Полный текст (2 628 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
جَوْهَرِهِ، فَإِنَّ صَرَعَ هَؤُلَاءِ يَكُونُ لَازِمًا. قَالَ أبقراط: إِنَّ الصَّرَعَ يَبْقَى فِي هَؤُلَاءِ حَتَّى يَمُوتُوا.
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَهَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي جَاءَ الْحَدِيثُ أَنَّهَا كَانَتْ تُصْرَعُ وَتَتَكَشَّفُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَرَعُهَا مِنْ هَذَا النَّوْعِ فَوَعَدَهَا النَّبِيُّ ﷺ الْجَنَّةَ بِصَبْرِهَا عَلَى هَذَا الْمَرَضِ، وَدَعَا لَهَا أَنْ لَا تَتَكَشَّفَ وَخَيَّرَهَا بَيْنَ الصَّبْرِ وَالْجَنَّةِ، وَبَيْنَ الدُّعَاءِ لَهَا بِالشِّفَاءِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ فَاخْتَارَتِ الصَّبْرَ وَالْجَنَّةَ.
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الْمُعَالَجَةِ وَالتَّدَاوِي وَأَنَّ عِلَاجَ الْأَرْوَاحِ بِالدَّعَوَاتِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَى اللَّهِ يَفْعَلُ مَا لَا يَنَالُهُ عِلَاجُ الْأَطِبَّاءِ، وَأَنَّ تَأْثِيرَهُ وَفِعْلَهُ وَتَأَثُّرَ الطَّبِيعَةِ عَنْهُ وَانْفِعَالَهَا أَعْظَمُ مِنْ تَأْثِيرِ الْأَدْوِيَةِ الْبَدَنِيَّةِ، وَانْفِعَالِ الطَّبِيعَةِ عَنْهَا، وَقَدْ جَرَّبْنَا هَذَا مِرَارًا نَحْنُ وَغَيْرُنَا، وَعُقَلَاءُ الْأَطِبَّاءِ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ لِفِعْلِ الْقُوَى النَّفْسِيَّةِ وَانْفِعَالَاتِهَا فِي شِفَاءِ الْأَمْرَاضِ عَجَائِبُ، وَمَا عَلَى الصِّنَاعَةِ الطِّبِّيَّةِ أَضَرُّ مِنْ زَنَادِقَةِ الْقَوْمِ وَسِفْلَتِهِمْ، وَجُهَّالِهِمْ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ صَرَعَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْأَرْوَاحِ، وَيَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَيَّرَهَا بَيْنَ الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْجَنَّةِ وَبَيْنَ الدُّعَاءِ لَهَا بِالشِّفَاءِ، فَاخْتَارَتِ الصَّبْرَ وَالسَّتْرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ عِرْقِ النَّسَا]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ عِرْقِ النَّسَا
رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «دَوَاءُ عِرْقِ النَّسَا أَلْيَةُ شَاةٍ أَعْرَابِيَّةٍ، تُذَابُ ثُمُّ تُجَزَّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ يُشْرَبُ عَلَى الرِّيقِ فِي كُلِّ يَوْمٍ جُزْءٌ» ) .
стр. 1577
عِرْقُ النَّسَاءِ: وَجَعٌ يَبْتَدِئُ مِنْ مَفْصِلِ الْوَرِكِ وَيَنْزِلُ مِنْ خَلْفٍ عَلَى الْفَخِذِ، وَرُبَّمَا عَلَى الْكَعْبِ وَكُلَّمَا طَالَتْ مُدَّتُهُ زَادَ نُزُولُهُ وَتَهْزُلُ مَعَهُ الرِّجْلُ وَالْفَخِذُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مَعْنًى لُغَوِيٌّ، وَمَعْنًى طِبِّيٌّ. فَأَمَّا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ: فَدَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَسْمِيَةِ هَذَا الْمَرَضِ بِعِرْقِ النَّسَا خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ، وَقَالَ: النَّسَا هُوَ الْعِرْقُ نَفْسُهُ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَجَوَابُ هَذَا الْقَائِلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِرْقَ أَعَمُّ مِنَ النَّسَا فَهُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْعَامِّ إِلَى الْخَاصِّ، نَحْوَ: كُلُّ الدَّرَاهِمِ أَوْ بَعْضُهَا.
الثَّانِي: أَنَّ النَّسَا: هُوَ الْمَرَضُ الْحَالُّ بِالْعِرْقِ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى مَحَلِّهِ وَمَوْضِعِهِ. قِيلَ: وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَلَمَهُ يُنْسِي مَا سِوَاهُ وَهَذَا الْعِرْقُ مُمْتَدٌّ مِنْ مَفْصِلِ الْوَرِكِ وَيَنْتَهِي إِلَى آخِرِ الْقَدَمِ وَرَاءَ الْكَعْبِ مِنَ الْجَانِبِ الْوَحْشِيِّ فِيمَا بَيْنَ عَظْمِ السَّاقِ وَالْوَتَرِ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى الطِّبِّيُّ: فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَامٌّ: بِحَسْبِ الْأَزْمَانِ، وَالْأَمَاكِنِ، وَالْأَشْخَاصِ، وَالْأَحْوَالِ.
وَالثَّانِي: خَاصٌّ: بِحَسْبِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ بَعْضِهَا، وَهَذَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ فَإِنَّ هَذَا خِطَابٌ لِلْعَرَبِ، وَأَهْلِ الْحِجَازِ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ وَلَا سِيَّمَا أَعْرَابُ الْبَوَادِي فَإِنَّ هَذَا الْعِلَاجَ مِنْ أَنْفَعِ الْعِلَاجِ لَهُمْ، فَإِنَّ هَذَا الْمَرَضَ يَحْدُثُ مِنْ يُبْسٍ، وَقَدْ يَحْدُثُ مِنْ مَادَّةٍ غَلِيظَةٍ لَزِجَةٍ، فَعِلَاجُهَا بِالْإِسْهَالِ وَالْأَلْيَةُ فِيهَا الْخَاصِّيَّتَانِ: الْإِنْضَاجُ، وَالتَّلْيِينُ فَفِيهَا الْإِنْضَاجُ وَالْإِخْرَاجُ. وَهَذَا الْمَرَضُ يَحْتَاجُ عِلَاجُهُ إِلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، وَفِي تَعْيِينِ الشَّاةِ الْأَعْرَابِيَّةِ لِقِلَّةِ فُضُولِهَا وَصِغَرِ مِقْدَارِهَا وَلُطْفِ جَوْهَرِهَا، وَخَاصِّيَّةِ مَرْعَاهَا؛ لِأَنَّهَا تَرْعَى أَعْشَابَ الْبَرِّ الْحَارَّةَ كَالشِّيحِ، وَالْقَيْصُومِ، وَنَحْوِهِمَا، وَهَذِهِ النَّبَاتَاتُ إِذَا تَغَذَّى بِهَا الْحَيَوَانُ صَارَ فِي لَحْمِهِ مِنْ طَبْعِهَا بَعْدَ أَنْ يُلَطِّفَهَا تَغَذِّيهِ بِهَا، وَيُكْسِبُهَا مِزَاجًا أَلْطَفَ مِنْهَا، وَلَا سِيَّمَا الْأَلْيَةُ، وَظُهُورُ فِعْلِ هَذِهِ النَّبَاتَاتِ فِي اللَّبَنِ أَقْوَى مِنْهُ فِي اللَّحْمِ، وَلَكِنَّ الْخَاصِّيَّةَ الَّتِي فِي الْأَلْيَةِ مِنَ الْإِنْضَاجِ
стр. 1578
وَالتَّلْيِينِ لَا تُوجَدُ فِي اللَّبَنِ، وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَدْوِيَةَ غَالِبِ الْأُمَمِ وَالْبَوَادِي هِيَ الْأَدْوِيَةُ الْمُفْرَدَةُ، وَعَلَيْهِ أَطِبَّاءُ الْهِنْدِ.
وَأَمَّا الرُّومُ وَالْيُونَانُ فَيَعْتَنُونَ بِالْمُرَكَّبَةِ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ مِنْ مَهَارَةِ الطَّبِيبِ أَنْ يُدَاوِيَ بِالْغِذَاءِ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِالْمُفْرَدِ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِمَا كَانَ أَقَلَّ تَرْكِيبًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ غَالِبَ عَادَاتِ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْبَوَادِي الْأَمْرَاضُ الْبَسِيطَةُ، فَالْأَدْوِيَةُ الْبَسِيطَةُ تُنَاسِبُهَا، وَهَذَا لِبَسَاطَةِ أَغْذِيَتِهِمْ فِي الْغَالِبِ. وَأَمَّا الْأَمْرَاضُ الْمُرَكَّبَةُ فَغَالِبًا مَا تَحْدُثُ عَنْ تَرْكِيبِ الْأَغْذِيَةِ وَتَنَوِّعِهَا وَاخْتِلَافِهَا، فَاخْتِيرَتْ لَهَا الْأَدْوِيَةُ الْمُرَكَّبَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ يُبْسِ الطَّبْعِ وَاحْتِيَاجِهِ إِلَى مَا يُمَشِّيهِ وَيُلَيِّنُهُ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ يُبْسِ الطَّبْعِ، وَاحْتِيَاجِهِ إِلَى مَا يُمَشِّيهِ وَيُلَيِّنُهُ
رَوَى الترمذي فِي " جَامِعِهِ " وَابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ أسماء بنت عميس قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «بِمَاذَا كُنْتِ تَسْتَمْشِينَ؟ قَالَتْ بِالشُّبْرُمِ، قَالَ " حَارٌّ جَارٌّ " قَالَتْ: ثُمَّ اسْتَمْشَيْتُ بِالسَّنَا فَقَالَ " لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَشْفِي مِنَ الْمَوْتِ لَكَانَ السَّنَا» ) .
стр. 1579
وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عبد الله بن أم حرام، وَكَانَ قَدْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقِبْلَتَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «عَلَيْكُمْ بِالسَّنَا وَالسَّنُوتِ، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ " قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: الْمَوْتُ» ) .
قَوْلُهُ ( «بِمَاذَا كُنْتِ تَسْتَمْشِينَ» ) ؟ أَيْ تُلَيِّنِينَ الطَّبْعَ حَتَّى يَمْشِيَ وَلَا يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ، فَيُؤْذِيَ بِاحْتِبَاسِ النَّجْوِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الدَّوَاءُ الْمُسَهِّلُ مَشِيًّا عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَسْهُولَ يُكْثِرُ الْمَشْيَ وَالِاخْتِلَافَ لِلْحَاجَةِ، وَقَدْ رُوِيَ: ( «بِمَاذَا تَسْتَشْفِينَ؟ فَقَالَتْ بِالشُّبْرُمِ» ) وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدْوِيَةِ الْيَتُوعِيِّةِ، وَهُوَ قِشْرُ عِرْقِ شَجَرَةٍ، وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ، وَأَجْوَدُهُ الْمَائِلُ إِلَى الْحُمْرَةِ، الْخَفِيفُ الرَّقِيقُ الَّذِي يُشْبِهُ الْجِلْدَ الْمَلْفُوفَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي أَوْصَى الْأَطِبَّاءُ بِتَرْكِ اسْتِعْمَالِهَا لِخَطَرِهَا وَفَرْطِ إِسْهَالِهَا.
وَقَوْلُهُ ﷺ : " حَارٌّ جَارٌّ " وَيُرْوَى: (حَارٌّ يَارٌّ) ، قَالَ أبو عبيد: وَأَكْثَرُ كَلَامِهِمْ بِالْيَاءِ. قُلْتُ: وَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَارَّ الْجَارَّ بِالْجِيمِ: الشَّدِيدُ الْإِسْهَالِ، فَوَصَفَهُ بِالْحَرَارَةِ وَشَدِّةِ الْإِسْهَالِ وَكَذَلِكَ هُوَ، قَالَهُ أبو حنيفة الدِّينَوَرِيُّ.
وَالثَّانِي - وَهُوَ الصَّوَابُ - أَنَّ هَذَا مِنَ الْإِتْبَاعِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ تَأْكِيدُ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ بَيْنَ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ وَلِهَذَا يُرَاعُونَ فِيهِ إِتْبَاعَهُ فِي أَكْثَرِ حُرُوفِهِ، كَقَوْلِهِمْ: حَسَنٌ بَسَنٌ، أَيْ كَامِلُ الْحُسْنِ، وَقَوْلُهُمْ حَسَنٌ قَسَنٌ بِالْقَافِ، وَمِنْهُ شَيْطَانٌ لَيْطَانُ، وَحَارٌّ جَارٌّ مَعَ أَنَّ فِي الْجَارٌّ مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ
стр. 1580
الَّذِي يَجُرُّ الشَّيْءَ الَّذِي يُصِيبُهُ مِنْ شِدَّةِ حَرَارَتِهِ وَجَذْبِهِ لَهُ، كَأَنَّهُ يَنْزِعُهُ وَيَسْلُخُهُ. وَيَارٌّ إِمَّا لُغَةٌ فِي جَارٍّ، كَقَوْلِهِمْ صِهْرِيٌّ وَصِهْرِيجٌ، وَالصَّهَارِي وَالصَّهَارِيجُ، وَإِمَّا إِتْبَاعُ مُسْتَقِلٌّ.
وَأَمَّا السَّنَا فَفِيهِ لُغَتَانِ: الْمَدُّ وَالْقَصْرُ، وَهُوَ نَبْتٌ حِجَازِيٌّ أَفْضَلُهُ الْمَكِّيُّ، وَهُوَ دَوَاءٌ شَرِيفٌ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ، قَرِيبٌ مِنَ الِاعْتِدَالِ، حَارٌّ يَابِسٌ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى، يُسْهِلُ الصَّفْرَاءَ وَالسَّوْدَاءَ، وَيُقَوِّي جِرْمَ الْقَلْبِ، وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ شَرِيفَةٌ فِيهِ، وَخَاصِّيَّتُهُ النَّفْعُ مِنَ الْوَسْوَاسِ السَّوْدَاوِيِّ، وَمِنَ الشِّقَاقِ الْعَارِضِ فِي الْبَدَنِ، وَيَفْتَحُ الْعَضَلَ وَيَنْفَعُ مِنِ انْتِشَارِ الشَّعَرِ، وَمِنَ الْقُمَّلِ وَالصُّدَاعِ الْعَتِيقِ، وَالْجَرَبِ وَالْبُثُورِ، وَالْحِكَّةِ وَالصَّرِعِ، وَشُرْبِ مَائِهِ مَطْبُوخًا أَصْلَحُ مِنْ شُرْبِهِ مَدْقُوقًا، وَمِقْدَارُ الشَّرْبَةِ مِنْهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَمِنْ مَائِهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ طُبِخَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ زَهْرِ الْبَنَفْسَجِ وَالزَّبِيبِ الْأَحْمَرِ الْمَنْزُوعِ الْعَجَمُ، كَانَ أَصْلَحَ.
قَالَ الرَّازِيُّ: السَّنَاءُ وَالشَّاهَتْرَجُ يُسَهِّلَانِ الْأَخْلَاطَ الْمُحْتَرِقَةَ، وَيَنْفَعَانِ مِنَ الْجَرَبِ وَالْحِكَّةِ، وَالشَّرْبَةُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ إِلَى سَبْعَةِ دَرَاهِمَ.
وَأَمَّا السَّنُوتُ فَفِيهِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْعَسَلُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ رُبُّ عُكَّةِ السَّمْنِ يَخْرُجُ خُطَطًا سَوْدَاءَ عَلَى السَّمْنِ، حَكَاهُمَا عمرو بن بكر السكسكي. الثَّالِثُ: أَنَّهُ حَبٌّ يُشْبِهُ الْكَمُّونَ وَلَيْسَ بِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ الْكَمُّونُ الْكَرْمَانِيُّ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ الرَّازْيَانِجُ. حَكَاهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَعْرَابِ. السَّادِسُ: أَنَّهُ الشِّبِتُّ. السَّابِعُ: أَنَّهُ التَّمْرُ حَكَاهُمَا أَبُو بَكْرِ بْنُ السُّنِّيِّ الْحَافِظُ. الثَّامِنُ: أَنَّهُ الْعَسَلُ الَّذِي يَكُونُ فِي زِقَاقِ السَّمْنِ، حَكَاهُ عبد اللطيف البغدادي. قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: وَهَذَا أَجْدَرُ
стр. 1581
بِالْمَعْنَى وَأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ، أَيْ يُخْلَطُ السَّنَاءُ مَدْقُوقًا بِالْعَسَلِ الْمُخَالِطِ لِلسَّمْنِ، ثُمَّ يُلْعَقُ فَيَكُونُ أَصْلَحَ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ مُفْرَدًا لِمَا فِي الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ مِنْ إِصْلَاحِ السَّنَا، وَإِعَانَتِهِ لَهُ عَلَى الْإِسْهَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى الترمذي وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ: ( «إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ وَاللَّدُودُ وَالْحِجَامَةُ وَالْمَشِيُّ» ) وَالْمَشِيُّ هُوَ الَّذِي يُمَشِّي الطَّبْعَ وَيُلَيِّنُهُ وَيُسَهِّلُ خُرُوجَ الْخَارِجِ.
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ حِكَّةِ الْجِسْمِ وَمَا يُوَلِّدُ الْقَمْلَ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ حِكَّةِ الْجِسْمِ وَمَا يُوَلِّدُ الْقَمْلَ
فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ( «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» )
وَفِي رِوَايَةٍ ( «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، شَكَوَا الْقَمْلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ، وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا» ) .
هَذَا الْحَدِيثُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: فِقْهِيٌّ، وَالْآخَرُ طِبِّيٌّ.
فَأَمَّا الْفِقْهِيُّ: فَالَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ ﷺ إِبَاحَةُ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ مُطْلَقًا، وَتَحْرِيمُهُ عَلَى الرِّجَالِ إِلَّا لِحَاجَةٍ وَمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ، فَالْحَاجَةُ إِمَّا مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَلَا يَجِدُ غَيْرَهُ، أَوْ لَا يَجِدُ سُتْرَةً سِوَاهُ. وَمِنْهَا: لِبَاسُهُ لِلْجَرَبِ، وَالْمَرَضِ وَالْحِكَّةِ وَكَثْرَةِ الْقَمْلِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أنس هَذَا الصَّحِيحُ.
стр. 1582
وَالْجَوَازُ: أَصَحَّ الرّوَايَتَيْنِ عَنِ الْإِمَامِ أحمد، وَأَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّخْصِيصِ، وَالرُّخْصَةُ إِذَا ثَبَتَتْ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأُمَّةِ لِمَعْنًى تَعَدَّتْ إِلَى كُلِّ مَنْ وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، إِذِ الْحُكْمُ يَعُمُّ بِعُمُومِ سَبَبِهِ.
وَمَنْ مَنَعَ مِنْهُ قَالَ أَحَادِيثُ التَّحْرِيمِ عَامَّةٌ، وَأَحَادِيثُ الرُّخْصَةِ يُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُهَا بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ والزبير، وَيُحْتَمَلُ تَعَدِّيهَا إِلَى غَيْرِهِمَا. وَإِذَا احْتُمِلَ الْأَمْرَانِ كَانَ الْأَخْذُ بِالْعُمُومِ أَوْلَى؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَلَا أَدْرِي أَبْلَغَتِ الرُّخْصَةُ مِنْ بَعْدِهِمَا أَمْ لَا؟
وَالصَّحِيحُ عُمُومُ الرُّخْصَةِ، فَإِنَّهُ عُرْفُ خِطَابِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّخْصِيصِ، وَعَدَمِ إِلْحَاقِ غَيْرِ مَنْ رَخَّصَ لَهُ أَوَّلًا بِهِ، كَقَوْلِهِ لِأَبِي بُرْدَةَ فِي تَضْحِيَتِهِ بِالْجَذَعَةِ مِنَ الْمَعْزِ: ( «تَجْزِيكَ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» ) وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ فِي نِكَاحِ مَنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] [الْأَحْزَابِ: ٥٠] .
وَتَحْرِيمُ الْحَرِيرِ إِنَّمَا كَانَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَلِهَذَا أُبِيحَ لِلنِّسَاءِ وَلِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَهَذِهِ قَاعِدَةُ مَا حُرِّمَ لِسَدِّ الذَّرَائِعِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ كَمَا حَرُمَ النَّظَرُ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الْفِعْلِ، وَأُبِيحَ مِنْهُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ وَالْمَصْلَحَةُ الرَّاجِحَةُ، وَكَمَا حَرُمَ التَّنَفُّلُ بِالصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الْمُشَابَهَةِ الصُّورِيِّةِ بِعُبَّادِ الشَّمْسِ، وَأُبِيحَتْ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَكَمَا حَرُمَ رِبَا الْفَضْلِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَأُبِيحَ مِنْهُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنَ الْعَرَايَا،
стр. 1583
وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْكَلَامَ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ فِي كِتَابِ " التَّحْبِيرُ لِمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ "
[فَصْلٌ فَوَائِدُ الْحَرِيرِ]
فَصْلٌ وَأَمَّا الْأَمْرُ الطِّبِّيُّ: فَهُوَ أَنَّ الْحَرِيرَ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَلِذَلِكَ يُعَدُّ فِي الْأَدْوِيَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ، لِأَنَّ مَخْرَجَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَهُوَ كَثِيرُ الْمَنَافِعِ جَلِيلُ الْمَوْقِعِ، وَمِنْ خَاصِّيَّتِهِ تَقْوِيَةُ الْقَلْبِ وَتَفْرِيحُهُ وَالنَّفْعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَمْرَاضِهِ، وَمِنْ غَلَبَةِ الْمِرَّةِ السَّوْدَاءِ وَالْأَدْوَاءِ الْحَادِثَةِ عَنْهَا ; وَهُوَ مُقَوٍّ لِلْبَصَرِ إِذَا اكْتُحِلَ بِهِ وَالْخَامُ مِنْهُ - وَهُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ - حَارٌّ يَابِسٌ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى. وَقِيلَ حَارٌّ رَطْبٌ فِيهَا: وَقِيلَ مُعْتَدِلٌ. وَإِذَا اتُّخِذَ مِنْهُ مَلْبُوسٌ كَانَ مُعْتَدِلَ الْحَرَارَةِ فِي مِزَاجِهِ، مُسَخِّنًا لِلْبَدَنِ، وَرُبَّمَا بَرُدَ الْبَدَنُ بِتَسْمِينِهِ إِيَّاهُ.
قَالَ الرَّازِيُّ: الْإِبْرَيْسَمُ أَسْخَنُ مِنَ الْكَتَّانِ وَأَبْرَدُ مِنَ الْقُطْنِ، يُرَبِّي اللَّحْمَ، وَكُلُّ لِبَاسٍ خَشِنٍ فَإِنَّهُ يُهْزِلُ وَيُصْلِبُ الْبَشَرَةَ وَبِالْعَكْسِ.
قُلْتُ: وَالْمَلَابِسُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُسَخِّنُ الْبَدَنَ وَيُدَفِّئُهُ، وَقِسْمٌ يُدَفِّئُهُ وَلَا يُسَخِّنُهُ، وَقِسْمٌ لَا يُسَخِّنُهُ وَلَا يُدَفِّئُهُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يُسَخِّنُهُ وَلَا يُدَفِّئُهُ، إِذْ مَا يُسَخِّنُهُ فَهُوَ أَوْلَى بِتَدْفِئَتِهِ، فَمَلَابِسُ الْأَوْبَارِ وَالْأَصْوَافِ تُسَخِّنُ وَتُدَفِّئُ، وَمَلَابِسُ الْكَتَّانِ وَالْحَرِيرِ وَالْقُطْنِ تُدَفِّئُ وَلَا تُسَخِّنُ، فَثِيَابُ الْكَتَّانِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ، وَثِيَابُ الصُّوفِ حَارَةٌ يَابِسَةٌ، وَثِيَابُ الْقُطْنِ مُعْتَدِلَةُ الْحَرَارَةِ، وَثِيَابُ الْحَرِيرِ أَلْيَنُ مِنَ الْقُطْنِ وَأَقَلُّ حَرَارَةً مِنْهُ.
قَالَ صَاحِبُ " الْمِنْهَاجِ ": وَلُبْسُهُ لَا يُسَخِّنُ كَالْقُطْنِ بَلْ هُوَ مُعْتَدِلٌ، وَكُلُّ لِبَاسٍ أَمْلَسَ صَقِيلٍ فَإِنَّهُ أَقَلُّ إِسْخَانًا لِلْبَدَنِ، وَأَقَلُّ عَوْنًا فِي تَحَلُّلٍ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ، وَأَحْرَى أَنْ يُلْبَسَ فِي الصَّيْفِ وَفِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ.
وَلَمَّا كَانَتْ ثِيَابُ الْحَرِيرِ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْيُبْسِ وَالْخُشُونَةِ
стр. 1584
الْكَائِنَيْنِ فِي غَيْرِهَا صَارَتْ نَافِعَةً مِنَ الْحِكَّةِ، إِذِ الْحِكَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ حَرَارَةٍ وَيُبْسٍ وَخُشُونَةٍ، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ للزبير وعبد الرحمن فِي لِبَاسِ الْحَرِيرِ لِمُدَاوَاةِ الْحِكَّةِ، وَثِيَابُ الْحَرِيرِ أَبْعَدُ عَنْ تَوَلُّدِ الْقَمْلِ فِيهَا، إِذْ كَانَ مِزَاجُهَا مُخَالِفًا لِمِزَاجِ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْقَمْلُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي لَا يُدَفِّئُ وَلَا يُسَخِّنُ فَالْمُتَّخَذُ مِنَ الْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالْخَشَبِ وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ أَعْدَلَ اللِّبَاسِ وَأَوْفَقَهُ لِلْبُدْنِ، فَلِمَاذَا حَرَّمَتْهُ الشَّرِيعَةُ الْكَامِلَةُ الْفَاضِلَةُ الَّتِي أَبَاحَتِ الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَتِ الْخَبَائِثَ؟
قِيلَ: هَذَا السُّؤَالُ يُجِيبُ عَنْهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ بِجَوَابٍ، فَمُنْكِرُو الْحُكْمِ وَالتَّعْلِيلِ لِمَا رُفِعَتْ قَاعِدَةُ التَّعْلِيلِ مِنْ أَصْلِهَا لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى جَوَابٍ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ.
وَمُثْبِتُو التَّعْلِيلِ وَالْحُكْمِ - وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ - مِنْهُمْ مَنْ يُجِيبُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الشَّرِيعَةَ حَرَّمَتْهُ لِتَصْبِرَ النُّفُوسُ عَنْهُ، وَتَتْرُكَهُ لِلَّهِ فَتُثَابُ عَلَى ذَلِكَ لَا سِيِّمَا وَلَهَا عِوَضٌ عَنْهُ بِغَيْرِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّهُ خُلِقَ فِي الْأَصْلِ لِلنِّسَاءِ كَالْحِلْيَةِ بِالذَّهَبِ، فَحَرُمَ عَلَى الرِّجَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَفْسَدَةِ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: حَرُمَ لِمَا يُورِثُهُ مِنَ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالْعُجْبِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ حَرُمَ لِمَا يُورِثُهُ بِمُلَامَسَتِهِ لِلْبَدَنِ مِنَ الْأُنُوثَةِ وَالتَّخَنُّثِ وَضِدُّ الشَّهَامَةِ وَالرُّجُولَةِ، فَإِنَّ لُبْسَهُ يُكْسِبُ الْقَلْبَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الْإِنَاثِ؛ وَلِهَذَا لَا تَكَادُ تَجِدُ مَنْ يَلْبَسُهُ فِي الْأَكْثَرِ إِلَّا وَعَلَى شَمَائِلِهِ مِنَ التَّخَنُّثِ وَالتَّأَنُّثِ وَالرَّخَاوَةِ مَا لَا يَخْفَى، حَتَّى لَوْ كَانَ مِنْ أَشْهَمِ النَّاسِ وَأَكْثَرِهِمْ فُحُولِيَّةً وَرُجُولِيَّةً، فَلَا بُدَّ أَنْ يُنْقِصَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يُذْهِبْهَا، وَمَنْ غَلُظَتْ طِبَاعُهُ وَكَثُفَتْ عَنْ فَهْمِ هَذَا فَلْيُسَلِّمْ لِلشَّارِعِ الْحَكِيمِ؛ وَلِهَذَا كَانَ
стр. 1585
أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُلْبِسَهُ الصَّبِيَّ لِمَا يَنْشَأُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ التَّأْنِيثِ.
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ( «إِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ لِإِنَاثِ أُمَّتِي الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ: وَحَرَّمَهُ عَلَى ذُكُورِهَا» ) وَفِي لَفْظٍ ( «حَرُمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ» )
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ حذيفة قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: (هُوَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ) » .
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ ذَاتِ الْجَنْبِ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ ذَاتِ الْجَنْبِ
رَوَى الترمذي فِي " جَامِعِهِ " مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «تَدَاوَوْا مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ الْبَحْرِيِّ وَالزَّيْتِ» )
وَذَاتُ الْجَنْبِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ نَوْعَانِ: حَقِيقِيٌّ وَغَيْرُ حَقِيقِيٍّ. فَالْحَقِيقِيُّ وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ فِي نَوَاحِي الْجَنْبِ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ لِلْأَضْلَاعِ. وَغَيْرُ الْحَقِيقِيِّ: أَلَمٌ يُشْبِهُهُ يَعْرِضُ فِي نَوَاحِي الْجَنْبِ عَنْ رِيَاحٍ غَلِيظَةٍ مُؤْذِيَةٍ تَحْتَقِنُ بَيْنَ الصَّفَاقَاتِ،
стр. 1586
فَتُحْدِثُ وَجَعًا قَرِيبًا مِنْ وَجَعِ ذَاتِ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيِّ، إِلَّا أَنَّ الْوَجَعَ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَمْدُودٌ، وَفِي الْحَقِيقِيِّ نَاخِسٌ.
قَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ ": قَدْ يَعْرِضُ فِي الْجَنْبِ وَالصَّفَاقَاتِ، وَالْعَضَلِ الَّتِي فِي الصَّدْرِ وَالْأَضْلَاعِ وَنَوَاحِيهَا أَوْرَامٌ مُؤْذِيَةٌ جِدًّا مُوجِعَةٌ تُسَمَّى شَوْصَةً وَبِرْسَامًا وَذَاتَ الْجَنْبِ. وَقَدْ تَكُونُ أَيْضًا أَوْجَاعًا فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَيْسَتْ مِنْ وَرَمٍ، وَلَكِنْ مِنْ رِيَاحٍ غَلِيظَةٍ، فَيُظَنَّ أَنَّهَا مِنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَلَا تَكُونُ مِنْهَا.
قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ وَجَعٍ فِي الْجَنْبِ قَدْ يُسَمَّى ذَاتَ الْجَنْبِ اشْتِقَاقًا مِنْ مَكَانِ الْأَلَمِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَاتِ الْجَنْبِ صَاحِبَةُ الْجَنْبِ، وَالْغَرَضُ بِهِ هَاهُنَا وَجَعُ الْجَنْبِ فَإِذَا عَرَضَ فِي الْجَنْبِ أَلَمٌ عَنْ أَيِّ سَبَبٍ كَانَ نُسِبَ إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ كَلَامُ بُقْرَاطَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ أَصْحَابَ ذَاتِ الْجَنْبِ يَنْتَفِعُونَ بِالْحَمَامِ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَنْ بِهِ وَجَعُ جَنْبٍ، أَوْ وَجَعُ رِئَةٍ مِنْ سُوءِ مِزَاجٍ، أَوْ مِنْ أَخْلَاطٍ غَلِيظَةٍ، أَوْ لَذَّاعَةٍ مِنْ غَيْرِ وَرَمٍ وَلَا حُمَّى.
قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: وَأَمَّا مَعْنَى ذَاتِ الْجَنْبِ فِي لُغَةِ الْيُونَانِ: فَهُوَ وَرَمُ الْجَنْبِ الْحَارُّ، وَكَذَلِكَ وَرَمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَاتَ الْجَنْبِ وَرَمَ ذَلِكَ الْعُضْوِ إِذَا كَانَ وَرَمًا حَارًّا فَقَطْ.
وَيَلْزَمُ ذَاتَ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيِّ خَمْسَةُ أَعْرَاضٍ: وَهِيَ الْحُمَّى وَالسُّعَالُ وَالْوَجَعُ النَّاخِسُ وَضِيقُ النِّفَسِ وَالنَّبْضُ الْمِنْشَارِيُّ.
وَالْعِلَاجُ الْمَوْجُودُ فِي الْحَدِيثِ، لَيْسَ هُوَ لِهَذَا الْقِسْمِ، لَكِنْ لِلْقِسْمِ الثَّانِي الْكَائِنِ عَنِ الرِّيحِ الْغَلِيظَةِ، فَإِنَّ الْقُسْطَ الْبَحْرِيَّ - وَهُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ عَلَى مَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ - صِنْفٌ مِنَ الْقُسْطِ إِذَا دُقَّ دَقًّا نَاعِمًا، وَخُلِطَ بِالزَّيْتِ الْمُسَخَّنِ، وَدُلِكَ بِهِ مَكَانُ الرِّيحِ الْمَذْكُورُ، أَوْ لُعِقَ كَانَ دَوَاءً مُوَافِقًا لِذَلِكَ نَافِعًا
стр. 1587
لَهُ مُحَلِّلًا لِمَادَّتِهِ مُذْهِبًا لَهَا مُقَوِّيًا لِلْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ، مُفَتِّحًا لِلسُّدَدِ، وَالْعُودُ الْمَذْكُورُ فِي مَنَافِعِهِ كَذَلِكَ.
قَالَ المسبحي: الْعُودُ حَارٌّ يَابِسٌ قَابِضٌ يَحْبِسُ الْبَطْنَ وَيُقَوِّي الْأَعْضَاءَ الْبَاطِنَةَ، وَيَطْرُدُ الرِّيحَ وَيَفْتَحُ السُّدَدَ، نَافِعٌ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَيُذْهِبُ فَضْلَ الرُّطُوبَةِ، وَالْعُودُ الْمَذْكُورُ جَيِّدٌ لِلدِّمَاغِ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَنْفَعَ الْقُسْطُ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيَّةِ أَيْضًا إِذَا كَانَ حُدُوثُهَا عَنْ مَادَّةٍ بَلْغَمِيِّةٍ لَا سِيِّمَا فِي وَقْتِ انْحِطَاطِ الْعِلَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَاتُ الْجَنْبِ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْخَطِرَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أم سلمة أَنَّهَا قَالَتْ: بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَرَضِهِ فِي بَيْتِ ميمونة، وَكَانَ كُلَّمَا خَفَّ عَلَيْهِ، خَرَجَ وَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَكَانَ كُلَّمَا وَجَدَ ثِقَلًا قَالَ: ( «مُرُوا أبا بكر فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ " وَاشْتَدَّ شَكْوَاهُ حَتَّى غُمِرَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجَعِ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ نِسَاؤُهُ وَعَمُّهُ العباس وأم الفضل بنت الحارث وأسماء بنت عميس، فَتَشَاوَرُوا فِي لَدِّهِ، فَلَدُّوهُ وَهُوَ مَغْمُورٌ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ " مَنْ فَعَلَ بِي هَذَا؟ هَذَا مِنْ عَمَلِ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَاهُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَتْ أم سلمة وَأَسْمَاءُ لَدَّتَاهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَشِينَا أَنْ يَكُونَ بِكَ ذَاتُ الْجَنْبِ. قَالَ: " فَبِمَ لَدَدْتُمُونِي "؟ قَالُوا: بِالْعُودِ الْهِنْدِيِّ وَشَيْءٍ مِنْ وَرْسٍ وَقَطَرَاتٍ مِنْ زَيْتٍ. فَقَالَ " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَقْذِفَنِي بِذَلِكَ الدَّاءِ " ثُمَّ قَالَ: " عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ إِلَّا عَمِّي العباس» ) .
стр. 1588
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشَارَ أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: ( «أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ غَيْرَ عَمِّي العباس، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ» ")
قَالَ أبو عبيد عن الأصمعي: اللُّدُودُ: مَا يُسْقَى الْإِنْسَانُ فِي أَحَدِ شِقَّيِ الْفَمِ، أُخِذَ مِنْ لَدِيدَيِ الْوَادِي، وَهُمَا جَانِبَاهُ. وَأَمَّا الْوَجُورُ فَهُوَ فِي وَسَطِ الْفَمِ.
قُلْتُ: وَاللَّدُودُ - بِالْفَتْحِ - هُوَ الدَّوَاءُ الَّذِي يُلَدُّ بِهِ. وَالسَّعُوطُ مَا أُدْخِلَ مِنْ أَنْفِهِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ مُعَاقَبَةُ الْجَانِي بِمِثْلِ مَا فَعَلَ سَوَاءٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مُحَرَّمًا لِحَقِّ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ لِبِضْعَةَ عَشَرَ دَلِيلًا قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَهُوَ مَنْصُوصُ أحمد، وَهُوَ ثَابِتٌ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَتَرْجَمَةُ الْمَسْأَلَةِ بِالْقِصَاصِ فِي اللَّطْمَةِ وَالضَّرْبَةِ، وَفِيهَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ لَا مُعَارِضَ لَهَا الْبَتَّةَ، فَيَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِهَا.
стр. 1589
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الصُّدَاعِ وَالشَّقِيقَةِ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الصُّدَاعِ وَالشَّقِيقَةِ
رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " حَدِيثًا فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صُدِعَ غَلَّفَ رَأْسَهُ بِالْحِنَّاءِ، وَيَقُولُ: (إِنَّهُ نَافِعٌ بِإِذْنِ اللَّهِ مِنَ الصُّدَاعِ) »
وَالصُّدَاعُ: أَلَمٌ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ أَوْ كُلِّهِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي أَحَدِ شِقَّيِ الرَّأْسِ لَازِمًا يُسَمَّى شَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ شَامِلًا لِجَمِيعِهِ لَازِمًا، يُسَمَّى بَيْضَةً وَخُودَةً تَشْبِيهًا بِبَيْضَةِ السِّلَاحِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى الرَّأْسِ كُلِّهِ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ أَوْ فِي مُقَدَّمِهِ.
وَأَنْوَاعُهُ كَثِيرَةٌ وَأَسْبَابُهُ مُخْتَلِفَةٌ. وَحَقِيقَةُ الصُّدَاعِ سُخُونَةُ الرَّأْسِ، وَاحْتِمَاؤُهُ لِمَا دَارَ فِيهِ مِنَ الْبُخَارِ يَطْلُبُ النُّفُوذَ مِنَ الرَّأْسِ، فَلَا يَجِدُ مَنْفَذًا فَيَصْدَعُهُ كَمَا يَصْدَعُ الْوَعْيُ إِذَا حَمِيَ مَا فِيهِ وَطَلَبَ النُّفُوذَ، فَكُلُّ شَيْءٍ رَطْبٍ إِذَا حَمِيَ طَلَبَ مَكَانًا أَوْسَعَ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، فَإِذَا عَرَضَ هَذَا الْبُخَارُ فِي الرَّأْسِ كُلِّهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ التَّفَشِّي وَالتَّحَلُّلُ، وَجَالَ فِي الرَّأْسِ، سُمِّيَ السَّدْرُ.
стр. 1590
وَالصُّدَاعُ يَكُونُ عَنْ أَسْبَابٍ عَدِيدَةٍ:
أَحَدُهَا: مِنْ غَلَبَةِ وَاحِدٍ مِنَ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ.
وَالْخَامِسُ: يَكُونُ مِنْ قُرُوحٍ تَكُونُ فِي الْمَعِدَةِ، فَيَأْلَمُ الرَّأْسُ لِذَلِكَ الْوَرَمِ لِاتِّصَالِ الْعَصَبِ الْمُنْحَدِرِ مِنَ الرَّأْسِ بِالْمَعِدَةِ.
وَالسَّادِسُ: مِنْ رِيحٍ غَلِيظَةٍ تَكُونُ فِي الْمَعِدَةِ فَتَصْعَدُ إِلَى الرَّأْسِ فَتَصْدَعُهُ.
وَالسَّابِعُ: يَكُونُ مِنْ وَرَمٍ فِي عُرُوقِ الْمَعِدَةِ، فَيَأْلَمُ الرَّأْسُ بِأَلَمِ الْمَعِدَةِ لِلِاتِّصَالِ الَّذِي بَيْنَهُمَا.
وَالثَّامِنُ: صُدَاعٌ يَحْصُلُ عَنِ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ مِنَ الطَّعَامِ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ وَيَبْقَى بَعْضُهُ نِيئًا، فَيُصَدِّعُ الرَّأْسَ وَيُثْقِلُهُ.
وَالتَّاسِعُ: يَعْرِضُ بَعْدَ الْجِمَاعِ لِتَخَلْخُلِ الْجِسْمِ، فَيَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ حَرِّ الْهَوَاءِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِهِ.
وَالْعَاشِرُ: صُدَاعٌ يَحْصُلُ بَعْدَ الْقَيْءِ وَالِاسْتِفْرَاغِ، إِمَّا لِغَلَبَةِ الْيُبْسِ، وَإِمَّا لِتَصَاعُدِ الْأَبْخِرَةِ مِنَ الْمَعِدَةِ إِلَيْهِ.
وَالْحَادِيَ عَشَرَ: صُدَاعٌ يَعْرِضُ عَنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَسُخُونَةِ الْهَوَاءِ.
وَالثَّانِي عَشَرَ: مَا يَعْرِضُ عَنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَتَكَاثُفِ الْأَبْخِرَةِ فِي الرَّأْسِ وَعَدَمِ تَحَلُّلِهَا.
وَالثَّالِثَ عَشَرَ: مَا يَحْدُثُ مِنَ السَّهَرِ وَعَدَمِ النَّوْمِ.
وَالرَّابِعَ عَشَرَ: مَا يَحْدُثُ مِنْ ضَغْطِ الرَّأْسِ وَحَمْلِ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ عَلَيْهِ.
وَالْخَامِسَ عَشَرَ: مَا يَحْدُثُ مِنْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ، فَتَضْعُفُ قُوَّةُ الدِّمَاغِ لِأَجْلِهِ.
وَالسَّادِسَ عَشَرَ: مَا يَحْدُثُ مِنْ كَثْرَةِ الْحَرَكَةِ وَالرِّيَاضَةِ الْمُفْرِطَةِ.
وَالسَّابِعَ عَشَرَ: مَا يَحْدُثُ مِنَ الْأَعْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ، كَالْهُمُومِ وَالْغُمُومِ، وَالْأَحْزَانِ وَالْوَسَاوِسِ، وَالْأَفْكَارِ الرَّدِيئَةِ.
стр. 1591
وَالثَّامِنَ عَشَرَ: مَا يَحْدُثُ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ، فَإِنَّ الْأَبْخِرَةَ لَا تَجِدُ مَا تَعْمَلُ فِيهِ، فَتَكْثُرُ وَتَتَصَاعَدُ إِلَى الدِّمَاغِ فَتُؤْلِمُهُ.
وَالتَّاسِعَ عَشَرَ: مَا يَحْدُثُ عَنْ وَرَمٍ فِي صِفَاقِ الدِّمَاغِ، وَيَجِدُ صَاحِبُهُ كَأَنَّهُ يُضْرَبُ بِالْمَطَارِقِ عَلَى رَأْسِهِ.
وَالْعِشْرُونَ: مَا يَحْدُثُ بِسَبَبِ الْحُمَّى لِاشْتِعَالِ حَرَارَتِهَا فِيهِ فَيَتَأَلَّمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ سَبَبُ صُدَاعِ الشَّقِيقَةِ]
فَصْلٌ وَسَبَبُ صُدَاعِ الشَّقِيقَةِ مَادَّةٌ فِي شَرَايِينِ الرَّأْسِ وَحْدَهَا حَاصِلَةٌ فِيهَا، أَوْ مُرْتَقِيَةٌ إِلَيْهَا فَيَقْبَلُهَا الْجَانِبُ الْأَضْعَفُ مِنْ جَانِبَيْهِ، وَتِلْكَ الْمَادَّةُ إِمَّا بُخَارِيَّةٌ، وَإِمَّا أَخْلَاطٌ حَارَّةٌ أَوْ بَارِدَةٌ، وَعَلَامَتُهَا الْخَاصَّةُ بِهَا ضَرْبَانِ الشَّرَايِينِ، وَخَاصَّةً فِي الدَّمَوِيِّ. وَإِذَا ضُبِطَتْ بِالْعَصَائِبِ، وَمُنِعَتْ مِنَ الضَّرَبَانِ، سَكَنَ الْوَجَعُ.
وَقَدْ ذَكَرَ أبو نعيم فِي كِتَابِ " الطِّبُّ النَّبَوِيُّ " لَهُ: أَنَّ هَذَا النَّوْعَ كَانَ يُصِيبُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَمْكُثُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَلَا يَخْرُجُ.
وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ» )
وَفِي " الصَّحِيحِ " أَنَّهُ «قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: (وَارْأَسَاهُ) وَكَانَ يُعَصِّبُ رَأْسَهُ
стр. 1592
فِي مَرَضِهِ» ، وَعَصْبُ الرَّأْسِ يَنْفَعُ فِي وَجَعِ الشَّقِيقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَوْجَاعِ الرَّأْسِ.
[فَصْلٌ عِلَاجُ الصُّدَاعِ]
فَصْلٌ وَعِلَاجُهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ وَأَسْبَابِهِ، فَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِالِاسْتِفْرَاغِ، وَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِتَنَاوُلِ الْغِذَاءِ، وَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِالسُّكُونِ وَالدَّعَةِ، وَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِالضَّمَادَاتِ، وَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِالتَّبْرِيدِ، وَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِالتَّسْخِينِ، وَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِأَنْ يَجْتَنِبَ سَمَاعَ الْأَصْوَاتِ وَالْحَرَكَاتِ.
إِذَا عُرِفَ هَذَا، فَعِلَاجُ الصُّدَاعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْحِنَّاءِ، هُوَ جُزْئِيٌّ لَا كُلِّيٌّ، وَهُوَ عِلَاجُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ، فَإِنَّ الصُّدَاعَ إِذَا كَانَ مِنْ حَرَارَةٍ مُلْهِبَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مَادَّةٍ يَجِبُ اسْتِفْرَاغُهَا، نَفَعَ فِيهِ الْحِنَّاءُ نَفْعًا ظَاهِرًا، وَإِذَا دُقَّ وَضُمِّدَتْ بِهِ الْجَبْهَةُ مَعَ الْخَلِّ سَكَنَ الصُّدَاعُ، وَفِيهِ قُوَّةٌ مُوَافِقَةٌ لِلْعَصَبِ إِذَا ضُمِّدَ بِهِ، سَكَنَتْ أَوْجَاعُهُ، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِوَجَعِ الرَّأْسِ، بَلْ يَعُمُّ الْأَعْضَاءَ، وَفِيهِ قَبْضٌ تُشَدُّ بِهِ الْأَعْضَاءُ، وَإِذَا ضُمِّدَ بِهِ مَوْضِعُ الْوَرَمِ الْحَارِّ وَالْمُلْتَهِبِ سَكَّنَهُ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي " تَارِيخِهِ " وأبو داود فِي " السُّنَنِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «مَا شَكَى إِلَيْهِ أَحَدٌ وَجَعًا فِي رَأْسِهِ إِلَّا قَالَ لَهُ: " احْتَجِمْ " وَلَا شَكَى إِلَيْهِ وَجَعًا فِي رِجْلَيْهِ إِلَّا قَالَ لَهُ: " اخْتَضِبْ بِالْحِنَّاءِ» ".
وَفِي الترمذي عَنْ سلمى أم رافع خَادِمَةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كَانَ لَا يُصِيبُ النَّبِيَّ ﷺ قُرْحَةٌ وَلَا شَوْكَةٌ إِلَّا وَضَعَ عَلَيْهَا الْحِنَّاءَ» .
стр. 1593
[فصل مَنَافِعُ الْحِنَّاءِ وَخَوَاصُّهُ]
فَصْلٌ وَالْحِنَّاءُ بَارِدٌ فِي الْأُولَى يَابِسٌ فِي الثَّانِيَةِ، وَقُوَّةُ شَجَرِ الْحِنَّاءِ وَأَغْصَانُهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ قُوَّةٍ مُحَلِّلَةٍ اكْتَسَبَتْهَا مِنْ جَوْهَرٍ فِيهَا مَائِيٍّ حَارٍّ بِاعْتِدَالٍ، وَمِنْ قُوَّةٍ قَابِضَةٍ اكْتَسَبَتْهَا مِنْ جَوْهَرٍ فِيهَا أَرْضِيٍّ بَارِدٍ.
وَمِنْ مَنَافِعِهِ إِنَّهُ مُحَلِّلٌ نَافِعٌ مِنْ حَرْقِ النَّارِ، وَفِيهِ قُوَّةٌ مُوَافِقَةٌ لِلْعَصَبِ إِذَا ضُمِّدَ بِهِ، وَيَنْفَعُ إِذَا مُضِغَ، مِنْ قُرُوحِ الْفَمِ وَالسُّلَاقِ الْعَارِضِ فِيهِ، وَيُبْرِئُ الْقُلَاعَ الْحَادِثَ فِي أَفْوَاهِ الصِّبْيَانِ، وَالضِّمَادُ بِهِ يَنْفَعُ مِنَ الْأَوْرَامِ الْحَارَّةِ الْمُلْهِبَةِ وَيَفْعَلُ فِي الْجِرَاحَاتِ فَهَلْ دَمُ الْأَخَوَيْنِ. وَإِذَا خُلِطَ نَوْرُهُ مَعَ الشَّمْعِ الْمُصَفَّى وَدُهْنِ الْوَرْدِ، يَنْفَعُ مِنْ أَوْجَاعِ الْجَنْبِ.
وَمِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّهُ إِذَا بَدَأَ الْجُدَرِيُّ يَخْرُجُ بِصَبِيٍّ، فَخُضِبَتْ أَسَافِلُ رِجْلَيْهِ بِحِنَّاءٍ، فَإِنَّهُ يُؤْمَنُ عَلَى عَيْنَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْهُ، وَهَذَا صَحِيحٌ مُجَرَّبٌ لَا شَكَّ فِيهِ. وَإِذَا جُعِلَ نَوْرُهُ بَيْنَ طَيِّ ثِيَابِ الصُّوفِ طَيَّبَهَا، وَمَنَعَ السُّوسَ عَنْهَا، وَإِذَا نُقِعَ وَرَقُهُ فِي مَاءٍ يَغْمُرُهُ ثُمَّ عُصِرَ وَشُرِبَ مَنْ صَفْوِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كُلَّ يَوْمٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا مَعَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سُكَّرٍ، وَيُغَذَّى عَلَيْهِ بِلَحْمِ الضَّأْنِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّهُ يَنْفَعُ مِنِ ابْتِدَاءِ الْجُذَامِ بِخَاصِّيَّةٍ فِيهِ عَجِيبَةٍ.
وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا تَشَقَّقَتْ أَظَافِيرُ أَصَابِعِ يَدِهِ، وَأَنَّهُ بَذَلَ لِمَنْ يُبْرِئُهُ مَالًا، فَلَمْ يُجْدِ، فَوَصَفَتْ لَهُ امْرَأَةٌ، أَنْ يَشْرَبَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ حِنَّاءَ فَلَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ نَقَعَهُ بِمَاءٍ وَشَرِبَهُ فَبَرَأَ وَرَجَعَتْ أَظَافِيرُهُ إِلَى حُسْنِهَا.
وَالْحِنَّاءُ إِذَا أُلْزِمَتْ بِهِ الْأَظْفَارُ مَعْجُونًا حَسَّنَهَا وَنَفَعَهَا، وَإِذَا عُجِنَ بِالسَّمْنِ
стр. 1594
وَضُمِّدَ بِهِ بَقَايَا الْأَوْرَامِ الْحَارَّةِ الَّتِي تَرْشَحُ مَاءً أَصْفَرَ، نَفَعَهَا وَنَفَعَ مِنَ الْجَرَبِ الْمُتَقَرِّحِ الْمُزْمِنِ مَنْفَعَةً بَلِيغَةً، وَهُوَ يُنْبِتُ الشَّعْرَ وَيُقَوِّيهِ، وَيُحَسِّنُهُ وَيُقَوِّي الرَّأْسَ، وَيَنْفَعُ مِنَ النَّفَّاطَاتِ، وَالْبُثُورِ الْعَارِضَةِ فِي السَّاقَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَسَائِرِ الْبَدَنِ.
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي مُعَالَجَةِ الْمَرْضَى بِتَرْكِ إِعْطَائِهِمْ مَا يَكْرَهُونَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي مُعَالَجَةِ الْمَرْضَى بِتَرْكِ إِعْطَائِهِمْ مَا يَكْرَهُونَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُكْرَهُونَ عَلَى تَنَاوُلِهِمَا
رَوَى الترمذي فِي " جَامِعِهِ "، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ» ) .
قَالَ بَعْضُ فُضَلَاءِ الْأَطِبَّاءِ: مَا أَغْزَرَ فَوَائِدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى حِكَمٍ إِلَهِيَّةٍ، لَا سِيَّمَا لِلْأَطِبَّاءِ، وَلِمَنْ يُعَالِجُ الْمَرْضَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا عَافَ الطَّعَامَ أَوِ الشَّرَابَ فَذَلِكَ لِاشْتِغَالِ الطَّبِيعَةِ بِمُجَاهَدَةِ الْمَرَضِ، أَوْ لِسُقُوطِ شَهْوَتِهِ أَوْ نُقْصَانِهَا لِضَعْفِ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ أَوْ خُمُودِهَا، وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ إِعْطَاءُ الْغِذَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُوعَ إِنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْأَعْضَاءِ لِلْغِذَاءِ لِتَخَلُّفِ الطَّبِيعَةِ بِهِ عَلَيْهَا عِوَضَ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهَا، فَتَجْذِبُ الْأَعْضَاءَ الْقُصْوَى مِنَ الْأَعْضَاءِ الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهِيَ
стр. 1595
الْجَذْبُ إِلَى الْمَعِدَةِ، فَيُحِسَّ الْإِنْسَانُ بِالْجَوْعِ، فَيَطْلُبُ الْغِذَاءَ، وَإِذَا وُجِدَ الْمَرَضُ اشْتَغَلَتِ الطَّبِيعَةُ بِمَادَّتِهِ وَإِنْضَاجِهَا وَإِخْرَاجِهَا عَنْ طَلَبِ الْغِذَاءِ أَوِ الشَّرَابِ، فَإِذَا أُكْرِهَ الْمَرِيضُ عَلَى اسْتِعْمَالِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، تَعَطَّلَتْ بِهِ الطَّبِيعَةُ عَنْ فِعْلِهَا، وَاشْتَغَلَتْ بِهَضْمِهِ وَتَدْبِيرِهِ عَنْ إِنْضَاجِ مَادَّةِ الْمَرَضِ وَدَفْعِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِضَرَرِ الْمَرِيضِ، وَلَا سِيَّمَا فِي أَوْقَاتِ الْبُحْرَانِ، أَوْ ضَعْفِ الْحَارِّ الْغَرِيزِيِّ أَوْ خُمُودِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْبَلِيَّةِ، وَتَعْجِيلِ النَّازِلَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَالْحَالِ إِلَّا مَا يَحْفَظُ عَلَيْهِ قُوَّتَهُ وَيُقَوِّيهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ مُزْعِجٍ لِلطَّبِيعَةِ الْبَتَّةَ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِمَا لَطُفَ قِوَامُهُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَغْذِيَةِ، وَاعْتَدَلَ مِزَاجُهُ كَشَرَابِ اللَّيْنُوفَرِ، وَالتِّفَّاحِ وَالْوَرْدِ الطَّرِيِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَمِنَ الْأَغْذِيَةِ مَرَقُ الْفَرَارِيجِ الْمُعْتَدِلَةِ الطَّيِّبَةِ فَقَطْ، وَإِنْعَاشُ قُوَاهُ بِالْأَرَايِيحِ الْعَطِرَةِ الْمُوَافِقَةِ، وَالْأَخْبَارِ السَّارَّةِ، فَإِنَّ الطَّبِيبَ خَادِمُ الطَّبِيعَةِ وَمُعِينُهَا لَا مُعِيقُهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّمَ الْجَيِّدَ هُوَ الْمُغَذِّي لِلْبَدَنِ، وَأَنَّ الْبَلْغَمَ دَمٌ فَجٌّ قَدْ نَضِجَ بَعْضَ النُّضْجِ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْمَرْضَى فِي بَدَنِهِ بَلْغَمٌ كَثِيرٌ، وَعَدِمَ الْغِذَاءَ، عَطَفَتِ الطَّبِيعَةُ عَلَيْهِ وَطَبَخَتْهُ وَأَنْضَجَتْهُ وَصَيَّرَتْهُ دَمًا وَغَذَّتْ بِهِ الْأَعْضَاءَ، وَاكْتَفَتْ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَالطَّبِيعَةُ هِيَ الْقُوَّةُ الَّتِي وَكَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِتَدْبِيرِ الْبَدَنِ وَحِفْظِهِ وَصِحَّتِهِ وَحِرَاسَتِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ فِي النَّدْرَةِ إِلَى إِجْبَارِ الْمَرِيضِ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَذَلِكَ فِي الْأَمْرَاضِ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا اخْتِلَاطُ الْعَقْلِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ أَوْ مِنَ الْمُطْلَقِ الَّذِي قَدْ دَلَّ عَلَى تَقْيِيدِهِ دَلِيلٌ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرِيضَ قَدْ يَعِيشُ بِلَا غِذَاءٍ أَيَّامًا لَا يَعِيشُ الصَّحِيحُ فِي مِثْلِهَا.
стр. 1596
" وَفِي قَوْلِهِ ﷺ ( «فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ» ) مَعْنًى لَطِيفٌ زَائِدٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ، لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ لَهُ عِنَايَةٌ بِأَحْكَامِ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ، وَتَأْثِيرِهَا فِي طَبِيعَةِ الْبَدَنِ وَانْفِعَالِ الطَّبِيعَةِ عَنْهَا، كَمَا تَنْفَعِلُ هِيَ كَثِيرًا عَنِ الطَّبِيعَةِ، وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَيْهِ إِشَارَةً فَنَقُولُ: النَّفْسُ إِذَا حَصَلَ لَهَا مَا يَشْغَلُهَا مِنْ مَحْبُوبٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ مَخُوفٍ، اشْتَغَلَتْ بِهِ عَنْ طَلَبِ الْغِذَاءِ وَالشَّرَابِ، فَلَا تُحِسُّ بِجُوعٍ وَلَا عَطَشٍ، بَلْ وَلَا حَرٍّ وَلَا بَرْدٍ، بَلْ تَشْتَغِلُ بِهِ عَنِ الْإِحْسَاسِ الْمُؤْلِمِ الشَّدِيدِ الْأَلَمِ، فَلَا تُحِسُّ بِهِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ ذَلِكَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، وَإِذَا اشْتَغَلَتِ النَّفْسُ بِمَا دَهَمَهَا وَوَرَدَ عَلَيْهَا، لَمْ تُحِسَّ بِأَلَمِ الْجُوعِ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِدُ مُفْرِحًا قَوِيَّ التَّفْرِيحِ، قَامَ لَهَا مَقَامَ الْغِذَاءِ فَشَبِعَتْ بِهِ وَانْتَعَشَتْ قُوَاهَا وَتَضَاعَفَتْ، وَجَرَتِ الدَّمَوِيَّةُ فِي الْجَسَدِ حَتَّى تَظْهَرَ فِي سَطْحِهِ، فَيُشْرِقُ وَجْهُهُ وَتَظْهَرُ دَمَوِيَّتُهُ، فَإِنَّ الْفَرَحَ يُوجِبُ انْبِسَاطَ دَمِ الْقَلْبِ فَيَنْبَعِثُ فِي الْعُرُوقِ فَتَمْتَلِئُ بِهِ، فَلَا تَطْلُبُ الْأَعْضَاءُ حَظَّهَا مِنَ الْغِذَاءِ الْمُعْتَادِ؛ لِاشْتِغَالِهَا بِمَا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهَا وَإِلَى الطَّبِيعَةِ مِنْهُ، وَالطَّبِيعَةُ إِذَا ظَفِرَتْ بِمَا تُحِبُّ، آثَرَتْهُ عَلَى مَا هُوَ دُونَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْوَارِدُ مُؤْلِمًا أَوْ مُحْزِنًا أَوْ مَخُوفًا، اشْتَغَلَتْ بِمُحَارَبَتِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ وَمُدَافَعَتِهِ عَنْ طَلَبِ الْغِذَاءِ، فَهِيَ فِي حَالِ حَرْبِهَا فِي شَغْلٍ عَنْ طَلَبِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. فَإِنْ ظَفِرَتْ فِي هَذَا الْحَرْبِ، انْتَعَشَتْ قُوَاهَا وَأَخْلَفَتْ عَلَيْهَا نَظِيرَ مَا فَاتَهَا مِنْ قُوَّةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَإِنْ كَانَتْ مَغْلُوبَةً مَقْهُورَةً، انْحَطَّتْ قُوَاهَا بِحَسَبِ مَا حَصَلَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَذَا الْعَدُوِّ سِجَالًا، فَالْقُوَّةُ تَظْهَرُ تَارَةً وَتَخْتَفِي أُخْرَى، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَرْبُ بَيْنَهُمَا عَلَى مِثَالِ الْحَرْبِ الْخَارِجِ بَيْنَ الْعَدُوَّيْنِ الْمُتَقَاتِلَيْنِ، وَالنَّصْرُ لِلْغَالِبِ، وَالْمَغْلُوبُ إِمَّا قَتِيلٌ، وَإِمَّا جَرِيحٌ، وَإِمَّا أَسِيرٌ.
فَالْمَرِيضُ لَهُ مَدَدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يُغَذِّيهِ بِهِ زَائِدًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ تَغْذِيَتِهِ بِالدَّمِ، وَهَذَا الْمَدَدُ بِحَسَبِ ضَعْفِهِ وَانْكِسَارِهِ وَانْطِرَاحِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ ، فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُوجِبُ لَهُ قُرْبًا مِنْ رَبِّهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ
стр. 1597
مِنْ رَبِّهِ إِذَا انْكَسَرَ قَلْبُهُ، وَرَحْمَةُ رَبِّهِ عِنْدَئِذٍ قَرِيبَةٌ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لَهُ حَصَلَ لَهُ مِنَ الْأَغْذِيَةِ الْقَلْبِيَّةِ مَا تَقْوَى بِهِ قُوَى طَبِيعَتِهِ، وَتَنْتَعِشُ بِهِ قُوَاهُ أَعْظَمَ مِنْ قُوَّتِهَا، وَانْتِعَاشِهَا بِالْأَغْذِيَةِ الْبَدَنِيَّةِ، وَكُلَّمَا قَوِيَ إِيمَانُهُ وَحُبُّهُ لِرَبِّهِ وَأُنْسُهُ بِهِ وَفَرَحُهُ بِهِ وَقَوِيَ يَقِينُهُ بِرَبِّهِ، وَاشْتَدَّ شَوْقُهُ إِلَيْهِ وَرِضَاهُ بِهِ وَعَنْهُ، وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْقُوَّةِ مَا لَا يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَلَا يُدْرِكُهُ وَصْفُ طَبِيبٍ، وَلَا يَنَالُهُ عِلْمُهُ.
وَمَنْ غَلُظَ طَبْعُهُ وَكَثُفَتْ نَفْسُهُ عَنْ فَهْمِ هَذَا وَالتَّصْدِيقِ بِهِ، فَلْيَنْظُرْ حَالَ كَثِيرٍ مِنْ عُشَّاقِ الصُّوَرِ الَّذِينَ قَدِ امْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ بِحُبِّ مَا يَعْشَقُونَهُ مِنْ صُورَةٍ، أَوْ جَاهٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عِلْمٍ، وَقَدْ شَاهَدَ النَّاسُ مِنْ هَذَا عَجَائِبَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ ": «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ فِي الصِّيَامِ الْأَيَّامَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، وَيَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنِ الْوِصَالِ وَيَقُولُ: (لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» )
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ لَيْسَ هُوَ الطَّعَامَ الَّذِي يَأْكُلُهُ الْإِنْسَانُ بِفَمِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا وَلَمْ يَتَحَقَّقِ الْفَرْقُ، بَلْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا، فَإِنَّهُ قَالَ: ( «أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» )
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي نَفْسِ الْوِصَالِ، وَأَنَّهُ يَقْدِرُ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِفَمِهِ لَمْ يَقُلْ لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، وَإِنَّمَا فَهِمَ هَذَا مِنَ الْحَدِيثِ مَنْ قَلَّ نَصِيبُهُ مِنْ غِذَاءِ الْأَرْوَاحِ وَالْقُلُوبِ، وَتَأْثِيرُهُ فِي الْقُوَّةِ وَإِنْعَاشِهَا، وَاغْتِذَائِهَا بِهِ فَوْقَ تَأْثِيرِ الْغِذَاءِ الْجُسْمَانِيِّ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 1598
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الْعُذْرَةِ وَفِي الْعِلَاجِ بِالسَّعُوطِ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الْعُذْرَةِ، وَفِي الْعِلَاجِ بِالسَّعُوطِ
ثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّهُ قَالَ ( «خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيِّ، وَلَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنَ الْعُذْرَةِ» )
وَفِي " السُّنَنِ " وَ " الْمُسْنَدِ " عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عائشة وَعِنْدَهَا صَبِيٌّ يُسِيلُ مَنْخَرَاهُ دَمًا، فَقَالَ: (مَا هَذَا؟ ". فَقَالُوا: بِهِ الْعُذْرَةُ، أَوْ وَجَعٌ فِي رَأْسِهِ، فَقَالَ " وَيْلَكُنَّ لَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ، أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَ وَلَدَهَا عُذْرَةٌ أَوْ وَجَعٌ فِي رَأْسِهِ، فَلْتَأْخُذْ قُسْطًا هِنْدِيًّا فَلْتَحُكَّهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ تُسْعِطْهُ إِيَّاهُ) فَأَمَرَتْ عائشة ﵂ فَصُنِعَ ذَلِكَ بِالصَّبِيِّ فَبَرَأَ» .
قَالَ أبو عبيد عَنْ أبي عبيدة: الْعُذْرَةُ تَهَيُّجٌ فِي الْحَلْقِ مِنَ الدَّمِ، فَإِذَا عُولِجَ مِنْهُ، قِيلَ قَدْ عُذِرَ بِهِ، فَهُوَ مَعْذُورٌ انْتَهَى. وَقِيلَ الْعُذْرَةُ: قُرْحَةٌ تَخْرُجُ فِيمَا بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْحَلْقِ، وَتَعْرِضُ لِلصِّبْيَانِ غَالِبًا.
وَأَمَّا نَفْعُ السَّعُوطِ مِنْهَا بِالْقُسْطِ الْمَحْكُوكِ، فَلِأَنَّ الْعُذْرَةَ مَادَّتُهَا دَمٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْبَلْغَمُ، لَكِنَّ تَوَلُّدَهُ فِي أَبْدَانِ الصِّبْيَانِ أَكْثَرُ، وَفِي الْقُسْطِ تَجْفِيفٌ يَشُدُّ اللَّهَاةَ وَيَرْفَعُهَا إِلَى مَكَانِهَا، وَقَدْ يَكُونُ نَفْعُهُ فِي هَذَا الدَّاءِ بِالْخَاصِّيَّةِ، وَقَدْ يَنْفَعُ فِي الْأَدْوَاءِ الْحَارَّةِ، وَالْأَدْوِيَةِ الْحَارَّةِ بِالذَّاتِ تَارَةً، وَبِالْعَرْضِ أُخْرَى.
وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " فِي مُعَالَجَةِ سُقُوطِ اللَّهَاةِ: الْقُسْطَ مَعَ الشَّبِّ الْيَمَانِيِّ وَبِزْرِ الْمَرْوِ.
стр. 1599
وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ: هُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ، وَهُوَ الْأَبْيَضُ مِنْهُ، وَهُوَ حُلْوٌ وَفِيهِ مَنَافِعُ عَدِيدَةٌ، وَكَانُوا يُعَالِجُونَ أَوْلَادَهُمْ بِغَمْزِ اللَّهَاةِ، وَبِالْعِلَاقِ وَهُوَ شَيْءٌ يُعَلِّقُونَهُ عَلَى الصِّبْيَانِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْأَطْفَالِ وَأَسْهَلُ عَلَيْهِمْ.
وَالسَّعُوطُ مَا يُصَبُّ فِي الْأَنْفِ، وَقَدْ يَكُونُ بِأَدْوِيَةٍ مُفْرَدَةٍ وَمُرَكَّبَةٍ تُدَقُّ وَتُنْخَلُ وَتُعْجَنُ وَتُجَفَّفُ، ثُمَّ تُحَلُّ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيُسْعَطُ بِهَا فِي أَنْفِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ مَا يَرْفَعُهُمَا لِتَنْخَفِضَ رَأْسُهُ، فَيَتَمَكَّنُ السَّعُوطُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى دِمَاغِهِ، وَيَسْتَخْرِجُ مَا فِيهِ مِنَ الدَّاءِ بِالْعُطَاسِ، وَقَدْ مَدَحَ النَّبِيُّ ﷺ التَّدَاوِي بِالسَّعُوطِ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ.
وَذَكَرَ أبو داود فِي " سُنَنِهِ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَطَ» .
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الْمَفْئُودِ]
[التمر خاصية عجيبة لهذا الداء]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الْمَفْئُودِ
رَوَى أبو داود فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ مجاهد عَنْ سعد، قَالَ: ( «مَرِضْتُ مَرَضًا فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا عَلَى فُؤَادِي، وَقَالَ لِي: " إِنَّكَ رَجُلٌ مَفْئُودٌ فَأْتِ الحارث بن كلدة مِنْ ثَقِيفٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ، فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ، فَلْيَجَأْهُنَّ بِنَوَاهُنَّ، ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ» )
الْمَفْئُودُ الَّذِي أُصِيبَ فُؤَادُهُ، فَهُوَ يَشْتَكِيهِ، كَالْمَبْطُونِ الَّذِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ.
стр. 1600
وَاللَّدُودُ: مَا يُسْقَاهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيِ الْفَمِ.
وَفِي التَّمْرِ خَاصِّيَّةٌ عَجِيبَةٌ لِهَذَا الدَّاءِ، وَلَا سِيَّمَا تَمْرَ الْمَدِينَةِ، وَلَا سِيَّمَا الْعَجْوَةَ مِنْهُ. وَفِي كَوْنِهَا سَبْعًا خَاصِّيَّةٌ أُخْرَى، تُدْرَكُ بِالْوَحْيِ، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ تَمْرِ الْعَالِيَةِ، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ» ) .
وَفِي لَفْظٍ: ( «مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حِينَ يُصْبِحُ لَمْ يَضُرَّهُ سَمٌّ حَتَّى يُمْسِيَ» ) .
وَالتَّمْرُ حَارٌّ فِي الثَّانِيَةِ، يَابِسٌ فِي الْأُولَى. وَقِيلَ: رَطْبٌ فِيهَا. وَقِيلَ: مُعْتَدِلٌ، وَهُوَ غِذَاءٌ فَاضِلٌ حَافِظٌ لِلصِّحَّةِ لَا سِيَّمَا لِمَنِ اعْتَادَ الْغِذَاءَ بِهِ، كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَغْذِيَةِ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ وَالْحَارَّةِ الَّتِي حَرَارَتُهَا فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ لَهُمْ أَنْفَعُ مِنْهُ لِأَهْلِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ؛ لِبُرُودَةِ بَوَاطِنِ سُكَّانِهَا، وَحَرَارَةِ بَوَاطِنِ سُكَّانِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ؛ وَلِذَلِكَ يُكْثِرُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالطَّائِفِ وَمَا يَلِيهِمْ مِنَ الْبِلَادِ الْمُشَابِهَةِ لَهَا مِنَ الْأَغْذِيَةِ الْحَارَّةِ مَا لَا يَتَأَتَّى لِغَيْرِهِمْ، كَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ، وَشَاهَدْنَاهُمْ يَضَعُونَ فِي أَطْعِمَتِهِمْ مِنَ الْفُلْفُلِ وَالزَّنْجَبِيلِ فَوْقَ مَا يَضَعُهُ غَيْرُهُمْ نَحْوَ عَشَرَةِ أَضْعَافٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَيَأْكُلُونَ الزَّنْجَبِيلَ كَمَا يَأْكُلُ غَيْرُهُمُ الْحَلْوَى، وَلَقَدْ شَاهَدْتُ مَنْ يَتَنَقَّلُ بِهِ مِنْهُمْ كَمَا يَتَنَقَّلُ بِالنَّقْلِ، وَيُوَافِقُهُمْ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّهُمْ لِبُرُودَةِ أَجْوَافِهِمْ، وَخُرُوجِ الْحَرَارَةِ إِلَى ظَاهِرِ الْجَسَدِ، كَمَا تُشَاهَدُ مِيَاهُ الْآبَارِ تَبْرُدُ فِي الصَّيْفِ، وَتَسْخَنُ فِي الشِّتَاءِ، وَكَذَلِكَ تُنْضِجُ الْمَعِدَةُ مِنَ الْأَغْذِيَةِ الْغَلِيظَةِ فِي الشِّتَاءِ مَا لَا تُنْضِجُهُ فِي الصَّيْفِ.
стр. 1601
وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَالتَّمْرُ لَهُمْ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْحِنْطَةِ لِغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قُوتُهُمْ وَمَادَّتُهُمْ، وَتَمْرُ الْعَالِيَةِ مِنْ أَجْوَدِ أَصْنَافِ تَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُ مَتِينُ الْجِسْمِ، لَذِيذُ الطَّعْمِ صَادِقُ الْحَلَاوَةِ، وَالتَّمْرُ يَدْخُلُ فِي الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ، وَهُوَ يُوَافِقُ أَكْثَرَ الْأَبْدَانِ، مُقَوٍّ لِلْحَارِّ الْغَرِيزِيِّ، وَلَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِنَ الْفَضَلَاتِ الرَّدِيئَةِ مَا يَتَوَلَّدُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَغْذِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ، بَلْ يَمْنَعُ لِمَنِ اعْتَادَهُ مِنْ تَعَفُّنِ الْأَخْلَاطِ وَفَسَادِهَا.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْخِطَابِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلْأَمْكِنَةِ اخْتِصَاصًا بِنَفْعِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَدْوِيَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ دُونَ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الدَّوَاءُ الَّذِي قَدْ يَنْبُتُ فِي هَذَا الْمَكَانِ نَافِعًا مِنَ الدَّاءِ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ النَّفْعُ إِذَا نَبَتَ فِي مَكَانٍ غَيْرِهِ لِتَأْثِيرِ نَفْسِ التُّرْبَةِ أَوِ الْهَوَاءِ، أَوْ هُمَا جَمِيعًا، فَإِنَّ لِلْأَرْضِ خَوَاصًّا وَطَبَائِعَ يُقَارِبُ اخْتِلَافُهَا اخْتِلَافَ طَبَائِعِ الْإِنْسَانِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّبَاتِ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ غِذَاءً مَأْكُولًا، وَفِي بَعْضِهَا سَمَّا قَاتِلًا، وَرُبَّ أَدْوِيَةٍ لِقَوْمٍ أَغْذِيَةٌ لِآخَرِينَ، وَأَدْوِيَةٍ لِقَوْمٍ مِنْ أَمْرَاضٍ هِيَ أَدْوِيَةٌ لِآخَرِينَ فِي أَمْرَاضٍ سِوَاهَا، وَأَدْوِيَةٍ لِأَهْلِ بَلَدٍ لَا تُنَاسِبُ غَيْرَهُمْ، وَلَا تَنْفَعُهُمْ
وَأَمَّا خَاصِّيَّةُ السَّبْعِ فَإِنَّهَا قَدْ وَقَعَتْ قَدْرًا وَشَرْعًا، فَخَلَقَ اللَّهُ السّمَاوَاتِ سَبْعًا، وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا، وَالْأَيَّامَ سَبْعًا، وَالْإِنْسَانُ كَمُلَ خَلْقُهُ فِي سَبْعَةِ أَطْوَارٍ، وَشَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ الطَّوَافَ سَبْعًا، وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، وَرَمْيَ الْجِمَارِ سَبْعًا سَبْعًا، وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ سَبْعًا فِي الْأُولَى.
وَقَالَ ﷺ ( «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ» ) : ( «وَإِذَا صَارَ لِلْغُلَامِ سَبْعُ سِنِينَ خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ» ) فِي
стр. 1602
رِوَايَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " «أَبُوهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أُمِّهِ» "، وَفِي ثَالِثَةٍ: ( «أُمُّهُ أَحَقُّ بِهِ» ) وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَرَضِهِ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، وَسَخَّرَ اللَّهُ الرِّيحَ عَلَى قَوْمِ عَادٍ سَبْعَ لَيَالٍ، وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِينَهُ اللَّهُ عَلَى قَوْمِهِ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، وَمَثَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا يُضَاعِفُ بِهِ صَدَقَةَ الْمُتَصَدِّقِ بِحَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَالسَّنَابِلُ الَّتِي رَآهَا صَاحِبُ يُوسُفَ سَبْعًا، وَالسِّنِينَ الَّتِي زَرَعُوهَا دَأَبًا سَبْعًا، وَتُضَاعَفُ الصَّدَقَةُ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ سَبْعُونَ أَلْفًا.
فَلَا رَيْبَ أَنَّ لِهَذَا الْعَدَدِ خَاصِّيَّةً لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، وَالسَّبْعَةُ جَمَعَتْ مَعَانِيَ الْعَدَدِ كُلِّهِ وَخَوَاصِّهُ، فَإِنَّ الْعَدَدَ شَفْعٌ وَوَتْرٌ. وَالشَّفْعُ أَوَّلٌ وَثَانٍ. وَالْوَتْرُ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: شَفْعٌ أَوَّلٌ وَثَانٍ. وَوَتْرٌ أَوَّلٌ وَثَانٍ، وَلَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ فِي أَقَلَّ مِنْ سَبْعَةٍ، وَهِيَ عَدَدٌ كَامِلٌ جَامِعٌ لِمَرَاتِبِ الْعَدَدِ الْأَرْبَعَةِ، أَعْنِي الشَّفْعَ وَالْوَتْرَ،
стр. 1603
وَالْأَوَائِلَ وَالثَّوَانِيَ، وَنَعْنِي بِالْوَتْرِ الْأَوَّلِ الثَّلَاثَةَ، وَبِالثَّانِي الْخَمْسَةَ، وَبِالشَّفْعِ الْأَوَّلِ الِاثْنَيْنِ، وَبِالثَّانِي الْأَرْبَعَةَ، وَلِلْأَطِبَّاءِ اعْتِنَاءٌ عَظِيمٌ بِالسَّبْعَةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْبَحَّارِينَ.
وَقَدْ قَالَ بقراط: كُلُّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ فَهُوَ مُقَدَّرٌ عَلَى سَبْعَةِ أَجْزَاءَ، وَالنُّجُومُ سَبْعَةٌ، وَالْأَيَّامُ سَبْعَةٌ، وَأَسْنَانُ النَّاسِ سَبْعَةٌ، أَوَّلُهَا طِفْلٌ إِلَى سَبْعٍ، ثُمَّ صَبِيٌّ إِلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ، ثُمَّ مُرَاهِقٌ ثُمَّ شَابٌّ ثُمَّ كَهْلٌ ثُمَّ شَيْخٌ ثُمَّ هَرَمٌ إِلَى مُنْتَهَى الْعُمُرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحِكْمَتِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدْرِهِ فِي تَخْصِيصِ هَذَا الْعَدَدِ، هَلْ هُوَ لِهَذَا الْمَعْنَى أَوْ لِغَيْرِهِ؟
وَنَفَعَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ هَذَا التَّمْرِ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ مِنْ هَذِهِ الْبُقْعَةِ بِعَيْنِهَا مِنَ السَّمِّ وَالسِّحْرِ، بِحَيْثُ تَمْنَعُ إِصَابَتُهُ مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي لَوْ قَالَهَا بقراط وجالينوس وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَطِبَّاءِ، لَتَلَقَّاهَا عَنْهُمُ الْأَطِبَّاءُ بِالْقَبُولِ وَالْإِذْعَانِ وَالِانْقِيَادِ، مَعَ أَنَّ الْقَائِلَ إِنَّمَا مَعَهُ الْحَدْسُ وَالتَّخْمِينُ وَالظَّنُّ، فَمَنْ كَلَامُهُ كُلُّهُ يَقِينٌ وَقَطْعٌ وَبُرْهَانٌ، وَوَحْيٌ أَوْلَى أَنْ تُتَلَقَّى أَقْوَالُهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ.
وَأَدْوِيَةُ السُّمُومِ تَارَةً تَكُونُ بِالْكَيْفِيَّةِ، وَتَارَةً تَكُونُ بِالْخَاصِّيَّةِ كَخَوَاصِّ كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْجَارِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْيَوَاقِيتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مِنْ شَرْطِ انْتِفَاعِ الْعَلِيلِ بِالدَّوَاءِ قَبُولُهُ وَاعْتِقَادُ النَّفْعِ بِهِ]
فَصْلٌ وَيَجُوزُ نَفْعُ التَّمْرِ الْمَذْكُورِ فِي بَعْضِ السُّمُومِ، فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ، وَيَجُوزُ نَفْعُهُ لِخَاصِّيَّةِ تِلْكَ الْبَلَدِ، وَتِلْكَ التُّرْبَةِ الْخَاصَّةِ مِنْ كُلِّ سَمٍّ، وَلَكِنْ هَاهُنَا أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ، وَهُوَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ انْتِفَاعِ الْعَلِيلِ بِالدَّوَاءِ قَبُولَهُ وَاعْتِقَادَ النَّفْعِ بِهِ، فَتَقْبَلُهُ الطَّبِيعَةُ فَتَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى دَفْعِ الْعِلَّةِ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُعَالَجَاتِ يَنْفَعُ بِالِاعْتِقَادِ، وَحُسْنِ الْقَبُولِ وَكَمَالِ التَّلَقِّي، وَقَدْ شَاهَدَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ عَجَائِبَ، وَهَذَا لِأَنَّ الطَّبِيعَةَ يَشْتَدُّ قَبُولُهَا لَهُ، وَتَفْرَحُ النَّفْسُ بِهِ، فَتَنْتَعِشُ الْقُوَّةُ وَيَقْوَى سُلْطَانُ الطَّبِيعَةِ، وَيَنْبَعِثُ الْحَارٌّ الْغَرِيزِيٌّ، فَيُسَاعِدُ عَلَى دَفْعِ الْمُؤْذِي، وَبِالْعَكْسِ يَكُونُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَدْوِيَةِ نَافِعًا لِتِلْكَ الْعِلَّةِ، فَيَقْطَعُ عَمَلَهُ سُوءُ اعْتِقَادِ الْعَلِيلِ فِيهِ، وَعَدَمُ أَخْذِ الطَّبِيعَةِ لَهُ بِالْقَبُولِ، فَلَا يُجْدِي عَلَيْهَا شَيْئًا.
وَاعْتَبَرَ هَذَا بِأَعْظَمِ
стр. 1604
الْأَدْوِيَةِ وَالْأَشْفِيَةِ، وَأَنْفَعِهَا لِلْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ، وَالْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، كَيْفَ لَا يَنْفَعُ الْقُلُوبَ الَّتِي لَا تَعْتَقِدُ فِيهِ الشِّفَاءَ وَالنَّفْعَ، بَلْ لَا يَزِيدُهَا إِلَّا مَرَضًا إِلَى مَرَضِهَا، وَلَيْسَ لِشِفَاءِ الْقُلُوبِ دَوَاءٌ قَطُّ أَنْفَعُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ شِفَاؤُهَا التَّامُّ الْكَامِلُ الَّذِي لَا يُغَادِرُ فِيهَا سَقَمًا إِلَّا أَبْرَأَهُ، وَيَحْفَظُ عَلَيْهَا صِحَّتَهَا الْمُطْلَقَةَ، وَيَحْمِيهَا الْحَمِيَّةَ التَّامَّةَ مِنْ كُلِّ مُؤْذٍ وَمُضِرٍّ، وَمَعَ هَذَا فَإِعْرَاضُ أَكْثَرِ الْقُلُوبِ عَنْهُ، وَعَدَمُ اعْتِقَادِهَا الْجَازِمِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَعَدَمُ اسْتِعْمَالِهِ وَالْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى الْأَدْوِيَةِ الَّتِي رَكَّبَهَا بَنُو جِنْسِهَا حَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشِّفَاءِ بِهِ، وَغَلَبَتِ الْعَوَائِدُ وَاشْتَدَّ الْإِعْرَاضُ وَتَمَكَّنَتِ الْعِلَلُ وَالْأَدْوَاءُ الْمُزْمِنَةُ مِنَ الْقُلُوبِ، وَتَرَبَّى الْمَرْضَى وَالْأَطِبَّاءُ عَلَى عِلَاجِ بَنِي جِنْسِهِمْ وَمَا وَضَعَهُ لَهُمْ شُيُوخُهُمْ، وَمَنْ يُعَظِّمُونَهُ وَيُحْسِنُونَ بِهِ ظُنُونَهُمْ، فَعَظُمَ الْمُصَابُ، وَاسْتَحْكَمَ الدَّاءُ، وَتَرَكَّبَتْ أَمْرَاضٌ وَعِلَلٌ أَعْيَا عَلَيْهِمْ عِلَاجُهَا، وَكُلَّمَا عَالَجُوهَا بِتِلْكَ الْعِلَاجَاتِ الْحَادِثَةِ تَفَاقَمَ أَمْرُهَا، وَقَوِيَتْ، وَلِسَانُ الْحَالِ يُنَادِي عَلَيْهِمْ:
وَمِنَ الْعَجَائِبِ وَالْعَجَائِبُ جَمَّةٌ ... قُرْبُ الشِّفَاءِ وَمَا إِلَيْهِ وُصُولُ
كَالْعِيسِ فِي الْبَيْدَاءِ يَقْتُلُهَا الظَّمَا ... وَالْمَاءُ فَوْقَ ظُهُورِهَا مَحْمُولُ
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي دَفْعِ ضَرَرِ الْأَغْذِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ وَإِصْلَاحِهَا بِمَا يَدْفَعُ ضَرَرَهَا وَيُقَوِّي نَفْعَهَا]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي دَفْعِ ضَرَرِ الْأَغْذِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ وَإِصْلَاحِهَا بِمَا يَدْفَعُ ضَرَرَهَا، وَيُقَوِّي نَفْعَهَا
ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عبد الله بن جعفر، قَالَ: ( «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ» ) .
وَالرُّطَبُ: حَارٌّ رَطْبٌ فِي الثَّانِيَةِ، يُقَوِّي الْمَعِدَةَ الْبَارِدَةَ، وَيُوَافِقُهَا، وَيَزِيدُ فِي
стр. 1605
الْبَاهِ، وَلَكِنَّهُ سَرِيعُ التَّعَفُّنِ، مُعَطِّشٌ مُعَكِّرٌ لِلدَّمِ، مُصَدِّعٌ مُوَلِّدٌ لِلسَّدَدِ، وَوَجَعِ الْمَثَانَةِ، وَمُضِرٌّ بِالْأَسْنَانِ، وَالْقِثَّاءُ بَارِدٌ رَطْبٌ فِي الثَّانِيَةِ، مُسَكِّنٌ لِلْعَطَشِ، مُنْعِشٌ لِلْقُوَى بِشَمِّهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعِطْرِيَّةِ، مُطْفِئٌ لِحَرَارَةِ الْمَعِدَةِ الْمُلْتَهِبَةِ، وَإِذَا جُفِّفَ بِزْرُهُ، وَدُقَّ وَاسْتُحْلِبَ بِالْمَاءِ، وَشُرِبَ، سَكَّنَ الْعَطَشَ وَأَدَرَّ الْبَوْلَ وَنَفَعَ مِنْ وَجَعِ الْمَثَانَةِ، وَإِذَا دُقَّ وَنُخِلَ وَدُلِكَ بِهِ الْأَسْنَانُ، جَلَاهَا، وَإِذَا دُقَّ وَرَقُهُ وَعُمِلَ مِنْهُ ضِمَادٌ مَعَ الْمَيْبَخْتَجِ، نَفَعَ مِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ الْكَلِبِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا حَارٌّ وَهَذَا بَارِدٌ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا صَلَاحُ الْآخَرِ، وَإِزَالَةٌ لِأَكْثَرِ ضَرَرِهِ، وَمُقَاوَمَةُ كُلِّ كَيْفِيَّةٍ بِضِدِّهَا وَدَفْعِ سُورَتِهَا بِالْأُخْرَى، وَهَذَا أَصْلُ الْعِلَاجِ كُلِّهِ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ، بَلْ عِلْمُ الطِّبِّ كُلُّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا.
وَفِي اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ فِي الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ إِصْلَاحٌ لَهَا وَتَعْدِيلٌ، وَدَفْعٌ لِمَا فِيهَا مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ الْمُضِرَّةِ لِمَا يُقَابِلُهَا، وَفِي ذَلِكَ عَوْنٌ عَلَى صِحَّةِ الْبَدَنِ، وَقُوَّتِهِ وَخَصْبِهِ، قَالَتْ عائشة ﵂: سَمَّنُونِي بِكُلِّ شَيْءٍ، فَلَمْ أَسْمَنْ، فَسَمَّنُونِي بِالْقِثَّاءِ وَالرُّطَبِ، فَسَمِنْتُ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَدَفْعُ ضَرَرِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ، وَالْحَارِّ بِالْبَارِدِ وَالرُّطَبِ بِالْيَابِسِ، وَالْيَابِسِ بِالرُّطَبِ، وَتَعْدِيلُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مِنْ أَبْلَغِ أَنْوَاعِ الْعِلَاجَاتِ، وَحِفْظِ الصِّحَّةِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ بِالسَّنَا وَالسَّنُّوتِ، وَهُوَ الْعَسَلُ الَّذِي فِيهِ شَيْءٌ مِنَ السَّمْنِ يَصْلُحُ بِهِ السَّنَا، وَيُعْدِلُهُ، فَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِعِمَارَةِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ، وَبِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي الْحِمْيَةِ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْحِمْيَةِ
الدَّوَاءُ كُلُّهُ شَيْئَانِ: حِمْيَةٌ وَحِفْظُ صِحَّةٍ. فَإِذَا وَقَعَ التَّخْلِيطُ احْتِيجَ إِلَى
стр. 1606
الِاسْتِفْرَاغِ الْمُوَافِقِ، وَكَذَلِكَ مَدَارُ الطِّبِّ كُلِّهِ عَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثَةِ. وَالْحِمْيَةُ: حِمْيَتَانِ: حِمْيَةٌ عَمَّا يَجْلِبُ الْمَرَضَ، وَحِمْيَةٌ عَمَّا يَزِيدُهُ فَيَقِفُ عَلَى حَالِهِ، فَالْأَوَّلُ: حِمْيَةُ الْأَصِحَّاءِ. وَالثَّانِيَةُ: حِمْيَةُ الْمَرْضَى، فَإِنَّ الْمَرِيضَ إِذَا احْتَمَى، وَقَفَ مَرَضُهُ عَنِ التَّزَايُدِ، وَأَخَذَتِ الْقُوَى فِي دَفْعِهِ. وَالْأَصْلُ فِي الْحِمْيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] [النِّسَاءِ: ٤٣ الْمَائِدَةِ ٦] فَحَمَى الْمَرِيضَ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ يَضُرُّهُ.
وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " وَغَيْرِهِ عَنْ أم المنذر بنت قيس الأنصارية، قَالَتْ: ( «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ علي، وعلي نَاقِهٌ مِنْ مَرَضٍ، وَلَنَا دَوَالِي مُعَلَّقَةٌ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهَا، وَقَامَ علي يَأْكُلُ مِنْهَا، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لعلي: " إِنَّكَ نَاقِهٌ " حَتَّى كَفَّ. قَالَتْ: وَصَنَعْتُ شَعِيرًا وَسِلْقًا فَجِئْتُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لعلي: " مِنْ هَذَا أَصِبْ، فَإِنَّهُ أَنْفَعُ لَكَ " وَفِي لَفْظٍ فَقَالَ: " مِنْ هَذَا فَأَصِبْ، فَإِنَّهُ أَوْفَقُ لَكَ» ) .
وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " أَيْضًا عَنْ صهيب قَالَ: ( «قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ يَدَيْهِ خُبْزٌ وَتَمْرٌ، فَقَالَ: " ادْنُ فَكُلْ "، فَأَخَذْتُ تَمْرًا فَأَكَلْتُ، فَقَالَ: " أَتَأْكُلُ تَمْرًا وَبِكَ رَمَدٌ "؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْضَغُ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ) .
وَفِي حَدِيثٍ مَحْفُوظٍ عَنْهُ ﷺ ( «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا حَمَاهُ مِنَ الدُّنْيَا، كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمْ مَرِيضَهُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ» ) . وَفِي لَفْظٍ: ( «إِنَّ اللَّهَ يَحْمِي عَبْدَهُ
стр. 1607
الْمُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيَا» ) .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الدَّائِرُ عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ: ( «الْحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ، وَالْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ، وَعَوِّدُوا كُلَّ جِسْمٍ مَا اعْتَادَ» ) فَهَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الحارث بن كلدة طَبِيبِ الْعَرَبِ، وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ.
وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «أَنَّ الْمَعِدَةَ حَوْضُ الْبَدَنِ، وَالْعُرُوقُ إِلَيْهَا وَارِدَةٌ، فَإِذَا صَحَّتِ الْمَعِدَةُ صَدَرَتِ الْعُرُوقُ بِالصِّحَّةِ، وَإِذَا سَقِمَتِ الْمَعِدَةُ صَدَرَتِ الْعُرُوقُ بِالسُّقَمِ» ) .
وَقَالَ الحارث: رَأْسُ الطِّبِّ الْحِمْيَةُ، وَالْحِمْيَةُ عِنْدَهُمْ لِلصَّحِيحِ فِي الْمَضَرَّةِ بِمَنْزِلَةِ التَّخْلِيطِ لِلْمَرِيضِ وَالنَّاقِهِ، وَأَنْفَعُ مَا تَكُونُ الْحِمْيَةُ لِلنَّاقِهِ مِنَ الْمَرَضِ، فَإِنَّ طَبِيعَتَهُ لَمْ تَرْجِعْ بَعْدُ إِلَى قُوَّتِهَا، وَالْقُوَّةُ الْهَاضِمَةُ ضَعِيفَةٌ، وَالطَّبِيعَةُ قَابِلَةٌ، وَالْأَعْضَاءُ مُسْتَعِدَّةٌ، فَتَخْلِيطُهُ يُوجِبُ انْتِكَاسَهَا، وَهُوَ أَصْعَبُ مِنِ ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي مَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ لعلي مِنَ الْأَكْلِ مِنَ الدَّوَالِي، وَهُوَ نَاقِهٌ أَحْسَنُ التَّدْبِيرِ، فَإِنَّ الدَّوَالِيَ أَقْنَاءٌ مِنَ الرُّطَبِ تُعَلَّقُ فِي الْبَيْتِ لِلْأَكْلِ بِمَنْزِلَةِ عَنَاقِيدِ الْعِنَبِ، وَالْفَاكِهَةِ تَضُرُّ بِالنَّاقِهِ مِنَ الْمَرَضِ لِسُرْعَةِ اسْتِحَالَتِهَا، وَضَعْفِ الطَّبِيعَةِ عَنْ دَفْعِهَا، فَإِنَّهَا لَمْ تَتَمَكَّنْ بَعْدُ مِنْ قُوَّتِهَا، وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِدَفْعِ آثَارِ الْعِلَّةِ، وَإِزَالَتِهَا مِنَ الْبَدَنِ.
وَفِي الرُّطَبِ خَاصَّةً نَوْعُ ثِقَلٍ عَلَى الْمَعِدَةِ، فَتَشْتَغِلُ بِمُعَالَجَتِهِ وَإِصْلَاحِهِ عَمَّا هِيَ بِصَدَدِهِ مِنْ إِزَالَةِ بَقِيَّةِ الْمَرَضِ وَآثَارِهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقِفَ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ، وَإِمَّا
стр. 1608
أَنْ تَتَزَايَدَ، فَلَمَّا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ السِّلْقُ وَالشَّعِيرُ، أَمَرَهُ أَنْ يُصِيبَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ مِنْ أَنْفَعِ الْأَغْذِيَةِ لِلنَّاقِهِ، فَإِنَّ فِي مَاءِ الشَّعِيرِ مِنَ التَّبْرِيدِ وَالتَّغْذِيَةِ وَالتَّلْطِيفِ وَالتَّلْيِينِ وَتَقْوِيَةِ الطَّبِيعَةِ مَا هُوَ أَصْلَحُ لِلنَّاقِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا طُبِخَ بِأُصُولِ السَّلْقِ، فَهَذَا مِنْ أَوْفَقِ الْغِذَاءِ لِمَنْ فِي مَعِدَتِهِ ضَعْفٌ، وَلَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِنَ الْأَخْلَاطِ مَا يُخَافُ مِنْهُ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: حَمَى عمر ﵁ مَرِيضًا لَهُ، حَتَّى إِنَّهُ مِنْ شِدَّةِ مَا حَمَاهُ كَانَ يَمُصُّ النَّوَى.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَالْحِمْيَةُ مِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ قَبْلَ الدَّاءِ، فَتَمْنَعُ حُصُولَهُ، وَإِذَا حَصَلَ فَتَمْنَعُ تَزَايُدَهُ وَانْتِشَارَهُ.
[فصل لَا حَرَجَ فِي تَنَاوُلِ الْإِنْسَانِ مَا يَشْتَهِيهِ عَنْ جُوعٍ صَادِقٍ وَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ مَا]
فَصْلٌ وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يُحْمَى عَنْهُ الْعَلِيلُ وَالنَّاقِهُ وَالصَّحِيحُ، إِذَا اشْتَدَّتِ الشَّهْوَةُ إِلَيْهِ، وَمَالَتْ إِلَيْهِ الطَّبِيعَةُ، فَتَنَاوَلَ مِنْهُ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا تَعْجِزُ الطَّبِيعَةُ عَنْ هَضْمِهِ، لَمْ يَضُرَّهُ تَنَاوُلُهُ، بَلْ رُبَّمَا انْتَفَعَ بِهِ، فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ وَالْمَعِدَةَ تَتَلَقَّيَانِهِ بِالْقَبُولِ وَالْمَحَبَّةِ، فَيُصْلِحَانِ مَا يُخْشَى مِنْ ضَرَرِهِ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْفَعَ مِنْ تَنَاوُلِ مَا تَكْرَهُهُ الطَّبِيعَةُ، وَتَدْفَعُهُ مِنَ الدَّوَاءِ، وَلِهَذَا أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ صهيبا وَهُوَ أَرْمَدُ عَلَى تَنَاوُلِ التَّمَرَاتِ الْيَسِيرَةِ، وَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تَضُرُّهُ، وَمِنْ هَذَا مَا يُرْوَى عَنْ ( «علي أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَرْمَدُ، وَبَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ تَمْرٌ يَأْكُلُهُ، فَقَالَ: يَا علي! تَشْتَهِيهِ؟ وَرَمَى إِلَيْهِ بِتَمْرَةٍ، ثُمَّ بِأُخْرَى حَتَّى رَمَى إِلَيْهِ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَ: " حَسْبُكَ يَا علي» ) .
وَمِنْ هَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «عَادَ رَجُلًا، فَقَالَ لَهُ: " مَا تَشْتَهِي؟ " فَقَالَ أَشْتَهِي خُبْزَ بُرٍّ. وَفِي لَفْظٍ أَشْتَهِي كَعْكًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَنْ كَانَ عِنْدَهُ خُبْزُ بُرٍّ فَلْيَبْعَثْ إِلَى أَخِيهِ " ثُمَّ قَالَ:
стр. 1609
إِذَا اشْتَهَى مَرِيضُ أَحَدِكُمْ شَيْئًا فَلْيُطْعِمْهُ» ) .
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ سِرٌّ طِبِّيٌّ لَطِيفٌ، فَإِنَّ الْمَرِيضَ إِذَا تَنَاوَلَ مَا يَشْتَهِيهِ عَنْ جُوعٍ صَادِقٍ طَبِيعِيٍّ، وَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ مَا، كَانَ أَنْفَعَ وَأَقَلَّ ضَرَرًا مِمَّا لَا يَشْتَهِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَافِعًا فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّ صِدْقَ شَهْوَتِهِ وَمَحَبَّةَ الطَّبِيعَةِ يَدْفَعُ ضَرَرَهُ، وَبُغْضَ الطَّبِيعَةِ وَكَرَاهَتَهَا لِلنَّافِعِ قَدْ يَجْلِبُ لَهَا مِنْهُ ضَرَرًا.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَاللَّذِيذُ الْمُشْتَهَى تُقْبِلُ الطَّبِيعَةُ عَلَيْهِ بِعِنَايَةٍ فَتَهْضِمُهُ عَلَى أَحْمَدِ الْوُجُوهِ، سِيَّمَا عِنْدَ انْبِعَاثِ النَّفْسِ إِلَيْهِ بِصِدْقِ الشَّهْوَةِ، وَصِحَّةِ الْقُوَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الرَّمَدِ بِالسُّكُونِ وَالدَّعَةِ وَتَرْكِ الْحَرَكَةِ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الرَّمَدِ بِالسُّكُونِ، وَالدَّعَةِ وَتَرْكِ الْحَرَكَةِ، وَالْحِمْيَةِ مِمَّا يَهِيجُ الرَّمَدَ
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «حَمَى صهيبا مِنَ التَّمْرِ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَكْلَهُ، وَهُوَ أَرْمَدُ» ، «وَحَمَى عليا مِنَ الرُّطَبِ» لَمَّا أَصَابَهُ الرَّمَدُ.
وَذَكَرَ أبو نعيم فِي كِتَابِ " الطِّبُّ النَّبَوِيُّ ": أَنَّهُ ﷺ ( «كَانَ إِذَا رَمِدَتْ عَيْنُ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ لَمْ يَأْتِهَا حَتَّى تَبْرَأَ عَيْنُهَا» ) .
الرَّمَدُ وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ فِي الطَّبَقَةِ الْمُلْتَحِمَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَهُوَ بَيَاضُهَا الظَّاهِرُ، وَسَبَبُهُ انْصِبَابُ أَحَدِ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ، أَوْ رِيحٌ حَارَّةٌ تَكْثُرُ كَمِّيَّتُهَا فِي الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ، فَيَنْبَعِثُ مِنْهَا قِسْطٌ إِلَى جَوْهَرِ الْعَيْنِ، أَوْ ضَرْبَةٌ تُصِيبُ الْعَيْنَ فَتُرْسِلُ الطَّبِيعَةُ إِلَيْهَا مِنَ الدَّمِ وَالرُّوحِ مِقْدَارًا كَثِيرًا تَرُومُ بِذَلِكَ شِفَاءَهَا مِمَّا عَرَضَ لَهَا، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ يَرِمُ الْعُضْوَ الْمَضْرُوبَ، وَالْقِيَاسُ يُوجِبُ ضِدَّهُ.
стр. 1610
وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا يَرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى الْجَوِّ بُخَارَانِ، أَحَدُهُمَا: حَارٌّ يَابِسٌ، وَالْآخَرُ حَارٌّ رَطْبٌ، فَيَنْعَقِدَانِ سَحَابًا مُتَرَاكِمًا، وَيَمْنَعَانِ أَبْصَارَنَا مِنْ إِدْرَاكِ السَّمَاءِ، فَكَذَلِكَ يَرْتَفِعُ مِنْ قَعْرِ الْمَعِدَةِ إِلَى مُنْتَهَاهَا مِثْلُ ذَلِكَ، فَيَمْنَعَانِ النَّظَرَ، وَيَتَوَلَّدُ عَنْهُمَا عِلَلٌ شَتَّى، فَإِنْ قَوِيَتِ الطَّبِيعَةُ عَلَى ذَلِكَ وَدَفَعَتْهُ إِلَى الْخَيَاشِيمِ، أَحْدَثَ الزُّكَامَ، وَإِنْ دَفَعَتْهُ إِلَى اللَّهَاةِ وَالْمَنْخِرَيْنِ أَحْدَثَ الْخُنَاقَ، وَإِنْ دَفَعَتْهُ إِلَى الْجَنْبِ، أَحْدَثَ الشَّوْصَةَ، وَإِنْ دَفَعَتْهُ إِلَى الصَّدْرِ أَحْدَثَ النَّزْلَةَ، وَإِنِ انْحَدَرَ إِلَى الْقَلْبِ أَحْدَثَ الْخَبْطَةَ، وَإِنْ دَفَعَتْهُ إِلَى الْعَيْنِ أَحْدَثَ رَمَدًا، وَإِنِ انْحَدَرَ إِلَى الْجَوْفِ أَحْدَثَ السَّيَلَانَ، وَإِنْ دَفَعَتْهُ إِلَى مَنَازِلِ الدِّمَاغِ أَحْدَثَ النِّسْيَانَ، وَإِنْ تَرَطَّبَتْ أَوْعِيَةُ الدِّمَاغِ مِنْهُ وَامْتَلَأَتْ بِهِ عُرُوقُهُ أَحْدَثَ النَّوْمَ الشَّدِيدَ، وَلِذَلِكَ كَانَ النَّوْمُ رَطْبًا، وَالسَّهَرُ يَابِسًا. وَإِنْ طَلَبَ الْبُخَارُ النُّفُوذَ مِنَ الرَّأْسِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَعْقَبَهُ الصُّدَاعُ وَالسَّهَرُ، وَإِنْ مَالَ الْبُخَارُ إِلَى أَحَدِ شِقَّيِ الرَّأْسِ، أَعْقَبَهُ الشَّقِيقَةُ، وَإِنْ مَلَكَ قِمَّةَ الرَّأْسِ وَوَسَطَ الْهَامَةِ، أَعْقَبَهُ دَاءُ الْبَيْضَةِ، وَإِنْ بَرُدَ مِنْهُ حِجَابُ الدِّمَاغِ، أَوْ سَخُنَ أَوْ تَرَطَّبَ وَهَاجَتْ مِنْهُ أَرْيَاحٌ، أَحْدَثَ الْعُطَاسَ، وَإِنْ أَهَاجَ الرُّطُوبَةَ الْبَلْغَمِيَّةَ فِيهِ حَتَّى غَلَبَ الْحَارُّ الْغَرِيزِيُّ، أَحْدَثَ الْإِغْمَاءَ وَالسُّكَاتَ، وَإِنْ أَهَاجَ الْمِرَّةَ السَّوْدَاءَ حَتَّى أَظْلَمَ هَوَاءُ الدِّمَاغِ، أَحْدَثَ الْوَسْوَاسَ، وَإِنْ فَاضَ ذَلِكَ إِلَى مَجَارِي الْعَصَبِ أَحْدَثَ الصَّرَعَ الطَّبِيعِيَّ، وَإِنْ تَرَطَّبَتْ مَجَامِعُ عَصَبِ الرَّأْسِ وَفَاضَ ذَلِكَ فِي مَجَارِيهِ أَعْقَبَهُ الْفَالِجُ، وَإِنْ كَانَ الْبُخَارُ مِنْ مِرَّةٍ صَفْرَاءَ مُلْتَهِبَةٍ مَحْمِيَّةٍ لِلدِّمَاغِ، أَحْدَثَ الْبِرْسَامَ، فَإِنْ شَرِكَهُ الصَّدْرُ فِي ذَلِكَ كَانَ سِرْسَامًا، فَافْهَمْ هَذَا الْفَصْلَ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ أَخْلَاطَ الْبَدَنِ وَالرَّأْسِ تَكُونُ مُتَحَرِّكَةً هَائِجَةً فِي حَالِ الرَّمَدِ، وَالْجِمَاعُ مِمَّا يَزِيدُ حَرَكَتَهَا وَثَوَرَانَهَا، فَإِنَّهُ حَرَكَةٌ كُلِّيَّةٌ لِلْبَدَنِ وَالرُّوحِ وَالطَّبِيعَةِ. فَأَمَّا الْبَدَنُ فَيَسْخُنُ بِالْحَرَكَةِ لَا مَحَالَةَ، وَالنَّفْسُ تَشْتَدُّ حَرَكَتُهَا طَلَبًا لِلَّذَّةِ وَاسْتِكْمَالِهَا،
стр. 1611
وَالرُّوحُ تَتَحَرَّكُ تَبَعًا لِحَرَكَةِ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ، فَإِنَّ أَوَّلَ تَعَلُّقِ الرُّوحِ مِنَ الْبَدَنِ بِالْقَلْبِ، وَمِنْهُ يَنْشَأُ الرُّوحُ وَتَنْبَثُّ فِي الْأَعْضَاءِ. وَأَمَّا حَرَكَةُ الطَّبِيعَةِ، فَلِأَجْلِ أَنْ تُرْسِلَ مَا يَجِبُ إِرْسَالُهُ مِنَ الْمَنِيِّ عَلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي يَجِبُ إِرْسَالُهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَالْجِمَاعُ حَرَكَةٌ كُلِّيَّةٌ عَامَّةٌ يَتَحَرَّكُ فِيهَا الْبَدَنُ وَقُوَاهُ وَطَبِيعَتُهُ وَأَخْلَاطُهُ وَالرُّوحُ وَالنَّفْسُ، فَكُلُّ حَرَكَةٍ فَهِيَ مُثِيرَةٌ لِلْأَخْلَاطِ مُرَقِّقَةٌ لَهَا تُوجِبُ دَفْعَهَا وَسَيَلَانَهَا إِلَى الْأَعْضَاءِ الضَّعِيفَةِ، وَالْعَيْنُ فِي حَالِ رَمَدِهَا أَضْعَفُ مَا تَكُونُ، فَأَضَرَّ مَا عَلَيْهَا حَرَكَةُ الْجِمَاعِ.
قَالَ بقراط فِي كِتَابِ " الْفُصُولِ ": وَقَدْ يَدُلُّ رُكُوبُ السُّفُنِ أَنَّ الْحَرَكَةَ تُثَوِّرُ الْأَبْدَانَ. هَذَا مَعَ أَنَّ فِي الرَّمَدِ مَنَافِعَ كَثِيرَةً، مِنْهَا مَا يَسْتَدْعِيهِ مِنَ الْحِمْيَةِ وَالِاسْتِفْرَاغِ، وَتَنْقِيَةِ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ مِنْ فَضَلَاتِهِمَا وَعُفُونَاتِهِمَا، وَالْكَفُّ عَمَّا يُؤْذِي النَّفْسَ وَالْبَدَنَ مِنَ الْغَضَبِ وَالْهَمِّ وَالْحُزْنِ، وَالْحَرَكَاتِ الْعَنِيفَةِ وَالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ. وَفِي أَثَرٍ سَلَفِيٍّ: لَا تَكْرَهُوا الرَّمَدَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ عُرُوقَ الْعَمَى.
عِلَاجُهُ
وَمِنْ أَسْبَابِ عِلَاجِهِ مُلَازَمَةُ السُّكُونِ وَالرَّاحَةِ، وَتَرْكُ مَسَّ الْعَيْنِ وَالِاشْتِغَالُ بِهَا، فَإِنَّ أَضْدَادَ ذَلِكَ يُوجِبُ انْصِبَابَ الْمَوَادِّ إِلَيْهَا.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَثَلُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مَثَلُ الْعَيْنِ، وَدَوَاءُ الْعَيْنِ تَرْكُ مَسِّهَا. وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ: ( «عِلَاجُ الرَّمَدِ تَقْطِيرُ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الْعَيْنِ» ) وَهُوَ مِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ لِلرَّمَدِ الْحَارِّ، فَإِنَّ الْمَاءَ دَوَاءٌ بَارِدٌ يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى إِطْفَاءِ حَرَارَةِ الرَّمَدِ إِذَا كَانَ حَارًّا، وَلِهَذَا «قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ لِامْرَأَتِهِ زينب وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا: لَوْ فَعَلْتِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ خَيْرًا لَكِ وَأَجْدَرَ أَنْ تُشْفِي، تَنْضَحِينَ فِي عَيْنِكِ الْمَاءَ، ثُمَّ تَقُولِينَ: (أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا) » .
وَهَذَا مِمَّا تَقَدَّمَ مِرَارًا أَنَّهُ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْبِلَادِ، وَبَعْضِ أَوْجَاعِ الْعَيْنِ، فَلَا يُجْعَلُ كَلَامُ النُّبُوَّةِ الْجُزْئِيُّ الْخَاصُّ كُلِّيًّا عَامًّا، وَلَا الْكُلِّيُّ الْعَامُّ
стр. 1612
جُزْئِيًّا خَاصًّا، فَيَقَعُ مِنَ الْخَطَأِ، وَخِلَافُ الصَّوَابِ مَا يَقَعُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الْخَدَرَانِ الْكُلِّيِّ الَّذِي يَجْمُدُ مَعَهُ الْبَدَنُ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الْخَدَرَانِ الْكُلِّيِّ الَّذِي يَجْمُدُ مَعَهُ الْبَدَنُ
ذَكَرَ أبو عبيد فِي " غَرِيبِ الْحَدِيثِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ: «أَنَّ قَوْمًا مَرُّوا بِشَجَرَةٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا، فَكَأَنَّمَا مَرَّتْ بِهِمْ رِيحٌ، فَأَجْمَدَتْهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (قَرِّسُوا الْمَاءَ فِي الشِّنَانِ، وَصُبُّوا عَلَيْهِمْ فِيمَا بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ) » ، ثُمَّ قَالَ أبو عبيد: قَرِّسُوا: يَعْنِي بَرِّدُوا. وَقَوْلُ النَّاسِ: قَدْ قَرَسَ الْبَرْدُ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ هَذَا بِالسِّينِ لَيْسَ بِالصَّادِ. وَالشِّنَانُ: الْأَسْقِيَةُ وَالْقِرَبُ الْخُلْقَانِ، يُقَالُ لِلسِّقَاءِ: شَنٌّ وَلِلْقِرْبَةِ شَنَّةٌ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشِّنَانَ دُونَ الْجُدُدِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ تَبْرِيدًا لِلْمَاءِ. وَقَوْلُهُ: " بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ "، يَعْنِي أَذَانَ الْفَجْرِ وَالْإِقَامَةَ، فَسَمَّى الْإِقَامَةَ أَذَانًا، انْتَهَى كَلَامُهُ.
قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: وَهَذَا الْعِلَاجُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَفْضَلِ عِلَاجِ هَذَا الدَّاءِ إِذَا كَانَ وُقُوعُهُ بِالْحِجَازِ، وَهِيَ بِلَادٌ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ، وَالْحَارُّ الْغَرِيزِيُّ ضَعِيفٌ فِي بَوَاطِنِ سُكَّانِهَا، وَصَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَيْهِمْ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ - وَهُوَ أَبْرَدُ أَوْقَاتِ الْيَوْمَ - يُوجِبُ جَمْعَ الْحَارِّ الْغَرِيزِيِّ الْمُنْتَشِرِ فِي الْبَدَنِ الْحَامِلِ لِجَمِيعِ قُوَاهُ، فَيُقَوِّي الْقُوَّةَ الدَّافِعَةَ وَيَجْتَمِعُ مِنْ أَقْطَارِ الْبَدَنِ إِلَى بَاطِنِهِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ ذَاكَ الدَّاءِ، وَيَسْتَظْهِرُ بِبَاقِي الْقُوَى عَلَى دَفْعِ الْمَرَضِ الْمَذْكُورِ، فَيَدْفَعُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَلَوْ أَنَّ بقراط أَوْ جالينوس أَوْ غَيْرَهُمَا وَصَفَ هَذَا الدَّوَاءَ لِهَذَا الدَّاءِ، لَخَضَعَتْ لَهُ الْأَطِبَّاءُ، وَعَجِبُوا مِنْ كَمَالِ مَعْرِفَتِهِ.
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي إِصْلَاحِ الطَّعَامِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الذُّبَابُ وَإِرْشَادِهِ إِلَى دَفْعِ مَضَرَّاتِ السُّمُومِ بِأَضْدَادِهَا]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي إِصْلَاحِ الطَّعَامِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الذُّبَابُ، وَإِرْشَادِهِ إِلَى دَفْعِ مَضَرَّاتِ السُّمُومِ بِأَضْدَادِهَا
فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ
стр. 1613
شِفَاءً» ) .
وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «أَحَدُ جَنَاحَيِ الذُّبَابِ سُمٌّ، وَالْآخَرُ شِفَاءٌ، فَإِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ» ) .
هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ أَمْرَانِ: أَمْرٌ فِقْهِيٌّ، وَأَمْرٌ طِبِّيٌّ، فَأَمَّا الْفِقْهِيُّ فَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ جِدًّا عَلَى أَنَّ الذُّبَابَ إِذَا مَاتَ فِي مَاءٍ أَوْ مَائِعٍ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي السَّلَفِ مُخَالِفٌ فِي ذَلِكَ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِمَقْلِهِ، وَهُوَ غَمْسُهُ فِي الطَّعَامِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا. فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُهُ لَكَانَ أَمْرًا بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ، وَهُوَ ﷺ إِنَّمَا أَمَرَ بِإِصْلَاحِهِ، ثُمَّ عُدِّيَ هَذَا الْحُكْمُ إِلَى كُلِّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، كَالنَّحْلَةِ وَالزُّنْبُورِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، إِذِ الْحُكْمُ يَعُمُّ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وَيَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ، فَلَمَّا كَانَ سَبَبُ التَّنْجِيسِ هُوَ الدَّمُ الْمُحْتَقِنُ فِي الْحَيَوَانِ بِمَوْتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَفْقُودًا فِيمَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ انْتَفَى الْحُكْمُ بِالتَّنْجِيسِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ.
ثُمَّ قَالَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِنَجَاسَةِ عَظْمِ الْمَيْتَةِ: إِذَا كَانَ هَذَا ثَابِتًا فِي الْحَيَوَانِ الْكَامِلِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الرُّطُوبَاتِ وَالْفَضَلَاتِ، وَعَدَمِ الصَّلَابَةِ، فَثُبُوتُهُ فِي الْعَظْمِ الَّذِي هُوَ أَبْعَدُ عَنِ الرُّطُوبَاتِ وَالْفَضَلَاتِ وَاحْتِقَانِ الدَّمِ أَوْلَى، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى.
وَأَوَّلُ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَقَالَ: مَا لَا نَفْسَ لَهُ
стр. 1614
سَائِلَةٌ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَنْهُ تَلَقَّاهَا الْفُقَهَاءُ - وَالنَّفْسُ فِي اللُّغَةِ: يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الدَّمِ، وَمِنْهُ نَفَسَتِ الْمَرْأَةُ - بِفَتْحِ النُّونِ - إِذَا حَاضَتْ وَنُفِسَتْ - بِضَمِّهَا - إِذَا وَلَدَتْ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى الطِّبِّيُّ، فَقَالَ أبو عبيد: مَعْنَى امْقُلُوهُ: اغْمِسُوهُ لِيَخْرُجَ الشِّفَاءُ مِنْهُ، كَمَا خَرَجَ الدَّاءُ، يُقَالُ لِلرَّجُلَيْنِ: هُمَا يَتَمَاقَلَانِ، إِذَا تَغَاطَّا فِي الْمَاءِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الذُّبَابِ عِنْدَهُمْ قُوَّةً سُمِّيَّةً يَدُلُّ عَلَيْهَا الْوَرَمُ، وَالْحِكَّةُ الْعَارِضَةُ عَنْ لَسْعِهِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاحِ، فَإِذَا سَقَطَ فِيمَا يُؤْذِيهِ، اتَّقَاهُ بِسِلَاحِهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقَابِلَ تِلْكَ السُّمِّيَّةَ بِمَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي جَنَاحِهِ الْآخَرِ مِنَ الشِّفَاءِ، فَيُغْمَسُ كُلُّهُ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ، فَيُقَابِلُ الْمَادَّةَ السُّمِّيَّةَ الْمَادَّةُ النَّافِعَةُ، فَيَزُولُ ضَرَرُهَا، وَهَذَا طِبٌّ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ كِبَارُ الْأَطِبَّاءِ وَأَئِمَّتُهُمْ، بَلْ هُوَ خَارِجٌ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ، وَمَعَ هَذَا فَالطَّبِيبُ الْعَالِمُ الْعَارِفُ الْمُوَفَّقُ يَخْضَعُ لِهَذَا الْعِلَاجِ، وَيُقِرُّ لِمَنْ جَاءَ بِهِ بِأَنَّهُ أَكْمَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِوَحْيٍ إِلَهِيٍّ خَارِجٍ عَنِ الْقُوَى الْبَشَرِيَّةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَطِبَّاءِ أَنَّ لَسْعَ الزُّنْبُورِ وَالْعَقْرَبِ إِذَا دُلِكَ مَوْضِعُهُ بِالذُّبَابِ نَفَعَ مِنْهُ نَفْعًا بَيِّنًا، وَسَكَّنَهُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِلْمَادَّةِ الَّتِي فِيهِ مِنَ الشِّفَاءِ، وَإِذَا دُلِكَ بِهِ الْوَرَمُ الَّذِي يَخْرُجُ فِي شَعْرِ الْعَيْنِ الْمُسَمَّى شَعْرَةً بَعْدَ قَطْعِ رُءُوسِ الذُّبَابِ أَبْرَأَهُ.
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الْبَثْرَةِ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الْبَثْرَةِ
ذَكَرَ ابْنُ السُّنِّيِّ فِي كِتَابِهِ ( «عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ خَرَجَ فِي أُصْبُعِي بَثْرَةٌ، فَقَالَ: " عِنْدَكِ ذَرِيرَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ " ضَعِيهَا عَلَيْهَا " وَقُولِي: اللَّهُمَّ مُصَغِّرَ الْكَبِيرِ، وَمُكَبِّرَ الصَّغِيرِ صَغِّرْ مَا
стр. 1615
بِي» ) .
الذَّرِيرَةُ: دَوَاءٌ هِنْدِيٌّ يُتَّخَذُ مِنْ قَصَبِ الذَّرِيرَةِ، وَهِيَ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ تَنْفَعُ مِنْ أَوْرَامِ الْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَتُقَوِّي الْقَلْبَ لِطِيبِهَا، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي بِذَرِيرَةٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ» .
وَالْبَثْرَةُ: خُرَّاجٌ صَغِيرٌ يَكُونُ عَنْ مَادَّةٍ حَارَّةٍ تَدْفَعُهَا الطَّبِيعَةُ، فَتَسْتَرِقُ مَكَانًا مِنَ الْجَسَدِ تَخْرُجُ مِنْهُ، فَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى مَا يُنْضِجُهَا وَيُخْرِجُهَا، وَالذَّرِيرَةُ أَحَدُ مَا يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ، فَإِنَّ فِيهَا إِنْضَاجًا وَإِخْرَاجًا مَعَ طِيبِ رَائِحَتِهَا، مَعَ أَنَّ فِيهَا تَبْرِيدًا لِلنَّارِيَّةِ الَّتِي فِي تِلْكَ الْمَادَّةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ ": إِنَّهُ لَا أَفْضَلَ لِحَرْقِ النَّارِ مِنَ الذَّرِيرَةِ بِدُهْنِ الْوَرْدِ وَالْخَلِّ.
[فصل هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الْأَوْرَامِ وَالْخُرَجَاتِ الَّتِي تَبْرَأُ بِالْبَطِّ وَالْبَزْلِ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الْأَوْرَامِ، وَالْخُرَجَاتِ الَّتِي تَبْرَأُ بِالْبَطِّ وَالْبَزْلِ
يُذْكَرُ عَنْ (علي أَنَّهُ قَالَ «دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ بِظَهْرِهِ
следующие страницы →