Полный текст (2 628 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
وَوَعَدَهُ فَوَفَّى لَهُ تَعْرِيضٌ بعلي ﵁ وَتَهْيِيجٌ لَهُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ جَرَى مِنْهُ وَعْدٌ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَرِيبُهَا وَلَا يُؤْذِيهَا، فَهَيَّجَهُ عَلَى الْوَفَاءِ لَهُ، كَمَا وَفَى لَهُ صِهْرُهُ الْآخَرُ.
فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَشْرُوطَ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا، وَأَنَّ عَدَمَهُ يُمَلِّكُ الْفَسْخَ لِمُشْتَرِطِهِ، فَلَوْ فُرِضَ مِنْ عَادَةِ قَوْمٍ أَنَّهُمْ لَا يُخْرِجُونَ نِسَاءَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَلَا يُمَكِّنُونَ أَزْوَاجَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْبَتَّةَ وَاسْتَمَرَّتْ عَادَتُهُمْ بِذَلِكَ كَانَ كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا، وَهُوَ مُطَّرِدٌ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَوَاعِدِ أحمد ﵀ أَنَّ الشَّرْطَ الْعُرْفِيَّ كَاللَّفْظِيِّ سَوَاءٌ، وَلِهَذَا أَوْجَبُوا الْأُجْرَةَ عَلَى مَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى غَسَّالٍ أَوْ قَصَّارٍ، أَوْ عَجِينَهُ إِلَى خَبَّازٍ، أَوْ طَعَامَهُ إِلَى طَبَّاخٍ يَعْمَلُونَ بِالْأُجْرَةِ، أَوْ دَخَلَ الْحَمَّامَ أَوِ اسْتَخْدَمَ مَنْ يَغْسِلُهُ مِمَّنْ عَادَتُهُ يَغْسِلُ بِالْأُجْرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشْرُطْ لَهُمْ أُجْرَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. وَعَلَى هَذَا، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ بَيْتٍ لَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَى نِسَائِهِمْ ضَرَّةً وَلَا يُمَكِّنُونَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَعَادَتُهُمْ مُسْتَمِرَّةٌ بِذَلِكَ، كَانَ كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تُمَكِّنُ إِدْخَالَ الضَّرَّةِ عَلَيْهَا عَادَةً لِشَرَفِهَا وَحَسَبِهَا وَجَلَالَتِهَا، كَانَ تَرْكُ التَّزَوُّجِ عَلَيْهَا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا سَوَاءٌ.
وَعَلَى هَذَا فَسَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَابْنَةُ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ أَحَقُّ النِّسَاءِ بِهَذَا، فَلَوْ شَرَطَهُ عَلِيٌّ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ كَانَ تَأْكِيدًا لَا تَأْسِيسًا.
وَفِي مَنْعِ علي مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ فاطمة ﵂ وَبَيْنَ بِنْتِ أبي جهل حِكْمَةٌ بَدِيعَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَعَ زَوْجِهَا فِي دَرَجَتِهِ تَبَعٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَتْ فِي نَفْسِهَا ذَاتَ دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ، وَزَوْجُهَا كَذَلِكَ، كَانَتْ فِي دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ بِنَفْسِهَا وَبِزَوْجِهَا، وَهَذَا شَأْنُ فاطمة وعلي ﵄، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَجْعَلَ ابْنَةَ أبي جهل مَعَ فاطمة ﵂ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ لَا بِنَفْسِهَا وَلَا تَبَعًا، وَبَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ مَا بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يَكُنْ نِكَاحُهَا عَلَى سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مُسْتَحْسَنًا لَا شَرْعًا وَلَا قَدْرًا،
стр. 1997
وَقَدْ أَشَارَ ﷺ إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ: ( «وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ أَبَدًا» ) فَهَذَا إِمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ دَرَجَةَ الْآخَرِ بِلَفْظِهِ أَوْ إِشَارَتِهِ.
[فَصْلٌ فِيمَا حَكَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِتَحْرِيمِهِ مِنَ النِّسَاءِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ ]
حَرَّمَ الْأُمَّهَاتِ، وَهُنَّ كُلُّ مَنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ إِيلَادٌ مِنْ جِهَةِ الْأُمُومَةِ أَوِ الْأُبُوَّةِ، كَأُمَّهَاتِهِ وَأُمَّهَاتِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ مِنْ جِهَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَإِنْ عَلَوْنَ.
وَحَرَّمَ الْبَنَاتِ، وَهُنَّ كُلُّ مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ بِإِيلَادٍ كَبَنَاتِ صُلْبِهِ، وَبَنَاتِ بَنَاتِهِ وَأَبْنَائِهِنَّ وَإِنْ سَفَلْنَ.
وَحَرَّمَ الْأَخَوَاتِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَحَرَّمَ الْعَمَّاتِ، وَهُنَّ أَخَوَاتُ آبَائِهِ وَإِنْ عَلَوْنَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.
وَأَمَّا عَمَّةُ الْعَمِّ، فَإِنْ كَانَ الْعَمُّ لِأَبٍ فَهِيَ عَمَّةُ أَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ لِأُمٍّ فَعَمَّتُهُ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، فَلَا تَدْخُلُ فِي الْعَمَّاتِ، وَأَمَّا عَمَّةُ الْأُمِّ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي عَمَّاتِهِ، كَمَا دَخَلَتْ عَمَّةُ أَبِيهِ فِي عَمَّاتِهِ.
وَحَرَّمَ الْخَالَاتِ، وَهُنَّ أَخَوَاتُ أُمَّهَاتِهِ، وَأُمَّهَاتُ آبَائِهِ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَأَمَّا خَالَةُ الْعَمَّةِ فَإِنْ كَانَتِ الْعَمَّةُ لِأَبٍ فَخَالَتُهَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِأُمٍّ فَخَالَتُهَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّهَا خَالَةٌ، وَأَمَّا عَمَّةُ الْخَالَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْخَالَةُ لِأُمٍّ فَعَمَّتُهَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِأَبٍ فَعَمَّتُهَا حَرَامٌ، لِأَنَّهَا عَمَّةُ الْأُمِّ.
وَحَرَّمَ بَنَاتِ الْأَخِ، وَبَنَاتِ الْأُخْتِ، فَيَعُمُّ الْأَخَ وَالْأُخْتَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَبَنَاتِهِمَا وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ.
وَحَرَّمَ الْأُمَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أُمَّهَاتُهَا مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَإِذَا صَارَتِ الْمُرْضِعَةُ أُمَّهُ صَارَ صَاحِبُ اللَّبَنِ - وَهُوَ الزَّوْجُ أَوِ السَّيِّدُ إِنْ كَانَتْ جَارِيَةً - أَبَاهُ، وَآبَاؤُهُ أَجْدَادَهُ، فَنَبَّهَ بِالْمُرْضِعَةِ صَاحِبَةِ اللَّبَنِ الَّتِي هِيَ مُودَعٌ
стр. 1998
فِيهَا لِلْأَبِ، عَلَى كَوْنِهِ أَبًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ اللَّبَنَ لَهُ وَبِوَطْئِهِ ثَابَ، وَلِهَذَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَحْرِيمِ لَبَنِ الْفَحْلِ، فَثَبَتَ بِالنَّصِّ وَإِيمَائِهِ انْتِشَارُ حُرْمَةِ الرَّضَاعِ إِلَى أُمِّ الْمُرْتَضِعِ وَأَبِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَنَّهُ قَدْ صَارَ ابْنًا لَهُمَا، وَصَارَا أَبَوَيْنِ لَهُ، فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ إِخْوَتُهُمَا وَأَخَوَاتُهُمَا خَالَاتٍ لَهُ وَعَمَّاتٍ، وَأَبْنَاؤُهُمَا وَبَنَاتُهُمَا إِخْوَةً لَهُ وَأَخَوَاتٍ، فَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] [النِّسَاءِ: ٢٢] عَلَى انْتِشَارِ حُرْمَةِ الرَّضَاعِ إِلَى إِخْوَتِهِمَا وَأَخَوَاتِهِمَا، كَمَا انْتَشَرَتْ مِنْهُمَا إِلَى أَوْلَادِهِمَا، فَكَمَا صَارُوا إِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ لِلْمُرْتَضِعِ فَأَخْوَالُهُمَا وَخَالَاتُهُمَا أَخْوَالٌ وَخَالَاتٌ لَهُ وَأَعْمَامٌ وَعَمَّاتٌ لَهُ، الْأَوَّلُ بِطَرِيقِ النَّصِّ، وَالْآخَرُ بِتَنْبِيهِهِ، كَمَا أَنَّ الِانْتِشَارَ إِلَى الْأُمِّ بِطَرِيقِ النَّصِّ وَإِلَى الْأَبِ بِطَرِيقِ تَنْبِيهِهِ.
وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ عَجِيبَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِي الْقُرْآنِ، لَا يَقَعُ عَلَيْهَا إِلَّا كُلُّ غَائِصٍ عَلَى مَعَانِيهِ وَوُجُوهِ دَلَالَاتِهِ، وَمِنْ هُنَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ( «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ) ، وَلَكِنَّ الدَّلَالَةَ دَلَالَتَانِ: خَفِيَّةٌ وَجَلِيَّةٌ، فَجَمَعَهُمَا لِلْأُمَّةِ لِيَتِمَّ الْبَيَانُ وَيَزُولَ الِالْتِبَاسُ، وَيَقَعَ عَلَى الدَّلَالَةِ الْجَلِيَّةِ الظَّاهِرَةِ مَنْ قَصُرَ فَهْمُهُ عَنِ الْخُفْيَةِ.
وَحَرَّمَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أُمُّ الْمَرْأَةِ وَإِنْ عَلَتْ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رِضَاعٍ، دَخَلَ بِالْمَرْأَةِ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، لِصِدْقِ الِاسْمِ عَلَى هَؤُلَاءِ كُلِّهِنَّ.
وَحَرَّمَ الرَّبَائِبَ اللَّاتِي فِي حُجُورِ الْأَزْوَاجِ، وَهُنَّ بَنَاتُ نِسَائِهِمُ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ، فَتَنَاوَلَ بِذَلِكَ بَنَاتِهِنَّ، وَبَنَاتِ بَنَاتِهِنَّ، وَبَنَاتِ أَبْنَائِهِنَّ، فَإِنَّهُنَّ دَاخِلَاتٌ فِي اسْمِ الرَّبَائِبِ، وَقَيَّدَ التَّحْرِيمَ بِقَيْدَيْنِ أَحَدُهُمَا: كَوْنُهُنَّ فِي حُجُورِ الْأَزْوَاجِ. وَالثَّانِي:
стр. 1999
الدُّخُولُ بِأُمَّهَاتِهِنَّ. فَإِذَا لَمْ يُوجَدِ الدُّخُولُ لَمْ يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ، وَسَوَاءٌ حَصَلَتِ الْفُرْقَةُ بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ، هَذَا مُقْتَضَى النَّصِّ.
وَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ، وأحمد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إِلَى أَنَّ مَوْتَ الْأُمِّ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ كَالدُّخُولِ بِهَا، لِأَنَّهُ يُكْمِلُ الصَّدَاقَ، وَيُوجِبُ الْعِدَّةَ وَالتَّوَارُثَ، فَصَارَ كَالدُّخُولِ، وَالْجُمْهُورُ أَبَوْا ذَلِكَ، وَقَالُوا: الْمَيِّتَةُ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا فَلَا تَحْرُمُ ابْنَتُهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى قَيَّدَ التَّحْرِيمَ بِالدُّخُولِ، وَصَرَّحَ بِنَفْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ الدُّخُولِ.
وَأَمَّا كَوْنُهَا فِي حِجْرِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ لَا تَقْيِيدًا لِلتَّحْرِيمِ بِهِ، بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] [الْإِسْرَاءِ: ٣١] وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ بِنْتِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ أُمِّهَا فَهِيَ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ وُقُوعًا وَجَوَازًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اللَّاتِي مِنْ شَأْنِهِنَّ أَنْ يَكُنَّ فِي حُجُورِكُمْ، فَفِي ذِكْرِ هَذَا فَائِدَةٌ شَرِيفَةٌ، وَهِيَ جَوَازُ جَعْلِهَا فِي حِجْرِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِبْعَادُهَا عَنْهُ، وَتَجَنُّبُ مُؤَاكَلَتِهَا، وَالسَّفَرُ وَالْخَلْوَةُ بِهَا، فَأَفَادَ هَذَا الْوَصْفُ عَدَمَ الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَمَّا خَفِيَ هَذَا عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، شَرَطَ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ أَنْ تَكُونَ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ، وَقَيَّدَ تَحْرِيمَهَا بِالدُّخُولِ بِأُمِّهَا، وَأَطْلَقَ تَحْرِيمَ أُمِّ الْمَرْأَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالدُّخُولِ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: إِنَّ الْأُمَّ تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَلَا تَحْرُمُ الْبِنْتُ إِلَّا بِالدُّخُولِ بِالْأُمِّ، وَقَالُوا: أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللَّهُ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وَصْفٌ لِنِسَائِكُمُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَأَنَّهُ لَا تَحْرُمُ الْأُمُّ إِلَّا بِالدُّخُولِ بِالْبِنْتِ، وَهَذَا يَرُدُّهُ نَظْمُ الْكَلَامِ وَحَيْلُولَةُ الْمَعْطُوفِ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ، وَامْتِنَاعُ جَعْلِ الصِّفَةِ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ دُونَ الْمُضَافِ إِلَّا عِنْدَ الْبَيَانِ، فَإِذَا قُلْتَ: مَرَرْتُ بِغُلَامِ زَيْدٍ الْعَاقِلِ فَهُوَ صِفَةٌ لِلْغُلَامِ لَا لِزَيْدٍ إِلَّا عِنْدَ زَوَالِ اللَّبْسِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِغُلَامِ هِنْدٍ الْكَاتِبَةِ، وَيَرُدُّهُ أَيْضًا جَعْلُهُ صِفَةً وَاحِدَةً لِمَوْصُوفَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ وَالتَّعَلُّقِ وَالْعَامِلِ، وَهَذَا لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ.
стр. 2000
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَوْصُوفَ الَّذِي يَلِي الصِّفَةَ أَوْلَى بِهَا لِجِوَارِهِ، وَالْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَى نَقْلِهَا عَنْهُ، أَوْ تَخَطِّيهَا إِيَّاهُ إِلَى الْأَبْعَدِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ أَدْخَلْتُمْ رَبِيبَتَهُ الَّتِي هِيَ بِنْتُ جَارِيَتِهِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا وَلَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ؟ . قُلْنَا: السُّرِّيَّةُ قَدْ تَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ نِسَائِهِ، كَمَا دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] [الْبَقَرَةِ: ٢٢٣] وَدَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] [الْبَقَرَةِ: ١٨٧] وَدَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] [النِّسَاءِ: ٢٢] .
فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا إِدْخَالُهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] [النِّسَاءِ: ٢٣] فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّ جَارِيَتِهِ؟ .
قُلْنَا: نَعَمْ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِذَا وَطِئَ أَمَتَهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ قَدْ قَرَّرْتُمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الدُّخُولُ بِالْبِنْتِ فِي تَحْرِيمِ أُمِّهَا فَكَيْفَ تَشْتَرِطُونَهُ هَا هُنَا؟ .
قُلْنَا: لِتَصِيرَ مِنْ نِسَائِهِ، فَإِنَّ الزَّوْجَةَ صَارَتْ مِنْ نِسَائِهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا الْمَمْلُوكَةُ فَلَا تَصِيرُ مِنْ نِسَائِهِ حَتَّى يَطَأَهَا، فَإِذَا وَطِئَهَا صَارَتْ مِنْ نِسَائِهِ فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أَدْخَلْتُمُ السُّرِّيَّةَ فِي نِسَائِهِ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ وَلَمْ تُدْخِلُوهَا فِي نِسَائِهِ فِي آيَةِ الظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ؟ .
قِيلَ: السِّيَاقُ وَالْوَاقِعُ يَأْبَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الظِّهَارَ كَانَ عِنْدَهُمْ طَلَاقًا، وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ الْأَزْوَاجُ لَا الْإِمَاءُ، فَنَقَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنَ الطَّلَاقِ إِلَى التَّحْرِيمِ الَّذِي تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ،
стр. 2001
وَنَقَلَ حُكْمَهُ وَأَبْقَى مَحِلَّهُ، وَأَمَّا الْإِيلَاءُ فَصَرِيحٌ فِي أَنَّ مَحِلَّهُ الزَّوْجَاتُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧] [الْبَقَرَةِ: ٢٢٦ - ٢٢٧] .
وَحَرَّمَ سُبْحَانَهُ حَلَائِلَ الْأَبْنَاءِ، وَهُنَّ مَوْطُوآتُ الْأَبْنَاءِ بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، فَإِنَّهَا حَلِيلَةٌ بِمَعْنَى مُحَلَّلَةٍ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ابْنُ صُلْبِهِ وَابْنُ ابْنِهِ وَابْنُ ابْنَتِهِ، وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ ابْنُ التَّبَنِّي، وَهَذَا التَّقْيِيدُ قُصِدَ بِهِ إِخْرَاجُهُ.
وَأَمَّا حَلِيلَةُ ابْنِهِ مِنَ الرَّضَاعِ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ يُدْخِلُونَهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] [النِّسَاءِ: ٢٣] وَلَا يُخْرِجُونَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] [النِّسَاءِ: ٢٣] وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ» ) ، قَالُوا: وَهَذِهِ الْحَلِيلَةُ تَحْرُمُ إِذَا كَانَتْ لِابْنِ النَّسَبِ، فَتَحْرُمُ إِذَا كَانَتْ لِابْنِ الرَّضَاعِ. قَالُوا: وَالتَّقْيِيدُ لِإِخْرَاجِ ابْنِ التَّبَنِّي لَا غَيْرَ، وَحَرَّمُوا مِنَ الرَّضَاعِ بِالصِّهْرِ نَظِيرَ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ. وَنَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ وَقَالُوا: لَا تَحْرُمُ حَلِيلَةُ ابْنِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صُلْبِهِ، وَالتَّقْيِيدُ كَمَا يُخْرِجُ حَلِيلَةَ ابْنِ التَّبَنِّي يُخْرِجُ حَلِيلَةَ ابْنِ الرَّضَاعِ سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : ( «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ) فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ أَدِلَّتِنَا وَعُمْدَتِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ حَلَائِلِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ إِنَّمَا هُوَ بِالصِّهْرِ لَا بِالنَّسَبِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ قَصَرَ تَحْرِيمَ الرَّضَاعِ عَلَى نَظِيرِهِ مِنَ النَّسَبِ لَا عَلَى شَقِيقِهِ مِنَ الصِّهْرِ فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ بِالتَّحْرِيمِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ.
قَالُوا: وَالتَّحْرِيمُ بِالرَّضَاعِ فَرْعٌ عَلَى تَحْرِيمِ النَّسَبِ لَا عَلَى تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ، فَتَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ أَصْلٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَنُصَّ فِي كِتَابِهِ
стр. 2002
عَلَى تَحْرِيمِ الرَّضَاعِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى التَّحْرِيمِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الصِّهْرِ الْبَتَّةَ، لَا بِنَصٍّ وَلَا إِيمَاءٍ وَلَا إِشَارَةٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يَحْرُمَ بِهِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَفِي ذَلِكَ إِرْشَادٌ وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ بِالصِّهْرِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذَلِكَ لَقَالَ: " حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ وَالصِّهْرِ ".
قَالُوا: وَأَيْضًا فَالرَّضَاعَ مُشَبَّهٌ بِالنَّسَبِ، وَلِهَذَا أَخَذَ مِنْهُ بَعْضَ أَحْكَامِهِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ وَالْمَحْرَمِيَّةُ فَقَطْ دُونَ التَّوَارُثِ، وَالْإِنْفَاقِ وَسَائِرِ أَحْكَامِ النَّسَبِ فَهُوَ نَسَبٌ ضَعِيفٌ، فَأَخَذَ بِحَسَبِ ضَعْفِهِ بَعْضَ أَحْكَامِ النَّسَبِ، وَلَمْ يَقْوَ عَلَى سَائِرِ أَحْكَامِ النَّسَبِ، وَهُوَ أَلْصَقُ بِهِ مِنَ الْمُصَاهَرَةِ فَكَيْفَ يَقْوَى عَلَى أَخْذِ أَحْكَامِ الْمُصَاهَرَةِ مَعَ قُصُورِهِ عَنْ أَحْكَامٍ مُشْبِهَةٍ وَشَقِيقَةٍ؟! .
وَأَمَّا الْمُصَاهَرَةُ وَالرَّضَاعُ فَإِنَّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا وَلَا شُبْهَةَ نَسَبٍ وَلَا بَعْضِيَّةَ وَلَا اتِّصَالَ. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الصِّهْرِيَّةِ ثَابِتًا لَبَيَّنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَيَانًا شَافِيًا يُقِيمُ الْحُجَّةَ وَيَقْطَعُ الْعُذْرَ، فَمِنَ اللَّهِ الْبَيَانُ، وَعَلَى رَسُولِهِ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ وَالِانْقِيَادُ، فَهَذَا مُنْتَهَى النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَمَنْ ظَفِرَ فِيهَا بِحُجَّةٍ فَلْيُرْشِدْ إِلَيْهَا وَلْيُدِلَّ عَلَيْهَا، فَإِنَّا لَهَا مُنْقَادُونَ، وَبِهَا مُعْتَصِمُونَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
[فَصْلٌ تَحْرِيمُ نِكَاحِ مَنْ نَكَحَهُنَّ الْآبَاءُ]
فَصْلٌ
وَحَرَّمَ نِكَاحَ مَنْ نَكَحَهُنَّ الْآبَاءُ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَنْكُوحَاتِهِمْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْ عَقْدِ نِكَاحٍ، وَيَتَنَاوَلُ آبَاءَ الْآبَاءِ وَآبَاءَ الْأُمَّهَاتِ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَالِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] مِنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ النَّهْيِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ الْمُسْتَلْزِمُ لِلتَّأْثِيمِ وَالْعُقُوبَةِ، فَاسْتَثْنَى مِنْهُ مَا سَلَفَ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ بِالرَّسُولِ وَالْكِتَابِ.
[فَصْلٌ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَالِاخْتِلَافُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ]
فَصْلٌ
وَحَرَّمَ سُبْحَانَهُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ كَسَائِرِ مُحَرَّمَاتِ الْآيَةِ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ
стр. 2003
بَعْدَهُمْ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَتَوَقَّفَتْ طَائِفَةٌ فِي تَحْرِيمِهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِمُعَارَضَةِ هَذَا الْعُمُومِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] [الْمُؤْمِنُونَ: ٥، ٦] وَ [الْمَعَارِجِ ٢٩ - ٣٠] وَلِهَذَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁: ( «أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ، وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ» ) .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لَا أَقُولُ هُوَ حَرَامٌ، وَلَكِنْ نَنْهَى عَنْهُ، فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ جَعَلَ الْقَوْلَ بِإِبَاحَتِهِ رِوَايَةً عَنْهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يُبِحْهُ، وَلَكِنْ تَأَدَّبَ مَعَ الصَّحَابَةِ أَنْ يُطْلِقَ لَفْظَ الْحَرَامِ عَلَى أَمْرٍ تَوَقَّفَ فِيهِ عثمان بَلْ قَالَ نَنْهَى عَنْهُ. وَالَّذِينَ جَزَمُوا بِتَحْرِيمِهِ رَجَّحُوا آيَةَ التَّحْرِيمِ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ سَائِرَ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ عَامٌّ فِي النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ، فَمَا بَالُ هَذَا وَحْدَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ آيَةُ الْإِبَاحَةِ مُقْتَضِيَةً لِحِلِّ الْجَمْعِ بِالْمِلْكِ، فَلْتَكُنْ مُقْتَضِيَةً لِحِلِّ أُمِّ مَوْطُوءَتِهِ بِالْمِلْكِ وَلِمَوْطُوءَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ بِالْمِلْكِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا الْبَتَّةَ وَلَا يَعْلَمُ بِهَذَا قَائِلٌ.
الثَّانِي: أَنَّ آيَةَ الْإِبَاحَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مَخْصُوصَةٌ قَطْعًا بِصُوَرٍ عَدِيدَةٍ لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا اثْنَانِ، كَأُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، بَلْ كَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ مِنَ النَّسَبِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى عِتْقَهُنَّ بِالْمِلْكِ كمالك وَالشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] مُعَارِضًا لِعُمُومِ تَحْرِيمِهِنَّ بِالْعَقْدِ وَالْمِلْكِ، فَهَذَا حُكْمُ الْأُخْتَيْنِ سَوَاءٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّ حِلَّ الْمِلْكِ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ بَيَانِ جِهَةِ الْحِلِّ وَسَبَبِهِ، وَلَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِشُرُوطِ الْحِلِّ وَلَا لِمَوَانِعِهِ، وَآيَةُ التَّحْرِيمِ فِيهَا بَيَانُ مَوَانِعِ الْحِلِّ مِنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ وَالصِّهْرِ وَغَيْرِهِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا الْبَتَّةَ، وَإِلَّا كَانَ كُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ شَرْطُ الْحِلِّ وَمَوَانِعِهِ مُعَارِضًا لِمُقْتَضَى الْحِلِّ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا بَلْ هُوَ بَيَانٌ لِمَا
стр. 2004
سَكَتَ عَنْهُ دَلِيلُ الْحِلِّ مِنَ الشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ فِي الْوَطْءِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُمِّ وَابْنَتِهَا الْمَمْلُوكَتَيْنِ، فَإِنَّ نَصَّ التَّحْرِيمِ شَامِلٌ لِلصُّورَتَيْنِ شُمُولًا وَاحِدًا، وَأَنَّ إِبَاحَةَ الْمَمْلُوكَاتِ إِنْ عَمَّتِ الْأُخْتَيْنِ عَمَّتِ الْأُمَّ وَابْنَتَهَا.
الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» ) وَلَا رَيْبَ أَنَّ جَمْعَ الْمَاءِ كَمَا يَكُونُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ يَكُونُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَالْإِيمَانُ يَمْنَعُ مِنْهُ.
[فَصْلٌ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا]
فَصْلٌ ( «وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» ) ، وَهَذَا التَّحْرِيمُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ لَكِنْ بِطَرِيقٍ خَفِيٍّ، وَمَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَلَكِنْ هُوَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ دَلَالَةِ الْكِتَابِ.
وَكَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى اسْتِنْبَاطِ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْقُرْآنِ، وَمَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ، وَقَرَعَ بَابَهُ، وَوَجَّهَ قَلْبَهُ إِلَيْهِ، وَاعْتَنَى بِهِ بِفِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ، وَقَلْبٍ ذَكِيٍّ، رَأَى السُّنَّةَ كُلَّهَا تَفْصِيلًا لِلْقُرْآنِ، وَتَبْيِينًا
стр. 2005
لِدَلَالَتِهِ، وَبَيَانًا لِمُرَادِ اللَّهِ مِنْهُ، وَهَذَا أَعْلَى مَرَاتِبِ الْعِلْمِ، فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ فَاتَهُ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ وَهِمَّتَهُ وَعَجْزَهُ.
وَاسْتُفِيدَ مِنْ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمِّتِهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا، أَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا حَرُمَ عَلَى الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا صُورَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ لَمْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَهَلْ يُكْرَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَهَذَا كَالْجَمْعِ بَيْنَ امْرَأَةِ رَجُلٍ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا.
وَاسْتُفِيدَ مِنْ عُمُومِ تَحْرِيمِهِ سُبْحَانَهُ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَذْكُورَةَ: أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ حَرُمَ نِكَاحُهَا حَرُمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ إِلَّا إِمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّ نِكَاحَهُنَّ حَرَامٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَوَطْؤُهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ جَائِزٌ، وَسَوَّى أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَهُمَا، فَأَبَاحَ نِكَاحَهُنَّ كَمَا يُبَاحُ وَطْؤُهُنَّ بِالْمِلْكِ.
وَالْجُمْهُورُ: احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَبَاحَ نِكَاحَ الْإِمَاءِ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] [النِّسَاءِ: ٢٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] [الْبَقَرَةِ: ٢٢١] . خَصَّ ذَلِكَ بِحَرَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَقِيَ الْإِمَاءُ عَلَى قَضِيَّةِ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ فَهِمَ عمر ﵁ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ إِدْخَالَ الْكِتَابِيَّاتِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: ( «لَا أَعْلَمُ شِرْكًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ الْمَسِيحَ إِلَهُهَا» ) .
وَأَيْضًا فَالْأَصْلُ فِي الْأَبْضَاعِ الْحُرْمَةُ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ نِكَاحُ الْإِمَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَمَنْ عَدَاهُنَّ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، وَلَيْسَ تَحْرِيمُهُنَّ مُسْتَفَادًا مِنَ الْمَفْهُومِ.
وَاسْتُفِيدَ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ وَمَدْلُولِهَا أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ حَرُمَتِ ابْنَتُهَا إِلَّا الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ وَحَلِيلَةُ الِابْنِ وَحَلِيلَةُ الْأَبِ وَأُمِّ الزَّوْجَةِ، وَأَنَّ كُلَّ الْأَقَارِبِ
стр. 2006
حَرَامٌ إِلَّا الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَاتِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَهُنَّ بَنَاتُ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَبَنَاتُ الْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ.
[فَصْلٌ الْإِشْكَالُ الْوَارِدُ فِي اسْتِثْنَاءِ مِلْكِ الْيَمِينِ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُتَزَوَّجَاتِ]
فَصْلٌ
وَمِمَّا حَرَّمَهُ النَّصُّ نِكَاحُ الْمُزَوَّجَاتِ وَهُنَّ الْمُحْصَنَاتُ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مِلْكَ الْيَمِينِ، فَأَشْكَلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا عَلَى مَالِكِهَا، فَأَيْنَ مَحَلُّ الِاسْتِثْنَاءِ؟ .
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، وَرُدَّ هَذَا لَفْظًا وَمَعْنًى، أَمَّا اللَّفْظُ فَإِنَّ الِانْقِطَاعَ إِنَّمَا يَقَعُ حَيْثُ يَقَعُ التَّفْرِيغُ، وَبَابُهُ غَيْرُ الْإِيجَابِ مِنَ النَّفْيِ وَالنَّهْيِ وَالِاسْتِفْهَامِ، فَلَيْسَ الْمَوْضِعُ مَوْضِعَ انْقِطَاعٍ، وَأَمَّا الْمَعْنَى: فَإِنَّ الْمُنْقَطِعَ لَا بُدَّ فِيهِ مَنْ رَابِطٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِحَيْثُ يَخْرُجُ مَا تُوُهِّمَ دُخُولُهُ فِيهِ بِوَجْهٍ مَا، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: مَا بِالدَّارِ مِنْ أَحَدٍ، دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ مَنْ بِهَا بِدَوَابِّهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ، فَإِذَا قُلْتَ: إِلَّا حِمَارًا أَوْ إِلَّا الْأَثَافِيَّ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَزَلْتَ تَوَهُّمَ دُخُولِ الْمُسْتَثْنَى فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] [مَرْيَمَ: ٦٢] فَاسْتِثْنَاءُ السَّلَامِ أَزَالَ تَوَهُّمَ نَفْيِ السَّمَاعِ الْعَامِّ، فَإِنَّ عَدَمَ سَمَاعِ اللَّغْوِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ سَمَاعِ كَلَامٍ مَا، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ سَمَاعِ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُزَوَّجَةِ مَا يُوهِمُ تَحْرِيمَ وَطْءِ الْإِمَاءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ حَتَّى يُخْرِجَهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى بَابِهِ، وَمَتَى مَلَكَ الرَّجُلُ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ كَانَ مِلْكُهُ طَلَاقًا لَهَا، وَحَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ بَيْعِ الْأَمَةِ: هَلْ يَكُونُ طَلَاقًا لَهَا أَمْ لَا؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ لِلصَّحَابَةِ: فَابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ يَرَاهُ طَلَاقًا وَيَحْتَجُّ لَهُ بِالْآيَةِ، وَغَيْرُهُ يَأْبَى ذَلِكَ وَيَقُولُ: كَمَا يُجَامِعُ الْمِلْكَ السَّابِقَ لِلنَّكَاحِ اللَّاحِقَ اتِّفَاقًا وَلَا يَتَنَافَيَانِ، كَذَلِكَ الْمِلْكُ اللَّاحِقُ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ السَّابِقَ، قَالُوا: وَقَدْ خَيَّرَ
стр. 2007
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ لَمَّا بِيعَتْ وَلَوِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا لَمْ يُخَيِّرْهَا. قَالُوا: وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، فَإِنَّهُ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ وَالْأَخْذُ بِرِوَايَةِ الصَّحَابِيِّ لَا بِرَأْيِهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ: إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي امْرَأَةً لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكِ الِاسْتِمْتَاعَ بِبُضْعِ الزَّوْجَةِ، وَإِنْ كَانَ رَجُلًا انْفَسَخَ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ، وَمِلْكُ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَهَذَا الْمِلْكُ يُبْطِلُ النِّكَاحَ دُونَ الْعَكْسِ، قَالُوا: وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ فِي حَدِيثِ بِرَيْرَةَ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَإِنْ لَمْ تَمْلِكِ الِاسْتِمْتَاعَ بِبُضْعِ أَمَتِهَا فَهِيَ تَمْلِكُ الْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهِ وَتَزْوِيجَهَا وَأَخْذَ مَهْرِهَا، وَذَلِكَ كَمِلْكِ الرَّجُلِ وَإِنْ لَمْ تَسْتَمْتِعْ بِالْبُضْعِ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: الْآيَةُ خَاصَّةٌ بِالْمَسْبِيَّاتِ، فَإِنَّ الْمَسْبِيَّةَ إِذَا سُبِيَتْ حَلَّ وَطْؤُهَا لِسَابِيهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ وَإِنْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أحمد، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا رَوَى مسلم فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ عَدُوًّا فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وَأَصَابُوا سَبَايَا، وَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] » ) [النِّسَاءِ: ٢٤]
стр. 2008
أَيْ: فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ.
فَتَضَمَّنَ هَذَا الْحُكْمُ إِبَاحَةَ وَطْءِ الْمَسْبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ مِنَ الْكُفَّارِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى انْفِسَاخِ نِكَاحِهِ وَزَوَالِ عِصْمَةِ بُضْعِ امْرَأَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى مَحَلِّ حَقِّهِ وَعَلَى رَقَبَةِ زَوْجَتِهِ وَصَارَ سَابِيهَا أَحَقَّ بِهَا مِنْهُ، فَكَيْفَ يَحْرُمُ بُضْعُهَا عَلَيْهِ، فَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعَارِضُهُ نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ.
وَالَّذِينَ قَالُوا مِنْ أَصْحَابِ أحمد وَغَيْرِهِمْ إِنَّ وَطْأَهَا إِنَّمَا يُبَاحُ إِذَا سُبِيَتْ وَحْدَهَا. قَالُوا: لِأَنَّ الزَّوْجَ يَكُونُ بَقَاؤُهُ مَجْهُولًا، وَالْمَجْهُولُ كَالْمَعْدُومِ، فَيَجُوزُ وَطْؤُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ مَعَهَا لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا مَعَ بَقَائِهِ، فَأَوْرَدَ عَلَيْهِمْ مَا لَوْ سُبِيَتْ وَحْدَهَا وَتَيَقُّنًّا بَقَاءَ زَوْجِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ وَطْأَهَا، فَأَجَابُوا بِمَا لَا يُجْدِي شَيْئًا، وَقَالُوا: الْأَصْلُ إِلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: الْأَعَمُّ الْأَغْلَبُ بَقَاءُ أَزْوَاجِ الْمَسْبِيَّاتِ إِذَا سُبِينَ مُنْفَرِدَاتٍ، وَمَوْتُهُمْ كُلُّهُمْ نَادِرٌ جِدًّا، ثُمَّ يُقَالُ: إِذَا صَارَتْ رَقَبَةُ زَوْجِهَا وَأَمْلَاكُهُ مِلْكًا لِلسَّابِي وَزَالَتِ الْعِصْمَةُ عَنْ سَائِرِ أَمْلَاكِهِ وَعَنْ رَقَبَتِهِ، فَمَا الْمُوجِبُ لِثُبُوتِ الْعِصْمَةِ فِي فَرْجِ امْرَأَتِهِ خَاصَّةً، وَقَدْ صَارَتْ هِيَ وَهُوَ وَأَمْلَاكُهُمَا لِلسَّابِي؟ .
وَدَلَّ هَذَا الْقَضَاءُ النَّبَوِيُّ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْإِمَاءِ الْوَثَنِيَّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَإِنَّ سَبَايَا أَوْطَاسٍ لَمْ يَكُنَّ كِتَابِيَّاتٍ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَطْئِهِنَّ إِسْلَامَهُنَّ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْمَانِعَ مِنْهُ إِلَّا الِاسْتِبْرَاءَ فَقَطْ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ مَعَ أَنَّهُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَحُصُولُ الْإِسْلَامِ مِنْ جَمِيعِ السَّبَايَا وَكَانُوا عِدَّةَ آلَافٍ بِحَيْثُ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ جَارِيَةٌ وَاحِدَةٌ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، فَإِنَّهُنَّ لَمْ
стр. 2009
يُكْرَهْنَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُنَّ مِنَ الْبَصِيرَةِ وَالرَّغْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ فِي الْإِسْلَامِ مَا يَقْتَضِي مُبَادَرَتُهُنَّ إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَمُقْتَضَى السُّنَّةِ وَعَمَلِ الصَّحَابَةِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَعْدَهُ جَوَازُ وَطْءِ الْمَمْلُوكَاتِ عَلَى أَيِّ دِينٍ كُنَّ، وَهَذَا مَذْهَبُ طَاوُوسٍ وَغَيْرِهِ، وَقَوَّاهُ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " فِيهِ، وَرَجَّحَ أَدِلَّتَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ إِسْلَامِهِنَّ مَا رَوَى الترمذي فِي " جَامِعِهِ " عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «حَرَّمَ وَطْءَ السَّبَايَا حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ» ) فَجَعَلَ لِلتَّحْرِيمِ غَايَةً وَاحِدَةً وَهِيَ وَضْعُ الْحَمْلِ، وَلَوْ كَانَ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْإِسْلَامِ لَكَانَ بَيَانُهُ أَهَمَّ مِنْ بَيَانِ الِاسْتِبْرَاءِ.
وَفِي " السُّنَنِ " وَ" الْمُسْنَدِ " عَنْهُ ( «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا» ) وَلَمْ يَقُلْ حَتَّى تُسْلِمَ، ولأحمد: ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَنْكِحَنَّ شَيْئًا مِنَ السَّبَايَا حَتَّى تَحِيضَ» ) وَلَمْ يَقُلْ: وَتُسْلِمَ.
وَفِي " السُّنَنِ " عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: ( «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً وَاحِدَةً» ) ، وَلَمْ يَقُلْ: وَتُسْلِمَ، فَلَمْ يَجِئْ عَنْهُ اشْتِرَاطُ إِسْلَامِ الْمَسْبِيَّةِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ الْبَتَّةَ.
стр. 2010
[فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي الزَّوْجَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: ( «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زينب ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا» ) رَوَاهُ أحمد وأبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ. وَفِي لَفْظٍ: ( «بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا» ) ، قَالَ الترمذي: لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ، وَفِي لَفْظٍ: ( «وَكَانَ إِسْلَامُهَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ بِسِتِّ سِنِينَ، وَلَمْ يُحْدِثْ شَهَادَةً وَلَا صَدَاقًا» ) .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: ( «أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَزَوَّجَتْ فَجَاءَ زَوْجُهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ،
стр. 2011
وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ وَرَدَّهَا عَلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ» ) رَوَاهُ أبو داود.
وَقَالَ أَيْضًا: ( «إِنَّ رَجُلًا جَاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَتِ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً بَعْدَهُ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّهَا أَسْلَمَتْ مَعِي، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ» ) ، قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ مالك: إِنَّ أم حكيم بنت الحارث بن هشام أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مِنَ الْإِسْلَامِ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ، فَارْتَحَلَتْ أم حكيم حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ بِالْيَمَنِ فَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَثَبَ إِلَيْهِ فَرَحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ حَتَّى بَايَعَهُ، فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ذَلِكَ، قَالَ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، ذَكَرَهُ مالك ﵀ فِي " الْمُوَطَّأِ " فَتَضَمَّنَ هَذَا الْحُكْمُ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا مَعًا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، هَلْ وَقَعَ صَحِيحًا أَمْ لَا؟ مَا لَمْ يَكُنِ الْمُبْطِلُ قَائِمًا، كَمَا إِذَا أَسْلَمَا وَقَدْ نَكَحَهَا وَهِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ تَحْرِيمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَوْ مُؤَبَّدًا، كَمَا إِذَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا
стр. 2012
وَبَيْنَ مَنْ مَعَهُ كَالْأُخْتَيْنِ وَالْخَمْسِ وَمَا فَوْقَهُنَّ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ أَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ.
فَإِذَا أَسْلَمَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مَحْرَمِيَّةٌ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ كَانَتْ أُخْتَ الزَّوْجَةِ أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا أَوْ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ خُيِّرَ بَيْنَ إِمْسَاكِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَتْ بِنْتَهُ مِنْ زِنًى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ ثُبُوتَ النَّسَبِ بِالزِّنَى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا اتِّفَاقًا، وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَهِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْ مُسْلِمٍ مُتَقَدَّمَةٍ عَلَى عَقْدِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَتِ الْعِدَّةُ مِنْ كَافِرٍ فَإِنِ اعْتَبَرْنَا دَوَامَ الْمُفْسِدِ أَوِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ عِدَّةَ الْكَافِرِ لَا تَدُومُ وَلَا تَمْنَعُ النِّكَاحَ عِنْدَ مَنْ يُبْطِلُ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ وَيَجْعَلُ حُكْمَهَا حُكْمَ الزِّنَى.
وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَهِيَ حُبْلَى مِنْ زِنًى قَبْلَ الْعَقْدِ فَقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اعْتِبَارِ قِيَامِ الْمُفْسِدِ أَوْ كَوْنِهِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَسْلَمَا وَقَدْ عَقَدَاهُ بِلَا وَلِيٍّ أَوْ بِلَا شُهُودٍ أَوْ فِي عِدَّةٍ وَقَدِ انْقَضَتْ أَوْ عَلَى أُخْتٍ وَقَدْ مَاتَتْ أَوْ عَلَى خَامِسَةٍ كَذَلِكَ أُقِرَّا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا ثُمَّ أَسْلَمَا أُقِرَّا عَلَيْهِ.
وَتَضَمَّنَ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْآخَرِ لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ بِإِسْلَامِهِ، فَرَّقَتِ الْهِجْرَةُ بَيْنَهُمَا أَوْ لَمْ تُفَرِّقْ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَدَّدَ نِكَاحَ زَوْجَيْنِ سَبَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِإِسْلَامِهِ قَطُّ، وَلَمْ يَزَلِ الصَّحَابَةُ يُسْلِمُ الرَّجُلُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ وَامْرَأَتُهُ قَبْلَهُ وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمُ الْبَتَّةَ أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِإِسْلَامِهِ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَتَسَاوَقَا فِيهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ، هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعِ الْبَتَّةَ وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زينب عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ إِنَّمَا أَسْلَمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهِيَ أَسْلَمَتْ مِنْ أَوَّلِ الْبَعْثَةِ، فَبَيْنَ إِسْلَامِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِهَا وَإِسْلَامِهِ سِتُّ سِنِينَ، فَوَهْمٌ إِنَّمَا أَرَادَ بَيْنَ هِجْرَتِهَا وَإِسْلَامِهِ.
стр. 2013
فَإِنْ قِيلَ: وَعَلَى ذَلِكَ فَالْعِدَّةُ تَنْقَضِي فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَكَيْفَ لَمْ يُجَدِّدْ نِكَاحَهَا؟ قِيلَ: تَحْرِيمُ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِنَّمَا نَزَلَ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لِعَدَمِ شَرْعِيَّةِ هَذَا الْحُكْمِ فِيهَا، وَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُهُنَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمَ أبو العاص فَرُدَّتْ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مُرَاعَاةُ زَمَنِ الْعِدَّةِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ نَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ، وَقَدْ ذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قتادة عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ فِي الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا: هُوَ أَمْلَكُ بِبُضْعِهَا مَا دَامَتْ فِي دَارِ هِجْرَتِهَا.
ذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ علي هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِصْرِهَا.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ معمر عَنِ الزُّهْرِيِّ إِنْ أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا إِلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا سُلْطَانٌ.
وَلَا يُعْرَفُ اعْتِبَارُ الْعِدَّةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَلَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْأَلُ الْمَرْأَةَ هَلِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَمْ لَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَوْ كَانَ بِمُجَرَّدِهِ فُرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ فُرْقَةً رَجْعِيَّةً بَلْ بَائِنَةً، فَلَا أَثَرَ لِلْعِدَّةِ فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ وَإِنَّمَا أَثَرُهَا فِي مَنْعِ نِكَاحِهَا لِلْغَيْرِ، فَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ نَجَّزَ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ أَحَقَّ بِهَا فِي الْعِدَّةِ، وَلَكِنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حُكْمُهُ ﷺ أَنَّ النِّكَاحَ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَهَا أَنْ تَنْكِحَ مَنْ شَاءَتْ، وَإِنْ أَحَبَّتِ انْتَظَرَتْهُ فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَتْ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ.
وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَدَّدَ لِلْإِسْلَامِ نِكَاحَهُ الْبَتَّةَ، بَلْ كَانَ الْوَاقِعُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا افْتِرَاقُهُمَا وَنِكَاحُهَا غَيْرَهُ، وَإِمَّا بَقَاؤُهَا عَلَيْهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهَا أَوْ إِسْلَامُهُ، وَإِمَّا
стр. 2014
تَنْجِيزُ الْفُرْقَةِ أَوْ مُرَاعَاةُ الْعِدَّةِ، فَلَا نَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَعَ كَثْرَةِ مَنْ أَسْلَمَ فِي عَهْدِهِ مِنَ الرِّجَالِ وَأَزْوَاجِهِنَّ وَقُرْبِ إِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْآخَرِ وَبُعْدِهِ مِنْهُ، وَلَوْلَا إِقْرَارُهُ ﷺ الزَّوْجَيْنِ عَلَى نِكَاحِهِمَا وَإِنْ تَأَخَّرَ إِسْلَامُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَزَمَنِ الْفَتْحِ لَقُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ عِدَّةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] [الْمُمْتَحَنَةِ: ١٠] وَأَنَّ الْإِسْلَامَ سَبَبُ الْفُرْقَةِ وَكُلُّ مَا كَانَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ تَعْقُبُهُ الْفُرْقَةُ كَالرَّضَاعِ وَالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الخلال وأبي بكر صَاحِبِهِ وابن المنذر وَابْنِ حَزْمٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الحسن وطاووس وعكرمة وقتادة والحكم.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وعدي بن عدي الكندي وَالشَّعْبِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. قُلْتُ: وَهُوَ أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد، وَلَكِنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَقَوْلُهُ: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] لَمْ يَحْكُمْ بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ فَرَوَى مالك فِي " مُوَطَّئِهِ " عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: «كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَبَيْنَ إِسْلَامِ امْرَأَتِهِ بنت الوليد بن المغيرة نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَبَقِيَ صفوان حَتَّى شَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَمْ يُفَرِّقِ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ» . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَشُهْرَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ إِسْنَادِهِ.
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَسْلَمَتْ أم حكيم يَوْمَ الْفَتْحِ وَهَرَبَ زَوْجُهَا عكرمة حَتَّى أَتَى الْيَمَنَ فَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ وَقَدِمَ فَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ فَبَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا.
стр. 2015
وَمِنَ الْمَعْلُومِ يَقِينًا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ خَرَجَ فَأَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ، وَلَمْ تُسْلِمْ هند امْرَأَتُهُ حَتَّى فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، فَبَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا.
وَأَسْلَمَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ قَبْلَ امْرَأَتِهِ، وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وعبد الله بن أبي أمية عَامَ الْفَتْحِ، فَلَقِيَا النَّبِيَّ ﷺ بِالْأَبْوَاءِ، فَأَسْلَمَا قَبْلَ مَنْكُوحَتَيْهِمَا، فَبَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ.
وَجَوَابُ مَنْ أَجَابَ بِتَجْدِيدِ نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ فِي غَايَةِ الْبُطْلَانِ، وَمِنَ الْقَوْلِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَا عِلْمٍ، وَاتِّفَاقُ الزَّوْجَيْنِ فِي التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ مَعًا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ مَعْلُومُ الِانْتِفَاءِ.
وَيَلِي هَذَا الْقَوْلَ مَذْهَبُ مَنْ يَقِفُ الْفُرْقَةَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مَعَ مَا فِيهِ، إِذْ فِيهِ آثَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْقَطِعَةً، وَلَوْ صَحَّتْ لَمْ يَجُزِ الْقَوْلُ بِغَيْرِهَا. قَالَ ابن شبرمة: كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْلِمُ الرَّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ قَبْلَ الرَّجُلِ، فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمَرْأَةِ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الترمذي فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ وَمَا حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ عمر ﵁ فَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ حَكَاهُ؟ وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أيوب وقتادة كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ (أَنَّ نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ فَخَيَّرَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ) وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا خَيَّرَهَا بَيْنَ انْتِظَارِهِ إِلَى أَنْ يُسْلِمَ فَتَكُونَ زَوْجَتَهُ كَمَا هِيَ أَوْ تُفَارِقَهُ وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْهُ أَنَّ نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ فَقَالَ عمر ﵁ إِنْ أَسْلَمَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يُسْلِمْ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا) .
стр. 2016
وَكَذَلِكَ قَالَ لعبادة بن النعمان التغلبي وَقَدْ أَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ إِمَّا أَنْ تُسْلِمَ، وَإِلَّا نَزَعْتُهَا مِنْكَ، فَأَبَى فَنَزَعَهَا مِنْهُ.
فَهَذِهِ الْآثَارُ صَرِيحَةٌ فِي خِلَافِ مَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ عَنْهُ، وَهُوَ حَكَاهَا وَجَعَلَهَا رِوَايَاتٍ أُخَرَ وَإِنَّمَا تَمَسَّكَ أبو محمد بِآثَارٍ فِيهَا أَنَّ عمر وَابْنَ عَبَّاسٍ وجابرا فَرَّقُوا بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ بِالْإِسْلَامِ، وَهِيَ آثَارٌ مُجْمَلَةٌ لَيْسَتْ بِصَرِيحَةٍ فِي تَعْجِيلِ التَّفْرِقَةِ وَلَوْ صَحَّتْ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ عمر مَا حَكَيْنَاهُ، وَعَنْ علي مَا تَقَدَّمَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي الْعَزْلِ]
ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ ( «أبي سعيد قَالَ أَصَبْنَا سَبْيًا، فَكُنَّا نَعْزِلُ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟ " قَالَهَا ثَلَاثًا. " مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ» ) .
وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ ( «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّ لِي جَارِيَةً وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، قَالَ: " كَذَبَتْ يَهُودُ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ» ) .
стр. 2017
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ (جابر قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ» ) .
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " عَنْهُ ( «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا» ) .
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " أَيْضًا: عَنْهُ قَالَ: ( «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا أَرَادَهُ اللَّهُ ". قَالَ: فَجَاءَ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي كُنْتُ ذَكَرْتُهَا لَكَ حَمَلَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» ) .
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " أَيْضًا: عَنْ (أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ " فَقَالَ الرَّجُلُ: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا، أَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَوْ كَانَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ» ) .
وَفِي " مُسْنَدِ أحمد " وَ " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: ( «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْزَلَ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا» ) .
وَقَالَ أبو داود: سَمِعْتُ أبا عبد الله ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ المحرر بن أبي هريرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
стр. 2018
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا يُعْزَلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا» ) فَقَالَ مَا أَنْكَرَهُ.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي جَوَازِ الْعَزْلِ، وَقَدْ رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ علي وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وأبي أيوب وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وجابر وَابْنِ عَبَّاسٍ والحسن بن علي وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَجَاءَتِ الْإِبَاحَةُ لِلْعَزْلِ صَحِيحَةً عَنْ جابر وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَحَرَّمَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أبو محمد ابن حزم وَغَيْرُهُ.
وَفَرَّقَتْ طَائِفَةٌ بَيْنَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ الْحُرَّةُ، فَيُبَاحُ أَوْ لَا تَأْذَنُ فَيَحْرُمُ، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً أُبِيحَ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا، وَلَمْ يُبَحْ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَهَذَا مَنْصُوصُ أحمد، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ: لَا يُبَاحُ بِحَالٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُبَاحُ بِكُلِّ حَالٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُبَاحُ بِإِذْنِ الزَّوْجَةِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً وَلَا يُبَاحُ بِدُونِ إِذْنِهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً.
فَمَنْ أَبَاحَهُ مُطْلَقًا احْتَجَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَبِأَنَّ حَقَّ الْمَرْأَةِ فِي ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ لَا فِي الْإِنْزَالِ، وَمَنْ حَرَّمَهُ مُطْلَقًا احْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ عائشة ﵂ عَنْ (جدامة بنت وهب أخت عكاشة قَالَ: «حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ " وَهِيَ ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] » ) قَالُوا: وَهَذَا نَاسِخٌ لِأَخْبَارِ الْإِبَاحَةِ فَإِنَّهُ نَاقِلٌ عَنِ الْأَصْلِ وَأَحَادِيثُ الْإِبَاحَةِ عَلَى وَفْقِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ نَاقِلَةٌ عَنِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ. قَالُوا: وَقَوْلُ جابر ﵁ ( «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ فَلَوْ كَانَ شَيْئًا يَنْهَى عَنْهُ لَنَهَى عَنْهُ الْقُرْآنُ» ) .
стр. 2019
فَيُقَالُ: قَدْ نَهَى عَنْهُ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ ( «إِنَّهُ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى» ) وَالْوَأْدُ كُلُّهُ حَرَامٌ. قَالُوا: وَقَدْ فَهِمَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ النَّهْيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ لَمَّا ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «لَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ» ) .
قَالَ ابن عون: فَحَدَّثْتُ بِهِ الحسن فَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَجْرٌ. قَالُوا: وَلِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ النَّسْلِ الْمَطْلُوبِ مِنَ النِّكَاحِ وَسُوءَ الْعِشْرَةِ وَقَطْعَ اللَّذَّةِ عِنْدَ اسْتِدْعَاءِ الطَّبِيعَةِ لَهَا.
قَالُوا: وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ لَا يَعْزِلُ، وَقَالَ: (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ وَلَدِي يَعْزِلُ لَنَكَّلْتُهُ) ، وَكَانَ علي يَكْرَهُ الْعَزْلَ ذَكَرَهُ شعبة عَنْ عاصم عَنْ زر عَنْهُ. وَصَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَزْلِ: هُوَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى. وَصَحَّ عَنْ أبي أمامة أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: (مَا كُنْتُ أَرَى مُسْلِمًا يَفْعَلُهُ) وَقَالَ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ (ضَرَبَ عمر عَلَى الْعَزْلِ بَعْضَ بَنِيهِ) .
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: (كَانَ عمر وعثمان يَنْهَيَانِ عَنِ الْعَزْلِ) .
وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُعَارِضُ أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ مَعَ صَرَاحَتِهَا وَصِحَّتِهَا، أَمَّا حَدِيثُ جدامة بنت وهب، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ رَوَاهُ مسلم، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْكَثِيرَةَ عَلَى خِلَافِهِ، وَقَدْ قَالَ أبو داود: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أبان، حَدَّثَنَا يحيى أَنَّ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حَدَّثَهُ أَنَّ رفاعة حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ ( «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّ لِي جَارِيَةً وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى. قَالَ: " كَذَبَتْ يَهُودُ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ» ) .
وَحَسْبُكَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ صِحَّةً فَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ وَقَدْ أَعَلَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ
стр. 2020
مُضْطَرِبٌ فَإِنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَخْرَجَهُ الترمذي وَالنَّسَائِيُّ.
وَقِيلَ: فِيهِ عَنْ أبي مطيع بن رفاعة، وَقِيلَ: عَنْ أبي رفاعة وَقِيلَ عَنْ أبي سلمة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ يحيى، عَنْ محمد بن عبد الرحمن، عَنْ جابر، وَعِنْدَهُ عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعِنْدَهُ عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ رفاعة عَنْ أبي سعيد. وَيَبْقَى الِاخْتِلَافُ فِي اسْمِ أبي رفاعة، هَلْ هُوَ أبو رافع، أَوِ ابن رفاعة أَوْ أبو مطيع؟ وَهَذَا لَا يَضُرُّ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِ رفاعة.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَحَادِيثَ جابر صَرِيحَةٌ صَحِيحَةٌ فِي جَوَازِ الْعَزْلِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَنَحْنُ نَرْوِي عَنْ عَدَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ رَخَّصُوا فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا. قَالَ البيهقي: وَقَدْ رُوِّينَا الرُّخْصَةَ فِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ مالك وَالشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ جدامة بِأَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ التَّنْزِيهِ وَضَعَّفَتْهُ طَائِفَةٌ، وَقَالُوا: كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ كَذَّبَ الْيَهُودَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يُخْبِرُ بِهِ كَخَبَرِهِمْ؟! هَذَا مِنَ الْمُحَالِ الْبَيِّنِ، وَرَدَّتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ أُخْرَى، وَقَالُوا: حَدِيثُ تَكْذِيبِهِمْ فِيهِ اضْطِرَابٌ وَحَدِيثُ جدامة فِي " الصَّحِيحِ ".
وَجَمَعَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَقَالَتْ: إِنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ الْعَزْلَ لَا يَكُونُ مَعَهُ حَمْلٌ أَصْلًا، فَكَذَّبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : ( «لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ لَمَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ» ) ، وَقَوْلُهُ: ( «إِنَّهُ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ» ) فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعِ الْحَمْلَ بِالْكُلِّيَّةِ كَتَرْكِ الْوَطْءِ فَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِي تَقْلِيلِهِ.
стр. 2021
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ، وَلَكِنْ حَدِيثُ التَّحْرِيمِ نَاسِخٌ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أبي محمد ابن حزم وَغَيْرِهِ. قَالُوا: لِأَنَّهُ نَاقِلٌ عَنِ الْأَصْلِ، وَالْأَحْكَامُ كَانَتْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَدَعْوَى هَؤُلَاءِ تَحْتَاجُ إِلَى تَارِيخٍ مُحَقَّقٍ يُبَيِّنُ تَأَخُّرَ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ عَنِ الْآخَرِ وَأَنَّى لَهُمْ بِهِ وَقَدِ اتَّفَقَ عمر وعلي ﵄ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهَا التَّارَاتُ السَّبْعُ، فَرَوَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عبيد بن رفاعة عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (جَلَسَ إِلَى عمر علي والزبير وسعد ﵃ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَذَاكَرُوا الْعَزْلَ، فَقَالُوا: لَا بَأْسَ بِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، فَقَالَ علي ﵁: لَا تَكُونُ مَوْءُودَةٌ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهَا التَّارَاتُ السَّبْعُ حَتَّى تَكُونَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ تَكُونَ نُطْفَةً، ثُمَّ تَكُونَ عَلَقَةً، ثُمَّ تَكُونَ مُضْغَةً، ثُمَّ تَكُونَ عِظَامًا، ثُمَّ تَكُونَ لَحْمًا، ثُمَّ تَكُونَ خَلْقًا آخَرَ، فَقَالَ عمر ﵁: صَدَقْتَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ) وَبِهَذَا احْتَجَّ مَنِ احْتَجَّ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ لِلرَّجُلِ بِطُولِ الْبَقَاءِ.
وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَهُ بِإِذْنِ الْحُرَّةِ فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ حَقٌّ فِي الْوَلَدِ كَمَا لِلرَّجُلِ حَقٌّ فِيهِ، وَلِهَذَا كَانَتْ أَحَقَّ بِحَضَانَتِهِ، قَالُوا: وَلَمْ يُعْتَبَرْ إِذْنُ السُّرِّيَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَا حَقَّ لَهَا فِي الْقَسْمِ وَلِهَذَا لَا تُطَالِبُهُ بِالْفَيْئَةِ. وَلَوْ كَانَ لَهَا حَقٌّ فِي الْوَطْءِ لَطُولِبَ الْمُؤْلِي مِنْهَا بِالْفَيْئَةِ.
قَالُوا: وَأَمَّا زَوْجَتُهُ الرَّقِيقَةُ فَلَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا صِيَانَةً لِوَلَدِهِ عَنِ الرِّقِّ وَلَكِنْ يُعْتَبَرُ إِذْنُ سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْوَلَدِ، فَاعْتُبِرَ إِذْنُهُ فِي الْعَزْلِ كَالْحُرَّةِ، وَلِأَنَّ بَدَلَ الْبُضْعِ يَحْصُلُ لِلسَّيِّدِ كَمَا يَحْصُلُ لِلْحُرَّةِ، فَكَانَ إِذْنُهُ فِي الْعَزْلِ كَإِذْنِ الْحُرَّةِ.
قَالَ أحمد ﵀ فِي رِوَايَةِ أبي طالب فِي الْأَمَةِ إِذَا نَكَحَهَا: يَسْتَأْذِنُ أَهْلَهَا يَعْنِي فِي الْعَزْلِ؛ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْوَلَدَ وَالْمَرْأَةُ لَهَا حَقٌّ، تُرِيدُ الْوَلَدَ وَمِلْكُ يَمِينِهِ لَا يَسْتَأْذِنُهَا.
стр. 2022
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صالح وابن منصور وحنبل وأبي الحارث والفضل ابن زياد والمروذي: يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ بِإِذْنِهَا، وَالْأَمَةِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، يَعْنِي: أَمَتَهُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابن هانئ: إِذَا عَزَلَ عَنْهَا لَزِمَهُ الْوَلَدُ، قَدْ يَكُونُ الْوَلَدُ مَعَ الْعَزْلِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ: مَا لِي وَلَدٌ إِلَّا مِنَ الْعَزْلِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ المروذي: فِي الْعَزْلِ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ إِنْ شَاءَ، فَإِنْ قَالَتْ: لَا يَحِلُّ لَكَ؟ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي الْغَيْلِ وَهُوَ وَطْءُ الْمُرْضِعَةِ]
ثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِ مسلم ": أَنَّهُ قَالَ: ( «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ» ) .
وَفِي " سُنَنِ أبي داود " عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ أسماء بنت يزيد: ( «لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ» ) .
قَالَ: قُلْتُ: مَا يَعْنِي؟ قَالَتِ: الْغِيلَةُ يَأْتِي الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ.
قُلْتُ: أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَهُوَ حَدِيثُ جدامة بنت وهب، وَقَدْ تَضَمَّنَ
стр. 2023
أَمْرَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مُعَارِضٌ فَصَدْرُهُ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ: ( «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ» ) وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ أسماء، وَعَجُزُهُ: ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَالَ: ( «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ» ) وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ أبي سعيد: ( «كَذَبَتْ يَهُودُ» ) ، وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ قَوْلَهُ: ( «لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا» ) نَهْيٌ أَنْ يَتَسَبَّبَ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ شَبَّهَ الْغَيْلَ بِقَتْلِ الْوَلَدِ، وَلَيْسَ بِقَتْلٍ حَقِيقَةً، وَإِلَّا كَانَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَكَانَ قَرِينَ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ وَطْءَ الْمَرَاضِعِ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَيَتَعَذُّرُ عَلَى الرَّجُلِ الصَّبْرُ عَنِ امْرَأَتِهِ مُدَّةَ الرَّضَاعِ، وَلَوْ كَانَ وَطْؤُهُنَّ حَرَامًا لَكَانَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ، وَكَانَ بَيَانُهُ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ، وَلَمْ تُهْمِلْهُ الْأُمَّةُ وَخَيْرُ الْقُرُونِ، وَلَا يُصَرِّحُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِتَحْرِيمِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ حَدِيثَ أسماء عَلَى وَجْهِ الْإِرْشَادِ وَالِاحْتِيَاطِ لِلْوَلَدِ، وَأَنْ لَا يُعَرِّضَهُ لِفَسَادِ اللَّبَنِ بِالْحَمْلِ الطَّارِئِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا كَانَ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعُوا لِأَوْلَادِهِمْ غَيْرَ أُمَّهَاتِهِمْ، وَالْمَنْعُ مِنْهُ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ الَّتِي قَدْ تُفْضِي إِلَى الْإِضْرَارِ بِالْوَلَدِ، وَقَاعِدَةُ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ إِذَا عَارَضَهُ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِرَارًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي قَسْمِ الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ]
ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ أنس ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ» . قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ إِنَّ أنسا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ، قَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ عَنْ أنس، كَمَا رَوَاهُ البزار فِي " مُسْنَدِهِ " مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أبي قلابة عَنْ أنس ﵁ أَنَّ
стр. 2024
النَّبِيَّ ﷺ : ( «جَعَلَ لِلْبِكْرِ سَبْعًا وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثًا» ) .
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ أيوب وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ كِلَاهُمَا عَنْ أبي قلابة عَنْ أنس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا» ) .
وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": عَنْ ( «أم سلمة ﵂ لَمَّا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: " إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي» ) ، وَلَهُ فِي لَفْظٍ " لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ فَقَالَ: ( «إِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ بِهِ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ» ) .
وَفِي " السُّنَنِ ": عَنْ عائشة ﵂ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: ( «اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» ) يَعْنِي الْقَلْبَ.
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": أَنَّهُ ﷺ : ( «كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» ) .
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ( «أَنَّ سودة وَهَبَتْ يَوْمَهَا لعائشة ﵂ وَكَانَ
стр. 2025
النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لعائشة يَوْمَهَا وَيَوْمَ سودة» ) .
وَفِي " السُّنَنِ ": «عَنْ عائشة ﵂ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتُ عِنْدَهَا» .
وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": ( «إِنَّهُنَّ كُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَأْتِيهَا» ) .
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ (عائشة ﵂ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] أُنْزِلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَطُولُ صُحْبَتُهَا فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا، فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَمْسِكْنِي، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَيَّ وَالْقَسْمِ لِي، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] ) .
وَقَضَى خَلِيفَتُهُ الرَّاشِدُ وَابْنُ عَمِّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ قَسَمَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةً، وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ.
وَقَضَاءُ خُلَفَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لِقَضَائِهِ، فَهُوَ كَقَضَائِهِ فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْأَمَةِ، وَقَدِ احْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِهَذَا الْقَضَاءِ عَنْ علي ﵁، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ بالمنهال بن عمرو، وبابن أبي ليلى، وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، فَإِنَّهُمَا ثِقَتَانِ حَافِظَانِ جَلِيلَانِ، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَحْتَجُّونَ بابن أبي ليلى عَلَى شَيْءٍ مَا فِي حِفْظِهِ يُتَّقَى مِنْهُ مَا خَالَفَ فِيهِ
стр. 2026
الْأَثْبَاتَ وَمَا تَفَرَّدَ بِهِ عَنِ النَّاسِ وَإِلَّا فَهُوَ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عَنِ الْأَمَانَةِ وَالصَّدْقِ فَتَضَمَّنَ هَذَا الْقَضَاءُ أُمُورًا.
مِنْهَا وُجُوبُ قَسْمِ الِابْتِدَاءِ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ بِكْرًا عَلَى ثَيِّبٍ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا ثُمَّ سَوَّى بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا خَيَّرَهَا بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ يَقْضِيهَا لِلْبَوَاقِي وَبَيْنَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا وَلَا يُحَاسِبُهَا، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَخَالَفَ فِيهِ إِمَامُ أَهْلِ الرَّأْيِ وَإِمَامُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَقَالُوا: لَا حَقَّ لِلْجَدِيدَةِ غَيْرَ مَا تَسْتَحِقُّهُ الَّتِي عِنْدَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا.
وَمِنْهَا. أَنَّ الثَّيِّبَ إِذَا اخْتَارَتِ السَّبْعَ قَضَاهُنَّ لِلْبَوَاقِي، وَاحْتَسَبَ عَلَيْهَا بِالثَّلَاثِ، وَلَوِ اخْتَارَتِ الثَّلَاثَ لَمْ يَحْتَسِبْ عَلَيْهَا بِهَا، وَعَلَى هَذَا مَنْ سُومِحَ بِثَلَاثٍ دُونَ مَا فَوْقَهَا فَفَعَلَ أَكْثَرَ مِنْهَا، دَخَلَتِ الثَّلَاثُ فِي الَّذِي لَمْ يُسَامِحْ بِهِ بِحَيْثُ لَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إِثْمٌ، أَثِمَ عَلَى الْجَمِيعِ وَهَذَا كَمَا رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا. فَلَوْ أَقَامَ أَبَدًا ذُمَّ عَلَى الْإِقَامَةِ كُلِّهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْمَحَبَّةِ فَإِنَّهَا لَا، تُمْلَكُ وَكَانَتْ عائشة ﵂ أَحَبَّ نِسَائِهِ إِلَيْهِ. وَأُخِذَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْوَطْءِ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالْمَيْلِ وَهِيَ بِيَدِ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ.
وَفِي هَذَا تَفْصِيلٌ: وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ تَرَكَهُ لِعَدَمِ الدَّاعِي إِلَيْهِ وَعَدَمِ الِانْتِشَارِ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ الدَّاعِي إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ دَاعِيَهُ إِلَى الضَّرَّةِ أَقْوَى، فَهَذَا مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَمِلْكِهِ فَإِنْ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْهُ، لَمْ يَبْقَ لَهَا حَقٌّ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ التَّسْوِيَةُ، وَإِنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ مِنْهُ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ.
وَمِنْهَا: إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِإِحْدَاهُنَّ إِلَّا بِقُرْعَةٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَقْضِي لِلْبَوَاقِي إِذَا قَدِمَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْضِي لِلْبَوَاقِي.
стр. 2027
وَفِي هَذَا ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَقْضِي سَوَاءٌ أَقْرَعَ أَوْ لَمْ يُقْرِعْ، وَبِهِ قَالَ أبو حنيفة ومالك.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَقْضِي لِلْبَوَاقِي أَقْرَعَ أَوْ لَمْ يُقْرِعْ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ أَقْرَعَ لَمْ يَقْضِ، وَإِنْ لَمْ يُقْرِعْ قَضَى، وَهَذَا قَوْلُ أحمد وَالشَّافِعِيِّ.
وَمِنْهَا: أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ لَيْلَتَهَا لِضَرَّتِهَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ جَعْلُهَا لِغَيْرِ الْمَوْهُوبَةِ، وَإِنْ وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ، فَلَهُ جَعْلُهَا لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ اللَّيْلَةَ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ فَإِذَا أَسَقَطَتْهَا وَجَعَلَتْهَا لِضَرَّتِهَا تَعَيَّنَتْ لَهَا، وَإِذَا جَعَلَتْهَا لِلزَّوْجِ جَعَلَهَا لِمَنْ شَاءَ مِنْ نِسَائِهِ، فَإِذَا اتَّفَقَ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةُ الْوَاهِبَةِ تَلِي لَيْلَةَ الْمَوْهُوبَةِ، قَسَمَ لَهَا لَيْلَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلِيهَا فَهَلْ لَهُ نَقْلُهَا إِلَى مُجَاوَرَتِهَا فَيَجْعَلُ اللَّيْلَتَيْنِ مُتَجَاوِرَتَيْنِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْفُقَهَاءِ وَهُمَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّجُلَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ فِي يَوْمِ إِحْدَاهُنَّ، وَلَكِنْ لَا يَطَؤُهَا فِي غَيْرِ نَوْبَتِهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ لِنِسَائِهِ كُلِّهِنَّ أَنْ يَجْتَمِعْنَ فِي بَيْتِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ يَتَحَدَّثْنَ إِلَى أَنْ يَجِيءَ وَقْتُ النَّوْمِ، فَتَؤُوبَ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى مَنْزِلِهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَضَى وَطَرًا مِنَ امْرَأَتِهِ، وَكَرِهَتْهَا نَفْسُهُ، أَوْ عَجَزَ عَنْ حُقُوقِهَا، فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَلَهُ أَنْ يُخَيِّرَهَا إِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ عِنْدَهُ، وَلَا حَقَّ لَهَا فِي الْقَسْمِ وَالْوَطْءِ وَالنَّفَقَةِ، أَوْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ، لَزِمَ، وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ بَعْدَ الرِّضَى.
هَذَا مُوجَبُ السُّنَّةِ وَمُقْتَضَاهَا وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَسُوغُ غَيْرُهُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ حَقَّهَا يَتَجَدَّدُ، فَلَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ مَتَى شَاءَتْ فَاسِدٌ، فَإِنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمُعَاوَضَةِ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى صُلْحًا، فَيَلْزَمُ كَمَا يَلْزَمُ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مِنْ
стр. 2028
الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ وَلَوْ مُكِّنَتْ مِنْ طَلَبِ حَقِّهَا بَعْدَ ذَلِكَ، لَكَانَ فِيهِ تَأْخِيرُ الضَّرَرِ إِلَى أَكْمَلِ حَالَتَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ صُلْحًا، بَلْ كَانَ مِنْ أَقْرَبِ أَسْبَابِ الْمُعَادَاةِ، وَالشَّرِيعَةُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وَمِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ أَنَّهُ إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَالْقَضَاءُ النَّبَوِيُّ يَرُدُّ هَذَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْحُرَّةِ كَمَا قَضَى بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علي ﵁، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا رِوَايَةً عَنْ مالك أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَبِهَا قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ لَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَا فِي الْعِدَّةِ، وَلَا فِي الْحَدِّ، وَلَا فِي الْمِلْكِ، وَلَا فِي الْمِيرَاثِ، وَلَا فِي الْحَجِّ، وَلَا فِي مُدَّةِ الْكَوْنِ عِنْدَ الزَّوْجِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَا فِي أَصْلِ النِّكَاحِ - بَلْ جَعَلَ نِكَاحَهَا بِمَنْزِلَةِ الضَّرُورَةِ - وَلَا فِي عَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَتَزَوَّجُ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: (يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ ثِنْتَيْنِ وَيُطَلِّقُ ثِنْتَيْنِ وَتَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ حَيْضَتَيْنِ) وَاحْتَجَّ بِهِ أحمد وَرَوَاهُ أبو بكر عبد العزيز عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِلْعَبْدِ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا ثِنْتَانِ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: (سَأَلَ عمر ﵁ النَّاسَ كَمْ يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ؟ فَقَالَ عبد الرحمن ثِنْتَيْنِ وَطَلَاقُهُ ثِنْتَيْنِ) . فَهَذَا عمر وعلي وعبد الرحمن ﵃، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ مَعَ انْتِشَارِ هَذَا الْقَوْلِ وَظُهُورِهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِلْقِيَاسِ.
[فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ ﷺ فِي تَحْرِيمِ وَطْءِ الْمَرْأَةِ الْحُبْلَى مِنْ غَيْرِ الْوَاطِئِ]
ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مسلم ": مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ ( «أَنَّ
стр. 2029
النَّبِيَّ ﷺ أَتَى بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ، فَقَالَ: " لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا ". فَقَالُوا: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ، وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ» ) .
قَالَ أبو محمد ابن حزم: لَا يَصِحُّ فِي تَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَامِلِ خَبَرٌ غَيْرُ هَذَا. انْتَهَى وَقَدْ رَوَى أَهْلُ " السُّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ أبي سعيد ﵁ ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: " لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَى تَحِيضَ حَيْضَةً» ) .
وَفِي الترمذي وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِ مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ» ) قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَفِيهِ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : ( «حَرَّمَ وَطْءَ السَّبَايَا حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ» ) .
وَقَوْلُهُ ﷺ : ( «كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ» ) كَانَ شَيْخُنَا يَقُولُ فِي مَعْنَاهُ: كَيْفَ يَجْعَلُهُ عَبْدًا مَوْرُوثًا عَنْهُ وَيَسْتَخْدِمُهُ اسْتِخْدَامَ الْعَبِيدِ وَهُوَ وَلَدُهُ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ زَادَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الْوَطْءُ يَزِيدُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ. قَالَ: فِيمَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ فَوَطِئَهَا قَبْلَ وَضْعِهَا، فَإِنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُ بِالْمُشْتَرِي وَلَا يَتْبَعُهُ، لَكِنْ يُعْتِقُهُ لِأَنَّهُ قَدْ شَرِكَ فِيهِ لِأَنَّ الْمَاءَ يَزِيدُ فِي
стр. 2030
الْوَلَدِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ ( «النَّبِيِّ ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ، فَقَالَ: " لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا» ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. يَعْنِي: أَنَّهُ إِنِ اسْتَلْحَقَهُ وَشَرِكَهُ فِي مِيرَاثِهِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدِهِ، وَإِنْ أَخْذَهُ مَمْلُوكًا يَسْتَخْدِمُهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ شَرِكَ فِيهِ لِكَوْنِ الْمَاءِ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ.
وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْحَامِلِ سَوَاءٌ كَانَ حَمْلُهَا مِنْ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًى، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ إِلَّا فِيمَا إِذَا كَانَ الْحَمْلُ مِنْ زِنًى، فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بُطْلَانُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أحمد، ومالك. وَالثَّانِي: صِحَّتُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أبي حنيفة وَالشَّافِعِيِّ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَمَنَعَ أبو حنيفة مِنَ الْوَطْءِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَصْحَابُهُ لَا يَحْرُمُ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ أَمَتَهُ وَيَجْعَلُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا]
ثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصَّحِيحِ ": أَنَّهُ ( «أَعْتَقَ صفية وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. قِيلَ: لِأَنَسٍ مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: أَصْدَقَهَا نَفْسَهَا» ) وَذَهَبَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَفَعَلَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَعْلَمِ التَّابِعِينَ وَسَيِّدِهِمْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وأحمد وإسحاق.
وَعَنْ أحمد رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ نِكَاحَهَا بِإِذْنِهَا فَإِنْ أَبَتْ ذَلِكَ فَعَلَيْهَا قِيمَتُهَا.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهُ يُوَكِّلُ رَجُلًا يُزَوِّجُهُ إِيَّاهَا.
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الْمُوَافِقُ لِلسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا فَأَزَالَ مِلْكَهُ عَنْ رَقَبَتِهَا وَأَبْقَى مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ
стр. 2031
فَهُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِمَّا لَوْ أَعْتَقَهَا، وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي غَزَاةِ خَيْبَرَ.
[فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ ﷺ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْإِجَازَةِ]
فِي " السُّنَنِ ": عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ( «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ » ) .
وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذَا، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ صالح فِي صَغِيرٍ زَوَّجَهُ عَمُّهُ قَالَ: إِنْ رَضِيَ بِهِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَسَخَ، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُهُ عبد الله إِذَا زُوِّجَتِ الْيَتِيمَةُ، فَإِذَا بَلَغَتْ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ ابن منصور عَنْهُ حُكِيَ لَهُ قَوْلُ سفيان فِي يَتِيمَةٍ زُوِّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ، ثُمَّ حَاضَتْ عِنْدَ الزَّوْجِ بَعْدُ، قَالَ: تُخَيَّرُ فَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا لَمْ يَقَعِ التَّزْوِيجُ، وَهِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا، وَإِنْ قَالَتِ: اخْتَرْتُ زَوْجِي؟ فَلْيَشْهَدُوا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أحمد جَيِّدٌ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حنبل فِي الْعَبْدِ إِذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ ثُمَّ عَلِمَ السَّيِّدُ بِذَلِكَ: فَإِنْ شَاءَ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ، فَالطَّلَاقُ بِيَدِ السَّيِّدِ، وَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ يُطَلِّقُ، أَيْ: يُبْطِلُ الْعَقْدَ وَيَمْنَعُ تَنْفِيذَهُ وَإِجَازَتَهُ، هَكَذَا أَوَّلَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ النَّصِّ، وَهَذَا مَذْهَبُ أبي حنيفة ومالك عَلَى تَفْصِيلٍ فِي مَذْهَبِهِ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْقَوْلِ، فَإِنَّ الْإِذْنَ إِذَا جَازَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْقَبُولَ وَالْإِيجَابَ جَازَ أَنْ يَتَرَاخَى عَنْهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كَمَا يَجُوزُ وَقْفُهُ عَلَى الْفَسْخِ يَجُوزُ وَقْفُهُ عَلَى الْإِجَازَةِ كَالْوَصِيَّةِ
стр. 2032
وَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ التَّرَاضِي وَحُصُولُهُ فِي ثَانِي الْحَالِ كَحُصُولِهِ فِي الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّ إِثْبَاتَ الْخِيَارِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ هُوَ وَقْفٌ لِلْعَقْدِ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى إِجَازَةِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ وَرَدُّهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] [الْحُجُرَاتِ: ١٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] [الْحُجُرَاتِ: ١٠] . وَقَالَ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] [التَّوْبَةِ ٧١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٥]
وَقَالَ ﷺ : ( «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ. وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» ) .
وَقَالَ ﷺ : ( «إِنَّ آلَ بَنِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّ أَوْلِيَائِيَ الْمُتَّقُونَ حَيْثُ كَانُوا وَأَيْنَ كَانُوا» ) .
стр. 2033
وَفِي الترمذي: عَنْهُ ﷺ ( «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ فَقَالَ إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» .
«وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي بَيَاضَةَ (أَنْكِحُوا أبا هند وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِ» ) وَكَانَ حَجَّامًا.
«وَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ زينب بنت جحش القرشية مِنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ» ( «وَزَوَّجَ فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية مِنْ أسامة ابْنِهِ» ) وَتَزَوَّجَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ بِأُخْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] [النُّورِ: ٢٦] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] [النِّسَاءِ: ٣]
فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ حُكْمُهُ ﷺ اعْتِبَارُ الدِّينِ فِي الْكَفَاءَةِ أَصْلًا وَكَمَالًا، فَلَا تُزَوَّجُ مُسْلِمَةٌ بِكَافِرٍ، وَلَا عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ فِي الْكَفَاءَةِ أَمْرًا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمَةِ نِكَاحَ الزَّانِي الْخَبِيثِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ نَسَبًا وَلَا صِنَاعَةً وَلَا غِنًى وَلَا حُرِّيَّةً، فَجَوَّزَ لِلْعَبْدِ الْقِنِّ نِكَاحَ الْحُرَّةِ النَّسِيبَةِ الْغَنِيَّةِ، إِذَا كَانَ عَفِيفًا مُسْلِمًا، وَجَوَّزَ لِغَيْرِ الْقُرَشِيِّينَ نِكَاحَ الْقُرَشِيَّاتِ، وَلِغَيْرِ الْهَاشِمِيِّينَ نِكَاحَ الْهَاشِمِيَّاتِ، وَلِلْفُقَرَاءِ نِكَاحَ الْمُوسِرَاتِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي أَوْصَافِ الْكَفَاءَةِ فَقَالَ مالك فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ إِنِّهَا
стр. 2034
الدِّينُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِنِّهَا ثَلَاثَةٌ الدِّينُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْعُيُوبِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: هِيَ النَّسَبُ وَالدِّينُ.
وَقَالَ أحمد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ هِيَ الدِّينُ وَالنَّسَبُ خَاصَّةً. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: هِيَ خَمْسَةٌ الدِّينُ وَالنَّسَبُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالصِّنَاعَةُ وَالْمَالُ. وَإِذَا اعْتُبِرَ فِيهَا النَّسَبُ فَعَنْهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْعَرَبَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ قُرَيْشًا لَا يُكَافِئُهُمْ إِلَّا قُرَشِيٌّ، وَبَنُو هَاشِمٍ لَا يُكَافِئُهُمْ إِلَّا هَاشِمِيٌّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يُعْتَبَرُ فِيهَا الدِّينُ وَالنَّسَبُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالصِّنَاعَةُ وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُنَفِّرَةِ.
وَلَهُمْ فِي الْيَسَارِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: اعْتِبَارُهُ فِيهَا، وَإِلْغَاؤُهُ، وَاعْتِبَارُهُ فِي أَهْلِ الْمُدُنِ دُونَ أَهْلِ الْبَوَادِي؛ فَالْعَجَمِيُّ لَيْسَ عِنْدَهُمْ كُفْئًا لِلْعَرَبِيِّ، وَلَا غَيْرُ الْقُرَشِيِّ لِلْقُرَشِيَّةِ، وَلَا غَيْرُ الْهَاشِمِيِّ لِلْهَاشِمِيَّةِ، وَلَا غَيْرُ الْمُنْتَسِبَةِ إِلَى الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ الْمَشْهُورِينَ كُفْئًا لِمَنْ لَيْسَ مُنْتَسِبًا إِلَيْهِمَا، وَلَا الْعَبْدُ كُفْئًا لِلْحُرَّةِ، وَلَا الْعَتِيقُ كُفْئًا لِحُرَّةِ الْأَصْلِ، وَلَا مَنْ مَسَّ الرِّقُّ أَحَدَ آبَائِهِ كُفْئًا لِمَنْ لَمْ يَمَسَّهَا رِقٌّ، وَلَا أَحَدًا مِنْ آبَائِهَا، وَفِي تَأْثِيرِ رِقِّ الْأُمَّهَاتِ وَجْهَانِ، وَلَا مَنْ بِهِ عَيْبٌ مُثْبِتٌ لِلْفَسْخِ كُفْئًا لِلسَّلِيمَةِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الْفَسْخُ وَكَانَ مُنَفِّرًا كَالْعَمَى وَالْقَطْعِ، وَتَشْوِيهِ الْخِلْقَةِ، فَوَجْهَانِ: وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ أَنَّ صَاحِبَهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ، وَلَا الْحَجَّامُ وَالْحَائِكُ وَالْحَارِسُ كُفْئًا لِبِنْتِ التَّاجِرِ وَالْخَيَّاطِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا الْمُحْتَرِفُ لِبِنْتِ الْعَالِمِ، وَلَا الْفَاسِقُ كُفْئًا لِلْعَفِيفَةِ، وَلَا الْمُبْتَدِعُ لِلسُّنِّيَّةِ، وَلَكِنِ الْكَفَاءَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هِيَ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: هِيَ لِمَنْ لَهُ وِلَايَةٌ فِي الْحَالِ.
وَقَالَ أحمد فِي رِوَايَةٍ: حَقٌّ لِجَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ، قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ، فَمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ فَلَهُ الْفَسْخُ. وَقَالَ أحمد فِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ: إِنِّهَا حَقُّ اللَّهِ، فَلَا يَصِحُّ رِضَاهُمْ بِإِسْقَاطِهِ، وَلَكِنْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا تُعْتَبَرُ الْحُرِّيَّةُ وَلَا الْيَسَارُ، وَلَا الصِّنَاعَةُ وَلَا النَّسَبُ، إِنَّمَا يُعْتَبَرُ الدِّينُ فَقَطْ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحمد، وَلَا أَحَدٌ مِنَ
стр. 2035
الْعُلَمَاءِ إِنَّ نِكَاحَ الْفَقِيرِ لِلْمُوسِرَةِ بَاطِلٌ، وَإِنْ رَضِيَتْ، وَلَا يَقُولُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ: إِنَّ نِكَاحَ الْهَاشِمِيَّةِ لِغَيْرِ الْهَاشِمِيِّ وَالْقُرَشِيَّةِ لِغَيْرِ الْقُرَشِيِّ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى هَذَا لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَحْكُونَ الْخِلَافَ فِي الْكِفَاءَةِ، هَلْ هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ أَوْ لِلْآدَمِيِّ؟ وَيُطْلِقُونَ مَعَ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْكَفَاءَةَ هِيَ الْخِصَالُ الْمَذْكُورَةُ، وَفِي هَذَا مِنَ التَّسَاهُلِ وَعَدَمِ التَّحْقِيقِ مَا فِيهِ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ]
ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَ " السُّنَنِ ": «أَنَّ بريرة كَاتَبَتْ أَهْلَهَا، وَجَاءَتْ تَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ فِي كِتَابَتِهَا فَقَالَتْ عائشة ﵂: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لعائشة ﵂: (اشْتَرِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: " مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " ثُمَّ خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَنْ تَبْقَى عَلَى نِكَاحِ زَوْجِهَا وَبَيْنَ أَنْ تَفْسَخَهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، فَقَالَ لَهَا: " إِنَّهُ زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ " فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : تَأْمُرُنِي بِذَلِكَ؟ قَالَ: " لَا إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ، قَالَتْ: فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ وَقَالَ لَهَا إِذْ خَيَّرَهَا: (إِنْ قَرُبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ " وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ وَتُصُدِّقَ عَلَيْهَا بِلَحْمٍ فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ " هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» ) .
следующие страницы →