Полный текст (6 163 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
وَاتَّفَقَ أَنْ ظَهَرَ بِنَهَاوَنْدَ أَيْضًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَجُلٌ مِنَ السَّوَادِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، فَأَطَاعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ السَّوَادِيَّةِ، اتَّبَعُوهُ، وَبَاعُوا أَمْلَاكَهُمْ وَدَفَعُوا إِلَيْهِ أَثْمَانَهَا، فَكَانَ يَخْرُجُ ذَلِكَ جَمِيعَهُ، وَسَمَّى أَرْبَعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ: أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَقُتِلَ بِنَهَاوَنْدَ، فَكَانَ أَهْلُهَا يَقُولُونَ: ظَهَرَ عِنْدَنَا، فِي مُدَّةِ شَهْرَيْنِ، اثْنَانِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا النُّبُوَّةَ، وَالْآخَرُ الْمَمْلَكَةَ، فَلَمْ يَتِمَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمْرُهُ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ طُغْتِكِينَ والْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ طُغْتِكِينَ أَتَابِكَ، صَاحِبِ دِمَشْقَ، وَبَيْنَ قُمَّصٍ كَبِيرٍ مَنْ قَمَامِصَةِ الْفِرِنْجِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّهُ تَكَرَّرَتِ الْحُرُوبُ، وَالْمُغَاوَرَاتُ، بَيْنَ عَسْكَرِ دِمَشْقَ وَبَغْدَوِينَ، فَتَارَةً لِهَؤُلَاءِ وَتَارَةً لَهُ، فَفِي آخِرِ الْأَمْرِ بَنَى بَغْدَوِينُ حِصْنًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ دِمَشْقَ نَحْوَ يَوْمَيْنِ، فَخَافَ طُغْتِكِينُ مِنْ عَاقِبَةِ ذَلِكَ، وَمَا يَحْدُثُ بِهِ مِنَ الضَّرَرِ فَجَمَعَ عَسْكَرَهُ وَخَرَجَ إِلَى مُقَاتَلَتِهِمْ، فَسَارَ بَغْدَوِينُ مَلِكُ الْقُدْسِ، وَعَكَّا، وَغَيْرِهِمَا، إِلَى هَذَا الْقُمَّصِ لِيُعَاضِدَهُ، وَيُسَاعِدَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَعَرَّفَهُ الْقُمَّصُ غِنَاهُ عَنْهُ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مُقَارَعَةِ الْمُسْلِمِينَ إِنْ قَاتَلُوهُ، فَعَادَ بَغْدَوِينُ إِلَى عَكَّا.
وَتَقَدَّمَ طُغْتِكِينُ إِلَى الْفِرِنْجِ، وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ أَمِيرَانِ مِنْ عَسْكَرِ دِمَشْقَ، فَتَبِعَهُمَا طُغْتِكِينُ وَقَتَلَهُمَا، وَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ إِلَى حِصْنِهِمْ، فَاحْتَمَوْا بِهِ، فَقَالَ طُغْتِكِينُ: مَنْ أَحْسَنَ قِتَالَهُمْ وَطَلَبَ مِنِّي أَمْرًا فَعَلْتُهُ مَعَهُ، وَمَنْ أَتَانِي بِحَجَرٍ مِنْ حِجَارَةِ الْحِصْنِ أَعْطَيْتُهُ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ. فَبَذَلَ الرَّجَّالَةُ نُفُوسَهُمْ، وَصَعِدُوا إِلَى الْحِصْنِ وَخَرَّبُوهُ، وَحَمَلُوا حِجَارَتَهُ إِلَى طُغْتِكِينَ، فَوَفَّى لَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ، وَأَمَرَ بِإِلْقَاءِ الْحِجَارَةِ
стр. 5042
فِي الْوَادِي، وَأَسَرُوا مَنْ بِالْحِصْنِ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ، وَاسْتَبْقَى الْفُرْسَانَ أُسَرَاءَ، وَكَانُوا مِائَتَيْ فَارِسٍ، وَلَمْ يَنْجُ مِمَّنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ إِلَّا الْقَلِيلُ.
وَعَادَ طُغْتِكِينُ إِلَى دِمَشْقَ مَنْصُورًا، فَزُيِّنَ الْبَلَدُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ.
وَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى رَفَنِيَةَ، وَهُوَ مِنْ حُصُونِ الشَّامِ، وَقَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ الْفِرِنْجُ، وَصَاحِبُهُ ابْنُ أُخْتِ صَنْجِيلَ الْمُقِيمِ عَلَى حِصَارِ طَرَابُلُسَ، فَحَصَرَهُ طُغْتِكِينُ، وَمَلَكَهُ، وَقَتَلَ بِهِ خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْفِرِنْجِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عُبَادَةَ وَخَفَاجَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ عُبَادَةَ وَخَفَاجَةَ.
وَسَبَبُهَا: أَنَّ رَجُلًا مِنْ عُبَادَةَ أَخَذَ مِنْهُ جَمَاعَةُ خَفَاجَةَ جَمَلَيْنِ، فَجَاءَ إِلَيْهِمْ وَطَالَبَهُمْ بِهِمَا، فَلَمْ يُعْطُوهُ شَيْئًا، فَأَخَذَ مِنْهُمْ غَارَةً أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، فَلَحِقَتْهُ خَفَاجَةُ، وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ رَجُلًا، وَقَطَعُوا يَدَ آخَرَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِالْمَوْقِفِ مِنَ الْحِلَّةِ السَّيْفِيَّةِ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ أَهْلُهَا.
فَسَمِعَتْ عُبَادَةُ الْخَبَرَ، فَتَوَاعَدَتْ، وَانْحَدَرَتْ إِلَى الْعِرَاقِ لِلْأَخْذِ بِثَأْرِهَا، وَسَارُوا مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أُمَرَائِهِمْ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ سَبْعَمِائَةِ فَارِسٍ، وَكَانَتْ خَفَاجَةُ دُونَ هَذِهِ الْعِدَّةِ، فَرَاسَلَتْهُمْ خَفَاجَةُ يَبْذُلُونَ الدِّيَةَ وَيَصْطَلِحُونَ، فَلَمْ تُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ عُبَادَةُ، وَأَشَارَ بِهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ، فَلَمْ تَقْبَلْ عُبَادَةُ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا بِالْقُرْبِ مِنَ الْكُوفَةِ، وَمَعَ عُبَادَةَ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ بَيْنَ الْبُيُوتِ، فَكَمَّنَتْ لَهُمْ خَفَاجَةُ ثَلَاثَمِائَةِ فَارِسٍ، وَقَاتَلُوهُمْ مُطَارَدَةً مِنْ غَيْرِ جِدٍّ فِي الْقِتَالِ، فَدَامُوا كَذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ إِنَّهُمُ اشْتَدَّ بَيْنَهُمُ الْقِتَالُ، وَاخْتَلَطُوا، حَتَّى تَرَكُوا الرِّمَاحَ، وَتَضَارَبُوا بِالسُّيُوفِ.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَعْيَا الْفَرِيقَانِ، إِذْ طَلَعَ كَمِينُ خَفَاجَةَ، وَهُمْ مُسْتَرِيحُونَ، فَانْهَزَمَتْ عُبَادَةُ، وَانْتَصَرَتْ عَلَيْهِمْ خَفَاجَةُ، وَقُتِلَ مِنْ وُجُوهِ عُبَادَةَ
стр. 5043
اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَمِنْ خَفَاجَةَ جَمَاعَةٌ، وَغَنِمَتْ خَفَاجَةُ الْأَمْوَالَ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْأَبِلِ، وَالْغَنَمِ، وَالْعَبِيدِ، وَالْإِمَاءِ.
وَكَانَ الْأَمِيرُ صَدَقَةُ بْنُ مَزْيَدٍ قَدْ أَعَانَ خَفَاجَةَ سِرًّا، فَلَمَّا وَصَلَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَيْهِ هَنَّأَهُمْ صَدَقَةُ بِالسَّلَامَةِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: مَازِلْتُ أُقَاتِلُ، وَأُضَارِبُ،، أَنَا طَامِعٌ فِي الظَّفَرِ بِهِمْ، حَتَّى رَأَيْتُ فَرَسَكَ الشَّقْرَاءَ تَحْتَ أَحَدِهِمْ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُمْ أَجْلَبُوا عَلَيْنَا بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكِ، وَأَنَّنَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ، فَنُصِرُوا عَلَيْنَا بِمَعُونَتِكَ، وَفَلُّونَا بِحَدِّكَ. فَلَمْ يُجِبْهُ صَدَقَةُ.
ذِكْرُ مُلْكِ صَدَقَةَ الْبَصْرَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، انْحَدَرَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ مِنَ الْحِلَّةِ إِلَى الْبَصْرَةِ فَمَلَكَهَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ تَمَكُّنَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَرْسِلَانَجِقْ مِنَ الْبَصْرَةِ وَنَوَاحِيهَا، وَأَقَامَ بِهَا عَشْرَ سِنِينَ نَافِذَ الْأَمْرِ، وَازْدَادَ قُوَّةً وَتَمَكُّنًا بِالِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ السَّلَاطِينِ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ السُّلْطَانِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ رَاسَلَ صَدَقَةَ، وَأَظْهَرَ لَهُ أَنَّهُ فِي طَاعَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِلسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ أَرَادَ أَنْ يُرْسِلَ إِلَى الْبَصْرَةِ مُقْطَعًا يَأْخُذُهَا مِنْ إِسْمَاعِيلَ، فَخَاطَبَ صَدَقَةُ فِي مَعْنَاهُ، حَتَّى أُقِرَّتِ الْبَصْرَةُ عَلَيْهِ، فَأَنْفَذَ السُّلْطَانَ عَمِيدًا إِلَيْهَا لِيَتَوَلَّى مَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّلْطَانِ هُنَاكَ، فَمَنَعَهُ إِسْمَاعِيلُ، وَلَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ عَمَلِهِ، وَفَعَلَ مَا خَرَجَ بِهِ عَنْ حَدِّ الْمُجَامَلَةِ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ صَدَقَةَ بِقَصْدِهِ، وَأَخْذِ الْبَصْرَةِ مِنْهُ، فَتَحَرَّكَ لِذَلِكَ.
فَاتَّفَقَ ظُهُورُ مَنْكُبْرُسَ، وَخِلَافُهُ عَلَى السُّلْطَانِ، وَأَنَّهُ عَلَى قَصْدِ وَاسِطَ، فَسُرَّ إِسْمَاعِيلُ بِذَلِكَ، وَزَادَ انْبِسَاطُهُ، وَأَرْسَلَ صَدَقَةُ حَاجِبًا لَهُ، وَكَانَ قَبْلَهُ قَدْ خَدَمَ أَبَاهُ وَجَدَّهُ، إِلَى إِسْمَاعِيلَ يَأْمُرُهُ بِتَسْلِيمِ الشُّرْطَةِ وَأَعْمَالِهَا إِلَى مُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ بْنِ أَبِي الْجَبْرِ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي ضَمَانِهِ، فَوَصَلَ إِلَى الشُّرْطَةِ، وَأَخَذَ مِنْهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، فَأَحْضَرَهُ إِسْمَاعِيلُ وَحَبَسَهُ، وَأَخَذَ الدَّنَانِيرَ مِنْهُ، فَلَمَّا رَأَى صَدَقَةُ مُكَاشَفَتَهُ سَارَ مِنْ حِلَّتِهِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ قَصْدَ الرَّحْبَةِ، ثُمَّ جَدَّ السَّيْرَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَلَمْ يَشْعُرْ إِسْمَاعِيلُ إِلَّا بِقُرْبِهِ مِنْهُ، فَفَرَّقَ
стр. 5044
أَصْحَابَهُ فِي الْقِلَاعِ الَّتِي اسْتَجَدَّهَا بِمَطَارَا وَنَهْرِ مَعْقِلٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَاعْتَقَلَ وُجُوهَ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَالْعَلَوِيِّينَ، وَقَاضِيَ الْبَصْرَةِ، وَمُدَرَّسَهَا، وَأَعْيَانَ أَهْلِهَا.
وَنَازَلَهُمْ صَدَقَةُ، فَجَرَى قِتَالٌ بَيْنَ طَائِفَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَطَائِفَةٍ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ، قُتِلَ فِيهِ أَبُو النَّجْمِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْوَرَّامِيُّ، وَهُوَ ابْنُ خَالِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ، فَمِمَّا مُدِحَ بِهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ، وِرُثِيَ بِهِ أَبُو النَّجْمِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
تَهَنَّ، يَا خَيْرَ مَنْ يَحْمِي حَرِيمَ حِمًى
،
فَتْحًا أَغَثْتَ بِهِ الدُّنْيَا مَعَ الدِّينِ ... رَكِبْتَ لِلْبَصْرَةِ الْغَرَّاءِ فِي نُخَبٍ
غُرٍّ، كَجَيْشِ عَلِيٍّ يَوْمَ صِفِّينِ ... هَوَى أَبُو النَّجْمِ كَالنَّجْمِ الْمُنِيرِ بِهَا
لَكِنَّهُ كَانَ رَجْمًا لِلشَّيَاطِينِ
وَأَقَامَ صَدَقَةُ مُحَاصِرًا لِإِسْمَاعِيلَ بِالْبَصْرَةِ، فَأَشَارَ عَلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِالْعَوْدِ عَنْهَا، وَأَعْلَمُوا أَنَّهُمْ لَا يَظْفَرُونَ بِطَائِلٍ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِالْمُقَامِ، وَقَالُوا: إِنَ رَحَلْنَا كَانَتْ كَسْرَةً، وَكَانَ رَأْيُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الْمُقَامَ، وَقَالَ: إِنْ تَعَذَّرَ عَلَيَّ فَتْحُ الْبَصْرَةِ لَمْ يُطِعْنِي أَحَدٌ، وَاسْتَعْجَزَنِي النَّاسُ.
ثُمَّ إِنَّ إِسْمَاعِيلَ خَرَجَ مِنَ الْبَلَدِ، وَقَاتَلَ صَدَقَةَ، فَسَارَ بَعْضُ أَصْحَابِ صَدَقَةَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْبَلَدِ، وَدَخَلُوهُ، وَقَتَلُوا مِنَ السَّوَادِيَّةِ، الَّذِينَ جَمَعَهُمْ إِسْمَاعِيلُ، خَلْقًا كَثِيرًا، وَانْهَزَمَ إِسْمَاعِيلُ إِلَى قَلْعَتِهِ بِالْجَزِيرَةِ، فَأَدْرَكَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَفَدَاهُ أَحَدُ غِلْمَانِهِ بِنَفْسِهِ، فَوَقَعَتِ الضَّرْبَةُ فِيهِ فَأَثْخَنَتْهُ، فَنُهِبَتِ الْبَصْرَةُ، وَغَنِمَ مَنْ مَعَهُ مِنْ عَرَبِ الْبَرِّ، وَغَيْرِهِمْ مَا فِيهَا، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا الْمَحَلَّةُ الْمُجَاوِرَةُ لِقَبْرِ طَلْحَةَ وَالْمِرْبَدُ، فَإِنَّ الْعَبَّاسِيِّينَ دَخَلُوا الْمَدْرَسَةَ النِّظَامِيَّةَ وَامْتَنَعُوا بِهَا، وَحَمَوُا الْمِرْبَدَ، وَعَمَّتِ الْمُصِيبَةُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ، سِوَى مَنْ ذَكَرْنَا، وَامْتَنَعَ إِسْمَاعِيلُ بِقَلْعَتِهِ.
فَاتَّفَقَ أَنَّ الْمُهَذَّبَ بْنَ أَبِي الْجَبْرِ انْحَدَرَ فِي سُفُنٍ كَثِيرَةٍ، وَأَخَذَ الْقَلْعَةَ الَّتِي لِإِسْمَاعِيلَ بِمَطَارَا، وَقَتَلَ بِهَا خَلْقًا مِنْ أَصْحَابِ إِسْمَاعِيلَ، وَحَمَلَ إِلَى صَدَقَةَ كَثِيرًا فَأَطْلَقَهُمْ.
فَلَمَّا عَلِمَ إِسْمَاعِيلُ بِذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى صَدَقَةَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَهْلِهِ، وَأَمْوَالِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَجَّلَهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَأَخَذَ كُلَّ مَا يُمْكِنُهُ حَمْلُهُ مِمَّا يَعُزُّ عَلَيْهِ،
стр. 5045
وَمَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَمْلِهِ أَهْلَكَهُ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ، وَنَزَلَ إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ وَأَمَّنَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ أَهْلَ الْبَصْرَةِ مِنْ كُلِّ أَذًى، وَرَتَّبَ عِنْدَهُمْ شِحْنَةً، وَعَادَ إِلَى الْحِلَّةِ ثَالِثَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ مَقَامُهُ بِالْبَصْرَةِ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَإِنَّهُ لَمَّا سَارَ صَدَقَةُ إِلَى الْحِلَّةِ قَصَدَ هُوَ الْبَاسِيَانَ إِلَى أَنْ وَصَلَهُ مَالُهُ فِي الْمَرَاكِبِ، وَسَارَ نَحْوَ فَارِسَ، وَصَارَ يَتَعَنَّتُ أَصْحَابَهُ، وَزَوْجَتَهُ، وَقُبِضَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ خَوَاصِّهِ وَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ سَقَيْتُمْ وَلَدِي أَفْرَاسِيَابَ السُّمَّ حَتَّى مَاتَ! وَكَانَ قَدْ مَاتَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَفَارَقَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، حَتَّى زَوْجَتُهُ فَارَقَتْهُ وَسَارَتْ إِلَى بَغْدَاذَ.
وَأَخَذَتْهُ الْحُمَّى، وَقَوِيَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ رَامَهُرْمُزَ انْفَرَدَ فِي خَيْمَتِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِأَصْحَابِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَظَهَرَ لَهُمْ مَوْتُهُ، فَنَهَبُوا مَالَهُ وَتَفَرَّقُوا، فَأَرْسَلَ الْأَمِيرُ بِرَامَهُرْمُزَ فَرَدَّهُمْ وَأَخَذَ مَا مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِ، وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ إِيذَاجَ، وَكَانَ عُمْرُهُ قَدْ جَاوَزَ خَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ سِيرَتُهُ قَدْ حَسُنَتْ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَخِيرًا.
ذِكْرُ حَصْرِ رِضْوَانَ نَصِيبِينَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَصَرَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ بْنُ تُتُشَ نَصِيبِينَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى حَرْبِ الْفِرِنْجِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ:
إِيلْغَازِي بْنُ أُرْتُقَ، الَّذِي كَانَ شِحْنَةَ بَغْدَاذَ، وَأَصْبَهْبَذ صَبَاوَةُ، وَأَلْبِي بْنُ أَرْسَلَانَ تَاشْ، صَاحِبُ سِنْجَارَ، وَهُوَ صِهْرُ جَكَرْمِشَ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقَالَ إِيلْغَازِي: الرَّأْيُ أَنَّنَا نَقْصِدُ بِلَادَ جَكَرْمِشَ، وَمَا وَالَاهَا، فَنَمْلِكُهَا، وَنَتَكَثَّرُ بِعَسْكَرِهَا وَالْأَمْوَالِ. وَوَافَقَهُ أَلْبِي، فَسَارَ إِلَى نَصِيبِينَ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، مُسْتَهَلَّ رَمَضَانَ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَ فِيهَا أَمِيرَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي عَسْكَرٍ، فَتَحَصَّنُوا بِالْبَلَدِ، وَقَاتَلُوا مِنْ وَرَاءِ السُّورِ، فَرُمِيَ أَلْبِي بْنُ أَرْسِلَانَ تَاشْ بِنُشَّابَةٍ، فَجُرِحَ جَرْحًا شَدِيدًا، فَعَادَ إِلَى سِنْجَارَ.
وَأَمَّا جَكَرْمِشُ فَإِنَّهُ بَلَغَهُ الْخَبَرُ بِنُزُولِهِمْ عَلَى نَصِيبِينَ، وَهُوَ بِالْحَامَّةِ، الَّتِي بِالْقُرْبِ مِنْ طَنْزَةَ، يَتَدَاوَى بِمَائِهَا مِنْ مَرَضِهِ، فَرَحَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَقَدْ أَجَفَلَ إِلَيْهَا أَهْلُ السَّوَادِ، فَخَيَّمَ عَلَى بَابِ الْبَلَدِ، عَازِمًا عَلَى حَرْبِ رِضْوَانَ، وَاسْتَعْمَلَ الْمُخَادِعَةَ،
стр. 5046
فَكَاتَبَ أَعْيَانَ عَسْكَرِ رِضْوَانَ، وَرَغَّبَهُمْ، حَتَّى أَفْسَدَ نِيَّاتِهِمْ، وَتَقَدَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ بِنَصِيبِينَ بِخِدْمَةِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ، وَبِإِخْرَاجِ الْإِقَامَاتِ إِلَيْهِ مَعَ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى رِضْوَانَ يَبْذُلُ لَهُ خِدْمَتَهُ، وَالدُّخُولَ فِي طَاعَتِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا قَدْ حَصَرَنِي، وَلَمْ يَبْلُغْ مِنِّي غَرَضًا، فَتَرَحَّلَ عَنْ صُلْحٍ، وَإِنْ قَبَضْتَ عَلَى إِيلْغَازِي الَّذِي قَدْ عَرَفْتَ أَنْتَ وَغَيْرُكَ فَسَادَهُ وَشَرَّهُ فَأَنَا مَعَكَ، وَمُعِينُكَ بِالرِّجَالِ وَالْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ.
فَاتَّفَقَ هَذَا، وَرِضْوَانُ قَدْ تَغَيَّرَتْ نِيَّتُهُ مَعَ إِيلْغَازِي، فَازْدَادَ تَغَيُّرًا، وَعَزَمَ عَلَى قَبْضِهِ، فَاسْتَدْعَاهُ يَوْمًا، وَقَالَ لَهُ: هَذِهِ بِلَادٌ مُمْتَنِعَةٌ، وَرُبَّمَا اسْتَوْلَى الْفِرِنْجُ عَلَى حَلَبَ، وَالْمَصْلَحَةُ مُصَالَحَةُ جَكَرْمِشَ، وَاسْتِصْحَابُهُ مَعَنَا، فَإِنَّهُ يَسِيرُ بِعَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ ظَاهِرَةِ التَّجَمُّلِ، وَنَعُودُ إِلَى قِتَالِ الْفِرِنْجِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَعُودُ بِاجْتِمَاعِ شَمْلِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ لَهُ إِيلْغَازِي: إِنَّكَ جِئْتَ بِحُكْمِكَ، وَأَنْتَ الْآنُ بِحُكْمِي لَا أُمَكِّنُكَ مِنَ الْمَسِيرِ بِدُونِ أَخْذِ هَذِهِ الْبِلَادِ، فَإِنْ أَقَمْتَ، وَإِلَّا بَدَأْتُ بِقِتَالِكَ.
وَكَانَ إِيلْغَازِي قَدْ قَوِيَتْ نَفْسُهُ بِكَثْرَةِ مَنِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنَ التُّرْكُمَانِ، وَكَانَ الْمَلِكُ رِضْوَانُ قَدْ وَاعَدَ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِهِ لِيَقْبِضُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا جَرَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَمَرَهُمْ رِضْوَانُ فَقَبَضُوا عَلَيْهِ وَقَيَّدُوهُ، فَلَمَّا سَمِعَ التُّرْكُمَانُ الْحَالَ أَظْهَرُوا الْخِلَافَ وَالِامْتِعَاضَ، فَفَارَقُوا رِضْوَانَ وَالْتَجَأُوا إِلَى سُورِ الْمَدِينَةِ، وَأَصْعَدَ إِيلْغَازِي إِلَى قَلْعَتِهَا، وَخَرَجَ مَنْ بِنَصِيبِينَ مِنَ الْعَسْكَرِ فَأَعَانُوهُ، فَلَمَّا رَأَى التُّرْكُمَانُ ذَلِكَ تَفَرَّقُوا، وَنَهَبُوا مَا قَدَرُوا مِنَ الْمَوَاشِي وَغَيْرِهَا، وَرَحَلَ رِضْوَانُ مِنْ وَقْتِهِ وَسَارَ إِلَى حَلَبَ.
وَكَانَ جَكَرْمِشُ قَدْ رَحَلَ مِنَ الْمَوْصِلِ قَاصِدًا لِحَرْبِ الْقَوْمِ، فَلَمَّا بَلَغَ تَلَّ يَعْفَرَ أَتَاهُ الْمُبَشِّرُونَ بِانْصِرَافِ رِضْوَانِ عَلَى اخْتِلَافٍ وَافْتِرَاقٍ، فَرَحَلَ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى سِنْجَارَ، وَوَصَلَتْ إِلَيْهِ رُسُلُ رِضْوَانَ تَسْتَدْعِي مِنْهُ النَّجْدَةَ، وَيَعْتَدُّ عَلَيْهِ مَا فَعَلَ بإِيلْغَازِي، فَأَجَابَهُ مُغَالَطَةً، وَلَمْ يَفِ لَهُ بِمَا وَعَدَهُ، وَنَازَلَ سِنْجَارَ لِيَشْفِيَ غَيْظَهُ مِنْ صِهْرِهِ أَلْبِي بْنِ أَرْسِلَانَ تَاشْ بِمَا اعْتَمَدَهُ مِنْ مُعَادَاتِهِ، وَمُظَاهَرَةِ أَعْدَائِهِ، وَكَانَ أَلْبِي عَلَى شِدَّةٍ مِنَ الْمَرَضِ بِالسَّهْمِ الَّذِي أَصَابَهُ عَلَى نَصِيبِينَ، فَلَمَّا نَزَلَ جَكَرْمِشُ عَلَيْهَا أَمَرَ أَلْبِي أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْمِلُوهُ إِلَيْهِ، فَحَمَلُوهُ فِي مِحَفَّةٍ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَأَخَذَ يَعْتَذِرُ مِمَّا كَانَ مِنْهُ، قَالَ: جِئْتُ
стр. 5047
مُذْنِبًا، فَافْعَلْ بِي مَا تَرَاهُ.
فَرَقَّ لَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بَلَدِهِ، فَلَمَّا عَادَ قَضَى نَحْبَهُ، فَلَمَّا مَاتَ عَصَى عَلَى جَكَرْمِشُ مَنْ كَانَ بِسِنْجَارَ، وَتَمَسَّكُوا بِالْبَلَدِ، فَقَاتَلَهُمْ بَقِيَّةَ رَمَضَانَ، وَشَوَّالًا، وَلَمْ يَظْفَرْ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ، فَجَاءَ تُمَيْرَكُ أَخُو أَرْسِلَانَ تَاشْ، عَمُّ أَلْبِي، فَأَصْلَحَ حَالَهُ مَعَ جَكَرْمِشَ، وَبَذَلَ لَهُ الْخِدْمَةَ، فَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ.
ذِكْرُ مُلْكِ طُغْتِكِينَ بُصْرَى
قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ حَالَ بُكْتَاشَ بْنِ تُتُشَ، وَخُرُوجَهُ مِنْ دِمَشْقَ، وَاتِّصَالَهُ بالْفِرِنْجِ، وَمَعَهُ أَيْتِكِينُ الْحَلَبِيُّ، صَاحِبُ بُصْرَى، وَسَيْرَهُمَا إِلَى الرَّحْبَةِ، وَعَوْدَهُمَا عَنْهَا، فَلَمَّا ضَعُفَتْ أَحْوَالُهُمْ سَارَ طُغْتِكِينُ إِلَى بُصْرَى فَحَصَرَهَا، وَبِهَا أَصْحَابُ أَيْتِكِينَ، فَرَاسَلُوا طُغْتِكِينَ، وَبَذَلُوا لَهُ التَّسْلِيمَ إِلَيْهِ، بَعْدَ أَجَلٍ قَرَّرَهُ بَيْنَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَرَحَلَ عَنْهُمْ إِلَى دِمَشْقَ، فَلَمَّا انْقَضَى الْأَجَلُ، هَذِهِ السَّنَةَ، تَسَلَّمَهَا، وَأَحْسَنَ إِلَى مَنْ بِهَا، وَوَفَّى لَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ، وَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِمْ، وَكَثُرَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ، وَالدُّعَاءُ لَهُ، وَمَالَتِ النُّفُوسُ إِلَيْهِ، وَأَحَبُّوهُ.
ذِكْرُ مُلْكِ الْفِرِنْجِ حِصْنَ أَفَامِيَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْفِرِنْجُ حِصْنَ أَفَامِيَةَ مِنْ بَلَدِ الشَّامِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ خَلَفَ بْنَ مُلَاعِبٍ الْكِلَابِيَّ كَانَ مُتَغَلِّبًا عَلَى حِمْصَ، وَكَانَ الضَّرَرُ بِهِ عَظِيمًا، وَرِجَالُهُ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، فَكَثُرَ الْحَرَامِيَّةُ عِنْدَهُ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ تُتُشُ بْنُ أَلْبِ أَرْسِلَانَ وَأَبْعَدَهُ عَنْهَا، فَتَقَلَّبَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ إِلَى أَنْ دَخَلَ إِلَى مِصْرَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ مَنْ بِهَا، فَأَقَامَ بِهَا.
وَاتَّفَقَ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِأَفَامِيَةَ مِنْ جِهَةِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ أَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ مِصْرَ، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَى مَذْهَبِهِمْ، يَسْتَدْعِي مِنْهُمْ مَنْ يُسَلِّمُ إِلَيْهِ الْحِصْنَ، وَهُوَ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ، وَطَلَبَ ابْنُ مُلَاعِبٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُقِيمُ بِهِ، وَقَالَ: إِنَّنِي أَرْغَبُ فِي قِتَالِ الْفِرِنْجِ، وَأُوثِرُ الْجِهَادَ.
فَسَلَّمُوهُ إِلَيْهِ، وَأَخَذُوا رَهَائِنَهُ، فَلَمَّا مَلَكَهُ خَلَعَ طَاعَتَهُمْ وَلَمْ يَرْعَ حَقَّهُمْ
стр. 5048
فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُونَهُ بِمَا يَفْعَلُونَهُ بِوَلَدِهِ الَّذِي عِنْدَهُمْ. فَأَعَادَ الْجَوَابَ: إِنَّنِي لَا أَنْزِلُ مِنْ مَكَانِي، وَابْعَثُوا إِلَيَّ بِبَعْضِ أَعْضَاءِ وَلَدِي حَتَّى آكُلَهُ، فَأَيِسُوا مِنْ رُجُوعِهِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَأَقَامَ بِأَفَامِيَةَ يُخِيفُ السَّبِيلَ، وَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُ.
ثُمَّ إِنَّ الْفِرِنْجَ مَلَكُوا سَرْمِينَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ حَلَبَ، وَأَهْلُهَا غُلَاةٌ فِي التَّشَيُّعِ، فَلَمَّا مَلَكَهَا الْفِرِنْجُ تَفَرَّقَ أَهْلُهَا، فَتَوَجَّهَ الْقَاضِي الَّذِي بِهَا إِلَى ابْنِ مُلَاعِبٍ وَأَقَامَ عِنْدَهُ، فَأَكْرَمَهُ، وَأَحَبَّهُ، وَوَثِقَ بِهِ، فَأَعْمَلَ الْقَاضِي الْحِيلَةَ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي طَاهِرٍ، الْمَعْرُوفِ بِالصَّائِغِ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ وَوُجُوهِ الْبَاطِنِيَّةِ وَدُعَاتِهِمْ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى الْفَتْكِ بِابْنِ مُلَاعِبٍ، وَأَنْ يُسَلِّمَ أَفَامِيَةَ إِلَى الْمَلِكِ رِضْوَانَ، فَظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، فَأَتَى ابْنُ مُلَاعِبٍ أَوْلَادَهُ، وَكَانُوا قَدْ تَسَلَّلُوا مِنْ مِصْرَ، وَقَالُوا لَهُ: قَدْ بَلَغَنَا عَنْ هَذَا الْقَاضِي كَذَا وَكَذَا، وَالرَّأْيُ أَنْ تُعَاجِلَهُ، وَتَحْتَاطَ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ الْأَمْرَ قَدِ اشْتَهَرَ وَظَهَرَ.
فَأَحْضَرَهُ ابْنُ مُلَاعِبٍ، فَأَتَاهُ فِي كُمِّهِ مُصْحَفٌ، لِأَنَّهُ رَأَى أَمَارَاتِ الشَّرِّ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مُلَاعِبٍ مَا بَلَغَهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ أَنِّي أَتَيْتُكَ خَائِفًا جَائِعًا، فَأَمَّنْتَنِي، وَأَغْنَيْتَنِي، وَعَزَّزْتَنِي، فَصِرْتُ ذَا مَالٍ وَجَاهٍ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُ مَنْ حَسَدَنِي عَلَى مَنْزِلَتِي مِنْكَ، وَمَا غَمَرَنِي مِنْ نِعْمَتِكَ سَعَى بِي إِلَيْكَ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تَأْخُذَ جَمِيعَ مَا مَعِي، وَأَخْرُجُ كَمَا جِئْتُ.
وَحَلَفَ لَهُ عَلَى الْوَفَاءِ وَالنُّصْحِ، فَقَبِلَ عُذْرَهُ وَأَمَّنُهُ.
وَعَاوَدَ الْقَاضِيَ مُكَاتَبَةَ أَبِي طَاهِرِ بْنِ الصَّائِغِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَافِقَ رِضْوَانَ عَلَى إِنْفَاذِ ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ سَرْمِينَ، وَيُنْفِذُ مَعَهُمْ خَيْلًا مِنْ خُيُولِ الْفِرِنْجِ، وَسِلَاحًا مِنْ أَسْلِحَتِهِمْ، وَرُءُوسًا مِنْ رُءُوسِ الْفِرِنْجِ، يَأْتُوا إِلَى ابْنِ مُلَاعِبٍ وَيُظْهِرُوا أَنَّهُمْ غُزَاةً وَيَشْكُوا مِنْ سُوءِ مُعَامَلَةِ الْمَلِكِ رِضْوَانَ وَأَصْحَابِهِ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ فَارَقُوهُ، فَلَقِيَهُمْ طَائِفَةٌ
стр. 5049
مِنَ الْفِرِنْجِ، فَظَفِرُوا بِهِمْ، وَيَحْمِلُوا جَمِيعَ مَا مَعَهُمْ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُمْ فِي الْمُقَامِ اتَّفَقَتْ آرَاؤُهُمْ عَلَى إِعْمَالِ الْحِيلَةِ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ ابْنُ الصَّائِغِ ذَلِكَ، وَوَصَلَ الْقَوْمُ إِلَى أَفَامِيَةَ، وَقَدِمُوا إِلَى ابْنِ مُلَاعِبٍ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْخَيْلِ وَغَيْرِهَا، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمُقَامِ عِنْدَهُ، وَأَنْزَلَهُمْ فِي رَبَضِ أَفَامِيَةَ.
فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي نَامَ الْحُرَّاسُ بِالْقَلْعَةِ، فَقَامَ الْقَاضِي وَمَنْ بِالْحِصْنِ مِنْ أَهْلِ سَرْمِينَ، وَدَلُّوا الْحِبَالَ وَأَصْعَدُوا أُولَئِكَ الْقَادِمِينَ جَمِيعَهُمْ، وَقَصَدُوا أَوْلَادَ ابْنِ مُلَاعِبٍ، وَبَنِي عَمِّهِ، وَأَصْحَابَهُ، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَتَى الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ إِلَى ابْنِ مُلَاعِبٍ، وَهُوَ مَعَ امْرَأَتِهِ، فَأَحَسَّ بِهِمْ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: مَلَكُ الْمَوْتِ جِئْتُ لِقَبْضِ رُوحِكَ! فَنَاشَدَهُ اللَّهَ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، وَجَرَحَهُ، وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَهَرَبَ ابْنَاهُ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا، وَالْتَحَقَ الْآخَرُ بِأَبِي الْحَسَنِ بْنِ مُنْقِذٍ، صَاحِبِ شَيْزَرَ، فَحَفِظَهُ لِعَهْدٍ كَانَ بَيْنَهُمَا.
وَلَمَّا سَمِعَ ابْنُ الصَّائِغِ خَبَرَ أَفَامِيَةَ سَارَ إِلَيْهَا، وَهُوَ يَشُكُّ أَنَّهَا لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: إِنْ وَافَقْتَنِي، وَأَقَمْتَ مَعِي، فَبِالرَّحْبِ وَالسَّعَةِ، وَنَحْنُ بِحُكْمِكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ.
فَأَيِسَ ابْنُ الصَّائِغِ مِنْهُ، وَكَانَ أَحَدُ أَوْلَادِ ابْنِ مُلَاعِبٍ بِدِمَشْقَ عِنْدَ طُغْتِكِينَ، غَضْبَانُ عَلَى أَبِيهِ، فَوَلَّاهُ طُغْتِكِينُ حِصْنًا، وَضَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ حِفْظَ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَطَعَ الطَّرِيقَ، وَأَخَذَ الْقَوَافِلَ، فَاسْتَغَاثُوا إِلَى طُغْتِكِينَ مِنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ طَلَبَهُ، فَهَرَبَ إِلَى الْفِرِنْجِ، وَاسْتَدْعَاهُمْ إِلَى حِصْنِ أَفَامِيَةَ، وَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ قُوتِ شَهْرٍ، فَأَقَامُوا عَلَيْهِ يُحَاصِرُونَهُ، فَجَاعَ أَهْلُهُ، وَمَلَكَهُ الْفِرِنْجُ، وَقَتَلُوا الْقَاضِيَ الْمُتَغَلِّبَ عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا الصَّائِغَ فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَظْهَرَ مَذْهَبَ الْبَاطِنِيَّةِ بِالشَّامِ.
هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَبَا طَاهِرٍ الصَّائِغَ قَتَلَهُ الْفِرِنْجُ بِأَفَامِيَةَ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ابْنَ بَدِيعٍ، رَئِيسَ حَلَبَ، قَتَلَهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، بَعْدَ وَفَاةِ رِضْوَانَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5050
ذِكْرُ نَهْبِ الْعَرَبِ الْبَصْرَةَ
قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِلَاءَ الْأَمِيرِ صَدَقَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَأَنَّهُ اسْتَنَابَ بِهَا مَمْلُوكًا كَانَ لِجَدِّهِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ، اسْمُهُ أَلْتُونْتَاشُ، وَجَعَلَ مَعَهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ فَارِسًا.
فَاجْتَمَعَتْ رَبِيعَةُ والْمُنْتَفَقُ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهَا مِنَ الْعَرَبِ، وَقَصَدُوا الْبَصْرَةَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَقَاتَلَهُمْ أَلْتُونْتَاشُ، فَأَسَرُوهُ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ يَقْدِرْ مَنْ بِهَا عَلَى حِفْظِهَا، فَدَخَلُوا بِالسَّيْفِ أَوَاخِرَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَحْرَقُوا الْأَسْوَاقَ، وَالدُّورَ الْحِسَانَ، وَنَهَبُوا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَأَقَامُوا يَنْهَبُونَ وَيُحْرِقُونَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَتَشَرَّدَ أَهْلُهَا فِي السَّوَادِ، وَنُهِبَتْ خِزَانَةُ كُتُبٍ كَانَتْ مَوْقُوفَةً، وَقَفَهَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ بْنُ أَبِي الْبَقَاءِ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ صَدَقَةَ، فَأَرْسَلَ عَسْكَرًا، فَوَصَلُوا وَقَدْ فَارَقَهَا الْعَرَبُ.
ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا أَرْسَلَ شِحْنَةً وَعَمِيدًا إِلَى الْبَصْرَةِ، وَأَخَذَهَا مِنْ صَدَقَةَ، وَعَادَ أَهْلُهَا إِلَيْهَا وَشَرَعُوا فِي عِمَارَتِهَا.
ذِكْرُ حَالِ طَرَابُلُسَ الشَّامِ مَعَ الْفِرِنْجِ
كَانَ صَنْجِيلُ الْفِرِنْجِيُّ، لَعَنَهُ اللَّهُ، قَدْ مَلَكَ مَدِينَةَ جَبَلَةَ، وَأَقَامَ عَلَى طَرَابُلُسَ يَحْصُرُهَا، فَحَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَمْلِكَهَا، بَنَى بِالْقُرْبِ مِنْهَا حِصْنًا، وَبَنَى تَحْتَهُ رَبَضًا، وَأَقَامَ مُرَاصِدًا لَهَا، وَمُنْتَظِرًا وُجُودَ فُرْصَةٍ فِيهَا، فَخَرَجَ فَخْرُ الْمُلْكِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ عَمَّارٍ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، فَأَحْرَقَ رَبَضَهُ، وَوَقَفَ صَنْجِيلُ عَلَى بَعْضِ سُقُوفِهِ الْمُتَحَرِّقَةِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقَمَامِصَةِ وَالْفُرْسَانِ، فَانْخَسَفَ بِهِمْ، فَمَرِضَ صَنْجِيلُ مِنْ ذَلِكَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ وَمَاتَ، وَحُمِلَ إِلَى الْقُدْسِ فَدُفِنَ فِيهِ.
ثُمَّ إِنَّ مَلِكَ الرُّومِ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِاللَّاذِقِيَّةِ لِيَحْمِلُوا الْمِيرَةَ إِلَى هَؤُلَاءِ الْفِرِنْجِ الَّذِينَ عَلَى طَرَابُلُسَ، فَحَمَلُوهَا فِي الْبَحْرِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهَا فَخْرُ الْمُلْكِ بْنُ عَمَّارٍ أُسْطُولًا، فَجَرَى
стр. 5051
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّومِ قِتَالٌ شَدِيدٌ، فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ بِقِطْعَةٍ مِنَ الرُّومِ، فَأَخَذُوهَا، وَأَسَرُوا مَنْ كَانَ بِهَا وَعَادُوا.
وَلَمْ تَزَلِ الْحَرْبُ بَيْنَ أَهْلِ طَرَابُلُسَ والْفِرِنْجِ خَمْسَ سِنِينَ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ، فَعَدِمَتِ الْأَقْوَاتُ بِهِ، وَخَافَ أَهْلُهُ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَحَرَمِهِمْ، فَجَلَا الْفُقَرَاءُ، وَافْتَقَرَ الْأَغْنِيَاءُ، وَظَهَرَ مِنَ ابْنِ عَمَّارٍ صَبْرٌ عَظِيمٌ، وَشُجَاعَةٌ، وَرَأْيٌ سَدِيدٌ.
وَمِمَّا أَضَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ فِيهَا أَنَّ صَاحِبَهَا اسْتَنْجَدَ سُقْمَانَ بْنَ أُرْتُقَ فَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَيْهِ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا هَيَّأَ أَسْبَابَهُ.
وَأَجْرَى ابْنُ عَمَّارٍ الْجِرَايَاتِ عَلَى الْجُنْدِ وَالضَّعْفَى، فَلَمَّا قَلَّتِ الْأَمْوَالُ عِنْدَهُ شَرَعَ يُقَسِّطُ عَلَى النَّاسِ مَا يُخْرِجُهُ فِي بَابِ الْجِهَادِ، فَأَخَذَ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ مَالًا مَعَ غَيْرِهِمَا، فَخَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى الْفِرِنْجِ وَقَالَا: إِنَّ صَاحِبَنَا صَادَرَنَا، فَخَرَجْنَا إِلَيْكُمْ لِنَكُونَ مَعَكُمْ، وَذَكَرَا لَهُمْ أَنَّهُ تَأْتِيهِ الْمِيرَةُ مِنْ عَرَقَةَ وَالْجَبَلِ، فَجَعَلَ الْفِرِنْجُ جَمْعًا عَلَى ذَلِكَ الْجَانِبِ يَحْفَظُهُ مِنْ دُخُولِ شَيْءٍ إِلَى الْبَلَدِ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عَمَّارٍ وَبَذَلَ لِلْفِرِنْجِ مَالَا كَثِيرًا لِيُسَلِّمُوا الرَّجُلَيْنِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا فَوَضَعَ عَلَيْهِمَا مَنْ قَتَلَهُمَا غِيلَةً، وَكَانَتْ طَرَابُلُسُ مِنْ أَعْظَمِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَأَكْثَرِهَا تَجَمُّلًا وَثَرْوَةً، فَبَاعَ أَهْلُهَا مِنَ الْحُلَى، وَالْأَوَانِي الْغَرْبِيَّةِ، مَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى بِيعَ كُلُّ مِائَةِ دِرْهَمٍ نُقْرَةً بِدِينَارٍ.
وَشَتَّانَ بَيْنَ هَذِهِ الْحَالَةِ وَبَيْنَ حَالِ الرُّومِ أَيَّامَ السُّلْطَانِ أَلْبِ أَرْسِلَانَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ ظَفَرَهُ بِهِمْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ كُمُشْتَكِينُ دَوَاتِي عَمِيدُ الْمُلْكِ، هَرَبَ مِنْهُ خَوْفًا لَمَّا قَبَضَ عَلَى صَاحِبِهِ عَمِيدِ الْمُلْكِ، وَسَارَ إِلَى الرَّقَّةِ فَمَلَكَهَا، وَصَارَ مَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ التُّرْكُمَانِ، فِيهِمْ: الْأَفْشِينُ، وَأَحْمَدُ شَاهْ، فَقَتَلَاهُ، وَأَرْسَلَا أَمْوَالَهُ إِلَى أَلْبِ أَرْسِلَانَ، وَدَخَلَ الْأَفْشِينُ بِلَادَ الرُّومِ، وَقَاتَلَ الْفِرْدَوْسَ، صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ، فَهَزَمَهُ، وَقَتَلَ مِنَ الرُّومِ خَلْقًا كَثِيرًا.
وَسَارَ مَلِكُ الرُّومِ مِنَ الْقُسْطَنْطِيَّةِ إِلَى مَلَطْيَةَ، فَدَخَلَ الْأَفْشِينُ بِلَادَهُ وَوَصَلَ إِلَى عَمُّورِيَةَ، وَقَتَلَ فِي غَزَاتِهِ مِائَةَ أَلْفِ آدَمِيٍّ، وَلَمَّا عَادَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَتَفَرَّقَ مَنْ مَعَهُ عَلَيْهِ خَرَجَ عَسْكَرُ الرُّهَا، وَهِيَ حِينَئِذٍ لِلرُّومِ، وَمَعَهُمْ بَنُو نُمَيْرٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَاتَلَهُمْ، وَمَعَهُ مِائَتَا فَارِسٍ، فَهَزَمَهُمْ وَنَهَبَهُمْ، وَنَهَبَ بِلَادَ الرُّومِ، فَأَرْسَلَ مَلِكُ الرُّومِ رَسُولًا إِلَى الْقَائِمِ
стр. 5052
بِأَمْرِ اللَّهِ يَسْأَلُهُ الصُّلْحَ فَأَرْسَلَ إِلَى أَلْبِ أَرْسِلَانَ فِي ذَلِكَ، فَصَالَحَ الرُّومَ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَرْبَعَةِ آلَافِ ثَوْبٍ أَصْنَافًا، وَثَلَاثِمِائَةِ رَأْسٍ بِغَالًا.
فَشَتَّانَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ.
وَأَقُولُ شَتَّانَ بَيْنَ حَالِ أُولَئِكَ الْمَرْذُولِينِ الَّذِينَ اسْتَعْجَزَهُمْ، وَبَيْنَ حَالِ النَّاسِ فِي زَمَانِنَا هَذَا، وَهُوَ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ مَعَ الْفِرِنْجِ أَيْضًا والتَّتَرِ، وَسَتَرَى ذَلِكَ مَشْرُوحًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِتَعْلَمَ الْفَرْقَ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُيَسِّرَ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ قَائِمًا يَقُومُ بِنَصْرِهِمْ، وَأَنْ يَدْفَعَ عَنْهُمْ بِمَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَ إِلَى بَغْدَاذَ إِنْسَانٌ مِنَ الْمُلَثَّمِينَ، مُلُوكِ الْغَرْبِ، قَاصِدًا إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَأُكْرِمَ، وَكَانَ مَعَهُ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ الْفَقِيهُ، مِنَ الْمُلَثَّمِينَ أَيْضًا، فَوَعَظَهُ الْفَقِيهُ فِي جَامِعِ الْقَصْرِ، وَاجْتَمَعَ لَهُ الْعَالَمُ الْعَظِيمُ، وَكَانَ يَعِظُ وَهُوَ مُتَلَثِّمٌ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ غَيْرُ عَيْنَيْهِ، وَكَانَ هَذَا الْمُلَثَّمُ قَدْ حَضَرَ مَعَ ابْنِ الْأَفْضَلِ، أَمِيرِ الْجُيُوشِ، وَقْعَتَهُ مَعَ الْفِرِنْجِ، وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا.
وَكَانَ سَبَبُ مَجِيئِهِ إِلَى بَغْدَاذَ: أَنَّ الْمَغَارِبَةَ يَعْتَقِدُونَ فِي الْعَلَوِيِّينَ، أَصْحَابِ مِصْرَ، الِاعْتِقَادَ الْقَبِيحَ، فَكَانُوا، إِذَا أَرَادُوا الْحَجَّ، يَعْدِلُونَ عَنْ مِصْرَ وَكَانَ أَمِيرُ الْجُيُوشِ بَدْرٌ وَالِدُ الْأَفْضَلِ أَرَادَ إِصْلَاحَهُمْ، فَلَمْ يَمِيلُوا إِلَيْهِ، وَلَا قَارَبُوهُ. فَأَمَرَ بِقَتْلِ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ، فَلَمَّا وَصَلَ ابْنُهُ الْأَفْضَلُ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَاسْتَعَانَ بِمَنْ قَارَبَهُ مِنْهُمْ عَلَى حَرْبِ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قَاتَلَ مَعَهُ، فَلَمَّا خَالَطَ الْمِصْرِيِّينَ خَافَ الْعَوْدَ إِلَى بِلَادِهِ، فَقَدِمَ بَغْدَاذَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمِصْرِيِّينَ حَرْبٌ مَعَ الْفِرِنْجِ إِلَّا وَشَهِدَهَا، فَقُتِلَ فِي بَعْضِهَا شَهِيدًا، وَكَانَ شُجَاعًا فَتَّاكًا مِقْدَامًا.
وَفِيهَا، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، ظَهْرَ كَوْكَبٌ فِي السَّمَاءِ لَهُ ذُؤَابَةٌ، كَقَوْسِ قُزَحَ، آخِذَةً مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى وَسَطِ السَّمَاءِ، وَكَانَ يُرَى قَرِيبًا مِنَ الشَّمْسِ قَبْلَ ظُهُورِهِ لَيْلًا، وَبَقِيَ يَظْهَرُ عِدَّةَ لَيَالٍ، ثُمَّ غَابَ.
стр. 5053
وَفِيهَا وَصَلَ الْمَلِكُ قِلْجُ أَرْسِلَانَ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ قُتُلْمِشَ، صَاحِبُ بِلَادِ الرُّومِ، إِلَى الرُّهَا لِيَحْصُرَهَا، وَبِهَا الْفِرِنْجُ، فَرَاسَلَهُ أَصْحَابُ جَكَرْمِشَ الْمُقِيمُونَ بَحَرَّانَ لِيُسَلِّمُوهَا إِلَيْهِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَتَسَلَّمَ الْبَلَدَ، وَفَرِحَ بِهِ النَّاسُ لِأَجْلِ جِهَادِ الْفِرِنْجِ، فَأَقَامَ بَحَرَّانَ أَيَّامًا، وَمَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، أَوْجَبَ عَوْدَهُ إِلَى مَلَطْيَةَ، فَعَادَ مَرِيضًا، وَبَقِيَ أَصْحَابُهُ بَحَرَّانَ.
[الَوَفِيَّاتُ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو مَنْصُورٍ الْخَيَّاطُ الْمُقْرِي، إِمَامُ مَسْجِدِ ابْنِ جَرْدَةَ، وَكَانَ خَيِّرًا صَالِحًا.
وَفِيهَا قُتِلَ الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ صَاعِدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ الْحَنَفِيُّ بِجَامِعِ أَصْبَهَانَ، قَتَلَهُ بَاطِنِيٌّ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفَوَارِسِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْخَازِنِ، صَاحِبُ الْخَطِّ الْجَيِّدِ، وَعُمْرُهُ سَبْعُونَ سَنَةً، قِيلَ إِنَّهُ كَتَبَ خَمْسَمِائَةِ خَتْمَةٍ.
وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَكَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ الْمَشْهُورِينَ، تَفَقَّهَ عَلَى الْمَاوَرْدِيِّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَأَخَذَ النَّحْوَ عَنِ الرَّقِيِّ، وَالدَّهَّانِ، وَابْنِ بُرْهَانَ، وَكَانَ عَفِيفًا، مُقَدَّمًا عِنْدَ الْخُلَفَاءِ وَالسَّلَاطِينِ.
وَفِيهَا، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ سَهْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَرْغِيَانِيُّ، أَبُو الْفَتْحِ الْحَاكِمُ، تَفَقَّهَ عَلَى الْجُوَيْنِيِّ، وَبَرَزَ، ثُمَّ تَرَكَ الْمُنَاظَرَةَ، وَبَنَى رِبَاطًا، وَاشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
стр. 5054
وَفِيهَا، فِي صَفَرٍ، تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ مُهَارِشُ بْنُ مُجَلِّي، وَلَهُ نَحْوُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي كَانَ الْخَلِيفَةَ الْقَائِمَ عِنْدَهُ بِالْحَدِيثَةِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، يُحِبُّ الْخَيْرَ وَأَهْلَهُ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ مَلَكَ الْحَدِيثَةَ بَعْدَهُ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ.
стр. 5055
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِمِائَةٍ]
٥٠٠ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ وَمُلْكِ ابْنِهِ عَلِيٍّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ يُوسُفُ بْنُ تَاشَفِينَ، مَلِكُ الْغَرْبِ وَالْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، خَيِّرًا، عَادِلًا، يَمِيلُ إِلَى أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ، وَيُكْرِمُهُمْ، وَيَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِمْ، وَلَمَّا مَلَكَ الْأَنْدَلُسَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، جَمَعَ الْفُقَهَاءَ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ وِلَايَتُكَ مِنَ الْخَلِيفَةِ لِتَجِبَ طَاعَتُكَ عَلَى الْكُوفَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، رَسُولًا وَمَعَهُ هَدِيَّةٌ كَثِيرَةٌ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا يَذْكُرُ مَا فَتَحَ اللَّهُ مِنْ بِلَادِ الْفِرِنْجِ، وَمَا اعْتَمَدَهُ مِنْ نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَيَطْلُبُ تَقْلِيدًا بِوِلَايَةِ الْبِلَادِ، فَكُتِبَ لَهُ تَقْلِيدٌ مِنْ دِيوَانِ الْخَلِيفَةِ بِمَا أَرَادَ، وَلُقِّبَ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ، وَسُيِّرَتْ إِلَيْهِ الْخِلَعُ، فَسُرَّ بِذَلِكَ سُرُورًا كَثِيرًا، وَهُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ مُرَّاكِشَ لِلْمُرَابِطِينَ، وَبَقِيَ عَلَى مُلْكِهِ إِلَى سَنَةِ خَمْسِمِائَةٍ، فَتُوُفِّيَ وَمَلَكَ بَعْدَهُ الْبِلَادَ وَلَدُهُ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ، وَتَلَقَّبَ أَيْضًا أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ، فَازْدَادَ فِي إِكْرَامِ الْعُلَمَاءِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ إِشَارَتِهِمْ، وَكَانَ إِذَا وَعَظَهُ أَحَدُهُمْ خَشَعَ عِنْدَ اسْتِمَاعِ الْمَوْعِظَةِ، وَلَانَ قَلْبُهُ لَهَا، وَظَهَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ يُوسُفُ بْنُ تَاشَفِينَ حَلِيمًا، كَرِيمًا، دَيِّنًا، خَيَّرًا، يُحِبُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَيُحَكِّمُهُمْ فِي بِلَادِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ اجْتَمَعُوا، فَتَمَنَّى أَحَدُهُمْ أَلْفَ دِينَارٍ يَتَّجِرُ بِهَا، وَتَمَنَّى الْآخَرُ عَمَلًا يَعْمَلُ فِيهِ لِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَمَنَّى الْآخَرُ زَوْجَتَهُ النَّفْزَاوِيَّةَ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ، وَلَهَا الْحُكْمُ فِي بِلَادِهِ، فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَأَحْضَرَهُمْ، وَأَعْطَى مُتَمَنِّيَ الْمَالِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَاسْتَعْمَلَ الْآخَرَ،
стр. 5056
وَقَالَ لِلَّذِي تَمَنَّى زَوْجَتَهُ: يَا جَاهِلُ! مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا الَّذِي لَا تَصِلُ إِلَيْهِ؟ ثُمَّ أَرْسَلَهُ إِلَيْهَا، فَتَرَكَتْهُ فِي خَيْمَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تَحْمِلُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ طَعَامًا وَاحِدًا، ثُمَّ أَحْضَرَتْهُ وَقَالَتْ لَهُ: مَا أَكَلْتَ هَذِهِ الْأَيَّامَ؟ قَالَ: طَعَامًا وَاحِدًا، فَقَالَتْ: كُلُّ النِّسَاءِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَأَمَرَتْ لَهُ بِمَالٍ وَكُسْوَةٍ وَأَطْلَقَتْهُ.
ذِكْرُ قَتْلِ فَخْرِ الْمُلْكِ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ فَخْرُ الْمُلْكِ أَبُو الْمُظَفَّرُ عَلِيُّ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَكَانَ أَكْبَرَ أَوْلَادِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وِزَارَتَهُ لِلسُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَلَمَّا فَارَقَ وِزَارَتَهُ قَصَدَ نَيْسَابُورَ، وَأَقَامَ عِنْدَ الْمَلِكِ سَنْجَرَ بْنِ مَلِكْشَاهْ، وَوَزَرَ لَهُ، وَأَصْبَحَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ صَائِمًا، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، ﵇، وَهُوَ يَقُولُ: عَجَّلْ إِلَيْنَا، وَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ عِنْدَنَا، وَقَدِ اشْتَغَلَ فِكْرِي بِهِ، وَلَا مَحِيدَ عَنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ! وَقَالُوا لَهُ: يَحْمِيكَ اللَّهُ، وَالصَّوَابُ أَنْ لَا تَخْرُجَ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ مِنْ دَارِكَ، فَأَقَامَ يَوْمَهُ يُصَلِّي، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ.
فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ خَرَجَ مِنَ الدَّارِ الَّتِي كَانَ بِهَا يُرِيدُ دَارَ النِّسَاءِ، فَسَمِعَ صِيَاحَ مُتَظَلِّمٍ، شَدِيدَ الْحُرْقَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: ذَهَبَ الْمُسْلِمُونَ، فَلَمْ يَبْقَ مَنْ يَكْشِفُ مَظْلَمَةً، وَلَا يَأْخُذُ بِيَدِ مَلْهُوفٍ! فَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ، رَحْمَةً لَهُ، فَحَضَرَ فَقَالَ: مَا حَالُكَ؟ فَدَفَعَ إِلَيْهِ رُقْعَةً، فَبَيْنَمَا فَخْرُ الْمُلْكِ يَتَأَمَّلُهَا إِذْ ضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ فَقَضَى عَلَيْهِ، فَمَاتَ، فَحُمِلَ الْبَاطِنِيُّ إِلَى سَنْجَرَ، فَقَرَّرَهُ، فَأَقَرَّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ كَذِبًا، وَقَالَ: إِنَّهُمْ وَضَعُونِي عَلَى قَتْلِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُقْتَلَ بِيَدِهِ وَسِعَايَتِهِ، فَقُتِلَ مَنْ ذَكَرَ، وَكَانَ مَكْذُوبًا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قُتِلَ الْبَاطِنِيُّ بَعْدَهُمْ، وَكَانَ عُمْرُ فَخْرِ الْمُلْكِ سِتًّا وَسِتِّينَ سَنَةً.
ذِكْرُ مُلْكِ صَدَقَةَ بْنِ مَزْيَدٍ تِكْرِيتَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، تَسَلَّمَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ مَزْيَدٍ قَلْعَةَ تِكْرِيتَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ لَبَنِي مُقْنٍ الْعُقَيْلِيِّينَ، وَكَانَتْ إِلَى آخِرِ سَنَةِ
стр. 5057
سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ بِيَدِ رَافِعِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُقْنٍ، فَمَاتَ، وَوَلِيَهَا ابْنُ أَخِيهِ أَبُو مَنَعَةَ خَمِيسُ بْنُ تَغْلِبَ بْنِ حَمَّادٍ، وَوَجَدَ بِهَا خَمْسَمِائَةِ أَلْفَ دِينَارٍ سِوَى الْمَصَاغِ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَوَلِيَهَا وَلَدُهُ أَبُو غَشَّامٍ.
فَلَمَّا كَانَ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَثَبَ عَلَيْهِ عِيسَى فَحَبَسَهُ، وَمَلَكَ الْقَلْعَةَ وَالْأَمْوَالَ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِهِ طُغْرُلْبَكُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ صَالَحَهُ عَلَى بَعْضِ الْمَالِ فَرَحَلَ عَنْهُ.
وَخَافَتْ زَوْجَتُهُ أَمِيرَةُ، بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يَعُودَ أَبُو غَشَّامٍ، فَيَمْلِكُ الْقَلْعَةَ، فَقَتَلَتْهُ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ فِي الْحَبْسِ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَاسْتَنَابَتْ فِي الْقَلْعَةِ أَبَا الْغَنَائِمِ بْنَ الْمَحْلَبَانِ، فَسَلَّمَهَا إِلَى أَصْحَابِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَكَ، فَسَارَتْ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَقَتَلَهَا ابْنُ أَبِي غَشَّامٍ بِأَبِيهِ، وَأَخَذَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ مُسْلِمُ بْنُ قُرَيْشٍ مَالَهَا، وَرَدَّ طُغْرُلْبَكُ أَمْرَ الْقَلْعَةِ إِلَى إِنْسَانٍ يُعْرَفُ بِأَبِي الْعَبَّاسِ الرَّازِيِّ، فَمَاتَ بِهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَمَلَكَهَا الْمِهْرَبَاطُ، وَهُوَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خُشْنَامٍ مِنْ بَلَدِ الثَّغْرِ، فَأَقَامَ بِهَا إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَمَاتَ، وَوَلِيَهَا ابْنُهُ سَنَتَيْنِ، وَأَخَذَتْهَا مِنْهُ تَرْكَانُ خَاتُونْ، وَوَلِيَهَا لَهَا كُوهْرَائِينُ.
ثُمَّ مَلَكَهَا بَعْدَ وَفَاةِ مَلِكْشَاهْ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقَسَنْقَرُ، صَاحِبُ حَلَبَ، فَلَمَّا قُتِلَ صَارَتْ لِلْأَمِيرِ كُمُشْتَكِينَ الْجَانِدَارُ، فَجَعَلَ فِيهَا رَجُلًا يُعْرَفُ بِأَبِي الْمُصَارِعِ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى كُوهْرَائِينَ إِقْطَاعًا، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ مَجْدُ الْمُلْكِ الْبَلَاسَانِيُّ، فَوَلَّى فِيهَا كَيْقُبَاذَ بْنَ هَزَارْسَبَ الدَّيْلَمِيَّ، فَأَقَامَ بِهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَظَلَمَ أَهْلَهَا، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِهِ سُقْمَانُ بْنُ أُرْتُقَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَنَهَبَهَا، كَانَ كَيْقُبَاذُ يَنْهَبُهَا لَيْلًا، وَسُقْمَانُ يَنْهَبُهَا نَهَارًا.
فَلَمَّا اسْتَقَرَّ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ بَرْكِيَارُقَ أَقْطَعَهَا لِلْأَمِيرِ آقَسَنْقَرَ الْبُرْسُقِيِّ، شِحْنَةِ بَغْدَاذَ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَحَصَرَهَا مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، حَتَّى ضَاقَ عَلَى كَيْقُبَاذَ الْأَمْرُ، فَرَاسَلَ صَدَقَةَ بْنَ مَزْيَدٍ لِيُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي صَفَرٍ هَذِهِ السَّنَةَ وَتَسَلَّمَهَا مِنْهُ، وَانْحَدَرَ الْبُرْسُقِيُّ وَلَمْ يَمْلِكْهَا.
وَمَاتَ كَيْقُبَاذُ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ الْقَلْعَةِ بِثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ سِتِّينَ سَنَةً، وَاسْتَنَابَ صَدَقَةُ بِهَا وَرَّامَ بْنَ أَبِي فِرَاسِ بْنِ وَرَّامٍ، وَكَانَ كَيْقُبَاذُ يُنْسَبُ إِلَى الْبَاطِنِيَّةِ، وَكَانَ مَوْتُهُ مِنْ سَعَادَةِ صَدَقَةَ، فَإِنَّهُ لَوْ أَقَامَ عِنْدَهُ لَعَرَّضَ صَدَقَةَ لِظُنُونِ النَّاسِ فِي اعْتِقَادِهِ وَمَذْهَبِهِ.
стр. 5058
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ عُبَادَةَ وَخَفَاجَةَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ عُبَادَةَ وَخَفَاجَةَ، فَظَفِرَتْ عُبَادَةُ، وَأَخَذَتْ بِثَأْرِهَا مِنْ خَفَاجَةَ.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سَيْفَ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ أَرْسَلَ وَلَدَهُ بَدْرَانَ فِي جَيْشٍ إِلَى طَرَفِ بِلَادِهِ مِمَّا يَلِي الْبَطِيحَةَ لِيَحْمِيَهَا مِنْ خَفَاجَةَ لِأَنَّهُمْ يُؤْذُونَ أَهْلَ تِلْكَ النَّوَاحِي، فَقَرُبُوا مِنْهُ، وَتَهَدَّدُوا أَهْلَ الْبِلَادِ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِيهِ يَشْكُو مِنْهُمْ، وَيُعَرِّفُهُ حَالَهُمْ، فَأَحْضَرَ عُبَادَةَ، وَكَانَتْ خَفَاجَةُ قَدْ فَعَلَتْ بِهِمُ الْعَامَ الْمَاضِي مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا حَضَرُوا عِنْدَهُ قَالَ لَهُمْ لِيَتَجَهَّزُوا مَعَ عَسْكَرِهِ، لِيَأْخُذُوا بِثَأْرِهِمْ مِنْ خَفَاجَةَ، فَسَارُوا فِي مُقَدَّمِ عَسْكَرِهِ، فَأَدْرَكُوا حِلَّةً مِنْ خَفَاجَةَ مِنْ بَنِي كُلَيْبٍ لَيْلًا، وَهُمْ غَارُّونَ، لَمْ يَشْعُرُوا بِهِمْ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالَتْ عُبَادَةُ: نَحْنُ أَصْحَابٌ لِدُيُونٍ، فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ عُبَادَةُ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَصَبَرَتْ خَفَاجَةُ، فَبَيْنَمَا هُمْ فِي الْقِتَالِ إِذْ سُمِعَ طَبْلُ الْجَيْشِ، فَانْهَزَمُوا، وَقَتَلَتْ مِنْهُمْ عُبَادَةُ جَمَاعَةً، وَكَانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ مِنْ وُجُوهِهِمْ، وَتَرَكُوا حَرَمَهُمْ، فَأَمَرَ صَدَقَةُ بِحِرَاسَتِهِنَّ وَحِمَايَتِهِنَّ، وَأَمْرَ الْعَسْكَرِ أَنْ يُؤْثِرُوا عُبَادَةَ بِمَا غَنِمُوهُ مِنْ أَمْوَالِ خَفَاجَةَ، خَلَفًا لَهُمْ عَمَّا أُخِذَ مِنْهُمْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي.
وَأَصَابَ خَفَاجَةَ مِنْ مُفَارَقَةِ بِلَادِهَا، وَنَهْبِ أَمْوَالِهَا، وَقَتْلِ رِجَالِهَا، أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَانْتَزَحَتْ إِلَى نَوَاحِي الْبَصْرَةِ، وَأَقَامَتْ عُبَادَةُ فِي بِلَادِ خَفَاجَةَ.
وَلَمَّا انْهَزَمَتْ خَفَاجَةُ وَتَفَرَّقَتْ وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهَا، جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ إِلَى الْأَمِيرِ صَدَقَةَ، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّكَ سَبَيْتَنَا، وَسَلَبْتَنَا قُوَّتَنَا، وَغَرَّبْتَنَا، وَأَضَعْتَ حُرْمَتَنَا، قَابَلَكَ اللَّهُ فِي نَفْسِكَ، وَجَعَلَ صُورَةَ أَهْلِكَ كَصُورَتِنَا، فَكَظَمَ الْغَيْظَ وَاحْتَمَلَ لَهَا ذَلِكَ، وَأَعْطَاهَا أَرْبَعِينَ جَمَلًا، وَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ حَتَّى قَابَلَ اللَّهُ صَدَقَةَ فِي نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ، فَإِنَّ دُعَاءَ الْمَلْهُوفِ عِنْدَ اللَّهِ بِمَكَانٍ.
стр. 5059
ذِكْرُ مَسِيرِ جَاوْلِي سَقَاوُوا إِلَى الْمَوْصِلِ وَأَسْرِ صَاحِبِهَا جَكَرْمِشَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، أَقْطَعَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدَ جَاوْلِي سِقَاوُو الْمُوصِلَ، وَالْأَعْمَالَ الَّتِي بِيَدِ جَكَرْمِشَ، وَكَانَ جَاوْلِي قَبْلَ هَذَا قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ الَّتِي بَيْنَ خُوزِسْتَانَ وَفَارِسَ، وَأَقَامَ بِهَا سِنِينَ، وَعَمَّرَ قِلَاعَهَا وَحَصَّنَهَا، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا، وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَجَدَعَ أُنُوفَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ.
فَلَمَّا تَمَكَّنَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ مِنَ السَّلْطَنَةِ خَافَهُ جَاوْلِي، وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَيْهِ الْأَمِيرَ مَوْدُودَ بْنَ أَلْتُونْتِكِينَ، فَتَحَصَّنَ مِنْهُ جَاوْلِي، وَحَصَرَهُ مَوْدُودُ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، فَأَرْسَلَ جَاوْلِي إِلَى السُّلْطَانِ: إِنَّنِي لَا أَنْزِلُ إِلَى مَوْدُودٍ، فَإِنْ أَرْسَلْتَ غَيْرَهُ نَزَلْتُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خَاتَمَهُ مَعَ أَمِيرٍ آخَرَ، فَنَزَلَ جَاوْلِي، وَحَضَرَ الْخِدْمَةَ بأَصْبَهَانَ، فَرَأَى مِنَ السُّلْطَانِ مَا يُحِبُّ، وَأَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْفِرِنْجِ لِيَأْخُذَ الْبِلَادَ مِنْهُمْ، وَأَقْطَعَهُ الْمَوْصِلَ وَدِيَارَ بَكْرٍ وَالْجَزِيرَةَ كُلَّهَا.
وَكَانَ جَكَرْمِشُ لَمَّا عَادَ مِنْ عِنْدِ السُّلْطَانِ إِلَى بِلَادِهِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَدَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِدْمَةَ، وَحَمْلَ الْمَالِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِبِلَادِهِ لَمْ يَفِ بِمَا قَالَ، وَتَثَاقَلَ فِي الْخِدْمَةِ وَحَمْلِ الْمَالِ، فَأَقْطَعَ بِلَادَهُ لِجَاوْلِي، فَجَاءَ إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَوَّلِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَجَعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْبَوَازِيجِ، فَمَلَكَهَا وَنَهَبَهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، بَعْدَ أَنْ أَمَّنَ أَهْلَهَا، وَحَلَفَ لَهُمْ أَنَّهُ يَحْمِيهِمْ، فَلَمَّا مَلَكَهَا سَارَ إِلَى إِرَبْلَ.
وَأَمَّا جَكَرْمِشُ فَلَمَّا بَلَغَهُ مَسِيرُهُ إِلَى بِلَادِهِ كَتَبَ فِي جَمِيعِ الْعَسَاكِرِ، فَأَتَاهُ كِتَابُ أَبِي الْهَيْجَاءِ بْنِ مُوسَكَ الْكُرْدِيِّ الْهَذَبَانِيِّ، صَاحِبِ إِرَبْلَ، يَذْكُرُ اسْتِيلَاءَ جَاوْلِي عَلَى الْبَوَازِيجِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ لَمْ تُعَجِّلِ الْمَجِيءَ لِنَجْتَمِعَ عَلَيْهِ وَنَمْنَعَهُ، وَإِلَّا اضْطُرِرْتُ إِلَى مُوَافَقَتِهِ وَالْمَصِيرِ مَعَهُ، فَبَادَرَ جَكَرْمِشُ وَعَبَرَ إِلَى شَرْقِيِّ دِجْلَةَ، وَسَارَ إِلَى عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ قَبْلَ اجْتِمَاعِ عَسَاكِرِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو الْهَيْجَاءِ عَسْكَرَهُ مَعَ أَوْلَادِهِ، فَاجْتَمَعُوا بِقَرْيَةِ بَاكَلْبَا مِنْ أَعْمَالِ إِرَبْلَ.
стр. 5060
وَوَافَاهُمْ جَاوْلِي وَهُوَ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، وَكَانَ جَكَرْمِشُ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَلَا يَشُكُّ أَنَّهُ يَأْخُذُ جَاوْلِي بِالْيَدِ، فَلَمَّا اصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ حَمَلَ جَاوْلِي مِنَ الْقَلْبِ عَلَى قَلْبِ جَكَرْمِشَ فَانْهَزَمَ مَنْ فِيهِ، وَبَقِيَ جَكَرْمِشُ وَحْدَهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْهَزِيمَةِ لِفَالِجٍ كَانَ بِهِ، فَهُوَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَرْكَبَ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ فِي مِحَفَّةٍ، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ قَاتَلَ عَنْهُ رِكَابِيٌّ أَسْوَدُ قِتَالًا عَظِيمًا، فَقُتِلَ، وَقَاتَلَ مَعَهُ وَاحِدٌ مِنْ أَوْلَادِ الْمَلِكِ قَارُوتَ بِكْ بْنِ دَاوُدَ، اسْمُهُ أَحْمَدُ، فَقَاتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَطُعِنَ فَجُرِحَ وَانْهَزَمَ، فَمَاتَ بِالْمَوْصِلِ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَصْحَابُ جَاوْلِي عَلَى الْوُصُولِ إِلَى جَكَرْمِشَ، حَتَّى قُتِلَ الرِّكَابِيُّ الْأَسْوَدُ فَحِينَئِذٍ أَخَذُوهُ أَسِيرًا وَأَحْضَرُوهُ عِنْدَ جَاوْلِي، فَأَمَرَ بِحِفْظِهِ وَحِرَاسَتِهِ.
وَكَانَتْ عَسَاكِرُ جَكَرْمِشَ الَّتِي اسْتَدْعَاهَا، قَدْ وَصَلَتْ إِلَى الْمَوْصِلِ بَعْدَ مَسِيرِهِ بِيَوْمَيْنِ، فَسَارُوا جَرَائِدَ لِيُدْرِكُوا الْحَرْبَ، فَلَقِيَهُمُ الْمُنْهَزِمُونَ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا.
ذِكْرُ حَصْرِ جَاوْلِي سَقَاوُو الْمَوْصِلَ وَمَوْتِ جَكَرْمِشَ
لَمَّا انْهَزَمَ الْعَسْكَرُ، وَأُسِرَ جَكَرْمِشُ، وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَأَقْعَدُوا فِي الْأَمْرِ زِنْكِي بْنَ جَكَرْمِشَ، وَهُوَ صَبِيٌّ عَمْرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَخَطَبُوا لَهُ، وَأَحْضَرُوا أَعْيَانَ الْبَلَدِ، وَالْتَمَسُوا مِنْهُمُ الْمُسَاعَدَةَ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ.
وَكَانَ مُسْتَحْفِظُ الْقَلْعَةِ مَمْلُوكًا لِجَكَرْمِشَ اسْمُهُ غَزْغَلِي، فَقَامَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامَ الْمُرْضِيَ، وَفَرَّقَ الْأَمْوَالَ الَّتِي جَمَعَهَا جَكَرْمِشُ، وَالْخُيُولَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ عَلَى الْجُنْدِ، وَكَاتَبَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ، وَقِلْجَ أَرْسِلَانَ، وَالْبُرْسُقِيَّ، شِحْنَةَ بَغْدَاذَ، بِالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِمْ، وَمَنْعِ جَاوْلِي مِنْهُمْ، وَوَعَدُوا كُلًّا مِنْهُمْ أَنْ يُسَلِّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ.
فَأَمَّا صَدَقَةُ فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَرَأَى طَاعَةَ السُّلْطَانِ، وَأَمَّا الْبُرْسُقِيُّ وَقِلْجُ أَرْسِلَانَ فَنَذْكُرُ حَالَهُمَا.
ثُمَّ إِنَّ جَاوْلِي حَصَرَ الْمَوْصِلَ، وَمَعَهُ كَرْمَاوِيُّ بْنُ خُرَاسَانَ التُّرْكُمَانِيُّ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَأَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ جَكَرْمِشُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى بَغْلٍ وَيُنَادِي أَصْحَابَهُ بِالْمَوْصِلِ لِيُسَلِّمُوا الْبَلَدَ وَيُخَلِّصُوا صَاحِبَهُمْ مِمَّا هُوَ فِيهِ، وَيَأْمُرُهُمْ هُوَ بِذَلِكَ، فَلَا
стр. 5061
يَسْمَعُونَ مِنْهُ، وَكَانَ يَسْجُنُهُ فِي جُبٍّ، وَيُوَكِّلُ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ لِئَلَّا يُسْرَقَ، فَأُخْرِجَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ مَيِّتًا، وَعَمْرُهُ نَحْوَ سِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ شَأْنُهُ قَدْ عَلَا، وَمَنْزِلَتُهُ قَدْ عَظُمَتْ، وَكَانَ قَدْ شَيَّدَ سُورَ الْمَوْصِلِ وَقَوَّاهُ، وَبَنَى عَلَيْهَا فَصِيلًا، وَحَفَرَ خَنْدَقَهَا، وَحَصَّنَهَا غَايَةَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وَكَانَ مَعَ جَكَرْمِشَ رَجُلٌ مِنْ أَعْيَانِ الْمَوْصِلِ يُقَالُ لَهُ أَبُو طَالِبِ بْنُ كُسَيْرَاتٍ، وَبَنُو كُسَيْرَاتٍ إِلَى الْآنِ بِالْمَوْصِلِ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِهَا، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ قَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ جَكَرْمِشَ، وَارْتَفَعَتْ مَنْزِلَتُهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى أُمُورِهِ، وَحَضَرَ مَعَهُ الْحَرْبَ، فَلَمَّا أُسِرَ جَكَرْمِشُ هَرَبَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى إِرْبَلَ، وَكَانَ أَوْلَادُ أَبِي الْهَيْجَاءِ، صَاحِبِ إِرْبَلَ، قَدْ حَضَرُوا الْحَرْبَ مَعَ جَكَرْمِشَ، وَأَسَرَهُمْ جَاوْلِي، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي الْهَيْجَاءِ يَطْلُبُ ابْنَ كُسَيْرَاتٍ، فَأَطْلَقَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهِ، فَأَطْلَقَ جَاوْلِي ابْنَ أَبِي الْهَيْجَاءِ، فَلَمَّا حَضَرَ ابْنُ كُسَيْرَاتٍ عِنْدَ جَاوْلِي ضَمِنَ لَهُ فَتْحَ الْمَوْصِلِ وَبِلَادِ جَكَرْمِشَ، وَتَحْصِيلَ الْأَمْوَالِ، فَاعْتَقَلَهُ اعْتِقَالًا جَمِيلًا.
وَكَانَ قَاضِي الْمَوْصِلِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ وَدْعَانَ عَدُوًّا لِأَبِي طَالِبٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى جَاوْلِي يَقُولُ لَهُ: إِنْ قَتَلْتَ أَبَا طَالِبٍ سَلَّمْتُ الْمَوْصِلَ إِلَيْكَ، فَقَتَلَهُ وَأَرْسَلَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، فَأَظْهَرَ الشَّمَاتَةَ بِهِ، وَأَخَذَ كَثِيرًا مِنْ أَمْوَالِهِ وَوَدَائِعِهِ، فَثَارَ بِهِ الْأَتْرَاكُ غَضَبًا لِأَبِي طَالِبٍ وَلِتَفَرُّدِهِ بِمَا أَخَذَ مِنْ أَمْوَالِهِ، فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَهْرٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ رَأَيْنَا كَثِيرًا، وَسَمِعْنَا مَا لَا نُحْصِيهِ مِنْ قُرْبِ وَفَاةِ أَحَدِ الْمُتَعَادِيَيْنِ بَعْدَ صَاحِبِهِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ مَلِكِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ والْفِرِنْجِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَحْشَةٌ مُسْتَحْكِمَةٌ بَيْنَ مَلِكِ الرُّومِ، صَاحِبِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَبَيْنَ بِيمُنْدَ الْفِرِنْجيِّ، فَسَارَ بِيمُنْدُ إِلَى بَلَدِ مَلِكِ الرُّومِ وَنَهَبَهُ، وَعَزَمَ عَلَى قَصْدِهِ، فَأَرْسَلَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى الْمَلِكِ قِلْجِ أَرْسِلَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ، صَاحِبِ قُونِيَةَ وَأَقْصَرَا وَغَيْرِهِمَا مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ، يَسْتَنْجِدُهُ، فَأَمَدَّهُ بِجَمْعٍ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَقَوِيَ بِهِمْ، وَتَوَجَّهَ إِلَى بِيمُنْدَ، فَالْتَقَوْا وَتَصَافُّوا وَاقْتَتَلُوا، وَصَبَرَ الْفِرِنْجُ بِشَجَاعَتِهِمْ، وَصَبَرَ الرُّومُ وَمَنْ مَعَهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ، ثُمَّ أَجْلَتِ الْوَقْعَةُ عَنْ هَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ، وَأَتَى الْقَتْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ، وَأُسِرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَالَّذِينَ سَلِمُوا عَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ بِالشَّامِ، وَعَادَ عَسْكَرُ قِلْجِ أَرْسِلَانَ إِلَى بِلَادِهِمْ
стр. 5062
عَازِمِينَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى صَاحِبِهِمْ بِدِيَارِ الْجَزِيرَةِ، فَأَتَاهُمْ خَبَرُ قَتْلِهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَتَرَكُوا الْحَرَكَةَ وَأَقَامُوا.
ذِكْرُ مُلْكِ قِلْجِ أَرْسِلَانَ الْمَوْصِلَ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَصْحَابَ جَكَرْمِشَ كَتَبُوا إِلَى الْأَمِيرِ صَدَقَةَ، وَقَسِيمِ الدَّوْلَةِ الْبُرْسُقِيِّ، وَالْمَلِكِ قِلْجِ أَرْسِلَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ قُتُلْمِشَ السَّلْجُوقِيِّ، صَاحِبِ بِلَادِ الرُّومِ، يَسْتَدْعُونَ كُلًّا مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ لِيُسَلِّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَأَمَّا صَدَقَةُ فَامْتَنَعَ، وَرَأَى طَاعَةَ السُّلْطَانِ، وَأَمَّا قُلْجُ أَرْسِلَانُ فَإِنَّهُ سَارَ فِي عَسَاكِرِهِ فَلَمَّا سَمِعَ جَاوْلِي سَقَاوُو بِوُصُولِهِ إِلَى نَصِيبِينَ رَحَلَ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَأَمَّا الْبُرْسُقِيُّ فَإِنَّهُ كَانَ شِحْنَةَ بَغْدَاذَ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى الْمَوْصِلِ، فَوَصَلَهَا بَعْدَ رَحِيلِ جَاوْلِي عَنْهَا، فَنَزَلَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَحَدٌ إِلَيْهِ، وَلَا أَرْسَلُوا إِلَيْهِ كَلِمَةً وَاحِدَةً، فَعَادَ فِي بَاقِي يَوْمِهِ.
ثُمَّ إِنَّ قِلْجَ أَرْسِلَانَ لَمَّا وَصَلَ إِلَى نَصِيبِينَ أَقَامَ بِهَا حَتَّى كَثُرَ جَمْعُهُ، فَلَمَّا سَمِعَ جَاوْلِي بِقُرْبِهِ رَحَلَ مِنَ الْمَوْصِلِ إِلَى سِنْجَارَ، وَأَوْدَعَ رَحْلَهُ بِهَا، وَاتَّصَلَ بِهِ الْأَمِيرُ إِيلْغَازِي بْنُ أُرْتُقَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ عَسْكَرِ جَكَرْمِشَ، فَصَارَ مَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ فَارِسٍ، فَأَتَاهُ كِتَابُ الْمَلِكِ رِضْوَانَ يَسْتَدْعِيهِ إِلَى الشَّامِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ الْفِرِنْجَ قَدْ عَجَزَ مَنْ بِالشَّامِ عَنْ مَنْعِهِمْ، فَسَارَ إِلَى الرَّحْبَةِ.
وَأَرْسَلَ أَهْلُ الْمَوْصِلِ وَعَسْكَرُ جَكَرْمِشَ إِلَى قِلْجِ أَرْسِلَانَ، وَهُوَ بِنَصِيبِينَ، فَاسْتَحْلَفُوهُ لَهُمْ، فَحَلَفَ، وَاسْتَحْلَفَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ لَهُ وَالْمُنَاصَحَةِ، وَسَارَ مَعَهُمْ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَمَلَكَهَا فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَنَزَلَ بِالْمُعَرَّقَةِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ وَلَدُ جَكَرْمِشَ وَأَصْحَابُهُ، فَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَجَلَسَ عَلَى التَّخْتِ، وأَسْقَطَ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا، وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ بَعْدَ الْخَلِيفَةِ، وَأَحْسَنَ إِلَى الْعَسْكَرِ، وَأَخَذَ الْقَلْعَةَ مِنْ غَزْغَلِي، مَمْلُوكِ جَكَرْمِشَ، وَجَعَلَ لَهُ فِيهَا دَزْدَارًا، وَرَفَعَ الرُّسُومَ الْمُحْدَثَةَ فِي الظُّلْمِ، وَعَدَلَ فِي النَّاسِ وَتَأَلَّفَهُمْ، وَقَالَ: مَنْ سَعَى إِلَيَّ بِأَحَدٍ قَتَلْتُهُ، فَلَمْ يَسْعَ أَحَدٌ بِأَحَدٍ، وَأَقَرَّ الْقَاضِيَ
стр. 5063
أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْقَاسِمِ بْنِ الشَّهْرَزُورِيِّ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْمَوْصِلِ، وَجَعَلَ الرِّئَاسَةَ لِأَبِي بَرَكَاتٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَمِيسٍ، وَهُوَ وَالِدُ شَيْخِنَا أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ.
وَكَانَ فِي جُمْلَةِ قِلْجِ أَرْسِلَانَ الْأَمِيرُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَنَّالَ التُّرْكُمَانِيُّ، صَاحِبُ آمِدَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَبْقَ التُّرْكُمَانِيُّ، صَاحِبُ حِصْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ خَرْتَبِرْتُ.
فَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَنَّالَ فَكَانَ سَبَبُ مُلْكِهِ لِمَدِينَةِ آمِدَ أَنَّ تَاجَ الدَّوْلَةِ تُتُشَ، حِينَ مَلَكَ دِيَارَ بَكْرٍ، سَلَّمَهَا إِلَيْهِ، فَبَقِيَتْ بِيَدِهِ، وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَبْقَ فَكَانَ سَبَبُ مُلْكِهِ لِحِصْنِ زِيَادٍ أَنَّ هَذَا الْحِصْنَ كَانَ بِيَدِ الْفَلَادْرُوسِ الرُّومِيِّ، تُرْجُمَانِ مَلِكِ الرُّومِ، وَكَانَتِ الرُّهَا وَأَنْطَاكِيَةُ مِنْ أَعْمَالِهِ، فَلَمَّا مَلَكَ سُلَيْمَانُ بْنُ قُتُلْمِشَ، وَالِدُ قِلْجِ أَرْسِلَانَ هَذَا أَنْطَاكِيَةَ، وَمَلَكَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ جَهِيرٍ دِيَارَ بَكْرٍ، ضَعُفَ الْفَلَادْرُوسُ عَنْ إِقَامَةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ حِصْنُ زِيَادٍ مِنَ الْمِيرَةِ وَالْإِقَامَةِ، فَأَخَذَهُ جَبْقُ، وَأَسْلَمَ الْفَلَادْرُوسُ عَلَى يَدِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَأَمَّرَهُ عَلَى الرُّهَا، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ وَأَخَذَهَا الْأَمِيرُ بَزَّانُ بَعْدَهُ.
وَكَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ حِصْنِ زِيَادٍ حِصْنٌ آخَرُ بِيَدِ إِنْسَانٍ مِنَ الرُّومِ اسْمُهُ إِفْرِنْجِيُّ، وَكَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَيُكْثِرُ قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جَبْقُ هَدِيَّةً، وَخَطَبَ إِلَيْهِ مَوَدَّتَهُ، وَأَنْ يُعِينَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَكَانَ جَبْقُ يُعِينُ إِفْرِنْجِيَّ عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إِفْرِنْجِيُّ يُعِينَ جَبْقَ، فَلَمَّا وَثَقَ كُلُّ وَاحِدٍ بِصَاحِبِهِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ جَبْقُ: إِنِّي أُرِيدُ قَصْدَ بَعْضِ الْأَمَاكِنِ، وَطَلَبَ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ أَصْحَابَهُ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَارُوا مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ تَقَدَّمَ بِكَتِفِهِمْ، وَحَمَلَهُمْ إِلَى قَلْعَةِ إِفْرِنْجِيَّ، وَقَالَ لِأَهْلِيهِمْ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تُسَلِّمُوا إِلَيَّ إِفْرِنْجِيَّ لَأَضْرِبَنَّ أَعْنَاقَهُمْ، وَلَآخُذَنَّ الْحِصْنَ عَنْوَةً، وَلَأَقْتُلَنَّكُمْ عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ. فَفَتَحُوا لَهُ الْحِصْنَ، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ إِفْرِنْجِيَّ، فَسَلَخَهُ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ وَسِلَاحَهُ، وَكَانَ عَظِيمًا، وَمَاتَ جَبْقُ، فَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ.
ذِكْرُ قَتْلِ قِلْجِ أَرْسِلَانَ وَمُلْكِ جَاوْلِي الْمَوْصِلِ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قِلْجِ أَرْسِلَانَ لَمَّا وَصَلَ إِلَى نَصِيبِينَ سَارَ جَاوْلِي عَنِ الْمَوْصِلِ إِلَى
стр. 5064
سِنْجَارَ، ثُمَّ إِلَى الرَّحْبَةِ، فَوَصَلَهَا فِي رَجَبٍ، وَحَصَرَهَا إِلَى الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا يُعْرَفُ بِمُحَمَّدِ بْنِ السَّبَّاقِ، وَهُوَ مَنْ بَنِي شَيْبَانَ، رَتَّبَهُ بِهَا الْمَلِكُ دُقَاقُ لَمَّا فَتَحَهَا، وَأَخَذَ وَلَدَهُ رَهِينَةً، وَحَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى دِمَشْقَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَرْسَلَ هَذَا الشَّيْبَانِيُّ قَوْمًا سَرَقُوا وَلَدَهُ وَحَمَلُوهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ خَلَعَ الطَّاعَةَ لِلدِّمَشْقِيِّينَ، وَخَطَبَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِقِلْجِ أَرْسِلَانَ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا جَاوْلِي وَحَصَرَهَا، أَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ رِضْوَانَ يُعَرِّفُهُ أَنَّهُ عَلَى الِاجْتِمَاعِ بِهِ وَمُسَاعَدَتِهِ عَلَى مَنْ يُحَارِبُهُ، وَيَشْرُطُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِذَا تَسَلَّمَ الْبِلَادَ سَارَ مَعَهُ لِيَكْشِفَ الْفِرِنْجَ عَنْ بِلَادِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ بَيْنَهُمَا حَضَرَ عِنْدَهُ رِضْوَانُ، فَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأُمُورُ.
وَاتَّفَقَ جَمَاعَةٌ كَانُوا بِأَحَدِ الْأَبْرَاجِ، وَأَرْسَلُوا إِلَى جَاوْلِي، وَاسْتَحْلَفُوهُ عَلَى حِفْظِهِمْ وَحِرَاسَتِهِمْ، وَأَمَرُوهُ أَنْ يَقْصِدَ الْبُرْجَ الَّذِي هُمْ فِيهِ عِنْدَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَرَفَعَ مَنْ فِي الْبُرْجِ أَصْحَابَهُ إِلَيْهِمْ فِي الْحِبَالِ، فَضَرَبُوا بُوقَاتِهِمْ وَطُبُولَهُمْ، فَخُذِلَ مَنْ فِي الْبَلَدِ، وَدَخَلَ أَصْحَابُ جَاوْلِي فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَنَهَبُوهُ إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَفْعِ النَّهْبِ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ الشَّيْبَانِيُّ صَاحِبُ الْبَلَدِ، وَأَطَاعَهُ، وَصَارَ مَعَهُ.
ثُمَّ إِنَّ قِلْجَ أَرْسِلَانَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْمَوْصِلِ سَارَ عَنْهَا إِلَى جَاوْلِي سَقَاوُو لِيُحَارِبَهُ، وَجَعَلَ ابْنَهُ مَلِكْشَاهْ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ، وَعُمْرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَعَهُ أَمِيرٌ يُدَبِّرُهُ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَكَانَتْ عِدَّةُ عَسْكَرِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ فَارِسٍ بِالْعُدَّةِ الْكَامِلَةِ وَالْخَيْلِ الْجَيِّدَةِ.
وَسَمِعَ الْعَسْكَرُ بِقُوَّةِ جَاوْلِي، فَاخْتَلَفُوا، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ خَالَفَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَنَّالَ، صَاحِبُ آمِدَ، فَإِنَّهُ فَارَقَ خِيَامَهُ وَأَثْقَالَهُ وَعَادَ مِنَ الْخَابُورِ إِلَى بَلَدِهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ، وَعَمِلَ قِلْجُ أَرْسِلَانُ عَلَى الْمُطَاوَلَةِ لَمَّا بَلَغَهُ مِنْ قُوَّةِ جَاوْلِي وَكَثْرَةِ جُمُوعِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بِلَادِهِ يَطْلُبُ عَسْكَرَهُ لِأَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ مَلِكِ الرُّومِ نَجْدَةً لَهُ عَلَى قِتَالِ الْفِرِنْجِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْخَابُورِ بَلَغَتْ عِدَّتُهُ خَمْسَةَ آلَافٍ. وَكَانَ مَعَ جَاوْلِي أَرْبَعَةُ آلَافٍ، مِنْ جُمْلَتِهِمُ الْمَلِكُ رِضْوَانُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ عَسْكَرِهِ، إِلَّا أَنَّ شُجْعَانَهُ أَكْثَرُ، وَاغْتَنَمَ جَاوْلِي قِلَّةَ عَسْكَرِ قِلْجِ أَرْسِلَانَ، فَقَاتَلَهُ قَبْلَ وُصُولِ عَسَاكِرِهِ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَحَمَلَ قِلْجُ أَرْسِلَانَ عَلَى الْقَوْمِ بِنَفْسِهِ، حَتَّى خَالَطَهُمْ، فَضَرَبَ يَدَ صَاحِبِ الْعَلَمِ فَأَبَانَهَا، وَوَصَلَ إِلَى جَاوْلِي بِنَفْسِهِ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ،
стр. 5065
فَقَطَعَ الْكُزَاغَنْدَ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى بَدَنِهِ، وَحَمَلَ أَصْحَابُ جَاوْلِي عَلَى أَصْحَابِهِ فَهَزَمُوهُمْ، وَاسْتَبَاحُوا ثَقَلَهُمْ وَسَوَادَهُمْ. فَلَمَّا رَأَى قِلْجُ أَرْسِلَانَ انْهِزَامَ عَسْكَرِهِ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ أُسِرَ فُعِلَ بِهِ فِعْلُ مَنْ لَمْ يَتْرُكْ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا، لَا سِيَّمَا وَقَدْ نَازَعَ السُّلْطَانَ فِي بِلَادِهِ، وَاسْمَ السَّلْطَنَةِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْخَابُورِ، وَحَمَى نَفْسَهُ، مِنْ أَصْحَابِ جَاوْلِي بِالنُّشَّابِ، فَانْحَدَرَ بِهِ الْفَرَسُ إِلَى مَاءٍ عَمِيقٍ فَغَرِقَ، وَظَهَرَ بَعْدَ عِدَّةِ أَيَّامٍ فَدُفِنَ بِالشَّمْسَانِيَّةِ وَهِيَ مِنْ قُرَى الْخَابُورِ.
وَسَارَ جَاوْلِي إِلَى الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا فَتَحَ أَهْلُهَا لَهُ بَابَهَا، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مَنْ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ قِلْجِ أَرْسِلَانَ مِنْ مَنْعِهِمْ، وَنَزَلَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَأُخِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ جَكَرْمِشَ الَّذِينَ حَضَرُوا الْوَقْعَةَ مَعَ قِلْجِ أَرْسِلَانَ إِلَى جِهَةٍ، فَلَمَّا مَلَكَ جَاوْلِي الْمَوْصِلَ أَعَادَ خُطْبَةَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَصَادَرَ جَمَاعَةَ مَنْ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ جَكَرْمِشَ، وَسَارَ إِلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَبِهَا حَبَشِيُّ بْنُ جَكَرْمِشَ، وَمَعَهُ أَمِيرٌ مِنْ غِلْمَانِ أَبِيهِ اسْمُهُ غَزْغَلِي، فَحَصَرَهُ مُدَّةً، ثُمَّ إِنَّهُمْ صَالَحُوهُ، وَحَمَلُوا إِلَيْهِ سِتَّةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَغَيْرَهَا مِنَ الدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ، وَرَحَلَ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَرْسَلَ مَلِكْشَاهْ بْنَ قِلْجِ أَرْسِلَانَ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ.
ذِكْرُ أَحْوَالِ الْبَاطِنِيَّةِ وَقَتْلِ ابْنِ عَطَّاشٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ الْقَلْعَةَ الَّتِي كَانَ الْبَاطِنِيَّةُ مَلَكُوهَا بِالْقُرْبِ مِنْ أَصْبَهَانَ، وَاسْمُهَا شَاهْ دَزْ، وَقُتِلَ صَاحِبُهَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَطَّاشٍ، وَوَلَدُهُ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْقَلْعَةُ قَدْ بَنَاهَا مَلِكْشَاهْ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا بَعْدَهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَطَّاشٍ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ اتَّصَلَ بِدَزْدَارٍ كَانَ لَهَا، فَلَمَّا مَاتَ اسْتَوْلَى أَحْمَدُ عَلَيْهَا، وَكَانَ الْبَاطِنِيَّةُ بِأَصْبَهَانَ قَدْ أَلْبَسُوهُ تَاجًا، وَجَمَعُوا لَهُ أَمْوَالًا، وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ لِتَقَدُّمِ أَبِيهِ
стр. 5066
عَبْدَ الْمَلِكِ فِي مَذْهَبِهِمْ، فَإِنَّهُ كَانَ أَدِيبًا بَلِيغًا، حَسَنَ الْخَطِّ، سَرِيعَ الْبَدِيهَةِ، عَفِيفًا، وَابْتُلِيَ بِحُبِّ هَذَا الْمَذْهَبِ، وَكَانَ ابْنُهُ أَحْمَدُ هَذَا جَاهِلًا لَا يَعْرِفُ شَيْئًا، وَقِيلَ لِابْنِ الصَّبَّاحِ، صَاحِبِ قَلْعَةِ أَلَمَوْتَ: لِمَاذَا تُعَظِّمُ ابْنَ عَطَّاشٍ مَعَ جَهْلِهِ؟ قَالَ: لِمَكَانِ أَبِيهِ، لِأَنَّهُ كَانَ أُسْتَاذِي.
وَصَارَ لِابْنِ عَطَّاشٍ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَبَأْسٌ شَدِيدٌ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ بِالْقَلْعَةِ، فَكَانَ يُرْسِلُ أَصْحَابَهُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ مَنْ قَدَرُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا لَا يُمْكِنُ إِحْصَاؤُهُمْ، وَجَعَلُوا لَهُ عَلَى الْقُرَى السُّلْطَانِيَّةِ وَأَمَّلَاكِ النَّاسِ ضَرَائِبَ يَأْخُذُونَهَا لِيَكَفُّوا عَنْهَا الْأَذَى، فَتَعَذَّرَ بِذَلِكَ انْتِفَاعُ السُّلْطَانِ بِقُرَاهُ، وَالنَّاسُ بِأَمْلَاكِهِمْ، وَتَمَشَّى لَهُمُ الْأَمْرُ بِالْخُلْفِ الْوَاقِعِ بَيْنَ السُّلْطَانَيْنِ بَرْكِيَارُقَ وَمُحَمَّدٍ.
فَلَمَّا صَفَتِ السَّلْطَنَةُ لِمُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مُنَازِعٌ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَمْرٌ أَهَمَّ مِنْ قَصْدِ الْبَاطِنِيَّةِ وَحَرْبِهِمْ، وَالِانْتِصَافِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ جَوْرِهِمْ وَعَسْفِهِمْ، فَرَأَى الْبِدَايَةَ بِقَلْعَةِ أَصْبَهَانَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، لِأَنَّ الْأَذَى بِهَا أَكْثَرُ، وَهِيَ مُتَسَلِّطَةٌ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ فَحَاصَرَهُمْ فِي سَادِسِ شَعْبَانَ.
وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ أَوَّلَ رَجَبٍ، فَسَاءَ ذَلِكَ مَنْ يَتَعَصَّبُ لَهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَأَرْجَفُوا أَنَّ قِلْجَ أَرْسِلَانَ بْنَ سُلَيْمَانَ قَدْ وَرَدَ بَغْدَاذَ وَمَلَكَهَا، وَافْتَعَلُوا فِي ذَلِكَ مُكَاتَبَاتٍ، ثُمَّ أَظْهَرُوا أَنَّ خَلَلًا قَدْ تَجَدَّدَ بِخُرَاسَانَ، فَتَوَقَّفَ السُّلْطَانُ لِتَحْقِيقِ الْأَمْرِ، فَلَمَّا ظَهَرَ بُطْلَانُهُ عَزَمَ عَزِيمَةَ مِثْلِهِ، وَقَصَدَ حَرْبَهُمْ، وَصَعِدَ جَبَلًا يُقَابِلُ الْقَلْعَةَ مِنْ غَرْبِيِّهَا، وَنُصِبَ لَهُ التَّخْتُ فِي أَعْلَاهُ، وَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ أَصْبَهَانَ وَسَوَادِهَا لِحَرْبِهِمُ الْأُمَمُ الْعَظِيمَةُ لِلذُّحُولِ الَّتِي يُطَالِبُونَهُمْ بِهَا.
وَأَحَاطُوا بِجَبَلِ الْقَلْعَةِ وَدُورُهُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ، وَرَتَّبَ الْأُمَرَاءَ لِقِتَالِهِمْ، فَكَانَ يُقَاتِلُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ أَمِيرٌ، فَضَاقَ الْأَمْرُ بِهِمْ، وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ، وَتَعَذَّرَتْ عِنْدَهُمُ الْأَقْوَاتُ.
فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ كَتَبُوا فَتْوَى فِيهَا: مَا يَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ فِي
стр. 5067
قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَإِنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، ﷺ ، حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَإِنَّمَا يُخَالِفُونَ فِي الْإِمَامِ: هَلْ يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ مُهَادَنَتُهُمْ وَمُوَادَعَتُهُمْ، وَأَنْ يَقْبَلَ طَاعَتَهُمْ، وَيَحْرُسَهُمْ مِنْ كُلِّ أَذًى؟ فَأَجَابَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ، فَجُمِعُوا لِلْمُنَاظَرَةِ، وَمَعَهُمْ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَنْجَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَالَ، بِمَحْضَرٍ مِنَ النَّاسِ، يَجِبُ قِتَالُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ بِمَكَانِهِمْ، وَلَا يَنْفَعُهُمُ التَّلَفُّظُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِنَّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا عَنْ إِمَامِكُمْ، إِذَا أَبَاحَ لَكُمْ مَا حَظَرَهُ الشَّرْعُ، أَوْ حَظَرَ عَلَيْكُمْ مَا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ أَتَقْبَلُونَ أَمْرَهُ؟ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ نَعَمْ، وَحِينَئِذٍ تُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ. وَطَالَتِ الْمُنَاظَرَةُ فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ الْبَاطِنِيَّةَ سَأَلُوا السُّلْطَانَ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يُنَاظِرُهُمْ، وَعَيَّنُوا عَلَى أَشْخَاصٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ صَاعِدُ بْنُ يَحْيَى، شَيْخُ الْحَنَفِيَّةِ بأَصْبَهَانَ، وَقَاضِيهَا، وَغَيْرُهُ، فَصَعِدُوا إِلَيْهِمْ وَنَاظَرُوهُمْ، وَعَادُوا كَمَا صَعِدُوا. وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمُ التَّعَلُّلَ وَالْمُطَاوَلَةَ، فَلَجَّ حِينَئِذٍ السُّلْطَانُ فِي حَصْرِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا عَيْنَ الْمُحَاقَّةِ، أَذْعَنُوا إِلَى تَسْلِيمِ الْقَلْعَةِ عَلَى أَنْ يُعْطَوْا عِوَضًا عَنْهَا قَلْعَةَ خَالِنْجَانَ، وَهِيَ عَلَى سَبْعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ أَصْبَهَانَ، وَقَالُوا: إِنَّا نَخَافُ عَلَى دِمَائِنَا وَأَمْوَالِنَا مِنَ الْعَامَّةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَكَانٍ نَحْتَمِي بِهِ مِنْهُمْ، فَأُشِيرَ عَلَى السُّلْطَانِ بِإِجَابَتِهِمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، فَسَأَلُوا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ إِلَى النَّوْرُوزِ لِيَرْحَلُوا إِلَى خَالِنْجَانَ وَيُسَلِّمُوا قَلْعَتَهُمْ، وَشَرَطُوا أَنْ لَا يَسْمَعَ قَوْلَ مُتَنَصِّحٍ فِيهِمْ، وَإِنْ قَالَ أَحَدٌ عَنْهُمْ شَيْئًا سَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّ مَا أَتَاهُ مِنْهُمْ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ، وَطَلَبُوا أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْإِقَامَةِ مَا يَكْفِيهِمْ يَوْمًا بِيَوْمٍ، فَأُجِيبُوا إِلَيْهِ فِي كُلِّ هَذَا، وَقَصْدُهُمُ الْمُطَاوَلَةُ انْتِظَارًا لَفَتْقٍ أَوَحَادَثٍ يَتَجَدَّدُ.
وَرَتَّبَ لَهُمْ وَزِيرُ السُّلْطَانِ سَعْدُ الْمُلْكِ مَا يُحْمَلُ إِلَيْهِمْ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الطَّعَامِ وَالْفَاكِهَةِ، وَجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، فَجَعَلُوا هُمْ يُرْسِلُونَ، وَيَبْتَاعُونَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ مَا يَجْمَعُونَهُ لِيَمْتَنِعُوا فِي قَلْعَتِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ وَضَعُوا مِنْ أَصْحَابِهِمْ مَنْ يَقْتُلُ أَمِيرًا كَانَ يُبَالِغُ فِي قِتَالِهِمْ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ وَجَرَحُوهُ، وَسَلِمَ مِنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِإِخْرَابِ قَلْعَةِ
стр. 5068
خَالِنْجَانَ، وَجَدَّدَ الْحِصَارَ عَلَيْهِمْ، فَطَلَبُوا أَنْ يَنْزِلَ بَعْضُهُمْ، وَيُرْسِلَ السُّلْطَانُ مَعَهُمْ مَنْ يَحْمِيهِمْ إِلَى أَنْ يَصِلُوا إِلَى قَلْعَةِ النَّاظِرِ بِأَرَّجَانَ، وَهِيَ لَهُمْ، وَيَنْزِلُ بَعْضُهُمْ، وَيُرْسِلُ مَعَهُمْ مَنْ يُوَصِّلُهُمْ إِلَى طَبَسَ، وَأَنْ يُقِيمَ الْبَقِيَّةُ مِنْهُمْ فِي ضِرْسٍ مِنَ الْقَلْعَةِ، إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يُخْبِرُهُمْ بِوُصُولِ أَصْحَابِهِمْ، فَيَنْزِلُونَ حِينَئِذٍ، وَيُرْسِلُ مَعَهُمْ مَنْ يُوَصِّلُهُمْ إِلَى ابْنِ الصَّبَّاحِ بِقَلْعَةِ أَلَمَوْتَ، فَأَجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ، فَنَزَلَ مِنْهُمْ إِلَى النَّاظِرِ، وَإِلَى طَبَسَ، وَسَارُوا، وَتَسَلَّمَ السُّلْطَانُ الْقَلْعَةَ وَخَرَّبَهَا.
ثُمَّ إِنَّ الَّذِينَ سَارُوا إِلَى قَلْعَةِ النَّاظِرِ وَطَبَسَ وَصَلَ مِنْهُمْ مَنْ أَخْبَرَ ابْنَ عَطَّاشٍ بِوُصُولِهِمْ، فَلَمْ يُسَلِّمِ السِّنَّ الَّذِي بَقِيَ بِيَدِهِ، وَرَأَى السُّلْطَانُ مِنْهُ الْغَدْرَ، وَالْعَوْدَ عَنِ الَّذِي قَرَّرَهُ، فَأَمَرَ بِالزَّحْفِ إِلَيْهِ، فَزَحَفَ النَّاسُ عَامَّةً ثَانِيَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَكَانَ قَدْ قَلَّ عِنْدَهُ مَنْ يَمْنَعُ وَيُقَاتِلُ، فَظَهَرَ مِنْهُمْ صَبْرٌ عَظِيمٌ، وَشُجَاعَةٌ زَائِدَةٌ، وَكَانَ قَدِ اسْتَأْمَنَ إِلَى السُّلْطَانِ إِنْسَانٌ مِنْ أَعْيَانِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي أَدُلُّكُمْ عَلَى عَوْرَةٍ لَهُمْ، فَأَتَى بِهِمْ إِلَى جَانِبٍ لِذَلِكَ السِّنِّ لَهُمْ لَا يُرَامُ، فَقَالَ لَهُمْ: اصْعَدُوا مِنْ هَاهُنَا، فَقِيلَ إِنَّهُمْ قَدْ ضَبَطُوا هَذَا الْمَكَانَ وَشَحَنُوهُ بِالرِّجَالِ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَرَوْنَ أَسْلِحَةٌ وَكُزَاغَنْدَاتٌ قَدْ جَعَلُوهَا كَهَيْئَةِ الرِّجَالِ لِقِلَّتِهِمْ عِنْدَهُمْ.
وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ بَقِيَ ثَمَانِينَ رَجُلًا، فَزَحَفَ النَّاسُ مِنْ هُنَاكَ، فَصَعِدُوا مِنْهُ وَمَلَكُوا الْمَوْضِعَ، وَقُتِلَ أَكْثَرُ الْبَاطِنِيَّةِ، وَاخْتَلَطَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مَعَ مَنْ دَخَلَ، فَخَرَجُوا مَعَهُمْ، وَأَمَّا ابْنُ عَطَّاشٍ فَإِنَّهُ أُخِذَ أَسِيرًا، فَتُرِكَ أُسْبُوعًا، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَشُهِّرَ فِي جَمِيعِ الْبَلَدِ، وَسُلِخَ جِلْدُهُ، فَتَجَلَّدَ حَتَّى مَاتَ، وَحُشِيَ جِلْدُهُ تِبْنًا، وَقُتِلَ وَلَدُهُ، وَحُمِلَ رَأْسَاهُمَا إِلَى بَغْدَاذَ، وَأَلْقَتْ زَوْجَتُهُ نَفْسَهَا مِنْ رَأْسِ الْقَلْعَةِ فَهَلَكَتْ، وَكَانَ مَعَهَا جَوَاهِرُ نَفِيسَةٌ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهَا، فَهَلَكَتْ أَيْضًا وَضَاعَتْ، وَكَانَتْ مُدَّةُ الْبَلْوَى بِابْنِ عَطَّاشٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
ذِكْرُ الْخُلْفِ بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةَ وَمُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ صَاحِبِ الْبَطِيحَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ اخْتَلَفَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ بْنُ مَزْيَدٍ، وَمُهَذَّبُ الدَّوْلَةِ السَّعِيدُ بْنُ أَبِي
стр. 5069
الْجَبْرِ، صَاحِبُ الْبَطِيحَةِ، وَانْضَافَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي الْجَبْرِ إِلَى صَدَقَةَ، وَأَظْهَرَ مُعَادَاةَ ابْنِ عَمِّهِ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ اتَّفَقُوا.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صَدَقَةَ لَمَّا أَقْطَعَهُ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ مَدِينَةَ وَاسِطَ ضَمِنَهَا مِنْهُ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ، وَاسْتَنَابَ فِي الْأَعْمَالِ أَوْلَادَهُ وَأَصْحَابَهُ، فَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ، وَفَرَّطُوا فِيهَا، وَفَرَّقُوهَا، فَلَمَّا انْقَضَتِ السَّنَةُ طَالَبَهُ صَدَقَةُ بِالْمَالِ، وَحَبَسَهُ، ثُمَّ سَعَى فِي خَلَاصِهِ بَدْرَانُ بْنُ صَدَقَةَ، وَهُوَ صِهْرُ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْحَبْسِ وَأَعَادَهُ إِلَى بَلَدِهِ الْبَطِيحَةِ وَضَمِنَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي الْجَبْرِ وَاسِطَ، فَانْحَلَّ عَلَى مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ كَثِيرٌ مِنْ أَمْرِهِ، فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى الِاخْتِلَافِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ، فَإِنَّ الْمُصْطَنَعَ إِسْمَاعِيلَ، جَدَّ حَمَّادٍ، وَالْمُخْتَصَّ مُحَمَّدًا، وَالِدَ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ، أَخَوَانِ، وَهُمَا ابْنَا أَبِي الْجَبْرِ، وَكَانَتْ إِلَيْهِمَا رِئَاسَةُ أَهْلِهِمَا وَجَمَاعَتِهِمَا، فَهَلَكَ الْمُصْطَنَعُ، وَقَامَ ابْنُهُ أَبُو السَّيِّدِ الْمُظَفَّرُ وَالِدُ حَمَّادٍ مَقَامَهُ وَهَلَكَ الْمُخْتَصُّ مُحَمَّدٌ، وَقَامَ ابْنُهُ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ مَقَامَهُ، وَصَارَا يَتَنَازَعَانِ ابْنَ الْهَيْثَمِ، صَاحِبَ الْبَطِيحَةِ، وَيُقَاتِلَانِهِ إِلَى أَنْ أَخَذَهُ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ، أَيَّامَ كُوهْرَائِينَ، وَسَلَّمَهُ إِلَى كُوهْرَائِينَ، فَحَمَلَهُ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَهَلَكَ فِي طَرِيقِهَا. فَعَظُمَ أَمْرُ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ، وَصَيَّرَهُ كُوهَرَائِينُ أَمِيرُ الْبَطِيحَةِ، فَصَارَ ابْنُ عَمِّهِ وَجَمَاعَةٌ تَحْتَ حُكْمِهِ، وَكَانَ حَمَّادٌ شَابًّا فَأَكْرَمَهُ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ، وَزَوَّجَهُ بِنْتًا لَهُ، وَزَادَ فِي إِقْطَاعِهِ، فَكَثُرَ مَالُهُ، فَصَارَ يَحْسُدُ مُهَذِّبَ الدَّوْلَةِ، وَيُضْمِرُ بُغْضَهُ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَكَانَ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ يُدَارِيهِ بِجُهْدِهِ، فَلَمَّا هَلَكَ كُوهَرَائِينُ انْتَقَلَ حَمَّادٌ عَنْ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ، وَأَظْهَرَ مَا فِي نَفْسِهِ، فَاجْتَهَدَ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ فِي إِعَادَتِهِ إِلَى مَا كَانَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَسَكَتَ عَنْهُ، فَجَمَعَ النَّفِيسُ بْنُ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ جَمْعًا وَقَصَدَ حَمَّادًا، فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِالْحِلَّةِ، فَأَعَادَهُ صَدَقَةُ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجُنْدِ، فَحَشَدَ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ، فَأَرْسَلَ حَمَّادٌ إِلَى صَدَقَةَ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ كَثِيرًا مِنَ الْجُنْدِ، فَقَوَّى عَزْمَ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْمُحَارَبَةِ لِئَلَّا يُظَنَّ بِهِ الْعَجْزُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ بِتَرْكِ الْخُرُوجِ مِنْ مَوْضِعِهِ لِحَصَانَتِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَسَيَّرَ سُفُنَهُ وَأَصْحَابَهُ فِي الْأَنْهُرِ، فَجَعَلَ حَمَّادٌ وَأَخُوهُ لَهُ الْكُمَنَاءَ، وَانْدَفَعُوا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، فَطَمِعَ أَصْحَابُ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ وَتَبِعُوهُمْ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْكُمَنَاءُ، فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ
стр. 5070
إِلَّا مَنْ لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَأَسَرَ خَلْقًا كَثِيرًا، فَقَوِيَ طَمَعُ حَمَّادٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى صَدَقَةَ يَسْتَنْجِدُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُقَدَّمَ جَيْشِهِ سَعِيدَ بْنَ حُمَيْدٍ الْعُمَرِيَّ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُقَدَّمِينَ، وَجَمَعُوا السُّفُنَ لِيُقَاتِلُوا مُهَذِّبَ الدَّوْلَةِ، فَرَأَوْا أَمْرًا مُحْكَمًا، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الدُّخُولُ إِلَيْهِ.
وَكَانَ حَمَّادٌ بَخِيلًا، وَمُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ جَوَادًا، فَأَرْسَلَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ حُمَيْدٍ الْإِقَامَاتِ الْوَافِرَةَ، وَالصِّلَاتِ الْكَثِيرَةَ، وَاسْتَمَالَهُ، فَمَالَ إِلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ بِهِ، وَتَقَرَّرَ الْأَمْرُ عَلَى أَنْ أَرْسَلَ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ ابْنَهُ النَّفِيسَ إِلَى صَدَقَةَ، فَرَضِيَ عَنْهُ، وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ حَمَّادٍ ابْنِ عَمِّهِمْ، وَعَادُوا إِلَى حَالٍ حَسَنَةٍ مِنَ الِاتِّفَاقِ، وَكَانَ صُلْحُهُمْ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسِمِائَةٍ.
ذِكْرُ قَتَلِ وَزِيرِ السُّلْطَانِ وَوِزَارَةِ أَحْمَدَ بْنِ نِظَامِ الْمُلْكِ
فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ عَلَى وَزِيرِهِ سَعْدِ الْمُلْكِ أَبِي الْمَحَاسِنِ، وَأَخَذَ مَالَهُ، وَصَلَبَهُ عَلَى بَابِ أَصْبَهَانَ، وَصَلَبَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِهِ وَالْمُنْتَمِينَ إِلَيْهِ، أَمَّا الْوَزِيرُ فَنُسِبَ إِلَى خِيَانَةِ السُّلْطَانِ، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ فَنُسِبُوا إِلَى اعْتِقَادِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِزَارَتِهِ سَنَتَيْنِ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ فِي ابْتِدَاءِ حَالِهِ يَصْحَبُ تَاجَ الْمُلْكِ أَبَا الْغَنَائِمِ، وَتَعَطَّلَ بَعْدَهُ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ مُؤَيِّدُ الْمُلْكِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، فَجَعَلَهُ عَلَى دِيوَانِ الِاسْتِيفَاءِ، وَخَدَمَ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا لَمَّا حَصَرَهُ أَخُوهُ السُّلْطَانُ بُرْكِيارُقَ بَأَصْبَهَانَ خِدْمَةً حَسَنَةً، وَلَمَّا فَارَقَهَا مُحَمَّدٌ حَفِظَهَا الْحِفْظَ التَّامَّ، وَقَامَ الْمَقَامَ الْعَظِيمَ، فَاسْتَوْزَرَهُ مُحَمَّدٌ، وَوَسَّعَ لَهُ فِي الْإِقْطَاعِ، وَحَكَّمَهُ فِي دَوْلَتِهِ، ثُمَّ نَكَبَهُ، وَهَذَا آخِرُ خِدْمَةِ الْمُلُوكِ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ: أَنْعَمُ النَّاسِ عَيْشًا مَنْ لَهُ مَا يَكْفِيهِ، وَزَوْجَةٌ تُرْضِيهِ، وَلَا يَعْرِفُ أَبْوَابَنَا هَذِهِ الْخَبِيثَةَ فَتُؤْذِيَهُ.
وَلَمَّا قُبِضَ الْوَزِيرُ اسْتَشَارَ السُّلْطَانُ فِي مَنْ يَجْعَلُهُ وَزِيرًا، فَذُكِرَ لَهُ جَمَاعَةٌ، فَقَالَ السُّلْطَانُ: إِنَّ آبَائِي دَرُّوا عَلَى نِظَامِ الْمُلْكِ الْبَرَكَةَ، وَلَهُمْ عَلَيْهِ الْحَقُّ الْكَثِيرُ، وَأَوْلَادُهُ أَغْذِيَاءُ نِعْمَتِنَا، وَلَا مَعْدِلَ عَنْهُمْ. فَأَمَرَ لِأَبِي نَصْرٍ أَحْمَدَ هَذَا بِالْوِزَارَةِ، وَلُقِّبَ أَلْقَابَ أَبِيهِ: قِوَامُ الدِّينِ، نِظَامُ الْمُلْكِ، صَدْرُ الْإِسْلَامِ.
وَكَانَ سَبَبُ قُدُومِهِ إِلَى بَابِ السُّلْطَانِ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى انْقِرَاضَ دَوْلَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ لَزِمَ
стр. 5071
دَارَهُ بِهَمَذَانَ، فَاتَّفَقَ أَنَّ رَئِيسَ هَمَذَانَ، وَهُوَ الشَّرِيفُ أَبُو هَاشِمٍ، آذَاهُ، فَسَارَ إِلَى السُّلْطَانِ شَاكِيًا مِنْهُ وَمُتَظَلِّمًا، فَقَبَضَ السُّلْطَانُ عَلَى الْوَزِيرِ، وَأَحْمَدَ هَذَا فِي الطَّرِيقِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ ذَكَرَهُ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خُلَعَ الْوِزَارَةِ، وَحَكَّمَهُ وَمَكَّنَهُ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَهَذَا مِنَ الْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ، فَإِنَّهُ حَضَرَ شَاكِيًا، فَصَارَ حَاكِمًا.
ذِكْرُعِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، عُزِلَ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ جَهِيرٍ، وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ، فَقَصَدَ دَارَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ (صَدَقَةَ بَبَغْدَاذَ) (مُلْتَجِئًا إِلَيْهَا، وَكَانَتْ مَلْجَأً لِكُلِّ مَلْهُوفٍ) ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ صَدَقَةُ مَنْ أَخَذَهُ إِلَيْهِ إِلَى الْحِلَّةِ، وَكَانَتْ وِزَارَتُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِنَقْضِ دَارِهِ الَّتِي بِبَابِ الْعَامَّةِ، وَفِيهَا عِبْرَةٌ، فَإِنَّ أَبَاهُ أَبَا نَصْرِ بْنَ جَهِيرٍ بَنَاهَا بِأَنْقَاضِ أَمْلَاكِ النَّاسِ، وَأَخَذَ بِسَبَبِهَا أَكْثَرَ مَا دَخَلَ فِيهَا، فَخَرِبَتْ عَنْ قَرِيبٍ.
وَلَمَّا عُزِلَ اسْتُنِيبَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الدَّامَغَانِيِّ، ثُمَّ تَقَرَّرَتِ الْوِزَارَةُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِمِائَةٍ لِأَبِي الْمَعَالِي هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ فِيهِ.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا فِي شَوَّالٍ، تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ أَبُو الْفَوَارِسِ سُرْخَابُ بْنُ بَدْرِ بْنِ مُهَلْهَلٍ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي الشَّوْكِ الْكُرْدِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَخُيُولٌ لَا تُحْصَى، وَوَلِيَ الْإِمْرَةَ بَعْدَهُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ بَدْرٍ، وَقَامَ مَقَامَهُ، وَبَقِيَتِ الْإِمَارَةُ فِي بَيْتِهِ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
стр. 5072
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْحَدَّادُ الْأَصْبَهَانِيُّ ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ مُكْثِرًا مِنَ الْحَدِيثِ، مَشْهُورًا بِالرِّوَايَةِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّرَّاجُ الْبَغْدَاذِيُّ فِي صَفَرٍ، وَهُوَ مُكْثِرٌ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ، وَأَشْعَارٌ لَطِيفَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الزَّمَانِ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَبُو مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ، الْفَقِيهُ، وَلِيَ التَّدْرِيسَ بِالنِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَاذَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ يَرْوِي الْحَدِيثَ أَيْضًا.
وَأَبُو الْحَسَنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ الصَّيْرَفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الطُّيُورِيِّ الْبَغْدَاذِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ مُكْثِرًا مِنَ الْحَدِيثِ ثِقَةً صَالِحًا عَابِدًا، وَأَبُو الْكَرَمِ الْمُبَارَكُ بْنُ الْفَاخِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ النَّحْوِيُّ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وَالْجَوْهَرِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ إِمَامًا فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ.
стр. 5073
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِمِائَة]
٥٠١ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ قَتْلِ صَدَقَةَ بْنِ مَزْيَدٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، قُتِلَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ الْأَسَدِيُّ، أَمِيرُ الْعَرَبِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْحِلَّةَ السَّيْفِيَّةَ بِالْعِرَاقِ، وَكَانَ قَدْ عَظُمَ شَأْنُهُ، وَعَلَا قَدْرُهُ، وَاتَّسَعَ جَاهُهُ، وَاسْتَجَارَ بِهِ صِغَارُ النَّاسِ وَكِبَارُهُمْ، فَأَجَارَهُمْ.
وَكَانَ كَثِيرَ الْعِنَايَةِ بِأُمُورِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ،، وَالتَّقْوِيَةِ لِيَدِهِ، وَالشَّدِّ مِنْهُ عَلَى أَخِيهِ بُرْكِيارُقَ، حَتَّى إِنَّهُ جَاهَرَ بُرْكِيارُقَ بِالْعَدَاوَةِ، وَلَمْ يَبْرَحْ عَلَى مُصَافَاةِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَزَادَهُ مُحَمَّدٌ إِقْطَاعًا مِنْ جُمْلَتْهِ مَدِينَةُ وَاسِطَ، وَأَذِنَ لَهُ فِي أَخْذِ الْبَصْرَةِ، ثُمَّ أَفْسَدَ مَا بَيْنَهُمَا الْعَمِيدُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَلْخِيُّ، وَقَالَ فِي جُمْلَةِ مَا قَالَ عَنْهُ: إِنَّ صَدَقَةَ قَدْ عَظُمَ أَمْرُهُ، وَزَادَ حَالُهُ، وَكَثُرَ إِدْلَالُهُ، وَيَبْسُطُ فِي الدَّوْلَةِ حِمَايَتَهُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَفِرُّ إِلَيْهِ مِنْ عِنْدِ السُّلْطَانِ، وَهَذَا لَا تَحْتَمِلُهُ الْمُلُوكُ لِأَوْلَادِهِمْ، وَلَوْ أَرْسَلْتَ بَعْضَ أَصْحَابِكَ لَمَلَكَ بِلَادَهُ وَأَمْوَالَهُ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَدَّى ذَلِكَ حَتَّى طَعَنَ فِي اعْتِقَادِهِ، وَنَسَبَهُ وَأَهْلَ بَلَدِهِ إِلَى مَذْهَبِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَكَذَبَ، وَإِنَّمَا كَانَ مَذْهَبَهُ التَّشَيُّعُ لَا غَيْرَ، وَوَافَقَ أَرْغُونُ السَّعْدِيُّ أَبَا جَعْفَرٍ الْعَمِيدَ وَانْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَدَقَةَ، وَكَانَتْ زَوْجَةُ أَرْغُوَنَ بِالْحِلَّةِ وَأَهْلُهُ، فَلَمْ يُؤَاخِذْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ لَهُ أَيْضًا هُنَاكَ [مِنْ] بَقَايَا خَرَاجٍ بِبَلَدِهِ، فَأَمَرَ صَدَقَةُ أَنْ يَخْلُصَ ذَلِكَ إِلَيْهِ بِأَجْمَعِهِ وَيُسَلَّمَ إِلَى زَوْجَتِهِ.
стр. 5074
وَأَمَّا سَبَبُ قَتْلِهِ فَإِنَّ صَدَقَةَ كَانَ، كَمَا ذَكَرْنَا، يَسْتَجِيرُ بِهِ كُلُّ خَائِفٍ مِنْ خَلِيفَةٍ وَسُلْطَانٍ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ قَدْ سَخِطَ عَلَى أَبِي دُلَفَ سُرْخَابَ بْنِ كَيْخَسْرُو، صَاحِبِ سَاوَةَ وَآبَةَ، فَهَرَبَ مِنْهُ وَقَصَدَ صَدَقَةَ فَاسْتَجَارَ بِهِ، فَأَجَارَهُ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ يَطْلُبُ مِنْ صَدَقَةَ أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَى نُوَّابِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَجَابَ: إِنَّنِي لَا أُمَكِّنُ مِنْهُ بَلْ أُحَامِي عَنْهُ، وَأَقُولُ مَا قَالَهُ أَبُو طَالِبٍ لِقُرَيْشٍ لَمَّا طَلَبُوا مِنْهُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ :
وَنُسْلِمَهُ، حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ ... وَنُذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ
وَظَهَرَ مِنْهُ أُمُورٌ أَنْكَرَهَا السُّلْطَانُ، فَتَوَجَّهَ إِلَى الْعِرَاقِ لِيَتَلَافَى هَذَا الْأَمْرَ، فَلَمَّا سَمِعَ صَدَقَةُ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي الَّذِي يَفْعَلُهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ ابْنُهُ دُبَيْسٌ بِأَنْ يُنْفِذَهُ إِلَى السُّلْطَانِ وَمَعَهُ الْأَمْوَالُ، وَالْخَيْلُ، وَالتُّحَفُ، لِيَسْتَعْطِفَ لَهُ السُّلْطَانَ، وَأَشَارَ سَعِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، صَاحِبُ جَيْشِ صَدَقَةَ، بِالْمُحَارَبَةِ، وَجَمْعِ الْجُنْدِ، وَتَفْرِيقِ الْمَالِ فِيهِمْ، وَاسْتَطَالَ فِي الْقَوْلِ، فَمَالَ صَدَقَةُ إِلَى قَوْلِهِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ عِشْرُونَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَثَلَاثُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ يُحَذِّرُهُ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ، وَيَنْهَاهُ عَنِ الْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ السُّلْطَانِ، وَيَعْرِضُ لَهُ تَوَسُّطَ الْحَالِ، فَأَجَابَ صَدَقَةُ: إِنَّنِي عَلَى طَاعَةِ السُّلْطَانِ، لَكِنْ لَا آمَنُ عَلَى نَفْسِي فِي الِاجْتِمَاعِ بِهِ، وَكَانَ الرَّسُولُ بِذَلِكَ عَنِ الْخَلِيفَةِ نَقِيبَ النُّقَبَاءِ عَلِيَّ بْنَ طَرَّادٍ الزَّيْنَبِيَّ.
ثُمَّ أَرْسَلَ السُّلْطَانُ أَقَضَى الْقُضَاةِ أَبَا سَعِيدٍ الْهَرَوِيَّ إِلَى صَدَقَةَ يُطَيِّبُ قَلْبَهُ، وَيُزِيلُ خَوْفَهُ، وَيَأْمُرُهُ بِالِانْبِسَاطِ عَلَى عَادَتِهِ، وَيُعَرِّفُهُ عَزْمَهُ عَلَى قَصْدِ الْفِرِنْجِ، وَيَأْمُرُهُ بِالتَّجَهُّزِ لِلْغُزَاةِ مَعَهُ، فَأَجَابَ: إِنَّ السُّلْطَانَ قَدْ أَفْسَدَ أَصْحَابُهُ قَلْبَهُ عَلَيَّ، وَغَيَّرُوا حَالِي مَعَهُ، وَزَالَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَقِّي مِنَ الْإِنْعَامِ، وَذَكَرَ سَالِفَ خِدْمَتِهِ وَمُنَاصَحَتِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، صَاحِبُ جَيْشِهِ: لَمْ يَبْقَ لَنَا فِي صُلْحِ السُّلْطَانِ مَطْمَعٌ، وَلَتَرَوُنَّ خُيُولَنَا بِحُلْوَانَ، وَامْتَنَعَ صَدَقَةُ مِنَ الِاجْتِمَاعِ بِالسُّلْطَانِ.
وَوَصَلَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَاذَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَمَعَهُ وَزِيرُهُ نِظَامُ الْمُلْكِ أَحْمَدُ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَسَيَّرَ الْبُرْسُقِيَّ، شِحْنَةَ بَغْدَاذَ، فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى صَرْصَرَ، فَنَزَلُوا عَلَيْهَا.
стр. 5075
وَكَانَ وُصُولُ السُّلْطَانِ، جَرِيدَةً، لَا يَبْلُغُ عَسْكَرُهُ أَلْفَيْ فَارِسٍ، فَلَمَّا تَيَقَّنَ بِبَغْدَاذَ مُكَاشَفَةَ صَدَقَةَ، أَرْسَلَ إِلَى الْأُمَرَاءِ يَأْمُرُهُمْ بِالْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَالْجِدِّ فِي السَّيْرِ، وَتَعْجِيلِ ذَلِكَ، فَوَرَدُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
ثُمَّ وَصَلَ كِتَابُ صَدَقَةَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، يَذْكُرُ أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ مَا يَرْسُمُ لَهُ وَيُقَرِّرُ مِنْ حَالِهِ مَعَ السُّلْطَانِ، وَمَهْمَا أَمَرْتَهُ مِنْ ذَلِكَ امْتَثَلَهُ، فَأَنْفَذَ الْخَلِيفَةُ الْكِتَابَ إِلَى السُّلْطَانِ، فَقَالَ السُّلْطَانُ: أَنَا مُمْتَثِلٌ مَا يَأْمُرُ بِهِ الْخَلِيفَةُ، وَلَا مُخَالَفَةَ عِنْدِي، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى صَدَقَةَ يُعَرِّفُهُ إِجَابَةَ السُّلْطَانِ إِلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ، وَيَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ ثِقَتِهِ لِيَسْتَوْثِقَ لَهُ، وَيَحْلِفَ السُّلْطَانُ عَلَى مَا يَقَعُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ. فَعَادَ (صَدَقَةُ عَنْ ذَلِكَ الرَّأْيِ، وَقَالَ: إِذَا رَحَلَ السُّلْطَانُ عَنْ بَغْدَاذَ) أَمْدَدْتُهُ بِالْمَالِ وَالرِّجَالِ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْجِهَادِ، وَأَمَّا الْآنَ وَهُوَ بِبَغْدَاذَ، وَعَسْكَرُهُ بِنَهْرِ الْمَلِكِ، فَمَا عِنْدِي مَالٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَإِنَّ جَاوْلِي سَقَّاوُو، وَإِيلْغَازِي بْنَ أُرْتُقَ، قَدْ أَرْسَلَا إِلَيَّ بِالطَّاعَةِ لِي وَالْمُوَافَقَةِ مَعِي عَلَى مُحَارَبَةِ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ، وَمَتَى أَرَدْتُهُمَا وَصَلَا إِلَيَّ (فِي عَسَاكِرِهِمَا.
وَوَرَدَ إِلَى) السُّلْطَانِ قِرْوَاشُ بْنُ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَكَرْمَاوِي بْنُ خُرَاسَانَ التُّرْكُمَانِيُّ، وَأَبُو عِمْرَانَ فَضْلُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ حَازِمِ بْنِ الْجَرَّاحِ الطَّائِيُّ، وَآبَاؤُهُ كَانُوا أَصْحَابَ الْبَلْقَاءِ وَالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ مِنْهُمْ: حَسَّانُ بْنُ الْمُفَرِّجِ الَّذِي مَدَحَهُ التِّهَامِيُّ، وَكَانَ فَضْلٌ تَارَةً مَعَ الْفِرِنْجِ، وَتَارَةً مَعَ الْمِصْرِيِّينَ، فَلَمَّا رَآهُ طُغْتِكِينُ أَتَابِكُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ طَرَدَهُ مِنَ الشَّامِ، فَلَمَّا طَرَدَهُ الْتَجَأَ إِلَى صَدَقَةَ وَعَاقَدَهُ، فَأَكْرَمَهُ صَدَقَةُ، وَأَهْدَى لَهُ هَدَايَا كَثِيرَةً مِنْهَا سَبْعَةُ آلَافِ دِينَارٍ عَيْنًا.
فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ بَيْنَ صَدَقَةَ وَالسُّلْطَانِ سَارَ فِي الطَّلَائِعِ، ثُمَّ هَرَبَ إِلَى السُّلْطَانِ، فَلَمَّا وَصَلَ خَلَعَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، وَأَنْزَلَهُ بِدَارِ صَدَقَةَ بِبَغْدَاذَ، فَلَمَّا سَارَ السُّلْطَانُ إِلَى قِتَالِ صَدَقَةَ اسْتَأْذَنَهُ فَضْلٌ فِي إِتْيَانِ الْبَرِّيَّةِ لِيَمْنَعَ صَدَقَةَ مِنَ الْهَرَبِ إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَعَبَرَ بِالْأَنْبَارِ وَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ.
وَأَنْفَذَ السُّلْطَانُ فِي جُمَادَى الْأُولَى إِلَى وَاسِطَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ بُوقَا التُّرْكُمَانِيَّ، فَأَخْرَجَ عَنْهَا نَائِبَ صَدَقَةَ، وَأَمِنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، إِلَّا أَصْحَابَ صَدَقَةَ، فَتَفَرَّقُوا، وَلَمْ يُنْهَبْ
стр. 5076
أَحَدٌ، وَأَنْفَذَ خَيْلَهُ إِلَى بَلَدِ قَوْسَانَ، وَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ صَدَقَةَ، فَنَهَبَهُ أَقْبَحَ نَهْبٍ، وَأَقَامَ عِدَّةَ أَيَّامٍ، فَأَرْسَلَ صَدَقَةُ إِلَيْهِ ثَابِتَ بْنَ سُلْطَانٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ صَدَقَةَ، وَمَعَهُ عَسْكَرٌ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا خَرَجَ مِنْهَا الْأَتْرَاكُ، وَأَقَامَ ثَابِتٌ بِهَا، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ دِجْلَةُ.
ثُمَّ إِنَّ ابْنَ بُوقَا عَبَّرَ جَمَاعَةً مِنَ الْجُنْدِ ارْتَضَاهُمْ، وَعَرَفَ شَجَاعَتَهُمْ، فَوَقَفُوا عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ عَلَى نَهْرٍ سَالِمٍ، يَكُونُ ارْتِفَاعُهُ نَحْوَ خَمْسِينَ ذِرَاعًا، فَقَصَدَهُمْ ثَابِتٌ وَعَسْكَرُهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْرَبُوا التُّرْكَ مِنَ النُّشَّابِ، وَالْمَدَدُ يَأْتِيهِمْ مِنِ ابْنِ بُوقَا، وَجُرِحَ ثَابِتٌ فِي وَجْهِهِ، وَكَثُرَ الْجِرَاحُ فِي أَصْحَابِهِ، فَانْهَزَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَبِعَهُمُ الْأَتْرَاكُ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ، وَأَسَرُوا، وَنَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ التُّرْكِ مَدِينَةَ وَاسِطَ، وَاخْتَلَطَ بِهِمْ رَجَّالَةُ ثَابِتٍ، فَنَهَبَتْ مَعَهُمْ، فَسَمِعَ ابْنُ بُوقَا الْخَبَرَ، فَرَكِبَ إِلَيْهِمْ وَمَنَعَهُمْ، وَقَدْ نَهَبُوا بَعْضَ الْبَلَدِ، وَنَادَى فِي النَّاسِ بِالْأَمَانِ، وَأَقْطَعَ السُّلْطَانُ، أَوَاخِرَ جُمَادَى الْأُولَى، مَدِينَةَ وَاسِطَ لِقَسِيمَ الدَّوْلَةِ الْبُرْسُقِيِّ وَأَمَرَ ابْنَ بُوقَا بِقَصْدِ بَلَدِ صَدَقَةَ وَنَهْبِهِ، فَنَهَبُوا فِيهِ مَا لَا يُحَدُّ.
وَأَمَّا السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ فَإِنَّهُ سَارَ عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى الزَّعْفَرَانِيَّةِ، ثَانِيَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ وَزِيرَهُ مَجْدَ الدِّينِ بْنَ الْمُطَّلِبِ يَأْمُرُهُ بِالتَّوَقُّفِ، وَتَرْكِ الْعَجَلَةِ خَوْفًا عَلَى الرَّعِيَّةِ مِنَ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ، وَأَشَارَ قَاضِي أَصْبَهَانَ بِذَلِكَ، وَاتِّبَاعِ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ، فَأَجَابَ السُّلْطَانُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى صَدَقَةَ نَقِيبَ النُّقَبَاءِ عَلِيَّ بْنَ طَرَّادٍ، وَجَمَالَ الدَّوْلَةِ مُخْتَصًّا الْخَادِمَ، فَسَارُوا إِلَى صَدَقَةَ فَأَبْلَغَاهُ رِسَالَةَ الْخَلِيفَةِ يَأْمُرُهُ بِطَاعَةِ السُّلْطَانِ، وَيَنْهَاهُ عَنِ الْمُخَالَفَةِ، فَاعْتَذَرَ صَدَقَةُ، وَقَالَ: مَا خَالَفْتُ الطَّاعَةَ، وَلَا قَطَعْتُ الْخُطْبَةَ فِي بَلَدِي. وَجَهَّزَ ابْنَهُ دُبَيْسًا لِيَسِيرَ مَعَهُمَا إِلَى السُّلْطَانِ.
(فَبَيْنَمَا الرُّسُلُ) وَصَدَقَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، إِذْ وَرَدَ الْخَبَرُ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِ السُّلْطَانِ قَدْ عَبَرُوا مِنْ مَطِيرَابَاذَ، وَأَنَّ الْحَرْبَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَصْحَابِ صَدَقَةَ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ، فَتَجَلَّدَ صَدَقَةُ لِأَجْلِ الرُّسُلِ، وَهُوَ يَشْتَكِي الرُّكُوبَ إِلَى أَصْحَابِهِ خَوْفًا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ الرُّسُلُ إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ يُنْكِرُونَهُ لِأَنَّهُمْ قَدْ تَقَدَّمُوا إِلَى الْعَسْكَرِ، عِنْدَ عُبُورِهِمْ عَلَيْهِمْ، أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى حَرْبٍ، حَتَّى نَعُودَ، فَإِنَّ الصُّلْحَ قَدْ قَارَبَ. فَقَالَ صَدَقَةُ لِلرَّسُولِ: كَيْفَ أَثِقُ أُرْسِلُ وَلَدِيَ الْآنَ وَكَيْفَ آمَنُ عَلَيْهِ، وَقَدْ جَرَى مَا تَرَوْنَ؟ فَإِنْ
стр. 5077
تَكَفَّلْتُمْ بِرَدِّهِ إِلَيَّ أَنَفَذْتُهُ. فَلَمْ يَتَجَاسَرُوا عَلَى كَفَالَتِهِ، فَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَعْتَذِرُ عَنْ إِنْفَاذِ وَلَدِهِ بِمَا جَرَى.
وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ الْوَقْعَةِ أَنَّ عَسْكَرَ السُّلْطَانِ لَمَّا رَأَوُا الرُّسُلَ اعْتَقَدُوا وُقُوعَ الصُّلْحِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الرَّأْيُ أَنَّنَا نَنْهَبُ شَيْئًا قَبْلَ الصُّلْحِ، فَأَجَابَ الْبَعْضُ وَامْتَنَعَ الْبَعْضُ، فَعَبَرَ مَنْ أَجَابَ النَّهْرَ، وَلَمْ يَتَأَخَّرْ مَنْ لَمْ يُجِبْ لِئَلَّا يُنْسَبَ إِلَى خَوَرٍ وَجُبْنٍ، وَلِئَلَّا يَتِمَّ عَلَى مَنْ عَبَرَ وَهَنٌ، فَيَكُونَ عَارُهُ وَأَذَاهُ عَلَيْهِمْ، فَعَبَرُوا بَعْدَهُمْ أَيْضًا، فَأَتَاهُمْ أَصْحَابُ صَدَقَةَ وَقَاتَلُوهُمْ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْأَتْرَاكِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِهِمْ، وَكَثِيرٌ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَغَرِقَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ: الْأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ يَاغِي سِيَّانَ الَّذِي كَانَ أَبُوهُ صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ، وَكَانَ عُمُرُهُ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ مُحِبًّا (لِلْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الدِّينِ) ، وَبَنَى بِإِقْطَاعِهِ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ عِدَّةَ مَدَارِسَ. وَلَمْ يَجْسُرِ الْأَتْرَاكُ عَلَى أَنْ يُعَرِّفُوا السُّلْطَانَ بِمَا أُخِذَ مِنْهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالدَّوَابِّ خَوْفًا مِنْهُ، حَيْثُ فَعَلُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
وَطَمِعَ الْعَرَبُ بِهَذِهِ الْهَزِيمَةِ، وَظَهَرَ مِنْهُمُ الْفَخْرُ وَالتِّيهُ وَالطَّمَعُ، وَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ بَاعُوا كُلَّ أَسِيرٍ بِدِينَارٍ، وَأَنَّ ثَلَاثَةً بَاعُوا أَسِيرًا بِخَمْسَةِ قَرَارِيطَ وَأَكَلُوا بِهَا خُبْزًا وَهَرِيسَةً، وَجَعَلُوا يُنَادُونَ: مَنْ يَتَغَدَّى بِأَسِيرٍ، وَيَتَعَشَّى بِآخَرَ؟ وَظَهَرَ مِنَ الْأَتْرَاكِ اضْطِرَابٌ عَظِيمٌ.
وَأَعَادَ الْخَلِيفَةُ مُكَاتَبَةَ صَدَقَةَ بِتَحْرِيرِ أَمْرِ الصُّلْحِ، فَأَجَابَ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَكَتَبَ صَدَقَةُ أَيْضًا إِلَى السُّلْطَانِ يَعْتَذِرُ مِمَّا نُقِلَ عَنْهُ، وَمِنَ الْحَرْبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَبَيْنَ الْأَتْرَاكِ، وَأَنَّ جُنْدَ السُّلْطَانِ (عَبَرَتْ إِلَى) أَصْحَابِهِ، فَمَنَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرِ الْحَرْبَ، وَلَمْ يَنْزِعْ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، وَلَا قَطَعَ خُطْبَتَهُ مِنْ بَلَدِهِ.
وَلَمْ يَكُنْ صَدَقَةُ كَاتَبَهُ قَبْلَ هَذَا الْكِتَابِ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ نَقِيبَ النُّقَبَاءِ، وَأَبَا سَعْدٍ الْهَرَوِيَّ إِلَى صَدَقَةَ، (فَقَصَدَ السُّلْطَانَ أَوَّلًا، وَأَخَذَ يَدَهُ بِالْأَمَانِ لِمَنْ يَقْصِدُهُ مَنْ أُقَارِبِ صَدَقَةَ، فَلَمَّا وَصَلَا إِلَى صَدَقَةَ) وَقَالَا لَهُ عَنِ الْخَلِيفَةِ: إِنَّ إِصْلَاحَ قَلْبِ السُّلْطَانِ
стр. 5078
مَوْقُوفٌ عَلَى إِطْلَاقِ الْأَسْرَى، وَرَدِّ جَمِيعِ مَا أُخِذَ مِنَ الْعَسْكَرِ الْمُنْهَزِمِ، فَأَجَابَ أَوَّلًا بِالْخُضُوعِ وَالطَّاعَةِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ قَدَرْتُ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ السُّلْطَانِ فَعَلْتُ، لَكِنَّ وَرَائِي مِنْ ظَهْرِي، وَظَهْرِ أَبِي وَجَدِّي، ثَلَاثَمِائَةِ امْرَأَةٍ، وَلَا يَحْمِلُهُنَّ مَكَانٌ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّنِي إِذَا جِئْتُ السُّلْطَانَ مُسْتَسْلِمًا قَبِلَنِي وَاسْتَخْدَمَنِي لَفَعَلْتُ، لَكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ لَا يُقِيلُ عَثْرَتِي، وَلَا يَعْفُو عَنْ زَلَّتِي.
وَأَمَّا مَا نُهِبَ فَإِنَّ الْخَلْقَ كَثِيرٌ، وَعِنْدِي مَنْ لَا أَعْرِفُهُ، وَقَدْ نَهَبُوا وَدَخَلُوا الْبَرَّ، فَلَا طَاقَةَ لِي عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ لَا يُعَارِضُنِي فِيمَا فِي يَدِي، وَلَا فِيمَنْ أَجَرْتُهُ، وَأَنْ يُقِرَّ سُرْخَابَ بْنَ كَيْخَسْرُو عَلَى إِقْطَاعِهِ بِسَاوَةَ، وَأَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى ابْنِ بُوقَا بِإِعَادَةِ مَا نُهِبَ مِنْ بِلَادِي، وَأَنْ يَخْرُجَ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ يُحَلِّفُهُ بِمَا أَثِقُ بِهِ مِنَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَحِينَئِذٍ أَخْدِمُ بِالْمَالِ، وَأَدُوسُ بِسَاطَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَعَادُوا بِهَذَا، وَمَعَهُمْ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ مَعْرُوفٍ، رَسُولُ صَدَقَةَ، فَرَدَّهُمُ الْخَلِيفَةُ، وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ مَعَهُمْ قَاضِيَ أَصْبَهَانَ أَبَا إِسْمَاعِيلَ، فَأَمَّا أَبُو إِسْمَاعِيلَ فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ، وَعَادَ مِنَ الطَّرِيقِ، وَأَصَرَّ صَدَقَةُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. فَحِينَئِذٍ سَارَ السُّلْطَانُ، ثَامِنَ رَجَبٍ، مِنَ الزَّعْفَرَانِيَّةِ، وَسَارَ صَدَقَةُ فِي عَسَاكِرِهِ إِلَى قَرْيَةِ مَطَرٍ، وَأَمَرَ جُنْدَهُ بِلُبْسِ السِّلَاحِ، وَاسْتَأْمَنَ ثَابِتَ بْنَ السُّلْطَانِ بْنِ دُبَيْسِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ صَدَقَةَ، إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ يَحْسُدُ صَدَقَةَ، وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَنَّهُ كَانَ بِوَاسِطَ، فَأَكْرَمَهُ السُّلْطَانُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَوَعَدَهُ الْإِقْطَاعَ.
وَوَرَدَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَى السُّلْطَانِ مِنْهُمْ: بَنُو بُرْسُقَ، وَعَلَاءُ الدَّوْلَةِ أَبُو كَالِيجَارَ كَرْشَاسِبُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ فَرَامَرْزَ (أَبِي جَعْفَرِ بْنِ كَاكَاوَيْهِ وَآبَاؤُهُ كَانُوا أَصْحَابَ أَصْبَهَانَ، وَفَرَامَرْزَ) هُوَ الَّذِي سَلَّمَهَا إِلَى طُغْرَلْبَكْ، وَقُتِلَ أَبُوهُ مَعَ تُتُشَ.
وَعَبَرَ عَسْكَرُ السُّلْطَانِ دِجْلَةَ، وَلَمْ يَعْبُرْ هُوَ، فَصَارُوا مَعَ صَدَقَةَ عَلَى أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، بَيْنَهُمَا نَهَرٌ، وَالْتَقَوْا تَاسِعَ عَشَرَ رَجَبٍ، وَكَانَتِ الرِّيحُ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، فَلَمَّا الْتَقَوْا صَارَتْ فِي ظُهُورِهِمْ، وَفِي وُجُوهِ أَصْحَابِ صَدَقَةَ، ثُمَّ إِنَّ الْأَتْرَاكَ رَمَوْا بِالنُّشَّابِ، فَكَانَ يَخْرُجُ فِي كُلِّ رَشْقَةٍ عَشْرَةُ آلَافِ نَشَّابَةٍ، فَلَمْ يَقَعْ سَهْمٌ إِلَّا فِي فَرَسٍ أَوْ فَارِسٍ، وَكَانَ أَصْحَابُ صَدَقَةَ كُلَّمَا حَمَلُوا مَنَعَهُمُ النَّهْرُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْأَتْرَاكِ وَالنُّشَّابُ، وَمَنْ عَبَرَ مِنْهُمْ لَمْ يَرْجِعْ، وَتَقَاعَدَتْ عُبَادَةُ وَخَفَاجَةُ، وَجَعَلَ صَدَقَةُ يُنَادِي: يَا آلَ خُزَيْمَةَ، يَا آلَ
стр. 5079
نَاشِرَةَ، يَا آلَ عَوْفٍ، وَوَعَدَ الْأَكْرَادَ بِكُلِّ جَمِيلٍ لِمَا ظَهَرَ مِنْ شَجَاعَتِهِمْ، وَكَانَ رَاكِبًا عَلَى فَرَسِهِ الْمَهْلُوبِ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِثْلُهُ، فَجُرِحَ الْفَرَسُ ثَلَاثَ جِرَاحَاتٍ وَأَخَذَهُ الْأَمِيرُ أَحْمَدَيْلُ بَعْدَ قَتْلِ صَدَقَةَ، فَسَيَّرَهُ إِلَى بَغْدَاذَ فِي سَفِينَةٍ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ.
وَكَانَ لِصَدَقَةَ فَرَسٌ آخَرُ قَدْ رَكِبَهُ حَاجِبُهُ أَبُو نَصْرِ بْنُ تُفَّاحَةَ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ وَقَدْ غَشُوا صَدَقَةَ هَرَبَ عَلَيْهِ، فَنَادَاهُ صَدَقَةُ، فَلَمْ يُجِبْهُ، وَحَمَلَ صَدَقَةُ عَلَى الْأَتْرَاكِ، وَضَرَبَهُ غُلَامٌ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِهِ فَشَوَّهَهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ: أَنَا مَلِكُ الْعَرَبِ، أَنَا صَدَقَةُ! فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فِي ظَهْرِهِ، وَأَدْرَكَهُ غُلَامٌ اسْمُهُ بَزْغَشُ، كَانَ أَشَلَّ، فَتَعَلَّقَ بِهِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، وَجَذَبَهُ عَنْ فَرَسِهِ، فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ هُوَ وَالْغُلَامُ، فَعَرَفَهُ صَدَقَةُ، فَقَالَ: يَا بَزْغَشُ ارْفُقْ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ رَأْسَهُ وَحَمْلَهُ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ، فَحَمَلَهُ إِلَى السُّلْطَانِ، فَلَمَّا رَآهُ عَانَقَهُ، وَأَمَرَ لِبَزْغَشَ بِصِلَةٍ.
وَبَقِيَ صَدَقَةُ طَرِيحًا إِلَى أَنْ سَارَ السُّلْطَانُ، فَدَفَنَهُ إِنْسَانٌ مِنَ الْمَدَائِنِ. وَكَانَ عُمُرُهُ تِسْعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَحُمِلُ رَأْسُهُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ رَجُلًا، وَأُسِرَ ابْنُهُ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ، وَسُرْخَابُ بْنُ كَيْخَسْرُو الدَّيْلَمِيُّ الَّذِي كَانَتْ هَذِهِ الْحَرْبُ بِسَبَبِهِ، فَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطَانِ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ، فَقَالَ: قَدْ عَاهَدْتُ اللَّهَ أَنَّنِي لَا أَقْتُلُ أَسِيرًا، فَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْكَ أَنَّكَ بَاطِنِيٌّ قَتَلْتُكَ، وَأُسِرَ سَعِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْعُمَرِيُّ، صَاحِبُ جَيْشِ صَدَقَةَ، وَهَرَبَ بَدْرَانُ بْنُ صَدَقَةَ إِلَى الْحِلَّةِ، فَأَخَذَ مِنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ مَا أَمْكَنَهُ، وَسَيَّرَ أُمَّهُ وَنِسَاءَهُ إِلَى الْبَطِيحَةِ إِلَى مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْجَبْرِ، وَكَانَ بَدْرَانُ صِهْرَ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ عَلَى ابْنَتِهِ، وَنَهَبَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَكَانَ لَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمَنْسُوبَةِ الْخَطِّ شَيْءٌ كَثِيرٌ، أُلُوفٌ مُجَلَّدَاتٌ، وَكَانَ يُحْسِنُ يَقْرَأُ، وَلَا يَكْتُبُ، وَكَانَ جَوَادًا، حَلِيمًا، صَدُوقًا، كَثِيرَ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، مَا بَرِحَ مَلْجَأً
стр. 5080
لِكُلِّ مَلْهُوفٍ، يَلْقَى مَنْ يَقْصِدُهُ بِالْبِرِّ وَالتَّفَضُّلِ، وَيَبْسُطُ قَاصِدِيهِ، وَيَزُورُهُمْ، وَكَانَ عَادِلًا، وَالرَّعَايَا مَعَهُ فِي أَمْنٍ وَدَعَةٍ، وَكَانَ عَفِيفًا لَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَلَا تَسَرَّى عَلَيْهَا، فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِ هَذَا؟ وَلَمْ يُصَادِرْ أَحَدًا مِنْ نُوَّابِهِ، وَلَا أَخْذَهُمْ بِإِسَاءَةٍ قَدِيمَةٍ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُودِعُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي خِزَانَتِهِ، وَيُدِلُّونَ عَلَيْهِ إِدْلَالَ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ، وَلَمْ يُسْمَعْ بِرَعِيَّةٍ أَحَبَّتْ أَمِيرَهَا كَحُبِّ رَعِيَّتِهِ لَهُ.
وَكَانَ مُتَوَاضِعًا، مُحْتَمِلًا، يَحْفَظُ الْأَشْعَارَ، وَيُبَادِرُ إِلَى النَّادِرَةِ، ﵀، لَقَدْ كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا.
وَعَادَ السُّلْطَانُ إِلَى بَغْدَاذَ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى الْحِلَّةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْبَطِيحَةِ أَمَانًا لِزَوْجَةِ صَدَقَةَ، وَأَمَرَهَا بِالظُّهُورِ فَأَصْعَدَتْ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَطْلَقَ السُّلْطَانُ ابْنَهَا دُبَيْسًا، وَأَنْفَذَ مَعَهُ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى لِقَائِهَا، فَلَمَّا لَقِيَهَا ابْنُهَا بَكَيَا بُكَاءً شَدِيدًا، وَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى بَغْدَاذَ أَحْضَرَهَا السُّلْطَانُ، وَاعْتَذَرَ مِنْ قَتْلِ زَوْجِهَا، وَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّهُ حُمِلَ إِلَيَّ حَتَّى كُنْتُ أَفْعَلُ مَعَهُ مَا يَعْجَبُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْجَمِيلِ وَالْإِحْسَانِ، لَكِنَّ الْأَقْدَارَ غَلَبَتْنِي. وَاسْتَحْلَفَ ابْنَهَا دُبَيْسًا أَنَّهُ لَا يَسْعَى بِفَسَادٍ.
ذِكْرُ وَفَاةِ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ وَوِلَايَةِ ابْنِهِ يَحْيَى
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَجَبٍ، تُوُفِّيَ تَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسٍ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ شَهْمًا، شُجَاعًا، ذَكِيًّا، لَهُ مَعْرِفَةٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ حَلِيمًا، كَثِيرَ الْعَفْوِ عَنِ الْجَرَائِمِ الْعَظِيمَةِ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ أَنَّهُ وَقَعَتْ حَرْبٌ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ، وَهُمْ عَدِيٌّ، وَرَيَاحٌ، فَقُتِلَ رَجُلٌ مِنْ رَيَاحٍ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا، وَأَهْدَرُوا دَمَهُ، وَكَانَ صُلْحُهُمْ مَا يَضُرُّ بِهِ وَبِبِلَادِهِ، فَقَالَ أَبْيَاتًا يُحَرِّضُ عَلَى الطَّلَبِ بِدَمِهِ، وَهِيَ:
مَتَّى كَانَتْ دِمَاؤُكُمْ تُطِلُّ ... أَمَا فِيكُمْ بِثَأْرٍ مُسْتَقِلُّ
أَغَانِمُ ثُمَّ سَالِمُ إِنْ فَشِلْتُمْ ... فَمَا كَانَتْ أَوَائِلُكُمْ تَذِلُّ
следующие страницы →