← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمُرُ النَّعَمِ» ) . فَخَرَجَ مرحب وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرِّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهِّبُ فَبَرَزَ إِلَيْهِ علي وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ فَضَرَبَ مَرْحَبًا فَفَلَقَ هَامَتَهُ، وَكَانَ الْفَتْحُ. وَلَمَّا دَنَا علي ﵁ مِنْ حُصُونِهِمُ اطَّلَعَ يَهُودِيٌّ مِنْ رَأْسِ الْحِصْنِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: عَلَوْتُمْ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى. هَكَذَا فِي " صَحِيحِ مسلم " أَنَّ ( «عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ هُوَ الَّذِي قَتَلَ مرحبا» )

стр. 1192

وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ وأبي الأسود عَنْ عروة. وَيُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ أَحَدِ بَنِي حَارِثَة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ محمد بن مسلمة هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، قَالَ جابر فِي حَدِيثِهِ: ( «خَرَجَ مرحب الْيَهُودِيُّ مِنْ حِصْنِ خَيْبَرَ قَدْ جَمَعَ سِلَاحَهُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ لِهَذَا؟ فَقَالَ محمد بن مسلمة: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا وَاللَّهِ الْمَوْتُورُ الثَّائِرُ، قَتَلُوا أَخِي بِالْأَمْسِ. يَعْنِي محمود بن مسلمة، وَكَانَ قُتِلَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ: قُمْ إِلَيْهِ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا دَنَا أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ دَخَلَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ، فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلُوذُ بِهَا مِنْ صَاحِبِهِ، كُلَّمَا لَاذَ بِهَا مِنْهُ اقْتَطَعَ صَاحِبُهُ بِسَيْفِهِ مَا دُونَهُ مِنْهَا، حَتَّى بَرَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَصَارَتْ بَيْنَهُمَا كَالرَّجُلِ الْقَائِمِ مَا فِيهَا فَنَنٌ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ فَضَرَبَهُ، فَاتَّقَاهُ بِالدَّرَقَةِ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا فَعَضَّتْ بِهِ فَأَمْسَكَتْهُ، وَضَرَبَهُ محمد بن مسلمة فَقَتَلَهُ» ) . وَكَذَلِكَ قَالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَّامَةَ ومجمع بن حارثة: إِنَّ محمد بن مسلمة قَتَلَ مرحبا. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَقِيلَ: «إِنَّ محمد بن مسلمة ضَرَبَ سَاقَيْ مرحب فَقَطَعَهُمَا، فَقَالَ مرحب: أَجْهِزْ عَلَيَّ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: ذُقِ الْمَوْتَ كَمَا ذَاقَهُ أَخِي محمود. وَجَاوَزَهُ، وَمَرَّ بِهِ علي ﵁ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ، فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَلَبِهِ، فَقَالَ محمد بن مسلمة: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا قَطَعْتُ رِجْلَيْهِ ثُمَّ تَرَكْتُهُ إِلَّا لِيَذُوقَ الْمَوْتَ، وَكُنْتُ قَادِرًا أَنْ أُجْهِزَ عَلَيْهِ. فَقَالَ علي ﵁: صَدَقَ، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ رِجْلَيْهِ. فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ محمد بن مسلمة سَيْفَهُ وَرُمْحَهُ وَمِغْفَرَهُ وَبَيْضَتَهُ» . وَكَانَ عِنْدَ آلِ محمد بن مسلمة سَيْفُهُ فِيهِ كِتَابٌ لَا يُدْرَى مَا فِيهِ حَتَّى قَرَأَهُ يَهُودِيٌّ فَإِذَا فِيهِ: هَذَا سَيْفُ مَرْحَبْ ... مَنْ يَذُقْهُ يَعْطَبْ

стр. 1193

ثُمَّ خَرَجَ [بَعْدَ مَرْحَبٍ أَخُوهُ] ياسر فَبَرَزَ إِلَيْهِ الزبير، فَقَالَتْ صفية أُمُّهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَقْتُلُ ابْنِي؟ قَالَ: " بَلِ ابْنُكِ يَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ". فَقَتَلَهُ الزبير. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: ثُمَّ دَخَلَ الْيَهُودُ حِصْنًا لَهُمْ مَنِيعًا يُقَالُ لَهُ: الْقَمُوصُ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَتْ أَرْضًا وَخْمَةً شَدِيدَةَ الْحَرِّ، فَجَهِدَ الْمُسْلِمُونَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَذَبَحُوا الْحُمُرَ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِهَا، وَجَاءَ عَبْدٌ أَسْوَدُ حَبَشِيٌّ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ كَانَ فِي غَنَمٍ لِسَيِّدِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلَ خَيْبَرَ قَدْ أَخَذُوا السِّلَاحَ سَأَلَهُمْ: مَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُقَاتِلُ هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ ( «فَأَقْبَلَ بِغَنَمِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَاذَا تَقُولُ وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ؟ قَالَ: أَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ لَا تَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ. قَالَ الْعَبْدُ: فَمَا لِي إِنْ شَهِدْتُ وَآمَنْتُ بِاللَّهِ ؟ قَالَ: لَكَ الْجَنَّةُ إِنْ مِتَّ عَلَى ذَلِكَ. فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ الْغَنَمَ عِنْدِي أَمَانَةٌ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَخْرِجْهَا مِنْ عِنْدِكَ وَارْمِهَا بِالْحَصْبَاءِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي عَنْكَ أَمَانَتَكَ. فَفَعَلَ، فَرَجَعَتِ الْغَنَمُ إِلَى سَيِّدِهَا، فَعَلِمَ الْيَهُودِيُّ أَنَّ غُلَامَهُ قَدْ أَسْلَم، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَوَعَظَهُمْ وَحَضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ قُتِلَ فِيمَنْ قُتِلَ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ، فَاحْتَمَلَهُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ، فَأُدْخِلَ فِي الْفُسْطَاطِ، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اطَّلَعَ فِي الْفُسْطَاطِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ هَذَا الْعَبْدَ وَسَاقَهُ إِلَى خَيْرٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَلَمْ يُصَلِّ لِلَّهِ سَجْدَةً قَطُّ» ) . قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: عَنْ ثابت، عَنْ أنس: ( «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ أَسْوَدُ اللَّوْنِ، قَبِيحُ الْوَجْهِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، لَا مَالَ لِي، فَإِنْ قَاتَلْتُ هَؤُلَاءِ حَتَّى أُقْتَلَ أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَأَتَى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مَقْتُولٌ فَقَالَ: لَقَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَطَيَّبَ رِيحَكَ، وَكَثَّرَ مَالَكَ. ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ زَوْجَتَيْهِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ يَنْزِعَانِ جُبَّتَهُ عَنْهُ يَدْخُلَانِ فِيمَا بَيْنَ جِلْدِهِ وَجُبَّتِهِ» ) .

стр. 1194

وَقَالَ شداد بن الهاد: ( «جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلى النَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، فَقَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ. فَأَوْصَى بِهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ خَيْبَرَ غَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَقَسَمَهُ، وَقَسَمَ لِلْأَعْرَابِيِّ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَهُ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قَسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قَسْمٌ قَسَمْتُهُ لَكَ. قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِ اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ - بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ. فَقَالَ: إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ. ثُمَّ نَهَضَ إِلَى قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مَقْتُولٌ، فَقَالَ: أَهْوَ هُوَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ. فَكَفَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي جُبَّتِهِ ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ لَهُ: اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ قُتِلَ شَهِيدًا وَأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ» ) . قَالَ الْوَاقِدِيُّ ( «وَتَحَوَّلَتِ الْيَهُودُ إِلَى قَلْعَةِ الزبير - حِصْنٍ مَنِيعٍ فِي رَأْسِ قُلَّةٍ - فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ: عَزَالٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّكَ لَوْ أَقَمْتَ شَهْرًا مَا بَالَوْا، إِنَّ لَهُمْ شَرَابًا وَعُيُونًا تَحْتَ الْأَرْضِ يَخْرُجُونَ بِاللَّيْلِ فَيَشْرَبُونَ مِنْهَا ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى قَلْعَتِهِمْ فَيَمْتَنِعُونَ مِنْكَ، فَإِنْ قَطَعْتَ مَشْرَبَهُمْ عَلَيْهِمْ أَصْحَرُوا لَكَ. فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَائِهِمْ فَقَطَعَهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا قُطِعَ عَلَيْهِمْ خَرَجُوا فَقَاتَلُوا أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَفَرٌ، وَأُصِيبَ نَحْوُ الْعَشَرَةِ مِنَ الْيَهُودِ، وَافْتَتَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ الْكُتَيْبَةِ وَالْوَطِيحِ وَالسُّلَالِمِ حِصْنِ ابن أبي الحقيق، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهُ أَشَدَّ التَّحَصُّنِ، وَجَاءَهُمْ كُلُّ فَلٍّ كَانَ انْهَزَمَ مِنَ النَّطَاةِ وَالشِّقِّ، فَإِنَّ خَيْبَرَ كَانَتْ جَانِبَيْنِ الْأَوَّلُ: الشِّقُّ وَالنَّطَاةُ، وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَهُ أَوَّلًا، وَالْجَانِبُ الثَّانِي: الْكُتَيْبَةُ وَالْوَطِيحُ وَالسُّلَالِمُ، فَجَعَلُوا لَا يَخْرُجُونَ مِنْ حُصُونِهِمْ حَتَّى هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْصِبَ

стр. 1195

عَلَيْهِمُ الْمَنْجَنِيقَ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ وَقَدْ حَصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الصُّلْحَ، وَأَرْسَلَ ابن أبي الحقيق إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنْزِلُ فَأُكَلِّمُكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَعَمْ "، فَنَزَلَ ابن أبي الحقيق فَصَالَحَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ مَنْ فِي حُصُونِهِمْ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَتَرْكِ الذُّرِّيَّةِ لَهُمْ، وَيَخْرُجُونَ مِنْ خَيْبَرَ وَأَرْضِهَا بِذَرَارِيِّهِمْ، وَيُخَلُّونَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَأَرْضٍ وَعَلَى الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالْكُرَاعِ وَالْحَلْقَةِ، إِلَّا ثَوْبًا عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رسوله إِنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا ". فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَلِكَ» ) . قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إِلَى قَصْرِهِمْ، فَغَلَبَ عَلَى الزَّرْعِ وَالنَّخْلِ وَالْأَرْضِ، فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُجْلَوْا مِنْهَا وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لحيي بن أخطب، كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّ حيي بن أخطب: مَا فَعَلَ مَسْكُ حيي الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِيرِ؟ . قَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ. فَقَالَ: الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الزبير فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ خَرِبَةً فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَا هُنَا. فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا الْمَسْكَ فِي الْخَرِبَةِ، فَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَحَدُهُمَا زَوْجُ صفية بنت حيي بن أخطب، وَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ بِالنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا، وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْهَا فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، دَعْنَا نَكُونُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ نُصْلِحُهَا وَنَقُومُ عَلَيْهَا، فَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْكُمْ. وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا لِأَصْحَابِهِ غِلْمَانٌ يَقُومُونَ عَلَيْهَا، وَكَانُوا لَا يَفْرُغُونَ يَقُومُونَ عَلَيْهَا، فَأَعْطَاهُمْ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّ لَهُمُ

стр. 1196

الشَّطْرَ مِنْ كُلِّ زَرْعٍ وَكُلِّ ثَمَرٍ مَا بَدَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقِرَّهُمْ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَمْ يَقْتُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الصُّلْحِ إِلَّا ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ لِلنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا؛ فَإِنَّهُمْ شَرَطُوا إِنْ غَيَّبُوا أَوْ كَتَمُوا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَغَيَّبُوا، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْنَ الْمَالُ الَّذِي خَرَجْتُمْ بِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ حِينَ أَجْلَيْنَاكُمْ؟ قَالُوا: ذَهَبَ. فَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ، فَاعْتَرَفَ ابْنُ عَمِّ كِنَانَةَ عَلَيْهِمَا بِالْمَالِ حِينَ دَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الزبير يُعَذِّبُهُ. فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِنَانَةَ إِلَى محمد بن مسلمة فَقَتَلَهُ» ، وَيُقَالُ: إِنَّ كِنَانَةَ هُوَ كَانَ قَتَلَ أَخَاهُ محمود بن مسلمة. ( «وَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب وَابْنَةَ عَمَّتِهَا، وَكَانَتْ صفية تَحْتَ كنانة بن أبي الحقيق، وَكَانَتْ عَرُوسًا حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِالدُّخُولِ، فَأَمَرَ بلالا أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إِلَى رَحْلِهِ، فَمَرَّ بِهَا بلال وَسْطَ الْقَتْلَى، فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: أَذَهَبَتِ الرَّحْمَةُ مِنْكَ يَا بلال؟!) وَعَرَضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَتْ، فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ، وَأَعْتَقَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَبَنَى بِهَا فِي الطَّرِيقِ، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا، وَرَأَى بِوَجْهِهَا خُضْرَةً فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُرِيتُ قَبْلَ قُدُومِكَ عَلَيْنَا كَأَنَّ الْقَمَرَ زَالَ مِنْ مَكَانِهِ فَسَقَطَ فِي حِجْرِي، وَلَا وَاللَّهِ مَا أَذْكُرُ مِنْ شَأْنِكَ شَيْئًا، فَقَصَصْتُهَا عَلَى زَوْجِي فَلَطَمَ وَجْهِي وَقَالَ: تَمَنِّينَ هَذَا الْمَلِكَ الَّذِي بِالْمَدِينَةِ)

стр. 1197

وَشَكَّ الصَّحَابَةُ هَلِ اتَّخَذَهَا سُرِّيَّةً أَوْ زَوْجَةً؟ فَقَالُوا: انْظُرُوا إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ إِحْدَى نِسَائِهِ، وَإِلَّا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا رَكِبَ (جَعَلَ ثَوْبَهُ الَّذِي ارْتَدَى بِهِ عَلَى ظَهْرِهَا وَوَجْهِهَا، ثُمَّ شَدَّ طَرَفَهُ تَحْتَهُ، فَتَأَخَّرُوا عَنْهُ فِي الْمَسِيرِ، وَعَلِمُوا أَنَّهَا إِحْدَى نِسَائِهِ، وَلَمَّا قَدِمَ لِيَحْمِلَهَا عَلَى الرَّحْلِ أَجَلَّتْهُ أَنْ تَضَعَ قَدَمَهَا عَلَى فَخِذِهِ فَوَضَعَتْ رُكْبَتَهَا عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ رَكِبَتْ. وَلَمَّا بَنَى بِهَا بَاتَ أبو أيوب لَيْلَتَهُ قَائِمًا قَرِيبًا مِنْ قُبَّتِهِ، آخِذًا بِقَائِمِ السَّيْفِ حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ أبو أيوب حِينَ رَآهُ قَدْ خَرَجَ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لَكَ يَا أبا أيوب؟ فَقَالَ لَهُ: أَرِقْتُ لَيْلَتِي هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا دَخَلْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ، ذَكَرْتُ أَنَّكَ قَتَلْتَ أَبَاهَا وَأَخَاهَا وَزَوْجَهَا وَعَامَّةَ عَشِيرَتِهَا، فَخِفْتُ أَنْ تَغْتَالَكَ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ لَهُ مَعْرُوفًا» ) . [فَصْلٌ في قَسْمُ خَيْبَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ] فَصْلٌ وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا، جَمَعَ كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ، فَكَانَتْ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَسِتَّمِائَةِ سَهْمٍ، فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَلْفٌ وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ، لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَهْمٌ كَسَهْمِ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَزَلَ النِّصْفَ الْآخَرَ وَهُوَ أَلْفٌ وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ البيهقي: وَهَذَا لِأَنَّ خَيْبَرَ فُتِحَ شَطْرُهَا عَنْوَةً وَشَطْرُهَا صُلْحًا، فَقَسَمَ مَا فُتِحَ عَنْوَةً بَيْنَ أَهْلِ الْخُمُسِ وَالْغَانِمِينَ، وَعَزَلَ مَا فُتِحَ صُلْحًا لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 1198

قُلْتُ: وَهَذَا بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀، أَنَّهُ يَجِبُ قَسْمُ الْأَرْضِ الْمُفْتَتَحَةِ عَنْوَةً كَمَا تُقْسَمُ سَائِرُ الْمَغَانِمِ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْهُ قَسَمَ النِّصْفَ مِنْ خَيْبَرَ، قَالَ: إِنَّهُ فُتِحَ صُلْحًا. وَمَنْ تَأَمَّلَ السِّيَرَ وَالْمَغَازِيَ حَقَّ التَّأَمُّلِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ خَيْبَرَ إِنَّمَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَوْلَى عَلَى أَرْضِهَا كُلِّهَا بِالسَّيْفِ عَنْوَةً، وَلَوْ فُتِحَ شَيْءٌ مِنْهَا صُلْحًا لَمْ يُجْلِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا؛ فَإِنَّهُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا قَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِالْأَرْضِ مِنْكُمْ، دَعُونَا نَكُونُ فِيهَا وَنَعْمُرُهَا لَكُمْ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَهَذَا صَرِيحٌ جِدًّا فِي أَنَّهَا إِنَّمَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ بِهَا مِنَ الْحِرَابِ وَالْمُبَارَزَةِ وَالْقَتْلِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَلَكِنْ لَمَّا أُلْجِئُوا إِلَى حِصْنِهِمْ نَزَلُوا عَلَى الصُّلْحِ الَّذِي بَذَلُوهُ، أَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّفْرَاءَ وَالْبَيْضَاءَ، وَالْحَلْقَةَ وَالسِّلَاحَ، وَلَهُمْ رِقَابُهُمْ وَذُرِّيَّتُهُمْ، وَيُجْلُوا مِنَ الْأَرْضِ، فَهَذَا كَانَ الصُّلْحَ، وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ صُلْحٌ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ لِلْيَهُودِ، وَلَا جَرَى ذَلِكَ الْبَتَّةَ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: نُقِرُّكُمْ مَا شِئْنَا، فَكَيْفَ يُقِرُّهُمْ فِي أَرْضِهِمْ مَا شَاءَ؟ وَلَمَّا كَانَ عمر أَجْلَاهُمْ كُلَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَمْ يُصَالِحْهُمْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهَا خَرَاجٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، هَذَا لَمْ يَقَعْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَضْرِبْ عَلَى خَيْبَرَ خَرَاجًا الْبَتَّةَ. فَالصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا، أَوْ قَسْمِ بَعْضِهَا وَوَقْفِ الْبَعْضِ، وَقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ، فَقَسَمَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ وَلَمْ يَقْسِمْ مَكَّةَ، وَقَسَمَ شَطْرَ خَيْبَرَ وَتَرَكَ شَطْرَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ كَوْنِ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً بِمَا لَا مَدْفَعَ لَهُ. وَإِنَّمَا قُسِمَتْ عَلَى أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ طُعْمَةً مِنَ اللَّهِ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ وَمَنْ غَابَ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَكَانَ مَعَهُمْ مِائَتَا فَرَسٍ، لِكُلِّ فَرَسٍ سَهْمَانِ، فَقُسِمَتْ عَلَى أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَسَمَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَسَهْمِ مَنْ حَضَرَهَا.

стр. 1199

وَقَسَمَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَفِيهِمْ مِائَتَا فَارِسٍ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ عَنْ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ( «أَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ وَالرَّاجِلَ سَهْمًا» ) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: كَأَنَّهُ سَمِعَ نافعا يَقُولُ: لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا، فَقَالَ: لِلْفَارِسِ، وَلَيْسَ يَشُكُّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَقَدُّمِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى أَخِيهِ فِي الْحِفْظِ، وَقَدْ أَنْبَأَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ إسحاق الأزرق الواسطي، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «ضَرَبَ لِلْفَرَسِ بِسَهْمَيْنِ وَلِلْفَارِسِ بِسَهْمٍ» ) . ثُمَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أبي معاوية عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ» ) ، وَهُوَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وأبو أسامة عَنْ عبيد الله. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَرَوَى مجمع بن جارية أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «قَسَمَ سِهَامَ خَيْبَرَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ، فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ وَالرَّاجِلَ سَهْمًا» )

стр. 1200

قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: ومجمع بن يعقوب - يَعْنِي رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ عبد الرحمن بن يزيد، عَنْ عَمِّهِ مجمع بن جارية - شَيْخٌ لَا يُعْرَفُ، فَأَخَذْنَا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ عبيد الله، وَلَمْ نَرَ لَهُ مِثْلَهُ خَبَرًا يُعَارِضُهُ، وَلَا يَجُوزُ رَدُّ خَبَرٍ إِلَّا بِخَبَرٍ مِثْلِهِ. قَالَ البيهقي: وَالَّذِي رَوَاهُ مجمع بن يعقوب بِإِسْنَادِهِ فِي عَدَدِ الْجَيْشِ وَعَدَدِ الْفُرْسَانِ قَدْ خُولِفَ فِيهِ؛ فَفِي رِوَايَةِ جابر وَأَهْلِ الْمَغَازِي: أَنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَهُمْ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ وَبَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ وَأَهْلِ الْمَغَازِي: أَنَّ الْخَيْلَ كَانَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ، وَكَانَ لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمٌ، وَلِكُلِّ رَاجِلٍ سَهْمٌ. وَقَالَ أبو داود: حَدِيثُ أبي معاوية أَصَحُّ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَأَرَى الْوَهْمَ فِي حَدِيثِ مجمع أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَمِائَةِ فَارِسٍ، وَإِنَّمَا كَانُوا مِائَتَيْ فَارِسٍ. وَقَدْ رَوَى أبو داود أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أبي عمرة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ( «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، وَمَعَنَا فَرَسٌ، فَأَعْطَى كُلَّ إِنْسَانٍ مِنَّا سَهْمًا، وَأَعْطَى الْفَرَسَ سَهْمَيْنِ» ) ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي إِسْنَادِهِ عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، وهو الْمَسْعُودِيُّ، وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، فَقَالَ: ( «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مَعَنَا فَرَسٌ، فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ» ) . ذَكَرَهُ أبو داود أَيْضًا. [قُدُومُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْأَشْعَرِيِّينَ] فَصْلٌ وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ قَدِمَ عَلَيْهِ ﷺ ابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابُهُ

стр. 1201

وَمَعَهُمُ الْأَشْعَرِيُّونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ أَبُو مُوسَى وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ فِيمَنْ قَدِمَ مَعَهُمْ أسماء بنت عميس. قَالَ أبو موسى: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمَا، أَحَدُهُمَا أبو رهم وَالْآخَرُ أبو بردة فِي بِضْعٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ جعفر: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنَا وَأَمَرَنَا بِالْإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتْي قَدِمْنَا جَمِيعًا، فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا، وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إِلَّا لِأَصْحَابِ سَفِينَتِنَا مَعَ جعفر وَأَصْحَابِهِ، قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ، وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ لَنَا: سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ. قَالَ: ( «وَدَخَلَتْ أسماء بنت عميس عَلَى حفصة فَدَخَلَ عَلَيْهَا عمر فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ أسماء. فَقَالَ عمر: سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ، نَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكُمْ. فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ: يَا عمر، كَلَّا وَاللَّهِ، لَقَدْ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنَخَافُ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهِ لَا أَكْذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عمر قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا قُلْتِ لَهُ؟ قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ» ) . وَكَانَ أبو موسى وَأَصْحَابُ السَّفِينَةِ يَأْتُونَ أسماء أَرْسَالًا يَسْأَلُونَهَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، مَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ".

стр. 1202

وَلَمَّا قَدِمَ جعفر عَلَى النَّبِيِّ ﷺ تَلَقَّاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ وَقَالَ: ( «وَاللَّهِ مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَفْرَحُ؛ بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَمْ بِقُدُومِ جعفر» ) ؟ . وَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ جعفرا لَمَّا نَظَرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَجَلَ، يَعْنِي: مَشَى عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ إِعْظَامًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَجَعَلَهُ أَشْبَاهُ الدِّبَابِ الرَّقَّاصُونَ أَصْلًا لَهُمْ فِي الرَّقْصِ، فَقَالَ البيهقي، وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيِّ عَنْ أبي الزبير عَنْ جابر: وَفِي إِسْنَادِهِ إِلَى الثَّوْرِيِّ مَنْ لَا يُعْرَفُ. قُلْتُ: وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى جَوَازِ التَّشَبُّهِ بِالدِّبَابِ وَالتَّكَسُّرِ وَالتَّخَنُّثِ فِي الْمَشْيِ الْمُنَافِي لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَإِنَّ هَذَا لَعَلَّهُ كَانَ مِنْ عَادَةِ الْحَبَشَةِ تَعْظِيمًا لِكُبَرَائِهَا كَضَرْبِ الْجُوكِ عِنْدَ التُّرْكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَجَرَى جعفر عَلَى تِلْكَ الْعَادَةِ وَفَعَلَهَا مَرَّةً ثُمَّ تَرَكَهَا لِسُنَّةِ الْإِسْلَامِ، فَأَيْنَ هَذَا مِنَ الْقَفْزِ وَالتَّكَسُّرِ وَالتَّثَنِّي وَالتَّخَنُّثِ؟! وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: ( «كَانَتْ بَنُو فَزَارَةَ مِمَّنْ قَدِمَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَر لِيُعِينُوهُمْ، فَرَاسَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَّا يُعِينُوهُمْ، وَأَنْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ وَلَكُمْ مِنْ خَيْبَرَ كَذَا وَكَذَا، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ أَتَاهُ مَنْ كَانَ ثَمَّ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ فَقَالُوا: وَعْدَكَ الَّذِي وَعَدْتَنَا. فَقَالَ: لَكُمْ ذُو الرُّقَيْبَةِ. جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ خَيْبَرَ، فَقَالُوا: إِذًا نُقَاتِلُكَ. فَقَالَ: مَوْعِدُكُمْ كَذَا. فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَرَجُوا هَارِبِينَ» ) وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: قَالَ أبو شييم المزني - وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ -: ( «لَمَّا نَفَرْنَا إِلَى أَهْلِنَا مَعَ عيينة بن حصن رَجَعَ بِنَا عيينة، فَلَمَّا كَانَ دُونَ خَيْبَرَ عَرَّسْنَا مِنَ اللَّيْلِ، فَفَزِعْنَا، فَقَالَ عيينة: أَبْشِرُوا، إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي النَّوْمِ أَنَّنِي أُعْطِيتُ ذَا الرُّقَيْبَةِ - جَبَلًا بِخَيْبَرَ - قَدْ وَاللَّهِ أَخَذْتُ بِرَقَبَةِ مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ قَدِمَ عيينة، فَوَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فَتَحَ خَيْبَرَ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَعْطِنِي مَا غَنِمْتَ مِنْ

стр. 1203

حُلَفَائِي؛ فَإِنِّي انْصَرَفْتُ عَنْكَ وَقَدْ فَرَغْنَا لَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَذَبْتَ وَلَكِنَّ الصِّيَاحَ الَّذِي سَمِعْتَ نَفَّرَكَ إِلَى أَهْلِكَ. قَالَ: أَجِزنِي يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: لَكَ ذُو الرُّقَيْبَةِ. قَالَ: وَمَا ذُو الرُّقَيْبَةِ؟ قَالَ: الْجَبَلُ الَّذِي رَأَيْتَ فِي النَّوْمِ أَنَّكَ أَخَذْتَهُ» ) فَانْصَرَفَ عيينة، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ الحارث بن عوف فَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّكَ تُوضِعُ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، وَاللَّهِ لَيَظْهَرَنَّ مُحَمَّدٌ عَلَى مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، يَهُودُ كَانُوا يُخْبِرُونَنَا بِهَذَا، أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يَقُولُ: إِنَّا نَحْسُدُ مُحَمَّدًا عَلَى النُّبُوَّةِ حَيْثُ خَرَجَتْ مِنْ بَنِي هَارُونَ، وَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَيَهُودُ لَا تُطَاوِعُنِي عَلَى هَذَا، وَلَنَا مِنْهُ ذَبْحَانِ: وَاحِدٌ بِيَثْرِبَ وَآخَرُ بِخَيْبَرَ. قَالَ الحارث: قُلْتُ لِسَلَّامٍ: يَمْلِكُ الْأَرْضَ جَمِيعًا؟ قَالَ: نَعَمْ وَالتَّوْرَاةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، وَمَا أُحِبُّ أَنْ تَعْلَمَ يَهُودُ بِقَوْلِي فِيهِ. [قِصَّةُ سَمِّ يَهُودِيَّةٍ النَّبِيَّ ﷺ ] فَصْلٌ وَفِي هَذِهِ الْغَزَاةِ ( «سُمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَهْدَتْ لَهُ زينب بنت الحارث الْيَهُودِيَّةُ امْرَأَةُ سلام بن مشكم شَاةً مَشْوِيَّةً قَدْ سَمَّتْهَا، وَسَأَلَتْ: أَيُّ اللَّحْمِ أَحَبُّ إِلَيْهِ؟ فَقَالُوا: الذِّرَاعُ. فَأَكْثَرَتْ مِنَ السُّمِّ فِي الذِّرَاعِ، فَلَمَّا انْتَهَشَ مِنْ ذِرَاعِهَا أَخْبَرَهُ الذِّرَاعُ بِأَنَّهُ مَسْمُومٌ، فَلَفَظَ الْأُكْلَةَ ثُمَّ قَالَ: " اجْمَعُوا لِي مَنْ هَا هُنَا مِنَ الْيَهُودِ. فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ فِيهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَبُوكُمْ؟ قَالُوا: أَبُونَا فُلَانٌ. قَالَ: كَذَبْتُمْ، أَبُوكُمْ فُلَانٌ. قَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ. قَالَ: هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ فَقَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اخْسَئُوا فِيهَا، فَوَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا. ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَجَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا:

стр. 1204

أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ» ) . ( «وَجِيءَ بِالْمَرْأَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: أَرَدْتُ قَتْلَكَ. فَقَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَيَّ. قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا وَلَمْ يُعَاقِبْهَا» ) ، وَاحْتَجَمَ عَلَى الْكَاهِلِ، وَأَمَرَ مَنْ أَكَلَ مِنْهَا فَاحْتَجَمَ، فَمَاتَ بَعْضُهُمْ، وَاخْتُلِفَ فِي قَتْلِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَسْلَمَتْ فَتَرَكَهَا، ذَكَرَهُ عبد الرزاق عَنْ معمر عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ معمر: وَالنَّاسُ تَقُولُ: قَتَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ أبو داود: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خالد، عَنْ محمد بن عمرو، عَنْ أبي سلمة، ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً. وَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ: فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ: مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِي صَنَعْتِ؟ قَالَ جابر: فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُتِلَتْ» ) قُلْتُ: كِلَاهُمَا مُرْسَلٌ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ محمد بن عمرو عَنْ أبي سلمة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّصِلًا، أَنَّهُ قَتَلَهَا لَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ. وَقَدْ وُفِّقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهَا أَوَّلًا، فَلَمَّا مَاتَ بشر قَتَلَهَا. وَقَدِ اخْتُلِفَ: هَلْ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَأْكُلْ؟ وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا وَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ سِنِينَ حَتَّى قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: ( «مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنَ الْأُكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ مِنَ الشَّاةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنِّي» ) .

стр. 1205

قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهِيدًا. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ: وَكَانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ حِينَ سَمِعُوا بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ تَرَاهُنٌ عَظِيمٌ، وَتَبَايُعٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَظْهَرُ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، وَمِنْهُمْ يَقُولُ: يَظْهَرُ الْحَلِيفَانِ وَيَهُودُ خَيْبَرَ، وَكَانَ الحجاج بن علاط السلمي قَدْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ فَتْحَ خَيْبَرَ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ أم شيبة أخت بني عبد الدار بن قصي، وَكَانَ الحجاج مُكْثِرًا مِنَ الْمَالِ، كَانَتْ لَهُ مَعَادِنُ بِأَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَمَّا ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَيْبَرَ قَالَ الحجاج بن علاط: إِنَّ لِي ذَهَبًا عِنْدَ امْرَأَتِي، وَإِنْ تَعْلَمْ هِيَ وَأَهْلُهَا بِإِسْلَامِي فَلَا مَالَ لِي، فَأْذَنْ لِي فَلَأُسْرِعِ السَّيْرَ وَأَسْبِقِ الْخَبَرَ، وَلَأُخْبِرَنَّ أَخْبَارًا إِذَا قَدِمْتُ أَدْرَأُ بِهَا عَنْ مَالِي وَنَفْسِي. فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَخْفِي عَلَيَّ وَاجْمَعِي مَا كَانَ لِي عِنْدَكِ مِنْ مَالٍ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْ غَنَائِمِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ؛ فَإِنَّهُمْ قَدِ اسْتُبِيحُوا وَأُصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أُسِرَ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ قَدْ أَقْسَمُوا لَتَبْعَثَنَّ بِهِ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ لَتَقْتُلَنَّهُ بِقَتْلَاهُمْ بِالْمَدِينَةِ، وَفَشَا ذَلِكَ بِمَكَّةَ، وَاشْتَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَبَلَغَ مِنْهُمْ، وَأَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ، فَبَلَغَ العباس عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَجَلَةُ النَّاسِ، وَجَلَبَتُهُمْ، وَإِظْهَارُهُمُ السُّرُورَ، فَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ وَيَخْرُجَ فَانْخَزَلَ ظَهْرُهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ، فَدَعَا ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: قُثَمُ، وَكَانَ يُشْبِهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ العباس يَرْتَجِزُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ لِئَلَّا يَشْمَتَ بِهِ أَعْدَاءُ اللَّهِ: حِبِّي قُثَمْ حِبِّي قُثَم ... شَبِيهُ ذِي الْأَنْفِ الْأَشَمْ نَبِيُّ رَبِّي ذِي النِّعَمْ ... بِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغَمْ

стр. 1206

وَحُشِرَ إِلَى بَابِ دَارِهِ رِجَالٌ كَثِيرُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، مِنْهُمُ الْمُظْهِرُ لِلْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَمِنْهُمُ الشَّامِتُ الْمُغْرِي، وَمِنْهُمْ مَنْ بِهِ مِثْلُ الْمَوْتِ مِنَ الْحُزْنِ وَالْبَلَاءِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ رَجَزَ العباس وَتَجَلُّدَهُ، طَابَتْ نَفُوسُهُمْ، وَظَنَّ الْمُشْرِكُونَ أَنَّهُ قَدْ أَتَاهُ مَا لَمْ يَأْتِهِمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ العباس غُلَامًا لَهُ إِلَى الحجاج وَقَالَ لَهُ: اخْلُ بِهِ وَقُلْ لَهُ: وَيْلَكَ مَا جِئْتَ بِهِ وَمَا تَقُولُ؟ فَالَّذِي وَعَدَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتَ بِهِ. فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْغُلَامُ قَالَ لَهُ: اقْرَأْ عَلَى أبي الفضل السلام، وَقُلْ لَهُ: فَلْيَخْلُ بِي فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ حَتَّى آتِيَهُ؛ فَإِنَّ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ. فَلَمَّا بَلَغَ الْعَبْدُ بَابَ الدَّارِ قَالَ: أَبْشِرْ يَا أبا الفضل. فَوَثَبَ العباس فَرَحًا كَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ بَلَاءٌ قَطُّ حَتَّى جَاءَهُ وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ الحجاج فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي. قَالَ: يَقُولُ لَكَ الحجاج: اخْلُ بِهِ فِي بَعْضِ بُيُوتِكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ ظُهْرًا. فَلَمَّا جَاءَهُ الحجاج وَخَلَا بِهِ أَخَذَ عَلَيْهِ لَتَكْتُمَنَّ خَبَرِي، فَوَافَقَهُ عباس عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الحجاج: جِئْتُ وَقَدِ افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللَّهِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ اصْطَفَى صفية بنت حيي لِنَفْسِهِ وَأَعْرَسَ بِهَا، وَلَكِنْ جِئْتُ لِمَالِي أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَهُ وَأَذْهَبَ بِهِ، وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُولَ، فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا شِئْتُ، فَأَخْفِ عَلَيَّ ثَلَاثًا ثُمَّ اذْكُرْ مَا شِئْتَ. قَالَ: فَجَمَعَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ مَتَاعَهُ، ثُمَّ انْشَمَرَ رَاجِعًا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَتَى العباس امْرَأَةَ الحجاج فَقَالَ: مَا فَعَلَ زَوْجُكِ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ، وَقَالَتْ: لَا يَحْزُنْكَ اللَّهُ يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنَا الَّذِي بَلَغَكَ. فَقَالَ: أَجَلْ، لَا يَحْزُنُنِي اللَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللَّهِ إِلَّا مَا أُحِبُّ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ خَيْبَرَ وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللَّهِ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صفية لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ لَكِ فِي زَوْجِكِ حَاجَةٌ فَالْحَقِي بِهِ. قَالَتْ: أَظُنُّكَ وَاللَّهِ صَادِقًا. قَالَ: فَإِنِّي وَاللَّهِ صَادِقٌ وَالْأَمْرُ عَلَى مَا أَقُولُ لَكِ. قَالَتْ: فَمَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: الَّذِي أَخْبَرَكِ بِمَا أَخْبَرَكِ. ثُمَّ ذَهَبَ حَتَى أَتَى مَجَالِسَ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ التَّجَلُّدُ يَا أبا الفضل، وَلَا يُصِيبُكَ إِلَّا خَيْرٌ. قَالَ: أَجَلْ، لَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَخْبَرَنِي الحجاج بِكَذَا وَكَذَا، وَقَدْ سَأَلَنِي أَنْ أَكْتُمَ

стр. 1207

عَلَيْهِ ثَلَاثًا لِحَاجَةٍ، فَرَدَّ اللَّهُ مَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ كَآبَةٍ وَجَزَعٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَوَاضِعِهِمْ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى العباس، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَأَشْرَقَتْ وُجُوهُ الْمُسْلِمِينَ. [فَصْلٌ فِيمَا كَانَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ] [جَوَازُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ] فَصْلٌ فِيمَا كَانَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ فَمِنْهَا مُحَارَبَةُ الْكُفَّارِ وَمُقَاتَلَتُهُمْ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَمَكَثَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى خَيْبَرَ فِي الْمُحَرَّمِ، كَذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عروة، عَنْ مروان وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: خَرَجَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَلَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ خُرُوجَهُ كَانَ فِي أَوَاخِرِ الْمُحَرَّمِ، لَا فِي أَوَّلِهِ، وَفَتْحُهَا إِنَّمَا كَانَ فِي صَفَرَ. وَأَقْوَى مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بَيْعَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَصْحَابَهُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ عَلَى الْقِتَالِ، وَأَلَّا يَفِرُّوا، وَكَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَلَكِنْ لَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا عُثْمَانَ وَهُمْ يُرِيدُونَ قِتَالَهُ، فَحِينَئِذٍ بَايَعَ الصَّحَابَةَ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِذَا بَدَأَ الْعَدُوُّ، إِنَّمَا الْخِلَافُ أَنْ يُقَاتَلَ فِيهِ ابْتِدَاءً، فَالْجُمْهُورُ جَوَّزُوهُ وَقَالُوا: تَحْرِيمُ الْقِتَالِ فِيهِ مَنْسُوخٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ﵏. وَذَهَبَ عطاء وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَكَانَ عطاء يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا يَحِلُّ الْقِتَالُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَلَا نَسَخَ تَحْرِيمَهُ شَيْءٌ. وَأَقْوَى مِنْ هَذَيْنِ الِاسْتِدْلَالَيْنِ الِاسْتِدْلَالُ بِحِصَارِ النَّبِيِّ ﷺ لِلطَّائِفِ؛ فَإِنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهَا فِي أَوَاخِرِ شَوَّالٍ، فَحَاصَرَهُمْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَبَعْضُهَا كَانَ فِي ذِي

стр. 1208

الْقَعْدَةِ، فَإِنَّهُ ( «فَتَحَ مَكَّةَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَقَامَ بِهَا بَعْدَ الْفَتْحِ تِسْعَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاة» ) ، فَخَرَجَ إِلَى هَوَازِنَ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ شَوَّالٍ عِشْرُونَ يَوْمًا، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَوَازِنَ، وَقَسَمَ غَنَائِمَهَا، ثُمَّ ذَهَبَ مِنْهَا إِلَى الطَّائِفِ فَحَاصَرَهَا بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ بَعْضَهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ بِلَا شَكٍّ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا حَاصَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَهُوَ الصَّحِيحُ بِلَا شَكٍّ، وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُ هَذَا التَّصْحِيحُ وَالْجَزْمُ بِهِ؟ وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ الطَّائِفِ قَالَ: ( «فَحَاصَرْنَاهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَاسْتَعْصَوْا وَتَمَنَّعُوا» ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَهَذَا الْحِصَارُ وَقَعَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ بِلَا رَيْبٍ، وَمَعَ هَذَا فَلَا دَلِيلَ فِي الْقِصَّةِ؛ لِأَنَّ غَزْوَ الطَّائِفِ كَانَ مِنْ تَمَامِ غَزْوَةِ هَوَازِنَ، وَهُمْ بَدَءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْقِتَالِ، وَلَمَّا انْهَزَمُوا دَخَلَ مَلِكُهُمْ وَهُوَ مالك بن عوف النضري مَعَ ثَقِيفٍ فِي حِصْنِ الطَّائِفِ مُحَارِبِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ غَزْوُهُمْ مِنْ تَمَامِ الْغَزْوَةِ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا، وَاللَّه أَعْلَمُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا، وَلَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢] [الْمَائِدَةِ: ٢] . وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] [الْبَقَرَةِ: ٢١٧] فَهَاتَانِ آيَتَانِ مَدَنِيَّتَانِ بَيْنَهُمَا فِي النُّزُولِ نَحْوُ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ نَاسِخٌ لِحُكْمِهِمَا، وَلَا أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى نَسْخِهِ، وَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى نَسْخِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 1209

﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] [التَّوْبَةِ: ٣٦] وَنَحْوِهَا مِنَ الْعُمُومَاتِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ عَلَى النَّسْخِ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبا عامر فِي سِرِّيَّةٍ إِلَى أَوْطَاسٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ تَمَامِ الْغَزْوَةِ الَّتِي بَدَأَ فِيهَا الْمُشْرِكُونَ بِالْقِتَالِ، وَلَمْ يَكُنِ ابْتِدَاءً مِنْهُ لِقِتَالِهِمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ. [فَصْلٌ في قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ لِآحَادِ الْجَيْشِ إِذَا وَجَدَ طَعَامًا أَنْ يَأْكُلَهُ وَلَا يُخَمِّسَهُ، كَمَا أَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ جِرَابَ الشَّحْمِ الَّذِي دُلِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَاخْتُصَّ بِهِ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا لَحِقَ مَدَدٌ بِالْجَيْشِ بَعْد تَقَضِّي الْحَرْبِ، فَلَا سَهْمَ لَهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْجَيْشِ وَرِضَاهُمْ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَلَّمَ أَصْحَابَهُ فِي أَهْلِ السَّفِينَةِ حِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ بِخَيْبَرَ - جعفر وَأَصْحَابِهِ - أَنْ يُسْهِمَ لَهُمْ فَأَسْهَمَ لَهُمْ. [فَصْلٌ في تَحْرِيمُ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ فَصْلٌ وَمِنْهَا تَحْرِيمُ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، صَحَّ عَنْهُ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَصَحَّ عَنْهُ تَعْلِيلُ التَّحْرِيمِ بِأَنَّهَا رِجْسٌ، وَهَذَا مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ: إِنَّمَا حَرَّمَهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ ظَهْرَ الْقَوْمِ وَحَمُولَتَهُمْ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: فَنِيَ الظَّهْرُ وَأُكِلَتِ الْحُمُرُ، حَرَّمَهَا، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا حَرَّمَهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا حَرَّمَهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ حَوْلَ الْقَرْيَةِ، وَكَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ، وَكُلُّ هَذَا فِي " الصَّحِيحِ "، لَكِنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّهَا رِجْسٌ) مُقَدَّمٌ عَلَى هَذَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ظَنِّ الرَّاوِي وَقَوْلِهِ بِخِلَافِ التَّعْلِيلِ بِكَوْنِهَا رِجْسًا.

стр. 1210

وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا التَّحْرِيمِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] [الْأَنْعَامِ: ١٤٥] ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حُرِّمَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْمَطَاعِمِ إِلَّا هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ، وَالتَّحْرِيمُ كَانَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَتَحْرِيمُ الْحُمُرِ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْرِيمٌ مُبْتَدَأٌ لِمَا سَكَتَ عَنْهُ النَّصُّ، لَا أَنَّهُ رَافِعٌ لِمَا أَبَاحَهُ الْقُرْآنُ، وَلَا مُخَصِّصٌ لِعُمُومِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.] [فَصْلٌ في تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ] فَصْلٌ وَلَمْ تُحَرَّمِ الْمُتْعَةُ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَإِنَّمَا كَانَ تَحْرِيمُهَا عَامَ الْفَتْحِ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ» ) . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا: ( «أَن عليا ﵁ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُلَيِّنُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ: مَهْلًا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ» ) . وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْهُ، ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ» ) .

стр. 1211

وَلَمَّا رَأَى هَؤُلَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبَاحَهَا عَامَ الْفَتْحِ ثُمَّ حَرَّمَهَا قَالُوا: حُرِّمَتْ ثُمَّ أُبِيحَتْ ثُمَّ حُرِّمَتْ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا حُرِّمَ ثُمَّ أُبِيحَ ثُمَّ حُرِّمَ إِلَّا الْمُتْعَةَ، قَالُوا: نُسِخَتْ مَرَّتَيْنِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، وَقَالُوا: لَمْ تُحَرَّمْ إِلَّا عَامَ الْفَتْحِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ كَانَتْ مُبَاحَةً. قَالُوا: وَإِنَّمَا جَمَعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بَيْنَ الْإِخْبَارِ بِتَحْرِيمِهَا وَتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُبِيحُهُمَا، فَرَوَى لَهُ علي تَحْرِيمَهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَدًّا عَلَيْهِ، وَكَانَ تَحْرِيمُ الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ بِلَا شَكٍّ، وَقَدْ ذَكَرَ يَوْمَ خَيْبَرَ ظَرْفًا لِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ، وَأَطْلَقَ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِزَمَنٍ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَحَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ» ) ، وَفِي لَفْظٍ: ( «حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ وَحَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» ) ، هَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ مُفَصَّلًا مُمَيَّزًا، فَظَنَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّ يَوْمَ خَيْبَرَ زَمَنٌ لِلتَّحْرِيمَيْنِ فَقَيَّدَهُمَا بِهِ، ثُمَّ جَاءَ بَعْضُهُمْ فَاقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ الْمُحَرَّمَيْنِ وَهُوَ تَحْرِيمُ الْحُمُرِ، وَقَيَّدَهُ بِالظَّرْفِ، فَمِنْ هَا هُنَا نَشَأَ الْوَهْمُ. وَقِصَّةُ خَيْبَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا الصَّحَابَةُ يَتَمَتَّعُونَ بِالْيَهُودِيَّاتِ، وَلَا اسْتَأْذَنُوا فِي ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا نَقَلَهُ أَحَدٌ قَطُّ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَلَا كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِيهَا ذِكْرٌ الْبَتَّةَ، لَا فِعْلًا وَلَا تَحْرِيمًا، بِخِلَافِ غَزَاةِ الْفَتْحِ؛ فَإِنَّ قِصَّةَ الْمُتْعَةِ كَانَتْ فِيهَا فِعْلًا وَتَحْرِيمًا مَشْهُورَةً، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَصَحُّ الطَّرِيقَتَيْنِ. وَفِيهَا طَرِيقَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُحَرِّمْهَا تَحْرِيمًا عَامًا الْبَتَّةَ، بَلْ حَرَّمَهَا عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا، وَأَبَاحَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَهَذِهِ كَانَتْ طَرِيقَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ حَتَّى كَانَ يُفْتِي بِهَا وَيَقُولُ: (هِيَ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، تُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَخَشْيَةِ الْعَنَتِ) ، فَلَمْ يَفْهَمْ عَنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ ذَلِكَ وَظَنُّوا أَنَّهُ أَبَاحَهَا إِبَاحَةً مُطْلَقَةً، وَشَبَّبُوا فِي ذَلِكَ بِالْأَشْعَارِ، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ رَجَعَ إِلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ.

стр. 1212

[فَصْلٌ في جَوَازُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: جَوَازُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، كَمَا عَامَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ، لَمْ يُنْسَخِ الْبَتَّةَ، وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُؤَاجَرَةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُضَارَبَةِ سَوَاءً، فَمَنْ أَبَاحَ الْمُضَارَبَةَ وَحَرَّمَ ذَلِكَ فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ. [فَصْلٌ في عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا أَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِمُ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِمُ الْبِذْرَ، وَلَا كَانَ يَحْمِلُ إِلَيْهِمُ الْبَذْرَ مِنَ الْمَدِينَةِ قَطْعًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَدْيَهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَامِلِ، وَهَذَا كَانَ هَدْيَ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَمَا أَنَّهُ هُوَ الْمَنْقُولُ فَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْقِيَاسِ؛ فَإِنَّ الْأَرْضَ بِمَنْزِلَةِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْقِرَاضِ، وَالْبَذْرُ يَجْرِي مَجْرَى سَقْيِ الْمَاءِ، وَلِهَذَا يَمُوتُ فِي الْأَرْضِ وَلَا يَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ رَأْسِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ لَاشْتُرِطَ عَوْدُهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَهَذَا يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ، فَعُلِمَ أَنَّ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ في خَرْصُ الثِّمَارِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ] فَصْلٌ وَمِنْهَا: خَرْصُ الثِّمَارِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ وَقِسْمَتُهَا كَذَلِكَ، وَأَنَّ الْقِسْمَةَ لَيْسَتْ بَيْعًا. وَمِنْهَا: الِاكْتِفَاءُ بِخَارِصٍ وَاحِدٍ وَقَاسِمٍ وَاحِدٍ. وَمِنْهَا: جَوَازُ عَقْدِ الْمُهَادَنَةِ عَقْدًا جَائِزًا، لِلْإِمَامِ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ. وَمِنْهَا: جَوَازُ تَعْلِيقِ عَقْدِ الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ بِالشَّرْطِ، كَمَا عَقَدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُغَيِّبُوا وَلَا يَكْتُمُوا.

стр. 1213

وَمِنْهَا: جَوَازُ تَقْرِيرِ أَرْبَابِ التُّهَم بِالْعُقُوبَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الْعَادِلَةِ لَا مِنَ السِّيَاسَةِ الظَّالِمَةِ. وَمِنْهَا: الْأَخْذُ في الْأَحْكَامِ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِكِنَانَةَ: ( «الْمَالُ كَثِيرٌ وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ» ) ، فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى كَذِبِهِ فِي قَوْلِهِ: أَذْهَبَتْهُ الْحُرُوبُ وَالنَّفَقَةُ. وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى كَذِبِهِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ، وَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْخَائِنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إِذَا خَالَفُوا شَيْئًا مِمَّا شُرِطَ عَلَيْهِمْ، لَمْ يَبْقَ لَهُمْ ذِمَّةٌ، وَحَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَدَ لِهَؤُلَاءِ الْهُدْنَةَ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُغَيِّبُوا وَلَا يَكْتُمُوا، فَإِنْ فَعَلُوا حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَفُوا بِالشَّرْطِ اسْتَبَاحَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَبِهَذَا اقْتَدَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ مَتَى خَالَفُوا شَيْئًا مِنْهَا فَقَدْ حَلَّ لَهُ مِنْهُمْ مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ. وَمِنْهَا: جَوَازُ نَسْخِ الْأَمْرِ قَبْلَ فِعْلِهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُمْ بِكَسْرِ الْقُدُورِ، ثُمَّ نَسَخَهُ عَنْهُمْ بِالْأَمْرِ بِغَسْلِهَا. وَمِنْهَا: أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ، لَا جِلْدُهُ وَلَا لَحْمُهُ، وَأَنَّ ذَبِيحَتَهُ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ، وَأَنَّ الذَّكَاةَ إِنَّمَا تَعْمَلُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ. وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ أَخَذَ مِنَ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا قَبْلَ قِسْمَتِهَا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ حَقِّهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَمْلِكُهُ بِالْقِسْمَةِ، وَلِهَذَا «قَالَ فِي صَاحِبِ الشَّمْلَةِ الَّتِي غَلَّهَا: (إِنَّهَا تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا) » . «وَقَالَ لِصَاحِبِ الشِّرَاكِ الَّذِي غَلَّهُ: (شِرَاكٌ مِنْ نَار) » .

стр. 1214

وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَتَرْكِهَا وَقَسْمِ بَعْضِهَا وَتَرْكِ بَعْضِهَا. وَمِنْهَا: جَوَازُ التَّفَاؤُلِ، بَلِ اسْتِحْبَابُهُ بِمَا يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعُهُ مِمَّا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَامِهِ، كَمَا تَفَاءَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِرُؤْيَةِ الْمَسَاحِي وَالْفُؤُوسِ وَالْمَكَاتِلِ مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ فَأْلٌ فِي خَرَابِهَا. وَمِنْهَا: جَوَازُ إِجْلَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِذَا اسْتُغْنِيَ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ» ) ، وَقَالَ لِكَبِيرِهِمْ: ( «كَيْفَ بِكَ إِذَا رَقَصَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ نَحْوَ الشَّامِ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا» ) ، وَأَجْلَاهُمْ عمر بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَهُوَ قَوْلٌ قَوِيٌّ يَسُوغُ الْعَمَلُ بِهِ إِذَا رَأَى الْإِمَامُ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ. وَلَا يُقَالُ: أَهْلُ خَيْبَرَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ ذِمَّةٌ، بَلْ كَانُوا أَهْلَ هُدْنَةٍ، فَهَذَا كَلَامٌ لَا حَاصِلَ تَحْتَهُ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ قَدْ أَمِنُوا بِهَا عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ أَمَانًا مُسْتَمِرًّا، نَعَمْ لَمْ تَكُنِ الْجِزْيَةُ قَدْ شُرِعَتْ وَنَزَلَ فَرْضُهَا، وَكَانُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، فَلَمَّا نَزَلَ فَرْضُ الْجِزْيَةِ اسْتُؤْنِفَ ضَرْبُهَا عَلَى مَنْ يُعْقَدُ لَهُ الذِّمَّةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ، فَلَمْ يَكُنْ عَدَمُ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ لِكَوْنِهِمْ لَيْسُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ، بَلْ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ نَزَلَ فَرْضُهَا بَعْدُ. وَأَمَّا كَوْنُ الْعَقْدِ غَيْرَ مُؤَبَّدٍ فَذَاكَ لِمُدَّةِ إِقْرَارِهِمْ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ، لَا لِمُدَّةِ حَقْنِ دِمَائِهِمْ، ثُمَّ يَسْتَبِيحُهَا الْإِمَامُ مَتَى شَاءَ، فَلِهَذَا قَالَ: ( «نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ، أَوْ مَا شِئْنَا» ) ، وَلَمْ يَقُلْ: نَحْقِنُ دِمَاءَكُمْ مَا شِئْنَا. وَهَكَذَا كَانَ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِقُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ عَقْدًا مَشْرُوطًا بِأَنْ لَا يُحَارِبُوهُ وَلَا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ، وَمَتَى فَعَلُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ، وَكَانُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ بِلَا جِزْيَةٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ فَرْضُهَا إِذْ ذَاكَ، وَاسْتَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبْيَ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَجَعَلَ نَقْضَ الْعَهْدِ سَارِيًا فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَجَعَلَ حُكْمَ السَّاكِتِ وَالْمُقِرِّ حُكْمَ النَّاقِضِ وَالْمُحَارِبِ، وَهَذَا مُوجَبُ هَدْيِهِ ﷺ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْدَ الْجِزْيَةِ أَيْضًا أَنْ يَسْرِي نَقْضُ الْعَهْدِ فِي

стр. 1215

ذُرِّيَّتِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَلَكِنْ هَذَا إِذَا كَانَ النَّاقِضُونَ طَائِفَةً لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ النَّاقِضُ وَاحِدًا مِنْ طَائِفَةٍ لَمْ يُوَافِقْهُ بَقِيَّتُهُمْ فَهَذَا لَا يَسْرِي النَّقْضُ إِلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دِمَاءَهُمْ مِمَّنْ كَانَ يَسُبُّهُ لَمْ يَسْبِ نِسَاءَهُمْ وَذُرِّيَّتَهُمْ، فَهَذَا هَدْيُهُ فِي هَذَا، وَهُوَ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَمِنْهَا: جَوَازُ عِتْقِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَجَعْلِ عِتْقِهَا صَدَاقًا لَهَا، وَيَجْعَلُهَا زَوْجَتَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا وَلَا شُهُودٍ وَلَا وَلِيٍّ غَيْرِهِ، وَلَا لَفْظِ إِنْكَاحٍ وَلَا تَزْوِيجٍ، كَمَا فَعَلَ ﷺ بصفية، وَلَمْ يَقِلْ قَطُّ: هَذَا خَاصٌّ بِي، وَلَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ، مَعَ عِلْمِهِ بِاقْتِدَاءِ أُمَّتِهِ بِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: إِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، بَلْ رَوَوُا الْقِصَّةَ وَنَقَلُوهَا إِلَى الْأُمَّةِ وَلَمْ يَمْنَعُوهُمْ وَلَا رَسُولُ اللَّه ﷺ مِنَ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا خَصَّهُ فِي النِّكَاحِ بِالْمَوْهُوبَةِ قَالَ: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] [الْأَحْزَابِ: ٥٠] ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لَهُ مِنْ دُونِ أُمَّتِهِ لَكَانَ هَذَا التَّخْصِيصُ أَوْلَى بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنَ السَّادَاتِ مَعَ إِمَائِهِمْ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَهَبُ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ لِنُدْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ أَوْ مِثْلُهُ فِي الْحَاجَةِ إِلَى الْبَيَانِ، وَلَا سِيَّمَا وَالْأَصْلُ مُشَارَكَةُ الْأُمَّةِ لَهُ وَاقْتِدَاؤُهَا بِهِ، فَكَيْفَ يَسْكُتُ عَنْ مَنْعِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ مَعَ قِيَامِ مُقْتَضَى الْجَوَازِ، هَذَا شِبْهُ الْمُحَالِ، وَلَمْ تَجْتَمِعِ الْأُمَّةُ عَلَى عَدَمِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ، فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَى إِجْمَاعِهِمْ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا وَمَنْفَعَةَ وَطْئِهَا وَخِدْمَتِهَا، فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ مِنْ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَيَسْتَبْقِيَ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ أَوْ نَوْعًا مِنْهَا، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدُمَهُ مَا عَاشَ، فَإِذَا أَخْرَجَ الْمَالِكُ رَقَبَةَ مِلْكِهِ وَاسْتَثْنَى نَوْعًا مِنْ مَنْفَعَتِهِ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْهُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَمَّا كَانَتْ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِعَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وَكَانَ إِعْتَاقُهَا يُزِيلُ مِلْكَ الْيَمِينِ عَنْهَا، كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ اسْتِبَاحَةِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ جَعْلُهَا زَوْجَةً وَسَيِّدُهَا كَانَ يَلِي

стр. 1216

نِكَاحَهَا وَبَيْعَهَا مِمَّنْ شَاءَ بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ مِنْهَا، وَلَمَّا كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ عَقْدُ النِّكَاحِ مَلَكَهُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ الْمُسْتَثْنَى لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الْمُوَافِقِ لِلسُّنَةِ الصَّحِيحَةِ، وَاللَّهِ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا: جَوَازُ كَذِبِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ضَرَرَ ذَلِكَ الْغَيْرِ إِذَا كَانَ يَتَوَصَّلُ بِالْكَذِبِ إِلَى حَقِّهِ، كَمَا كَذَبَ الحجاج بن علاط عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَخَذَ مَالَهُ مِنْ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ لَحِقَتِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ الْكَذِبِ، وَأَمَّا مَا نَالَ مَنْ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَذَى وَالْحُزْنِ فَمَفْسَدَةٌ يَسِيرَةٌ فِي جَنْبِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِالْكَذِبِ، وَلَا سِيَّمَا تَكْمِيلُ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ الَّذِي حَصَلَ بِالْخَبَرِ الصَّادِقِ بَعْدَ هَذَا الْكَذِبِ، فَكَانَ الْكَذِبُ سَبَبًا فِي حُصُولِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَنَظِيرُ هَذَا الْإِمَامُ وَالْحَاكِمُ يُوهِمُ الْخَصْمَ خِلَافَ الْحَقِّ؛ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى اسْتِعْلَامِ الْحَقِّ، كَمَا ( «أَوْهَمَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ بِشَقِّ الْوَلَدِ نِصْفَيْنِ حَتَّى تَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِ الْأُمِّ» ) وَمِنْهَا: جَوَازُ بِنَاءِ الرَّجُلِ بِامْرَأَتِهِ فِي السَّفَرِ وَرُكُوبِهَا مَعَهُ عَلَى دَابَّةٍ بَيْنَ الْجَيْشِ. وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ قَتَلَ غَيْرَهُ بِسُمٍّ يَقْتُلُ مِثْلُهُ قُتِلَ بِهِ قِصَاصًا، كَمَا قُتِلَتِ الْيَهُودِيَّةُ بِبِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ. وَمِنْهَا: جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَحِلُّ طَعَامِهِمْ. وَمِنْهَا: قَبُولُ هَدِيَّةِ الْكَافِرِ، فَإِنْ قِيلَ: فَلَعَلَّ الْمَرْأَةَ قُتِلَتْ لِنَقْضِ الْعَهْدِ لِحِرَابِهَا بِالسُّمِّ لَا قِصَاصًا، قِيلَ: لَوْ كَانَ قَتْلُهَا لِنَقْضِ الْعَهْدِ لَقُتِلَتْ مِنْ حِينِ أَقَرَّتْ أَنَّهَا سَمَّتِ الشَّاةَ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ قَتْلُهَا عَلَى مَوْتِ الْآكِلِ مِنْهَا.

стр. 1217

فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا قُتِلَتْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ؟ قِيلَ: هَذَا حَجَّةُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي نَاقِضِ الْعَهْدِ كَالْأَسِيرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ تُوجِبُونَ قَتْلَهُ حَتْمًا كَمَا هُوَ مَنْصُوصُ أحمد، وَإِنَّمَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَمَنْ تَبِعَهُ قَالُوا: يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِ، قِيلَ: إِنْ كَانَتْ قِصَّةُ الشَّاةِ قَبْلَ الصُّلْحِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ الصُّلْحِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَرَ النَّقْضَ بِهِ فَظَاهِرٌ، وَمَنْ رَأَى النَّقْضَ بِهِ فَهَلْ يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ أَوْ يُخَيَّرُ فِيهِ، أَوْ يُفْصَلُ بَيْنَ بَعْضِ الْأَسْبَابِ النَّاقِضَةِ وَبَعْضِهَا، فَيَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ بِسَبَبِ السَّبَبِ، وَيُخَيَّرُ فِيهِ إِذَا نَقَضَهُ بِحِرَابِهِ وَلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ نَقَضَهُ بِسِوَاهُمَا كَالْقَتْلِ وَالزِّنَى بِالْمُسْلِمَةِ وَالتَّجَسُّسِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَإِطْلَاعِ الْعَدُوِّ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ؟ فَالْمَنْصُوصُ تَعَيُّنُ الْقَتْلِ، وَعَلَى هَذَا فَهَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمَّا سَمَّتِ الشَّاةَ صَارَتْ بِذَلِكَ مُحَارِبَةً، وَكَانَ قَتْلُهَا مُخَيَّرًا فِيهِ، فَلَمَّا مَاتَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ السُّمِّ قُتِلَتْ حَتْمًا؛ إِمَّا قِصَاصًا وَإِمَّا لِنَقْضِ الْعَهْدِ بِقَتْلِهَا الْمُسْلِمَ، فَهَذَا مُحْتَمَلٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتُلِفَ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ: هَلْ كَانَ عَنْوَةً أَوْ كَانَ بَعْضُهَا صُلْحًا وَبَعْضُهَا عَنْوَةً؟ فَرَوَى أبو داود مِنْ حَدِيثِ أنس ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، فَجُمِعَ السَّبْيُ» ) وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ افْتَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ» ) وَذَكَرَ أبو داود عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: ( «بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ افْتَتَحَ خَيْبَرَ

стр. 1218

عَنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ، وَنَزَلَ مَنْ نَزَلَ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى الْجَلَاءِ بَعْدَ الْقِتَالِ» ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ، أَنَّهَا كَانَتْ عَنْوَةً كُلُّهَا مَغْلُوبًا عَلَيْهَا، بِخِلَافِ فَدَكٍ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ جَمِيعَ أَرْضِهَا عَلَى الْغَانِمِينَ لَهَا الْمُوجِفِينَ عَلَيْهَا بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَهُمْ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ أَرْضَ خَيْبَرَ مَقْسُومَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا: هَلْ تُقْسَمُ الْأَرْضُ إِذَا غُنِمَتِ الْبِلَادُ أَوْ تُوقَفُ؟ فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قِسْمَتِهَا كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْضِ خَيْبَرَ، وَبَيْنَ إِيقَافِهَا كَمَا فَعَلَ عمر بِسَوَادِ الْعِرَاقِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُقْسَمُ الْأَرْضُ كُلُّهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ غَنِيمَةٌ كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ. وَذَهَبَ مالك إِلَى إِيقَافِهَا اتِّبَاعًا لعمر؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ مَخْصُوصَةٌ مِنْ سَائِرِ الْغَنِيمَةِ بِمَا فَعَلَ عمر فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ إِيقَافِهَا لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَوَى مالك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عمر يَقُولُ: ( «لَوْلَا أَنْ يُتْرَكَ آخِرُ النَّاسِ لَا شَيْءَ لَهُمْ مَا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا سُهْمَانًا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ سُهْمَانًا» ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَرْضَ خَيْبَرَ قُسِمَتْ كُلُّهَا سُهْمَانًا كَمَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا صُلْحًا وَبَعْضُهَا عَنْوَةً، فَقَدْ وَهِمَ وَغَلِطَ، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّبْهَةُ بِالْحِصْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسْلَمَهُمَا أَهْلُهُمَا فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلُ ذَيْنِكَ الْحِصْنَيْنِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ

стр. 1219

مَغْنُومِينَ، ظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ لِصُلْحٍ، وَلَعَمْرِي إِنَّ ذَلِكَ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ كَضَرْبٍ مِنَ الصُّلْحِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا أَرْضَهُمْ إِلَّا بِالْحِصَارِ وَالْقِتَالِ، فَكَانَ حُكْمُ أَرْضِهِمَا حُكْمَ سَائِرِ أَرْضِ خَيْبَرَ كُلِّهَا عَنْوَةً غَنِيمَةً مَقْسُومَةً بَيْنَ أَهْلِهَا. وَرُبَّمَا شُبِّهَ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ نِصْفَ خَيْبَرَ صُلْحٌ، وَنِصْفَهَا عَنْوَةٌ، بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «قَسَمَ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ: نِصْفًا لَهُ وَنِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ» ) قَالَ أبو عمر: وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ النِّصْفَ لَهُ مَعَ سَائِرِ مَنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ مَعَهُ؛ لِأَنَّهَا قُسِمَتْ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا، فَوَقَعَ السَّهْمُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَوَقَعَ سَائِرُ النَّاسِ فِي بَاقِيهَا، وَكُلُّهُمْ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ ثُمَّ خَيْبَرَ، وَلَيْسَتِ الْحُصُونُ الَّتِي أَسْلَمَهَا أَهْلُهَا بَعْدَ الْحِصَارِ وَالْقِتَالِ صُلْحًا، وَلَوْ كَانَتْ صُلْحًا لَمَلَكَهَا أَهْلُهَا كَمَا يَمْلِكُ أَهْلُ الصُّلْحِ أَرْضَهُمْ وَسَائِرَ أَمْوَالِهِمْ، فَالْحَقُّ فِي هَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ دُونَ مَا قَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. هَذَا آخِرُ كَلَامِ أبي عمر. قُلْتُ: ذَكَرَ مالك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا عَنْوَةً وَبَعْضُهَا صُلْحًا، وَالْكُتَيْبَةُ أَكْثَرُهَا عَنْوَةً، وَفِيهَا صُلْحٌ. قَالَ مالك: وَالْكُتَيْبَةُ أَرْضُ خَيْبَرَ وَهُوَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَذْقٍ. وَقَالَ مالك عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «افْتَتَحَ بَعْضَ خَيْبَرَ عَنْوَةً» ) [فَصْلٌ في انصرافه ﷺ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى وَادِي الْقُرَى] فَصْلٌ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى وَادِي الْقُرَى، وَكَانَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ

стр. 1220

الْيَهُودِ، وَقَدِ انْضَافَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَلَمَّا نَزَلُوا اسْتَقْبَلَهُمْ يَهُودُ بِالرَّمْيِ وَهُمْ عَلَى غَيْرِ تَعْبِئَةٍ، «فَقُتِلَ مدعم عَبْدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا) ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النَّاسُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ) » . فَعَبَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ وَصَفَّهُمْ وَدَفَعَ لِوَاءَهُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَرَايَةً إِلَى الحباب بن المنذر، وَرَايَةً إِلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَرَايَةً إِلَى عَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا أَمْوَالَهُمْ وَحَقَنُوا دِمَاءَهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ، فَبَرَزَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَبَرَزَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ آخَرُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ آخَرُ فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَتَلَهُ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، كُلَّمَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ دَعَا مَنْ بَقِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْضُرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَيُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ ثُمَّ يَعُودُ فَيَدَعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَإِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَمْسَوْا وَغَدَا عَلَيْهِمْ فَلَمْ تَرْتَفِعِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ حَتَّى أَعْطَوْا مَا بِأَيْدِيهِمْ وَفَتَحَهَا عَنْوَةً وَغَنَّمَهُ اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ، وَأَصَابُوا أَثَاثًا وَمَتَاعًا كَثِيرًا، وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَادِي الْقُرَى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَقَسَمَ مَا أَصَابَ عَلَى أَصْحَابِهِ بِوَادِي الْقُرَى، وَتَرَكَ الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ بِأَيْدِي الْيَهُودِ، وَعَامَلَهُمْ عَلَيْهَا، فَلَمَّا بَلَغَ يَهُودَ تَيْمَاءَ مَا وَاطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ وَوَادِي الْقُرَى، صَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَقَامُوا بِأَمْوَالِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَخْرَجَ يَهُودَ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ وَلَمْ يُخْرِجْ أَهْلَ تَيْمَاءَ.

стр. 1221

وَوَادِي الْقُرَى؛ لِأَنَّهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي أَرْضِ الشَّامِ وَيَرَى أَنَّ مَا دُونَ وَادِي الْقُرَى إِلَى الْمَدِينَةِ حِجَازٌ، وَأَنَّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الشَّامِ، وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ. «فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَدْرَكَهُمُ الْكَرَى، عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلَالٍ: "اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ " [فَصَلَّى بلال مَا قُدَّرَ لَهُ وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بلال إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ] ، فَغَلَبَتْ بلالا عَيْنَاهُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا بلال، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " أَيْ بلال "؟ فَقَالَ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، ثُمَّ قَالَ: " هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ "، فَلَمَّا جَاوَزَهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا، وَأَنْ يَتَوَضَّئُوا، ثُمَّ صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَمَرَ بلالا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ، وَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا " ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أبي بكر فَقَالَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بلالا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدِّأُ الصَّبِيَّ حَتَّى نَامَ "، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بلالا فَأَخْبَرَهُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ أبا بكر» . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي مَرْجِعِهِمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ

стр. 1222

فِي مَرْجِعِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَقَدْ رَوَى قِصَّةَ النَّوْمِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَلَمْ يُوَقِّتْ مُدَّتَهَا، وَلَا ذَكَرَ فِي أَيِّ غَزْوَةٍ كَانَتْ، وَكَذَلِكَ رَوَاهَا أَبُو قَتَادَةَ، كِلَاهُمَا فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ مَحْفُوظَةٍ. وَرَوَى مالك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَهَذَا مُرْسَلٌ. وَقَدْ رَوَى شعبة، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ عبد الرحمن بن أبي علقمة، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ النّبِيُّ ﷺ : " مَنْ يَكْلَؤُنَا؟ " فَقَالَ بلال: أَنَا» ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ. لَكِنْ قَدِ اضْطَرَبَتِ الرُّوَاةُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شعبة، عَنْ جامع: إِنَّ الْحَارِسَ فِيهَا كَانَ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْهُ: إِنَّ الْحَارِسَ كَانَ بلالا، وَاضْطَرَبَتِ الرِّوَايَةُ فِي تَارِيخِهَا، فَقَالَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ شعبة عَنْهُ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَقَالَ غَيْرُهُ عَنْهُ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي مَرْجِعِهِمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَدَلَّ عَلَى وَهْمٍ وَقَعَ فِيهَا، وَرِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سعيد سَالِمَةٌ مِنْ ذَلِكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصَّةِ] فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِيهَا: أَنَّ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَوَقْتُهَا حِينَ يَسْتَيْقِظُ أَوْ يَذْكُرُهَا.

стр. 1223

وَفِيهَا: أَنَّ السُّنَنَ الرَّوَاتِبَ تُقْضَى كَمَا تُقْضَى الْفَرَائِضُ، وَقَدْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُنَّةَ الْفَجْرِ مَعَهَا، وَقَضَى سُنَّةَ الظُّهْرِ وَحْدَهَا، وَكَانَ هَدْيُهُ ﷺ قَضَاءَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ. وَفِيهَا: أَنَّ الْفَائِتَةَ يُؤَذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، أَنَّهُ أَمَرَ بلالا فَنَادَى بِالصَّلَاةِ، وَفِي بَعْضِهَا فَأَمَرَ بلالا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ذَكَرَهُ أبو داود. وَفِيهَا: قَضَاءُ الْفَائِتَةِ جَمَاعَةً. وَفِيهَا: قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ لِقَوْلِهِ: "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا "، وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا عَنْ مَكَانِ مُعَرَّسِهِمْ قَلِيلًا، لِكَوْنِهِ مَكَانًا فِيهِ شَيْطَانٌ فَارْتَحَلَ مِنْهُ إِلَى مَكَانٍ خَيْرٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ لَا يُفَوِّتُ الْمُبَادَرَةَ إِلَى الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُمْ فِي شُغُلِ الصَّلَاةِ وَشَأْنِهَا. وَفِيهَا: تَنْبِيهٌ عَلَى اجْتِنَابِ الصَّلَاةِ فِي أَمْكِنَةِ الشَّيْطَانِ، كَالْحَمَّامِ وَالْحُشِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّ هَذِهِ مَنَازِلُهُ الَّتِي يَأْوِي إِلَيْهَا وَيَسْكُنُهَا، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ تَرَكَ الْمُبَادَرَةَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: إِنَّ بِهِ شَيْطَانًا، فَمَا الظَّنُّ بِمَأْوَى الشَّيْطَانِ وَبَيْتِهِ. [فَصْلٌ في رَدُّ الْمُهَاجِرِينَ مَنَائِحَ الْأَنْصَارِ] فَصْلٌ وَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ إِيَّاهَا مِنَ النَّخِيلِ، حِينَ صَارَ لَهُمْ بِخَيْبَرَ مَالٌ وَنَخِيلٌ، فَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ - وَهِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - أَعْطَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِذَاقًا، فَأَعْطَاهُنَّ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاتَهُ، وَهِيَ أُمُّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ مَكَانَ كُلِّ عَذْقٍ عَشَرَةً ". [فَصْلٌ في السَّرَايَا بَيْنَ مَقْدَمِهِ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى شَوَّالٍ] فَصْلٌ وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَقْدَمِهِ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى شَوَّالٍ، وَبَعَثَ فِي

стр. 1224

خِلَالِ ذَلِكَ السَّرَايَا. فَمِنْهَا: " سَرِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى نَجْدٍ قِبَلَ بَنِي فَزَارَةَ، وَمَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، فَوَقَعَ فِي سَهْمِهِ جَارِيَةٌ حَسْنَاءُ، فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفَادَى بِهَا أَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ ". وَمِنْهَا: سَرِيَّةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا نَحْوَ هَوَازِنَ، فَجَاءَهُمُ الْخَبَرُ، فَهَرَبُوا وَجَاءُوا مَحَالَّهُمْ، فَلَمْ يَلْقَ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَانْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ الدَّلِيلُ: هَلْ لَكَ فِي جَمْعٍ مِنْ خَثْعَمَ جَاءُوا سَائِرِينَ، وَقَدْ أَجْدَبَتْ بِلَادُهُمْ؟ فَقَالَ عمر: لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ. وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ. وَمِنْهَا: سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا، فِيهِمْ عبد الله بن أنيس، إِلَى يسير بن رزام الْيَهُودِيِّ، فَإِنَّهُ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَجْمَعُ غَطَفَانَ لِيَغْزُوَهُ بِهِمْ، فَأَتَوْهُ بِخَيْبَرَ فَقَالُوا: أَرْسَلَنَا إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَسْتَعْمِلَكَ عَلَى خَيْبَرَ، فَلَمْ يَزَالُوا حَتَّى تَبِعَهُمْ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَدِيفٌ منَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغُوا قَرْقَرَةَ نِيَارٍ - وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ - نَدِمَ يَسِيرُ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى سَيْفِ عبد الله بن أنيس، فَفَطِنَ لَهُ عبد الله بن أنيس، فَزَجَرَ بَعِيرَهُ، ثُمَّ اقْتَحَمَ عَنِ الْبَعِيرِ يَسُوقُ الْقَوْمَ، حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنَ مِنْ يَسِيرَ، ضَرَبَ رِجْلَهُ فَقَطَعَهَا، وَاقْتَحَمَ يَسِيرُ وَفِي يَدِهِ مِخْرَشٌ مِنْ شَوْحَطٍ، فَضَرَبَ بِهِ وَجْهَ عبد الله فَشَجَّهُ مَأْمُومَةً، فَانْكَفَأَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى رَدِيفِهِ فَقَتَلَهُ، غَيْرَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، أَعْجَزَهُمْ شَدًّا، وَلَمْ يُصَبْ منَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ، وَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَصَقَ فِي شَجَّةِ

стр. 1225

عبد الله بن أنيس، فَلَمْ تَقِحْ، وَلَمْ تُؤْذِهِ حَتَّى مَاتَ. وَمِنْهَا: سَرِيَّةُ بشير بن سعد الأنصاري إِلَى بَنِي مُرَّةَ بِفَدَكٍ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَ رِعَاءَ الشَّاءِ، فَاسْتَاقَ الشَّاءَ وَالنَّعَمَ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَدْرَكَهُ الطَّلَبُ عِنْدَ اللَّيْلِ، فَبَاتُوا يَرْمُونَهُمْ بِالنَّبْلِ حَتَّى فَنِيَ نَبْلُ بَشِيرٍ وَأَصْحَابِهِ، فَوَلَّى مِنْهُمْ مَنْ وَلَّى، وَأُصِيبَ مِنْهُمْ مَنْ أُصِيبَ، وَقَاتَلَ بَشِيرٌ قِتَالًا شَدِيدًا، وَرَجَعَ الْقَوْمُ بِنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمْ، وَتَحَامَلَ بَشِيرٌ حَتَّى انْتَهَى إِلَى فَدَكٍ، فَأَقَامَ عِنْدَ يَهُودَ حَتَّى بَرِئَتْ جِرَاحُهُ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ. «ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى الْحُرَقَةِ، مِنْ جُهَيْنَةَ وَفِيهِمْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ بَعَثَ الْأَمِيرُ الطَّلَائِعَ، فَلَمَّا رَجَعُوا بِخَبَرِهِمْ، أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ لَيْلًا، وَقَدِ احْتَلَبُوا وَهَدَءُوا، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ تُطِيعُونِي، وَلَا تَعْصُونِي، وَلَا تُخَالِفُوا أَمْرِي، فَإِنَّهُ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ، ثُمَّ رَتَّبَهُمْ، وَقَالَ: يَا فُلَانُ أَنْتَ وَفُلَانٌ، وَيَا فُلَانُ أَنْتَ وَفُلَانٌ، لَا يُفَارِقْ كُلٌّ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ وَزَمِيلَهُ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ يَرْجِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَأَقُولُ: أَيْنَ صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، فَإِذَا كَبَّرْتُ فَكَبِّرُوا وَجَرِّدُوا السُّيُوفَ، ثُمَّ كَبَّرُوا وَحَمَلُوا حَمْلَةً وَاحِدَةً، وَأَحَاطُوا بِالْقَوْمِ، وَأَخَذَتْهُمْ سُيُوفُ اللَّهِ فَهُمْ يَضَعُونَهَا مِنْهُمْ حَيْثُ شَاءُوا وَشِعَارُهُمْ "أَمِتْ أَمِتْ» . «وَخَرَجَ أسامة فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مرداس بن نهيك، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ وَلَحَمَهُ بِالسَّيْفِ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ اسْتَاقُوا الشَّاءَ وَالنَّعَمَ وَالذُّرِّيَّةَ، وَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ عَشَرَةَ أَبْعِرَةٍ لِكُلِّ رَجُلٍ أَوْ عِدْلَهَا مِنَ النَّعَمِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُخْبِرَ بِمَا صَنَعَ أسامة، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: " أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا، قَالَ: فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ "، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فَمَا زَالَ يُكَرِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ

стр. 1226

يَوْمَئِذٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُعْطِي اللَّهَ عَهْدًا أَلَّا أَقْتُلَ رَجُلًا يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " بَعْدِي" فَقَالَ: أُسَامَةُ بَعْدَكَ» . [فصل في سَرِيَّةُ غَالِبٍ الْكَلْبِيِّ إِلَى بَنِي الْمُلَوَّحِ] فَصْلٌ وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي إِلَى بَنِي الْمُلَوَّحِ بِالْكَدِيدِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ مسلم بن عبد الله الجهني، عَنْ جندب بن مكيث الجهني، قَالَ: كُنْتُ فِي سَرِيَّتِهِ، فَمَضَيْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِقُدَيْدٍ لَقِينَا بِهِ الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي، فَأَخَذْنَاهُ فَقَالَ: إِنَّمَا جِئْتُ لِأُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا جِئْتَ لِتُسْلِمَ، فَلَا يَضُرُّكَ رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ اسْتَوْثَقْنَا مِنْكَ، فَأَوْثَقَهُ رِبَاطًا وَخَلَّفَ عَلَيْهِ رُوَيْجِلًا أَسْوَدَ، وَقَالَ لَهُ: امْكُثْ مَعَهُ حَتَّى نَمُرَّ عَلَيْكَ، فَإِذَا عَازَّكَ، فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، فَمَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا بَطْنَ الْكَدِيدِ، فَنَزَلْنَاهُ عَشِيَّةً بَعْدَ الْعَصْرِ، فَبَعَثَنِي أَصْحَابِي إِلَيْهِ، فَعَمَدْتُ إِلَى تَلٍّ يُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ، فَانْبَطَحْتُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَنَظَرَ فَرَآنِي مُنْبَطِحًا عَلَى التَّلِّ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنِّي لَأَرَى سَوَادًا عَلَى هَذَا التَّلِّ مَا رَأَيْتُهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَانْظُرِي لَا تَكُونُ الْكِلَابُ اجْتَرَّتْ بَعْضَ أَوْعِيَتِكِ، فَنَظَرَتْ فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا أَفْقِدُ شَيْئًا. قَالَ: فَنَاوِلِينِي قَوْسِي وَسَهْمَيْنِ مِنْ نَبْلِي،

стр. 1227

فَنَاوَلَتْهُ، فَرَمَانِي بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِي جَنْبِي، فَنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، ثُمَّ رَمَانِي بِالْآخَرِ، فَوَضَعَهُ فِي رَأْسِ مَنْكِبِي، فَنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ، وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمَا وَاللَّهِ، لَقَدْ خَالَطَهُ سِهَامِي، وَلَوْ كَانَ رَبِيئَةً لَتَحَرَّكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتِ فَابْتَغِي سَهْمَيَّ، فَخُذِيهِمَا لَا تَمْضُغْهُمَا الْكِلَابُ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَمْهَلْنَاهُمْ حَتَّى إِذَا رَاحَتْ رَوَائِحُهُمْ، وَاحْتَلَبُوا وَسَكَنُوا، وَذَهَبَتْ عَتَمَةُ اللَّيْلِ، شَنَنَّا عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ، فَقَتَلْنَا مَنْ قَتَلْنَا، وَاسْتَقْنَا النَّعَمَ، فَوَجَّهْنَا قَافِلِينَ بِهِ، وَخَرَجَ صَرِيخُهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ، وَخَرَجْنَا سِرَاعًا حَتَّى نَمُرَّ بالحارث بن مالك وَصَاحِبِهِ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ مَعَنَا، وَأَتَانَا صَرِيخُ النَّاسِ، فَجَاءَنَا مَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إِلَّا بَطْنُ الْوَادِي مِنْ قُدَيْدٍ، أَرْسَلَ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ سَيْلًا، لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مَطَرًا، فَجَاءَ بِمَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ يَقْدَمُ عَلَيَّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ وُقُوفًا يَنْظُرُونَ إِلَيْنَا مَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ، وَنَحْنُ نَحْدُوهَا، فَذَهَبْنَا سِرَاعًا حَتَّى أَسْنَدْنَاهَا فِي الْمُشَلَّلِ، ثُمَّ حَدَرْنَاهَا عَنْهُ، فَأَعْجَزْنَا الْقَوْمَ بِمَا فِي أَيْدِينَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ هِيَ السَّرِيَّةُ الَّتِي قَبْلَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فصل في سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى جَمْعِ يَمَنَ وَغَطَفَانَ وَحَيَّانَ] فَصْلٌ ثُمَّ قَدِمَ حسيل بن نويرة، وَكَانَ دَلِيلَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا وَرَاءَكَ؟ "، قَالَ: تَرَكْتُ جَمْعًا مِنْ يَمَنَ وَغَطَفَانَ وَحَيَّانَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عيينة، إِمَّا أَنْ تَسِيرُوا إِلَيْنَا، وَإِمَّا أَنْ نَسِيرَ إِلَيْكُمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ أَنْ سِرْ إِلَيْنَا، وَهُمْ يُرِيدُونَكَ، أَوْ بَعْضَ أَطْرَافِكَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بكر وعمر، فَذَكَرَ لَهُمَا ذَلِكَ، فَقَالَا جَمِيعًا: ابْعَثْ بشير بن سعد، فَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةِ

стр. 1228

رَجُلٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا اللَّيْلَ، وَيَكْمُنُوا النَّهَارَ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ حسيل دَلِيلًا، فَسَارُوا اللَّيْلَ وَكَمَنُوا النَّهَارَ، حَتَّى أَتَوْا أَسْفَلَ خَيْبَرَ، حَتَّى دَنَوْا مِنَ الْقَوْمِ فَأَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِمْ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ جَمْعَهُمْ، فَتَفَرَّقُوا، فَخَرَجَ بشير فِي أَصْحَابِهِ حَتَّى أَتَى مَحَالَّهُمْ، فَيَجِدُهَا لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ، فَرَجَعَ بِالنَّعَمِ، فَلَمَّا كَانُوا بِسِلَاحٍ، لَقُوا عَيْنًا لعيينة، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ لَقُوا جَمْعَ عيينة وعيينة لَا يَشْعُرُ بِهِمْ، فَنَاوَشُوهُمْ، ثُمَّ انْكَشَفَ جَمْعُ عيينة، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَصَابُوا مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ، فَقَدِمُوا بِهِمَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَا فَأَرْسَلَهُمَا. وَقَالَ الحارث بن عوف لعيينة وَقَدْ لَقِيَهُ مُنْهَزِمًا تَعْدُو بِهِ فَرَسُهُ: قِفْ. قَالَ: لَا أَقْدِرُ خَلْفِي الطَّلَبُ. فَقَالَ لَهُ الحارث: أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تُبْصِرَ بَعْضَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَطِئَ الْبِلَادَ، وَأَنْتَ تُوضِعُ فِي غَيْرِ شَيْءٍ؟ قَالَ الحارث: فَأَقَمْتُ مِنْ حِينِ زَالَتِ الشَّمْسُ إِلَى اللَّيْلِ وَمَا أَرَى أَحَدًا، وَلَا طَلَبُوهُ، إِلَّا الرُّعْبَ الَّذِي دَخَلَهُ. [فصل في سَرِيَّةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ] فَصْلٌ وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابن أبي حدرد الأسلمي فِي سَرِيَّةٍ وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِ مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُشْمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُقَالُ لَهُ: قيس بن رفاعة، أَوْ رفاعة بن قيس، أَقْبَلَ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ حَتَّى نَزَلُوا بِالْغَابَةِ، يُرِيدُ أَنْ يَجْمَعَ قيسا عَلَى مُحَارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ ذَا اسْمٍ وَشَرَفٍ فِي جُشْمٍ، قَالَ: فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجُلَيْنِ منَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: "اخْرُجُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى تَأْتُوا مِنْهُ بِخَبَرٍ وَعِلْمٍ " فَقَدَّمَ إِلَيْنَا شَارِفًا عَجْفَاءَ، فَحُمِلَ عَلَيْهَا أَحَدُنَا فَوَاللَّهِ مَا قَامَتْ بِهِ ضَعْفًا حَتَّى دَعَمَهَا الرِّجَالُ مِنْ خَلْفِهَا بِأَيْدِيهِمْ حَتَّى اسْتَقَلَّتْ وَمَا كَادَتْ، وَقَالَ: "تَبَلَّغُوا عَلَى هَذِهِ " فَخَرَجْنَا وَمَعَنَا سِلَاحُنَا مِنَ النَّبْلِ وَالسُّيُوفِ، حَتَّى إِذَا جِئْنَا قَرِيبًا مِنَ الْحَاضِرِ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَمَنْتُ فِي نَاحِيَةٍ، وَأَمَرْتُ صَاحِبَيَّ، فَكَمَنَا فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنْ حَاضِرِ الْقَوْمِ، قُلْتُ لَهُمَا: إِذَا سَمِعْتُمَانِي قَدْ كَبَّرْتُ وَشَدَدْتُ فِي

стр. 1229

نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، فَكَبِّرَا وَشِدَّا مَعِي، فَوَاللَّهِ إِنَّا كَذَلِكَ نَنْتَظِرُ أَنْ نَرَى غِرَّةً أَوْ نَرَى شَيْئًا، وَقَدْ غَشِيَنَا اللَّيْلُ حَتَّى ذَهَبَتْ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ رَاعٍ قَدْ سَرَحَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى تَخَوَّفُوا عَلَيْهِ، فَقَامَ صَاحِبُهُمْ رفاعة بن قيس، فَأَخَذَ سَيْفَهُ فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَتْبَعَنَّ أَثَرَ رَاعِينَا هَذَا، وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَهُ شَرٌّ، فَقَالَ نَفَرٌ مِمَّنْ مَعَهُ: وَاللَّهِ لَا تَذْهَبُ نَحْنُ نَكْفِيكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَذْهَبُ إِلَّا أَنَا. قَالُوا: فَنَحْنُ مَعَكَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَتْبَعُنِي مِنْكُمْ أَحَدٌ، وَخَرَجَ حَتَّى يَمُرَّ بِي، فَلَمَّا أَمْكَنَنِي نَفَحْتُهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعْتُهُ فِي فُؤَادِهِ، فَوَاللَّهِ مَا تَكَلَّمَ، فَوَثَبْتُ إِلَيْهِ فَاحْتَزَزْتُ رَأْسَهُ، ثُمَّ شَدَدْتُ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، وَكَبَّرْتُ، وَشَدَّ صَاحِبَايَ فَكَبَّرَا، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا النَّجَاءُ مِمَّنْ كَانَ فِيهِ: عِنْدَكَ عِنْدَكَ، بِكُلِّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَمَا خَفَّ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَاسْتَقْنَا إِبِلًا عَظِيمَةً وَغَنَمًا كَثِيرَةً، فَجِئْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجِئْتُ بِرَأْسِهِ أَحْمِلُهُ مَعِي، فَأَعْطَانِي مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا فِي صَدَاقِي، فَجَمَعْتُ إِلَيَّ أَهْلِي، وَكُنْتُ قَدْ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، فَأَصْدَقْتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْتَعِينُهُ عَلَى نِكَاحِي، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أُعِينُكَ، فَلَبِثْتُ أَيَّامًا ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ السَّرِيَّةَ. [فصل في بعثه سَرِيَّةٌ إِلَى إِضَمَ] فَصْلٌ وَبَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى إِضَمَ، وَكَانَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، ومحلم بن جثامة، فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَمَرَّ بِهِمْ عامر بن الأضبط الأشجعي، عَلَى قَعُودٍ لَهُ مَعَهُ مُتَيِّعٌ لَهُ، وَوَطَبٌ مِنْ لَبَنٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، فَأَمْسَكُوا عَنْهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ محلم بن جثامة فَقَتَلَهُ؛ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَأَخَذَ بَعِيرَهُ وَمُتَيِّعَهُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَنَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]

стр. 1230

[النِّسَاءِ: ٩٤] ، فَلَمَّا قَدِمُوا، أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: آمَنْتُ بِاللَّهِ"؟ وَلَمَّا كَانَ عَامُ خَيْبَرَ، جَاءَ عيينة بن بدر يَطْلُبُ بِدَمِ عامر بن الأضبط الأشجعي وَهُوَ سَيِّدُ قَيْسٍ، وَكَانَ الأقرع بن حابس يَرُدُّ عَنْ محلم، وَهُوَ سَيِّدٌ خِنْدِفَ، «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقَوْمِ عامر: "هَلْ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا الْآنَ مِنَّا خَمْسِينَ بَعِيرًا وَخَمْسِينَ إِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ؟ " فَقَالَ عيينة بن بدر: وَاللَّهِ لَا أَدَعُهُ حَتَّى أُذِيقَ نِسَاءَهُ مِنَ الْحُرْقَةِ مِثْلَ مَا أَذَاقَ نِسَائِي، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى رَضُوا بِالدِّيَةِ، فَجَاءُوا بمحلم حَتَّى يَسْتَغْفِرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَغْفِرْ لمحلم، وَقَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَامَ وَإِنَّهُ لَيَتَلَقَّى دُمُوعَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ» . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَزَعَمَ قَوْمُهُ أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، قَالَ: لَمْ يَقْبَلُوا الدِّيَةَ حَتَّى قَامَ الأقرع بن حابس، فَخَلَا بِهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قَيْسٍ سَأَلَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتِيلًا تَتْرُكُونَهُ لِيُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَنَعْتُمُوهُ إِيَّاهُ. أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَغْضَبَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِغَضَبِهِ، أَوْ يَلْعَنَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَلْعَنَكُمُ اللَّهُ بِلَعْنَتِهِ، وَاللَّهِ لَتُسْلِمُنَّهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ لَآتِيَنَّ بِخَمْسِينَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، كُلُّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْقَتِيلَ مَا صَلَّى قَطُّ، فَلَأَطُلَّنَّ دَمَهُ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ أَخَذُوا الدِّيَةَ.
следующие страницы →