← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

التَّشْدِيدِ فِيهَا مَا لَمْ يَأْتِ نَظِيرُهُ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ أبي الجعد الضمري - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» ) قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنِ اسْمِ أبي الجعد الضمري فَقَالَ: لَمْ يُعْرَفِ اسْمُهُ، وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ. وَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «الْأَمْرُ لِمَنْ تَرَكَهَا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ دِينَارٍ» . رَوَاهُ أبو داود وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ قدامة بن وبرة عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ. وَلَكِنْ قَالَ أحمد: قدامة بن وبرة لَا يُعْرَفُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: ثِقَةٌ، وَحُكِيَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ سمرة. وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ إِلَّا قَوْلًا يُحْكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهَذَا غَلَطٌ عَلَيْهِ مَنْشَؤُهُ أَنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا صَلَاةُ الْعِيدِ فَتَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، فَظَنَّ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ الْعِيدَ لَمَّا كَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَانَتِ الْجُمُعَةُ كَذَلِكَ. وَهَذَا فَاسِدٌ، بَلْ هَذَا نَصٌّ مِنَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعِيدَ وَاجِبٌ عَلَى الْجَمِيعِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ

стр. 352

يَكُونَ فَرْضَ عَيْنٍ كَالْجُمُعَةِ، وَأَنْ يَكُونَ فَرْضَ كِفَايَةٍ، فَإِنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ، كَفَرْضِ الْأَعْيَانِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ بِسُقُوطِهِ عَنِ الْبَعْضِ بَعْدَ وُجُوبِهِ بِفِعْلِ الْآخَرِينَ. الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ فِيهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ وَتَمْجِيدِهِ، وَالشَّهَادَةُ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ بِالرِّسَالَةِ، وَتَذْكِيرِ الْعِبَادِ بِأَيَّامِهِ، وَتَحْذِيرِهِمْ مِنْ بَأْسِهِ وَنِقْمَتِهِ، وَوَصِيَّتِهِمْ بِمَا يُقَرُّبُهُمْ إِلَيْهِ وَإِلَى جِنَانِهِ، وَنَهْيِهِمْ عَمَّا يُقَرِّبُهُمْ مِنْ سُخْطِهِ وَنَارِهِ، فَهَذَا هُوَ مَقْصُودُ الْخُطْبَةِ وَالِاجْتِمَاعِ لَهَا. الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَفَرَّغَ فِيهِ لِلْعِبَادَةِ، وَلَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ مَزِيَّةٌ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَاجِبَةٍ وَمُسْتَحَبَّةٍ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ لِأَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ يَوْمًا يَتَفَرَّغُونَ فِيهِ لِلْعِبَادَةِ وَيَتَخَلَّوْنَ فِيهِ عَنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا، فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِبَادَةٍ، وَهُوَ فِي الْأَيَّامِ كَشَهْرِ رَمَضَانَ فِي الشُّهُورِ، وَسَاعَةُ الْإِجَابَةِ فِيهِ كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ. وَلِهَذَا مَنْ صَحَّ لَهُ يَوْمُ جُمُعَتِهِ وَسَلِمَ سَلِمَتْ لَهُ سَائِرُ جُمْعَتِهِ، وَمَنْ صَحَّ لَهُ رَمَضَانُ وَسَلِمَ سَلِمَتْ لَهُ سَائِرُ سَنَتِهِ، وَمَنْ صَحَّتْ لَهُ حَجَّتُهُ وَسَلِمَتْ لَهُ، صَحَّ لَهُ سَائِرُ عُمْرِهِ، فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ مِيزَانُ الْأُسْبُوعِ، وَرَمَضَانُ مِيزَانُ الْعَامِ، وَالْحَجُّ مِيزَانُ الْعُمْرِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْأُسْبُوعِ كَالْعِيدِ فِي الْعَامِ، وَكَانَ الْعِيدُ مُشْتَمِلًا عَلَى صَلَاةٍ وَقُرْبَانٍ، وَكَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ صَلَاةٍ، جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ التَّعْجِيلَ فِيهِ إِلَى الْمَسْجِدِ بَدَلًا مِنَ الْقُرْبَانِ، وَقَائِمًا مَقَامَهُ فَيَجْتَمِعُ لِلرَّائِحِ فِيهِ إِلَى الْمَسْجِدِ الصَّلَاةُ، وَالْقُرْبَانُ كَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ» ) .

стр. 353

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا أَجْزَاءٌ مِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي مَذْهَبِ مالك، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحُجَّتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الرَّوَاحَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهُوَ مُقَابِلُ الْغُدُوِّ الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الزَّوَالِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] [سَبَأٍ: ١٢] . قَالَ الجوهري: وَلَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَغْدُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ مِنْ وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَنْكَرَ مالك التَّبْكِيرَ إِلَيْهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَقَالَ لَمْ نُدْرِكْ عَلَيْهِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِحَدِيثِ جابر ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " ( «يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً» ) ". قَالُوا: وَالسَّاعَاتُ الْمَعْهُودَةُ هِيَ السَّاعَاتُ الَّتِي هِيَ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، وَهِيَ نَوْعَانِ: سَاعَاتٌ تَعْدِيلِيَّةٌ وَسَاعَاتٌ زَمَانِيَّةٌ، قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا بَلَغَ

стр. 354

بِالسَّاعَاتِ إِلَى سِتٍّ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَتِ السَّاعَةُ أَجْزَاءً صِغَارًا مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِيهَا الْجُمُعَةُ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي سِتَّةِ أَجْزَاءٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهَا السَّاعَاتِ الْمَعْهُودَةَ، فَإِنَّ السَّاعَةَ السَّادِسَةَ مَتَى خَرَجَتْ وَدَخَلَتِ السَّابِعَةُ خَرَجَ الْإِمَامُ وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ وَلَمْ يُكْتَبْ لِأَحَدٍ قُرْبَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي " سُنَنِ أبي داود " مِنْ حَدِيثِ علي ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ غَدَتِ الشَّيَاطِينُ بِرَايَاتِهَا إِلَى الْأَسْوَاقِ فَيَرْمُونَ النَّاسَ بِالتَّرَابِيثِ أَوِ الرَّبَائِثِ، وَيُثَبِّطُونَهُمْ عَنِ الْجُمُعَةِ، وَتَغْدُو الْمَلَائِكَةُ فَتَجْلِسُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فَيَكْتُبُونَ الرُّجُلَ مِنْ سَاعَةٍ، وَالرُّجُلَ مِنْ سَاعَتَيْنِ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ» ) . قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: أَرَادَ السَّاعَاتِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَفَائِهَا، وَالْأَفْضَلُ عِنْدَهُمُ التَّبْكِيرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وأبي حنيفة وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بَلْ كُلُّهُمْ يَسْتَحِبُّ الْبُكُورَ إِلَيْهَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَلَوْ بَكَّرَ إِلَيْهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَانَ حَسَنًا. وَذَكَرَ الأثرم قَالَ: قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي التَّهْجِيرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَاكِرًا، فَقَالَ: هَذَا خِلَافُ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبَ فِي هَذَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " كَالْمُهْدِي جَزُورًا ". قَالَ: وَأَمَّا مالك فَذَكَرَ يحيى بن عمر عَنْ حرملة أَنَّهُ سَأَلَ ابن وهب عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ السَّاعَاتِ: أَهْوَ الْغُدُوُّ مِنْ أَوَّلِ سَاعَاتِ النَّهَارِ، أَوْ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا الْقَوْلِ سَاعَاتِ الرَّوَاحِ؟ فَقَالَ ابن وهب: سَأَلْتُ مالكا عَنْ

стр. 355

هَذَا فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي يَقَعُ بِقَلْبِي فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ سَاعَةً وَاحِدَةً تَكُونُ فِيهَا هَذِهِ السَّاعَاتُ، مَنْ رَاحَ مَنْ أَوَّلِ تِلْكَ السَّاعَةِ أَوِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ أَوِ الْخَامِسَةِ أَوِ السَّادِسَةُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، مَا صُلِّيَتِ الْجُمُعَةُ حَتَّى يَكُونَ النَّهَارُ تِسْعَ سَاعَاتٍ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ. وَكَانَ ابن حبيب يُنْكِرُ مالكا هَذَا وَيَمِيلُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ: قَوْلُ مالك هَذَا تَحْرِيفٌ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ وَمُحَالٌ مِنْ وُجُوهٍ. وَقَالَ: يَدُلُّكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ سَاعَاتٌ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنَّ الشَّمْسَ إِنَّمَا تَزُولُ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ مِنَ النَّهَارِ، وَهُوَ وَقْتُ الْأَذَانِ وَخُرُوجُ الْإِمَامِ إِلَى الْخُطْبَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السَّاعَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ سَاعَاتُ النَّهَارِ الْمَعْرُوفَاتِ، فَبَدَأَ بِأَوَّلِ سَاعَاتِ النَّهَارِ فَقَالَ: ( «مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً» ) ثُمَّ قَالَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ بَيْضَةً، ثُمَّ انْقَطَعَ التَّهْجِيرُ وَحَانَ وَقْتُ الْأَذَانِ، فَشَرْحُ الْحَدِيثِ بَيِّنٌ فِي لَفْظِهِ وَلَكِنَّهُ حُرِّفَ عَنْ مَوْضِعِهِ وَشُرِحَ بِالْخُلْفِ مِنَ الْقَوْلِ، وَمَا لَا يَكُونُ، وَزَهَّدَ شَارِحُهُ النَّاسَ فِيمَا رَغَّبَهُمْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّهْجِيرِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا يَجْتَمِعُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قُرْبَ زَوَالِ الشَّمْسِ، قَالَ وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ بِالتَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَقَدْ سُقْنَا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ وَاضِحِ السُّنَنِ بِمَا فِيهِ بَيَانٌ وَكِفَايَةٌ. هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ أبو عمر وَقَالَ: هَذَا تَحَامُلٌ مِنْهُ عَلَى مالك رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَهُوَ الَّذِي قَالَ الْقَوْلَ الَّذِي أَنْكَرَهُ وَجَعَلَهُ خُلْفًا وَتَحْرِيفًا مِنَ التَّأْوِيلِ، وَالَّذِي قَالَهُ مالك تَشْهَدُ لَهُ الْآثَارُ الصِّحَاحُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا الْعَمَلُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَهُ، وَهَذَا مِمَّا يَصِحُّ فِيهِ الِاحْتِجَاجُ بِالْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَتَرَدَّدُ كُلَّ جُمُعَةٍ لَا يَخْفَى عَلَى عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. فَمِنَ الْآثَارِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا مالك: مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَامَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ النَّاسَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَالْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ

стр. 356

كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي كَبْشًا، حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طُوِيَتِ الصَّحُفُ وَاسْتَمَعُوا الْخُطْبَةَ» ) قَالَ: أَلَا تَرَى إِلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَالَ: «يَكْتُبُونَ النَّاسَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَالْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ» ، فَجَعَلَ الْأَوَّلَ مُهَجِّرًا، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ إِنَّمَا هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْهَاجِرَةِ وَالتَّهْجِيرِ، وَذَلِكَ وَقْتُ النُّهُوضِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ لَيْسَ بِهَاجِرَةٍ وَلَا تَهْجِيرٍ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ» ". وَلَمْ يَذْكُرِ السَّاعَةَ. قَالَ وَالطُّرُقُ بِهَذَا اللَّفْظِ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي " التَّمْهِيدِ " وَفِي بَعْضِهَا ( «الْمُتَعَجِّلُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً» ) ". وَفِي أَكْثَرِهَا " «الْمُهَجِّرُ كَالْمُهْدِي جَزُورًا» " الْحَدِيثَ. وَفِي بَعْضِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ الرَّائِحَ إِلَى الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ السَّاعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً وَفِي آخِرِهَا كَذَلِكَ، وَفِي أَوَّلِ السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً وَفِي آخِرِهَا كَذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَمْ يُرِدْ ﷺ بِقَوْلِهِ: ( «الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً» ) النَّاهِضَ إِلَيْهَا فِي الْهَجِيرِ وَالْهَاجِرَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّارِكَ لِأَشْغَالِهِ وَأَعْمَالِهِ مِنْ أَغْرَاضِ أَهْلِ الدُّنْيَا لِلنُّهُوضِ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ تَرْكُ الْوَطَنِ، وَالنُّهُوضُ إِلَى غَيْرِهِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمُهَاجِرُونَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أُحِبُّ التَّبْكِيرَ إِلَى الْجُمُعَةِ وَلَا تُؤْتَى إِلَّا مَشْيًا. هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ أبي عمر. قُلْتُ: وَمَدَارُ إِنْكَارِ التَّبْكِيرِ أَوَّلَ النَّهَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: عَلَى لَفْظَةِ الرَّوَاحِ، وَإِنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَالثَّانِي: لَفْظَةُ التَّهْجِيرِ وَهِيَ إِنَّمَا تَكُونُ

стр. 357

بِالْهَاجِرَةِ وَقْتَ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَالثَّالِثُ: عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَإِنِّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَأْتُونَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ. فَأَمَّا لَفْظَةُ الرَّوَاحِ فَلَا رَيْبَ أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الْمُضِيِّ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَكْثَرِ إِذَا قُرِنَتْ بِالْغُدُوِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] [سَبَأٍ: ١٢] وَقَوْلُهُ ﷺ : ( «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلًا فِي الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» ) . وَقَوْلُ الشَّاعِرِ. نَرُوحُ وَنَغْدُو لِحَاجَاتِنَا ... وَحَاجَةُ مَنْ عَاشَ لَا تَنْقَضِي. وَقَدْ يُطْلَقُ الرَّوَاحُ بِمَعْنَى الذَّهَابِ وَالْمُضِيِّ، وَهَذَا إِنَّمَا يَجِيءُ إِذَا كَانَتْ مُجَرَّدَةً عَنِ الِاقْتِرَانِ بِالْغُدُوِّ. وَقَالَ الأزهري فِي " التَّهْذِيبِ ": سَمِعْتُ بَعْضَ الْعَرَبِ يَسْتَعْمِلُ الرَّوَاحَ فِي السَّيْرِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، يُقَالُ: رَاحَ الْقَوْمُ إِذَا سَارُوا، وَغَدَوْا كَذَلِكَ، وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ لِصَاحِبِهِ: تَرَوَّحْ، وَيُخَاطِبُ أَصْحَابَهُ فَيَقُولُ: رُوحُوا أَيْ سِيرُوا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: أَلَا تَرُوحُونَ؟ وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُضِيِّ إِلَى الْجُمُعَةِ وَالْخِفَّةِ إِلَيْهَا لَا بِمَعْنَى الرَّوَاحِ بِالْعَشِيِّ.

стр. 358

وَأَمَّا لَفْظُ التَّهْجِيرِ وَالْمُهَجِّرُ فَمِنَ الْهَجِيرِ وَالْهَاجِرَةِ، قَالَ الجوهري: هِيَ نِصْفُ النَّهَارِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَرِّ، تَقُولُ مِنْهُ: هَجَّرَ النَّهَارُ، قَالَ امرؤ القيس: فَدَعْهَا وَسَلِّ الْهَمَّ عَنْهَا بِجَسْرَةٍ ... ذَمُولٍ إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَا وَيُقَالُ: أَتَيْنَا أَهْلَنَا مُهَجِّرِينَ أَيْ فِي وَقْتِ الْهَاجِرَةِ. وَالتَّهْجِيرُ، وَالتَّهَجُّرُ: السَّيْرُ فِي الْهَاجِرَةِ، فَهَذَا مَا يُقَرَّرُ بِهِ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قَالَ الْآخَرُونَ: الْكَلَامُ فِي لَفْظِ التَّهْجِيرِ كَالْكَلَامِ فِي لَفْظِ الرَّوَاحِ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ التَّبْكِيرُ. قَالَ الأزهري فِي " التَّهْذِيبِ ": رَوَى مالك عَنْ سمي عَنْ أبي صالح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» ) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرْفُوعٍ ( «الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً» ) . قَالَ: وَيَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى أَنَّ التَّهْجِيرَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَفْعِيلٌ مِنَ الْهَاجِرَةِ وَقْتَ الزَّوَالِ وَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ فِيهِ مَا رَوَى أبو داود المصاحفي عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ: التَّهْجِيرُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا: التَّبْكِيرُ وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ: سَمِعْتُ الخليل يَقُولُ ذَلِكَ، قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ الأزهري: وَهَذَا صَحِيحٌ وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ مِنْ قَيْسٍ، قَالَ لبيد:

стр. 359

رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ مَا ابْتَكَرُوا ... فَمَا تُوَاصِلُهُ سَلْمَى وَمَا تَذَرُ. فَقَرَنَ الْهَجْرَ بِالِابْتِكَارِ، وَالرَّوَاحُ عِنْدَهُمُ الذَّهَابُ وَالْمُضِيُّ، يُقَالُ: رَاحَ الْقَوْمُ إِذَا خَفُّوا وَمَرُّوا أَيَّ وَقْتٍ كَانَ. وَقَوْلُهُ ﷺ : ( «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» ) أَرَادَ بِهِ التَّبْكِيرَ إِلَى جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَهُوَ الْمُضِيُّ إِلَيْهَا فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا، قَالَ الأزهري: وَسَائِرُ الْعَرَبِ يَقُولُونَ: هَجَّرَ الرَّجُلُ: إِذَا خَرَجَ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ، وَرَوَى أبو عبيد عَنْ أبي زيد: هَجَّرَ الرَّجُلُ إِذَا خَرَجَ بِالْهَاجِرَةِ. قَالَ: وَهِيَ نِصْفُ النَّهَارِ. ثُمَّ قَالَ الأزهري: أَنْشَدَنِي المنذري فِيمَا رَوَى لثعلب عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ فِي " نَوَادِرِهِ " قَالَ: قَالَ جعثنة بن جواس الربعي فِي نَاقَتِهِ: هَلْ تَذْكُرِينَ قَسَمِي وَنَذْرِي ... أَزْمَانَ أَنْتِ بِعُرُوضِ الْجَفْرِ. إِذْ أَنْتِ مِضْرَارٌ جَوَادُ الْحُضْرِ عَلَيَّ إِنْ لَمْ تَنْهَضِي بِوِقْرِي. بِأَرْبَعِينَ قُدِّرَتْ بِقَدْرِ ... بِالْخَالِدِيِّ لَا بِصَاعِ حَجْرِ. وَتَصْحَبِي أَيَانِقًا فِي سَفْرِ يُهَجِّرُونَ بِهَجِيرِ الْفَجْرِ ... ثُمَّتَ تَمْشِي لَيْلَهُمْ فَتَسْرِي يَطْوُونَ أَعْرَاضَ الْفِجَاجِ الْغُبْرِ. طَيَّ أَخِي التَّجْرِ بُرُودَ التَّجْرِ. قَالَ الأزهري: يُهَجِّرُونَ بِهَجِيرِ الْفَجْرِ أَيْ يُبَكِّرُونَ بِوَقْتِ السَّحَرِ. وَأَمَّا كَوْنُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكُونُوا يَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ أَوَّلَ النَّهَارِ فَهَذَا غَايَةُ عَمَلِهِمْ فِي زَمَانِ مالك ﵀، وَهَذَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إِجْمَاعُ

стр. 360

أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ إِلَّا تَرْكُ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَهَذَا جَائِزٌ بِالضَّرُورَةِ. وَقَدْ يَكُونُ اشْتِغَالُ الرَّجُلِ بِمَصَالِحِهِ وَمَصَالِحِ أَهْلِهِ وَمَعَاشِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ أَفْضَلَ مِنْ رَوَاحِهِ إِلَى الْجُمُعَةِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَجُلُوسَ الرَّجُلِ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الْأُخْرَى أَفْضَلُ مِنْ ذَهَابِهِ وَعَوْدِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِلثَّانِيَةِ، كَمَا قَالَ ﷺ : ( «وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ ثُمَّ يُصَلِّيهَا مَعَ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَرُوحُ إِلَى أَهْلِهِ» ) وَأَخْبَرَ " أَنَّ «الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَزَلْ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ» وَأَخْبَرَ " (أَنَّ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مِمَّا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ وَأَنَّهُ الرِّبَاطُ) " وَأَخْبَرَ " أَنَّ اللَّهَ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ بِمَنْ قَضَى فَرِيضَةً وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ أُخْرَى " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ جَلَسَ يَنْتَظِرُ الْجُمُعَةَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ يَذْهَبُ ثُمَّ يَجِيءُ فِي وَقْتِهَا، وَكَوْنُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، فَهَكَذَا الْمَجِيءُ إِلَيْهَا وَالتَّبْكِيرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ لِلصَّدَقَةِ فِيهِ مَزِيَّةٌ عَلَيْهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَالصَّدَقَةُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِرِ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ كَالصَّدَقَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِرِ

стр. 361

الشُّهُورِ. وَشَاهَدْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْجُمُعَةِ يَأْخُذُ مَا وَجَدَ فِي الْبَيْتِ مِنْ خُبْزٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ فِي طَرِيقِهِ سِرًّا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَالصَّدَقَةُ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاتِهِ تَعَالَى أَفْضَلُ وَأَوْلَى بِالْفَضِيلَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا جرير عَنْ منصور عَنْ مجاهد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اجْتَمَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ وكعب فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي صَلَاةٍ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا آتَاهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ كعب: أَنَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَزِعَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالْخَلَائِقُ كُلُّهَا إِلَّا ابْنَ آدَمَ وَالشَّيَاطِينَ، وَحَفَّتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَيَكْتُبُونَ مَنْ جَاءَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ فَمَنْ جَاءَ بَعْدُ جَاءَ لِحَقِّ اللَّهِ لِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَحَقٌّ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ يَوْمَئِذٍ كَاغْتِسَالِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَالصَّدَقَةُ فِيهِ أَعْظَمُ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَلَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ وَلَمْ تَغْرُبْ عَلَى مِثْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا حَدِيثُ كعب وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَا أَرَى إِنْ كَانَ لِأَهْلِهِ طِيبٌ يَمَسُّ مِنْهُ. السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ يَوْمُ يَتَجَلَّى اللَّهُ فِيهِ لِأَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ، وَزِيَارَتُهُمْ لَهُ، فَيَكُونُ أَقْرَبُهُمْ مِنْهُمْ أَقْرَبَهُمْ مِنَ الْإِمَامِ، وَأَسْبَقُهُمْ إِلَى الزِّيَارَةِ أَسْبَقَهُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ. وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ عَنْ شريك عَنْ أبي اليقظان، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] [ق: ٣٥] قَالَ: ( «يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ» ) . وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " مِنْ حَدِيثِ أبي نعيم المسعودي عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أبي عبيدة قَالَ: قَالَ عبد الله: (سَارِعُوا إِلَى الْجُمُعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْرُزُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ فَيَكُونُونَ مِنْهُ فِي

стр. 362

الْقُرْبِ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَيُحْدِثُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ شَيْئًا لَمْ يَكُونُوا قَدْ رَأَوْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَيُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُمْ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ عبد الله الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ، فَقَالَ عبد الله: رَجُلَانِ وَأَنَا الثَّالِثُ، إِنْ يَشَأِ اللَّهُ يُبَارِكْ فِي الثَّالِثِ) وَذَكَرَ البيهقي فِي " الشُّعَبِ " عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: رُحْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ إِلَى جُمُعَةٍ فَوَجَدَ ثَلَاثَةً قَدْ سَبَقُوهُ، فَقَالَ رَابِعُ أَرْبَعَةٍ وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " ( «إِنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إِلَى الْجُمُعَةِ، الْأَوَّلُ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ ثُمَّ الرَّابِعُ. ثُمَّ قَالَ وَمَا أَرْبَعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ» ) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ " الرُّؤْيَةِ ": حَدَّثَنَا أحمد بن سلمان بن الحسن، حَدَّثَنَا محمد بن عثمان بن محمد، حَدَّثَنَا مروان بن جعفر حَدَّثَنَا نافع أبو الحسن مولى بني هاشم، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رَأَى الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ فَأَحْدَثُهُمْ عَهْدًا بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ مَنْ بَكَّرَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، وَتَرَاهُ الْمُؤْمِنَاتُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ» ) . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ حَدَّثَنَا محمد بن موسى بن سفيان السكري، حَدَّثَنَا عبد الله بن الجهم الرازي، حَدَّثَنَا عمرو بن أبي قيس عَنْ أبي طيبة عَنْ عاصم عَنْ عثمان بن عمير أبي اليقظان، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «أَتَانِي جِبْرِيلُ وَفِي يَدِهِ كَالْمِرْآةِ الْبَيْضَاءِ فِيهَا كَالنُّكْتَةِ السَّوْدَاءِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذِهِ الْجُمُعَةُ يَعْرِضُهَا اللَّهُ عَلَيْكَ لِتَكُونَ

стр. 363

لَكَ عِيدًا وَلِقَوْمِكَ مِنْ بَعْدِكَ، قُلْتُ وَمَا لَنَا فِيهَا؟ قَالَ: لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ، أَنْتَ فِيهَا الْأَوَّلُ، وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْ بَعْدِكَ، وَلَكَ فِيهَا سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ عَبْدٌ فِيهَا شَيْئًا هُوَ لَهُ قَسْمٌ إِلَّا أَعْطَاهُ، أَوْ لَيْسَ لَهُ قَسْمٌ إِلَّا أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَأَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ شَرِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ، وَإِلَّا دَفَعَ عَنْهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا هَذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ؟ قَالَ: هِيَ السَّاعَةُ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ عِنْدَنَا سَيِّدُ الْأَيَّامِ، وَيَدْعُوهُ أَهْلُ الْآخِرَةِ يَوْمَ الْمَزِيدِ. قَالَ: قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ! وَمَا يَوْمُ الْمَزِيدِ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ نَزَلَ عَلَى كُرْسِيِّهِ ثُمَّ حُفَّ الْكُرْسِيُّ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، فَيَجِيءُ النَّبِيُّونَ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَيْهَا، ثُمَّ حُفَّ الْمَنَابِرُ بِمَنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ، فَيَجِيءُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَيْهَا، وَيَجِيءُ أَهْلُ الْغُرَفِ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَى الْكُثُبِ، قَالَ ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ ، قَالَ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَهَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي فَسَلُونِي، فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَى. قَالَ: رِضَايَ أَنْزَلَكُمْ دَارِي وَأَنَا لَكُمْ كَرَامَتِي، فَسَلُونِي فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَى. قَالَ: فَيَشْهَدُ لَهُمْ بِالرِّضَى، ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ رَغْبَتُهُمْ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. قَالَ: ثُمَّ يَرْتَفِعُ رَبُّ الْعِزَّةِ وَيَرْتَفِعُ مَعَهُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَيَجِيءُ أَهْلُ الْغُرَفِ إِلَى غُرَفِهِمْ. قَالَ: كُلُّ غُرْفَةٍ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ لَا وَصْلَ فِيهَا وَلَا فَصْمَ، يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ وَغُرْفَةٌ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ، أَبْوَابُهَا وَعَلَالِيُّهَا وَسَقَائِفُهَا وَأَغْلَاقُهَا مِنْهَا أَنْهَارُهَا مُطَّرِدَةٌ مُتَدَلِّيَةٌ فِيهَا أَثْمَارُهَا فِيهَا أَزْوَاجُهَا وَخَدَمُهَا. قَالَ: فَلَيْسُوا إِلَى شَيْءٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ وَالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، فَذَلِكَ يَوْمُ الْمَزِيدِ» ) . وَلِهَذَا الْحَدِيثِ عِدَّةُ طُرُقٍ، ذَكَرَهَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ " الرُّؤْيَةِ ".

стр. 364

السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ قَدْ فُسِّرَ الشَّاهِدُ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عبد الله بن موسى أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ أيوب بن خالد عَنْ عبد الله بن رافع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ، أَوْ يَسْتَعِيذُهُ مِنْ شَرٍّ إِلَّا أَعَاذَهُ مِنْهُ» ) . وَرَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي " مُسْنَدِهِ " عَنْ روح عن موسى بن عبيدة. وَفِي " مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ " مِنْ حَدِيثِ محمد بن إسماعيل بن عياش، حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي ضمضم بن زرعة عَنْ شريح بن عبيد عَنْ أبي مالك الأشعري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ ذَخَرَهُ اللَّهُ لَنَا، وَصَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ» ) وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ.

стр. 365

قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شعبة سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ وَيُونُسَ بْنَ عُبَيْدٍ يُحَدِّثَانِ عَنْ عمار مولى بني هاشم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَمَّا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَمَّا يونس فَلَمْ يَعْدُ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ (قَالَ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] قَالَ: الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) . الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي تَفْزَعُ مِنْهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْجِبَالُ وَالْبِحَارُ، وَالْخَلَائِقُ كُلُّهَا إِلَّا الْإِنْسَ وَالْجِنَّ، فَرَوَى أبو الجواب عَنْ عمار بن زريق عَنْ منصور عَنْ مجاهد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اجْتَمَعَ كعب وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» ) . فَقَالَ كعب: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَزِعَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْجِبَالُ وَالْبِحَارُ، وَالْخَلَائِقُ كُلُّهَا إِلَّا ابْنَ آدَمَ وَالشَّيَاطِينَ، وَحَفَّتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، فَيَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَمَنْ جَاءَ بَعْدُ جَاءَ لِحَقِّ اللَّهِ، وَلِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَيَحِقُّ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِيهِ، كَاغْتِسَالِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَالصَّدَقَةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَلَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ وَلَمْ تَغْرُبْ عَلَى يَوْمٍ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا حَدِيثُ كعب وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَا أَرَى مَنْ كَانَ لِأَهْلِهِ طِيبٌ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ( «لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَلَا تَغْرُبُ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ تَفْزَعُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ إِلَّا هَذَيْنِ الثَّقَلَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» ) وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي تَقُومُ فِيهِ السَّاعَةُ، وَيُطْوَى الْعَالَمُ، وَتَخْرَبُ فِيهِ الدُّنْيَا، وَيُبْعَثُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ مِنَ

стр. 366

الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَضَلَّ عَنْهُ أَهْلَ الْكِتَابِ قَبْلَهُمْ، كَمَا فَيَ " الصَّحِيحِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ خَيْرٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، هَدَانَا اللَّهُ لَهُ، وَضَلَّ النَّاسُ عَنْهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، هُوَ لَنَا، وَلِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ وَلِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ» ) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ " ذَخَرَهُ اللَّهُ لَنَا ". وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ حصين بن عبد الرحمن، عَنْ عمر بن قيس، عَنْ محمد بن الأشعث عَنْ عائشة قَالَتْ: ( «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذِ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَعَلَيْكَ. قَالَتْ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، قَالَتْ ثُمَّ دَخَلَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَعَلَيْكَ، قَالَتْ فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، ثُمَّ دَخَلَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: بَلِ السَّامُ عَلَيْكُمْ وَغَضَبُ اللَّهِ إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَتُحَيُّونَ رَسُولَ اللَّهِ بِمَا لَمْ يُحَيِّهِ بِهِ اللَّهُ . قَالَتْ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: مَهْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ، قَالُوا قَوْلًا فَرَدَدْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَضُرَّنَا شَيْئًا وَلَزِمَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِنَّهُمْ لَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ آمِينَ» ) . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ( «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ» ) . وَفِي " بَيْدَ " لُغَتَانِ بِالْبَاءِ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ وَمَيْدَ بِالْمِيمِ حَكَاهَا أبو عبيد.

стр. 367

وَفِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِمَعْنَى " غَيْرَ " وَهُوَ أَشْهَرُ مَعْنَيَيْهَا، وَالثَّانِي: بِمَعْنَى " عَلَى " وَأَنْشَدَ أبو عبيد شَاهِدًا لَهُ: عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي ... إِخَالُ لَوْ هَلَكْتُ لَمْ تَرِنِّي. تَرِنِّي: تَفْعَلِي مِنَ الرَّنِينِ. الثَّلَاثُونَ: أَنَّهُ خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، كَمَا أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ خِيرَتُهُ مِنْ شُهُورِ الْعَامِ، وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ خِيرَتُهُ مِنَ اللَّيَالِيِ، وَمَكَّةُ خِيرَتُهُ مِنَ الْأَرْضِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ خِيَرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ. قَالَ آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أبي صالح، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ. قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ الشُّهُورَ، وَاخْتَارَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَاخْتَارَ الْأَيَّامَ، وَاخْتَارَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاخْتَارَ اللَّيَالِيَ، وَاخْتَارَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَاخْتَارَ السَّاعَاتِ، وَاخْتَارَ سَاعَةَ الصَّلَاةِ، وَالْجُمُعَةُ تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَتَزِيدُ ثَلَاثًا، وَرَمَضَانُ يُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَمَضَانَ، وَالْحَجُّ يُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةُ تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعُمْرَةِ، وَيَمُوتُ الرَّجُلُ بَيْنَ حَسَنَتَيْنِ: حَسَنَةٍ قَضَاهَا، وَحَسَنَةٍ يَنْتَظِرُهَا يَعْنِي صَلَاتَيْنِ، وَتُصَفَّدُ الشَّيَاطِينُ فِي رَمَضَانَ، وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ النَّارِ، وَتُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَيُقَالُ فِيهِ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ هَلُمَّ. رَمَضَانُ أَجْمَعُ، وَمَا مِنْ لَيَالٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ) . الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: إِنَّ الْمَوْتَى تَدْنُو أَرْوَاحُهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَتُوَافِيهَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَيَعْرِفُونَ زُوَّارَهُمْ وَمَنْ يَمُرُّ بِهِمْ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، وَيَلْقَاهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِمْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ، فَهُوَ يَوْمٌ تَلْتَقِي فِيهِ الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ، فَإِذَا قَامَتْ فِيهِ السَّاعَةُ الْتَقَى الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ وَأَهْلُ السَّمَاءِ، وَالرَّبُّ وَالْعَبْدُ، وَالْعَامِلُ وَعَمَلُهُ، وَالْمَظْلُومُ وَظَالِمُهُ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَلَمْ تَلْتَقِيَا قَبْلَ ذَلِكَ قَطُّ، وَهُوَ يَوْمُ الْجَمْعِ وَاللِّقَاءِ، وَلِهَذَا

стр. 368

يَلْتَقِي النَّاسُ فِيهِ فِي الدُّنْيَا أَكْثَرَ مِنِ الْتِقَائِهِمْ فِي غَيْرِهِ، فَهُوَ يَوْمُ التَّلَاقِ. قَالَ أبو التياح يزيد بن حميد: كَانَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللِّهِ يُبَادِرُ فَيَدْخُلُ كُلَّ جُمُعَةٍ، فَأَدْلَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الْمَقَابِرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ صَاحِبَ كُلِّ قَبْرٍ جَالِسًا عَلَى قَبْرِهِ، فَقَالُوا: هَذَا مطرف يَأْتِي الْجُمُعَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ، وَتَعْلَمُونَ عِنْدَكُمُ الْجُمُعَةَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَنَعْلَمُ مَا تَقُولُ فِيهِ الطَّيْرُ، قُلْتُ: وَمَا تَقُولُ فِيهِ الطَّيْرُ؟ قَالُوا: تَقُولُ رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ يَوْمٌ صَالِحٌ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ " الْمَنَامَاتِ " وَغَيْرِهِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ عاصم الجحدري، قَالَ: رَأَيْتُ عاصما الجحدري فِي مَنَامِي بَعْدَ مَوْتِهِ لِسَنَتَيْنِ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ مِتَّ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَأَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَنَا وَنَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِي، نَجْتَمِعُ كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ وَصَبِيحَتِهَا إِلَى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ فَنَتَلَقَّى أَخْبَارَكُمْ. قُلْتُ: أَجْسَامُكُمْ أَمْ أَرْوَاحُكُمْ؟ قَالَ: هَيْهَاتَ بَلِيَتِ الْأَجْسَامُ وَإِنَّمَا تَتَلَاقَى الْأَرْوَاحُ، قَالَ: قُلْتُ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ بِزِيَارَتِنَا لَكُمْ؟ قَالَ: نَعْلَمُ بِهَا عَشِيَّةَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ كُلَّهُ، وَلَيْلَةَ السَّبْتِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. قَالَ: قُلْتُ: فَكَيْفَ ذَلِكَ دُونَ الْأَيَّامِ كُلِّهَا؟ قَالَ: لِفَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَعَظَمَتِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ كُلَّ غَدَاةِ سَبْتٍ حَتَّى يَأْتِيَ الْجَبَّانَةَ، فَيَقِفُ عَلَى الْقُبُورِ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَيَدْعُو لَهُمْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. فَقِيلَ لَهُ: لَوْ صَيَّرْتَ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ. وَذَكَرَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ الضحاك، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ زَارَ قَبْرًا يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، عَلِمَ الْمَيَّتُ بِزِيَارَتِهِ. فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِمَكَانِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.

стр. 369

الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّهُ يُكْرَهُ إِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ، هَذَا مَنْصُوصُ أحمد، قَالَ الأثرم: قِيلَ لأبي عبد الله: صِيَامُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يُفْرَدَ، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صِيَامٍ كَانَ يَصُومُهُ، وَأَمَّا أَنْ يُفْرَدَ فَلَا. قُلْتُ: رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، فَوَقَعَ فِطْرُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَصَوْمُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَفِطْرُهُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَصَارَ الْجُمُعَةُ مُفْرَدًا؟ قَالَ: هَذَا إِلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ صَوْمَهُ خَاصَّةً، إِنَّمَا كُرِهَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْجُمُعَةَ. وَأَبَاحَ مالك، وأبو حنيفة صَوْمَهُ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ، قَالَ مالك: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ يَنْهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَصِيَامُهُ حَسَنٌ، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهُ، وَأَرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» ) وَقَالَ: قَلَّمَا رَأَيْتُهُ مُفْطِرًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَطُّ» . ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عمير بن أبي عمير عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ وَيُوَاظِبُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرَهُ مالك، فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ. وَقِيلَ: صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ. وَرَوَى الدراوردي عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي جُشَمَ أَنَّهُ

стр. 370

سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ صَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كُتِبَ لَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ غُرَرٌ زُهْرٌ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ لَا يُشَاكِلُهُنُّ أَيَّامُ الدُّنْيَا» ) . وَالْأَصْلُ فِي صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ عَمَلُ بِرٍّ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ. قُلْتُ: قَدْ صَحَّ الْمُعَارِضُ صِحَّةً لَا مَطْعَنَ فِيهَا الْبَتَّةَ، فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: سَأَلْتُ جابرا: «أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ» . وَفِي " صَحِيحِ مسلم " عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ: ( «أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ» ) . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» ) . وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَفِي " صَحِيحِ مسلم " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِيِ، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» ) . وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " «عَنْ جويرية بنت الحارث " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ، فَقَالَ: (أَصُمْتِ أَمْسِ؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَتُرِيدِينَ

стр. 371

أَنْ تَصُومِي غَدًا؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَأَفْطِرِي) » . وَفِي " مُسْنَدِ أحمد " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ» ) . وَفِي " مُسْنَدِهِ " أَيْضًا عَنْ جنادة الأزدي ( «قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ جُمُعَةٍ فِي سَبْعَةٍ مِنَ الْأَزْدِ، أَنَا ثَامِنُهُمْ وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَقَالَ " هَلُمُّوا إِلَى الْغَدَاءِ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا صِيَامٌ. فَقَالَ: أَصُمْتُمْ أَمْسِ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: فَتَصُومُونَ غَدًا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ فَأَفْطِرُوا. قَالَ: فَأَكَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، دَعَا بِإِنَاءِ مَاءٍ، فَشَرِبَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، يُرِيهِمْ أَنَّهُ لَا يَصُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» ) . وَفِي " مُسْنَدِهِ " أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ» ) . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عمران بن ظبيان، عَنْ حكيم بن سعد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: ( «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَطَوِّعًا مِنَ الشَّهْرِ أَيَّامًا، فَلْيَكُنْ فِي صَوْمِهِ يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَلَا يَصُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ يَوْمُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، وَذِكْرٍ، فَيَجْمَعُ اللَّهُ لَهُ يَوْمَيْنِ صَالِحَيْنِ: يَوْمَ

стр. 372

صِيَامِهِ وَيَوْمَ نُسُكِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ» ) . وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مغيرة، عَنْ إبراهيم: أَنَّهُمْ كَرِهُوا صَوْمَ الْجُمُعَةِ لِيَقْوَوْا عَلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: الْمَأْخَذُ فِي كَرَاهَتِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ، هَذَا أَحَدُهَا، وَلَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ زَوَالُ الْكَرَاهِيَةِ بِضَمِّ يَوْمٍ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ إِلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ ، وَقَدْ أُورِدَ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ إِشْكَالَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ صَوْمَهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَصَوْمُ يَوْمِ الْعِيدِ حَرَامٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ بِعَدَمِ إِفْرَادِهِ، وَأُجِيبَ عَنِ الْإِشْكَالَيْنِ بِأَنَّهُ لَيْسَ عِيدُ الْعَامِ، بَلْ عِيدُ الْأُسْبُوعِ، وَالتَّحْرِيمُ إِنَّمَا هُوَ لِصَوْمِ عِيدِ الْعَامِ. وَأَمَّا إِذَا صَامَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ فَلَا يَكُونُ قَدْ صَامَهُ لِأَجْلِ كَوْنِهِ جُمُعَةً وَعِيدًا، فَتَزُولُ الْمَفْسَدَةُ النَّاشِئَةُ مِنْ تَخْصِيصِهِ، بَلْ يَكُونُ دَاخِلًا فِي صِيَامِهِ تَبَعًا، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِي " مُسْنَدِهِ " وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِنْ صَحَّ قَالَ: «قَلَّمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ يَوْمَ جُمُعَةٍ» ". فَإِنْ صَحَّ هَذَا تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ فِي صِيَامِهِ تَبَعًا، لَا أَنَّهُ كَانَ يُفْرِدُهُ لِصِحَّةِ النَّهْيِ عَنْهُ. وَأَيْنَ أَحَادِيثُ النَّهْيِ الثَّابِتَةُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ الْجَوَازِ الَّذِي لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ حَكَمَ الترمذي بِغَرَابَتِهِ، فَكَيْفَ تُعَارَضُ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ ثُمَّ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا؟! وَالْمَأْخَذُ الثَّالِثُ: سَدُّ الذَّرِيعَةِ مِنْ أَنْ يُلْحِقَ بِالدِّينِ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَيُوجِبَ التَّشَبُّهَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي تَخْصِيصِ بَعْضِ الْأَيَّامِ بِالتَّجَرُّدِ عَنِ الْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَيَنْضَمُّ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى: أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَمَّا كَانَ ظَاهِرَ الْفَضْلِ عَلَى الْأَيَّامِ، كَانَ الدَّاعِي إِلَى صَوْمِهِ قَوِيًّا، فَهُوَ فِي مَظِنَّةِ تَتَابُعِ النَّاسِ فِي صَوْمِهِ، وَاحْتِفَالِهِمْ بِهِ مَا لَا يَحْتَفِلُونَ بِصَوْمِ يَوْمٍ غَيْرِهِ، وَفِي ذَلِكَ إِلْحَاقٌ بِالشَّرْعِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. وَلِهَذَا الْمَعْنَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - نُهِيَ عَنْ تَخْصِيصِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِالْقِيَامِ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي،

стр. 373

لِأَنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ اللَّيَالِي، حَتَّى فَضَّلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَحُكِيَتْ رِوَايَةٌ عَنْ أحمد فَهِيَ فِي مَظِنَّةِ تَخْصِيصِهَا بِالْعِبَادَةِ، فَحَسَمَ الشَّارِعُ الذَّرِيعَةَ وَسَدَّهَا بِالنَّهْيِ عَنْ تَخْصِيصِهَا بِالْقِيَامِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: مَا تَقُولُونَ فِي تَخْصِيصِ يَوْمٍ غَيْرِهِ بِالصِّيَامِ؟ قِيلَ: أَمَّا تَخْصِيصُ مَا خَصَّصَهُ الشَّارِعُ، كَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ فَسُنَّةٌ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ غَيْرِهِ كَيَوْمِ السَّبْتِ وَالثَّلَاثَاءِ وَالْأَحَدِ وَالْأَرْبِعَاءِ فَمَكْرُوهٌ. وَمَا كَانَ مِنْهَا أَقْرَبَ إِلَى التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ لِتَخْصِيصِ أَيَّامِ أَعْيَادِهِمْ بِالتَّعْظِيمِ وَالصِّيَامِ فَأَشَدُّ كَرَاهَةً وَأَقْرَبُ إِلَى التَّحْرِيمِ. الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ: إِنَّهُ يَوْمُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَتَذْكِيرِهِمْ بِالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِي الْأُسْبُوعِ يَوْمًا يَتَفَرَّغُونَ فِيهِ لِلْعِبَادَةِ وَيَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِتَذَكُّرِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَيَتَذَكَّرُونَ بِهِ اجْتِمَاعَهُمْ يَوْمَ الْجَمْعِ الْأَكْبَرِ قِيَامًا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَانَ أَحَقُّ الْأَيَّامِ بِهَذَا الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ الْيَوْمَ الَّذِي يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الْخَلَائِقَ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فَادَّخَرَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لِفَضْلِهَا وَشَرَفِهَا، فَشَرَعَ اجْتِمَاعَهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ لِطَاعَتِهِ، وَقَدَّرَ اجْتِمَاعَهُمْ فِيهِ مَعَ الْأُمَمِ لِنَيْلِ كَرَامَتِهِ، فَهُوَ يَوْمُ الِاجْتِمَاعِ شَرْعًا فِي الدُّنْيَا، وَقَدَرًا فِي الْآخِرَةِ، وَفِي مِقْدَارِ انْتِصَافِهِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ يَكُونُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي مَنَازِلِهِمْ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقِيلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مَنَازِلِهِمْ وَأَهْلُ النَّارِ فِي مَنَازِلِهِمْ وَقَرَأَ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] ) [الْفُرْقَانِ: ٢٤] وَقَرَأَ: (ثُمَّ إِنَّ مَقِيلَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) ، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَتِهِ. وَلِهَذَا كَوْنُ الْأَيَّامِ سَبْعَةً إِنَّمَا تَعْرِفُهُ الْأُمَمُ الَّتِي لَهَا كِتَابٌ، فَأَمَّا أُمَّةٌ لَا كِتَابَ لَهَا، فَلَا تَعْرِفُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ تَلَقَّاهُ مِنْهُمْ عَنْ أُمَمِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَا عَلَامَةٌ حِسِّيَّةٌ يُعْرَفُ بِهَا كَوْنُ الْأَيَّامِ سَبْعَةً، بِخِلَافِ الشَّهْرِ وَالسَّنَةِ وَفُصُولِهَا، وَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ،

стр. 374

وَتَعَرَّفَ بِذَلِكَ إِلَى عِبَادِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، شَرَعَ لَهُمْ فِي الْأُسْبُوعِ يَوْمًا يُذَكِّرُهُمْ فِيهِ بِذَلِكَ، وَحِكْمَةِ الْخَلْقِ وَمَا خُلِقُوا لَهُ، وَبِأَجَلِ الْعَالَمِ وَطَيِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَعَوْدِ الْأَمْرِ كَمَا بَدَأَهُ سُبْحَانَهُ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقَّا، وَقَوْلًا صِدْقًا، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي فَجْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ سُورَتَيِ (الم تَنْزِيلُ) وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَاتَانِ السُّورَتَانِ مِمَّا كَانَ وَيَكُونُ مِنَ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَحَشْرِ الْخَلَائِقِ وَبَعْثِهِمْ مِنَ الْقُبُورِ إِلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، لَا لِأَجْلِ السَّجْدَةِ كَمَا يَظُنُّهُ مَنْ نَقَصَ عِلْمُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، فَيَأْتِي بِسَجْدَةٍ مِنْ سُورَةٍ أُخْرَى، وَيَعْتَقِدُ أَنَّ فَجْرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فُضِّلَ بِسَجْدَةٍ، وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا. وَهَكَذَا كَانَتْ قِرَاءَتُهُ ﷺ فِي الْمَجَامِعِ الْكِبَارِ كَالْأَعْيَادِ وَنَحْوِهَا بِالسُّورَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ أُمَمِهِمْ، وَمَا عَامَلَ اللَّهُ بِهِ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَكَفَرَ بِهِمْ مِنَ الْهَلَاكِ وَالشَّقَاءِ، وَمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ وَصَدَّقَهُمْ مِنَ النَّجَاةِ وَالْعَافِيَةِ. كَمَا كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ بِسُورَتَيْ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] وَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] ، وَتَارَةً: بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] وَتَارَةً يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ لِمَا تَضَمَّنَتْ مِنَ

стр. 375

الْأَمْرِ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، وَإِيجَابِ السَّعْيِ إِلَيْهَا وَتَرْكِ الْعِلْمِ الْعَائِقِ عَنْهَا، وَالْأَمْرِ بِإِكْثَارِ ذِكْرِ اللَّهِ لِيَحْصُلَ لَهُمُ الْفَلَاحُ فِي الدَّارَيْنِ، فَإِنَّ فِي نِسْيَانِ ذِكْرِهِ تَعَالَى الْعَطَبَ وَالْهَلَاكَ فِي الدَّارَيْنِ، وَيَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] تَحْذِيرًا لِلْأُمَّةِ مِنَ النِّفَاقِ الْمُرَدِّي، وَتَحْذِيرًا لَهُمْ أَنْ تَشْغَلَهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَعَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ خَسِرُوا وَلَا بُدَّ، وَحَضًّا لَهُمْ عَلَى الْإِنْفَاقِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ سَعَادَتِهِمْ، وَتَحْذِيرًا لَهُمْ مِنْ هُجُومِ الْمَوْتِ وَهُمْ عَلَى حَالَةٍ يَطْلُبُونَ الْإِقَالَةَ، وَيَتَمَنَّوْنَ الرَّجْعَةَ وَلَا يُجَابُونَ إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ كَانَ ﷺ يَفْعَلُ عِنْدَ قُدُومِ وَفْدٍ يُرِيدُ أَنْ يُسْمِعَهُمُ الْقُرْآنَ. وَكَانَ يُطِيلُ قِرَاءَةَ الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ لِذَلِكَ كَمَا صَلَّى الْمَغْرِبَ بِ (الْأَعْرَافِ) وَبِ (الطُّورِ) وَ (ق) . وَكَانَ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِنَحْوِ مِائَةِ آيَةٍ. وَكَذَلِكَ كَانَتْ خُطْبَتُهُ ﷺ ، إِنَّمَا هِيَ تَقْرِيرٌ لِأُصُولِ الْإِيمَانِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ، وَذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ، وَمَا أَعَدَّ لِأَعْدَائِهِ وَأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ، فَيَمْلَأُ الْقُلُوبَ مِنْ خُطْبَتِهِ إِيمَانًا وَتَوْحِيدًا، وَمَعْرِفَةً بِاللَّهِ وَأَيَّامِهِ، لَا كَخُطَبِ غَيْرِهِ الَّتِي إِنَّمَا تُفِيدُ أُمُورًا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْخَلَائِقِ، وَهِيَ النَّوْحُ عَلَى الْحَيَاةِ، وَالتَّخْوِيفُ بِالْمَوْتِ، فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ إِيمَانًا بِاللَّهِ، وَلَا تَوْحِيدًا لَهُ، وَلَا مَعْرِفَةً خَاصَّةً بِهِ، وَلَا تَذْكِيرًا بِأَيَّامِهِ، وَلَا بَعْثًا لِلنُّفُوسِ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِهِ، فَيَخْرُجُ السَّامِعُونَ وَلَمْ يَسْتَفِيدُوا فَائِدَةً غَيْرَ أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ، وَتُقَسَّمُ أَمْوَالُهُمْ، وَيُبْلِي التُّرَابُ أَجْسَامَهُمْ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي أَيُّ إِيمَانٍ حَصَلَ بِهَذَا؟ ! وَأَيُّ تَوْحِيدٍ وَمَعْرِفَةٍ وَعِلْمٍ نَافِعٍ حَصَلَ بِهِ؟ . وَمَنْ تَأَمَّلَ خُطَبَ النَّبِيِّ ﷺ وَخُطَبَ أَصْحَابِهِ، وَجَدَهَا كَفِيلَةً بِبَيَانِ الْهُدَى وَالتَّوْحِيدِ، وَذِكْرِ صِفَاتِ الرَّبِّ ﷻ ، وَأُصُولِ الْإِيمَانِ الْكُلَّيَّةِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، وَذِكْرِ آلَائِهِ تَعَالَى الَّتِي تُحَبِّبُهُ إِلَى خَلْقِهِ، وَأَيَّامِهِ الَّتِي تُخَوِّفُهُمْ مِنْ بَأْسِهِ، وَالْأَمْرِ بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ الَّذِي يُحَبِّبُهُمْ إِلَيْهِ، فَيَذْكُرُونَ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ مَا يُحَبِّبُهُ إِلَى خَلْقِهِ، وَيَأْمُرُونَ مِنْ طَاعَتِهِ وَشُكْرِهِ، وَذِكْرِهِ مَا يُحَبِّبُهُمْ إِلَيْهِ، فَيَنْصَرِفُ السَّامِعُونَ وَقَدْ أَحَبُّوهُ وَأَحَبَّهُمْ، ثُمَّ طَالَ الْعَهْدُ وَخَفِيَ

стр. 376

نُورُ النُّبُوَّةِ، وَصَارَتِ الشَّرَائِعُ وَالْأَوَامِرُ رُسُومًا تُقَامُ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ حَقَائِقِهَا وَمَقَاصِدِهَا، فَأَعْطَوْهَا صُوَرَهَا وَزَيَّنُوهَا بِمَا زَيَّنُوهَا بِهِ، فَجَعَلُوا الرُّسُومَ وَالْأَوْضَاعَ سُنَنًا لَا يَنْبَغِي الْإِخْلَالُ بِهَا وَأَخَلُّوا بِالْمَقَاصِدِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي الْإِخْلَالُ بِهَا، فَرَصَّعُوا الْخُطَبَ بِالتَّسْجِيعِ وَالْفِقَرِ، وَعِلْمِ الْبَدِيعِ، فَنَقَصَ بَلْ عَدِمَ حَظُّ الْقُلُوبِ مِنْهَا، وَفَاتَ الْمَقْصُودُ بِهَا. فَمِمَّا حُفِظَ مِنْ خُطَبِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَخْطُبَ بِالْقُرْآنِ وَسُورَةِ (ق) . قَالَتْ أم هشام بنت الحارث بن النعمان: ( «مَا حَفِظْتُ (ق) إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يَخْطُبُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ» ) . وَحُفِظَ مِنْ خُطْبَتِهِ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَفِيهَا ضَعْفٌ " ( «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تَشْغَلُوا، وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ تُؤْجَرُوا وَتُحْمَدُوا وَتُرْزَقُوا. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةً مَكْتُوبَةً فِي مَقَامِي هَذَا، فِي شَهْرِي هَذَا فِي عَامِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَنْ وَجَدَ إِلَيْهَا سَبِيلًا، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَمَاتِي جُحُودًا بِهَا أَوِ اسْتِخْفَافًا بِهَا وَلَهُ إِمَامٌ جَائِرٌ أَوْ عَادِلٌ، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ، أَلَا وَلَا وُضُوءَ لَهُ، أَلَا وَلَا صَوْمَ لَهُ، أَلَا وَلَا زَكَاةَ لَهُ، أَلَا وَلَا حَجَّ لَهُ، أَلَا وَلَا بَرَكَةَ لَهُ حَتَّى يَتُوبَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، أَلَا وَلَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، أَلَا وَلَا يَؤُمَّنَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، أَلَا وَلَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ سُلْطَانٌ فَيَخَافَ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ» ) .

стр. 377

وَحُفِظَ مِنْ خُطْبَتِهِ أَيْضًا: ( «الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا» ) رَوَاهُ أبو داود وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُ خُطَبِهِ فِي الْحَجِّ. [فصل فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي خُطَبِهِ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي خُطَبِهِ ( «كَانَ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: " صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» ) وَيَقُولُ ( «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَيَقْرِنُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» ) . وَيَقُولُ ( «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ) . ثُمَّ يَقُولُ:

стр. 378

( «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ» ) رَوَاهُ مسلم. وَفِي لَفْظٍ: كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ فَذَكَرَهُ. وَفِي لَفْظٍ: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ( «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ» ) . وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ: ( «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» ) . وَكَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ بَعْدَ التَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ وَالتَّشَهُّدِ: " أَمَّا بَعْدُ ". وَكَانَ يُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيَقْصِدُ الْكَلِمَاتِ الْجَوَامِعَ، وَكَانَ يَقُولُ: ( «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ» ) . وَكَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ فِي خُطْبَتِهِ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعَهُ، وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ فِي خُطْبَتِهِ إِذَا عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ، كَمَا أَمَرَ الدَّاخِلَ وَهُوَ يَخْطُبُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ.

стр. 379

وَنَهَى الْمُتَخَطِّيَ رِقَابَ النَّاسِ عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ. وَكَانَ يَقْطَعُ خُطْبَتَهُ لِلْحَاجَةِ تَعْرِضُ، أَوِ السُّؤَالِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَيُجِيبُهُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى خُطْبَتِهِ، فَيُتِمُّهَا. وَكَانَ رُبَّمَا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُتِمُّهَا كَمَا ( «نَزَلَ لِأَخْذِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄، فَأَخَذَهُمَا ثُمَّ رَقِيَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ، فَأَتَمَّ خُطْبَتَهُ» ) . وَكَانَ يَدْعُو الرَّجُلَ فِي خُطْبَتِهِ: تَعَالَ يَا فُلَانُ، اجْلِسْ يَا فُلَانُ، صَلِّ يَا فُلَانُ. وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِمُقْتَضَى الْحَالِ فِي خُطْبَتِهِ، فَإِذَا رَأَى مِنْهُمْ ذَا فَاقَةٍ وَحَاجَةٍ أَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَحَضَّهُمْ عَلَيْهَا.

стр. 380

وَكَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ فِي خُطْبَتِهِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَدُعَائِهِ. ( «وَكَانَ يَسْتَسْقِي بِهِمْ إِذَا قَحَطَ الْمَطَرُ فِي خُطْبَتِهِ» ) . وَكَانَ يُمْهِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا خَرَجَ إِلَيْهِمْ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ شَاوِيشٍ يَصِيحُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا لُبْسِ طَيْلَسَانٍ وَلَا طُرْحَةٍ وَلَا سَوَادٍ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَدْعُ مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَأْخُذُ بلال فِي الْأَذَانِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَخَطَبَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْخُطْبَةِ، لَا بِإِيرَادِ خَبَرٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ سَيْفًا وَلَا غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا ( «كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَ الْمِنْبَرَ،» ) وَكَانَ فِي الْحَرْبِ يَعْتَمِدُ عَلَى قَوْسٍ، وَفِي الْجُمُعَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى

стр. 381

عَصًا. وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى سَيْفٍ، وَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى السَّيْفِ دَائِمًا، وَأَنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الدِّينَ قَامَ بِالسَّيْفِ، فَمِنْ فَرْطِ جَهْلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْهُ بَعْدُ اتِّخَاذُ الْمِنْبَرِ أَنَّهُ كَانَ يَرْقَاهُ بِسَيْفٍ وَلَا قَوْسٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا قَبْلَ اتِّخَاذِهِ أَنَّهُ أَخَذَ بِيَدِهِ سَيْفًا الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ. وَكَانَ مِنْبَرُهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ قَبْلَ اتِّخَاذِهِ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا تَحَوَّلَ إِلَى الْمِنْبَرِ، حَنَّ الْجِذْعُ حَنِينًا سَمِعَهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ ﷺ وَضَمَّهُ، قَالَ أنس: حَنَّ لَمَّا فَقَدَ مَا كَانَ يَسْمَعُ مِنَ الْوَحْيِ، وَفَقْدَهُ الْتِصَاقَ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَمْ يُوضَعِ الْمِنْبَرُ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا وُضِعَ فِي جَانِبِهِ الْغَرْبِيِّ قَرِيبًا مِنَ الْحَائِطِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِطِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ. وَكَانَ إِذَا جَلَسَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، أَوْ خَطَبَ قَائِمًا فِي الْجُمُعَةِ،

стр. 382

اسْتَدَارَ أَصْحَابُهُ إِلَيْهِ بِوُجُوهِهِمْ، وَكَانَ وَجْهُهُ ﷺ قِبَلَهُمْ فِي وَقْتِ الْخُطْبَةِ. وَكَانَ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أَخَذَ بلال فِي الْإِقَامَةِ. وَكَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالدُّنُوِّ مِنْهُ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْإِنْصَاتِ وَيُخْبِرُهُمْ ( «أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا» . وَيَقُولُ: «مَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» ) . وَكَانَ يَقُولُ: ( «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ» ) . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. «وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (تَبَارَكَ) وَهُوَ قَائِمٌ، فَذَكَّرَنَا بِأَيَّامِ اللَّهِ، وأبو الدرداء أَوْ أبو ذر يَغْمِزُنِي، فَقَالَ: مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ؟ فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْهَا إِلَّا الْآنَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ اسْكُتْ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ: سَأَلْتُكَ مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فَلَمْ تُخْبِرْنِي، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ الْيَوْمَ إِلَّا مَا لَغَوْتَ، فَذَهَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي قَالَ لَهُ أبي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَدَقَ أبي» . ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ،

стр. 383

وَأَصْلُهُ فِي " مُسْنَدِ أحمد ". وَقَالَ ﷺ : ( «يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا فَهِيَ كَفَّارَةٌ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَزِيَادَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] » ) ذَكَرَهُ أحمد وأبو داود. وَكَانَ إِذَا فَرَغَ بلال مِنَ الْأَذَانِ، أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَذَانُ إِلَّا وَاحِدًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ كَالْعِيدِ لَا سُنَّةَ لَهَا قَبْلَهَا، وَهَذَا أَصَحُّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ السُّنَّةُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، فَإِذَا رَقِيَ الْمِنْبَرَ أَخَذَ بلال فِي أَذَانِ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا أَكْمَلَهُ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَهَذَا كَانَ رَأْيَ عَيْنٍ فَمَتَى كَانُوا يُصَلُّونَ السُّنَّةَ؟! وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا فَرَغَ بلال ﵁ مِنَ الْأَذَانِ قَامُوا كُلُّهُمْ فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ فَهُوَ أَجْهَلُ النَّاسِ بِالسُّنَّةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا سُنَّةَ قَبْلَهَا هُوَ مَذْهَبُ مالك وأحمد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ لَهَا سُنَّةً مِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ أَنَّهَا ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، فَيَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الظُّهْرِ، وَهَذِهِ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، فَإِنَّ الْجُمُعَةَ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا تُخَالِفُ الظُّهْرَ فِي الْجَهْرِ وَالْعَدَدِ، وَالْخُطْبَةِ، وَالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ لَهَا، وَتُوَافِقُهَا فِي الْوَقْتِ، وَلَيْسَ إِلْحَاقُ مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ بِمَوَارِدِ الِاتِّفَاقِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهَا بِمَوَارِدِ الِافْتِرَاقِ، بَلْ إِلْحَاقُهَا بِمَوَارِدِ الِافْتِرَاقِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِمَّا اتَّفَقَا فِيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ السُّنَّةَ لَهَا هُنَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الظُّهْرِ، وَهُوَ أَيْضًا قِيَاسٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ السُّنَّةَ مَا كَانَ ثَابِتًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، أَوْ سُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَلَيْسَ فِي مَسْأَلَتِنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ السُّنَنِ فِي مِثْلِ هَذَا بِالْقِيَاسِ؛

стр. 384

لِأَنَّ هَذَا مِمَّا انْعَقَدَ سَبَبُ فِعْلِهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَمْ يَشْرَعْهُ، كَانَ تَرْكُهُ هُوَ السُّنَّةُ، وَنَظِيرُ هَذَا أَنْ يُشْرَعَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ سُنَّةٌ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا بِالْقِيَاسِ، فَلِذَلِكَ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْغُسْلُ لِلْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَلَا لِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَلَا لِلطَّوَافِ وَلَا لِلْكُسُوفِ وَلَا لِلِاسْتِسْقَاءِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَغْتَسِلُوا لِذَلِكَ مَعَ فِعْلِهِمْ لِهَذِهِ الْعِبَادَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " فَقَالَ: بَابُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَهَا: حَدَّثَنَا عبد الله بن يوسف، أَنْبَأَنَا مالك عَنْ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَقَبْلَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ» ) وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْبُخَارِيُّ إِثْبَاتَ السُّنَّةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ هَلْ وَرَدَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا شَيْءٌ؟ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، أَيْ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِعْلُ السُّنَّةِ إِلَّا بَعْدَهَا، وَلَمْ يَرِدْ قَبْلَهَا شَيْءٌ. وَهَذَا نَظِيرُ مَا فَعَلَ فِي كِتَابِ الْعِيدَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: بَابُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا، وَقَالَ أبو المعلى: سَمِعْتُ سعيدا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْعِيدِ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا وَمَعَهُ بلال» ) الْحَدِيثَ.

стр. 385

فَتَرْجَمَ لِلْعِيدِ مِثْلَ مَا تَرْجَمَ لِلْجُمُعَةِ، وَذَكَرَ لِلْعِيدِ حَدِيثًا دَالًّا عَلَى أَنَّهُ لَا تُشْرَعُ الصَّلَاةُ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ كَذَلِكَ. وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمَّا كَانَتْ بَدَلًا عَنِ الظُّهْرِ - وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ السُّنَّةَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا - دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ ( «وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ» ) بَيَانًا لِمَوْضِعِ صَلَاةِ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَأَنَّهُ بَعْدَ الِانْصِرَافِ، وَهَذَا الظَّنُّ غَلَطٌ مِنْهُ، لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ قَدْ ذَكَرَ فِي بَابِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ﵁: ( «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ» ) فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْجُمُعَةَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا غَيْرَ الظُّهْرِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِهَا لِدُخُولِهَا تَحْتَ اسْمِ الظُّهْرِ، فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْ لَهَا سُنَّةً إِلَّا بَعْدَهَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا سُنَّةَ لَهَا قَبْلَهَا. وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وجابر، قَالَ جَاءَ سليك الغطفاني وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ: ( «أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ؟ " قَالَ لَا. قَالَ: " فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» ) وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَقَوْلُهُ: (قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ) يَدُلُّ عَنْ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ سُنَّةُ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَتَا تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ. قَالَ: شَيْخُنَا حَفِيدُهُ أبو العباس: وَهَذَا غَلَطٌ، وَالْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ جابر، قَالَ: «دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: (أَصَلَّيْتَ قَالَ: لَا. قَالَ: فَصَلِّ

стр. 386

رَكْعَتَيْنِ) » . وَقَالَ ( «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» ) . فَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَفْرَادُ ابْنِ مَاجَهْ فِي الْغَالِبِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ. وَقَالَ شَيْخُنَا أبو الحجاج الحافظ المزي: هَذَا تَصْحِيفٌ مِنَ الرُّوَاةِ إِنَّمَا هُوَ ( «أَصَلَّيْتَ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ» ) فَغَلِطَ فِيهِ النَّاسِخُ. وَقَالَ: وَكِتَابُ ابْنِ مَاجَهْ إِنَّمَا تَدَاوَلَتْهُ شُيُوخٌ لَمْ يَعْتَنُوا بِهِ بِخِلَافِ صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ ومسلم، فَإِنَّ الْحُفَّاظَ تَدَاوَلُوهُمَا، وَاعْتَنَوْا بِضَبْطِهِمَا وَتَصْحِيحِهِمَا، قَالَ: وَلِذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ أَغْلَاطٌ وَتَصْحِيفٌ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ الَّذِينَ اعْتَنَوْا بِضَبْطِ سُنَنِ الصَّلَاةِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَصَنَّفُوا فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْأَحْكَامِ وَالسُّنَنِ وَغَيْرِهَا، لَمْ يَذْكُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُ فِي اسْتِحْبَابِ فِعْلِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَى مَنْ مَنَعَ مِنْ فِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ فَلَوْ كَانَتْ هِيَ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ لَكَانَ ذِكْرُهَا هُنَاكَ، وَالتَّرْجَمَةُ عَلَيْهَا وَحِفْظُهَا وَشُهْرَتُهَا أَوْلَى مِنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِهَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ إِلَّا الدَّاخِلَ لِأَجَلِ أَنَّهَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ. وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ، لَأَمَرَ بِهَا الْقَاعِدِينَ أَيْضًا وَلَمْ يَخُصَّ بِهَا الدَّاخِلَ وَحْدَهُ. وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ أبو داود فِي " سُنَنِهِ " قَالَ: حَدَّثَنَا مسدد، قَالَ حَدَّثَنَا إسماعيل، حَدَّثَنَا أيوب، عَنْ نافع، قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَيُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» . وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةً قَبْلَهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ

стр. 387

بِقَوْلِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ لَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَهَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِيهِمَا، كَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ» ) وَفِي " السُّنَنِ " «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ بِالْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يَفْعَلُ ذَلِكَ» . وَأَمَّا إِطَالَةُ ابْنِ عُمَرَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ تَطَوُّعٌ مُطْلَقٌ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى لِمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ونبيشة الهذلي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» ) وَفِي حَدِيثِ نبيشة الهذلي: ( «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُؤْذِي أَحَدًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْإِمَامَ خَرَجَ، صَلَّى مَا بَدَا لَهُ وَإِنْ وَجَدَ الْإِمَامَ خَرَجَ جَلَسَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَامُ جُمُعَتَهُ وَكَلَامَهُ، إِنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْكَ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةً لِلْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا» ) هَكَذَا كَانَ هَدْيُ الصَّحَابَةِ ﵃. قَالَ ابن المنذر: رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً.

стр. 388

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ بَابِ التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ، وَلِذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي الْعَدَدِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ الترمذي فِي " الْجَامِعِ ": وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ (كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا) . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالثَّوْرِيُّ. وَقَالَ إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري: رَأَيْتُ أبا عبد الله إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يُصَلِّي إِلَى أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ قَارَبَتْ أَنْ تَزُولَ، فَإِذَا قَارَبَتْ أَمْسَكَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي الْأَذَانِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِالسَّلَامِ، فَإِذَا صَلَّى الْفَرِيضَةَ انْتَظَرَ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ فَيَأْتِي بَعْضَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بِحَضْرَةِ الْجَامِعِ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَرُبَّمَا صَلَّى أَرْبَعًا، ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ فَتِلْكَ سِتُّ رَكَعَاتٍ عَلَى حَدِيثِ علي وَرُبَّمَا صَلَّى بَعْدَ السِّتِّ سِتًّا أُخَرَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. وَقَدْ أَخَذَ مِنْ هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ رِوَايَةً: أَنَّ لِلْجُمُعَةِ قَبْلَهَا سُنَّةَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا وَلَيْسَ هَذَا بِصَرِيحٍ، بَلْ وَلَا ظَاهِرٍ، فَإِنَّ أحمد كَانَ يُمْسِكُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ، فَإِذَا زَالَ وَقْتُ النَّهْيِ، قَامَ فَأَتَمَّ تَطَوُّعَهُ إِلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ أَرْبَعًا، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ. وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ عَلَى ثُبُوتِ السُّنَّةِ قَبْلَهَا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ عَنْ مبشر بن عبيد، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ ( «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْكَعُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا، لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا فِي شَيْءٍ مِنْهَا» ) قَالَ ابْنُ

стр. 389

مَاجَهْ: بَابُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَذَكَرَهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ عِدَّةُ بَلَايَا، إِحْدَاهَا: بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ: إِمَامُ الْمُدَلِّسِينَ، وَقَدْ عَنْعَنَهُ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالسَّمَاعِ. الثَّانِيَةُ: مبشر بن عبيد الْمُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ عبد الله بن أحمد: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: شَيْخٌ كَانَ يُقَالُ لَهُ: مبشر بن عبيد كَانَ بِحِمْصَ أَظُنُّهُ كُوفِيًّا، رَوَى عَنْهُ بَقِيَّةُ، وأبو المغيرة، أَحَادِيثُهُ أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ كَذِبٌ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مبشر بن عبيد مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، أَحَادِيثُهُ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا. الثَّالِثَةُ: الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ الضَّعِيفُ الْمُدَلِّسُ. الرَّابِعَةُ: عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: كَانَ هشيم يَتَكَلَّمُ فِيهِ، وَضَعَّفَهُ أحمد وَغَيْرُهُ. وَقَالَ البيهقي: عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، ومبشر بن عبيد الحمصي مَنْسُوبٌ إِلَى وَضْعِ الْحَدِيثِ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ انْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ الضُّعَفَاءِ لِعَدَمِ ضَبْطِهِمْ وَإِتْقَانِهِمْ، فَقَالَ: قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا، وَإِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " وَنَظِيرُ هَذَا: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الله بن عمر العمري: ( «لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ» ) قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَأَنَّهُ سَمِعَ نافعا يَقُولُ: لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، فَقَالَ لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ. حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ أَخِيهِ عبيد الله، قَالَ: وَلَيْسَ يَشُكُّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَقْدِيمِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى أَخِيهِ عبد الله فِي الْحِفْظِ. قُلْتُ: وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ( «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا، وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَيَزْوِي بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ. وَأَمَّا الْجَنَّةُ: فَيُنْشِئُ

стр. 390

اللَّهُ لَهَا خَلْقًا» ) فَانْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، فَقَالَ: أَمَّا النَّارُ فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا. قُلْتُ: وَنَظِيرُ هَذَا حَدِيثُ عائشة ( «إِنَّ بلالا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» ) وَهُوَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، فَانْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، فَقَالَ ( «ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بلال» ) وَنَظِيرُهُ أَيْضًا عِنْدِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ( «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» ) وَأَظُنُّهُ وَهِمَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِيمَا قَالَهُ رَسُولُهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ " وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ ". كَمَا قَالَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ» ) وَقَالَ الخطابي وَغَيْرُهُ: وَحَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً فِي هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلِّهِ. وَكَانَ ﷺ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ دَخَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ سُنَّتَهَا،
следующие страницы →