَ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْمَسْجِدِ وَلَا لِلَّهِ وَالسُّخْطِ لَهُ، فَكَلَّمَهُ عُمَرُ فَتَرَكَهُ.
وَلَمَّا حَجَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخْبَرَهُ عُمَرُ بِمَا كَانَ مِنَ الْوَلِيدِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا وَلَا عَنِ الْوَلِيدِ، مَا لَنَا وَلِهَذَا! أَخَذْنَا الدُّنْيَا فَهِيَ فِي أَيْدِينَا وَنُرِيدُ أَنْ نَعْمِدَ إِلَى عَلَمٍ مِنْ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ يُوفَدُ إِلَيْهِ فَنَحْمِلَهُ إِلَى مَا قِبَلَنَا! هَذَا مَا لَا يَصْلُحُ!
وَفِيهَا عُزِلَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ السَّكُونِيُّ عَنْ مِصْرَ وَوَلِيَهَا مَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ مَعَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بَعَثَ قَبْلَ أَنْ يُوَلِّيَ مَسْلَمَةَ إِفْرِيقِيَّةَ وَمِصْرَ عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ اخْتَطْ قَيْرَوَانَهَا، وَكَانَ مَوْضِعُهُ غَيْضَةً لَا تُرَامُ مِنَ السِّبَاعِ وَالْحَيَّاتِ وَغَيْرِهَا، فَدَعَا اللَّهَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا خَرَجَ هَارِبًا حَتَّى إِنَّ كَانَتِ السِّبَاعُ لَتَحْمِلُ أَوْلَادَهَا، وَبَنَى الْجَامِعَ. فَلَمَّا عَزَلَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ السَّكُونِيَّ عَنْ مِصْرَ عَزَلَ عُقْبَةَ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ وَجَمَعَهَا لِمَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُمِعَ لَهُ الْمَغْرِبُ مَعَ مِصْرَ، فَوَلَّى مَسْلَمَةُ إِفْرِيقِيَّةَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْمُهَاجِرِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى هَلَكَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ.
ذِكْرُ وِلَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ إِفْرِيقِيَّةَ وَبِنَاءِ مَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ
قَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلِيَ مَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَنَّ عُقْبَةَ وَلِيَ قَبْلَهُ إِفْرِيقِيَّةَ وَبَنَى الْقَيْرَوَانَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّارِيخِ مِنَ الْمَغَارِبَةِ: أَنَّ وِلَايَةَ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ إِفْرِيقِيَّةَ كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةَ وَبَنَى الْقَيْرَوَانَ، ثُمَّ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَوَلِيَهَا مَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ، وَهُمْ أَخْبَرُ بِبِلَادِهِمْ، وَأَنَا أَذْكُرُ مَا أَثْبَتُوهُ فِي كُتُبِهِمْ:
стр. 1503
قَالُوا: إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَزَلَ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ حَسْبُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ الْفِهْرِيَّ، وَكَانَ مُقِيمًا بِبَرْقَةَ وَزُوَيْلَةَ مُذْ فَتَحَهَا أَيَّامَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَلَهُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ جِهَادٌ وَفُتُوحٌ، فَلَمَّا اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ سَيَّرَ إِلَيْهِ عَشَرَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَدَخَلَ إِفْرِيقِيَّةَ وَانْضَافَ إِلَيْهِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَوَضَعَ السَّيْفَ فِي أَهْلِ الْبِلَادِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا دَخَلَ إِلَيْهِمْ أَمِيرٌ أَطَاعُوا وَأَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الْإِسْلَامَ، فَإِذَا عَادَ الْأَمِيرُ عَنْهُمْ نَكَثُوا وَارْتَدَّ مَنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَأَى أَنْ يَتَّخِذَ مَدِينَةً يَكُونُ فِيهَا عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالُهُمْ لِيَأْمَنُوا مِنْ ثَوْرَةٍ تَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ، فَقَصَدَ مَوْضِعَ الْقَيْرَوَانِ، وَكَانَ أَجَمَةً مُشْتَبِكَةً بِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ (مِنَ السِّبَاعِ) وَالْحَيَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَدَعَا اللَّهَ، وَكَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، ثُمَّ نَادَى: أَيَّتُهَا الْحَيَّاتُ وَالسِّبَاعُ إِنَّا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ارْحَلُوا عَنَّا فَإِنَّا نَازِلُونَ وَمَنْ وَجَدْنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلْنَاهُ. فَنَظَرَ النَّاسُ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى الدَّوَابِّ تَحْمِلُ أَوْلَادَهَا وَتَنْتَقِلُ، فَرَآهُ قَبِيلٌ كَثِيرٌ مِنَ الْبَرْبَرِ فَأَسْلَمُوا، وَقَطَعَ الْأَشْجَارَ وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَدِينَةِ، فَبُنِيَتْ، وَبَنَى الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ، وَبَنَى النَّاسُ مَسَاجِدَهُمْ وَمَسَاكِنَهُمْ، وَكَانَ دُورُهَا ثَلَاثَةَ آلَافِ بَاعٍ وَسِتَّمِائَةِ بَاعٍ، وَتَمَّ أَمْرُهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَكَنَهَا النَّاسُ، وَكَانَ فِي أَثْنَاءِ عِمَارَةِ الْمَدِينَةِ يَغْزُو وَيُرْسِلُ السَّرَايَا، فَتُغِيرُ وَتَنْهَبُ، وَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْبَرْبَرِ فِي الْإِسْلَامِ، وَاتَّسَعَتْ خُطَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَقَوِيَ جَنَانُ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْجُنُودِ بِمَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ وَأَمِنُوا وَاطْمَأَنُّوا عَلَى الْمُقَامِ فَثَبَتَ الْإِسْلَامُ فِيهَا.
ذِكْرُ وِلَايَةِ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ إِفْرِيقِيَّةَ ثُمَّ إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ اسْتَعْمَلَ عَلَى مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَّةَ مَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ الْأَنْصَارِيَّ، فَاسْتَعْمَلَ مَسْلَمَةُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْمُهَاجِرِ، فَقَدِمَ إِفْرِيقِيَّةَ وَأَسَاءَ عَزْلَ عُقْبَةَ وَاسْتَخَفَّ بِهِ، وَسَارَ عُقْبَةُ إِلَى الشَّامِ وَعَاتَبَ مُعَاوِيَةَ عَلَى مَا فَعَلَهُ بِهِ أَبُو الْمُهَاجِرِ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَوَعَدَهُ بِإِعَادَتِهِ إِلَى عَمَلِهِ، وَتَمَادَى الْأَمْرُ فَتُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ وَتَوَلَّى بَعْدَهُ ابْنُهُ يَزِيدُ، فَاسْتَعْمَلَ عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ عَلَى الْبِلَادِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، فَسَارَ إِلَيْهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ وَلِيَ إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَاخْتَطَّ الْقَيْرَوَانَ، وَلَمْ يَزَلْ عُقْبَةُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، فَعَزَلَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ:
стр. 1504
وَاسْتَعْمِلْ أَبَا الْمُهَاجِرِ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، فَحَبَسَ عُقْبَةَ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ مَا فُعِلَ بِعُقْبَةَ كَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِإِطْلَاقِهِ وَإِرْسَالِهِ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَوَصَلَ عُقْبَةُ إِلَى يَزِيدَ فَأَعَادَهُ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَالِيًا عَلَيْهَا، فَقَبَضَ عَلَى أَبِي الْمُهَاجِرِ وَأَوْثَقَهُ، وَسَاقَ مِنْ خَبَرِ كُسَيْلَةَ مِثْلَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ.
ذِكْرُ هَرَبِ الْفَرَزْدَقِ مِنْ زِيَادٍ
وَفِيهَا طَلَبَ زِيَادٌ الْفَرَزْدَقَ، اسْتَعْدَتْهُ عَلَيْهِ بَنُو نَهْشَلٍ وَفُقَيْمٍ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
هَاجَيْتُ الْأَشْهَبَ بْنَ رُمَيْلَةَ وَالْبَعِيثَ فَسَقَطَا، فَاسْتَعْدَى عَلَيَّ بَنُو نَهْشَلٍ وَبَنُو فُقَيْمٍ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ، وَاسْتَعْدَى عَلَيَّ أَيْضًا يَزِيدُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَلَمْ يَعْرِفْنِي زِيَادٌ حَتَّى قِيلَ لَهُ الْغُلَامُ الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي أَنْهَبَ مَالَهُ وَثِيَابَهُ، فَعَرَفَنِي.
قَالَ الْفَرَزْدَقُ: وَكَانَ أَبِي غَالِبٌ قَدْ أَرْسَلَنِي فِي جَلَبٍ لَهُ أَبِيعُهُ وَأَمْتَارُ لَهُ، فَبِعْتُ الْجَلَبَ بِالْبَصْرَةِ وَجَعَلْتُ ثَمَنَهُ فِي ثَوْبِي، فَعَرَضَ لِي رَجُلٌ فَقَالَ: لَشَدٌّ مَا تَسْتَوْثِقُ مِنْهَا، أَمَا لَوْ كَانَ مَكَانَكَ رَجُلٌ أَعْرِفُهُ مَا صَرَّ عَلَيْهَا. فَقُلْتُ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: غَالِبُ بْنُ صَعْصَعَةَ وَهُوَ أَبُو الْفَرَزْدَقِ. فَدَعَوْتُ أَهْلَ الْمِرْبَدِ وَنَثَرْتُهَا. فَقَالَ لِي قَائِلٌ أَلْقِ رِدَاءَكَ. فَفَعَلْتُ. فَقَالَ آخَرُ: أَلْقِ ثَوْبَكَ. فَفَعَلْتُ. وَقَالَ آخَرُ أَلْقِ عِمَامَتَكَ. فَفَعَلْتُ. فَقَالَ آخَرُ: أَلْقِ إِزَارَكُ. فَقُلْتُ: لَا أُلْقِيهِ وَأَمْشِي مُجَرَّدًا، إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ زِيَادًا فَقَالَ: هَذَا أَحْمَقٌ يُضْرِي النَّاسَ بِالنَّهْبِ، فَأَرْسَلَ خَيْلًا إِلَى الْمِرْبَدِ لِيَأْتُوهُ بِي، فَأَتَانِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْهُجَيْمِ عَلَى فَرَسٍ لَهُ وَقَالَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! وَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، وَنَجَوْتُ، فَأَخَذَ زِيَادٌ عَمَّيْنِ لِي: ذُهَيْلًا وَالزَّحَّافَ ابْنَيْ صَعْصَعَةَ، وَكَانَا فِي الدِّيوَانِ، فَحَبَسَهُمَا أَيَّامًا ثُمَّ كُلِّمَ فِيهِمَا فَأَطْلَقَهُمَا، وَأَتَيْتُ أَبِي فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَحَقَدَهَا عَلَيْهِ زِيَادٌ.
ثُمَّ وَفَدَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ وَجَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيَّانِ وَالْجَوْنُ بْنُ قَتَادَةَ الْعَبْشَمِيُّ وَالْحُتَاتُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مُنَازِلٍ الْمُجَاشِعِيُّ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ
стр. 1505
مِنْهُمْ جَائِزَةً مِائَةَ أَلْفٍ:
وَأَعْطَى الْحُتَاتَ سَبْعِينَ أَلْفًا. فَلَمَّا كَانُوا فِي الطَّرِيقِ ذَكَرَ كُلٌّ مِنْهُمْ جَائِزَتَهُ، فَرَجَعَ الْحُتَاتُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا رَدَّكَ؟ قَالَ: فَضَحْتَنِي فِي بَنِي تَمِيمٍ! أَمَا حَسَبِي صَحِيحٌ؟ أَوَلَسْتُ ذَا سِنٍّ؟ أَلَسْتُ مُطَاعًا فِي عَشِيرَتِي؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا بَالُكَ خَسَسْتَ بِي دُونَ الْقَوْمِ وَأَعْطَيْتَ مَنْ كَانَ عَلَيْكَ أَكْثَرَ مِمَّنْ كَانَ لَكَ؟ وَكَانَ حَضَرَ الْجَمَلَ مَعَ عَائِشَةَ، وَكَانَ الْأَحْنَفُ وَجَارِيَةُ يُرِيدَانِ عَلِيًّا، وَإِنْ كَانَ الْأَحْنَفُ وَالْجَوْنُ اعْتَزَلَا الْقِتَالَ مَعَ عَلِيٍّ لَكِنَّهُمَا كَانَا يُرِيدَانِهِ، قَالَ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ مِنَ الْقَوْمِ دِينَهُمْ وَوَكَلْتُكَ إِلَى دِينِكَ وَرَأْيِكَ فِي عُثْمَانَ، وَكَانَ عُثْمَانِيًّا. فَقَالَ: وَأَنَا فَاشْتَرِ مِنِّي دِينِي. فَأَمَرَ لَهُ بِإِتْمَامِ جَائِزَتِهِ، ثُمَّ مَاتَ الْحُتَاتُ فَحَبَسَهَا مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي ذَلِكَ شِعْرًا:
أَبُوكَ وَعَمِّي يَا مُعَاوِيَةُ أَوْرَثَا ... تُرَاثًا فَيَحْتَازُ التُّرَاثَ أَقَارِبُهْ
فَمَا بَالُ مِيرَاثِ الْحُتَاتِ أَخَذْتَهُ ... وَمِيرَاثُ صَخْرٍ جَامِدٌ لَكَ ذَائِبُهْ
فَلَوْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي جَاهِلِيَّةٍ ... عَلِمْتَ مَنِ الْمَرْءُ الْقَلِيلُ حَلَائِبُهْ
وَلَوْ كَانَ فِي دِينٍ سِوَى ذَا شَنِئْتُمُ ... لَنَا حَقَّنَا أَوْ غُصَّ بِالْمَاءِ شَارِبُهْ
أَلَسْتُ أَعَزَّ النَّاسِ قَوْمًا وَأُسْرَةً ... وَأَمْنَعَهُمْ جَارًا إِذَا ضِيمَ جَانِبُهْ
وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ وَآلِهِ ... كَمِثْلِي حَصَانٌ فِي الرِّجَالِ يُقَارِبُهْ
وَبَيْتِي إِلَى جَنْبِ الثُّرَيَّا فِنَاؤُهُ ... وَمِنْ دُونِهِ الْبَدْرُ الْمُضِيءُ كَوَاكِبُهْ
أَنَا ابْنُ الْجِبَالِ الشُّمِّ فِي عَدَدِ الْحَصَى ... وَعِرْقُ الثَّرَى عِرْقِي فَمَنْ ذَا يُحَاسِبُهْ؟
وَكَمْ مِنْ أَبٍ لِي يَا مُعَاوِيَ لَمْ يَزَلْ ... أَغَرَّ يُبَارِي الرِّيحَ مَا ازْوَرَّ جَانِبُهْ
نَمَتْهُ فُرُوعُ الْمَالِكَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ ... أَبُوكَ الَّذِي مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ يُقَارِبُهْ
تَرَاهُ كَنَصْلِ السَّيْفِ يَهْتَزُّ لِلنَّدَى ... كَرِيمًا يُلَاقِي الْمَجْدَ مَا طَرَّ شَارِبُهْ
طَوِيلُ نِجَادِ السَّيْفِ مُذْ كَانَ لَمْ يَكُنْ ... قُصَيٌّ وَعَبْدُ الشَّمْسِ مِمَّنْ يُخَاطِبُهْ
يُرِيدُ بِالْمَالِكَيْنِ مَالِكَ بْنَ حَنْظَلَةَ وَمَالِكَ بْنَ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَهُمَا جَدَّاهُ. لِأَنَّ
стр. 1506
الْفَرَزْدَقَ بْنَ غَالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ (بْنِ نَاجِيَةَ) بْنِ عِقَالِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ.
فَلَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ شِعْرُهُ رَدَّ عَلَى أَهْلِهِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَأَغْضَبَتْ أَيْضًا زِيَادًا عَلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَعْدَتْ عَلَيْهِ نَهْشَلٌ وَفُقَيْمٌ ازْدَادَ غَضَبًا فَهَرَبَ وَأَتَى عِيسَى بْنَ خُصَيْلَةَ السُّلَمِيَّ لَيْلًا وَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ طَلَبَنِي وَقَدْ لَفِظَنِي النَّاسُ وَقَدْ أَتَيْتُكَ لِتُغَيِّبَنِي عِنْدَكَ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ. فَكَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ:
ثُمَّ قَالَ لَهُ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ آتِيَ الشَّامَ، فَسَيَّرَهُ. وَبَلَغَ زِيَادًا مَسِيرُهُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهِ، فَلَمْ يُدْرَكْ، وَأَتَى الرَّوْحَاءَ فَنَزَلَ فِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فَأَمِنَ وَمَدَحَهُمْ بِقَصَائِدَ.
ثُمَّ كَانَ زِيَادٌ إِذَا نَزَلَ الْبَصْرَةَ نَزَلَ الْفَرَزْدَقُ الْكُوفَةَ، وَإِذَا نَزَلَ الْكُوفَةَ نَزَلَ الْفَرَزْدَقُ الْبَصْرَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ زِيَادًا فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى الْكُوفَةِ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدٍ، يَأْمُرُهُ بِطَلَبِ الْفَرَزْدَقِ، فَفَارَقَ الْكُوفَةَ نَحْوَ الْحِجَازِ، فَاسْتَجَارَ بِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَأَجَارَهُ فَمَدَحَهُ الْفَرَزْدَقُ، وَلَمْ يَزَلْ بِالْمَدِينَةِ مَرَّةً وَبِمَكَّةَ مَرَّةً حَتَّى هَلَكَ زِيَادٌ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْفَرَزْدَقَ إِنَّمَا قَالَ هَذَا الشِّعْرَ لِأَنَّ الْحُتَاتَ لَمَّا أَسْلَمَ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا مَاتَ الْحُتَاتُ بِالشَّامِ وَرِثَهُ مُعَاوِيَةُ بِتِلْكَ الْأُخُوَّةِ فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ هَذَا الشِّعْرَ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ يَجْهَلُ أَنَّ الْأُخُوَّةَ لَا يَرِثُ بِهَا أَحَدٌ.
(الْحُتَاتُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَبِتَائَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْقِهِمَا، بَيْنَهُمَا أَلْفٌ) .
ذِكْرُ وَفَاةِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو بِمَرْوَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ غَزْوَةِ جَبَلِ الْأَشَلِّ فِي قَوْلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وَفَاتِهِ فِي قَوْلٍ آخَرَ، وَكَانَ زِيَادٌ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ أَمَرَنِي أَنْ أَصْطَفِيَ لَهُ الصَّفْرَاءَ وَالْبَيْضَاءَ فَلَا تَقْسِمْ بَيْنَ النَّاسِ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَكَمُ:
بَلَغَنِي مَا أَمَرَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنِّي وَجَدْتُ كِتَابَ اللَّهِ قَبْلَ كِتَابِهِ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا عَلَى عَبْدٍ ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ لَهُ
стр. 1507
فَرَجًا وَمَخْرَجًا: ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: اغْدُوا إِلَى أَعْطِيَاتِكُمْ وَمَالِكُمْ، فَقَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لِي عِنْدَكَ خَيْرٌ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ. فَتُوُفِّيَ بِمَرْوَ. وَلَهُ صُحْبَةٌ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
(وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُعَاوِيَةُ، وَقِيلَ: بَلْ حَجَّ ابْنُهُ يَزِيدُ، وَكَانَ الْعُمَّالُ عَلَى الْبِلَادِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ) .
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَ عَلَى الرِّقَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدُفِنَ بِهَا، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ، وَعُمُرُهُ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ، وَكَانَ قَصِيرًا دَحْدَاحًا. وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ وَقِيلَ: تُوُفِّيَتْ أَيَّامَ عُمَرَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ.
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، تُوُفَّيَ بِالْبَصْرَةِ
وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ:
وَفِيهَا تُوُفِّيَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: (ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ) .
стр. 1508
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِدْلَاجُ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُلُّهُمْ لَهُ صُحْبَةٌ.
стр. 1509
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ]
٥١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ
وَفِيهَا كَانَ مَشْتَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَغَزْوَةُ بُسْرِ بْنِ أَبِي أَرْطَاةَ الصَّائِفَةَ.
ذِكْرُ مَقْتَلِ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ وَعَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ وَأَصْحَابِهِمَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَصْحَابُهُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَعْمَلَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَلَى الْكُوفَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، فَلَمَّا أَمَّرَهُ عَلَيْهَا دَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لِذِي الْحِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تُقْرِعُ الْعَصَا، وَقَدْ يُجْزِي عَنْكَ الْحَكِيمُ بِغَيْرِ التَّعْلِيمِ، وَقَدْ أَرَدْتُ إِيصَاءَكَ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ أَنَا تَارِكُهَا اعْتِمَادًا عَلَى بَصَرِكَ، وَلَسْتُ تَارِكًا إِيصَاءَكَ بِخَصْلَةٍ: لَا تَتْرُكُ شَتْمَ عَلِيٍّ وَذَمَّهُ، وَالتَّرَحُّمَ عَلَى عُثْمَانَ وَالِاسْتِغْفَارَ لَهُ، وَالْعَيْبَ لِأَصْحَابِ عَلِيٍّ وَالْإِقْصَاءَ لَهُمْ، وَالْإِطْرَاءَ بِشِيعَةِ عُثْمَانَ وَالْإِدْنَاءَ لَهُمْ، فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: قَدْ جَرَّبْتُ وَجَرَّبْتُ، وَعَمِلْتُ قَبْلَكَ لِغَيْرِكَ فَلَمْ يَذْمُمْنِي، وَسَتَبْلُو فَتَحْمَدُ أَوْ تَذُمُّ. فَقَالَ: بَلْ نَحْمَدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَأَقَامَ الْمُغِيرَةُ عَامِلًا عَلَى الْكُوفَةِ وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ سِيرَةً، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَدَعُ شَتْمَ عَلِيٍّ وَالْوُقُوعَ فِيهِ وَالدُّعَاءَ لِعُثْمَانَ وَالِاسْتِغْفَارَ لَهُ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: بَلْ إِيَّاكُمْ ذَمَّ اللَّهُ وَلَعَنَ! ثُمَّ قَامَ وَقَالَ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ تَذُمُّونَ أَحَقُّ بِالْفَضْلِ، وَمَنْ تُزَكُّونَ أَوْلَى بِالذَّمِّ. فَيَقُولُ لَهُ الْمُغِيرَةُ: يَا حُجْرُ اتَّقِ هَذَا السُّلْطَانَ وَغَضَبَهُ وَسَطْوَتَهُ، فَإِنَّ غَضَبَ السُّلْطَانِ يُهْلِكُ أَمْثَالَكَ، ثُمَّ يَكُفُّ عَنْهُ وَيَصْفَحُ.
فَلَمَّا كَانَ آخِرَ إِمَارَتِهِ قَالَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ مَا كَانَ يَقُولُهُ، فَقَامَ حُجْرٌ فَصَاحَ صَيْحَةً
стр. 1510
بِالْمُغِيرَةِ سَمِعَهَا كُلُّ مَنْ بِالْمَسْجِدِ وَقَالَ لَهُ: مُرْ لَنَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بِأَرْزَاقِنَا فَقَدْ حَبَسْتَهَا عَنَّا وَلَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، وَقَدْ أَصْبَحْتَ مُولَعًا بِذَمِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَامَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيِ النَّاسِ يَقُولُونَ: صَدَقَ حُجْرٌ وَبَرَّ، مُرْ لَنَا بِأَرْزَاقِنَا فَإِنَّ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ لَا يُجْدِي عَلَيْنَا نَفْعًا! وَأَكْثَرُوا مِنْ هَذَا الْقَوْلِ وَأَمْثَالِهِ. فَنَزَلَ الْمُغِيرَةُ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ وَدَخَلُوا وَقَالُوا: عَلَامَ تَتْرُكُ هَذَا الرَّجُلَ يَجْتَرِئُ عَلَيْكَ فِي سُلْطَانِكَ وَيَقُولُ لَكَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فَيُوهِنُ سُلْطَانَكَ وَيُسْخِطُ عَلَيْكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ؟ فَقَالَ لَهُمُ الْمُغِيرَةُ: إِنِّي قَدْ قَتَلْتُهُ، سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِي أَمِيرٌ يَحْسَبُهُ مِثْلِي فَيَصْنَعُ بِهِ مَا تَرَوْنَهُ يَصْنَعُ بِي فَيَأْخُذُهُ وَيَقْتُلُهُ! إِنِّي قَدْ قَرُبَ أَجَلِي وَلَا أُحِبُّ أَنَّ أَقْتُلَ خِيَارَ أَهْلِ هَذَا الْمِصْرِ فَيَسْعَدُوا وَأَشْقَى وَيَعِزَّ فِي الدُّنْيَا مُعَاوِيَةُ وَيَشْقَى فِي الْآخِرَةِ الْمُغِيرَةُ.
ثُمَّ تُوُفِّيَ الْمُغِيرَةُ وَوَلِيَ زِيَادٌ، فَقَامَ فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ عِنْدَ قُدُومِهِ ثُمَّ تَرَحَّمَ عَلَى عُثْمَانَ وَأَثْنَى عَلَى أَصْحَابِهِ وَلَعَنَ قَاتِلِيهِ. فَقَامَ حُجْرٌ فَفَعَلَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ بِالْمُغِيرَةِ. وَرَجَعَ زِيَادٌ إِلَى الْبَصْرَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ، فَبَلَغَهُ أَنَّ حُجْرًا يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ شِيعَةُ عَلِيٍّ وَيُظْهِرُونَ لَعْنَ مُعَاوِيَةَ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ وَأَنَّهُمْ حَصَبُوا عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ، فَشَخَصَ زِيَادٌ إِلَى الْكُوفَةِ حَتَّى دَخَلَهَا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَحُجْرٌ جَالِسٌ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ غَبَّ الْبَغْيِ وَالْغَيِّ وَخِيَمٌ، إِنَّ هَؤُلَاءِ جَمُّوا فَأَشِرُوا، وَأَمِنُونِي فَاجْتَرَءُوا عَلَى اللَّهِ، لَئِنْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لَأُدَاوِيَنَّكُمْ بِدَوَائِكُمْ، وَلَسْتُ بِشَيْءٍ إِنْ لَمْ أَمْنَعِ الْكُوفَةَ مِنْ حُجْرٍ، وَأَدَعْهُ نَكَالًا لِمَنْ بَعْدَهُ، وَيْلُ أُمِّكَ يَا حُجْرُ، سَقَطَ الْعَشَاءُ بِكَ عَلَى سِرْحَانٍ.
وَأَرْسَلَ إِلَى حُجْرٍ يَدْعُوهُ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أَتَاهُ رَسُولُ زِيَادٍ يَدْعُوهُ قَالَ أَصْحَابُهُ: لَا تَأْتِهِ وَلَا كَرَامَةَ. فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَ زِيَادًا، فَأَمَرَ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ، وَهُوَ شَدَّادُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْهِلَالِيُّ، أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ جَمَاعَةً فَفَعَلَ، فَسَبَّهُمْ أَصْحَابُ حُجْرٍ، فَرَجَعُوا وَأَخْبَرُوا زِيَادًا، فَجَمَعَ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَقَالَ: تَشُجُّونَ بِيَدٍ وَتَأْسَوْنَ بِأُخْرَى! أَبْدَانُكُمْ مَعِي وَقُلُوبُكُمْ مَعَ حُجْرٍ الْأَحْمَقِ! هَذَا وَاللَّهِ مِنْ دَحْسِكُمْ! وَاللَّهِ لَيُظْهِرَنَّ لِي بَرَاءَتَكُمْ أَوْ لَآتِيَنَّكُمْ بِقَوْمٍ أُقِيمُ بِهِمْ أَوَدَكُمْ وَصَعَرَكُمْ! فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لَنَا رَأْيٌ إِلَّا طَاعَتَكَ وَمَا فِيهِ رِضَاكَ، قَالَ:
следующие страницы →