Полный текст (2 628 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
تَكَلُّمُ الْمُنَافِقِينَ بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ فَسَمِعَهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَسَمِعُوا رَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَجَوَابَهُ لَهُمْ، وَعَرَفُوا مُؤَدَّى النِّفَاقِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ، وَكَيْفَ يُحْرَمُ صَاحِبُهُ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَيَعُودُ عَلَيْهِ بِفَسَادِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَلَّهِ كَمْ مِنْ حِكْمَةٍ فِي ضِمْنِ هَذِهِ الْقِصَّةِ بَالِغَةٍ وَنِعْمَةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَابِغَةٍ، وَكَمْ فِيهَا مِنْ تَحْذِيرٍ وَتَخْوِيفٍ وَإِرْشَادٍ وَتَنْبِيهٍ وَتَعْرِيفٍ بِأَسْبَابِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَا لَهُمَا وَعَاقِبَتُهُمَا!
ثُمَّ عَزَّى نَبِيَّهُ وَأَوْلِيَاءَهُ عَمَّنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي سَبِيلِهِ أَحْسَنَ تَعْزِيَةٍ وَأَلْطَفَهَا، وَأَدْعَاهَا إِلَى الرِّضَى بِمَا قَضَاهُ لَهَا، فَقَالَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠] [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٩ - ١٧٠] ، فَجَمَعَ لَهُمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ مَنْزِلَةَ الْقُرْبِ مِنْهُ وَأَنَّهُمْ عِنْدَهُ، وَجَرَيَانَ الرِّزْقِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَيْهِمْ، وَفَرَحَهُمْ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَهُوَ فَوْقَ الرِّضَى بَلْ هُوَ كَمَالُ الرِّضَى، وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ بِاجْتِمَاعِهِمْ بِهِمْ يَتِمُّ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِمَا يُجَدِّدُ لَهُمْ كُلَّ وَقْتٍ مِنْ نِعْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ.
وَذَكَّرَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْمِحْنَةِ بِمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ مِنَنِهِ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمُ الَّتِي إنْ قَابَلُوا بِهَا كُلَّ مِحْنَةٍ تَنَالُهُمْ وَبَلِيَّةٍ تَلَاشَتْ فِي جَنْبِ هَذِهِ الْمِنَّةِ وَالنِّعْمَةِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ الْبَتَّةَ.
وَهِي مِنَّتُهُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ إلَيْهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَيُنْقِذُهُمْ مِنَ الضَّلَالِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ قَبْلَ إرْسَالِهِ إِلَى الْهُدَى، وَمِنَ الشَّقَاءِ إِلَى الْفَلَاحِ، وَمِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ، وَمِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ، فَكُلُّ بَلِيَّةٍ وَمِحْنَةٍ تَنَالُ الْعَبْدَ بَعْدَ حُصُولِ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ لَهُ أَمْرٌ يَسِيرٌ جِدًّا فِي جَنْبِ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ كَمَا يَنَالُ النَّاسَ بِأَذَى الْمَطَرِ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ سَبَبَ الْمُصِيبَةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لِيَحْذَرُوا، وَأَنّهَا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، لِيُوَحِّدُوا وَيَتَّكِلُوا، وَلَا يَخَافُوا غَيْرَهُ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ لِئَلَّا يَتَّهِمُوهُ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَلِيَتَعَرَّفَ إلَيْهِمْ بِأَنْوَاعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَسَلَّاهُمْ بِمَا أَعْطَاهُمْ مِمَّا هُوَ أَجَلُّ قَدْرًا وَأَعْظَمُ خَطَرًا مِمَّا فَاتَهُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالْغَنِيمَةِ، وَعَزَّاهُمْ
стр. 1122
عَنْ قَتْلَاهُمْ بِمَا نَالُوهُ مِنْ ثَوَابِهِ وَكَرَامَتِهِ، لِيُنَافِسُوهُمْ فِيهِ، وَلَا يَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ، فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ.
[خُرُوجُ عَلِيٍّ فِي آثَارِ الْمُشْرِكِينَ]
فَصْلٌ وَلَمَّا انْقَضَتِ الْحَرْبُ انْكَفَأَ الْمُشْرِكُونَ، فَظَنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ قَصَدُوا الْمَدِينَةَ لِإِحْرَازِ الذَّرَارِي وَالْأَمْوَالِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: ( «اخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ؟ وَمَاذَا يُرِيدُونَ؟ فَإِنْ هُمْ جَنَّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوُا الْإِبِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنَّ إلَيْهِمْ، ثُمَّ لَأُنَاجِزَنَّهُمْ فِيهَا» ) .
قَالَ علي: فَخَرَجْتُ فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ، فَجَنَّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوُا الْإِبِلَ، وَوَجَّهُوا إِلَى مَكَّةَ، وَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى مَكَّةَ «أَشْرَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أبو سفيان، ثُمَّ نَادَاهُمْ مَوْعِدُكُمُ الْمَوْسِمُ بِبَدْرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " قُولُوا: نَعَمْ قَدْ فَعَلْنَا " قَالَ أبو سفيان: " فَذَلِكُمُ الْمَوْعِدُ» "، ثُمَّ انْصَرَفَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ تَلَاوَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَمْ تَصْنَعُوا شَيْئًا، أَصَبْتُمْ شَوْكَتَهُمْ وَحْدَهُمْ، ثُمَّ تَرَكْتُمُوهُمْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُمْ رُءُوسٌ يَجْمَعُونَ لَكُمْ، فَارْجِعُوا حَتَّى نَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَنَادَى فِي النَّاسِ، وَنَدَبَهُمْ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى لِقَاءِ عَدُوِّهِمْ، وَقَالَ: " «لَا يَخْرُجْ مَعَنَا إلَّا مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ» " فَقَالَ لَهُ عبد الله بن أبي: أَرْكَبُ مَعَكَ؟ قَالَ: " لَا، فَاسْتَجَابَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الْقَرْحِ الشَّدِيدِ وَالْخَوْفِ، وَقَالُوا: سَمْعًا وَطَاعَةً. وَاسْتَأْذَنَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ أَلَّا تَشْهَدَ مَشْهَدًا إلَّا كُنْتُ مَعَكَ، وَإِنَّمَا خَلَّفَنِي أَبِي عَلَى بَنَاتِهِ. فَأْذَنْ لِي أَسِيرُ مَعَكَ. فَأَذِنَ لَهُ فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ، " وَأَقْبَلَ معبد بن أبي معبد الخزاعي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بأبي سفيان، فَيُخَذِّلُهُ،
стр. 1123
فَلَحِقَهُ بِالرَّوْحَاءِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ، فَقَالَ مَا وَرَاءَكَ يَا معبد؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ تَحَرَّقُوا عَلَيْكُمْ، وَخَرَجُوا فِي جَمْعٍ لَمْ يَخْرُجُوا فِي مِثْلِهِ، وَقَدْ نَدِمَ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِمْ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتَّى يَطْلُعَ أَوَّلُ الْجَيْشِ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْأَكَمَةِ. فَقَالَ أبو سفيان: وَاللَّهِ لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَهُمْ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ فَإِنِّي لَكَ نَاصِحٌ، فَرَجَعُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ إِلَى مَكَّةَ، وَلَقِيَ أبو سفيان بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ تُبْلِغَ مُحَمَّدًا رِسَالَةً وَأُوقِرَ لَكَ رَاحِلَتَكَ زَبِيبًا إذَا أَتَيْتَ إِلَى مَكَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَبْلِغْ مُحَمَّدًا أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرَّةَ لِنَسْتَأْصِلَهُ، وَنَسْتَأْصِلَ أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ قَوْلُهُ، قَالُوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣] [آلِ عِمْرَانَ: ١٧٤]
стр. 1124
[فَصْلٌ في سَرِيَّةُ أَبِي سَلَمَةَ إِلَى بَنِي أَسَدٍ]
فَصْلٌ
وَكَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ فِي سَابِعِ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ شَوَّالٍ وَذَا الْقِعْدَةِ وَذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ، فَلَمَّا اسْتَهَلَّ هِلَالُ الْمُحَرَّمِ بَلَغَهُ أَنَّ طلحة وسلمة ابني خويلد قَدْ سَارَا فِي قَوْمِهِمَا وَمَنْ أَطَاعَهُمَا، يَدْعُوَانِ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ إِلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ أبا سلمة وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، وَبَعَثَ مَعَهُ مِائَةً وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَأَصَابُوا إبِلًا وَشَاءً، وَلَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا، فَانْحَدَرَ أبو سلمة بِذَلِكَ كُلِّهِ إلَى الْمَدِينَةِ.
[فَصْلٌ بَعْثُهُ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ لِقَتْلِ ابْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ]
فَصْلٌ
فَلَمَّا كَانَ خَامِسُ الْمُحَرَّمِ بَلَغَهُ أَنَّ خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي قَدْ جَمَعَ لَهُ الْجُمُوعَ، فَبَعَثَ إلَيْهِ عبد الله بن أنيس، فَقَتَلَهُ، قَالَ عبد المؤمن بن خلف: وَجَاءَهُ بِرَأْسِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَعْطَاهُ عَصًا فَقَالَ: ( «هَذِهِ آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ تُجْعَلَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَقَدِمَ يَوْمَ السَّبْتِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ
стр. 1125
فَلَمَّا كَانَ صَفَرٌ قَدِمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ، وَذَكَرُوا أَنَّ فِيهِمْ إسْلَامًا، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ مَنْ يُعَلِّمُهُمُ الدِّينَ وَيُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنُ، فَبَعَثَ مَعَهُمْ سِتَّةَ نَفَرٍ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: كَانُوا عَشَرَةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وَفِيهِمْ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ، فَذَهَبُوا مَعَهُمْ، فَلَمَّا كَانُوا بِالرَّجِيعِ، وَهُوَ مَاءٌ لِهُذَيْلٍ بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ غَدَرُوا بِهِمْ وَاسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا، فَجَاءُوا حَتَّى أَحَاطُوا بِهِمْ، فَقَتَلُوا عَامَّتَهُمْ وَاسْتَأْسَرُوا خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ، وزيد بن الدثنة، فَذَهَبُوا بِهِمَا وَبَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ، وَكَانَا قَتَلَا مِنْ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَمَّا خبيب فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ مَسْجُونًا، ثُمَّ أَجْمَعُوا قَتْلَهُ، فَخَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى صَلْبِهِ قَالَ: دَعُونِي حَتَّى أَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ، فَصَلَّاهُمَا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَقُولُوا إنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بِدَدًا، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا، ثُمَّ قَالَ:
لَقَدْ أَجْمَعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلَّبُوا ... قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مَجْمَعِ
وَكُلُّهُمُ مُبْدِي الْعَدَاوَةَ جَاهِدٌ ... عَلَيَّ لِأَنِّي فِي وَثَاقٍ بِمَضْيَعِ
وَقَدْ قَرَّبُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ ... وَقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّعِ
стр. 1126
إِلَى اللَّهِ أَشْكُو غُرْبَتِي بَعْدَ كُرْبَتِي
وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي ... فَذَا الْعَرْشِ صَبِّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي
فَقَدْ بَضَّعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَاسَ مَطْمَعِي ... وَقَدْ خَيَّرُونِي الْكُفْرَ، وَالْمَوْتُ دُونَهُ
فَقَدْ ذَرَفَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ ... وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ إنِّي لَمَيِّتٌ
وَإِنَّ إِلَى رَبِّي إيَابِي وَمَرْجِعِي ... وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا
عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ فِي اللَّهِ مَضْجَعِي ... وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ
يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ... فَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلْعَدُوِّ تَخَشُّعًا
وَلَا جَزَعًا إنِّي إِلَى اللَّهِ مَرْجِعِي
فَقَالَ لَهُ أبو سفيان: أَيَسُرُّكَ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا تُضْرَبُ عُنُقُهُ، وَإِنَّكَ فِي أَهْلِكَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا يَسُرُّنِي أَنِّي فِي أَهْلِي، وَأَنَّ مُحَمَّدًا فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ.
وَفِي " الصَّحِيحِ ": أَنَّ خبيبا أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ. وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا فِي قِصَّةٍ ذَكَرَهَا، وَكَذَلِكَ صَلَّاهُمَا حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ حِينَ أَمَرَ معاوية بِقَتْلِهِ بِأَرْضِ عَذْرَاءَ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ.
ثُمّ صَلَبُوا خبيبا وَوَكَّلُوا بِهِ مَنْ يَحْرُسُ جُثَّتَهُ، فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَاحْتَمَلَهُ بِجِذْعِهِ لَيْلًا، فَذَهَبَ بِهِ، فَدَفَنَهُ.
وَرُئِيَ خبيب وَهُوَ أَسِيرٌ يَأْكُلُ قِطْفًا مِنَ الْعِنَبِ، وَمَا بِمَكَّةَ ثَمَرَةٌ، وَأَمَّا زيد بن
стр. 1127
الدثنة فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَقَتَلَهُ بِأَبِيهِ.
وَأَمَّا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، فَذَكَرَ سَبَبَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ يَتَحَسَّسُونَ لَهُ أَخْبَارَ قُرَيْشٍ، فَاعْتَرَضَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ.
[فَصْلٌ في بِئْرُ مَعُونَةَ]
فَصْلٌ وَفِي هَذَا الشَّهْرِ بِعَيْنِهِ وَهُوَ صَفَرٌ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ كَانَتْ وَقْعَةُ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَمُلَخَّصُهَا أَنَّ أبا براء عامر بن مالك الْمَدْعُوَّ مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يَبْعُدْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ بَعَثْتَ أَصْحَابَكَ إِلَى أَهْلِ نَجْدٍ يَدْعُونَهُمْ إِلَى دِينِكَ لَرَجَوْتُ أَنْ يُجِيبُوهُمْ. فَقَالَ: ( «إنِّي أَخَافُ عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ» ) فَقَالَ أبو براء: أَنَا جَارٌ لَهُمْ، فَبَعَثَ مَعَهُ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ. وَفِي الصَّحِيحِ " أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعِينَ " وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ هُوَ الصَّحِيحُ. وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ المنذر بن عمرو - أَحَدَ بَنِي سَاعِدَةَ الْمُلَقَّبَ بِالْمُعْنِقِ لِيَمُوتَ - وَكَانُوا مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ وَفُضَلَائِهِمْ وِسَادَاتِهِمْ وَقُرَّائِهِمْ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِئْرَ مَعُونَةَ، وَهِي بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَنَزَلُوا هُنَاكَ، ثُمَّ بَعَثُوا حرام بن ملحان أَخَا أم سليم بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَدُوِّ اللَّهِ عامر بن الطفيل، فَلَمْ يَنْظُرْ فِيهِ، وَأَمَرَ رَجُلًا فَطَعَنَهُ بِالْحَرْبَةِ مِنْ خَلْفِهِ، فَلَمَّا أَنْفَذَهَا فِيهِ وَرَأَى الدَّمَ قَالَ: (فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) ، ثُمَّ اسْتَنْفَرَ عَدُوُّ اللَّهِ لِفَوْرِهِ بَنِي عَامِرٍ إلَى قِتَالِ الْبَاقِينَ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ لِأَجْلِ جِوَارِ أبي براء
стр. 1128
فَاسْتَنْفَرَ بَنِي سُلَيْمٍ، فَأَجَابَتْهُ عُصَيَّةُ وَرِعْلٌ وَذَكْوَانُ، فَجَاءُوا حَتَّى أَحَاطُوا بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ إلَّا كعب بن زيد بن النجار، فَإِنَّهُ ارْتُثَّ بَيْنَ الْقَتْلَى، فَعَاشَ حَتَى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، والمنذر بن عقبة بن عامر فِي سَرْحِ الْمُسْلِمِينَ، فَرَأَيَا الطَّيْرَ تَحُومُ عَلَى مَوْضِعِ الْوَقْعَةِ، فَنَزَلَ المنذر بن محمد، فَقَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى قُتِلَ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَأُسِرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَلَمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ مِنْ مُضَرَ جَزَّ عَامِرٌ نَاصِيَتَهُ وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ، وَرَجَعَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، فَلَمَّا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ مِنْ صَدْرِ قَنَاةٍ نَزَلَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، وَجَاءَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي كِلَابٍ فَنَزَلَا مَعَهُ، فَلَمَّا نَامَا، فَتَكَ بِهِمَا عمرو وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ ثَأْرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَإِذَا مَعَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا فَعَلَ فَقَالَ: ( «لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ لَأَدِيَنَّهُمَا» )
فَكَانَ هَذَا سَبَبُ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ إلَيْهِمْ لِيُعِينُوهُ فِي دِيَتِهِمَا لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْحِلْفِ، فَقَالُوا: نَعَمْ، وَجَلَسَ هُوَ وأبو بكر وعمر وعلي، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَاجْتَمَعَ الْيَهُودُ وَتَشَاوَرُوا وَقَالُوا: مَنْ رَجُلٌ يُلْقِي عَلَى مُحَمَّدٍ هَذِهِ الرَّحَى فَيَقْتُلَهُ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهَا عمرو بن جحاش، لَعَنَهُ اللَّهُ، وَنَزَلَ جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى رَسُولِهِ يُعْلِمُهُ بِمَا هَمُّوا بِهِ، فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَقْتِهِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ تَجَهَّزَ وَخَرَجَ بِنَفْسِهِ لِحَرْبِهِمْ، فَحَاصَرَهُمْ سِتَّ لَيَالٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأُولَى.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَحِينَئِذٍ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، وَنَزَلُوا عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ إبِلُهُمْ
стр. 1129
غَيْرَ السَّلَاحِ، وَيَرْحَلُونَ مِنْ دِيَارِهِمْ، فَتَرْحَّلَ أَكَابِرُهُمْ كحيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق إِلَى خَيْبَرَ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَأَسْلَمَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ فَقَطْ يامين بن عمرو، وأبو سعد بن وهب، فَأَحْرَزَا أَمْوَالَهُمَا وَقَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، إلَّا أَنَّهُ أَعْطَى أبا دجانة، وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ لِفَقْرِهِمَا.
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ نَزَلَتْ سُورَةُ الْحَشْرِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ.
وَزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ أَنَّ غَزْوَةَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُ أَوْ غَلَطٌ عَلَيْهِ، بَلِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ، وَالَّتِي كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ هِيَ غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعٍ، وَقُرَيْظَةُ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَخَيْبَرُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ لَهُ مَعَ الْيَهُودِ أَرْبَعُ غَزَوَاتٍ، أَوَّلُهَا: غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعٍ بَعْدَ بَدْرٍ، وَالثَّانِيَةُ: بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ أُحُدٍ، وَالثَّالِثَةُ: قُرَيْظَةُ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَالرَّابِعَةُ: خَيْبَرُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ.
[قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا الْقُرَّاءَ]
فَصْلٌ
وَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا الْقُرَّاءَ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لَمَّا جَاءُوا تَائِبِينَ مُسْلِمِينَ.
стр. 1130
[فَصْلٌ في غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ]
فَصْلٌ ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَهِي غَزْوَةُ نَجْدٍ، فَخَرَجَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، وَقِيلَ: فِي الْمُحَرَّمِ يُرِيدُ مُحَارِبَ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ غَطَفَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ، وَقِيلَ: عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَخَرَجَ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَقِيلَ سَبْعِمِائَةٍ، فَلَقِيَ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ، فَتَوَاقَفُوا، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ إلَّا أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ صَلَاةَ الْخَوْفِ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي فِي تَارِيخِ هَذِهِ الْغَزَاةِ، وَصَلَاةِ الْخَوْفِ بِهَا، وَتَلَقَّاهُ النَّاسُ عَنْهُمْ وَهُوَ مُشْكِلٌ جِدًّا، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ ( «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حَبَسُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ» ) .
وَفِي " السُّنَنِ " و " مُسْنَدِ أحمد "، وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ( «أَنّهُمْ حَبَسُوهُ عَنْ
стр. 1131
صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَصْلَاهُنَّ جَمِيعًا» ) .
وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَالْخَنْدَقُ بَعْدَ ذَاتِ الرِّقَاعِ سَنَةَ خَمْسٍ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا لِلْخَوْفِ بِعُسْفَانَ كَمَا قَالَ أبو عياش الزرقي: ( «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعُسْفَانَ، فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ، وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالُوا: لَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ غَفْلَةً، ثُمَّ قَالُوا: إنَّ لَهُمْ صَلَاةً بَعْدَ هَذِهِ هِي أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَنَزَلَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَصَلَّى بِنَا الْعَصْرَ، فَفَرَّقَنَا فِرْقَتَيْنِ» ) ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، رَوَاهُ أحمد وَأَهْلُ السُّنَنِ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَازِلًا بَيْنَ ضَجْنَانَ وَعُسْفَانَ مُحَاصِرًا لِلْمُشْرِكَيْنِ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّ لِهَؤُلَاءِ صَلَاةً هِي أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، أَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، ثُمَّ مِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُقَسِّمَ أَصْحَابَهُ نِصْفَيْنِ» ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ غَزْوَةَ عُسْفَانَ كَانَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَعُلِمَ أَنَّهَا بَعْدَ الْخَنْدَقِ وَبَعْدَ عُسْفَانَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ شَهِدَا ذَاتَ الرِّقَاعِ كَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ
стр. 1132
أَبِي مُوسَى أَنَّهُ شَهِدَ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَلُفُّونَ عَلَى أَرْجُلِهِمُ الْخِرَقَ لَمَّا نُقِبَتْ.
وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَفِي " الْمُسْنَدِ " وَ " السُّنَنِ " أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ سَأَلَهُ: هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَتَى؟ قَالَ: عَامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ بَعْدَ خَيْبَرَ، وَأَنَّ مَنْ جَعَلَهَا قَبْلَ الْخَنْدَقِ فَقَدْ وَهِمَ وَهْمًا ظَاهِرًا، وَلَمَّا لَمْ يَفْطُنْ بَعْضُهُمْ لِهَذَا ادَّعَى أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ مَرَّتَيْنِ، فَمَرَّةً قَبْلَ الْخَنْدَقِ، وَمَرَّةً بَعْدَهَا عَلَى عَادَتِهِمْ فِي تَعْدِيدِ الْوَقَائِعِ إذَا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا أَوْ تَارِيخُهَا، وَلَوْ صَحَّ لِهَذَا الْقَائِلِ مَا ذَكَرَهُ، وَلَا يَصِحُّ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قِصَّةِ عُسْفَانَ، وَكَوْنِهَا بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَلَهُمْ أَنْ يُجِيبُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّ تَأْخِيرَ يَوْمِ الْخَنْدَقِ جَائِزٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَأَنَّ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إِلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهَا، وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحمد ﵀ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ لَا حِيلَةَ لَهُمْ فِي قِصَّةِ عُسْفَانَ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا لِلْخَوْفِ بِهَا، وَأَنَّهَا بَعْدَ الْخَنْدَقِ. فَالصَّوَابُ تَحْوِيلُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى مَا بَعْدَ الْخَنْدَقِ بَلْ بَعْدَ خَيْبَرَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا هَاهُنَا تَقْلِيدًا لِأَهْلِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَنَا وَهْمُهُمْ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ بَعْدَ الْخَنْدَقِ مَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ جابر قَالَ: ( «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ: كُنَّا إذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ
стр. 1133
الْمُشْرِكِينَ، وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِالشَّجَرَةِ، فَأَخَذَ السَّيْفَ، فَاخْتَرَطَهُ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَقَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ» ) .
وَصَلَاةُ الْخَوْفِ إنَّمَا شُرِعَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ بَلْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ عُسْفَانَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ قِصَّةَ بَيْعِ جابر جَمَلَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ. وَقِيلَ: فِي مَرْجِعِهِ مِنْ تَبُوكَ، وَلَكِنْ فِي إخْبَارِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثَيِّبًا تَقُومُ عَلَى أَخَوَاتِهِ، وَتَكْفُلُهُنَّ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ بَادَرَ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِيهِ، وَلَمْ يُؤَخَّرْ إِلَى عَامِ تبوك، واللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي مَرْجِعِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ سَبَوُا امْرَأَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَذَرَ زَوْجُهَا أَلَّا يَرْجِعَ حَتَّى يُهْرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَجَاءَ لَيْلًا، وَقَدْ أَرْصَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ رَبِيئَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَدُوِّ، وَهُمَا عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَضَرَبَ عَبَّادًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بِسَهْمٍ، فَنَزَعَهُ وَلَمْ يُبْطِلْ صَلَاتَهُ حَتَّى رَشَقَهُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ مِنْهَا حَتَى سَلَّمَ، فَأَيْقَظَ صَاحِبَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ
стр. 1134
اللَّهِ، هَلَّا أَنْبَهَتْنِي؟ فَقَالَ إنِّي كُنْتُ فِي سُورَةٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْطَعَهَا.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ في " مَغَازِيهِ ": وَلَا يُدْرَى مَتَى كَانَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ قَبْلَ بَدْرٍ أَوْ بَعْدَهَا، أَوْ فِيمَا بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ أَوْ بَعْدَ أُحُدٍ.
وَلَقَدْ أَبْعَدَ جِدًّا إذْ جَوَّزَ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ بَدْرٍ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْإِحَالَةِ، وَلَا قَبْلَ أُحُدٍ، وَلَا قَبْلَ الْخَنْدَقِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
[فَصْلٌ في غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةُ]
فَصْلٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أبا سفيان قَالَ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ أُحُدٍ: مَوْعِدُكُمْ وَإِيَّانَا الْعَامُ الْقَابِلُ بِبَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ شَعْبَانُ، وَقِيلَ: ذُو الْقِعْدَةِ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَوْعِدِهِ فِي أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَتِ الْخَيْلُ عَشَرَةَ أَفْرَاسٍ، وَحَمَّلَ لِوَاءَهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَانْتَهَى إِلَى بَدْرٍ، فَأَقَامَ بِهَا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ يَنْتَظِرُ الْمُشْرِكِينَ، وَخَرَجَ أبو سفيان بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ مَكَّةَ، وَهُمْ أَلْفَانِ وَمَعَهُمْ خَمْسُونَ فَرَسًا، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ - عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ مَكَّةَ - قَالَ لَهُمْ أبو سفيان: إنَّ الْعَامَ عَامُ جَدْبٍ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنِّي أَرْجِعُ بِكَمْ، فَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ، وَأَخْلَفُوا الْمَوْعِدَ، فَسُمِّيَتْ هَذِهِ بَدْرَ الْمَوْعِدِ، وَتُسَمَّى بَدْرَ الثَّانِيَةَ.
[فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ]
وَهِي بِضَمِّ الدَّالِ، وَأَمَّا دَوْمَةُ بِالْفَتْحِ فَمَكَانٌ آخَرُ. خَرَجَ إِلَيْهَا
стр. 1135
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ بِهَا جَمْعًا كَثِيرًا يُرِيدُونَ أَنْ يَدْنُوا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَهِيَ مِنْ دِمَشْقَ عَلَى خَمْسِ لَيَالٍ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سباع بن عرفطة الغفاري، وَخَرَجَ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَهُ دَلِيلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ مَذْكُورٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ إذَا هُمْ مُغَرِّبُونَ، وَإِذَا آثَارُ النَّعَمِ وَالشَّاءِ، فَهَجَمَ عَلَى مَاشِيَتِهِمْ وَرُعَاتِهِمْ، فَأَصَابَ مَنْ أَصَابَ، وَهَرَبَ مَنْ هَرَبَ، وَجَاءَ الْخَبَرُ أَهْلَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَتَفَرَّقُوا وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَاحَتِهِمْ فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا أَحَدًا، فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا وَبَثَّ السَّرَايَا، وَفَرَّقَ الْجُيُوشَ، فَلَمْ يُصِبْ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَوَادَعَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ عيينة بن حصن.
[فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ]
[غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ]
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ
وَكَانَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَسَبَبُهَا: أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ ﷺ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ
стр. 1136
أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ سَارَ فِي قَوْمِهِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَرَبِ يُرِيدُونَ حَرْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ بُرَيْدَةَ بْنَ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيَّ يَعْلَمُ لَهُ ذَلِكَ، فَأَتَاهُمْ وَلَقِيَ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي ضِرَارٍ، وَكَلَّمَهُ وَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، فَأَسْرَعُوا فِي الْخُرُوجِ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يَخْرُجُوا فِي غَزَاةٍ قَبْلَهَا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَقِيلَ: أبا ذر، وَقِيلَ: نميلة بن عبد الله الليثي، وَخَرَجَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانَ، وَبَلَغَ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي ضِرَارٍ، وَمَنْ مَعَهُ مَسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَتْلُهُ عَيْنَهُ الَّذِي كَانَ وَجَّهَهُ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِ، وَخَبَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا، وَتَفَرَّقَ عَنْهُمْ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، وَانْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُرَيْسِيعِ، وَهُوَ مَكَانُ الْمَاءِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ قُبَّتَهُ، وَمَعَهُ عائشة وأم سلمة، فَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ، وَصَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ، وَرَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَرَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ سَاعَةً، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ، فَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَكَانَتِ النُّصْرَةُ، وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِي وَالنَّعَمَ وَالشَّاءَ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، هَكَذَا قَالَ عبد المؤمن بن خلف فِي " سِيرَتِهِ " وَغَيْرُهُ، وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّمَا أَغَارَ عَلَيْهِمْ عَلَى الْمَاءِ، فَسَبَى ذَرَارِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ كَمَا فِي
стр. 1137
" الصَّحِيحِ: ( «أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُونَ» ) ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. . . ".
وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبْيِ جويرية بنت الحارث سَيِّدِ الْقَوْمِ، وَقَعَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَكَاتَبَهَا، فَأَدَّى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا، فَأَعْتَقَ الْمُسْلِمُونَ بِسَبَبِ هَذَا التَّزْوِيجِ مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ مَنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَدْ أَسْلَمُوا، وَقَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ ابن سعد: وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ سَقَطَ عِقْدٌ لعائشة فَاحْتَبَسُوا عَلَى طَلَبِهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ.
وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " مِنْ حَدِيثِ محمد بن إسحاق عَنْ يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة قَالَتْ: ( «وَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ عِقْدِي مَا كَانَ، قَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ أُخْرَى، فَسَقَطَ أَيْضًا عِقْدِي حَتَّى حَبَسَ الْتِمَاسُهُ النَّاسَ، وَلَقِيتُ مِنْ أبي بكر مَا شَاءَ اللَّهُ، وَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّةُ فِي كُلِّ سَفَرٍ تَكُونِينَ عَنَاءً وَبَلَاءً، وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ فِي التَّيَمُّمِ» ) ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ الْعِقْدِ الَّتِي نَزَلَ التَّيَمُّمُ لِأَجْلِهَا بَعْدَ
стр. 1138
هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَلَكِنْ فِيهَا كَانَتْ قِصَّةُ الْإِفْكِ بِسَبَبِ فَقْدِ الْعِقْدِ وَالْتِمَاسِهِ، فَالْتَبَسَ عَلَى بَعْضِهِمْ إحْدَى الْقِصَّتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَى قِصَّةِ الْإِفْكِ.
وَذَلِكَ أَنَّ عائشة ﵂ كَانَتْ قَدْ خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ بِقُرْعَةٍ أَصَابَتْهَا، وَكَانَتْ تِلْكَ عَادَتَهُ مَعَ نِسَائِهِ، فَلَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْغَزْوَةِ نَزَلُوا فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ فَخَرَجَتْ عائشة لِحَاجَتِهَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَفَقَدَتْ عِقْدًا لِأُخْتِهَا كَانَتْ أَعَارَتْهَا إِيَّاهُ، فَرَجَعَتْ تَلْتَمِسُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي فَقَدَتْهُ فِيهِ، فَجَاءَ النَّفَرُ الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونَ هَوْدَجَهَا، فَظَنُّوهَا فِيهِ، فَحَمَلُوا الْهَوْدَجَ وَلَا يُنْكِرُونَ خِفَّتَهُ، لِأَنَّهَا ﵂ كَانَتْ فَتِيَّةَ السِّنِّ لَمْ يَغْشَهَا اللَّحْمُ الَّذِي كَانَ يُثْقِلُهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ النّفَرَ لَمَّا تَسَاعَدُوا عَلَى حَمْلِ الْهَوْدَجِ لَمْ يُنْكِرُوا خِفَّتَهُ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي حَمَلَهُ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمَا الْحَالُ، فَرَجَعَتْ عائشة إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَقَدْ أَصَابَتِ الْعِقْدَ، فَإِذَا لَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَقَعَدَتْ فِي الْمَنْزِلِ، وَظَنَّتْ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَهَا، فَيَرْجِعُونَ فِي طَلَبِهَا، واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَوْقَ عَرْشِهِ كَمَا يَشَاءُ، فَغَلَبَتْهَا عَيْنَاهَا، فَنَامَتْ، فَلَمْ تَسْتَيْقِظْ إِلَّا بِقَوْلِ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطَّلِ: ( «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) ، وَكَانَ صفوان قَدْ عَرَّسَ فِي أُخْرَيَاتِ الْجَيْشِ لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ النَّوْمِ كَمَا جَاءَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِ أبي حاتم ". وَفِي " السُّنَنِ ":
стр. 1139
فَلَمَّا رَآهَا عَرَفَهَا، وَكَانَ يَرَاهَا قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ، فَاسْتَرْجَعَ، وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَقَرَّبَهَا إِلَيْهَا، فَرَكِبَتْهَا وَمَا كَلَّمَهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ إِلَّا اسْتِرْجَاعَهُ، ثُمَّ سَارَ بِهَا يَقُودُهَا حَتَّى قَدِمَ بِهَا، وَقَدْ نَزَلَ الْجَيْشُ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّاسُ تَكَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِشَاكِلَتِهِ، وَمَا يَلِيقُ بِهِ، وَوَجَدَ الْخَبِيثُ عَدُوُّ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ مُتَنَفَّسًا، فَتَنَفَّسَ مِنْ كَرْبِ النِّفَاقِ وَالْحَسَدِ الَّذِي بَيْنَ ضُلُوعِهِ، فَجَعَلَ يَسْتَحْكِي الْإِفْكَ وَيَسْتَوْشِيهِ، وَيُشِيعُهُ وَيُذِيعُهُ، وَيَجْمَعُهُ وَيُفَرِّقُهُ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ أَفَاضَ أَهْلُ الْإِفْكِ فِي الْحَدِيثِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي فِرَاقِهَا، فَأَشَارَ عَلَيْهِ علي ﵁ أَنْ يُفَارِقَهَا وَيَأْخُذَ غَيْرَهَا تَلْوِيحًا لَا تَصْرِيحًا، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أسامة وَغَيْرُهُ بِإِمْسَاكِهَا وَأَلَّا يَلْتَفِتَ إِلَى كَلَامِ الْأَعْدَاءِ، فعلي لَمَّا رَأَى أَنَّ مَا قِيلَ مَشْكُوكٌ فِيهِ أَشَارَ بِتَرْكِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ إِلَى الْيَقِينِ لِيَتَخَلَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ الَّذِي لَحِقَهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، فَأَشَارَ بِحَسْمِ الدَّاءِ، وأسامة لَمَّا عَلِمَ حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهَا وَلِأَبِيهَا وَعَلِمَ مِنْ عِفَّتِهَا وَبَرَاءَتِهَا وَحَصَانَتِهَا وَدِيَانَتِهَا مَا هِيَ فَوْقَ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ مِنْهُ، وَعَرَفَ مِنْ كَرَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَبِّهِ، وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ، وَدِفَاعِهِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ رَبَّةَ بَيْتِهِ وَحَبِيبَتَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَبِنْتَ صِدِّيقِهِ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا بِهِ أَرْبَابُ الْإِفْكِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكْرَمُ عَلَى رَبِّهِ وَأَعَزُّ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ تَحْتَهُ امْرَأَةً بَغِيًّا، وَعَلِمَ أَنَّ الصِّدِّيقَةَ حَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْرَمُ عَلَى رَبِّهَا مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَهَا بِالْفَاحِشَةِ، وَهِيَ تَحْتَ رَسُولِهِ، وَمَنْ قَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ لِلَّهِ وَمَعْرِفَتُهُ لِرَسُولِهِ، وَقَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ فِي قَلْبِهِ قَالَ كَمَا قَالَ أبو أيوب وَغَيْرُهُ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ لَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] [النُّورِ: ١٦] .
стр. 1140
وَتَأَمَّلْ مَا فِي تَسْبِيحِهِمْ لِلَّهِ وَتَنْزِيهِهِمْ لَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ، وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَجْعَلَ لِرَسُولِهِ وَخَلِيلِهِ وَأَكْرَمِ الْخَلْقِ عَلَيْهِ امْرَأَةً خَبِيثَةً بَغِيًّا، فَمَنْ ظَنَّ بِهِ سُبْحَانَهُ هَذَا الظَّنَّ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَعَرَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْخَبِيثَةَ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِمِثْلِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦] [النُّورِ: ٢٦] ، فَقَطَعُوا قَطْعًا لَا يَشُكُّونَ فِيهِ أَنَّ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، وَفِرْيَةٌ ظَاهِرَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا بَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَوَقَّفَ فِي أَمْرِهَا، وَسَأَلَ عَنْهَا وَبَحَثَ وَاسْتَشَارَ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِاللَّهِ وَبِمَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ وَبِمَا يَلِيقُ بِهِ، وَهَلَّا قَالَ: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] كَمَا قَالَهُ فُضَلَاءُ الصَّحَابَةِ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ سَبَبًا لَهَا، وَامْتِحَانًا وَابْتِلَاءً لِرَسُولِهِ ﷺ وَلِجَمِيعِ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِيَرْفَعَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ أَقْوَامًا وَيَضَعَ بِهَا آخَرِينَ، وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَإِيمَانًا، وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا، وَاقْتَضَى تَمَامُ الِامْتِحَانِ وَالِابْتِلَاءِ أَنْ حُبِسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَحْيُ شَهْرًا فِي شَأْنِهَا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ لِتَتِمَّ حِكْمَتُهُ الَّتِي قَدَّرَهَا وَقَضَاهَا، وَتَظْهَرَ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، وَيَزْدَادَ الْمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ إِيمَانًا وَثَبَاتًا عَلَى الْعَدْلِ وَالصِّدْقِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَالصِّدِّيقِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَزْدَادَ الْمُنَافِقُونَ إِفْكًا وَنِفَاقًا، وَيُظْهِرَ لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ سَرَائِرَهُمْ، وَلِتَتِمَّ الْعُبُودِيَّةُ الْمُرَادَةُ مِنَ الصِّدِّيقَةِ وَأَبَوَيْهَا، وَتَتِمَّ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلِتَشْتَدَّ الْفَاقَةُ وَالرَّغْبَةُ مِنْهَا وَمِنْ أَبَوَيْهَا، وَالِافْتِقَارُ إِلَى اللَّهِ وَالذُّلُّ لَهُ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ وَالرَّجَاءُ لَهُ، وَلِيَنْقَطِعَ رَجَاؤُهَا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَتَيْأَسَ مِنْ حُصُولِ النُّصْرَةِ وَالْفَرَجِ عَلَى يَدِ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَلِهَذَا وَفَّتْ هَذَا الْمَقَامَ حَقَّهُ لَمَّا «قَالَ لَهَا أَبَوَاهَا: قُومِي إِلَيْهِ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَرَاءَتَهَا، فَقَالَتْ: (وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إلَّا اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي» ) .
وَأَيْضًا فَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ حَبْسِ الْوَحْي شَهْرًا، أَنَّ الْقَضِيّةَ مُحِّصَتْ
стр. 1141
وَتَمَحَّضَتْ، وَاسْتَشْرَفَتْ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْظَمَ اسْتِشْرَافٍ إِلَى مَا يُوحِيهِ اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ فِيهَا، وَتَطَلَّعَتْ إِلَى ذَلِكَ غَايَةَ التَّطَلُّعِ، فَوَافَى الْوَحْيُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَالصِّدِّيقُ وَأَهْلُهُ وَأَصْحَابُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَوَرَدَ عَلَيْهِمْ وُرُودَ الْغَيْثِ عَلَى الْأَرْضِ أَحْوَجَ مَا كَانَتْ إلَيْهِ، فَوَقَعَ مِنْهُمْ أَعْظَمَ مَوْقِعٍ وَأَلْطَفَهُ، وَسُرُّوا بِهِ أَتَمَّ السُّرُورِ، وَحَصَلَ لَهُمْ بِهِ غَايَةُ الْهَنَاءِ، فَلَوْ أَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ وَأَنْزَلَ الْوَحْيَ عَلَى الْفَوْرِ بِذَلِكَ لَفَاتَتْ هَذِهِ الْحِكَمُ، وَأَضْعَافُهَا بَلْ أَضْعَافُ أَضْعَافِهَا.
إظْهَارُ اللَّهِ مَنْزِلَتَهُ ﷺ وَأَهْلَ بَيْتِهِ عِنْدَهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَحَبَّ أَنْ يُظْهِرَ مَنْزِلَةَ رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ عِنْدَهُ وَكَرَامَتَهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُخْرِجَ رَسُولَهُ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَيَتَوَلَّى هُوَ بِنَفْسِهِ الدِّفَاعَ وَالْمُنَافَحَةَ عَنْهُ وَالرَّدَّ عَلَى أَعْدَائِهِ وَذَمِّهِمْ وَعَيْبِهِمْ بِأَمْرٍ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ وَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ بَلْ يَكُونُ هُوَ وَحْدَهُ الْمُتَوَلِّيَ لِذَلِكَ الثَّائِرَ لِرَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ بِالْأَذَى، وَالَّتِي رُمِيَتْ زَوْجَتُهُ فَلَمْ يَكُنْ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَرَاءَتِهَا مَعَ عِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ الظَّنَّ الْمُقَارِبَ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَتِهَا، وَلَمْ يَظُنَّ بِهَا سُوءًا قَطُّ وَحَاشَاهُ وَحَاشَاهَا، وَلِذَلِكَ لَمَّا اسْتَعْذَرَ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ قَالَ: ( «مَنْ يَعْذِرُنِي فِي رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إلَّا مَعِي» ) ، فَكَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَشْهَدُ بِبَرَاءَةِ الصِّدِّيقَةِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لِكَمَالِ صَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ وَرِفْقِهِ وَحُسْنِ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ وَثِقَتِهِ بِهِ، وَفَّى مَقَامَ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ حَقَّهُ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ بِمَا أَقَرَّ عَيْنَهُ، وَسَرَّ قَلْبَهُ وَعَظَّمَ قَدْرَهُ وَظَهَرَ لِأُمَّتِهِ احْتِفَالُ رَبِّهِ بِهِ وَاعْتِنَاؤُهُ بِشَأْنِهِ.
وَلَمَّا جَاءَ الْوَحْيُ بِبَرَاءَتِهَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ صَرَّحَ بِالْإِفْكِ، فَحُدُّوا ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ، وَلَمْ يَحُدِّ الْخَبِيثَ عبد الله بن أبي مَعَ أَنَّهُ رَأْسُ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَقِيلَ
стр. 1142
لِأَنَّ الْحُدُودَ تَخْفِيفٌ عَنْ أَهْلِهَا وَكَفَّارَةٌ، وَالْخَبِيثُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَقَدْ وَعَدَهُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ الْعَظِيمِ فِي الْآخِرَةِ، فَيَكْفِيهِ ذَلِكَ عَنِ الْحَدِّ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ يَسْتَوْشِي الْحَدِيثَ وَيَجْمَعُهُ وَيَحْكِيهِ وَيُخْرِجُهُ فِي قَوَالِبِ مَنْ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ، وَقِيلَ: الْحَدُّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ، وَهُوَ لَمْ يُقِرَّ بِالْقَذْفِ، وَلَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَذْكُرُهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقِيلَ: حَدُّ الْقَذْفِ حَقُّ الْآدَمِيِّ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِمُطَالَبَتِهِ، وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُطَالَبَةِ الْمَقْذُوفِ، وعائشة لَمْ تُطَالِبْ بِهِ ابن أبي.
وَقِيلَ: بَلْ تَرَكَ حَدَّهُ لِمَصْلَحَةٍ هِي أَعْظَمُ مِنْ إقَامَتِهِ كَمَا تَرَكَ قَتْلَهُ مَعَ ظُهُورِ نِفَاقِهِ وَتَكَلُّمِهِ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ مِرَارًا، وَهِي تَأْلِيفُ قَوْمِهِ، وَعَدَمُ تَنْفِيرِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُطَاعًا فِيهِمْ رَئِيسًا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ تُؤْمَنْ إثَارَةُ الْفِتْنَةِ فِي حَدِّهِ، وَلَعَلَّهُ تُرِكَ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا.
فَجُلِدَ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وحمنة بنت جحش، وَهَؤُلَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ تَطْهِيرًا لَهُمْ وَتَكْفِيرًا، وَتُرِكَ عبد الله بن أبي، إذًا فَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ ذَاكَ.
[فَصْلٌ في قُوَّةُ إيمَانِ عَائِشَةَ]
فَصْلٌ
وَمَنْ تَأَمَّلَ قَوْلَ الصِّدِّيقَةِ، وَقَدْ نَزَلَتْ بَرَاءَتُهَا، «فَقَالَ لَهَا أَبَوَاهَا: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: (وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إلَّا اللَّهَ» ) ، عَلِمَ مَعْرِفَتَهَا وَقُوَّةَ إيمَانِهَا وَتَوْلِيَتَهَا النِّعْمَةَ لِرَبِّهَا وَإِفْرَادَهُ بِالْحَمْدِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، وَتَجْرِيدَهَا التَّوْحِيدَ، وَقُوَّةَ جَأْشِهَا وَإِدْلَالَهَا بِبَرَاءَةِ سَاحَتِهَا، وَأَنّهَا لَمْ تَفْعَلْ مَا يُوجِبُ قِيَامَهَا فِي مَقَامِ الرَّاغِبِ فِي الصُّلْحِ الطَّالِبِ لَهُ، وَثِقَتُهَا بِمَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهَا قَالَتْ مَا قَالَتْ، إدْلَالًا لِلْحَبِيبِ عَلَى حَبِيبِهِ، وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ مَقَامَاتِ الْإِدْلَالِ، فَوَضَعَتْهُ مَوْضِعَهُ، وَلَلَّهِ مَا كَانَ أَحَبَّهَا إلَيْهِ حِينَ قَالَتْ: لَا أَحْمَدُ إلَّا اللَّهَ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، وَلَلَّهِ ذَلِكَ الثَّبَاتُ وَالرَّزَانَةُ مِنْهَا، وَهُوَ أَحَبُّ شَيْءٍ إِلَيْهَا، وَلَا صَبْرَ لَهَا عَنْهُ، وَقَدْ تَنَكَّرَ قَلْبُ حَبِيبِهَا لَهَا شَهْرًا، ثُمَّ صَادَفَتِ الرِّضَى
стр. 1143
مِنْهُ، وَالْإِقْبَالَ فَلَمْ تُبَادِرْ إِلَى الْقِيَامِ إلَيْهِ، وَالسُّرُورِ بِرِضَاهُ وَقُرْبِهِ مَعَ شِدَّةِ مَحَبَّتِهَا لَهُ، وَهَذَا غَايَةُ الثَّبَاتِ وَالْقُوَّةِ.
[طَلَبَهُ ﷺ فيمن يعذره فيمن تولى الإفك]
فَصْلٌ
الِاخْتِلَافُ فِيمَنْ أَجَابَ طَلَبَهُ ﷺ بِعَذْرِهِ فِي رَجُلٍ بَلَغَهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَذَا فِي مَتَى كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ
وَفِي هَذِهِ الْقَضِيّةِ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمّا قَالَ: ( «مَنْ يَعْذِرُنِي فِي رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ " قَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» ) ، وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ لَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ تُوُفِّيَ عُقَيْبَ حُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ عُقَيْبَ الْخَنْدَقِ، وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَدِيثُ الْإِفْكِ لَا شَكَّ أَنَّهُ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ هَذِهِ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ، وَالْجُمْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ سَنَةَ سِتٍّ، فَاخْتَلَفَتْ طُرُقُ النَّاسِ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ، فَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ قَبْلَ الْخَنْدَقِ حَكَاهُ عَنْهُ الْبُخَارِي.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ. قَالَ: وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالْخَنْدَقُ بَعْدَهَا. وَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ بْنُ إسْحَاقَ: اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْمُرَيْسِيعُ قَبْلَ الْخَنْدَقِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا إشْكَالَ، وَلَكِنَّ النَّاسَ عَلَى خِلَافِهِ. وَفِي حَدِيثِ الْإِفْكِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ عائشة قَالَتْ: إنَّ الْقَضِيَّةَ كَانَتْ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، وَآيَةُ الْحِجَابِ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زينب بنت جحش، وزينب إذْ ذَاكَ كَانَتْ تَحْتَهُ، فَإِنَّهُ ﷺ سَأَلَهَا عَنْ عائشة، فَقَالَتْ: " أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي "، قَالَتْ عائشة: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَدْ ذَكَرَ أَرْبَابُ التَّوَارِيخِ أَنَّ تَزْوِيجَهُ بزينب كَانَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. وَقَالَ محمد بن إسحاق: إنَّ غَزْوَةَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ كَانَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَذَكَرَ فِيهَا حَدِيثَ الْإِفْكِ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ
стр. 1144
عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عائشة، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
فَقَالَ: فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَهْمٌ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ مَاتَ إثْرَ فَتْحِ بَنِي قُرَيْظَةَ بِلَا شَكٍّ، وَكَانَتْ فِي آخِرِ ذِي الْقِعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، وَغَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ بَعْدَ سَنَةٍ وَثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مَوْتِ سعد، وَكَانَتِ الْمُقَاوَلَةُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ بِأَزْيَدَ مِنْ خَمْسِينَ لَيْلَةً.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْخَنْدَقَ كَانَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ كَمَا سَيَأْتِي.
[ما وقع في حديث الإفك من الوهم]
فَصْلٌ
وَمِمَّا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أبي وائل عَنْ مسروق، قَالَ: سَأَلْتُ أم رومان عَنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ فَحَدَّثَتْنِي. قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: وَهَذَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ أم رومان مَاتَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَبْرِهَا، وَقَالَ: ( «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذِهِ» ) ، قَالُوا: وَلَوْ كَانَ مسروق قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي حَيَاتِهَا، وَسَأَلَهَا لَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعَ مِنْهُ، ومسروق إنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالُوا: وَقَدْ رَوَى مسروق عَنْ أم رومان حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا فَأَرْسَلَ الرِّوَايَةَ عَنْهَا، فَظَنَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهَا، فَحَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى السَّمَاعِ، قَالُوا: وَلَعَلَّ مسروقا قَالَ: سُئِلَتْ أم رومان، فَتَصَحَّفَتْ عَلَى بَعْضِهِمْ: سَأَلَتْ، لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ
стр. 1145
يَكْتُبُ الْهَمْزَةَ بِالْأَلْفِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: كُلُّ هَذَا لَا يَرُدُّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي أَدْخَلَهَا الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّ مسروقا سَأَلَهَا وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَاتَ وَلَهُ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وأم رومان أَقْدَمُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ، قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيثُ مَوْتِهَا فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَنُزُولِهِ فِي قَبْرِهَا، فَحَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، وَفِيهِ عِلَّتَانِ تَمْنَعَانِ صِحَّتَهُ، إحْدَاهُمَا: رِوَايَةُ عَلِيُّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ لَهُ، وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ رَوَاهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، والقاسم لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ هَذَا عَلَى حَدِيثٍ إسْنَادُهُ كَالشَّمْسِ يَرْوِيهِ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ "، وَيَقُولُ فِيهِ مسروق: سَأَلْتُ أم رومان فَحَدَّثَتْنِي، وَهَذَا يَرُدُّ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ: سُئِلَتْ. وَقَدْ قَالَ أبو نعيم فِي كِتَابِ " مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ ": قَدْ قِيلَ: إنَّ أم رومان تُوُفِّيَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ وَهْمٌ.
[فَصْلٌ هَلِ الْجَارِيَةُ الشَّاهِدَةُ عَلَى عَائِشَةَ هِيَ بَرِيرَةُ]
فَصْلٌ
وَمِمَّا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ عليا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا اسْتَشَارَهُ سَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَدَعَا بريرة، فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى التِّبْرِ، أَوْ كَمَا قَالَتْ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا، فَإِنَّ بريرة إنَّمَا كَاتَبَتْ وَعَتَقَتْ بَعْدَ هَذَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَانَ العباس عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ ذَاكَ فِي الْمَدِينَةِ، والعباس إنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَدْ شَفَعَ إِلَى بريرة أَنْ تُرَاجِعَ زَوْجَهَا فَأَبَتْ أَنْ تُرَاجِعَهُ: ( «يَا عباس " أَلَا تَعْجَبُ مِنْ بُغْضِ بريرة مغيثا وَحُبِّهِ لَهَا!» ) .
فَفِي قِصَّةِ الْإِفْكِ لَمْ تَكُنْ بريرة عِنْدَ عائشة، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ إنْ كَانَ لَازِمًا، فَيَكُونُ الْوَهْمُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ الْجَارِيَةَ بريرة، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ عَلِيٌّ سَلْ بريرة، وَإِنَّمَا
стр. 1146
قَالَ فَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَظَنَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّهَا بريرة، فَسَمَّاهَا بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ بِأَنْ يَكُونَ طَلَبُ مغيث لَهَا اسْتَمَرَّ إِلَى بَعْدِ الْفَتْحِ، وَلَمْ يَيْأَسْ مِنْهَا زَالَ الْإِشْكَالُ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
[مرجعه ﷺ من غزوة المريسيع]
فَصْلٌ
وَفِي مَرْجِعِهِمْ مِنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ ( «قَالَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ ابن أبي: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَبَلَّغَهَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَجَاءَ ابن أبي يَعْتَذِرُ، وَيَحْلِفُ مَا قَالَ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ زيد فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُذُنِهِ، فَقَالَ: أَبْشِرْ فَقَدْ صَدَقَكَ اللَّهُ، ثمَّ قَالَ: هَذَا الَّذِي وَفَّى لِلَّهِ بِأُذُنِهِ، فَقَالَ لَهُ عمر: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ، فَلْيَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ: " فَكَيْفَ إذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» ) .
[فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ]
[عام غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ]
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ
وَكَانَتْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي شَوَّالٍ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ أُحُدًا كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَوَاعَدَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَهُوَ سَنَةُ أَرْبَعٍ، ثُمَّ أَخْلَفُوهُ لِأَجْلِ جَدْبِ تِلْكَ السّنَةِ، فَرَجَعُوا، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ خَمْسٍ جَاءُوا لِحَرْبِهِ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي.
стр. 1147
وَخَالَفَهُمْ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَقَالَ بَلْ كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّهُ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْهُ، ثُمَّ عُرِضَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَهُ.
قَالَ: فَصَحّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا سَنَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِجَوَابَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّهُ لَمَّا اسْتَصْغَرَهُ عَنِ الْقِتَالِ، وَأَجَازَهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى السِّنِّ الَّتِي رَآهُ فِيهَا مُطِيقًا، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَنْفِي تَجَاوُزَهَا بِسَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَعَلَّهُ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي أَوَّلِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي آخِرِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ.
[سَبَبُ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ]
فَصْلٌ
وَكَانَ سَبَبُ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا رَأَوُا انْتِصَارَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَعَلِمُوا بِمِيعَادِ أبي سفيان لِغَزْوِ الْمُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ لِذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ لِلْعَامِ الْمُقْبِلِ خَرَجَ أَشْرَافُهُمْ كسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، وَغَيْرِهِمْ إِلَى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ يُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى غَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1148
وَيُؤَلِّبُونَهُمْ عَلَيْهِ، وَوَعَدُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالنَّصْرِ لَهُمْ، فَأَجَابَتْهُمْ قُرَيْشٌ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى غَطَفَانَ، فَدَعَوْهُمْ، فَاسْتَجَابُوا لَهُمْ، ثُمَّ طَافُوا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُونَهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ مَنِ اسْتَجَابَ، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَقَائِدُهُمْ أبو سفيان فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَوَافَتْهُمْ بَنُو سُلَيْمٍ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، وَخَرَجَتْ بَنُو أَسَدٍ وَفَزَارَةُ وَأَشْجَعُ وَبَنُو مُرَّةَ، وَجَاءَتْ غَطَفَانُ وَقَائِدُهُمْ عيينة بن حصن. وَكَانَ مَنْ وَافَى الْخَنْدَقَ مِنَ الْكُفَّارِ عَشَرَةَ آلَافٍ.
فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَسِيرِهِمْ إلَيْهِ اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ يَحُولُ بَيْنَ الْعَدُوِّ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَبَادَرَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَعَمِلَ بِنَفْسِهِ فِيهِ، وَبَادَرُوا هُجُومَ الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ فِي حَفْرِهِ مِنْ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ، وَأَعْلَامِ رِسَالَتِهِ مَا قَدْ تَوَاتَرَ الْخَبَرُ بِهِ، وَكَانَ حَفْرُ الْخَنْدَقِ أَمَامَ سَلْعٍ، وَسَلْعٌ: جَبَلٌ خَلْفَ ظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ.
وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَتَحَصَّنَ بِالْجَبَلِ مِنْ خَلْفِهِ، وَبِالْخَنْدَقِ أَمَامَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: خَرَجَ فِي سَبْعِمِائَةٍ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ خُرُوجِهِ يَوْمَ أُحُدٍ.
وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِي، فَجُعِلُوا فِي آطَامِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.
وَانْطَلَقَ حيي بن أخطب إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَدَنَا مِنْ حِصْنِهِمْ، فَأَبَى كعب بن أسد أَنْ يَفْتَحَ لَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى فَتَحَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: لَقَدْ جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ وَأَسَدٍ عَلَى قَادَتِهَا لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ، قَالَ كعب: جِئْتَنِي وَاللَّهِ بِذُلِّ الدَّهْرِ وَبِجَهَامٍ قَدْ هَرَاقَ مَاؤُهُ، فَهُوَ يَرْعُدُ وَيَبْرُقُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى نَقَضَ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَدَخَلَ مَعَ
стр. 1149
الْمُشْرِكِينَ فِي مُحَارَبَتِهِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ، وَشَرَطَ كعب عَلَى حيي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرُوا بِمُحَمَّدٍ أَنْ يَجِيءَ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَهُ فِي حِصْنِهِ، فَيُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَوَفَّى لَهُ بِهِ.
وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرُ بَنِي قُرَيْظَةَ وَنَقْضُهُمْ لِلْعَهْدِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ السَّعْدَيْنِ، وَخَوَّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ لِيَعْرِفُوا: هَلْ هُمْ عَلَى عَهْدِهِمْ أَوْ قَدْ نَقَضُوهُ؟ فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُمْ، فَوَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا يَكُونُ، وَجَاهَرُوهُمْ بِالسَّبِّ وَالْعَدَاوَةِ، وَنَالُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، وَلَحَنُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْنًا يُخْبِرُونَهُ أَنَّهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَغَدَرُوا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: ( «اللَّهُ أَكْبَرُ، أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ» ) وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ، وَنَجَمَ النِّفَاقُ، وَاسْتَأْذَنَ بَعْضُ بَنِي حَارِثَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الذِّهَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالُوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] [الْأَحْزَابِ: ١٣] ، وَهَمَّ بَنُو سَلَمَةَ بِالْفَشَلِ، ثُمَّ ثَبَّتَ اللَّهُ الطَّائِفَتَيْنِ.
وَأَقَامَ الْمُشْرِكُونَ مُحَاصِرِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ لِأَجْلِ مَا حَالَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَنْدَقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّ فَوَارِسَ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ عمرو بن عبد ود، وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ أَقْبَلُوا نَحْوَ الْخَنْدَقِ، فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَيْهِ قَالُوا: إنَّ هَذِهِ مَكِيدَةٌ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُهَا، ثُمَّ تَيَمَّمُوا مَكَانًا ضَيِّقًا مِنَ الْخَنْدَقِ، فَاقْتَحَمُوهُ، وَجَالَتْ بِهِمْ خَيْلُهُمْ فِي السَّبْخَةِ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسَلْعٍ، وَدَعَوْا إِلَى الْبِرَازِ، فَانْتُدِبَ لعمرو عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَبَارَزَهُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَكَانَ مِنْ شُجْعَانِ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْطَالِهِمْ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ إلَى أَصْحَابِهِمْ (وَكَانَ شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ " حم لَا يُنْصَرُونَ) .
стр. 1150
وَلَمَّا طَالَتْ هَذِهِ الْحَالُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَالِحَ عيينة بن حصن والحارث بن عوف رَئِيسَيْ غَطَفَانَ عَلَى ثُلُثِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ، وَيَنْصَرِفَا بِقَوْمِهِمَا، وَجَرَتِ الْمُرَاوَضَةُ عَلَى ذَلِكَ، فَاسْتَشَارَ السَّعْدَيْنِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا فَسَمْعًا وَطَاعَةً، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، لَقَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا ثَمَرَةً إلَّا قِرًى أَوْ بَيْعًا، فَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَهَدَانَا لَهُ، وَأَعَزَّنَا بِكَ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا؟ وَاللَّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ، فَصَوَّبَ رَأْيَهُمَا، وَقَالَ: ( «إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ لَمَّا رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ» ) .
ثُمّ إنَّ اللَّهَ وَلَهُ الْحَمْدُ - صَنَعَ أَمْرًا مِنْ عِنْدِهِ خَذَلَ بِهِ الْعَدُوَّ، وَهَزَمَ جُمُوعَهُمْ، وَفَلَّ حَدَّهُمْ، فَكَانَ مِمَّا هَيَّأَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ غَطَفَانَ يُقَالُ لَهُ نعيم بن مسعود بن عامر ﵁ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَخَذِّلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ» ) ، فَذَهَبَ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ عَشِيرًا لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيّةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِإِسْلَامِهِ، فَقَالَ: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ إنَّكُمْ قَدْ حَارَبْتُمْ مُحَمَّدًا، وَإِنَّ قُرَيْشًا إنْ أَصَابُوا فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا، وَإِلَّا انْشَمَرُوا إِلَى بِلَادِهِمْ رَاجِعِينَ وَتَرَكُوكُمْ وَمُحَمَّدًا، فَانْتَقَمَ مِنْكُمْ، قَالُوا: فَمَا الْعَمَلُ يَا نعيم؟ قَالَ: لَا تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ حَتَّى يُعْطُوكُمْ رَهَائِنَ قَالُوا: لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ، ثُمَّ مَضَى عَلَى وَجْهِهِ إِلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ وُدِّي لَكُمْ وَنُصْحِي لَكُمْ، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إنَّ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ نَقْضِ عَهْدِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ رَاسَلُوهُ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْكُمْ رَهَائِنَ يَدْفَعُونَهَا إلَيْهِ، ثُمَّ يُمَالِئُونَهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ سَأَلُوكُمْ رَهَائِنَ فَلَا تُعْطُوهُمْ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى غَطَفَانَ، فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ السَّبْتِ مِنْ شَوَّالٍ بَعَثُوا إِلَى الْيَهُودِ: إنَّا لَسْنَا بِأَرْضِ مُقَامٍ، وَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالْخُفُّ، فَانْهَضُوا بِنَا حَتَّى نُنَاجِزَ
стр. 1151
مُحَمَّدًا، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمُ الْيَهُودُ: إنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَنَا حِينَ أَحْدَثُوا فِيهِ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّا لَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ حَتَّى تَبْعَثُوا إلَيْنَا رَهَائِنَ، فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِذَلِكَ قَالَتْ قُرَيْشُ: صَدَقَكُمْ وَاللَّهِ نعيم، فَبَعَثُوا إِلَى يَهُودَ، إنَّا وَاللَّهِ لَا نُرْسِلُ إلَيْكُمْ أَحَدًا، فَاخْرُجُوا مَعَنَا حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، فَقَالَتْ قُرَيْظَةُ: صَدَقَكُمْ وَاللَّهِ نعيم، فَتَخَاذَلَ الْفَرِيقَانِ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ جُنْدًا مِنَ الرِّيحِ، فَجَعَلَتْ تُقَوِّضُ خِيَامَهُمْ، وَلَا تَدَعُ لَهُمْ قِدْرًا إلَّا كَفَأَتْهَا، وَلَا طُنُبًا إلَّا قَلَعَتْهُ، وَلَا يَقِرُّ لَهُمْ قَرَارٌ، وَجُنْدُ اللَّهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُزَلْزِلُونَهُمْ، وَيُلْقُونَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وَالْخَوْفَ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَوَجَدَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَقَدْ تَهَيَّئُوا لِلرَّحِيلِ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ بِرَحِيلِ الْقَوْمِ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَدُوَّهُ بِغَيْظِهِ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا، وَكَفَاهُ اللَّهُ قِتَالَهُمْ، فَصَدَقَ وَعْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَوَضَعَ السِّلَاحَ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فِي بَيْتِ أم سلمة، فَقَالَ: أَوَضَعْتُمُ السِّلَاحَ! إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَضَعْ بَعْدُ أَسْلِحَتَهَا انْهَضْ إِلَى غَزْوَةِ هَؤُلَاءِ يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَنَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا، فَلَا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» ) ، فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ سِرَاعًا، وَكَانَ
стр. 1152
مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَيَوْمَ قُرَيْظَةَ نَحْوُ عَشْرَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
[فَصْلٌ اغْتِيَالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَبَا رَافِعٍ]
فَصْلٌ
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أبا رافع كَانَ مِمَّنْ أَلَّبَ الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يُقْتَلْ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ كَمَا قُتِلَ صَاحِبُهُ حيي بن أخطب وَرَغِبَتِ الْخَزْرَجُ فِي قَتْلِهِ مُسَاوَاةً لِلْأَوْسِ فِي قَتْلِ كعب بن الأشرف، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ هَذَيْنَ الْحَيَّيْنِ يَتَصَاوَلَانِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَيْرَاتِ، فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي قَتْلِهِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَانْتُدِبَ لَهُ رِجَالٌ كُلُّهُمْ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، وَهُمْ عبد الله بن عتيك، وَهُوَ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وعبد الله بن أنيس، وَأَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رَبْعِيٍّ، ومسعود بن سنان، وخزاعي بن أسود، فَسَارُوا حَتَّى أَتَوْهُ فِي خَيْبَرَ فِي دَارٍ لَهُ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ لَيْلًا، فَقَتَلُوهُ وَرَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكُلُّهُمُ ادَّعَى قَتْلَهُ، فَقَالَ: ( «أَرُونِي أَسْيَافَكُمْ "، فَلَمَّا أَرَوْهُ إيَّاهَا قَالَ لِسَيْفِ عبد الله بن أنيس: هَذَا الَّذِي قَتَلَهُ، أَرَى فِيهِ أَثَرَ الطَّعَامِ» ) .
[فَصْلٌ غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ]
فَصْلٌ
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي لِحْيَانَ بَعْدَ قُرَيْظَةَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لِيَغْزُوَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الشَّامَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى
стр. 1153
الْمَدِينَةَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، ثُمَّ أَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَطْنِ غَرَّانَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ بِلَادِهِمْ، وَهُوَ بَيْنَ أَمَجَ وَعُسْفَانَ حَيْثُ كَانَ مُصَابُ أَصْحَابِهِ، فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ، وَدَعَا لَهُمْ، وَسَمِعَتْ بَنُو لِحْيَانَ، فَهَرَبُوا فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَلَمْ يَقْدِرْ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ، فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ بِأَرْضِهِمْ، وَبَعَثَ السَّرَايَا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ، فَسَارَ إِلَى عُسْفَانَ، فَبَعَثَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ لِتَسْمَعَ بِهِ قُرَيْشٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ عَنْهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
[فَصْلٌ فِي سَرِيَّةِ نَجْدٍ]
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بثمامة بن أثال الحنيفي سَيِّدِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَرَبَطَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، وَمَرَّ بِهِ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثمامة؟ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ، فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ كَمَا رَدَّ عَلَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ مَرَّ مَرَّةً ثَالِثَةً، فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثمامة، فَأَطْلَقُوهُ، فَذَهَبَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَهُ، فَأَسْلَمَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ دِينٌ أَبْغَضَ عَلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الْأَدْيَانِ إلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا: صَبَوْتَ يَا ثمامة؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَلَا وَاللَّهِ لَا
стр. 1154
يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتِ الْيَمَامَةُ رِيفَ مَكَّةَ، فَانْصَرَفَ إِلَى بِلَادِهِ، وَمَنَعَ الْحَمْلَ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى جَهِدَتْ قُرَيْشُ، فَكَتَبُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ بِأَرْحَامِهِمْ أَنْ يَكْتُبَ إلَى ثمامة يُخَلِّي إلَيْهِمْ حَمْلَ الطَّعَامِ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
[فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الْغَابَةِ]
[إغارة عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي بِالْغَابَةِ]
فَصْلٌ
فِي غَزْوَةِ الْغَابَةِ
ثُمَّ أَغَارَ عيينة بن حصن الفزاري فِي بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي بِالْغَابَةِ، فَاسْتَاقَهَا، وَقَتَلَ رَاعِيَهَا وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ عُسْفَانَ، وَاحْتَمَلُوا امْرَأَتَهُ، قَالَ عبد المؤمن بن خلف وَهُوَ ابْنُ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا: فَجَاءَ الصَّرِيخُ، وَنُودِيَ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، وَكَانَ أَوَّلَ مَا نُودِيَ بِهَا، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقَنَّعًا فِي الْحَدِيدِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ إلَيْهِ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فِي الدِّرْعِ وَالْمِغْفَرِ، فَعَقَدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللِّوَاءَ فِي رُمْحِهِ، وَقَالَ: امْضِ حَتَّى تَلْحَقَكَ الْخُيُولُ، إنَّا عَلَى أَثَرِكَ، وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَأَدْرَكَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ الْقَوْمَ وَهُوَ عَلَى رِجْلَيْهِ، فَجَعَلَ يَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ وَيَقُولُ:
خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
حَتَّى انْتَهَى إِلَى ذِي قَرَدٍ، وَقَدِ اسْتَنْقَذَ مِنْهُمْ جَمِيعَ اللِّقَاحِ وَثَلَاثِينَ بُرْدَةً، قَالَ سلمة: فَلَحِقَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْخَيْلُ عِشَاءً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ، فَلَوْ بَعَثْتَنِي فِي مِائَةِ رَجُلٍ اسْتَنْقَذْتُ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السَّرْحِ وَأَخَذْتُ
стр. 1155
بِأَعْنَاقِ الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ» "، ثُمَّ قَالَ: «إنَّهُمُ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي غَطَفَانَ» ".
وَذَهَبَ الصَّرِيخُ بِالْمَدِينَةِ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَجَاءَتِ الْأَمْدَادُ وَلَمْ تَزَلِ الْخَيْلُ تَأْتِي، وَالرِّجَالُ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَعَلَى الْإِبِلِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذِي قَرَدٍ.
قَالَ عبد المؤمن بن خلف، فَاسْتَنْقَذُوا عَشْرَ لِقَاحٍ، وَأَفْلَتَ الْقَوْمُ بِمَا بَقِيَ وَهُوَ عَشْرٌ. قُلْتُ: وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ، وَالَّذِي فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": أَنّهُمُ اسْتَنْقَذُوا اللِّقَاحَ كُلَّهَا، وَلَفْظُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ سلمة: ( «حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا خَلّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً» ) .
[كَانَتْ غَزْوَةِ الْغَابَةِ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَتَوْهِيمُ مَنْ قَالَ بِخِلَافِ ذَلِكَ]
فَصْلٌ
وَهَذِهِ الْغَزْوَةُ كَانَتْ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ وَهِمَ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ، فَذَكَرُوا أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هاشم بن القاسم، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «خَرَجْتُ أَنَا ورباح بِفَرَسٍ لطلحة أَنَدِّيهِ مَعَ الْإِبِلِ، فَلَمَّا كَانَ بِغَلَسٍ أَغَارَ عبد الرحمن بن عيينة
стр. 1156
عَلَى إبِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَتَلَ رَاعِيَهَا» ) ، وَسَاقَ الْقِصَّةَ رَوَاهَا مسلم فِي " صَحِيحِهِ " بِطُولِهَا. وَوَهِمَ عبد المؤمن بن خلف فِي " سِيرَتِهِ " فِي ذَلِكَ وَهْمًا بَيِّنًا، فَذَكَرَ غَزَاةَ بَنِي لِحْيَانَ بَعْدَ قُرَيْظَةَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ لَمْ يَمْكُثْ إلَّا لَيَالِيَ حَتَّى أَغَارَ عبد الرحمن بن عيينة، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ.
وَالَّذِي أَغَارَ عبد الرحمن، وَقِيلَ: أَبُوهُ عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِ سلمة قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ؟
وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِي عِدَّةَ سَرَايَا فِي سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ - أَوْ قَالَ الْآخِرِ - سَنَةَ سِتٍّ مِنْ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ عُكَاشَةَ بْنَ مُحْصِنٍ الْأَسَدِيَّ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا إِلَى الْغَمْرِ، وَفِيهِمْ ثابت بن أقرم، وسباع بن وهب، فَأَجَدَّ السَّيْرَ، وَنَذِرَ الْقَوْمُ بِهِمْ، فَهَرَبُوا، فَنَزَلَ عَلَى مِيَاهِهِمْ، وَبَعَثَ الطَّلَائِعَ، فَأَصَابُوا مَنْ دَلَّهُمْ عَلَى بَعْضِ مَاشِيَتِهِمْ، فَوَجَدُوا مِائَتَيْ بَعِيرٍ، فَسَاقُوهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَبَعَثَ سَرِيَّةَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ، فَسَارُوا لَيْلَتَهُمْ مُشَاةً، وَوَافَوْهَا مَعَ الصُّبْحِ، فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ، فَأَعْجَزُوهُمْ هَرَبًا فِي الْجِبَالِ، وَأَصَابُوا رَجُلًا وَاحِدًا، فَأَسْلَمَ.
стр. 1157
وَبَعَثَ محمد بن مسلمة فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي عَشْرَةِ نَفَرٍ سَرِيَّةً، فَكَمَنَ الْقَوْمُ لَهُمْ حَتَّى نَامُوا، فَمَا شَعَرُوا إلَّا بِالْقَوْمِ، فَقُتِلَ أَصْحَابُ محمد بن مسلمة، وَأَفْلَتَ مُحَمَّدٌ جَرِيحًا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ - وَهِي سَنَةُ سِتٍّ - كَانَتْ سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بِالْجَمُومِ، فَأَصَابَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ يُقَالُ لَهَا: حليمة، فَدَلَّتْهُمْ عَلَى مَحَلَّةٍ مِنْ مَحَالِّ بَنِي سُلَيْمٍ، فَأَصَابُوا نَعَمًا وَشَاءً وَأَسْرَى، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى زَوْجُ حليمة، فَلَمَّا قَفَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِمَا أَصَابَ، وَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُزَنِيَّةِ نَفْسَهَا وَزَوَّجَهَا.
وَفِيهَا - يَعْنِي: سَنَةَ سِتّ - كَانَتْ سَرِيّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى الطَّرِفِ فِي جُمَادَى الْأُولَى إلَى بَنِي ثَعْلَبَة فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَهَرَبَتِ الْأَعْرَابُ، وَخَافُوا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَارَ إلَيْهِمْ، فَأَصَابَ مِنْ نَعَمِهِمْ عِشْرِينَ بَعِيرًا، وَغَابَ أَرْبَعَ لَيَالٍ.
وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى الْعِيصِ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَفِيهَا: أُخِذَتِ الْأَمْوَالُ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ زَوْجِ زَيْنَبَ مَرْجِعَهُ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَتْ أَمْوَالُ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عبد الله بن محمد بن حزم قَالَ: خَرَجَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ تَاجِرًا إلَى الشَّامِ وَكَانَ رَجُلًا مَأْمُونًا، وَكَانَتْ مَعَهُ بَضَائِعُ لِقُرَيْشٍ، فَأَقْبَلَ قَافِلًا، فَلَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَاقُوا عِيرَهُ وَأَفْلَتَ، وَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا أَصَابُوا، فَقَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ، وَأَتَى أبو العاص الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى زينب بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَجَارَ بِهَا، وَسَأَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ لَهُ مِنْ
стр. 1158
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَدَّ مَالِهِ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّرِيَّةَ، فَقَالَ: ( «إنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ أَصَبْتُمْ لَهُ مَالًا وَلِغَيْرِهِ، وَهُوَ فَيْءُ اللَّهِ الَّذِي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَرُدُّوا عَلَيْهِ فَافْعَلُوا، وَإِنْ كَرِهْتُمْ فَأَنْتُمْ وَحَقُّكُمْ» ) ، فَقَالُوا: بَلْ نَرُدُّهُ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَدُّوا عَلَيْهِ مَا أَصَابُوا حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِي بِالشَّنِّ، وَالرَّجُلُ بِالْإِدَاوَةِ، وَالرَّجُلُ بِالْحَبْلِ، فَمَا تَرَكُوا قَلِيلًا أَصَابُوهُ وَلَا كَثِيرًا إلَّا رَدُّوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَدَّى إِلَى النَّاسِ بَضَائِعَهُمْ حَتَّى إذَا فَرَغَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ بَقِيَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ مَعِيَ مَالٌ لَمْ أَرُدَّهُ عَلَيْهِ؟ قَالُوا: لَا، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، قَدْ وَجَدْنَاكَ وَفِيًّا كَرِيمًا، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أُسْلِمَ قَبْلَ أَنْ أَقْدَمَ عَلَيْكُمْ إلَّا تَخَوَّفًا أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إنَّمَا أَسْلَمْتُ لِأَذْهَبَ بِأَمْوَالِكُمْ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ مِنَ الْوَاقِدِيِّ وابن إسحاق يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ أبي العاص كَانَتْ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَإِلَّا فَبَعْدَ الْهُدْنَةِ لَمْ تَتَعَرَّضْ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقُرَيْشٍ. وَلَكِنْ زَعَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ قِصَّةَ أبي العاص كَانَتْ بَعْدَ الْهُدْنَةِ وَأَنَّ الَّذِي أَخَذَ الْأَمْوَالَ أبو بصير وَأَصْحَابُهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُنْحَازِينَ بِسِيفِ الْبَحْرِ، وَكَانَتْ لَا تَمُرُّ بِهِمْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ إلَّا أَخَذُوهَا، هَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي قِصَّةِ أبي بصير: وَلَمْ يَزَلْ أَبُو جَنْدَلٍ، وأبو بصير، وَأَصْحَابُهُمَا الَّذِينَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِمَا هُنَالِكَ حَتَّى مَرَّ بِهِمْ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ زينب بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَخَذُوهُمْ، وَمَا مَعَهُمْ، وَأَسَرُوهُمْ، وَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا لِصِهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أبي العاص، وأبو العاص يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ خديجة بنت خويلد لِأَبِيهَا وَأُمِّهَا، وَخَلَّوْا سَبِيلَ أَبِي الْعَاصِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى امْرَأَتِهِ زينب، فَكَلَّمَهَا أبو العاص فِي أَصْحَابِهِ الَّذِينَ أَسَرَهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ وأبو بصير، وَمَا أَخَذُوا لَهُمْ، فَكَلَّمَتْ زينب رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ
стр. 1159
( «إِنَّا صَاهَرْنَا أُنَاسًا وَصَاهَرْنَا أبا العاص فَنِعْمَ الصِّهْرُ وَجَدْنَاهُ» ) وَإِنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ فِي أَصْحَابٍ لَهُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَخَذَهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ وأبو بصير، وَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، وَإِنَّ زينب بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ سَأَلَتْنِي أَنْ أُجِيرَهُمْ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُجِيرُونَ أبا العاص وَأَصْحَابَهُ؟ "، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَلَمَّا بَلَغَ أبا جندل وَأَصْحَابَهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أبي العاص وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُ مِنَ الْأَسْرَى، رَدَّ إِلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُمْ، حَتَّى الْعِقَالَ، وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي جَنْدَلٍ وأبي بصير يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُ مَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَأَلَّا يَتَعَرَّضُوا لِأَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَعِيرِهَا، فَقَدِمَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أبي بصير وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَمَاتَ وَهُوَ عَلَى صَدْرِهِ، وَدَفَنَهُ أَبُو جَنْدَلٍ مَكَانَهُ، وَأَقْبَلَ أَبُو جَنْدَلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمِنَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ. وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.
وَقَوْلُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَصْوَبُ، وأبو العاص إِنَّمَا أَسْلَمَ زَمَنَ الْهُدْنَةِ، وَقُرَيْشٌ إِنَّمَا انْبَسَطَتْ عِيرُهَا إِلَى الشَّامِ زَمَنَ الْهُدْنَةِ، وَسِيَاقُ الزُّهْرِيِّ لِلْقِصَّةِ بَيِّنٌ ظَاهِرٌ أَنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا أَقْبَلَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ، وَقَدْ أَجَازَهُ بِمَالٍ وَكُسْوَةٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحِسْمَى لَقِيَهُ نَاسٌ مِنْ جُذَامٍ فَقَطَعُوا عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، فَلَمْ يَتْرُكُوا مَعَهُ شَيْئًا، فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَأَخْبَرَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَى حِسْمَى. قُلْتُ: وَهَذَا بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ بِلَا شَكٍّ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَخَرَجَ عَلِيٌّ فِي مِائَةِ رَجُلٍ إِلَى فَدَكَ إِلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ بِهَا جَمْعًا يُرِيدُونَ أَنْ يَمُدُّوا يَهُودَ خَيْبَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ النَّهَارَ، فَأَصَابَ عَيْنًا لَهُمْ، فَأَقَرَّ لَهُ أَنَّهُمْ بَعَثُوهُ إِلَى خَيْبَرَ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِمْ نُصْرَتَهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا لَهُمْ ثَمَرَ خَيْبَرَ.
стр. 1160
قَالَ: وَفِيهَا سَرِيَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ فِي شَعْبَانَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنْ أَطَاعُوكَ فَتَزَوَّجِ ابْنَةَ مَلِكِهِمْ» ) . فَأَسْلَمَ الْقَوْمُ، وَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ تماضر بنت الأصبغ، وَهِيَ أُمُّ أَبِي سَلَمَةَ، وَكَانَ أَبُوهَا رَأْسَهُمْ وَمَلِكَهُمْ.
قَالَ: وَكَانَتْ سَرِيَّةُ كرز بن جابر الْفِهْرِيِّ إِلَى الْعُرَنِيِّينَ الَّذِينَ قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ، وَكَانَتِ السَّرِيِّةُ عِشْرِينَ فَارِسًا.
قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقِصَّةُ الْعُرَنِيِّينَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أنس ( «أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَهْلُ ضَرْعٍ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، فَاسْتَوْخَمْنَا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَوْدٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ» .
وَفِي لَفْظٍ لمسلم: «سَمَلُوا عَيْنَ الرَّاعِي، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَلَبِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا» )
следующие страницы →