Полный текст (6 163 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَقِيلَ: سَبْعَ سَاعَاتٍ، ثُمَّ أَحْيَاهُ وَرَفَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: انْزِلْ إِلَى مَرْيَمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْكِ عَلَيْكَ أَحَدٌ بُكَاءَهَا وَلَمْ يَحْزَنْ أَحَدٌ حُزْنَهَا. فَنَزَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، فَاشْتَعَلَ الْجَبَلُ حِينَ هَبَطَ نُورًا، وَهِيَ عِنْدَ الْمَصْلُوبِ تَبْكِي وَمَعَهَا امْرَأَةٌ كَانَ أَبْرَأَهَا مِنَ الْجُنُونِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمَا تَبْكِيَانِ؟ قَالَتَا: عَلَيْكَ! قَالَ: إِنِّي رَفَعَنِي اللَّهُ إِلَيْهِ وَلَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ شُبِّهَ لَهُمْ، وَأَمَرَهَا فَجَمَعَتْ لَهُ الْحَوَارِيِّينَ، فَبَثَّهُمْ فِي الْأَرْضِ رُسُلًا عَنِ اللَّهِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُبَلِّغُوا عَنْهُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَكْسَاهُ الرِّيشَ، وَأَلْبَسَهُ النُّورَ، وَقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ الْمَطْعَمِ، وَالْمَشْرَبِ، وَطَارَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، فَهُوَ مَعَهُمْ، فَصَارَ إِنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَمَاوِيًّا أَرْضِيًّا.
فَتَفَرَّقَ الْحَوَارِيُّونَ حَيْثُ أَمَرَهُمْ، فَتِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي أَهْبَطَهُ اللَّهُ فِيهَا هِيَ الَّتِي تُدَخِّنُ فِيهَا النَّصَارَى.
وَتَعَدَّى الْيَهُودُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَوَارِيِّينَ يُعَذِّبُونَهُمْ وَيَشْتُمُونَهُمْ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وَاسْمُهُ " هِيرُودَسُ "، وَكَانُوا تَحْتَ يَدِهِ، وَكَانَ صَاحِبَ وَثَنٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانَ يَفْعَلُ الْآيَاتِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَخَلْقِ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ وَالْإِخْبَارِ عَنِ الْغُيُوبِ فَعَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ الْمَلِكُ: وَيْحَكُمْ مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا هَذَا مِنْ أَمْرِهِ، فَوَاللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ مَا خَلَّيْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ! ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ فَانْتَزَعَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْيَهُودِ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ دِينِ عِيسَى، فَأَخْبَرُوهُ، وَتَابَعَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَاسْتَنْزَلَ الْمَصْلُوبَ الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ فَغَيَّبَهُ، وَأَخَذَ الْخَشَبَةَ الَّتِي صُلِبَ عَلَيْهَا فَأَكْرَمَهَا، وَصَانَهَا وَعَدَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةً، فَمِنْ هُنَاكَ كَانَ أَصْلُ النَّصْرَانِيَّةِ فِي الرُّومِ.
وَقِيلَ: كَانَ هَذَا الْمَلِكُ هِيرُودَسُ يَنُوبُ عَنِ الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ الْمُلَقَّبِ قَيْصَرَ، وَاسْمُهُ طِيبَارِيُوسُ، وَكَانَ هَذَا أَيْضًا يُسَمَّى مَلِكًا. وَكَانَ مُلْكُ طِيبَارِيُوسَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، مِنْهَا إِلَى ارْتِفَاعِ الْمَسِيحِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَيَّامٌ.
стр. 282
[ذِكْرُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الرُّومِ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ إِلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ]
زَعَمُوا أَنَّ مُلْكَ الشَّامِ جَمِيعِهِ صَارَ بَعْدَ طِيبَارِيُوسَ إِلَى وَلَدِهِ جَايُوسَ وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنٌ لَهُ آخَرُ اسْمُهُ قُلُودِيُوسُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ نِيرُونُ الَّذِي قَتَلَ بُطْرَسَ وَبُولُسَ فَصَلَبَهُمَا مُنَكَّسَيْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بُوطِلَايِسُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ إِسْفِسْيَانُوسُ، وَهَذَا الَّذِي وَجَّهَ ابْنَهُ طِيطُوسَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ فَهَدَمَهُ وَقَتَلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَضَبًا لِلْمَسِيحِ، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ طِيطُوسُ، ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ دُومِطْيَانُوسُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً.
стр. 283
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ نَارُوَاسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ طَرَايَانُوسُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ هِدْرِيَانُوسُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ أَنْطُونِينُوسُ بْنُ بِطْيَانُوسَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مَرْقُوسُ وَأَوْلَادُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ قُومُودُوسُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ فَرْطِينَاجُوسُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ سِيوَارُوشُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ أَنْطِينَاوُسُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ مَرْقِيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ أَنْطِينَانُوسُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَفِي مُلْكِهِ مَاتَ جَالِينُوسُ الطَّبِيبُ.
стр. 284
ثُمَّ مَلَكَ الْخَسَنْدَرُوسُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مَكْسِيمَانُوسُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ جُورْدِيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ فَيْلُفُوسُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ دَاقِيوُسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ قَالُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ وَالَرِيبَانُوسُ وَقَالِينُوسُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ قُلُودِيُوسُ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ قِرِيطَالِيُوسُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ مَلَكَ أُورِلْيَانُوسُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ طِيقُطُوسُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ فُولُورُنُوسُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مَلَكَ فُرُوبُوسُ سِتَّ سِنِينَ.
стр. 285
ثُمَّ مَلَكَ دِقْلَطْيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مَخْسِيمِيَانُوسُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ قُسْطَنْطِينُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ يُلْيَانُوسُ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ مَلَكَ يُويَانُوسُ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ وَالِنْطِيَانُوسُ وَغِرْطِيَانُوسُ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ خِرْطِيَانُوسُ وَوَالِنْطِيَانُوسُ الصَّغِيرُ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ تِيَادَاسِيسُ الْأَكْبَرُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أُرْقَادِيُوسُ وَأَنُورْيُوسُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ تِيَادَاسِيسُ الْأَصْغَرُ وَوَالِنْطِيَانُوسُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مُرْقِيَانُوسُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ لَاوْ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ زَانُونُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ أَنِسْطَاسُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِنْيَانُوسُ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِنْيَانُوسُ الشَّيْخُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِينَسُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ طِيبَارِيُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَرِيقِيشُ وَتَادَاسِيسُ ابْنُهُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ فَوْقَا الَّذِي قُتِلَ سَبْعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ هِرَقْلُ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ.
فَمِنْ لَدُنْ عُمِّرَ الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ بَعْدَ أَنْ أَخْرَبَهُ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى الْهِجْرَةِ، عَلَى قَوْلِهِمْ،
стр. 286
أَلْفُ سَنَةٍ وَنَيِّفٌ، وَمِنْ مُلْكِ الْإِسْكَنْدَرِ إِلَيْهَا تِسْعُمِائَةٍ وَنَيِّفٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَمِنْ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِ ظُهُورِهِ إِلَى مَوْلِدِ عِيسَى ﵇ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثُ سِنِينَ، وَمِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى ارْتِفَاعِهِ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَمِنْ وَقْتِ ارْتِفَاعِهِ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَمِنْ وَقْتِ ارْتِفَاعِهِ إِلَى الْهِجْرَةِ خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَأَشْهُرٌ.
هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ مِنْ عَدَدِ مُلُوكِ الرُّومِ، وَقَدْ أَخْلَى ذِكْرَهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَيَّامِهِمْ، وَقَدْ سَطَّرَهَا غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّارِيخِ وَخَالَفَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا وَوَافَقَهُ فِي الْبَاقِي مَعَ مُخَالَفَةِ الِاسْمِ وَأَضَافَ إِلَى أَسْمَائِهِمْ ذِكْرَ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي أَيَّامِهِمْ، وَأَنَا أَذْكُرُهُ مُخْتَصَرًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
стр. 287
[ذِكْرُ مُلُوكِ الرُّومِ وَهُمْ ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ، فَالطَّبَقَةُ الْأُولَى الصَّابِئُونَ]
ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ أَنَّ الرُّومَ غَلَبَتِ الْيُونَانَ، وَهُمْ وَلَدُ صُوفِيرَ، وَالْإِسْرَائِيلِيُّونَ يَدَّعُونَ أَنَّ صُوفِيرَ هُوَ الْأَصْفَرُ بْنُ نَفَرِ بْنِ عِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانُوا يُنْزِلُونَ رُومِيَّةَ قَبْلَ غَلَبَتِهِمْ عَلَى الْيُونَانِ، وَكَانُوا يَدِينُونَ قَبْلَ النَّصْرَانِيَّةِ بِمَذْهَبِ الصَّابِئِينَ، وَلَهُمْ أَصْنَامٌ يَعْبُدُونَهَا عَلَى عَادَةِ الصَّابِئِينَ. فَكَانَ أَوَّلَ مُلُوكِهِمْ بِرُومِيَّةَ غَالِيُوسُ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقِيلَ: كَانَ مَلَكَ قَبْلَهُ رُومَلْسُ وَأَرْمَانُوسُ، وَهُمَا بَنَيَاهَا، وَإِلَيْهِمَا نُسِبَتْ، وَأُضِيفَ الرُّومُ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا غَالِيُوسُ أَوَّلُ مَنْ يُعَدُّ فِي التَّارِيخِ لِشُهْرَتِهِ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ يُولْيُوسُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ أُوغُسْطُسُ، وَمَعْنَاهُ الصِّبَاءُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ قَيْصَرَ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ شُقَّ عَنْهُ بَطْنُ أُمِّهِ لِأَنَّهَا مَاتَتْ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ، فَأُخْرِجَ مِنْ بَطْنِهَا، ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ لَقَبًا لِمُلُوكِهِمْ، وَكَانَ مُلْكُهُ سِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَأَكْثَرُ الْمُؤَرِّخِينَ يَبْتَدِئُونَ بِاسْمِهِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ مِنْ رُومِيَّةَ وَسَيَّرَ الْجُنُودَ بَرًّا وَبَحْرًا، وَغَزَا الْيُونَانِيِّينَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى مُلْكِهِمْ، وَقَتَلَ قُلُوبَطْرَةَ آخِرَ مُلُوكِهِمْ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَنَقَلَ مَا فِيهَا إِلَى رُومِيَّةَ، وَمَلَكَ الشَّامَ، وَاضْمَحَلَّ مُلْكُ الْيُونَانِيِّينَ، وَدَخَلُوا فِي الرُّومِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ هِيرُودَسَ بْنَ أَنْطِيقُوسَ، وَلِاثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ كَانَتْ وِلَادَةُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى قَيْصَارِيَّةَ.
стр. 288
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ طِيبَارِيُوسُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ طَبَرِيَّةَ، فَأُضِيفَتْ إِلَيْهِ، وَعَرَّبَهَا الْعَرَبُ، وَفِي مُلْكِهِ رُفِعَ الْمَسِيحُ ﵇ وَمَلَكَ بَعْدَ رَفْعِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ غَالِيُوسُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ إِصْطِفَنُوسَ رَئِيسَ الشَّمَامِسَةِ عِنْدَ النَّصَارَى وَيَعْقُوبَ أَخَا يُوحَنَّا بْنِ زَبْدِيٍّ، وَهُمَا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنَ النَّصَارَى، وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ قَتَلَ النَّصَارَى.
ثُمَّ مَلَكَ قُلُودِيُوسُ بْنُ طِيبَارِيُوسَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي مُلْكِهِ حُبِسَ شَمْعُونُ الصَّفَا، ثُمَّ خَلَصَ شَمْعُونُ مِنَ الْحَبْسِ وَسَارَ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ، فَدَعَا إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى رُومِيَّةَ فَدَعَا أَهْلَهَا أَيْضًا، فَأَجَابَتْهُ زَوْجَةُ الْمَلِكِ وَسَارَتْ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَأَخْرَجَتِ الْخَشَبَةَ الَّتِي تَزْعُمُ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ فِي أَيْدِي الْيَهُودِ، فَأَخَذَتْهَا وَرَدَّتْهَا إِلَى النَّصَارَى.
ثُمَّ مَلَكَ نِيرُونُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي آخِرِ مُلْكِهِ قَتَلَ بُطْرُسَ وَبُولُسَ بِمَدِينَةِ رُومِيَّةَ وَصَلَبَهُمَا مُنَكَّسَيْنِ، وَفِي أَيَّامِهِ ظَفِرَتِ الْيَهُودُ بِيَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، وَهُوَ أَوَّلُ الْأَسَاقِفَةِ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا خَشَبَةَ الصَّلِيبِ فَدَفَنُوهَا، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ مَارِينُوسُ الْحَكِيمُ صَاحِبُ كِتَابِ الْجُغْرَافِيَا فِي صُورَةِ الْأَرْضِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ غَلْبَاسُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ أُوثُونُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ بِيطَالِيسُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ مَلَكَ إِسْبَاسِيَانُوسُ تِسْعَ سِنِينَ وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي أَيَّامِهِ خَالَفَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ قَيْصَرُ فَحَصَرَهُمْ وَافْتَتَحَ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا مِنَ الْيَهُودِ
стр. 289
وَالنَّصَارَى وَعَمَّهُمُ الْأَذَى فِي أَيَّامِهِ.
ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ طِيطُوسُ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي أَيَّامِهِ أَظْهَرَ مَرْقِيُونُ مَقَالَتَهُ بِالِاثْنَيْنِ، وَهُمَا: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَبُعْدٌ ثَالِثٌ بَيْنَهُمَا، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْمَرْقُونِيَّةُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ.
ثُمَّ مَلَكَ ذُومَطْيَانُشُ بْنُ إِسْبَاسِيَانُوسَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ، وَلِتِسْعِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ نَفَى يُوحَنَّا الْحَوَارِيَّ كَاتِبَ الْإِنْجِيلِ إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ ثُمَّ رَدَّهُ.
ثُمَّ مَلَكَ نَرْوَاسُ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ.
ثُمَّ مَلَكَ طَرَايَانُوسُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي السَّادِسَةِ مِنْ مُلْكِهِ تُوُفِّيَ يُوحَنَّا كَاتِبُ الْإِنْجِيلِ بِمَدِينَةِ أَفَسَيِسَ.
ثُمَّ مَلَكَ إِيلِيَا أَنْدَرْيَانُوسُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَقَتَلَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى خَلْقًا كَثِيرًا لِخِلَافٍ كَانَ مِنْهُمْ عَلَيْهِ، وَأَخْرَبَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، وَهُوَ آخِرُ خَرَابِهِ، فَلَمَّا مَضَى مِنْ مُلْكِهِ ثَمَانِي سِنِينَ عَمَّرَهُ أَيْضًا وَسَمَّاهُ إِيلِيَا، فَبَقِيَ الِاسْمُ عَلَيْهِ فَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُسَمَّى أُورْشَلْمَ، وَأَسْكَنَ الْمَدِينَةَ جَمَاعَةً مِنَ الرُّومِ وَالْيُونَانِ، وَبَنَى هَيْكَلًا عَظِيمًا لِلزُّهْرَةِ، وَكَانَ عَالِيَ الْبُنْيَانِ، فَهُدِمَ مِنْ أَعْلَاهُ كَثِيرٌ.
وَهُوَ بَاقٍ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَهُوَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّمِائَةٍ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ، وَهُوَ مُحْكَمُ الْبِنَاءِ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ نُسِبَ إِلَى دَاوُدَ وَقَدْ بُنِيَ بَعْدَهُ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، عَلَى أَنَّنِي سَمِعْتُ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ مِنْ جَمَاعَةٍ يَذْكُرُونَ أَنَّ دَاوُدَ بَنَاهُ وَكَانَ يَتَفَرَّغُ فِيهِ لِعِبَادَتِهِ.
وَفِي أَيَّامِ هَذَا الْمَلِكِ كَانَ سَاقَيْدَسُ الْفَيْلَسُوفُ الصَّامِتُ.
стр. 290
ثُمَّ مَلَكَ أَنْطُنْيَنْسُ بِيُوسُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ بَطْلَيْمُوسُ صَاحِبُ الْمَجِسْطِي وَالْجُغْرَافِيَا وَغَيْرِهِمَا.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ وَلَدِ قُلُودِيُوسَ، وَلِهَذَا قِيلَ لَهُ الْقُلُودِيُّ نِسْبَةً إِلَيْهِ، وَهُوَ السَّادِسُ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ. وَدَلِيلُ كَوْنِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَلَيْسَ مِنْ مُلُوكِ الْيُونَانِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْمَجِسْطِي أَنَّهُ رَصَدَ الشَّمْسَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ ثَمَانِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ لِبُخْتُنَصَّرَ، وَكَانَ مِنْ مُلْكِ بُخْتُنَصَّرَ إِلَى قَتْلِ دَارَا أَرْبَعُمِائَةٍ وَتِسْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمِنْ قَتْلِ دَارَا إِلَى زَوَالِ مُلْكِ قُلُوبَطْرَةَ الْمَلِكَةِ آخِرِ مُلُوكِ الْيُونَانِ عَلَى يَدِ أُوغُسْطُسَ مِائَتَا سَنَةٍ وَسِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَمُذْ غَلَبَةِ أُوغُسْطُسَ إِلَى أَنْطُنِينُوسَ مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، فَمُذْ مَلَكَ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى أَدْرِيَانُوسَ ثَمَانِمِائَةٍ وَثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً تَقْرِيبًا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا حَكَاهُ بَطْلَيْمُوسُ.
قَالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ ابْنَ قُلُوبَطْرَةَ آخِرِ مُلُوكِ الْيُونَانِيِّينَ فَقَدْ أَبْطَلَ ذِكْرَ هَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالتَّارِيخِ وَعَدَّ مُلُوكَ الْيُونَانِ وَذَكَرَ مُدَّةَ مُلْكِهِمْ عَلَى مَا قَالَ، وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي مُدَّةِ مُلْكِهِمْ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَسَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ مُرْقُسُ، وَيُسَمَّى أُورُلْيُوسَ، تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي مُلْكِهِ أَظْهَرَ ابْنُ دِيصَانَ مَقَالَتَهُ، وَكَانَ أُسْقُفًا بِالرُّهَاءِ، وَهُوَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالِاثْنَيْنِ، وَنُسِبَ إِلَى نَهْرٍ عَلَى بَابِ الرُّهَاءِ يُسَمَّى دِيصَانَ وُجِدَ عَلَيْهِ مَنْبُوذًا، وَبَنَى عَلَى هَذَا النَّهْرِ كَنِيسَةً.
ثُمَّ مَلَكَ قُومُودُوسُ اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ جَالِينُوسُ قَدْ أَدْرَكَ
стр. 291
بَطْلَيْمُوسَالْقَلُّودِيَّ، وَكَانَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ ظَهَرَ فِي أَيَّامِهِ وَذَكَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ: فِي جَوَامِعِ كِتَابِ أَفْلَاطُونَ فِي السِّيَاسَةِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَرْطِينْقَشُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ يُولْيَانُوسُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ مَلَكَ سِيوَارَسُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَشَمِلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي أَيَّامِهِ الْقَتْلُ وَالتَّشْرِيدُ، وَبَنَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَيْكَلًا عَظِيمًا سَمَّاهُ هَيْكَلَ الْآلِهَةِ.
ثُمَّ مَلَكَ أَنْطُونْيُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مَقْرُونِيُوسُ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ، ثُمَّ مَلَكَ أَنْطُونْيُوسُ الثَّانِي أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ الْأَكْصَنْدَرُوسُ، وَيُلَقَّبُ مَامِيَاسَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مَقْسِمْيَانُوسُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مَقْسِمُوسُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ غَرْدِيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ فِيلِبُوسُ سِتَّ سِنِينَ، وَتَنَصَّرَ وَتَرَكَ دِينَ الصَّابِئِينَ وَتَبِعَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ وَاخْتَلَفُوا لِذَلِكَ، وَكَانَ فِيمَنْ خَالَفَهُ بِطْرِيقٌ يُقَالُ لَهُ دَاقُيُوسُ، قَتَلَ فِيلِبُوسَ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ.
стр. 292
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ فِيلِبُوسَ دَاقُيُوسُ سَنَتَيْنِ وَتَتَبَّعَ النَّصَارَى، فَهَرَبَ مِنْهُ أَصْحَابُ الْكَهْفِ إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ شَرْقِيِّ مَدِينَةِ أَفْسِيسَ، وَقَدْ خُرِّبَتِ الْمَدِينَةُ، وَكَانَ لُبْثُهُمْ فِيهِ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا السِّيَاقِ مِنْ حِينِ رُفِعَ الْمَسِيحُ إِلَى الْآنِ نَحْوُ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ لُبْثُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَأَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ظُهُورُهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِنَحْوِ سِتِّينَ سَنَةً، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ لَدُنْ ظُهُورِهِمْ إِلَى الْهِجْرَةِ زِيَادَةً عَلَى مِائَتَيْ سَنَةٍ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَكْثَرُ مِنَ الْفَتْرَةِ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَالنَّبِيِّ - عَلَيْهِمْا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِلَّا أَنَّ هَذَا النَّاقِلَ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ غَيْبَتَهُمْ كَانَتْ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً عَلَى مَا نَرَاهُ مَذْكُورًا، وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْقُرْآنِ، وَلَوْلَا نَصُّ الْقُرْآنِ لَكَانَ اسْتَقَامَ لَهُ مَا يُرِيدُ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ غَالِيُوسُ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ شَرِيكُهُ فِي الْمُلْكِ يُولْيَانُوسُ، مَلَكَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ قُلُودِيُوسُ، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ أُورْلِيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ طَافِسْطُوسُ وَأَخُوهُ فُورَسُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بُرُوبَسُ تِسْعَ سِنِينَ.
стр. 293
ثُمَّ مَلَكَ قَارُوسُ سَنَتَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ دِقْلَطْيَانُوسُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مَقْسِيمَانُوسُ وَشَارَكَهُ مَقْسَنْطِيُوسُ، ثُمَّ اقْتَتَلَا فَاقْتَسَمَا الْمُلْكَ، فَمَلَكَ الْأَبُ عَلَى الشَّامِ وَبِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَبَعْضِ الرُّومِ، وَمَلَكَ الِابْنُ رُومِيَّةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ أَرْضِ الْفِرِنْجِ، وَمَلَكَا تِسْعَ سِنِينَ، وَتَمَلَّكَ مَعَهُمَا قُسْطَنْسُ أَبُو قُسْطَنْطِينَ بِلَادَ بُوزَنْطِيَا وَمَا يَلِيهَا، وَهِيَ نَوَاحِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَلَمْ تَكُنْ بُنِيَتْ حِينَئِذٍ، ثُمَّ مَاتَ قُسْطَنْسُ وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قُسْطَنْطِينُ الْمَعْرُوفُ بِأُمِّهِ هِيلَانَى، وَهُوَ الَّذِي تَنَصَّرَ.
قَالَ: وَمِنْ أَوَّلِ مُلُوكِ الرُّومِ إِلَى هَاهُنَا كَانُوا شَبِيهًا بِمُلُوكِ الطَّوَائِفِ، لَا يَنْضَبِطُ عَدَدُهُمْ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِمْ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُعَوِّلُ عَلَيْهِ مِنْ قُسْطَنْطِينَ إِلَى هِرَقْلَ الَّذِي بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي أَيَّامِهِ، وَلَقَدْ صَدَقَ قَائِلُ هَذَا فَإِنَّ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَاقُضِ مَا ذَكَرْنَا بَعْضَهُ عِنْدَ ذِكْرِ دِقْيُوسَ وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ يَذْكُرِ الطَّبَرِيُّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ فِي زَمَانِ أَيِّ الْمُلُوكِ كَانُوا، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ نَحْنُ لِمَا فِي أَيَّامِ الْمُلُوكِ مِنَ الْحَوَادِثِ.
стр. 294
[الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ الْمُتَنَصِّرَةِ]
ثُمَّ مَلَكَ قُسْطَنْطِينُ الْمَعْرُوفُ بِأُمِّهِ هِيلَانَى فِي جَمِيعِ بِلَادِ الرُّومِ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِقْسِيمَانُوسَ وَابْنِهِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا مَاتَا اسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ وَتَفَرَّدَ بِهِ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ الَّذِي تَنَصَّرَ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ وَقَاتَلَ عَلَيْهَا حَتَّى قَبِلَهَا النَّاسُ وَدَانُوا بِهَا إِلَى هَذَا الْوَقْتِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ تَنَصُّرِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ بِهِ بَرَصٌ وَأَرَادُوا نَزْعَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ وُزَرَائِهِ مِمَّنْ كَانَ يَكْتُمُ النَّصْرَانِيَّةَ بِإِحْدَاثِ دِينٍ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ ثُمَّ حَسَّنَ لَهُ النَّصْرَانِيَّةَ لِيُسَاعِدَهُ مَنْ دَانَ بِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَتَبِعَهُ النَّصَارَى مِنَ الرُّومِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَخَاصَّتِهِ، فَقَوِيَ بِهِمْ وَقَهَرَ مَنْ خَالَفَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ سَيَّرَ عَسَاكِرَ عَلَى أَسْمَاءِ أَصْنَامِهِمْ، فَانْهَزَمَتِ الْعَسَاكِرُ، وَكَانَ لَهُمْ سَبْعَةُ أَصْنَامٍ عَلَى أَسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ عَلَى عَادَةِ الصَّابِئِينَ، فَقَالَ لَهُ وَزِيرٌ لَهُ يَكْتُمُ النَّصْرَانِيَّةَ فِي هَذَا وَأَزْرَى بِالْأَصْنَامِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِالنَّصْرَانِيَّةِ. فَأَجَابَهُ، فَظَفِرَ، وَدَامَ مُلْكُهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَهُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ لِثَلَاثِ سِنِينَ خَلَتْ مِنْ مُلْكِهِ بِمَكَانِهَا الْآنَ، اخْتَارَهُ لِحَصَانَتِهِ، وَهِيَ عَلَى الْخَلِيجِ الْآخِذِ مِنَ الْبَحْرِ الْأَسْوَدِ إِلَى بَحْرِ الرُّومِ، وَالْمَدِينَةُ
стр. 295
عَلَى الْبَرِّ الْمُتَّصِلِ بِرُومِيَّةَ وَبِلَادِ الْفِرِنْجِ وَالْأَنْدَلُسِ، وَالرُّومُ تُسَمِّيهَا اسْتَنْبُولَ، يَعْنِي مَدِينَةَ الْمُلْكِ.
وَلِعِشْرِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الْأَوَّلُ بِمَدِينَةِ نِيقِيَّةَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَمَعْنَاهُ الِاجْتِمَاعُ، فِيهِ أَلْفَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أُسْقُفًا، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًا مُتَّفِقِينَ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ، فَحَرَّمُوا آرِيُوسَ الْإِسْكَنْدَرَانِيَّ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ الْآرِيُوسِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى، وَوَضَعَ شَرَائِعَ النَّصْرَانِيَّةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، وَكَانَ رَئِيسُ هَذَا الْمَجْمَعِ بَطْرَقَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
وَفِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ مُلْكِهِ سَارَتْ أُمُّهُ هِيلَانَى الرُّهَاوِيَّةُ، كَانَ أَبُوهُ سَبَاهَا مِنَ الرُّهَاءِ، فَأَوْلَدَهَا هَذَا الْمَلِكَ، فَسَارَتْ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَأَخْرَجَتِ الْخَشَبَةَ الَّتِي تَزْعُمُ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ عَلَيْهَا، وَجَعَلَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَهُوَ عِيدُ الصَّلِيبِ، وَبَنَتِ الْكَنِيسَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِقُمَامَةَ، وَتُسَمَّى الْقِيَامَةَ، وَهِيَ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا يَحُجُّهَا أَنْوَاعُ النَّصَارَى.
وَقِيلَ: كَانَ مَسِيرُهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَهَا دَانَ النَّصْرَانِيَّةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ. وَفِي السَّنَةِ الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ مُلْكِهِ طَبَّقَ جَمِيعَ مَمَالِيكِهِ بِالْبِيَعِ هُوَ وَأُمُّهُ، مِنْهَا: كَنِيسَةُ حِمْصَ، وَكَنِيسَةُ الرُّهَاءِ، وَهِيَ مِنَ الْعَجَائِبِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ قُسْطَنْطِينُ أَنْطَاكِيَّةَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً بِعَهْدٍ مِنْ أَبِيهِ إِلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَإِلَى أَخِيهِ قُسْطَنْسَ أَنْطَاكِيَّةَ، وَالشَّامَ، وَمِصْرَ، وَالْجَزِيرَةَ، وَإِلَى أَخِيهِ قَسْطُوسَ رُومِيَّةَ وَمَا يَلِيهَا مِنْ بِلَادِ الْفِرِنْجِ وَالصَّقَالِبَةِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمْا الْمَوَاثِيقَ بِالِانْقِيَادِ لِأَخِيهِمَا قُسْطَنْطِينَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ يُولْيَانُوسُ ابْنُ أَخِيهِ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ يَدِينُ بِمَذْهَبِ الصَّابِئِينَ وَيُخْفِي ذَلِكَ. فَلَمَّا مَلَكَ أَظْهَرَهَا وَخَرَّبَ الْبِيَعَ وَقَتَلَ النَّصَارَى، وَهُوَ الَّذِي سَارَ إِلَى الْعِرَاقِ أَيَّامَ
стр. 296
سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ فَقَتَلَ بِسَهْمٍ غَرْبٍ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ خَبَرَ هَذَا الْمَلِكِ مَعَ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ وَهُوَ بَعْدَ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ يُونْيَانُوسُ سَنَةً فَأَظْهَرَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ وَدَانَ بِهَا وَعَادَ مِنَ الْعِرَاقِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ وَلَنْطِيُوشُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ وَالَنْسُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ وَالَنْطِيَانُوسُ ثَلَاثَ سِنِينَ. ثُمَّ مَلَكَ تَدُوسُ الْكَبِيرُ، وَمَعْنَاهُ عَطِيَّةُ اللَّهِ، تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي مُلْكِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الثَّانِي بِمَدِينَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، اجْتَمَعَ فِيهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أُسْقُفًا لَعَنُوا مَقْدُونِسَ وَأَشْيَاعَهُ، وَكَانَ فِيهِ بَطْرَقُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَبَطْرَقُ أَنْطَاكِيَّةَ وَبَطْرَقُ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَالْمُدُنُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا كَرَاسِيُّ الْبَطْرَقُ أَرْبَعٌ: إِحْدَاهُمَا رُومِيَّةُ، وَهِيَ لِبُطْرُسَ الْحَوَارِيِّ، وَالثَّانِيَةُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ، وَهِيَ لِمُرْقُسَ أَحَدِ أَصْحَابِ الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ، وَالثَّالِثَةُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَالرَّابِعَةُ أَنْطَاكِيَّةُ، وَهِيَ لِبُطْرُسَ أَيْضًا، وَلِثَمَانِي سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ ظَهَرَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ.
ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَهُ أَرْقَادِيُوسُ بْنُ تَدُوسَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ تَدُوسُ الصَّغِيرُ بْنُ تَدُوسَ الْكَبِيرِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلِإِحْدَى وَعِشْرِينَ
стр. 297
سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الثَّالِثُ بِمَدِينَةِ أَفْسُسْ، وَحَضَرَ هَذَا الْمَجْمَعَ مِائَتَا أَسْقُفٍ، وَكَانَ سَبَبُهُ مَا ظَهَرَ مِنْ نَسْطُورَسْ بَطْرَقِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَهُوَ رَأْسُ النَّسْطُورِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى، مِنْ مُخَالَفَةِ مَذْهَبِهِمْ فَلَعَنُوهُ وَنَفَوْهُ، فَسَارَ إِلَى صَعِيدِ مِصْرَ فَأَقَامَ بِبِلَادِ إِخْمِيمَ، وَمَاتَ بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا سَيَصْلُحْ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَصَارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُخَالِفِيهِمْ حَرْبٌ وَقِتَالٌ، ثُمَّ دُثِرَتْ مَقَالَتُهُ إِلَى أَنْ أَحْيَاهَا بُرْصُومَا مُطْرَانْ نَصِيبِينَ قَدِيمًا.
وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّ الشَّهْرِسْتَانِيَّ مُصَنِّفَ كِتَابِ: " نِهَايَةِ الْإِقْدَامِ فِي الْأُصُولِ "، وَمُصَنِّفَ كِتَابِ: " الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ "، فِي ذِكْرِ الْمَذَاهِبِ وَالْآرَاءِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ، ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ نَسْطُورْ كَانَ أَيَّامَ الْمَأْمُونِ، وَهَذَا تَفَرَّدَ بِهِ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُوَافِقًا.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ مَرْقَيَانْ سِتَّ سِنِينَ، وَفِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مُلْكِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الرَّابِعُ عَلَى تَسْقَرَسْ بَطْرَقِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ أَسْقُفًا، وَفِي هَذَا الْمَجْمَعِ خَالَفَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ سَائِرَ النَّصَارَى.
ثُمَّ مَلَكَ لِيُونُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ لِيُونُ الصَّغِيرُ سَنَةً، وَكَانَ يَعْقُوبِيَّ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ مَلَكَ زِينُونْ سَبْعَ سِنِينَ، وَكَانَ يَعْقُوبِيًّا، فَزَهِدَ فِي الْمُلْكِ فَاسْتَخْلَفَ ابْنًا لَهُ
стр. 298
فَهَلَكَ، فَعَادَ إِلَى الْمُلْكِ، ثُمَّ مَلَكَ نِسْطَاسُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَعْقُوبِيَّ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى عَمُورِيَّةَ، فَلَمَّا حَفَرَ أَسَاسَهَا أَصَابَ فِيهِ مَالًا وَفَّى بِالنَّفَقَةِ عَلَى بِنَائِهَا وَفَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بَنَى بِهِ بِيَعًا وَأَدْيِرَةً.
ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِينْ سَبْعَ سِنِينَ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي الْيَعْقُوبِيَّةِ.
ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطَانُوسْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَنَى بِالرُّهَاءِ كَنِيسَةً عَجِيبَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الْخَامِسُ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَحَرَّمُوا أَدْرِيحَا أَسْقُفَ مَنْبِجْ لِقَوْلِهِ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ فِي أَجْسَادِ الْحَيَوَانِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ذَلِكَ جَزَاءَ مَا ارْتَكَبُوهُ. وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ بَيْنَ الْيَعَاقِبَةِ وَالْمَلَكِيَّةِ بِبِلَادِ مِصْرَ فِتَنٌ، وَفِي أَيَّامِهِ ثَارَ الْيَهُودُ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَجَبَلِ الْخَلِيلِ عَلَى النَّصَارَى فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَبَنَى الْمَلِكُ مِنَ الْبِيَعِ وَالْأَدْيِرَةِ شَيْئًا كَثِيرًا.
ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِينُوسْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانْ، ثُمَّ مَلَكَ طَبَايُوسْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنُوشِرْوَانْ مُرَاسَلَاتٌ وَمُهَادَاةٌ، وَكَانَ مُغْرًى بِالْبِنَاءِ وَتَحْسِينِهِ وَتَزْوِيقِهِ.
ثُمَّ مَلَكَ مُورِيقْ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي أَيَّامِهِ ظَهَرَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ
стр. 299
حَمَاةَ يُعْرَفُ بِمَارُونْ إِلَيْهِ تُنْسَبُ الْمَارُونِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى، وَأَحْدَثَ رَأْيًا يُخَالِفُ مَنْ تَقَدَّمَهُ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِالشَّامِ، ثُمَّ إِنَّهُمُ انْقَرَضُوا وَلَمْ يُعْرَفِ الْآنَ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
وَهَذَا مُورِيقْ هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ كِسْرَى أَبْرَوِيزْ حِينَ انْهَزَمَ مِنْ بَهْرَامَ جُوبِينْ فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ وَأَمَدَّهُ بِعَسَاكِرِهِ وَأَعَادَهُ إِلَى مُلْكِهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ فُوقَاسْ، وَكَانَ مِنْ بَطَارِقَةِ مُورِيقْ، فَوَثَبَ بِهِ فَاغْتَالَهُ فَقَتَلَهُ وَمَلَكَ الرُّومَ بَعْدَهُ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَلَمَّا مَلَكَ تَتَبَّعَ وَلَدَ مُورِيقْ وَحَاشِيَتَهُ بِالْقَتْلِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبْرَوِيزْ غَضِبَ وَسَيَّرَ الْجُنُودَ إِلَى الشَّامِ وَمِصْرَ فَاحْتَوَى عَلَيْهِمَا وَقَتَلُوا مِنَ النَّصَارَى خَلْقًا كَثِيرًا، وَسَيَرِدُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ أَبْرَوِيزْ.
ثُمَّ مَلَكَ هِرَقْلُ، وَكَانَ سَبَبَ مُلْكِهِ أَنَّ عَسَاكِرَ الْفُرْسِ لَمَّا فَتَكَتْ فِي الرُّومِ سَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى خَلِيجِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَحَصَرُوهَا، وَكَانَ هِرَقْلُ يَحْمِلُ الْمِيرَةَ فِي الْبَحْرِ إِلَى أَهْلِهَا، فَحَسُنَ مَوْقِعُ ذَلِكَ مِنَ الرُّومِ وَبَانَتْ شَهَامَتُهُ وَشَجَاعَتُهُ وَأَحَبَّهُ الرُّومُ فَحَمَلَهُمْ عَلَى الْفَتْكِ بِفُوقَاسْ، وَذَكَّرَهُمْ سُوءَ آثَارِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَقَتَلُوهُ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ هِرَقْلَ.
[ذِكْرُ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ]
стр. 300
فَأَوَّلُهُمْ هِرَقْلُ، قَدْ ذُكِرَ سَبَبُ مُلْكِهِ، وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَمِنْهُ مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ الشَّامَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قُسْطَنْطِينُ، وَقِيلَ: هُوَ ابْنُ أَخِيهِ قُسْطَنْطِينَ، وَكَانَ مُلْكُهُ تِسْعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَسَيَرِدُ خَبَرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ غَزَاةِ الصَّوَارِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ السَّادِسُ عَلَى لَعْنِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ قُورَسْ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ خَالَفَ الْمَلَكِيَّةَ وَوَافَقَ الْمَارُونِيَّةَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قَسْطَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ ﵇ وَمُعَاوِيَةَ. ثُمَّ مَلَكَ هِرَقْلُ الْأَصْغَرُ بْنُ قُسْطَنْطِينَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ مَلَكَ قُسْطَنْطِينُ بْنُ قَسْطَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْضَ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ وَأَيَّامِ يَزِيدَ وَابْنِهِ مُعَاوِيَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَصَدْرًا مِنْ أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
стр. 301
ثُمَّ مَلَكَ أَسْطِينَانْ، الْمَعْرُوفُ بِالْأَخْرَمِ، تِسْعَ سِنِينَ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ خَلَعَهُ الرُّومُ وَخَرَمُوا أَنْفَهُ وَحُمِلَ إِلَى بَعْضِ الْجَزَائِرِ، فَهَرَبَ وَلَحِقَ بِمَلِكِ الْخَزَرِ وَاسْتَنْجَدَهُ فَلَمْ يُنْجِدْهُ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَلِكِ بُرْجَانْ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ لُونْطَشْ ثَلَاثَ سِنِينَ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ تَرَكَ الْمُلْكَ وَتَرَهَّبَ. ثُمَّ مَلَكَ ابْسَمِيرْ، الْمَعْرُوفُ بِالطَّرَسُوسِيِّ، سَبْعَ سِنِينَ، فَقَصَدَهُ أَسْطِينَانْ وَمَعَهُ بُرْجَانْ وَجَرَى بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَظَفِرَ بِهِ أَسْطِينَانْ وَخَلَعَهُ وَعَادَ إِلَى مُلْكِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَيَّامَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَاسْتَقَرَّ أَسْطِينَانْ، وَكَانَ قَدْ شَرَطَ لِمَلِكِ بُرْجَانْ أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِ خَرَاجًا كُلَّ سَنَةٍ، فَعَسَفَ الرُّومَ وَقَتَلَ بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَقَتَلُوهُ، فَكَانَ مُلْكُهُ الثَّانِي سَنَتَيْنِ وَنِصْفًا، وَكَانَ قَتْلُهُ أَوَّلَ دَوْلَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. ثُمَّ مَلَكَ نِسْطَاسُ بْنُ فِيلَفُوسْ، وَكَانَ فِي أَيَّامِهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الرُّومِ فَخَلَعُوهُ وَنَفَوْهُ.
ثُمَّ مَلَكَ تِيدُوسْ الْمَعْرُوفُ بِالْأَرْمَنِيِّ فِي أَيَّامِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي حَصَرَهُ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ الْيُونُ بْنُ قُسْطَنْطِينَ لِضَعْفِهِ عَنِ الْمُلْكِ، وَضَمِنَ الْيُونُ لِلرُّومِ رَدَّ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَمَلَّكُوهُ، فَكَانَ مُلْكُهُ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَمَاتَ فِي السَّنَةِ الَّتِي بُويِعَ فِيهَا الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قُسْطَنْطِينُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ انْقَرَضَتِ الدَّوْلَةُ الْأُمَوِيَّةُ وَتُوُفِّيَ لِعَشْرِ سِنِينَ مَضَتْ مِنْ أَيَّامِ الْمَنْصُورِ.
стр. 302
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْيُونُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَقِيَّةَ أَيَّامِ الْمَنْصُورِ، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ رِينِي امْرَأَةُ الْيُونَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ، وَمَعَهَا ابْنُهَا قُسْطَنْطِينُ بْنُ الْيُونَ، وَهِيَ تُدَبِّرُ الْأَمْرَ بَقِيَّةَ أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ وَالْهَادِي وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ. فَلَمَّا كَبِرَ ابْنُهَا أَفْسَدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّشِيدِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مُهَادِنَةً لَهُ، فَقَصَدَهُ الرَّشِيدُ وَجَرَى لَهُ مَعَهُ وَقْعَةٌ، فَانْهَزَمَ وَكَادَ يُؤْخَذُ، فَكَحَّلَتْهُ أُمُّهُ وَانْفَرَدَتْ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ خَمْسَ سِنِينَ وَهَادَنَتِ الرَّشِيدَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهَا نَقَفُورْ، أَخَذَ الْمُلْكَ مِنْهَا، وَكَانَ مُلْكُهُ سَبْعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ نَقَفُورْ أَبُو اسْتَبْرَاقْ، وَكُنْتُ قَدْ رَأَيْتُهُ مَضْبُوطًا بِكَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ بِسُكُونِ الْقَافِ، حَتَّى رَأَيْتُ رَجُلًا زَعَمَ أَنَّ اسْمَهُ نَقَفُورْ، بِفَتْحِ الْقَافِ.
وَعَهِدَ نَقَفُورْ إِلَى ابْنِهِ اسْتَبْرَاقْ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الرُّومِ، وَلَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ قَبْلَ نَقَفُورْ تَحْلِقُ لِحَاهَا، وَكَذَلِكَ مَلِكُ الْفُرْسِ، فَلَمْ يَفْعَلْهُ نَقَفُورْ. وَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ قَبْلَهُ تَكْتُبُ: مِنْ فُلَانٍ مَلِكِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَكَتَبَ نَقَفُورْ: مِنْ فُلَانٍ مَلِكِ الرُّومِ، وَقَالَ: لَسْتُ مَلِكَ النَّصْرَانِيَّةِ كُلِّهَا.
وَكَانَتِ الرُّومُ تُسَمِّي الْعَرَبَ سَارَقْيُوسْ، يَعْنِي عَبِيدَ سَارَّةَ، بِسَبَبِ هَاجَرَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَجَرَى بَيْنَ نَقَفُورْ وَبَيْنَ بُرْجَانْ حَرْبٌ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَقُتِلَ فِيهَا.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ اسْتَبْرَقْ بِعَهْدٍ مِنْ أَبِيهِ إِلَيْهِ، وَكَانَ مُلْكُهُ شَهْرَيْنِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ مِيخَائِيلُ بْنُ جِرْجِسَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ نَقَفُورْ، وَقِيلَ: ابْنُ اسْتَبْرَقَ، وَكَانَ مُلْكُهُ سَنَتَيْنِ فِي أَيَّامِ الْأَمِينِ، وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَوَثَبَ بِهِ الْيُونُ الْمَعْرُوفُ بِالْبَطْرِيقِ، وَغَلَبَ عَلَى الْأَمْرِ وَحَبَسَهُ.
стр. 303
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ الْيُونُ الْبَطْرِيقُ سَبْعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَوَثَبَ بِهِ أَصْحَابُ مِيخَائِيلَ فِي خَلَاصِ صَاحِبِهِمْ، وَقُتِلَ الْيُونُ ثُمَّ فُتِحَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَعَادَ مِيخَائِيلُ إِلَى الْمُلْكِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ قَدْ تَرَهَّبَ أَيَّامَ الْيُونَ، وَكَانَ مُلْكُهُ هَذِهِ الدُّفْعَةَ الثَّانِيَةَ تِسْعَ سِنِينَ، وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ نُوفِيلُ بْنُ مِيخَائِيلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي فَتَحَ زِبَطْرَةَ، وَسَارَ الْمُعْتَصِمُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَفَتَحَ عَمُورِيَّةَ، وَكَانَ مَوْتُهُ أَيَّامَ الْوَاثِقِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مِيخَائِيلُ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ أُمُّهُ تُدَبِّرُ الْمُلْكَ مَعَهُ، وَأَرَادَ قَتْلَهَا فَتَرَهَّبَتْ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ عَمُورِيَّةَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ السَّالِفَةِ يُعْرَفُ بِابْنِ بُقْرَاطَ، فَلَقِيَهُ مِيخَائِيلُ فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَظَفِرَ بِهِ مِيخَائِيلُ فَمَثَّلَ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ بُسَيْلُ الصَّقْلَبِيُّ فَاسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ، وَقَتَلَ مِيخَائِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بُسَيْلُ الصَّقْلَبِيُّ عِشْرِينَ سَنَةً أَيَّامَ الْمُعْتَزِّ وَالْمُهْتَدِي وَصَدْرًا مِنْ أَيَّامِ الْمُعْتَمِدِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ صَقْلَبِيَّةٌ فَنُسِبَ إِلَيْهَا.
وَقَدْ خَلَطَ " حَمْزَةُ الْأَصْفَهَانِيُّ " فِيهِ فَقَالَ عِنْدَ ذِكْرِ مِيخَائِيلَ: ثُمَّ انْتَقَلَ الْمُلْكُ عِنْدَ الرُّومِ وَصَارَ فِي الصَّقْلَبِ، فَقَتَلَهُ بُسَيْلُ الصَّقْلَبِيُّ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ صَقْلَبِيًّا.
стр. 304
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْيُونُ بْنُ بُسَيْلَ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً أَيَّامَ الْمُعْتَمِدِ وَالْمُعْتَضِدِ وَالْمُكْتَفِي وَصَدْرًا مِنْ أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ، وَقِيلَ: إِنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ الْإِكْسَنْدَرُوسُ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ، وَمَاتَ بِالدُّبَيْلَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ اغْتِيلَ لِسُوءِ سِيرَتِهِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ قُسْطَنْطِينُ بْنُ الْيُونَ، وَهُوَ صَبِيٌّ، وَتَوَلَّى لَهُ الْأَمْرَ بَطْرِيقُ الْبَحْرِ، وَاسْمُهُ ارْمَانُوسْ، وَشَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ شُرُوطًا، مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ الْمُلْكَ وَلَا يَلْبَسُ التَّاجَ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ، فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ سَنَتَيْنِ حَتَّى خُوطِبَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ بِالْمُلُوكِ، وَجَلَسَ مَعَ قُسْطَنْطِينَ عَلَى السَّرِيرِ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَخَصَى أَحَدَهُمْ وَجَعَلَهُ بَطْرَقًا لِيَأْمَنَ مِنَ الْمُنَازَعَةِ، فَإِنَّ الْبَطْرَقَ يَحْكُمُ عَلَى الْمَلِكِ، فَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
стр. 305
مِنَ الْهِجْرَةِ، فَاتَّفَقَ ابْنَاهُ مَعَ قُسْطَنْطِينَ عَلَى إِزَالَةِ أَبِيهِمَا، فَدَخَلَا عَلَيْهِ وَقَبَضَاهُ، وَسَيَّرَاهُ إِلَى دَيْرٍ لَهُ فِي جَزِيرَةٍ بِالْقُرْبِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرَادَا الْفَتْكَ بِهِ، فَسَبَقَهُمَا إِلَى ذَلِكَ وَقَبَضَ عَلَيْهِمَا وَسَيَّرَهُمَا إِلَى جَزِيرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ، فَوَثَبَ أَحَدُهُمَا بِالْمُوَكَّلِ بِهِ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَهُ أَهْلُ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ فَقَتَلُوهُ وَأَرْسَلُوا رَأْسَهُ إِلَى قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ، فَجَزِعَ لِقَتْلِهِ.
وَأَمَّا ارْمَانُوسْ فَقَدْ مَاتَ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ تَرَهُّبِهِ. وَدَامَ مُلْكُ قُسْطَنْطِينَ بَقِيَّةَ أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ وَالْقَاهِرِ وَالرَّاضِي وَالْمُسْتَكْفِي وَبَعْضَ أَيَّامِ الْمُطِيعِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى قُسْطَنْطِينَ هَذَا قُسْطَنْطِينُ بْنُ أَنْدَرُونَقَسْ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الْمُكْتَفِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ وَتُوُفِّيَ. فَهَرَبَ ابْنُهُ هَذَا عَلَى طَرِيقِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، فَسَارَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَنَازَعَ الْمَلِكَ قُسْطَنْطِينَ فِي مُلْكِهِ، وَذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَظَفِرَ بِهِ الْمَلِكُ فَقَتَلَهُ.
وَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ أَيْضًا صَاحِبُ رُومِيَّةَ، وَهِيَ كُرْسِيُّ مَلِكِ الْإِفْرِنْجِ، وَتُسَمَّى بِالْمُلْكِ، وَلَبِسَ ثِيَابَ الْمُلُوكِ. وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُطِيعُونَ مُلُوكَ الرُّومِ أَصْحَابَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَيَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَوِيَ مُلْكُ رُومِيَّةَ، فَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قُسْطَنْطِينُ الْعَسَاكِرَ يُقَاتِلُونَهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ وَعَادَتْ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَنْكُوبَةً فَكَفَّ حِينَئِذٍ قُسْطَنْطِينُ عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَرَضِيَ بِالْمُسَالَمَةِ وَجَرَى بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ، فَزَوَّجَ قُسْطَنْطِينُ ابْنَهُ أَرْمَانُوسْ بِابْنَةِ مَلِكِ رُومِيَّةَ.
وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ الْإِفْرِنْجِ بَعْدَ هَذَا يَقْوَى وَيَزْدَادُ وَيَتَّسِعُ مُلْكُهُمْ كَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ وَكَأَخْذِهِمْ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ وَبِلَادَ سَاحِلِ الشَّامِ وَالْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ مَلَكُوا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهَذَا أَنَّ الطَّوَائِفَ مِنَ التُّرْكِ اجْتَمَعَتْ، مِنْهُمُ الْبَجْنَاكُ وَالْبُخْتِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَصَدُوا مَدِينَةً لِلرُّومِ قَدِيمَةً تُسَمَّى وَلِيدُرْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ
стр. 306
وَثَلَاثِمِائَةٍ وَحَصَرُوهَا، فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى أَرْمِيَانُوسْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا كَثِيفًا فِيهِمْ مِنَ الْمُتَنَصِّرَةِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَاسْتَوْلَى التُّرْكُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَّبُوهَا بَعْدَ أَنْ أَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهَا وَالسَّبْيَ وَالنَّهْبَ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَحَصَرُوهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَغَارُوا عَلَى بِلَادِ الرُّومِ وَاتَّصَلَتْ غَارَاتُهُمْ إِلَى بِلَادِ الْإِفْرِنْجِ، ثُمَّ عَادُوا رَاجِعِينَ.
стр. 307
[ذِكْرُ وُصُولِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ إِلَى الْعِرَاقِ وَنُزُولِهِمُ الْحِيرَةَ]
قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ لَمَّا مَاتَ بُخْتُ نَصَّرَ انْضَمَّ الَّذِينَ أَسْكَنَهُمُ الْحِيرَةَ مِنَ الْعَرَبِ إِلَى أَهْلِ الْأَنْبَارِ، وَبَقِيَتِ الْحِيرَةُ خَرَابًا دَهْرًا طَوِيلًا، وَأَهْلُهَا بِالْأَنْبَارِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ قَادِمٌ، فَلَمَّا كَثُرَ أَوْلَادُ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَمَزَّقَتْهُمُ الْحُرُوبُ، خَرَجُوا يَطْلُبُونَ الرِّيفَ فِيمَا يَلِيهِمْ مِنَ الْيَمَنِ وَمَشَارِفِ الشَّامِ، وَأَقْبَلَتْ مِنْهُمْ قَبَائِلُ حَتَّى نَزَلُوا بِالْبَحْرَيْنِ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَزْدِ.
وَكَانَ الَّذِينَ أَقْبَلُوا مِنْ تِهَامَةَ مَالِكٌ وَعَمْرٌو ابْنَا فَهْمِ بْنِ تَيْمِ أَسَدَ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ قُضَاعَةَ، وَمَالِكُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ فَهْمٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَالْحَيْقَادُ بْنُ الْحَنَقِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ قَبِيصَ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ فِي قَبِيصَ كُلِّهَا، وَلَحِقَ بِهِمْ غَطَفَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الطَّمْثَانِ بْنِ عَوْذِ مَنَاةَ بْنِ يَقْدَمَ بْنِ أَفْصَى بْنِ دَعْمِيِّ بْنِ إِيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ وَغَيْرُهُ مِنْ إِيَادٍ، فَاجْتَمَعَ بِالْبَحْرَيْنِ قَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ وَتَحَالَفُوا عَلَى التَّنُوخِ، وَهُوَ الْمَقَامُ، وَتَعَاقَدُوا عَلَى التَّنَاصُرِ وَالتَّسَاعُدِ، فَصَارُوا يَدًا وَاحِدَةً وَضَمَّهُمُ اسْمُ تَنُوخَ، وَتَنَخَ عَلَيْهِمْ بُطُونٌ مِنْ نُمَارَةَ بْنِ لَخْمٍ، وَدَعَا مَالِكُ بْنُ زُهَيْرٍ جَذِيمَةَ الْأَبْرَشَ بْنَ مَالِكِ بْنِ فَهْمِ بْنِ غَانِمِ بْنِ دَوْسٍ الْأَزْدِيَّ إِلَى التَّنُوخِ مَعَهُ، وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ لَمِيسَ، فَتَنَخَ جَذِيمَةُ، وَكَانَ
стр. 308
اجْتِمَاعُهُمْ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا مُلُوكَ الطَّوَائِفِ لِأَنَّ كُلَّ مَلِكٍ مِنْهُمْ كَانَ مُلْكُهُ عَلَى طَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ الْأَرْضِ.
قَالَ: ثُمَّ تَطَلَّعَتْ أَنْفُسُ مَنْ كَانَ بِالْبَحْرَيْنِ إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ، فَطَمِعُوا فِي غَلَبَةِ الْأَعَاجِمِ عَلَى مَا يَلِي بِلَادَ الْعَرَبِ مِنْهُ أَوْ مُشَارَكَتِهِمْ فِيهِ لِاخْتِلَافٍ بَيْنَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ طَلَعَ مِنْهُمُ الْحِيقَادُ ابْنُ الْحَنَقِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَأَخْلَاطٍ مِنَ النَّاسِ، فَوَجَدُوا الْأَرْمَانِيِّينَ - وَهُمُ الَّذِينَ مَلَكُوا أَرْضَ بَابِلَ وَمَا يَلِيهَا إِلَى نَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ - يُقَاتِلُونَ الْأُرْدُوَانِيِّينَ - وَهُمْ مُلُوكُ الطَّوَائِفِ - وَهُوَ مَا بَيْنَ نِفَّرَ - وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ سَوَادِ الْعِرَاقِ إِلَى الْأُبُلَّةِ - فَدَفَعُوهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ، وَالْأَرْمَانِيُّونَ مِنْ بَقَايَا إِرَمَ فَلِهَذَا سُمُّوا الْأَرْمَانِيِّينَ، وَهُمْ نَبَطُ السَّوَادِ.
ثُمَّ طَلَعَ مَالِكٌ وَعَمْرٌو ابْنَا فَهْمِ بْنِ تَيْمِ اللَّهِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ تَنُوخَ إِلَى الْأَنْبَارِ عَلَى مُلْكِ الْأَرْمَانِيِّينَ، وَطَلَعَ نَمَارَةُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى نِفَّرٍ عَلَى مُلْكِ الْأُرْدُوَانِيِّينَ، وَكَانُوا لَا يَدِينُونَ لِلْأَعَاجِمِ حَتَّى قَدِمَهَا تُبَّعٌ، وَهُوَ أَسْعَدُ أَبُو كَرْبِ بْنُ مَلْكِيكَرِبَ فِي جُيُوشِهِ، فَخَلَّفَ بِهَا مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قُوَّةٌ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَسَارَ تُبَّعٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ فَأَقَرَّهُمْ عَلَى حَالِهِمْ، وَرَجَعَ إِلَى الْيَمَنِ وَفِيهِمْ مِنْ كُلِّ الْقَبَائِلِ، وَنَزَلَتْ تَنُوخُ مِنَ الْأَنْبَارِ إِلَى الْحِيرَةِ فِي الْأَخْبِيَةِ لَا يَسْكُنُونَ بُيُوتَ الْمَدَرِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ فَهْمٍ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ مِمَّا يَلِي الْأَنْبَارَ.
ثُمَّ مَاتَ مَالِكٌ، فَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ عَمْرُو بْنُ فَهْمِ بْنِ غَانِمِ بْنِ دَوْسٍ الْأَزْدِيُّ، ثُمَّ مَاتَ فَمَلَكَ بَعْدَهُ جَذِيمَةُ الْأَبْرَشُ بْنُ مَالِكِ بْنِ فَهْمٍ. وَقِيلَ: إِنَّ جَذِيمَةَ مِنَ الْعَادِيَّةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي وَبَارِ بْنِ أُمَيْمِ بْنِ لَوْذِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ ﵇ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ جَذِيمَةَ الْأَبْرَشِ
стр. 309
قَالَ: وَكَانَ جَذِيمَةُ مِنْ أَفْضَلِ مُلُوكِ الْعَرَبِ رَأْيًا، وَأَبْعَدِهِمْ مَغَارًا، وَأَشَدِّهِمْ نِكَايَةً، وَأَوَّلِ مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ الْمُلْكُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْعَرَبَ، وَغَزَا بِالْجُيُوشِ، وَكَانَ بِهِ بَرَصٌ فَكَنَتِ الْعَرَبُ عَنْهُ، فَقِيلَ: الْوَضَّاحُ، وَالْأَبْرَشُ، إِعْظَامًا لَهُ.
وَكَانَتْ مَنَازِلُهُ مَا بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْأَنْبَارِ وَبَقَّةَ وَهِيتَ وَعَيْنِ التَّمْرِ وَأَطْرَافِ الْبَرِّ إِلَى الْعُمَيْرِ وَخَفِيَّةَ، وَتُجْبَى إِلَيْهِ الْأَمْوَالُ، وَتَفِدُ إِلَيْهِ الْوُفُودُ.
وَكَانَ غَزَا طَسْمًا وَجَدِيسًا فِي مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْيَمَامَةِ، فَأَصَابَ حَسَّانُ بْنُ تُبَّعٍ أَسْعَدَ أَبِي كَرْبٍ قَدْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ فَعَادَ بِمَنْ مَعَهُ، وَأَصَابَ حَسَّانُ سِرِّيَّةً لِجَذِيمَةَ فَاجْتَاحَهَا.
وَكَانَ لَهُ صَنَمَانِ يُقَالُ لَهُمَا الضَّيْزَنَانِ، وَكَانَتْ إِيَادُ بِعَيْنِ أُبَاغٍ، فَذُكِرَ لِجَذِيمَةَ غُلَامٌ مِنْ لَخْمٍ فِي أَخْوَالِهِ مِنْ إِيَادٍ يُقَالُ لَهُ: عِدِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ رَبِيعَةَ، لَهُ جَمَالٌ وَظَرْفٌ، فَغَزَاهُمْ جَذِيمَةُ، فَبَعَثَتْ إِيَادُ مَنْ سَرَقَ صَنَمَيْهِ وَحَمَلَهُمَا إِلَى إِيَادٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: إِنَّ صَنَمَيْكَ أَصْبَحَا فِينَا زُهْدًا فِيكَ وَرَغْبَةً فِينَا، فَإِنْ أَوْثَقْتَ لَنَا أَنْ لَا تَغْزُونَا دَفَعْنَاهُمَا إِلَيْكَ. قَالَ: وَتَدْفَعُونَ مَعَهُمَا عَدِيَّ بْنَ نَصْرٍ، فَأَجَابُوهُ
стр. 310
إِلَى ذَلِكَ وَأَرْسَلُوهُ مَعَ الصَّنَمَيْنِ فَضَمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَوَلَّاهُ شَرَابَهُ.
فَأَبْصَرَتْهُ رَقَاشُ أُخْتُ جَذِيمَةَ فَعَشِقَتْهُ وَرَاسَلَتْهُ لِيَخْطُبَهَا إِلَى جَذِيمَةَ، فَقَالَ: لَا أَجْتَرِئُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا أَطْمَعُ فِيهِ. قَالَتْ: إِذَا جَلَسَ عَلَى شَرَابِهِ فَاسْقِهِ صِرْفًا وَاسْقِ الْقَوْمَ مَمْزُوجًا، فَإِذَا أَخَذَتِ الْخَمْرُ فِيهِ فَاخْطُبْنِي إِلَيْهِ فَلَنْ يَرُدَّكَ، فَإِذَا زَوَّجَكَ فَأَشْهِدِ الْقَوْمَ.
فَفَعَلَ عَدِيٌّ مَا أَمَرَتْهُ، فَأَجَابَهُ جَذِيمَةُ وَأَمْلَكَهُ إِيَّاهَا، فَانْصَرَفَ إِلَيْهَا فَأَعْرَسَ بِهَا مِنْ لَيْلَتِهِ وَأَصْبَحَ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ لَهُ جَذِيمَةُ، وَأَنْكَرَ مَا رَأَى بِهِ: مَا هَذِهِ الْآثَارُ يَا عَدِيُّ؟ قَالَ: آثَارُ الْعُرْسِ. قَالَ: أَيُّ عُرْسٍ؟ قَالَ: عُرْسُ رَقَاشٍ. قَالَ: مَنْ زَوَّجَكُمَا وَيْحَكَ! قَالَ: الْمَلِكُ. فَنَدِمَ جَذِيمَةُ وَأَكَبَّ عَلَى الْأَرْضِ مُتَفَكِّرًا، وَهَرَبَ عَدِيٌّ، فَلَمْ يُرَ لَهُ أَثَرٌ وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا جَذِيمَةُ: خَبِّرِينِي وَأَنْتِ لَا تَكْذِبِينِي أَبِحُرٍّ زَنَيْتِ أَمْ بِهَجِينِ أَمْ بِعَبْدٍ فَأَنْتِ أَهْلٌ لِعَبْدٍ أَمْ بِدُونٍ فَأَنْتِ أَهْلٌ لِدُونِ.
فَقَالَتْ: لَا بَلْ أَنْتَ زَوَّجْتَنِي امْرَأً عَرَبِيًّا حَسِيبًا وَلَمْ تَسْتَأْمِرْنِي فِي نَفْسِي. فَكَفَّ عَنْهَا وَعَذَرَهَا.
وَرَجَعَ عَدِيٌّ إِلَى إِيَادٍ فَكَانَ فِيهِمْ. فَخَرَجَ يَوْمًا مَعَ فِتْيَةٍ مُتَصَيِّدِينَ، فَرَمَى بِهِ فَتًى مِنْهُمْ فِي مَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَتَنَكَّسَ فَمَاتَ.
فَحَمَلَتْ رَقَاشُ فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ عَمْرًا، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ وَشَبَّ أَلْبَسَتْهُ وَعَطَّرَتْهُ وَأَزَارَتْهُ خَالَهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَحَبَّهُ وَجَعَلَهُ مَعَ وَلَدِهِ، وَخَرَجَ جَذِيمَةُ مُتَبَدِّيًا بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فِي سَنَةٍ خَصِيبَةٍ، فَأَقَامَ فِي رَوْضَةٍ ذَاتِ زَهْرٍ وَغُدُرٍ، فَخَرَجَ وَلَدُهُ وَعَمْرٌو مَعَهُمْ يَجْتَنُونَ الْكَمْأَةَ، فَكَانُوا إِذَا أَصَابُوا كَمْأَةً جَيِّدَةً أَكَلُوهَا، وَإِذَا أَصَابَهَا عَمْرٌو خَبَّأَهَا، فَانْصَرَفُوا إِلَى جَذِيمَةَ يَتَعَادُونَ، وَعَمْرٌو يَقُولُ:
هَذَا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيهِ ... إِذْ كُلُّ جَانٍ يَدُهُ فِي فِيهِ.
стр. 311
فَضَمَّهُ جَذِيمَةُ إِلَيْهِ وَالْتَزَمَهُ وَسُرَّ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَأَمَرَ فَجُعِلَ لَهُ حُلِيٌّ مِنْ فِضَّةٍ وَطَوْقٌ، فَكَانَ أَوَّلَ عَرَبِيٍّ أُلْبِسَ طَوْقًا.
فَبَيْنَا هُوَ عَلَى أَحْسَنِ حَالَةٍ إِذِ اسْتَطَارَتْهُ الْجِنُّ، فَطَلَبَهُ جَذِيمَةُ فِي الْآفَاقِ زَمَانًا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَلْقِينِ قُضَاعَةَ، يُقَالُ لَهُمَا: مَالِكٌ وَعَقِيلٌ ابْنَا فَارِجِ بْنِ مَالِكٍ مِنَ الشَّامِ يُرِيدَانِ جَذِيمَةَ، وَأَهْدَيَا لَهُ طُرَفًا، فَنَزَلَا مَنْزِلًا وَمَعَهُمَا قَيْنَةٌ لَهُمَا تُسَمَّى أُمَّ عَمْرٍو، فَقَدَّمَتْ طَعَامًا. فَبَيْنَمَا هُمَا يَأْكُلَانِ إِذْ أَقْبَلَ فَتًى عُرْيَانٌ قَدْ تَلَبَّدَ شَعْرُهُ وَطَالَتْ أَظَافِرُهُ وَسَاءَتْ حَالُهُ، فَجَلَسَ نَاحِيَةً عَنْهُمَا وَمَدَّ يَدَهُ يَطْلُبُ الطَّعَامَ، فَنَاوَلَتْهُ الْقَيْنَةُ كُرَاعًا فَأَكَلَهَا، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ ثَانِيَةً، فَقَالَتْ: لَا تُعْطِ الْعَبْدَ كُرَاعًا فَيَطْمَعَ فِي الذِّرَاعِ! فَذَهَبَتْ مَثَلًا، ثُمَّ سَقَتْهُمَا مِنْ شَرَابٍ مَعَهَا وَأَوْكَتْ زِقَّهَا، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَدِيٍّ:
صَدَدْتِ الْكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْرٍو ... وَكَانَ الْكَأْسُ مَجْرَاهَا الْيَمِينَا
وَمَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ أُمَّ عَمْرٍو ... بِصَاحِبِكِ الَّذِي لَا تُصْبِحِينَا
فَسَأَلَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: إِنْ تُنْكِرَانِي أَوْ تُنْكِرَا نَسَبِي، فَإِنِّي أَنَا عَمْرُو بْنُ عَدِيِّ بْنِ تَنُوخِيَةَ اللَّخْمِيُّ، وَغَدًا مَا تَرَيَانِي فِي نُمَارَةَ غَيْرَ مَعْصِيٍّ.
فَنَهَضَا وَغَسَلَا رَأَسَهُ وَأَصْلَحَا حَالَهُ وَأَلْبَسَاهُ ثِيَابًا وَقَالَا: مَا كُنَّا لِنَهْدِيَ لِجَذِيمَةَ أَنْفَسَ مِنِ ابْنِ أُخْتِهِ! فَخَرَجَا بِهِ إِلَى جَذِيمَةَ، فَسُرَّ بِهِ سُرُورًا شَدِيدًا وَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ ذَهَبَ وَعَلَيْهِ طَوْقٌ، فَمَا ذَهَبَ مِنْ عَيْنِي وَقَلْبِي إِلَى السَّاعَةِ، وَأَعَادُوا عَلَيْهِ الطَّوْقَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: " شَبَّ عَمْرٌو عَنِ الطَّوْقِ "، وَأَرْسَلَهَا مَثَلًا، وَقَالَ لِمَالِكٍ وَعَقِيلٍ: حُكْمُكُمَا. قَالَا: حُكْمُنَا مُنَادَمَتُكَ مَا بَقِينَا وَبَقِيتَ، فَهُمَا نُدْمَانَا جَذِيمَةَ اللَّذَانِ يُضْرَبَانِ مَثَلًا.
стр. 312
وَكَانَ مَلِكُ الْعَرَبِ بِأَرْضِ الْجَزِيرَةِ وَمَشَارِفِ الشَّامِ عَمْرَو بْنَ الظَّرِبِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ أُذَيْنَةَ الْعِمْلِيقِيَّ مِنْ عَامِلَةِ الْعَمَالِقَةِ، فَتَحَارَبَ هُوَ وَجَذِيمَةُ، فَقُتِلَ عَمْرٌو وَانْهَزَمَتْ عَسَاكِرُهُ، وَعَادَ جَذِيمَةُ سَالِمًا.
وَمَلَكَتْ بَعْدَ عَمْرٍو ابْنَتُهُ الزَّبَّاءُ، وَاسْمُهَا نَائِلَةُ، وَكَانَ جُنُودُ الزَّبَّاءِ بَقَايَا الْعَمَالِيقِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ لَهَا مِنَ الْفُرَاتِ إِلَى تَدْمُرَ. فَلَمَّا اسْتَجْمَعَ لَهَا أَمْرُهَا وَاسْتَحْكَمَ مُلْكُهَا اجْتَمَعَتْ لِغَزْوِ جَذِيمَةَ تَطْلُبُ بِثَأْرِ أَبِيهَا، فَقَالَتْ لَهَا أُخْتُهَا رَبِيبَةُ، وَكَانَتْ عَاقِلَةً: إِنْ غَزَوْتِ جَذِيمَةَ فَإِنَّمَا هُوَ يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، وَأَشَارَتْ بِتَرْكِ الْحَرْبِ وَإِعْمَالِ الْحِيلَةِ. فَأَجَابَتْهَا إِلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَتْ إِلَى جَذِيمَةَ تَدْعُوهُ إِلَى نَفْسِهَا وَمُلْكِهَا، وَكَتَبَتْ إِلَيْهِ أَنَّهَا لَمْ تَجِدْ مُلْكَ النِّسَاءِ إِلَّا قُبْحًا فِي السَّمَاعِ وَضَعْفًا فِي السُّلْطَانِ، وَأَنَّهَا لَمْ تَجِدْ لِمُلْكِهَا وَلَا لِنَفْسِهَا كُفُوًا غَيْرَهُ.
فَلَمَّا انْتَهَى كِتَابُ الزَّبَّاءِ إِلَيْهِ اسْتَخَفَّ مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ وَجَمَعَ إِلَيْهِ ثِقَاتِهِ، وَهُوَ بِبَقِيَّةٍ مِنْ شَاطِئِ الْفُرَاتِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ وَاسْتَشَارَهُمْ، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهَا وَيَسْتَوْلِيَ عَلَى مُلْكِهَا.
وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ قَصِيرُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ لَخْمٍ، وَكَانَ سَعْدٌ تَزَوَّجَ أَمَةً لِجَذِيمَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ قَصِيرًا، وَكَانَ أَرِيبًا حَازِمًا نَاصِحًا لِجَذِيمَةَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَخَالَفَهُمْ فِيمَا أَشَارُوا بِهِ عَلَيْهِ وَقَالَ: رَأْيٌ فَاتِرٌ، وَغَدْرٌ حَاضِرٌ، فَذَهَبَتْ مَثَلًا، وَقَالَ لِجَذِيمَةَ: اكْتُبْهَا إِلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَلْتُقْبِلْ إِلَيْكَ وَإِلَّا لَمْ تُمَكِّنْهَا مِنْ نَفْسِكَ وَقَدْ وَتَرْتَهَا وَقَتَلْتَ أَبَاهَا.
فَلَمْ يُوَافِقْ جَذِيمَةُ مَا أَشَارَ بِهِ قَصِيرٌ وَقَالَ لَهُ: لَا وَلَكِنَّكَ امْرُؤٌ رَأْيُكَ فِي الْكَنِّ لَا فِي الضَّحِّ، فَذَهَبَتْ مَثَلًا.
وَدَعَا جَذِيمَةُ ابْنَ أُخْتِهِ عَمْرَو بْنَ عَدِيٍّ فَاسْتَشَارَهُ، فَشَجَّعَهُ عَلَى الْمَسِيرِ وَقَالَ: إِنَّ نُمَارَةَ قَوْمِي مَعَ الزَّبَّاءِ فَلَوْ رَأَوْكَ صَارُوا مَعَكَ، فَأَطَاعَهُ.
стр. 313
فَقَالَ قَصِيرٌ: لَا يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ. وَقَالَتِ الْعَرَبُ: بِبَقَّةَ أُبْرِمَ الْأَمْرُ فَذَهَبَتَا مَثَلًا.
وَاسْتَخْلَفَ جَذِيمَةُ عَمْرَو بْنَ عَدِيٍّ عَلَى مُلْكِهِ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْجِنِّ عَلَى خُيُولِهِ مَعَهُ، وَسَارَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ الْفُرْضَةَ قَالَ لِقَصِيرٍ: مَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: بِبَقَّةَ تَرَكْتُ الرَّأْيَ، فَذَهَبَتْ مَثَلًا.
وَاسْتَقْبَلَهُ رُسُلُ الزَّبَّاءِ بِالْهَدَايَا وَالْأَلْطَافِ، فَقَالَ: يَا قَصِيرُ كَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: خَطَرٌ يَسِيرٌ، وَخَطْبٌ كَبِيرٌ، فَذَهَبَتْ مَثَلًا، وَسَتَلْقَاكَ الْخُيُولُ، فَإِنْ سَارَتْ أَمَامَكَ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ صَادِقَةٌ، وَإِنْ أَخَذَتْ جَنْبَيْكَ وَأَحَاطَتْ بِكَ فَإِنَّ الْقَوْمَ غَادِرُونَ، فَارْكَبِ الْعَصَا، وَكَانَتْ فَرَسًا لِجَذِيمَةَ لَا تُجَارَى، فَإِنِّي رَاكِبُهَا وَمُسَايِرُكَ عَلَيْهَا.
فَلَقِيَتْهُ الْكَتَائِبُ فَحَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَصَا، فَرَكِبَهَا قَصِيرٌ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ جَذِيمَةُ مُوَلِّيًا عَلَى مَتْنِهَا، فَقَالَ: " وَيْلَ أُمِّهِ حَزْمًا عَلَى مَتْنِ الْعَصَا! " فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَقَالَ: " يَا ضَلَّ مَنْ تَجْرِي بِهِ الْعَصَا " وَجَرَتْ بِهِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، ثُمَّ نَفَقَتْ وَقَدْ قَطَعَتْ أَرْضًا بَعِيدَةً، فَبَنَى عَلَيْهَا بُرْجًا يُقَالُ لَهُ بُرْجُ الْعَصَا، مَثَلٌ تَضْرِبُهُ.
وَقَالَتِ الْعَرَبُ: " خَيْرُ مَا جَاءَتْ بِهِ الْعَصَا ". مَثَلٌ تَضْرِبُهُ.
وَسَارَ جَذِيمَةُ وَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ الْخُيُولُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الزَّبَّاءِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ تَكَشَّفَتْ، فَإِذَا هِيَ مَضْفُورَةُ الْإِسْبِ، وَالْإِسْبُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ شَعْرُ الْإِسْتِ، وَقَالَتْ لَهُ: " يَا جَذِيمَةُ أَدْأَبُ عَرُوسٍ تَرَى؟ " فَذَهَبَتْ مَثَلًا. فَقَالَ: " بَلَغَ الْمَدَى، وَجَفَّ الثَّرَى، وَأَمْرُ غَدْرٍ أَرَى " فَذَهَبَتْ مَثَلًا. فَقَالَتْ لَهُ: " أَمَا وَإِلَهِي مَا بِنَا مِنْ عَدَمِ مُوَاسٍ، وَلَا قِلَّةِ أُوَاسٍ، وَلَكِنَّهَا شِيمَةٌ مِنْ أُنَاسٍ ". فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَقَالَتْ لَهُ: أُنْبِئْتُ أَنَّ
стр. 314
دِمَاءَ الْمُلُوكِ شِفَاءٌ مِنَ الْكَلْبِ. ثُمَّ أَجْلَسَتْهُ عَلَى نِطْعٍ، وَأَمَرَتْ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَأُعِدَّ لَهُ، وَسَقَتْهُ الْخَمْرَ حَتَّى أَخَذَتْ مِنْهُ مَأْخَذَهَا ثُمَّ أَمَرَتْ بِرَاهِشَيْهِ فَقُطِعَا، وَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ الطَّسْتَ، وَقَدْ قِيلَ لَهَا: إِنْ قَطَرَ مِنْ دَمِهِ شَيْءٌ فِي غَيْرِ الطَّسْتِ طُلِبَ بِدَمِهِ. وَكَانَتِ الْمُلُوكُ لَا تَقْتُلُ بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ إِلَّا فِي قِتَالٍ تَكْرِمَةً لِلْمُلْكِ. فَلَمَّا ضَعُفَتْ يَدَاهُ سَقَطَتَا، فَقُطِرَ مِنْ دَمِهِ فِي غَيْرِ الطَّسْتِ، فَقَالَتْ: لَا تُضَيِّعُوا دَمَ الْمَلِكِ! فَقَالَ جَذِيمَةُ: " دَعُوا دَمًا ضَيَّعَهُ أَهْلُهُ ". فَذَهَبَتْ مَثَلًا.
فَهَلَكَ جَذِيمَةُ، وَخَرَجَ قَصِيرٌ مِنَ الْحَيِّ الَّذِينَ هَلَكَتِ الْعَصَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، حَتَّى قِدَمَ عَلَى عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ، وَهُوَ بِالْحِيرَةِ، فَوَجَدَهُ قَدِ اخْتَلَفَ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْجِنِّ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَأَطَاعَ النَّاسُ عَمْرَو بْنَ عَدِيٍّ، وَقَالَ لَهُ قَصِيرٌ: تَهَيَّأْ وَاسْتَعِدَّ وَلَا تُطِلْ دَمَ خَالِكَ. فَقَالَ: " كَيْفَ لِي بِهَا وَهِيَ أَمْنَعُ مِنْ عُقَابِ الْجَوِّ؟ " فَذَهَبَتْ مَثَلًا.
وَكَانَتِ الزَّبَّاءُ سَأَلَتْ كَهَنَةً عَنْ أَمْرِهَا وَهَلَاكِهَا، فَقَالُوا لَهَا: نَرَى هَلَاكَكِ بِسَبَبِ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ، وَلَكِنَّ حَتْفَكِ بِيَدِكِ، فَحَذِرَتْ عَمْرًا وَاتَّخَذَتْ نَفَقًا مِنْ مَجْلِسِهَا إِلَى حِصْنٍ لَهَا دَاخِلَ مَدِينَتِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: إِنْ فَجَأَنِي أَمْرٌ دَخَلْتُ النَّفَقَ إِلَى حِصْنِي، وَدَعَتْ رَجُلًا مُصَوِّرًا حَاذِقًا، فَأَرْسَلَتْهُ إِلَى عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ مُتَنَكِّرًا وَقَالَتْ لَهُ: صَوِّرْهُ جَالِسًا وَقَائِمًا وَمُتَفَضِّلًا وَمُتَنَكِّرًا وَمُتَسَلِّحًا بِهَيْئَتِهِ وَلُبْسِهِ وَلَوْنِهِ ثُمَّ أَقْبِلْ إِلَيَّ. فَفَعَلَ الْمُصَوِّرُ مَا أَوْصَتْهُ الزَّبَّاءُ وَعَادَ إِلَيْهَا، وَأَرَادَتْ أَنْ تَعْرِفَ عَمْرَو بْنَ عَدِيٍّ فَلَا تَرَاهُ عَلَى حَالٍ إِلَّا عَرَفَتْهُ وَحَذِرَتْهُ.
وَقَالَ قَصِيرٌ لِعَمْرٍو: اجْدَعْ أَنْفِي وَاضْرِبْ ظَهْرِي وَدَعْنِي وَإِيَّاهَا. فَقَالَ عَمْرٌو: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. فَقَالَ قَصِيرٌ: " خَلِّ عَنِّي إِذًا وَخَلَاكَ ذَمٌّ "، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. فَقَالَ عَمْرٌو: فَأَنْتَ أَبْصَرُ، فَجَدَعَ قَصِيرٌ أَنْفَهُ وَدَقَّ بِظَهْرِهِ وَخَرَجَ كَأَنَّهُ هَارِبٌ، وَأَظْهَرَ أَنَّ عَمْرًا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وَسَارَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى الزَّبَّاءِ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّ قَصِيرًا بِالْبَابِ، فَأَمَرَتْ بِهِ فَأُدْخِلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَنْفُهُ قَدْ جُدِعَ وَظَهْرُهُ قَدْ ضُرِبَ، فَقَالَتْ: " لِأَمْرٍ مَا جَدَعَ قَصِيرٌ أَنْفَهُ "، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. قَالَتْ: مَا الَّذِي أَرَى بِكَ يَا قَصِيرُ؟ قَالَ: زَعَمَ عَمْرٌو أَنِّي غَدَرْتُ خَالَهُ وَزَيَّنْتُ لَهُ الْمَسِيرَ إِلَيْكِ وَمَالَأْتُكِ عَلَيْهِ ; فَفَعَلَ بِي مَا تَرَيْنَ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكِ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَا أَكُونُ مَعَ أَحَدٍ
стр. 315
هُوَ أَثْقَلُ عَلَيْهِ مِنْكِ. فَأَكْرَمَتْهُ، وَأَصَابَتْ عِنْدَهُ بَعْضَ مَا أَرَادَتْ مِنَ الْحَزْمِ وَالرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأُمُورِ الْمُلْكِ.
فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهَا قَدِ اسْتَرْسَلَتْ إِلَيْهِ وَوَثِقَتْ بِهِ، قَالَ لَهَا: إِنَّ لِي بِالْعِرَاقِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَلِي بِهَا طَرَائِفُ وَعِطْرٌ، فَابْعَثِينِي لِأَحْمِلَ مَالِي وَأَحْمِلَ إِلَيْكِ مِنْ طَرَائِفِهَا وَصُنُوفِ مَا يَكُونُ بِهَا مِنَ التِّجَارَاتِ فَتُصِيبِينَ أَرْبَاحًا وَبَعْضَ مَا لَا غَنَاءَ لِلْمُلُوكِ عَنْهُ. فَسَرَّحَتْهُ وَدَفَعَتْ إِلَيْهِ أَمْوَالًا وَجَهَّزَتْ مَعَهُ عِيرًا، فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ الْعِرَاقَ وَأَتَى عَمْرَو بْنَ عَدِيٍّ مُتَخَفِّيًا وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ وَقَالَ: جَهِّزْنِي بِالْبَزِّ وَالطُّرَفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَعَلَّ اللَّهَ يُمَكِّنُ مِنَ الزَّبَّاءِ فَتُصِيبَ ثَأْرَكَ وَتَقْتُلَ عَدُوَّكَ. فَأَعْطَاهُ حَاجَتَهُ، فَرَجَعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى الزَّبَّاءِ فَعَرَضَهُ عَلَيْهَا، فَأَعْجَبَهَا وَسَرَّهَا وَازْدَادَتْ بِهِ ثِقَةً، ثُمَّ جَهَّزَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِمَّا جَهَّزَتْهُ بِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى. فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ الْعِرَاقَ وَحَمَلَ مِنْ عِنْدِ عَمْرٍو حَاجَتَهُ وَلَمْ يَدَعْ طُرْفَةً وَلَا مَتَاعًا قَدَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ الثَّالِثَةَ فَأَخْبَرَ عَمْرًا الْخَبَرَ وَقَالَ: اجْمَعْ لِي ثِقَاتِ أَصْحَابِكَ وَجُنْدَكَ وَهَيِّءْ لَهُمُ الْغَرَائِرَ - وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَهَا - وَاحْمِلْ كُلَّ رَجُلَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ فِي غِرَارَتَيْنِ وَاجْعَلْ مُعَقَّدَ رُءُوسِهِمَا مِنْ بَاطِنِهِمَا. وَقَالَ لَهُ: إِذَا دَخَلْتُ مَدِينَةَ الزَّبَّاءِ أَقَمْتُكَ عَلَى بَابِ نَفَقِهَا، وَخَرَجَتِ الرِّجَالُ مِنَ الْغَرَائِرِ فَصَاحُوا بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَمَنْ قَاتَلَهُمْ قَاتَلُوهُ، وَإِنْ أَقْبَلَتِ الزَّبَّاءُ تُرِيدُ نَفَقَهَا قَتَلْتَهَا.
فَفَعَلَ عَمْرٌو ذَلِكَ وَسَارُوا، فَلَمَّا كَانُوا قَرِيبًا مِنَ الزَّبَّاءِ، تَقَدَّمَ قَصِيرٌ إِلَيْهَا فَبَشَّرَهَا وَأَعْلَمَهَا كَثْرَةَ مَا حَمَلَ مِنَ الثِّيَابِ وَالطَّرَائِفِ، وَسَأَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ وَتَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ وَمَا عَلَيْهَا، وَكَانَ قَصِيرٌ يَكْمُنُ النَّهَارَ وَيَسِيرُ اللَّيْلَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَخَرَجَتِ الزَّبَّاءُ فَأَبْصَرَتِ الْإِبِلَ تَكَادُ قَوَائِمُهَا تَسُوخُ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَتْ: يَا قَصِيرُ
مَا لِلْجِمَالِ مَشْيُهَا وَئِيدَا ... أَجَنْدَلًا يَحْمِلْنَ أَمْ حَدِيدَا
أَمْ صَرَفَانًا بَارِدًا شَدِيدَا ... أَمِ الرِّجَالَ جُثَّمًا قُعُودَا
стр. 316
وَدَخَلَتِ الْإِبِلُ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتْهَا أُنِيخَتْ وَخَرَجَ الرِّجَالُ مِنَ الْغَرَائِرِ، وَدَلَّ قَصِيرٌ عَمْرًا عَلَى بَابِ النَّفَقِ وَصَاحُوا بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَوَضَعُوا فِيهِمُ السِّلَاحَ، وَقَامَ عَمْرٌو عَلَى بَابِ النَّفَقِ. وَأَقْبَلَتِ الزَّبَّاءُ تُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنَ النَّفَقِ، فَلَمَّا أَبْصَرَتْ عَمْرًا قَائِمًا عَلَى بَابِ النَّفَقِ عَرَفَتْهُ بِالصُّورَةِ الَّتِي عَمِلَهَا الْمُصَوِّرُ، فَمَصَّتْ سُمًّا كَانَ فِي خَاتَمِهَا، فَقَالَتْ: " بِيَدِي لَا بِيَدِ عَمْرٍو "! فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَتَلَقَّاهَا عَمْرٌو بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهَا وَأَصَابَ مَا أَصَابَ مِنَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْعِرَاقِ. وَصَارَ الْمُلْكُ بَعْدَ جَذِيمَةَ لِابْنِ أُخْتِهِ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سُعُودِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُمَارَةَ بْنِ لَخْمٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْحِيرَةَ مَنْزِلًا مِنْ مُلُوكِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَزَلْ مَلِكًا حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: مِائَةٌ وَثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ، مِنْهَا أَيَّامُ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ خَمْسٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَأَيَّامُ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشْرَةَ أَشْهُرٍ، وَأَيَّامُ ابْنِهِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ ثَمَانِي سِنِينَ وَشَهْرَانِ، وَكَانَ مُنْفَرِدًا بِمُلْكِهِ يَغْزُو الْمَغَازِيَ، وَلَا يَدِينُ لِمُلُوكِ الطَّوَائِفِ إِلَى أَنْ مَلَكَ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ أَهْلَ فَارِسَ. وَلَمْ يَزَلِ الْمُلْكُ فِي وَلَدِهِ إِلَى أَنْ كَانَ آخِرَهُمُ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ، إِلَى أَيَّامِ مُلُوكِ كِنْدَةَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقِيلَ فِي سَبَبِ مَسِيرِ وَلَدِ نَصْرِ بْنِ رَبِيعَةَ إِلَى الْعِرَاقِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ رُؤْيَا رَآهَا رَبِيعَةُ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهَا عِنْدَ أَمْرِ الْحَبَشَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[ذِكْرُ طَسْمٍ وَجَدِيسٍ وَكَانُوا أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ]
стр. 317
كَانَ طَسْمُ بْنُ لَوْذِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَجَدِيسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ أَزْهَرَ بْنِ سَامٍ ابْنَيْ عَمٍّ، وَكَانَتْ مَسَاكِنُهُمْ مَوْضِعَ الْيَمَامَةِ، وَكَانَ اسْمُهَا حِينَئِذٍ جَوَا، وَكَانَتْ مِنْ أَخْصَبِ الْبِلَادِ وَأَكْثَرِهَا خَيْرًا، وَكَانَ مَلِكُهُمْ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ عِمْلِيقْ، وَكَانَ ظَالِمًا قَدْ تَمَادَى فِي الظُّلْمِ وَالْغَشْمِ وَالسِّيرَةِ الْكَثِيرَةِ الْقُبْحِ، وَإِنَّ امْرَأَةً مِنْ جَدِيسٍ يُقَالُ لَهَا هَزِيلَةُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَأَرَادَ أَخْذَ وَلَدِهَا مِنْهَا فَخَاصَمَتْهُ إِلَى عِمْلِيقْ وَقَالَتْ: أَيُّهَا الْمَلِكُ حَمَلْتُهُ تِسْعًا، وَوَضَعْتُهُ دَفْعًا، وَأَرْضَعْتُهُ شَفْعًا، حَتَّى إِذَا تَمَّتْ أَوْصَالُهُ، وَدَنَا فِصَالُهُ، أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنِّي كُرْهًا، وَيَتْرُكَنِي بَعْدَهُ وَرِهًا. فَقَالَ زَوْجُهَا: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهَا أُعْطِيَتْ مَهْرَهَا كَامِلًا، وَلَمْ أُصِبْ مِنْهَا طَائِلًا، إِلَّا وَلِيدًا خَامِلًا، فَافْعَلْ مَا كُنْتَ فَاعِلًا. فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِالْغُلَامِ فَصَارَ فِي غِلْمَانِهِ، وَأَنْ تُبَاعَ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا فَيُعْطَى الزَّوْجُ خُمْسَ ثَمَنِهَا وَتُعْطَى الْمَرْأَةُ عُشْرَ ثَمَنِ زَوْجِهَا، فَقَالَتْ هَزِيلَةُ:
أَتَيْنَا أَخَا طَسْمٍ لِيَحْكُمَ بَيْنَنَا ... فَأَنْفَذَ حُكْمًا فِي هَزِيلَةَ ظَالِمَا
لَعَمْرِي لَقَدْ حَكَّمْتَ لَا مُتَوَرِّعَا ... وَلَا كُنْتَ فِيمَنْ يُبْرِمُ الْحُكْمَ عَالِمَا
نَدِمْتُ وَلَمْ أَنْدَمْ وَأَنَّى بِعِتْرَتِي ... وَأَصْبَحَ بَعْلِي فِي الْحُكُومَةِ نَادِمَا
فَلَمَّا سَمِعَ عِمْلِيقْ قَوْلَهَا، أَمَرَ أَنْ لَا تُزَوَّجَ بِكْرٌ مِنْ جَدِيسٍ وَتُهْدَى إِلَى زَوْجِهَا حَتَّى
стр. 318
يَفْتَرِعَهَا، فَلَقُوا مِنْ ذَلِكَ بَلَاءً وَجَهْدًا وَذُلًّا، وَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى زُوِّجَتِ الشَّمُوسُ، وَهِيَ عَفِيرَةُ بِنْتُ عَبَّادٍ أُخْتُ الْأَسْوَدِ، فَلَمَّا أَرَادُوا حَمْلَهَا إِلَى زَوْجِهَا انْطَلَقُوا بِهَا إِلَى عِمْلِيقْ لِيَنَالَهَا قَبْلَهُ، وَمَعَهَا الْفِتْيَانُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ افْتَرَعَهَا وَخَلَّى سَبِيلَهَا، فَخَرَجَتْ إِلَى قَوْمِهَا فِي دِمَائِهَا وَقَدْ شَقَّتْ دِرْعَهَا مِنْ قُبُلٍ وَدُبُرٍ وَالدَّمُ يَبِينُ وَهِيَ فِي أَقْبَحِ مَنْظَرٍ تَقُولُ:
لَا أَحَدَ أَذَلُّ مِنْ جَدِيسِ ... أَهَكَذَا يُفْعَلُ بِالْعَرُوسِ
يَرْضَى بِذَا يَا قَوْمِ بَعْلٌ حُرُّ ... أَهْدَى وَقَدْ أَعْطَى وَسِيقَ الْمَهْرُ
وَقَالَتْ أَيْضًا لِتُحَرِّضَ قَوْمَهَا:
أَيَجْمُلُ مَا يُؤْتَى إِلَى فَتَيَاتِكُمْ ... وَأَنْتُمْ رِجَالٌ فِيكُمُ عَدَدُ النَّمْلِ
وَتُصْبِحُ تَمْشِي فِي الدِّمَاءِ عَفِيرَةٌ جَهَارًا ... وَزُفَّتْ فِي النِّسَاءِ إِلَى بَعْلِ
وَلَوْ أَنَّنَا كُنَّا رِجَالًا وَكُنْتُمُ ... نِسَاءً لَكُنَّا لَا نُقِرُّ بِذَا الْفِعْلِ
فَمُوتُوا كِرَامًا أَوْ أَمِيتُوا عَدُوَّكُمْ ... وَدِبُّوا لِنَارِ الْحَرْبِ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ
وَإِلَّا فَخَلُّوا بَطْنَهَا وَتَحَمَّلُوا ... إِلَى بَلَدٍ قَفْرٍ وَمُوتُوا مِنَ الْهَزْلِ
فَلَلْبَيْنُ خَيْرٌ مِنْ مُقَامٍ عَلَى الْأَذَى ... وَلَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ مُقَامٍ عَلَى الذُّلِّ
وَإِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَغْضَبُوا بَعْدَ هَذِهِ فَكُونُوا ... نِسَاءً لَا تُعَابُ مِنَ الْكُحْلِ
стр. 319
وَدُونَكُمُ طِيبُ النِّسَاءِ فَإِنَّمَا خُلِقْتُمْ
لِأَثْوَابِ الْعَرُوسِ وَلِلْغُسْلِ ... فَبُعْدًا وَسُحْقًا لِلَّذِي لَيْسَ دَافِعًا
وَيَخْتَالُ يَمْشِي بَيْنَنَا مِشْيَةَ الْفَحْلِ
فَلَمَّا سَمِعَ أَخُوهَا الْأَسْوَدُ قَوْلَهَا، وَكَانَ سَيِّدًا مُطَاعًا، قَالَ لِقَوْمِهِ: يَا مَعْشَرَ جَدِيسٍ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَيْسُوا بِأَعَزَّ مِنْكُمْ فِي دَارِكُمْ إِلَّا بِمُلْكِ صَاحِبِهِمْ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، وَلَوْلَا عَجْزُنَا لَمَا كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْنَا، وَلَوِ امْتَنَعْنَا لَانْتَصَفْنَا مِنْهُ، فَأَطِيعُونِي فِيمَا آمُرُكُمْ فَإِنَّهُ عِزُّ الدَّهْرِ.
وَقَدْ حَمِيَ جَدِيسٌ لِمَا سَمِعُوا مِنْ قَوْلِهَا فَقَالُوا: نُطِيعُكَ وَلَكِنَّ الْقَوْمَ أَكْثَرُ مِنَّا! قَالَ: فَإِنِّي أَصْنَعُ لِلْمَلِكِ طَعَامًا وَأَدْعُوهُ وَأَهْلَهُ إِلَيْهِ، فَإِذَا جَاءُوا يَرْفُلُونَ فِي الْحُلَلِ أَخَذْنَا سُيُوفَنَا وَقَتَلْنَاهُمْ. فَقَالُوا: افْعَلْ. فَصَنَعَ طَعَامًا فَأَكْثَرَ وَجَعَلَهُ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ وَدَفَنَ هُوَ وَقَوْمُهُ سُيُوفَهُمْ فِي الرَّمْلِ وَدَعَا الْمَلِكَ وَقَوْمَهُ، فَجَاءُوا يَرْفُلُونَ فِي حُلَلِهِمْ، فَلَمَّا أَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ وَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ يَأْكُلُونَ، أَخَذَتْ جَدِيسٌ سُيُوفَهُمْ مِنَ الرَّمْلِ وَقَتَلُوهُمْ وَقَتَلُوا مَلِكَهُمْ وَقَتَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ السَّفَلَةَ.
ثُمَّ إِنَّ بَقِيَّةَ طَسْمٍ قَصَدُوا حَسَّانَ بْنَ تُبَّعٍ مَلِكَ الْيَمَنِ فَاسْتَنْصَرُوهُ، فَسَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْهَا عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ لِي أُخْتًا مُتَزَوِّجَةً مِنْ جَدِيسٍ يُقَالُ لَهَا الْيَمَامَةُ تُبْصِرُ الرَّاكِبَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تُنْذِرَ الْقَوْمَ بِكَ، فَمُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَقْطَعْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ شَجَرَةً فَلْيَجْعَلْهَا أَمَامَهُ.
فَأَمَرَهُمْ حَسَّانُ بِذَلِكَ، فَنَظَرَتِ الْيَمَامَةُ فَأَبْصَرَتْهُمْ فَقَالَتْ لِجَدِيسٍ: لَقَدْ سَارَتْ إِلَيْكُمْ حِمْيَرُ. قَالُوا: وَمَا تَرَيْنِ؟ قَالَتْ: أَرَى رَجُلًا فِي شَجَرَةٍ مَعَهُ كَتِفٌ يَتَعَرَّقُهَا أَوْ نَعْلٌ يَخْصِفُهَا، وَكَانَ كَذَلِكَ، فَكَذَّبُوهَا، فَصَبَّحَهُمْ حَسَّانُ فَأَبَادَهُمْ، وَأُتِيَ حَسَّانُ بِالْيَمَامَةِ فَفَقَأَ عَيْنَهَا، فَإِذَا فِيهَا عُرُوقٌ سُودٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: حَجَرٌ أَسْوَدُ كُنْتُ أَكْتَحِلُ بِهِ يُقَالُ لَهُ الْإِثْمِدُ، وَكَانَتْ أَوَّلَ مَنِ اكْتَحَلَ بِهِ. وَبِهَذِهِ الْيَمَامَةِ سُمِّيَتِ الْيَمَامَةُ، وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ ذِكْرَهَا فِي أَشْعَارِهِمْ.
стр. 320
وَلَمَّا هَلَكَتْ جَدِيسٌ هَرَبَ الْأَسْوَدُ قَاتِلُ عِمْلِيقْ إِلَى جَبَلَيْ طَيِّءٍ فَأَقَامَ بِهِمَا، ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَهُمَا طَيِّءٌ، وَكَانَتْ طَيِّءٌ تَنْزِلُ الْجُرْفَ مِنَ الْيَمَنِ، وَهُوَ الْآنَ لِمُرَادٍ وَهَمْدَانَ. وَكَانَ يَأْتِي إِلَى طَيِّءٍ بَعِيرٌ أَزْمَانَ الْخَرِيفِ عَظِيمُ السِّمَنِ وَيَعُودُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مِنْ أَيْنَ يَأْتِي، ثُمَّ إِنَّهُمُ اتَّبَعُوهُ يَسِيرُونَ بِسَيْرِهِ حَتَّى هَبَطَ بِهِمْ عَلَى أَجَأَ وَسُلْمَى جَبَلَيْ طَيِّءٍ، وَهُمَا بِقُرْبِ فَيْدٍ، فَرَأَوْا فِيهِمَا النَّخْلَ وَالْمَرَاعِيَ الْكَثِيرَةَ وَرَأَوُا الْأَسْوَدَ بْنَ عِفَارٍ، فَقَتَلُوهُ، وَأَقَامَتْ طَيِّءٌ بِالْجَبَلَيْنِ بَعْدَهُ، فَهُمْ هُنَاكَ إِلَى الْآنَ، وَهَذَا أَوَّلُ مَخْرَجِهِمْ إِلَيْهِمَا.
следующие страницы →