← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وَهَذَا الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِ حُكْمِ الشَّارِعِ، فَإِنَّ الْمُحَرَّمَاتِ كُلَّمَا تَغَلَّظَتْ، تَغَلَّظَتْ عُقُوبَاتُهَا، وَوَطْءُ مَنْ لَا يُبَاحُ بِحَالٍ أَعْظَمُ جُرْمًا مِنْ وَطْءِ مَنْ يُبَاحُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، فَيَكُونُ حَدُّهُ أَغْلَظَ، وَقَدْ نَصَّ أحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، أَنَّ حُكْمَ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً حُكْمُ اللِّوَاطِ سَوَاءٌ، فَيُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ، أَوْ يَكُونُ حَدُّهُ حَدَّ الزَّانِي. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الحسن: حَدُّهُ حَدُّ الزَّانِي. وَقَالَ أبو سلمة عَنْهُ: يُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ والنخعي: يُعَزَّرُ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ ومالك وأبو حنيفة وأحمد فِي رِوَايَةٍ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ أَفْتَى بِذَلِكَ، وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ. [فَصْلٌ الْحُكْمُ فِيمَنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ] فَصْلٌ وَحَكَمَ ﷺ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِحَدِّ الزِّنَى دُونَ حَدِّ الْقَذْفِ، فَفِي " السُّنَنِ ": مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ سَمَّاهَا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَرْأَةِ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْكَرَتْ أَنْ تَكُونَ زَنَتْ، فَجَلَدَهُ الْحَدَّ وَتَرَكَهَا» . فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْحُكُومَةُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى الرَّجُلِ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ الْمَرْأَةُ خِلَافًا لأبي حنيفة وأبي يوسف أَنَّهُ لَا يُحَدُّ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ لِلْمَرْأَةِ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أبو داود فِي " سُنَنِهِ ": مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَجَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَكَانَ بِكْرًا، ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَالَتْ: كَذَبَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَجُلِدَ حَدَّ الْفِرْيَةِ

стр. 1927

ثَمَانِينَ» ، فَقَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. انْتَهَى وَفِي إِسْنَادِهِ القاسم بن فياض الأنباري الصنعاني، تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: بَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ. [فَصْلٌ الْحُكْمُ فِي الْأَمَةِ الزَّانِيَةِ] فَصْلٌ وَحَكَمَ فِي الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ بِالْجَلْدِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْإِمَاءِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] [النِّسَاءِ: ٢٥] ، فَهُوَ نَصٌّ فِي أَنَّ حَدَّهَا بَعْدَ التَّزْوِيجِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرَّةِ مِنَ الْجَلْدِ، وَأَمَّا قَبْلَ التَّزْوِيجِ فَأَمَرَ بِجَلْدِهَا. وَفِي هَذَا الْجَلْدِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْحَدُّ، وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ الْحَالُ قَبْلَ التَّزْوِيجِ وَبَعْدَهُ، فَإِنَّ لِلسَّيِّدِ إِقَامَتَهُ قَبْلَهُ، وَأَمَّا بَعْدَهُ، فَلَا يُقِيمُهُ إِلَّا الْإِمَامُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ جَلْدَهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ تَعْزِيرٌ لَا حَدٌّ، وَلَا يُبْطِلُ هَذَا مَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ ": مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ يَرْفَعُهُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُعَيِّرْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ عَادَتْ فِي الرَّابِعَةِ فَلْيَجْلِدْهَا وَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ» ، وَفِي لَفْظٍ: «فَلْيَضْرِبْهَا كِتَابُ اللَّهِ» .

стр. 1928

وَفِي " صَحِيحِهِ " أَيْضًا: مِنْ حَدِيثِ علي ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ، مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُنَّ، وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِي حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: " أَحْسَنْتَ» . فَإِنَّ التَّعْزِيرَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ لَفْظُ الْحَدِّ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَا يُضْرَبُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» . وَقَدْ ثَبَتَ التَّعْزِيرُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ جِنْسًا وَقَدْرًا فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهَا، وَلَمْ تُجْمِعِ الْأُمَّةُ عَلَى خِلَافِهَا. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُخَالِفَ حَالُهَا بَعْدَ الْإِحْصَانِ حَالَهَا قَبْلَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ فَائِدَةٌ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ قَبْلَ الْإِحْصَانِ: لَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ تُبْطِلُ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: حَدُّهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ حَدُّ الْحُرَّةِ، وَبَعْدَهُ نِصْفُهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَأُصُولِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: جَلْدُهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ تَعْزِيرٌ، وَبَعْدَهُ حَدٌّ، وَهَذَا أَقْوَى، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: الِافْتِرَاقُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ لَا فِي قَدْرِهِ، وَأَنَّهُ فِي إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ لِلسَّيِّدِ، وَفِي الْأُخْرَى لِلْإِمَامِ، وَهَذَا أَقْرَبُ مَا يُقَالُ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ تَنْصِيصَهُ عَلَى التَّنْصِيفِ بَعْدَ الْإِحْصَانِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ بِالْإِحْصَانِ يَزُولُ التَّنْصِيفُ، وَيَصِيرُ حَدُّهَا حَدَّ الْحُرَّةِ، كَمَا أَنَّ الْجَلْدَ زَالَ عَنِ الْبِكْرِ بِالْإِحْصَانِ، وَانْتَقَلَ إِلَى الرَّجْمِ، فَبَقِيَ عَلَى التَّنْصِيفِ فِي أَكْمَلِ حَالَتَيْهَا، وَهِيَ

стр. 1929

الْإِحْصَانُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ إِذَا اكْتُفِيَ بِهِ فِيهَا، فَفِيمَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرِيضٍ زَنَى وَلَمْ يَحْتَمِلْ إِقَامَةَ الْحَدِّ، بِأَنْ يُؤْخَذَ لَهُ عِثْكَالٌ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَيُضْرَبُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً. [فَصْلٌ مَتَى نَزَلَ حَدُّ الْقَذْفِ] فَصْلٌ وَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَدِّ الْقَذْفِ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَرَاءَةَ زَوْجَتِهِ مِنَ السَّمَاءِ، فَجَلَدَ رَجُلَيْنِ وَامْرَأَةً. وَهُمَا: حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ: وَيَقُولُونَ: الْمَرْأَةُ حمنة بنت جحش. وَحَكَمَ فِيمَنْ بَدَّلَ دِينَهُ بِالْقَتْلِ، وَلَمْ يَخُصَّ رَجُلًا مِنِ امْرَأَةٍ، وَقَتَلَ الصِّدِّيقُ

стр. 1930

امْرَأَةً ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِسْلَامِهَا يُقَالُ لَهَا: أم قرفة. وَحَكَمَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ بِضَرْبِهِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَضَرْبِهِ أَرْبَعِينَ، وَتَبِعَهُ أبو بكر ﵁ عَلَى الْأَرْبَعِينَ. وَفِي " مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ": «أَنَّهُ ﷺ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: لَمْ يُوَقِّتْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا. وَقَالَ علي ﵁: «جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ، وأبو بكر أَرْبَعِينَ، وَكَمَّلَهَا عمر ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ» . وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ فِي الرَّابِعَةِ أَوِ الْخَامِسَةِ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ: هُوَ مَنْسُوخٌ، وَنَاسِخُهُ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» .

стр. 1931

وَقِيلَ: هُوَ مُحْكَمٌ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يُعْلَمْ تَأَخُّرُ الْعَامِّ. وَقِيلَ: نَاسِخُهُ حَدِيثُ عبد الله حمار، فَإِنَّهُ أُتِيَ بِهِ مِرَارًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ. وَقِيلَ: قَتْلُهُ تَعْزِيرٌ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِذَا كَثُرَ مِنْهُ وَلَمْ يَنْهَهُ الْحَدُّ، وَاسْتَهَانَ بِهِ، فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ تَعْزِيرًا لَا حَدًّا، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عبد الله بن عمر ﵁ أَنَّهُ قَالَ: ائْتُونِي بِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَعَلَيَّ أَنْ أَقْتُلَهُ لَكُمْ، وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ الْأَمْرِ بِالْقَتْلِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُمْ: معاوية، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وعبد الله بن عمرو، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ﵃.

стр. 1932

وَحَدِيثُ قبيصة: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ لَيْسَ بِحَدٍّ، أَوْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: «فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ، فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، وَرُفِعَ الْقَتْلُ، وَكَانَتْ رُخْصَةً» . رَوَاهُ أبو داود. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، عَنْ علي ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مَا كُنْتُ لِأَدِيَ مَنْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْحَدَّ إِلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّ فِيهِ شَيْئًا، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ قُلْنَاهُ نَحْنُ» . لَفْظُ أبي داود. وَلَفْظُهُمَا: «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ وَلَمْ يَسُنَّهُ» . قِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَقْدِيرًا لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَإِلَّا فعلي ﵁ قَدْ شَهِدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ضَرَبَ فِيهَا أَرْبَعِينَ. وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ قُلْنَاهُ نَحْنُ، يَعْنِي التَّقْدِيرَ بِثَمَانِينَ، فَإِنَّ عمر ﵁ جَمَعَ الصَّحَابَةَ ﵃ وَاسْتَشَارَهُمْ، فَأَشَارُوا بِثَمَانِينَ، فَأَمْضَاهَا، ثُمَّ جَلَدَ علي فِي خِلَافَتِهِ أَرْبَعِينَ، وَقَالَ: هَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. وَمَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ، رَآهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعِينَ حَدٌّ، وَالْأَرْبَعُونَ الزَّائِدَةُ عَلَيْهَا تَعْزِيرٌ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ﵃، وَالْقَتْلُ إِمَّا مَنْسُوخٌ، وَإِمَّا أَنَّهُ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بِحَسَبِ تَهَالُكِ النَّاسِ فِيهَا وَاسْتِهَانَتِهِمْ بِحَدِّهَا، فَإِذَا رَأَى قَتْلَ وَاحِدٍ لِيَنْزَجِرَ الْبَاقُونَ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ حَلَقَ فِيهَا عُمَرُ ﵁ وَغَرَّبَ، وَهَذَا مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَئِمَّةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 1933

[فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي السَّارِقِ] قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. وَقَضَى أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ. وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ» ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أحمد ﵀. وَقَالَتْ عائشة ﵂: «لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَدْنَى مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، تُرْسٍ أَوْ جَحَفَةٍ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ذَا ثَمَنٍ» . وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ. فَقِيلَ: هَذَا حَبْلُ السَّفِينَةِ، وَبَيْضَةُ الْحَدِيدِ، وَقِيلَ: بَلْ كُلُّ حَبْلٍ وَبَيْضَةٍ» ، وَقِيلَ: هُوَ إِخْبَارٌ بِالْوَاقِعِ، أَيْ: إِنَّهُ يَسْرِقُ هَذَا، فَيَكُونُ سَبَبًا لِقَطْعِ يَدِهِ

стр. 1934

بِتَدَرُّجِهِ مِنْهُ إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ. قَالَ الْأَعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ، وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ مِنْهُ مَا يُسَاوِي دَرَاهِمَ. وَحَكَمَ فِي امْرَأَةٍ كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ بِقَطْعِ يَدِهَا. وَقَالَ أحمد ﵀ بِهَذِهِ الْحُكُومَةِ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا. وَحَكَمَ ﷺ بِإِسْقَاطِ الْقَطْعِ عَنِ الْمُنْتَهِبِ، وَالْمُخْتَلِسِ، وَالْخَائِنِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَائِنِ: خَائِنُ الْوَدِيعَةِ. وَأَمَّا جَاحِدُ الْعَارِيَةِ، فَيَدْخُلُ فِي اسْمِ السَّارِقِ شَرْعًا، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كَلَّمُوهُ فِي شَأْنِ الْمُسْتَعِيرَةِ الْجَاحِدَةِ، قَطَعَهَا، وَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فاطمة بنت محمد سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» . فَإِدْخَالُهُ ﷺ جَاحِدَ الْعَارِيَةِ فِي اسْمِ السَّارِقِ، كَإِدْخَالِهِ سَائِرَ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرِ فِي اسْمِ الْخَمْرِ، فَتَأَمَّلْهُ، وَذَلِكَ تَعْرِيفٌ لِلْأُمَّةِ بِمُرَادِ اللَّهِ مِنْ كَلَامِهِ. وَأَسْقَطَ ﷺ الْقَطْعَ عَنْ سَارِقِ الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ، وَحَكَمَ أَنَّ مَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا

стр. 1935

بِفَمِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا فِي جَرِينِهِ هُوَ بَيْدَرُهُ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ إِذَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ، فَهَذَا قَضَاؤُهُ الْفَصْلُ، وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ. وَقَضَى فِي الشَّاةِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ مَرَاتِعِهَا بِثَمَنِهَا مَرَّتَيْنِ، وَضَرْبِ نَكَالٍ، وَمَا أُخِذَ مِنْ عَطَنِهِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ إِذَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ. «وَقَضَى بِقَطْعِ سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ. فَأَرَادَ صفوان أَنْ يَهَبَهُ إِيَّاهُ، أَوْ يَبِيعَهُ مِنْهُ، فَقَالَ: " هَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» . وَقَطَعَ سَارِقًا سَرَقَ تُرْسًا مِنْ صُفَّةِ النِّسَاءِ فِي الْمَسْجِدِ. وَدَرَأَ الْقَطْعَ عَنْ عَبْدٍ مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ سَرَقَ مِنَ الْخُمُسِ. وَقَالَ: " «مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَرُفِعَ إِلَيْهِ سَارِقٌ، فَاعْتَرَفَ، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ لَهُ: «مَا إِخَالُهُ

стр. 1936

سَرَقَ "؟ قَالَ: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ» . وَرُفِعَ إِلَيْهِ آخَرُ فَقَالَ: " «مَا إِخَالُهُ سَرَقَ "؟ فَقَالَ: بَلَى، فَقَالَ: " اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ، ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ "، فَقُطِعَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: " تُبْ إِلَى اللَّهِ "، فَقَالَ: تُبْتُ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ: " تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ» ". وَفِي الترمذي عَنْهُ أَنَّهُ قَطَعَ سَارِقًا وَعَلَّقَ يَدَهُ فِي عُنُقِهِ. قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. [فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ عَلَى مَنِ اتَّهَمَ رَجُلًا بِسَرِقَةٍ] رَوَى أبو داود: عَنْ أزهر بن عبد الله «أَنَّ قَوْمًا سُرِقَ لَهُمْ مَتَاعٌ، فَاتَّهَمُوا نَاسًا مِنَ الْحَاكَةِ، فَأَتَوُا النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَحَبَسَهُمْ أَيَّامًا ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: خَلَّيْتَ سَبِيلَهُمْ بِغَيْرِ ضَرْبٍ وَلَا امْتِحَانٍ، فَقَالَ: مَا شِئْتُمْ، إِنْ شِئْتُمْ أَنْ أَضْرِبَهُمْ، فَإِنْ خَرَجَ مَتَاعُكُمْ فَذَاكَ، وَإِلَّا أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِكُمْ مِثْلَ الَّذِي أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِهِمْ. فَقَالُوا: هَذَا حُكْمُكَ؟ فَقَالَ: حُكْمُ اللَّهِ وَحُكْمُ رَسُولِهِ» .

стр. 1937

[فَصْلٌ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْأَقْضِيَةُ السَّابِقَةُ فِي السَّرِقَةِ مِنَ الْأُمُورِ] فَصْلٌ وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْأَقْضِيَةُ أُمُورًا: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ رُبُعِ دِينَارٍ. الثَّانِي: جَوَازُ لَعْنِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ بِأَنْوَاعِهِمْ دُونَ أَعْيَانِهِمْ، كَمَا لَعَنَ السَّارِقَ، وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ شَارِبَ الْخَمْرِ وَعَاصِرَهَا، وَلَعَنَ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، وَنَهَى عَنْ لَعْنِ عبد الله حمار وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ الْوَصْفَ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ اللَّعْنُ مُقْتَضٍ. وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ، فَقَدْ يَقُومُ بِهِ مَا يَمْنَعُ لُحُوقَ اللَّعْنِ بِهِ مِنْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، أَوْ تَوْبَةٍ، أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، أَوْ عَفْوٍ مِنَ اللَّهِ عَنْهُ، فَتُلْعَنُ الْأَنْوَاعُ دُونَ الْأَعْيَانِ. الثَّالِثُ: الْإِشَارَةُ إِلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ سَرِقَةَ الْحَبْلِ وَالْبَيْضَةِ لَا تَدَعُهُ حَتَّى تُقْطَعُ يَدُهُ. الرَّابِعُ: قَطْعُ جَاحِدِ الْعَارِيَةِ، وَهُوَ سَارِقٌ شَرْعًا كَمَا تَقَدَّمَ. الْخَامِسُ: أَنَّ مَنْ سَرَقَ مَالًا قُطِعَ فِيهِ، ضُوعِفَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أحمد ﵀، فَقَالَ: كُلُّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ، ضُوعِفَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحُكْمُ النَّبَوِيُّ بِهِ فِي صُورَتَيْنِ: سَرِقَةُ الثِّمَارِ الْمُعَلَّقَةِ، وَالشَّاةِ مِنَ الْمَرْتَعِ.

стр. 1938

السَّادِسُ: اجْتِمَاعُ التَّعْزِيرِ مَعَ الْغُرْمِ، وَفِي ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعُقُوبَتَيْنِ: مَالِيَّةٌ وَبَدَنِيَّةٌ. السَّابِعُ: اعْتِبَارُ الْحِرْزِ، فَإِنَّهُ ﷺ أَسْقَطَ الْقَطْعَ عَنْ سَارِقِ الثِّمَارِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَأَوْجَبَهُ عَلَى سَارِقِهِ مِنَ الْجَرِينِ، وَعِنْدَ أبي حنيفة أَنَّ هَذَا لِنُقْصَانِ مَالِيَّتِهِ، لِإِسْرَاعِ الْفَسَادِ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ هَذَا أَصْلًا فِي كُلِّ مَا نَقَصَتْ مَالِيَّتُهُ بِإِسْرَاعِ الْفَسَادِ إِلَيْهِ. وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَصَحُّ، فَإِنَّهُ ﷺ جَعَلَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ: حَالَةٌ لَا شَيْءَ فِيهَا، وَهُوَ مَا إِذَا أَكَلَ مِنْهُ بِفِيهِ، وَحَالَةٌ يُغَرَّمُ مِثْلَيْهِ، وَيُضْرَبُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَهُوَ مَا إِذَا أَخَذَهُ مِنْ شَجَرِهِ وَأَخْرَجَهُ، وَحَالَةٌ يُقْطَعُ فِيهَا، وَهُوَ مَا إِذَا سَرَقَهُ مِنْ بَيْدَرِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَدِ انْتَهَى جَفَافُهُ أَوْ لَمْ يَنْتَهِ، فَالْعِبْرَةُ لِلْمَكَانِ وَالْحِرْزِ لَا لِيُبْسِهِ وَرُطُوبَتِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﷺ أَسْقَطَ الْقَطْعَ عَنْ سَارِقِ الشَّاةِ مِنْ مَرْعَاهَا، وَأَوْجَبَهُ عَلَى سَارِقِهَا مِنْ عَطَنِهَا فَإِنَّهُ حِرْزُهَا. الثَّامِنُ: إِثْبَاتُ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَفِيهِ عِدَّةُ سُنَنٍ ثَابِتَةٍ لَا مُعَارِضَ لَهَا، وَقَدْ عَمِلَ بِهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَأَكْثَرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا عمر ﵁. التَّاسِعُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ حِرْزٌ لِثِيَابِهِ وَلِفِرَاشِهِ الَّذِي هُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ أَيْنَ كَانَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ. الْعَاشِرُ: أَنَّ الْمَسْجِدَ حِرْزٌ لِمَا يُعْتَادُ وَضْعُهُ فِيهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ تُرْسًا، وَعَلَى هَذَا فَيُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ حَصِيرِهِ وَقَنَادِيلِهِ وَبُسُطِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحمد وَغَيْرِهِ. وَمَنْ لَمْ يَقْطَعْهُ، قَالَ: لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَقٌّ، قُطِعَ كَالذِّمِّيِّ. الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ الْمُطَالَبَةَ فِي الْمَسْرُوقِ شَرْطٌ فِي الْقَطْعِ، فَلَوْ وَهَبَهُ إِيَّاهُ، أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى الْإِمَامِ، سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ:

стр. 1939

«هَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» . الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الْقَطْعَ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى الْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ حَدٍّ بَلَغَ الْإِمَامَ، وَثَبَتَ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ إِسْقَاطُهُ، وَفِي " السُّنَنِ ": عَنْهُ: «إِذَا بَلَغَتِ الْحُدُودُ الْإِمَامَ، فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفَّعَ» . الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْ شَيْءٍ لَهُ فِيهِ حَقٌّ لَمْ يُقْطَعْ. الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ إِلَّا بِالْإِقْرَارِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ، لِأَنَّ السَّارِقَ أَقَرَّ عِنْدَهُ مَرَّةً، فَقَالَ: " مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ "؟ فَقَالَ: بَلَى، فَقَطَعَهُ حِينَئِذٍ، وَلَمْ يَقْطَعْهُ حَتَّى أَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ. الْخَامِسَ عَشَرَ: التَّعْرِيضُ لِلسَّارِقِ بِعَدَمِ الْإِقْرَارِ، وَبِالرُّجُوعِ عَنْهُ، وَلَيْسَ هَذَا حُكْمَ كُلِّ سَارِقٍ، بَلْ مِنَ السُّرَّاقِ مَنْ يُقِرُّ بِالْعُقُوبَةِ وَالتَّهْدِيدِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ حَسْمُهُ بَعْدَ الْقَطْعِ لِئَلَّا يَتْلَفَ. وَفِي قَوْلِهِ: " احْسِمُوهُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُؤْنَةَ الْحَسْمِ لَيْسَتْ عَلَى السَّارِقِ. السَّابِعَ عَشَرَ: تَعْلِيقُ يَدِ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ تَنْكِيلًا لَهُ وَبِهِ لِيَرَاهُ غَيْرُهُ. الثَّامِنَ عَشَرَ: ضَرْبُ الْمُتَّهَمِ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُ أَمَارَاتُ الرِّيبَةِ، وَقَدْ عَاقَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي تُهْمَةٍ، وَحَبَسَ فِي تُهْمَةٍ.

стр. 1940

التَّاسِعَ عَشَرَ: وُجُوبُ تَخْلِيَةِ الْمُتَّهَمِ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِمَّا اتُّهِمَ بِهِ، وَأَنَّ الْمُتَّهِمَ إِذَا رَضِيَ بِضَرْبِ الْمُتَّهَمِ، فَإِنْ خَرَجَ مَالُهُ عِنْدَهُ، وَإِلَّا ضُرِبَ هُوَ مِثْلَ ضَرْبِ مَنِ اتَّهَمَهُ إِنْ أُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ أَمَارَاتِ الرِّيبَةِ، كَمَا قَضَى بِهِ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ﵁، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . الْعِشْرُونَ: ثُبُوتُ الْقِصَاصِ فِي الضَّرْبَةِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَنَحْوِهِمَا. [فَصْلٌ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْحَدُّ فِي السَّرِقَةِ] فَصْلٌ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أبو داود: «أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ سَارِقٍ فَقَالُوا: إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: " اقْطَعُوهُ "، ثُمَّ جِيءَ بِهِ ثَانِيًا فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالُوا: إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: " اقْطَعُوهُ "، ثُمَّ جِيءَ بِهِ فِي الثَّالِثَةِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالُوا: إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: " اقْطَعُوهُ "، ثُمَّ جِيءَ بِهِ رَابِعَةً، فَقَالَ: " اقْتُلُوهُ "، فَقَالُوا: إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: " اقْطَعُوهُ "، فَأُتِيَ بِهِ فِي الْخَامِسَةِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقَتَلُوهُ» . فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ: فالنسائي وَغَيْرُهُ لَا يُصَحِّحُونَ هَذَا الْحَدِيثَ. قَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَغَيْرُهُ يُحَسِّنُهُ وَيَقُولُ: هَذَا حُكْمٌ خَاصٌّ بِذَلِكَ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، لِمَا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي قَتْلِهِ، وَطَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ تَقْبَلُهُ وَتَقُولُ بِهِ، وَأَنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ خَمْسَ مَرَّاتٍ قُتِلَ فِي الْخَامِسَةِ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أبو مصعب مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَفِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ الْإِتْيَانُ عَلَى أَطْرَافِ السَّارِقِ الْأَرْبَعَةِ. وَقَدْ رَوَى عبد الرزاق فِي " مُصَنَّفِهِ ": «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِعَبْدٍ سَرَقَ، فَأُتِيَ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ،

стр. 1941

فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ السَّادِسَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ السَّابِعَةَ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ الثَّامِنَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ» . وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، هَلْ يُؤْتَى عَلَى أَطْرَافِهِ كُلِّهَا أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ومالك وأحمد فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ: يُؤْتَى عَلَيْهَا كُلُّهَا، وَقَالَ أبو حنيفة وأحمد فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ: لَا يُقْطَعُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ يَدٍ وَرِجْلٍ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَهَلِ الْمَحْذُورُ تَعْطِيلُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، أَوْ ذَهَابُ عُضْوَيْنِ مِنْ شِقٍّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِيمَا لَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُمْنَى فَقَطْ، أَوْ أَقْطَعَ الرِّجْلِ الْيُسْرَى فَقَطْ، فَإِنْ قُلْنَا: يُؤْتَى عَلَى أَطْرَافِهِ، لَمْ يُؤْثَرْ ذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُؤْتَى عَلَيْهَا، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَيَدُهُ الْيُمْنَى فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُسْرَى مَعَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى لَمْ يُقْطَعْ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُسْرَى فَقَطْ، لَمْ تُقْطَعْ يُمْنَاهُ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَتَأَمَّلْ. وَهَلْ قَطْعُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى يُبْتَنَى عَلَى الْعِلَّتَيْنِ؟ فَإِنْ عَلَّلْنَا بِذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شِقٍّ، لَمْ تُقْطَعْ. وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ فَقَطْ، وَعَلَّلْنَا بِذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شِقٍّ، لَمْ تُقْطَعْ، هَذَا طَرْدُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " فِيهِ: تُقْطَعُ يُمْنَى يَدَيْهِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفَرْقٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ مَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ، وَالَّذِي يُقَالُ فِي الْفَرْقِ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ أَقْطَعَ الرِّجْلَيْنِ، فَهُوَ كَالْمُقْعَدِ، وَإِذَا قُطِعَتْ إِحْدَى يَدَيْهِ، انْتَفَعَ بِالْأُخْرَى فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ وَالِاسْتِجْمَارِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ لَمْ يَنْتَفِعْ إِلَّا بِرِجْلَيْهِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ إِحْدَاهُمَا، لَمْ يُمْكِنْهُ الِانْتِفَاعُ بِالرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ بِلَا يَدٍ، وَمِنَ الْفَرْقِ أَنَّ الْيَدَ الْوَاحِدَةَ

стр. 1942

تَنْفَعُ مَعَ عَدَمِ مَنْفَعَةِ الْمَشْيِ، وَالرِّجْلُ الْوَاحِدَةُ لَا تَنْفَعُ مَعَ عَدَمِ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ. [فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ ﷺ فِيمَنْ سَبَّهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ] ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَضَى بِإِهْدَارِ دَمِ أُمِّ وَلَدِ الْأَعْمَى لَمَّا قَتَلَهَا مَوْلَاهَا عَلَى السَّبِّ. وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ عَلَى سَبِّهِ وَأَذَاهُ، وَأَمَّنَ النَّاسَ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَّا نَفَرًا مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ وَيَهْجُوهُ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَانِ. وَقَالَ: «مَنْ لكعب بن الأشرف، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . وَأَهْدَرَ دَمَهُ وَدَمَ أبي رافع. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لِأَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، وَقَدْ أَرَادَ قَتْلَ مَنْ

стр. 1943

سَبَّهُ: لَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَهَذَا قَضَاؤُهُ ﷺ وَقَضَاءُ خُلَفَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ أَعَاذَهُمُ اللَّهُ مِنْ مُخَالَفَةِ هَذَا الْحُكْمِ. وَقَدْ رَوَى أبو داود فِي " سُنَنِهِ ": عَنْ علي ﵁ «أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتِمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهَا» . وَذَكَرَ أَصْحَابُ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «هَجَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: " مَنْ لِي بِهَا "؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا: أَنَا، فَنَهَضَ فَقَتَلَهَا، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: " لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ» . وَفِي ذَلِكَ بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا مَا بَيْنَ صِحَاحٍ وَحِسَانٍ وَمَشَاهِيرَ، وَهُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ حَرْبٌ فِي " مَسَائِلِهِ ": عَنْ مجاهد قَالَ: أُتِيَ عمر ﵁ بِرَجُلٍ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَالَ عمر ﵁: مَنْ سَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ سَبَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَاقْتُلُوهُ. ثُمَّ قَالَ مجاهد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَيُّمَا مُسْلِمٍ سَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ سَبَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَدْ كَذَّبَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ رِدَّةٌ، يُسْتَتَابُ، فَإِنْ رَجَعَ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَأَيُّمَا مُعَاهَدٍ عَانَدَ، فَسَبَّ اللَّهَ أَوْ سَبَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ جَهَرَ بِهِ، فَقَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ فَاقْتُلُوهُ. وَذَكَرَ أحمد، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ رَاهِبٌ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا يَسُبُّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵁: لَوْ سَمِعْتُهُ لَقَتَلْتُهُ، إِنَّا لَمْ نُعْطِهِمُ الذِّمَّةَ عَلَى أَنْ يَسُبُّوا نَبِيَّنَا. وَالْآثَارُ عَنِ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْإِجْمَاعَ عَلَى قَتْلِهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إِجْمَاعِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنْ

стр. 1944

الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَالْمَقْصُودُ: إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَضَائِهِ فِيمَنْ سَبَّهُ. وَأَمَّا تَرْكُهُ ﷺ قَتْلَ مَنْ قَدَحَ فِي عَدْلِهِ بِقَوْلِهِ: " اعْدِلْ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ "، وَفِي حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ: " أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ "، وَفِي قَصْدِهِ بِقَوْلِهِ: " إِنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ " أَوْ فِي خَلْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: " يَقُولُونَ إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الْغَيِّ وَتَسْتَخْلِي بِه " وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَذَلِكَ أَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَلَيْسَ لِأُمَّتِهِ تَرْكُ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ ﷺ . وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حَيْثُ كَانَ ﷺ مَأْمُورًا بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كَانَ يَعْفُو عَنْ حَقِّهِ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ وَجَمْعِ الْكَلِمَةِ، وَلِئَلَّا يُنَفِّرَ النَّاسَ عَنْهُ، وَلِئَلَّا يَتَحَدَّثُوا أَنَّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، وَكُلُّ هَذَا يَخْتَصُّ بِحَيَاتِهِ ﷺ . [فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِيمَنْ سَمَّهُ] ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «أَنَّ يَهُودِيَّةً سَمَّتْهُ فِي شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ

стр. 1945

لَفَظَهَا، وَأَكَلَ مَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، فَعَفَا عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُعَاقِبْهَا» ، هَكَذَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ ". وَعِنْدَ أبي داود: أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهَا، فَقِيلَ: إِنَّهُ عَفَا عَنْهَا فِي حَقِّهِ، فَلَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، قَتَلَهَا بِهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَدَّمَ لِغَيْرِهِ طَعَامًا مَسْمُومًا، يَعْلَمُ بِهِ دُونَ آكِلِهِ، فَمَاتَ بِهِ، أُقِيدَ مِنْهُ. [فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي السَّاحِرِ] فِي الترمذي: عَنْهُ ﷺ : «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَصَحَّ عَنْ عمر ﵁ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَصَحَّ عَنْ حفصة ﵂، أَنَّهَا قَتَلَتْ مُدَبَّرَةً سَحَرَتْهَا، فَأَنْكَرَ عَلَيْهَا عثمان إِذْ فَعَلَتْهُ دُونَ أَمْرِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عائشة ﵂ أَيْضًا أَنَّهَا قَتَلَتْ مُدَبَّرَةً سَحَرَتْهَا، وَرُوِيَ أَنَّهَا بَاعَتْهَا، ذَكَرَهُ ابن المنذر وَغَيْرُهُ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْتُلْ مَنْ سَحَرَهُ مِنَ الْيَهُودِ، فَأَخَذَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ، وأبو حنيفة - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -، وَأَمَّا مالك، وأحمد - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -، فَإِنَّهُمَا يَقْتُلَانِهِ، وَلَكِنْ مَنْصُوصُ أحمد ﵀ أَنَّ سَاحِرَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُقْتَلُ، وَاحْتَجَّ

стр. 1946

بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْتُلْ لبيد بن الأعصم اليهودي حِينَ سَحَرَهُ، وَمَنْ قَالَ بِقَتْلِ سَاحِرِهِمْ يُجِيبُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَبِأَنَّهُ خَشِيَ ﷺ أَنْ يُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا بِتَرْكِ إِخْرَاجِ السِّحْرِ مِنَ الْبِئْرِ، فَكَيْفَ لَوْ قَتَلَهُ. [فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي أَوَّلِ غَنِيمَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ وَأَوَّلِ قَتِيلٍ] «لَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عبد الله بن جحش وَمَنْ مَعَهُ سَرِيَّةً إِلَى نَخْلَةَ تَرَصَّدَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَأَعْطَاهُ كِتَابًا مَخْتُومًا، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَقْرَأَهُ إِلَّا بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَقَتَلُوا عمرو بن الحضرمي، وَأَسَرُوا عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَعَنَّفَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَنِيمَةَ وَالْأَسِيرَيْنِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] [الْبَقَرَةِ: ٢١٧] ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فِي فِدَائِهِمَا، فَقَالَ: لَا، حَتَّى يَقْدَمَ صَاحِبَانَا - يَعْنِي سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ -، فَإِنَّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَقْتُلُوهُمَا، نَقْتُلْ صَاحِبَيْكُمْ، فَلَمَّا قَدِمَا، فَادَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بعثمان والحكم، وَقَسَمَ الْغَنِيمَةَ» . وَذَكَرَ ابن وهب: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ الْغَنِيمَةَ، وَوَدَى الْقَتِيلَ. وَالْمَعْرُوفُ فِي السِّيَرِ خِلَافُ هَذَا. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ الْفِقْهِ إِجَازَةُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْمَخْتُومَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مالك، وَكَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» .

стр. 1947

وَفِيهَا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي كِتَابِ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ الْبَيِّنَةُ، وَلَا أَنْ يَقْرَأَهُ الْإِمَامُ وَالْحَاكِمُ عَلَى الْحَامِلِ لَهُ، وَكُلُّ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْفَعُ كُتُبَهُ مَعَ رُسُلِهِ، وَيُسَيِّرُهَا إِلَى مَنْ يَكْتُبُ إِلَيْهِ، وَلَا يَقْرَؤُهَا عَلَى حَامِلِهَا، وَلَا يُقِيمُ عَلَيْهَا شَاهِدَيْنِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ هَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ. [فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي الْجَاسُوسِ] ثَبَتَ أَنَّ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ لَمَّا جَسَّ عَلَيْهِ، سَأَلَهُ عمر ﵁ ضَرْبَ عُنُقِهِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ، وَقَالَ: " «مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ". وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَوْفًى. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ سَحْنُونٌ: إِذَا كَاتَبَ الْمُسْلِمُ أَهْلَ الْحَرْبِ، قُتِلَ، وَلَمْ يُسْتَتَبْ، وَمَالُهُ لِوَرَثَتِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مالك ﵀: يُجْلَدُ جَلْدًا وَجِيعًا، وَيُطَالُ حَبْسُهُ، وَيُنْفَى مِنْ مَوْضِعٍ يَقْرُبُ مِنَ الْكُفَّارِ. وَقَالَ ابن القاسم: يُقْتَلُ وَلَا يُعْرَفُ لِهَذَا تَوْبَةٌ، وَهُوَ كَالزِّنْدِيقِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وأبو حنيفة، وأحمد ﵏: لَا يُقْتَلُ، وَالْفَرِيقَانِ احْتَجُّوا بِقِصَّةِ حاطب، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وَجْهِ احْتِجَاجِهِمْ، وَوَافَقَ ابن عقيل مِنْ أَصْحَابِ أحمد مالكا وَأَصْحَابَهُ. [فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ فِي الْأَسْرَى] ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي الْأَسْرَى أَنَّهُ قَتَلَ بَعْضَهُمْ، وَمَنَّ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَفَادَى

стр. 1948

بَعْضَهُمْ بِمَالٍ، وَبَعْضَهُمْ بِأَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَرَقَّ بَعْضَهُمْ، وَلَكِنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَرِقَّ رَجُلًا بَالِغًا. فَقَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْأَسْرَى عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث. وَقَتَلَ مِنْ يَهُودَ جَمَاعَةً كَثِيرِينَ مِنَ الْأَسْرَى، وَفَادَى أَسْرَى بَدْرٍ بِالْمَالِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ، وَفَادَى بَعْضَهُمْ عَلَى تَعْلِيمِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْكِتَابَةَ، وَمَنَّ عَلَى أبي عزة الشاعر يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ فِي أُسَارَى بِدْرٍ: " «لَوْ كَانَ المطعم بن عدي حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ» ". وَفَدَى رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَفَدَى رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِامْرَأَةٍ مِنَ السَّبْيِّ، اسْتَوْهَبَهَا مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ. وَمَنَّ عَلَى ثمامة بن أثال، وَأَطْلَقَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ جَمَاعَةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُمُ الطُّلَقَاءُ. وَهَذِهِ أَحْكَامٌ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ، بَلْ يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ،

стр. 1949

وَاسْتَرَقَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، فَسَبَايَا أَوْطَاسٍ، وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ لَمْ يَكُونُوا كِتَابِيِّينَ، وَإِنَّمَا كَانُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ مِنَ الْعَرَبِ. وَاسْتَرَقَّ الصَّحَابَةُ مِنْ سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَكُونُوا كِتَابِيِّينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْفِدَاءِ وَالْمَنِّ وَالْقَتْلِ وَالِاسْتِعْبَادِ، يَفْعَلُ مَا شَاءَ» ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا قَوْلَ سِوَاهُ. [فَصْلٌ حُكْمُهُ ﷺ فِي الْيَهُودِ] فَصْلٌ وَحَكَمَ فِي الْيَهُودِ بِعِدَّةِ قَضَايَا، فَعَاهَدَهُمْ أَوَّلَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ حَارَبَهُ بَنُو قَيْنُقَاعَ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ حَارَبَهُ بَنُو النَّضِيرِ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَأَجْلَاهُمْ، ثُمَّ حَارَبَهُ بَنُو قُرَيْظَةَ، فَظَفِرَ بِهِمْ وَقَتَلَهُمْ، ثُمَّ حَارَبَهُ أَهْلُ خَيْبَرَ، فَظَفِرَ بِهِمْ وَأَقَرَّهُمْ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ مَا شَاءَ سِوَى مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ. وَلَمَّا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِأَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَتُغْنَمَ أَمْوَالُهُمْ، أَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ. وَتَضَمَّنَ هَذَا الْحُكْمُ: أَنَّ نَاقِضِي الْعَهْدِ يَسْرِي نَقْضُهُمْ إِلَى نِسَائِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ إِذَا كَانَ نَقْضُهُمْ بِالْحَرْبِ، وَيَعُودُونَ أَهْلَ حَرْبٍ، وَهَذَا عَيْنُ حُكْمِ اللَّهِ . [فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ] حَكَمَ يَوْمَئِذٍ بِإِقْرَارِ يَهُودَ فِيهَا عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ.

стр. 1950

وَحَكَمَ بِقَتْلِ ابْنَيْ أبي الحقيق لَمَّا نَقَضُوا الصُّلْحَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ: عَلَى أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَكَتَمُوا وَغَيَّبُوا، وَحَكَمَ بِعُقُوبَةِ الْمُتَّهَمِ بِتَغْيِيبِ الْمَالِ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ. وَكَانَتْ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ خَاصَّةً، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهَا إِلَّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَسَمَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَهُ. [فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي فَتْحِ مَكَّةَ] حَكَمَ بِأَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ، أَوْ دَخَلَ دَارَ أبي سفيان، أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، أَوْ وَضَعَ السِّلَاحَ، فَهُوَ آمِنٌ، وَحَكَمَ بِقَتْلِ نَفَرٍ سِتَّةٍ، مِنْهُمْ: مقيس بن صبابة، وابن خطل، وَمُغَنِّيَتَانِ كَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهِجَائِهِ، وَحَكَمَ بِأَنَّهُ لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ، ذَكَرَهُ أبو عبيد فِي " الْأَمْوَالِ ". وَحَكَمَ لِخُزَاعَةَ أَنْ يَبْذُلُوا سُيُوفَهُمْ فِي بَنِي بَكْرٍ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: " «يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنِ الْقَتْلِ» ". [فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ] حَكَمَ ﷺ أَنَّ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، هَذَا حُكْمُهُ الثَّابِتُ عَنْهُ فِي مَغَازِيهِ كُلِّهَا، وَبِهِ أَخَذَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.

стр. 1951

وَحَكَمَ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ. وَأَمَّا حُكْمُهُ بِإِخْرَاجِ الْخُمُسِ، فَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتِ الْخَيْلُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَكَانَ أَوَّلَ فَيْءٍ وَقَعَتْ فِيهِ السُّهْمَانُ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ الْخُمُسَ، وَمَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، فَقَالَ إسماعيل: وَأَحْسَبُ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: تَرَكَ أَمْرَ الْخُمْسِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأَتِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا فِيهِ بَيَانٌ شَافٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ ذِكْرُ الْخُمُسِ يَقِينًا فِي غَنَائِمِ حُنَيْنٍ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَوَّلُ خُمُسٍ خُمِّسَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقَاعَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَمْوَالَهُمْ، وَلَهُمُ النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ، وَخَمَّسَ أَمْوَالَهُمْ. وَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَدْرٍ، فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ، تَبِعَتْهُمْ طَائِفَةٌ يَقْتُلُونَهُمْ، وَأَحْدَقَتْ طَائِفَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَطَائِفَةٌ اسْتَوْلَتْ عَلَى الْعَسْكَرِ وَالْغَنِيمَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ الَّذِينَ طَلَبُوهُمْ، قَالُوا: لَنَا النَّفَلُ نَحْنُ طَلَبْنَا الْعَدُوَّ، وَقَالَ الَّذِينَ أَحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : نَحْنُ أَحَقُّ بِهِ، لِأَنَّا أَحْدَقْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَنَالَ الْعَدُوُّ غِرَّتَهُ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتَوْلَوْا عَلَى الْعَسْكَرِ: هُوَ لَنَا، نَحْنُ حَوَيْنَاهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] [الْأَنْفَالِ: ١] . فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَوَاءٍ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] [الْأَنْفَالِ: ٤١] » .

стр. 1952

وَقَالَ القاضي إسماعيل: إِنَّمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَثَلَاثَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وأبي دجانة، والحارث بن الصمة لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، شَاطَرَهُمُ الْأَنْصَارُ ثِمَارَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، وَأَقَمْتُمْ عَلَى مُوَاسَاتِهِمْ فِي ثِمَارِكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَعْطَيْنَاهَا لِلْمُهَاجِرِينَ دُونَكُمْ، وَقَطَعْتُمْ عَنْهُمْ مَا كُنْتُمْ تُعْطُونَهُمْ مِنْ ثِمَارِكُمْ، فَقَالُوا: بَلْ تُعْطِيهِمْ دُونَنَا، وَنُمْسِكُ ثِمَارَنَا، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُهَاجِرِينَ، فَاسْتَغْنَوْا بِمَا أَخَذُوا، وَاسْتَغْنَى الْأَنْصَارُ بِمَا رَجَعَ إِلَيْهِمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ» ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مِنَ الْأَنْصَارِ شَكَوْا حَاجَةً.

стр. 1953

[فَصْلٌ مَنْ ضُرِبَ لَهُ سَهْمٌ وَلَمْ يَحْضُرْ] فَصْلٌ «وَكَانَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ﵄ بِالشَّامِ لَمْ يَشْهَدَا بَدْرًا، فَقَسَمَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَيْهِمَا، فَقَالَا: وَأُجُورُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " وَأُجُورُكُمَا» ". وَذَكَرَ ابن هشام وابن حبيب أَنَّ ( «أبا لبابة والحارث بن حاطب وعاصم بن عدي خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّهُمْ، وَأَمَّرَ أبا لبابة عَلَى الْمَدِينَةِ، وَابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الصَّلَاةِ، وَأَسْهَمَ لَهُمْ» ) . ( «والحارث بن الصمة كُسِرَ بِالرَّوْحَاءِ فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمِهِ» ) . قَالَ ابن هشام: ( «وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمِهِ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ تَخَلَّفَ عَلَى امْرَأَتِهِ رقية بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ، فَقَالَ: وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَأَجْرُكَ» ) ، قَالَ ابن حبيب: وَهَذَا خَاصٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ لَا يُقْسَمَ لِغَائِبٍ. قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ أحمد ومالك وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: إِنَّ الْإِمَامَ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا فِي مَصَالِحِ الْجَيْشِ فَلَهُ سَهْمُهُ. قَالَ ابن حبيب: ( «وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يُسْهِمُ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ، وَلَكِنْ كَانَ يَحْذِيهِمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ» ) .

стр. 1954

[فصل مَا يَعْدِلُ الْبَعِيرُ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ] فصل وَعَدَلَ فِي قِسْمَةِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا بِبَعِيرٍ، فَهَذَا فِي التَّقْوِيمِ وَقِسْمَةِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ. وَأَمَّا فِي الْهَدْيِ، فَقَدْ قَالَ ( «جابر: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» ) . فَهَذَا فِي الْحُدَيْبِيَةِ. وَأَمَّا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ ( «جابر أَيْضًا: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ» ) ، وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحِ. وَفِي " السُّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ( «رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ عَلَيَّ بَدَنَةً وَأَنَا مُوسِرٌ بِهَا وَلَا أَجِدُهَا فَأَشْتَرِيَهَا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَبْتَاعَ سَبْعَ شِيَاهٍ فَيَذْبَحَهُنَّ» ) . [فصل هَلِ السَّلَبُ مِنَ الْخُمُسِ] حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالسَّلَبِ كُلِّهِ لِلْقَاتِلِ، وَلَمْ يُخَمِّسْهُ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ الْخُمُسِ، بَلْ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ، وَهَذَا حُكْمُهُ وَقَضَاؤُهُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ": السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ غَيْرِ الْخُمُسِ، وَحَكَمَ بِهِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، وَحَكَمَ بِهِ بَعْدَ الْقَتْلِ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ تَضَمَّنَهَا حُكْمُهُ ﷺ بِالسَّلَبِ لِمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا. وَقَالَ مالك وَأَصْحَابُهُ: السَّلَبُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْخُمُسِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ

стр. 1955

النَّفَلِ، قَالَ مالك: وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ، وَلَا فَعَلَهُ فِي غَيْرِ يَوْمِ حُنَيْنٍ، وَلَا فَعَلَهُ أبو بكر، وَلَا عمر ﵄. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَمْ يُعْطِ غَيْرَ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ وَخَمَّسَهُ. قَالَ أَصْحَابُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فَجَعَلَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ غَنِمَهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ شَيْءٌ مِمَّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ بِالِاحْتِمَالِ. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّمَا هِيَ فِي غَيْرِ الْأَسْلَابِ لَمْ يُؤَخِّرِ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَهَا إِلَى حُنَيْنٍ، وَقَدْ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ، وَأَيْضًا إِنَّمَا قَالَ: ( «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» ) ، بَعْدَ أَنْ بَرُدَ الْقِتَالُ. وَلَوْ كَانَ أَمْرًا مُتَقَدِّمًا، لَعَلِمَهُ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَحَدُ أَكَابِرِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ لَمْ يَطْلُبْهُ حَتَّى سَمِعَ مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ. قَالُوا: وَأَيْضًا فَالنَّبِيُّ ﷺ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ بِلَا يَمِينٍ، فَلَوْ كَانَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ لَمْ يَخْرُجْ حَقُّ مَغْنَمٍ إِلَّا بِمَا تُخْرَجُ بِهِ الْأَمْلَاكُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ، أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ. قَالُوا: وَأَيْضًا فَلَوْ وَجَبَ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً لَكَانَ يُوقَفُ كَاللُّقَطَةِ وَلَا يُقْسَمْ، وَهُوَ إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً يُقْسَمُ، فَخَرَجَ مِنْ مَعْنَى الْمِلْكِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ يَجْعَلُهُ مِنَ الْخُمُسِ الَّذِي يُجْعَلُ فِي غَيْرِهِ، هَذَا مَجْمُوعُ مَا احْتُجَّ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ. قَالَ الْآخَرُونَ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفَعَلَهُ قَبْلَ حُنَيْنٍ بِسِتَّةِ أَعْوَامٍ، فَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ": ( «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذَ بْنَ عَفْرَاءَ الْأَنْصَارِيَّيْنِ ضَرَبَا أبا جهل بن هشام يَوْمَ بَدْرٍ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، فَانْصَرَفَا إِلَى

стр. 1956

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ فَقَالَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالَا: لَا، فَنَظَرَ إِلَى السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، وَسَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ» ) ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَوْنَ السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ مَعْلُومٌ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا تَجَدَّدَ يَوْمَ حُنَيْنٍ الْإِعْلَامُ الْعَامُّ، وَالْمُنَادَاةُ بِهِ لَا شَرْعِيَّتُهُ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ: إِنَّ أبا بكر وعمر لَمْ يَفْعَلَاهُ، فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ فَلَا تُسْمَعُ، الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْمُنَادَاةِ بِذَلِكَ عَلَى عَهْدِهِمَا اكْتِفَاءً بِمَا تَقَرَّرَ، وَثَبَتَ مِنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَضَائِهِ، وَحَتَّى لَوْ صَحَّ عَنْهُمَا تَرْكُ ذَلِكَ تَرْكًا صَحِيحًا لَا احْتِمَالَ فِيهِ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَمْ يُعْطِ غَيْرَ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ، فَقَدْ أَعْطَى السَّلَبَ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، ولمعاذ بن عمرو، ولأبي طلحة الأنصاري، قَتَلَ عِشْرِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ، وَهَذِهِ كُلُّهَا وَقَائِعُ صَحِيحَةٌ مُعْظَمُهَا فِي الصَّحِيحِ، فَالشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ لَا تَكَادُ تَسْلَمُ مِنَ النَّقْضِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَخَمَّسَهُ " فَهَذَا لَمْ يُحْفَظْ بِهِ أَثَرٌ الْبَتَّةَ، بَلِ الْمَحْفُوظُ خِلَافُهُ، فَفِي " سُنَنِ أبي داود ": عَنْ خالد ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ» ) . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فَهَذَا

стр. 1957

عَامٌّ، وَالْحُكْمُ بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ خَاصٌّ، وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، وَنَظَائِرُهُ مَعْلُومَةٌ وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا. وَقَوْلُهُ: " لَا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنَ الْغَنِيمَةِ لِغَيْرِ أَهْلِهَا بِالِاحْتِمَالِ "، جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّا لَمْ نَجْعَلِ السَّلَبَ لِغَيْرِ الْغَانِمِينَ. الثَّانِي: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ لِلْقَاتِلِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا بِالِاحْتِمَالِ، وَلَمْ يُؤَخِّرِ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَ الْآيَةِ إِلَى يَوْمِ حُنَيْنٍ كَمَا ذَكَرْتُمْ، بَلْ قَدْ حَكَمَ بِذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ قَالَهُ بَعْدَ الْقِتَالِ مِنَ اسْتِحْقَاقِهِ بِالْقَتْلِ. وَأَمَّا كَوْنُ أبي قتادة لَمْ يَطْلُبْهُ حَتَّى سَمِعَ مُنَادِيَ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُهُ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَقَرِّرًا مَعْلُومًا، وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْهُ أَبُو قَتَادَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، فَلَمَّا شَهِدَ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ أَعْطَاهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي هَذَا بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى شَاهِدٍ آخَرَ وَلَا يَمِينٍ، كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْقَاتِلِ لَوَقَفَ وَلَمْ يُقَسَّمْ كَاللُّقَطَةِ " فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لِلْغَانِمِينَ وَإِنَّمَا لِلْقَاتِلِ حَقُّ التَّقْدِيمِ، فَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ عَيْنُ الْقَاتِلِ اشْتَرَكَ فِيهِ الْغَانِمُونَ، فَإِنَّهُ حَقُّهُمْ وَلَمْ يَظْهَرْ مُسْتَحِقُّ التَّقْدِيمِ مِنْهُمْ فَاشْتَرَكُوا فِيهِ. [فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِيمَا حَازَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ أَوْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ] فِي " الْبُخَارِيِّ ": أَنَّ فَرَسًا لِابْنِ عُمَرَ ﵁ ذَهَبَ وَأَخَذَهُ الْعَدُوُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبَقَ لَهُ عَبْدٌ فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ خالد فِي زَمَنِ أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ

стр. 1958

عَنْهُ. وَفِي " سُنَنِ أبي داود ": ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ الْغُلَامَ» ) . وَفِي " الْمُدَوَّنَةِ " وَ" الْوَاضِحَةِ " ( «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَجَدَ بَعِيرًا لَهُ فِي الْمَغَانِمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنْ وَجَدْتَهُ لَمْ يُقْسَمْ فَخُذْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قُسِمَ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ إِنْ أَرَدْتَهُ» ) . وَصَحَّ عَنْهُ: أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ طَلَبُوا مِنْهُ دُورَهُمْ يَوْمَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَى أَحَدٍ دَارَهُ. ( «وَقِيلَ لَهُ: أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا مِنْ دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عقيل مَنْزِلًا» ) ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَثَبَ عقيل عَلَى رِبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ فَحَازَهَا كُلَّهَا، وَحَوَى عَلَيْهَا، ثُمَّ أَسْلَمَ وَهِيَ فِي يَدِهِ، وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ، وَكَانَ عقيل وَرِثَ أبا طالب، وَلَمْ يَرِثْهُ علي لِتَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ عَلَى مَوْتِ أَبِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِيرَاثٌ مِنْ عبد المطلب فَإِنَّ أَبَاهُ عبد الله مَاتَ وَأَبَوْهُ عبد المطلب حَيٌّ، ثُمَّ مَاتَ عبد المطلب فَوَرِثَهُ أَوْلَادُهُ، وَهُمْ أَعْمَامُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَاتَ أَكْثَرُ أَوْلَادِهِ وَلَمْ يُعْقِبُوا، فَحَازَ أبو طالب رِبَاعَهُ ثُمَّ مَاتَ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا عقيل دُونَ علي لِاخْتِلَافِ الدِّينِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَاسْتَوْلَى عقيل عَلَى دَارِهِ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عقيل مَنْزِلًا» ) . وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْمِدُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَحِقَ بِالْمَدِينَةِ فَيَسْتَوْلُونَ عَلَى دَارِهِ وَعَقَارِهِ، فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْكُفَّارَ الْمُحَارِبِينَ إِذَا أَسْلَمُوا لَمْ يَضْمَنُوا مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمُ الَّتِي غَصَبُوهَا عَلَيْهِمْ، بَلْ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ، هَذَا حُكْمُهُ وَقَضَاؤُهُ ﷺ .

стр. 1959

[فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِيمَا كَانَ يُهْدَى إِلَيْهِ] كَانَ أَصْحَابُهُ ﵃ يُهْدُونَ إِلَيْهِ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ، فَيَقْبَلُ مِنْهُمْ وَيُكَافِئُهُمْ أَضْعَافَهَا. وَكَانَتِ الْمُلُوكُ تُهْدِي إِلَيْهِ فَيَقْبَلُ هَدَايَاهُمْ، وَيَقْسِمُهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَيَأْخُذُ مِنْهَا لِنَفَسِهِ مَا يَخْتَارُهُ، فَيَكُونُ كَالصَّفِيِّ الَّذِي لَهُ مِنَ الْمَغْنَمِ. وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ": ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ أَقْبِيَةُ دِيبَاجٍ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَجَاءَ وَمَعَهُ المسور ابْنُهُ، فَقَامَ على الْبَابِ فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ، فَتَلَقَّاهُ بِهِ فَاسْتَقْبَلَهُ، وَقَالَ: يَا أبا المسور خَبَأْتُ هَذَا لَكَ» ) . وَأَهْدَى لَهُ المقوقس مارية أُمَّ وَلَدِهِ، وسيرين الَّتِي وَهَبَهَا لحسان وَبَغْلَةً شَهْبَاءَ، وَحِمَارًا. وَأَهْدَى لَهُ النَّجَاشِيُّ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا مِنْهُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ هَدِيَّةً عِوَضَهَا، وَأُخْبِرَ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهَا تَرْجِعُ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ. وَأَهْدَى لَهُ فروة بن نفاثة الجذامي بَغْلَةً بَيْضَاءَ رَكِبَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ، ذَكَرَهُ مسلم.

стр. 1960

وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ: «أَنَّ ملك أيلة أَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، فَكَسَاهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بُرْدَةً، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ» . وَأَهْدَى لَهُ أبو سفيان هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا. وَذَكَرَ أبو عبيد: ( «أَنَّ عامر بن مالك مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ فَرَسًا، فَرَدَّهُ وَقَالَ: إِنَّا لَا نَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ لعياض المجاشعي: إِنَّا لَا نَقْبَلُ زَبَدَ الْمُشْرِكِينَ» ) ، يَعْنِي: رِفْدَهُمْ. قَالَ أبو عبيد: وَإِنَّمَا قَبِلَ هَدِيَّةَ أبي سفيان؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَذَلِكَ المقوقس صاحب الإسكندرية، إِنَّمَا قَبِلَ هَدِيَّتَهُ لِأَنَّهُ أَكْرَمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ رَسُولَهُ إِلَيْهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ وَلَمْ يُؤَيَّسْهُ مِنْ إِسْلَامِهِ، وَلَمْ يَقْبَلْ ﷺ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ مُحَارِبٍ لَهُ قَطُّ. [فَصْلٌ حُكْمُ الْمُهْدَى لِلْأَئِمَّةِ] فَصْلٌ وَأَمَّا حُكْمُ هَدَايَا الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ، فَقَالَ سَحْنُونٌ مِنْ أَصْحَابِ مالك: إِذَا أَهْدَى أَمِيرُ الرُّومِ هَدِيَّةً إِلَى الْإِمَامِ فَلَا بَأْسَ بِقَبُولِهَا، وَتَكُونُ لَهُ خَاصَّةً، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: تَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيُكَافِئُهُ عَلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ وَأَصْحَابُهُ: مَا أَهْدَاهُ الْكُفَّارُ لِلْإِمَامِ أَوْ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَوْ قُوَّادِهِ فَهُوَ غَنِيمَةٌ حُكْمُهَا حُكْمُ الْغَنَائِمِ.

стр. 1961

[فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي قِسْمَةِ الْأَمْوَالِ] الْأَمْوَالُ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُهَا ثَلَاثَةٌ: الزَّكَاةُ، وَالْغَنَائِمُ، وَالْفَيْءُ. فَأَمَّا الزَّكَاةُ وَالْغَنَائِمُ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُمَا، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَوْعِبُ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ، وَأَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا وَضَعَهَا فِي وَاحِدٍ. وَأَمَّا حُكْمُهُ فِي الْفَيْءِ فَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ قَسَمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْفَيْءِ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا فَعَتَبُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: ( «أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْبَعِيرِ، وَتَنْطَلِقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقُودُونَهُ إِلَى رِحَالِكُمْ، فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ» ) وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقِصَّةِ وَفَوَائِدُهَا فِي مَوْضِعِهَا. وَالْقِصَّةُ هُنَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ لِرَسُولِهِ مِنَ الْحُكْمِ فِي مَالِ الْفَيْءِ مَا لَمْ يُبِحْهُ لِغَيْرِهِ، وَفِي " الصَّحِيحِ " عَنْهُ ﷺ : ( «إِنِّي لَأُعْطِي أَقْوَامًا، وَأَدَعُ غَيْرَهُمْ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي» ) . وَفِي " الصَّحِيحِ " عَنْهُ ( «إِنِّي لَأُعْطِي أَقْوَامًا أَخَافُ ظَلْعَهُمْ وَجَزَعَهُمْ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ، مِنْهُمْ: عمرو بن تغلب) . قَالَ عمرو بن تغلب: فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ» .

стр. 1962

وَفِي " الصَّحِيحِ: ( «أَنَّ عليا بُعِثَ إِلَيْهِ بِذُهَيْبَةٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَسَمَهَا أَرْبَاعًا، فَأَعْطَى الأقرع بن حابس، وَأَعْطَى زيد الخيل، وَأَعْطَى علقمة بن علاثة، وعيينة بن حصن، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ؟!» ) الْحَدِيثَ. وَفِي " السُّنَنِ ": ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَضَعَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ، وَفِي بَنِي الْمُطَّلِبِ، وَتَرَكَ بَنِي نَوْفَلٍ، وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَانْطَلَقَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَيْهِ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا نُنْكِرُ فَضْلَ بَنِي هَاشِمٍ لِمَوْضِعِهِمْ مِنْكَ، فَمَا بَالُ إِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكَتْنَا، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، إِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» ) . وَذَكَرَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى يُصْرَفُ بَعْدَهُ فِي بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ كَمَا يُصْرَفُ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، قَالَ: لِأَنَّ عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا إِخْوَةٌ، وَهُمْ أَوْلَادُ عبد مناف. وَيُقَالُ: إِنَّ عبد شمس وهاشما تَوْأَمَانِ. وَالصَّوَابُ: اسْتِمْرَارُ هَذَا الْحُكْمِ النَّبَوِيِّ، وَأَنَّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، حَيْثُ خَصَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ، وَقَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ: إِنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ بَيَّنَ مَوَاضِعَ الْخُمُسِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِذَوِي الْقُرْبَى، فَلَا

стр. 1963

يُتَعَدَّى بِهِ تِلْكَ الْمَوَاضِعُ، وَلَا يُقَصَّرُ عَنْهَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ بَيْنَ أَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ، وَلَا كَانَ يَقْسِمُهُ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، بَلْ كَانَ يَصْرِفُهُ فِيهِمْ بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ، فَيُزَوِّجُ مِنْهُ عَزَبَهُمْ، وَيَقْضِي مِنْهُ عَنْ غَارِمِهِمْ، وَيُعْطِي مِنْهُ فَقِيرَهُمْ كِفَايَتَهُ. وَفِي " سُنَنِ أبي داود ": عَنْ ( «عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: وَلَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُمُسَ الْخُمُسِ فَوَضَعْتُهُ مَوَاضِعَهُ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَحَيَاةَ أبي بكر ﵁، وَحَيَاةَ عُمَرَ ﵁» ) . وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهِ الْخَمْسَةِ، وَلَا يَقْوَى هَذَا الِاسْتِدْلَالُ، إِذْ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ صَرَفَهُ فِي مَصَارِفِهِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُهُ فِيهَا، وَلَمْ يُعَدِّهَا إِلَى سِوَاهَا، فَأَيْنَ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ بِهِ؟ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْكَامُهُ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ مَصَارِفَ الْخُمُسِ كَمَصَارِفِ الزَّكَاةِ، وَلَا يَخْرُجُ بِهَا عَنِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ، لَا أَنَّهُ يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ كَقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَتَهُ وَهَدْيَهُ حَقَّ التَّأَمُّلِ لَمْ يَشُكَّ فِي ذَلِكَ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: ( «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَفِي لَفْظٍ: " يَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) . وَفِي " السُّنَنِ ": عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ مِنْ يَوْمِهِ، فَأَعْطَى الْآهِلَ حَظَّيْنِ، وَأَعْطَى الْعَزَبَ

стр. 1964

حَظًّا» . فَهَذَا تَفْضِيلٌ مِنْهُ لِلْآهِلِ بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَوْجُهُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْفَيْءِ، هَلْ كَانَ مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يُشَاءُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحمد وَغَيْرِهِ. وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ وَهَدْيُهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْأَمْرِ، فَيَضَعُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ، وَيَقْسِمُهُ عَلَى مَنْ أُمِرَ بِقِسْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ بِشَهْوَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، يُعْطِي مَنْ أَحَبَّ، وَيَمْنَعُ مَنْ أَحَبَّ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْعَبْدِ الْمَأْمُورِ يُنَفِّذُ مَا أَمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ وَمَوْلَاهُ، فَيُعْطِي مَنْ أُمِرَ بِإِعْطَائِهِ، وَيَمْنَعُ مَنْ أُمِرَ بِمَنْعِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا فَقَالَ: ( «وَاللَّهِ إِنِّي لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُهُ، إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» ) ، فَكَانَ عَطَاؤُهُ وَمَنْعُهُ وَقَسَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا رَسُولًا، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَبْدَ الرَّسُولَ لَا يَتَصَرَّفُ إِلَّا بِأَمْرِ سَيِّدِهِ وَمُرْسِلِهِ، وَالْمَلِكُ الرَّسُولُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ يُشَاءُ، وَيَمْنَعَ مَنْ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِلْمَلِكِ الرَّسُولِ سُلَيْمَانَ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩] [ص: ٣٩] . أَيْ: أَعْطِ مَنْ شِئْتَ، وَامْنَعْ مَنْ شِئْتَ، لَا نُحَاسِبُكَ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ هِيَ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ فَرَغِبَ عَنْهَا إِلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا، وَهِيَ مَرْتَبَةُ الْعُبُودِيَّةِ الْمَحْضَةِ الَّتِي تَصَرُّفُ صَاحِبُهَا فِيهَا مَقْصُورٌ عَلَى أَمْرِ السَّيِّدِ فِي كُلِّ دَقِيقٍ وَجَلِيلٍ. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي الْفَيْءِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، فَهُوَ مَلِكٌ يُخَالِفُ حُكْمَ

стр. 1965

غَيْرِهِ مِنَ الْمَالِكِينَ، وَلِهَذَا كَانَ يُنْفِقُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بَخِيلٍ وَلَا رِكَابٍ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْأَمْوَالِ هُوَ السَّهْمُ الَّذِي وَقَعَ بَعْدَهُ فِيهِ مِنَ النِّزَاعِ مَا وَقَعَ إِلَى الْيَوْمِ. فَأَمَّا الزَّكَوَاتُ وَالْغَنَائِمُ وَقِسْمَةُ الْمَوَارِيثِ فَإِنَّهَا مُعَيَّنَةٌ لِأَهْلِهَا لَا يَشْرُكُهُمْ غَيْرُهُمْ فِيهَا، فَلَمْ يُشْكِلْ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِهَا مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَيْءِ، وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا مِنَ النِّزَاعِ مَا وَقَعَ فِيهِ، وَلَوْلَا إِشْكَالُ أَمْرِهِ عَلَيْهِمْ لَمَا طَلَبَتْ فاطمة بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِيرَاثَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ، وَظَنَّتْ أَنَّهُ يُورَثُ عَنْهُ مَا كَانَ مَلِكًا لَهُ كَسَائِرِ الْمَالِكِينَ، وَخَفِيَ عَلَيْهَا ﵂ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ الَّذِي لَيْسَ مِمَّا يُورَثُ عَنْهُ، بَلْ هُوَ صَدَقَةٌ بَعْدَهُ، وَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ خَلِيفَتُهُ الرَّاشِدُ الْبَارُّ الصِّدِّيقُ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ لَمْ يَجْعَلُوا مَا خَلَّفَهُ مِنَ الْفَيْءِ مِيرَاثًا يُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، بَلْ دَفَعُوهُ إِلَى علي والعباس يَعْمَلَانِ فِيهِ عَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى تَنَازَعَا فِيهِ وَتَرَافَعَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعمر وَلَمْ يَقْسِمْ أَحَدٌ مِنْهُمَا ذَلِكَ مِيرَاثًا، وَلَا مَكَّنَا مِنْهُ عباسا وعليا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ - لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ - وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٧ - ٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [الْحَشْرِ: ٧ - ١٠] . فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَا أَفَاءَ عَلَى رَسُولِهِ بِجُمْلَتِهِ لِمَنْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، وَلَمْ يَخُصَّ مِنْهُ خُمُسَهُ بِالْمَذْكُورِينَ، بَلْ عَمَّمَ وَأَطْلَقَ وَاسْتَوْعَبَ. وَيُصْرَفُ عَلَى الْمَصَارِفِ الْخَاصَّةِ، وَهُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ، ثُمَّ عَلَى الْمَصَارِفِ الْعَامَّةِ، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَتْبَاعُهُمْ إِلَى
следующие страницы →