Полный текст (2 628 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
وَالسُّعَالِ، وَقُرُوحِ الْكُلْيَتَيْنِ، وَالْمَثَانَةِ، وَيُدِرُّ الْبَوْلَ، وَيَزِيدُ فِي الْمَنِيِّ وَيُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ لِلْجِمَاعِ، وَيُلَيِّنُ الْبَطْنَ، وَيُؤْكَلُ قَبْلَ الطَّعَامِ، وَيَضُرُّ الْمَعِدَةَ، وَيَزِيدُ فِي الصَّفْرَاءِ وَالْبَلْغَمِ، وَدَفْعُ ضَرَرِهِ بِالسُّكَّرِ أَوِ الْعَسَلِ.
[طَلْعٌ]
ٌ: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] [ق: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] [الشُّعَرَاءِ: ١٤٨] .
طَلْعُ النَّخْلِ: مَا يَبْدُو مِنْ ثَمَرَتِهِ فِي أَوَّلِ ظُهُورِهِ، وَقِشْرُهُ يُسَمَّى الْكُفُرَّى، وَالنَّضِيدُ: الْمَنْضُودُ الَّذِي قَدْ نُضِّدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: نَضِيدٌ مَا دَامَ فِي كُفُرَّاهُ، فَإِذَا انْفَتَحَ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
وَأَمَّا الْهَضِيمُ: فَهُوَ الْمُنْضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، فَهُوَ كَالنَّضِيدِ أَيْضًا، وَذَلِكَ يَكُونُ قَبْلَ تَشَقُّقِ الْكُفُرَّى عَنْهُ.
وَالطَّلْعُ نَوْعَانِ: ذَكَرٌ وَأُنْثَى، وَالتَّلْقِيحُ هُوَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الذَّكَرِ، وَهُوَ مِثْلُ دَقِيقِ الْحِنْطَةِ، فَيُجْعَلَ فِي الْأُنْثَى، وَهُوَ التَّأْبِيرُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اللِّقَاحِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَقَدْ رَوَى مسلم فِي " صَحِيحِهِ ": عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نَخْلٍ، فَرَأَى قَوْمًا يُلَقِّحُونَ، فَقَالَ: (مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ " قَالُوا: يَأْخُذُونَ مِنَ الذَّكَرِ فَيَجْعَلُونَهُ فِي الْأُنْثَى، قَالَ: " مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا "، فَبَلَغَهُمْ، فَتَرَكُوهُ، فَلَمْ يَصْلُحْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ، فَإِنْ كَانَ يُغْنِي شَيْئًا، فَاصْنَعُوهُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَإِنَّ الظَّنَّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَلَكِنْ مَا قُلْتُ لَكُمْ عَنِ اللَّهِ . فَلَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ» ) انْتَهَى.
стр. 1822
طَلْعُ النَّخْلِ يَنْفَعُ مِنَ الْبَاهِ، وَيَزِيدُ فِي الْمُبَاضَعَةِ، وَدَقِيقُ طَلْعِهِ إِذَا تَحَمَّلَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الْجِمَاعِ أَعَانَ عَلَى الْحَبَلِ إِعَانَةً بَالِغَةً، وَهُوَ فِي الْبُرُودَةِ وَالْيُبُوسَةِ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، يُقَوِّي الْمَعِدَةَ وَيُجَفِّفُهَا، وَيُسَكِّنُ ثَائِرَةَ الدَّمِ مَعَ غِلْظَةٍ وَبُطْءِ هَضْمٍ.
وَلَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا أَصْحَابُ الْأَمْزِجَةِ الْحَارَّةِ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْجُوَارِشَاتِ الْحَارَّةِ، وَهُوَ يُعْقِلُ الطَّبْعَ، وَيُقَوِّي الْأَحْشَاءَ، وَالْجُمَّارُ يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَكَذَلِكَ الْبَلَحُ، وَالْبُسْرُ، وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ يَضُرُّ بِالْمَعِدَةِ وَالصَّدْرِ، وَرُبَّمَا أَوْرَثَ الْقُولَنْجَ، وَإِصْلَاحُهُ بِالسَّمْنِ، أَوْ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
[حَرْفُ الْعَيْنِ]
[عِنَبٌ]
حَرْفُ الْعَيْنِ
عِنَبٌ: فِي " الْغَيْلَانِيَّاتِ " مِنْ حَدِيثِ حبيب بن يسار، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: ( «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الْعِنَبَ خَرْطًا.» ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ: لَا أَصْلَ لِهَذَا الْحَدِيثِ، قُلْتُ: وَفِيهِ داود بن عبد الجبار أبو سليم الكوفي، قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ يَكْذِبُ.
وَيَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ( «كَانَ يُحِبُّ الْعِنَبَ وَالْبِطِّيخَ» ) .
стр. 1823
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعِنَبَ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ فِي جُمْلَةِ نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَفِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْفَوَاكِهِ وَأَكْثَرِهَا مَنَافِعَ، وَهُوَ يُؤْكَلُ رَطْبًا وَيَابِسًا، وَأَخْضَرَ وَيَانِعًا، وَهُوَ فَاكِهَةٌ مَعَ الْفَوَاكِهِ، وَقُوتٌ مَعَ الْأَقْوَاتِ، وَأُدْمٌ مَعَ الْإِدَامِ، وَدَوَاءٌ مَعَ الْأَدْوِيَةِ، وَشَرَابٌ مَعَ الْأَشْرِبَةِ، وَطَبْعُهُ طَبْعُ الْحَبَّاتِ: الْحَرَارَةُ وَالرُّطُوبَةُ، وَجَيِّدُهُ الْكُبَّارُ الْمَائِيُّ، وَالْأَبْيَضُ أَحْمَدُ مِنَ الْأَسْوَدِ إِذَا تَسَاوَيَا فِي الْحَلَاوَةِ، وَالْمَتْرُوكُ بَعْدَ قَطْفِهِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَحْمَدُ مِنَ الْمَقْطُوفِ فِي يَوْمِهِ، فَإِنَّهُ مُنْفِخٌ مُطْلِقٌ لِلْبَطْنِ، وَالْمُعَلَّقُ حَتَّى يَضْمُرَ قِشْرُهُ جَيِّدٌ لِلْغِذَاءِ، مُقَوٍّ لِلْبَدَنِ، وَغِذَاؤُهُ كَغِذَاءِ التِّينِ وَالزَّبِيبِ، وَإِذَا أُلْقِيَ عَجَمُ الْعِنَبِ كَانَ أَكْثَرَ تَلْيِينًا لِلطَّبِيعَةِ، وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ مُصَدِّعٌ لِلرَّأْسِ، وَدَفْعُ مَضَرَّتِهِ بِالرُّمَّانِ الْمُزِّ.
وَمَنْفَعَةُ الْعِنَبِ يُسَهِّلُ الطَّبْعَ، وَيُسَمِّنُ، وَيَغْذُو جَيِّدُهُ غِذَاءً حَسَنًا، وَهُوَ أَحَدُ الْفَوَاكِهِ الثَّلَاثِ الَّتِي هِيَ مُلُوكُ الْفَوَاكِهِ، هُوَ وَالرُّطَبُ وَالتِّينُ.
[عَسَلٌ]
ٌ: قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنَافِعِهِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَلَيْكَ بِالْعَسَلِ، فَإِنَّهُ جَيِّدٌ لِلْحِفْظِ، وَأَجْوَدُهُ أَصْفَاهُ وَأَبْيَضُهُ، وَأَلْيَنُهُ حِدَّةً، وَأَصْدَقُهُ حَلَاوَةً، وَمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ لَهُ فَضْلٌ عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْخَلَايَا، وَهُوَ بِحَسَبِ مَرْعَى نَحْلِهِ.
[عَجْوَةٌ]
ٌ: فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» )
стр. 1824
وَفِي " سُنَنِ النَّسَائِيِّ " وَابْنِ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيثِ جابر، وأبي سعيد ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ، وَالْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ) .
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا فِي عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ، وَهِيَ أَحَدُ أَصْنَافِ التَّمْرِ بِهَا، وَمِنْ أَنْفَعِ تَمْرِ الْحِجَازِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ صِنْفٌ كَرِيمٌ مُلَذَّذٌ، مَتِينٌ لِلْجِسْمِ وَالْقُوَّةِ، مِنْ أَلْيَنِ التَّمْرِ وَأَطْيَبِهِ وَأَلَذِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّمْرِ وَطَبْعِهِ وَمَنَافِعِهِ فِي حَرْفِ التَّاءِ، وَالْكَلَامُ عَلَى دَفْعِ الْعَجْوَةِ لِلسُّمِّ وَالسِّحْرِ، فَلَا حَاجَةَ لِإِعَادَتِهِ.
[عَنْبَرٌ]
ٌ: تَقَدَّمَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ جابر، فِي قِصَّةِ أبي عبيدة وَأَكْلِهِمْ مِنَ الْعَنْبَرِ شَهْرًا، وَأَنَّهُمْ تَزَوَّدُوا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَرْسَلُوا مِنْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ أَحَدُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِبَاحَةَ مَا فِي الْبَحْرِ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّمَكِ، وَعَلَى أَنَّ مَيْتَتَهُ حَلَالٌ، وَاعْتُرِضَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْبَحْرَ أَلْقَاهُ حَيًّا، ثُمَّ جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ، فَمَاتَ، وَهَذَا حَلَالٌ، فَإِنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ مُفَارَقَتِهِ لِلْمَاءِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا وَجَدُوهُ مَيِّتًا بِالسَّاحِلِ وَلَمْ يُشَاهِدُوهُ قَدْ خَرَجَ عَنْهُ حَيًّا، ثُمَّ جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ.
وَأَيْضًا: فَلَوْ كَانَ حَيًّا لَمَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ إِلَى سَاحِلِهِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْبَحْرَ إِنَّمَا يَقْذِفُ إِلَى سَاحِلِهِ الْمَيِّتَ مِنْ حَيَوَانَاتِهِ لَا الْحَيَّ مِنْهَا.
وَأَيْضًا: فَلَوْ قُدِّرَ احْتِمَالُ مَا ذَكَرُوهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي الْإِبَاحَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ الشَّيْءُ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِ إِبَاحَتِهِ، وَلِهَذَا مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَكْلِ الصَّيْدِ إِذَا
стр. 1825
وَجَدَهُ الصَّائِدُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ لِلشَّكِّ فِي سَبَبِ مَوْتِهِ، هَلْ هُوَ الْآلَةُ أَمِ الْمَاءُ؟.
وَأَمَّا الْعَنْبَرُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ، فَهُوَ مِنْ أَفْخَرِ أَنْوَاعِهِ بَعْدَ الْمِسْكِ، وَأَخْطَأَ مَنْ قَدَّمَهُ عَلَى الْمِسْكِ، وَجَعَلَهُ سَيِّدَ أَنْوَاعِ الطِّيبِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمِسْكِ: ( «هُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ» ) ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُ الْخَصَائِصِ وَالْمَنَافِعِ الَّتِي خُصَّ بِهَا الْمِسْكُ، حَتَّى إِنَّهُ طِيبُ الْجَنَّةِ وَالْكُثْبَانُ الَّتِي هِيَ مَقَاعِدُ الصِّدِّيقِينَ هُنَاكَ مِنْ مِسْكٍ لَا مِنْ عَنْبَرٍ.
وَالَّذِي غَرَّ هَذَا الْقَائِلَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ التَّغَيُّرُ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ، فَهُوَ كَالذَّهَبِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْمِسْكِ، فَإِنَّهُ بِهَذِهِ الْخَاصِّيَّةِ الْوَاحِدَةِ لَا يُقَاوِمُ مَا فِي الْمِسْكِ مِنَ الْخَوَاصِّ.
وَبَعْدُ فَضُرُوبُهُ كَثِيرَةٌ، وَأَلْوَانُهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنْهُ الْأَبْيَضُ، وَالْأَشْهَبُ، وَالْأَحْمَرُ، وَالْأَصْفَرُ، وَالْأَخْضَرُ، وَالْأَزْرَقُ، وَالْأَسْوَدُ، وَذُو الْأَلْوَانِ، وَأَجْوَدُهُ: الْأَشْهَبُ، ثُمَّ الْأَزْرَقُ، ثُمَّ الْأَصْفَرُ، وَأَرْدَؤُهُ الْأَسْوَدُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عُنْصُرِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ نَبَاتٌ يَنْبُتُ فِي قَعْرِ الْبَحْرِ، فَيَبْتَلِعُهُ بَعْضُ دَوَابِّهِ، فَإِذَا ثَمِلَتْ مِنْهُ قَذَفَتْهُ رَجِيعًا، فَيَقْذِفُهُ الْبَحْرُ إِلَى سَاحِلِهِ. وَقِيلَ: طَلٌّ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فِي جَزَائِرِ الْبَحْرِ، فَتُلْقِيهِ الْأَمْوَاجُ إِلَى السَّاحِلِ، وَقِيلَ: رَوْثُ دَابَّةٍ بَحْرِيَّةٍ تُشْبِهُ الْبَقَرَةَ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ جُفَاءٌ مِنْ جُفَاءِ الْبَحْرِ، أَيْ زَبَدٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ ": هُوَ فِيمَا يُظَنُّ يَنْبُعُ مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَحْرِ، وَالَّذِي يُقَالُ: إِنَّهُ زَبَدُ الْبَحْرِ، أَوْ رَوْثُ دَابَّةٍ بَعِيدٌ انْتَهَى.
وَمِزَاجُهُ حَارٌّ يَابِسٌ، مُقَوٍّ لِلْقَلْبِ، وَالدِّمَاغِ، وَالْحَوَاسِّ، وَأَعْضَاءِ الْبَدَنِ، نَافِعٌ مِنَ الْفَالِجِ وَاللَّقْوَةِ، وَالْأَمْرَاضِ الْبَلْغَمِيَّةِ، وَأَوْجَاعِ الْمَعِدَةِ الْبَارِدَةِ، وَالرِّيَاحِ
стр. 1826
الْغَلِيظَةِ، وَمِنَ السُّدَدِ إِذَا شُرِبَ، أَوْ طُلِيَ بِهِ مِنْ خَارِجٍ، وَإِذَا تُبُخِّرَ بِهِ، نَفَعَ مِنَ الزُّكَامِ وَالصُّدَاعِ، وَالشَّقِيقَةِ الْبَارِدَةِ.
[عُودٌ]
ٌ: الْعُودُ الْهِنْدِيُّ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَدْوِيَةِ وَهُوَ الْكُسْتُ، وَيُقَالُ لَهُ: الْقُسْطُ وَسَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْقَافِ. الثَّانِي: يُسْتَعْمَلُ فِي الطِّيبِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْأَلُوَّةُ. وَقَدْ رَوَى مسلم فِي " صَحِيحِهِ ": عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ ( «كَانَ يَسْتَجْمِرُ بِالْأَلُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ، وَبِكَافُورٍ يُطْرَحُ مَعَهَا، وَيَقُولُ: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ،» ) وَثَبَتَ عَنْهُ فِي صِفَةِ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ( «مَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ» ) وَالْمَجَامِرُ: جَمْعُ مِجْمَرٍ وَهُوَ مَا يُتَجَمَّرُ بِهِ مِنْ عُودٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ. أَجْوَدُهَا: الْهِنْدِيُّ، ثُمَّ الصِّينِيُّ، ثُمَّ الْقَمَارِيُّ، ثُمَّ الْمَنْدَلِيُّ، وَأَجْوَدُهُ: الْأَسْوَدُ وَالْأَزْرَقُ الصُّلْبُ الرَّزِينُ الدَّسِمُ، وَأَقَلُّهُ جَوْدَةً مَا خَفَّ وَطَفَا عَلَى الْمَاءِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ شَجَرٌ يُقْطَعُ وَيُدْفَنُ فِي الْأَرْضِ سَنَةً، فَتَأْكُلُ الْأَرْضُ مِنْهُ مَا لَا يَنْفَعُ، وَيَبْقَى عُودُ الطِّيبِ، لَا تَعْمَلُ فِيهِ الْأَرْضُ شَيْئًا، يَتَعَفَّنُ مِنْهُ قِشْرُهُ وَمَا لَا طِيبَ فِيهِ.
وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الثَّالِثَةِ، يَفْتَحُ السُّدَدَ، وَيَكْسِرُ الرِّيَاحَ، وَيَذْهَبُ بِفَضْلِ الرُّطُوبَةِ، وَيُقَوِّي الْأَحْشَاءَ وَالْقَلْبَ وَيُفْرِحُهُ، وَيَنْفَعُ الدِّمَاغَ، وَيُقَوِّي الْحَوَاسَّ، وَيَحْبِسُ الْبَطْنَ، وَيَنْفَعُ مِنْ سَلَسِ الْبَوْلِ الْحَادِثِ عَنْ بَرْدِ الْمَثَانَةِ.
قَالَ ابن سمجون: الْعُودُ ضُرُوبٌ كَثِيرَةٌ يَجْمَعُهَا اسْمُ الْأَلُوَّةِ، وَيُسْتَعْمَلُ
стр. 1827
مِنْ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ، وَيُتَجَمَّرُ بِهِ مُفْرَدًا وَمَعَ غَيْرِهِ، وَفِي الْخَلْطِ لِلْكَافُورِ بِهِ عِنْدَ التَّجْمِيرِ مَعْنًى طِبِّيٌّ، وَهُوَ إِصْلَاحُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، وَفِي التَّجَمُّرِ مُرَاعَاةُ جَوْهَرِ الْهَوَاءِ وَإِصْلَاحُهُ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي فِي صَلَاحِهَا صَلَاحُ الْأَبْدَانِ.
[عَدَسٌ]
ٌ: قَدْ وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَمْ يَقُلْ شَيْئًا مِنْهَا، كَحَدِيثِ: ( «إِنَّهُ قُدِّسَ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيًّا» ) وَحَدِيثِ: ( «إِنَّهُ يُرِقُّ الْقَلْبَ، وَيُغْزِرُ الدَّمْعَةَ، وَإِنَّهُ مَأْكُولُ الصَّالِحِينَ،» ) وَأَرْفَعُ شَيْءٍ جَاءَ فِيهِ، وَأَصَحُّهُ أَنَّهُ شَهْوَةُ الْيَهُودِ الَّتِي قَدَّمُوهَا عَلَى الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَهُوَ قَرِينُ الثُّومِ وَالْبَصَلِ فِي الذِّكْرِ.
وَطَبْعُهُ طَبْعُ الْمُؤَنَّثِ، بَارِدٌ يَابِسٌ، وَفِيهِ قُوَّتَانِ مُتَضَادَّتَانِ. إِحْدَاهُمَا: يَعْقِلُ الطَّبِيعَةَ. وَالْأُخْرَى: يُطْلِقُهَا، وَقِشْرُهُ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الثَّالِثَةِ، حِرِّيفٌ مُطْلِقٌ لِلْبَطْنِ، وَتِرْيَاقُهُ فِي قِشْرِهِ، وَلِهَذَا كَانَ صِحَاحُهُ أَنْفَعَ مِنْ مَطْحُونِهِ، وَأَخَفَّ عَلَى الْمَعِدَةِ، وَأَقَلَّ ضَرَرًا، فَإِنَّ لُبَّهُ بَطِيءُ الْهَضْمِ لِبُرُودَتِهِ وَيُبُوسَتِهِ، وَهُوَ مُوَلِّدٌ لِلسَّوْدَاءِ، وَيَضُرُّ بِالْمَالِيخُولْيَا ضَرَرًا بَيِّنًا، وَيَضُرُّ بِالْأَعْصَابِ وَالْبَصَرِ.
وَهُوَ غَلِيظُ الدَّمِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَهُ أَصْحَابُ السَّوْدَاءِ، وَإِكْثَارُهُمْ مِنْهُ يُوَلِّدُ لَهُمْ أَدْوَاءً رَدِيئَةً، كَالْوَسْوَاسِ وَالْجُذَامِ، وَحُمَّى الرِّبْعِ، وَيُقَلِّلُ ضَرَرَهُ السِّلْقُ وَالْإِسْفَانَاخُ، وَإِكْثَارُ الدُّهْنِ. وَأَرْدَأَ مَا أُكِلَ بِالنَّمْكَسُودِ وَلْيُتَجَنَّبْ خَلْطُ الْحَلَاوَةِ بِهِ، فَإِنَّهُ يُورِثُ سُدَدًا كَبِدِيَّةً، وَإِدْمَانُهُ يُظْلِمُ الْبَصَرَ لِشِدَّةِ تَجْفِيفِهِ، وَيُعْسِرُ الْبَوْلَ، وَيُوجِبُ الْأَوْرَامَ الْبَارِدَةَ، وَالرِّيَاحَ الْغَلِيظَةَ. وَأَجْوَدُهُ الْأَبْيَضُ السَّمِينُ، السَّرِيعُ النُّضْجِ.
وَأَمَّا مَا يَظُنُّهُ الْجُهَّالُ أَنَّهُ كَانَ سِمَاطَ الْخَلِيلِ الَّذِي يُقَدِّمُهُ لِأَضْيَافِهِ،
стр. 1828
فَكَذِبٌ مُفْتَرًى، وَإِنَّمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُ الضِّيَافَةَ بِالشِّوَاءِ، وَهُوَ الْعِجْلُ الْحَنِيذُ.
وَذَكَرَ البيهقي، عَنْ إسحاق قَالَ: سُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِي الْعَدَسِ، ( «أَنَّهُ قُدِّسَ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيًّا،» ) فَقَالَ: وَلَا عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ وَاحِدٍ، وَإِنَّهُ لِمُؤْذٍ مُنْفِخٌ، مَنْ حَدَّثَكُمْ بِهِ؟ قَالُوا: سَلْمُ بْنُ سَالِمٍ، فَقَالَ: عَمَّنْ؟ قَالُوا: عَنْكَ. قَالَ: وَعَنِّي أَيْضًا؟!!.
[حَرْفُ الْغَيْنِ]
[غَيْثٌ]
حَرْفُ الْغَيْنِ
غَيْثٌ: مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَهُوَ لَذِيذُ الِاسْمِ عَلَى السَّمْعِ، وَالْمُسَمَّى عَلَى الرُّوحِ وَالْبَدَنِ، تَبْتَهِجُ الْأَسْمَاعُ بِذِكْرِهِ، وَالْقُلُوبُ بِوُرُودِهِ، وَمَاؤُهُ أَفْضَلُ الْمِيَاهِ، وَأَلْطَفُهَا وَأَنْفَعُهَا وَأَعْظَمُهَا بَرَكَةً، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مِنْ سَحَابٍ رَاعِدٍ، وَاجْتَمَعَ فِي مُسْتَنْقَعَاتِ الْجِبَالِ، وَهُوَ أَرْطَبُ مِنْ سَائِرِ الْمِيَاهِ، لِأَنَّهُ لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَيَكْتَسِبُ مِنْ يُبُوسَتِهَا، وَلَمْ يُخَالِطْهُ جَوْهَرٌ يَابِسٌ، وَلِذَلِكَ يَتَغَيَّرُ وَيَتَعَفَّنُ سَرِيعًا لِلَطَافَتِهِ وَسُرْعَةِ انْفِعَالِهِ، وَهَلِ الْغَيْثُ الرَّبِيعِيُّ أَلْطَفُ مِنَ الشِّتْوِيِّ أَوْ بِالْعَكْسِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
قَالَ مَنْ رَجَّحَ الْغَيْثَ الشِّتْوِيَّ: حَرَارَةُ الشَّمْسِ تَكُونُ حِينَئِذٍ أَقَلَّ فَلَا تَجْتَذِبُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ إِلَّا أَلْطَفَهُ، وَالْجَوُّ صَافٍ وَهُوَ خَالٍ مِنَ الْأَبْخِرَةِ الدُّخَانِيَّةِ، وَالْغُبَارِ الْمُخَالِطِ لِلْمَاءِ، وَكُلُّ هَذَا يُوجِبُ لُطْفَهُ وَصَفَاءَهُ، وَخُلُوَّهُ مِنْ مُخَالِطٍ.
قَالَ مَنْ رَجَّحَ الرَّبِيعِيَّ: الْحَرَارَةُ تُوجِبُ تَحَلُّلَ الْأَبْخِرَةِ الْغَلِيظَةِ، وَتُوجِبُ رِقَّةَ الْهَوَاءِ وَلَطَافَتَهُ، فَيَخِفُّ بِذَلِكَ الْمَاءُ، وَتَقِلُّ أَجْزَاؤُهُ الْأَرْضِيَّةُ، وَتُصَادِفُ وَقْتَ حَيَاةِ النَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَطِيبَ الْهَوَاءِ.
стр. 1829
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵄، قَالَ: ( «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَصَابَنَا مَطَرٌ، فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَوْبَهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ،» ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَدْيِهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ذِكْرُ اسْتِمْطَارِهِ ﷺ ، وَتَبَرُّكِهِ بِمَاءِ الْغَيْثِ عِنْدَ أَوَّلِ مَجِيئِهِ.
[حَرْفُ الْفَاءِ]
[فَاتِحَةُ الْكِتَابِ]
حَرْفُ الْفَاءِ
فَاتِحَةُ الْكِتَابِ: وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالشِّفَاءُ التَّامُّ، وَالدَّوَاءُ النَّافِعُ، وَالرُّقْيَةُ التَّامَّةُ، وَمِفْتَاحُ الْغِنَى وَالْفَلَاحِ، وَحَافِظَةُ الْقُوَّةِ، وَدَافِعَةُ الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْخَوْفِ وَالْحَزَنِ لِمَنْ عَرَفَ مِقْدَارَهَا وَأَعْطَاهَا حَقَّهَا، وَأَحْسَنَ تَنْزِيلَهَا عَلَى دَائِهِ، وَعَرَفَ وَجْهَ الِاسْتِشْفَاءِ وَالتَّدَاوِي بِهَا، وَالسِّرَّ الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَتْ كَذَلِكَ.
وَلَمَّا وَقَعَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، رَقَى بِهَا اللَّدِيغَ، فَبَرَأَ لِوَقْتِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ( «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ» ) .
وَمَنْ سَاعَدَهُ التَّوْفِيقُ، وَأُعِينَ بِنُورِ الْبَصِيرَةِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى أَسْرَارِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَمَعْرِفَةِ الذَّاتِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، وَإِثْبَاتِ الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ وَالْمَعَادِ، وَتَجْرِيدِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ، وَكَمَالِ التَّوَكُّلِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، وَلَهُ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَبِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، وَالِافْتِقَارُ إِلَيْهِ فِي طَلَبِ الْهِدَايَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ سَعَادَةِ الدَّارَيْنِ، وَعَلِمَ ارْتِبَاطَ مَعَانِيهَا بِجَلْبِ مَصَالِحِهِمَا، وَدَفْعِ مَفَاسِدِهِمَا، وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ الْمُطْلَقَةَ التَّامَّةَ، وَالنِّعْمَةَ الْكَامِلَةَ مَنُوطَةٌ بِهَا، مَوْقُوفَةٌ عَلَى التَّحَقُّقِ بِهَا، أَغْنَتْهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَدْوِيَةِ وَالرُّقَى، وَاسْتَفْتَحَ بِهَا مِنَ الْخَيْرِ أَبْوَابَهُ، وَدَفَعَ بِهَا مِنَ الشَّرِّ أَسْبَابَهُ.
стр. 1830
وَهَذَا أَمْرٌ يَحْتَاجُ اسْتِحْدَاثَ فِطْرَةٍ أُخْرَى، وَعَقْلٍ آخَرَ، وَإِيمَانٍ آخَرَ، وَتَاللَّهِ لَا تَجِدُ مَقَالَةً فَاسِدَةً، وَلَا بِدْعَةً بَاطِلَةً إِلَّا وَفَاتِحَةُ الْكِتَابِ مُتَضَمِّنَةٌ لِرَدِّهَا وَإِبْطَالِهَا بِأَقْرَبِ الطُّرُقِ، وَأَصَحِّهَا وَأَوْضَحِهَا، وَلَا تَجِدُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَأَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَأَدْوِيَتِهَا مِنْ عِلَلِهَا وَأَسْقَامِهَا إِلَّا وَفِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ مِفْتَاحُهُ، وَمَوْضِعُ الدِّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَلَا مَنْزِلًا مِنْ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَّا وَبِدَايَتُهُ وَنِهَايَتُهُ فِيهَا.
وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ شَأْنَهَا لَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ فَوْقَ ذَلِكَ. وَمَا تَحَقَّقَ عَبْدٌ بِهَا، وَاعْتَصَمَ بِهَا، وَعَقَلَ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِهَا، وَأَنْزَلَهَا شِفَاءً تَامًّا، وَعِصْمَةً بَالِغَةً، وَنُورًا مُبِينًا، وَفَهِمَهَا وَفَهِمَ لَوَازِمَهَا كَمَا يَنْبَغِي وَوَقَعَ فِي بِدْعَةٍ وَلَا شِرْكٍ، وَلَا أَصَابَهُ مَرَضٌ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ إِلَّا لِمَامًا، غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ.
هَذَا، وَإِنَّهَا الْمِفْتَاحُ الْأَعْظَمُ لِكُنُوزِ الْأَرْضِ، كَمَا أَنَّهَا الْمِفْتَاحُ لِكُنُوزِ الْجَنَّةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ يُحْسِنُ الْفَتْحَ بِهَذَا الْمِفْتَاحِ، وَلَوْ أَنَّ طُلَّابَ الْكُنُوزِ وَقَفُوا عَلَى سِرِّ هَذِهِ السُّورَةِ، وَتَحَقَّقُوا بِمَعَانِيهَا، وَرَكَّبُوا لِهَذَا الْمِفْتَاحِ أَسْنَانًا، وَأَحْسَنُوا الْفَتْحَ بِهِ، لَوَصَلُوا إِلَى تَنَاوُلِ الْكُنُوزِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوِقٍ، وَلَا مُمَانِعٍ.
وَلَمْ نَقُلْ هَذَا مُجَازَفَةً وَلَا اسْتِعَارَةً، بَلْ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ لِلَّهِ تَعَالَى حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فِي إِخْفَاءِ هَذَا السِّرِّ عَنْ نُفُوسِ أَكْثَرِ الْعَالَمِينَ، كَمَا لَهُ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فِي إِخْفَاءِ كُنُوزِ الْأَرْضِ عَنْهُمْ، وَالْكُنُوزُ الْمَحْجُوبَةُ قَدِ اسْتُخْدِمَ عَلَيْهَا أَرْوَاحٌ خَبِيثَةٌ شَيْطَانِيَّةٌ تَحُولُ بَيْنَ الْإِنْسِ وَبَيْنَهَا، وَلَا تَقْهَرُهَا إِلَّا أَرْوَاحٌ عُلْوِيَّةٌ شَرِيفَةٌ غَالِبَةٌ لَهَا بِحَالِهَا الْإِيمَانِيِّ، مَعَهَا مِنْهُ أَسْلِحَةٌ لَا تَقُومُ لَهَا الشَّيَاطِينُ، وَأَكْثَرُ نُفُوسِ النَّاسِ لَيْسَتْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، فَلَا يُقَاوِمُ تِلْكَ الْأَرْوَاحَ وَلَا يَقْهَرُهَا، وَلَا يَنَالُ مِنْ سَلَبِهَا شَيْئًا، فَإِنَّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ.
[فَاغِيَةٌ]
ٌ: هِيَ نَوْرُ الْحِنَّاءِ، وَهِيَ مِنْ أَطْيَبِ الرَّيَاحِينِ، وَقَدْ رَوَى البيهقي فِي كِتَابِهِ " شُعَبِ الْإِيمَانِ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ يَرْفَعُهُ:
стр. 1831
( «سَيِّدُ الرَّيَاحِينِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْفَاغِيَةُ» ) . وَرَوَى فِيهِ أَيْضًا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: ( «كَانَ أَحَبَّ الرَّيَاحِينِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْفَاغِيَةُ» ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، فَلَا نَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا لَا نَعْلَمُ صِحَّتَهُ.
وَهِيَ مُعْتَدِلَةٌ فِي الْحَرِّ وَالْيُبْسِ، فِيهَا بَعْضُ الْقَبْضِ، وَإِذَا وُضِعَتْ بَيْنَ طَيِّ ثِيَابِ الصُّوفِ حَفِظَتْهَا مِنَ السُّوسِ، وَتَدْخُلُ فِي مَرَاهِمِ الْفَالِجِ وَالتَّمَدُّدِ، وَدُهْنُهَا يُحَلِّلُ الْأَعْضَاءَ، وَيُلَيِّنُ الْعَصَبَ.
[فِضَّةٌ]
ٌ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَفَصُّهُ مِنْهُ، وَكَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِهِ فِضَّةً» ) ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ لِبَاسِ الْفِضَّةِ وَالتَّحَلِّي بِهَا شَيْءٌ الْبَتَّةَ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ الْمَنْعُ مِنَ الشُّرْبِ فِي آنِيَتِهَا، وَبَابُ الْآنِيَةِ أَضْيَقُ مِنْ بَابِ اللِّبَاسِ وَالتَّحَلِّي، وَلِهَذَا يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ لِبَاسًا، وَحِلْيَةً مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ اسْتِعْمَالُهُ آنِيَةً، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْآنِيَةِ تَحْرِيمُ اللِّبَاسِ وَالْحِلْيَةِ.
وَفِي " السُّنَنِ " عَنْهُ: ( «وَأَمَّا الْفِضَّةُ فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا» ) . فَالْمَنْعُ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ يُبَيِّنُهُ، إِمَّا نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، فَإِنْ ثَبَتَ أَحَدُهُمَا، وَإِلَّا فَفِي الْقَلْبِ مِنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ شَيْءٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَمْسَكَ بِيَدِهِ ذَهَبًا، وَبِالْأُخْرَى حَرِيرًا، وَقَالَ: ( «هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ» ) .
стр. 1832
وَالْفِضَّةُ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَطَلْسَمُ الْحَاجَاتِ، وَإِحْسَانُ أَهْلِ الدُّنْيَا بَيْنَهُمْ، وَصَاحِبُهَا مَرْمُوقٌ بِالْعُيُونِ بَيْنَهُمْ، مُعَظَّمٌ فِي النُّفُوسِ، مُصَدَّرٌ فِي الْمَجَالِسِ، لَا تُغْلَقُ دُونَهُ الْأَبْوَابُ، وَلَا تُمَلُّ مُجَالَسَتُهُ، وَلَا مُعَاشَرَتُهُ، وَلَا يُسْتَثْقَلُ مَكَانُهُ، تُشِيرُ الْأَصَابِعُ إِلَيْهِ، وَتَعْقِدُ الْعُيُونُ نِطَاقَهَا عَلَيْهِ، إِنْ قَالَ سُمِعَ قَوْلُهُ، وَإِنْ شَفَعَ قُبِلَتْ شَفَاعَتُهُ، وَإِنْ شَهِدَ، زُكِّيَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ خَطَبَ فَكُفْءٌ لَا يُعَابُ، وَإِنْ كَانَ ذَا شَيْبَةٍ بَيْضَاءَ، فَهِيَ أَجْمَلُ عَلَيْهِ مِنْ حِلْيَةِ الشَّبَابِ.
وَهِيَ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْمُفْرِحَةِ النَّافِعَةِ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْحَزَنِ، وَضَعْفِ الْقَلْبِ وَخَفَقَانِهِ، وَتَدْخُلُ فِي الْمَعَاجِينِ الْكِبَارِ، وَتَجْتَذِبُ بِخَاصِّيَّتِهَا مَا يَتَوَلَّدُ فِي الْقَلْبِ مِنَ الْأَخْلَاطِ الْفَاسِدَةِ، خُصُوصًا إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْعَسَلِ الْمُصَفَّى، وَالزَّعْفَرَانِ.
وَمِزَاجُهَا إِلَى الْيُبُوسَةِ وَالْبُرُودَةِ، وَيَتَوَلَّدُ عَنْهَا مِنَ الْحَرَارَةِ وَالرُّطُوبَةِ مَا يَتَوَلَّدُ، وَالْجِنَانُ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ أَرْبَعٌ: جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَحِلْيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي " الصَّحِيحُ " مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: ( «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» ) .
وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» ) .
فَقِيلَ: عِلَّةُ التَّحْرِيمِ تَضْيِيقُ النُّقُودِ، فَإِنَّهَا إِذَا اتُّخِذَتْ أَوَانِيَ فَاتَتِ الْحِكْمَةُ
стр. 1833
الَّتِي وُضِعَتْ لِأَجْلِهَا مِنْ قِيَامِ مَصَالِحِ بَنِي آدَمَ، وَقِيلَ: الْعِلَّةُ الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ. وَقِيلَ: الْعِلَّةُ كَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إِذَا رَأَوْهَا وَعَايَنُوهَا.
وَهَذِهِ الْعِلَلُ فِيهَا مَا فِيهَا، فَإِنَّ التَّعْلِيلَ بِتَضْيِيقِ النُّقُودِ يَمْنَعُ مِنَ التَّحَلِّي بِهَا وَجَعْلِهَا سَبَائِكَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَيْسَ بِآنِيَةٍ وَلَا نَقْدٍ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ حَرَامٌ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَكَسْرُ قُلُوبِ الْمَسَاكِينِ لَا ضَابِطَ لَهُ، فَإِنَّ قُلُوبَهُمْ تَنْكَسِرُ بِالدُّورِ الْوَاسِعَةِ وَالْحَدَائِقِ الْمُعْجِبَةِ، وَالْمَرَاكِبِ الْفَارِهَةِ، وَالْمَلَابِسِ الْفَاخِرَةِ، وَالْأَطْعِمَةِ اللَّذِيذَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَكُلُّ هَذِهِ عِلَلٌ مُنْتَقِضَةٌ، إِذْ تُوجَدُ الْعِلَّةُ، وَيَتَخَلَّفُ مَعْلُولُهَا.
فَالصَّوَابُ أَنَّ الْعِلَّةَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَا يُكْسِبُ اسْتِعْمَالُهَا الْقَلْبَ مِنَ الْهَيْئَةِ، وَالْحَالَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلْعُبُودِيَّةِ مُنَافَاةً ظَاهِرَةً، وَلِهَذَا عَلَّلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهَا لِلْكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا، إِذْ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ الَّتِي يَنَالُونَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ نَعِيمَهَا، فَلَا يَصْلُحُ اسْتِعْمَالُهَا لِعَبِيدِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يَسْتَعْمِلُهَا مَنْ خَرَجَ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ، وَرَضِيَ بِالدُّنْيَا وَعَاجِلِهَا مِنَ الْآخِرَةِ.
[حَرْفُ الْقَافِ]
[قُرْآنٌ]
حَرْفُ الْقَافِ
قُرْآنٌ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] [الْإِسْرَاءِ: ٨٢] وَالصَّحِيحُ: أَنَّ " مِنْ " هَاهُنَا، لِبَيَانِ الْجِنْسِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] [يُونُسَ: ٥٧] .
فَالْقُرْآنُ هُوَ الشِّفَاءُ التَّامُّ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْوَاءِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ، وَأَدْوَاءِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَا كُلُّ أَحَدٍ يُؤَهَّلُ وَلَا يُوَفَّقُ لِلِاسْتِشْفَاءِ بِهِ، وَإِذَا أَحْسَنَ الْعَلِيلُ التَّدَاوِيَ بِهِ، وَوَضَعَهُ عَلَى دَائِهِ بِصِدْقٍ وَإِيمَانٍ، وَقَبُولٍ تَامٍّ، وَاعْتِقَادٍ جَازِمٍ، وَاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ، لَمْ يُقَاوِمْهُ الدَّاءُ أَبَدًا.
стр. 1834
وَكَيْفَ تُقَاوِمُ الْأَدْوَاءُ كَلَامَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ الَّذِي لَوْ نَزَلَ عَلَى الْجِبَالِ لَصَدَّعَهَا، أَوْ عَلَى الْأَرْضِ لَقَطَّعَهَا، فَمَا مِنْ مَرَضٍ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ إِلَّا وَفِي الْقُرْآنِ سَبِيلُ الدِّلَالَةِ عَلَى دَوَائِهِ وَسَبَبِهِ، وَالْحَمِيَّةِ مِنْهُ لِمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمًا فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الطِّبِّ بَيَانُ إِرْشَادِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِلَى أُصُولِهِ وَمَجَامِعِهِ الَّتِي هِيَ حِفْظُ الصِّحَّةِ وَالْحِمْيَةُ، وَاسْتِفْرَاغُ الْمُؤْذِي، وَالِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَفْرَادِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ.
وَأَمَّا الْأَدْوِيَةُ الْقَلْبِيَّةُ، فَإِنَّهُ يَذْكُرُهَا مُفَصَّلَةً، وَيَذْكُرُ أَسْبَابَ أَدْوَائِهَا وَعِلَاجَهَا. قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] [الْعَنْكَبُوتِ: ٥١] ، فَمَنْ لَمْ يَشْفِهِ الْقُرْآنُ، فَلَا شَفَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكْفِهِ فَلَا كَفَاهُ اللَّهُ.
[قِثَّاءٌ]
ٌ: فِي " السُّنَنِ ": مِنْ حَدِيثِ عبد الله بن جعفر ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «كَانَ يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ» ) ، وَرَوَاهُ الترمذي وَغَيْرُهُ.
الْقِثَّاءُ بَارِدٌ رَطْبٌ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، مُطْفِئٌ لِحَرَارَةِ الْمَعِدَةِ الْمُلْتَهِبَةِ، بَطِيءُ الْفَسَادِ فِيهَا، نَافِعٌ مِنْ وَجَعِ الْمَثَانَةِ، وَرَائِحَتُهُ تَنْفَعُ مِنَ الْغَشْيِ، وَبَزْرُهُ يُدِرُّ الْبَوْلَ، وَوَرَقُهُ إِذَا اتُّخِذَ ضِمَادًا نَفَعَ مِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ، وَهُوَ بَطِيءُ الِانْحِدَارِ عَنِ الْمَعِدَةِ، وَبَرْدُهُ مُضِرٌّ بِبَعْضِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ مَعَهُ مَا يُصْلِحُهُ وَيَكْسِرُ بُرُودَتَهُ وَرُطُوبَتَهُ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَكَلَهُ بِالرُّطَبِ، فَإِذَا أُكِلَ بِتَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ عَسَلٍ عَدَلَهُ.
[قُسْطٌ وَكُسْتٌ]
ٌ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِنْ حَدِيثِ أنس ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ
стр. 1835
الْبَحْرِيُّ» ) .
وَفِي " الْمُسْنَدِ ": مِنْ حَدِيثِ أم قيس، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ( «عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ» ) .
الْقُسْطُ: نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا: الْأَبْيَضُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الْبَحْرِيُّ. وَالْآخَرُ الْهِنْدِيُّ، وَهُوَ أَشَدُّهُمَا حَرًّا، وَالْأَبْيَضُ أَلْيَنُهُمَا، وَمَنَافِعُهُمَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَهُمَا حَارَّانِ يَابِسَانِ فِي الثَّالِثَةِ، يُنَشِّفَانِ الْبَلْغَمَ، قَاطِعَانِ لِلزُّكَامِ، وَإِذَا شُرِبَا نَفَعَا مِنْ ضَعْفِ الْكَبِدِ وَالْمَعِدَةِ وَمِنْ بَرْدِهِمَا، وَمِنْ حُمَّى الدَّوْرِ وَالرِّبْعِ، وَقَطَعَا وَجَعَ الْجَنْبِ، وَنَفَعَا مِنَ السُّمُومِ، وَإِذَا طُلِيَ بِهِ الْوَجْهُ مَعْجُونًا بِالْمَاءِ وَالْعَسَلِ، قَلَعَ الْكَلَفَ، وَقَالَ جالينوس: يَنْفَعُ مِنَ الْكُزَازِ، وَوَجَعِ الْجَنْبَيْنِ، وَيَقْتُلُ حَبَّ الْقَرَعِ.
وَقَدْ خَفِيَ عَلَى جُهَّالِ الْأَطِبَّاءِ نَفْعُهُ مِنْ وَجَعِ ذَاتِ الْجَنْبِ، فَأَنْكَرُوهُ وَلَوْ ظَفِرَ هَذَا الْجَاهِلُ بِهَذَا النَّقْلِ عَنْ جَالِينُوسَ لِنُزُولِهِ مَنْزِلَةَ النَّصِّ، كَيْفَ وَقَدْ نَصَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَطِبَّاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى أَنَّ الْقُسْطَ يَصْلُحُ لِلنَّوْعِ الْبَلْغَمِيِّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ، ذَكَرَهُ الخطابي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ طِبَّ الْأَطِبَّاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى طِبِّ الْأَنْبِيَاءِ أَقَلُّ مِنْ نِسْبَةِ طِبِّ الطُّرُقِيَّةِ وَالْعَجَائِزِ إِلَى طِبِّ الْأَطِبَّاءِ، وَأَنَّ بَيْنَ مَا يُلْقَى بِالْوَحْيِ، وَبَيْنَ مَا يُلْقَى بِالتَّجْرِبَةِ وَالْقِيَاسِ مِنَ الْفَرْقِ أَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ الْقَدَمِ وَالْفَرْقِ.
وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالَ وَجَدُوا دَوَاءً مَنْصُوصًا عَنْ بَعْضِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ مِنَ الْأَطِبَّاءِ، لَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَلَمْ يَتَوَقَّفُوا عَلَى تَجْرِبَتِهِ.
نَعَمْ نَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ لِلْعَادَةِ تَأْثِيرًا فِي الِانْتِفَاعِ بِالدَّوَاءِ وَعَدَمِهِ، فَمَنِ اعْتَادَ
стр. 1836
دَوَاءً وَغِذَاءً، كَانَ أَنْفَعَ لَهُ، وَأَوْفَقَ مِمَّنْ لَمْ يَعْتَدْهُ، بَلْ رُبَّمَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ.
وَكَلَامُ فُضَلَاءِ الْأَطِبَّاءِ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا، فَهُوَ بِحَسَبِ الْأَمْزِجَةِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَالْأَمَاكِنِ وَالْعَوَائِدِ، وَإِذَا كَانَ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي كَلَامِهِمْ وَمَعَارِفِهِمْ، فَكَيْفَ يَقْدَحُ فِي كَلَامِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، وَلَكِنَّ نُفُوسَ الْبَشَرِ مُرَكَّبَةٌ عَلَى الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، إِلَّا مَنْ أَيَّدَهُ اللَّهُ بِرُوحِ الْإِيمَانِ، وَنَوَّرَ بَصِيرَتَهُ بِنُورِ الْهُدَى.
[قَصَبُ السُّكَّرِ]
ِ: جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْحَوْضِ ( «مَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ» ) وَلَا أَعْرِفُ السُّكَّرَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالسُّكَّرُ حَادِثٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ مُتَقَدِّمُو الْأَطِبَّاءِ، وَلَا كَانُوا يَعْرِفُونَهُ، وَلَا يَصِفُونَهُ فِي الْأَشْرِبَةِ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُونَ الْعَسَلَ، وَيُدْخِلُونَهُ فِي الْأَدْوِيَةِ، وَقَصَبُ السُّكَّرِ حَارٌّ رَطْبٌ يَنْفَعُ مِنَ السُّعَالِ، وَيَجْلُو الرُّطُوبَةَ وَالْمَثَانَةَ، وَقَصَبَةَ الرِّئَةِ، وَهُوَ أَشَدُّ تَلْيِينًا مِنَ السُّكَّرِ، وَفِيهِ مَعُونَةٌ عَلَى الْقَيْءِ، وَيُدِرُّ الْبَوْلَ وَيَزِيدُ فِي
стр. 1837
الْبَاهِ.
قَالَ عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ الصَّفَّارُ: مَنْ مَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ بَعْدَ طَعَامِهِ، لَمْ يَزَلْ يَوْمَهُ أَجْمَعَ فِي سُرُورٍ، انْتَهَى.
وَهُوَ يَنْفَعُ مِنْ خُشُونَةِ الصَّدْرِ وَالْحَلْقِ إِذَا شُوِيَ، وَيُوَلِّدُ رِيَاحًا دَفْعُهَا بِأَنْ يُقَشَّرَ، وَيُغْسَلَ بِمَاءٍ حَارٍّ.
وَالسُّكَّرُ حَارٌّ رَطْبٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: بَارِدٌ، وَأَجْوَدُهُ: الْأَبْيَضُ الشَّفَّافُ الطَّبَرْزَدُ، وَعَتِيقُهُ أَلْطَفُ مِنْ جَدِيدِهِ، وَإِذَا طُبِخَ وَنُزِعَتْ رَغْوَتُهُ، سَكَّنَ الْعَطَشَ وَالسُّعَالَ، وَهُوَ يَضُرُّ الْمَعِدَةَ الَّتِي تَتَوَلَّدُ فِيهَا الصَّفْرَاءُ لِاسْتِحَالَتِهِ إِلَيْهَا، وَدَفْعُ ضَرَرِهِ بِمَاءِ اللَّيْمُونِ أَوِ النَّارَنْجِ، أَوِ الرُّمَّانِ اللُّفَّانِ.
وَبَعْضُ النَّاسِ يُفَضِّلُهُ عَلَى الْعَسَلِ لِقِلَّةِ حَرَارَتِهِ وَلِينِهِ، وَهَذَا تَحَامُلٌ مِنْهُ عَلَى الْعَسَلِ، فَإِنَّ مَنَافِعَ الْعَسَلِ أَضْعَافُ مَنَافِعِ السُّكَّرِ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ شِفَاءً وَدَوَاءً، وَإِدَامًا وَحَلَاوَةً، وَأَيْنَ نَفْعُ السُّكَّرِ مِنْ مَنَافِعِ الْعَسَلِ: مِنْ تَقْوِيَةِ الْمَعِدَةِ، وَتَلْيِينِ الطَّبْعِ، وَإِحْدَادِ الْبَصَرِ، وَجَلَاءِ ظُلْمَتِهِ، وَدَفْعِ الْخَوَانِيقِ بِالْغَرْغَرَةِ بِهِ، وَإِبْرَائِهِ مِنَ الْفَالِجِ وَاللَّقْوَةِ، وَمِنْ جَمِيعِ الْعِلَلِ الْبَارِدَةِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ مِنَ الرُّطُوبَاتِ، فَيَجْذِبُهَا مِنْ قَعْرِ الْبَدَنِ وَمِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَحِفْظِ صِحَّتِهِ، وَتَسْمِينِهِ، وَتَسْخِينِهِ، وَالزِّيَادَةِ فِي الْبَاهِ، وَالتَّحْلِيلِ وَالْجِلَاءِ، وَفَتْحِ أَفْوَاهِ الْعُرُوقِ، وَتَنْقِيَةِ الْمِعَى، وَإِحْدَارِ الدُّودِ، وَمَنْعِ التَّخَمِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعَفَنِ، وَالْأُدْمِ النَّافِعِ، وَمُوَافَقَةِ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْبَلْغَمُ وَالْمَشَايِخُ وَأَهْلُ الْأَمْزِجَةِ الْبَارِدَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ: فَلَا شَيْءَ أَنْفَعُ مِنْهُ لِلْبَدَنِ، وَفِي الْعِلَاجِ وَعَجْزِ الْأَدْوِيَةِ، وَحِفْظِ قُوَاهَا، وَتَقْوِيَةِ الْمَعِدَةِ إِلَى أَضْعَافِ هَذِهِ الْمَنَافِعِ، فَأَيْنَ لِلسُّكَّرِ مِثْلُ هَذِهِ الْمَنَافِعِ وَالْخَصَائِصِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهَا.
[حَرْفُ الْكَافِ]
[كِتَابٌ لِلْحُمَّى]
حَرْفُ الْكَافِ
كِتَابٌ لِلْحُمَّى: قَالَ المروزي: بَلَغَ أبا عبد الله أَنِّي حُمِمْتُ، فَكَتَبَ لِي مِنَ
стр. 1838
الْحُمَّى رُقْعَةً فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] ، ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] ، اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، اشْفِ صَاحِبَ هَذَا الْكِتَابِ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ وَجَبَرُوتِكَ، إِلَهَ الْحَقِّ آمِينَ.
قَالَ المروزي: وَقَرَأَ عَلَى أبي عبد الله - وَأَنَا أَسْمَعُ - أبو المنذر عمرو بن مجمع، حَدَّثَنَا يونس بن حبان، قَالَ: سَأَلْتُ أبا جعفر محمد بن علي أَنْ أُعَلِّقَ التَّعْوِيذَ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ كَلَامٍ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ فَعَلِّقْهُ وَاسْتَشْفِ بِهِ مَا اسْتَطَعْتَ. قُلْتُ: أَكْتُبُ هَذِهِ مِنْ حُمَّى الرِّبْعِ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ؟ قَالَ: أَيْ نَعَمْ.
وَذَكَرَ أحمد عَنْ عائشة ﵂، وَغَيْرِهَا أَنَّهُمْ سَهَّلُوا فِي ذَلِكَ.
قَالَ حرب: وَلَمْ يُشَدِّدْ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ أحمد: وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً جِدًّا. وَقَالَ أحمد وَقَدْ سُئِلَ عَنِ التَّمَائِمِ تُعَلَّقُ بَعْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
قَالَ الخلال: وَحَدَّثَنَا عبد الله بن أحمد، قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي يَكْتُبُ التَّعْوِيذَ لِلَّذِي يُفْزَعُ، وَلِلْحُمَّى بَعْدَ وُقُوعِ الْبَلَاءِ.
[كِتَابٌ لِعُسْرِ الْوِلَادَةِ]
ِ: قَالَ الخلال: حَدَّثَنِي عبد الله بن أحمد: قَالَ رَأَيْتُ أَبِي يَكْتُبُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا عَسُرَ عَلَيْهَا وِلَادَتُهَا فِي جَامٍ أَبْيَضَ، أَوْ شَيْءٍ نَظِيفٍ، يَكْتُبُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] [الْأَحْقَافِ: ٣٥] ، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] [النَّازِعَاتِ: ٤٦] .
قَالَ الخلال: أَنْبَأَنَا أبو بكر المروزي، أَنَّ أبا عبد الله جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أبا عبد الله! تَكْتُبُ لِامْرَأَةٍ قَدْ عَسُرَ عَلَيْهَا وَلَدُهَا مُنْذُ يَوْمَيْنِ؟ فَقَالَ: قُلْ لَهُ: يَجِيءُ بِجَامٍ
стр. 1839
وَاسِعٍ، وَزَعْفَرَانٍ، وَرَأَيْتُهُ يَكْتُبُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ، وَيَذْكُرُ عَنْ عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( «مَرَّ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَقَرَةٍ قَدِ اعْتَرَضَ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَتْ: يَا كَلِمَةَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، فَقَالَ: يَا خَالِقَ النَّفْسِ مِنَ النَّفْسِ، وَيَا مُخَلِّصَ النَّفْسِ مِنَ النَّفْسِ، وَيَا مُخْرِجَ النَّفْسِ مِنَ النَّفْسِ، خَلِّصْهَا. قَالَ: فَرَمَتْ بِوَلَدِهَا، فَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تَشُمُّهُ» ) . قَالَ: فَإِذَا عَسُرَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَدُهَا، فَاكْتُبْهُ لَهَا. وَكُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الرُّقَى، فَإِنَّ كِتَابَتَهُ نَافِعَةٌ.
وَرَخَّصَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ فِي كِتَابَةِ بَعْضِ الْقُرْآنِ وَشُرْبِهِ، وَجَعْلِ ذَلِكَ مِنَ الشِّفَاءِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ.
كِتَابٌ آخَرُ لِذَلِكَ: يُكْتَبُ فِي إِنَاءٍ نَظِيفٍ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ - وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ - وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ - وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ١ - ٤] [الِانْشِقَاقِ: ١-٤] وَتَشْرَبُ مِنْهُ الْحَامِلُ، وَيُرَشُّ عَلَى بَطْنِهَا.
[كِتَابٌ لِلرُّعَافِ]
ِ: كَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ يَكْتُبُ عَلَى جَبْهَتِهِ: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤] [هُودٍ: ٤٤] . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَتَبْتُهَا لِغَيْرِ وَاحِدٍ فَبَرَأَ، فَقَالَ: وَلَا يَجُوزُ كِتَابَتُهَا بِدَمِ الرَّاعِفِ، كَمَا يَفْعَلُهُ الْجُهَّالُ، فَإِنَّ الدَّمَ نَجِسٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكْتَبَ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى.
كِتَابٌ آخَرُ لَهُ: خَرَجَ مُوسَى ﵇ بِرِدَاءٍ، فَوَجَدَ شُعَيْبًا، فَشَدَّهُ بِرِدَائِهِ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] [الرَّعْدِ: ٣٩] .
كِتَابٌ آخَرُ لِلْحَزَّازِ: يُكْتَبُ عَلَيْهِ: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] [الْبَقَرَةِ: ٢٦٦] بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ.
كِتَابٌ آخَرُ لَهُ: عِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ يُكْتَبُ عَلَيْهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨] [الْحَدِيدِ: ٢٨] .
стр. 1840
كِتَابٌ آخَرُ لِلْحُمَّى الْمُثَلَّثَةِ: يُكْتَبُ عَلَى ثَلَاثِ وَرَقَاتٍ لِطَافٍ: بِسْمِ اللَّهِ فَرَّتْ، بِسْمِ اللَّهِ مَرَّتْ، بِسْمِ اللَّهِ قَلَّتْ، وَيَأْخُذُ كُلَّ يَوْمٍ وَرَقَةً، وَيَجْعَلُهَا فِي فَمِهِ وَيَبْتَلِعُهَا بِمَاءٍ.
كِتَابٌ آخَرُ لِعِرْقِ النَّسَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَلِيكَ كُلِّ شَيْءٍ، وَخَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ خَلَقْتَنِي، وَأَنْتَ خَلَقْتَ النَّسَا فَلَا تُسَلِّطْهُ عَلَيَّ بِأَذًى، وَلَا تُسَلِّطْنِي عَلَيْهِ بِقَطْعٍ، وَاشْفِنِي شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا، لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ.
[كِتَابٌ لِلْعِرْقِ الضَّارِبِ]
ِ: رَوَى الترمذي فِي " جَامِعِهِ ": مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْحُمَّى، وَمِنَ الْأَوْجَاعِ كُلِّهَا أَنْ يَقُولُوا: ( «بِسْمِ اللَّهِ الْكَبِيرِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَعَّارٍ، وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ» ) .
[كِتَابٌ لِوَجَعِ الضِّرْسِ]
ِ: يُكْتَبُ عَلَى الْخَدِّ الَّذِي يَلِي الْوَجَعَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] [النَّحْلِ: ٧٨] ، وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣] [الْأَنْعَامِ: ١٣] .
[كِتَابٌ لِلْخُرَاجِ]
ِ: يُكْتَبُ عَلَيْهِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥] [طه: ١٠٥] .
[كَمْأَةٌ]
ٌ: ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: ( «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ) أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ".
стр. 1841
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْكَمْأَةُ: جَمْعٌ، وَاحِدُهُ كَمْءٌ وَهَذَا خِلَافُ قِيَاسِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ التَّاءُ، فَالْوَاحِدُ مِنْهُ التَّاءُ، وَإِذَا حُذِفَتْ كَانَ لِلْجَمْعِ. وَهَلْ هُوَ جَمْعٌ، أَوِ اسْمُ جَمْعٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ: قَالُوا: وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذَا إِلَّا حَرْفَانِ: كَمْأَةٌ وَكَمْءٌ، وَجَبْأَةٌ وَجَبْءٌ، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: بَلْ هِيَ عَلَى الْقِيَاسِ: الْكَمْأَةُ لِلْوَاحِدِ، وَالْكَمْءُ لِلْكَثِيرِ، وَقَالَ غَيْرُهُمَا: الْكَمْأَةُ تَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُمْ قَدْ جَمَعُوا كَمْئًا عَلَى أَكْمُؤٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أَكْمُؤًا وَعَسَاقِلًا ... وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الْأَوْبَرِ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ " كَمْئًا " مُفْرَدٌ " وَكَمْأَةً " جَمْعٌ.
وَالْكَمْأَةُ تَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُزْرَعَ، وَسُمِّيَتْ كَمْأَةً لِاسْتِتَارِهَا، وَمِنْهُ كَمَأَ الشَّهَادَةَ، إِذَا سَتَرَهَا وَأَخْفَاهَا، وَالْكَمْأَةُ مَخْفِيَّةٌ تَحْتَ الْأَرْضِ لَا وَرَقَ لَهَا وَلَا سَاقَ، وَمَادَّتُهَا مِنْ جَوْهَرٍ أَرْضِيٍّ بُخَارِيٍّ مُحْتَقِنٍ فِي الْأَرْضِ نَحْوَ سَطْحِهَا يَحْتَقِنُ بِبَرْدِ الشِّتَاءِ، وَتُنَمِّيهِ أَمْطَارُ الرِّبِيعِ، فَيَتَوَلَّدُ وَيَنْدَفِعُ نَحْوَ سَطْحِ الْأَرْضِ مُتَجَسِّدًا، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهَا: جُدَرِيُّ الْأَرْضِ، تَشْبِيهًا بِالْجُدَرِيِّ فِي صُورَتِهِ وَمَادَّتِهِ، لِأَنَّ مَادَّتَهُ رُطُوبَةٌ دَمَوِيَّةٌ، فَتَنْدَفِعُ عِنْدَ سِنِّ التَّرَعْرُعِ فِي الْغَالِبِ، وَفِي ابْتِدَاءِ اسْتِيلَاءِ الْحَرَارَةِ، وَنَمَاءِ الْقُوَّةِ.
وَهِيَ مِمَّا يُوجَدُ فِي الرَّبِيعِ، وَيُؤْكَلُ نِيئًا وَمَطْبُوخًا، وَتُسَمِّيهَا الْعَرَبُ: نَبَاتَ
стр. 1842
الرَّعْدِ لِأَنَّهَا تَكْثُرُ بِكَثْرَتِهِ، وَتَنْفَطِرُ عَنْهَا الْأَرْضُ، وَهِيَ مِنْ أَطْعِمَةِ أَهْلِ الْبَوَادِي، وَتَكْثُرُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، وَأَجْوَدُهَا مَا كَانَتْ أَرْضُهَا رَمْلِيَّةً قَلِيلَةَ الْمَاءِ.
وَهِيَ أَصْنَافٌ: مِنْهَا صِنْفٌ قَتَّالٌ يَضْرِبُ لَوْنُهُ إِلَى الْحُمْرَةِ يُحْدِثُ الِاخْتِنَاقَ.
وَهِيَ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، رَدِيئَةٌ لِلْمَعِدَةِ، بَطِيئَةُ الْهَضْمِ، وَإِذَا أُدْمِنَتْ أَوْرَثَتِ الْقُولَنْجَ وَالسَّكْتَةَ وَالْفَالِجَ، وَوَجَعَ الْمَعِدَةِ، وَعُسْرَ الْبَوْلِ، وَالرَّطْبَةُ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنَ الْيَابِسَةِ، وَمَنْ أَكَلَهَا فَلْيَدْفِنْهَا فِي الطِّينِ الرَّطْبِ، وَيَسْلُقْهَا بِالْمَاءِ وَالْمِلْحِ وَالصَّعْتَرِ، وَيَأْكُلْهَا بِالزَّيْتِ وَالتَّوَابِلِ الْحَارَّةِ، لِأَنَّ جَوْهَرَهَا أَرْضِيٌّ غَلِيظٌ، وَغِذَاؤُهَا رَدِيءٌ لَكِنْ فِيهَا جَوْهَرٌ مَائِيٌّ لَطِيفٌ يَدُلُّ عَلَى خِفَّتِهَا، وَالِاكْتِحَالُ بِهَا نَافِعٌ مِنْ ظُلْمَةِ الْبَصَرِ وَالرَّمَدِ الْحَارِّ، وَقَدِ اعْتَرَفَ فُضَلَاءُ الْأَطِبَّاءِ بِأَنَّ مَاءَهَا يَجْلُو الْعَيْنَ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ الْمَسِيحِيُّ وَصَاحِبُ الْقَانُونِ وَغَيْرُهُمَا.
وَقَوْلُهُ ﷺ ( «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ» ) فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْحُلْوَ فَقَطْ، بَلْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَا مِنَ النَّبَاتِ الَّذِي يُوجَدُ عَفْوًا مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ وَلَا عِلَاجٍ وَلَا حَرْثٍ، فَإِنَّ الْمَنَّ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، أَيْ " مَمْنُونٌ " بِهِ فَكُلُّ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ الْعَبْدَ عَفْوًا بِغَيْرِ كَسْبٍ مِنْهُ وَلَا عِلَاجٍ، فَهُوَ مَنٌّ مَحْضٌ، وَإِنْ كَانَتْ سَائِرُ نِعَمِهِ مَنًّا مِنْهُ عَلَى عَبْدِهِ فَخَصَّ مِنْهَا مَا لَا كَسْبَ لَهُ فِيهِ وَلَا صُنْعَ بِاسْمِ الْمَنِّ، فَإِنَّهُ مَنٌّ بِلَا وَاسِطَةِ الْعَبْدِ، وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ قُوَّتَهُمْ بِالتِّيهِ الْكَمْأَةَ، وَهِيَ تَقُومُ مَقَامَ الْخُبْزِ، وَجَعَلَ أُدْمَهُمُ السَّلْوَى، وَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ اللَّحْمِ، وَجَعَلَ حَلْوَاهُمُ الطَّلَّ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى الْأَشْجَارِ يَقُومُ لَهُمْ مَقَامَ الْحَلْوَى فَكَمُلَ عَيْشُهُمْ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ : ( «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ» ) فَجَعَلَهَا مِنْ جُمْلَتِهِ وَفَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهِ، وَالتَّرَنْجَبِينُ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى الْأَشْجَارِ نَوْعٌ مِنَ
стр. 1843
الْمَنِّ، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ الْمَنِّ عَلَيْهِ عُرْفًا حَادِثًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ شَبَّهَ الْكَمْأَةَ بِالْمَنِّ الْمُنَزَّلِ مِنَ السَّمَاءِ، لِأَنَّهُ يُجْمَعُ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَلَا كُلْفَةٍ وَلَا زَرْعِ بِزْرٍ وَلَا سَقْيٍ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَإِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَ الْكَمْأَةِ فَمَا بَالُ هَذَا الضَّرَرِ فِيهَا، وَمِنْ أَيْنَ أَتَاهَا ذَلِكَ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ صَنَعَهُ، وَأَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَهُوَ عِنْدَ مَبْدَأِ خَلْقِهِ بَرِيءٌ مِنَ الْآفَاتِ وَالْعِلَلِ، تَامُّ الْمَنْفَعَةِ لِمَا هُيِّئَ وَخُلِقَ لَهُ، وَإِنَّمَا تَعْرِضُ لَهُ الْآفَاتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأُمُورٍ أُخَرَ مِنْ مُجَاوَرَةٍ أَوِ امْتِزَاجٍ وَاخْتِلَاطٍ، أَوْ أَسْبَابٍ أُخَرَ تَقْتَضِي فَسَادَهُ، فَلَوْ تُرِكَ عَلَى خِلْقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقِ أَسْبَابِ الْفَسَادِ بِهِ لَمْ يَفْسُدْ.
وَمَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَحْوَالِ الْعَالَمِ وَمَبْدَئِهِ يَعْرِفُ أَنَّ جَمِيعَ الْفَسَادِ فِي جَوِّهِ وَنَبَاتِهِ وَحَيَوَانِهِ، وَأَحْوَالِ أَهْلِهِ حَادِثٌ بَعْدَ خَلْقِهِ بِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْ حُدُوثَهُ، وَلَمْ تَزَلْ أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ وَمُخَالَفَتُهُمْ لِلرُّسُلِ تُحْدِثُ لَهُمْ مِنَ الْفَسَادِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ مَا يَجْلِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْآلَامِ وَالْأَمْرَاضِ، وَالْأَسْقَامِ، وَالطَّوَاعِينِ، وَالْقُحُوطِ وَالْجُدُوبِ، وَسَلْبِ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ وَثِمَارِهَا وَنَبَاتِهَا وَسَلْبِ مَنَافِعِهَا أَوْ نُقْصَانِهَا أُمُورًا مُتَتَابِعَةً يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا، فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ عِلْمُكَ لِهَذَا فَاكْتَفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] [الرُّومِ: ٤١] وَنَزِّلْ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى أَحْوَالِ الْعَالَمِ وَطَابِقْ بَيْنَ الْوَاقِعِ وَبَيْنَهَا، وَأَنْتَ تَرَى كَيْفَ تَحْدُثُ الْآفَاتُ وَالْعِلَلُ كُلَّ وَقْتٍ فِي الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ وَالْحَيَوَانِ، وَكَيْفَ يَحْدُثُ مِنْ تِلْكَ الْآفَاتِ آفَاتٌ أُخَرُ مُتَلَازِمَةٌ، بَعْضُهَا آخِذٌ بِرِقَابِ بَعْضٍ، وَكُلَّمَا أَحْدَثَ النَّاسُ ظُلْمًا وَفُجُورًا، أَحْدَثَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ﵎ مِنَ الْآفَاتِ وَالْعِلَلِ فِي أَغْذِيَتِهِمْ وَفَوَاكِهِهِمْ، وَأَهْوِيَتِهِمْ وَمِيَاهِهِمْ، وَأَبْدَانِهِمْ وَخَلْقِهِمْ، وَصُوَرِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ مِنَ النَّقْصِ وَالْآفَاتِ مَا هُوَ مُوجَبُ أَعْمَالِهِمْ وَظُلْمِهِمْ وَفُجُورِهِمْ.
стр. 1844
وَلَقَدْ كَانَتِ الْحُبُوبُ مِنَ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا أَكْبَرَ مِمَّا هِيَ الْيَوْمَ، كَمَا كَانَتِ الْبَرَكَةُ فِيهَا أَعْظَمَ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّهُ وَجَدَ فِي خَزَائِنِ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ صُرَّةً فِيهَا حِنْطَةٌ أَمْثَالُ نَوَى التَّمْرِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا: هَذَا كَانَ يَنْبُتُ أَيَّامَ الْعَدْلِ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ، ذَكَرَهَا فِي " مُسْنَدِهِ " عَلَى أَثَرِ حَدِيثٍ رَوَاهُ.
وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ وَالْآفَاتِ الْعَامَّةِ بَقِيَّةُ عَذَابٍ عُذِّبَتْ بِهِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ، ثُمَّ بَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ مُرْصَدَةٌ لِمَنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، حَكَمًا قِسْطًا، وَقَضَاءً عَدْلًا، وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ فِي الطَّاعُونِ: ( «إِنَّهُ بَقِيَّةُ رِجْزٍ أَوْ عَذَابٍ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ» ) .
وَكَذَلِكَ سَلَّطَ اللَّهُ الرِّيحَ عَلَى قَوْمٍ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَبْقَى فِي الْعَالَمِ مِنْهَا بَقِيَّةً فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَفِي نَظِيرِهَا عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْمَالَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ مُقْتَضِيَاتٍ لِآثَارِهَا فِي هَذَا الْعَالَمِ اقْتِضَاءً لَا بُدَّ مِنْهُ، فَجَعَلَ مَنْعَ الْإِحْسَانِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ سَبَبًا لِمَنْعِ الْغَيْثِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالْقَحْطِ وَالْجَدْبِ، وَجَعَلَ ظُلْمَ الْمَسَاكِينِ، وَالْبَخْسَ فِي الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ، وَتَعَدِّي الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ سَبَبًا لِجَوْرِ الْمُلُوكِ وَالْوُلَاةِ الَّذِينَ لَا
стр. 1845
يَرْحَمُونَ إِنِ اسْتُرْحِمُوا، وَلَا يَعْطِفُونَ إِنِ اسْتُعْطِفُوا، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ أَعْمَالُ الرَّعَايَا ظَهَرَتْ فِي صُوَرِ وُلَاتِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ يُظْهِرُ لِلنَّاسِ أَعْمَالَهُمْ فِي قَوَالِبَ وَصُوَرٍ تُنَاسِبُهَا، فَتَارَةً بِقَحْطٍ وَجَدْبٍ، وَتَارَةً بِعَدُوٍّ، وَتَارَةً بِوُلَاةٍ جَائِرِينَ، وَتَارَةً بِأَمْرَاضٍ عَامَّةٍ، وَتَارَةً بِهُمُومٍ وَآلَامٍ وَغُمُومٍ تُحْضِرُهَا نُفُوسُهُمْ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا، وَتَارَةً بِمَنْعِ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَنْهُمْ، وَتَارَةً بِتَسْلِيطِ الشَّيَاطِينِ عَلَيْهِمْ تَؤُزُّهُمْ إِلَى أَسْبَابِ الْعَذَابِ أَزًّا لِتَحِقَّ عَلَيْهِمُ الْكَلِمَةُ، وَلِيَصِيرَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ، وَالْعَاقِلُ يُسَيِّرُ بَصِيرَتَهُ بَيْنَ أَقْطَارِ الْعَالَمِ فَيُشَاهِدُهُ، وَيَنْظُرُ مَوَاقِعَ عَدْلِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّ الرُّسُلَ وَأَتْبَاعَهُمْ خَاصَّةً عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَسَائِرُ الْخَلْقِ عَلَى سَبِيلِ الْهَلَاكِ سَائِرُونَ، وَإِلَى دَارِ الْبَوَارِ صَائِرُونَ، وَاللُّهُ بَالِغٌ أَمْرَهُ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَا رَادَّ لِأَمْرِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْكَمْأَةِ: ( «وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مَاءَهَا يُخْلَطُ فِي الْأَدْوِيَةِ الَّتِي يُعَالَجُ بِهَا الْعَيْنُ، لَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ وَحْدَهُ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بَحْتًا بَعْدَ شَيِّهَا، وَاسْتِقْطَارِ مَائِهَا، لِأَنَّ النَّارَ تُلَطِّفُهُ وَتُنْضِجُهُ، وَتُذِيبُ فَضَلَاتِهِ وَرُطُوبَتَهُ الْمُؤْذِيَةَ، وَتُبْقِي الْمَنَافِعَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِمَائِهَا الْمَاءُ الَّذِي يَحْدُثُ بِهِ مِنَ الْمَطَرِ، وَهُوَ أَوَّلُ قَطْرٍ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ، فَتَكُونُ الْإِضَافَةُ إِضَافَةَ اقْتِرَانٍ لَا إِضَافَةَ جُزْءٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَهُوَ أَبْعَدُ الْوُجُوهِ وَأَضْعَفُهَا.
وَقِيلَ: إِنِ اسْتُعْمِلَ مَاؤُهَا لِتَبْرِيدِ مَا فِي الْعَيْنِ، فَمَاؤُهَا مُجَرَّدًا شِفَاءٌ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمُرَكَّبٌ مَعَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الغافقي: مَاءُ الْكَمْأَةِ أَصْلَحُ الْأَدْوِيَةِ لِلْعَيْنِ إِذَا عُجِنَ بِهِ الْإِثْمِدُ وَاكْتُحِلَ بِهِ، وَيُقَوِّي أَجْفَانَهَا، وَيَزِيدُ الرُّوحَ الْبَاصِرَةَ قُوَّةً وَحِدَّةً، وَيَدْفَعُ عَنْهَا نُزُولَ النَّوَازِلِ.
стр. 1846
[كَبَاثٌ]
ٌ: فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: ( «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَجْنِي الْكَبَاثَ، فَقَالَ: " عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ» ) .
الْكَبَاثُ، بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ - ثَمَرُ الْأَرَاكِ، وَهُوَ بِأَرْضِ الْحِجَازِ وَطَبْعُهُ حَارٌّ يَابِسٌ، وَمَنَافِعُهُ كَمَنَافِعِ الْأَرَاكِ يُقَوِّي الْمَعِدَةَ، وَيُجِيدُ الْهَضْمَ، وَيَجْلُو الْبَلْغَمَ، وَيَنْفَعُ مِنْ أَوْجَاعِ الظَّهْرِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْأَدْوَاءِ. قَالَ ابن جلجل: إِذَا شُرِبَ طَحِينُهُ أَدَرَّ الْبَوْلَ، وَنَقَّى الْمَثَانَةَ، وَقَالَ ابن رضوان: يُقَوِّي الْمَعِدَةَ، وَيُمْسِكُ الطَّبِيعَةَ.
[كَتَمٌ]
ٌ: رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ": عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَى أم سلمة ﵂، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعْرًا مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا هُوَ مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ» .
وَفِي " السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ": عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ» ) .
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ أنس ﵁، أَنَّ أبا بكر ﵁ اخْتَضَبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ.
стр. 1847
وَفِي " سُنَنِ أبي داود ": عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: ( «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ مَا أَحْسَنَ هَذَا؟ فَمَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، فَقَالَ: " هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا " فَمَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالصُّفْرَةِ، فَقَالَ: " هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ» ) .
قَالَ الغافقي: الْكَتَمُ نَبْتٌ يَنْبُتُ بِالسُّهُولِ، وَرَقُهُ قَرِيبٌ مِنْ وَرَقِ الزَّيْتُونِ، يَعْلُو فَوْقَ الْقَامَةِ، وَلَهُ ثَمَرٌ قَدْرَ حَبِّ الْفُلْفُلِ، فِي دَاخِلِهِ نَوًى، إِذَا رُضِخَ اسْوَدَّ، وَإِذَا اسْتُخْرِجَتْ عُصَارَةُ وَرَقِهِ، وَشُرِبَ مِنْهَا قَدْرُ أُوقِيَّةٍ، قَيَّأَ قَيْئًا شَدِيدًا، وَيَنْفَعُ عَنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ، وَأَصْلُهُ إِذَا طُبِخَ بِالْمَاءِ كَانَ مِنْهُ مِدَادٌ يُكْتَبُ بِهِ.
وَقَالَ الكندي: بَزْرُ الْكَتَمِ إِذَا اكْتُحِلَ بِهِ، حَلَّلَ الْمَاءَ النَّازِلَ فِي الْعَيْنِ وَأَبْرَأَهَا.
وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْكَتَمَ هُوَ الْوَسْمَةُ، وَهِيَ وَرَقُ النِّيلِ، وَهَذَا وَهْمٌ، فَإِنَّ الْوَسْمَةَ غَيْرُ الْكَتَمِ. قَالَ صَاحِبُ " الصِّحَاحِ ": الْكَتَمُ بِالتَّحْرِيكِ: نَبْتٌ يُخْلَطُ بِالْوَسْمَةِ يُخْتَضَبُ بِهِ، قِيلَ: وَالْوَسْمَةُ نَبَاتٌ لَهُ وَرَقٌ طَوِيلٌ يَضْرِبُ لَوْنُهُ إِلَى الزُّرْقَةِ أَكْبَرُ مِنْ وَرَقِ الْخِلَافِ، يُشْبِهُ وَرَقَ اللُّوبِيَا، وَأَكْبَرُ مِنْهُ، يُؤْتَى بِهِ مِنَ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " عَنْ أنس ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ يَخْتَضِبِ النَّبِيُّ ﷺ » .
قِيلَ: قَدْ أَجَابَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا، وَقَالَ: قَدْ شَهِدَ بِهِ غَيْرُ أنس ﵁ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ خَضَبَ، وَلَيْسَ مَنْ شَهِدَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ،
стр. 1848
فأحمد أَثْبَتَ خِضَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، ومالك أَنْكَرَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مسلم " النَّهْيُ عَنِ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ فِي شَأْنِ أبي قحافة لَمَّا أُتِيَ بِهِ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ: ( «غَيِّرُوا هَذَا الشَّيْبَ وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» ) .
وَالْكَتَمُ يُسَوِّدُ الشَّعْرَ.
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّسْوِيدِ الْبَحْتِ، فَأَمَّا إِذَا أُضِيفَ إِلَى الْحِنَّاءِ شَيْءٌ آخَرُ، كَالْكَتَمِ وَنَحْوِهِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنَّ الْكَتَمَ وَالْحِنَّاءَ يَجْعَلُ الشَّعْرَ بَيْنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ بِخِلَافِ الْوَسْمَةِ، فَإِنَّهَا تَجْعَلُهُ أَسْوَدَ فَاحِمًا، وَهَذَا أَصَحُّ الْجَوَابَيْنِ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ الْخِضَابَ بِالسَّوَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ خِضَابُ التَّدْلِيسِ، كَخِضَابِ شَعْرِ الْجَارِيَةِ، وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ تَغُرُّ الزَّوْجَ، وَالسَّيِّدَ بِذَلِكَ، وَخِضَابِ الشَّيْخِ يَغُرُّ الْمَرْأَةَ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِنَ الْغِشِّ وَالْخِدَاعِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ تَدْلِيسًا وَلَا خِدَاعًا، فَقَدْ صَحَّ عَنِ الحسن والحسين ﵄ أَنَّهُمَا كَانَا يَخْضِبَانِ بِالسَّوَادِ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُمَا فِي كِتَابِ " تَهْذِيبِ الْآثَارِ " وَذَكَرَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ: مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَمُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، وَالزُّهْرِيُّ، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، ويزيد، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وأبي يوسف، وأبي إسحاق، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَزِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، وغيلان بن جامع
стр. 1849
وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعمرو بن علي المقدمي، وَالْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ.
[كَرْمٌ]
ٌ: شَجَرَةُ الْعِنَبِ، وَهِيَ الْحَبَلَةُ، وَيُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا كَرْمًا، لِمَا رَوَى مسلم فِي " صَحِيحِهِ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ. الْكَرْمُ: الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ: ( «إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ» ) وَفِي أُخْرَى: ( «لَا تَقُولُوا: الْكَرْمُ وَقُولُوا: الْعِنَبُ وَالْحَبَلَةُ» ) .
وَفِي هَذَا مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُسَمِّي شَجَرَةَ الْعِنَبِ الْكَرْمَ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهَا وَخَيْرِهَا، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ تَسْمِيَتَهَا بِاسْمٍ يُهَيِّجُ النُّفُوسَ عَلَى مَحَبَّتِهَا وَمَحَبَّةِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا مِنَ الْمُسْكِرِ، وَهُوَ أُمُّ الْخَبَائِثِ، فَكَرِهَ أَنْ يُسَمَّى أَصْلُهُ بِأَحْسَنِ الْأَسْمَاءِ وَأَجْمَعِهَا لِلْخَيْرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ: ( «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ» ) . ( «وَلَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ» ) . أَيْ: أَنَّكُمْ تُسَمُّونَ شَجَرَةَ الْعِنَبِ كَرْمًا لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهِ، وَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ أَوِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ أَوْلَى بِهَذَا الِاسْمِ مِنْهُ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ خَيْرٌ كُلُّهُ
стр. 1850
وَنَفْعٌ، فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ وَالتَّعْرِيفِ لِمَا فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْخَيْرِ، وَالْجُودِ، وَالْإِيمَانِ، وَالنُّورِ، وَالْهُدَى، وَالتَّقْوَى، وَالصِّفَاتِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا هَذَا الِاسْمَ أَكْثَرَ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْحَبَلَةِ لَهُ.
وَبَعْدُ: فَقُوَّةُ الْحَبَلَةِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ، وَوَرَقُهَا وَعَلَائِقُهَا وَعُرْمُوشُهَا مُبَرِّدٌ فِي آخِرِ الدَّرَجَةِ الْأُولَى، وَإِذَا دُقَّتْ وَضُمِّدَ بِهَا مِنَ الصُّدَاعِ سَكَّنَتْهُ، وَمِنَ الْأَوْرَامِ الْحَارَّةِ وَالْتِهَابِ الْمَعِدَةِ. وَعُصَارَةُ قُضْبَانِهِ إِذَا شُرِبَتْ سَكَّنَتِ الْقَيْءَ، وَعَقَلَتِ الْبَطْنَ، وَكَذَلِكَ إِذَا مُضِغَتْ قُلُوبُهَا الرَّطْبَةُ. وَعُصَارَةُ وَرَقِهَا تَنْفَعُ مِنْ قُرُوحِ الْأَمْعَاءِ، وَنَفْثِ الدَّمِ وَقَيْئِهِ، وَوَجَعِ الْمَعِدَةِ، وَدَمْعُ شَجَرِهِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَى الْقَضْبَانِ، كَالصَّمْغِ إِذَا شُرِبَ أَخْرَجَ الْحَصَاةَ، وَإِذَا لُطِّخَ بِهِ أَبْرَأَ الْقُوَبَ وَالْجَرَبَ الْمُتَقَرَّحَ وَغَيْرَهُ، وَيَنْبَغِي غَسْلُ الْعُضْوِ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا بِالْمَاءِ وَالنَّطْرُونِ، وَإِذَا تُمُسِّحَ بِهَا مَعَ الزَّيْتِ حَلَقَ الشَّعْرَ وَرَمَادُ قُضْبَانِهِ إِذَا تُضُمِّدَ بِهِ مَعَ الْخَلِّ وَدُهْنِ الْوَرْدِ وَالسَّذَابِ، نَفَعَ مِنَ الْوَرَمِ الْعَارِضِ فِي الطِّحَالِ، وَقُوَّةُ دُهْنِ زَهْرَةِ الْكَرْمِ قَابِضَةٌ شَبِيهَةٌ بِقُوَّةِ دُهْنِ الْوَرْدِ، وَمَنَافِعُهَا كَثِيرَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ مَنَافِعَ النَّخْلَةِ.
[كَرَفْسٌ]
ٌ: رُوِيَ فِي حَدِيثٍ لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنْ أَكَلَهُ ثُمَّ نَامَ عَلَيْهِ نَامَ وَنَكْهَتُهُ طَيِّبَةٌ وَيَنَامُ آمِنًا مِنْ وَجَعِ الْأَضْرَاسِ وَالْأَسْنَانِ» ) وَهَذَا بَاطِلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنَّ الْبُسْتَانِيَّ مِنْهُ يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ جِدًّا، وَإِذَا عُلِّقَ أَصْلُهُ فِي الرَّقَبَةِ نَفَعَ مِنْ وَجَعِ الْأَسْنَانِ.
وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ، وَقِيلَ: رَطْبٌ مُفَتِّحٌ لِسُدَادِ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ، وَوَرَقُهُ رَطْبًا يَنْفَعُ الْمَعِدَةَ وَالْكَبِدَ الْبَارِدَةَ وَيُدِرُّ الْبَوْلَ وَالطَّمْثَ، وَيُفَتِّتُ الْحَصَاةَ وَحَبُّهُ أَقْوَى فِي ذَلِكَ، وَيُهَيِّجُ الْبَاهَ، وَيَنْفَعُ مِنَ الْبَخَرِ. قَالَ الرازي: وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ أَكْلُهُ إِذَا خِيفَ مِنْ لَدْغِ الْعَقَارِبِ.
[كُرَّاثٌ]
ٌ: فِيهِ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بَلْ هُوَ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ
стр. 1851
: ( «مَنْ أَكَلَ الْكُرَّاثَ ثُمَّ نَامَ عَلَيْهِ نَامَ آمِنًا مِنْ رِيحِ الْبَوَاسِيرِ وَاعْتَزَلَهُ الْمَلَكُ لِنَتَنِ نَكْهَتِهِ حَتَّى يُصْبِحَ» ) .
وَهُوَ نَوْعَانِ: نَبَطِيٌّ وَشَامِيٌّ، فَالنَّبَطِيُّ: الْبَقْلُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الْمَائِدَةِ. وَالشَّامِيُّ: الَّذِي لَهُ رُءُوسٌ، وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ مُصَدِّعٌ، وَإِذَا طُبِخَ وَأُكِلَ، أَوْ شُرِبَ مَاؤُهُ، نَفَعَ مِنَ الْبَوَاسِيرِ الْبَارِدَةِ. وَإِنْ سُحِقَ بِزْرُهُ، وَعُجِنَ بِقَطِرَانٍ، وَبُخِّرَتْ بِهِ الْأَضْرَاسُ الَّتِي فِيهَا الدُّودُ نَثَرَهَا وَأَخْرَجَهَا، وَيُسَكِّنُ الْوَجَعَ الْعَارِضَ فِيهَا، وَإِذَا دُخِّنَتِ الْمَقْعَدَةُ بِبِزْرِهِ خَفَّتِ الْبَوَاسِيرُ، هَذَا كُلُّهُ فِي الْكُرَّاثِ النَّبَطِيِّ.
وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ فَسَادُ الْأَسْنَانِ وَاللَّثَةِ، وَيُصَدِّعُ، وَيُرِي أَحْلَامًا رَدِيئَةً، وَيُظْلِمُ الْبَصَرَ، وَيُنْتِنُ النَّكْهَةَ، وَفِيهِ إِدْرَارٌ لِلْبَوْلِ وَالطَّمْثِ، وَتَحْرِيكٌ لِلْبَاهِ، وَهُوَ بَطِيءُ الْهَضْمِ.
[حَرْفُ اللَّامِ]
[لَحْمٌ]
حَرْفُ اللَّامِ
لَحْمٌ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢] [الطُّورِ: ٢٢] . وَقَالَ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] [الْوَاقِعَةِ: ٢١] .
وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ( «سَيِّدُ طَعَامِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَأَهْلِ الْجَنَّةِ اللَّحْمُ» ) . وَمِنْ حَدِيثِ بريدة يَرْفَعُهُ: ( «خَيْرُ الْإِدَامِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ» ) .
وَفِي " الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ : ( «فَضْلُ عائشة عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ
стр. 1852
الطَّعَامِ» ) . وَالثَّرِيدُ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ ... فَذَاكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَكْلُ اللَّحْمِ يَزِيدُ سَبْعِينَ قُوَّةً. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: اللَّحْمُ يَزِيدُ فِي الْبَصَرِ، وَيُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: (" كُلُوا اللَّحْمَ " فَإِنَّهُ يُصَفِّي اللَّوْنَ، وَيُخْمِصُ الْبَطْنَ، وَيُحَسِّنُ الْخُلُقَ) ، وَقَالَ نافع: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا كَانَ رَمَضَانُ لَمْ يَفُتْهُ اللَّحْمُ، وَإِذَا سَافَرَ لَمْ يَفُتْهُ اللَّحْمُ، وَيُذْكَرُ عَنْ علي: (مَنْ تَرَكَهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً سَاءَ خُلُقُهُ) .
وَأَمَّا حَدِيثُ عائشة ﵂ الَّذِي رَوَاهُ أبو داود مَرْفُوعًا: ( «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ، فَإِنَّهُ مِنْ صَنِيعِ الْأَعَاجِمِ، وَانْهَسُوهُ، فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» ) . فَرَدَّهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِمَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنْ قَطْعِهِ بِالسِّكِّينِ فِي حَدِيثَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَا.
وَاللَّحْمُ أَجْنَاسٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ وَطَبَائِعِهِ، فَنَذْكُرُ حُكْمَ كُلِّ جِنْسٍ وَطَبْعَهُ وَمَنْفَعَتَهُ وَمَضَرَّتَهُ.
لَحْمُ الضَّأْنِ: حَارٌّ فِي الثَّانِيَةِ، رَطْبٌ فِي الْأُولَى، جَيِّدُهُ الْحَوْلِيُّ، يُوَلِّدُ الدَّمَ الْمَحْمُودَ الْقَوِيَّ لِمَنْ جَادَ هَضْمُهُ، يَصْلُحُ لِأَصْحَابِ الْأَمْزِجَةِ الْبَارِدَةِ وَالْمُعْتَدِلَةِ، وَلِأَهْلِ الرِّيَاضَاتِ التَّامَّةِ فِي الْمَوَاضِعِ وَالْفُصُولِ الْبَارِدَةِ، نَافِعٌ لِأَصْحَابِ الْمِرَّةِ السَّوْدَاءِ يُقَوِّي الذِّهْنَ وَالْحِفْظَ. وَلَحْمُ الْهَرِمِ وَالْعَجِيفِ رَدِيءٌ، وَكَذَلِكَ لَحْمُ
стр. 1853
النِّعَاجِ، وَأَجْوَدُهُ: لَحْمُ الذَّكَرِ الْأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَخَفُّ وَأَلَذُّ وَأَنْفَعُ، وَالْخَصِيُّ أَنْفَعُ وَأَجْوَدُ، وَالْأَحْمَرُ مِنَ الْحَيَوَانِ السَّمِينُ أَخَفُّ وَأَجْوَدُ غِذَاءً، وَالْجَذَعُ مِنَ الْمَعْزِ أَقَلُّ تَغْذِيَةً، وَيَطْفُو فِي الْمَعِدَةِ.
وَأَفْضَلُ اللَّحْمِ عَائِذُهُ بِالْعَظْمِ، وَالْأَيْمَنُ أَخَفُّ وَأَجْوَدُ مِنَ الْأَيْسَرِ، وَالْمُقَدَّمُ أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤَخَّرِ، وَكَانَ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقَدَّمُهَا، وَكُلُّ مَا عَلَا مِنْهُ سِوَى الرَّأْسِ كَانَ أَخَفَّ وَأَجْوَدَ مِمَّا سَفَلَ، وَأَعْطَى الْفَرَزْدَقُ رَجُلًا يَشْتَرِي لَهُ لَحْمًا، وَقَالَ لَهُ: خُذِ الْمُقَدَّمَ، وَإِيَّاكَ وَالرَّأْسَ وَالْبَطْنَ، فَإِنَّ الدَّاءَ فِيهِمَا. وَلَحْمُ الْعُنُقِ جَيِّدٌ لَذِيذٌ سَرِيعُ الْهَضْمِ خَفِيفٌ، وَلَحْمُ الذِّرَاعِ أَخَفُّ اللَّحْمِ وَأَلَذُّهُ وَأَلْطَفُهُ وَأَبْعَدُهُ مِنَ الْأَذَى، وَأَسْرَعُهُ انْهِضَامًا.
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": ( «أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ » ) ، وَلَحْمُ الظَّهْرِ كَثِيرُ الْغِذَاءِ، يُوَلِّدُ دَمًا مَحْمُودًا. وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مَرْفُوعًا: ( «أَطْيَبُ اللَّحْمِ لَحْمُ الظَّهْرِ» ) .
[لَحْمُ الْمَعْزِ]
ِ قَلِيلُ الْحَرَارَةِ يَابِسٌ، وَخَلْطُهُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ لَيْسَ بِفَاضِلٍ وَلَيْسَ بِجَيِّدِ الْهَضْمِ، وَلَا مَحْمُودِ الْغِذَاءِ. وَلَحْمُ التَّيْسِ رَدِيءٌ مُطْلَقًا، شَدِيدُ الْيُبْسِ، عَسِرُ الِانْهِضَامِ، مُوَلِّدٌ لِلْخَلْطِ السَّوْدَاوِيِّ.
قَالَ الْجَاحِظُ: قَالَ لِي فَاضِلٌ مِنَ الْأَطِبَّاءِ: يَا أبا عثمان! إِيَّاكَ وَلَحْمَ الْمَعْزِ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْغَمَّ، وَيُحَرِّكُ السَّوْدَاءَ، وَيُورِثُ النِّسْيَانَ، وَيُفْسِدُ الدَّمَ وَهُوَ وَاللَّهِ يَخْبِلُ الْأَوْلَادَ.
стр. 1854
وَقَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: إِنَّمَا الْمَذْمُومُ مِنْهُ الْمُسِنُّ، وَلَا سِيَّمَا لِلْمُسِنِّينَ، وَلَا رَدَاءَةَ فِيهِ لِمَنِ اعْتَادَهُ. وجالينوس جَعَلَ الْحَوْلِيَّ مِنْهُ مِنَ الْأَغْذِيَةِ الْمُعْتَدِلَةِ الْمُعَدِّلَةِ لِلْكَيْمُوسِ الْمَحْمُودِ، وَإِنَاثُهُ أَنْفَعُ مِنْ ذُكُورِهِ.
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فِي " سُنَنِهِ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «أَحْسِنُوا إِلَى الْمَاعِزِ، وَأَمِيطُوا عَنْهَا الْأَذَى، فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ» ) . وَفِي ثُبُوتِ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ. وَحُكْمُ الْأَطِبَّاءِ عَلَيْهِ بِالْمَضَرَّةِ حُكْمٌ جُزْئِيٌّ لَيْسَ بِكُلِّيٍّ عَامٍّ، وَهُوَ بِحَسَبِ الْمَعِدَةِ الضَّعِيفَةِ، وَالْأَمْزِجَةِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي لَمْ تَعْتَدْهُ وَاعْتَادَتِ الْمَأْكُولَاتِ اللَّطِيفَةَ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الرَّفَاهِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْمُدُنِ وَهُمُ الْقَلِيلُونَ مِنَ النَّاسِ.
[لَحْمُ الْجَدْيِ ولَحْمُ الْبَقَرِ]
لَحْمُ الْجَدْيِ: قَرِيبٌ إِلَى الِاعْتِدَالِ، خَاصَّةً مَا دَامَ رَضِيعًا، وَلَمْ يَكُنْ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْوِلَادَةِ، وَهُوَ أَسْرَعُ هَضْمًا لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّةِ اللَّبَنِ، مُلَيِّنٌ لِلطَّبْعِ، مُوَافِقٌ لِأَكْثَرِ النَّاسِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ، وَهُوَ أَلْطَفُ مِنْ لَحْمِ الْجَمَلِ، وَالدَّمُ الْمُتَوَلِّدُ عَنْهُ مُعْتَدِلٌ.
لَحْمُ الْبَقَرِ: بَارِدٌ يَابِسٌ عَسِرُ الِانْهِضَامِ بَطِيءُ الِانْحِدَارِ، يُوَلِّدُ دَمًا سَوْدَاوِيًّا، لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِأَهْلِ الْكَدِّ وَالتَّعَبِ الشَّدِيدِ، وَيُورِثُ إِدْمَانُهُ الْأَمْرَاضَ السَّوْدَاوِيَّةَ كَالْبَهَقِ وَالْجَرَبِ وَالْقُوبَاءِ وَالْجُذَامِ، وَدَاءِ الْفِيلِ وَالسَّرَطَانِ، وَالْوَسْوَاسِ وَحُمَّى الرِّبْعِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْأَوْرَامِ، وَهَذَا لِمَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ، أَوْ لَمْ يَدْفَعْ ضَرَرَهُ بِالْفُلْفُلِ وَالثَّوْمِ وَالدَّارَصِينِيِّ، وَالزَّنْجَبِيلِ وَنَحْوِهِ، وَذَكَرُهُ أَقَلُّ بُرُودَةً، وَأُنْثَاهُ أَقَلُّ يُبْسًا. وَلَحْمُ الْعِجْلِ وَلَا سِيَّمَا السَّمِينُ مِنْ أَعْدَلِ الْأَغْذِيَةِ وَأَطْيَبِهَا وَأَلَذِّهَا وَأَحْمَدِهَا، وَهُوَ حَارٌّ رَطْبٌ، وَإِذَا انْهَضَمَ غَذَّى غِذَاءً قَوِيًّا.
[لَحْمُ الْفَرَسِ]
ِ: ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " عَنْ أسماء ﵂ قَالَتْ: ( «نَحَرْنَا فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) .
وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ ( «أَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ،
стр. 1855
وَنَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ» ) أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ".
وَلَا يَثْبُتُ عَنْهُ حَدِيثُ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ. قَالَهُ أبو داود وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَاقْتِرَانُهُ بِالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فِي الْقُرْآنِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ لَحْمِهِ حُكْمُ لُحُومِهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، كَمَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا فِي السَّهْمِ فِي الْغَنِيمَةِ حُكْمُ الْفَرَسِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقْرِنُ فِي الذِّكْرِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ تَارَةً، وَبَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ وَبَيْنَ الْمُتَضَادَّاتِ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] [النَّحْلِ: ٨] مَا يَمْنَعُ مِنْ أَكْلِهَا، كَمَا لَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ غَيْرِ الرُّكُوبِ مِنْ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَجَلِّ مَنَافِعِهَا، وَهُوَ الرُّكُوبُ، وَالْحَدِيثَانِ فِي حِلِّهَا صَحِيحَانِ لَا مُعَارِضَ لَهُمَا، وَبَعْدُ: فَلَحْمُهَا حَارٌّ يَابِسٌ، غَلِيظٌ سَوْدَاوِيٌّ مُضِرٌّ لَا يَصْلُحُ لِلْأَبْدَانِ اللَّطِيفَةِ.
[لَحْمُ الْجَمَلِ]
ِ: فَرْقُ مَا بَيْنَ الرَّافِضَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ، كَمَا أَنَّهُ أَحَدُ الْفُرُوقِ بَيْنَ الْيَهُودِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَالْيَهُودُ وَالرَّافِضَةُ تَذُمُّهُ وَلَا تَأْكُلُهُ، وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ حِلُّهُ، وَطَالَمَا أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَضَرًا وَسَفَرًا.
وَلَحْمُ الْفَصِيلُ مِنْهُ مِنْ أَلَذِّ اللُّحُومِ وَأَطْيَبِهَا وَأَقْوَاهَا غِذَاءً، وَهُوَ لِمَنِ اعْتَادَهُ بِمَنْزِلَةِ لَحْمِ الضَّأْنِ لَا يَضُرُّهُمُ الْبَتَّةَ، وَلَا يُوَلِّدُ لَهُمْ دَاءً، وَإِنَّمَا ذَمَّهُ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الرَّفَاهِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ الَّذِينَ لَمْ يَعْتَادُوهُ، فَإِنَّ فِيهِ حَرَارَةً وَيُبْسًا، وَتَوْلِيدًا لِلسَّوْدَاءِ، وَهُوَ عَسِرُ الِانْهِضَامِ، وَفِيهِ قُوَّةٌ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ، لِأَجْلِهَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْوُضُوءِ مِنْ أَكْلِهِ فِي حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ لَا مُعَارِضَ لَهُمَا، وَلَا يَصِحُّ تَأْوِيلُهُمَا بِغَسْلِ الْيَدِ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَعْهُودِ مِنَ الْوُضُوءِ فِي
стр. 1856
كَلَامِهِ، ﷺ لِتَفْرِيقِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ الْغَنَمِ، فَخَيَّرَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَتَرْكِهِ مِنْهَا، وَحَتَّمَ الْوُضُوءَ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ. وَلَوْ حُمِلَ الْوُضُوءُ عَلَى غَسْلِ الْيَدِ فَقَطْ لَحُمِلَ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ( «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ) .
وَأَيْضًا: فَإِنَّ آكِلَهَا قَدْ لَا يُبَاشِرُ أَكْلَهَا بِيَدِهِ بِأَنْ يُوضَعَ فِي فَمِهِ، فَإِنْ كَانَ وُضُوءُهُ غَسْلَ يَدِهِ، فَهُوَ عَبَثٌ، وَحَمْلٌ لِكَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى غَيْرِ مَعْهُودِهِ وَعُرْفِهِ، وَلَا يَصِحُّ مُعَارَضَتُهُ بِحَدِيثِ: ( «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» ) لِعِدَّةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا عَامٌّ، وَالْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ مِنْهَا خَاصٌّ.
الثَّانِي: أَنَّ الْجِهَةَ مُخْتَلِفَةٌ، فَالْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ مِنْهَا بِجِهَةِ كَوْنِهَا لَحْمَ إِبِلٍ سَوَاءٌ كَانَ نِيئًا أَوْ مَطْبُوخًا أَوْ قَدِيدًا، وَلَا تَأْثِيرَ لِلنَّارِ فِي الْوُضُوءِ، وَأَمَّا تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ مَسَّ النَّارِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْوُضُوءِ، فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ؟ هَذَا فِيهِ إِثْبَاتُ سَبَبِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ كَوْنُهُ لَحْمَ إِبِلٍ وَهَذَا فِيهِ نَفْيٌ لِسَبَبِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مَمْسُوسَ النَّارِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ حِكَايَةُ لَفْظٍ عَامٍّ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ وَاقِعَةِ فِعْلٍ فِي أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْآخَرِ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ، «أَنَّهُمْ قَرَّبُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَحْمًا، فَأَكَلَ، ثُمَّ حَضَرَتِ
стр. 1857
الصَّلَاةُ، فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى، ثُمَّ قَرَّبُوا إِلَيْهِ فَأَكَلَ ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَكَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» ، هَكَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ، فَاخْتَصَرَهُ الرَّاوِي لِمَكَانِ الِاسْتِدْلَالِ، فَأَيْنَ فِي هَذَا مَا يَصْلُحُ لِنَسْخِ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ، حَتَّى لَوْ كَانَ لَفْظًا عَامًّا مُتَأَخِّرًا مُقَاوِمًا، لَمْ يَصْلُحْ لِلنَّسْخِ، وَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْخَاصِّ عَلَيْهِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ.
[لَحْمُ الضَّبِّ والغزال والظبي]
لَحْمُ الضَّبِّ: تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي حِلِّهِ، وَلَحْمُهُ حَارٌّ يَابِسٌ، يُقَوِّي شَهْوَةَ الْجِمَاعِ.
لَحْمُ الْغَزَالِ: الْغَزَالُ أَصْلَحُ الصَّيْدِ وَأَحْمَدُهُ لَحْمًا، وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ، وَقِيلَ: مُعْتَدِلٌ جِدًّا، نَافِعٌ لِلْأَبْدَانِ الْمُعْتَدِلَةِ الصَّحِيحَةِ، وَجَيِّدُهُ الْخِشْفُ.
لَحْمُ الظَّبْيِ: حَارٌّ يَابِسٌ فِي الْأَوْلَى، مُجَفِّفٌ لِلْبَدَنِ، صَالِحٌ لِلْأَبْدَانِ الرَّطْبَةِ. قَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ ": وَأَفْضَلُ لُحُومِ الْوَحْشِ لَحْمُ الظَّبْيِ مَعَ مَيْلِهِ إِلَى السَّوْدَاوِيَّةِ.
[لَحْمُ الْأَرَانِبِ]
ِ: ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ( «قَالَ أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا فَسَعَوْا فِي طَلَبِهَا، فَأَخَذُوهَا، فَبَعَثَ أبو طلحة بِوَرِكِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبِلَهُ» ) .
لَحْمُ الْأَرْنَبِ: مُعْتَدِلٌ إِلَى الْحَرَارَةِ وَالْيُبُوسَةِ، وَأَطْيَبُهَا وَرِكُهَا، وَأَحْمَدُهُ أَكْلُ لَحْمِهَا مَشْوِيًّا، وَهُوَ يَعْقِلُ الْبَطْنَ، وَيُدِرُّ الْبَوْلَ، وَيُفَتِّتُ الْحَصَى، وَأَكْلُ رُءُوسِهَا يَنْفَعُ مِنَ الرَّعْشَةِ.
[لَحْمُ حِمَارِ الْوَحْشِ]
ِ: ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِنْ حَدِيثِ أبي قتادة ﵁، «أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ عُمَرِهِ، وَأَنَّهُ صَادَ حِمَارَ
стр. 1858
وَحْشٍ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَكْلِهِ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ أَبُو قَتَادَةَ مُحْرِمًا» .
وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ": عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ( «أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ» ) .
[لَحْمُ الْوُحُوشِ]
لَحْمُهُ حَارٌّ يَابِسٌ، كَثِيرُ التَّغْذِيَةِ، مُوَلِّدٌ دَمًا غَلِيظًا سَوْدَاوِيًّا، إِلَّا أَنَّ شَحْمَهُ نَافِعٌ مَعَ دُهْنِ الْقُسْطِ لِوَجَعِ الظَّهْرِ وَالرِّيحِ الْغَلِيظَةِ الْمُرْخِيَةِ لِلْكُلَى، وَشَحْمُهُ جَيِّدٌ لِلْكَلَفِ طِلَاءً، وَبِالْجُمْلَةِ فَلُحُومُ الْوُحُوشِ كُلُّهَا تُوَلِّدُ دَمًا غَلِيظًا سَوْدَاوِيًّا، وَأَحْمَدُهُ الْغَزَالُ وَبَعْدَهُ الْأَرْنَبُ.
[لُحُومُ الْأَجِنَّةِ وَحُكْمُ أَكْلِهَا]
لُحُومُ الْأَجِنَّةِ: غَيْرُ مَحْمُودَةٍ لِاحْتِقَانِ الدَّمِ فِيهَا، وَلَيْسَتْ بِحَرَامٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : ( «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» ) .
وَمَنَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ أَكْلِهِ إِلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ حَيًّا فَيُذَكِّيَهُ، وَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ ذَكَاتَهُ كَذَكَاةِ أُمِّهِ. قَالُوا: فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنَّ أَوَّلَ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ نَذْبَحُ الشَّاةَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا جَنِينًا أَفَنَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ: " كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» ) .
وَأَيْضًا: فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي حِلَّهُ فَإِنَّهُ مَا دَامَ حَمْلًا فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأُمِّ، فَذَكَاتُهَا ذَكَاةٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الشَّرْعِ
стр. 1859
بِقَوْلِهِ: " «ذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» " كَمَا تَكُونُ ذَكَاتُهَا ذَكَاةَ سَائِرِ أَجْزَائِهَا، فَلَوْ لَمْ تَأْتِ عَنْهُ السُّنَّةُ الصَّرِيحَةُ، بِأَكْلِهِ لَكَانَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ يَقْتَضِي حِلَّهُ.
[لَحْمُ الْقَدِيدِ]
ِ: فِي " السُّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: ( «ذَبَحْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةً وَنَحْنُ مُسَافِرُونَ، فَقَالَ: " أَصْلِحْ لَحْمَهَا " فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ» ) .
الْقَدِيدُ: أَنْفَعُ مِنَ النَّمْكَسُودِ، وَيُقَوِّي الْأَبْدَانَ، وَيُحْدِثُ حَكَّةً وَدَفْعُ ضَرَرِهِ بِالْأَبَازِيرِ الْبَارِدَةِ الرَّطْبَةِ، وَيُصْلِحُ الْأَمْزِجَةَ الْحَارَّةَ وَالنَّمْكَسُودُ: حَارٌّ يَابِسٌ مُجَفِّفٌ، جَيِّدُهُ مِنَ السَّمِينِ الرَّطْبِ، يَضُرُّ بِالْقُولَنْجِ، وَدَفْعُ مَضَرَّتِهِ طَبْخُهُ بِاللَّبَنِ وَالدُّهْنِ، وَيَصْلُحُ لِلْمِزَاجِ الْحَارِّ الرَّطْبِ.
[فَصْلٌ فِي لُحُومِ الطَّيْرِ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] [الْوَاقِعَةِ: ٢١] .
وَفِي " مُسْنَدِ البزار " وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا: ( «إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ، فَتَشْتَهِيهِ، فَيَخِرُّ مَشْوِيًّا بَيْنَ يَدَيْكَ» ) .
وَمِنْهُ حَلَالٌ، وَمِنْهُ حَرَامٌ. فَالْحَرَامُ: ذُو الْمِخْلَبِ، كَالصَّقْرِ وَالْبَازِيِّ
стр. 1860
وَالشَّاهِينِ، وَمَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ كَالنَّسْرِ وَالرَّخَمِ وَاللَّقْلَقِ وَالْعَقْعَقِ وَالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ وَالْأَسْوَدِ الْكَبِيرِ، وَمَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ كَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ، وَمَا أُمِرَ بِقَتْلِهِ كَالْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ.
وَالْحَلَالُ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ، فَمِنْهُ الدَّجَاجُ، فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِنْ حَدِيثِ أبي موسى، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (أَكَلَ لَحْمَ الدَّجَاجِ) » .
وَهُوَ حَارٌّ رَطْبٌ فِي الْأَوْلَى، خَفِيفٌ عَلَى الْمَعِدَةِ، سَرِيعُ الْهَضْمِ، جَيِّدُ الْخَلْطِ، يَزِيدُ فِي الدِّمَاغِ وَالْمَنِيِّ، وَيُصَفِّي الصَّوْتَ، وَيُحَسِّنُ اللَّوْنَ، وَيُقَوِّي الْعَقْلَ، وَيُوَلِّدُ دَمًا جَيِّدًا، وَهُوَ مَائِلٌ إِلَى الرُّطُوبَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّ مُدَاوَمَةَ أَكْلِهِ تُورِثُ النِّقْرِسَ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ.
وَلَحْمُ الدِّيكِ أَسْخَنُ مِزَاجًا، وَأَقَلُّ رُطُوبَةً، وَالْعَتِيقُ مِنْهُ دَوَاءٌ يَنْفَعُ الْقُولَنْجَ وَالرَّبْوَ وَالرِّيَاحَ الْغَلِيظَةَ إِذَا طُبِخَ بِمَاءِ الْقُرْطُمِ وَالشَّبْثِ، وَخَصِيُّهَا مَحْمُودُ الْغِذَاءِ، سَرِيعُ الِانْهِضَامِ، وَالْفَرَارِيجُ سَرِيعَةُ الْهَضْمِ، مُلَيِّنَةٌ لِلطَّبْعِ، وَالدَّمُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْهَا دَمٌ لَطِيفٌ جَيِّدٌ.
لَحْمُ الدُّرَّاجِ: حَارٌّ يَابِسٌ فِي الثَّانِيَةِ، خَفِيفٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الِانْهِضَامِ، مُوَلِّدٌ لِلدَّمِ الْمُعْتَدِلِ، وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ يُحِدُّ الْبَصَرَ.
لَحْمُ الْحَجَلِ: يُوَلِّدُ الدَّمَ الْجَيِّدَ سَرِيعُ الِانْهِضَامِ.
لَحْمُ الْإِوَزِّ: حَارٌّ يَابِسٌ، رَدِيءُ الْغِذَاءِ إِذَا اعْتِيدَ وَلَيْسَ بِكَثِيرِ الْفُضُولِ.
لَحْمُ الْبَطِّ: حَارٌّ رَطْبٌ كَثِيرُ الْفُضُولِ، عَسِرُ الِانْهِضَامِ، غَيْرُ مُوَافِقٍ لِلْمَعِدَةِ.
لَحْمُ الْحُبَارَى: فِي " السُّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ بريه بن عمر بن سفينة، عَنْ أَبِيهِ
следующие страницы →