← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

قاضى قريشًا فيها لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التي صدّ عنها إذ لو كان كذلك لكانتا عمرة واحدة، وهذا مذهب الشافعية والمالكية. وقال الحنفية: هي قضاء عنها. قال في فتح القدير: وتسمية الصحابة وجميع السلف إياها بعمرة القضاء ظاهر في خلافه وتسمية بعضهم إياها عمرة القضية لا ينفيه فإنه اتفق في الأولى مقاضاة النبي أهل مكة على أن يأتي من العام القبل فيدخل مكة بعمرة ويقيم ثلاثًا وهذا الأمر قضية تصح إضافة هذه العمرة إليها فإنها عمرة كانت عن تلك القضية فهي قضاء عن تلك القضية فتصح إضافتها إلى كل منهما فلا تستلزم الإضافة إلى القضية نفي القضاء وإلإضافة إلى القضاء تفيد ثبوته فيثبت مفيد ثبوته بلا معارض اهـ. (وعمرة) بالرفع والنصب كما مرّ (الجعرانة). بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء وبكسر العين وتشديد الراء والأول ذهب إليه الأصمعي وصوبه الخطابي وهي ما بين الطائف ومكة (إذا) أي حين (قسم غنيمة) بالنصب معمول قسم من غير تنوين لإضافته في الحقيقة إلى حنين (أراه) بضم الهمزة أي أظنه وهو اعتراض بين المضاف وبين (حنين) المضاف إليه وكأن الراوي طرأ عليه شك فأدخل لفظ أراه بينهما، وقد رواه مسلم عن همام بغير شك وحنين واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال وكانت في سنة ثمان في زمن غزوة الفتح ودخل ﵊ بهذه العمرة إلى مكة ليلاً وخرج منها ليلاً إلى الجعرانة فبات بها فلما أصبح وزالت الشمس خرج في بطن سرف حتى جامع الطريق ومن ثم خفيت هذه العمرة على كثير من الناس. قال قتادة: (قلت): لأنس (كم حج) ﷺ ؟ (قال): حج (واحدة) وقد سقط من رواية حسان هذه العمرة الرابعة، ولذا استظهر المؤلّف بطريق أبي الوليد الثابت ذكرها فيه حيث قال وعمرة مع حجته. ١٧٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ "سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁ فَقَالَ "اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ رَدُّوهُ، وَمِنَ الْقَابِلِ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةً فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ". فقال: بالسند السابق (حدّثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك) الطيالسي قال: (حدّثنا همام) العوذي (عن قتادة) بن دعامة (قال: سألت أنسًا ﵁) أي كم اعتمر النبي ﷺ (فقال): (اعتمر النبي ﷺ حيث ردوه) أي المشركون بالحديبية (و) اعتمر (من) العام (القابل عمر الحديبية) وهي عمرة القضاء وهي وسابقتها من الحديبية أو قوله والحديبية يتعلق بقوله حين ردوه (و) اعتمر (عمرة في ذي القعدة) وهي عمرة الجعرانة (و) اعتمر (عمرة) وهي الرابعة (مع حجته) وهذا بعينه هو الحديث الأول بمتنه وسنده ولكن شيخه في الأول حسان وفي الثاني أبو الوليد، وأسقط في الأول العمرة الرابعة وأثبتها في هذا كمسلم من طريق عبد الصمد عن هشام لكن قال: الكرماني: إنها داخلة في الحديث الأول ضمن الحج لأنه ﷺ إما أن يكون متمتعًا أو قارنًا أو مفردًا، والمشهور عن عائشة أنه كان مفردًا لكن ما ذكر هنا يشعر بأنه كان قارنًا وكذا ابن عمر أنكر على أنس كونه كان قارنًا مع أن حديثه المذكور هنا يدل على أنه كان قارنًا لأنه لم ينقل أنه اعتمر بعد حجته فلم يبق إلا أنه اعتمر مع حجته ولم يكن متمتعًا لأنه اعتذر عن ذلك بكونه ساق الهدي وقد كان أحرم أولاً بالحج ثم أدخل عليه العمرة بالعقيق. ومن ثم اختلف في عدد عمره فمن قال أربعًا فهذا وجهه، ومن قال ثلاثًا أسقط الأخيرة لدخول أفعالها في الحج، ومن قال اعتمر عمرتين أسقط عمرة الحديبية لكونهم صدّوا عنها، وأسقط الأخيرة لما ذكر وأثبت عمرة القضية والجعرانة. ١٧٨٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ وَقَالَ "اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلاَّ الَّتِي اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَتَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَمِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَمِنَ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ". وبه قال: (حدّثنا هدب) بضم الهاء وسكون المهملة وفتح الموحدة بغير تنوين ابن خالد القيسي قال: (حدّثنا همام) أي المذكور (قال): أي بالإسناد المذكور وهو عن قتادة عن أنس (اعتمر) أي النبي ﷺ (أربع عمر) كلهن (في ذي القعدة إلا التي اعتمر) وللحموي والمستملي إلا الذي بصيغة المذكر أي إلا النسك الذي اعتمر (مع حجته) في ذي الحجة ثم بين الأربعة المذكورة بقوله: (عمرته) نصب باعتمر (من الحديبية) وهي الأولى (و) الثانية (من العام المقبل)

стр. 1262

وهي عمرة القضية (و) الثالثة (من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين) بالصرف (و) الرابعة (عمرة مع حجته) في ذي الحجة كما مرّ. قال القابسي: هذا الاستثناء كلام زائد وصوابه أربع عمر في ذي القعدة وعمرته من الحديبية إلى آخره وقد عدها في آخر الحديث فكيف يستثنيها أولاً؟ قال عياض: والرواية عندي هي الصواب وقد عدها بعد في الأربع فكأنه قال: في ذي القعدة منها ثلاث والرابعة عمرته في حجته. ١٧٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ "سَأَلْتُ مَسْرُوقًا وَعَطَاءً وَمُجَاهِدًا فَقَالُوا: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ. وَقَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ يَقُولُ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ". [الحديث ١٧٨١ - أطرافه في: ١٨٤٤، ٢٦٩٨، ٢٦٩٩، ٢٧٠٠، ٣١٨٤، ٤٢٥١]. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن عثمان) بن حكيم بن دينار الأودي قال: (حدّثنا شريح بن مسلمة) بفتح اليمين واللام وشريح بالشين المعجمة المضمومة والحاء المهملة قال: (حدّثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه) يوسف بن إسحاق الهمداني السبيعي (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: سألت مسروقًا) يعني ابن الأجدع (وعطاء) هو ابن أبي رباح (ومجاهدًا) هو ابن جبر أي كم اعتمر رسول الله ﷺ فقالوا): (اعتمر رسول الله) ولأبي الوقت: النبي (¬ ﷺ ذي القعدة) وسقط قوله في ذي القعدة في رواية أبوي ذر والوقت (قبل أن يحج) حجة الوداع. (وقال: سمعت البراء بن عازب ﵄ يقول): (اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين) لا يدل على نفي غيره لأن مفهوم العدد لا اعتبار له، وقيل إن البراء لم يعدّ الحديبية لكونها لم تتم والتي مع حجته لأنها دخلت في أفعال الحج وكلهن أي الأربعة في القعدة في أربعة أعوام على ما هو الحق كما ثبت عن عائشة وابن عباس ﵃ لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة، ولا ينافيه كون عمرته التي مع حجته في ذي الحجة لأن مبدأها كان في ذي القعدة لأنهم خرجوا لخمس بقين من ذي القعدة كما في الصحيح وكان إحرامه بها في وادي العقيق قبل أن يدخل ذو الحجة وفعلها كان في ذي الحجة فصح طريقًا الإثبات والنفي. وأما ما رواه الدارقطني عن عائشة خرجت مع رسول الله ﷺ عمرة رمضان فقد حكم الحفاظ بغلط هذا الحديث إذ لا خلاف أن عمره لم تزد على أربع، وقد عينها أنس وعدّها ونيس فيها ذكر شيء منها في غير ذي القعدة سوى التي مع حجته ولو كانت له عمرة في رجب وأخرى في رمضان لكانت ستًا ولو كانت أخرى في شوال كما هو في سنن أبي داود عن عائشة أنه ﵊ اعتمر في شوال كانت سبعًا، والحق في ذلك أن ما أمكن فيه الجمع وجب ارتكابه دفعًا للمعارضة وما لم يمكن فيه حكم بمقتضى الأصح والأثبت وهذا أيضًا ممكن الجمع بإرادة عمرة الجعرانة فإنه ﵊ خرج إلى حنين في شوال والإحرام بها في القعدة فكان مجازًا للقرب هذا إن صح وحفظ وإلاّ فالمعول عليه الثابت والله أعلم. ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون إلا عطاء ومجاهدًا فمكيان، وفيه التحديث والعنعنة والسؤال والسماع والقول. ٤ - باب عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ (باب) فضل (عمرة) تفعل (في) شهر (رمضان). ١٧٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يُخْبِرُنَا يَقُولُ "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ -سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَنَسِيتُ اسْمَهَا- مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟ قَالَتْ: كَانَ لَنَا نَاضِحٌ، فَرَكِبَهُ أَبُو فُلَانٍ وَابْنُهُ -لِزَوْجِهَا وَابْنِهَا- وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ". أَوْ نَحْوًا مِمَّا قَالَ. [الحديث ١٧٨٢ - طرفه في: ١٨٦٣]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) بفتح السين المهملة بعد ضم الميم والدال الأولى مشدّدة قال: (حدّثنا يحيى) القطان (عن ابن جريج) عبد الملك (عن عطاء) هو ابن أبي رباح ولمسلم أخبرني عطاء (قال: سمعت قال ابن عباس ﵄) حال كونه (يخبرنا) وحال كونه (يقول: قال رسول الله) ولأبي الوقت قال النبي (¬ ﷺ ¬). (لامرأة من الأنصار) هي أم سنان كما عند المصنف وصحيح مسلم في باب حج النساء (سماها ابن عباس) قال ابن جريج (فنسيت اسمها) وليس الناسي عطاء لأنه سماها في حديثه المروي عند المؤلّف من طريق حبيب العلم عنه في باب: حج النساء، لكن يحتمل أن يكون عطاء كان ناسيًا لاسمها لما حدث به ابن جريج وذاكرًا له لما حدث حبيبًا (ما منعك أن تحجين معنا)! بإثبات نون تحجين على إهمال أن الناصبة وهو قليل، وبعضهم ينقل أنها لغة لبعض العرب، ولأبي ذر وابن عساكر: أن تحجي بحذفها على إعمال أن وهو المشهور (قالت): أي أم سنان (كان لنا ناضح) بالنون والضاد المعجمة المكسورة

стр. 1263

وبالحاء المهملة البعير الذي يستقى عليه (فركبه أبو فلان وابنه لزوجها) أبي سنان (وابنها) سنان. وفي النسائي والطبراني في قصة تشبه هذه اسمها أم معقل زينب وزوجها أو معقل الهيثم ووقع مثله لأم طليق وأبي طليق عند ابن أبي شيبة وابن السكن، وعند ابن حبان في صحيحه قالت أم سليم: حج أبو طلحة وابنه وتركاني، ونحوه عند ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عطاء والابن المذكور الظاهر أنه أنس لأن أبا طلحة لم يكن له ابن كبير يحج فيكون المراد بالابن أنسًا مجازًا، ويؤيد ذلك أن في حديث البخاري أنها من الأنصار وليست أم معقل أنصارية، بل وفي سنن أبي داود أن أبا معقل لم يحج معهم بل تأخر لمرضه فمات، وأما أم سنان فهي أنصارية أيضًا، وبالجملة فيحتمل أنها وقائع متعددة لمن ذكر هنا والضمير في قوله لزوجها وابنها للمرأة المذكورة من الأنصار، ولمسلم ناضحان كانا لأبي فلان زوجها حج هو وابنه على أحدهما. (وترك ناضحًا ننضح عليه). بفتح الضاد في الفرع وغيره وضبطه الحافظ ابن حجر والعيني بالكسر كالنووي في شرح مسلم (قال) ﷺ : (فإذا كان رمضان) بالرفع على أن كان تامة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فإذا كان في رمضان (اعتمري) وفي نسخة: فاعتمري (فيه، فإن عمرة في رمضان حجة) (أو نحوًا مما قال) وللمستملي: أو نحوًا من ذلك، وسقط في رواية ابن عساكر قوله مما قال، وحجة بالرفع خبر إن أي كحجة في الفضل، ولمسلم فإن عمرة فيه تعدل حجة ولعل هذا هو السبب في قول المؤلّف أو نحوًا مما قال. وقال المظهري في قوله: تعدل حجة أي تقابل وتماثل في الثواب لأن الثواب يفضل بفضيلة الوقت. وقال الطيبي: هذا من باب المبالغة وإلحاق الناقص بالكامل ترغيبًا وبعثًا عليه وإلا كيف يعدل ثواب العمرة ثواب الحج، قال ابن خزيمة ﵀: إن الشيء يشبه بالشيء ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر اهـ. وقول الزركشي كابن بطال: أن الحج الذي ندبها إليه تطوّعًا لأن العمرة لا تجزئ عن حجة الفريضة، ردّه ابن المنير فقال: هو وهم من ابن بطال لأن حجة الوداع أول حج أقيم في الإسلام، وقد تقدم أن حج أبي بكر كان إنذارًا ولم يكن فرض الإسلام قال فعلى هذا يستحيل أن تكون المرأة كانت قامت بوظيفة الحج بعد لأن أول حج لم تحضره هي ولم يأت زمان ثان عند قوله ﵊ لها ذلك، وما جاء الحج الثاني إلا والرسول ﵊ قد توفي فإنما أراد ﵊ أن يستحثها على استدراك ما فاتها من البدر ولا سيما الحج معه ﵊ لأن فيه مزية على غيره اهـ. وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: وما قاله غير مسلم إذ لا مانع أن تكون حجت مع أبي بكر فسقط عنها الفرض بذلك بني على أن الحج إنما فرض في السنة العاشرة حتى يسلم مما يرد على مذهبه من القول بأن الحج على الفور. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون قوله حجة على بابه، ويحتمل أن يكون لبركة رمضان، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بهذه المرأة اهـ. وفي رواية أحمد بن منيع قال سعيد بن جبير: ولا نعلم هذا إلا لهذه المرأة وحدها. وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وخلوص القصد اهـ. وقال غيره لما ثبت أن عمره ﷺ كانت كلها في ذي القعدة تردّد لبعض أهل العلم في أن أفضل أوقات العمرة أشهر الحج أو رمضان ففي رمضان ما تقدم مما يدل على الأفضلية، لكن فعله ﵊ لما لم يقع إلا في أشهر الحج كان ظاهرًا أنه أفضل إذ لم يكن الله يختار لنبيه إلا ما هو الأفضل، أو أن رمضان أفضل لتنصيصه ﵊ على ذلك فتركه لاقترانه بأمر يخصه كاشتغاله بعبادات أخرى في رمضان تبتلاً وأن لا يشق على أمته فإنه لو اعتمر فيه لخرجوا معه ولقد كان بهم رؤوفًا رحيمًا، وقد أخبر في بعض العبادات أنه تركها لئلا يشق على أمته مع محبته لذلك كالقيام في رمضان بهم ومحبته لأنه يستقي بنفسه سقاة زمزم كيلا يغلبهم الناس على سقايتهم، والطي يظهر أن العمرة في رمضان لغيره ﵊ أفضل، وأما في حقه هو

стр. 1264

فلا فالأفضل ما صنعه لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه فأراد الرد عليهم بالقول والفعل وهو لو كان مكروهًا لغيره لكنه في حقه أفضل والله أعلم. وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي في الحج. ٥ - باب الْعُمْرَةِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ وَغَيْرِهَا (باب) مشروعية (العمرة ليلة الحصبة) بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين الموحدة أي ليلة المبيت بالمحصب وجميع السنة وقت للعمرة إلا لحاج فيمتنع إحرامه بها قبل نفره أما قبل تحلله فلامتناع إدخالها على الحج وأما بعده فلاشتغاله بالرمي والمبيت فهو عاجز عن التشاغل بعملها. أما إحرامه بها قبل نفره فصحيح إن كان وقت الرمي بعد النفر الأول باقيًا لأنه بالنفر خرج من الحرج وصار كما لو مضى وقت الرمي نقله القاضي أبو الطيب عن نص الأمّ. وقال في المجموع لا خلاف فيه (وغيرها) بنصب الراء، ولأبي ذر وغيرها بكسرها. ١٧٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ، فَقَالَ لَنَا: مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. قَالَتْ: فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ؛ ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ. فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي". وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي الوقت حدتني (محمد بن سلام) وسقط ولأبوي ذر والوقت ابن سلام قال: (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن حازم الضرير البصري قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ¬) في حجة الوداع لخمس بقين من ذي القعدة حال كوننا مكملين ذا القعدة (موافقين) مستقبلين (لهلال ذي الحجة) قال الجوهري: وافى فلان أتى ووفى تم والخمس قريبة من آخر الشهر فوافاهم الهلال وهم في الطريق لأنهم دخلوا في الرابع من ذي الحجة (فقال لنا) ﷺ بسرف بعد الإحرام كما في رواية عائشة أو بعد الطواف كما في رواية جابر، فيحتمل أنه كرر أمرهم بذلك بعد الطواف لأن العزيمة إنما كانت في الآخر حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. (من أحب منكم أن يهل بالحج) يدخله على العمرة (فليهل)، بالحج إذا كان معه هدي فيصير قارنًا ثم لا يحل منهما جميعًا حتى ينحر هديه (ومن أحب أن يهل) منكم (بعمرة)، يدخلها على الحج (فليهل بعمرة) يفسخ بها حجه إذا لم يكن معه هدي (فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة) وفي رواية السرخسي: لأحللت بالحاء المهملة. (قالت) عائشة ﵂: (فمنا) أي فكان منا (من أهلّ) من الميقات (بعمرة ومنا من أهل بحج) مفرد أي ومنا من قرن (وكنت ممن أهل بعمرة). وروى القاسم عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نرى إلا الحج، وفي رواية لا نذكر إلا الحج، وفي رواية لبينا بالحج، وفي رواية أخرى مهلين باحج وقد جمع ذلك مسلم في صحيحه وقد جمعوا بين ذلك بأنها أحرمت أوّلاً بالحج كما صح عنها في رواية الأكثرين وكما هو الأصح من فعله ﵊ وأكثر أصحابه، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة فأخبر عروة باعتمارها في آخر الأمر ولم يذكر أول أمرها. (فأظلني) أي قرب مني (يوم عرفة) يقال: أظلني فلان وإنما تقول ذلك لأن ظله كأنه وقع عنيك لقربه منك (وأنا حائض فشكوت إلى النبي- ﷺ ¬) ترك الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة بسبب الحيض (فقال): (ارفضي عمرتك) أي اتركي عملها من الطواف والسعي وتقصير الشعر لا أنها تدع العمرة نفسها وإنما أمرها بذلك لأنها لما حاضت تعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها (وانقضي رأسك) أي حلي ضفر شعره (وامتشطي) سرحيه بالمشط (وأهليّ بالحج) فصارت مدخلة للحج ﷺ العمرة وقارنة (فلما كان ليلة الحصبة) بعد أن طهرت يوم النحر (أرسل معي عبد الرحمن) أخي (إلى التنعيم فأهللت) منه (بعمرة مكان عمرتي) بنصب مكان على الظرفية، ويجوز الجر على البدل من عمرة والمراد مكان عمرتها التي أرادت تأتي بها مفردة كما وقع لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذي فسخوا الحج إلى العمرة وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية أحرموا بالحج من مكة يوم التروية فحصلت لهم حجة منفردة وعمرة منفردة، وأما عائشة فإنها حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران فأرادت عمرة منفردة كما

стр. 1265

حصل لغيرها. ٦ - باب عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ (باب عمرة التنعيم) تفعيل بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة موضع على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة أقرب أطراف الحل إلى البيت سمي به لأن على يمينه جبل نعيم وعلى يساره جبل ناعم والوادي اسمه نعمان قاله في القاموس. وقال المحب الطبري فيما قرأته في تحصيل المرام: هو أمام أدنى الحل وليس بطرف الحل ومن فسره بذلك فقد تجوّز وأطلق اسم الشيء على ما قرب منه اهـ. وروى الأزرقي من طريق ابن جريج قال: رأيت عطاء يصف الموضع الذي اعتمرت منه عائشة قال فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمد بن عليّ بن شافع المسجد الذي وراء الأكمة وهو المسجد الخرب وهو أفضل مواقيت العمرة بعد الجعرانة عند الأربعة إلا أبا حنيفة. ١٧٨٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَخْبَرَهُ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ وَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ". قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: سَمِعْتُ عَمْرًا، كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ عَمْرٍو. [الحديث ١٧٨٤ - طرفه في: ٢٩٨٥]. وبالسند قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار أنه (سمع عمر بن أوس) بفتح الهمزة وسكون الواو وعمرو بفتح العين في الموضعين والثاني هو الثقفي المكي (أن عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق (﵄ أخبره أن النبي ﷺ أمره أن يردف) أي بإرداف (عائشة) أخته أي يركبها وراءه على ناقته (ويعتمرها) بضم الياء من الإعمار "من التنعيم" إنما عين التنعيم لأنه أقرب إلى الحل من غيره. (قال: سفيان) بن عيينة (مرة سمعت عمرًا) هو ابن دينار (كم سمعته من عمرو) أثبت السماع صريحًا بخلاف السابق فإنه معنعن وإن كان معنعنه محمولاً على السماع، وزاد أبو داود بعد قوله إلى التنعيم فإذا هبطت بها من الأكمة فلتحرم فإنها عمرة مقبلة، وزاد أحمد في رواية له وذك ليلة الصدر بفتح الدال أي الرجوع من منى واستدلّ بالحديث على تعيين الخروج إلى أدنى الحل لمريد العمرة فيلزمه الخروج من الحرم ولو بقليل من أي جانب شاء للجمع فيها بين الحل وأحرم كالجمع في الحج بينهما بوقوفه بعرفة، ولأنه ﷺ أمر عائشة بالخروج إلى الحل للإحرام بالعمرة فلو لم يجب الخروج لأحرمت من مكانها لضيق الوقت لأنه كان عند رحيل الحاج وأفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة الجعرانة ثم التنعيم ثم الحديبية ولو أحرم بها من مكة وتمم أفعالها ولم يخرج إلى الحل قبل تلبسه بفرض منها أجزأه ما أحرم به ولزمه الدم لأن الإساءة بترك الإحرام من الميقات إنما تقتضي لزوم الدم لا عدم الإجزاء فإن عاد إلى الحل قبل التلبس بفرض سقط عنه الدم. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الجهاد ومسلم في الحج. ١٧٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَطَاءٍ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ وَمَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إِلاَّ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ. وَأَنَّ عَائِشَةَ حَاضَتْ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ. قَالَ: فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَنْطَلِقُ بِالْحَجِّ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحَجَّةِ. وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْعَقَبَةِ وَهُوَ يَرْمِيهَا، فَقَالَ: أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا، بَلْ لِلأَبَدِ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) الزمن قال: (حدّثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد) بن الصلب الثقفي البصري (عن حبيب المعلم) البصري مولى معقل بن يسار اختلف في اسم أبيه فقيل زائدة وقيل زيد وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وقال النسائي ليس بالقوي له في البخاري هذا الحديث عن عطاء عن ابن عباس عن جابر وعلق له المؤلّف في بدء الخلق آخر عن عطاء عن جابر والأحاديث الثلاثة بمتابعة ابن جريج عن عطاء وروى له الجماعة (عن عطاء) هو ابن أبي رباح قال: (حدثني) بالإفراد (جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ أن النبي ﷺ أهل وأصحابه بالحج) برفع أصحابه، وفي نسخة اليونينية: وأصحابه بالنصب مفعول معه (وليس مع أحد منهم هدي غير النبي ﷺ ¬) بنصب غير على الاستثناء (وطلحة) هو ابن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي المدني أحد المشهود لهم بالجنة وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام واحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر وأحد الستة أصحاب الشورى والواو للعطف أي لم يكن هدي إلا مع النبي ﷺ ومع طلحة فقط، لكن هذا مخالف لما في مسلم وسنن أحمد وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ أن الهدي كان مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وذوي اليسار، وفي البخاري بعد بابين من طريق أفلح عن القاسم بلفظ ورجال من أصحابه ذوي قوّة فيحمل على أن كلاً منهما ذكر ما اطلع عليه

стр. 1266

وشاهده (وكان عليّ) ﵁ (قدم من اليمن) إلى مكة (ومعه الهدي) جملة حالية، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ومعه هدي بالتنكير (فقال): بعد أن سأله النبي ﷺ بما أهللت (أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ ¬) زاد في الشركة فأمره أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي وقد مر مبحث ذلك في باب التمتع والقران (وأن النبي ﷺ ¬) بكسر همزة أن وفتحها (أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة) الضمير للحج وأنثه باعتبار الحجة (يطوفوا) زاد في رواية أبي الوقت: بالبيت (ثم يقصروا) من شعر رؤوسهم (ويحلوا) من إحرامهم والعطف بثم والواو على يطوفوا ويحلوا بفتح أوله وكسر ثانيه من حل وزاد وأصيبوا النساء. قال عطاء: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم (إلا من معه الهدي) فلا يحل (فقالوا): أي الصحابة (ننطلق إلى منى) بحذف همزة الاستفهام أي أننطلق إلى منى (وذكر أحدنا يقطر) بالمنيّ وهو من باب المبالغة أي أن الحل يفضي بنا إلى مجامعة النساء ثم نحرم بالحج عقب ذلك فنخرج وذكر أحدنا لقربه من الواقعة يقطر منيًا وحالة الحج تنافي الترفه وتناسب الشعث فكيف يكون ذلك، (فبلغ) ذلك الذي قالوه (النبي ﷺ فقال): زاد مسلم: قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبرّكم. (لو استقبلت من أمري ما استدبرت) أي وعلمت من أمري من الأول ما علمته في الآخر (ما أهديت) وأحللت والأمر الذي استدبره ﵊ هو ما حصل لأصحابه من شقة انفرادهم عنه بالفسخ حتى أنهم توقفوا وترددوا وراجعوه (ولولا أن معي الهدي لأحللت) من إحرامي لأن من كان معه الهدي لا يحل حتى ينحره ولا ينحر إلا يوم النحر فلا يصح له فسخ الحج بعمرة وليس السبب في ذلك مجرّد سوق الهدي كما يقوله أبو حنيفة وأحمد ولو في التأسف على فوات الأمر في الدين، وأما حديث لو تفتح عمل الشيطان ففي حظوظ الدنيا. (وأن عائشة ﵂) بفتح همزة أن (حاضت) بسرف قبل دخولهم مكة (فنسكت المناسك) المتعلقة بالحج (كلها، غير أنها لم تطف) للعمرة لمانع الحيض زاد في غير رواية أبي ذر وابن عساكر: بالبيت أي ولم تسع بين الصفا والمروة وحذفه لأن السعي لا بد له من تقدم طواف عليه فيلزم من نفيه نفيه فاكتفى بنفي الطواف (قال: فلما طهرت) بعرفة كما في مسلم وله صبيحة ليلة عرفة حين قدموا منى وله أنها طهرت في منى وجمع بأنها رأت الطهر بعرفة ولم يتهيأ لها الاغتسال إلا في منى وطهرت بضم الهاء وفتحها، (وطافت) بالبيت طواف الإفاضة يوم النحر وسعت بين الصفا والمروة (قالت: يا رسول الله ﷺ أتنطلقون بعمرة) منفردة عن حجة (وحجة) منفردة عن عمرة (وأنطلق بالحج)؟ من غير عمرة منفردة (فأمر) ﷺ (عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق ﵄ (أن يخرج معها إلى التنعيم) لتعتمر منه تطييبًا لقلبها (فاعتمرت) منه (بعد الحج في ذي الحجة) ليلة المحصب. (وأن سراقة بن مالك بن جعشم) بضم الجيم والشين المعجمة بينهما عين مهملة ساكنة وسراقة بضم السين المهملة وتخفيف الراء وبالقاف الكناني المدلجي (لقي النبي ﷺ بالعقبة) ولغير أبي ذر وهو بالعقبة (وهو يرميها) جملة حالة أي وهو ﷺ يرمي جمرة العقبة (فقال): أي سراقة (ألكم هذه) الفعلة وهي فسخ الحج إلى العمرة أو القران أو العمرة في أشهر الحج (خاصة يا رسول الله) أي هل هي مخصوصة بكم في هذه السنة أو لكم ولغيركم أبدًا؟ (قال): ﵊ مجيبًا له: (لا بل للأبد). وفي رواية جعفر عند مسلم فقام سراقة فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد فشبك أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل للأبد أبدًا ومعناه كما قال النووي عند الجمهور أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إبطالاً لما كان عليه أهل الجاهلية، وقيل معناه جواز فسخ الحج إلى العمرة قال: وهو ضعيف. وتعقب بأن سياق السؤال يقوّي هذا التأويل بل الظاهر أن السؤال

стр. 1267

وقع عن الفسخ وهو مذهب الحنابلة، بل قال المرداوي في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف وهو شرح المقنع لشيخ الإسلام موفق الدين بن قدامة: إن فسخ القارن والمفرد حجهما إلى العمرة مستحب بشرطه نص عليه وعليه الأصحاب قاطبة. وقال: وهو من مفردات المذهب لكن المصنف أي ابن قدامة هنا ذكر الفسخ بعد الطواف والسعي وقطع به الخرقي، وقدمه الزركشي وقال: هذا ظاهر الأحاديث، وعن ابن عقيل الطواف بنية العمرة هو الفسخ وبه حصل رفض الإحرام لا غير قال: فهذا تحقيق فسخ الحج وما ينفسخ به. وقال في الكافي: يسن لهما إذا لم يكن معهما هدي أن يفسخا نيتهما بالحج وينويا عمرة مفردة ويحلا من إحرامهما بطواف وسعي وتقصير ليصيرا متمتعين. وقال في الانتصار: لو ادّعى مدّع وجوب الفسخ لم يبعد، وقال الشيخ تقي الدين: يجب على من اعتقد عدم مساغه أن يعتقده ولو ساق هديًا فهو على إحرامه لا يصح فسخه الحج إلى العمرة على الصحيح عندهم وحيث صح الفسخ لزم دم على الصحيح من مذهبهم نص عليه وعليه أكثر الأصحاب اهـ. وقال بعض الحنابلة: نحن نشهد الله أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضًا فسخه إلى عمرة تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ وذلك أن في السنن عن البراء بن عازب خرج رسول الله ﷺ وأصحابه فأحرمنا بالحج فلما قدمنا مكة قال اجعلوها عمرة فقال الناس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة؟ قال "انظروا ما آمركم به فافعلوا" فردّدوا عليه القول فغضب الحديث. وقال سلمة بن شبيب لأحمد: كل أمرك عندي حسن إلا خلة واحدة فقال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج إلى العمرة. فقال: يا سلمة كنت أرى لك عقلاً. عندي في ذلك أحد عشر حديثًا صحاح عن رسول الله ﷺ أتركها لقولك. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف هو مختص بهم تلك السنة لا يجوز بعدها ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج. وفي حديث أبي ذر عند مسلم: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة يعني فسخ الحج إلى العمرة. وعند النسائي عن الحرث بن بلال عن أبيه قال: يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: "لا بل لنا خاصة" وهذا لا يعارضه حديث سراقة لأن سبب الأمر بالفسخ ما كان إلا تقرير الشرع العمرة في أشهر الحج ما لم يكن مانع من سوق الهدي، وذلك أنه كان مستعظمًا عندهم حتى كانوا يعدونها في أشهر الحج من أفجر الفجور فكسر سورة ما استحكم في نفوسهم من الجاهلية من إنكاره بحملهم على فعله بأنفسهم، فلو لم يكن حديث بلال بن الحرث ثابتًا كما قال الإمام أحمد حيث قال: لا يثبت عندي ولا يعرف هذا الرجل كان حديث ابن عباس كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض الحديث صريحًا في كون سبب الأمر بالفسخ هو قصد محو ما استقر في نفوسهم في الجاهلية بتقرير الشرع بخلافه. وقال ابن المنير: ترجم على أن العمرة من التنعيم ثم ذكر حديث سراقة وليس فيه تعرض لميقات ولكن لأصل العمرة في أشهر الحج. وأجاب بأن وجه ذكره في الترجمة الرد على من لعله يزعم أن التنعيم كان خاصًا باعتمار عائشة حينئذٍ فقرر بحديث سراقة أنه غير خاص وأنه عام أبدًا. وحديث الباب أخرجه المؤلّف في التمني، وأبو داود في الحج. ٧ - باب الاِعْتِمَارِ بَعْدَ الْحَجِّ بِغَيْرِ هَدْيٍ (باب الاعتمار بعد الحج) في أشهره (بغير هدي) يلزم المعتمر. ١٧٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةِ فَلْيُهِلَّ، وَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مِنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَرْدَفَهَا، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا، فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ". وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) الزمن قال: (حدّثنا يحيى) القطان قال: (حدّثنا هشام قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (قال أخبرتني عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ¬) في حجة الوداع حالة كوننا (موافين لهلال ذي الحجة) أي قرب طلوعه فقد مرّ أنها قالت: خرجنا لخمس بقين من ذي القعدة والخمس قريبة من آخر الشهر فوافاهم الهلال وهم في الطريق (فقال رسول الله ﷺ ¬) وهم بسرف أو بعد الطواف كما مرّ قريبًا: (من أحب) منكم ممن لم يكن معه هدي

стр. 1268

(أن يهل بعمرة) يدخلها على الحج (فيهل ومن أحب) منكم ممن معه هدي (أن يهل بحجة) يدخلها على العمرة (فليهل ولولا أني) وفي رواية أنني بزيادة نون ثانية (أهديت لأهللت بعمرة) قال في فتح الباري، وتبعه العيني، وفي رواية السرخسي لأحللت بالحاء المهملة أي بحج. (فمنهم) أي من الصحابة (من) كان (أهل) من الميقات (بعمرة ومنهم من أهل بحجة) ومنهم من قرن. قالت عائشة ﵂: (وكنت ممن أهل بعمرة) الذي رواه الأكثرون عنها أنها أحرمت أولاً بالحج فتحمل رواية عروة على آخر أمرها (فحضت) بسرف (قبل أن أدخل مكة فأدركني) أي قرب مني (يوم عرفة وأنا حائض فشكوت إلى رسول الله ﷺ ¬) يوم التروية كما في مسلم، ولأبي ذر: فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ (فقال) (دعي عمرتك) أي أعمالها (وانقضي رأسك) بحل ضفائر شعره (وامتشطي) سرحيه بالمشط (وأهلي) يوم التروية (بالحج) قالت (ففعلت) ما أمرني به ﵊. (فلما كانت ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم فأردفها) فيه التفات لأن الأصل أن يقال فأردفني أي أركبها خلفه على الراحلة (فأهلت بعمرة) من التنعيم (مكان عمرتها) التي أرادت أن تكون منفردة عن حجتها (فقضى الله حجها وعمرتها ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم) وهذا الكلام مدرج من قول هشام كما مرّ في الحيض ولعله نفى ذلك بحسب علمه ولا يلزم من ذلك نفيه في نفس الأمر وحال عائشة لا يخلو من أمرين: إما أن تكون قارنة، أو متمتعة وعليهما فلا بدّ من الهدي وقد ثبت أنها روت أنه ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر وفي مسلم أنه أهدى عنها، فيحتمل أن يكون قوله لم يكن في ذلك هدي أي لم تتكلف له بل قام به عنها وحمله ابن خزيمة على أنه ليس في تركها لعمل العمرة الأولى وإدراجها لها في الحج ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التنعيم أيضًا شيء. قال في فتح الباري: وهو حسن والله أعلم. ٨ - باب أَجْرِ الْعُمْرَةِ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ (باب أجر العمرة) بالإضافة ولأبي ذر: باب بالتنوين أجر العمرة (على قدر النصب) بفتح النون والمهملة التعب. ١٧٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَا "قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ؟ فَقِيلَ لَهَا: انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي، ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ". وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) العبسي البصري قال: (حدّثنا ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أرطبان البصري (عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق ﵃ (وعن ابن عون) المذكور (عن إبراهيم عن الأسود) النخعيين (قالا): أي القاسم والأسود (قالت عائشة ﵂: يا رسول الله يصدر الناس) أي يرجعون (بنسكين) حجة منفردة عن عمرة وعمرة منفردة عن حجة (وأصدر) وأرجع أنا (بنسك) بحجة غير منفردة لأنها أولاً كانت قارنة (فقيل لها): أي قال لها النبي ﷺ : (انتظري فإذا طهرت) من الحيض بضم الهاء وفتحها (فاخرجي إلى التنعيم) أي مع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (فأهلي) أي بعمرة منه (ثم ائتيا بمكان كذا) أي بالأبطح وهو المحصب (ولكنها) عمرتك (على قدر نفقتك أو نصبك) تعبك لا في إنفاق المال في الطاعات من الفضل وقمع النفس عن شهواتها من المشقّة وقد وعد الله الصابرين أن يوفيهم أجرهم بغير حساب، لكن قال الشيخ عز الدّين بن عبد السلام. إن هذا ليس بمطرد فقد يكون بعض العبادات أخف من بعض وهي أكثر فضلاً بالنسبة إلى الزمان كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليال من رمضان غيرها، وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين بالمسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره. وأجيب: بأن الذي ذكره لا يمنع الاطراد لأن كثرة الحاصلة فيما ذكره ليست من ذاتها وإنما هي بحسب ما يعرض لها من الأمور المذكورة وأو في قوله أو نصبك إما للشك، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق أحمد بن منيع عن إسماعيل ما يؤيد ذلك ولفظه: على قدر نصبك أو تعبك، وفي رواية له على قدر نفقتك أو نصبك -أو كما قال رسول الله ﷺ وإما للتنويع في كلامه عليه الصلاة

стр. 1269

والسلام، ووقع عند الدارقطني والحاكم ما يؤيده ولفظه: إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك بواو العطف، وقد استدلّ بظاهر هذا الحديث على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحل القريبة أقل أجرًا من جهة الحل البعيدة وهذا ليس بشيء لأن الجعرانة والحديبية مسافتهما إلى مكة واحدة ستة فراسخ والتنعيم مسافته إليها فرسخ واحد فهو أقرب إليها منهما، وقد قال الشافعي: أفضل بقاع الحل للاعتمار الجعرانة لأن النبي ﷺ أحرم منها، ثم التنعيم لأنه أذن لعائشة قال: وإذا تنحى عن هذين الموضعين فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحب إلي اهـ. ٩ - باب الْمُعْتَمِرِ إِذَا طَافَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ خَرَجَ هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ؟ (باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع)؟. ١٧٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحُرُمِ الْحَجِّ، فَنَزَلْنَا سَرِفَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا. وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الْهَدْيُ فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً. فَدَخَلَ عَلَىَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ لأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ، فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ. قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: فَلَا يَضُرَّكِ، أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كُتِبَ عَلَيْكِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا: قَالَتْ: فَكُنْتُ حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى فَنَزَلْنَا الْمُحَصَّبَ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الْحَرَمَ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا، أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا. فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: فَرَغْتُمَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ مُوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضيل بن دكين قال: (حدّثنا أفلح بن حميد) بالفاء الأنصاري المدني البخاري يقال له ابن صفيرًا (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر (عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا) حال كوننا (مهلين) ولأبي ذر: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين (بالحج في أشهر الحج وحرم الحج) بضم الحاء والراء الحالات والأماكن والأوقات التي للحج (فنزلنا سرف) بفتح السين المهملة وكسر الراء آخره فاء وحذف الموحدة، ولأبوي ذر والوقت: بسرف، ولابن عساكر: فنزلنا منزلاً (فقال النبي ﷺ لأصحابه): (من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها) أي حجته (عمرة فليفعل ومن كان معه هدي فلا) يفسخ الحج إلى العمرة وفي غير هذه الرواية أن قوله ﵊ لهم ذلك كان بعد دخوله مكة فيحتمل التعدد والعزيمة وقعت أخيرًا كما مرّ قريبًا (وكان مع النبي ﷺ ورجال) بالجر عطفًا على المجرور (من أصحابه ذوي قوة الهدي) بالرفع اسم كان (فلم تكن لهم عمرة) مستقلة لأنهم كانوا قارنين وعمرة بالنصب خبر كان (فدخل على النبي ﷺ ¬) يوم التروية كما في مسلم (وأنا أبكي) جملة حالية (فقال: (ما يبكيك)؟ قلت سمعتك تقول لأصحابك ما قلت فمنعت العمرة) بضم الميم مبنيًا للمفعول والعمرة نصب بنزع الخافض أي من العمرة (قال: (وما شأنك)؟ قلت: لا أصلي) لمانع الحيض وهو من ألطف الكنايات (قال): (فلا يضرك) بضم المعجمة وتشديد الراء أو بكسر الضاد وسكون الراء ولم يضبط ذلك في اليونينية ولا فرعها (أنت من بنات آدم كتب عليك) بضم كاف كتب مبنيًا للمفعول، ولأبي ذر: كتب الله عليك (ما كتب عليهن) من الحيض وغيره (فكوني في حجتك) بتاء التأنيث، ولأبي الوقت: في حجك. وعزاها في الفتح لأبي ذر (عسى الله أن يرزقكها) أي العمرة (قالت: فكنت) في حجي كما أمرني ﵊ (حتى نفرنا من منى فنزلنا المحصب) وهو الأبطح أي بعد أن طهرت من الحيض وطافت للإفاضة (فدعا) ﷺ (عبد الرحمن) بن أبي بكر الصديق (فقال اخرج بأختك الحرم) أي من الحرم فنصبه على نزع الخافض. قال في الفتح وللكشميهني: من الحرم قال وهو أوضح والمراد الإخراج من أرض الحرم إلى الحل (فلتهل بعمرة) من التنعيم (ثم أفرغا من طوافكما) فارجعا فإني (أنتظركما هاهنا) يعني المحصب قالت عائشة (فأتينا) أي بعد أن فرغنا من الاعتمار وتحللنا (في جوف الليل) إلى المحصب، وللإسماعيلي من آخر الليل وهو أوفق ببقية الروايات، وهذا لا تخالفه الرواية السابقة فلقيته مصعدًا وأنا منهبطة أو العكس لأنه كان خرج بعد ذهابها ليطوف للوداع فلقيها وهو صادر بعد الطواف وهي راحلة لطواف عمرتهما، ثم لقيته بعد ذلك وهو بمنزله بالمحصب. ويحتمل أن لقاءه لها كان حين انتقل من المحصب كما عند عبد الرزاق أنه كره أن يقتدي الناس بإناخته بالبطحاء فرحل حتى أناخ على ظهر العقبة أو من ورائها ينتظرها، فيحتمل أن يكون لقاؤه لها في هذا الرحيل وأنه المكان الذي عينه لها في رواية الأسود حيث قال لها: موعدك مكان كذا وكذا قال في الفتح وهذا تأويل حسن. (فقال): ﵊ (فرغتما) من

стр. 1270

عمرتكما؟ قالت (قلت: نعم). فرغنا (فنادى بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس ومن طاف بالبيت قبل صلاة الصبح) طواف الوداع وهذا من عطف الخاص على العام لأن الناس أعم من الطائفين ومن الذين لا طواف وداع عليهم كالحائض أو هو صفة للناس، ويجوز توسط العاطف بين الصفة والموصوف لتأكيد لصوقها بالموصوف نحو: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾ [الأنفال: ٤٩] قال: سيبويه: هو مثل مررت بزيد وصاحبك إذا أردت بصاحبك زيد، وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] جملة واقعة صفة لقرية والقياس أن لا تتوسط الواو بينهما كما في قوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب وجاءني وعليه ثوب. اهـ. وتعقبه أبو حيان فقال: وافقه على ذلك أبو البقاء قال: وهذا الذي قاله الزمخشري وتبعه فيه أبو البقاء لا نعلم أحدًا قاله من النحويين وهو مبني على أن ما بعد إلا يجوز أن يكون صفة وهم قد منعوا ذلك. قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف بالإثم قال: ونحو ما جاءني رجل إلا راكب تقديره إلا رجل راكب وفيه قبح لجعل الصفة كالاسم، وقال أبو علي الفارسي تقول: ما مررت بأحد إلا قائمًا قائمًا حال من أحد ولا يجوز إلا قائم لأن إلا لا تعترض بين الصفة والموصوف. وقال ابن مالك: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشري من قوله في نحو ما مررت بأحد إلا زيد خير منه أن الجملة بعد إلا صفة لأحد إنه مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي فلا يلتفت إليه اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وهذا كله مبني على صحة هذا السياق والذي يغلب عندي أنه وقع فيه تحريف، والصواب فارتحل الناس ثم طاف بالبيت الخ. وكذا وقع عند أبي داود من طريق أبي بكر الحنفي عن أفلح بلفظ فأذن في أصحابه بالرحيل فارتحل فأمر بالبيت قبل صلاة الصبح فطاف به حتى خرج ثم انصرف متوجهًا إلى المدينة، ولمسلم: فأذن في أصحابه بالرحيل فخرج فمرّ بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح، فيحتمل أنه أعاد الوداع لما رجع من الأبطح. (ثم خرج) ﵊ (موجهًا إلى المدينة) بضم الميم وفتح الواو وتشديد الجيم المكسورة كما في الفرع وغيره، ولابن عساكر: متوجهًا بزيادة تاء كما في اليونينية أيضًا فالأولى من التوجيه وهو الاستقبال تلقاء وجهه والثانية من التوجه من باب التفعل. وموضع الترجمة فلتهل بعمرة الخ من حيث كونه اكتفى فيه بطواف العمرة عن طواف الوداع. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا ومسلم في الحج وكذا النسائي. ١٠ - باب يَفْعَلُ فِي الْعُمْرَةِ مَا يَفْعَلُ فِي الْحَجِّ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه أن الرجل (يفعل في العمرة) من التروك (ما يفعل في الحج) أو يفعل فيها بعض ما يفعل فيه، وللحموي وللكشميهني: بالعمرة، وللحموي والمستملي: بالحج بالموحدة فيما بدل في. ١٧٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قَالَ حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ يَعْنِي عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْخَلُوقِ -أَوْ قَالَ صُفْرَةٍ- فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسُتِرَ بِثَوْبٍ، وَوَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ. فَقَالَ عُمَرُ: تَعَالَ، أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْوَحْيَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَرَفَعَ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ -وَأَحْسِبُهُ قَالَ: كَغَطِيطِ الْبَكْرِ- فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟ اخْلَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ عَنْكَ وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكِ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى البصري قال: (حدّثنا عطاء) هو ابن أبي رباح (قال: حدثني) بالإفراد (صفوان بن يعلى بن أمية) المكي زاد في غير رواية أبي ذر (يعني عن أبيه) يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام التميمي حليف قريش وهو يعلى ابن منية بضم الميم وسكون النون بعدها مثناة تحتية مفتوحة وهي أمه صحابي مشهور (أن رجلاً) قيل هو عطاء ابن منية أخو يعلى الراوي (أتى النبي ﷺ هو بالجعرانة) بسكون العين (وعليه جبة وعليه أثر الخلوق) بفتح الخاء المعجمة وتخفيف اللام المضمومة ضرب من الطيب (أو قال صفرة) بالجر عطفًا على المضاف إليه وبالرفع عطفًا على المضاف والشك من الراوي (فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي فأنزل الله) (على النبي ﷺ ¬) أي قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] كما رواه الطبراني في الأوسط والإتمام يتناول الهيئات والصفات (فستر) ﵊ (بثوب ووددت) بواو العطف وكسر الدال الأولى وفي بعض الأصول بإسقاط الواو (أني قد رأيت النبي

стр. 1271

ﷺ وقد أنزل عليه الوحي) بضم همزة أنزل مبنيًّا للمفعول والوحي بالرفع نائب الفاعل (فقال عمر) بن الخطاب ﵁ (تعال أيسرك) بهمزة الاستفهام المفتوحة وفتح الياء التحتية وضم السين المهملة (أن تنظر إلى النبي ﷺ وقد أنزل الله عليه الوحي)؟ بنصب الوحي على المفعولية، والجملة في موضع الحال، ولغير أبي ذر: إليه الوحي بالرفع نائب عن الفاعل وأنزل بضم الهمزة مبنيًا للمفعول وإليه بالهمزة بدل عليه بالعين والذي في اليونينية أنزل بفتح الهمزة الله الوحي، ولأبي الوقت: أنزل بفتح الهمزة أيضًا الله عليه الوحي فزاد لفظة عليه. (قلت: نعم)، يسرني (فرفع طرف الثوب) عن رسول الله ﷺ (فنظرت إليه) زاده الله شرفًا لديه (له غطيط) -بفتح الغين المعجمة نخير وصوت فيه بحوحة (وأحسبه): أي أظنه (قال: كغطيط البكر) - بفتح الموحدة وسكون الكاف الفتيّ من الإبل (فلما سرّي) بضم السين المهملة وتشديد الراء المكسورة وتخفيفها أي كشف (عنه) ﵊ (قال): (أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق) الطيب (عنك وأنق الصفرة)، بهمزة قطع مفتوحة وسكون النون من الإنقاء، ولأبي ذر عن المستملي: واتق بهمزة وصل ومثناة فوقية مشددة من الاتقاء أي احذر الصفرة (واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك) أي كصنعك في حجك من اجتناب المحرمات ومن أعمال الحج إلا الوقوف فلا وقوف فيها ولا رمي وأركانها أربعة: الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير، وهو موضع الترجمة وسبق الحديث في باب: غسل الخلوق في أوائل أبواب الحج. ١٧٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ "قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ -وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ- أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فَلَا أُرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَلاَّ، لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ كَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. زَادَ سُفْيَانُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ "مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ". وبه قال (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) إمام الأئمة (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (أنه قال: قلت لعائشة ﵂ زوج النبي ﷺ وأنا يومئذ حديث السن) لم يكن لي فقه ولا علم بالسنن مما يتأول به نص الكتاب والسنة (أرأيت قول الله تعالى: ((إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾) جمع شعيرة وهي العلامة أي من أعلام مناسكه (﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما﴾) [البقرة: ١٥٨] (فلا أرى) بضم الهمزة أي فلا أظن ولأبي ذر: أرى بفتحها (على أحد شيئًا أن لا يطوّف بهما) بتشديد الطاء والواو المفتوحتين، ولأبي ذر عن الكشميهني بينهما (فقالت): ولابن عساكر قالت: (عائشة كلا) ليس الأمر كذلك (لو كانت) ولأبي ذر عن الكشميهني: كان: (كما تقول) من عدم وجوب السعي (كانت فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة) بفتح الميم وتخفيف النون اسم صنم (وكانت مناة حذو) أي محاذية (قديد)، بضم القاف موضع بين مكة والمدينة (وكانوا) أي الأنصار (يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة) يتحرزون من الإثم الذي في الطواف باعتقادهم أو يتحرزون عنه لأجل الطواف أو يتكلفون الحرج في الطواف ويرونه فيه (فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله تعالى: (﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾) [البقرة: ١٥٨] (زاد سفيان) أي ابن عيينة كما قال الكرماني: وقال غيره الثوري مما وصله الطبري (وأبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين الضرير مما وصله مسلم كلاهما (عن هشام) هو ابن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: (ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته ما لم يطف بين الصفا والمروة) والله أعلم. ١١ - باب مَتَى يَحِلُّ الْمُعْتَمِرُ؟ وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ ﵁: "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا". هذا (باب) بالتنوين (متى يحل المعتمر؟) من إحرامه (وقال عطاء) مما وصله المؤلّف في باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت (عن جابر ﵁ أمر النبي ﷺ أصحابه) الذين كانوا معه في حجة الوداع (أن يجعلوها) أي الحجة (عمرة ويطوفوا) بضم الطاء وسكون الواو بالبيت وبين الصفا والمروة (ثم يقصروا) من شعر رؤوسهم (ويحلوا) بفتح أوله وكسر ثانيه. ١٧٩١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ "اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ وَطُفْنَا مَعَهُ، وَأَتَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَأَتَيْنَاهَا مَعَهُ، وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبٌ لِي: أَكَانَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ؟ قَالَ لَا". وبالسند قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه (عن

стр. 1272

جرير) بن عبد المجيد (عن إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي البجلي الكوفي (عن عبد الله بن أبي أوفى) علقمة أنه (قال): (اعتمر رسول الله ﷺ ¬) عمرة القضاء (واعتمرنا معه فلما دخل مكة طاف) بالبيت (وطفنا) بالواو، ولأبي الوقت: فطفنا (معه وأتى الصفا والمروة) فسعى بينهما (وأتيناها) بإفراد الضمير أي أتينا بقعة الصفا والمروة، ولأبي ذر عن الكشميهني: وأتيناهما بالتثنية أي الصفا والمروة (معه وكنا نستره من أهل مكة) المشركين مخافة (أن يرميه أحد) منهم. وفي عمرة القضية سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوه قال إسماعيل بن أبي خالد (فقال له): أي لعبد الله بن أبي أوفى (صاحب لي) لم يسم (أكان) ﵊ (دخل الكعبة قال): ابن أبي أوفى: (لا) لم يدخلها في تلك العمرة (قال): أي الصاحب المذكور لابن أبي أوفى. ١٧٩٢ - قَالَ فَحَدِّثْنَا مَا قَالَ لِخَدِيجَةَ قَالَ «بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ». [الحديث ١٧٩٢ - طرفه في: ٣٨١٩]. (فحدّثنا) بلفظ الأمر (ما قال) ﵊ (لخديجة) بنت خويلد زوجته ﵊ (قال): (بشروا خديجة ببيت من الجنة) ولأبي ذر "في" بدل "من" (من قصب) بفتح القاف والصاد المهملة بعدها موحدة. ووقع في حديث عند الطبراني في الأوسط تفسيره من طريق ابن أبي أوفى بلفظ: يعني من قصب اللؤلؤ، وعنده في الكبير من حديث أبي هريرة ببيت من لؤلؤة مجوّفة، وعنده في الأوسط في حديث فاطمة قالت: قلت يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: "في بيت من قصب" قلت أمن هذا القصب؟ قال: "لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت". فإن قلت: ما النكتة في قوله من قصب ولم يقل من لؤلؤ؟ أجيب: بأن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق لمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها. فإن قلت: لم قال ببيت ولم يقل بقصر والقصر أعلى وأشرف؟ أجيب: بأنها لما كانت ربة بيت قبل المبعث ثم صارت ربة بيت في الإسلام منفردة به فلم يكن على وجه الأرض في أوّل يوم بعث النبي ﷺ بيت إسلام إلا بيتها وهي فضيلة ما شاركها فيها غيرها وجزاء الفعل يذكر غالبًا بلفظه وإن كان أشرف منه قصدًا للمشاكلة ومقابلة اللفظ باللفظ، فلهذا جاء الحديث بلفظ البيت دون ذكر القصر. (لا صخب فيه) بفتح المهملة والمعجمة والموحدة أي لا صياح إذ ما من بيت في الدنيا يجتمع فيه أهله إلا وفيه صياح وجلبة (ولا نصب) بفتح النون والمهملة والموحدة ولا تعب لأن قصور الجنة ليس فيها شيء من ذلك. قال السهيلي: مناسبة نفي هاتين الصفتين أنه ﵊ لما دعا إلى الإيمان أجابت خديجة طوعًا فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل عسير فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لذلك. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الحج وفي المغازي، وكذا أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة. ١٧٩٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ "سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، وَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ". وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي المكي (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو بن دينار قال: سألنا ابن عمر ﵄ عن رجل طاف بالبيت) سقط قوله بالبيت في رواية أبوي ذر والوقت (في عمرة) ولأبي ذر: في عمرته (ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته)؟ أي: أيجامعها والهمزة للاستفهام (فقال) ابن عمر: (قدم النبي ﷺ فطاف بالبيت سبعًا وصلّى خلف المقام ركعتين وطاف بين الصفا والمروة سبعًا، وَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] بكسر الهمزة وضمها وفيه الرد على من قال إنه يحل من جميع ما حرم عليه بمجرد الطواف وهو مروى عن ابن عباس. ١٧٩٤ - قَالَ وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ فَقَالَ "لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ". (قال): عمرو بن دينار (وسألنا جابر بن عبد الله ﵄¬) أي عما سألنا عنه ابن عمر (فقال): (لا يقربنها) بنون التوكيد بجماع ولا بمقدماته (حتى يطوف بين الصفا والمروة) أي يسعى بينهما وإطلاق الطواف على السعي إما للمشاكلة وإما لكونه نوعًا من الطواف. ١٧٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ "قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ وَهُوَ مُنِيخٌ فَقَالَ: أَحَجَجْتَ؟ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: بِمَا أَهْلَلْتَ؟ قُلْتُ لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَحْسَنْتَ، طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَحِلَّ. فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَيْسٍ فَفَلَتْ رَأْسِي، ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ، فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ. حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَقَالَ: إِنْ أَخَذْنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ، وَإِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ". وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي الوقت حدثني (محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة الملقب ببندار العبدي البصري قال: (حدّثنا

стр. 1273

غندر) بضم الغين المعجمة وسكون النون منصرف محمد بن جعفر البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قيس بن مسلم) بضم الميم وسكون السين الجدلي بفتح الجيم الكوفي (عن طارق بن شهاب) الأحمسي الكوفي (عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قدمت على النبي ﷺ بالبطحاء) بطحاء مكة (وهو منيخ) راحلته بضم الميم وكسر النون وسكون التحتية آخره خاء معجمة وهو كناية عن النزول بالبطحاء (فقال): ﵊: (أحججت)؟ أي هل أحرمت بالحج أو نويته؟ (قلت: نعم قال: بما أهللت؟ قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ¬) (قال): (أحسنت)، زاد في باب: من أحرم في زمن النبي ﷺ قال: هل معك من هدي؟ قلت: لا: قال: طف بالبيت وبالصف والمروة ثم أحل من أحرمك بفتح الهمزة وكسر الحاء وهذا موضع الترجمة فإنه يقتضي تأخره عن السعي. قال أبو موسى: (فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأة من قيس) لم تسم (ففلت رأسي) بفتح الفاءين واللام المخففة بوزن رمت أي فتشته واستخرجت القمل منه (ثم أهللت بالحج) يوم التروية (فكنت أفتي به) أي الناس (حتى كان في خلافة عمر) بن الخطاب ﵁ زاد مسلم فقال له رجل: يا أبا موسى -أو يا أبا عبد الله بن قيس- رويدك بعض فتباك فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد، فقال: يا أيها الناس من كنا أفتيناه فتيًا فليتئد فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فائتموا به قال: فقدم عمر فذكرت له ذلك (فقال: إن أخذنا بكتاب الله فإنّه يأمرنا بالتمام) لأفعالهما بعد الشروع فيهما (وإن أخذنا بقول النبي ﷺ فإنه لم يحل) من إحرامه (حتى يبلغ الهدي محله) بكسر الحاء المهملة وهو نحره يوم النحر بمنى، وللكشميهني: فإنه يأمر بإسقاط ضمير المفعول حتى بلغ بلفظ الماضي والذي أنكره عمر المتعة التي هي الاعتمار في شهر الحج ثم الحج من عامه كما قاله النووي قال: ثم انعقد الإجماع على جوازه من غير كراهة. ١٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَهُ "أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ، قَلِيلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا. فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ". وبه قال: (حدّثنا أحمد) غير منسوب قال الحافظ ابن حجر: وفي رواية كريمة حدّثنا أحمد بن عيسى، وفي رواية أبي ذر: حدّثنا أحمد بن صالح والأول هو التستري المصري الأصل والثاني هو ابن الطبري قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرنا عمرو) بفتح العين هو ابن الحرث (عن أبي الأسود) محمد بن عبد الرحمن المشهور بيتيم عروة بن الزبير (أن عبد الله) بن كيسان (مولى أسماء بنت أبي بكر) الصديق ﵄ (حدثه أنه كان يسمع أسماء تقول كلما مرّت بالحجون) بفتح الحاء وضم الجيم المخففة وسكون الواو وآخره نون. قال التقي الفاسي في تاريخ البلد الحرام: هو جبل بالمعلى مقبرة آهل مكة على يسار الداخل إلى مكة ويمين الخارج منها إلى منى على مقتضى ما ذكر الأزرقي والفاكهي في تعريفه لأنهما ذكراه في شق معلى مكة اليماني وهو الجهة التي ذكرناها، وإذا كان كذلك فهو يخالف ما يقوله الناس من أن الحجون الثنية التي يهبط منها إلى مقبرة المعلى، وكلام المحب الطبري يوافق ما يقوله الناس وكنت قلدته في ذلك ثم ظهر لي أن ما قاله الأزرقي والفاكهي أولى لأنهما بذلك أدرى، وقد وافقهما على ذلك إسحاق الخزاعي راوي تاريخ الأزرقي، ولعل الحجون على مقتضى قول الأزرقي والفاكهي والخزاعي الجبل الذي يقال فيه قبر ابن عمر أو الجبل المقابل له الذي بينهما الشعب المعروف بشعب الجرّارين اهـ. ومقول قول أسماء (صلّى الله على محمد) ولأبي ذر: على رسوله محمد (لقد نزلنا معه هاهنا ونحن يومئذ خفاف) بكسر الخاء المعجمة جمع خفيف ولمسلم خفاف الحقائب جمع حقيبة بفتح المهملة وبالقاف والموحدة ما احتقب الراكب خلفه من حوائجه في موضع الرديف (قليل ظهرنا) أي مراكبنا (قليلة أزوادنا فاعتمرت أنا وأختي عائشة) أي بعد أن فسخنا الحج إلى العمرة (والزبير) بن العوام (وفلان وفلان) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تعيينهما وكأنها سمت

стр. 1274

بعض من عرفته ممن لم يسق الهدي (فلما مسحنا البيت) أي مسحنا بركنه وكنت بذلك عن الطواف إذ هو من لوازم المسح عليه عادة والمراد غير عائشة لأنها كانت حائضًا (أحللنا) أي بعد السعي وحذف اختصارًا فلا حجة فيه لمن لم يوجب السعي لأن أسماء أخبرت أن ذلك كان في حجة الوداع. وقد جاء من طرق أخرى صحيحة أنهم طافوا معه وسعوا فيحمل ما أجمل على ما بين ولم يذكر الحلق ولا التقصير فاستدلّ به على أنه استباحة محظور. وأجيب: بأن عدم ذكره هنا لا يلزم منه ترك فعله فإن القصة واحدة، وقد ثبت الأمر بالتقصير في عدة أحاديث وهذا كقوله: لما زنى فلان رجم، والتقدير لما أحصن وزنى رجم. فإن قلت في مسلم وكان مع الزبير هدي فلم يحل وهو مغاير لا هنا لذكرها الزبير مع من أحل. أجاب النووي: بأن إحرام الزبير بالعمرة وتحلله منها كان في غير حجة الوداع (ثم أهللنا من العشي بالحج). وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحج أيضًا. ١٢ - باب مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوِ الْغَزْوِ؟ باب ما يقول إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو. ١٧٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ". [الحديث ١٧٩٧ - أطرافه في: ٢٩٩٥، ٣٠٨٤، ٤١١٦، ٦٣٨٥]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄) (أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل) رجع (من غزو أو حج أو عمرة يكبر) الله تعالى (على كل شرف) بفتحتين مكان عال (من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) قال القرطبي في تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه التفرد بإيجاد جميع الموجودات وأنه المعبود في جميع الأماكن (آيبون) بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي نحن آيبون جمع آيب أي راجع وزنه، ومعناه أي راجعون إلى الله. وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فإنه تحصيل الحاصل بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة الخصوصة والاتصاف بالأوصاف المذكور (تائبون) من التوبة وهي الرجوع عما هو مذموم شرعًا إلى ما هو محمود شرعًا وفيه إشارة إلى التقصير في العبادة قاله ﷺ على سبيل التواضع أو تعليمًا لأمته (عابدون ساجدون لربنا حامدون) كلها رفع بتقدير نحن والجار والمجرور متعلق بساجدون أو بسائر الصفات على طريق التنازع (صدق الله وعده) فيما وعد به من إظهار دينه بقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ [الفتح: ٢٠] وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] الآية، وهذا في الغزو ومناسبته للحج قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] (ونصر عبده) محمدًا ﷺ (وهزم الأحزاب) يوم الأحزاب أو أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن (وحده) من غير فعل أحد من الآدميين، ويحتمل أن يكون خبرًا بمعنى الدعاء أي اللهم أهزم الأحزاب والأول أظهر، وظاهر قوله من غزو أو حج أو عمرة اختصاصه بها والذي عليه الجمهور أنه يشرع في كل سفر طاعة كطلب علم، وقيل يتعدى إلى المباح لأن المسافر فيه لا ثواب له فلا يمتنع عليه ما يحصل له الثواب، وقيل يشرع في سفر المعصية أيضًا لأن مرتكب المعصية أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره وتعقب بأن الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع المسافر في مباح ولا معصية من الإكثار من ذكر الله تعالى وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص فخصه قوم به كما يختص الذكر المأثور عقب الأذان والصلاة اهـ. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الدعوات، ومسلم في الحج، وأبو داود في الجهاد، والنسائي في السير. ١٣ - باب اسْتِقْبَالِ الْحَاجِّ الْقَادِمِينَ، وَالثَّلَاثَةِ عَلَى الدَّابَّةِ (باب استقبال الحاج القادمين) إلى مكة بكسر الميم وفتح النون بصيغة الجمع صفة للحاج لإطلاقه على المفرد والجمع مجازًا واتساعًا كقوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] قال في الكشاف مما قرأته فيه: والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع واستقبال مصدر مضاف إلى مفعوله، ولأبي ذر: القادمين بفتح الميم بصيغة التثنية (والثلاثة) بالجر كما في بعض الأصول عطفًا على استقبال أي واستقبال الثلاثة، وفي اليونينية

стр. 1275

والثلاثة بالنصب أي واستقبال الحاج الثلاثة حال كونهم (على الدابة) والاستقبال يكون من الطرفين لأن من استقبلك فقد استقبلته، ولابن عساكر: باب استقبال الحاج الغلامين بإضافة الاستقبال إلى الحاج والغلامين مفعوله أو استقبال مضاف إلى الغلامين والحاج نصب على المفعولية كقراءة ابن عامر بالفصل بين المضافين بالمفعول في قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿قتل﴾ برفع اللام على ما لم يسم فاعله ﴿أولادهم﴾ بالنصب على المفعول بالمصدر ﴿شركائهم﴾ [الأنعام: ١٣٧] بالخفض على إضافة المصدر إليه المذكور توجيهه في كتاب القراءات الأربع عشرة مما جمعته والثلاثة بالنصب عطف على الغلامين لكن لا أعرف نصب الحاج في رواية. ١٧٩٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ". [الحديث ١٧٩٨ - طرفاه في: ٥٩٦٥، ٥٩٦٦]. وبالسند قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين واللام المشددة العمي أخو بهز بن أسد البصري قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ قال): (لما قدم النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ مكة) في الفتح (استقبله أغيلمة بني عبد المطلب) بضم الهمزة من أغيلمة وفتح الغين المعجمة. قال في الصحاح: الغلام معروف وتصغيره غليم والجمع غلمة وغلمان واستغنوا بغلمة عن أغلمة وتصغير الغلمة أغيلمة على غير مكبره كأنهم صغروا أغلمة وإن كانوا لم يقولوه كما قالوا أصيبيه في تصغير صبية وبعضهم يقول غليمة على القياس. وقال في القاموس: الغلام الطارّ الشارب والكهل ضد أو من حين يولد إلى أن يشب جمعه أغلمة وغلمة وغلمان وهي غلامة اهـ. ومراده صبيان بني عبد المطلب وإضافتهم إليه لكونهم من ذريته (فحمل) ﵊ (واحدًا) منهم (بين يديه) هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب (وآخر خلفه) هو قثم بن العباس بن عبد المطلب كذا قاله ابن حجر، لكن لا أعلم هل خرج عبد الله بن جعفر من المدينة إلى مكة بعد أن دخلها مع أبيه من الحبشة حتى استقبل النبي ﷺ حين قدومه مكة في الفتح فلينظر. وقول الحافظ ابن حجر: وكون الترجمة لتلقي القادم من الحج والحديث دال على تلقي القادم للحج ليس بينهما تخالف لاتفاقهما من حيث المعنى، تعقبه العيني فقال: لا نسلم أن كون الترجمة لتلقي القادم من الحج بل هي لتلقي القادم للحج، والحديث يطابقه وهذا القائل ذهل وظن أن الترجمة وضعت لتلقي القادم من الحج وليس كذلك وذلك لأنه لو علم أن لفظ الاستقبال في الترجمة مصدر مضاف إلى مفعوله والفاعل ذكره مطوي لما احتاج إلى قوله وكون الترجمة إلى آخره اهـ. ولعله أخذه من كلام ابن المنير حيث تعقب ابن بطال لما قال في الحديث: من الفقه جواز تلقي القادمين من الحج لأنه ﵊ لم ينكر ذلك بل سرته لحمله لهما بين يديه وخلفه فقال هذا ليس تلقيًا للقادم من الحج ولكنه تلقي القادم للحج قال: وتلك العادة إلى الآن يتلقي المجاورون وأهل مكة القادمين من الركبان اهـ. نعم يؤخذ منه بطريق القياس تلقي القادمين من الحج بل ومن في معناهم كمن قدم من جهاد أو سفر تأنيسًا لهم وتطييبًا لقلوبهم. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن جعفر قال: كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر تلقى بصبيان أهل بيته، وأنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة. وفي المسند وصحيح الحاكم عن عائشة قالت: أقبلنا من مكة في حج أو عمرة فتلقانا غلمان من الأنصار كانوا يتلقون أهاليهم إذا قدموا. وذكر ابن رجب في لطائفه عن أبي معاوية الضرير عن حجاج عن الحكم قال، قال ابن عباس ﵄: لو يعلم المقيمون ما للحجاج عليهم من الحق لأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحلهم لأنهم وفد الله في جميع الناس. وفي حديث الباب التحديث والعنعنة والقول. ورواته الثلاثة الأول بصريون، وأخرجه المؤلّف أيضًا في اللباس والنسائي في الحج. ١٤ - باب الْقُدُومِ بِالْغَدَاةِ (باب) استحباب (القدوم) أي قدوم المسافر إلى منزله (بالغداة). ١٧٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ". وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن الحجاج) بفتح الحاء المهملة وتشديد

стр. 1276

الجيم الذهلي الشيباني قال: (حدّثنا أنس بن عياض) المدني (عن عبيد الله) بتصغير عبد بن عمر العمري (عن نافع عن) عبد الله (بن عمر ﵄) (أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج) من المدينة (إلى مكة يصلّي في مسجد الشجرة) التي بمسجد ذي الحليفة (وإذا رجع) من مكة (صلّى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات) بها (حتى يصبح) ثم يتوجه إلى المدينة لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلاً. وهذا الحديث مرّ في باب: خروج النبي ﷺ على طريق الشجرة وليس الدخول بالغداة متعينًا ولذا قال المؤلّف: ١٥ - باب الدُّخُولِ بِالْعَشِيِّ (باب الدخول) أي المسافر على أهله (بالعشي) والمراد به هنا من وقت الزوال إلى الغروب. ١٨٠٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لَا يَدْخُلُ إِلاَّ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً". وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (عن أنس) هو ابن مالك (﵁ قال): (كان النبي ﷺ لا يطرق أهله) بضم الراء من الطروق أي لا يأتيهم ليلاً إذا رجع من سفره ولا يكون الطروق إلا ليلاً قيل أن أصل الطروق من الطرق وهو الدق وسمي الآتي بالليل طارقًا لحاجته إلى دق الباب (كان لا يدخل إلا غدوة أو عشية) لكراهته لطروق أهله والله أعلم. ١٦ - باب لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ إِذَا بَلَغَ الْمَدِينَةَ هذا (باب) بالتنوين (لا يطرق) المسافر (أهله إذا بلغ المدينة) أي البلد التي يريد دخولها وللحموي: إذا دخل المدينة أي أراد دخولها. ١٨٠١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلاً". وبالسند قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن محارب) هو ابن دثار السدوسي الكوفي (عن جابر ﵁ قال): (نهى النبي ﷺ أن يطرق) المسافر (أهله ليلاً) كراهة أن يهجم منها على ما يقبح عند اطلاعه عليه فيكون سببًا إلى بغضها وفراقها، فنبه ﷺ على ما تدوم به الألفة وتتأكد به المحبة فينبغي أن يجتنب مباشرة أهله فى حال البذاذة وغير النظافة وأن لا يتعرض لرؤية عورة يكرهها منها وكلمة (أن) في قوله أن يطرق مصدرية، وليلاً نصب على الظرفية وأتى به للتأكيد أو على لغة، من قال أن طرق يستعمل بالنهار أيضًا حكاه ابن فارس. ١٧ - باب مَنْ أَسْرَعَ نَاقَتَهُ إِذَا بَلَغَ الْمَدِينَةَ (باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة) قال في المحكم: أسرع يتعدى بنفسه ويتعدى بالباء وهو يردّ على من خطأ المؤلّف حيث لم يعدّه بالباء. ١٨٠٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: زَادَ الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ حُمَيْدٍ "حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا". حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ "جُدُرَاتٍ". تَابَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ [الحديث ١٨٠٢ - طرفه في: ١٨٨٦]. وبالسند قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (حميد) الطويل (أنه سمع أنسًا ﵁ يقول) (كان رسول الله) ولأبي ذر وابن عساكر: النبي (¬ ﷺ إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة) بفتح الدال والراء والجيم أي طرقها المرتفعة، ولأبي ذر عن المستملي: دوحات المدينة بواو ساكنة بعدها مهملة بدل الراء والجيم أي شجرها العظام (أوضع ناقته) بفتح الهمزة والضاد المعجمة والعين المهملة أي حملها على السير السريع (وإن كانت) أي المركوبة (دابة) وهي أعم من الناقة (حركها) جواب أن. (قال: أبو عبد الله) المؤلّف (زاد الحرث بن عمير) مصغرًا البصري مما وصله الإمام أحمد (عن حميد) الطويل أي عن أنس (حركها من حبها) الجار والمجرور يتعلق بقوله حركها أي حرك دابته بسبب حبه المدينة. وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد (قال: حدّثنا إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير المدني (عن حميد) الطويل (عن أنس) أنه (قال: جدرات) بضم الجيم والدال بغير تنوين كما في الفرع وغيره أي جدرات المدينة جمع جدر بضمتين جمع جدار وفي بعض النسخ جدرات بالتنوين. وقال القاضي عياض مما رأيته في المطالع؛ جدرات أشبه من دوحات ودرجات. وقال الحافظ ابن حجر: وهي أي جدرات رواية الترمذي من طريق إسماعيل بن جعفر أيضًا، وقد رواه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: جدران بسكون الدال وآخره نون جمع جدار. (تابعه) أي تابع إسماعيل (الحرث بن

стр. 1277

عمير) في قوله جدرات. ١٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] (باب) بيان سبب نزول (قول الله تعالى) (﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾) [البقرة: ١٨٩]. ١٨٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ "نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا، كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ ". [الحديث ١٨٠٣ - طرفه في: ٤٥١٢]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي (قال: سمعت البراء) بن عازب (﵁ يقول: نزلت هذه الآية فينا كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا) المدينة (لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها) بكسر قاف قبل وفتح الموحدة، وقد روى ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما عن جابر قال: كانت قريش تدعى الحمس وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من الأبواب الحديث. ورواه عبد بن حميد من مرسل قتادة كما قال البراء، وكذا أخرجه الطبري من مرسل الربيع بن أنس نحوه وهذا صريح في أن سائر العرب كانوا يفعلون ذلك كالأنصار إلا قريبًا. (فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه) بكسر القاف وفتح الموحدة والرجل هو قطبة بضم القاف وسكون المهملة وفتح الموحدة ابن عامر بن حديدة بمهملات بوزن كبيرة الأنصاري الخزرجي كما سمي في رواية جابر السابقة عند ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما، وقيل هو رفاعة بن تابوت والأول أولى، ويؤيده أن في مرسل الزهري عند الطبري: فدخل رجل من الأنصار من بني سلمة وقطبة من بني سلمة بخلاف رفاعة، وقد وقع في حديث ابن عباس عند ابن جرير أن القصة وقعت أوّل ما قدم النبي ﷺ المدينة وفي إسناده ضعف، وفي مرسل الزهري أنه وقع في عمرة الحديبية، وفي مرسل السدّي عند الطبري في حجة الوداع قال في الفتح: وكأنه أخذه من قوله: كانوا إذا حجوا، لكن وقع في رواية الطبري كانوا إذا أحرموا وهذا يتناولهما أي الحج والعمرة والأقرب ما قال الزهري. وقد بين الزهري السبب في صنيعهم ذلك فقال: كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء فكان الرجل إذا أهلّ فبدت له حاجة في بيته لم يدخل من الباب من أجل السقف أن يحول بينه وبين السماء. (فكأنّه عيّر بذلك) بضم العين المهملة مبنيًّا للمفعول أي بدخوله من قبل بابه وكانوا يعدّون إتيان البيوت من ظهورها برًا (فنزلت) أي الأية وهي قوله تعالى: (﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر﴾) برّ (﴿من اتقى﴾) أي المحارم والشهوات (﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾) [البقرة: ١٨٩] واتركوا سنة الجاهلية فليس في العدول برّ. ١٩ - باب السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ هذا (باب) بالتنوين (السفر قطعة) جزء (من العذاب). ١٨٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَىٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ: يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ». [الحديث ١٨٠٤ - طرفاه في: ٣٠٠١، ٥٤٢٩]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي المدني قال: (حدّثنا مالك) إمام الأئمة (عن سمي) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية مصغرًا القرشي المخزومي (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال): (السفر قطعة) جزء (من العذاب) بسبب الألم الناشئ عن المشقّة فيه لما يحصل في الركوب والمشي من ترك المألوف (يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه) بنصب الأربعة لأن منع يتعدى لمفعولين. الأول أحدكم، والثاني طعامه وشرابه عطف عليه ونومه إما على الأول أو على الثاني على الخلاف، والجملة استئنافية وهي في الحقيقة جواب عما يقال لم كان السفر قطعة من العذاب فقال: لأنه يمنع أحدكم وليس المراد بالمنع في المذكورات منع حقيقتها بل منع كمالها أي لذة طعامه الخ. وفي حديث أبي سعيد المقبري السفر قطعة من العذاب لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه، وللطبراني: لا يهنأ أحدكم نومه ولا طعامه ولا شرابه أو المراد يمنعه ذلك في الوقت الذي يريده لاشتغاله بالمسير ولما جلس إمام الحرمين موضع أبيه سئل لم كان السفر قطعة من العذاب، فأجاب على الفور لأن فيه فراق الأحباب ولا يعارض ما ذكر حديث ابن عباس وابن عمر ﵃ مرفوعًا: سافروا تغنموا وفي رواية: ترزقوا، ويروى: سافروا تصحوا لأنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة والغنيمة والرزق أن

стр. 1278

لا يكون قطعة من العذاب لما فيه من المشقة. (فإذا قضى) المسافر (نهمته) بفتح النون وإسكان الهاء أي رغبته وشهوته وحاجته (فليعجل) الرجوع (إلى أهله) زاد في حديث عائشة عند الحاكم فإنه أعظم لأجره. قال ابن عبد البر: وزاد فيه بعض الضعفاء عن مالك وليتخذ لأهله هدية وإن لم يجد إلا حجرًا يعني حجر الزناد قال: وهي زيادة منكرة. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الجهاد وفي الأطعمة ومسلم في المغازي والنسائي في السير. ٢٠ - باب الْمُسَافِرِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ يُعَجِّلُ إِلَى أَهْلِهِ (باب المسافر إذا جدّ به السير) قال ابن الأثير إذا اهتم به وأسرع فيه، يقال جدّ يجد ويجدّ بالضم والكسر وجد به الأمر وأجد وجد فيه وأجد إذا اجتهد وجواب إذا قوله (يعجل إلى أهله) بضم الياء وفتح العين وتشديد الجيم، وفي نسخة: تعجل بفتح المثناة الفوقية والجيم، وللكشميهني والنسفيّ كما في الفتح: ويعجل بالواو وجواب إذًا حينئذٍ محذوف أي ماذا يصنع. ١٨٠٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ "كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وَجَعٍ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ -جَمَعَ بَيْنَهُمَا- ثُمَّ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا". وبالسند قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) الجمحي قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر المدني كان يرسل (عن أبيه) أسلم وهو مخضرم مات سنة ثمانين وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة (قال: كنت مع عبد الله بن عمر ﵄ بطريق مكة فبلغه عن) زوجته (صفية بنت أبي عبيد) الثقفي والد المختار الكذاب الخارجي، وكان يزعم أن جبريل ﵊ يأتيه بالوحي (شدة وجع فأسرع السير) فيه تعدى أسرع إلى المفعول بنفسه فيرد على من اعترض على المؤلّف في قوله السابق باب: من أسرع ناقته بأنه إنما يتعدى بحرف الجر (حتى إذا كان بعد غروب الشفق نزل) عن دابته (فصلّى المغرب والعتمة جمع بينهما ثم قال): أي ابن عمر (إني رأيت النبي ﷺ إذا جد به السير أخر المغرب) إلى وقت العشاء (وجمع بينهما) جمع تأخير والجملة حالية أو استئنافية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٧ - أبواب المحصر (بسم الله الرحمن الرحيم). وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَقَالَ عَطَاءٌ: الإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ يَحْبِسُهُ. (باب) بيان أحكام (المحصر) بضم الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره راء، ولأبي ذر: أبواب بالجمع والمحصر الممنوع من الوقوف بعرفة أو الطواف بالبيت كالمعتمر الممنوع منه (و) أحكام (جزاء الصيد) الذي يتعرض إليه المحرم، (وقوله تعالى) بالرفع على الاستئناف أو الجر عطفًا على المحصر أي: وبيان المراد من قوله تعالى: (﴿فإن أحصرتم﴾) منعتم يقال: حصره العدوّ وأحصره إذا حبسه ومنعه عن المضي مثل صده وأصدّه (﴿فما استيسر من الهدي﴾) أي فعليكم ما استيسر أو فاهدوا ما استيسر، والمعنى: إن منعتم عن المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلل أن تتحللوا بذبح هدي يسر عليكم من بدنة أو بقرة أو شاة حيث أحصرتم عند الأكثر (﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾) [البقرة: ١٩٦] حيث يحل ذبحه حلاً كان أو حرامًا أو لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث به إلى الحرم بلغ محله أي مكانه الذي يجب أن ينحر فيه، وسقط في رواية أبي ذر قوله: ولا تحلقوا الخ. (وقال عطاء): هو ابن أبي رباح مما وصله ابن أبي شيبة (الإحصار من كل شيء بحسبه) والذي في اليونينية يحبسه بفتح التحتية وسكون المهملة وكسر الموحدة بعدها سين مهملة فلا يختص بمنع العدوّ فقط بل هو عام في كل حابس من عدوّ ومرض وغيرهما، وبه قال الحنفية ككثير من الصحابة وغيرهم، حتى أفتى ابن مسعود رجلاً لدغ بأنه محصر أخرجه ابن حزم بإسناد صحيح والطحاوي ولفظه عن علقمة قال: لدغ صاحب لنا وهو محرم بعمرة فذكرناه لابن مسعود فقال: يبعث بهدي ويواعد أصحابه موعدًا فإذا نحر عنه حل قالوا: وإذا قامت الدلالة على أن شرعيته للحابس مطلقًا استفيد جوازه لمن سرقت نفقته ولا يقدر على المشي. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا إحصار إلا بالعدوّ لأن الآية وردت لبيان حكم انحصاره ﵊ وأصحابه وكان بالعدوّ، وقال في سياق الآية: فإذا أمنتم فعلم

стр. 1279

أن شرعية الإحلال في العدوّ كانت لتحصيل الأمن منه وبالإحلال لا ينجو من المرض فلا يكون الإحصار بالمرض في معناه فلا يكون النص الوارد في العدو واردًا في المرض فلا يلحق به دلالة ولا قياسًا لأن شرعية التحلل قبل أداء الأفعال بعد الشروع في الإحرام على خلاف القياس فلا يقاس عليه. وفي الموطأ عن سالم عن أبيه قال: من حبس من دون البيت بمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت، وأحتج الحنفية بأن الإحصار هو المنع والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبأن إجماع أهل اللغة على أن مدلول لفظ الإحصار بالعمرة المنع الكائن بالمرض، والآية وردت بذلك اللفظ، وبحث فيه المحقق الكمال بن الهمام بأنه ظاهر في أن الإحصار خاص بالمرض والمحصر خاص بالعدوّ. ويحتمل أن يراد كون المنع بالمرض من ما صدقات الإحصار فإن أراد الأول ورد عليه كون الآية لبيان حكم الحادثة التي وقعت للرسول ﷺ وأصحابه ﵃، واحتاج إلى جواب صاحب الأسرار وصاحبه كون النص الوارد لبيان حكم حادثة قد ينتظمها لفظًا، وقد ينتظم غيرها مما يعرف بحكمها دلالة، وهذه الآية كذلك إذ يعلم منه حكم من العدو بطريق الأولى لأن منع العدو حسي لا يتمكن معه من المضي بخلافه في المرض إذ يمكن بالمحمل والمركب والخدم فإذا جاز التحلل مع هذا فمع ذلك أولى. وفي نهاية ابن الأثير يقال أحصره المرض أو السلطان إذا منعه من مقصده فهو محصر وحصره إذا حبسه فهو محصور، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] والمراد منعهم الاشتغال بالجهاد وهو أمر راجع إلى العدوّ أو المراد أهل الصفة منعهم تعلم القرآن أو شدة الحاجة والجهد عن الضرب في الأرض للتكسب وليس هو بالمرض اهـ. وزاد أبو ذر عن المستملي (قال أبو عبد الله): أي المؤلّف على عادته في ذكر تفسير ما يناسب ما هو بصدده (حصورًا) في قوله تعالى في يحيى بن زكريا ﴿وحصورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] معناه (لا يأتي النساء) وهو بمعنى محصور لأنه منع مما يكون من الرجال وقد ورد فعول بمعنى مفعول كثيرًا، وهذا التفسير نقله الطبري عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وليس المراد أنه لا يأتي النساء لأنه كان هيوبًا لهن أو لما ذكر له لأن هذه نقيصة لا تليق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل معناه أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات والملاهي، روي أنه مرّ في صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت. ١ م - باب إِذَا أُحْصِرَ الْمُعْتَمِرُ هذا (باب) بالتنوين (إذا أحصر المعتمر). ١٨٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ قَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْتُ كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ". وبالسند قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام الأئمة (عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ حين خرج) أي أراد أن يخرج (إلى مكة معتمرًا في الفتنة) حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير، ولا تنافي بين قوله معتمرًا وبين قوله في رواية الموطأ خرج إلى مكة يريد الحج فإنه خرج أوّلاً يريد الحج فلما ذكروا له أمر الفتنة أحرم بالعمرة ثم قال: ما شأنها إلا واحد فأضاف إليها الحج فصار قارنًا. (قال) جوابًا لقولهم: إنّا نخاف أن يحال بينك وبين البيت بسبب الفتنة (إن صددت) بضم الصاد مبنيًا للمفعول أي إن منعت (عن البيت صنعت) ولأبي الوقت: صنعنا (كما صنعنا مع رسول الله ﷺ ¬) حين صدّه المشركون عن البيت في الحديبية فإنه تحلل من العمرة ونحر وحلق (فأهلّ) أي فرفع ابن عمر صوته بالإهلال والتلبية (بعمرة) زاد في رواية جويرية: من ذي الحليفة، وفي روّاية أيوب الماضية: فيهل بالعمرة من الدار أي النزل الذي نزله بذي الحليفة أو المراد التي بالمدينة فيكون أهلّ بالعمرة من داخل بيته ثم أظهرها بعد أن استقر بذي الحليفة (من أجل أن رسول الله ﷺ كان أهل بعمرة عام الحديبية) سنة ست. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي، ومسلم في الحج. ١٨٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ لَيَالِيَ نَزَلَ الْجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. فَقَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ. وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْعُمْرَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنْطَلِقُ، فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَيْتِ طُفْتُ، وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ. فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا شَأْنُهُمَا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي. فَلَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَهْدَى، وَكَانَ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد بن أسماء) بن عبيد الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة البصري قال: (حدّثنا جويرية) تصغير جارية ابن أسماء بن عبيد الضبعي وهو عم عبد الله بن محمد الراوي عنه (عن نافع) مولى ابن عمر (أن عبيد الله بن عبد الله) بتصغير عبد الأوّل ابن عمر بن الخطاب العدوي المدني

стр. 1280

(و) شقيقه (سالم بن عبد الله) بن عمر (أخبراه) ضمير المفعول لنافع (أنهما كلّما) أباهما (عبد الله بن عمر ﵄ ليالي نزل الجيش) القادمون مع الحجاج من الشام لمكة (بابن الزبير) لمقاتلته وهو بها (فقالا) لأبيهما: (لا يضرك أن لا تحج العام إنا) ولغير أبي الوقت: وإنا (نخاف أن يحال بينك وبين البيت فقال) ابن عمر: (خرجنا مع رسول الله ﷺ ¬) من المدينة حتى بلغنا الحديبية (فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي ﷺ هديه وحلق رأسه) فحل من عمرته، (وأشهدكم أي قد أوجبت العمرة) على نفسي، ولأبوي ذر والوقت: عمرة بالتنكير، والظاهر أنه أراد تعليم غيره وإلا فليس التلفظ شرطًا وقوله (إن شاء الله) شرط وجزاؤه قوله (أنطلق) إلى مكة أو إن شاء الله تعالى يتعلق بإيجابه العمرة وقصد به التبرك لا التعليق لأنه كان جازمًا بالإحرام بقرينة الإشهاد، (فإن خلي بيني وبين البيت) بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام المكسورة (طفت) به وأكملت النسك، (وإن حيل بيني وبينه) بكسر الحاء المهملة وسكون التحتية أي منعت من الوصول إليه لأطوف له (فعلت كما فعل النبي ﷺ وأنا معه) من التحلل من العمرة وبالنحر والحلق (فأهلّ) أي ابن عمر (بالعمرة من ذي الحليفة) ميقات المدينة (ثم سار ساعة ثم قال): (إنما شأنهما) أي الحج والعمرة (واحد) في جواز التحلل منهما بالإحصار (أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي فلم يحل منهما حتى حلّ يوم النحر وأهدى) بنصب يوم على الظرفية ولأبي ذر: حتى دخل من الدخول يوم بالرفع على الفاعلية (وكان يقول): (لا يحل حتى يطوف طوافًا واحدًا يوم يدخل مكة) أي فإن القارن لا يحتاج لطوافين خلافًا للحنفية كما مرّ. ١٨٠٨ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ: "أَنَّ بَعْضَ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَهُ: لَوْ أَقَمْتَ بِهَذَا". وبه قال (حدّثنا) ولغير أبي الوقت: حدثني (موسى بن إسماعيل) التبوذكي المنقري قال: (حدّثنا جويرية) ابن أسماء (عن نافع أن بعض بني عبد الله) بن عمر بن الخطاب إما عبد الله أو عبيد الله أو سالم (قال: له) أي قال لأبيه عبد الله بن عمر لما أراد أن يعتمر في عام نزول الحجاج على ابن الزبير (لو أقمت بهذا) المكان أو في هذا العام لكان خيرًا أو نحوه أو أن (لو) للتمني فلا يحتاج إلى جواب، وإنما اقتصر في رواية موسى هذه هنا على الإسناد لنكتة ذكرها الحافظ ابن حجر وهي: أن قوله في الحديث الأوّل عن نافع أن عبد الله بن عمر حين خرج إلى مكة معتمرًا في الفتنة يشعر بأنه عن نافع عن ابن عمر بغير وساطة، لكن رواية جويرية التالية له تقتضي أن نافعًا حمل ذلك عن سالم وشقيقه عبيد الله عن أبيهما هكذا. قال البخاري عن عبد الله بن محمد ابن أسماء ووافقه الحسن بن سفيان وأبو يعلى كلاهما عن عبد الله أخرجه الإسماعيلي عنهما، وتابعهم معاذ بن المثنى عن عبد الله بن محمد ابن أسماء أخرجه البيهقي، وقد عقب رواية عبد الله برواية موسى لينبه على الاختلاف في ذلك قال الحافظ: والذي يترجح عندي أن ابني عبد الله أخبرًا نافعًا بما كلما به أباهما وأشار عليه به من التأخير ذلك العام. وأما بقية القصة فشاهدها نافع وسمعها من ابن عمر لملازمته إياه فالمقصود من الحديث موصول وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئًا من ذلك من ابن عمر فقد عرف الواسطة بينهما وهي ولدا عبد الله سالم وأخوه وهما ثقتان لا يطعن فيهما اهـ. ١٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: "قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلاً". وبه قال: (حدّثنا محمد) غير منسوب قال الحاكم هو الهذلي، وقال أبو مسعود الدمشقي هو محمد بن مسلم بن وارة وقال الكلاباذي قال لي السرخسي هو أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي ذكر أنه وجده في أصل عتيق قال: (حدّثنا يحيى بن صالح) الحمصي قال: (حدّثنا معاوية بن سلام) بتشديد اللام الحبشي قال: (حدّثنا يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن عكرمة) مولى ابن عباس (قال: قال ابن عباس ﵄) ولأبي الوقت: فقال بفاء العطف على محذوف ثبت في كتاب الصحابة لابن السكن كما نبه عليه الحافظ ابن حجر وقال: إنه لم ينبه عليه من الشراح غيره ولفظه عن عكرمة قال: قال عبد الله بن رافع مولى أم

стр. 1281

سلمة سألت الحجاج بن عمرو الأنصاري عمن حبس وهو محرم قال: قال رسول الله ﷺ : "من عرج أو كسر أو حبس فليجزي مثلها وهو في حل" قال فحدثت به أبا هريرة فقال: صدق وحدثته ابن عباس فقال: (قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه حتى) ولأبي ذر عن المستملي: ثم: (اعتمر عامًا قابلاً) عامًا نصب على الظرفية وقابلاً صفته. والسبب في حذف البخاري ما ذكر أن الزائد ليس على شرطه لأنه قد اختلف في حديث الحجاج بن عمرو وعن يحيى بن أبي كثير مع كون عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري فاقتصر على ما هو من شرط كتابه. وبهذا الحديث تمسك من قال لا فرق بين الإحصار بالعدوّ وبغيره. ٢ - باب الإِحْصَارِ فِي الْحَجِّ (باب الإحصار في الحج). ١٨١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: "أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلاً فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا". وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ … نَحْوَهُ. وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن محمد) المعروف بمردويه السمسار المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم) هو ابن عبد الله بن عمر (قال: كان ابن عمر ﵄ يقول): (أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ ¬) بنصب سنة في اليونينة خبر ليس واسمها حسبكم أو الجملة الشرطية وهي قوله (إن حبس أحدكم عن الحج) بأن منع عن الوقوف بعرفة (طاف بالبيت وبالصفا والمروة) أي إذا أمكنه ذلك تفسير للسنة وهل لها حينئذٍ محل أو لا قولان. وقال القاضي عياض: بالنصب على الاختصاص أو على إضمار فعل أي تمسكوا ونحوه، وقال السهيلي: من نصب سنة فالكلام أمر بعد أمر كأنه قال: الزموا سنة نبيكم كما قال: يا أيها المائح دلوي دونك فدلوي منصوب عندهم بإضمار فعل أمر ودونك أمر آخر (ثم حل من كل شيء) حرم عليه (حتى يحج عاما قابلاً) نصب على الظرفية والصفة (فيهدي) بذبح شاة إذ التحلل لا يحصل إلا بنية التحلل والذبح والحلق (أو يصوم إن لم يجد هديًا) حيث شاء ويتوقف تحلله على الإطعام كتوقفه على الذبح لا على الصوم لأنه يطول زمنه فتعظم المشقّة في الصبر على الإحرام إلى فراغه. (وعن عبد الله) بن المبارك بالسند السابق: (قال: أخبرنا معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين ساكنة، والظاهر أن ابن المبارك كان يحدث به تارة عن يونس وتارة عن معمر (عن الزهري) محمد بن مسلم (قال: حدثني) بالإفراد (سالم عن) أبيه (ابن عمر نحوه). وقد أخرجه الترمذي عن أبي كريب عن ابن المبارك عن معمر ولفظه: كان ينكر الاشتراط ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم. وأخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن عبد الرزاق بتمامه، وكذا أخرجه النسائي. وأما إنكار ابن عمر الاشتراط فثابت في رواية يونس أيضًا إلا أنه حذف في رواية البخاري هذه فأخرجه البيهقي من طريق السراج عن أبي كريب عن ابن المبارك عن يونس. وقرأت في كتاب معرفة السنن والآثار له ما لفظه قال أحمد: ابن شهاب إنما يرويه في رواية يونس بن يزيد عنه عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه كان ينكر الاشتراط في الحج، ولو بلغه حديث رسول الله ﷺ في ضباعة بنت الزبير لم ينكره اهـ. وحديث ضباعة أخرجه الشافعي عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ مرّ بضباعة بنت الزبير فقال: "أما تريدين الحج" فقالت: إني شاكية فقال لها: "حجي واشترطى أن محلي حيث حبستني" وأخرجه البخاري في النكاح. وقول الأصيلي فيما حكاه عياض عنه لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، تعقبه النووي بأن الذي قاله غلط فاحش لأن الحديث مشهور صحيح من طرق متعددة وهذا مذهب الشافعية، وقيس بالحج العمرة فإذا شرطه بلا هدي لم يلزمه هدي عملاً بشرطه، وكذا لو أطلق لعدم الشرط ولظاهر حديث ضباعة فالتحلل فيهما يكون بالنية فقط فإن شرطه بهدي لزمه عملاً بشرطه، ولو قال: إن مرضت فأنا حلال فمرض صار حلالاً بالمرض من غير نيّة، وعليه حملوا حديث من كسر أو عرج فقد حلّ وعليه الحج من قابل رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح، وأن شرط قلب الحج عمرة بالمرض أو نحوه جاز كما لو شرط التحلل به بل أولى، ولقول عمر

стр. 1282

لأبي أمية سويد بن غفلة: حج واشترط وقل اللهم الحج أردت وله عمدت فإن تيسر وإلا فعمرة رواه البيهقي بإسناد حسن، ولقول عائشة لعروة هل تستثني إذا حججت فقال: ماذا أقول؟ قالت: قل اللهم الحج أَردت وله عمدت فإن يسرته فهو الحج وإن حبسني حابس فهو عمرة رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح على شرط الشيخين فله في ذلك إذا وجد العذر أن يقلب حجه عمرة وتجزئه عن عمرة الإسلام ولو شرط أن يقلب حجه عمرة عند العذر فوجد العذر انقلب حجه عمرة وأجزأته عن عمرة الإسلام كما صرح به البلقيني بخلاف عمرة التحلل في الإحصار لا تجزئ عن عمرة الإسلام لأنها في الحقيقة ليمست عمرة وإنما هي أعمال عمرة. ٣ - باب النَّحْرِ قَبْلَ الْحَلْقِ فِي الْحَصْرِ (باب النحر قبل الحلق في الحصر). ١٨١١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ". وبالسند قال (حدّثنا محمود) هو ابن غيلان المروزي العدوي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن المسور) بكسر الميم وفتح الواو بينهما سين مهملة ساكنة ابن مخرمة بن نوفل القرشي الزهري له ولأبيه صحبة (﵁) وعن أبيه (أن رسول الله ﷺ نحر) الهدي بالحديبية (قبل أن يحلق وأمر أصحابه) الذين كانوا معه (بذلك). قال: في الفتح: ولم يتعرض المصنف لما يجب على من حلق قبل أن ينحر، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: عليه دم قال إبراهيم: حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله. فإن قلت: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] يقتضي تأخر الحلق عن النحر فكيف يكون متقدمًا. أجيب: بأن ذلك في غير الإحصار أما نحر هدي المحصر فحيث أحصر وهناك قد بلغ محله فقد ثبت أنه ﵊ تحلل بالحديبية ونحر بها بعد الحلق وهي من الحل لا من الحرم. وفي الحديث أن المحصر إذا أراد التحلل يلزمه دم يذبحه وقال المالكية: لا هدي عليه إذا تحلل وهو مذهب ابن القاسم. وأجاب عن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] بأن أحصر الرباعي في المحصر بالمرض وحصر الثلاثي في الحصر بالعدوّ قال القاضي: ونقل بعض أئمة اللغة يساعدهم اهـ. والحديث حجة عليهم لأنه نقل فيه حكم وسبب فالسبب المحصر والحكم النحر فاقتضى الظاهر تعلق الحكم بذلك السبب قاله التيمي، وأما أحصر وحصر فسبق البحث فيهما قريبًا. ١٨١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيِّ. قَالَ: وَحَدَّثَ نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَسَالِمًا كَلَّمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُعْتَمِرِينَ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُدْنَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ". وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر وابن عساكر: حدثني بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) صاعقة قال: (أخبرنا أبو بدر شجاع بن الوليد) بن قيس الكوفي (عن عمر بن محمد) هو عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب نزيل عسقلان المتوفى قبل سنة خمسين ومائة (العمري قال: وحدث نافع) بن عبد الله المدني مولى ابن عمر بن الخطاب (أن عبد الله) بن عبد الله بن عمر (و) أخاه (سالمًا كلما) أباهما (عبد الله بن عمر ﵄) ليالي نزل الجيش بابن الزبير بمكة فقالا: لا يضرك أن تحج العام وإنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت (فقال) (خرجنا مع النبي ﷺ ¬) إلى ذي الحليفة (معتمرين) بكسر الراء (فحال كفار قريش دون البيت فنحر رسول الله ﷺ بدنه) بضم الموحدة وسكون الدال (وحلق رأسه) فتحلل. ٤ - باب مَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بَدَلٌ وَقَالَ رَوْحٌ عَنْ شِبْلٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّمَا الْبَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَلَا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ، وَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ فِي أَىِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْهَدْيُ إِلَى الْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلَا يَعُودُوا لَهُ. وَالْحُدَيْبِيَةُ خَارِجٌ مِنَ الْحَرَمِ. (باب من قال: ليس على المحصر بدل) أي قضاء لما أحصر فيه من حج أو عمرة (وقال: روح) بفتح الراء وسكون الواو آخره مهملة ابن عبادة بضم العين وتخفيف الموحدة مما وصله إسحاق بن راهويه في تفسيره (عن شبل) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة ابن عباد بفتح العين وتشديد الموحدة المكي من صغار التابعين وثقه أحمد وابن معين والدارقطني وأبو داود وزاد: كان يُرمى بالقدر وله في البخاري حديثان (عن ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم عبد الله (عن مجاهد عن ابن عباس ﵄) موقوفًا (إنما البدل) أي القضاء (على من نقض) بالضاد المعجمة ولأبي ذر: نقص بالصاد المهملة (حجه بالتلذذ) بمعجمتين أي بالجماع (فأما من حبسه عذر) بضم

стр. 1283

العين وسكون الذال المعجمة وهو ما يطرأ على المكلف يقتضي التسهيل قال البرماوي كالكرماني ولعله المراد به هنا نوع منه كالمرض ليصح عطف (أو غير ذلك) عليه أي من مرض أو نفاد نفقة ولأبي ذر: حبسه عدوّ من العداوة (فإنه يحل) من إحرامه (ولا يرجع) أي لا يقضي وهذا في النفل. أما الفرض فإنه ثابت في ذمته فيرجع لأجله في سنة أخرى، والفرق بين حج النفل الذي يفسد بالجماع الواجب قضاؤه وبين النفل الذي يفوت عنه بسبب الإحصار التقصير وعدمه وقال الحنفية: إذا تحلل لزمه القضاء سواء كان فرضًا أو نفلاً (وإذا كان معه هدي وهو محصر نحره) حيث أحصر من حل أو حرم (إن كان لا يستطيع أن يبعث) زاد في رواية أبوي ذر والوقت: به أي بالهدي إلى الحرم (وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله) يوم النحر وقال أبو حنيفة: لا يذبحه إلا في الحرم لأن دم الإحصار قربة والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان فلا تقع قربة دونه فلا يقع به التحلل وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فإن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم. (وقال: مالك) إمام الأئمة (وغيره ينحر هديه ويحلق) رأسه (في أي موضع) ولابن عساكر: في المواضع (كان) الحصر وهو مذهب الشافعية فلا يلزمه إذا أحصر في الحل أن يبعث به إلى الحرم (ولا قضاء عليه لأن النبي ﷺ وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلّوا من كل شيء) من محظورات الإحرام (قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت) أي: ولا طواف ولا وصول هدي إلى البيت (ثم لم يذكر) بضم أوّله وفتح الكاف مبنيًا للمفعول (أن النبي " ﷺ " أمر أحدًا) من أصحابه ممن كان معه (أن يقضوا شيئًا ولا يعودوا له) وكلمة "لا" زائدة كهي في قوله: ما منعك أن لا تسجد (والحديبية خارج من الحرم) وهذا يشبه ما قرأته في كتاب المعرفة للبيهقي عن الشافعي وعبارته قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا ﴿رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: فلم أسمع ممن حفظت عنه من أهل العلم بالتفسير مخالفًا في أن الآية نزلت بالحديبية حين أحصر النبي ﷺ فحال المشركون بينه وبين البيت، وأن النبي ﷺ نحر بالحديبية وحلق ورجع حلالاً ولم يصل إلى البيت ولا أصحابه إلا عثمان بن عفان وحده، ثم قال: ونحر رسول الله ﷺ في الحل، وقيل نحر في الحرم قال الشافعي: وإنما ذهبنا إلى أنه نحر في الحل وبعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم لأن الله تعالى يقول: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] والحرم كله محله عند أهل العلم. قال الشافعي: فحيثما أحصر ذبح شاة وحل قال الشافعي: فيمن أحصر بعدوّ لا قضاء عليه فإن كان لم يحج حجة الإسلام فعليه حجة الإسلام من قبل قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ولم يذكر قضاء قال الشافعي: والذي أعقل من أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت من ظاهر الآية، وذلك أنا قد علمنا في متواطئ أحاديثهم أنه قد كان مع رسول الله ﷺ عام الحديبية رجال معروفون بأسمائهم، ثم اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضية وتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال علمته، ولو لزمهم القضاء لأمر رسول الله ﷺ إن شاء الله بأن لا يتخلفوا عنه. ١٨١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ: "إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ -ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلاَّ وَاحِدٌ. فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلاَّ وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا. وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ، وَأَهْدَى". وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: حين خرج) أي حين أراد أن يخرج (إلى مكة معتمرًا في الفتنة) حين نزول الحجاج لقتال ابن الزبير (إن صددت) أي منعت (عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ فأهلّ) أي فرفع ابن عمر صوته بالإهلال (بعمرة) من ذي الحليفة أو من المدينهّ وأظهرها بذي الحليفة (من أجل أن النبي ﷺ كان أهلّ بعمرة عام الحديبية ثم إن

стр. 1284

عبد الله بن عمر نظر في أمره فقال: ما أمرهما) أي الحج والعمرة في جواز التحلل منهما بالإحصار (إلا واحد فالتفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة ثم طاف لهما طوافًا واحدًا ورأى أن ذلك مجزيًا عنه وأهدى) بضم الميم وسكون الجيم وكسر الزاي بغير همزة في اليونينية وكشطها في الفرع وأبقى الياء صورتها منصوبًا على أن أنّ تنصب الجزأين أو خبر كان محذوفة أي ورأى أن ذلك يكون مجزيًا عنه، ولأبي ذر: مجزئ بالهمزة والرفع خبر أن. وقوله في الفتح: والذي عندي أن النصب من خطأ الكاتب فإن أصحاب الموطأ اتفقوا على روايته بالرفع على الصواب، تعقبه في عمدة القاري بأنه إنما يكون خطأ لو لم يكن له وجه في العربية واتفاق أصحاب الموطأ على الرفع لا يستلزم كون النصب خطأ على أن دعوى اتفاقهم على الرفع لا دليل عليه، والإجزاء هو الأداء الكافي لسقوط التعبد، ووجه ذكر حديث ابن عمر في هذا الباب شهرة قصة صد المشركين للنبي ﷺ وأصحابه ﵃ بالحديبية وأنهم لم يؤمروا بالقضاء في ذلك. وهذا الحديث سبق في باب إذا أحصر المعتمر قريبًا. ٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهُوَ مُخَيَّرٌ، فَأَمَّا الصَّوْمُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ (باب) تفسير (قول الله تعالى) (﴿فمن كان منكم مريضًا﴾) مرضًا يحوجه إلى الحلق (﴿أو به أذى من رأسه﴾) كجراحة وقمل (﴿ففدية﴾) فعليه فدية إن حلق (﴿من صيام أو صدقة أو نسك﴾) [البقرة: ١٩٦] بيان لجنس الفدية وأما قدرها فيأتي إن شاء الله تعالى بيانه قريبًا في حديث الباب (وهو) أي المريض ومن به أذى من رأسه (مخير) بين الثلاثة الأشياء المذكورة في الآية (فأما الصوم فثلاثة أيام) كما في الحديث مع الأخيرين. ١٨١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ". [الحديث ١٨١٤ - أطرافه في: ١٨١٥، ١٨١٦، ١٨١٧، ١٨١٨، ٤١٥٩، ٤١٩٠، ٤١٩١، ٤٥١٧، ٥٦٦٥، ٥٧٠٣، ٦٧٠٨]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن حميد بن قيس) المكي الأعرج القاري قال عبد الله بن حنبل: عن أبيه ليس بالقوي، ووثقه أحمد من رواية أبي طالب عنه، وكذا ابن معين وابن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وأبو داود والنسائي وغيرهم (عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة) بضم العين وسكون الجيم وفتح الراء ابن أمية البلوي حليف الأنصار شهد الحديبية ونزلت فيه قصة الفدية. وأخرج ابن سعد بسند جيد عن ثابت بن عبيد أن يد كعب قطعت في بعض المغازي ثم سكن الكوفة. وتوفي بالمدينة سنة إحدى وخمسين، وله في البخاري حديثان (﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال) له وهو محرم معه بالحديبية والقمل يتناثر على وجهه: (لعلك آذاك هوامك) بتشديد الميم جمع هامة بتشديدها وهي الدابة، والمراد بها هنا القمل كما في كثير من الروايات (قال: نعم يا رسول الله) آذاني (فقال رسول الله ﷺ : احلق رأسك) بكسر اللام والمراد الإزالة وهي أعم من أن تكون بالموسى أو مقص أو النورة (وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين) وفي الرواية الآتية إن شاء الله تعالى في الباب التالي: أو تصدق بفرق بين سنة فبين قدر الإطعام (أو انسك بشاة) أي تقرب بشاة، ولأبي ذر عن الكشميهني: أو انسك شاة بغير موحدة أي اذبح شاة وهذا دم تخيير استفيد من التعبير بأو المكررة. قال ابن عباس ﵄: ما كان في القرآن أو فصاحبه بالخيار. وفي حديث أبي داود من طريق الشعبي عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن النبي ﷺ قال له: "إن شئت فانسك نسيكة وإن شئت فصم ثلاثة أيام وإن شئت فاطعم" الحديث. وفي الموطأ: أي ذلك فعلت أجرأ. ٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهْيَ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ (باب) تفسير الصدقة المذكورة في (قول الله تعالى) (﴿أو صدقة﴾) [البقرة: ١٩٦] لأنها مبهمة فسرها بقوله (وهي إطعام ستة مساكين). ١٨١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سَيْفٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: "وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلاً، فَقَالَ: يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاحْلِقْ رَأْسَكَ -أَوْ قَالَ: احْلِقْ- قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ إِلَى آخِرِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سيف) هو ابن سليمان المكي (قال: حدثني) بالإفراد (مجاهد) المفسر (قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى أن كعب بن عجرة) ﵁ (حدثه قال): (وقف عليّ رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً) أي يتساقط شيئًا فشيئًا، والجملة حالية وانتصاب قملاً على التمييز

стр. 1285

وفي رواية أيوب عن مجاهد في المغازي: أتى عليّ رسول الله ﷺ وأنا أوقد تحت برمة والقمل يتناثر على رأسي، زاد في رواية ابن عون عن مجاهد في الكفارات فقال: ادن فدنوت، ولأحمد من وجه آخر في هذه الطريق وقع القمل في رأسي ولحيتي حتى حاجبي وشاربي فأرسل إليّ النبي ﷺ فقال: (لقد أصابك بلاء) ولأبي داود: أصابني هوام حتى تخوّفت على بصري، وفي رواية أبي وائل عن كعب عند الطبري: فحك رأسي بأصبعه فانتثر منه القمل. زاد الطبراني من طريق الحجم أن هذا لأذى قلت شديد يا رسول الله، ولابن خزيمة رآه وقمله يسقط على وجهه (فقال): (يؤذيك هوامك) بحذف همزة الاستفهام (قلت نعم) يا رسول الله (قال): (فاحلق رأسك) -أو قال- (احلق) بحذف المفعول وهو شك من الراوي (قال): أي كعب (فيّ نزلت) هذه الآية (﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه﴾) [البقرة: ١٩٦] إلى آخرها، (فقال النبي ﷺ ¬) (صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق) بفتح الفاء والراء وقد تسكن قاله: ابن فارس وقال الأزهري: بالفتح في كلام العرب والمحدثون يسكنونه، والمنقول جواز كل منهما، والذي في اليونينية: الفتح وهو مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلاً (بين ستة) من المساكين (أو انسك) بصيغة الأمر وللأربعة أو نسك (بما) بالموحدة قبل ما ولأبوي ذر والوقت مما (تيسر) من أنواع الهدي. ٧ - باب الإِطْعَامُ فِي الْفِدْيَةِ نِصْفُ صَاعٍ (باب الإِطعام) بالجر على الإضافة ولأبي ذر: بالتنوين الإطعام (في الفدية) المذكورة والإطعام بالرفع مبتدأ خبره (نصف صاع) أي لكل مسكين. ١٨١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبِهَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: "جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفِدْيَةِ، فَقَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً. حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى. أَوْ مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى. تَجِدُ شَاةً؟ فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الرحمن بن الأصبهاني) بفتح الهمزة والموحدة ويجوز كسر الهمزة وإبدال الموحدة فاء وهو عبد الرحمن بن عبد الله (عن عبد الله بن معقل) بفتح الميم وكسر القاف بينهما مهملة ساكنة ابن مقرن بفتح القاف وكسر الراء المشددة التابعي الكوفي وليس له في البخاري إلا هذا الحديث وآخر (قال: جلست إلى كعب بن عجرة ﵁) أي انتهى جلوسي إليه، وفي رواية مسلم من طريق غندر عن شعبة: وهو في المسجد، وفي رواية أح مد عن بهز: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد، وزاد في رواية سليمان بن قرم عن ابن الأصبهاني يعني مسجد الكوفة (فسألته عن الفدية) المذكورة في قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام﴾ (فقال: نزلت) أي الآية المرخصة لحلق الرأس (في) بكسر الفاء وتشديد الياء (خاصة وهي لكم عامة) فيه دليل على أن العام إذا ورد على سبب خاص فهو على عمومه لا يخص السبب، ويدل عليه أيضًا على تأكده من السبب حيث لا يسوغ إخراجه بالتخصيص ولهذا قال: نزلت فيّ خاصة (حُملت) بضم الحاء المهملة وكسر الميم المخففة مبنيًّا للمفعول (إلى رسول الله ﷺ والقمل بتناثر على وجهي) جملة حالية (فقال) ﵊: (ما كنت أرى) بضم الهمزة أي ما كنت أظن (الوجع بلغ بك ما أرى) بفتح الهمزة أي أبصر بعيني (أو ما كنت أرى) بضم الهمزة أي أظن (الجهد بلغ بك ما أرى) بفتح الجيم أي المشقّة. وقال النووي كعياض عن ابن دريد ضم الجيم لغة في المشقّة أيضًا. وقال صاحب العين: بالضم الطاقة وبالفتح المشقّة وحينئذٍ يتعين الفتح هنا بخلاف قوله في حديث بدء الوحي الماضي حتى بلغ مني الجهد فإنه محتمل للمعنيين كما سبق والشك من الراوي هل قال: الوجع أو الجهد، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يبلغ بصيغة المضارع ثم قال ﵊ لكعب: (تجد) أي هل تجد (شاة) قال كعب: (فقلت لا) أجد (فقال) بفاء قبل القاف ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر قال: (فصم ثلاثة أيام) بيان لقوله تعالى أو صيام (أو أطعم ستة مساكين) بكسر العين وهو بيان لقوله أو صدقة (لكل مسكين نصف صاع) بنصب نصف. زاد مسلم: نصف صاع كررها مرتين، والصاع أربعة أمداد والمد رطل وثلث فهو موافق لرواية الفرق الذي هو ستة عشر رطلاً،

стр. 1286

وللطبراني عن أحمد الخزاعي عن أبي الوليد شيخ البخاري: فيه لكل مسكين نصف صاع تمر، ولأحمد عن بهز عن شعبة نصف صاع طعام، ولبشر بن عمر عن شعبة نصف صاع حنطة. ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى تقتضي أنه نصف صاع من زبيب. قال الحافظ ابن حجر: المحفوظ عن شعبة نصف صاع من طعام والاختلاف عليه في كونه تمرًا أو حنطة لعله من تصرفات الرواة، وأما الزبيب فلم أره إلا في رواية الحكم وقد أخرجها أبو داود وفي إسنادها ابن إسحاق وهو حجة في المغازي لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة ولم يختلف فيه على أبي قلابة وعرف بذلك قوة قول من قال: لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة وأن الواجب ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع اهـ. واستشكل قوله: تجد شاة؟ فقلت: لا. فقال: فصم ثلاثة أيام لأن الفاء تدل على الترتيب والآية وردت للتخيير. وأجيب بأن التمييز إنما يكون عند وجود الشاة وأما عند عدمها فالتخيير بين أمرين لا بين الثلاثة. وقال النووي: ليس المراد أن يصوم لا يجزئ إلا لعادم الهدي بل هو محمول على أنه سأل عن النسك، فإن وجده أخبره بأنه مخير بين الثلاث وإن عدمه فهو مخير بين اثنين. ٨ - باب النُّسُكُ شَاةٌ هذا (باب) بالتنوين (النسك) المذكور في قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦] (شاة) وأما ما رواه أبو داود والطبراني وعبد بن حميد وسعيد بن منصور من طرق تدور على نافع أن كعبًا لما أصابه الأذى فحلق فأهدى بقرة فاختلف على نافع في الواسطة الذي بينه وبين كعب، وقد عارضه ما هو أصح منه من أن الهدي الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة بل قال الحافظ زين الدين العراقي: لفظ البقرة منكر شاذ. ١٨١٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ القملُ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ". وبالسند قال: (حدّثنا إسحاقُ) هو ابن راهويه كما جزم به أبو نعيم قال: (حدثنا روح) هو ابن عبادة قال: (حدّثنا شبل) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة بن عباد المكي (عن ابن أبي نجيح) عبد الله المكي (عن مجاهد قال: حدثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ رآه وأنه) وفي نسخة ودوابه (يسقط على وجهه) أي القمل فالفاعل محذوف وضمير النصب من قوله رآه عائد على كعب ومن أنه عائد على القمل، وكذا ضمير الرفع المستتر في قوله: يسقط عائد أيضًا على القمل، والضمير من وجهه عائد على كعب والواو للحال. قال الحافط ابن حجر: ولابن السكن وأبي ذر. ليسقط بزيادة لام (فقال): (أيؤذيك هوامك؟ قال: نعم فأمره) ﵊ (أن يحلق) رأسه (وهو بالحديبية ولم يتبين لهم) أي لم يظهر لمن كان معه ﵊ في ذلك الوقت (أنهم يحلون) من إحرامهم (بها) أي بالحديبية. (وهم) أي الرسول ﷺ ومن معه ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني: هو أي الرسول ﵊ (على طمع أن يدخلوا مكة) وهذه الزيادة ذكرها الراوي لبيان أن الحلق كان محظور بسبب الأذى لا لقصد التحلل بالحصر وهو ظاهر، (فأنزل الله) (الفدية) المتعلقة بالحلق للأذى في قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه﴾ الآية (فأمره) أي كعبًا (رسول الله ﷺ أن يطعم فرقًا) بفتح الراء والمحدثون يسكنونها وهو ستة عشر رطلاً (بين ستة) من المساكين (أو يهدي شاة) بضم أوله منصوبًا عطفًا على أن يطعم (أو يصوم ثلاثة أيام) بالنصب عطفًا على سابقه. ١٨١٨ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ". مِثْلَهُ. (وعن محمد بن يوسف) الفريابي وهو عطف على قوله: حدّثنا روح فيكون إسحاق رواه عن روح بإسناده وعن محمد بن يوسف قال: (حدّثنا ورقاء) بن عمر بن كليب اليشكري (عن ابن أبي نجيح) عبد الله (عن مجاهد قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت: حدثني من التحديث بالإفراد (عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ رآه وقمله يسقط على وجهه مثله) بالنصب أي مثل الحديث المذكور، والواو في قوله وقمله للحال. وفي الحديث أن

стр. 1287

السنة مبينة لمجمل القرآن لإطلاق الفدية فيه وتقييدها بالسنة وتحريم حلق الرأس على المحرم والرخصة له في حلقها إذا آذاه القمل أو غيره من الأوجاع. واستنبط منه بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر فإن إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثم قال الشافعي: لا يتخير العامد بل يلزمه الدم. ٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] (باب قول الله تعالى: (﴿فلا رفث﴾). ١٨١٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». وبالسند قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمان مولى عزة الأشجعية، ولغير أبي الوقت: سمعت أبا حازم وفيه تصريح منصور بسماعه له من أبي حازم في رواية شعبة، وقد انتفى بذلك تعليل من أعله بالاختلاف على منصور لأن البيهقي أورده من طريق إبراهيم بن طهمان عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي حازم زاد فيه رجلاً، فإن كان إبراهيم حفظه فلعله حمله عن هلال ثم لقي أبا حازم فسمعه منه فحدث به على الوجهين، وصرح أبو حازم بسماعه له من أبي هريرة كما تقدم في أوائل الحج من طريق شعبة عن سيار عن أبي حازم (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (من حج) أي قصد (هذا البيت) الحرام لحج أو عمرة، ولمسلم، من أتى هذا البيت لحاضر فالظاهر أنه ﵊ قاله: وهو بمكة (فلم يرفث) بتثليث الفاء والضم المشهور في الرواية واللغة وبالفتح الاسم وبالسكون المصدر والمعنى فلم يجامع أو لم يأت بفحش من الكلام ولم يفسق لم يخرج عن حدود الشرع بالسباب وارتكاب المحظورات، والفاء في قوله فلم والواو في قوله ولم عطف على الشرط في قوله: من حج، وجوابه قوله: (رجع) حال كونه (كما) أي مشابهًا لنفسه في البراءة من الذنوب صغائرها أو كبائرها في يوم (ولدته أمه) إلا في حق آدمي إذ هو محتاج لاسترضائه: نعم إذا رضي تعالى عن عبده أرضى عنه خصماءه، وفي نسخة: كيوم ولدته أمه. ١٠ - باب قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] (باب) قول الله : (﴿ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾) [البقرة: ١٩٧] برفع فسوق منونًا كلا رفث لابن كثير وأبي عمرو ويعقوب، ووافقهم أبو جعفر وزاد رفع جدال على أن لا ملغاة وما بعدها رفع بالابتداء وسوّغ الابتداء بالنكرة تقدم النفي عليها وفي الحج خبر المبتدأ الثالث وحذف خبر المبتدأ الأول والثاني لدلالة الثالث عليهما، وقرأ الباقون بالفتح في الثلاثة على أن لا هي التي للتبرئة وهل فتحة الاسم فتحة إعراب أو بناء الجمهور على الثاني. ١٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) هو الثوري كما نص عليه البيهقي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي حازم) بالحاء والزاي سلمان (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي): ولأبي الوقت: قال رسول الله (¬ ﷺ ¬): (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق) قال في القاموس: الفسق الترك لأمر الله والعصيان والخروج عن طريق الحق أو الفجور كالفسوق وفسق جار وعن أمر ربه خرج والرطبة عن قشرها خرجت كانفسقت، قيل: ومنه الفاسق لانسلاخه عن الخير (رجع) والحال أنه (كيوم ولدته أمه) عاريًا من الذنوب أو رجع بمعنى صار والظرف خبره وميمه مفتوحة ويجوز كسرها وهو الذي في اليونينية، ولم يذكر في الحديث الجدال اعتمادًا على ما في الآية أو لأن المجادلة ارتفعت بين العرب وقريش في موضع الوقوف بعرفة والمزدلفة فأسلمت قريش وارتفعت المجادلة ووقف الكل بعرفة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد ١ - باب جزاء الصيد ونحوه وقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٩٥]. (بسم الله الوحمن الرحيم). (باب جزاء الصيد) إذا باشر المحرم قتله (ونحوه) كتنفير صيد الحرم وعضد شجره (وقول الله تعالى) (﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾) [المائدة: ٩٥] كذا ثبتت البسملة وتاليها لأبي ذر ولغيره باب قول الله تعالى: (﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾) أي محرمون، ولعله ذكر القتل دون الذبح للتعميم وأراد بالصيد ما يؤكل لحمه لأنه الغالب فيه عرفًا (﴿ومن قتله منكم متعمدًا) ذاكرًا لإحرامه عالمًا بأنه

стр. 1288

حرام عليه (﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾) برفع جزاء من غير تنوين وخفض مثل على أن جزاء مصدر مضاف لمفعوله تخفيفًا، والأصل فعليه أن يجزي المقتول من الصيد مثله من النعم، ثم حذف الأول لدلالة الكلام عليه وأضيف المصدر إلى ثانيهما أو أن مثل مقحمة كقولهم: مثلك لا يفعل ذلك أي أنت لا تفعل ذلك وهذه قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي جعفر وقراءة الآخرين (فجزاء) بالرفع منونًا على الابتداء والخبر محذوف تقديره فعليه جزاء أو أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره فالواجب جزاء أو فاعل محذوف تقديره فيلزمه أو يجب عليه، (ومثل) بالرفع صفة لجزاء أي فعليه جزاء موصوف بكونه مثل ما قتل أي مماثله، والذي عليه الجمهور من السلف والخلف أن جزاء العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه فالقرآن دل على وجوب الجزاء على التعمد وعلى تأثيمه بقوله تعالى: (﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾) [المائدة: ٩٥] وجاءت السنة من أحكام النبي ﷺ وأصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ كما دل الكتاب عليه في العمد، وأيضًا فإن قتل الصيد إتلاف والإتلاف مضمون في العمد والنسيان لكن التعمد مأثوم والمخطئ غير مأثوم، وهذه المماثلة باعتبار الخلقة والهيئة عند مالك والشافعي والقيمة عند أبي حنيفة (﴿يحكم به﴾) أي بالجزاء (﴿ذوا عدل﴾) رجلان صالحان، فإن الأنواع تتشابه ففي النعامة بدنة وفي حمار الوحش بقرة (﴿منكم﴾) من المسلمين (﴿هديًا﴾) حال من ضمير به (﴿بالغ الكعبة﴾) صفة هديًا والإضافة لفظية أي واصلاً إليه بأن يذبح فيه ويتصدق به (﴿أو كفارة﴾) عطف على جزاء (﴿طعام مساكين﴾) بدل منه أو تقديره هي طعام، وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ﴿كفارة﴾ بغير تنوين طعام بالخفض على الإضافة لأن الكفارة لما تنوعت إلى تكفير بالطعام وتكفير بالجزاء المماثل وتكفير بالصيام حسن أضافتها لأحد أنواعها تبيينًا لذلك والإضافة تكون لأدنى ملابسة، ولا خلاف في جمع مساكين هنا لأنه لا يطعم في قتل الصيد مسكين واحد بل جماعة مساكين، وإنما اختلفوا في موضع البقرة لأن التوحيد يراد به عن كل يوم والجمع يراد به عن أيام كثيرة (﴿أو عدل ذلك صيامًا﴾) أي أو ما ساواة من الصوم فيصوم عن طعام كل مسكين يومًا وهو في الأصل مصدر أطلق للمفعول (﴿ليذوق وبال أمره﴾) ثقل أمره وجزاء معصيته أي أوجبنا ذلك ليذوق (﴿عفا الله عما سلف﴾) قبل التحريم (﴿ومن عاد﴾) إلى مثل هذا (﴿فينتقم الله منه﴾) في الآخرة أي: فهو ينتقم الله منه وعليه مع ذلك الكفارة (﴿والله عزيز ذو انتقام﴾) على المصرّ بالمعاصي (﴿أحل لكم صيد البحر﴾) مما لا يعيش إلا في الماء في جميع الأحوال (﴿وطعامه﴾) ما يتزود منه يابسًا مالحًا أو ما قذفه ميتًا (﴿متاعًا لكم وللسيارة﴾) منفعة للمقيم والمسافر وهو مفعول له (﴿وحرم عليكم صيد البر﴾) ما صيد فيه أو المراد بالصيد في الموضعين فعله، فعلى الأول يحرم على المحرم ما صاده الحلال وإن لم يكن له فيه مدخل والجمهور على حله (﴿ما دمتم حرمًا﴾) محرمين (﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾) [المائدة: ٩٦] وفي رواية أبي ذر ما لفظه من النعم إلى قوله: ﴿واتقوا الله الذي إليه تحشرون﴾ وسبب نزول هذه الآية كما حكاه مقاتل في تفسيره أن أبا اليسر بفتح المثناة التحتية والمهملة قتل حمار وحش وهو محرم في عمرة الحديبية فنزلت، ولم يذكر المصنف في رواية أبي ذر حديثًا في هذه الترجمة إشارة إلى أنه لم يثبت على شرطه في جزاء الصيد حديث مرفوع، وفي رواية غير أبي ذر هنا باب بالتنوين: إذا صاد الحلال صيدًا فأهدى للمحرم الصيد أكله المحرم. قال: العيني كالحافظ ابن حجر: هذه الترجمة هكذا ثبتت في رواية أبي ذر، وسقطت في رواية غيره وجعلوا ما ذكر في هذا الباب من جملة الباب الذي قبله اهـ. والذي في الفرع يقتضي أن لفظ الباب هو الساقط فقط دون الترجمة فإنه كتب قبل إذا واوًا للعطف ورقم عليها علامة الثبوت لأبوي ذر والوقت، وكذا رأيته في بعض الأصول المعتمدة وإذا صاد الحلال إلى آخر قوله أكله. ٢ - باب إِذَا صَادَ الْحَلَالُ فَأَهْدَى لِلْمُحْرِمِ الصَّيْدَ أَكَلَهُ وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ بِالذَّبْحِ بَأْسًا. وَهُوَ غَيْرُ الصَّيْدِ، نَحْوُ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالدَّجَاجِ وَالْخَيْلِ يُقَالُ عَدْلُ ذَلِكَ: مِثْلُ. فَإِذَا كُسِرَتْ عِدْلٌ فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ. قِيَامًا: قِوَامًا. يَعْدِلُونَ: يَجْعَلُونَ عَدْلاً. (ولم ير ابن

стр. 1289

عباس) مما وصله عبد الرزاق (وأنس) مما وصله ابن أبي شيبة ﵃ (بالذبح) أي بذبح المحرم (بأسًا) وظاهره العموم فيتناول الصيد وغيره لكن بين المؤلّف أنه خاص بالثاني حيث قال: (وهو) أي بالذبح (غير الصيد) ولأبي ذر: في غير الصيد (نحو الإبل والغنم والبقر والدجاج والخيل). وهذا قاله المؤلّف تفقهًا وهو متفق عليه فيما عدا الخيل فإنه مخصوص بمن يبيح أكلها (يقال: عدل) بفتح العين (مثل) بكسر الميم وبهذا فسره أبو عبيد في المجاز ولأبي الوقت: عدل ذلك مثل (فإذا كسرت) بضم الكاف أي العين (عدل) وفي بعض الأصول المعتمدة: فإذا كسرت بفتح الكاف وباء الخطاب عدلاً بالنصب على المفعولية وفتح العين (فهو زنة ذلك) أي موازنة في القدر (قيامًا) في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧] أي (قوامًا) بكسر القاف أي يقوم به أمر دينهم ودنياهم أو هو سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف ويربح فيه التجار ويتوجه إليه الحجاج والعمار (يعدلون) في قوله: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: ١] بالأنعام أي (يجعلون) له (عدلاً) بفتح العين، ولأبي ذر أي مثلاً تعالى الله عن ذلك ولغيره عدلاً بكسرها. وقال البيضاوي: والمعنى أن الكفار يعدلون بربهم الأوثان أي يسوونها به ومناسبة ذكر هذا هنا كونه من مادة قوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك﴾ [المائدة: ٩٥] بالفتح أي مثله وما ذكر جميعه مطابق ترجمة الباب السابق وليس مناسبًا للترجمة الأخرى. ١٨٢١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: "انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ. وَحُدِّثَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ، وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي. فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، قُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَهْلَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، فَانْتَظِرْهُمْ. قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ. فَقَالَ لِلْقَوْمِ: كُلُوا. وَهُمْ مُحْرِمُونَ". [الحديث ١٨٢١ - أطرافه في: ١٨٢٢، ١٨٢٣، ١٨٢٤، ٢٥٧٠، ٢٨٥٤، ٢٩١٤، ٤١٤٩، ٥٤٠٦، ٥٤٠٧، ٥٤٩٠، ٥٤٩١، ٥٤٩٢]. وبالسند قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والصاد المعجمة واللام الزهراني قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي) أبو قتادة الحرث بن ربعي الأنصاري (عام الحديبية) في عمرتها وهذا أصح من رواية الواحدي من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قتادة أن ذلك كان في عمرة القضية (فأحرم أصحابه) أي أصحاب أبي قتادة (ولم يحرم) أبو قتادة لاحتمال أنه لم يقصد نسكًا إذ يجوز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجًّا ولا عمرة كما هو مذهب الشافعية، وأما على مذهب الأئمة الثلاثة القائلين بوجوب الإحرام فاحتجوا له بأن أبا قتادة إنما لم يحرم لأنه ﷺ كان أرسله إلى جهة أخرى ليكشف أمر عدوّ في طائفة من الصحابة كما قال: (وحدث النبي ﷺ ¬) بضم الحاء وكسر الدال المشددة مبنيًا للمفعول (أن عدوًا) له من المشركين (يغزوه) زاد في حديث الباب اللاحق بغيقة فتوجّهنا نحوهم، أي بأمره ﵊. قلت: لكن يعكر على هذا أن في حديث سعيد بن منصور من طريق المطلب عن أبي قتادة أن خبر العدو أتاهم حين بلوغهم الروحاء ومنها وجههم النبي ﷺ والروحاء على أربعة وثلاثين ميلاً من ذي الحليفة ميقات إحرامهم، فهذا صريح في أن خبر العدو أتاهم بعد مجاوزة الميقات. ويؤيده قوله في حديث الباب اللاحق فأحرم أصحابه ولم أحرم فأنبئنا بعدو بغيقة فتوجهنا فعبر بالفاء المقتضية لتأخير الأنباء عن الإحرام وحينئذ فلا دلالة فيه على ما ذكر. وقال الأثرم: إنما جاز لأبي قتادة ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة لأني وجدت في رواية من حديث أبي سعيد فيها خرجنا مع رسول الله -صلّى الله عليه وسل- فأحرمنا فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة وكان النبي ﷺ بعثه في وجه الحديث اهـ. وفي صحيح ابن حبان والبزار والطحاوي من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال: بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة على الصدقة وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعسفان فإذا هم بحمار وحش قال: وجاء أبو قتادة وهو حل الحديث. وهذا ظاهره يخالف ما في البخاري على ما لا يخفى لأن قوله: بعث يقتضي أنه لم يكن -خرج مع النبي ﷺ من المدينة، لكن يحتمل أنه ﷺ ومن معه لحقوا أبا قتادة في بعض الطريق قبل الروحاء فلما بلغوها وأتاهم خبر العدو وجهه النبي ﷺ في جماعة لكشف الخبر. (فانطلق النبي ﷺ ¬) لمقصده

стр. 1290

الذي خرج له ولحق أبو قتادة وأصحابه به ﵊ قال أبو قتادة: (فبينما) بالميم وللكشميهي: فبينا (أنا مع أصحابي) والذي في الفرع وأصله: فبينا أبي مع أصحابه فيكون من قول ابن أبي قتادة حال كونهم (يضحك بعضم إلى بعض) أي منتهيًا أو ناظرًا إليه، ويضحك فعل مضارع كذا لأبي الوقت ولغيره فضحك بالفاء بدل الياء والفعل ماض، وفي الفرع تضحك بمثناة فوقية وفتح الضاد وتشديد الحاء من التفعل، وإنما كان ضحكهم تعجبًا من عروض الصيد مع عدم تعرضهم له لا إشارة منهم، ولا دلالة لأبي قتادة على الصيد. وفي حديث أبي قتادة السابق: وجاء أبو قتادة وهو حل فنكسوا رؤوسهم كراهية أن يحدّوا أبصارهم له فيفطن فيراه، وفي رواية حديث الباب التالي فبصر أصحابي بحمار وحش فجعل بعضهم يضحك إلى بعض. زاد في رواية أبي حازم: وأحبوا أني لو أبصرته، (فنظرت فإذا أنا بحمار وحش) بالإضافة وفيه على رواية فبينا أبى التفات إذ كان مقتضاها أن يقول فنظر، وفي رواية محمد بن جعفر فقمت إلى الفرس فأسرجته فركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيء فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت، (فحملت عليه) أي على الحمار الوحشي (فطعنته فأثبته) بالمثلثة ثم بالموحدة ثم بالمثناة أي جعلته ثابتًا في مكانه لا حراك به (واستعنت بهم) في حمله (فأبوا أن يعينوني) في رواية أبي النضر فأتيت إليهم فقلت لهم: قوموا فاحملوا، فقالوا: لا نمسه فحملته حتى جئتهم به (فأكلنا من لحمه) - وفي رواية فضيل عن أبي حازم: فأكلوا فندموا، وفي رواية محمد بن جعفر عن أبي حازم فوقعوا يأكلون منه ثم أنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم فرحنا وخبأت العضد معي، وفي رواية مالك عن أبي النضر فأكل منه بعضهم وأبى بعضهم. (وخشينا أن نقتطع) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول، وفي رواية علي بن المبارك عن يحيى عند أبي عوانة: وخشينا أن يقتطعنا العدوّ أي عن النبي ﷺ لكونه سبقهم وتأخروا هم للراحة بالقاحة الموضع الذي وقع به صيد الحمار كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وفي رواية أبي النضر الآتية إن شاء الله تعالى في الصيد فأبى بعضهم أن يأكل فقلت أنا أستوقف لكم النبي ﷺ فأدركته فحدثته الحديث، فمفهوم هذا أن سبب إسراع أبي قتادة لإدراكه ﵊ أن يستفتيه عن قضية أكل الحمار، ومفهوم حديث أبي عوانة أنه لخشيته على أصحابه إصابة العدو قال في الفتح: ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين. (فطلبت النبي ﷺ أرفع) بضم الهمزة وفتح الراء وكسر الفاء المشددة، وفي بعض الأصول أرفع بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الفاء (فرسي) أي أكلفه السير الشديد (شأوًا) بفتح الشين المعجمة وسكون الهمزة ثم واو أي تارة (وأسير) بسهولة (شأوًا) أي أخرى (فلقيت رجلاً من بني كفار) بكسر الغين المعجمة ولم يقف الحافظ ابن حجر على اسمه (في جوف الليل قلت) له (أين تركت النبي ﷺ ؟ قال: تركته بتعهن) بموحدة مكسورة فمثناة فوقية مفتوحة فعين مهملة ساكنة فهاء مكسورة ثم نون لأبي ذر، وللكشميهني: بتعهن بكسر الفوقية والهاء. وقال في القاموس: وتعهن مثلثة الأول مكسورة الهاء وفي فرع اليونينية وأصلها ضمة فوق الهاء بالحمرة تحت الفتحة وهي عين ماء على ثلاثة أميال من السقيا. (وهو) أي النبي ﷺ (قايل السقيا) بضم السين المهملة وإسكان القاف ثم مثناة تحتية مفتوحة مقصور قرية جامعة بين مكة والمدينة وهي من أعمال الفرع بضم الفاء وسكون الراء آخره عين مهملة. وقايل بالمثناة التحتية من غير همز كما في الفرع وصحيح عليه وفي غيره بالهمزة. وقال النووي: روي بوجهين أصحهما وأشهرهما بهمزة بين الألف واللام من القيلولة أي تركته بتعهن وفي عزمه أن يقتل بالسقيا ومعنى قايل

стр. 1291

سيقيل والوجه الثاني قابل بالموحدة وهو ضعيف وغريب وتصحيف وإن صح فمعناه أن تعهن موضع مقابل السقيا. وقال في المفهم: وتبعه في التنقيح وهو قائل اسم فاعل من القول ومن القائلة أيضًا والأول هو المراد هنا والسقيا مفعول بفعل مضمر كأنه كان بتعهن وهو يقول لأصحابه اقصدوا السقيا. قال في المصابيح: يصح كل من الوجهين أي القول والقائلة فإنه أدركه في وقت قيلولته وهو عازم على المسير إلى السقيا إما بقرينة حالية أو مقالية ولا مانع من ذلك أصلاً. اهـ. فليتأمل قوله: فإنه أدركه وقت قيلوته فإن لقي أبي قتادة الغفاري كان في جوف الليل، وقصة الحمار كانت بالقاحة كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعد باب وهي على نحو ميل من السقيا إلى جهة المدينة، فالظاهر أن لقي الغفاري له ﷺ إنما كان ليلاً لا نهارًا. قال أبو قتادة: فسرت فأدركته ﷺ (فقلت: يا رسول الله إن أهلك) أي أصحابك كما في رواية مسلم، وأحمد (يقرؤون عليك السلام ورحمة الله إنهم قد خشوا) بكسر همزة أن، وفي حديث الباب اللاحق وأنهم بالواو وخشوا بفتح الخاء وضم الشين المعجمتين (أن يقتطعوا) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول أي يقتطعهم العدو (دونك فانتظرهم) بصيغة الأمر من الانتظار أي انتظر أصحابك زاد في رواية الباب اللاحق ففعل. (قلت يا رسول الله أصبت حمار وحش وعندي منه) قطعة فضلت منه فهي (فاضلة) بألف بين الفاء والضاد المعجمة أي باقية (فقال): ﵊ (للقوم): (كلوا) أي من الفضلة (وهم محرمون) والأمر بالأكل للإباحة، وفي رواية أبي حازم المنبه عليها في هذا الباب إشارة إلى أن تمني المحرم أن يقع من الحلال الصح ليأكل الحرم منه لا يقدح في إحرامه. وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في الحج والهبة والأطعمة والمغازي والجهاد والذبائح، ومسلم في الحج وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وسياق عبد الله له هنا يقتضي كونه مرسلاً حيث قال: انطلق أبي عام الحديبية. ٣ - باب إِذَا رَأَى الْمُحْرِمُونَ صَيْدًا فَضَحِكُوا فَفَطِنَ الْحَلَالُ هذا (باب) بالتنوين (إذا رأى المحرمون صيدا) وفيهم رجل حلال (فضحكوا) تعجبًا من عروض الصيد مع عدم التعرض له مع قدرتهم على صيده (ففطن الحلال) بفتح الطاء وكسرها أي فهم لا يكون ضحكهم إشارة منهم إلى الحلال بالصيد حتى إذا اصطاد ذلك الحلال الصيد لا يلزم المحرمين الذين ضحكوا شيء. ١٨٢٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: "انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ، فَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ بِغَيْقَةَ، فَتَوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ، فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الْفَرَسَ، فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ، فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْهُ. ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ عَلَيْهِ شَأْوًا. فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا. فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَصْحَابَكَ أَرْسَلُوا يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعَهُمُ الْعُدُوُّ دُونَكَ، فَانْظُرْهُمْ، فَفَعَلَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا اصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ، وَإِنَّ عِنْدَنَا فَاضِلَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَهُمْ مُحْرِمُونَ". وبالسند قال: (حدّثنا سعيد بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية الهروي نسبة لبيع الثياب الهروية قال: (حدّثنا علي بن المبارك) النهائي (عن يحيى) بن أي كثير (عن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه) أبا قتادة الحرث بن ربعي (حدثه، قال: انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم) أنا (فأنبئنا) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول أي أخبرنا (بعدوّ) للمسلمين (بغيقة) بغين معجمة فمثناة تحتية ساكنة فقاف مفتوحة موضع من بلاد بني غفار بين الحرمين. وقال في القاموس موضع بظهر حرة النار لبني ثعلبة بن سعد، (فتوجّهنا نحوهم) بأمره ﷺ ، فلما رجعنا إلى القاحة (فبصر) بضم الصاد المهملة (أصحابي) الذين كانوا معي في كشف العدو (بحمار وحش) ولأبي ذر عن الكشميهني: فنظر أصحابي لحمار وحش بالنون والظاء المعجمة المفتوحتين من النظر ولحمار باللام بدل الموحدة كذا في فرع اليونينية وغيره، فقول العيني كالحافظ ابن حجر فعلى هذه الرواية أي رواية نظر بالنون والظاء المشالة دخول الباء في بحمار مشكل. وأجاب: بأن يكون ضمن نظر معنى بصر أو الباء بمعنى إلى على مذهب من يقول أن الحروف ينوب بعضها عن بعض يدل على أنه لم يستحضر إذ ذاك كونها باللام في الرواية المذكورة. قال في الفتح: وقد بين محمد بن جعفر في روايته عن أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الهبة أن قصة صيده الحمار كانت بعد أن اجتمعوا بالنبي ﷺ وأصحابه ونزلوا في بعض المنازل ولفظه: كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النبي -صَلَّى اللَّهُ

стр. 1292

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في منزل في طريق مكة ورسول الله ﷺ نازل أمامنا والقوم محرمون وأنا غير محرم، وبين في هذه الرواية السبب الموجب لرؤيتهم إياه دون أبي قتادة بقوله: فأبصرته حمارًا وحشيًا وأنا مشغول أخصف نعلي فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أني أبصرته والتفت فأبصرته، ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن حبان وغيره أن ذلك وهم بعسفان وفيه نظر، والصحيح أن ذلك كان بالقاحة كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعد باب ومرّ. (فجعل بعضهم يضحك إلى بعض) تعجبًا لا إشارة (فنظرت فرأيته، فحملت عليه الفرس فطعنته فأثبته) أي حبسته مكانه (فاستعنتهم) في حمله (فأبوا أن يعينوني) فحملته حتى جئت به إليهم (فأكلنا منه ثم لحقت برسول الله ﷺ و) الحال أنا (خشينا أن نقتطع) أي يقطعنا العدو دونه ﵊ حال كوني (أرفع) بضم الهمزة وتشديد الفاء المكسورة وبفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الفاء، وهو الذي في اليونينية ليس إلا أي أكلف (فرسي شأوًا) دفعة (وأسير عليه) بسهولة (شأوًا) أخرى (فلقيت رجلاً من بني غفار في جوف الليل، فقلت أين) ولأبي الوقت فقلت له: أين (تركت رسول الله ﷺ ؟ فقال: تركته بتعهن) بفتح التاء والهاء وبكسرهما وبفتح فكسر وفي الفرع وأصله ضم الهاء أيضًا كما مر قال القاضي عياض: هي عين ماء على ثلاثة أميال من السقيا بطريق مكة (وهو) ﵊ (قائل السقيا) بضم السين مقصور، وقائل: بالتنوين كالسابقة أي قال: اقصدوا السقيا أو من القيلولة أي تركته بتعهن وعزمه أن يقيل بالسقيا، (فلحقت برسول الله ﷺ حتى أتيته فقلت: يا رسول الله إن أصحابك أرسلوا يقرؤون عليك السلام ورحمة الله) زاد في رواية غير أبوي ذر والوقت: وبركاته (وإنهم قد خشوا أن يقتطعهم العدو دونك فانظرهم) بهمزة وصل وظاء معجمة أي انتظرهم (ففعل) ما سأله من انتظارهم (فقلت: يا رسول الله إنا أصدنا حمار وحش) بهمزة وصل وتشديد اصاد أصله اصتدنا من باب الافتعال قلبت التاء صادًا وأدغمت الصاد في الصاد وأخطأ من قال أصله اصطدنا فأبدلت الطاء مثناة وأدغمت، وفي نسخة: أصدنا بفتح الهمزة وتخفيف الصاد (وإن عندنا منه) قطعة (فاضلة) فضلت منه (فقال رسول الله ﷺ لأصحابه). (كلوا) من القطعة الفاضلة (وهم محرمون). ٤ - باب لَا يُعِينُ الْمُحْرِمُ الْحَلَالَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ هذا (باب) بالتنوين (لا يعين المحرم الحلال في قتل الصيد) بفعل ولا قول. ١٨٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ ﵁ قَالَ "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْقَاحَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثٍ" ح. وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي الوقت: حدثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا صالح بن كيسان) مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ولأبي الوقت: عن صالح بن كيسان (عن أبي محمد) أنه (سمع أبا قتادة) ولغير أبوي ذر والوقت عن أبي محمد نافع مولى أبي قتادة سمع أبا قتادة، وفي رواية مسلم عن صالح سمعت أبا محمد مولى أبي قتادة ولم يكن مولى أي لأبي قتادة، وعند ابن حبان هو مولى عقيلة بنت طلق الغفارية ونسب لأبي قتادة لكثرة لزومه له وقيامه بمهماته من باب الخدمة حتى صار كأنه مولاه وحينئذ فيكون من باب المجاز (قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالقاحة) بالقاف والحاء المهملة المخففة بينهما ألف وهي (من المدينة على ثلاث) من المراحل قبل السقيا بنحو ميل، وقد سبق أن الروحاء هي الموضع الذي ذهب أبو قتادة منه إلى جهة العدو ثم التقوا بالقاحة وبها وقع الصيد المذكور (ح) لتحويل السند. وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْقَاحَةِ، وَمِنَّا الْمُحْرِمُ وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ"، فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ -يَعْنِي وَقَعَ سَوْطُهُ- فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَىْءٍ، إِنَّا مُحْرِمُونَ، فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَخَذْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِمَارَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَعَقَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوا. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ أَمَامَنَا فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كُلُوهُ حَلَالٌ" قَالَ لَنَا عَمْرٌو: اذْهَبُوا إِلَى صَالِحٍ فَسَلُوهُ عَنْ هَذَا وَغَيْرِهِ وَقَدِمَ عَلَيْنَا هَا هُنَا. قال المؤلّف بالسند السابق: (وحدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا صالح بن كيسان) عن أبي محمد نافع المذكور (عن أبي قتادة ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ بالقاحة ومنا المحرم ومنا غير المحرم) يحتمل أن يقال لا منافاة بين قوله هنا ومنا غير المحرم وبين ما سبق مما يقتضي انحصار عدم الإحرام في أبي قتادة فقد يريد بقوله: ومنا غير المحرم نفسه فقط بدليل

стр. 1293

الأحاديث الدالة على الانحصار (فرأيت أصحاب يتراءون شيئًا) يتفاعلون من الرؤية (فنظرت فإذا حمار وحش) بالإضافة وإذا للمفاجأة (يعني وقع سوطه) ولابن عساكر: فوقع وهو من كلام الراوي تفسير لما يدل عليه قوله (فقالوا: لا نعينك عليه) أي على أخذ السوط حين وقع (بشيء) كذا قرر البرماوي كالكرماني، وعند أبي عوانة عن أبي داود الحراني عن علي بن المديني في هذا الحديث فإذا حمار وحش فركبت فرسي وأخذت الرمح السوط فسقط مني السوط فقلت: ناولوني فقالوا: لا نعينك عليه بشيء (إنا محرمون) والمحرم تحرم عليه الإعانة على قتل الصيد (فتناولته) أي السوط بشيء (فأخذته ثم أتيت الحمار من وراء كمة) بفتحات تلّ من حجر واحد (فعقرته) أي قتلته وأصله ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم فتوسع فيه فاستعمل في مطلق القتل والإهلال وفيه أن عقر الصيد ذكاته (فأتيت به أصحابي فقال): ولأبي الوقت قال: (بعضهم: كلوا) منه (وقال بعضهم: لا تأكلوا) سبق من هذا الوجه أنهم أكلوا، والظاهر أنهم أكلوا أول ما أتاهم به، ثم طرأ عليهم كما في لفظ عثمان بن موهب في الباب الذي يليه فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ وفي حديث أبي سعيد: فجعلوا يشوون منه ثم قالوا: رسول الله ﷺ بين أظهرنا (فأتيت النبي ﷺ وهو أمامنا) بفتح الهمزة ظرف مكان أي قدامنا (فسألته) هل يجوز أكله للمحرم؟ (فقال): (كلوه) هو (حلال) وفي رواية: كلوه حلالاً بالنصب أي أكلاً حلالاً. قال سفيان: (قال لنا عمرو) هو ابن دينار: (اذهبوا إلى صالح) أي ابن كيسان (فسلوه) بفتح السين من غير همز (عن هذا وغيره وقدم) صالح (علينا) من المدينة (هاهنا) يعني مكة، فدلّ عمر وأصحابه ليسمعوا منه هذا وغيره والغرض بذلك تأكيد ضبطه وكيفية سماعه له من صالح. وهذا الحديث هو لفظ رواية عليّ بن المديني. قال في الفتح: وهذه عادة المصنف غالبًا إذا حوّل الإسناد ساق المتن على لفظ الثاني اهـ. ٥ - باب لَا يُشِيرُ الْمُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ لِكَىْ يَصْطَادَهُ الْحَلَالُ هذا (باب) بالتنوين (لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال) اللام في لكي للتعليل وكي بمنزلة أن المصدرية معنى وعملاً، ويؤيده صحة حلول أن محلها وأنها لو كانت حرف تعليل لم يدخل عليها حرف تعليل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لكيلا تأسوا﴾ [الحديد: ٢٣] وقولك: جئتك كي تكرمني، وقوله تعالى: ﴿كيلا يكون دولة﴾ [الحشر: ٧] إذا قدرت اللام قبلها فإن لم تقدر فهي تعليلية جارة ويجب حينئذ إضمار أن بعدها قاله ابن هشام وتعقبه البدر الدماميني بأن خصوصية التعليل هنا لغو ولو قال إذ لو كانت حرف جر لم يدخل عليها حرف جر لكان مستقيمًا وسلم من ذلك. ١٨٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ -هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ- قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ، فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلاَّ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا وَقَالُوا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الأَتَانِ. فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. قَالَ: أمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا". وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري قال: (حدّثنا عثمان هو ابن موهب) بفتح الميم والهاء بينهما واو ساكنة ونسبه لجده لشهرته به وأبوه عبد الله بن موهب التيمي المدني التابعي (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن أبي قتادة) السلمي بفتح السين المهملة (أن أباه أخبره أن رسول الله ﷺ خرج حاجًا) أي معتمرًا فهو من المجاز الشائع لأن ذلك إنما كان في عمرة الحديبية كما جزم به يحيى بن أبي كثير وهو المعتمد، وأيضًا فالحج في الأصل قصد البيت فكأنه قال: خرج قاصدًا للبيت، ولذا يقال للعمرة: الحج الأصغر، وقد أخرج البيهقي الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن أبي عوانة بلفظ: خرج حاجًا أو معتمرًا فتبين أن الشك فيه من أبي عوانة كذا قرره ابن حجر وغيره. وتعقبه العيني فقال: لا نسلم أنه من المجاز فإن المجاز لا بد له من علاقة وما العلاقة هنا. وكون الحج في الأصل قصد ألا يكون علاقة لجواز ذكر الحج وإرادة العمرة فإن كل فعل مطلقًا لا بدّ فيه من معنى القصد، وقد شك أبو عوانة والشك لا يثبت ما ادعاه من المجاز اهـ. فلعل الراوي أراد خرج محرمًا فعبر عن الإحرام بالحج غلطًا كما قاله الإسماعيلي. (فخرجوا معه) عليه الصلاة

стр. 1294

والسلام حتى بلغوا الروحاء وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلاً فأخبروه أن عدوًّا من المشركين بوادي غيقة يخشى منهم أن يقصدوا غزوه، (فصرف) ﵊ (طائفة منهم) بنصب طائفة مفعول به والطائفة من الشيء القطعة منه قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] قال ابن عباس: الواحد فما فوقه. وقد استدل الإمام فخر الدين ومن تبعه من الأصوليين على وجوب العمل بخبر الواحد بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] قالوا: فإن الفرقة تطلق على ثلاثة والطائفة إما واحد أو اثنان. واستشكل بعضهم إطلاق الطائفة على الواحد لبعده عن الذهن (فيهم) أي في الذين صرفهم ﵊ (أبو قتادة) الأصل أن يقول وأنا فيهم فهو من باب التجريد لا يقال أنه من قول ابن أبي قتادة لأن حينئذ يكون الحديث مرسلاً. (فقال): ﵊: (خذوا ساحل البحر) أي شاطئه قال في القاموس: مقلوب لأن الماء سحله وكان القياس مسحولاً أو معناه ذو ساحل من الماء إذا ارتفع المدّ ثم جزر فجرف ما عليه ((حتى نلتقي) فأخذوا ساحل البحر) لكشف أمر العدوّ (فلما انصرفوا) من الساحل بعد أن أمنوا من العدو وكانوا قد (أحرموا كلهم) من الميقات (إلا أبو قتادة) بالرفع مبتدأ خبره (لم يحرم) وإلا بمعنى لكن وهي من الجمل التي لها محل من الإعراب وهي المستثناة نحو ﴿لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر﴾ [الغاشية: ٢٢ - ٢٤] قال ابن خروف: "من" مبتدأ، ويعذبه الله الخبر والجملة في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. قال في التوضيح: وهذا مما أغفلوه ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين في هذا النوع وهو المستثنى بألا من كلام قام موجب إلا النصب قال: وللكوفيين في مثله مذهب آخر وهو: أن ألا حرف عطف وما بعدها عطف على ما قبلها، ولأبي ذر عن الكشميهني: إلا أبا قتادة بالنصب وهو واضح. (فبينما هم) بالميم قبل الألف (يسيرون إذ رأوا حمر وحش) بضم الحاء والميم جمع حمار، وفي نسخة: حمار وحش (فحمل أبو قتادة على الحمر) بضمتين أيضًا جمع حمار (فعقر منها) أي قتل من الحمر المرئية (أتانًا) أنثى وجمع الحمر هنا لا ينافي الرواية الأخرى بالإفراد لجواز أنهم رأوا حمرًا وفيهم واحد يقرب من غيره لاصطياده لكن قوله هنا: أتانا ينافي قوله حمارًا في الأخرى، وقد يجاب بأنه أطلق الحمار على الأنثى مجازًا أو أنه يطلق على الذكر والأنثى (فنزلوا) عن مركوبهم (فأكلوا من لحمها) أي الأتان (وقالوا) بواو العطف، ولأبي الوقت: فقالوا بفائه بعد أن أكلوا من لحمها (أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟) الواو للحال قال أبو قتادة: (فحملنا ما بقي من لحم الأتان). وعند المؤلّف في الهبة من رواية أبي حازم فرحنا وخبأت العضد معي، (فلما أتوا رسول الله ﷺ : قالوا) ولأبي الوقت: فقالوا: (يا رسول الله إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش) جمع حمار (فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانًا فأكلنا من لحمها ثم قلنا أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها. قال): بغير فاء. (أمنكم) بهمزة الاستفهام لأبي ذر، وفي رواية ابن عساكر: منكم بإسقاطها (أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها)؟ ولمسلم من طريق شعبة عن عثمان: هل أشرتم أو أعنتم أو اصطدتم؟ (قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها) وصيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب لأنها وقعت جوابًا عن سؤالهم عن الجواز، ولم يذكر في هذه الرواية أنه ﷺ أكل منها، لكن في الهبة فناولته العضد فأكلها حتى تعرّقها وفي الجهاد قال: معنا رجلها فأخذها فأكلها، وفي رواية المطلب قد رفعنا لك الذراع فأكل منها، وفي رواية صالح بن حسان عند أحمد وأبي داود الطيالسي وأبي عوانة فقال: كلوا وأطعموني، ووقع عند الدارقطني وابن خزيمة والبيهقي أن أبا قتادة ذكر شأنه لرسول الله ﷺ وإنه إنما اصطاده له قال: فأمر النبي ﷺ أصحابه فأكلوا ولم يأكل حين أخبرته أني اصطدته له. قال ابن خزيمة:

стр. 1295

وغيره تفرد بهذه الزيادة معمر. وقرأت في كتاب المعرفة قال أبو بكر: يعني البيهقي قوله اصطدته لك، وقوله: ولم يأكل منه لا أعلم أحدًا ذكره في هذا الحديث غير معمر، وأجاب النووي في شرح المهذّب: بأنه يحتمل أنه جرى لأبي قتادة في تلك السفرة قضيتان جمعًا بين الروايتين. وفي هذا الحديث من الفوائد جواز أكل المحرم لحم الصيد إذا لم تكن منه دلالة ولا إشارة، واختلف في أكل المحرم لحم الصيد فمذهب مالك والشافعي أنه ممنوع إن صاده أو صيد لأجله سواء كان بإذنه أو بغير إذنه لحديث جابر مرفوعًا: "لحم الصيد لكم في الإحرام حلال ما لم تصيدوهُ أو يصاد لكم" رواه أبو داود والترمذي والنسائي. وعبارة الشيخ خليل في مختصره وما صاده محرم أو صيد له ميتة. قال شارحه أي فلا يأكله حلال ولا حرام. وقال المرداوي من الحنابلة في كتاب الإنصاف له: ويحرم ما صيد لأجله على الصحيح من المذهب نقله الجماعة عن أحمد وعليه الأصحاب قال: وفي الانتصار احتمال بجواز أكل ما صيد لأجله. وقال صاحب الهداية من الحنفية: ولا بأس أن يأكل المحرم صيد اصطاده حلال وذبحه له إذا لم يدله المحرم عليه ولا أمره بصيده خلافًا لمالك ﵀ فيما إذا اصطاده لأجل المحرم يعني بغير أمره له أي لمالك ﵁ قوله ﷺ : لا بأس أن يأكل المحرم لحم صيد ما لم يصده أو يصاد له. ولنا: ما روي أن الصحابة ﵃ تذاكروا لحم الصيد في حق المحرم فقال ﵊: لا بأس به، واللام فيما روي لام تمليك فيحمل على أن يهدى إليه الصيد دون اللحم أو يصاد بأمره. قال في فتح القدير: أما إذا اصطاد الحلال للمحرم صيدًا بأمره فاختلف فيه عندنا فذكر الطحاوي تحريمه على المحرم، وقال الجرجاني: لا يحرم. وأما الحديث الذي استدلّ به لمالك فهو حديث جابر عند أبي داود والترمذي، والنسائي لحم الصيد حلال لكم وأنتم حرم وقد سبق قريبًا قال: وقد عارضه المصنف ثم أوله دفعًا للمعارضة بكون اللام للملك، والمعنى أن يصاد بأمره وهذا لأن الغالب في عمل الإنسان لغيره أن يكون بطلب منه فليكن محمله هذا دفعًا للمعارضة، والأولى في الاستدلال على أصل المطلوب بحديث أبي قتادة على وجه المعارضة على ما في الصحيحين فإنهم لما سألوه ﵊ لم يجب بحله لهم حتى سألهم عن موانع الحل أكانت موجودة أم لا: فقال ﷺ "أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها"؟ قالوا: لا. قال: "فكلوا إذن" فلو كان من الموانع أن يصطاد لهم لنظمه في سلك ما يسأل عنه منها في التفحص عن الموانع ليجيب بالحكم عند خلوه عنها، وهذا المعنى كالصريح في نفي كون الاصطياد للمحرم مانعًا فيعارض حديث جابر ويقدم عليه لقوة ثبوته إذ هو في الصحيحين وغيرهما من الكتب الستة. بل في حديث جابر لحم الصيد الخ انقطاع لأن المطلب بن حنطب لم يسمع من جابر عند غير واحد وكذا في رجاله من فيه لين. اهـ. ولا جزاء عليه بدلالة ولا بإعانة ولا بأكله ما صيد له عند الشافعية لأن الجزاء تعلق بالقتل والدلالة ليست بقتل فأشبهت دلالة الحلال حلالاً وقالت الحنفية: إذا قتل المحرم صيدًا أو دل عليه من قتله فعليه الجزاء أما القتل فلقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية. وأما الدلالة فلحديث أبي قتادة. قال العلامة ابن الهمام: وليس في حديث أبي قتادة هل دللتم؟ بل قال ﵊: هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي. وجه الاستدلال به على هذا أنه علق الحل على عدم الإشارة وهي تحصل الدلالة بغير اللسان فأحرى أن لا يحل إذا دله باللفظ فقال هذاك صيد ونحوه. قالوا: الثابت بالحديث حرمة اللحم على المحرم إذا دل. قلنا: فثبت أن الدلالة من محظورات الإحرام بطريق الالتزام لحرمة اللحم فثبت أنه محظور إحرام هو جناية على الصيد، فنقول حينئذ: جناية على الصيد بتفويت الأمن على وجه اتصل قتله عنها ففيه الجزاء كالقتل وهذا هو القياس ولا يحسن عطفه على الحديث لأن الحديث لم يثبت الحكم المتنازع فيه وهو وجوب الكفارة بل محل الحكم ثم ثبوت الوجوب

стр. 1296

المذكور في المحل إنما هو بالقياس على القتل. اهـ. وقال المالكية: إن صيد لأجل المحرم فعلم به وأكل عليه الجزاء لا في أكلها. وقال الحنابلة: إن أكله كله فعليه الجزاء وإن أكل بعضه ضمنه بمثله من اللحم. ٦ - باب إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا أهدى) الحلال (للمحرم حمارًا وحشيًا حيًّا لم يقبل) أي لا يقبل. ١٨٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ "أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ". [الحديث ١٨٢٥ - طرفاه في: ٢٥٧٣، ٢٥٩٦]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بتصغير عبد (بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية (عن عبد الله بن عباس) ﵄ (عن الصعب بن جثامة) بفتح الصاد وسكون العين المهملتين آخره موحدة وجثامة بفتح الجيم والمثلثة المشددة وبعد الألف ميم ابن قيس بن ربيعة (الليثي) من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وكان حليف قريش، وأمه أخت أبي سفيان بن حرب، واسمها فاختة، وقيل زينب، ويقال إنه أخو ملحم بن جثامة يقال: مات في خلافة أبي بكر، ويقال في آخر خلافة عمر قاله ابن حبان، ويقال في خلافة عثمان. وقال يعقوب بن سفيان: أخطأ من قال إن الصعب بن جثامة مات في خلافة أبي بكر خطأ بينًا، فقد روى ابن إسحاق عن عمر بن عبد الله أنه حدثه عن عروة أنه قال: لما ركب أهل العراق في الوليد بن عقبة كانوا خمسة منهم الصعب بن جثامة وكان النبي ﷺ آخى بينه وبين عوف بن مالك، واعلم أنه لم يختلف على مالك في سياق هذا الحديث معنعنًا وأنه من مسند الصعب بن جثامة إلا أنه وقع في موطأ ابن وهب عن ابن عباس أن الصعب بن جثامة فجعله من مسند ابن عباس، وكذا أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال الحافظ ابن حجر: والمحفوظ في حديث مالك الأول يعني: أنه من مسند الصعب بن جثامة (أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا) الأصل في أهدى أن يتعدى بإلى وقد يتعدى باللام ويكون بمعناه ولم يقل في الحديث حيًا كما ترجم وكأنه فهمه من موله حمارًا ولم تختلف الرواة عن مالك في قوله حمارًا، وممن رواه عن الزهري كما رواه مالك: وابن جريج، وعبد الرحمن بن الحرث، وصالح بن كيسان، والليث، وابن أبي ذئب، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس، ومحمد بن عمرو بن علقمة كلهم قال فيه: أهدى لرسول الله ﷺ حمار وحش كما قال مالك، وخالفهم ابن عيينة عن الزهري فقال: لحم حمار وحش أخرجه مسلم من طريق الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقد توبع عليه من أوجه: ففي مسلم أيضًا من لحم حمار وحش، وفي رواية له من طريق الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ رجل حمار وحش، وفي أخرى عجز حمار وحش يقطر دمًا، وفي أخرى له شق حمار وحش. قال النووي: وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح وأنه إنما أهدي بعض لحم لأكله اهـ. ولا معارضة بين رجل حمار وعجزه وشقه إذ يندفع بإرادة رجل معها الفخذ وبعض جانب الذبيحة، فوجب حمل رواية أهدي حمارًا على كل الحيوان غير معهود لأنه لا يطلق على زيد أصبع ونحوه لأنه غير جائز لما عرف من أن شرط إطلاق اسم البعض على الكل التلازم كالرقبة على الإنسان والرأس، فإنه لا إنسان دونهما بخلاف نحو الرجل والظفر، وأما إطلاق العين على الرقيب فليس من حيث هو إنسان بل من حيث هو رقيب وهو من هذه الحيثية لا يتحقق بلا عين على ما عرف في التحصينات أو هو أحد معاني المشترك اللفظي كما عدّه الأكثر منها، ثم إن في هذا الحمل ترجيحًا للأكثر أو يحكم بغلط رواية الباب بناء على أن الراوي رجع عنها تبيينًا لغلطه. قال الحميدي: كان سفيان أي ابن عيينة -يقول في الحديث: أهدي لرسول الله ﷺ لحم حمار وحش، وربما قال: يقطر دمًا، وربما لم يقل ذلك وكان فيما خلا. قال: حمار وحش ثم صار إلى لحم حمار وحش حتى مات، وهذا يدل على رجوعه وثباته على ما رجع إليه

стр. 1297

والظاهر أنه لتبيينه غلطه أولاً. وقال البيهقي في المعرفة: مما قرأته فيها بعد أن ذكر من رواه عن الزهري نحو ما سبق، وكان ابن عيينة يضطرب فيه، فرواية العدد الذين لم يشكوا فيه أولى. وقال الشافعي في الأم: حديث مالك أن الصعب أهدى حمارًا أثبت من حديث من روى أنه أهدي له لحم حمار، وقال الترمذي: روى بعض أصحاب الزهري في حديث الصعب لحم حمار وحش وهو غير محفوظ اهـ. فيكون رده لامتناع تملك المحرم الصيد، وعورض بأن الروايات كلها تدل على البعضية كما مرّ. (وهو) أي: والحال أنه ﵊ (بالأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحدة ممدودًا جبل من عمل الفرع بضم الفاء وسكون الراء بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً وسمي بذلك لما فيه من الوباء قاله في المطالع، ولو كان كما قيل لقيل الأوباء أو هو مقلوب عنه والأقرب أنه سمي به لتبوّئ السيول به (أو بودّان) بفتح الواو وتشديد الدال المهملة آخره نون موضع بقرب الجحفة أو قرية جامعة من ناحية الفرع، وودان أقرب إلى الجحفة من الأبواء فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرين ميلاً، ومن ودّان إلى الجحفة ثمانية أميال والشك من الراوي، لكن جزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن الزهري بودّان، وجزم معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمر وبالأبواء (فرده عليه) ولأبي الوقت: فرد عليه بحذف ضمير المفعول أي: ردّ ﵇ الحمار على الصعب، وقد اتفقت الروايات كلها على أنه ﵊ ردّه عليه إلا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن أمية أن الصعب أهدى للنبيّ عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم. قال البيهقي: إن كان هذا محفوظًا فلعله ردّ الحي وقبل اللحم. قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الجمع نظر فإن كانت الطرق كلها محفوظ فلعله رده حيًا لكونه صيد لأجله وردّ اللحم تارة لذلك وقبله أخرى حيث علم أنه لم يصد لأجله، وقد قال الشافعي: إن كان الصعب أهدى حمار وحش حيًا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حيًا وإن كان أهدى له لحمًا فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيده، ونقل الترمذي عن الشافعي أنه ردّه لظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر وهو حال رجوعه ﷺ من مكة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك في الجحفة وفي غيرها من الروايات بالأبواء أو بودّان. وقال القرطبي: جاز أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحًا ثمّ قطع منه عضوًا بحضرة النبي ﷺ فقدمه له فمن قال أهدى حمارًا أراد بتمامه مذبوحًا لا حيًا، ومن قال لحم حمار أراد ما قدمه للنبي ﷺ . (فلما رأى) ﵊ (ما في وجهه) أي وجه الصعب من الكراهة لا حصل له من الكسر في رد هديته (قال): ﵊ تطييبًا لقلبه. (إنا) بكسر الهمزة لوقوعها في الابتداء (لم نرده) بفتح الدال في اليونينية وهو رواية المحدثين، وذكر ثعلب في الفصيح، لكن قال المحققون من النحاة أنه غلط والصواب ضم الدال كآخر المضاعف من كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير الذكر مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء فكأن ما قبلها وليه الواو ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا كما فتحوها مع هاء المؤنث نحو نردّها مراعاة للألف ولم يحفظ سيبويه في نحو هذا إلا الضم كما أفاده السمين، وصرح جماعة منهم ابن الحاجب بأنه مذهب البصريين وجوز الكسر أيضًا وهو أضعفها فصار فيها ثلاثة أوجه، وللحموي والكشميهني: لم نردده بفك الإدغام فالدال الأولى مضمومة والثانية مجزومة وهو واضح والمعنى أنا لم نردّه (عليك) لعلة من العلل (إلا أنا حُرُم) بفتح الهمزة وضم الحاء والراء أي إلا لأنا محرمون. زاد صالح بن كيسان عند النسائي: لا نأكل الصيد، وفي رواية شعبة عن ابن عباس: لولا إنا محرمون لقبلناه منك، وهذا يقتضي تحريم أكل المحرم لحم الصيد مطلقًا سواء صيد له أو يأمره وهو مذهب نقل عن

стр. 1298

جماعة من السلف منهم: علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، والذي عليه أكثر علماء الصحابة والتابعين التفرقة بين ما صاده أو صيد له وغيره وأولوا حديث الصعب بأنه ﷺ إنما ردّه عليه لما ظن أنه صيد من أجله وبه يقع الجمع بين حديث الصعب وحديث جابر لحم الصيد لكم في الإحرام حلال ما لم تصيدون أو يصاد لكم، وحديث أبي قتادة السابق ولا يقال أنه منسوخ بحديث الصعب لأن حديث أبي قتادة كان عام الحديبية، وحديث الصعب كان في حجة الوداع لأنا نقول: أن النسخ إنما يصار إليه إذا تعذر الجمع. كيف والحديث المتأخر محتمل لا دلالة فيه على الحرمة العامة صريحًا ولا ظاهرًا حتى يعارض الأول فينسخه. وقول العلامة ابن الهمام في فتح القدير: أما كون حديث الصعب كان في حجة الوداع فلم يثبت عندنا وإنما ذكره الطبري وبعضهم ولم نعلم لهم فيه ثبتًا صحيحًا. وأما حديث أبي قتادة فإنه وقع في مسند عبد الرزاق عنه انطلقنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم، ففي الصحيحين عنه خلاف ذلك وهو ما روي عنه أن رسول الله ﷺ خرج حاجًا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم أبو قتادة الحديث. ومعلوم أنه ﵊ لم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع اهـ. يقال عليه قد ثبت في البخاري في باب: جزاء الصيد عن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم يحرم الحديث. وكذا في باب: إذا رأى المحرمون صيدًا فضحكوا، وأما قوله في الحديث الذي ساقه خرج حاجًا فقد سبق أنه من المجاز وأن المراد أنه خرج معتمرًا أو المراد معنى الحج في الأصل وهو قصد البيت أي خرج قاصدًا البيت، أو الراوي أراد خرج محرمًا فعبر عن الإحرام بالحج غلطًا منه كما مرّ تقديره. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الهبة، ومسلم في الحج وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجة. ٧ - باب مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ هذا (باب) بالتنوين (ما يقتل المحرم من الدواب) جمع دابة وأصلها داببة فأدغمت إحدى الباءين في الأخرى وهو اسم لكل حيوان لأنه يدب على وجه الأرض والهاء للمبالغة، ثم نقله العرف العام إلى ذوات القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير ويسمى هذا منقولاً عرفيًا، ولو عبّر بالحيوان لكان يشمل الغراب والحدأة المذكورين في الحديث لكنه نظر إلى جانب الأكثر. ١٨٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ». وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ … [الحديث ١٨٢٦ - طرفه في: ٣٣١٥]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر بن الخطاب (عن عبد الله بن عمر ﵄. أن رسول الله ﷺ قال): (خمس من الدواب) بالرفع على الابتداء نكرة تخصصت بتاليها وخبره (ليس على المحرم في قتلهن جناح) أي إثم أو حرج وجناح بالرفع اسم ليس مؤخرًا، وهذا الحديث ساقه المؤلّف مختصرًا وأحال به على طريق سالم وهو في الموطأ، وتمامه الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور. (وعن عبد الله بن دينار) عطف على نافع أي قال مالك عن عبد الله بن دينار: (عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال): ومقوله محذوف، وتمامه في مسلم: خمس من قتلهن وهو حرام فلا جناح عليه فيهن الفأرة والعقرب والكلب العقور والحديا والغراب. ١٨٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: "حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ … ". [الحديث ١٨٢٧ - طرفه في: ١٨٢٨]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن زيد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة ابن حرمل الجشمي الكوفي وليس له في الصحيح رواية عن غير ابن عمر ولا له فيه إلا هذا الحديث وآخر تقدم في المواقيت أنه (قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: حدثتني إحدى نسوة النبي ﷺ ¬) هي حفصة كما بينها في رواية سلام التالية وجهالة عين الصحابي لا تضر لأنهم كلهم عدول (عن النبي ﷺ ¬) أنه قال: (يقتل المحرم) اقتصر منه على هذا حالة على الطريق اللاحقة. ١٨٢٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». وبه قال: (حدّثنا أصبغ) بالصاد المهملة والغين المعجمة، ولأبي ذر: أصبغ بن الفرج (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن وهب عن يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم) هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب (قال: قال عبد الله بن عمر ﵄. قالت: حفصة) بنت عمر بن الخطاب زوج

стр. 1299

النبي ﷺ سمى سالم ما أبهمه زيد، وقد خالف زيد نافعًا وعبد الله بن دينار في إدخال الواسطة بين ابن عمر والنبي ﷺ ووافق سالمًا كما ترى، ووقع في بعض طرق نافع عن ابن عمر سمعت النبي ﷺ وهو يرفع ما يوهمه إدخال الواسطة هنا من أن ابن عمر لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ : (قال رسول الله ﷺ ¬): (خمس من الدواب لا حرج) لا إثم (على من قتلهن) مطلقًا في حل ولا حرم (الغراب والحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مهموزًا، ولأبي ذر: والحدأ (والفأرة والعقرب والكلب العقور). ١٨٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يَقْتُلُهُنَّ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». [الحديث ١٨٢٩ - طرفه في: ٣٣١٤]. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدثني بالإفراد (يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي أبو سعيد نزيل مصر (قال: حدثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال): (خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلهن) المرء (في الحرم) ولأبوي ذر والوقت: يقتلن بضم أوله وفتح ثالثه وسكون رابعه من غير هاء، وقوله فاسق صفة لكل مذكر ويقتلن فيه ضمير راجع إلى معنى كل وهو جمع وهو تأكيد لخمس قاله في التنقيح كما في غير نسخة منه. وتعقبه في المصابيح بأن الصواب أن يقال: خمس مبتدأ وسوّغ الابتداء به مع كونه نكرة وصفه ومن الدواب في محل رفع أيضًا على أنه صفة أخرى لخمس، وقوله: يقتلن جملة فعلية في محل رفع على أنها خبر المبتدأ الذي هو خمس، وأما جعل كلهن تأكيدًا لخمس فمما يأباه البصريون وجعل فاسق صفة لكل خطأ ظاهر، والضمير في يقتلهن عائد على خمس لا على كل إذ هو خبره ولو جعل خبر كل امتنع الإتيان بضمير الجمع لأنه لا يعود عليها الضمير من خبرًا إلا مفردًا مذكرًا على لفظها على ما صرح به ابن هشام في المغني اهـ. وعبر بقوله: فاسق بالإِفراد، ورواية مسلم فواسق بالجمع وذلك أن كل اسم موضوع لاستغراق أفراد المنكر نحو ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥] والمعرف المجموع نحو ﴿وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا﴾ [مريم: ٩٥] وأجزاء المفرد المعرف نحو كل زيد حسن، فإذا قلت: أكلت كل رغيف لزيد كانت لعموم الأفراد فإن أضفت الرغيف إلى زيد صارت لعموم أجزاء فرد واحد ولفظ كل مفرد مذكر معناه بحسب ما يضاف إليه، فإن أضيف إلى معرفة فقال ابن هشام في المغني فقالوا يجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها نحو: كلهم قائم أو قائمون وقد اجتمعنا في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] فراعى اللفظ أوّلاً والمعنى آخرًا، والصوابط أن الضمير لا يعود إليها من خبرها إلا مفردًا مذكرًا على لفظها نحو ﴿وكلهم آتيه﴾ الآية. ومن ذلك ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾ [الإسراء: ٣٦] وفي الآية حذف مضاف وإضمار لما دل عليه المعنى لا اللفظ أي أن كل أفعال هذه الجوارح، كان المكلف مسؤولاً عنه. اهـ. وقد وقع في البخاري في كتاب الاعتصام بالسنة في باب: الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" فقد أعاد الضمير من خبر كل المضافة إلى معرفة غير مفرد، وهذا الحديث فيه الأمران ولا يتأتى فيه ما ذكره من الجواب عن الآية، وذلك لأنه قال كلهن فاسق بالإِفراد ثم قال: يقتلن، وأما تسمية هؤلاء المذكورات فواسق فقال النووي: هي تسمية صحيحة جارية على وفاق اللغة فإن أصل الفسق الخروج فهو خروج مخصوص، والمعنى في وصف هذه بالفسق لخروجها عن حكم غيرها بالإِيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، وقيل: لأنها عمدت إلى حبال سفينة نوح فقطعتها وقيل غير ذلك. (الغراب) وهو ينقر ظهر البعير وينزع عينه ويختلس أطعمة الناس زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة الأبقع وهو الذي في ظهره وبطنه بياض، وقيل سمي غرابًا لأنه نأى واغترب لما أنفذه نوح ﵊ يستخبر أمر الطوفان. (والحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مهموز

стр. 1300

وفي الفرع بسكون الدال وهي أخس الطير وتخطف أطعمة الناس. (والعقرب) واحدة العقارب وهي مؤنثة والأنثى عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف ولها ثماني أرجل وعيناها في ظهرها تلدغ وتؤلم إيلامًا شديدًا، وربما لسعت الأفعى فتموت، ومن عجيب أمرها أنها مع صغرها تقتل الفيل والبعير بلسعتها وأنها لا تضرب الميت ولا النائم حتى يتحرك شيء من بدنه فتضربه عند ذلك وتأوى إلى الخنافس وتسالمها وفي ابن ماجة عن عائشة قالت: لدغت النبي ﷺ عقرب وهو في الصلاة فلما فرغ قال "لعن الله العقرب ما تدع مصليًا ولا غيره اقتلوها في الحل والحرم". (والفأرة) بهمزة ساكنة، والمراد فأرة البيت وهي الفويسقة. وروى الطحاوي في أحكام القرآن عن يزيد بن أبي نعيم أنه سأل أبا سعيد الخدري لم سميت الفأرة الفويسقة؟ قال: استيقظ النبي ﷺ ذات ليلة وقد أخذت فأرة فتيلة لتحرق على رسول الله ﷺ البيت فقام إليها فقتلها وأحل قتلها للحلال والمحرم. وفي سنن أبي داود عن ابن عباس قال: جاءت فأرة فأخذت تجرّ الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخمرة التي كان قاعدًا عليها فأحرقت منها موضع درهم. زاد الحاكم فقال ﷺ : فأطفئوا سرجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فتحرقكم، ثم قال: صحيح الإسناد. وليس في الحيوان أفسد من الفأر لا يبقى على خطير ولا جليل إلا أهلكه وأتلفه. (والكلب العقور) الجارح وهو معروف واختلف في غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه فصرح بتحريم قتله القاضيان حسين والمارودي وغيرهما. وفي الأم للشافعي الجواز، واختلف كلام النووي فقال في البيع من شرح المهذّب: لا خلاف بين أصحابنا في أنه محترم لا يجوز قتله، وقال في التيمم والغصب أنه غير محتوم، وقال في الحج: يكره قتله كراهة تنزيه وعلى كراهة قتله اقتصر الرافعي، وتبعه في الروضة وزاد أنها كراهة تنزيه. وقال السرقسطي في غريبه: الكلب العقور يقال لكل عاقر حتى اللص المقاتل، وقيل هو الذئب. وعن أبي هريرة أنه الأسد قاله السرقسطي، والتقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بالحكم لكنه مفهوم عدد وليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله ﷺ أوّلاً ثم بين أن غير الخمس يشترك معها في الحكم، ففي بعض طرق عائشة عند مسلم أربع فأسقط العقرب، وفي بعضها ست، وهو عند أبي عوانة في المستخرج فزاد الحية، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة زيادة ذكر الذئب والنمر على الخمس المشهورة فتصير بهذا الاعتبار سبعًا، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور فيه التنبيه بما ذكر على جواز قتل كل مضر من فهد وصقر وأسد وشاهين وباشق وزنبور وبرغوث وبق وبعوض ونسر. وفي حديث الباب رواية التابعي عن التابعي والصحابي عن الصحابية والأخ عن أخته. ١٨٣٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ بِمِنًى إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اقْتُلُوهَا. فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا". [الحديث ١٨٣٠ - أطرافه في: ٣٣١٧، ٤٩٣٠، ٤٩٣١، ٤٩٣٤]. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) بكسر الغين المعجمة آخره مثلثة وعمر بضم العين قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدثني) بالإفراد (إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي (عن عبد الله) هو ابن مسعود (﵁) أنه: (قال: بينما) ولأبي الوقت: بينا (نحن مع النبي ﷺ في غار بمنى) أي ليلة عرفة كما عند الإسماعيلي من طريق ابن نمير عن حفص بن غياث (إذ نزل عليه) صلاة الله وسلامه عليه سورة (﴿والمرسلات﴾) فاعل نزل والفعل إذا سند إلى مؤنث غير حقيقي يجوز تذكيره وتأنيثه، (وأنه) ﵊ (ليتلوها وأني لأتلقاها) أتلقنها وآخذها (من فيه) أي فمه الكريم (وأن فاه) فمه (لرطب بها) أي لم يجف ريقه بها (إذ وثبت علينا حيّة فقال النبي ﷺ لمن معه من أصحابه). (اقتلوها) وفي رواية مسلم وابن خزيمة واللفظ له: أن النبي ﷺ أمر محرمًا بقتل حيّة
следующие страницы →