Полный текст (2 628 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
بِالثَّلَاثِ عُقُوبَةً لَهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ حَرَامٌ، وَتَتَايَعُوا فِيهِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا سَائِغٌ لِلْأَئِمَّةِ أَنْ يُلْزِمُوا النَّاسَ بِمَا ضَيَّقُوا بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَقْبَلُوا فِيهِ رُخْصَةَ اللَّهِ وَتَسْهِيلَهُ، بَلِ اخْتَارُوا الشِّدَّةَ وَالْعُسْرَ، فَكَيْفَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَكَمَالِ نَظَرِهِ لِلْأُمَّةِ، وَتَأْدِيبِهِ لَهُمْ، وَلَكِنَّ الْعُقُوبَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَشْخَاصِ، وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِ الْفِعْلِ الْمُعَاقَبِ عَلَيْهِ وَخَفَائِهِ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عمر ﵁ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ رَآهُ مَصْلَحَةً لِلْأُمَّةِ يَكُفُّهُمْ بَهْ عَنِ التَّسَارُعِ إِلَى إِيقَاعِ الثَّلَاثِ، وَلِهَذَا قَالَ: (فَلَوْ أَنَّا أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " فَأَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ) ، أَفَلَا يُرَى أَنَّ هَذَا رَأْيٌ مِنْهُ رَآهُ لِلْمَصْلَحَةِ لَا إِخْبَارٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمَّا عَلِمَ ﵁ أَنَّ تِلْكَ الْأَنَاةَ وَالرُّخْصَةَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُطَلِّقِ، وَرَحْمَةٌ بِهِ، وَإِحْسَانٌ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ قَابَلَهَا بِضِدِّهَا، وَلَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللَّهِ، وَمَا جَعَلَهُ لَهُ مِنَ الْأَنَاةِ عَاقَبَهُ بِأَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَأَلْزَمَهُ مَا أَلْزَمَهُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالِاسْتِعْجَالِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِحِكْمَةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ قَدَرًا وَشَرْعًا.
فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا تَعَدَّوْا حُدُودَهُ، وَلَمْ يَقِفُوا عِنْدَهَا، ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ مَا جَعَلَهُ لِمَنِ اتَّقَاهُ مِنَ الْمَخْرَجِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مَنْ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا: إِنَّكَ لَوِ اتَّقَيْتَ اللَّهَ لَجَعَلَ لَكَ مَخْرَجًا، كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ.
فَهَذَا نَظَرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَا أَنَّهُ ﵁ غَيَّرَ أَحْكَامَ اللَّهِ، وَجَعَلَ حَلَالَهَا حَرَامًا، فَهَذَا غَايَةُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ النُّصُوصِ وَفِعْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَنْتُمْ لَمْ يُمْكِنْكُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِإِلْغَاءِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، فَهَذَا نِهَايَةُ أَقْدَامِ الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذَا الْمَقَامِ الضَّنْكِ وَالْمُعْتَرَكِ الصَّعْبِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 2137
[حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَبْدِ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ يُعْتَقُ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ تَحِلُّ لَهُ بِدُونِ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ]
رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ: (مِنْ حَدِيثِ أبي الحسن مولى بني نوفل، أَنَّهُ «اسْتَفْتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فِي مَمْلُوكٍ كَانَتْ تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ، فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ، ثُمَّ عَتَقَا بَعْدَ ذَلِكَ، هَلْ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَخْطُبَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَضَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ) .
وَفِي لَفْظٍ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَقِيَتْ لَكَ وَاحِدَةٌ، قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ) .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ عبد الرزاق، أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ قَالَ لمعمر: مَنْ أَبُو حَسَنٍ هَذَا؟ لَقَدْ تَحَمَّلَ صَخْرَةً عَظِيمَةً، انْتَهَى. قَالَ المنذري: وَأَبُو حَسَنٍ هَذَا قَدْ ذُكِرَ بِخَيْرٍ وَصَلَاحٍ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أبو زرعة وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيَانِ، غَيْرَ أَنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ عمر بن معتب، وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَإِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ وَالزَّوْجَةُ فِي حِبَالِهِ، مَالَكَ تَمَامَ الثَّلَاثِ، وَإِنْ عَتَقَ وَقَدْ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ، فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ لِلْفُقَهَاءِ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَمْلِكُ طَلْقَتَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً.
وَالثَّانِي: أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا عَقْدًا مُسْتَأْنَفًا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عمر بن معتب هَذَا، وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد، وَهُوَ
стр. 2138
قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَلِهَذَا الْقَوْلِ فِقْهٌ دَقِيقٌ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ التَّطْلِيقَتَانِ لِنَقْصِهِ بِالرِّقِّ، فَإِذَا عَتَقَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، زَالَ النَّقْصُ، وَوُجِدَ سَبَبُ مِلْكِ الثَّلَاثِ، وَآثَارُ النِّكَاحِ بَاقِيَةٌ، فَمَلَكَ عَلَيْهَا تَمَامَ الثَّلَاثِ، وَلَهُ رَجْعَتُهَا، وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، بَانَتْ مِنْهُ وَحَلَّتْ لَهُ بِدُونِ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، فَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ بِبَعِيدٍ فِي الْقِيَاسِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَأَنْ يَنْكِحَهَا بَعْدَهَا بِدُونِ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، وَلَوْ لَمْ يَعْتِقْ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ جَمِيعِهِمْ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَبْدَ وَالْحُرَّ فِي الطَّلَاقِ سَوَاءٌ.
وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، (عَنْ أبي معبد مولى ابن عباس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ عَبْدًا لَهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ، فَأَمَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَأَبَى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ لَكَ فَاسْتَحِلَّهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ) .
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ زَوْجَتَهُ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً، مَلَكَ عَلَيْهَا تَمَامَ الثَّلَاثِ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أبي حنيفة.
وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ سَوَاءٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ جَمِيعِهِمْ، حَكَاهُ عَنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الطَّلَاقِ، وَإِطْلَاقِهَا، وَعَدَمِ تَفْرِيقِهَا بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ، وَلَمْ تُجْمِعِ الْأُمَّةُ عَلَى التَّفْرِيقِ، فَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَفْتَى غُلَامًا لَهُ بِرَجْعَةِ زَوْجَتِهِ بَعْدَ طَلْقَتَيْنِ، وَكَانَتْ أَمَةً. وَفِي هَذَا النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَظَرٌ، فَإِنَّ عبد الرزاق رَوَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ أبا معبد أَخْبَرَهُ، (أَنَّ عَبْدًا كَانَ لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ جَارِيَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَطَلَّقَهَا فَبَتَّهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا طَلَاقَ لَكَ فَارْجِعْهَا) .
стр. 2139
قَالَ عبد الرزاق: حَدَّثَنَا معمر، عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ، (أَنَّ الْعَبْدَ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ: لَا تَرْجِعْ إِلَيْهَا وَإِنْ ضُرِبَ رَأْسُكَ) .
فَمَأْخَذُ هَذِهِ الْفَتْوَى، أَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ بِيَدِ سَيِّدِهِ، كَمَا أَنَّ نِكَاحَهُ بِيَدِهِ، كَمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عطاء، عَنْ (ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ طَلَاقُ الْعَبْدِ وَلَا فُرْقَتُهُ بِشَيْءٍ) .
وَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أبي الزبير، أَنَّهُ سَمِعَ (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ: سَيِّدُهُمَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُفَرِّقُ) ، وَهَذَا قَوْلُ أبي الشعثاء، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَرَوْنَ لِلْعَبْدِ طَلَاقًا إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَهَذَا مَأْخَذُ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَا أَنَّهُ يَرَى طَلَاقَ الْعَبْدِ ثَلَاثًا إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةٌ، وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ بِذَلِكَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ أَيَّ الزَّوْجَيْنِ رَقَّ كَانَ الطَّلَاقُ بِسَبَبِ رِقِّهِ اثْنَتَيْنِ، كَمَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عبد الله بن عمر، عَنْ نافع، عَنِ (ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: الْحُرُّ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَتَعْتَدُّ بِحَيْضَتَيْنِ، وَالْعَبْدُ يُطَلِّقُ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَتَعْتَدُّ ثَلَاثَ حِيَضٍ) ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ، فَيَمْلِكُ الْحُرُّ ثَلَاثًا. وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً، وَالْعَبْدُ ثِنْتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ومالك وأحمد فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، هَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وعائشة، وأم سلمة أُمَّيِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ القاسم، وسالم، وأبي سلمة، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وربيعة، وأبي الزناد، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وعطاء.
стр. 2140
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الطَّلَاقَ بِالنِّسَاءِ كَالْعِدَّةِ، كَمَا رَوَى شعبة عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مسروق، عَنْ (ابْنِ مَسْعُودٍ. السُّنَّةُ: الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ) .
وَرَوَى عبد الرزاق: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَغَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ عيسى عَنِ الشَّعْبِيِّ، (عَنِ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ بِالْمَرْأَةِ) ، هَذَا لَفْظُهُ، وَهَذَا قَوْلُ الحسن، وَابْنِ سِيرِينَ، وقتادة، وإبراهيم، وَالشَّعْبِيِّ، وعكرمة، ومجاهد، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وأبي حنيفة وَأَصْحَابِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ قِيلَ: قَدْ قَالَ أبو داود: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا أبو عاصم، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مظاهر بن أسلم، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عائشة ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ» ) .
وَرَوَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبِيبٍ الْمُسْلِيُّ، حَدَّثَنَا عبد الله بن عيسى، عَنْ عطية، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» ) .
стр. 2141
وَقَالَ عبد الرزاق: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عبد الله بن زياد بن سمعان، أَنَّ عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، أَخْبَرَهُ عَنْ نافع، (عَنْ أم سلمة أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، «أَنَّ غُلَامًا لَهَا طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ، فَاسْتَفْتَتْ أم سلمة النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عمر بن معتب، عَنْ أبي حسن، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وَلَا يُعْرَفُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ هَذِهِ الْآثَارِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى عُجَرِهَا وَبُجَرِهَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ، فَقَالَ أبو داود: هُوَ حَدِيثٌ مَجْهُولٌ، وَقَالَ الترمذي: حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مظاهر بن أسلم، ومظاهر لَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الْعِلْمِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " أَطْرَافِهِ " بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ: رَوَى أسامة بن زيد بن أسلم، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ أَبِيهِ، فَأَتَاهُ رَسُولُ الْأَمِيرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَا هَذَا، وَقَالَا لَهُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنْ عَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. قَالَ الْحَافِظُ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ: مظاهر بن أسلم ضَعِيفٌ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ البيهقي: لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَقُلْنَا بِهِ إِلَّا أَنَّا لَا نُثْبِتُ حَدِيثًا يَرْوِيهِ مَنْ نَجْهَلُ عَدَالَتَهُ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ الثَّانِي: فَفِيهِ عُمَرُ بْنُ شَبِيبٍ الْمُسْلِيُّ ضَعِيفٌ، وَفِيهِ عطية وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا.
وَأَمَّا الْأَثَرُ الثَّالِثُ: فَفِيهِ ابن سمعان الْكَذَّابُ، وعبد الله بن عبد الرحمن مَجْهُولٌ.
стр. 2142
وَأَمَّا الْأَثَرُ الرَّابِعُ: فَفِيهِ عمر بن معتب، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
وَالَّذِي سَلِمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآثَارُ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالْقِيَاسُ.
أَمَّا الْآثَارُ، فَهِيَ مُتَعَارِضَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، بَقِيَ الْقِيَاسُ، وَتَجَاذَبَهُ طَرَفَانِ: طَرَفُ الْمُطَلِّقِ، وَطَرَفُ الْمُطَلَّقَةِ. فَمَنْ رَاعَى طَرَفَ الْمُطَلِّقِ، قَالَ: هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ الطَّلَاقَ، وَهُوَ بِيَدِهِ، فَيَتَنَصَّفُ بِرِقِّهِ كَمَا يَتَنَصَّفُ نِصَابُ الْمَنْكُوحَاتِ بِرِقِّهِ، وَمَنْ رَاعَى طَرَفَ الْمُطَلَّقَةِ، قَالَ: الطَّلَاقُ يَقَعُ عَلَيْهَا، وَتَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ وَالتَّحْرِيمُ وَتَوَابِعُهَا، فَتَنَصَّفَ بِرِقِّهَا كَالْعِدَّةِ، وَمَنْ نَصَّفَ بِرِقِّهَا كَالْعِدَّةِ، وَمَنْ نَصَّفَ بِرِقِّ أَيِّ الزَّوْجَيْنِ كَانَ رَاعَى الْأَمْرَيْنِ، وَأَعْمَلَ الشَّبَهَيْنِ، وَمَنْ كَمَّلَهُ وَجَعَلَهُ ثَلَاثًا رَأَى أَنَّ الْآثَارَ لَمْ تَثْبُتْ، وَالْمَنْقُولُ عَنِ الصَّحَابَةِ مُتَعَارِضٌ، وَالْقِيَاسُ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَتَمَسَّكَ بِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ طَلْقَتَانِ، وَلَمْ يُفَرِّقِ اللَّهُ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ، وَلَا بَيْنَ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]
قَالُوا: وَالْحِكْمَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا جُعِلَ الطَّلَاقُ الرُّجْعِيُّ اثْنَتَيْنِ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ، قَالُوا: وَقَدْ قَالَ مالك: إِنَّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعًا كَالْحُرِّ، لِأَنَّ حَاجَتَهُ إِلَى ذَلِكَ كَحَاجَةِ الْحُرِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وأحمد: أَجَلُهُ فِي الْإِيلَاءِ كَأَجَلِ الْحُرِّ، لِأَنَّ ضَرَرَ الزَّوْجَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ سَوَاءٌ.
وَقَالَ أبو حنيفة: إِنَّ طَلَاقَهُ وَطَلَاقَ الْحُرِّ سَوَاءٌ إِذَا كَانَتِ امْرَأَتَاهُمَا حُرَّتَيْنِ إِعْمَالًا لِإِطْلَاقِ نُصُوصِ الطَّلَاقِ، وَعُمُومِهَا لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالنَّاسُ مَعَهُ: صِيَامُهُ فِي الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا، وَصِيَامُ الْحُرِّ سَوَاءٌ، وَحَدُّهُ فِي السَّرِقَةِ وَالشَّرَابِ، وَحَدُّ الْحُرِّ سَوَاءٌ. قَالُوا: وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْآثَارُ أَوْ بَعْضُهَا ثَابِتًا، لَمَا سَبَقْتُمُونَا إِلَيْهِ، وَلَا غَلَبْتُمُونَا عَلَيْهِ، وَلَوِ اتَّفَقَتْ آثَارُ الصَّحَابَةِ لَمْ نَعْدُهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَإِنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الزَّوْجِ لَا بِيَدِ غَيْرِهِ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]
стр. 2143
[الْأَحْزَابِ: ٤٩] ، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] [الْبَقَرَةِ: ٢٣١] ، فَجَعَلَ الطَّلَاقَ لِمَنْ نَكَحَ؛ لِأَنَّ لَهُ الْإِمْسَاكَ، وَهُوَ الرَّجْعَةُ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ ": مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَيِّدِي زَوَّجَنِي أَمَتَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا. قَالَ: فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» ) .
وَقَدْ رَوَى عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عطاء عَنِ (ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يَقُولُ: طَلَاقُ الْعَبْدِ بِيَدِ سَيِّدِهِ، إِنْ طَلَّقَ، جَازَ، وَإِنْ فَرَّقَ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ، إِذَا كَانَا لَهُ جَمِيعًا، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لَهُ، وَالْأَمَةُ لِغَيْرِهِ، طَلَّقَ السَّيِّدُ أَيْضًا إِنْ شَاءَ) .
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ (عطاء عَنْهُ: لَيْسَ طَلَاقُ الْعَبْدِ وَلَا فُرْقَتُهُ بِشَيْءٍ) .
وَذَكَرَ عبد الرزاق، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أبو الزبير سَمِعَ (جَابِرًا يَقُولُ فِي الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ: سَيِّدُهُمَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُفَرِّقُ) .
وَقَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ الْمُتَقَدِّمُ، وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَا فِيهِ، فَالْقُرْآنُ يُعَضِّدُهُ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ.
[حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَنْ طَلَّقَ دُونَ الثَّلَاثِ ثُمَّ رَاجَعَهَا بَعْدَ زَوْجٍ أَنَّهَا عَلَى بَقِيَّةِ الطَّلَاقِ]
ذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عثمان بن مقسم، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ نبيه بن وهب،
стр. 2144
يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا دُونَ الثَّلَاثِ، ثُمَّ يَرْتَجِعُهَا بَعْدَ زَوْجٍ أَنَّهَا عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الطَّلَاقِ» ) .
وَهَذَا الْأَثَرُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعِيفٌ وَمَجْهُولٌ، فَعَلَيْهِ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ، كَمَا ذَكَرَ عبد الرزاق فِي " مُصَنَّفِهِ " عَنْ مالك، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وحميد بن عبد الرحمن، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، (وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ كُلُّهُمْ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَيَمُوتَ عَنْهَا، أَوْ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا زَوْجُهَا الْأَوَّلُ، فَإِنَّهَا عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا) .
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃ مِثْلُهُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هَذَا قَوْلُ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ .
(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃: تَعُودُ عَلَى الثَّلَاثِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: نِكَاحٌ جَدِيدٌ، وَطَلَاقٌ جَدِيدٌ) .
وَذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَهْلُ الْحَدِيثِ، فِيهِمْ أحمد، وَالشَّافِعِيُّ، ومالك، وَذَهَبَ إِلَى الثَّانِي أبو حنيفة، هَذَا إِذَا أَصَابَهَا الثَّانِي، فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا فَهِيَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَقَالَ النخعي: لَمْ أَسْمَعْ فِيهَا اخْتِلَافًا، وَلَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ
стр. 2145
لَكَانَ فَصْلَ النِّزَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَوِ اتَّفَقَتْ آثَارُ الصَّحَابَةِ، لَكَانَتْ فَصْلًا أَيْضًا.
وَأَمَّا فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ فَمُتَجَاذَبٌ، فَإِنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ إِذَا هَدَمَتْ إِصَابَتُهُ الثَّلَاثَ، وَأَعَادَتْهَا إِلَى الْأَوَّلِ بِطَلَاقٍ جَدِيدٍ، فَمَا دُونَهَا أَوْلَى، وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَقُولُونَ: لَمَّا كَانَتْ إِصَابَةُ الثَّانِي شَرْطًا فِي حِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِلْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ هَدْمِهَا وَإِعَادَتِهَا عَلَى طَلَاقٍ جَدِيدٍ، وَأَمَّا مَنْ طُلِّقَتْ دُونَ الثَّلَاثِ، فَلَمْ تُصَادِفْ إِصَابَةُ الثَّانِي فِيهَا تَحْرِيمًا يُزِيلُهُ، وَلَا هِيَ شَرْطٌ فِي الْحِلِّ لِلْأَوَّلِ، فَلَمْ تَهْدِمْ شَيْئًا، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوَّلِ، وَإِحْلَالُهَا لَهُ، فَعَادَتْ عَلَى مَا بَقِيَ، كَمَا لَوْ لَمْ يُصِبْهَا، فَإِنَّ إِصَابَتَهُ لَا أَثَرَ لَهَا الْبَتَّةَ، وَلَا نِكَاحَهُ، وَطَلَاقُهُ مُعَلَّقٌ بِهَا بِوَجْهٍ مَا، وَلَا تَأْثِيرَ لَهَا فِيهِ.
[حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يَطَأَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي]
ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ عائشة ﵂، ( «أَنَّ امْرَأَةَ رفاعة القرظي جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، وَإِنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رفاعة. لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» ) .
وَفِي " سُنَنِ النَّسَائِيِّ ": عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْعُسَيْلَةُ الْجِمَاعُ وَلَوْ لَمْ يُنْزِلْ» ) .
стр. 2146
وَفِيهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ( «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَيَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ، فَيُغْلِقُ الْبَابَ، وَيُرْخِي السِّتْرَ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا؟ قَالَ: لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يُجَامِعَهَا الْآخَرُ» ) .
فَتَضَمَّنَ هَذَا الْحُكْمُ أُمُورًا:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى جِمَاعِهَا.
الثَّانِي: أَنَّ إِصَابَةَ الزَّوْجِ الثَّانِي شَرْطٌ فِي حِلِّهَا لِلْأَوَّلِ، خِلَافًا لِمَنِ اكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ مَرْدُودٌ بِالسُّنَّةِ الَّتِي لَا مَرَدَّ لَهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْإِنْزَالُ، بَلْ يَكْفِي مُجَرَّدُ الْجِمَاعِ الَّذِي هُوَ ذَوْقُ الْعُسَيْلَةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ مُجَرَّدَ الْعَقْدِ الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ نِكَاحُ رَغْبَةٍ كَافِيًا، وَلَا اتِّصَالَ الْخَلْوَةِ بِهِ، وَإِغْلَاقَ الْأَبْوَابِ وَإِرْخَاءَ السُّتُورِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِهِ الْوَطْءُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ عَقْدِ التَّحْلِيلِ الَّذِي لَا غَرَضَ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ فِيهِ سِوَى صُورَةِ الْعَقْدِ، وَإِحْلَالِهَا لِلْأَوَّلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ عَقْدُ الرَّغْبَةِ الْمَقْصُودُ لِلدَّوَامِ غَيْرَ كَافٍ حَتَّى يُوجَدَ فِيهِ الْوَطْءُ، فَكَيْفَ يَكْفِي عَقْدُ تَيْسٍ مُسْتَعَارٍ لِيُحِلَّهَا لَا رَغْبَةَ لَهُ فِي إِمْسَاكِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ عَارِيَةٌ كَحِمَارِ الْعَشْرِيِّينَ الْمُسْتَعَارِ لِلضِّرَابِ؟ .
стр. 2147
[حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَرْأَةِ تُقِيمُ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى طَلَاقِ زَوْجِهَا وَالزَّوْجُ مُنْكِرٌ]
ذَكَرَ ابْنُ وَضَّاحٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زهير بن محمد، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ زَوْجِهَا، فَجَاءَتْ عَلَى ذَلِكَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَدْلٍ، اسْتُحْلِفَ زَوْجُهَا، فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَتْ عَنْهُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ، وَإِنْ نَكَلَ فَنُكُولُهُ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ آخَرَ، وَجَازَ طَلَاقُهُ» ) فَتَضَمَّنَ هَذَا الْحُكْمُ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا مَعَ يَمِينِ الْمَرْأَةِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً، لَا يَقَعُ فِي حَدٍّ، وَلَا نِكَاحٍ، وَلَا طَلَاقٍ، وَلَا إِعْتَاقٍ، وَلَا سَرِقَةٍ، وَلَا قَتْلٍ. وَقَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا ادَّعَى أَنَّ سَيَّدَهُ أَعْتَقَهُ، وَأَتَى بِشَاهِدٍ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَصَارَ حُرًّا، وَاخْتَارَهُ الخرقي، وَنَصَّ أحمد فِي شَرِيكَيْنِ، فِي عَبْدٍ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ حَقَّهُ مِنْهُ، وَكَانَا مُعْسِرَيْنِ عَدْلَيْنِ، فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَصِيرَ حُرًّا، وَيَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَيَصِيرَ نِصْفُهُ حُرًّا، وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ عَنْهُ أَنَّ الطَّلَاقَ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذَا عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَنُكُولِ الزَّوْجِ، وَهُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّهِ، لَا يُعْرَفُ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، إِلَّا مَنِ احْتَجَّ بِهِ، وَبَنَى عَلَيْهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وزهير بن محمد الرَّاوِي عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِهِ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وعمرو بن أبي سلمة، هو أبو حفص التنيسي، مُحْتَجٌّ بِهِ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا، فَمَنِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. فَهَذَا مِنْ أَصَحِّ حَدِيثِهِ.
стр. 2148
الثَّانِي: أَنَّ الزَّوْجَ يُسْتَحْلَفُ فِي دَعْوَى الطَّلَاقِ إِذَا لَمْ تُقِمِ الْمَرْأَةُ بِهِ بَيِّنَةً، لَكِنْ إِنَّمَا اسْتَحْلَفَهُ مَعَ قُوَّةِ جَانِبِ الدَّعْوَى بِالشَّاهِدِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْكَمُ فِي الطَّلَاقِ بِشَاهِدٍ وَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ يَحْكُمُ بِوُقُوعِهِ بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ مِنْ غَيْرِ شَاهِدٍ، فَإِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا الطَّلَاقَ، وَأَحْلَفْنَاهُ لَهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَنَكَلَ، قُضِيَ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَحْلِفِ الزَّوْجُ عَلَى عَدَمِ دَعْوَاهَا، فَالْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَقْوَى.
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الزَّوْجِ بِالنُّكُولِ، إِلَّا إِذَا أَقَامَتِ الْمَرْأَةُ شَاهِدًا وَاحِدًا، كَمَا هُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهَا مَعَ نُكُولِهِ، لَكِنْ مَنْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ يَقُولُ: النُّكُولُ إِمَّا إِقْرَارٌ وَإِمَّا بَيِّنَةٌ، وَكِلَاهُمَا يُحْكَمُ بِهِ، وَلَكِنْ يَنْتَقِضُ هَذَا عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فِي دَعْوَى الْقِصَاصِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ النُّكُولَ بَدَلٌ اسْتُغْنِيَ بِهِ، فِيمَا يُبَاحُ بِالْبَدَلِ، وَهُوَ الْأَمْوَالُ وَحُقُوقُهَا دُونَ النِّكَاحِ وَتَوَابِعُهُ.
الرَّابِعُ: أَنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ، فَلَمَّا أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَهُوَ شَطْرُ الْبَيِّنَةِ، كَانَ النُّكُولُ قَائِمًا مَقَامَ تَمَامِهَا.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَذَاهِبَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْجَلَّابِ فِي " تَفْرِيعِهِ ": وَإِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ الطَّلَاقَ عَلَى زَوْجِهَا، لَمْ يُحَلَّفْ بِدَعْوَاهَا، فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدًا وَاحِدًا لَمْ تُحَلَّفْ مَعَ شَاهِدِهَا، وَلَمْ يَثْبُتِ الطَّلَاقُ عَلَى زَوْجِهَا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا يُعْلَمُ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. قَالَ: وَلَكِنْ يَحْلِفُ لَهَا زَوْجُهَا، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنْ دَعْوَاهَا.
قُلْتُ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَحْلِفُ لِدَعْوَاهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، ومالك، وأبي
стр. 2149
حنيفة. وَالثَّانِيَةُ لَا يَحْلِفُ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْلِفُ، فَلَا إِشْكَالَ. وَإِنْ قُلْنَا: يَحْلِفُ، فَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِالنُّكُولِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مالك، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أشهب، هَذَا فِيهِ غَايَةُ الْقُوَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ وَالنُّكُولَ سَبَبَانِ مِنْ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، فَقَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعِي بِهِمَا، فَحُكِمَ لَهُ، فَهَذَا مُقْتَضَى الْأَثَرِ وَالْقِيَاسِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ: أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ، حُبِسَ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ تُرِكَ. وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، هَلْ يُقْضَى بِالنُّكُولِ فِي دَعْوَى الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَلَا أَثَرَ عِنْدَهُ لِإِقَامَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ؛ بَلْ إِذَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي اسْتِحْلَافِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُسْتَحْلَفُ، لَمْ يَكُنْ لِدَعْوَاهَا أَثَرٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يُسْتَحْلَفُ، فَأَبَى، فَهَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَلَامُ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ وَهَلْ هُوَ إِقْرَارٌ أَوْ بَدَلٌ أَوْ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ؟ .
[حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَيْنَ الْمُقَامِ مَعَهُ وَبَيْنَ مُفَارَقَتِهِنَّ لَهُ]
ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ (عائشة ﵂ قَالَتْ: «لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ، بَدَأَ بِي، فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ. قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا - وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] [الْأَحْزَابِ: ٢٨] ، فَقُلْتُ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَتْ عائشة: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا» )
стр. 2150
قَالَ ربيعة وَابْنُ شِهَابٍ: فَاخْتَارَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ نَفْسَهَا فَذَهَبَتْ وَكَانَتِ الْبَتَّةَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَتْ بَدَوِيَّةً. قَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: وَهِيَ ابنة الضحاك العامرية، رَجَعَتْ إِلَى أَهْلِهَا، وَقَالَ ابن حبيب: قَدْ كَانَ دَخَلَ بِهَا. انْتَهَى.
وَقِيلَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَكَانَتْ تَلْتَقِطُ بَعْدَ ذَلِكَ الْبَعْرَ، وَتَقُولُ أَنَا الشَّقِيَّةُ.
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا التَّخْيِيرِ، فِي مَوْضِعَيْنِ. أَحَدُهُمَا: فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ؟ وَالثَّانِي: فِي حُكْمِهِ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْمُقَامِ مَعَهُ وَالْفِرَاقِ، وَذَكَرَ عبد الرزاق فِي " مُصَنَّفِهِ " عَنِ الحسن، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَمْ يُخَيِّرْهُنَّ فِي الطَّلَاقِ، وَسِيَاقُ الْقُرْآنِ، وَقَوْلُ عائشة ﵁ يَرُدُّ قَوْلَهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالدَّارِ الْآخِرَةِ وَبَيْنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، وَجَعَلَ مُوجَبَ اخْتِيَارِهِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ الْمُقَامَ مَعَ رَسُولِهِ، وَمُوجَبَ اخْتِيَارِهِنَّ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا أَنْ يُمَتِّعَهُنَّ وَيُسَرِّحَهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَهُوَ الطَّلَاقُ بِلَا شَكٍّ وَلَا نِزَاعٍ.
[كَانَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْمُقَامِ مَعَهُ وَالْفِرَاقِ]
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي حُكْمِهِ، فَفِي مَوْضِعَيْنِ. أَحَدُهُمَا: فِي حُكْمِ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ، وَالثَّانِي: فِي حُكْمِ اخْتِيَارِ النَّفْسِ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَالَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَنِسَاؤُهُ كُلُّهُنَّ، وَمُعْظَمُ الْأُمَّةِ، أَنَّ مَنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ تَطْلُقْ، وَلَا يَكُونُ التَّخْيِيرُ بِمُجَرَّدِهِ طَلَاقًا، صَحَّ ذَلِكَ عَنْ عمر وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وعائشة. (قَالَتْ عائشة: «خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ» ، فَلَمْ نَعُدَّهُ طَلَاقًا، وَعَنْ أم سلمة وَقَرِيبَةِ أُخْتِهَا، وعبد الرحمن بن أبي بكر)
وَصَحَّ عَنْ علي وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّهَا إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَهِيَ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الحسن، وَرِوَايَةٌ عَنْ أحمد رَوَاهَا عَنْهُ
стр. 2151
إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، فَوَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، فَثَلَاثٌ، قَالَ أبو بكر: انْفَرَدَ بِهَذَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
قَالَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي ": وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ التَّخْيِيرَ كِنَايَةٌ نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ، فَوَقَعَ بِمُجَرَّدِهَا كَسَائِرِ كِنَايَاتِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَرَّحَتْ بِهِ عائشة ﵂، وَالْحَقُّ مَعَهَا بِإِنْكَارِهِ وَرَدِّهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا اخْتَارَهُ أَزْوَاجُهُ، لَمْ يَقُلْ وَقَعَ بِكُنَّ طَلْقَةٌ، وَلَمْ يُرَاجِعْهُنَّ، وَهِيَ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِشَأْنِ التَّخْيِيرِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ (عائشة ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا) وَفِي لَفْظٍ: (لَمْ نَعُدَّهُ طَلَاقًا) ، وَفِي لَفْظٍ: ( «خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَفَكَانَ طَلَاقًا» ) ؟ .
وَالَّذِي لَحَظَهُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، أَنَّ التَّخْيِيرَ تَمْلِيكٌ، وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا إِلَّا وَقَدْ طَلُقَتْ، فَالتَّمْلِيكُ مُسْتَلْزِمٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّ التَّخْيِيرَ تَمْلِيكٌ. وَالثَّانِيَةُ أَنَّ التَّمْلِيكَ يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، وَكِلَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ مَمْنُوعَةٌ، فَلَيْسَ التَّخْيِيرُ بِتَمْلِيكٍ، وَلَوْ كَانَ تَمْلِيكًا، لَمْ يَسْتَلْزِمْ وُقُوعَ الطَّلَاقِ قَبْلَ إِيقَاعِ مَنْ مَلَكَهُ، فَإِنَّ غَايَةَ أَمْرِهِ أَنْ تَمْلِكَهُ الزَّوْجَةُ، كَمَا كَانَ الزَّوْجُ يَمْلِكُهُ، فَلَا يَقَعُ بِدُونِ إِيقَاعِ مَنْ مَلَكَهُ، وَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ بَائِنًا؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ لَا تَمْلِكُ نَفْسَهَا.
[هَلِ التَّخْيِيرُ يَسْتَلْزِمُ الطَّلَاقَ]
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّخْيِيرِ: هَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ، أَوْ تَوْكِيلٌ، أَوْ بَعْضُهُ تَمْلِيكٌ، وَبَعْضُهُ تَوْكِيلٌ، أَوْ هُوَ تَطْلِيقٌ مُنَجَّزٌ، أَوْ لَغْوٌ لَا أَثَرَ لَهُ الْبَتَّةَ؟ عَلَى مَذَاهِبَ خَمْسَةٍ.
التَّفْرِيقُ هُوَ مَذْهَبُ أحمد ومالك. قَالَ أبو الخطاب فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ ": هُوَ تَمْلِيكٌ يَقِفُ عَلَى الْقَبُولِ، وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " فِيهِ: إِذَا قَالَ أَمْرُكِ بِيَدِكِ، أَوِ اخْتَارِي، فَقَالَتْ قَبِلْتُ، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ " أَمْرُكِ بِيَدِكِ " تَوْكِيلٌ، فَقَوْلُهَا فِي جَوَابِهِ قَبِلْتُ، يَنْصَرِفُ إِلَى قَبُولِ الْوَكَالَةِ، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِكِ، فَقَالَتْ: قَبِلْتُ، وَقَوْلُهُ اخْتَارِي: فِي مَعْنَاهُ، وَكَذَلِكَ
стр. 2152
إِنْ قَالَتْ: أَخَذَتْ أَمْرِي، دَخَلَ عَلَيْهِمَا أحمد فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فَقَالَتْ: قَبِلْتُ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ، وَقَالَ: إِذَا قَالَتْ أَخَذْتُ أَمْرِي، لَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ: وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ اخْتَارِي، فَقَالَتْ قَبِلْتُ نَفْسِي، أَوِ اخْتَرْتُ نَفْسِي، كَانَ أَبْيَنَ. انْتَهَى. وَفَرَّقَ مالك بَيْنَ " اخْتَارِي، " وَبَيْنَ " أَمْرُكِ بِيَدِكِ، " فَجَعَلَ " أَمْرُكِ بِيَدِكِ " تَمْلِيكًا، وَ " اخْتَارِي " تَخْيِيرًا لَا تَمْلِيكًا. قَالَ أَصْحَابُهُ: وَهُوَ تَوْكِيلٌ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَمْلِيكٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَهُوَ الْقَدِيمُ، وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: تَمْلِيكٌ.
وَقَالَ الحسن، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: هُوَ تَطْلِيقٌ تَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ مُنَجَّزَةٌ، وَلَهُ رَجْعَتُهَا، وَهِيَ رِوَايَةُ ابن منصور عَنْ أحمد.
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، سَوَاءٌ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، أَوِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، وَلَا أَثَرَ لِلتَّخْيِيرِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَآخِذَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَلَى وَجْهِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا.
[حُجَجُ مَنْ قَالَ بِأَنَّ التَّخْيِيرَ تَمْلِيكٌ]
قَالَ أَصْحَابُ التَّمْلِيكِ: لَمَّا كَانَ الْبُضْعُ يَعُودُ إِلَيْهَا بَعْدَ مَا كَانَ لِلزَّوْجِ، كَانَ هَذَا حَقِيقَةَ التَّمْلِيكِ.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَالتَّوْكِيلُ يَسْتَلْزِمُ أَهْلِيَّةَ الْوَكِيلِ لِمُبَاشَرَةِ مَا وُكِّلَ فِيهِ، وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ بِأَهْلٍ لِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ، وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَ امْرَأَةً فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُبَاشِرُ الطَّلَاقَ، وَالَّذِينَ صَحَّحُوهُ قَالُوا: كَمَا يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ رَجُلًا فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ امْرَأَةً فِي طَلَاقِهَا.
[حُجَجُ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ]
قَالُوا: وَأَيْضًا فَالتَّوْكِيلُ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ لِمُوَكِّلِهِ لَا لِنَفْسِهِ، وَالْمَرْأَةُ هَاهُنَا إِنَّمَا تَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهَا وَلِحَظِّهَا، وَهَذَا يُنَافِي تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ. قَالَ أَصْحَابُ التَّوْكِيلِ: وَاللَّفْظُ لِصَاحِبِ " الْمُغْنِي ": وَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ تَوْكِيلٌ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ عَنِ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا يَنُوبُ فِيهِ غَيْرُهُ
стр. 2153
عَنْهُ، فَإِذَا اسْتَنَابَ غَيْرَهُ فِيهِ، كَانَ تَوْكِيلًا لَا غَيْرَ.
قَالُوا: وَلَوْ كَانَ تَمْلِيكًا، لَكَانَ مُقْتَضَاهُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ إِلَيْهَا فِي بُضْعِهَا، وَهُوَ مُحَالٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا، وَلِهَذَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا لَا لِلزَّوْجِ، وَلَوْ مَلَكَ الْبُضْعَ لَمَلَكَ عِوَضَهُ، كَمَنْ مَلَكَ مَنْفَعَةَ عَيْنٍ كَانَ عِوَضَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لَكَانَتِ الْمَرْأَةُ مَالِكَةً لِلطَّلَاقِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ أَنْ لَا يَبْقَى الزَّوْجُ مَالِكًا لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مِلْكًا لِمَالِكَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَالزَّوْجُ مَالِكٌ لِلطَّلَاقِ بَعْدَ التَّخْيِيرِ، فَلَا تَكُونُ هِيَ مَالِكَةً لَهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا قُلْنَا: هُوَ تَوْكِيلٌ وَاسْتِنَابَةٌ، كَانَ الزَّوْجُ مَالِكًا، وَهِيَ نَائِبَةٌ وَوَكِيلَةٌ عَنْهُ.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ، ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا حَنِثَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْهُ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمُطَلِّقُ.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَقَوْلُكُمْ: إِنَّهُ تَمْلِيكٌ، إِمَّا أَنْ تُرِيدُوا بِهِ أَنَّهُ مَلَّكَهَا نَفْسَهَا، أَوْ أَنَّهُ مَلَّكَهَا أَنْ تُطَلِّقَ، فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْأَوَّلَ لَزِمَكُمْ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا: قَبِلْتُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَقْتَضِي خُرُوجَ بُضْعِهَا عَنْ مِلْكِهِ، وَاتَّصَلَ بِهِ الْقَبُولُ، وَإِنْ أَرَدْتُمُ الثَّانِيَ فَهُوَ مَعْنَى التَّوْكِيلِ، وَإِنْ غُيِّرَتِ الْعِبَارَةُ.
[حُجَجُ الْمُفَرِّقِينَ بَيْنَ بَعْضِ صُوَرِ التَّخْيِيرِ وَبَعْضٍ]
قَالَ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ بَعْضِ صُوَرِهِ وَبَعْضٍ - وَهُمْ أَصْحَابُ مالك - إِذَا قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، أَوْ جَعَلْتُ أَمْرَكِ إِلَيْكِ، أَوْ مَلَّكْتُكِ أَمْرَكِ، فَذَاكَ تَمْلِيكٌ. وَإِذَا قَالَ اخْتَارِي فَهُوَ تَخْيِيرٌ، قَالُوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا. أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَلِأَنَّ " اخْتَارِي " لَمْ يَتَضَمَّنْ أَكْثَرَ مِنْ تَخْيِيرِهَا، لَمْ يُمَلِّكْهَا نَفْسَهَا، وَإِنَّمَا خَيَّرَهَا بَيْنَ أَمْرَيْنِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِيَدِهَا، إِلَّا وَهِيَ مَالِكَتُهُ، وَأَمَّا الْحُكْمُ فَلِأَنَّهُ إِذَا قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، وَقَالَ أَرَدْتُ بِهِ وَاحِدَةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِذَا قَالَ اخْتَارِي، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا، وَقَعَتْ، وَلَوْ قَالَ أَرَدْتُ وَاحِدَةً، إِلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي إِرَادَتِهِ الْوَاحِدَةَ. قَالُوا: لِأَنَّ التَّخْيِيرَ يَقْتَضِي أَنَّ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا، وَلَا يَحْصُلُ لَهَا ذَلِكَ إِلَّا بِالْبَيْنُونَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا لَمْ تَبِنْ إِلَّا
стр. 2154
بِالثَّلَاثِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا بَانَتْ بِالْوَاحِدَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي تَخْيِيرَهَا بَيْنَ نَفْسِهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، بَلْ تَمْلِيكَهَا أَمْرَهَا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ تَمْلِيكِهَا الْإِبَانَةَ بِثَلَاثٍ أَوْ بِوَاحِدَةٍ تَنْقَضِي بِهَا عِدُّتُهَا، فَإِنْ أَرَادَ بِهَا أَحَدَ مُحْتَمَلَيْهِ، قُبِلَ قَوْلُهُ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَرِدُ عَلَيْهِمْ فِي " اخْتَارِي "، فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَخْتَارَ الْبَيْنُونَةَ بِثَلَاثٍ أَوْ بِوَاحِدَةٍ تَنْقَضِي بِهَا عِدَّتُهَا؛ بَلْ " أَمْرُكِ بِيَدِكِ " أَصْرَحُ فِي تَمْلِيكِ الثَّلَاثِ مِنِ " اخْتَارِي " لِأَنَّهُ مُضَافٌ وَمُضَافٌ إِلَيْهِ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَمْرِهَا. بِخِلَافِ " اخْتَارِي "، فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ لَا عُمُومَ لَهُ، فَمِنْ أَيْنَ يُسْتَفَادُ مِنْهُ الثَّلَاثُ؟ وَهَذَا مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي اخْتَارِي: إِنَّهُ لَا تَمْلِكُ بِهِ الْمَرْأَةُ أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، إِلَّا بِنِيَّةِ الزَّوْجِ، وَنَصَّ فِي " أَمْرُكِ بِيَدِكِ، وَطَلَاقُكِ بِيَدِكِ، وَوَكَّلْتُكِ فِي الطَّلَاقِ ": عَلَى أَنَّهَا تَمْلِكُ بِهِ الثَّلَاثَ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهَا لَا تَمْلِكُهَا إِلَّا بِنِيَّتِهِ.
[حُجَّةُ مَنْ جَعَلَهُ تَطْلِيقًا مُنَجَّزًا وحجة مَنْ جَعَلَهُ لَغْوًا]
وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ تَطْلِيقًا مُنَجَّزًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ قَوْلِهِ وَضَعْفُهُ.
وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ لَغْوًا، فَلَهُمْ مَأْخَذَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ بِيَدِ النِّسَاءِ، إِنَّمَا جَعَلَهُ بِيَدِ الرِّجَالِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ شَرْعُ اللَّهِ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ نَقْلَ الطَّلَاقِ إِلَى مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ إِلَيْهِ الطَّلَاقَ الْبَتَّةَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ (أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَةٍ لَهُ إِنْ أَدْخَلْتِ هَذَا الْعِدْلَ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ فَأَمْرُ صَاحِبَتِكِ بِيَدِكِ، فَأَدْخَلَتْهُ، ثُمَّ قَالَتْ هِيَ طَالِقٌ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَأَبَانَهَا مِنْهُ، فَمَرُّوا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْبَرُوهُ، فَذَهَبَ بِهِمْ إِلَى عمر، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ جَعَلَ الرِّجَالَ قَوَّامِينَ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَمْ يَجْعَلِ النِّسَاءَ قَوَّامَاتٍ عَلَى الرِّجَالِ، فَقَالَ لَهُ عمر فَمَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَاهَا امْرَأَتَهُ. قَالَ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ، فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً)
قُلْتُ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ جَعَلَهَا وَاحِدَةً بِقَوْلِ الزَّوْجِ، فَأَمْرُ صَاحِبَتِكِ بِيَدِكِ، وَيَكُونُ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَعَلَهَا وَاحِدَةً بِقَوْلِ ضَرَّتِهَا: هِيَ طَالِقٌ وَلَمْ يَجْعَلْ
стр. 2155
لِلضَّرَّةِ إِبَانَتَهَا لِئَلَّا تَكُونَ هِيَ الْقَوَّامَةَ عَلَى الزَّوْجِ، فَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ لِمَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْفِرْقَةُ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهَا.
وَقَالَ أبو عبيد: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ (أَنَّ رميثة الفارسية كَانَتْ تَحْتَ محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فَمَلَّكَهَا أَمْرَهَا، فَقَالَتْ: أَنْتَ طَالِقٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: أَخْطَأَتْ، لَا طَلَاقَ لَهَا، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُطَلِّقُ)
وَهَذَا أَيْضًا لَا يَدُلُّ لِهَذِهِ الْفِرْقَةِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُوقِعِ الطَّلَاقَ، لِأَنَّهَا أَضَافَتْهُ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ وَهُوَ الزَّوْجُ، وَهُوَ لَمْ يَقُلْ أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ، وَهَذَا نَظِيرُ مَا رَوَاهُ عبد الرزاق، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أبو الزبير أَنَّ مجاهدا أَخْبَرَهُ أَنَّ (رَجُلًا جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ: مَلَّكْتُ امْرَأَتِي أَمْرَهَا فَطَلَّقَتْنِي ثَلَاثًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَطَّأَ اللَّهُ نَوْأَهَا، إِنَّمَا الطَّلَاقُ لَكَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهَا عَلَيْكَ)
قَالَ الأثرم: (سَأَلْتُ أبا عبد الله عَنِ الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ؟ فَقَالَ: قَالَ عثمان وعلي ﵄: الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ، قُلْتُ: فَإِنْ قَالَتْ قَدْ طَلَّقْتُ نَفْسِي ثَلَاثًا، قَالَ الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَتْ طَلَّقْتُكَ ثَلَاثًا، قَالَ: الْمَرْأَةُ لَا تُطَلِّقْ) وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ (ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: خَطَّأَ اللَّهُ نَوْأَهَا)
(وَرَوَاهُ عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ شعبة، عَنِ الحكم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي رَجُلٍ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ فِي يَدِهَا، فَقَالَتْ: قَدْ طَلَّقْتُكَ ثَلَاثًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَطَّأَ اللَّهُ نَوْأَهَا، أَفَلَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا) قَالَ أحمد: صَحَّفَ أبو مطر فَقَالَ: " خَطَّأَ اللَّهُ فُوهَا " وَلَكِنْ رَوَى عبد الرزاق، عَنِ (ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْتُ عبد الله بن طاووس، كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا، أَتَمْلِكُ أَنْ تُطَلِّقَ
стр. 2156
نَفْسَهَا أَمْ لَا؟ قَالَ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ إِلَى النِّسَاءِ طَلَاقٌ، فَقُلْتُ لَهُ فَكَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ مَلَّكَ رَجُلًا أَمْرَ امْرَأَتِهِ أَيَمْلِكُ الرَّجُلُ أَنْ يُطَلِّقَهَا؟ قَالَ: لَا)
فَهَذَا صَرِيحٌ مِنْ مَذْهَبِ طَاوُوسٍ، أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُ إِلَّا الزَّوْجُ، وَأَنَّ تَمْلِيكَ الزَّوْجَةِ أَمْرَهَا لَغْوٌ، وَكَذَلِكَ تَوْكِيلُهُ غَيْرَهُ فِي الطَّلَاقِ. قَالَ أبو محمد ابن حزم: وَهَذَا قَوْلُ أبي سليمان وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ لِهَؤُلَاءِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا جَعَلَ أَمْرَ الطَّلَاقِ إِلَى الزَّوْجِ دُونَ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِنَّ السَّفَهُ، وَتَذْهَبُ بِهِنَّ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ إِلَى الرِّجَالِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَلَوْ جُعِلَ أَمْرُ الطَّلَاقِ إِلَيْهِنَّ لَمْ يَسْتَقِمْ لِلرِّجَالِ مَعَهُنَّ أَمْرٌ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ بِأَزْوَاجِهِنَّ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ بِأَيْدِيهِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْفِرَاقِ، وَجَعَلَهُ إِلَى الْأَزْوَاجِ.
فَلَوْ جَازَ لِلْأَزْوَاجِ نَقْلُ ذَلِكَ إِلَيْهِنَّ، لَنَاقَضَ حِكْمَةَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ وَنَظَرَهُ لِلْأَزْوَاجِ. قَالُوا: وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى التَّخْيِيرِ فَقَطْ، فَإِنِ اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، كَمَا وَقَعَ، كُنَّ أَزْوَاجَهُ بِحَالِهِنَّ، وَإِنِ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ، مَتَّعَهُنَّ وَطَلَّقَهُنَّ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ السَّرَاحُ الْجَمِيلُ، لَا أَنَّ اخْتِيَارَهُنَّ لِأَنْفُسِهِنَّ يَكُونُ هُوَ نَفْسَ الطَّلَاقِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ كَمَا تَرَى.
قَالَ هَؤُلَاءِ: وَالْآثَارُ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ اخْتِلَافًا شَدِيدًا، فَصَحَّ عَنْ عمر وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فِي رَجُلٍ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا، أَنَّهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَصَحَّ عَنْ (عثمان ﵁، أَنَّ الْقَضَاءَ مَا قَضَتْ) وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرُهُ عَنِ ابن الزبير. وَصَحَّ عَنْ (علي، وزيد، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، أَنَّهَا إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ)
وَصَحَّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهَا إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، فَثَلَاثٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَرُوِيَ عَنِ (ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَنْ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِ آخَرَ فَطَلَّقَهَا، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ)
стр. 2157
قَالَ أبو محمد ابن حزم: وَقَدْ تَقَصَّيْنَا مَنْ رَوَيْنَا عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، فَلَمْ يَكُونُوا بَيْنَ مَنْ صَحَّ عَنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ إِلَّا سَبْعَةً، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، وَلَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضٍ، وَلَا أَثَرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ النَّسَائِيِّ، أَخْبَرَنَا نصر بن علي الجهضمي، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ: هَلْ عَلِمْتَ أَحَدًا قَالَ فِي " أَمْرُكِ بِيَدِكِ ": إِنَّهَا ثَلَاثٌ غَيْرَ الحسن؟ قَالَ: لَا، اللَّهُمَّ غُفْرًا، إِلَّا مَا حَدَّثَنِي بِهِ قتادة، عَنْ كثير مولى ابن سمرة، عَنْ أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ثَلَاثٌ. قَالَ أيوب: فَلَقِيتُ كثيرا مولى ابن سمرة، فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَرَجَعْتُ إِلَى قتادة فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ نَسِيَ. قَالَ أبو محمد: كثير مولى ابن سمرة مَجْهُولٌ، وَلَوْ كَانَ مَشْهُورًا بِالثِّقَةِ وَالْحِفْظِ لَمَا خَالَفْنَا هَذَا الْخَبَرَ وَقَدْ أَوْقَفَهُ بَعْضُ رُوَاتِهِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. انْتَهَى.
(وَقَالَ المروذي: سَأَلْتُ أبا عبد الله مَا تَقُولُ فِي امْرَأَةٍ خُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا؟ قَالَ: قَالَ فِيهَا خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّهَا وَاحِدَةٌ، وَلَهَا الرَّجْعَةُ، عمر وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وعائشة) ، وَذَكَرَ آخَرُ، قَالَ غَيْرُ المروذي هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.
قَالَ أبو محمد وَمَنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَوِ اخْتَارَتِ الطَّلَاقَ، أَوِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، أَوْ لَمْ تَخْتَرْ شَيْئًا، فَكُلُّ ذَلِكَ لَا شَيْءَ، وَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَا تَطْلُقُ بِذَلِكَ، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَلَا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حُكْمٌ، وَلَوْ كَرَّرَ التَّخْيِيرَ وَكَرَّرَتْ هِيَ اخْتِيَارَ نَفْسِهَا، أَوِ اخْتِيَارَ الطَّلَاقِ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَكَذَلِكَ إِنْ مَلَّكَهَا نَفْسَهَا، أَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا. وَلَا فَرْقَ.
وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِذْ لَمْ يَأْتِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا عَنْ
стр. 2158
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ، أَوْ قَدْ مَلَّكْتُكِ أَمْرَكِ، أَوِ اخْتَارِي، يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا، أَوْ أَنَّ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا، أَوْ تَخْتَارَ طَلَاقًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْرُمَ عَلَى الرَّجُلِ فَرْجٌ أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَرَسُولُهُ ﷺ بِأَقْوَالٍ لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ ﷺ ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
قَالُوا: وَاضْطِرَابُ أَقْوَالِ الْمُوقِعِينَ وَتَنَاقُضُهَا وَمُعَارَضَةُ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ أَصْلِهَا، وَلَوْ كَانَ الْأَصْلُ صَحِيحًا لَاطَّرَدَتْ فُرُوعُهُ، وَلَمْ تَتَنَاقَضْ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ، وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَى طَرَفٍ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ.
فَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ التَّخْيِيرِ أَوْ لَا يَقَعُ حَتَّى تَخْتَارَ نَفْسَهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: تَقَدَّمَ حِكَايَتُهُمَا ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ لَا يُوقِعُونَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ: هَلْ يَخْتَصُّ اخْتِيَارُهَا بِالْمَجْلِسِ، أَوْ يَكُونُ فِي يَدِهَا مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ، وَهَذَا قَوْلُ أبي حنيفة، وَالشَّافِعِيِّ، ومالك، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. الثَّانِي: أَنَّهُ فِي يَدِهَا أَبَدًا حَتَّى يَفْسَخَ أَوْ يَطَأَ، وَهَذَا قَوْلُ أحمد، وابن المنذر، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ مالك. ثُمَّ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: وَذَلِكَ مَا لَمْ تَطُلْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهَا تَرَكَتْهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَعَدَّى شَهْرَيْنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، هَلْ عَلَيْهَا يَمِينٌ، أَنَّهَا تَرَكَتْ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا إِذَا رَجَعَ الزَّوْجُ فِيمَا جَعَلَ إِلَيْهَا، فَقَالَ أحمد، وإسحاق، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، ومجاهد، وعطاء: لَهُ ذَلِكَ، وَيَبْطُلُ خِيَارُهَا. وَقَالَ مالك، وأبو حنيفة، وَالثَّوْرِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تَوْكِيلٌ، فَيَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ الرُّجُوعَ أَوْ تَمْلِيكٌ، فَلَا يَمْلِكُهُ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ التَّمْلِيكِ: وَلَا يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ. وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ تَمْلِيكٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْقَبُولُ، فَجَازَ الرُّجُوعُ فِيهِ كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ.
وَاخْتَلَفُوا: فِيمَا يَلْزَمُ مِنِ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا. فَقَالَ أحمد وَالشَّافِعِيُّ: وَاحِدَةٌ
стр. 2159
رَجْعِيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَاخْتَارَهُ أبو عبيد، وإسحاق. وَعَنْ علي: وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: ثَلَاثٌ، وَهُوَ قَوْلُ الليث، وَقَالَ مالك: إِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا قُبِلَ مِنْهُ دَعْوَى الْوَاحِدَةِ.
وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَفْتَقِرُ قَوْلُهُ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ إِلَى نِيَّةٍ أَمْ لَا؟ فَقَالَ أحمد، وَالشَّافِعِيُّ وأبو حنيفة: يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، وَقَالَ مالك: لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَفْتَقِرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ إِلَى نِيَّةِ الْمَرْأَةِ إِذَا قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، أَوْ فَسَخْتُ نِكَاحَكَ؟ فَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَفْتَقِرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ إِلَى نِيَّتِهَا، إِذَا نَوَى الزَّوْجُ. وَقَالَ أحمد، وَالشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهَا إِذَا اخْتَارَتْ بِالْكِنَايَةِ، ثُمَّ قَالَ أَصْحَابُ مالك: إِنْ قَالَتِ اخْتَرْتُ نَفْسِي، أَوْ قَبِلْتُ نَفْسِي، لَزِمَ الطَّلَاقُ، وَلَوْ قَالَتْ لَمْ أُرِدْهُ، وَإِنْ قَالَتْ: قَبِلْتُ أَمْرِي سُئِلَتْ عَمَّا أَرَادَتْ؟ فَإِنْ أَرَادَتِ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا، وَإِنْ لَمْ تُرِدْهُ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا. ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ: إِذَا قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، وَقَالَ: قَصَدْتُ طَلْقَةً وَاحِدَةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَهُ أَنْ يُوقِعَ مَا شَاءَ. وَإِذَا قَالَ: اخْتَارِي، وَقَالَ: أَرَدْتُ وَاحِدَةً، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
ثُمَّ هَاهُنَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مُضْطَرِبَةٌ غَايَةَ الِاضْطِرَابِ، لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ، وَالزَّوْجَةُ زَوْجَتُهُ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى زَوَالِ عِصْمَتِهِ عَنْهَا.
قَالُوا: وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ إِلَى النِّسَاءِ شَيْئًا مِنَ النِّكَاحِ، وَلَا مِنَ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ إِلَى الرِّجَالِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الرِّجَالَ قَوَّامِينَ عَلَى النِّسَاءِ، إِنْ شَاءُوا أَمْسَكُوا، وَإِنْ شَاءُوا طَلَّقُوا، فَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَرْأَةَ قَوَّامَةً عَلَيْهِ، إِنْ شَاءَتْ أَمْسَكَتْ، وَإِنْ شَاءَتْ طَلَّقَتْ. قَالُوا: وَلَوْ أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى شَيْءٍ لَمْ نَتَعَدَّ إِجْمَاعَهُمْ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا، فَطَلَبْنَا الْحُجَّةَ لِأَقْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَمْ نَجِدِ الْحُجَّةَ تَقُومُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَإِنْ
стр. 2160
كَانَ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ أَيْضًا، وَقَدْ أَبْطَلَ مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ، فَالنِّزَاعُ ثَابِتٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، كَمَا حَكَيْنَاهُ، وَالْحُجَّةُ لَا تَقُومُ بِالْخِلَافِ، فَهَذَا (ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، قَدْ قَالَا: إِنَّ تَمْلِيكَ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَمْرَهَا لَيْسَ بِشَيْءٍ) (وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِيمَنْ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِ آخَرَ فَطَلَّقَهَا: لَيْسَ بِشَيْءٍ) (وطاووس يَقُولُ فِيمَنْ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا: لَيْسَ إِلَى النِّسَاءِ طَلَاقٌ، وَيَقُولُ فِيمَنْ مَلَّكَ رَجُلًا أَمْرَ امْرَأَتِهِ: أَيَمْلِكُ الرَّجُلُ أَنْ يُطَلِّقَهَا؟ قَالَ: لَا)
قُلْتُ: أَمَّا الْمَنْقُولُ عَنْ طَاوُوسٍ فَصَحِيحٌ صَرِيحٌ، لَا مَطْعَنَ فِيهِ، سَنَدًا وَصَرَاحَةً. وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَمُخْتَلِفٌ، فَنُقِلَ عَنْهُ مُوَافَقَةُ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ فِي الْوُقُوعِ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ أَمْرُكِ بِيَدِكِ، وَاخْتَارِي سَوَاءٌ، فِي قَوْلِ علي وَابْنِ مَسْعُودٍ وزيد، وَنُقِلَ عَنْهُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُ فُلَانَةَ بِيَدِكِ، إِنْ أَدْخَلْتِ هَذَا الْعِدْلَ الْبَيْتَ فَفَعَلَتْ، أَنَّهَا امْرَأَتُهُ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وعثمان، فَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا أَضَافَتِ الْمَرْأَةُ الطَّلَاقَ إِلَى الزَّوْجِ، وَقَالَتْ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وأحمد ومالك يَقُولَانِ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِمَا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، أَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا، فَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلْغَاءُ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ الْبَتَّةَ، إِلَّا هَذِهِ الرِّوَايَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهَا، وَالثَّابِتُ عَنِ الصَّحَابَةِ اعْتِبَارُ ذَلِكَ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا تَمْلِكُ بِهِ الْمَرْأَةُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا وَهِمَ أبو محمد فِي الْمَنْقُولِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وعثمان، وَلَكِنْ هَذَا مَذْهَبُ طَاوُوسٍ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ عطاء مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَرَوَى عبد الرزاق عَنِ (ابْنِ جُرَيْجٍ، قُلْتُ لعطاء: رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ. قُلْتُ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا رَجُلًا أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا يَوْمًا أَوْ سَاعَةً، قَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا؟ مَا أَظُنُّ هَذَا
стр. 2161
شَيْئًا. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَمَلَّكَتْ عائشة حفصة حِينَ مَلَّكَهَا الْمُنْذِرُ أَمْرَهَا، قَالَ عطاء: لَا، إِنَّمَا عَرَضَتْ عَلَيْهَا أَتُطَلِّقُهَا أَمْ لَا، وَلَمْ تُمَلِّكْهَا أَمْرَهَا)
وَلَوْلَا هَيْبَةُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَا عَدَلْنَا عَنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَلَكِنْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُمُ الْقُدْوَةُ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ التَّخْيِيرِ، فَفِي ضِمْنِ اخْتِلَافِهِمُ اتَّفَاقُهُمْ عَلَى اعْتِبَارِ التَّخْيِيرِ، وَعَدَمِ إِلْغَائِهِ، وَلَا مَفْسَدَةَ فِي ذَلِكَ، وَالْمَفْسَدَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا فِي كَوْنِ الطَّلَاقِ بِيَدِ الْمَرْأَةِ، إِنَّمَا تَكُونُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِيَدِهَا اسْتِقْلَالًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِهَا، فَقَدْ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ لَهُ فِي تَفْوِيضِهَا إِلَى الْمَرْأَةِ، لِيَصِيرَ حَالُهُ مَعَهَا عَلَى بَيِّنَةٍ، إِنْ أَحَبَّتْهُ أَقَامَتْ مَعَهُ، وَإِنْ كَرِهَتْهُ فَارَقَتْهُ، فَهَذَا مَصْلَحَةٌ لَهُ وَلَهَا، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي تَغْيِيرَ شَرْعِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَوْكِيلِ الْمَرْأَةِ فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا، وَتَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَا مَعْنَى لِمَنْعِ تَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الطَّلَاقِ، كَمَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ فِي النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلْحَكَمَيْنِ النَّظَرَ فِي حَالِ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ الشِّقَاقِ، إِنْ رَأَيَا التَّفْرِيقَ فَرَّقَا، وَإِنْ رَأَيَا الْجَمْعَ جَمَعَا، وَهُوَ طَلَاقٌ أَوْ فَسْخٌ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ، إِمَّا بِرِضَاهُ إِنْ قِيلَ هُمَا وَكِيلَانِ، أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ إِنْ قِيلَ هُمَا حَكَمَانِ، وَقَدْ جُعِلَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَى الزَّوْجِ فِي مَوَاضِعَ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْهُ، فَإِذَا وَكَّلَ الزَّوْجُ مَنْ يُطَلِّقُ عَنْهُ، أَوْ يُخَالِعُ، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا تَغْيِيرٌ لِحُكْمِ اللَّهِ، وَلَا مُخَالَفَةٌ لِدِينِهِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي يُطَلِّقُ، إِمَّا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِوَكِيلِهِ، وَقَدْ يَكُونُ أَتَمَّ نَظَرًا لِلرَّجُلِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَعْلَمَ بِمَصْلَحَتِهِ، فَيُفَوِّضُ إِلَيْهِ مَا هُوَ أَعْلَمُ بِوَجْهِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ مِنْهُ، وَإِذَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِي الْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْإِبْرَاءِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا، وَإِثْبَاتِهَا وَاسْتِيفَائِهَا، وَالْمُخَاصَمَةِ فِيهَا، فَمَا الَّذِي حَرَّمَ التَّوْكِيلَ فِي الطَّلَاقِ؟ نَعَمِ الْوَكِيلُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِيمَا يَمْلِكُهُ مِنَ الطَّلَاقِ وَمَا لَا يَمْلِكُهُ، وَمَا يَحِلُّ لَهُ مِنْهُ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، فَفِي
стр. 2162
الْحَقِيقَةِ لَمْ يُطَلِّقْ إِلَّا الزَّوْجُ إِمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ.
[حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بَيَّنَهُ عَنْ رَبِّهِ ﵎ فِيمَنْ حَرَّمَ أَمَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ أَوْ مَتَاعَهُ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] [التَّحْرِيمِ: ١] ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": ( «أَنَّهُ ﷺ شَرِبَ عَسَلًا مِنْ بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَاحْتَالَتْ عَلَيْهِ عائشة وَحَفْصَةُ حَتَّى قَالَ لَنْ أَعُودَ لَهُ» ) . وَفِي لَفْظٍ: (وَقَدْ حَلَفَتْ) .
وَفِي " سُنَنِ النَّسَائِيِّ ": عَنْ أنس ﵁: ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عائشة وحفصة حَتَّى حَرَّمَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] » ) .
وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": عَنِ (ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا، وَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) .
» وَفِي " جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ ": عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: ( «آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا، وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ
стр. 2163
كَفَّارَةً» )
هَكَذَا رَوَاهُ مسلمة بن علقمة، عَنْ داود، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مسروق، عَنْ عائشة، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَغَيْرُهُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا وَهُوَ أَصَحُّ، انْتَهَى كَلَامُ أبي عيسى.
وَقَوْلُهَا: جَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا، أَيْ جَعَلَ الشَّيْءَ الَّذِي حَرَّمَهُ وَهُوَ الْعَسَلُ، أَوِ الْجَارِيَةُ، حَلَالًا بَعْدَ تَحْرِيمِهِ إِيَّاهُ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عبد الله بن هبيرة، عَنْ (قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَابْنَ عُمَرَ ﵃، عَمَّنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَقَالَا جَمِيعًا: كَفَّارَةُ يَمِينٍ) .
وَقَالَ عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مجاهد، عَنِ (ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ فِي التَّحْرِيمِ: هِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا) .
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِيقِ، وعائشة أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا (جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: «سَأَلْتُ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ الْحَرَامِ أَطَلَاقٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا، أَوَلَيْسَ قَدْ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَارِيَتَهُ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ ، أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ» ) .
وَقَالَ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ عكرمة، أَنَّ (عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: هِيَ يَمِينٌ يَعْنِي التَّحْرِيمَ) .
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا المقدمي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ
стр. 2164
صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَّةَ، عَنْ نافع، عَنِ (ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: الْحَرَامُ يَمِينٌ) .
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ": عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَقِيلَ هَذَا رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلِهَذَا احْتَجَّ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا الثَّانِي أَظْهَرُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا عِشْرُونَ مَذْهَبًا لِلنَّاسِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا، وَنَذْكُرُ وُجُوهَهَا، وَمَآخِذَهَا، وَالرَّاجِحَ مِنْهَا، بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ.
أَحَدُهَا: أَنَّ التَّحْرِيمَ لَغْوٌ لَا شَيْءَ فِيهِ، لَا فِي الزَّوْجَةِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا، لَا طَلَاقَ، وَلَا إِيلَاءَ، وَلَا يَمِينَ، وَلَا ظِهَارَ، رَوَى وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مسروق: (مَا أُبَالِي حَرَّمْتُ امْرَأَتِي أَوْ قَصْعَةً مِنْ ثَرِيدٍ)
وَذَكَرَ عبد الرزاق عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ صالح بن مسلم، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ (قَالَ فِي تَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ: لَهِيَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ نَعْلِي)
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عبد الكريم، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ قَالَ: مَا أُبَالِي حَرَّمْتُهَا، يَعْنِي امْرَأَتَهُ، أَوْ حَرَّمْتُ مَاءَ النَّهْرِ.
وَقَالَ قتادة: سَأَلَ رَجُلٌ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيَّ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ - وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨] [أَلَمْ نَشْرَحْ: ٧] وَأَنْتَ رَجُلٌ تَلْعَبُ، فَاذْهَبْ فَالْعَبْ، هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ كُلِّهِمْ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّ التَّحْرِيمَ فِي الزَّوْجَةِ طَلَاقٌ ثَلَاثٌ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ الحسن وَمُحَمَّدُ بْنُ
стр. 2165
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَرُوِيَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ. قُلْتُ: الثابت عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ مَا رَوَاهُ هُوَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أبي هبيرة عَنْ قبيصة، أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَابْنَ عُمَرَ، عَمَّنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ. أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَقَالَا جَمِيعًا: كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُمَا خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَمَّا عَلِيٌّ، فَقَدْ رَوَى أبو محمد ابن حزم مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: يَقُولُ رِجَالٌ فِي الْحَرَامِ، هِيَ حَرَامٌ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَلَا وَاللَّهِ مَا قَالَ ذَلِكَ علي، وَإِنَّمَا قَالَ علي: (مَا أَنَا بِمُحِلِّهَا، وَلَا بِمُحَرِّمِهَا عَلَيْكَ، إِنْ شِئْتَ فَتَقَدَّمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَأَخَّرْ)
وَأَمَّا الحسن، فَقَدْ رَوَى أبو محمد مِنْ طَرِيقِ قتادة عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ فَهُوَ يَمِينٌ) وَلَعَلَّ أبا محمد غَلِطَ عَلَى علي وزيد، وَابْنِ عُمَرَ، مِنْ مَسْأَلَةِ الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَالْبَتَّةِ، فَإِنَّ أحمد حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهَا ثَلَاثٌ.
وَقَالَ هُوَ عَنْ علي وَابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ، فَوَهِمَ أبو محمد وَحَكَاهُ فِي: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَهُوَ وَهْمٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ التَّحْرِيمِ فَأَفْتَوْا فِيهِ بِأَنَّهُ يَمِينٌ، وَبَيْنَ الْخَلِيَّةِ فَأَفْتَوْا فِيهَا بِالثَّلَاثِ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ إِنَّهُ ثَلَاثٌ بِكُلِّ حَالٍ.
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ ثَلَاثٌ فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا وَقَعَ مَا نَوَاهُ مِنْ وَاحِدَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَثَلَاثٍ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَوَاحِدَةٌ، وَإِنْ قَالَ لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ كَلَامٌ يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَيْهِ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءً لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ حَرَّمَ أَمَتَهُ، أَوْ طَعَامَهُ، أَوْ مَتَاعَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ مالك.
الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إِنْ نَوَى الطَّلَاقَ، كَانَ طَلَاقًا، ثُمَّ إِنْ نَوَى بِهِ الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى دُونَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى يَمِينًا فَهُوَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَّارَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهُوَ إِيلَاءٌ فِيهِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ. فَإِنْ نَوَى الْكَذِبَ صُدِّقَ فِي الْفُتْيَا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وَيَكُونُ فِي الْقَضَاءِ إِيلَاءً، وَإِنْ صَادَفَ غَيْرَ الزَّوْجَةِ الْأَمَةَ وَالطَّعَامَ وَغَيْرَهُ، فَهُوَ يَمِينٌ فِيهِ كَفَّارَتُهَا وَهَذَا مَذْهَبُ أبي حنيفة.
الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ إِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، كَانَ طَلَاقًا، وَيَقَعُ مَا نَوَاهُ فَإِنْ
стр. 2166
أَطْلَقَ، وَقَعَتْ وَاحِدَةً، وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا، وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ، كَانَ يَمِينًا، وَإِنْ نَوَى تَحْرِيمَ عَيْنِهَا مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا ظِهَارٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَإِنْ صَادَفَ جَارِيَةً فَنَوَى عِتْقَهَا، وَقَعَ الْعِتْقُ، وَإِنْ نَوَى تَحْرِيمَهَا، لَزِمَهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ مِنْهَا، لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ بَلْ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وَالثَّانِي: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَإِنْ صَادَفَ غَيْرَ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ لَمْ يَحْرُمْ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ بِهِ شَيْءٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
الْمَذْهَبُ السَّادِسُ: أَنَّهُ ظِهَارٌ بِإِطْلَاقِهِ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، إِلَّا أَنْ يَصْرِفَهُ بِالنِّيَّةِ إِلَى الطَّلَاقِ أَوِ الْيَمِينِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى مَا نَوَاهُ، هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَمِينٌ إِلَّا أَنْ يَصْرِفَهُ بِالنِّيَّةِ إِلَى الظِّهَارِ أَوِ الطَّلَاقِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى مَا نَوَاهُ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ ظِهَارٌ بِكُلِّ حَالٍ وَلَوْ نَوَى غَيْرَهُ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ، حَكَاهَا أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " فُرُوعِهِ " أَنَّهُ طَلَاقٌ بَائِنٌ. وَلَوْ وَصَلَهُ بِقَوْلِهِ أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ، فَعَنْهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ طَلَاقٌ، فَعَلَى هَذَا، هَلْ تَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ، أَوْ وَاحِدَةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ ظِهَارٌ أَيْضًا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي: أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ، هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبِهِ.
الْمَذْهَبُ السَّابِعُ: أَنَّهُ إِنْ نَوَى بِهِ ثَلَاثًا، فَهِيَ ثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى بِهِ وَاحِدَةً، فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى بِهِ يَمِينًا، فَهِيَ يَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهِيَ كِذْبَةٌ لَا شَيْءَ فِيهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، حَكَاهُ عَنْهُ أبو محمد ابن حزم.
الْمَذْهَبُ الثَّامِنُ: أَنَّهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ.
الْمَذْهَبُ التَّاسِعُ: أَنَّهُ إِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، حَكَاهُ عَنْهُ أبو محمد ابن حزم.
стр. 2167
الْمَذْهَبُ الْعَاشِرُ: أَنَّهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، حَكَاهُ ابن الصباغ، وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
الْمَذْهَبُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَقَطْ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَؤُلَاءِ ظِهَارًا، وَلَا طَلَاقًا، وَلَا يَمِينًا، بَلْ أَلْزَمُوهُ مُوجَبَ تَحْرِيمِهِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ صَحَّ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَرِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يُسَمَّوْا وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَصَحَّ عَنِ الحسن وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وقتادة، أَنَّهُمْ أَمَرُوهُ بِاجْتِنَابِهَا فَقَطْ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي عَشَرَ: التَّوَقُّفُ فِي ذَلِكَ لَا يُحَرِّمُهَا الْمُفْتِي عَلَى الزَّوْجِ، وَلَا يُحَلِّلُهَا لَهُ، كَمَا رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ عَنْ علي أَنَّهُ قَالَ: (مَا أَنَا بِمُحِلِّهَا وَلَا مُحَرِّمِهَا عَلَيْكَ، إِنْ شِئْتَ فَتَقَدَّمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَأَخَّرْ)
الْمَذْهَبُ الثَّالِثَ عَشَرَ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُوقِعَ التَّحْرِيمَ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا تَعْلِيقًا مَقْصُودًا، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، فَالْأَوَّلُ ظِهَارٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، وَلَوْ وَصَلَهُ بِقَوْلِهِ: أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ.
وَالثَّانِي: يَمِينٌ يَلْزَمُهُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَإِذَا قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَظِهَارٌ، وَإِذَا قَالَ إِنْ سَافَرْتُ، أَوْ إِنْ أَكَلْتُ هَذَا الطَّعَامَ، أَوْ كَلَّمْتُ فُلَانًا، فَامْرَأَتِي عَلَيَّ حَرَامٌ، فَيَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابن تيمية، فَهَذِهِ أُصُولُ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَتَتَفَرَّعُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَذْهَبًا.
[فَصْلٌ حُجَجُ مَنْ قَالَ بِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَغْوٌ]
فَصْلٌ
فَأَمَّا مَنْ قَالَ: التَّحْرِيمُ كُلُّهُ لَغْوٌ لَا شَيْءَ فِيهِ، فَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ تَحْرِيمًا وَلَا تَحْلِيلًا، وَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ تَعَاطِيَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَحِلُّ بِهَا الْعَيْنُ وَتَحْرُمُ، كَالطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْبَيْعِ، وَالْعِتْقِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: حَرَّمْتُ كَذَا، وَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَلَيْسَ إِلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] [النَّحْلِ: ١١٦] وَقَالَ تَعَالَى:
стр. 2168
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] [التَّحْرِيمِ: ١] فَإِذَا كَانَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ لِرَسُولِهِ أَنْ يُحَرِّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ، فَكَيْفَ يَجْعَلُ لِغَيْرِهِ التَّحْرِيمَ؟
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ) وَهَذَا التَّحْرِيمُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ رَدًّا بَاطِلًا.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَتَحْلِيلِ الْحَرَامِ، وَكَمَا أَنَّ هَذَا الثَّانِيَ لَغْوٌ لَا أَثَرَ لَهُ، فَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ.
قَالُوا: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ لِطَعَامِهِ: هُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ.
قَالُوا: وَقَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، إِمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ إِنْشَاءَ تَحْرِيمِهَا، أَوِ الْإِخْبَارَ عَنْهَا بِأَنَّهَا حَرَامٌ وَإِنْشَاءُ تَحْرِيمٍ مُحَالٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ إِلَى مَنْ أَحَلَّ الْحَلَالَ، وَحَرَّمَ الْحَرَامَ، وَشَرَعَ الْأَحْكَامَ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ، فَهُوَ كَذِبٌ، فَهُوَ إِمَّا خَبَرٌ كَاذِبٌ، أَوْ إِنْشَاءٌ بَاطِلٌ، وَكِلَاهُمَا لَغْوٌ مِنَ الْقَوْلِ.
قَالُوا: وَنَظَرْنَا فِيمَا سِوَى هَذَا الْقَوْلِ، فَرَأَيْنَاهَا أَقْوَالًا مُضْطَرِبَةً مُتَعَارِضَةً، يَرُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَلَمْ نُحَرِّمِ الزَّوْجَةَ بِشَيْءٍ مِنْهَا بِغَيْرِ بُرْهَانٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَنَكُونُ قَدِ ارْتَكَبْنَا أَمْرَيْنِ: تَحْرِيمَهَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِحْلَالَهَا لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ حَتَّى تُجْمِعَ الْأُمَّةُ أَوْ يَأْتِيَ بُرْهَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى زَوَالِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِهِ، فَهَذَا حُجَّةُ هَذَا الْفَرِيقِ.
[فَصْلٌ حُجَجُ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا ثَلَاثٌ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَلَاثٌ بِكُلِّ حَالٍ إِنْ ثَبَتَ هَذَا عَنْهُ، فَيَحْتَجُّ لَهُ بِأَنَّ التَّحْرِيمَ جُعِلَ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ، وَأَعْلَى أَنْوَاعِهِ تَحْرِيمُ الثَّلَاثِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَعْلَى أَنْوَاعِهِ احْتِيَاطًا لِلْأَبْضَاعِ.
стр. 2169
وَأَيْضًا فَإِنَّا تَيَقَّنَّا التَّحْرِيمَ بِذَلِكَ، وَشَكَكْنَا: هَلْ هُوَ تَحْرِيمٌ تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ كَالظِّهَارِ أَوْ يُزِيلُهُ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ كَالْخُلْعِ أَوْ لَا يُزِيلُهُ إِلَّا زَوْجٌ وَإِصَابَةٌ كَتَحْرِيمِ الثَّلَاثِ؟ وَهَذَا مُتَيَقَّنٌ، وَمَا دُونَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَحِلُّ بِالشَّكِّ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَفْتَوْا فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ بِأَنَّهَا ثَلَاثٌ. قَالَ أحمد: هُوَ عَنْ علي وَابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ غَايَةَ الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ أَنْ تَصِيرَ إِلَى التَّحْرِيمِ، فَإِذَا صَرَّحَ بِالْغَايَةِ فَهِيَ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ ثَلَاثًا؛ وَلِأَنَّ الْمُحَرِّمَ لَا يَسْبِقُ إِلَى وَهْمِهِ تَحْرِيمُ امْرَأَتِهِ بِدُونِ الثَّلَاثِ، فَكَأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي إِيقَاعِ الثَّلَاثِ.
وَأَيْضًا فَالْوَاحِدَةُ لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِعِوَضٍ، أَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ عِنْدَ تَقْيِيدِهَا بِكَوْنِهَا بَائِنَةً عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ، فَالتَّحْرِيمُ بِهَا مُقَيَّدٌ، فَإِذَا أَطْلَقَ التَّحْرِيمَ وَلَمْ يُقَيِّدْ، انْصَرَفَ إِلَى التَّحْرِيمِ الْمُطْلَقِ، الَّذِي يَثْبُتُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، وَبِعِوَضٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الثَّلَاثُ.
[فَصْلٌ حُجَجُ الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ ثَلَاثًا فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَوَاحِدَةً بَائِنَةً فِي حَقِّ غَيْرِهَا، فَحُجَّتُهُ أَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَا يُحَرِّمُهَا إِلَّا الثَّلَاثُ، وَغَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا تُحَرِّمُهَا الْوَاحِدَةُ، فَالزَّائِدَةُ عَلَيْهَا لَيْسَتْ مِنْ لَوَازِمِ التَّحْرِيمِ، فَأَوْرَدَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ إِبَانَتَهَا بِوَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ، فَأَجَابُوا بِمَا لَا يُجْدِي عَلَيْهِمْ شَيْئًا، وَهُوَ أَنَّ الْإِبَانَةَ بِالْوَاحِدَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِأَنَّهَا بَائِنَةٌ إِبَانَةً مُقَيَّدَةً، بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ، فَإِنَّ الْإِبَانَةَ بِهِ مُطْلَقَةٌ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِالثَّلَاثِ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُخَلِّصُهُمْ مِنْ هَذَا الْإِلْزَامِ، فَإِنَّ إِبَانَةَ التَّحْرِيمِ أَعْظَمُ تَقْيِيدًا مِنْ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَائِنَةً، فَإِنَّ غَايَةَ الْبَائِنَةِ أَنْ تُحَرِّمَهَا، وَهَذَا قَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْإِبَانَةِ مِنْ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَائِنَةً.
[فَصْلٌ حُجَجُ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا، فَمَأْخَذُ هَذَا الْقَوْلِ
стр. 2170
أَنَّهَا لَا تُفِيدُ عَدَدًا بِوَضْعِهَا، وَإِنَّمَا تَقْتَضِي بَيْنُونَةً يَحْصُلُ بِهَا التَّحْرِيمُ، وَهُوَ يَمْلِكُ إِبَانَتَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا بِوَاحِدَةٍ، بِدُونِ عِوَضٍ، كَمَا إِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَائِنَةً، فَإِنَّ الرَّجْعَةَ حَقٌّ لَهُ، فَإِذَا أَسْقَطَهَا سَقَطَتْ، وَلِأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ إِبَانَتَهَا بِعِوَضٍ يَأْخُذُهُ مِنْهَا مَلَكَ الْإِبَانَةَ بِدُونِهِ، فَإِنَّهُ مُحْسِنٌ بِتَرْكِهِ؛ وَلِأَنَّ الْعِوَضَ مُسْتَحَقٌّ لَهُ لَا عَلَيْهِ، فَإِذَا أَسْقَطَهُ وَأَبَانَهَا، فَلَهُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ حُجَجُ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، فَمَأْخَذُهُ أَنَّ التَّحْرِيمَ يُفِيدُ مُطْلَقَ انْقِطَاعِ الْمِلْكِ، وَهُوَ يَصْدُقُ بِالْمُتَيَقَّنِ مِنْهُ، وَهُوَ الْوَاحِدَةُ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَلَا تَعَرُّضَ فِي اللَّفْظِ لَهُ، فَلَا يَسُوغُ إِثْبَاتُهُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ، وَإِذَا أَمْكَنَ إِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي الْوَاحِدَةِ فَقَدْ وَفَّى بِمُوجَبِهِ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ لَا مُوجِبَ لَهَا.
قَالُوا: وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا عَلَى أَصْلِ مَنْ يَجْعَلُ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةً وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ التَّحْرِيمُ أَعَمُّ مِنْ تَحْرِيمِ رَجْعِيَّةٍ أَوْ تَحْرِيمِ بَائِنٍ، فَالدَّالُّ عَلَى الْأَعَمِّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: الْأَعَمُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ أَوْ لَيْسَ الْأَخَصُّ مِنْ لَوَازِمِ الْأَعَمِّ أَوِ الْأَعَمُّ لَا يُنْتِجُ الْأَخَصَّ.
[فَصْلٌ حُجَجُ مَنْ قَالَ يُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا مَنْ قَالَ يُسْأَلُ عَمَّا أَرَادَ مِنْ ظِهَارٍ أَوْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ أَوْ مُحَرَّمٍ أَوْ يَمِينٍ فَيَكُونُ مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ، فَمَأْخَذُهُ أَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُوضَعْ لِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ خَاصَّةً، بَلْ هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ، فَإِذَا صُرِفَ إِلَى بَعْضِهَا بِالنِّيَّةِ فَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ فِيمَا هُوَ صَالِحٌ لَهُ وَصَرَفَهُ إِلَيْهِ بِنِيَّتِهِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى مَا أَرَادَهُ وَلَا يَتَجَاوَزُ بِهِ وَلَا يَقْصُرُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى عِتْقَ أَمَتِهِ بِذَلِكَ عَتَقَتْ وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى الْإِيلَاءَ مِنَ الزَّوْجَةِ وَالْيَمِينَ مِنَ الْأَمَةِ لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ، قَالُوا: وَأَمَّا إِذَا نَوَى تَحْرِيمَ عَيْنِهَا لَزِمَهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ اتِّبَاعًا لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ ": ( «إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا وَتَلَا:
стр. 2171
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] » ) وَهَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَهُ مجاهد فِي الظِّهَارِ، إِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ التَّكَلُّمِ بِهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀، فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، إِذَا لَمْ يُطَلِّقْ عَقِيبَهُ عَلَى الْفَوْرِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الْإِنْشَاءَ وَالْإِخْبَارَ، فَإِنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ فَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ فِيمَا هُوَ صَالِحٌ لَهُ فَيُقْبَلُ مِنْهُ. وَإِنْ أَرَادَ الْإِنْشَاءَ سُئِلَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي حَرَّمَهَا بِهِ. فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ قُبِلَ مِنْهُ لِصَلَاحِيَةِ اللَّفْظِ لَهُ، وَاقْتِرَانِهِ بِنِيَّتِهِ، وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِمُوجَبِ الظِّهَارِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي مُوجَبُهُ التَّحْرِيمُ، فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ، كَانَ ظِهَارًا، وَاحْتِمَالُهُ لِلطَّلَاقِ بِالنِّيَّةِ لَا يَزِيدُ عَلَى احْتِمَالِهِ لِلظِّهَارِ بِهَا، وَإِنْ أَرَادَ تَحْرِيمَهَا مُطْلَقًا فَهُوَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ؛ لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ مِنْهَا بِالتَّحْرِيمِ، فَهُوَ كَامْتِنَاعِهِ مِنْهَا بِالْيَمِينِ.
[فَصْلٌ حُجَجُ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا ظِهَارٌ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ طَلَاقًا]
فَصْلٌ
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ظِهَارٌ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ طَلَاقًا، فَمَأْخَذُ قَوْلِهِ: أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلتَّحْرِيمِ فَهُوَ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ وَزَوْرٌ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ إِلَيْهِ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ، وَإِنَّمَا إِلَيْهِ إِنْشَاءُ الْأَسْبَابِ الَّتِي يُرَتَّبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، فَإِذَا حَرَّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ، فَقَدْ قَالَ الْمُنْكَرَ وَالزُّورَ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي بَلْ هَذَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ظِهَارًا، لِأَنَّهُ إِذَا شَبَّهَهَا بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى التَّحْرِيمِ بِاللُّزُومِ، فَإِذَا صَرَّحَ بِتَحْرِيمِهَا فَقَدْ صَرَّحَ بِمُوجَبِ التَّشْبِيهِ فِي لَفْظِ الظِّهَارِ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ظِهَارًا.
قَالُوا: وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ طَلَاقًا بِالنِّيَّةِ، فَصَرَفْنَاهُ إِلَيْهِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، بِخِلَافِ إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الظِّهَارِ، فَإِذَا نَوَى بِهِ الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا، إِذْ مِنْ أَصْلِ أَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ تَحْرِيمَ الطَّعَامِ وَنَحْوَهُ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، فَإِذَا نَوَى بِتَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ الْيَمِينَ نَوَى مَا يَصْلُحُ لَهُ اللَّفْظُ، فَقُبِلَ مِنْهُ.
стр. 2172
[فَصْلٌ حُجَجُ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ ظِهَارٌ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ظِهَارٌ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، أَوْ وَصَلَهُ بِقَوْلِهِ: أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ فَمَأْخَذُ قَوْلِهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقْرِيرِ كَوْنِهِ ظِهَارًا، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ ظِهَارًا بِنِيَّةِ الطَّلَاقِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، أَوْ قَالَ: أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الظِّهَارِ، وَيَصِيرُ طَلَاقًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، إِلَّا عَلَى قَوْلٍ شَاذٍّ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ؛ لِمُوَافَقَتِهِ مَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ جَعْلِ الظِّهَارِ طَلَاقًا، وَنَسْخِ الْإِسْلَامِ لِذَلِكَ وَإِبْطَالِهِ، فَإِذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَقَدْ نَوَى مَا أَبْطَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِ الظِّهَارِ طَلَاقًا، وَقَدْ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ شَرْعًا، فَلَا تُؤَثِّرُ نِيَّتُهُ فِي تَغْيِيرِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، ثُمَّ جَرَى أحمد وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ إِيقَاعِ ذَلِكَ، وَالْحَلِفِ بِهِ كَالطَّلَاقِ، وَالْعِتَاقِ، وَفَرَّقَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ عَلَى أَصْلِهِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْإِيقَاعِ وَالْحَلِفِ، كَمَا فَرَّقَ الشَّافِعِيُّ وأحمد - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَمَنْ وَافَقَهُمَا بَيْنَ الْبَابَيْنِ فِي النَّذْرِ، بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ بِهِ فَيَكُونَ يَمِينًا مُكَفَّرَةً، وَبَيْنَ أَنْ يُنَجِّزَهُ أَوْ يُعَلِّقَهُ بِشَرْطٍ يَقْصِدُ وُقُوعَهُ، فَيَكُونُ نَذْرًا لَازِمَ الْوَفَاءِ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي الْأَيْمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: فَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ إِنْشَاءِ التَّحْرِيمِ، وَبَيْنَ الْحَلِفِ، فَيَكُونُ فِي الْحَلِفِ بِهِ حَالِفًا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَفِي تَنْجِيزِهِ أَوْ تَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ مَقْصُودٍ مُظَاهِرًا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، وَهَذَا مُقْتَضَى الْمَنْقُولِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَإِنَّهُ مَرَّةً جَعَلَهُ ظِهَارًا، وَمَرَّةً جَعَلَهُ يَمِينًا.
[فَصْلٌ حُجَجُ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ بِكُلِّ حَالٍ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، فَمَأْخَذُ قَوْلِهِ أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَاللِّبَاسِ يَمِينٌ، تُكَفَّرُ بِالنَّصِّ، وَالْمَعْنَى، وَآثَارِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] [التَّحْرِيمِ: ١ و٢]
وَلَا بُدَّ
стр. 2173
أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الْحَلَالِ دَاخِلًا تَحْتَ هَذَا الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ، وَتَخْصِيصُ مَحَلِّ السَّبَبِ مِنْ جُمْلَةِ الْعَامِّ مُمْتَنِعٌ قَطْعًا، إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْبَيَانِ أَوَّلًا، فَلَوْ خُصَّ لَخَلَا سَبَبُ الْحُكْمِ عَنِ الْبَيَانِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: نَعَمْ، التَّحْرِيمُ يَمِينٌ كُبْرَى فِي الزَّوْجَةِ، كَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، وَيَمِينٌ صُغْرَى فِيمَا عَدَاهَا، كَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِاللَّهِ.
قَالَ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، إِنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ تُكَفَّرُ، فَهَذَا تَحْرِيرُ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا، وَتَقْرِيرُهَا اسْتِدْلَالًا، وَلَا يَخْفَى - عَلَى مَنْ آثَرَ الْعِلْمَ وَالْإِنْصَافَ وَجَانَبَ التَّعَصُّبَ وَنُصْرَةَ مَا بُنِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْوَالِ - الرَّاجِحُ مِنَ الْمَرْجُوحِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
[فَصْلٌ الِاخْتِلَافُ فِي تَحْرِيمِ غَيْرِ الزَّوْجَةِ]
فَصْلٌ
وَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ حَرَّمَ شَيْئًا غَيْرَ الزَّوْجَةِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَاللِّبَاسِ أَوْ أَمَتِهِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَفِي هَذَا خِلَافٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ أبو حنيفة: يَحْرُمُ تَحْرِيمًا مُقَيَّدًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا إِذَا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ سَمَّى الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ تَحِلَّةً، وَهِيَ مَا يُوجِبُ الْحِلَّ، فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ قَبْلَهَا، وَلِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِمَا أُبِيحَ لَهُ، فَيَحْرُمُ بِتَحْرِيمِهِ كَمَا لَوْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ.
وَمُنَازِعُوهُ يَقُولُونَ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْكَفَّارَةُ تَحِلَّةً مِنَ الْحَلِّ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْعَقْدِ، لَا مِنَ الْحِلِّ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ التَّحْرِيمِ، فَهِيَ تَحِلُّ الْيَمِينَ بَعْدَ عَقْدِهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] فَالْمُرَادُ تَحْرِيمُ الْأَمَةِ أَوِ الْعَسَلِ، وَمَنْعُ نَفْسِهِ مِنْهُ، وَذَلِكَ يُسَمَّى تَحْرِيمًا، فَهُوَ تَحْرِيمٌ بِالْقَوْلِ لَا إِثْبَاتَ لِلتَّحْرِيمِ شَرْعًا.
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِالظِّهَارِ، أَوْ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيِّ حَرَامٌ، فَلَوْ
стр. 2174
صَحَّ هَذَا الْقِيَاسُ لَوَجَبَ تَقْدِيمُ التَّكْفِيرِ عَلَى الْحِنْثِ قِيَاسًا عَلَى الظِّهَارِ، إِذْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ إِلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ، فَعَلَى قَوْلِهِمْ يَلْزَمُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: وَلَا بُدَّ إِمَّا أَنْ يَفْعَلَهُ حَرَامًا، وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تَحِلَّةَ الْيَمِينِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ الْمُحَرَّمِ مَفْرُوضًا أَوْ مِنْ ضَرُورَةِ الْمَفْرُوضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى التَّحِلَّةِ إِلَّا بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى فِعْلِهِ حَلَالًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ، فَيَسْتَفِيدُ بِهَا الْحِلَّ، وَإِقْدَامُهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَرَامٌ مُمْتَنِعٌ، هَذَا مَا قِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
وَبَعْدُ، فَلَهَا غَوْرٌ، وَفِيهَا دِقَّةٌ وَغُمُوضٌ، فَإِنَّ مَنْ حَرَّمَ شَيْئًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ هَتْكُ حُرْمَةِ الْمَحْلُوفِ بِهِ بِفِعْلِهِ، إِلَّا بِالْتِزَامِ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا الْتَزَمَهَا جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَلَوْ عَزَمَ عَلَى تَرْكِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَا يُبِيحُ لَهُ الْإِقْدَامَ عَلَى فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَيَأْذَنُ لَهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَأْذَنُ لَهُ فِيهِ وَيُبِيحُهُ، إِذَا الْتَزَمَ مَا فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ، فَيَكُونُ إِذْنُهُ لَهُ فِيهِ وَإِبَاحَتُهُ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْهُ بِالْحَلِفِ أَوِ التَّحْرِيمِ رُخْصَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ، وَنِعْمَةً مِنْهُ عَلَيْهِ، بِسَبَبِ الْتِزَامِهِ لِحُكْمِهِ الَّذِي فَرَضَ لَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ بَقِيَ الْمَنْعُ الَّذِي عَقَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ إِصْرًا عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا رَفَعَ الْآصَارَ عَمَّنِ اتَّقَاهُ، وَالْتَزَمَ حُكْمَهُ، وَقَدْ كَانَتِ الْيَمِينُ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا يَتَحَتَّمُ الْوَفَاءُ بِهَا، وَلَا يَجُوزُ الْحِنْثُ، فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَجَوَّزَ لَهَا الْحِنْثَ بِشَرْطِ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا لَمْ يُكَفِّرْ لَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ لَمْ يُوَسَّعْ لَهُ فِي الْحِنْثِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّهُ يَحْرُمُ حَتَّى يُكَفِّرَ.
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مُفْرَدَاتِ أبي حنيفة، بَلْ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحمد، يُوَضِّحُهُ: أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ وَالْحَلِفَ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ مَنْعَانِ: مَنْعٌ مِنْ نَفْسِهِ لِفِعْلِهِ، وَمَنْعٌ مِنَ الشَّارِعِ لِلْحِنْثِ بِدُونِ الْكَفَّارَةِ، فَلَوْ لَمْ يُحَرِّمْهُ تَحْرِيمُهُ أَوْ يَمِينُهُ، لَمْ يَكُنْ لِمَنْعِهِ نَفْسَهُ، وَلَا لِمَنْعِ الشَّارِعِ لَهُ أَثَرٌ، بَلْ كَانَ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ فِي ذِمَّتِهِ بِهَذَا الْمَنْعِ صَدَقَةً، أَوْ عِتْقًا، أَوْ صَوْمًا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ حِلُّ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَا تَحْرِيمُهُ الْبَتَّةَ، بَلْ هُوَ قَبْلَ الْمَنْعِ وَبَعْدَهُ عَلَى السَّوَاءِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، فَلَا يَكُونُ لِلْكَفَّارَةِ أَثَرٌ الْبَتَّةَ، لَا فِي الْمَنْعِ مِنْهُ، وَلَا فِي الْإِذْنِ، وَهَذَا لَا يَخْفَى فَسَادُهُ.
стр. 2175
وَأَمَّا إِلْزَامُهُ بِالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ مَعَ تَحْرِيمِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عِنْدَ عَزْمِهِ عَلَى التَّكْفِيرِ، فَعَزْمُهُ عَلَى التَّكْفِيرِ مَنْعٌ مِنْ بَقَاءِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّحْرِيمُ ثَابِتًا إِذَا لَمْ يَلْتَزِمِ الْكَفَّارَةَ، وَمَعَ الْتِزَامِهَا لَا يَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ.
[فَصْلٌ كَفَّارَةُ التَّحْرِيمِ]
فَصْلٌ
الثَّانِي: أَنْ يَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ بِالتَّحْرِيمِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُ فُقَهَاءِ الرَّأْيِ وَالْحَدِيثِ، إِلَّا الشَّافِعِيَّ ومالكا، فَإِنَّهُمَا قَالَا: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ أَسْعَدُ بِالنَّصِّ مِنَ الَّذِينَ أَسْقَطُوهَا، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ تَحِلَّةَ الْأَيْمَانِ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ قَدْ فُرِضَ فِيهِ تَحِلَّةُ الْأَيْمَانِ، إِمَّا مُخْتَصًّا بِهِ، وَإِمَّا شَامِلًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلَى سَبَبُ الْكَفَّارَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي السِّيَاقِ عَنْ حُكْمِ الْكَفَّارَةِ وَيُعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الِامْتِنَاعِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَنْعَ مِنْ فِعْلِهِ بِالتَّحْرِيمِ كَالْمَنْعِ مِنْهُ بِالْيَمِينِ، بَلْ أَقْوَى، فَإِنَّ الْيَمِينَ إِنْ تَضَمَّنَ هَتْكَ حُرْمَةِ اسْمِهِ سُبْحَانَهُ، فَالتَّحْرِيمُ تَضَمَّنَ هَتْكَ حُرْمَةِ شَرْعِهِ وَأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا شَرَعَ الشَّيْءَ حَلَالًا، فَحَرَّمَهُ الْمُكَلَّفُ، كَانَ تَحْرِيمُهُ هَتْكًا لِحُرْمَةِ مَا شَرَعَهُ، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَمْ يَتَضَمَّنِ الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ هَتْكَ حُرْمَةِ الِاسْمِ، وَلَا التَّحْرِيمُ هَتْكَ حُرْمَةِ الشَّرْعِ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ تَعْلِيلٌ فَاسِدٌ جِدًّا، فَإِنَّ الْحِنْثَ إِمَّا جَائِزٌ، وَإِمَّا وَاجِبٌ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ، وَمَا جَوَّزَ اللَّهُ لِأَحَدٍ الْبَتَّةَ أَنْ يَهْتِكَ حُرْمَةَ اسْمِهِ، وَقَدْ شَرَعَ لِعِبَادِهِ الْحِنْثَ مَعَ الْكَفَّارَةِ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ «إِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَتَى الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ» ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَتْكَ حُرْمَةِ اسْمِهِ ﵎ لَمْ يُبَحْ فِي شَرِيعَةٍ قَطُّ، وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ كَمَا سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى تَحِلَّةً، وَهِيَ تَفْعِلَةٌ مِنَ الْحَلِّ، فَهِيَ تَحِلُّ مَا عُقِدَ بِهِ الْيَمِينُ لَيْسَ إِلَّا وَهَذَا
следующие страницы →