Полный текст (2 628 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
رَضُوا رَضُوا لِرِضَاهُمْ. فَإِذَا أَسْلَمَ هَؤُلَاءِ، لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَلِلَّهِ مَا أَعْظَمَ مَوْقِعَ هَذَا الْعَطَاءِ، وَمَا أَجْدَاهُ وَأَنْفَعَهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَنْفَالَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ يَقْسِمُهَا رَسُولُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ، لَا يَتَعَدَّى الْأَمْرَ، فَلَوْ وَضَعَ الْغَنَائِمَ بِأَسْرِهَا فِي هَؤُلَاءِ لِمَصْلَحَةِ الْإِسْلَامِ الْعَامَّةِ، لَمَا خَرَجَ عَنِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْعَدْلِ، وَلَمَا عَمِيَتْ أَبْصَارُ ذي الخويصرة التميمي وَأَضْرَابِهِ عَنْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ. قَالَ لَهُ قَائِلُهُمُ: اعْدِلْ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ. وَقَالَ مُشَبَّهُهُ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَجْهَلِ الْخَلْقِ بِرَسُولِهِ، وَمَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ، وَطَاعَتِهِ لَهُ، وَتَمَامِ عَدْلِهِ، وَإِعْطَائِهِ لِلَّهِ، وَمَنْعِهِ لِلَّهِ، وَلِلَّهِ - سُبْحَانَهُ - أَنْ يَقْسِمَ الْغَنَائِمَ كَمَا يُحِبُّ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا الْغَانِمِينَ جُمْلَةً، كَمَا مَنَعَهُمْ غَنَائِمَ مَكَّةَ، وَقَدْ أَوْجَفُوا عَلَيْهَا بِخَيْلِهِمْ وَرِكَابِهِمْ، وَلَهُ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهَا نَارًا مِنَ السَّمَاءِ تَأْكُلُهَا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَعْدَلُ الْعَادِلِينَ، وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَمَا فَعَلَ مَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ عَبَثًا، وَلَا قَدَّرَهُ سُدًى، بَلْ هُوَ عَيْنُ الْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ، مَصْدَرُهُ كَمَالُ عِلْمِهِ وَعِزَّتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَلَقَدْ أَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَى قَوْمٍ رَدَّهُمْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ بِرَسُولِهِ ﷺ ، يَقُودُونَهُ إِلَى دِيَارِهِمْ، وَأَرْضَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، كَمَا يُعْطَى الصَّغِيرُ مَا يُنَاسِبُ عَقْلَهُ وَمَعْرِفَتَهُ، وَيُعْطَى الْعَاقِلُ اللَّبِيبُ مَا يُنَاسِبُهُ، وَهَذَا فَضْلُهُ، وَلَيْسَ هُوَ سُبْحَانَهُ تَحْتَ حَجْرِ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَيُوجِبُونَ عَلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ وَيُحَرِّمُونَ، وَرَسُولُهُ مُنَفِّذٌ لِأَمْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ دَعَتْ حَاجَةُ الْإِمَامِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَى مِثْلِ هَذَا مَعَ عَدُوِّهِ، هَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ؟
قِيلَ: الْإِمَامُ نَائِبٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ يَتَصَرَّفُ لِمَصَالِحِهِمْ، وَقِيَامِ الدِّينِ. فَإِنْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ لِلدَّفْعِ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَالذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ، وَاسْتِجْلَابِ رُءُوسِ أَعْدَائِهِ إِلَيْهِ، لِيَأْمَنَ الْمُسْلِمُونَ شَرَّهُمْ، سَاغَ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَهَلْ تُجَوِّزُ الشَّرِيعَةُ غَيْرَ هَذَا، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْحِرْمَانِ مَفْسَدَةٌ، فَالْمَفْسَدَةُ الْمُتَوَقَّعَةُ مِنْ فَوَاتِ تَأْلِيفِ هَذَا الْعَدُوِّ أَعْظَمُ، وَمَبْنَى الشَّرِيعَةِ عَلَى دَفْعِ أَعْلَى الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا،
стр. 1332
وَتَحْصِيلِ أَكْمَلِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا، بَلْ بِنَاءُ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فصل في بَيْعِ الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ نَسِيئَةً وَمُتَفَاضِلًا]
فَصْلٌ
وَفِيهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: ( «مَنْ لَمْ يُطَيِّبْ نَفْسَهُ، فَلَهُ بِكُلِّ فَرِيضَةٍ سِتُّ فَرَائِضَ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا» ) .
فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرَّقِيقِ بَلِ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ نَسِيئَةً وَمُتَفَاضِلًا.
وَفِي " السُّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : ( «أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا، فَنَفِدَتِ الْإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ» ) .
وَفِي " السُّنَنِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ ( «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً» ) وَرَوَاهُ الترمذي مِنْ حَدِيثِ الحسن عَنْ سمرة، وَصَحَّحَهُ.
وَفِي الترمذي مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ أبي الزبير، عَنْ جابر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْحَيَوَانُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لَا يَصْلُحُ نَسِيئًا، وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ» ) قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
стр. 1333
فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ وَهِيَ رِوَايَاتٌ عَنْ أحمد.
أَحَدُهَا: جَوَازُ ذَلِكَ مُتَفَاضِلًا، وَمُتَسَاوِيًا نَسِيئَةً وَيَدًا بِيَدٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أبي حنيفة وَالشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ نَسِيئَةً وَلَا مُتَفَاضِلًا.
وَالثَّالِثُ: يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّسَاءِ وَالتَّفَاضُلِ وَيَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ مالك ﵀
وَالرَّابِعُ: إِنِ اتَّحَدَ الْجِنْسُ جَازَ التَّفَاضُلُ وَحَرُمَ النَّسَاءُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ جَازَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ.
وَلِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالتَّأْلِيفِ بَيْنَهَا ثَلَاثَةُ مَسَالِكَ:
أَحَدُهَا: تَضْعِيفُ حَدِيثِ الحسن عَنْ سمرة، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ سِوَى حَدِيثَيْنِ، لَيْسَ هَذَا مِنْهُمَا، وَتَضْعِيفُ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ.
وَالْمَسْلَكُ الثَّانِي: دَعْوَى النَّسْخِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنِ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهَا مِنَ الْمُتَقَدِّمِ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ.
وَالْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: حَمْلُهَا عَلَى أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً، إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى النَّسِيئَةِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ إِذَا رَأَى مَا فِي هَذَا الْبَيْعِ مِنَ الرِّبْحِ لَمْ تَقْتَصِرْ نَفْسُهُ عَلَيْهِ، بَلْ تَجُرُّهُ إِلَى بَيْعِ الرِّبَوِيِّ كَذَلِكَ، فَسَدَّ عَلَيْهِمُ الذَّرِيعَةَ وَأَبَاحَهُ يَدًا بِيَدٍ، وَمَنَعَ مِنَ النَّسَاءِ فِيهِ، وَمَا حُرِّمَ لِلذَّرِيعَةِ يُبَاحُ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، كَمَا أَبَاحَ مِنَ الْمُزَابَنَةِ الْعَرَايَا لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَأَبَاحَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً مُتَفَاضِلًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْجِهَادِ، وَحَاجَةُ
стр. 1334
الْمُسْلِمِينَ إِلَى تَجْهِيزِ الْجَيْشِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَصْلَحَةَ تَجْهِيزِهِ أَرْجَحُ مِنَ الْمَفْسَدَةِ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً، وَالشَّرِيعَةُ لَا تُعَطِّلُ الْمَصْلَحَةَ الرَّاجِحَةَ لِأَجْلِ الْمَرْجُوحَةِ، وَنَظِيرُ هَذَا جَوَازُ لُبْسِ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ، وَجَوَازُ الْخُيَلَاءِ فِيهَا، إِذْ مَصْلَحَةُ ذَلِكَ أَرْجَحُ مِنْ مَفْسَدَةِ لُبْسِهِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ لِبَاسُهُ الْقَبَاءَ الْحَرِيرَ الَّذِي أَهْدَاهُ لَهُ مَلِكُ أَيْلَةَ سَاعَةً ثُمَّ نَزْعُهُ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ فِي تَأْلِيفِهِ وَجَبْرِهِ، وَكَانَ هَذَا بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ كَمَا بَيَّنَّاهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ " التَّخْيِيرِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ "، وَبَيَّنَّا أَنَّ هَذَا كَانَ عَامَ الْوُفُودِ سَنَةَ تِسْعٍ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَهَى عمر عَنْ لُبْسِ الْحُلَّةِ الْحَرِيرِ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَكَسَاهَا عمر أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ، وَهَذَا كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَلِبَاسُهُ ﷺ هَدِيَّةَ مَلِكِ أَيْلَةَ، كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَنَظِيرُ هَذَا نَهْيُهُ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ، سَدًّا لِذَرِيعَةِ التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ، وَأَبَاحَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ مِنْ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ، وَقَضَاءِ السُّنَنِ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ فِعْلِهَا أَرْجَحُ مِنْ مَفْسَدَةِ النَّهْيِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إِذَا جَعَلَا بَيْنَهُمَا أَجَلًا غَيْرَ مَحْدُودٍ، جَازَ إِذَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَرَضِيَا بِهِ، وَقَدْ نَصَّ أحمد عَلَى جَوَازِهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فِي الْخِيَارِ مُدَّةً غَيْرَ مَحْدُودَةٍ، أَنَّهُ يَكُونُ جَائِزًا حَتَّى يَقْطَعَاهُ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، إِذْ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ وَلَا عُذْرَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَرِضًى بِمُوجَبِ الْعَقْدِ، فَكِلَاهُمَا فِي الْعِلْمِ بِهِ سَوَاءٌ، فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا.
[فصل في أن من قتل قتيلا فله سلبه]
فَصْلٌ
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» ) وَقَالَهُ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى قَبْلَهَا، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ، هَلْ هَذَا السَّلَبُ مُسْتَحَقٌّ بِالشَّرْعِ أَوْ بِالشَّرْطِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أحمد.
стр. 1335
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَهُ بِالشَّرْعِ شَرَطَهُ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَشْرِطْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ إِلَّا بِشَرْطِ الْإِمَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة. وَقَالَ مالك ﵀: لَا يُسْتَحَقُّ إِلَّا بِشَرْطِ الْإِمَامِ بَعْدَ الْقِتَالِ. فَلَوْ نَصَّ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ. قَالَ مالك: وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَإِنَّمَا نَفَّلَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَنْ بَرَدَ الْقِتَالُ.
وَمَأْخَذُ النِّزَاعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ هُوَ الْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ وَالْمُفْتِيَ وَهُوَ الرَّسُولَ، فَقَدْ يَقُولُ الْحُكْمَ بِمَنْصِبِ الرِّسَالَةِ فَيَكُونُ شَرْعًا عَامًّا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَقَوْلِهِ: ( «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» ) .
وَقَوْلِهِ: ( «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ» ، وَكَحُكْمِهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَبِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ) .
وَقَدْ يَقُولُ بِمَنْصِبِ الْفَتْوَى، كَقَوْلِهِ لهند بنت عتبة امْرَأَةِ أبي سفيان، وَقَدْ شَكَتْ إِلَيْهِ شُحَّ زَوْجِهَا، وَأَنَّهُ لَا يُعْطِيهَا مَا يَكْفِيهَا: ( «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» ) فَهَذِهِ فُتْيَا لَا حُكْمٌ، إِذْ لَمْ يَدْعُ بأبي سفيان وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى، وَلَا سَأَلَهَا الْبَيِّنَةَ.
وَقَدْ يَقُولُهُ بِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ، فَيَكُونُ مَصْلَحَةً لِلْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَذَلِكَ الْمَكَانِ، وَعَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَيَلْزَمُ مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي رَاعَاهَا النَّبِيُّ ﷺ زَمَانًا وَمَكَانًا وَحَالًا، وَمِنْ هَاهُنَا تَخْتَلِفُ الْأَئِمَّةُ فِي
стр. 1336
كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا أَثَرٌ عَنْهُ ﷺ ، كَقَوْلِهِ ﷺ : ( «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» ) هَلْ قَالَهُ بِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ مُتَعَلِّقًا بِالْأَئِمَّةِ، أَوْ بِمَنْصِبِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَيَكُونُ شَرْعًا عَامًّا؟
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ( «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» ) هَلْ هُوَ شَرْعٌ عَامٌّ لِكُلَّ أَحَدٍ، أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، أَوْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَئِمَّةِ، فَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ؟ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فَالْأَوَّلُ لِلشَّافِعِيِّ وأحمد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِمَا.
وَالثَّانِي: لأبي حنيفة، وَفَرَّقَ مالك بَيْنَ الْفَلَوَاتِ الْوَاسِعَةِ، وَمَا لَا يَتَشَاحُّ فِيهِ النَّاسُ، وَبَيْنَ مَا يَقَعُ فِيهِ التَّشَاحُّ، فَاعْتُبِرَ إِذْنُ الْإِمَامِ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
[فصل في الِاكْتِفَاءُ فِي الْأَسْلَابِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ يَمِين]
فَصْلٌ
وَقَوْلُهُ ﷺ " لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ " دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ دَعْوَى الْقَاتِلِ أَنَّهُ قَتَلَ هَذَا الْكَافِرَ، لَا تُقْبَلُ فِي اسْتِحْقَاقِ سَلَبِهِ.
الثَّانِيَةُ: الِاكْتِفَاءُ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الدَّعْوَى بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أبي قتادة: ( «قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ مَا لِلنَّاسِ؟ فَقُلْتُ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ "، قَالَ فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَا لَكَ يَا أبا قتادة؟ " فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ " الْقِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ
стр. 1337
أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ "، فَأَعْطَانِي، فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ» ) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: هَذَا أَحَدُهَا، وَهُوَ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ أحمد.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ، كَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد.
وَالثَّالِثُ - وَهُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أحمد - أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى قَتْلٍ فَلَا تُقْبَلُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
وَفِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ التَّلَفُّظُ بِلَفْظِ " أَشْهَدُ " وَهَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ أحمد فِي الدَّلِيلِ، وَإِنْ كَانَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ الِاشْتِرَاطَ، وَهِيَ مَذْهَبُ مالك. قَالَ شَيْخُنَا: وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اشْتِرَاطُ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عمر «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ» .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَلَفَّظُوا لَهُ بِلَفْظِ أَشْهَدُ، إِنَّمَا كَانَ مُجَرَّدَ إِخْبَارٍ.
وَفِي حَدِيثِ ماعز، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ رَجَمَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْهُ مُجَرَّدُ إِخْبَارٍ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ إِقْرَارٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام: ١٩] [الْأَنْعَامِ: ١٩] ، وَقَوْلُهُ ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] [الْأَنْعَامِ: ١٣٠] .
وَقَوْلُهُ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦] [النِّسَاءِ: ١٦٦] .
وَقَوْلُهُ ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] [آلِ عِمْرَانَ: ٨١] ، وَقَوْلُهُ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] [آلِ عِمْرَانَ: ١٨] ، إِلَى
стр. 1338
أَضْعَافِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَبَرِ الْمُجَرَّدِ عَنْ لَفْظِ أَشْهَدُ.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْإِمَامُ أحمد، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ فِي الشَّهَادَةِ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ علي: (أَقُولُ هُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا أَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَ الْإِمَامُ أحمد: مَتَى قُلْتَ هُمْ فِي الْجَنَّةِ فَقَدْ شَهِدْتَ) وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ لَفْظُ أَشْهَدُ. وَحَدِيثُ أبي قتادة مِنْ أَبْيَنِ الْحُجَجِ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِخْبَارُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ السَّلَبُ إِنَّمَا كَانَ إِقْرَارًا بِقَوْلِهِ هُوَ عِنْدِي، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهَادَةِ فِي شَيْءٍ.
قِيلَ: تَضَمَّنَ كَلَامُهُ شَهَادَةً وَإِقْرَارًا بِقَوْلِهِ " صَدَقَ "، شَهَادَةً لَهُ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ، وَقَوْلُهُ: هُوَ " عِنْدِي " إِقْرَارٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ عِنْدَهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا قَضَى بِالسَّلَبِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ، وَكَانَ تَصْدِيقُ هَذَا هُوَ الْبَيِّنَةَ.
[فصل في أن السلب جميعه للقاتل]
فَصْلٌ
وَقَوْلُهُ ﷺ " فَلَهُ سَلَبُهُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُ سَلَبَهُ كُلَّهُ غَيْرَ مُخَمَّسٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي قَوْلِهِ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ لَمَّا قَتَلَ قَتِيلًا: ( «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ» ) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ هَذَا أَحَدُهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُخَمَّسُ كَالْغَنِيمَةِ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِدُخُولِهِ فِي آيَةِ الْغَنِيمَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْإِمَامَ إِنِ اسْتَكْثَرَهُ خَمَّسَهُ، وَإِنِ اسْتَقَلَّهُ لَمْ يُخَمِّسْهُ، وَهُوَ قَوْلُ إسحاق، وَفَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَرَوَى سعيد فِي " سُنَنِهِ " عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ بَارَزَ مرزبان الْمَرَازِبَةِ بِالْبَحْرَيْنِ فَطَعَنَهُ، فَدَقَّ صُلْبَهُ، وَأَخَذَ سِوَارَيْهِ وَسَلَبَهُ، فَلَمَّا صَلَّى عمر الظُّهْرَ أَتَى البراء فِي دَارِهِ، فَقَالَ: ( «إِنَّا كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ، وَإِنَّ سَلَبَ البراء قَدْ بَلَغَ مَالًا، وَأَنَا خَامِسُهُ» ) ، فَكَانَ أَوَّلَ سَلَبٍ خُمِّسَ فِي الْإِسْلَامِ سَلَبُ البراء وَبَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 1339
( «لَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ» ) ، وَقَالَ: هُوَ لَهُ أَجْمَعُ، وَمَضَتْ عَلَى ذَلِكَ سُنَّتُهُ وَسُنَّةُ الصِّدِّيقِ بَعْدَهُ، وَمَا رَآهُ عمر اجْتِهَادٌ مِنْهُ أَدَّاهُ إِلَيْهِ رَأْيُهُ.
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِهِ لِلْقَاتِلِ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي قِيمَتِهِ وَقَدْرِهِ وَاعْتِبَارِ خُرُوجِهِ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَقَالَ مالك: هُوَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ مَنْ يُسْهَمُ لَهُ، وَمَنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ، مِنْ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ وَمُشْرِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إِلَّا مَنْ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّهُ الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُشْرِكُ، فَالسَّلَبُ أَوْلَى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِلْعُمُومِ، وَلِأَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى قَوْلِ الْإِمَامِ: مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ دَلَّ عَلَى حِصْنٍ، أَوْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ كَذَا مِمَّا فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى الْجِهَادِ، وَالسَّهْمُ مُسْتَحَقٌّ بِالْحُضُورِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فِعْلٌ، وَالسَّلَبُ مُسْتَحَقٌّ بِالْفِعْلِ، فَجَرَى مَجْرَى الْجَعَالَةِ.
[فصل يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ سَلَبَ جَمِيعِ مَنْ قَتَلَهُ وَإِنْ كَثُرُوا]
فَصْلٌ
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَلَبَ جَمِيعِ مَنْ قَتَلَهُ وَإِنْ كَثُرُوا. وَقَدْ ذَكَرَ أبو داود أَنَّ أبا طلحة قَتَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، فَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ.
[فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ]
[عام غزوة الطائف]
فَصْلٌ
فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ
فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، قَالَ ابن سعد: قَالُوا: وَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسِيرَ إِلَى الطَّائِفِ، بَعَثَ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى ذِي الْكَفَّيْنِ صَنَمِ عمرو بن حممة الدوسي يَهْدِمُهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَمِدَّ قَوْمَهُ وَيُوَافِيَهُ بِالطَّائِفِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا إِلَى قَوْمِهِ، فَهَدَمَ ذَا الْكَفَّيْنِ، وَجَعَلَ يَحُشُّ النَّارَ فِي وَجْهِهِ وَيُحَرِّقُهُ وَيَقُولُ:
стр. 1340
يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لَسْتُ مِنْ عُبَّادِكَا ... مِيلَادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلَادِكَا
إِنِّي حَشَشْتُ النَّارَ فِي فُؤَادِكَا
وَانْحَدَرَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ أَرْبَعُمِائَةٍ سِرَاعًا، فَوَافَوُا النَّبِيَّ ﷺ بِالطَّائِفِ بَعْدَ مَقْدَمِهِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَقَدِمَ بِدَبَّابَةٍ وَمَنْجَنِيقٍ.
قَالَ ابن سعد: وَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ يُرِيدُ الطَّائِفَ، قَدِمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ، وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ رَمُّوا حِصْنَهُمْ، وَأَدْخَلُوا فِيهِ مَا يَصْلُحُ لَهُمْ لِسَنَةٍ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا مِنْ أَوْطَاسٍ، دَخَلُوا حِصْنَهُمْ وَأَغْلَقُوهُ عَلَيْهِمْ وَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ
وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْ حِصْنِ الطَّائِفِ، وَعَسْكَرَ هُنَاكَ، فَرَمَوُا الْمُسْلِمِينَ بِالنَّبْلِ رَمْيًا شَدِيدًا، كَأَنَّهُ رِجْلُ جَرَادٍ، حَتَّى أُصِيبَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِجِرَاحَةٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَارْتَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَوْضِعِ مَسْجِدِ الطَّائِفِ الْيَوْمَ، وَكَانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ أم سلمة وزينب، فَضَرَبَ لَهُمَا قُبَّتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بَيْنَ الْقُبَّتَيْنِ مُدَّةَ حِصَارِ الطَّائِفِ، فَحَاصَرَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً.
وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَنْجَنِيقَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا رُمِيَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ ابن سعد: حَدَّثَنَا قبيصة، حَدَّثَنَا سفيان، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مكحول، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» )
стр. 1341
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الشَّدْخَةِ عِنْدَ جِدَارِ الطَّائِفِ، دَخَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ دَبَّابَةٍ، ثُمَّ دَخَلُوا بِهَا إِلَى جِدَارِ الطَّائِفِ لِيُحْرِقُوهُ، فَأَرْسَلَتْ عَلَيْهِمْ ثَقِيفٌ سِكَكَ الْحَدِيدِ مُحْمَاةً بِالنَّارِ، فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِهَا، فَرَمَتْهُمْ ثَقِيفٌ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ رِجَالًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ، فَوَقَعَ النَّاسُ فِيهَا يَقْطَعُونَ.
قَالَ ابن سعد: فَسَأَلُوهُ أَنْ يَدَعَهَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فَإِنِّي أَدَعُهَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ» " فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيُّمَا عَبْدٍ نَزَلَ مِنَ الْحِصْنِ وَخَرَجَ إِلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ بَضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مِنْهُمْ أبو بكرة، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَدَفَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمُونُهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً.
وَلَمْ يُؤْذَنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي فَتْحِ الطَّائِفِ، وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نوفل بن معاوية الديلي، فَقَالَ: مَا تَرَى؟ فَقَالَ ثَعْلَبٌ: فِي جُحْرٍ إِنْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ أَخَذْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ.
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ، فَضَجَّ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا: نَرْحَلُ وَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْنَا الطَّائِفُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «فَاغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ» ) ، فَغَدَوْا، فَأَصَابَتِ الْمُسْلِمِينَ جِرَاحَاتٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ) فَسُرُّوا بِذَلِكَ وَأَذْعَنُوا، وَجَعَلُوا يَرْحَلُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ، فَلَمَّا ارْتَحَلُوا وَاسْتَقَلُّوا، قَالَ قُولُوا: ( «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» ) ، وَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ عَلَى ثَقِيفٍ. فَقَالَ: ( «اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَائْتِ بِهِمْ» )
стр. 1342
وَاسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالطَّائِفِ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الطَّائِفِ إِلَى الْجِعِرَّانَةِ، ثُمَّ دَخَلَ مِنْهَا مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ فَقَضَى عُمْرَتَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
[فصل في قدوم وَفْدُ ثَقِيفٍ]
فَصْلٌ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ مِنْ تَبُوكَ فِي رَمَضَانَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ وَفْدُ ثَقِيفٍ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُمُ اتَّبَعَ أَثَرَهُ عروة بن مسعود حَتَّى أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَوْمِهِ بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا يَتَحَدَّثُ قَوْمُكَ أَنَّهُمْ قَاتِلُوكَ، وَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ فِيهِمْ نَخْوَةَ الِامْتِنَاعِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ، فَقَالَ عروة: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَنَا أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِهِمْ، وَكَانَ فِيهِمْ كَذَلِكَ مُحَبَّبًا مُطَاعًا، فَخَرَجَ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ رَجَاءَ أَلَّا يُخَالِفُوهُ لِمَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، فَلَمَّا أَشْرَفَ لَهُمْ عَلَى عُلِّيَّةٍ لَهُ وَقَدْ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَظْهَرَ لَهُمْ دِينَهُ رَمَوْهُ بِالنَّبْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، فَقِيلَ لعروة: مَا تَرَى فِي دَمِكَ؟ قَالَ: كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا، وَشَهَادَةٌ سَاقَهَا اللَّهُ إِلَيَّ، فَلَيْسَ فِيَّ إِلَّا مَا فِي الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ عَنْكُمْ فَادْفِنُونِي مَعَهُمْ فَدَفَنُوهُ مَعَهُمْ، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: ( «إِنَّ مَثَلَهُ فِي قَوْمِهِ كَمَثَلِ صَاحِبِ يس فِي قَوْمِهِ» ) .
ثُمَّ أَقَامَتْ ثَقِيفٌ بَعْدَ قَتْلِ عروة أَشْهُرًا، ثُمَّ إِنَّهُمُ ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ، وَرَأَوْا أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، وَقَدْ بَايَعُوا وَأَسْلَمُوا، فَأَجْمَعُوا أَنْ يُرْسِلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا، كَمَا أَرْسَلُوا عروة، فَكَلَّمُوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، وَكَانَ فِي سِنِّ عروة بن مسعود، وَعَرَضُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ، وَخَشِيَ
стр. 1343
أَنْ يُصْنَعَ بِهِ كَمَا صُنِعَ بعروة، فَقَالَ: لَسْتُ بِفَاعِلٍ حَتَّى تُرْسِلُوا مَعِيَ رِجَالًا، فَأَجْمَعُوا أَنْ يَبْعَثُوا مَعَهُ رَجُلَيْنِ مِنَ الْأَحْلَافِ، وَثَلَاثَةً مِنْ بَنِي مَالِكٍ فَيَكُونُونَ سِتَّةً، فَبَعَثُوا مَعَهُ الحكم بن عمرو بن وهب، وشرحبيل بن غيلان، وَمِنْ بَنِي مَالِكٍ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وأوس بن عوف، ونمير بن خرشة فَخَرَجَ بِهِمْ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ وَنَزَلُو قَنَاةً لَقُوا بِهَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَاشْتَدَّ لِيُبَشِّرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ أبو بكر، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ لَا تَسْبِقْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ فَفَعَلَ، فَدَخَلَ أبو بكر عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ المغيرة إِلَى أَصْحَابِهِ، فَرَوَّحَ الظُّهْرَ مَعَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ كَيْفَ يُحَيُّونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَفْعَلُوا إِلَّا بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ عَلَيْهِمْ قُبَّةً فِي نَاحِيَةِ مَسْجِدِهِ كَمَا يَزْعُمُونَ.
وَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ هُوَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اكْتَتَبُوا كِتَابَهُمْ، وَكَانَ خالد هُوَ الَّذِي كَتَبَهُ، وَكَانُوا لَا يَأْكُلُونَ طَعَامًا يَأْتِيهِمْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ خالد حَتَّى أَسْلَمُوا.
وَقَدْ كَانَ فِيمَا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدَعَ لَهُمُ الطَّاغِيَةَ، وَهِيَ اللَّاتُ لَا يَهْدِمُهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَمَا بَرِحُوا يَسْأَلُونَهُ سَنَةً سَنَةً وَيَأْبَى عَلَيْهِمْ، حَتَّى سَأَلُوهُ شَهْرًا وَاحِدًا بَعْدَ قُدُومِهِمْ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ أَنْ يَدَعَهَا شَيْئًا مُسَمًّى، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِيمَا يُظْهِرُونَ أَنْ يَسْلَمُوا بِتَرْكِهَا مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَيَكْرَهُونَ أَنْ يُرَوِّعُوا قَوْمَهُمْ بِهَدْمِهَا، حَتَّى يَدْخُلَهُمُ الْإِسْلَامُ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَنْ يَبْعَثَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَهْدِمَانِهَا، وَقَدْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ مَعَ تَرْكِ الطَّاغِيَةِ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَنْ لَا يَكْسِرُوا أَوْثَانَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَمَّا كَسْرُ أَوْثَانِكُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَسَنُعْفِيكُمْ مِنْهُ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا صَلَاةَ فِيهِ» ) .
فَلَمَّا أَسْلَمُوا وَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا، أَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ،
стр. 1344
وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَحْرَصِهِمْ عَلَى التَّفَقُّهِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَعَلُّمِ الْقُرْآنِ.
فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ أَمْرِهِمْ، وَتَوَجَّهُوا إِلَى بِلَادِهِمْ رَاجِعِينَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فِي هَدْمِ الطَّاغِيَةِ، فَخَرَجَا مَعَ الْقَوْمِ حَتَّى إِذَا قَدِمُوا الطَّائِفَ أَرَادَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنْ يُقَدِّمَ أبا سفيان، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أبو سفيان، فَقَالَ: ادْخُلْ أَنْتَ عَلَى قَوْمِكَ، وَأَقَامَ أبو سفيان بِمَالِهِ بِذِي الْهَدْمِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَلَاهَا يَضْرِبُهَا بِالْمِعْوَلِ، وَقَامَ دُونَهُ بَنُو مُعَتِّبٍ خَشْيَةَ أَنْ يُرْمَى أَوْ يُصَابَ كَمَا أُصِيبَ عروة، وَخَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسَّرًا يَبْكِينَ عَلَيْهَا، وَيَقُولُ أبو سفيان - والمغيرة يَضْرِبُهَا بِالْفَأْسِ - " وَاهًا لَكَ وَاهًا لَكَ " فَلَمَّا هَدَمَهَا المغيرة وَأَخَذَ مَالَهَا وَحُلِيَّهَا، أَرْسَلَ إِلَى أبي سفيان مَجْمُوعَ مَالِهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَزْعِ.
وَقَدْ كَانَ أبو مليح بن عروة، وقارب بن الأسود، قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وَفْدِ ثَقِيفٍ حَيْنَ قُتِلَ عروة، يُرِيدَانِ فِرَاقَ ثَقِيفٍ، وَأَنْ لَا يُجَامِعَاهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا فَأَسْلَمَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «تَوَلَّيَا مَنْ شِئْتُمَا " قَالَا: نَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَخَالَكُمَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ " فَقَالَا: وَخَالَنَا أبا سفيان» ) .
فَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ، «سَأَلَ أبو مليح رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْضِيَ عَنْ أَبِيهِ عروة دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الطَّاغِيَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ قارب بن الأسود: وَعَنِ الأسود يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِهِ - وعروة والأسود أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الْأَسْوَدَ مَاتَ مُشْرِكًا) فَقَالَ قارب بن الأسود: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَكِنْ تَصِلُ مُسْلِمًا ذَا قَرَابَةٍ - يَعْنِي نَفْسَهُ - وَإِنَّمَا الدَّيْنُ
стр. 1345
عَلَيَّ، وَأَنَا الَّذِي أُطْلَبُ بِهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أبا سفيان أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ عروة والأسود مِنْ مَالِ الطَّاغِيَةِ، فَفَعَلَ» .
وَكَانَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَتَبَ لَهُمْ: ( «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ عِضَاهَ وَجٍّ وَصَيْدَهُ حَرَامٌ، لَا يُعْضَدُ، مَنْ وُجِدَ يَصْنَعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ، وَتُنْزَعُ ثِيَابُهُ، فَإِنْ تَعَدَّى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ فَيُبْلَغُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، وَإِنَّ هَذَا أَمْرُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) .
فَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بِأَمْرِ الرَّسُولِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَا يَتَعَدَّاهُ أَحَدٌ فَيَظْلِمَ نَفْسَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. فَهَذِهِ قِصَّةُ ثَقِيفٍ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، سُقْنَاهَا كَمَا هِيَ، وَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَ غَزْوِهَا وَإِسْلَامِهَا غَزَاةُ تَبُوكَ وَغَيْرُهَا، لَكِنْ آثَرْنَا أَنْ لَا نَقْطَعَ قِصَّتَهُمْ، وَأَنْ يَنْتَظِمَ أَوَّلُهَا بِآخِرِهَا لِيَقَعَ الْكَلَامُ عَلَى فِقْهِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَأَحْكَامِهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
فَنَقُولُ: فِيهَا مِنَ الْفِقْهِ جَوَازُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَنَسْخُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فِي أَوَاخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ، بَعْدَ مُضِيِّ ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أحمد فِي " مُسْنَدِهِ ": حَدَّثَنَا إسماعيل، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أبي قلابة، عَنْ أبي الأشعث، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ «مَرَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْفَتْحِ عَلَى رَجُلٍ يَحْتَجِمُ بِالْبَقِيعِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدَيَّ، فَقَالَ: (أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) » وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ خَرَجَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ
стр. 1346
رَمَضَانَ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ مسلم، فَقَدْ رَوَى بِهِ بِعَيْنِهِ ( «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» ) .
وَأَقَامَ بِمَكَّةَ تِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى هَوَازِنَ فَقَاتَلَهُمْ، وَفَرَغَ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَصَدَ الطَّائِفَ، فَحَاصَرَهُمْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً فِي قَوْلِ ابن سعد، وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً فِي قَوْلِ مكحول.
فَإِذَا تَأَمَّلْتَ ذَلِكَ، عَلِمْتَ أَنَّ بَعْضَ مُدَّةِ الْحِصَارِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَلَا بُدَّ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: لَمْ يَبْتَدِئِ الْقِتَالَ إِلَّا فِي شَوَّالٍ، فَلَمَّا شَرَعَ فِيهِ لَمْ يَقْطَعْهُ لِلشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَلَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّهُ ﷺ ابْتَدَأَ قِتَالًا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ وَفُرَّقَ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالِاسْتِدَامَةِ.
[فصل في غَزْوِ الرَّجُلِ وَأَهْلُهُ مَعَهُ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: جَوَازُ غَزْوِ الرَّجُلِ وَأَهْلُهُ مَعَهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أم سلمة وزينب.
وَمِنْهَا: جَوَازُ نَصْبِ الْمَنْجَنِيقِ عَلَى الْكُفَّارِ وَرَمْيِهِمْ بِهِ، وَإِنْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ. وَمِنْهَا: جَوَازُ قَطْعِ شَجَرِ الْكُفَّارِ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ يُضْعِفُهُمْ وَيَغِيظُهُمْ وَهُوَ أَنْكَى فِيهِمْ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَبَقَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ صَارَ حُرًّا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ الحجاج، عَنْ مقسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْتِقُ الْعَبِيدَ إِذَا جَاءُوا قَبْلَ مَوَالِيهِمْ» ) .
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَيْضًا، قَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ
стр. 1347
قَضِيَّتَيْنِ: قَضَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا خَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ سَيِّدِهِ، أَنَّهُ حُرٌّ، فَإِنْ خَرَجَ سَيِّدُهُ بَعْدَهُ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ، وَقَضَى أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا خَرَجَ قَبْلَ الْعَبْدِ ثُمَّ خَرَجَ الْعَبْدُ رُدَّ عَلَى سَيِّدِهِ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، قَالَ: «سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْنَا أبا بكرة وَكَانَ عَبْدًا لَنَا، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا فَأَسْلَمَ، فَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْنَا، فَقَالَ: (هُوَ طَلِيقُ اللَّهِ، ثُمَّ طَلِيقُ رَسُولِهِ) فَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْنَا» .
قَالَ ابن المنذر: وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
[فصل في الْإِمَامَ إِذَا حَاصَرَ حِصْنًا]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا حَاصَرَ حِصْنًا، وَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْهِ وَرَأَى مَصْلَحَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي الرَّحِيلِ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ مُصَابَرَتُهُ، وَجَازَ لَهُ تَرْكُ مُصَابَرَتِهِ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ الْمُصَابَرَةُ إِذَا كَانَ فِيهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَفْسَدَتِهَا.
[فصل في أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ بِعُمْرَةٍ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ بِعُمْرَةٍ، وَكَانَ دَاخِلًا إِلَى مَكَّةَ، وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ لِمَنْ دَخَلَهَا مِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ وَمَا يَلِيهِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْجِعِرَّانَةِ لِيُحْرِمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهَا، فَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَتَّةَ، وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ النَّاسِ، زَعَمُوا أَنَّهُ اقْتِدَاءٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَغَلِطُوا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَحْرَمَ مِنْهَا دَاخِلًا إِلَى مَكَّةَ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إِلَى الْجِعِرَّانَةِ لِيُحْرِمَ مِنْهَا، فَهَذَا لَوْنٌ، وَسُنَّتُهُ لَوْنٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فصل في اسْتِجَابَةُ دُعَائِهِ ﷺ بِإِسْلَامِ ثَقِيفٍ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: اسْتِجَابَةُ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ دُعَاءَهُ لِثَقِيفٍ أَنْ يَهْدِيَهُمْ وَيَأْتِيَ بِهِمْ وَقَدْ
стр. 1348
حَارَبُوهُ وَقَاتَلُوهُ، وَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَتَلُوا رَسُولَ رَسُولِهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَدَعَا لَهُمْ وَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَنَصِيحَتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
[فصل في كَمَالُ مَحَبَّةِ الصِّدِّيقِ لَهُ ﷺ ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: كَمَالُ مَحَبَّةِ الصِّدِّيقِ لَهُ، وَقَصْدُهُ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ وَالتَّحَبُّبَ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُهُ، وَلِهَذَا نَاشَدَ المغيرة أَنْ يَدَعَهُ هُوَ يُبَشِّرُ النَّبِيَّ ﷺ بِقُدُومِ وَفْدِ الطَّائِفِ، لِيَكُونَ هُوَ الَّذِي بَشَّرَهُ وَفَرَّحَهُ بِذَلِكَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْأَلَ أَخَاهُ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِقُرْبَةٍ مِنَ الْقُرَبِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُؤْثِرَ بِهَا أَخَاهُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الْفُقَهَاءِ: لَا يَجُوزُ الْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ لَا يَصِحُّ.
وَقَدْ آثَرَتْ عائشة عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِدَفْنِهِ فِي بَيْتِهَا جِوَارَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَأَلَهَا عمر ذَلِكَ فَلَمْ تَكْرَهْ لَهُ السُّؤَالَ، وَلَا لَهَا الْبَذْلَ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا سَأَلَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِمَقَامِهِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، لَمْ يُكْرَهُ لَهُ السُّؤَالُ، وَلَا لِذَلِكَ الْبَذْلُ وَنَظَائِرُهُ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَةَ الصَّحَابَةِ، وَجَدَهُمْ غَيْرَ كَارِهِينَ لِذَلِكَ، وَلَا مُمْتَنِعِينَ مِنْهُ، وَهَلْ هَذَا إِلَّا كَرَمٌ وَسَخَاءٌ، وَإِيثَارٌ عَلَى النَّفْسِ، بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مَحْبُوبَاتِهَا، تَفْرِيحًا لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ، وَإِجَابَةً لَهُ إِلَى مَا سَأَلَهُ، وَتَرْغِيبًا لَهُ فِي الْخَيْرِ، وَقَدْ يَكُونُ ثَوَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ رَاجِحًا عَلَى ثَوَابِ تِلْكَ الْقُرْبَةِ، فَيَكُونُ الْمُؤْثِرُ بِهَا مِمَّنْ تَاجَرَ فَبَذَلَ قُرْبَةً وَأَخَذَ أَضْعَافَهَا، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْثِرَ صَاحِبُ الْمَاءِ بِمَائِهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَتَيَمَّمَ هُوَ إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَيَمُّمِ أَحَدِهِمَا، فَآثَرَ أَخَاهُ وَحَازَ فَضِيلَةَ الْإِيثَارِ وَفَضِيلَةَ الطُّهْرِ بِالتُّرَابِ، وَلَا يَمْنَعُ هَذَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا مَكَارِمُ أَخْلَاقٍ، وَعَلَى هَذَا، فَإِذَا اشْتَدَّ الْعَطَشُ بِجَمَاعَةٍ وَعَايَنُوا التَّلَفَ، وَمَعَ بَعْضِهِمْ مَاءٌ، فَآثَرَ عَلَى نَفْسِهِ وَاسْتَسْلَمَ لِلْمَوْتِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، وَلَمْ يُقَلْ إِنَّهُ قَاتِلٌ لِنَفْسِهِ، وَلَا أَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا، بَلْ هَذَا غَايَةُ الْجُودِ وَالسَّخَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] [الْحَشْرِ: ٩] ، وَقَدْ جَرَى هَذَا بِعَيْنِهِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي فُتُوحِ الشَّامِ، وَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ مَنَاقِبِهِمْ وَفَضَائِلِهِمْ، وَهَلْ إِهْدَاءُ الْقُرَبِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا
стр. 1349
وَالْمُتَنَازَعِ فِيهَا إِلَى الْمَيِّتِ إِلَّا إِيثَارٌ بِثَوَابِهَا، وَهُوَ عَيْنُ الْإِيثَارِ بِالْقُرَبِ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِفِعْلِهَا لِيُحْرِزَ ثَوَابَهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يُؤْثِرَهُ بِثَوَابِهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فصل في أنه لَا يَجُوزُ إِبْقَاءُ مَوَاضِعِ الشِّرْكِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى هَدْمِهَا]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْقَاءُ مَوَاضِعِ الشِّرْكِ وَالطَّوَاغِيتِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى هَدْمِهَا وَإِبْطَالِهَا يَوْمًا وَاحِدًا، فَإِنَّهَا شَعَائِرُ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَهِيَ أَعْظَمُ الْمُنْكَرَاتِ، فَلَا يَجُوزُ الْإِقْرَارُ عَلَيْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ الْبَتَّةَ، وَهَذَا حُكْمُ الْمَشَاهِدِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى الْقُبُورِ الَّتِي اتُّخِذَتْ أَوْثَانًا وَطَوَاغِيتَ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَالْأَحْجَارُ الَّتِي تُقْصَدُ لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّبَرُّكِ وَالنَّذْرِ وَالتَّقْبِيلِ لَا يَجُوزُ إِبْقَاءُ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِزَالَتِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى، أَوْ أَعْظَمُ شِرْكًا عِنْدَهَا، وَبِهَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ هَذِهِ الطَّوَاغِيتِ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا تَخْلُقُ وَتَرْزُقُ وَتُمِيتُ وَتُحْيِي، وَإِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ عِنْدَهَا وَبِهَا مَا يَفْعَلُهُ إِخْوَانُهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْيَوْمَ عِنْدَ طَوَاغِيتِهِمْ، فَاتَّبَعَ هَؤُلَاءِ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، وَسَلَكُوا سَبِيلَهُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، وَأَخَذُوا مَأْخَذَهُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَغَلَبَ الشِّرْكُ عَلَى أَكْثَرِ النُّفُوسِ لِظُهُورِ الْجَهْلِ وَخَفَاءِ الْعِلْمِ، فَصَارَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا، وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، وَالسُّنَّةُ بِدْعَةً وَالْبِدْعَةُ سُنَّةً، وَنَشَأَ فِي ذَلِكَ الصَّغِيرُ، وَهَرِمَ عَلَيْهِ الْكَبِيرُ، وَطُمِسَتِ الْأَعْلَامُ وَاشْتَدَّتْ غَرْبَةُ الْإِسْلَامِ، وَقَلَّ الْعُلَمَاءُ وَغَلَبَ السَّفَهَاءُ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ وَاشْتَدَّ الْبَأْسُ، وَظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، وَلَكِنْ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعِصَابَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِالْحَقِّ قَائِمِينَ، وَلِأَهْلِ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ مُجَاهِدِينَ، إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَهُوَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ.
[فصل في جَوَازُ صَرْفِ الْأَمْوَالِ الَّتِي فِي مَوَاضِعِ الشِّرْكِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: جَوَازُ صَرْفِ الْإِمَامِ الْأَمْوَالَ الَّتِي تَصِيرُ إِلَى هَذِهِ الْمَشَاهِدِ وَالطَّوَاغِيتِ فِي الْجِهَادِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَ هَذِهِ
стр. 1350
الطَّوَاغِيتِ الَّتِي تُسَاقُ إِلَيْهَا كُلَّهَا، وَيَصْرِفَهَا عَلَى الْجُنْدِ وَالْمُقَاتِلَةِ، وَمَصَالِحِ الْإِسْلَامِ، كَمَا أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ أَمْوَالَ اللَّاتِ، وَأَعْطَاهَا لأبي سفيان يَتَأَلَّفُهُ بِهَا، وَقَضَى مِنْهَا دَيْنَ عروة والأسود، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَهْدِمَ هَذِهِ الْمَشَاهِدَ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى الْقُبُورِ الَّتِي اتُّخِذَتْ أَوْثَانًا، وَلَهُ أَنْ يُقْطِعَهَا لِلْمُقَاتِلَةِ، أَوْ يَبِيعَهَا وَيَسْتَعِينَ بِأَثْمَانِهَا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَوْقَافِهَا، فَإِنْ وَقَفَهَا فَالْوَقْفُ عَلَيْهَا بَاطِلٌ، وَهُوَ مَالٌ ضَائِعٌ، فَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْوَقْفَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي قُرْبَةٍ وَطَاعَةٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَشْهَدٍ وَلَا قَبْرٍ يُسْرَجُ عَلَيْهِ، وَيُعَظَّمُ وَيُنْذَرُ لَهُ، وَيُحَجُّ إِلَيْهِ، وَيُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَيُتَّخَذُ وَثَنًا مِنْ دُونِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَمَنِ اتَّبَعَ سَبِيلَهُمْ.
[فصل في أن وَادِي وَجٍّ حَرَمٌ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: أَنَّ وَادِيَ وَجٍّ - وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ - حَرَمٌ يَحْرُمُ صَيْدُهُ وَقَطْعُ شَجَرِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، وَالْجُمْهُورُ قَالُوا: لَيْسَ فِي الْبِقَاعِ حَرَمٌ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، وأبو حنيفة خَالَفَهُمْ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: وَجٌّ حَرَمٌ يَحْرُمُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ، وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِحَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ، وَالثَّانِي: حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ الزبير، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: ( «إِنَّ صَيْدَ وَجٍّ وَعِضَاهَهُ حَرَمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّهِ» ) ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أحمد وأبو داود.
وَهَذَا الْحَدِيثُ يُعْرَفُ بمحمد بن عبد الله بن إنسان، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عروة. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " تَارِيخِهِ ": لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَفِي سَمَاعِ عروة مِنْ أَبِيهِ نَظَرٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1351
[فَصْلٌ في بَعْثُ الْمُصَدِّقِينَ لِجَلْبِ الصَّدَقَاتِ]
فَصْلٌ
وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَدَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ بَعَثَ الْمُصَدِّقِينَ يَأْخُذُونَ الصَّدَقَاتِ مِنَ الْأَعْرَابِ. قَالَ ابن سعد: ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُصَدِّقِينَ قَالُوا: لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ بَعَثَ الْمُصَدِّقِينَ يُصَدِّقُونَ الْعَرَبَ، فَبَعَثَ عيينة بن حصن إِلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَبَعَثَ يزيد بن الحصين إِلَى أَسْلَمَ وَغِفَارٍ، وَبَعَثَ عباد بن بشر الأشهلي إِلَى سُلَيْمٍ وَمُزَيْنَةَ، وَبَعَثَ رافع بن مكيث إِلَى جُهَيْنَةَ، وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى بَنِي فَزَارَةَ، وَبَعَثَ الضحاك بن سفيان إِلَى بَنِي كِلَابٍ، وَبَعَثَ بشر بن سفيان إِلَى بَنِي كَعْبٍ، وَبَعَثَ ابن اللتبية الأزدي إِلَى بَنِي ذُبْيَانَ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُصَدِّقِينَ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَفْوَ مِنْهُمْ وَيَتَوَقَّوْا كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. قِيلَ (وَلَمَّا قَدِمَ ابن اللتبية حَاسَبَهُ) وَكَانَ فِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى مُحَاسَبَةِ الْعُمَّالِ وَالْأُمَنَاءِ، فَإِنْ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُمْ عَزَلَهُمْ وَوَلَّى أَمِينًا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَبَعَثَ المهاجر بن أبي أمية إِلَى صَنْعَاءَ فَخَرَجَ عَلَيْهِ العنسي وَهُوَ بِهَا، وَبَعَثَ زياد بن لبيد إِلَى حَضْرَمَوْتَ، وَبَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ إِلَى طَيِّئٍ وَبَنِي أَسَدٍ، وَبَعَثَ مالك بن نويرة عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي حَنْظَلَةَ، وَفَرَّقَ صَدَقَاتِ بَنِي سَعْدٍ عَلَى رَجُلَيْنِ، فَبَعَثَ الزبرقان بن بدر عَلَى نَاحِيَةٍ، وقيس بن عاصم عَلَى نَاحِيَةٍ، وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَبَعَثَ عليا - رِضْوَانُ اللَّهِ
стр. 1352
عَلَيْهِ - إِلَى نَجْرَانَ لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِهِمْ وَيَقْدَمَ عَلَيْهِ بِجِزْيَتِهِمْ.
[فَصْلٌ فِي السَّرَايَا وَالْبُعُوثِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ]
[سَرِيَّةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيِّ إِلَى بَنِي تَمِيمٍ]
فَصْلٌ
فِي السَّرَايَا وَالْبُعُوثِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ
ذِكْرُ سَرِيَّةِ عيينة بن حصن الفزاري إِلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ فِي سَرِيَّةٍ لِيَغْزُوَهُمْ فِي خَمْسِينَ فَارِسًا لَيْسَ فِيهِمْ مُهَاجِرِيٌّ وَلَا أَنْصَارِيٌّ، فَكَانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ النَّهَارَ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ فِي صَحْرَاءَ، وَقَدْ سَرَّحُوا مَوَاشِيَهُمْ، فَلَمَّا رَأَوُا الْجَمْعَ وَلَّوْا، فَأَخَذَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا فَسَاقَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأُنْزِلُوا فِي دَارِ رملة بنت الحارث فَقَدِمَ فِيهِمْ عِدَّةٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ ; عطارد بن حاجب، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم، ورباح بن الحارث، فَلَمَّا رَأَوْا نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ بَكَوْا إِلَيْهِمْ فَعَجَّلُوا، فَجَاءُوا إِلَى بَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَنَادَوْا: يَا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إِلَيْنَا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَقَامَ بلال الصَّلَاةَ وَتَعَلَّقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُونَهُ، فَوَقَفَ مَعَهُمْ ثُمَّ مَضَى فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ جَلَسَ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ فَقَدَّمُوا عطارد بن حاجب فَتَكَلَّمَ وَخَطَبَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فَأَجَابَهُمْ وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٤ - ٥] [الْحُجُرَاتِ: ٤٥] فَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَسْرَى وَالسَّبْيَ فَقَامَ الزبرقان شَاعِرُ بَنِي تَمِيمٍ فَأَنْشَدَ مُفَاخِرًا:
نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيٌّ يُعَادِلُنَا ... مِنَّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ
وَكَمْ قَسَرْنَا مِنَ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ ... عِنْدَ النِّهَابِ وَفَضْلُ الْعِزِّ يُتَّبَعُ
وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا ... مِنَ الشِّوَاءِ إِذَا لَمْ يُؤْنَسِ الْقَزَعُ
стр. 1353
بِمَا تَرَى النَّاسَ تَأْتِينَا سُرَاتُهُمُ
مِنْ كُلِّ أَرْضٍ هُوَيَّا ثُمَّ نَصْطَنِعُ ... فَنَنْحَرُ الْكَوْمَ عُبْطًا فِي أَرُومَتِنَا
لِلنَّازِلِينَ إِذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا ... فَلَا تَرَانَا إِلَى حَيٍّ نُفَاخِرُهُمْ
إِلَّا اسْتَفَادُوا فَكَانُوا الرَّأْسَ يُقْتَطَعُ ... فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فِي ذَاكَ نَعْرِفُهُ
فَيَرْجِعُ الْقَوْمُ وَالْأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ ... إِنَّا أَبَيْنَا وَلَا يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ
إِنَّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نَرْتَفِعُ
فَقَامَ شَاعِرُ الْإِسْلَامِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فَأَجَابَهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ
إِنَّ الذَّوَائِبَ مَنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ ... قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ
يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ ... تَقْوَى الْإِلَهَ وَكُلُّ الْخَيْرِ مُصْطَنَعُ
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ ... أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
سَجِيَّةٌ تِلْكَ فِيهِمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ... إِنَّ الْخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرُّهَا الْبِدَعُ
إِنْ كَانَ فِي النَّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ ... فَكُلُّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ
لَا يَرْقَعُ النَّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكُفُّهُمُ ... عِنْدَ الدِّفَاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا
إِنْ سَابَقُوا النَّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمُ ... أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنَّدَى مَتَعُوا
أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْيِ عِفَّتُهُمْ ... لَا يَطْبَعُونَ وَلَا يُرْدِيهِمُ الطَّمَعُ
لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمُ ... وَلَا يَمَسُّهُمُ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ
إِذَا نَصَبْنَا لِحَيٍّ لَمْ نَدِبَّ لَهُمْ ... كَمَا يَدِبُّ إِلَى الْوَحْشِيَّةِ الذُّرُعُ
نَسْمُوا إِذَا الْحَرْبُ نَالَتْنَا مَخَالِبُهَا ... إِذَا الزَّعَانِفُ مِنْ أَظْفَارِهَا خَشَعُوا
стр. 1354
لَا يَفْخَرُونَ إِذَا نَالُوا عَدُوَّهُمُ
وَإِنْ أُصِيبُوا فَلَا جَوْرٌ وَلَا هَلَعُ ... كَأَنَّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتُ مُكْتَنِعٌ
أُسْدٌ بِحِلْيَةَ فِي أَرْسَاغِهَا فَدَعُ ... خُذْ مِنْهُمُ مَا أَتَوْا عَفْوًا إِذَا غَضِبُوا
وَلَا يَكُنْ هَمُّكَ الْأَمْرَ الَّذِي مَنَعُوا ... فَإِنَّ فِي حَرْبِهِمْ فَاتْرُكْ عَدَاوَتَهُمْ
شَرًّا يُخَاضُ عَلَيْهِ السُّمُّ وَالسَّلَعُ ... أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شِيعَتُهُمْ
إِذَا تَفَاوَتَتِ الْأَهْوَاءُ وَالشِّيَعُ ... أَهْدَى لَهُمْ مِدْحَتِي قَلْبٌ يُوَازِرُهُ
فِيمَا أَحَبَّ لِسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ ... فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ
إِنْ جَدَّ بِالنَّاسِ جِدُّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا
فِلْمًا فَرَغَ حسان قَالَ الأقرع بن حابس: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمُؤَتَّى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَلَأَصْوَاتُهُمْ أَعْلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا، ثُمَّ أَسْلَمُوا فَأَجَازَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ
[قدوم وفد بني تميم]
فَصْلٌ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ( «فَلَمَّا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ دَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَنَادَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ، فَآذَى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ صِيَاحِهِمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: جِئْنَا لِنُفَاخِرَكَ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا، قَالَ: نَعَمْ، قَدْ أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُمْ، فَقَامَ عطارد بن حاجب فَقَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، الَّذِي لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْنَا، وَالَّذِي وَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعَزَّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَكْثَرَهُ عَدَدًا، وَأَيْسَرَهُ عُدَّةً، فَمَنْ مِثْلُنَا فِي النَّاسِ؟! أَلَسْنَا رُءُوسَ النَّاسِ وَأُولِي فَضْلِهِمْ، فَمَنْ فَاخَرَنَا فَلْيَعُدَّ مِثْلَ مَا عَدَدْنَا، فَلَوْ شِئْنَا لِأَكْثَرْنَا مِنَ
стр. 1355
الْكَلَامِ، وَلَكِنْ نَسْتَحْيِي مِنَ الْإِكْثَارِ لِمَا أَعْطَانَا، أَقُولُ هَذَا لِأَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ قَوْلِنَا أَوْ أَمْرٍ أَفْضَلَ مِنْ أَمْرِنَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ: " قُمْ فَأَجِبْهُ " فَقَامَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهِنَّ أَمْرَهُ وَوَسِعَ كُرْسِيَّهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا مِنْ فَضْلِهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولًا، أَكْرَمَهُ نَسَبًا وَأَصْدَقَهُ حَدِيثًا وَأَفْضَلَهُ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَكَانَ خِيرَةَ اللَّهِ مِنَ الْعَالِمَيْنِ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، فَآمَنَ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ ذَوِي رَحِمِهِ، أَكْرَمُ النَّاسِ أَحْسَابًا، وَأَحْسَنُهُمْ وُجُوهًا، وَخَيْرُ النَّاسِ فِعْلًا، ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ الْخَلْقِ إِجَابَةً وَاسْتِجَابَةً لِلَّهِ حِينَ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْنُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَوُزَرَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مَنَعَ مَالَهُ وَدَمَهُ، وَمَنْ نَكَثَ جَاهَدْنَاهُ فِي اللَّهِ أَبَدًا، وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا، أَقُولُ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ» ) .
ثُمَّ ذَكَرَ قِيَامَ الزبرقان وَإِنْشَادِهِ، وَجَوَابِ حسان لَهُ بِالْأَبْيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ حسان مِنْ قَوْلِهِ قَالَ الأقرع بن حابس: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ خَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَأَقْوَالُهُمْ أَعْلَى مِنْ أَقْوَالِنَا، ثُمَّ أَجَازَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ سَرِيَّةِ قُطْبَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ إِلَى خَثْعَمَ]
فَصْلٌ
فِي ذِكْرِ سَرِيَّةِ قطبة بن عامر بن حديدة إِلَى خَثْعَمَ
وَكَانَتْ فِي صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ، قَالَ ابن سعد: قَالُوا: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ قطبة بن عامر فِي عِشْرِينَ رَجُلًا إِلَى حَيٍّ مِنْ خَثْعَمَ بِنَاحِيَةِ تَبَالَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشُنَّ الْغَارَةَ، فَخَرَجُوا عَلَى عَشَرَةِ أَبْعِرَةٍ يَعْتَقِبُونَهَا، فَأَخَذُوا رَجُلًا فَسَأَلُوهُ فَاسْتَعْجَمَ عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ يَصِيحُ بِالْحَاضِرَةِ وَيُحَذِّرُهُمْ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، ثُمَّ أَقَامُوا حَتَّى نَامَ الْحَاضِرَةُ
стр. 1356
فَشَنُّوا عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى كَثُرَ الْجَرْحَى فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، وَقَتَلَ قطبة بن عامر مَنْ قَتَلَ، وَسَاقُوا النَّعَمَ وَالنِّسَاءَ وَالشَّاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ وَرَكِبُوا فِي آثَارِهِمْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ سَيْلًا عَظِيمًا حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَاقُوا النَّعَمَ وَالشَّاءَ وَالسَّبْيَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعْبُرُوا إِلَيْهِمْ حَتَّى غَابُوا عَنْهُمْ
[فَصْلٌ ذِكْرُ سَرِيَّةِ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيِّ إِلَى بَنِي كِلَابٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ]
فَصْلٌ
ذِكْرُ سَرِيَّةِ الضحاك بن سفيان الكلابي إِلَى بَنِي كِلَابٍ
فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ
قَالُوا: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا إِلَى بَنِي كِلَابٍ، وَعَلَيْهِمُ الضحاك بن سفيان بن عوف الطائي، وَمَعَهُ الأصيد بن سلمة، فَلَقُوهُمْ بِالزَّجِّ زَجِّ لَاوَةَ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا، فَقَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ، فَلَحِقَ الأصيد أَبَاهُ سلمة، وسلمة عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي غَدِيرٍ بِالزَّجِّ، فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ، فَسَبَّهُ وَسَبَّ دِينَهُ، فَضَرَبَ الأصيد عُرْقُوبَيْ فَرَسِ أَبِيهِ، فَلَمَّا وَقَعَ الْفَرَسُ عَلَى عُرْقُوبَيْهِ ارْتَكَزَ سلمة عَلَى الرُّمْحِ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ اسْتَمْسَكَ حَتَّى جَاءَ أَحَدُهُمْ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ ابْنُهُ
[فَصْلٌ ذِكْرُ سَرِيَّةِ عَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ إِلَى الْحَبَشَةِ سَنَةَ تِسْعٍ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ]
فَصْلٌ
ذِكْرُ سَرِيَّةِ علقمة بن مجزز المدلجي إِلَى الْحَبَشَةِ
سَنَةَ تِسْعٍ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ
قَالُوا: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْحَبَشَةِ تَرَايَاهُمْ أَهْلُ جَدَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ علقمة بن مجزز فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، فَانْتَهَى إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ وَقَدْ خَاضَ إِلَيْهِمُ الْبَحْرَ فَهَرَبُوا مِنْهُ، فَلَمَّا رَجَعَ تَعَجَّلَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَى أَهْلِيهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ فَتَعَجَّلَ
стр. 1357
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، فَأَمَّرَهُ عَلَى مَنْ تَعَجَّلَ، وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ، فَنَزَلُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَأَوْقَدُوا نَارًا يَصْطَلُونَ عَلَيْهَا فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ إِلَّا تَوَاثَبْتُمْ فِي هَذِهِ النَّارِ، فَقَامَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَتَجَهَّزُوا حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُمْ وَاثِبُونَ فِيهَا، فَقَالَ: اجْلِسُوا إِنَّمَا كُنْتُ أَضْحَكُ مَعَكُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ( «مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا تُطِيعُوهُ» )
قُلْتُ: فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا، فَأَغْضَبُوهُ فَقَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَسْمَعُوا لِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَادْخُلُوهَا، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ النَّارِ، فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ وَطَفِئَتِ النَّارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ( «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا» ) وَقَالَ: ( «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» ) فَهَذَا فِيهِ أَنَّ الْأَمِيرَ كَانَ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ الَّذِي أَمَّرَهُ، وَأَنَّ الْغَضَبَ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أحمد فِي " مُسْنَدِهِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] [النِّسَاءِ: ٩٩] قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، فَإِمَّا أَنْ
стр. 1358
يَكُونَا وَاقِعَتَيْنِ، أَوْ يَكُونَ حَدِيثُ علي هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ سَرِيَّةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى صَنَمِ طَيِّئٍ لِيَهْدِمَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]
فَصْلٌ
فِي ذِكْرِ سَرِيَّةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁
إِلَى صَنَمِ طَيِّئٍ لِيَهْدِمَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ
قَالُوا: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ وَخَمْسِينَ فَرَسًا، وَمَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ، لِوَاءٌ أَبْيَضُ إِلَى الْفُلْسِ، وَهُوَ صَنَمُ طَيِّئٍ لِيَهْدِمَهُ، فَشَنُّوا الْغَارَةَ عَلَى مَحَلَّةِ آلِ حَاتِمٍ مَعَ الْفَجْرِ فَهَدَمُوهُ، وَمَلَئُوا أَيْدِيَهُمْ مِنَ السَّبْيِ وَالنَّعَمِ وَالشَّاءِ، وَفِي السَّبْيِ أُخْتُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَهَرَبَ عدي إِلَى الشَّامِ، وَوَجَدُوا فِي خِزَانَتِهِ ثَلَاثَةَ أَسْيَافٍ وَثَلَاثَةَ أَدْرَاعٍ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى السَّبْيِ أبا قتادة، وَعَلَى الْمَاشِيَةِ وَالرَّثَّةِ عبد الله بن عتيك، وَقَسَمَ الْغَنَائِمَ فِي الطَّرِيقِ، وَعَزَلَ الصَّفِيَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَقْسِمْ عَلَى آلِ حَاتِمٍ حَتَّى قَدِمَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: (قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: مَا كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ أَشَدَّ كَرَاهِيَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي حِينَ سَمِعْتُ بِهِ ﷺ ، وَكُنْتُ امْرَءًا شَرِيفًا، وَكُنْتُ نَصْرَانِيًّا، وَكُنْتُ أَسِيرُ فِي قَوْمِي بِالْمِرْبَاعِ، وَكُنْتُ فِي نَفْسِي عَلَى دِينٍ، وَكُنْتُ مَلِكًا فِي قَوْمِي، فَلَمَّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَرِهْتُهُ، فَقُلْتُ لِغُلَامٍ عَرَبِيٍّ كَانَ لِي وَكَانَ رَاعِيًا لِإِبِلِي: لَا أَبًا لَكَ اعْدُدْ لِي مِنْ إِبِلِي أَجْمَالًا ذَلَلًا سِمَانًا فَاحْبِسْهَا قَرِيبًا مِنِّي، فَإِذَا سَمِعْتَ بِجَيْشٍ لِمُحَمَّدٍ قَدْ وَطِئَ هَذِهِ الْبِلَادَ فَآذِنِّي، فَفَعَلَ، ثُمَّ إِنَّهُ أَتَانِي ذَاتَ غَدَاةٍ فَقَالَ: يَا عدي مَا كُنْتَ صَانِعًا إِذَا غَشِيَتْكَ خَيْلُ مُحَمَّدٍ فَاصْنَعْهُ الْآنَ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَايَاتٍ فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقَالُوا: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمَّدٍ، قَالَ فَقُلْتُ: فَقَرِّبْ إِلَيَّ أَجْمَالِي، فَقَرَّبَهَا، فَاحْتَمَلْتُ بِأَهْلِي وَوَلَدِي ثُمَّ قُلْتُ: أَلْحَقُ بِأَهْلِ دِينِي مِنَ النَّصَارَى
стр. 1359
بِالشَّامِ، وَخَلَّفْتُ بِنْتًا لحاتم فِي الْحَاضِرَةِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الشَّامَ أَقَمْتُ بِهَا، وَتُحَالِفُنِي خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتُصِيبُ ابْنَةَ حاتم فِيمَنْ أَصَابَتْ، فَقُدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَبَايَا مِنْ طَيِّئٍ، وَقَدْ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَرَبِي إِلَى الشَّامِ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غَابَ الْوَافِدُ وَانْقَطَعَ الْوَالِدُ، وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ، فَمُنَّ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَ: " مَنْ وَافِدُكِ؟ " قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: " الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ " قَالَتْ: فَمُنَّ عَلَيَّ، قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ وَرَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ يَرَى أَنَّهُ علي قَالَ: سَلِيهِ الْحِمْلَانِ، قَالَتْ: فَسَأَلْتُهُ فَأَمَرَ لَهَا بِهِ
قَالَ عدي: فَأَتَتْنِي أُخْتِي فَقَالَتْ: لَقَدْ فَعَلَ فِعْلَةً مَا كَانَ أَبُوكَ يَفْعَلُهَا، ائْتِهِ رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ، وَأَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ، قَالَ عدي: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَجِئْتُ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلَا كِتَابٍ، فَلَمَّا دُفِعْتُ إِلَيْهِ أَخْذَ بِيَدِي، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ: ( «إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ يَدَهُ فِي يَدِي» ) قَالَ: فَقَامَ لِي فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ فَقَالَا: إِنَّ لَنَا إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَامَ مَعَهُمَا حَتَّى قَضَى حَاجَتَهُمَا، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَى دَارَهُ فَأَلْقَتْ لَهُ الْوَلِيدَةُ وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: (مَا يُفِرُّكَ؟ أَيُفِرُّكَ أَنْ تَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إِلَهٍ سِوَى اللَّهِ؟ " قَالَ قُلْتُ: لَا، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: " إِنَّمَا تَفِرُّ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَهَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنَ اللَّهِ؟ " قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: " فَإِنَّ الْيَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ النَّصَارَى ضَالُّونَ " قَالَ: فَقُلْتُ: إِنِّي حَنِيفٌ مُسْلِمٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ يَنْبَسِطُ فَرَحًا، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَنِي فَأُنْزِلْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَجَعَلْتُ أَغْشَاهُ، آتِيهِ طَرَفَيِ النَّهَارِ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ جَاءَ قَوْمٌ فِي ثِيَابٍ مِنَ الصُّوفِ مِنْ هَذِهِ النِّمَارِ، قَالَ: فَصَلَّى وَقَامَ فَحَثَّ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْضَخُوا مِنَ الْفَضْلِ وَلَوْ بِصَاعٍ، وَلَوْ بِنِصْفِ صَاعٍ، وَلَوْ بِقَبْضَةٍ، وَلَوْ بِبَعْضِ قَبْضَةٍ، يَقِي أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ أَوِ النَّارَ وَلَوْ بِتَمْرَةٍ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَاقِي اللَّهَ وَقَائِلٌ لَهُ مَا أَقُولُ لَكُمْ: أَلُمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالًا وَوَلَدًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى
стр. 1360
فَيَقُولُ: أَيْنَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ فَيَنْظُرُ قُدَّامَهُ وَبَعْدَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ لَا يَجِدُ شَيْئًا يَقِي بِهِ وَجْهَهُ حَرَّ جَهَنَّمَ، لِيَقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَإِنِّي لَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الْفَاقَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ وَمُعْطِيكُمْ حَتَّى تَسِيرَ الظَّعِينَةُ مَا بَيْنَ يَثْرِبَ وَالْحِيرَةِ وَأَكْثَرُ مَا يُخَافُ عَلَى مَطِيَّتِهَا السُّرَّقُ، قَالَ
стр. 1361
فَجَعَلْتُ أَقُولُ فِي نَفْسِي: فَأَيْنَ لُصُوصُ طَيِّئٍ)
[فَصْلٌ ذِكْرُ قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ]
فَصْلٌ
ذِكْرُ قِصَّةِ كعب بن زهير مَعَ النَّبِيِّ ﷺ
وَكَانَتْ فِيمَا بَيْنَ رُجُوعِهِ مِنَ الطَّائِفِ وَغَزْوَةِ تَبُوكَ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الطَّائِفِ كَتَبَ بجير بن زهير إِلَى أَخِيهِ كعب يُخْبِرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتَلَ رِجَالًا بِمَكَّةَ مِمَّنْ كَانَ يَهْجُوهُ وَيُؤْذِيهِ، وَأَنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْ شُعَرَاءِ قُرَيْشٍ ابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب، قَدْ هَرَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ فِي نَفْسِكَ حَاجَةٌ فَطِرْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَا يَقْتُلُ أَحَدًا جَاءَهُ تَائِبًا مُسْلِمًا، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَانْجُ إِلَى نَجَائِكَ وَكَانَ كعب قَدْ قَالَ
أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً ... فَهَلْ لَكَ فِيمَا قُلْتَ وَيْحَكَ هَلْ لَكَّا
فَبَيِّنْ لَنَا إِنْ كُنْتَ لَسْتَ بِفَاعِلٍ ... عَلَى أَيِّ شَيْءٍ غَيْرَ ذَلِكَ دَلَّكَا
стр. 1362
عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا
عَلَيْهِ وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخًا لَكَا ... فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْتُ بِآسِفٍ
وَلَا قَائِلٍ إِمَّا عَثَرْتَ لَعًا لَكَا ... سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً
فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا
قَالَ: وَبُعِثَ بِهَا إِلَى بجير، فَلَمَّا أَتَتْ بجيرا كَرِهَ أَنْ يَكْتُمَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَنْشَدَهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (سَقَاكَ الْمَأْمُونُ، صَدَقَ وَإِنَّهُ لَكَذُوبٌ، أَنَا الْمَأْمُونُ، وَلَمَّا سَمِعَ "عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ " فَقَالَ: أَجَلْ. قَالَ: لَمْ يُلْفِ عَلَيْهِ أَبَاهُ وَلَا أُمَّهُ، ثُمَّ قَالَ بجير لكعب
مَنْ مُبْلِغٌ كَعْبًا فَهَلْ لَكَ فِي الَّتِي ... تَلُومُ عَلَيْهَا بَاطِلًا وَهْيَ أَحْزَمُ
إِلَى اللَّهِ لَا الْعُزَّى وَلَا اللَّاتِ وَحْدَهُ ... فَتَنْجُو إِذَا كَانَ النَّجَاءُ وَتَسْلَمُ
لَدَى يَوْمَ لَا يَنْجُو وَلَيْسَ بِمُفْلِتٍ ... مِنَ النَّاسِ إِلَّا طَاهِرُ الْقَلْبِ مُسْلِمُ
فَدِينُ زهير وَهْوَ لَا شَيْءَ دِينُهُ ... وَدِينُ أبي سلمى عَلَيَّ مُحَرَّمُ
فَلَمَّا بَلَغَ كعبا الْكِتَابُ ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ وَأَشْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَرْجَفَ بِهِ مَنْ كَانَ فِي حَاضِرِهِ مِنْ عَدُوِّهِ فَقَالَ: هُوَ مَقْتُولٌ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مِنْ شَيْءٍ بُدًّا قَالَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَذَكَرَ خَوْفَهُ وَإِرْجَافَ الْوُشَاةِ بِهِ مِنْ عَدُوِّهِ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ عَلَى رَجُلٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، كَمَا ذُكِرَ لِي، فَغَدَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ فَقُمْ إِلَيْهِ فَاسْتَأْمِنْهُ، فَذُكِرَ لِي أَنَّهُ قَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كعب بن زهير قَدْ جَاءَ لِيَسْتَأْمِنَكَ تَائِبًا مُسْلِمًا، فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ مِنْهُ إِنْ أَنَا جِئْتُكَ بِهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كعب بن زهير
стр. 1363
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنَّهُ وَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي وَعَدُوَّ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعْهُ عَنْكَ فَقَدْ جَاءَ تَائِبًا نَازِعًا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَالَ: فَغَضِبَ كعب عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ لِمَا صَنَعَ بِهِ صَاحِبُهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَقَالَ قَصِيدَتَهُ اللَّامِيَّةَ الَّتِي يَصِفُ فِيهَا مَحْبُوبَتَهُ وَنَاقَتَهُ، الَّتِي أَوَّلُهَا:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ
يَسْعَى الْغُوَاةُ جَنَابَيْهَا وَقَوْلُهُمُ ... إِنَّكَ يَا ابْنَ أبي سلمى لَمَقْتُولُ
وَقَالَ كُلُّ صَدِيقٍ كُنْتُ آمُلُهُ ... لَا أَلْهِيَنَّكَ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
فَقُلْتُ خَلُّوا طَرِيقِي لَا أَبًا لَكُمُ ... فَكُلُّ مَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْعُولُ
كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ ... يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي ... وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ
مَهْلًا هُدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ الْ ... قُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ
لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ ... أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الْأَقَاوِيلُ
لَقَدْ أَقُومُ مَقَامًا لَوْ يَقُومُ بِهِ ... أَرَى وَأَسْمَعُ مَا لَوْ يَسْمَعُ الْفِيلُ
لَظَلَّ تُرْعَدُ مِنْ خَوْفٍ بَوَادِرُهُ ... إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ تَنْوِيلُ
стр. 1364
حَتَّى وَضَعْتُ يَمِينِي مَا أُنَازِعُهَا
فِي كَفِّ ذِي نَقَمَاتٍ قَوْلُهُ الْقِيلُ ... فَلَهْوَ أَخْوَفُ عِنْدِي إِذْ أُكَلِّمُهُ
وَقِيلَ إِنَّكَ مَنْسُوبٌ وَمَسْئُولُ ... مِنْ ضَيْغَمٍ بِضَرَاءِ الْأَرْضِ مُخْدَرُهُ
فِي بَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ ... يَغْدُو فَيُلْحِمُ ضِرْغَامَيْنِ عَيْشُهُمَا
لَحْمٌ مِنَ النَّاسِ مَعْفُورٌ خَرَادِيلُ ... إِذَا يُسَاوِرُ قِرْنًا لَا يَحِلُّ لَهُ
أَنْ يَتْرُكَ الْقِرْنَ إِلَّا وَهْوَ مَفْلُولُ ... مِنْهُ تَظَلُّ سِبَاعُ الْجَوِّ نَافِرَةً
وَلَا تَمَشَّى بِوَادِيهِ الْأَرَاجِيلُ ... وَلَا يَزَالُ بِوَادِيهِ أَخُو ثِقَةٍ
مُضَرَّجُ الْبَزِّ وَالدُّرْسَانِ مَأْكُولُ ... إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ
مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ ... فِي عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ
بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا ... زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كُشُفٌ
عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ
стр. 1365
يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ ... ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ.
شُمُّ الْعَرَانِينِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمُ ... مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ
بِيضٌ سَوَابِغُ قَدْ شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ ... كَأَنَّهَا حَلَقُ الْقَفْعَاءِ مَجْدُولُ
لَيْسُوا مَفَارِيحَ إِنْ نَالَتْ رِمَاحُهُمُ ... قَوْمًا وَلَيْسُوا مَجَازِيعًا إِذَا نِيلُوا
لَا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلَّا فِي نُحُورِهِمُ ... وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: فَلَمَّا قَالَ كعب: " إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ " وَإِنَّمَا عَنَى مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لِمَا كَانَ صَاحِبُنَا صَنَعَ بِهِ مَا صَنَعَ، وَخَصَّ الْمُهَاجِرِينَ بِمِدْحَتِهِ، غَضِبَتْ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يَمْدَحُ الْأَنْصَارَ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:
مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الْحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ ... فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ
وَرِثُوا الْمَكَارِمَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ ... إِنَّ الْخِيَارَ هُمُ بَنُو الْأَخْيَارِ
стр. 1366
الْبَاذِلِينَ نُفُوسَهُمْ لِنَبِيِّهِمْ
يَوْمَ الْهِيَاجِ وَسَطْوَةِ الْجَبَّارِ ... وَالذَّائِدِينَ النَّاسَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ
بِالْمَشْرَفِيِّ وَبِالْقَنَا الْخَطَّارِ ... وَالْبَائِعِينَ نُفُوسَهُمْ لِنَبِيِّهِمْ
لِلْمَوْتِ يَوْمَ تَعَانُقٍ وَكِرَارِ ... يَتَطَهَّرُونَ يَرَوْنَهُ نُسُكًا لَهُمْ
بِدِمَاءِ مَنْ عَلِقُوا مِنَ الْكُفَّارِ ... وَإِذَا حَلَلْتَ لِيَمْنَعُوكَ إِلَيْهِمُ
أَصْبَحْتَ عِنْدَ مَعَاقِلِ الْأَعْفَارِ ... قَوْمٌ إِذَا خَوَتِ النُّجُومُ فَإِنَّهُمْ
لِلطَّارِقِينَ النَّازِلِينَ مَقَارِي
وكعب بن زهير مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ هُوَ وَأَبُوهُ وَابْنُهُ عقبة وَابْنُ ابْنِهِ العوام بن عقبة، وَمِمَّا يُسْتَحْسَنُ لكعب قَوْلُهُ
لَوْ كُنْتُ أَعْجَبَ مِنْ شَيْءٍ لَأَعْجَبَنِي ... سَعْيُ الْفَتَى وَهْوَ مَخْبُوءٌ لَهُ الْقَدَرُ
يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا ... فَالنَّفْسُ وَاحِدَةٌ وَالْهَمُّ مُنْتَشِرُ
وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ ... لَا تَنْتَهِي الْعَيْنُ حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثَرُ
وَمِمَّا يُسْتَحْسَنُ لَهُ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي النَّبِيِّ ﷺ :
تُحْدَى بِهِ النَّاقَةُ الْأَدْمَاءُ مُعْتَجِرًا ... لِلْبُرْدِ كَالْبَدْرِ جُلِّي لَيْلَةَ الظُّلَمِ
فَفِي عِطَافَيْهِ أَوْ أَثْنَاءِ بُرْدَتِهِ ... مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْ دِينٍ وَمِنْ كَرَمِ
[فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ]
[عام غزوة تبوك]
فَصْلٌ
فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ
وَكَانَتْ فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتْ فِي زَمَنِ عُسْرَةٍ
стр. 1367
مِنَ النَّاسِ وَجِدْبٍ مِنَ الْبِلَادِ، وَحِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالنَّاسُ يُحِبُّونَ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلَالِهِمْ، وَيَكْرَهُونَ شُخُوصَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَلَّمَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إِلَّا كَنَّى عَنْهَا وَوَرَّى بِغَيْرِهَا، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِبُعْدِ الشُّقَّةِ وَشِدَّةِ الزَّمَانِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ فِي جِهَازِهِ للجد بن قيس - أَحَدِ بَنِي سَلَمَةَ -: ( «يَا جد هَلْ لَكَ الْعَامَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَأْذَنُ لِي وَلَا تَفْتِنِّي؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنَّهُ مَا مِنْ رَجُلٍ بِأَشَدَّ عَجَبًا بِالنِّسَاءِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ، فَفِيهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] » [التَّوْبَةِ: ٤٩]
وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١] الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ٨١]
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَدَّ فِي سَفَرِهِ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْجِهَازِ، وَحَضَّ أَهْلَ الْغِنَى عَلَى النَّفَقَةِ وَالْحِمْلَانِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَحَمَلَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْغِنَى وَاحْتَسَبُوا، وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي ذَلِكَ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ مِثْلَهَا.
قُلْتُ: كَانَتْ ثَلَاثَمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا وَعُدَّتِهَا، وَأَلْفَ دِينَارٍ عَيْنًا.
стр. 1368
وَذَكَرَ ابن سعد قَالَ: (بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الرُّومَ قَدْ جَمَعَتْ جُمُوعًا كَثِيرَةً بِالشَّامِ، وَأَنَّ هرقل قَدْ رَزَقَ أَصْحَابَهُ لِسَنَةٍ، وَأَجْلَبَتْ مَعَهُ لَخْمٌ، وَجُذَامُ، وَعَامِلَةُ، وَغَسَّانُ، وَقَدَّمُوا مُقَدِّمَاتِهِمْ إِلَى الْبَلْقَاءِ، وَجَاءَ الْبَكَّاءُونَ وَهُمْ سَبْعَةٌ يَسْتَحْمِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، فَتَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَنْ لَا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ» ، وَهُمْ سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى المازني، وعمرو بن عنمة، وسلمة بن صخر، وَالْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، وَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: الْبَكَّاءُونَ بَنُو مُقَرِّنٍ السَّبْعَةُ، وَهُمْ مِنْ مُزَيْنَةَ)
وابن إسحاق: يَعُدُّ فِيهِمْ عمرو بن الحمام بن الجموح
( «وَأَرْسَلَ أبا موسى أَصْحَابُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَحْمِلَهُمْ، فَوَافَاهُ غَضْبَانَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتَاهُ إِبِلٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» )
[فصل قِصَّةُ عُلْبَةَ بْنِ زَيْدٍ]
فَصْلٌ
( «وَقَامَ علبة بن زيد فَصَلَّى مِنَ اللَّيْلِ وَبَكَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ أَمَرْتَ
стр. 1369
بِالْجِهَادِ وَرَغَّبْتَ فِيهِ، ثُمَّ لَمْ تَجْعَلْ عِنْدِي مَا أَتَقَوَّى بِهِ مَعَ رَسُولِكَ، وَلَمْ تَجْعَلْ فِي يَدِ رَسُولِكَ مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ، وَإِنِّي أَتَصَدَّقُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِكُلِّ مَظْلِمَةٍ أَصَابَنِي فِيهَا مِنْ مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ، ثُمَّ أَصْبَحَ مَعَ النَّاسِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ فَلْيَقُمْ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَبْشِرْ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ فِي الزَّكَاةِ الْمُتَقَبَّلَةِ» )
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ فَلَمْ يَعْذِرْهُمْ، قَالَ ابن سعد: وَهُمُ اثْنَانِ وَثَمَانُونَ رَجُلًا، وَكَانَ عبد الله بن أبي ابن سلول قَدْ عَسْكَرَ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ فِي حُلَفَائِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، فَكَانَ يُقَالُ: لَيْسَ عَسْكَرُهُ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ، وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ ابن هشام: سباع بن عرفظة، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ
فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَخَلَّفَ عبد الله بن أبي وَمَنْ كَانَ مَعَهُ، وَتَخَلَّفَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ، مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وأبو خيثمة السالمي، وأبو ذر، ثُمَّ لَحِقَهُ أبو خيثمة وأبو ذر.
وَشَهِدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنَ النَّاسِ، وَالْخَيْلُ عَشَرَةُ آلَافِ فَرَسٍ، وَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وهرقل يَوْمَئِذٍ بِحِمْصَ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخُرُوجَ خَلَّفَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا خَلَّفَهُ إِلَّا اسْتِثْقَالًا وَتَخَفُّفًا مِنْهُ، فَأَخَذَ علي ﵁ سِلَاحَهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجُرْفِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ زَعَمَ الْمُنَافِقُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا خَلَّفْتَنِي لِأَنَّكَ اسْتَثْقَلْتَنِي
стр. 1370
وَتَخَفَّفْتَ مِنِّي، فَقَالَ: كَذَبُوا، وَلَكِنِّي خَلَّفْتُكَ لِمَا تَرَكْتُ وَرَائِي، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَفَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، فَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْمَدِينَةِ
(ثُمَّ «إِنَّ أبا خيثمة رَجَعَ بَعْدَ أَنْ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيَّامًا إِلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ، فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي عَرِيشَيْنِ لَهُمَا فِي حَائِطِهِ قَدْ رَشَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرَّدَتْ لَهُ مَاءً، وَهَيَّأَتْ لَهُ فِيهِ طَعَامًا، فَلَمَّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ فَنَظَرَ إِلَى امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا لَهُ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الضِّحِّ وَالرِّيحِ وَالْحَرِّ وأبو خيثمة فِي ظِلٍّ بَارِدٍ وَطَعَامٍ مُهَيَّأٍ وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ فِي مَالِهِ مُقِيمٌ، مَا هَذَا بِالنَّصَفِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَهَيِّئَا لِي زَادًا، فَفَعَلَتَا، ثُمَّ قَدَّمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَدْرَكَهُ حِينَ نَزَلَ تَبُوكَ، وَقَدْ كَانَ أَدْرَكَ أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي فِي الطَّرِيقِ يَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَرَافَقَا، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ تَبُوكَ قَالَ أبو خيثمة لعمير بن وهب: إِنَّ لِي ذَنْبًا فَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَتَخَلَّفَ عَنِّي حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَفَعَلَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِتَبُوكَ قَالَ النَّاسُ: هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطَّرِيقِ مُقْبِلٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُنْ أبا خيثمة، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ وَاللَّهِ أبو خيثمة، فَلَمَّا أَنَاخَ أَقْبَلَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَوْلَى لَكَ يَا أبا خيثمة، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ» )
следующие страницы →