← История

История · id 21712

الكامل في التاريخ - ت تدمري

عز الدين ابن الأثير

Полный текст (6 163 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٩٤ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ أَخْبَارِ الْقَرَامِطَةِ وَأَخْذِهِمُ الْحَاجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، ارْتَحَلَ زَكْرَوَيْهِ مِنْ نَهْرِ الْمُثْنِيَةِ يُرِيدُ الْحَاجَّ، فَبَلَغَ السَّلْمَانَ، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُهُمْ، فَبَلَغَتِ الْقَافِلَةُ الْأَوْلَى وَاقِصَةَ سَابِعَ الْمُحَرَّمِ، فَأَنْذَرَهُمْ أَهْلُهَا وَأَخْبَرُوهُمْ بِقُرْبِ الْقَرَامِطَةِ، فَارْتَحَلُوا لِسَاعَتِهِمْ. وَسَارَ الْقَرَامِطَةُ إِلَى وَاقِصَةَ، فَسَأَلُوا أَهْلَهَا عَنِ الْحَاجِّ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ سَارُوا، فَاتَّهَمَهُمْ زَكْرَوَيْهِ، فَقَتَلَ الْعَلَّافَةَ، وَأَحْرَقَ الْعَلَفَ، وَتَحَصَّنَ أَهْلُ وَاقِصَةَ فِي حِصْنِهِمْ، فَحَصَرَهُمْ أَيَّامًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ زُبَالَةَ، وَأَغَارَ فِي طَرِيقِهِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ. وَوَصَلَتِ الْعَسَاكِرُ الْمُنْفَذَةُ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى عُيُونِ الطَّفِّ، فَبَلَغَهُمْ مَسِيرُ زَكْرَوَيْهِ مِنَ السَّلْمَانِ، فَانْصَرَفُوا، وَسَارَ عَلَّانُ بْنُ كُشْمُرْدَ جَرِيدَةً، فَنَزَلَ وَاقِصَةَ بَعْدَ أَنْ جَازَتِ الْقَافِلَةُ الْأُولَى. وَلَقِيَ زَكْرَوَيْهِ الْقَرْمَطِيُّ قَافِلَةَ الْخُرَاسَانِيَّةِ بِعَقَبَةِ الشَّيْطَانِ رَاجِعِينَ مِنْ مَكَّةَ، فَحَارَبَهُمْ حَرْبًا شَدِيدَةً، فَلَمَّا رَأَى شِدَّةَ حَرْبِهِمْ سَأَلَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ نَائِبٌ لِلسُّلْطَانِ؟ فَقَالُوا: مَا مَعَنَا أَحَدٌ، قَالَ: فَلَسْتُ أُرِيدُكُمْ. فَاطْمَأَنُّوا وَسَارُوا، فَلَمَّا سَارُوا أَوْقَعَ بِهِمْ، وَقَتَلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَسَبَوْا مِنَ النِّسَاءِ مَا أَرَادُوا، وَقَتَلُوا مِنْهُنَّ.

стр. 3502

وَلَقِيَ بَعْضُ الْمُنْهَزِمِينَ عَلَّانَ بْنَ كُشْمُرْدَ، فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَلَوْ رَأَوْكَ لَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِيهِمْ! فَقَالَ: لَا أُعَرِّضُ أَصْحَابَ السُّلْطَانِ لِلْقَتْلِ، وَرَجَعَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. وَكَتَبَ مَنْ نَجَا مِنَ الْحُجَّاجِ مِنْ هَذِهِ الْقَافِلَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْقَافِلَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْحُجَّاجِ يُعْلِمُونَهُمْ مَا جَرَى مِنَ الْقَرَامِطَةِ، وَيَأْمُرُونَهُمْ بِالتَّحَذُّرِ، وَالْعُدُولِ عَنِ الْجَادَّةِ نَحْوَ وَاسِطَ وَالْبَصْرَةِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى فَيْدَ وَالْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ تَأْتِيَهُمْ جُيُوشُ السُّلْطَانِ، فَلَمْ يَسْمَعُوا، وَلَمْ يُقِيمُوا. وَسَارَتِ الْقَرَامِطَةُ مِنَ الْعَقَبَةِ بَعْدَ أَخْذِ الْحَاجِّ، وَقَدْ طَمَّوُا الْآبَارَ وَالْبِرَكَ بِالْجِيَفِ، وَالتُّرَابِ، بِوَاقِصَةَ، وَالثَّعْلَبِيَّةِ، وَالْعَقَبَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَنَاهِلِ فِي جَمِيعِ طَرِيقِهِمْ. وَأَقَامَ [زَكْرَوَيْهِ] بِالْهَبِيرِ يَنْتَظِرُ الْقَافِلَةَ الثَّالِثَةَ، فَسَارُوا فَصَادَفُوهُ هُنَاكَ، فَقَاتَلَهُمْ زَكْرَوَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَاسْتَسْلَمُوا لِشِدَّةِ الْعَطَشِ، فَوَضَعَ فِيهِمُ السَّيْفَ وَقَتَلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَجَمَعَ الْقَتْلَى كَالتَّلِّ، وَأَرْسَلَ خَلْفَ الْمُنْهَزِمِينَ مَنْ يَبْذُلُ لَهُمُ الْأَمَانَ، فَلَمَّا رَجَعُوا قَتَلَهُمْ، وَكَانَ فِي الْقَتْلَى مُبَارَكٌ الْقُمِّيُّ، وَوَلَدُهُ أَبُو الْعَشَائِرِ بْنُ حَمْدَانَ. وَكَانَ نِسَاءُ الْقَرَامِطَةِ يَطُفْنَ بِالْمَاءِ بَيْنَ الْقَتْلَى يَعْرِضْنَ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ، فَمَنْ كَلَّمَهُنَّ قَتَلْنَهُ، فَقِيلَ إِنَّ عِدَّةَ الْقَتْلَى بَلَغَتْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا مَنْ كَانَ بَيْنَ الْقَتْلَى فَلَمْ يُفْطَنْ لَهُ فَنَجَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَنْ هَرَبَ عِنْدَ اشْتِغَالِ الْقَرَامِطَةِ بِالْقَتْلِ وَالنَّهْبِ، فَكَانَ مَنْ مَاتَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرَ مِمَّنْ سَلِمَ وَمَنِ اسْتَعْبَدُوهُ، وَكَانَ مَبْلَغُ مَا أَخَذُوهُ مِنْ هَذِهِ الْقَافِلَةِ أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ. وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا أَخَذُوا فِيهَا أَمْوَالُ الطُّولُونِيَّةِ وَأَسْبَابُهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا عَزَمُوا عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ مِصْرَ إِلَى بَغْدَاذَ خَافُوا أَنْ يَسْتَصْحِبُوهَا فَتُؤْخَذَ مِنْهُمْ، فَعَمِلُوا الذَّهَبَ وَالنَّقْرَةَ سَبَائِكَ، وَجَعَلُوهَا فِي حَدَائِجِ الْجِمَالِ، وَجَمِيعَ مَا لَهُمْ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْجَوْهَرِ، وَسَيَّرُوا الْجَمِيعَ إِلَى مَكَّةَ سِرًّا، وَسَارَ مِنْ مَكَّةَ فِي هَذِهِ الْقَافِلَةِ فَأُخِذَتْ. وَبَثَّ زَكْرَوَيْهِ الطَّلَائِعَ خَوْفًا مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ الَّذِي كَانَ بِالْقَادِسِيَّةِ، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ وُصُولَ مَنْ كَانَ فِي الْحَجِّ مِنْ عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ وَأَصْحَابِهِ، فَكَانُوا بِفَيْدَ يَنْتَظِرُونَ هَلْ تَعْرِضُ الْقَرَامِطَةُ لِلْحَاجِّ أَمْ لَا، فَكَانَ مَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ التُّجَّارِ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَا صَنَعَ الْقَرَامِطَةُ أَقَامُوا يَنْتَظِرُونَ وُصُولَ عَسْكَرٍ مِنْ عِنْدِ الْخَلِيفَةِ، فَسَارَ زَكْرَوَيْهِ إِلَيْهِمْ

стр. 3503

وَغَوَّرَ الْآبَارَ، وَالْمَصَانِعَ، وَالْمِيَاهَ إِلَى فَيْدَ، فَاحْتَمَى أَهْلُ فَيْدَ وَمَنْ بِهَا مِنَ الْحُجَّاجِ بِالْحِصْنَيْنِ اللَّذَيْنِ بِفَيْدَ وَحَصَرَهُمْ فِيهِمَا الْقَرَامِطَةُ، وَأَرْسَلَ زَكْرَوَيْهِ إِلَى أَهْلِ فَيْدَ يَأْمُرُهُمْ بِإِخْرَاجِهِمْ أَوْ بِتَسْلِيمِ الْحِصْنَيْنِ إِلَيْهِ، وَبَذَلَ لَهُمُ الْأَمَانَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَتَهَدَّدَهُمْ بِالنَّهْبِ وَالْقَتْلِ، فَازْدَادَ امْتِنَاعُهُمْ، وَأَقَامَ عَلَيْهِمْ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى النِّبَاجِ ثُمَّ إِلَى حُفَيْرِ أَبِي مُوسَى. ذِكْرُ قَتْلِ زَكْرَوَيْهِ لَعَنَهُ اللَّهُ لَمَّا فَعَلَ زَكْرَوَيْهِ بِالْحُجَّاجِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْخَلِيفَةِ خَاصَّةً، وَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، فَجَهَّزَ الْمُكْتَفِي الْجُيُوشَ، فَلَمَّا كَانَ أَوَّلُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَيَّرَ وَصِيفَ بْنَ صُوَارِتِكِينَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ وَالْعَسَاكِرِ إِلَى الْقَرَامِطَةِ، فَسَارَ عَلَى طَرِيقِ حِفَّانَ، فَلَقِيَهُمْ زَكْرَوَيْهِ، وَمَنْ مَعَهُ مَنِ الْقَرَامِطَةِ، ثَامِنَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَاقْتَتَلُوا يَوْمَهُمْ، (ثُمَّ حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، وَبَاتُوا يَتَحَارَسُونَ، ثُمَّ بَكَّرُوا لِلْقِتَالِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا) ، فَقُتِلَ مِنَ الْقَرَامِطَةِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ. وَوَصَلَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ إِلَى عَدُوِّ اللَّهِ زَكْرَوَيْهِ، فَضَرَبَهُ بَعْضُ الْجُنْدِ وَهُوَ مُوَلٍّ بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ، فَبَلَغَتِ الضَّرْبَةُ دِمَاغَهُ، وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَأُخِذَ خَلِيفَتُهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ خَوَاصِّهِ وَأَقْرِبَائِهِ، وَفِيهِمُ ابْنُهُ، وَكَاتِبُهُ، وَزَوْجَتُهُ، وَاحْتَوَى الْجُنْدُ عَلَى مَا فِي الْعَسْكَرِ. وَعَاشَ زَكْرَوَيْهِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَمَاتَ، فَسُيِّرَتْ جِيفَتُهُ وَالْأَسْرَى إِلَى بَغْدَاذَ، وَانْهَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الشَّامِ، فَأَوْقَعَ بِهِمُ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ، فَقَتَلُوهُمْ جَمِيعًا، وَأَخَذُوا جَمَاعَةً مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَحُمِلَ رَأْسُ زَكْرَوَيْهِ إِلَى خُرَاسَانَ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ الْحُجَّاجُ، وَأَخَذَ الْأَعْرَابُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ زَكْرَوَيْهِ يُعْرَفُ أَحَدَهُمَا بِالْحَدَّادِ، وَالْآخَرُ بِالْمُنْتَقِمِ، وَهُوَ أَخُو امْرَأَةِ زَكْرَوَيْهِ، كَانَا قَدْ سَارَا إِلَيْهِمْ يَدْعُوَانِهِمْ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَلَمَّا

стр. 3504

أَخَذُوهُمَا سَيَّرُوهُمَا إِلَى بَغْدَاذَ، وَتَتَبَّعَ الْخَلِيفَةُ الْقَرَامِطَةَ بِالْعِرَاقِ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، وَحَبَسَ بَعْضَهُمْ، وَمَاتَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَبْسِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا ابْنُ كَيْغَلَغَ الرُّومَ مَنْ طَرَسُوسَ، فَأَصَابَ مِنَ الرُّومِ أَرْبَعَةَ آلَافِ رَأْسِ سَبْيٍ وَدَوَابَّ وَمَتَاعًا، وَدَخَلَ بِطْرِيقٌ مِنْ بَطَارِقَةِ الرُّومِ فِي الْأَمَانِ وَأَسْلَمَ. وَفِيهَا غَزَا ابْنُ كَيْغَلَغَ فَبَلَغَ شَكَنْدَ، وَافْتَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَارَ إِلَى اللَّيْسِ، فَغَنِمُوا نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ رَأْسٍ، وَقَتَلُوا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً مِنَ الرُّومِ، وَانْصَرَفُوا سَالِمِينَ. وَكَاتَبَ أَنْدُرُونِقْسُ الْبِطْرِيقُ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْأَمَانَ، وَكَانَ عَلَى حَرْبِ أَهْلِ الثُّغُورِ مِنْ قِبَلِ مَلِكِ الرُّومِ، فَأَعْطَاهُ الْمُكْتَفِي مَا طَلَبَ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ مِائَتَا أَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فِي حِصْنِهِ، وَكَانَ مَلِكُ الرُّومِ قَدْ أَرْسَلَ لِلْقَبْضِ عَلَيْهِ، فَأَعْطَى الْمُسْلِمِينَ سِلَاحًا وَخَرَجُوا مَعَهُ، فَقَبَضُوا عَلَى الَّذِي أَرْسَلَهُ مَلِكُ الرُّومِ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ لَيْلًا، فَقَتَلُوا مِمَّنْ مَعَهُ خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمُوا مَا فِي عَسْكَرِهِمْ، فَاجْتَمَعَتِ الرُّومُ عَلَى أَنْدُرُونِقْسَ لِيُحَارِبُوهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ جَمْعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِيُخَلِّصُوهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ، فَبَلَغُوا قُونِيَّةَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الرُّومِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، وَسَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ إِلَى أَنْدُرُونِقْسَ، وَهُوَ بِحِصْنِهِ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ إِلَيْهِمْ، وَسَارَ مَعَهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَخْرَبَ الْمُسْلِمُونَ قُونِيَّةَ، فَأَرْسَلَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُكْتَفِي فَطَلَبَ الْفِدَاءَ.

стр. 3505

وَفِيهَا ظَهَرَ بِالشَّامِ رَجُلٌ يَدَّعِي أَنَّهُ السُّفْيَانِيُّ، فَأُخِذَ وَحُمِلَ إِلَى بَغْدَاذَ فَقِيلَ إِنَّهُ مُوَسْوَسٌ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ وَبَيْنَ أَعْرَابٍ مِنْ بَنِي كَلْبٍ، وَطَيٍّ، وَالْيَمَنِ، وَأَسَدٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَفِيهَا حَاصَرَ أَعْرَابُ طَيٍّ وَصِيفَ بْنَ صُوَارِتِكِينَ بِفَيْدَ، وَقَدْ سَيَّرَهُ الْمُكْتَفِي أَمِيرًا عَلَى الْمَوْسِمِ، فَحَصَرُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ خَرَجَ فَوَاقَعَهُمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَتْلَى، ثُمَّ انْهَزَمَتِ الْأَعْرَابُ وَرَحَلَ وَصِيفٌ بِمَنْ مَعَهُ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ الْمُلَقَّبُ بِجَزَرَةَ الْبَغْدَاذِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِسَمَرْقَنْدَ، وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ. وَفِيهَا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، قَتَلَهُ الْقَرَامِطَةُ حِينَ أَخَذُوا الْحَاجَّ.

стр. 3506

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٩٥ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ وَفَاةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، مُنْتَصَفَ صَفَرٍ، تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ أَمِيرُ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، بِبُخَارَى، وَكَانَ يُلَقَّبُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِالْمَاضِي، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُكْتَفِيَ عَهْدَهُ بِالْوِلَايَةِ، وَعَقَدَ لِوَاءَهُ بِيَدِهِ. وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ عَاقِلًا، عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ، حَلِيمًا، حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لِوَلَدِهِ أَحْمَدَ مُؤَدِّبٌ يُؤَدِّبُهُ، فَمَرَّ بِهِ الْأَمِيرُ إِسْمَاعِيلُ يَوْمًا، وَالْمُؤَدِّبُ لَا يَعْلَمُ بِهِ، فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَسُبُّ ابْنَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، وَلَا فِيمَنْ وَلَدَكَ! فَدَخَلَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، نَحْنُ لَمْ نُذْنِبْ ذَنْبًا لِتَسُبَّنَا، فَهَلْ تَرَى أَنْ تُعْفِيَنَا مِنْ سَبِّكَ، وَتَخُصَّ الْمُذْنِبَ بِشَتْمِكَ وَذَمِّكَ؟ فَارْتَاعَ الْمُؤَدِّبُ، فَخَرَجَ إِسْمَاعِيلُ عَنْهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِصِلَةٍ جَزَاءً لِخَوْفِهِ مِنْهُ. وَقِيلَ: جَرَى بَيْنَ يَدَيْهِ ذِكْرُ الْأَنْسَابِ وَالْأَحْسَابِ فَقَالَ لِبَعْضِ جُلَسَائِهِ: كُنْ

стр. 3507

عِصَامِيًّا وَلَا تَكُنْ عِظَامِيًّا، فَلَمْ يَفْهَمْ مُرَادَهُ، فَذَكَرَ لَهُ مَعْنَى ذَلِكَ. وَسَأَلَ يَوْمًا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاءَ النَّيْسَابُورِيَّ فَقَالَ لَهُ: مَا السَّبَبُ فِي أَنَّ آلَ مُعَاذٍ لَمَّا زَالَتْ دَوْلَتُهُمْ بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ نِعْمَتُهُمْ بِخُرَاسَانَ، مَعَ سُوءِ سِيرَتِهِمْ وَظُلْمِهِمْ، وَأَنَّ آلَ طَاهِرٍ لَمَّا زَالَتْ دَوْلَتُهُمْ عَنْ خُرَاسَانَ زَالَتْ مَعَهَا نِعْمَتُهُمْ مَعَ عَدْلِهِمْ، وَحُسْنِ سِيرَتِهِمْ، وَنَظَرِهِمْ لِرَعِيَّتِهِمْ؟ فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ آلَ مُعَاذٍ لَمَّا تَغَيَّرَ أَمْرُهُمْ كَانَ الَّذِي وَلِيَ الْبِلَادَ بَعْدَهُمْ آلُ طَاهِرٍ فِي عَدْلِهِمْ، وَإِنْصَافِهِمْ، وَاسْتِعْفَافِهِمْ عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَرَغْبَتِهِمْ فِي اصْطِنَاعِ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ، فَقَدَّمُوا آلَ مُعَاذٍ وَأَكْرَمُوهُمْ، وَأَنَّ آلَ طَاهِرٍ لَمَّا زَالَتْ عَنْهُمْ كَانَ سُلْطَانُ بِلَادِهِمْ آلَ الصَّفَّارِ فِي ظُلْمِهِمْ، وَغَشَمِهِمْ، وَمُعَادَاتِهِمْ لِأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ وَمُنَاصَبَتِهِمْ لِأَهْلِ الشَّرَفِ وَالنِّعَمِ، فَأَتَوْا عَلَيْهِمْ وَأَزَالُوا نِعْمَتَهُمْ. فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يَا يَحْيَى، فَقَدْ شَفَيْتَ صَدْرِي! وَأَمَرَ لَهُ بِصِلَةٍ، وَلَمَّا وَلِيَ بَعْدَ أَخِيهِ كَانَ يُكَاتِبُ أَصْحَابَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ بِمَا كَانَ يُكَاتِبُهُمْ أَوَّلًا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: يَجِبُ عَلَيْنَا، إِذَا زَادَنَا اللَّهُ رِفْعَةً، أَنْ لَا نُنْقِصَ إِخْوَانَنَا بَلْ نَزِيدَهُمْ رِفْعَةً، وَعُلًا، وَجَاهًا، لِيَزِيدُوا لَنَا إِخْلَاصًا وَشُكْرًا. وَلَمَّا وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ، وَاسْتَوْثَقَ أَمْرُهُ، أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الرَّيِّ فَأَشَارَ

стр. 3508

عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيدَوَيْهِ بِالْخُرُوجِ إِلَى سَمَرْقَنْدَ وَالْقَبْضِ عَلَى عَمِّهِ إِسْحَاقَ بْنِ أَحْمَدَ لِئَلَّا يَخْرُجَ عَلَيْهِ وَيَشْغَلَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَاسْتَدْعَى عَمَّهُ إِلَى بُخَارَى، فَحَضَرَ فَاعْتَقَلَهُ بِهَا، ثُمَّ عَبَرَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمَّا وَرَدَ نَيْسَابُورَ هَرَبَ بَارِسُ الْكَبِيرُ مِنْ جُرْجَانَ إِلَى بَغْدَاذَ، خَوْفًا مِنْهُ. وَكَانَ سَبَبُ خَوْفِهِ أَنَّ الْأَمِيرَ إِسْمَاعِيلَ كَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ ابْنَهُ أَحْمَدَ عَلَى جُرْجَانَ لَمَّا أَخَذَهَا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْهَا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا بَارِسَ الْكَبِيرَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَ بَارِسَ أَمْوَالٌ جَمَّةٌ مِنْ خَرَاجِ الرَّيِّ، وَطَبَرِسْتَانَ، وَجُرْجَانَ، فَبَلَغَتْ ثَمَانِينَ وِقْرًا، فَحَمَلَهَا إِلَى إِسْمَاعِيلَ، فَلَمَّا سَارَتْ عَنْهُ بَلَغَهُ خَبَرُ مَوْتِ إِسْمَاعِيلَ، فَرَدَّهَا وَأَخَذَهَا، فَلَمَّا سَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ خَافَهُ، وَكَتَبَ إِلَى الْمُكْتَفِي يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْمَصِيرِ إِلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَأَرْسَلَ أَحْمَدُ خَلْفَهُ عَسْكَرًا، فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، وَاجْتَازَ الرَّيَّ، فَتَحَصَّنَ بِهَا نَائِبُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَسَارَ (إِلَى بَغْدَاذَ) ، فَوَصَلَهَا وَقَدْ مَاتَ الْمُكْتَفِي، وَوَلِيَ الْمُقْتَدِرُ بَعْدَهُ، (فَأَعْجَبَهُ الْمُقْتَدِرُ) . وَكَانَ وُصُولُهُ بَعْدَ حَادِثَةِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ، فَسَيَّرَهُ الْمُقْتَدِرُ فِي عَسْكَرِهِ إِلَى بَنِي حَمْدَانَ وَوَلَّاهُ دِيَارَ رَبِيعَةَ، فَخَافَهُ أَصْحَابُ الْخَلِيفَةِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعُوا عَلَيْهِ غُلَامًا لَهُ فَسَمَّهُ فَمَاتَ، وَاسْتَوْلَى غُلَامُهُ عَلَى مَالِهِ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِالْمَوْصِلِ. ذِكْرُ وَفَاةِ الْمُكْتَفِي فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ تُوُفِّيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ (أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُوَفَّقِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ) ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سِتَّ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ رَبْعًا جَمِيلًا، رَقِيقَ الْبَشَرَةِ، حَسَنَ الشِّعْرِ، وَافِرَ اللِّحْيَةِ، (وَكُنْيَتُهُ

стр. 3509

أَبُو مُحَمَّدٍ) وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ تُرْكِيَّةٌ، اسْمُهَا جِيجَكْ، وَطَالَ عَلَيْهِ مَرَضُهُ عِدَّةَ شُهُورٍ، وَلَمَّا مَاتَ دُفِنَ بِدَارِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، ﵀ . ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ وَكَانَ السَّبَبُ فِي وِلَايَةِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ الْخِلَافَةَ، وَهُوَ أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ الْمُعْتَضِدِ، أَنَّ الْمُكْتَفِيَ لَمَّا ثَقُلَ فِي مَرَضِهِ أَفْكَرَ الْوَزِيرُ حِينَئِذٍ، وَهُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْحَسَنِ، فِيمَنْ يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ، وَكَانَ عَادَتُهُ أَنْ يُسَايِرَهُ، إِذَا رَكِبَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الدَّوَاوِينَ، وَهُمْ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَأَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَانَ، وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، فَاسْتَشَارَ الْوَزِيرُ يَوْمًا مُحَمَّدَ بْنَ دَاوُدَ بْنِ الْجَرَّاحِ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ، وَوَصَفَهُ بِالْعَقْلِ وَالْأَدَبِ وَالرَّأْيِ، وَاسْتَشَارَ بَعْدَهُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْفُرَاتِ، فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتِي أُشِيرُ فِيهِ، وَإِنَّمَا أُشَاوِرُ فِي الْعُمَّالِ لَا فِي الْخُلَفَاءِ، فَغَضِبَ الْوَزِيرُ وَقَالَ: هَذِهِ مُقَاطَعَةٌ بَارِدَةٌ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكَ الصَّحِيحُ. وَأَلَحَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ رَأْيُ الْوَزِيرِ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَى أَحَدٍ يُعَيِّنُهُ فَلْيَفْعَلْ، فَعَلِمَ أَنَّهُ عَنَى ابْنَ الْمُعْتَزِّ لِاشْتِهَارِ خَبَرِهِ، فَقَالَ الْوَزِيرُ: لَا أَقْنَعُ إِلَّا أَنْ تَمْحَضَنِي النَّصِيحَةَ. فَقَالَ ابْنُ الْفُرَاتِ: فَلْيَتَّقِ اللَّهَ الْوَزِيرُ، وَلَا يُنَصِّبْ إِلَّا مَنْ قَدْ عَرَفَهُ، وَاطَّلَعَ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَلَا يُنَصِّبْ بَخِيلًا فَيُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ وَيَقْطَعَ أَرْزَاقَهُمْ، وَلَا طَمَّاعًا فَيَشْرَهَ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَيُصَادِرَهُمْ وَيَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ وَأَمْلَاكَهُمْ، وَلَا قَلِيلَ الدِّينِ فَلَا يَخَافُ الْعُقُوبَةَ وَالْآثَامَ، وَيَرْجُو الثَّوَابَ فِيمَا يَفْعَلُهُ، وَلَا يُوَلِّ مَنْ عَرَفَ نِعْمَةَ هَذَا، وَبُسْتَانَ هَذَا، وَضَيْعَةَ

стр. 3510

هَذَا، وَفَرَسَ هَذَا، وَمَنْ قَدْ لَقِيَ النَّاسَ وَلَقُوهُ، وَعَامَلَهُمْ وَعَامَلُوهُ، وَيَتَخَيَّلُ، وَيَحْسِبُ حِسَابَ نِعَمِ النَّاسِ، وَعَرَفَ وُجُوهَ دَخْلِهِمْ وَخَرْجِهِمْ. فَقَالَ الْوَزِيرُ: صَدَقْتَ وَنَصَحْتَ، فَبِمَنْ تُشِيرُ؟ قَالَ: أَصْلَحُ الْمَوْجُودِ جَعْفَرُ بْنُ الْمُعْتَضِدِ، قَالَ: وَيْحَكَ، هُوَ صَبِيٌّ، قَالَ ابْنُ الْفُرَاتِ: إِلَّا أَنَّهُ ابْنُ الْمُعْتَضِدِ، وَلَمْ نَأْتِ بِرَجُلٍ كَامِلٍ يُبَاشِرُ الْأُمُورَ بِنَفْسِهِ، غَيْرِ مُحْتَاجٍ إِلَيْنَا. ثُمَّ إِنَّ الْوَزِيرَ اسْتَشَارَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى، فَلَمْ يُسَمِّ أَحَدًا، وَقَالَ: لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وَيَنْظُرَ مَنْ يَصْلُحُ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَمَالَتْ نَفْسُ الْوَزِيرِ إِلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِهِ ابْنُ الْفُرَاتِ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ وَصِيَّةُ الْمُكْتَفِي، فَإِنَّهُ أَوْصَى، لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ، بِتَقْلِيدِ أَخِيهِ جَعْفَرٍ الْخِلَافَةَ، فَلَمَّا مَاتَ الْمُكْتَفِي نَصَّبَ الْوَزِيرُ جَعْفَرًا لِلْخِلَافَةِ، وَعَيَّنَهُ لَهَا، وَأَرْسَلَ صَافِيًا الْحُرَمِيَّ إِلَيْهِ لِيُحَذِّرَهُ مِنْ دُورِ آلِ طَاهِرٍ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ وَكَانَ يَسْكُنُهَا، فَلَمَّا حَطَّهُ فِي الْحَرَّاقَةِ وَحَدَرَهُ، وَصَارَتِ الْحَرَّاقَةُ مُقَابِلَ دَارِ الْوَزِيرِ، صَاحَ غِلْمَانُ الْوَزِيرِ بِالْمَلَّاحِ لِيَدْخُلَ إِلَى دَارِ الْوَزِيرِ، فَظَنَّ صَافِي الْحُرَمِيُّ أَنَّ الْوَزِيرَ يُرِيدُ الْقَبْضَ عَلَى جَعْفَرٍ، وَيُنَصِّبُ فِي الْخِلَافَةِ غَيْرَهُ، فَمَنَعَ الْمَلَّاحَ مِنْ ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، وَأَخَذَ لَهُ صَافِي الْبَيْعَةَ عَلَى الْخَدَمِ، وَحَاشِيَةِ الدَّارِ، وَلَقَّبَ نَفْسَهُ الْمُقْتَدِرَ بِاللَّهِ، وَلَحِقَ الْوَزِيرُ بِهِ وَجَمَاعَةُ الْكُتَّابِ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ جَهَّزُوا الْمُكْتَفِيَ وَدَفَنُوهُ بِدَارِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ.

стр. 3511

وَلَمَّا بُويِعَ الْمُقْتَدِرُ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، حِينَ بُويِعَ، خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ (أَلْفِ) دِينَارٍ، فَأَطْلَقَ يَدَ الْوَزِيرِ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ حَقَّ الْبَيْعَةِ. وَكَانَ مَوْلِدُ الْمُقْتَدِرِ ثَامِنَ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ يُقَالُ لَهَا شَغَبُ، فَلَمَّا بُويِعَ اسْتَصْغَرَهُ الْوَزِيرُ، وَكَانَ عُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَثُرَ كَلَامُ النَّاسِ (فِيهِ) ، فَعَزَمَ عَلَى خَلْعِهِ، وَتَقْلِيدِ الْخِلَافَةِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، (جَمِيلَ الْوَجْهِ) وَالْفِعْلِ، فَرَاسَلَهُ فِي ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّ الْحَالُ، وَانْتَظَرَ الْوَزِيرُ قُدُومَ بَارِسَ حَاجِبُ إِسْمَاعِيلَ صَاحِبِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقُدُومِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَرَادَ الْوَزِيرُ [أَنْ] يَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى غِلْمَانِ الْمُعْتَضِدِ، فَتَأَخَّرَ بَارِسُ. وَاتَّفَقَ أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِدِ وَبَيْنَ ابْنِ عَمْرَوَيْهِ، صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، (مُنَازَعَةٌ) فِي ضَيْعَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُمَا، فَأَغْلَظَ ابْنُ عَمْرَوَيْهِ، فَغَضِبَ ابْنُ الْمُعْتَمِدِ غَضَبًا شَدِيدًا، وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَفُلِجَ فِي الْمَجْلِسِ، فَحُمِلَ إِلَى ثِيَتِهِ فِي مِحَفَّةٍ، فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَأَرَادَ الْوَزِيرُ الْبَيْعَةَ لِأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ، فَمَاتَ أَيْضًا بَعْدَ

стр. 3512

خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَتَمَّ أَمْرُ الْمُقْتَدِرِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ نُجْحِ بْنِ جَاخَ وَبَيْنَ الْأَجْنَادِ بِمِنَىً، ثَانِيَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا جَائِزَةَ بَيْعَةِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، وَهَرَبَ النَّاسُ إِلَى بُسْتَانِ ابْنِ عَامِرٍ، وَأَصَابَ الْحُجَّاجَ فِي عَوْدِهِمْ عَطَشٌ عَظِيمٌ (فَمَاتَ) مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ. (وَحُكِيَ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ يَبُولُ فِي كَفِّهِ ثُمَّ يَشْرَبُهُ) . وَفِيهَا خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِسْمَعِيُّ عَنْ أَصْبَهَانَ إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهَا مُخَالِفًا لِلْخَلِيفَةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَحْوٌ (مِنْ) عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الْأَكْرَادِ وَغَيْرِهِمْ، فَأُمِرَ بَدْرٌ الْحَمَّامِيُّ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَسَارَ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْجُنْدِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورٍ الْكَاتِبُ يُخَوِّفُهُ عَاقِبَةَ الْخِلَافِ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَأَدَّى (إِلَيْهِ) الرِّسَالَةَ، فَرَجَعَ إِلَى الطَّاعَةِ، وَسَارَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَاسْتُخْلِفَ عَلَى عَمَلِهِ بِأَصْبَهَانَ، فَرَضِيَ عَنْهُ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ لِلْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى عَلَى أَعْرَابِ طَيٍّ، الَّذِينَ كَانُوا حَصَرُوا وَصِيفًا، عَلَى غِرَّةٍ مِنْهُمْ، فَقَتَلَ فِيهِمْ كَثِيرًا، وَأَسَرَ.

стр. 3513

وَفِيهَا أَوْقَعَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بِالْأَكْرَادِ الَّذِينَ تَغَلَّبُوا عَلَى نَوَاحِي الْمَوْصِلِ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَاسْتَبَاحَهُمْ، وَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ، وَهَرَبَ رَئِيسُهُمْ إِلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَلَمْ يُدْرَكْ. وَفِيهَا فَتَحَ الْمُظَفَّرُ بْنُ جَاخَ بَعْضَ مَا كَانَ غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَارِجِيُّ بِالْيَمَنِ، وَأَخَذَ رَئِيسًا مِنْ (رُؤَسَاءِ أَصْحَابِهِ) ، يُعْرَفُ بِالْحَكِيمِيِّ. وَفِيهَا تَمَّ الْفِدَاءُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ فُودِيَ بِهِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ثَلَاثَةَ آلَافِ نَفْسٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَاشِمِيُّ. [الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ الْجُرْجَانِيُّ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، الْفَقِيهُ (الشَّافِعِيُّ) الْمُحَدِّثُ. وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ (نَصْرٍ أَبُو) جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تُوُفِّيَ بِبَغْدَاذَ. وَأَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّورِيُّ شَيْخُ الصُّوفِيَّةِ.

стр. 3514

وَتُوُفِّيَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو عَلِيٍّ الْخِرَقِيُّ، الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ، يَوْمَ الْفِطْرِ (الْخِرَقِيُّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ) ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي وَارَةَ.

стр. 3515

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ] ٢٩٦ - ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ خَلْعِ الْمُقْتَدِرِ وَوِلَايَةِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَ الْقُوَّادُ، وَالْقُضَاةُ، وَالْكُتَّابُ، مَعَ الْوَزِيرِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَسَنِ، عَلَى خَلْعِ الْمُقْتَدِرِ، وَالْبَيْعَةِ لِابْنِ الْمُعْتَزِّ، (وَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الْمُعْتَزِّ) فِي ذَلِكَ، فَأَجَابَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ سَفْكُ دَمٍ، وَلَا حَرْبٌ، فَأَخْبَرُوهُ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ مُنَازِعٌ وَلَا مُحَارِبٌ. وَكَانَ الرَّأْسَ فِي ذَلِكَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَأَبُو الْمُثَنَّى أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، وَمِنَ الْقُوَّادِ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ، وَبَدْرٌ الْأَعْجَمِيُّ، وَوَصِيفُ بْنُ صُوَارِتِكِينَ. ثُمَّ إِنَّ الْوَزِيرَ رَأَى أَمَرَهُ صَالِحًا مَعَ الْمُقْتَدِرِ، وَأَنَّهُ عَلَى مَا يُحِبُّ، فَبَدَا لَهُ فِي ذَلِكَ، فَوَثَبَ بِهِ الْآخَرُونَ فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى قَتْلَهُ مِنْهُمُ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ، وَبَدْرٌ الْأَعْجَمِيُّ، وَوَصِيفٌ، وَلَحِقُوهُ، وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى بُسْتَانٍ لَهُ، فَقَتَلُوهُ فِي طَرِيقِهِ، وَقَتَلُوا مَعَهُ فَاتِكًا الْمُعْتَضِدِيَّ، وَذَلِكَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَخُلِعَ الْمُقْتَدِرُ مِنَ الْغَدِ، وَبَايَعَ النَّاسُ لِابْنِ الْمُعْتَزِّ. وَرَكَضَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ إِلَى الْحَلْبَةِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْمُقْتَدِرَ يَلْعَبُ هُنَاكَ بِالْكُرَةِ، فَيَقْتُلَهُ، فَلَمْ يُصَادِفْهُ، لِأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ، فَبَلَغَهُ قَتْلُ الْوَزِيرِ وَفَاتِكٍ، فَرَكَّضَ دَابَّتَهُ فَدَخَلَ الدَّارَ، وَغُلِّقَتِ الْأَبْوَابُ، فَنَدِمَ الْحُسَيْنُ حَيْثُ لَمْ يَبْدَأْ بِالْمُقْتَدِرِ.

стр. 3516

وَأَحْضَرُوا ابْنَ الْمُعْتَزِّ وَبَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، وَكَانَ الَّذِي يَتَوَلَّى أَخْذَ الْبَيْعَةِ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَزْرَقُ، وَحَضَرَ النَّاسُ، وَالْقُوَّادُ، وَأَصْحَابُ الدَّوَاوِينِ، سِوَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَخَوَاصِّ الْمُقْتَدِرِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَحْضُرُوا. وَلُقِّبَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ الْمُرْتَضِيَ بِاللَّهِ، وَاسْتَوْزَرَ مُحَمَّدَ بْنَ دَاوُدَ الْجَرَّاحَ، وَقَلَّدَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى الدَّوَاوِينَ، وَكُتِبَتِ الْكُتُبُ إِلَى الْبِلَادِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُرْتَضِي بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ، وَوَجَّهَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ يَأْمُرُهُ بِالِانْتِقَالِ إِلَى دَارِ ابْنِ طَاهِرٍ الَّتِي كَانَ مُقِيمًا فِيهَا، لِيَنْتَقِلَ هُوَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَأَجَابَهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَسَأَلَ الْإِمْهَالَ إِلَى اللَّيْلِ. وَعَادَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ بُكَرَةَ غَدٍ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَقَاتَلَهُ الْخَدَمُ وَالْغِلْمَانُ وَالرَّجَّالَةُ مِنْ وَرَاءِ السُّتُورِ عَامَّةَ النَّهَارِ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ آخِرَ النَّهَارِ، فَلَمَّا جَنَّهُ اللَّيْلُ سَارَ عَنْ بَغْدَاذَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ وَكُلِّ مَا لَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، لَا يَدْرِي لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مَعَ الْمُقْتَدِرِ مِنَ الْقُوَّادِ غَيْرُ مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ، وَمُؤْنِسٍ الْخَازِنِ، وَغَرِيبِ الْخَالِ وَحَاشِيَةِ الدَّارِ. فَلَمَّا هَمَّ الْمُقْتَدِرُ بِالِانْتِقَالِ عَنِ الدَّارِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا نُسَلِّمُ الْخِلَافَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ نُبْلِيَ عُذْرًا، وَنَجْتَهِدَ فِي دَفْعِ مَا أَصَابَنَا، فَأُجْمِعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَصْعَدُوا فِي الْمَاءِ إِلَى الدَّارِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ الْمُعْتَزِّ بِالْحُرَمِ يُقَاتِلُونَهُ، فَأَخْرَجَ لَهُمُ الْمُقْتَدِرُ السِّلَاحَ وَالزَّرَدِيَّاتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَرَكِبُوا السُّمَيْرِيِّاتِ، وَأَصْعَدُوا فِي الْمَاءِ، فَلَمَّا رَآهُمْ مَنْ عِنْدَ ابْنِ الْمُعْتَزِّ هَالَهُمْ كَثْرَتُهُمْ، وَاضْطَرَبُوا وَهَرَبُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ حَمْدَانَ عَرَفَ مَا يُرِيدُ أَنْ يَجْرِيَ فَهَرَبَ مِنَ اللَّيْلِ، وَهَذِهِ مُوَاطَأَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُقْتَدِرِ، وَهَذَا كَانَ سَبَبَ هَرَبِهِ.

стр. 3517

وَلَمَّا رَأَى ابْنُ الْمُعْتَزِّ ذَلِكَ رَكِبَ وَمَعَهُ وَزِيرُهُ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ وَهَرَبَا، وَغُلَامٌ لَهُ يُنَادِي بَيْنَ يَدَيْهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَامَّةِ، ادْعُوا لِخَلِيفَتِكُمُ السُّنِّيِّ الْبَرْبَهَارِيِّ، وَإِنَّمَا نُسِبَتْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لِأَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَرْبَهَارِيَّ كَانَ مُقَدَّمَ الْحَنَابِلَةِ وَالسُّنَّةِ مِنَ الْعَامَّةِ، وَلَهُمْ فِيهَا اعْتِقَادٌ عَظِيمٌ، فَأَرَادَ اسْتِمَالَتَهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ. ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الْمُعْتَزِّ وَمَنْ مَعَهُ سَارُوا نَحْوَ الصَّحْرَاءِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ مَنْ بَايَعَهُ مِنَ الْجُنْدِ يَتْبَعُونَهُ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَكَانُوا عَزَمُوا أَنْ يَسِيرُوا إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى بِمَنْ يَتْبَعُهُمْ مِنَ الْجُنْدِ، فَيَشْتَدَّ سُلْطَانُهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَمْ يَأْتِهِمْ أَحَدٌ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ الرَّأْيِ، وَاخْتَفَى مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ (فِي دَارِهِ) وَنَزَلَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ عَنْ (دَابَّتِهِ) وَمَعَهُ غُلَامُهُ يُمْنٌ، وَانْحَدَرَ إِلَى دَارِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَصَّاصِ، فَاسْتَجَارَ بِهِ، وَاسْتَتَرَ أَكْثَرُ مَنْ بَايَعَ ابْنَ الْمُعْتَزِّ، وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ وَالنَّهْبُ وَالْقَتْلُ بِبَغْدَاذَ، وَثَارَ الْعَيَّارُونَ وَالسِّفْلُ يَنْهَبُونَ الدُّورَ. وَكَانَ ابْنُ عَمْرَوَيْهِ، صَاحِبُ الشُّرْطَةِ، مِمَّنْ بَايَعَ ابْنَ الْمُعْتَزِّ، فَلَمَّا هَرَبَ جَمَعَ ابْنُ عَمْرَوَيْهِ أَصْحَابَهُ، وَنَادَى بِشِعَارِ الْمُقْتَدِرِ، يُدَلِّسُ بِذَلِكَ فَنَادَاهُ الْعَامَّةُ: يَا مُرَائِي، يَا كَذَّابُ! وَقَاتَلُوهُ، فَهَرَبَ وَاسْتَتَرَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، فَهَجَاهُ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ بِأَبْيَاتٍ مِنْهَا: بَايَعُوهُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْأَنْ ... وُكِ إِلَّا التَّغْيِيرُ وَالتَّخْبِيطُ

стр. 3518

رَافِضِيُّونَ بَايَعُوا أَنْصَبَ الْأُ مَّةِ هَذَا لَعَمْرِيَ التَّخْلِيطُ ... ثُمَّ وَلَّى مِنْ زَعْقَةٍ وَمُحَامُو هُ وَمَنْ خَلْفَهُمْ لَهُمْ تَضْرِيطُ وَقَلَّدَ الْمُقْتَدِرُ، تِلْكَ السَّاعَةَ، الشُّرْطَةَ مُؤْنِسًا الْخَازِنَ، وَهُوَ غَيْرُ مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ، وَخَرَجَ بِالْعَسْكَرِ، وَقَبَضَ عَلَى وَصِيفِ بْنِ صُوَارِتِكِينَ وَغَيْرِهِ، فَقَتَلَهُمْ، وَقَبَضَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي عُمَرَ، وَعَلِيَّ بْنِ عِيسَى، وَالْقَاضِي مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ وَكِيعٍ، ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ، وَقَبَضَ عَلَى الْقَاضِي الْمُثَنَّى أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، فَقَتَلَهُ لِأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: بَايِعِ الْمُقْتَدِرَ، فَقَالَ: لَا أُبَايِعُ صَبِيًّا، فَذُبِحَ. وَأَرْسَلَ الْمُقْتَدِرُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَكَانَ مُخْتَفِيًا، فَأَحْضَرَهُ، وَاسْتَوْزَرَهُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ. وَكَانَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ عَجَائِبُ مِنْهَا: أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى خَلْعِ الْمُقْتَدِرِ وَالْبَيْعَةِ لِابْنِ الْمُعْتَزِّ، فَلَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ إِرَادَتِهِمْ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. وَمِنْهَا أَنَّ ابْنَ حَمْدَانَ، عَلَى شِدَّةِ تَشَيُّعِهِ وَمَيْلِهِ إِلَى عَلِيٍّ، ﵇، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، يَسْعَى فِي الْبَيْعَةِ لِابْنِ الْمُعْتَزِّ عَلَى انْحِرَافِهِ عَنْ عَلِيٍّ وَغُلُوِّهِ فِي النَّصْبِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ خَادِمًا لِابْنِ الْجَصَّاصِ، يُعْرَفُ بِسَوْسَنَ، أَخْبَرَ صَافِيًا الْحُرَمِيَّ بِأَنَّ ابْنَ الْمُعْتَزِّ عِنْدَ مَوْلَاهُ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَكُبِسَتْ دَارُ ابْنِ الْجَصَّاصِ، وَأُخِذَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ مِنْهَا، وَحُبِسَ إِلَى اللَّيْلِ، وَعُصِرَتْ خُصْيَتَاهُ حَتَّى مَاتَ، وَلُفَّ فِي كِسَاءٍ، وَسُلِّمَ إِلَى أَهْلِهِ. وَصُودِرَ ابْنُ الْجَصَّاصِ عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ، وَأُخِذَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ وَزِيرُ ابْنِ الْمُعْتَزِّ، وَكَانَ

стр. 3519

مُسْتَتِرًا، فَقُتِلِ، وَنُفِيَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى إِلَى وَاسِطَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْوَزِيرِ ابْنِ الْفُرَاتِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْمَسِيرِ إِلَى مَكَّةَ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَسَارَ إِلَيْهَا عَلَى طَرِيقِ الْبَصْرَةِ وَأَقَامَ بِهَا. وَصُودِرَ الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَسُيِّرَتِ الْعَسَاكِرُ مِنْ بَغْدَاذَ فِي طَلَبِ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ فَتَبِعُوهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ إِلَى بَلَدٍ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ فَعَادُوا إِلَى بَغْدَاذَ (فَكَتَبَ الْوَزِيرُ إِلَى أَخِيهِ أَبِي الْهَيْجَاءِ بْنِ حَمْدَانَ، وَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَى الْمَوْصِلِ، يَأْمُرُهُ بِطَلَبِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ إِلَى بَلَدٍ، فَفَارَقَهَا الْحُسَيْنُ إِلَى سِنْجَارَ وَأَخُوهُ فِي أَثَرِهِ، فَدَخَلَ الْبَرِّيَّةَ فَتَبِعَهُ أَخُوهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَأَدْرَكَهُ فَاقْتَتَلُوا فَظَفِرَ أَبُو الْهَيْجَاءِ، وَأُسِرَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَأُخِذَ مِنْهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ، وَعَادَ عَنْهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا كَانَ فَوْقَ تَكْرِيتَ أَدْرَكَهُ أَخُوهُ الْحُسَيْنُ، فَبَيَّتَهُ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَتْلَى، وَانْحَدَرَ أَبُو الْهَيْجَاءِ إِلَى بَغْدَاذَ. وَأَرْسَلَ الْحُسَيْنُ إِلَى ابْنِ الْفُرَاتِ، وَزِيرِ الْمُقْتَدِرِ، يَسْأَلُهُ الرِّضَى عَنْهُ، فَشَفَعَ فِيهِ إِلَى الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ لِيَرْضَى عَنْهُ، وَعَنْ) إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَيْغَلَغَ، وَابْنِ عَمْرَوَيْهِ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ وَغَيْرِهِمْ، (فَرَضِيَ عَنْهُمْ، وَدَخَلَ الْحُسَيْنُ بَغْدَاذَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَخُوهُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، وَأَقَامَ الْحُسَيْنُ بِبَغْدَاذَ إِلَى أَنْ وَلِيَ قُمَّ فَسَارَ إِلَيْهَا) ، وَأَخَذَ الْجَرَائِدَ الَّتِي فِيهَا أَسْمَاءُ مَنْ أَعَانَ عَلَى الْمُقْتَدِرِ، فَغَرَّقَهَا فِي دِجْلَةَ. وَبَسَطَ ابْنُ الْفُرَاتِ الْعَدْلَ وَالْإِحْسَانَ وَأَخْرَجَ الْإِدْرَارَاتِ لِلْعَبَّاسِيِّينَ وَالطَّالِبِيِّينَ، وَأَرْضَى الْقُوَّادَ بِالْأَمْوَالِ، فَفَرَّقَ مُعْظَمَ مَا كَانَ فِي بُيُوتِ الْأَمْوَالِ. ذِكْرُ حَادِثَةٍ يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَاطَ مِنْ مِثْلِهَا وَيُفْعَلَ فِيهَا مِثْلُ فِعْلِ صَاحِبِهَا كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُخَلَّدٍ مُتَّصِلًا بِابْنِ الْفُرَاتِ، وَبَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ وَصَدَاقَةٌ، فَوَجَدَ الْوَزِيرُ كُتُبَ الْبَيْعَةِ لِابْنِ الْمُعْتَزِّ بِخَطِّ سُلَيْمَانَ لِاتِّصَالٍ كَانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَقَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يُظْهِرْ عَلَيْهَا الْمُقْتَدِرَ، وَأَخْفَاهَا عَنْهُ، وَأَحْسَنَ ابْنُ الْفُرَاتِ إِلَى

стр. 3520

سُلَيْمَانَ، وَقَلَّدَهُ الْأَعْمَالَ، فَسَعَى سُلَيْمَانُ بِابْنِ الْفُرَاتِ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ مُطَالَعَةً تَتَضَمَّنُ ذِكْرَ أَمَلَاكِ الْوَزِيرِ وَضِيَاعِهِ وَمُسْتَغَلَّاتِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأَسْبَابِهِ، وَأَخَذَ الرُّقْعَةَ لِيُوَصِّلَهَا إِلَى الْمُقْتَدِرِ، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ ذَلِكَ. وَحَضَرَ دَارَ الْوَزِيرِ وَهِيَ مَعَهُ، وَسَقَطَتْ مِنْ كُمِّهِ، فَظَفِرَ بِهَا بَعْضُ الْكُتَّابِ فَأَوْصَلَهَا إِلَى الْوَزِيرِ، فَلَمَّا قَرَأَهَا قَبَضَ عَلَى سُلَيْمَانَ، وَجَعَلَهُ فِي زَوْرَقٍ وَأَحْضَرَهُ إِلَى وَاسِطَ، وَوَكَّلَ بِهِ هُنَاكَ، وَصَادَرَهُ، ثُمَّ أَرَادَ الْعَفْوَ عَنْهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: نَظَرْتُ - أَعَزَّكَ اللَّهُ - فِي حَقِّكَ عَلَيَّ وَجُرْمِكَ إِلَيَّ، فَرَأَيْتُ الْحَقَّ مُوفِيًا عَلَى الْجُرْمِ، وَتَذَكَّرْتُ مِنْ سَالِفِ خِدْمَتِكَ مَا عَطَّفَنِي عَلَيْكَ، وَثَنَانِي إِلَيْكَ وَأَعَادَنِي لَكَ إِلَى أَفْضَلِ مَا عَهِدْتُ، وَأَجْمَلِ مَا أَلِفْتُ، وَأَطْلَقَ لَهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَعَفَا عَنْهُ، وَاسْتَعْمَلَهُ وَأَكْرَمَهُ. ذِكْرُ وِلَايَةِ أَبِي مُضَرَ إِفْرِيقِيَّةَ وَهَرَبِهُ إِلَى الْعِرَاقِ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، مُسْتَهَلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلِيَ أَبُو مُضَرَ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ (أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ) عَبْدِ اللَّهِ إِفْرِيقِيَّةَ، بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ، فَعَكَفَ عَلَى اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَمُلَازِمَةِ النُّدَمَاءِ وَالْمُضْحِكِينَ، وَأَهْمَلَ أُمُورَ الْمَمْلَكَةِ وَأَحْوَالَ الرَّعِيَّةِ، وَأَرْسَلَ كِتَابًا، (يَوْمَ وُلِّيَ) إِلَى عَمِّهِ الْأَحْوَلِ عَلَى لِسَانِ أَبِيهِ يَسْتَعْجِلُهُ (فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ وَيَحُثُّهُ عَلَى السُّرْعَةِ، فَسَارَ مُجِدًّا وَلَمْ يَعْلَمْ بِقَتْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ) ، فَلَمَّا وَصَلَ قَتَلَهُ وَقَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَامِهِ وَإِخْوَتِهِ. وَاشْتَدَّتْ شَوْكَةُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيِّ فِي أَيَّامِهِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَكَانَ الْأَحْوَلُ قُبَالَتَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ صَفَتْ لَهُ الْبِلَادُ، وَدَانَتْ لَهُ الْأَمْصَارُ وَالْعِبَادُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ زِيَادَةُ اللَّهِ جَيْشًا مَعَ

стр. 3521

إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْأَغْلَبِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، بَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا سِوَى مَنِ انْضَافَ إِلَيْهِ، فَهَزَمَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ (آنِفًا) ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِزِيَادَةِ اللَّهِ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مُقَامَ لَهُ لِأَنَّ هَذَا (الْجَمْعَ) هُوَ آخِرُ مَا انْتَهَتْ قُدْرَتُهُ إِلَيْهِ، فَجَمَعَ مَا عَزَّ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَعَزَمَ عَلَى الْهَرَبِ إِلَى بِلَادِ الشَّرْقِ، وَأَظْهَرَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَهُ خَبَرُ، (هَزِيمَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيِّ) ، وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ رِجَالٍ مِنَ الْحَبْسِ، فَقَتَلَهُمْ، وَأَعْلَمَ خَاصَّتَهُ حَقِيقَةَ الْحَالِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ. فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَهْلُ دَوْلَتِهِ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ وَلَا يَتْرُكَ مُلْكَهُ. قَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَا يُجْسَرُ عَلَيْهِ فَشَتَمَهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ رَأْيَهُ، وَقَالَ: أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ أَنْ يَأْخُذَنِي بِيَدِي. وَانْصَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ خَاصَّتِهِ وَأَهْلِهِ يَتَجَهَّزُ لِلْمَسِيرِ مَعَهُ، وَأَخْذِ مَا أَمْكَنَهُ حَمْلُهُ. وَكَانَتْ دَوْلَةُ آلِ (الْأَغْلَبِ بِإِفْرِيقِيَّةَ) قَدْ طَالَتْ مُدَّتُهَا، وَكَثُرَتْ عَبِيدُهَا (وَقَوِيَ سُلْطَانُهَا) ، وَسَارَ عَنْ إِفْرِيقِيَةَ إِلَى مِصْرَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَاجْتَمَعَ مَعَهُ خَلْقٌ عَظِيمٌ، فَلَمْ يَزَلْ سَائِرًا حَتَّى وَصَلَ طَرَابُلُسَ، فَدَخَلَهَا، فَأَقَامَ بِهَا تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَرَأَى بِهَا أَبَا الْعَبَّاسِ أَخَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيِّ، وَكَانَ مَحْبُوسًا بِالْقَيْرَوَانِ، حَبَسَهُ زِيَادَةُ اللَّهِ، فَهَرَبَ إِلَى طَرَابُلُسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَحْضَرَهُ وَقَرَّرَهُ: هَلْ هُوَ أَخُو أَبِي عَبْدِ اللَّهِ؟ فَأَنْكَرَ وَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ تَاجِرٌ قِيلَ عَنِّي، (إِنَّنِي أَخُو أَبِي عَبْدِ اللَّهِ) فَحَبَسْتَنِي. فَقَالَ لَهُ زِيَادَةُ اللَّهِ: أَنَا أُطْلِقُكَ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي أَنَّكَ تَاجِرٌ فَلَا نَأْثَمُ فِيكَ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، وَأَنْتَ أَخُو

стр. 3522

أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَلْيَكُنْ لِلصَّنِيعَةِ عِنْدَكَ مَوْضِعٌ، وَتَحْفَظْنَا فِيمَنْ خَلَّفْنَاهُ. وَأَطْلَقَهُ. وَكَانَ مِنْ كِبَارِ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْأَغْلَبِ، فَأَرَادَ قَتْلَهُ وَقَتْلَ رَجُلٍ آخَرَ كَانَا قَدْ عَرَضَا أَنْفُسَهُمَا عَلَى وِلَايَةِ الْقَيْرَوَانِ، فَعَلِمَا ذَلِكَ، وَهَرَبَا إِلَى مِصْرَ، وَقَدِمَا عَلَى الْعَامِلِ بِهَا وَهُوَ عِيسَى النُّوشَرِيُّ، فَتَحَدَّثَا مَعَهُ، وَسَعَيَا بِزِيَادَةِ اللَّهِ وَقَالَا لَهُ: إِنَّهُ يُمَنِّي نَفْسَهُ بِوِلَايَةِ مِصْرَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَأَرَادَ مَنْعَهُ عَنْ دُخُولِ مِصْرَ إِلَّا بِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ مِنْ بَغْدَاذَ، فَوَصَلَ زِيَادَةُ اللَّهِ لَيْلًا، وَعَبَرَ الْجِسْرَ إِلَى الْجِيزَةِ قَهْرًا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النُّوشَرِيُّ لَمْ يُمْكِنْهُ مَنْعُهُ، فَأَنْزَلَهُ بِدَارِ ابْنِ الْجَصَّاصِ، وَنَزَلَ أَصْحَابُهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، فَأَقَامَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَرَحَلَ يُرِيدُ بَغْدَاذَ، فَهَرَبَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَفِيهِمْ غُلَامٌ لَهُ، (وَأُخِذَ مِنْهُ مِائَةُ) أَلْفِ دِينَارٍ فَأَقَامَ عِنْدَ النُّوشَرِيِّ، فَأَرْسَلَ النُّوشَرِيُّ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَهُوَ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ، يُعَرِّفُهُ حَالَ زِيَادَةِ اللَّهِ وَحَالَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِمِصْرَ، فَأَمَرَهُ بِرَدِّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ إِلَيْهِ مَعَ الْمَالِ، فَفَعَلَ. وَسَارَ زِيَادَةُ اللَّهِ حَتَّى بَلَغَ الرَّقَّةَ وَكَتَبَ إِلَى الْوَزِيرِ وَهُوَ ابْنُ الْفُرَاتِ يَسْأَلُهُ فِي الْإِذْنِ لَهُ لِدُخُولِ بَغْدَاذَ، فَأَمَرَهُ بِالتَّوَقُّفِ، فَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ (سَنَةً) ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا مُدْمِنٌ الْخَمْرَ، وَاسْتِمَاعَ الْمَلَاهِي، وَسُعِيَ بِهِ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، وَقِيلَ لَهُ يُرَدُّ إِلَى الْمَغْرِبِ يَطْلُبُ بِثَأْرِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ وَكَتَبَ إِلَى النُّوشَرِيِّ بِإِنْجَادِهِ بِالرِّجَالِ وَالْعُدَدِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ مِصْرَ لِيَعُودَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَعَادَ إِلَى مِصْرَ، فَأَمَرَهُ النُّوشَرِيُّ بِالْخُرُوجِ إِلَى ذَاتِ الْحَمَّامِ لِيَكُونَ هُنَاكَ إِلَى أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمَالِ، فَفَعَلَ، (وَمَطَلَهُ) ، فَطَالَ مُقَامَهُ، وَتَتَابَعَتْ بِهِ الْأَمْرَاضُ. وَقِيلَ بَلْ سَمَّهُ بَعْضُ غِلْمَانِهِ، فَسَقَطَ شَعْرُ لِحْيَتِهِ، فَعَادَ إِلَى مِصْرَ، وَقَصَدَ الْبَيْتَ

стр. 3523

الْمُقَدَّسَ، فَتُوُفِّيَ بِالرَّمْلَةِ وَدُفِنَ بِهَا. فَسُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَلَا يَزُولُ مُلْكُهُ وَلَمْ يَبْقَ بِالْمَغْرِبِ مِنْ بَنِي الْأَغْلَبِ أَحَدٌ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِمْ مِائَةَ سَنَةٍ وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانُوا يَقُولُونَ إِنَّنَا نَخْرُجُ إِلَى مِصْرَ وَالشَّامِ، وَنَرْبُطُ خَيْلَنَا فِي زَيْتُونِ فِلَسْطِينَ، فَكَانَ زِيَادَةُ اللَّهِ هُوَ الْخَارِجَ إِلَى فِلَسْطِينَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ لَا عَلَى مَا ظَنُّوهُ. ذِكْرُ ابْتِدَاءِ الدَّوْلَةِ الْعَلَوِيَّةِ بِإِفْرِيقِيَّةَ هَذِهِ دَوْلَةٌ اتَّسَعَتْ أَكْنَافُ مَمْلَكَتِهَا، وَطَالَتْ مُدَّتُهَا، فَإِنَّهَا مَلَكَتْ إِفْرِيقِيَّةَ هَذِهِ السَّنَةَ، وَانْقَرَضَتْ دَوْلَتُهُمْ بِمِصْرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَنَحْتَاجُ أَنْ نَسْتَقْصِيَ ذِكْرَهَا فَنَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقِيلَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵃، (وَمَنْ يَنْسِبُ هَذَا النَّسَبَ يَجْعَلُهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْقَدَّاحِيَّةُ. وَقِيلَ هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الثَّانِي ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵃ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِحَّةِ نَسَبِهِ، فَقَالَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ الْقَائِلُونَ بِإِمَامَتِهِ: إِنَّ نَسَبَهُ صَحِيحٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَمْ يَرْتَابُوا فِيهِ. وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ الْعَالِمِينَ بِالْأَنْسَابِ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ أَيْضًا، وَيَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ مَا قَالَهُ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ:

стр. 3524

مَا مُقَامِي عَلَى الْهَوَانِ وَعِنْدِي ... مَقُولٌ صَارِمٌ، وَأَنْفٌ حَمِيُّ أَلْبَسُ الذُّلَّ فِي بِلَادِ الْأَعَادِي ... وَبِمِصْرَ الْخَلِيفَةُ الْعَلَوِيُّ مَنْ أَبُوهُ أَبِي، وَمَوْلَاهُ مَوْلَا ... يَ إِذَا ضَامَنِي الْبَعِيدُ الْقَصِيُّ لَفَّ عِرْقِي بِعِرْقِهِ سَيِّدَا النَّا ... سِ جَمِيعًا: مُحَمَّدٌ، وَعَلِيُّ إِنَّ ذُلِّي بِذَلِكَ الْجَوِّ عِزٌّ ... وَأُوَامِي بِذَلِكَ النَّقْعِ رِيُّ وَإِنَّمَا لَمْ يُودِعْهَا فِي بَعْضِ دِيوَانِهِ خَوْفًا، وَلَا حُجَّةَ بِمَا كَتَبَهُ فِي الْمَحْضَرِ الْمُتَضَمِّنِ الْقَدْحَ فِي أَنْسَابِهِمْ، فَإِنَّ الْخَوْفَ يَحْمِلُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مَا يُصَدِّقُ مَا ذَكَرْتُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْقَادِرَ بِاللَّهِ لَمَّا بَلَغَتْهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ أَحْضَرَ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْبَاقِلَّانِيِّ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى الشَّرِيفِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوسَوِيِّ وَالِدِ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ، يَقُولُ لَهُ: قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَتَكَ مِنَّا، وَمَا لَا نَزَالُ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِدَادِ بِكَ بِصِدْقِ الْمُوَالَاةِ مِنْكَ، وَمَا تَقَدَّمَ لَكَ فِي الدَّوْلَةِ مِنْ مَوَاقِفَ مَحْمُودَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ عَلَى خَلِيفَةٍ تَرْضَاهُ، وَيَكُونَ وَلَدُكَ عَلَى مَا يُضَادُّهَا، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ قَالَ شِعْرًا، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي عَلَى أَيِّ مُقَامِ ذُلٍّ أَقَامَ، وَهُوَ نَاظِرٌ فِي النِّقَابَةِ وَالْحَجِّ، وَهُمَا مِنْ أَشْرَفِ الْأَعْمَالِ، وَلَوْ كَانَ بِمِصْرَ لَكَانَ كَبَعْضِ الرَّعَايَا، وَأَطَالَ الْقَوْلَ، فَحَلَفَ أَبُو أَحْمَدَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِذَلِكَ. وَأَحْضَرَ وَلَدَهُ، وَقَالَ لَهُ فِي الْمَعْنَى فَأَنْكَرَ الشِّعْرَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ خَطَّكَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِالِاعْتِذَارِ، وَاذْكُرْ فِيهِ أَنَّ نَسَبَ الْمِصْرِيِّ مَدْخُولٌ، وَأَنَّهُ مُدَّعٍ فِي نَسَبِهِ، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ! فَقَالَ أَبُوهُ: تُكَذِّبُنِي فِي قَوْلِي؟

стр. 3525

فَقَالَ: مَا أُكَذِّبُكَ، وَلَكِنِّي أَخَافُ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَأَخَافُ مِنَ الْمِصْرِيِّ وَمِنَ الدُّعَاةِ فِي الْبِلَادِ، فَقَالَ أَبُوهُ: أَتَخَافُ مِمَّنْ هُوَ بَعِيدٌ عَنْكَ، وَتُرَاقِبُهُ، وَتُسْخِطُ مَنْ (هُوَ قَرِيبٌ) وَأَنْتَ بِمَرْأًى مِنْهُ وَمَسْمَعٍ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ؟ وَتَرَدَّدَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَكْتُبِ الرَّضِيُّ خَطَّهُ، فَحَرَدَ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَغَضِبَ وَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ مَعَهُ فِي بَلَدٍ، فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ حَلَفَ الرَّضِيُّ (أَنَّهُ) مَا قَالَ هَذَا الشِّعْرَ وَانْدَرَجَتِ الْقِصَّةُ عَلَى هَذَا. فَفِي امْتِنَاعِ الرَّضِيِّ مِنَ الِاعْتِذَارِ، وَمِنْ أَنْ يَكْتُبَ طَعْنًا فِي نَسَبِهِمْ مَعَ الْخَوْفِ، دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلَى صِحَّةِ نَسَبِهِمْ. وَسَأَلْتُ أَنَا جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ الْعَلَوِيِّينَ فِي نَسَبِهِ، فَلَمْ يَرْتَابُوا فِي صِحَّتِهِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ نَسَبَهُ مَدْخُولٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَعَدَا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ جَعَلُوا نَسَبَهُ يَهُودِيًّا، وَقَدْ كُتِبَ فِي الْأَيَّامِ الْقَادِرِيَّةِ مَحْضَرٌ يَتَضَمَّنُ الْقَدْحَ فِي نَسَبِهِ وَنَسَبِ أَوْلَادِهِ، وَكَتَبَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ نَسَبَهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ غَيْرُ صَحِيحٍ. فَمِمَّنْ كَتَبَ فِيهِ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ الْمُرْتَضَى، وَأَخُوهُ الرَّضِيُّ، وَابْنُ الْبَطْحَاوِيِّ، وَابْنُ الْأَزْرَقِ الْعَلَوِيَّانِ، وَمِنْ غَيْرِهِمُ ابْنُ الْأَكْفَانِيِّ وَابْنُ الْخَرَزِيِّ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْأَبِيوَرْدِيُّ، وَأَبُو حَامِدٍ، وَالْكَشْفَلِيُّ، وَالْقُدُورِيُّ، وَالصَّيْمَرِيُّ أَبُو الْفَضْلِ النَّسَوِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ النَّسَفِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ، فَقِيهُ الشِّيعَةِ.

стр. 3526

وَزَعَمَ الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ نَسَبِهِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِمَّنْ كَتَبَ فِي الْمَحْضَرِ إِنَّمَا كَتَبُوا خَوْفًا وَتَقِيَّةً، وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِالْأَنْسَابِ فَلَا احْتِجَاجَ بِقَوْلِهِ. وَزَعَمَ الْأَمِيرُ عَبْدُ الْعَزِيزِ، صَاحِبُ تَارِيخِ إِفْرِيقِيَّةَ وَالْمَغْرِبِ، أَنَّ نَسَبَهُ مُعْرِقٌ فِي الْيَهُودِيَّةِ، وَنَقَلَ فِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَدِ اسْتَقْصَى، ذِكْرَ ابْتِدَاءِ دَوْلَتِهِمْ، وَبَالَغَ. وَأَنَا أَذْكُرُ مَعْنَى مَا قَالَهُ مَعَ الْبَرَاءَةِ مِنْ عُهْدَةِ طَعْنِهِ فِي نَسَبِهِ، وَمَا عَدَاهُ فَقَدْ أَحْسَنَ فِيمَا ذَكَرَ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى سَيِّدَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مُحَمَّدًا ﷺ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالرُّومِ وَالْفُرْسِ وَقُرَيْشٍ، وَسَائِرِ الْعَرَبِ، لِأَنَّهُ سَفَّهَ أَحْلَامَهُمْ، (وَعَابَ) أَدْيَانَهُمْ وَآلِهَتَهُمْ، وَفَرَّقَ جَمْعَهُمْ، فَاجْتَمَعُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَيْهِ، فَكَفَاهُ اللَّهُ كَيْدَهُمْ، وَنَصَرَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَسْلَمَ مِنْهُمْ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمَّا قُبِضَ ﷺ نَجَمَ النِّفَاقُ، وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ، وَظَنُّوا أَنَّ الصَّحَابَةَ يَضْعُفُونَ بَعْدَهُ، فَجَاهَدَ أَبُو بَكْرٍ، ﵁، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَتَلَ مُسَيْلِمَةَ، وَرَدَّ الرِّدَّةَ، وَأَذَلَّ الْكُفْرَ، وَوَطَّأَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ، وَغَزَا فَارِسَ وَالرُّومَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ظَنُّوا أَنَّ بِوَفَاتِهِ يَنْتَقِصُ الْإِسْلَامُ. فَاسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَذَلَّ فَارِسَ وَالرُّومَ، وَغَلَبَ عَلَى مَمَالِكِهَا، فَدَسَّ عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ أَبَا لُؤْلُؤَةَ فَقَتَلَهُ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ بِقَتْلِهِ يَنْطَفِئُ نُورُ الْإِسْلَامِ. فَوُلِّيَ بَعْدَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِي الْفُتُوحِ، وَاتَّسَعَتْ مَمْلَكَةُ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا قُتِلَ وَوُلِّيَ بَعْدَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ قَامَ بِالْأَمْرِ أَحْسَنَ قِيَامٍ. فَلَمَّا يَئِسَ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ مِنَ اسْتِئْصَالِهِ بِالْقُوَّةِ أَخَذُوا فِي وَضْعِ الْأَحَادِيثِ الْكَاذِبَةِ، وَتَشْكِيكِ ضَعَفَةِ الْعُقُولِ فِي دِينِهِمْ، بِأُمُورٍ قَدْ ضَبَطَهَا الْمُحَدِّثُونَ، وَأَفْسَدُوا الصَّحِيحَ

стр. 3527

بِالتَّأْوِيلِ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ وَأَبُو شَاكِرٍ مَيْمُونُ بْنُ دَيْصَانَ صَاحِبُ كِتَابِ " الْمِيزَانِ " فِي نُصْرَةِ الزَّنْدَقَةِ، وَغَيْرُهُمَا، فَأَلْقَوْا إِلَى مَنْ وَثِقُوا بِهِ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ بَاطِنًا وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَمَنْ عَرَفَ الْأَئِمَّةَ وَالْأَبْوَابَ، صَلَاةً وَلَا زَكَاةً، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، وَأَبَاحُوا لَهُمْ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ قُيُودٌ لِلْعَامَّةِ سَاقِطَةٌ عَنِ الْخَاصَّةِ. وَكَانُوا يُظْهِرُونَ التَّشَيُّعَ لِآلِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْتُرُوا أَمْرَهُمْ، وَيَسْتَمِيلُوا الْعَامَّةَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُمْ فِي الْبِلَادِ، وَأَظْهَرُوا الزُّهْدَ وَالْعِبَادَةَ، يُغْرُونَ النَّاسَ بِذَلِكَ وَهُمْ عَلَى خِلَافِهِ، فَقُتِلَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ قَالُوا لَهُ: إِنَّا نَخَافُ الْجُنْدَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَسْلِحَتَهُمْ لَا تَعْمَلُ فِيكُمْ، فَلَمَّا ابْتَدَؤُوا فِي ضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ أَلَمْ تَقُلْ إِنَّ سُيُوفَهُمْ لَا تَعْمَلُ فِينَا؟ فَقَالَ: إِذَا كَانَ قَدْ أَرَادَ اللَّهُ فَمَا حِيلَتِي؟ وَتَفَرَّقَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فِي الْبِلَادِ وَتَعَلَّمُوا الشَّعْبَذَةَ، وَالنَّارِنْجِيَّاتِ، وَالزَّرَقَ وَالنُّجُومَ، وَالْكِمْيَاءَ، فَهُمْ يَحْتَالُونَ عَلَى كُلِّ قَوْمٍ بِمَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْعَامَّةِ بِإِظْهَارِ الزُّهْدِ. وَنَشَأَ لِابْنِ دَيْصَانَ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ الْقَدَّاحُ، عَلَّمَهُ الْحِيَلَ، وَأَطْلَعَهُ عَلَى أَسْرَارِ هَذِهِ النِّحْلَةِ، فَحَذَقَ وَتَقَدَّمَ.

стр. 3528

وَكَانَ بِنَوَاحِي كَرْخَ وَأَصْبَهَانَ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَيُلَقَّبُ بِدَنْدَانَ يَتَوَلَّى تِلْكَ الْمَوَاضِعَ، وَلَهُ نِيَابَةٌ عَظِيمَةٌ، وَكَانَ يُبْغِضُ الْعَرَبَ وَيَجْمَعُ مَسَاوِيَهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْقَدَّاحُ، وَعَرَّفَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا زَادَ بِهِ مَحَلُّهُ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُظْهِرَ، (مَا فِي نَفْسِهِ) ، وَإِنَّمَا يَكْتُمُهُ، وَيُظْهِرُ التَّشَيُّعَ وَالطَّعْنَ عَلَى الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ الطَّعْنَ فِيهِمْ طَعْنٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ بِطَرِيقِهِمْ وَصَلَتْ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، فَاسْتَحْسَنَ قَوْلَهُ وَأَعْطَاهُ مَالًا عَظِيمًا يُنْفِقُهُ عَلَى الدُّعَاةِ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ فَسَيَّرَهُ إِلَى كُوَرِ الْأَهْوَازِ وَالْبَصْرَةِ، وَالْكُوفَةِ، وَطَالِقَانَ، وَخُرَاسَانَ، وَسَلَمِيَّةَ، مِنْ أَرْضِ حِمْصَ، وَفَرَّقَهُ فِي دُعَاتِهِ، وَتُوُفِّيَ الْقَدَّاحُ، وَدَنْدَانُ. وَإِنَّمَا لُقِّبَ الْقَدَّاحَ لِأَنَّهُ كَانَ يُعَالِجُ الْعُيُونَ وَيَقْدَحُهَا. فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْقَدَّاحُ قَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَحْمَدُ مَقَامَهُ، وَصَحِبَهُ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ رُسْتُمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَوْشَبِ بْنِ دَاذَانَ النَّجَّارُ، مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَكَانَا يَقْصِدَانِ الْمَشَاهِدَ، وَكَانَ بِالْيَمَنِ رَجُلٌ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ كَثِيرُ الْمَالِ وَالْعَشِيرَةِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَدِ، يَتَشَيَّعُ، فَجَاءَ إِلَى مَشْهَدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ يَزُورُهُ، فَرَآهُ أَحْمَدُ وَرُسْتُمُ يَبْكِي كَثِيرًا، فَلَمَّا خَرَجَ اجْتَمَعَ بِهِ أَحْمَدُ، وَطَمِعَ فِيهِ لِمَا رَأَى مِنْ بُكَائِهِ، وَأَلْقَى إِلَيْهِ مَذْهَبَهُ فَقَبِلَهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ النَّجَّارَ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ بِلُزُومِ الْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ وَدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَأَنَّهُ خَارِجٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِالْيَمَنِ، فَسَارَ النَّجَّارُ إِلَى الْيَمَنِ، وَنَزَلَ بِعَدَنَ، بِقُرْبِ قَوْمٍ مِنَ الشِّيعَةِ يُعْرَفُونَ بِبَنِي مُوسَى، وَأَخَذَ فِي بَيْعِ مَا مَعَهُ. وَأَتَاهُ بَنُو مُوسَى، وَقَالُوا لَهُ: فِيمَ جِئْتَ؟ قَالَ: لِلتِّجَارَةِ.

стр. 3529

قَالُوا: لَسْتَ بِتَاجِرٍ، وَإِنَّمَا أَنْتَ رَسُولُ الْمَهْدِيِّ، وَقَدْ بَلَغَنَا خَبَرُكَ، وَنَحْنُ بَنُو مُوسَى، وَلَعَلَّكَ قَدْ سَمِعْتَ بِنَا، فَانْبَسِطْ وَلَا تَحْتَشِمْ، فَإِنَّا إِخْوَانُكَ، فَأَظْهَرَ أَمْرَهُ، وَقَوَّى عَزَائِمَهُمْ، وَقَرُبَ أَمْرُ الْمَهْدِيِّ بِالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ هَذَا أَوَانُ ظُهُورِ الْمَهْدِيِّ، وَمِنْ عِنْدِهِمْ يَظْهَرُ. وَاتَّصَلَتْ أَخْبَارُهُ بِالشِّيعَةِ الَّذِينَ بِالْعِرَاقِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ فَكَثُرَ جَمْعُهُمْ وَعَظُمَ بِأْسُهُمْ، وَأَغَارُوا عَلَى مَنْ جَاوَرَهُمْ، وَسَبَوْا، وَجَبَوُا الْأَمْوَالَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ بِالْكُوفَةِ مِنْ وَلِدِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَدَّاحِ هَدَايَا عَظِيمَةً، وَكَانُوا أَنْفَذُوا إِلَى الْمَغْرِبِ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا يُعْرَفُ بِالْحُلْوَانِيِّ، وَالْآخَرُ يُعْرَفُ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَقَالُوا لَهُمَا: إِنَّ الْمَغْرِبَ أَرْضٌ بُورٌ، فَاذْهَبَا فَاحْرُثَا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُ الْبَدْرِ، فَسَارَا فَنَزَلَ بِأَرْضِ كُتَامَةَ بِبَلَدٍ (يُسَمَّى مَرْمَجَنَّةَ) وَالْآخَرُ بِسُوقِ حِمَارٍ، فَمَالَتْ قُلُوبُ أَهْلِ تِلْكَ النَّوَاحِي إِلَيْهِمَا، وَحَمَلُوا إِلَيْهِمَا الْأَمْوَالَ وَالتُّحَفَ، فَأَقَامَا سِنِينَ كَثِيرَةً، وَمَاتَا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَرِيبَ الْوَفَاةِ مِنَ الْآخَرِ. ذِكْرُ إِرْسَالِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيِّ إِلَى الْمَغْرِبِ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ الشِّيعِيُّ مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ، وَقَدْ سَارَ إِلَى ابْنِ حَوْشَبٍ النَّجَّارِ، وَصَحِبَهُ بِعَدَنَ، وَصَارَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ لَهُ عِلْمٌ وَفَهْمٌ وَدَهَاءٌ وَمَكْرٌ، فَلَمَّا أَتَى خَبَرُ وَفَاةِ الْحُلْوَانِيِّ وَأَبِي سُفْيَانَ (إِلَى ابْنِ حَوْشَبٍ) قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيِّ: إِنَّ أَرْضَ كُتَامَةَ مِنَ الْمَغْرِبِ قَدْ حَرَثَهَا الْحُلْوَانِيُّ وَأَبُو سُفْيَانَ، وَقَدْ مَاتَا، وَلَيْسَ لَهَا غَيْرُكَ، فَبَادِرْ، فَإِنَّهَا مُوَطَّأَةٌ مُمَهَّدَةٌ لَكَ. فَخَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (إِلَى مَكَّةَ) ، وَأَعْطَاهُ ابْنُ حَوُشَبٍ مَالًا، وَسَيَّرَ مَعَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ

стр. 3530

أَبِي مَلَاحِفَ، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَكَّةَ سَأَلَ عَنْ حُجَّاجِ كُتَامَةَ فَأُرْشِدَ إِلَيْهِمْ، فَاجْتَمَعَ بِهِمْ، وَلَمْ يُعَرِّفْهُمْ قَصْدَهُ، وَجَلَسَ قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَسَمِعَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ بِفَضَائِلِ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَأَظْهَرَ اسْتِحْسَانَ ذَلِكَ، وَحَدَّثَهُمْ بِمَا لَمْ يَعْلَمُوهُ، فَلَمَّا أَرَادَ الْقِيَامَ سَأَلُوهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي زِيَارَتِهِ وَالِانْبِسَاطِ مَعَهُ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَسَأَلُوهُ أَيْنَ مَقْصِدُهُ، فَقَالَ: أُرِيدُ مِصْرَ، فَفَرِحُوا بِصُحْبَتِهِ. وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكُتَامِيِّينَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ اسْمُهُ حُرَيْثٌ الْجَمِيلِيُّ، وَآخَرُ اسْمُهُ مُوسَى بْنُ مَكَّادَ، فَرَحَلُوا، وَهُوَ لَا يُخْبِرُهُمْ بِغَرَضِهِ، وَأَظْهَرَ لَهُمُ الْعِبَادَةَ، وَالزُّهْدَ، فَازْدَادُوا فِيهِ رَغْبَةً، وَخَدَمُوهُ، وَكَانَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، وَعَنْ طَاعَتِهِمْ لِسُلْطَانِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَقَالُوا: مَا لَهُ عَلَيْنَا طَاعَةٌ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ. قَالَ: أَفَتَحْمِلُونَ السِّلَاحَ؟ قَالُوا: هُوَ شُغْلُنَا، وَلَمْ يَزَلْ يَتَعَرَّفُ أَحْوَالَهُمْ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا أَرَادَ وَدَاعَهُمْ قَالُوا لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ تَطْلُبُ بِمِصْرَ؟ قَالَ: أَطْلُبُ التَّعْلِيمَ بِهَا، قَالُوا: إِذَا كُنْتَ تَقْصِدُ هَذَا فَبِلَادُنَا أَنْفَعُ لَكَ، وَنَحْنُ أَعْرَفُ بِحَقِّكَ، وَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَجَابَهُمْ إِلَى الْمَسِيرِ (مَعَهُمْ) بَعْدَ الْخُضُوعِ وَالسُّؤَالِ، فَسَارَ مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَارَبُوا بِلَادَهُمْ لَقِيَهُمْ رِجَالٌ مِنَ الشِّيعَةِ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِخَبَرِهِ، فَرَغِبُوا فِي نُزُولِهِ عِنْدَهُمْ، وَاقْتَرَعُوا فِيمَنْ يُضَيِّفُهُ (مِنْهُمْ) ثُمَّ رَحَلُوا حَتَّى وَصَلُوا إِلَى أَرْضِ كُتَامَةَ، مُنْتَصَفَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَسَأَلَهُ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ عِنْدَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُوا دُونَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْنَ يَكُونُ فَجُّ الْأَخْيَارِ؟ فَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُونُوا ذَكَرُوهُ لَهُ، فَقَالُوا لَهُ: عِنْدَ بَنِي سُلَيَّانَ. فَقَالَ: إِلَيْهِ نَقْصِدُ، ثُمَّ نَأْتِي قَوْمًا مِنْكُمْ فِي دِيَارِكُمْ، وَنَزُورُهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ، فَأَرْضَى بِذَلِكَ الْجَمِيعَ.

стр. 3531

وَسَارَ إِلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ إِنْكِجَانَ، وَفِيهِ فَجُّ الْأَخْيَارِ، (فَقَالَ: هَذَا فَجُّ الْأَخْيَارِ) ، وَمَا سُمِّيَ إِلَّا بِكُمْ، وَلَقَدْ جَاءَ فِي الْآثَارِ: إِنَّ لِلْمَهْدِيِّ هِجْرَةً تَنْبُو عَنِ الْأَوْطَانِ، يَنْصُرُهُ فِيهَا الْأَخْيَارُ مِنْ (أَهْلِ) ذَلِكَ الزَّمَانِ، قَوْمٌ مُشْتَقٌّ اسْمُهُمْ مِنَ الْكِتْمَانِ، (فَإِنَّهُمْ كُتَامَةُ) ، وَبِخُرُوجِكُمْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ يُسَمَّى فَجَّ الْأَخْيَارِ. فَتَسَامَعَتِ الْقَبَائِلُ، وَصَنَعَ مِنَ الْحِيَلِ وَالْمَكِيدَاتِ وَالنَّارِنْجِيَّاتِ مَا أَذْهَلَ عُقُولَهُمْ، وَأَتَاهُ الْبَرْبَرُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ تَقَاتَلَتْ كُتَامَةُ عَلَيْهِ مَعَ قَبَائِلِ الْبَرْبَرِ، وَسَلِمَ مِنَ الْقَتْلِ مِرَارًا وَهُوَ (فِي كُلِّ) ذَلِكَ لَا يَذْكُرُ اسْمَ الْمَهْدِيِّ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى مُنَاظَرَتِهِ وَقَتْلِهِ، فَلَمْ يَتْرُكْهُ الْكُتَامِيُّونَ يُنَاظِرُهُمْ، وَكَانَ اسْمُهُ عِنْدَهُمْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَشْرِقِيَّ. وَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَغْلَبِ أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَأَرْسَلَ عَامِلَهُ عَلَى مَدِينَةِ مِيلَةَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَصَغَّرَهُ وَذَكَرَ (لَهُ) أَنَّهُ يَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَالْعِبَادَةِ فَسَكَتَ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ لِلْكُتَامِيِّينَ: أَنَا صَاحِبُ الْبَدْرِ الَّذِي ذَكَرَ لَكُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَالْحُلْوَانِيُّ، فَازْدَادَتْ مَحَبَّتُهُمْ لَهُ، وَتَعْظِيمُهُمْ لِأَمْرِهِ، وَتَفَرَّقَتْ كَلِمَةُ الْبَرْبَرِ وَكُتَامَةَ بِسَبَبِهِ، فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ قَتْلَهُ، فَاخْتَفَى، وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِإِنْسَانٍ اسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ هَارُونَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ كُتَامَةَ، فَأَخَذَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِلَيْهِ، وَدَافَعَ عَنْهُ، وَمَضَيَا إِلَى مَدِينَةِ نَاصِرُونَ، فَأَتَتْهُ الْقَبَائِلُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَعَظُمَ شَأْنُهُ، وَصَارَتِ الرِّئَاسَةُ لِلْحَسْنِ بْنِ هَارُونَ.

стр. 3532

وَسَلَّمَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَعِنَّةَ الْخَيْلِ، وَظَهَرَ مِنَ الِاسْتِتَارِ، وَشَهَرَ الْحُرُوبَ، فَكَانَ الظَّفَرُ لَهُ فِيهَا، وَغَنِمَ الْأَمْوَالَ، وَانْتَقَلَ إِلَى مَدِينَةِ نَاصِرُونَ وَخَنْدَقَ عَلَيْهَا، فَزَحَفَتْ قَبَائِلُ الْبَرْبَرِ إِلَيْهَا، وَاقْتَتَلُوا، ثُمَّ اصْطَلَحُوا، ثُمَّ أَعَادُوا الْقِتَالَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَقَائِعُ كَثِيرَةٌ وَظَفِرَ بِهِمْ، وَصَارَتْ إِلَيْهِ أَمْوَالُهُمْ، فَاسْتَقَامَ لَهُ أَمْرُ الْبَرْبَرِ وَعَامَّةِ كُتَامَةَ. ذِكْرُ مِلْكِهِ مَدِينَةَ مِيلَةَ وَانْهِزَامِهِ فَلَمَّا تَمَّ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ذَلِكَ زَحَفَ إِلَى مَدِينَةِ مِيلَةَ، فَجَاءَهُ مِنْهَا رَجُلٌ اسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، فَأَطْلَعَهُ عَلَى غِرَّةِ الْبَلَدِ، فَقَاتَلَ أَهْلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَخَذَ الْأَرْبَاضَ، فَطَلَبُوا مِنْهُ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وَدَخَلَ مَدِينَةَ مِيلَةَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَمِيرَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَهُوَ حِينَئِذٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ، فَنَفَّذَ وَلَدَهُ الْأَحْوَلَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَتَبِعَهُمْ مِثْلُهُمْ، فَالْتَقَيَا، فَاقْتَتَلَ الْعَسْكَرَانِ، فَانْهَزَمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِهِ، وَتَبِعَهُ الْأَحْوَلُ، وَسَقَطَ ثَلْجٌ عَظِيمٌ حَالَ بَيْنَهُمْ، وَسَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِلَى جَبَلِ إِنْكِجَانَ، فَوَصَلَ الْأَحْوَلُ إِلَى مَدِينَةِ نَاصِرُونَ، فَأَحْرَقَهَا، وَأَحْرَقَ مَدِينَةَ مِيلَةَ، (وَلَمْ يَجِدْ بِهَا أَحَدًا) . وَبَنَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِإِنْكِجَانَ دَارَ هِجْرَةٍ، فَقَصَدَهَا أَصْحَابُهُ، وَعَادَ الْأَحْوَلُ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ، فَسَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ رَحِيلِهِمْ، فَغَنِمَ مِمَّا رَأَى مِمَّا تَخَلَّفَ عَنْهُمْ، وَأَتَاهُ (خَبَرُ) وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ، فَسُرَّ بِهِ، ثُمَّ أَتَاهُ خَبَرُ قَتْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَلَدِهِ، وَوِلَايَةِ زِيَادَةِ اللَّهِ، وَاشْتِغَالِهِ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، فَاشْتَدَّ سُرُورُهُ، وَكَانَ الْأَحْوَلُ قَدْ جَمَعَ جَيْشًا كَثِيرًا أَيَّامَ أَخِيهِ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَلَقِيَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَانْهَزَمَ الْأَحْوَلُ. (وَبَقِيَ الْأَحْوَلُ) قَرِيبًا مِنْهُ يُقَاتِلُهُ وَيَمْنَعُهُ مِنَ التَّقَدُّمِ، فَلَمَّا وَلِيَ أَبُو مُضَرَ زِيَادَةُ اللَّهِ

стр. 3533

إِفْرِيقِيَّةَ أَحْضَرَ الْأَحْوَلَ وَقَتَلَهُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحْوَلَ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكْسِرُ عَيْنَهُ إِذَا أَدَامَ النَّظَرَ فَلُقِّبَ بِهِ، فَلَمَّا قُتِلَ انْتَشَرَتْ حِينَئِذٍ جُيُوشُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْبِلَادِ، وَصَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الْمَهْدِيُّ يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَيَمْلِكُ الْأَرْضَ، فَيَا طُوبَى لِمَنْ هَاجَرَ إِلَيَّ وَأَطَاعَنِي! وَيُغْرِي النَّاسَ بِأَبِي مُضَرَ، وَيَعِيبُهُ. وَكَانَ كُلُّ مَنْ عِنْدَ زِيَادَةِ اللَّهِ مِنَ الْوُزَرَاءِ شِيعَةً، فَلَا يَسُوءُهُمْ أَنْ يَظْفَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا سِيَّمَا مَعَ مَا كَانَ يَذْكُرُ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَاتِ الَّتِي لِلْمَهْدِيِّ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَرَدِّ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَمِلْكِهِ الْأَرْضَ بِأَسْرِهَا! وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ، وَيَسْحَرُهُمْ، وَيَعِدُهُمْ. ذِكْرُ سَبَبِ اتِّصَالِ الْمَهْدِيِّ عُبَيْدِ اللَّهِ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيِّ وَمَسِيرِهِ إِلَى سِجِلْمَاسَةَ لِمَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحُ ادَّعَى وَلَدُهُ أَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُمْ مَعَ هَذَا يَسْتُرُونَ، وَيُسِرُّونَ أَمْرَهُمْ، وَيُخْفُونَ أَشْخَاصَهُمْ. وَكَانَ وَلَدُهُ أَحْمَدُ هُوَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، فَتُوُفِّيَ وَخَلَّفَ وَلَدَهُ مُحَمَّدًا، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يُكَاتِبُهُ الدُّعَاةُ فِي الْبِلَادِ، وَتُوَفِّيَ مُحَمَّدٌ وَخَلَّفَ أَحْمَدَ وَالْحُسَيْنَ، فَسَارَ الْحُسَيْنُ إِلَى سَلَمِيَّةَ مِنْ أَرْضِ حِمْصَ، وَلَهُ بِهَا وَدَائِعُ وَأَمْوَالٌ مِنْ وَدَائِعِ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَدَّاحِ، وَوُكَلَاءُ، وَغِلْمَانٌ، وَبَقِيَ بِبَغْدَاذَ مِنْ أَوْلَادِ الْقَدَّاحِ أَبُو الشَّلَغْلَغِ. وَكَانَ الْحُسَيْنُ يَدَّعِي أَنَّهُ الْوَصِيُّ وَصَاحِبُ الْأَمْرِ، وَالدُّعَاةُ بِالْيَمَنِ وَالْمَغْرِبِ يُكَاتِبُونَهُ وَيُرَاسِلُونَهُ، وَاتَّفَقَ أَنَّهُ جَرَى بِحَضْرَتِهِ حَدِيثُ النِّسَاءِ بِسَلَمِيَّةَ، فَوَصَفُوا لَهُ امْرَأَةَ

стр. 3534

رَجُلٍ يَهُودِيٍّ حَدَّادٍ، مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، فَتَزَوَّجَهَا، وَلَهَا وَلَدٌ مِنَ الْحَدَّادِ يُمَاثِلُهَا فِي الْجَمَالِ، فَأَحَبَّهَا وَحَسُنَ مَوْقِعُهَا مَعَهُ، وَأَحَبَّ وَلَدَهَا، وَأَدَّبَهُ، وَعَلَّمَهُ، فَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَصَارَتْ لَهُ نَفْسٌ عَظِيمَةٌ، وَهِمَّةٌ كَبِيرَةٌ. فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْإِمَامَ الَّذِي كَانَ بِسَلَمِيَّةَ، وَهُوَ الْحُسَيْنُ، مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ [لَهُ] وَلَدٌ، فَعَهِدَ إِلَى ابْنِ الْيَهُودِيِّ الْحَدَّادِ، وَهُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَعَرَّفَهُ أَسْرَارَ الدَّعْوَةِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، وَأَيْنَ الدُّعَاةُ، وَأَعْطَاهُ الْأَمْوَالَ وَالْعَلَامَاتِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ بِطَاعَتِهِ وَخِدْمَتِهِ، وَأَنَّهُ الْإِمَامُ وَالْوَصِيُّ، وَزَوَّجَهُ ابْنَةَ عَمِّهِ أَبِي الشَّلَغْلَغِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَبْيَضِ الْعَلَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَجَعَلَ لِنَفْسِهِ نَسَبًا، وَهُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ (بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ) بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُونَ، وَهُمْ قَلِيلٌ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ (هَذَا مِنْ وَلَدِ الْقَدَّاحِ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ فِيهَا مَا فِيهَا، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي حَمَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ) الشِّيعِيَّ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ قَامَ بِإِظْهَارِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، حَتَّى يُخْرِجُوا (هَذَا) الْأَمْرَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَيُسَلِّمُوا إِلَى وَلَدِ يَهُودِيٍّ، وَهَلْ يُسَامِحُ نَفْسَهُ بِهَذَا الْأَمْرِ مَنْ يَعْتَقِدُهُ دِينًا يُثَابُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَلَمَّا عَهِدَ الْحُسَيْنُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ سَتُهَاجِرُ بَعْدِي هِجْرَةً بَعِيدَةً، وَتَلْقَى مِحَنًا شَدِيدَةً، فَتُوُفِّيَ الْحُسَيْنُ، وَقَامَ بَعْدَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَانْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ، وَبَذَلَ الْأَمْوَالَ خِلَافَ مَا تَقَدَّمَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رِجَالًا مِنْ كُتَامَةَ مِنَ الْمَغْرِبِ لِيُخْبِرُوهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ. وَشَاعَ خَبَرُهُ عِنْدَ النَّاسِ أَيَّامَ الْمُكْتَفِي فَطُلِبَ، فَهَرَبَ هُوَ وَوَلَدُهُ أَبُو الْقَاسِمِ نِزَارٌ

стр. 3535

الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ، وَتَلَقَّبَ بِالْقَائِمِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، وَخَرَجَ مَعَهُ خَاصَّتُهُ وَمَوَالِيهِ يُرِيدُ الْمَغْرِبَ، وَذَلِكَ أَيَّامَ زِيَادَةِ اللَّهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مِصْرَ أَقَامَ مُسْتَتِرًا بِزِيِّ التُّجَّارِ، وَكَانَ عَامِلَ مِصْرَ حِينَئِذٍ عِيسَى النُّوشَرِيُّ، فَأَتَتْهُ الْكُتُبُ مِنَ الْخَلِيفَةِ بِصِفَتِهِ وَحِلْيَتِهِ، وَأُمِرَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ يُشْبِهُهُ. وَكَانَ بَعْضُ خَاصَّةِ عِيسَى مُتَشَيِّعًا، فَأَخْبَرَ الْمَهْدِيَّ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالِانْصِرَافِ، فَخَرَجَ مِنْ مِصْرَ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَمَعَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، فَأَوْسَعَ النَّفَقَةَ عَلَى مَنْ صَحِبَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى النُّوشَرِيِّ فَرَّقَ الرُّسُلَ فِي طَلَبِ الْمَهْدِيِّ وَخَرَجَ بِنَفْسِهِ فَلَحِقَهُ، فَلَمَّا رَآهُ لَمْ يَشُكَّ فِيهِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَنَزَلَ بِبُسْتَانٍ، وَوَكَّلَ بِهِ، فَلَمَّا حَضَرَ الطَّعَامُ دَعَاهُ لِيَأْكُلَ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ صَائِمٌ، فَرَقَّ لَهُ، وَقَالَ لَهُ: أَعْلِمْنِي بِحَقِيقَةِ حَالِكَ حَتَّى أُطْلِقَكَ، فَخَوَّفَهُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْكَرَ حَالَهُ، وَلَمْ يَزَلْ يُخَوِّفُهُ وَيَتَلَطَّفُهُ فَأَطْلَقَهُ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ مَنْ يُوَصِّلُهُ إِلَى رُفْقَتِهِ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ بِي إِلَى ذَلِكَ، وَدَعَا لَهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَعْطَاهُ فِي الْبَاطِنِ مَالًا حَتَّى أَطْلَقَهُ، فَرَجَعَ (بَعْضُ) أَصْحَابِ النُّوشَرِيِّ عَلَيْهِ بِاللَّوْمِ، فَنَدِمَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَأَرَادَ إِرْسَالَ الْجَيْشِ وَرَاءَهُ لِيَرُدُّوهُ، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ لَمَّا لَحِقَ أَصْحَابَهُ رَأَى ابْنَهُ أَبَا الْقَاسِمِ قَدْ ضَيَّعَ كَلْبًا كَانَ لَهُ يَصِيدُ بِهِ، وَهُوَ يُبْكِي عَلَيْهِ، فَعَرَّفَهُ عَبِيدُهُ أَنَّهُمْ تَرَكُوهُ فِي الْبُسْتَانِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، فَرَجَعَ الْمَهْدِيُّ بِسَبَبِ الْكَلْبِ، حَتَّى دَخَلَ الْبُسْتَانَ وَمَعَهُ عَبِيدُهُ، فَرَآهُمُ النُّوشَرِيُّ فَسَأَلَ عَنْهُمْ فَقِيلَ: إِنَّهُ فُلَانٌ، وَقَدْ عَادَ بِسَبَبِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ النُّوشَرِيُّ لِأَصْحَابِهِ: قَبَّحَكُمُ اللَّهُ! أَرَدْتُمْ أَنْ تَحْمِلُونِي عَلَى قَتْلِ هَذَا حَتَّى آخُذَهُ، فَلَوْ كَانَ يَطْلُبُ مَا يُقَالُ أَوْ كَانَ مُرِيبًا لَكَانَ يَطْوِي الْمَرَاحِلَ، وَيُخْفِي نَفْسَهُ، وَمَا كَانَ رَجَعَ فِي طَلَبِ كَلْبٍ، وَتَرَكَهُ. وَجَدَّ الْمَهْدِيُّ فِي الْهَرَبِ، فَلَحِقَهُ (لُصُوصٌ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الطَّاحُونَةُ، فَأَخَذُوا

стр. 3536

بَعْضَ مَتَاعِهِ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ كُتُبٌ وَمَلَاحِمُ لِآبَائِهِ، فَأُخِذَتْ) ، فَعَظُمَ أَمْرُهَا عَلَيْهِ، فَيُقَالُ إِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ ابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَخَذَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ. وَانْتَهَى الْمَهْدِيُّ وَوَلَدُهُ إِلَى مَدِينَةِ طَرَابُلُسَ، وَتَفَرَّقَ مَنْ صَحِبَهُ مِنَ التُّجَّارِ، وَكَانَ فِي صُحْبَتِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَخُو أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيِّ، فَقَدَّمَهُ الْمَهْدِيُّ إِلَى الْقَيْرَوَانِ بِبَعْضِ مَا مَعَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِكُتَامَةَ. فَلَمَّا وَصَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ وَجَدَ الْخَبَرَ قَدْ سَبَقَهُ إِلَى زِيَادَةِ اللَّهِ بِخَبَرِ الْمَهْدِيِّ، فَسَأَلَ عَنْهُ رُفْقَتَهُ، فَأَخْبَرُوا أَنَّهُ تَخَلَّفَ بِطَرَابُلُسَ، وَأَنَّ صَاحِبَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بِالْقَيْرَوَانِ، فَأُخِذَ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَقُرِّرَ فَأَنْكَرَ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ تَاجِرٌ صَحِبْتُ رَجُلًا فِي الْقَفْلِ، فَحَبَسَهُ. وَسَمِعَ الْمَهْدِيُّ، فَسَارَ إِلَى قَسْطِيلَةَ، وَوَصَلَ كِتَابُ زِيَادَةِ اللَّهِ إِلَى عَامِلِ طَرَابُلُسَ بِأَخْذِهِ، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ أَهْدَى لَهُ وَاجْتَمَعَ بِهِ، فَكَتَبَ الْعَامِلُ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ قَدْ سَارَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، فَلَمَّا وَصَلَ الْمَهْدِيُّ إِلَى قَسْطِيلَةَ تَرَكَ قَصْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيِّ، لِأَنَّ أَخَاهُ أَبَا الْعَبَّاسِ كَانَ قَدْ أُخِذَ، فَعَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ أَخَاهُ تَحَقَّقُوا الْأَمْرَ وَقَتَلُوهُ، فَتَرَكَهُ وَسَارَ إِلَى سِجِلْمَاسَةَ، وَلَمَّا سَارَ مِنْ قَسْطِيلَةَ وَصَلَ الرُّسُلُ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يُوجَدْ، وَوَصَلَ سِجِلْمَاسَةَ، فَأَقَامَ بِهَا، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَيْهِ الْعُيُونُ فِي طَرِيقِهِ. وَكَانَ صَاحِبُ سِجِلْمَاسَةَ رَجُلًا يُسَمَّى أَلْيَسَعُ بْنُ مِدْرَارٍ، فَأَهْدَى لَهُ الْمَهْدِيُّ، وَوَاصَلَهُ، فَقَرَّبَهُ أَلْيَسَعُ، وَأَحَبَّهُ، فَأَتَاهُ كِتَابُ زِيَادَةِ اللَّهِ يُعَرِّفُهُ أَنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيُّ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَحَبَسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حَتَّى أَخْرَجَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَهَرَبِ زِيَادَةِ اللَّهِ أَمِيرِهَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ حَالِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ إِنَّ زِيَادَةَ اللَّهِ لَمَّا رَأَى اسْتِيلَاءَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْبِلَادِ، وَأَنَّهُ قَدْ فَتَحَ مَدِينَةَ مِيلَةَ وَمَدِينَةَ سَطِيفَ، وَغَيْرَهُمَا، أَخَذَ فِي جَمْعِ

стр. 3537

الْعَسَاكِرِ، وَبَذْلِ الْأَمْوَالِ فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ عَسَاكِرُ عَظِيمَةٌ، فَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ خُنَيْشٍ وَهُوَ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَكَانَ لَا يَعْرِفُ الْحَرْبَ، فَبَلَغَتْ عِدَّةُ جَيْشِهِ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْأَمْوَالَ وَالْعُدَدَ، وَلَمْ يَتْرُكْ بِإِفْرِيقِيَّةَ شُجَاعًا إِلَّا أَخْرَجَهُ مَعَهُ، وَسَارَ إِلَيْهِ، فَانْضَافَ إِلَيْهِ مِثْلُ جَيْشِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ الْهَوَاءِ، وَهِيَ مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ حَصِينَةٌ، نَزَلَ بِهَا، وَأَتَاهُ كَثِيرٌ مِنْ كُتَامَةَ الَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقَتَلَ فِي طَرِيقِهِ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَخَافَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْهُ، وَجَمِيعُ كُتَامَةَ، وَأَقَامَ بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُتَحَصِّنٌ فِي الْجَبَلِ. فَلَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَا يَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ بَادَرَ وَزَحَفَ بِالْعَسَاكِرِ الْمُجْتَمِعَةِ إِلَى بَلَدٍ اسْمُهُ كَرْمَةُ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ خَيْلًا اخْتَارَهَا (لِيَخْتَبِرَ نُزُولَهُ) ، فَوَافَاهَا بِالْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ، فَلَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ الْخَيْلَ قَصَدَ إِلَيْهَا بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَصْحَبْهُ (إِلَيْهَا) أَحَدٌ مِنْ جَيْشِهِ، وَكَانَتْ أَثْقَالُ الْعَسْكَرِ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ لَمْ تُحَطَّ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا. وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَزَحَفَ بِالْعَسَاكِرِ، فَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ مَعَهُ، فَجُرِحَ وَعُقِرَ فَرَسُهُ وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْجَيْشِ جَمِيعِهِ، وَأَسْلَمُوا الْأَثْقَالَ بِأَسْرِهَا، فَغَنِمَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَتَمَّ [أَمْرُ] إِبْرَاهِيمَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَشَاشَتْ بِلَادُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَعَظُمَ أَمْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاسْتَقَرَّتْ دَوْلَتُهُ، وَكَتَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كِتَابًا إِلَى الْمَهْدِيِّ، وَهُوَ فِي سِجْنِ سِجِلْمَاسَةَ يُبَشِّرُهُ، وَسَيَّرَ الْكِتَابَ مَعَ بَعْضِ ثِقَاتِهِ، فَدَخَلَ السِّجْنَ فِي زِيِّ قَصَّابٍ يَبِيعُ اللَّحْمَ، فَاجْتَمَعَ بِهِ وَعَرَّفَهُ ذَلِكَ. وَسَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مَدِينَةِ طُبْنَةَ فَحَصَرَهَا، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الدَّبَّابَاتِ، وَنَقَبَ بُرْجًا وَبَدَنَةً، فَسَقَطَ السُّورُ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، وَمَلَكَ الْبَلَدَ، فَاحْتَمَى الْمُقْدِمُونَ بِحِصْنِ الْبَلَدِ، فَحَصَرَهُمْ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ، وَأَمَّنَ أَهْلَ الْبَلَدِ، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ بِلُزْمَةَ

стр. 3538

وَكَانَ قَدْ حَصَرَهَا مِرَارًا كَثِيرَةً فَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا فَلَمَّا حَصَرَهَا الْآنَ ضَيَّقَ عَلَيْهَا، وَجَدَّ فِي الْقِتَالِ وَنَصَبَ عَلَيْهَا الدَّبَّابَاتِ، وَرَمَاهَا بِالنَّارِ، فَأَحْرَقَهَا، وَفَتَحَهَا بِالسَّيْفِ وَقَتَلَ الرِّجَالَ، وَهَدَمَ الْأَسْوَارَ. وَاتَّصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِزِيَادَةِ اللَّهِ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ [ذَلِكَ] ، وَأَخَذَ فِي الْجَمْعِ وَالْحَشْدِ، فَجَمَعَ عَسْكَرًا عُدَّتُهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ هَارُونَ بْنَ الطُّبْنِيِّ، فَسَارَ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَصَدَ مَدِينَةَ دَارِ مُلُوكٍ، وَكَانَ أَهْلُهَا قَدْ أَطَاعُوا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقَتَلَ هَارُونُ أَهْلَهَا، وَهَدَمَ الْحِصْنَ، وَلَقِيَهُ فِي طَرِيقِهِ خَيْلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ كَانَ قَدْ أَرْسَلَهَا لِيَخْتَبِرُوا عَسْكَرَهُ، فَلَمَّا رَآهَا الْعَسْكَرُ اضْطَرَبُوا وَصَاحُوا صَيْحَةً عَظِيمَةً، وَهَرَبُوا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، فَظَنَّ أَصْحَابُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهَا مَكِيدَةٌ، فَلَمَّا ظَهَرَ أَنَّهَا هَزِيمَةٌ اسْتَدْرَكُوا الْأَمْرَ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ، فَمَا يُحْصَى مَنْ قُتِلُوا، وَقُتِلَ هَارُونُ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ، وَفَتَحَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَدِينَةَ تِيجِسَ صُلْحًا، فَاشْتَدَّ الْأَمْرُ حِينَئِذٍ عَلَى زِيَادَةِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَ الْأَمْوَالَ، وَجَيَّشَ الْجُيُوشَ وَخَرَجَ بِنَفْسِهِ إِلَى مُحَارَبَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَوَصَلَ إِلَى الْأُرْبُسِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ وُجُوهُ دَوْلَتِهِ: إِنَّكَ تُغَرِّرُ بِنَفْسِكَ، فَإِنْ يَكُنْ عَلَيْكَ لَا يَبْقَى لَنَا مَلْجَأٌ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى مُسْتَقَرِّ مُلْكِكَ، وَتُرْسِلَ الْجَيْشَ مَعَ مَنْ تَثِقُ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ لَنَا فَنَصِلُ إِلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ فَتَكُونُ مَلْجَأً لَنَا. وَرَجَعَ فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَيَّرَ الْجَيْشَ، وَقَدَّمَ عَلَيْهِ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَمِّهِ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْأَغْلَبِ، وَكَانَ شُجَاعًا، وَبَلَغَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْخَبَرُ، وَكَانَ أَهْلُ بَاغَايَةَ قَدْ كَاتَبُوهُ بِالطَّاعَةِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا، هَرَبَ عَامِلُهَا إِلَى الْأُرْبُسِ، فَدَخَلَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَتَرَكَ بِهَا جُنْدًا، وَعَادَ إِلَى إِنْكِجَانَ وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى زِيَادَةِ اللَّهِ، فَزَادَهُ غَمًّا وَحُزْنًا، فَقَالَ لَهُ إِنْسَانٌ كَانَ يُضْحِكُهُ يَا مَوْلَانَا لَقَدْ عَمِلْتُ بَيْتَ شِعْرٍ، فَعَسَى تَجْعَلُ مَنْ

стр. 3539

يُلَحِّنُهُ وَتَشْرَبُ عَلَيْهِ، وَاتْرُكْ هَذَا الْحُزْنَ، فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ الْمُضْحِكُ، (لِلْمُغَنِّينَ: غَنُّوا شِعْرًا كَذَا) وَقُولُوا بَعْدَ فَرَاغِ كُلِّ بَيْتٍ: اشْرَبْ وَاسْقِنَا مِنَ الْقَرْنِ يَكْفِينَا فَلَمَّا غَنَّوْا طَرِبَ زِيَادَةُ اللَّهِ (وَشَرِبَ) ، وَانْهَمَكَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالشَّهَوَاتِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ سَاعَدُوهُ عَلَى مُرَادِهِ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَ خَيْلًا إِلَى مَدِينَةِ مَجَانَةَ فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً، وَقَتَلَ عَامِلَهَا، وَسَيَّرَ عَسْكَرًا آخَرَ إِلَى مَدِينَةِ تِيفَاشَ، فَمَلَكَهَا وَأَمَّنَ أَهْلَهَا. وَقَصَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ وَسَارَ بِنَفْسِهِ إِلَى مِسْكِيَانَةَ ثُمَّ إِلَى تَبِسَّةَ، ثُمَّ إِلَى مُدْبِرَةَ، فَوَجَدَ فِيهَا أَهْلَ قَصْرِ الْإِفْرِيقِيِّ وَمَدِينَةِ مَرْمَجَنَّةَ، وَمَدِينَةِ مَجَانَةَ وَأَخْلَاطًا مِنَ النَّاسِ قَدِ الْتَجَئُوا إِلَيْهَا وَتُحَصَّنُوا فِيهَا، وَهِيَ حَصِينَةٌ، فَنَزَلَ عَلَيْهَا، وَقَاتَلَهَا، فَأَصَابَهُ عِلَّةُ الْحَصَى، وَكَانَتْ تَعْتَادُهُ، فَشُغِلَ بِنَفْسِهِ، وَطَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ بَعْضُ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، فَفَتَحُوا الْحِصْنَ، فَدَخَلَهَا الْعَسْكَرُ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ، وَانْتَهَبُوا. وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَرَحَلَ، فَنَزَلَ عَلَى الْقَصْرَيْنِ مِنْ قَمُّودَةَ وَطَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وَبَلَغَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي الْأَغْلَبِ، أَمِيرَ الْجَيْشِ الَّذِي سَيَّرَهُ زِيَادَةُ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُرِيدُ [أَنْ] يَقْصِدُ زِيَادَةَ اللَّهِ بِرَقَّادَةَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ زِيَادَةِ اللَّهِ كَبِيرُ عَسْكَرٍ، فَخَرَجَ مِنَ

стр. 3540

الْأُرْبُسِ وَنَزَلَ دَرْدَمِينَ، (وَسَيَّرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَرِيَّةً إِلَى دَرْدَمِينَ) ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَصْحَابِ زِيَادَةِ اللَّهِ قِتَالٌ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَمَاعَةٌ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ. وَاسْتَبْطَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ خَبَرَهُمْ، فَسَارَ فِي جَمِيعِ عَسَاكِرِهِ، فَلَقِيَ أَصْحَابَهُ مُنْهَزِمِينَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَوِيَتْ قُلُوبُهُمْ، وَرَجَعُوا، وَكَرُّوا عَلَى أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَحَجَزَ اللَّيْلُ بَيْنَهُمْ. ثُمَّ سَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِلَى قَسْطِيلَةَ، فَحَصَرَهَا، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، ثُمَّ طَلَبُوا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ (وَأَخَذَ مَا كَانَ لِزِيَادَةِ اللَّهِ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْعُدَدِ وَرَحَلَ إِلَى قَفْصَةَ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ) وَرَجَعَ إِلَى بَاغَايَةَ، فَتَرَكَ بِهَا جَيْشًا وَعَادَ إِلَى جَبَلِ إِنْكِجَانَ. فَسَارَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْأَغْلَبِ (فِي جَيْشِهِ إِلَى بَاغَايَةَ) وَحَصَرَهَا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَجَمَعَ عَسْكَرَهُ وَسَارَ مُجِدًّا إِلَيْهَا، وَوَجَّهَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَأَمَرَ مُقَدَّمَهُمْ أَنْ يَسِيرَ إِلَى بَاغَايَةَ، فَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ رَحَلَ عَنْهَا فَلَا يُجَاوِزْ فَجَّ الْعَرْعَارِ، فَمَضَى الْجَيْشُ وَكَانَ أَصْحَابُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الَّذِينَ فِي بَاغَايَةَ قَدْ قَاتَلُوا عَسْكَرَ إِبْرَاهِيمَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى صَبْرَهُمْ عَجِبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْهُمْ، فَأَرْعَبَ ذَلِكَ قُلُوبَهُمْ، ثُمَّ بَلَغَهُمْ قُرْبُ الْعَسْكَرِ مِنْهُمْ فَعَادَ إِبْرَاهِيمُ بِعَسَاكِرِهِ، فَوَصَلَ عَسْكَرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ يَرَ وَاحِدًا فَنَهَبُوا مَا وَجَدُوا وَعَادُوا. وَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْأُرْبُسِ. وَلَمَّا دَخَلَ فَصْلُ الرَّبِيعِ، وَطَابَ الزَّمَانُ، جَمَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَسَاكِرَهُ، فَبَلَغَتْ مِائَتَيْ أَلْفَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَاجْتَمَعَ مِنْ عَسَاكِرِ زِيَادَةِ اللَّهِ بِالْأُرْبُسِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ مَا لَا يُحْصَى، وَسَارَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَوَّلَ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ وَطَالَ زَمَانُهُ، وَظَهَرَ أَصْحَابُ زِيَادَةِ اللَّهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
следующие страницы →