← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وبعد الألف نون رهطًا من قحطان نزلوا حين تفرقوا من مأرب بماء يقال له غسان فسموا بذلك وسكنوا بطرف الشام (تنعل) بضم المثناة الفوقية وبعد النون الساكنة عين مهملة مكسورة الدواب (النعال) بكسر النون وفيه حذف أحد المفعولين للعلم به وللحموي والمستملي: تنتعل بمثناتين فوقيتين مفتوحتين بينهما نون ساكنة وفي باب موعظة الرجل ابنته من النكاح تنعل الخيل (لغزونا) معشر المسلمين (فنزل صاحبي) الأنصاري المسمى عتبان بن مالك على النبي ﷺ (يوم نوبته) فسمع اعتزال رسول الله ﷺ عن زوجاته (فرجع) إلى العوالي (عشاء) نصب على الظرفية أي في عشاء فجاء إليّ (فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال: أنائم هو) بهمزة الاستفهام على سبيل الاستخبار ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي: أثم هو بفتح المثلثة أي في البيت وذلك لبطء إجابتهم له فظن أنه خرج من البيت قال عمر رضي الله عنه: (ففزعت) بكسر الزاي أي خفت لأجل الضرب الشديد (فخرجت إليه وقال: حدث أمر عظيم: قلت: ما هو أجاءت غسان) وفي رواية عبيد بن حنين جاء الغساني واسمه كما في تاريخ ابن أبي خيثمة والمعجم الأوسط للطبراني جبلة بن الأيهم. (قال: لا بل أعظم منه وأطول طلّق رسول الله ﷺ نساءه) وعند ابن سعد من حديث عائشة فقال الأنصاري: أعظم من ذلك ما أرى رسول الله ﷺ إلا وقد طلّق نساءه فوقع طلق مقرونًا بالظن، وفي جميع الطرق عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور طلق بالجزم فيحتمل أن يكون الجزم وقع من إشاعة بعض أهل النفاق فتناقله الناس وأصله ما وقع من اعتزاله ﷺ بذلك ولم تجر عادته بذلك فظنوا أنه طلقهن (قال): أي عمر (قد خابت حفصة وخسرت) خصّها بالذكر لمكانتها منه لكونها ابنته ولكونه كان قريب العهد بتحذيرها من وقوع ذلك (كنت أظن أن هذا يوشك) بكسر الشين (أن يكون) أي يقرب كونه لأن المراجعة قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة (فجمعت عليَ ثيابي) أي لبستها (فصليت صلاة الفجر مع النبي ﷺ فدخل مشربة) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتح الموحدة غرفة (له فاعتزل فيها فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي قلت: ما يبكيك أو لم أكن حذّرتك)؟ أي من أن تغاضبي رسول الله ﷺ أو تراجعيه أو تهجريه زاد في رواية سماك بن الوليد عند مسلم لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك ولولا أنا لطلّقك فبكت أشد البكاء، وذلك لما اجتمع عندها من الحزن على فراق النبي ﷺ ولما تتوقعه من شدة غضب أبيها وقد قال لها فيما أخرجه ابن مردويه والله إن كان طلّقك لا أكلمك أبدًا ثم استفهمها عما سمعه فقال: (أطلقكنّ رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري هو ذا في المشربة فخرجت) من بيت حفصة (فجئت المنبر فإذا حوله رهط) لم يسموا (يبكي بعضهم فجلست معهم قليلاً ثم غلبنى ما أجد) أي من شغل قلبه بما بلغه من تطليقه ﵊ نساءه ومن جملتهن بنته وفي ذلك من المشقّة ما لا يخفى (فجئت المشربة التي هو) ﷺ (فيها) وفي نسخة التي فيه وفي الفرع علامة السقوط على قوله هو فيها ثم كتب بالهامش الذي فيه بالتذكير وإسقاط هو وصحح على ذلك (فقلت لغلام له أسود) اسمه رباح بفتح الراء والموحدة المخففة وبعد الألف حاء مهملة وسقط لفظ له في رواية أبي ذر (استأذن عمر فدخل فكلم النبي ﷺ ثم خرج فقال: ذكرتك له) ﵊ (فصمت) قال عمر ﵁: (فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد فجئت فذكر مثله) ولأبي ذر فجئت فقلت للغلام أي استأذن لعمر فذكر مثله (فجلست مع الرهط الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت: استأذن لعمر فذكر مثله

стр. 1717

فلما وليت) حال كوني (منصرفًا فإذا الغلام) فاجأني (يدعوني قال: أذن لك رسول الله ﷺ ¬) أي في الدخول (فدخلت عليه) ﷺ (فإذا هو مضطجع على رمال حصير) بكسر الراء والإضافة ما رمل أي نسج من حصير وغيره (ليس بينه) ﵊ (وبينه) أي الحصير (فراش قد أثر الرمال بجنبه) الشريف وهو (متكيء على وسادة من أدم) بفتحتين جلد مدبوغ (حشوها ليف فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم: طلقت) أي أطلقت (نساءك)؟ فهمزة الاستفهام مقدّرة (فرفع) ﵊ (بصره) الشريف (إليّ فقال): (لا ثم قلت وأنا قائم أستانس) أي أتبصر هل يعود ﷺ إلى الرضا أو هل أقول قولاً أطيب به قلبه وأسكن غضبه (يا رسول الله لو رأيتني) بفتح التاء (وكنا معشر قريش) بسكون العين (نغلب النساء فلما قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم فذكره) أي السابق من القصة (فتبسم النبي) ولغير أبي ذر وكريمة فتبسم رسول الله (¬ ﷺ ثم قلت: لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت: لا يغرّنك أن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحب) بالرفع فيهما لأبي ذر ولغيره أوضأ وأحب بنصبهما خبر كان ومعطوفًا عليه (إلى النبي ﷺ يريد عائشة فتبسم) ﵊ (أخرى، فجلست حين رأيته تبسم ثم رفعت بصري) أي نظرت (في بيته فوالله ما رأيت فيه شيئًا يرد البصر غير أهبة ثلاثة) بفتح الهمزة والهاء جمع إهاب الجلد قبل أن يدبغ أو مطلقًا، ولأبي ذر عن الكشميهني: ثلاث بغير هاء (فقلت: ادع الله) ليوسع (فليوسع على أمتك) فالفاء عطف على محذوف فكرر لفظ الأمر الذي هو بمعنى الدعاء للتأكيد قاله الكرماني (فإن فارس والروم وسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله وكان) ﵊ (متكئًا) فجلس (فقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب) بفتح الهمزة والواو للإنكار التوبيخي أي أأنت في شك في أن التوسع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا (أولئك) فارس والروم (قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت يا رسول الله استغفر لي) أي عن جراءتي بهذا القول في حضرتك أو عن اعتقادي من التجملات المدنيوية مرغوب فيها قال عمر ﵁. (فاعتزل النبي ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة) وهو أنه ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت حفصة بذلك فقال لها النبي ﷺ - ﷺ "اكتمى عليّ وقد حومت مارية على نفسي" فأفشت حفصة إلى عائشة فغضبت عائشة حتى حلف النبي ﷺ أنه لا يقربها شهرًا وهو معنى قوله (وكان قد قال) ﵊: (ما أنا بداخل عليهن) أي نسائه (شهرًا من شدة موجدته) بفتح الميم وسكون الواو وكسر الجيم وفتحها في الفرع كأصله مصدر ميمي أي غضبه (عليهن حين عاتبه الله) وللكشميهني حتى عاتبه الله أي بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرّم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك﴾ [التحريم: ١]. والذي في الصحيحين أنه ﷺ كان يشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها فتواطأت عائشة وحفصة على أن أيتهما دخًا عليها فلتقل له أكلت مغافير إني أجد منك ريح مغافير فقال: "لا ولكني كنت أشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش ولن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا" فقد اختل فى الذي حرمه على نفسه وعوتب على تحريمه كما اختلف في سبب حلفه، والأول رواه جماعة يأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى في تفسير سورة التحريم. وعند ابن مردويه عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ بمارية بيت حفصة فجاءت فوجدتها معه فقالت: يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي دون نسائك فحلف لها لا يقربها وقال: "هي حرام" فيحتمل أن تكون الآية نزلت في الشيئين معًا. ووقع عند ابن مردويه في رواية يزيد بن رومان عن عائشة ما يجمع القولين وفيه أن حفصة أهديت لها عكة فيها عسل

стр. 1718

وكان رسول الله ﷺ إذا دخل عليها حبسته حتى تلعقه أو تسقيه منها فقالت عائشة لجارية عندها حبشية يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فانظري ما تصنع فأخبرتها الجارية بشأن العسل فأرسلت إلى صواحبها فقالت: إذا دخل عليكن فقلن إنّا نجد منك ريح مغافير، فقال: هو عسل والله لا أطعمه أبدًا فلما كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها فأذن لها فذهبت فأرسل إلى جاريته مارية فأدخلها بيت حفصة قالت حفصة: فرجعت فوجدت الباب مغلقًا فخرج ووجهه يقطر وحفصة تبكي فعاتبته فقال: "أشهدك أنها حرام انظري لا تخبري بهذا امرأة وهي عندك أمانة" فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله ﷺ قد حرم أمته فنزلت أي: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾. (فلما مضت تسع وعشرون) ليلة (دخل) ﵊ (على عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا وإنا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة) باللام وللحموي والمستملي بتسع بالموحدة بدل اللام (أعدها عدًّا فقال النبي ﷺ ¬): (الشهر) الذي آليت فيه (تسع وعشرون وكان ذلك الشهر) وجد (تسع وعشرون) وفي رواية تسعًا وعشرين بالنصب خبر كان الناقصة. (قالت عائشة) ﵂ (فأنزلت آية التخيير) الآتية (فبدأ بي أوَل امرأة فقال) ولأبي الوقت قال: (إني ذاكر لك أمرًا ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك) أي لابأس عليك في عدم التعجيل أو لا زائدة أي ليس عليك التعجيل والاستئمار (قالت قد أعلم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه) ولأبي ذر بفراقك (ثم قال) ﵊ (إن الله) (قال: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ إلى قوله (عظيمًا﴾) [الأحزاب: ٢٨، ٢٩] سقط لفظ قوله لأبي ذر وهذه آية التخيير المذكورة. (قلت أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم خير) ﵊ (نساءه فقلن مثل ما قالت عائشة) نريد الله ورسوله والدار الآخرة. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: فدخل مشربة له لأن المشربة هي الغرفة، وكان البخاري يكفيه أن يكتفي من هذا الحديث بقوله مثلاً ودخل النبي ﷺ مشربة له فاعتزل كما هو شأنه وعادته، والظاهر أنه تأسى بعمر ﵁ في سياق الحديث بتمامه، وكان يكفيه في جواب سؤال ابن عباس أن يكتفي بقوله عائشة وحفصة لكنه ساق القصة كلها لما في ذلك من زيادة شرح وبيان. وفي هذا الحديث فوائد جمة يأتي الكلام عليها في محالها إن شاء الله تعالى بمنّه وعونه. ٢٤٦٩ - : حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا الْفَزَارِىُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ، فَجَلَسَ فِى عِلِّيَّةٍ لَهُ؛ فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَك؟ َ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا. فَمَكُثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ". وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (ابن سلام) بتخفيف اللام هو محمد قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (الفزاري) بفتح الفاء والزاي المخففة وبالراء هو مروان بن معاوية بن الحرث بن أسماء الكوفي نزيل مكة ودمشق (عن حميد الطويل عن أنس ﵁) أنه (قال آلى) بهمزة مفتوحة ممدودة أي حلف (رسول الله ﷺ من نسائه شهرًا وكانت انفكت قدمه) أي انفرجت والفك انفراج المنكب أو القدم عن مفصله (فجلس في عليّة له فجاء عمر) ﵁ إليه في عليته (فقال: أطلقت نساءك؟ فقال) ﵊: (لا ولكني آليت منهن شهرًا فمكث) بضم الكاف (تسعًا وعشرين) يومًا (ثم نزل) من العلية (فدخل على نسائه) وللحموي والمستملي على عائشة وتأتي إن شاء الله تعالى مباحث هذا الحديث مستوفاة في كتاب النكاح. ٢٦ - باب مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ عَلَى الْبَلَاطِ، أَوْ بَابِ الْمَسْجِدِ (باب من عقل) أيَ شدّ (بعيره) بالعقال (على البلاط) بفتح الموحدة (أو) عقله على (باب المسجد). ٢٤٧٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ وَعَقَلْتُ الْجَمَلَ فِي نَاحِيَةِ الْبَلَاطِ فَقُلْتُ: هَذَا جَمَلُكَ، فَخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْجَمَلِ قَالَ: الثَّمَنُ وَالْجَمَلُ لَكَ". وبه قال) (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم قال: (حدّثنا أبو عقيل) بفتح العين وكسر القاف بشير بن عقبة الدورقي قال: (حدّثنا أبو المتوكل) عليّ (الناجي) بالنون والجيم (قال أتيت جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ قال: دخل النبي ﷺ المسجد فدخلت

стр. 1719

إليه وعقلت الجمل) أي الذي اشتراه منه ﷺ في السفر (في ناحية البلاط) الحجارة المفروشة عند باب المسجد (فقلت) يا رسول الله (هذا جملك) الذي ابتعته مني (فخرج) ﵊ من المسجد (فجعل يطيف) أي يلم (بالجمل) ويقاربه (قال) ﵊ (الثمن) أي ثمن الجمل (والجمل لك) ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: وعقلت الجمل في ناحية البلاط فإنه يستفاد منه جواز ذلك إذا لم يحصل به ضرر، وقوله أو باب المسجد هو بالاستنباط من ذلك. وقال في المصابيح: يشير بالترجمة إلى أن مثل هذا الفعل لا يكون موجبًا للضمان. قال ابن المنير: ولا ضمان على من ربط دابته بباب المسجد أو السوق لحاجة عارضة إذا رمحت ونحوه بخلاف من يعتاد ذلك ويجعله مربطًا لها دائمًا وغالبًا فيضمن. وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع. ٢٧ - باب الْوُقُوفِ وَالْبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْم (باب) جواز (الوقوف والبول عند سباطة قوم) بضم السين المهملة الكناسة أو هي المزبلة ومعناهما متقارب لأن الكناسة الزبل الذي يكنس. ٢٤٧١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ: لَقَدْ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا". وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي بالمعجمة المهملة البصري قاضي مكة (عن شعبة) بن الحجاج بن الورد الواسطي البصري (عن منصور) هو ابن المعتمر السلمي الكوفي أحد الأعلام (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الكوفي (عن حذيفة ﵁) أنه (قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ أو قال لقد أتى النبي ﷺ سباطة قوم) بضم المهملة وبعدها موحدة مزبلتهم وكناستهم تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك لأنها لا تخلو عن النجاسة (فبال قائمًا) لبيان الجواز أو لجرح كان في مأبضه أي باطن ركبته لم يتمكن لأجله من القعود أو يستشفي به من وجع الصلب أو لغير ذلك مما سبق في كتاب الوضوء والغرض منه هنا جواز البول في السباطة وإن كانت لقوم معينين لأنها أعدّت لإلقاء النجاسات المستقذرات والله أعلم. ٢٨ - باب مَنْ أَخَذَ الْغُصْنَ وَمَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي الطَّرِيقِ فَرَمَى بِهِ (باب) ثواب (من أخذ) ولأبي ذر عن الكشميهني: من أخر (الغصن) الذي يؤذي المارين (و) ثواب من أخذ (ما يؤذي الناس في الطريق) وفي نسخة في الطرق بلفظ الجمع (فرمى به) في غير المطريق. ٢٤٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَىٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي وسقط قوله ابن يوسف لغير أبي ذر قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن سميّ) بضم المهملة وفتح الميم وتشديد الياء مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (بينما) بالميم (رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك) زاد أبو ذر على الطريق (فأخذه) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: فأخره (فشكر الله له) أي أثنى عليه أو قبل عمله (فغفر له). ٢٩ - باب إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ -وَهْيَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ- ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا الْبُنْيَانَ، فَتُرِكَ مِنْهَا الطَّرِيقُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ هذا (باب) بالتنوين (إذا اختلفوا في الطريق الميتاء) بكسر الميم وسكون المثناة التحتية وبعد الفوقية ألف ممدودة التي لعامة الناس (وهي الرحبة) الواسعة (وتكون بين الطريق ثم يريد أهلها) أصحابها (البنيان فترك) ولأبي الوقت في نسخة: فيترك (منها الطريق سبعة) وفي نسخة سبع (أذرع) بالذال المعجمة ولأبي ذر فترك منها للطريق سبعة أذرع لتسلكها الأحمال والأثقال دخولاً وخروجًا وتسع ما لا بدّ لهم من طرحه عند الأبواب، ويلتحق بأهل البنيان من قعد للبيع في حافة الطريق فإن كانت طريق أزيد من سبعة أذرع لم يمنع من القعود في الزائد وإن كان آقل منع منه لئلا يضيق الطريق على غيره. ٢٤٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "قَضَى النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ". وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بالجيم في الأول والحاء المهملة والزاي في الثاني ابن زيد بن عبد الله الأزدي البصري (عن الزبير بن خرّيت) بكسر الخاء المعجمة والراء المشددة وبعد التحتية الساكنة مثناة فوقية البصري (عن عكرمة) مولى ابن عباس أنه قال (سمعت أبا هريرة ﵁ قال: قضى النبي ﷺ إذا تشاجروا) بالشين المعجمة والجيم أي

стр. 1720

تخاصموا (في الطريق الميتاء بسبعة أذرع) متعلق بقوله قضى وسقط الميتاء في رواية المستملي والحموي كذا في فرع اليونينية. وقال الحافظ ابن حجر: وتبعه العيني زاد المستملي في روايته الميتاء ولم يتابع عليه وليست بمحفوظة في حديث أبي هريرة وإنما ذكرها المؤلّف في الترجمة مشيرًا بها إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته وذلك فيما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عباس عن النبي ﷺ "إذا اختلفتم في الطريق الميتاء فاجعلوها سبعة أذرع" أي يجعل قدر الطريق المشتركة سبعة أذرع ثم يبقى بعد ذلك لكل واحد من الشركاء في الأرض قدر ما ينتفع به ولا يضر غيره قال الزركشي تبعًا للأذرعي ومذهب الشافعي اعتبار قدر الحاجة والحديث محمول عليه فإن ذلك عرف المدينة صرح بذلك الماوردي والروياني. ٣٠ - باب النُّهْبَى بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ وَقَالَ عُبَادَةُ بَايَعْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ لَا نَنْتَهِب. (باب النهبى) بضم النون وسكون الهاء وفتح الموحدة (بغير إذن صاحبه) أي صاحب الشيء المنهوب. (قال عبادة) بن الصامت الأنصاري مما وصله المؤلّف في وفود الأنصار: (بايعنا النبي ﷺ أن لا ننتهب) لأنه كان من شأن الجاهلية انتهاب ما يحصل لهم من الغارات فوقعت البيعة على الزجر عن ذلك. ٢٤٧٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ -وَهُوَ جَدُّهُ أَبُو أُمِّهِ- قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ". [الحديث ٢٤٧٤ - طرفه في: ٥٥١٦]. وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي قال: (سمعت عبد الله بن يزيد) من الزيادة الخطمي (الأنصاري) وللكشميهني ابن زيد قال ابن حجر وهو تصحيف (وهو) يعني عبد الله بن يزيد (جدّه) أي جدّ عدي بن ثابت (أبو أمه) فاطمة واختلف في سماع عبد الله بن يزيد هذا من النبي ﷺ قال الدارقطني له ولأبيه صحبة وشهد بيعة الرضوان وهو صغير (قال): (نهى النبي ﷺ عن النهبى والمثلة) بضم الميم وسكون المثلثة العقوبة الفاحشة في الأعضاء كجدع الأنف وقطع الأذن ونحوهما. ٢٤٧٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ». وَعَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ … مِثْلَهُ، إِلاَّ النُّهْبَةَ. قَالَ الفَرْبَرِيُّ: وَجَدتُ بِخَطِّ أبَيِ جَعْفَرٍ: "قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: تَفْسِيرُهُ أَنْ يَنزَعَ مِنهُ، يُرِيدُ الإِيمان" [الحديث ٢٤٧٥ - أطرافه في: ٥٥٧٨، ٦٧٧٢، ٦٨١٠]. وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين وفتح الفاء (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثنا عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحرث بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني (عن أبي هريرة ﵁¬) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) كامل (ولا يشرب) هو أي الشارب (الخمر حين يشرب وهو مؤمن) أي كامل ففي يشرب ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية راجع إلى الشارب الدالّ عليه يشرب بالالتزام لأن يشرب يستلزم شاربًا وحسن ذلك تقدم نظيره وهو لا يزني الزاني وليس براجع إلى الزاني لفساد المعنى، وقول الزركشي فيه حذف الفاعل بعد النفي فإن الضمير لا يرجع إلى الزاني بل لفاعل مقدّر دلّ عليه ما قبله أي ولا يشرب الشارب الخمر، تعقبه العلاّمة البدر الدماميني فقال في كلامه تدافع فتأمله، ووجه التدافع كونه قال فيه حذف الفاعل ثم قال فإن الضمير لا يرجع إلى الزاني بل لفاعل مقدّر لأن الفاعل عمدة فلا يحذف وإنما هو ضمير مستتر في الفعل (ولا يسرق) أي السارق (حين يسرق وهو مؤمن) كامل (ولا ينتهب) الناهب (نهبة يرفع الناس إليه) أي إلى المنتهب (فيها) أي في النهبة (أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) كامل فالمراد سلب كمال الإيمان دون أصله أو المراد من فعل ذلك مستحلاًّ له أو هو من باب الإنذار بزوال الإيمان إذا اعتاد هذه المعاصي واستمر عليها. وقال في المصابيح: انظر ما الحكمة في تقييد الفعل المنفي بالظرف في الجميع أي لا يزني الزاني حين يزني ولا يشرب الخمر حين يشربها ولا يسرق حين يسرق ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها ويظهر لي والله أعلم أن ما أضيف إليه الظرف هو من باب التعبير عن الفعل بإرادته وهو كثير في كلامهم أي لا يزني الزاني حين إرادته الزنا وهو مؤمن لتحقّق قصده وانتفاء ما عداه بالسهو لوقوع الفعل منه في حين إرادته وكذا البقية فذكر القيد لإفادة كونه متعمدًا لا عذر له انتهى. ومطابقة الحديث للترجمة

стр. 1721

في قوله ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم لأنه يستفاد منه التقييد بالإذن في الترجمة لأن رفع البصر إلى المنتهب في العادة لا يكون إلا عند عدم الإذن، ومفهوم الترجمة أنه إذن جاز ومحله في المنهوب المبتاع كالطعام يقدم للقوم فلكلٍّ منهم أن يأكل مما يليه ولا يجذب من غيره إلا برضاه. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الحدود ومسلم في الإيمان والنسائي في الأشربة وابن ماجة في الفتن. (وعن سعيد) هو ابن المسيب (وأبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي- ﷺ مثله) أي مثل حديث أبي بكر بن عبد الرحمن (إلا النهبة) فلم يذكرها فانفرد أبو بكر بن عبد الرحمن بزيادتها. (قال الفربري) محمد بن يوسف (وجدت بخط أبي جعفر) هو ابن أبي حاتم ورّاق المؤلّف. (قال أبو عبد الله) أي المؤلّف (تفسيره) أي تفسير قوله: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (أن ينزع منه يريد الإيمان) كذا في فرعين لليونينية وروايته فيها عن المستملي بلفظ يريد من الإرادة. وقال في فتح الباري: نور الإيمان والإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان ونوره الأعمال الصالحة واجتناب المناهي فإذا زنى أو شرب الخمر أو سرق ذهب نوره وبقي صاحبه في الظلمة. ٣١ - باب كَسْرِ الصَّلِيبِ وَقَتْلِ الْخِنْزِيرِ (باب كسر الصليب وقتل الخنزير). ٢٤٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ». وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) بن جعفر المديني البصري قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب) أنه (سمع أبا هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ¬) أنه (قال): (لا تقوم الساعة) أي القيامة (حتى ينزل فيكم) أي في هذه الأمة (ابن مريم) عيسى صلوات الله وسلامه عليه (حكمًا) بفتح الحاء والكاف أي حاكمًا (مقسطًا) عادلاً في حكمه فيحكم بالشريعة الحميدية (فيكسر الصليب) الذي اتخذه النصارى زاعمين أن عيسى عيه الصلاة والسلام صلب على خشبة على تلك الصورة وفي كسره له إشعار بأنهم كانوا على الباطل في تعظيمه والفاء في قوله فيكسر الصليب تفصيلية لقوله حكمًا مقسطًا (ويقتل الخنزير) بنصب يقتل عطفًا على فيكسر المنصوب وكذا قوله (ويضع الجزية) يتركها فلا يقبل من الكفار إلا الإسلام (ويفيض المال) بفتح الياء وكسر الفاء والنصب عطفًا على السابق ولأبي ذر ويفيض بالرفع على الاستئناف أي يكثر (حتى لا يقبله أحد) لعلمهم بقيام الساعة وأشار المؤلّف بإيراد هذا الحديث هنا إلى أن من كسر صليبًا أو قتل خنزيرًا لا يضمن لأنه فعل مأمورًا به، لكن محله إذا كان مع المحاربين أو الذمي إذا جاوز الحد الذي عوهد عليه فإذا لم يجاوزه وكسره مسلم كان متعديًّا لأنهم على تقديرهم على ذلك يؤدون الجزية. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في أحاديث الأنبياء وتقدم من وجه آخر في باب قتل الخنزير في أواخر البيوع، وأخرجه مسلم في الإيمان وابن ماجة في الفتن. ٣٢ - باب هَلْ تُكْسَرُ الدِّنَانُ الَّتِي فِيهَا الْخَمْرُ، أَوْ تُخَرَّقُ الزِّقَاقُ؟ فَإِنْ كَسَرَ صَنَمًا أَوْ صَلِيبًا أَوْ طُنْبُورًا أَوْ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِخَشَبِهِ. وَأُتِيَ شُرَيْحٌ فِي طُنْبُورٍ كُسِرَ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَىْء. هذا (باب) بالتنوين (هل تكسر الدنان) بكسر الدال جمع دن الحب وهو الخابية فارسي معرّب (التي فيها الخمر) صفة للدنان ولأبي ذر فيها خمر بالتنكير (أو تخرق الزقاق) بضم التاء وفتح الخاء المعجمة والراء مبنيًّا للمفعول عطفًا على هل تكسر الدنان والزقاق بكسر الزاي جمع زق أي التي فيها الخمر أيضًا فيه تفصيل وإن كانت الأوعية بحيث تراق وإذا غسلت طهرت وينتفع بها لم يجز إتلافها وإلاّ جاز، وقال أبو يوسف وأحمد في رواية: إن كان الدن أو الزق لمسلم لم يضمن، وقال محمد بن الحسن وأحمد في رواية يضمن لأن الإراقة بغير الكسر ممكنة وإن كان الدن لذمي، فقال الحنفية يضمن بلا خلاف لأنه مال متقوّم في حقهم، وقال الشافعي وأحمد: لا يضمن لأنه غير متقوّم في حق المسلم فكذا في حق الذمي وإن كان الدن لحربي فلا يضمن بلا خلاف، وعن مالك زق الخمر لا يطهره الماء لأن الخمر غاص فيه (فإن كسر صنمًا) ما يتخذ إلهًا من دون الله ويكون من خشب وغيره حديد ونحاس وغيرهما (أو) كسر (صليبًا أو طنبورًا) بضم الطاء والموحدة بينهما نون ساكنة آلة

стр. 1722

مشهورة من آلات الملاهي (أو) كسر (ما لا ينتفع بخشبه) قبل الكسر كآلات اللاهي المتخذة من الخشب فهو تعميم بعد تخصيص وجزاء الشرط محذوف أي هل يضمن أو يجوز أو فما حكمه؟ (وأتي) بضم الهمزة (شريح) هو ابن الحرث الكندي أدرك النبي ﷺ ولم يلقه واستقضاه عمر بن الخطاب على الكوفة أي أتاه اثنان (في طنبور كسر) ادّعى أحدهما على الآخر أنه كسر طنبوره (فلم يقضِ فيه بشيء) أي لم يحكم فيه بغرامة وهذا وصله ابن أبي شيبة. ٢٤٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ: عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ؟ قَالُوا: عَلَى الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ. قَالَ: اكْسِرُوهَا وَأَهْرِقُوهَا. قَالُوا: أَلَا نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: اغْسِلُوا". قَالَ أَبُو عَبْدُ اللهِ: كَانَ ابنُ أَبِي أُوَيسٍ يَقُولُ "الحمرِ الأنسيةِ" بنصبِ الألف والنون. [الحديث ٢٤٧٧ - أطرافه في: ٤١٩٦، ٥٤٩٧، ٦١٤٨، ٦٣٣١، ٦٨٩١]. وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة النبيل البصري (عن يزيد بن أبي عبيد) الأسلمي بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي أبو مسلم شهد بيعة الرضوان وتوفي سنة أربع وسبعين (﵁ أن النبي ﷺ رأى نيرانًا توقد يوم) غزوة (خيبر) سنة سبع (قال): (على ما توقد هذه النيران) بإثبات ألف ما الاستفهامية مع دخول الجار عليها وهو قليل، والنيران بكسر النون الأولى جمع نار والياء منقلبة عن واو وللأصيلي قال علام بحذف ألف ما الاستفهامية، ولأبي ذر فقال: علام بفاء قبل القاف وحذف ألف ما (قالوا) ولأبي ذر قال (على الحمر) بضم المهملة والميم (الإنسية) بكسر الهمزة وسكون النون نسبة إلى الإنس بني آدم وثبت قوله على لأبي ذر وسقطت لغيره (قال) ﵊ (اكسروها) أي القدور (وأهرقوها) بسكون الهاء ولأبي ذر وهريقوها بحذف الهمزة وزيادة مثناة تحتية قبل القاف والهاء مفتوحة أي صبوها (قالوا) مستفهمين (ألا نهريقها) بضم النون وفتح الهاء وبعد الراء المكسورة تحتية ساكنة أي من غير كسر (ونغسلها قال) ﷺ مجيبًا لهم (اغسلوا) بحذف الضمير المنصوب أي اغسلوها أي القدور وإنما قال ذلك ﵊ لاحتمال تغير اجتهاده أو أوحي إليه بذلك. وقال ابن الجوزي: أراد التغليظ عليهم في طبخهم ما نهي عن أكله فلما رأى إذعانهم اقتصر على غسل الأواني، وفيه رد على من زعم أن دنّان الخمر لا سبيل إلى تطهيرها فإن الذي دخل القدور من الماء الذي طبخت به الحمر نظيره، وقد أذن ﷺ في غسلها فدلّ على إمكان تطهيرها. وهذا الحديث تاسع ثلاثيات البخاري، وقد أخرجه أيضًا في المغازي والأدب والذبائح والدعوات ومسلم في المغازي وبالذبائح (قال أبو عبد الله) البخاري (كان ابن أبي أويس) إسماعيل وهو شيخ المؤلّف وابن أخت الإمام مالك (يقول: الحمر الأنسية بنصب الألف والنون) نسبة إلى الأنس بالفتح ضد الوحشة. قال في فتح الباري: وتعبيره عن الهمزة بالألف وعن الفتح بالنصب جائز عند المتقدمين وإن كان الاصطلاح أخيرًا قد استقرّ على خلافه فلا يبادر إلى إنكاره انتهى. وتعقبه العيني فقال: ليس هذا بمصطلح عند النحاة المتقدمين والمتأخرين إنهم يعبّرون عن الهمزة بالألف وعن الفتح بالنصب فمن ادّعى خلاف ذلك فعليه البيان بالهمزة ذات حركة والألف مادة هوائية لا تقبل الحركة والفتح من ألقاب البناء والنصب من ألقاب الإعراب وهذا مما لا يخفى على أحد. ٢٤٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ وَحَوْلَ البيتِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَجَعَلَ يَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الآيَةَ". [الحديث ٢٤٧٨ - طرفاه في: ٤٢٨٧، ٤٧٢٠]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المدني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة عبد الله بن يسار بالتحتية والسين المهملة المخففة (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن أبي معمر) بفتح الميمين وسكون المهملة بينهما عبد الله بن سخبرة الأزدي الكوفي (عن عبد الله بن مسعود ﵁) أنه (قال دخل النبي ﷺ مكة) في غزوة الفتح في رمضان سنة ثمان (وحول البيت) وفي نسخة وهي التي في الفرع وأصله الكعبة (ثلاثمائة وستون نصبًا) بضم النون والصاد المهملة وبالموحدة حجرًا كانوا ينصبونه في الجاهلية ويتخذونه صنمًا يعبدونه والجمع أنصاب والواو في قوله وحول البيت للحال (فجعل) النبي ﷺ

стр. 1723

(يطعنها) بضم العين في الفرع ويجوز فتحها أي يطعن الأصنام (بعود في يده) صفة لعود وفيه إذلال للأصنام وعابديها وإظهار أنها لا تضر ولا تنفع ولا تدفع عن أنفسها (وجع) ﵊ (يقول): (جاء الحق وزهق الباطل) أي هلك واضمحل (الآية) إلى آخرها. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي والتفسير ومسلم في المغازي والترمذي في التفسير وكذا النسائي. ٢٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّهَا كَانَتِ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ. فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا". [الحديث ٢٤٧٩ - أطرافه في: ٥٩٥٤، ٥٩٥٥، ٦١٠٩]. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (إبراهيم بن المنذر) الحزامي الأسدي قال: (حدّثنا أنس بن عياض) الليثي أبو ضمرة المدني (عن عبيد الله) بالتصغير العمري ولأبي ذر زيادة ابن عمر (عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ (عن عائشة ﵂ أنها كانت اتخذت على سهوة لها) بفتح السين المهملة كالصفة تكون بين يدي البيت أو الطاق يوضع فيه الشيء أو خزانة أو رف (سترًا فيه تماثيل) جمع تمثال وهو ما صوّر من الحيوانات (فهتكه) أي نزعه أو خرقه (النبي ﷺ فاتخذت) عائشة ﵂ (منه) أي من الستر (نمرقتين) تثنية نمرقة بضم النون والراء وسادة صغيرة وقد تطلق على الطنفسة (فكانتا) يعني النمرقتين (في البيت يجلس عليهما) النبي ﷺ . فإن قلت: ما وجه دخول هذا الحديث في المظالم؟ أجيب: بأن هتك الستر الذي فيه التماثيل من إزالة الظلم لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. وهذا الحديث من أفراده. ٣٣ - باب مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ (باب من قاتل دون ماله) أي عند ماله فقتل فهو شهيد. ٢٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يزيد) من الزيادة القرشي العدوي أبو عبد الرحمن القري مولى آل عمر بن الخطاب قال: (حدّثنا سعيد هو ابن أبي أيوب) الخزاعي (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو الأسود) محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم ابن العاص (﵄) أنه (قال سمعت النبي) ولأبي ذر رسول الله (¬ ﷺ يقول): (من قتل دون ماله فهو شهيد). وهذا الحديث أخرجه النسائي بهذا الإسناد بلفظ "من قتل دون ماله مظلومًا فله الجنة". وفي الترمذي من حديث سعيد بن زيد مرفوعًا "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد" ثم قال: حديث صحيح. ٣٤ - باب إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ شَيْئًا لِغَيْرِهِ هذا (باب) بالتنوين (إذا كسر) شخص (قصعة) بفتح القاف إناء من خشب (أو) كسر (شيئًا لغيره) هو من باب عطف العام على الخاص أي هل يضمن المثل أو القيمة فجواب إذا محذوف. ٢٤٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ: كُلُوا. وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ". وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [الحديث ٢٤٨١ - طرفه في: ٥٢٢٥]. وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن حميد) الطويل (عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه) هي عائشة (فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين) هي صفية كما رواه أبو داود والنسائي أو حفصة رواه الدارقطني وابن ماجة أو أم سلمة رواه الطبراني في الأوسط وإسناده أصح من إسناد الدارقطني وساقه بسند صحيح وهو أصح ما ورد في ذلك ويحتمل التعدد (مع خادم) لم يسم (بقصعة فيها طعام) وفي الأوسط للطبراني بصحفة فيها خبز ولحم من بيت أم سلمة (فضربت) عائشة (بيدها فكسرت القصعة) زاد أحمد نصفين وعند النسائي من حديث أم سلمة فجاءت عائشة ومعها فهر ففلقت الصحفة (فضمها) ﵊ أي القصعة، وفي رواية ابن علية عند المؤلّف في النكاح فجمع النبي ﷺ فلق الصحفة (وجعل فيها الطعام) الذي انتثر منها (وقال) ﵊ لأصحابه الذين كانوا معه: (كلوا وحبس الرسول) الذي جاء بالطعام (والقصعة) بالنصب عطفًا على المنصوب السابق (حتى فرغوا) من الأكل وأتى بقصعة من عند عائشة (فدفع القصعة الصحيحة) إلى الرسول ليعطيها للتي كسرت صحفتها (وحبس) القصعة (المكسورة) في بيت التي كسرت

стр. 1724

زاد الثوري وقال إناء كإناء وطعام كطعام. واستشكل بأنه إنما يحكم في الشيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء كالدراهم وسائر المثليات والقصعة إنما هي من المتقوّمات، والجواب ما حكاه البيهقي بأن القصعتين كانتا للنبي ﷺ في بيت زوجتيه فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها ولم يكن ذلك على سبيل الحكم على الخصم. (وقال ابن أبي مريم) هو شيخ المؤلّف سعيد (أخبرنا يحيى بن أيوب) قال: (حدّثنا حميد) الطويل قال: (حدّثنا أنس عن النبي ﷺ ¬) وغرض المؤلّف بسياق هذا بيان التصريح بتحديث أنس لحميد قاله في الفتح. ٣٥ - باب إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ هذا (باب) بالتنوين (إذا هدم) شخص (حائطًا) لشخص آخر (فليبن مثله) خلافًا لمن قال من المالكية وغيرهم تلزمه القيمة. ٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ. وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ. لأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا. فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ، فَأَبَى. فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ. فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي. قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ لَا، إِلاَّ مِنْ طِينٍ». وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي الأزدي البصري قال: (حدّثنا جرير) هو (ابن حازم) بالحاء المهملة والزاي ابن زيد بن عبد الله الأزدي البصري (عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : كان رجل في بني إسرائيل يقال له جريج) بضم الجيم الأولى وفتح الراء وسكون التحتية وفي رواية كريمة جريج الراهب (يصلّي) أي في صومعته وفي أول حديث أبي سلمة عند. . . . . . (١). . . . . . كان رجل في بني إسرائيل تاجرًا وكان ينقص مرة ويزيد أخرى فقال ما في هذه التجارة خير لألتمسن تجارة هي خير من هذه فبنى صومعة وترهب فيها، وهذا يدل على أنه كان بعد عيسى ﵊ وأنه كان من أتباعه لأنهم الذين ابتدعوا الترهب وحبس النفس في الصوامع وهو يرد قول ابن بطال إنه يمكن أن يكون نبيًّا (فجاءته أمه) لم تسم (فدعته) وفي رواية أبي رافع عند أحمد فأتته أمه ذات يوم فنادته فقالت ابني جريج أشرف حتى أكلمك أنا أمك (فأبى أن يجيبها فقال) في نفسه مناجيًا لله تعالى سرًّا من غير نطق أو نطق وكان الكلام مباحًا في شريعتهم كما كان عندنا في صدر الإسلام (أجيبها أو أصلي ثم أتته) أي بعدما رجعت وفي رواية أبي رافع فصادفته يصلّي فقالت يا جريج فقال: يا رب أمي وصلاتي فاختار صلاته فرجعت فأتته وصادفته يصلّي فقالت: يا جريج أنا أمك فكلمني فقال مثله. وفي حديث عمران بن حصين عند الطبراني في الأوسط أنها جاءته ثلاث مرات تناديه في كل مرة ثلاث مرات، وقوله: أمي وصلاتي أي اجتمع عليّ إجابة أمي وإتمام صلاتي فوفقني لأفضلهما (فقال: اللهم لا تمته حتى تريه المومسات) جمع مومسة بضم الميم وسكون الواو وكسر الميم بعدها مهملة الزانية. وفي رواية الأعرج في باب: إذا دعت الأم ولدها في الصلاة من أواخر كتاب الصلاة حتى ينظر في وجوه المياميس، وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي: حتى تريه وجوه المومسات (وكان جريج في صومعته) بفتح الصاد المهملة وسكون الواو وهي البناء المرتفع المحدّد أعلاه وزنها فوعلة من صمعت إذا دققت لأنها دقيقة الرأس (فقالت امرأة) بغي منهم (لأفتنن جريجًا) ولم تسم. نعم في حديث عمران بن حصين أنها كانت بنت ملك القرية لكن يعكر عليه ما في رواية الأعرج وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم. وأجيب: باحتمال أنها خرجت من دارها بغير علم أهلها متنكرة للفساد إلى أن ادّعت أنها تستطيع أن تفتن جريجًا فاحتالت بأن خرجت في صورة راعية ليمكنها أن تأوي إلى ظل صومعته لتتوصل بذلك إلى فتنته. (فتعرضت له فكلمته) أن يواقعها (فأبى فأتت راعيًا) قال القطب القسطلاني في المبهمات له اسمه صهيب، وكذا قال ابن حجر في المقدمة لكنه قال في فتح الباري في أحاديث الأنبياء: لم أقف على اسم الراعي وزاد أحمد في رواية وهب بن جرير بن حازم عن أبيه كان يؤوي غنمه إلى أصل صومعة جريج (فأمكنته من نفسها) فواقعها وحملت منه (فولدت غلامًا) بعد انقضاء مدة الحمل فسئلت ممن هذا الغلام (فقالت هو من جريج فأتوه

стр. 1725

وكسروا صومعته) وفي رواية أبي رافع فأقبلوا بفؤوسهم ومساحيهم. وفي حديث عمران فما شعر حتى سمع بالفؤوس في أصل صومعته فجعل يسألهم ويلكم ما لكم فلم يجيبوه، فلما رأى ذلك أخذ الحبل فتدلى (فأنزلوه) ولأبي ذر: وأنزلوه بالواو بدل الفاء (وسبوه) زاد أحمد في رواية وهب بن جرير وضربوه فقال: ما شأنكم؟ قالوا: إنك زنيت بهذه، وفي رواية أبي رافع عند أحمد أيضًا فجعلوا في عنقه وعنقها حبلاً فجعلوا يطوفون بهما في الناس (فتوضأ) وفيه أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة لمن قال ذلك. نعم من خصائصها الغرة والتحجيل في القيامة (وصلّى) زاد في حديث عمران ركعتين وفي رواية وهب بن جرير ودعا (ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام) وفي رواية الأعرج قال يا بابوس من أبوك أي يا صغير وليس هو اسم هذا الغلام بعينه (قال) الغلام أبي (الراعي) وفيه أن الطفل يدعى غلامًا وقد تكلم من الأطفال ستة. شاهد يوسف. وابن ماشطة بنت فرعون. وعيسى ﵊. وصاحب جريج هذا. وصاحب الأخدود. وولد المرأة التي من بني إسرائيل لما مرّ بها رجل من بني إسرائيل وقالت: اللهم اجعل ابني مثله فترك ثديها وقال: اللهم لا تجعلني مثله، وزعم الضحاك في تفسيره أن يحيى تكلم في المهد أخرجه الثعلبي فإن ثبت صاروا سبعة. ومبارك اليمامة في الزمن النبوي الحميدي وتأتي دلائل ذلك إن شاء الله تعالى في أحاديث الأنبياء. (قالوا نبني صومعتك من ذهب قال) جريج (لا إلا من طين) كما كانت ففعلوا. قال ابن مالك في التوضيح فيه شاهد على حذف المجزوم بلا الناهية فإن مراده لا تبنوها إلا من طين. قال في المصابيح: يحتمل أن يكون التقدير لا أريدها من طين فلا شاهد فيه. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: نبني صومعتك الخ … لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت شرعنا بخلافه لكن في الاستدلال بهذه القصة فيما ترجم به نظر لأن شرعنا أوجب المثل في المثليات والحائط متقوّم لا مثلي لكن لو التزم الهادم الإعادة ورضي صاحبه بذلك جاز بلا خلاف. وفي الحديث إيثار إجابة الأم على صلاة التطوّع لأن الاستمرار فيها نافلة وإجابة الأم وبرّها واجب. قال النووي: وإنما دعت عليه وأجيبت لأنه كان يمكنه أن يخفف ويجيبها لكن لعله خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته والعود إلى الدنيا وتعلقاتها انتهى. وفيه بحث يأتي إن شاء الله تعالى، وعند الحسن بن سفيان من حديث يزيد بن حوشب عن أبيه عن النبي ﷺ قال: لو كان جريج فقيهًا لعلم أن إجابة أمه أولى من عبادة ربه. وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في أحاديث الأنبياء ومسلم في الأدب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٧ - كتاب الشركة (بسم الله الرحمن الرحيم). ١ - باب الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالْعُرُوضِ وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً، لَمَّا لَمْ يَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي النَّهْدِ بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا. وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْقِرَانُ فِي التَّمْرِ. (باب الشركة) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء كما ضبطها في اليونينية وهي لغة الاختلاط وشرعًا ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع، وقد تحدث الشركة قهرًا كالإرث أو باختيار كالشراء وهي أنواع أربعة شركة الأبدان كشركة الحمالين وسائر المحترفة ليكون كسبهما متساويًا أو متفاوتًا مع اتفاق الصنعة واختلافها وشركة الوجوه كأن يشترك وجيهان عند الناس ليبتاع كلٌّ منهما بمؤجل، ويكون المبتاع لهما فإذا باعا كان الفاضل عن الأثمان بينهما وشركة المفاوضة بأن يشترك اثنان بأن يكون بينهما كسبهما بأموالهما أو أبدانهما وعليهما ما يعرض من مغرم، وسميت مفاوضة من تفاوضا في الحديث شرعًا فيه جميعًا وشركة العنان بكسر العين من عنّ الشيء ظهر إما لأنها أظهر الأنواع أو لأنه ظهر لكلٍّ منهما مال الآخر وكلها باطلة إلا شركة العنان لخلوّ الثلاثة الأول عن المال المشترك ولكثرة الغرر فيها بخلاف الأخيرة فهي الصحيحة ولها شروط: العاقدان وشرطهما أهلية التوكيل والتوكل، والصيغة ولابدّ فيها من لفظ يدل على الإذن من كلٍّ منهما للآخر في التصرف بالبيع والشراء والمال المعقود عليه، وتجوز

стр. 1726

الشركة في الدراهم والدنانير بالإجماع وكذا في سائر المثليات كالبرّ والحديد لأنها إذا اختلطت بجنسها ارتفع عنها التمييز فأشبهت النقدين، وأن يخلطا قبل العقد ليتحقق معنى الشركة وسقط لفظ باب في رواية أبي ذر وقال في الشركة بكسر المعجمة وسكون الراء كما في الفرع ولم يضبطه في أصله، وفي رواية النسفيّ وابن شبويه كتاب الشركة. (في الطعام) الآتي حكمه في باب مفرد (والنهد) بكسر النون، ولأبي ذر: والنهد بفتحها والهاء في الروايتين ساكنة وهو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة وخلطها عند المرافقة في السفر وقد يتفق رفقة فيصنعونه في الحضر كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (والعروض) بضم العين جمع عرض بسكون الراء مقابل النقد ويدخل فيه الطعام (وكيف قسمة ما يكال ويوزن) هل تجوز قسمته (مجازفة أو) لا بدّ من الكيل في المكيل والوزن في الموزون كما قال (قبضة قبضة) يعني متساوية (لما) بفتح اللام وتشديد الميم في أصلين مقايلين على اليونينية وغيرهما مما وقفت عليه. وقال الحافظ ابن حجر وتبعه العيني: لما بكسر اللام وتخفيف الميم (لم ير المسلمون في النهد بأسًا أن) أي بأن (يأكل هذا بعضًا وهذا بعضًا) مجازفة (وكذلك مجازفة الذهب) بالفضة (والفضة) بالذهب لجواز التفاضل في ذلك كغيره مما يجوز التفاضل فيه مما يكال أو يوزن من المطعومات ونحوها (والقران) بالجر عطفًا على سابقه، وفي رواية والإقران (في التمر) وقد ذكره في المظالم والذي في اليونينية وفرعها رفع القران والإقران لا غير. ٢٤٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَىْ تَمْرٍ، فَكَانَ يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلاً قَلِيلاً حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلاَّ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، -فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ- قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا". [الحديث ٢٤٨٣ - أطرافه في: ٢٩٨٣، ٤٣٦٠، ٤٣٦١، ٤٣٦٢، ٥٤٩٣، ٥٤٩٤]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن وهب بن كيسان) بفتح الكاف (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ أنه قال بعث رسول الله ﷺ بعثًا قبل الساحل) في رجب سنة ثمانٍ من الهجرة والساحل شاطئ البحر (فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح) بفتح الجيم وشديد الراء وبعد الألف حاء مهملة واسم أبي عبيدة عامر بن عبد الله (وهم) أي البعث (ثلاثمائة وأنا فيهم فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد) أي أشرف على الفناء (فأمر) الأمير (أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر) بكسر الميم وإسكان الزاي وفتح الواو والدال وسكون المثناة التحتية تثنية مزود ما يجعل فيه الزاد كالجراب (فكان يقوّتنا) بتشديد الواو وحذف الضمير، ولأبي ذر عن الكشميهني: يقوّتناه (كل يوم) بالنصب على الظرفية (قليلاً قليلاً) بالنصب كذا في رواية أبي ذر عن الكشميهني وفي رواية عن الحموي والمستملي: يقوّتنا بفتح أوّله وضم القاف وسكون الواو كل يوم قليل قليل بالرفع (حتى فني) أكثره (فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة) قال وهب بن كيسان (فقلت) لجابر (وما تغني تمرة): أي عن الجوع (فقال) جابر (لقد وجدنا فقدها حين فنيت) مؤثرًا وفي رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عيها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل (قال) أي جابر (ثم انتهينا إلى) ساحل (البحر فإذا حوت مثل الظرب) بظاء معجمة مشالة مفتوحة فراء مكسورة فموحدة: أي الجبل الصغير وضبط أيضًا في الفرع بكسر الطاء وسكون الراء أي منبسط ليس بالعالي (فأكل منه ذلك الجيش) الثلاثمائة (ثماني عشرة ليلة ثم أمر أبو عبيدة) بن الجراح (بضلعين) بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام (من أضلاعه فنصبا) استشكل إسقاط تاء التأنيث لأن الضلع مؤنثة. وأجيب: بأن تأنيثها غير حقيقي فيجوز التذكير (ثم أمر براحلة فرحلت ثم مرت تحتهما) أي تحت الضلعين (فلم تصبهما). ومطابقة الحديث للترجمة في قوله فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع لأنه لما كان يفرق عليهم قليلاً قليلاً صار في معنى النهد، واعترض بأنه ليس فيه ذكر المجازفة لأنهم لم يريدوا المبايعة ولا البذل. وأجيب: بأن حقوقهم تساوت فيه بعد جمعهم فتناولوه مجازفة كما جرت العادة. وهذا الحديث أخرجه

стр. 1727

المؤلّف أيضًا في المغازي والجهاد ومسلم في الصيد والترمذي وابن ماجة في الزهد والنسائي في الصيد والسير. ٢٤٨٤ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: "خَفَّتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ وَأَمْلَقُوا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فِي نَحْرِ إِبِلِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِلِكُمْ؟ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبِلِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَادِ فِي النَّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطَعٌ وَجَعَلُوهُ عَلَى النِّطَعِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ فَاحْتَثَى النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ". [الحديث ٢٤٨٤ - طرفه في: ٢٩٨٢]. وبه قال: (حدّثنا بشر بن مرحوم) هو بشر بن عبيس بالعين المهملة والموحدة والسين المهملة مصغرًا ابن مرحوم الطائي البصري نزيل الحجاز ونسبه لجده لشهرته به قال: (حدّثنا حاتم بن إسماعيل) المدني الحارثي صدوق يهم (عن يزيد بن أبي عبيد) الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة) أي ابن الأكوع (﵁) أنه (قال: خفت أزواد القوم) أي في غزوة هوازن كما عند الطبراني وللحموي والمستملي أزودة القوم (وأملقوا) أي افتقروا (فأتوا النبي ﷺ في نحر إبلهم فأذن لهم) في نحرها (فلقيهم عمر) بن الخطاب ﵁ (فأخبروه) بذلك (نقال: ما بقاؤكم بعد إبلكم) إذا نحرتموها لأن توالي المشي قد يفضي إلى الهلاك (فدخل على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله ﷺ ¬): (ناد في الناس) فهم (يأتون) ولغير أبي ذر فيأتون (بفضل أزوادهم فبسط لذلك نطع) بكسر النون وفتح الطاء ويجوز فتح النون وسكون الطاء فهي أربع لغات (وجعلوه) أي فضل الأزواد (على النطع فقام رسول الله ﷺ فدعا وبرك) بتشديد الراء (عليه) أي ما على النطع (ثم دعاهم بأوعيتهم) جمع وعاء (فاحتثى الناس) بهمزة وصل وسكون الحاء المهملة وفتح المثناة الفوقية والمثلثة أي أخذوا حثية حثية وهي الأخذ بالكفّين (حتى فرغوا ثم قال رسول الله ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) إشارة إلى أن ظهور المعجزة مما يؤيد الرسالة. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله جمع أزوادهم لأنه أخذها منهم بغير قسمة مستوية وقد أخرجه أيضًا في الجهاد وهو من إفراده. ٢٤٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ فَنَنْحَرُ جَزُورًا، فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ، فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) هو الفريابي كما قاله أبو نعيم الحافظ قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو قال: (حدّثنا أبو النجاشي) بتخفيف الجيم وبعد الألف معجمة عطاء بن صهيب (قال: سمعت رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد المثناة التحتية جيم (﵁ قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ العصر فننحر جزورًا فتقسم عشر قسم) بكسر القاف وفتح السين جمع قسمة (فنأكل لحمًا نضيجًا) بفتح النون وكسر المعجمة آخره جيم أي مستويًا (قبل أن تغرب الشمس) والغرض منه قوله فتقسم عشر قسم فإن فيه جمع الأنصباء مجازفة. وهو من الأحاديث المذكورة في غير مظنتها وفيه تعجيل العصر وقد ذكر في المواقيت من هذا الوجه تعجيل المغرب ولفظه: حدّثنا محمد بن مهران، حدّثنا الوليد حدّثنا الأوزاعي قال: حدّثني أبو النجاشي مولى رافع هو عطاء بن صهيب قال: سمعت رافع بن خديج يقول: كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﷺ فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله اهـ. ٢٤٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا حماد بن أسامة) القرشي مولاهم الكوفي أبو أسامة (عن بريد) بضم الموحدة ابن عبد الله (عن) جدّه (أبي بردة) الحرث أو عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (إن الأشعريين) بتشديد المثناة التحتية نسبة إلى الأشعري قبيلة من اليمن (إذا أرملوا في الغزو) بفتح الهمزة والميم أي فني زادهم وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل من القلّة كما قيل ترب الرجل إذا افتقر كأنه لصق بالتراب (أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم) وللحموي والمستملي: ثم اقتسموا بحذف الضمير المنصوب (في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم) أي متصلون بي أو فعلوا فعلي في هذه المواساة وفيه منقبة عظيمة للأشعريين. وفي الحديث استجاب خلط الزاد سفرًا وحضرًا وقول ابن حجر فيه جواز هبة المجهول تعقبه العيني بأنه ليس في الحديث ما يدل له

стр. 1728

وليس فيه إلا مواساة بعضهم بعضًا والإباحة وهذا لا يسمى هبة لأن الهبة تمليك المال والتمليك غير الإباحة وأيضًا الهبة لا تكون إلا بالإيجاب والقبول ولابد فيها من القبض عند جمهور العلماء ولا تجوز فيما يقسم إلا محوزة مقسومة. ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة والحديث أخرجه مسلم في الفضائل والنسائي في السير والله أعلم. ٢ - باب مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ فِي الصَّدَقَةِ هذا (باب) بالتنوين (ما كان من خليطين) أي مخالطين وهما الشريكان (فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية في الصدقة) قيد بالصدقة لوروده فيها لأن التراجع لا يصح بين الشريكين في الرقاب. ٢٤٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ: "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله بن المثنى) بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) عبد الله (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميم (ابن عبد الله بن أنس) وثمامة عمّ عبد الله بن المثنى (أن) جده (أنسًا) هو ابن مالك (حدّثه أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب له فريضة الصدقة التي فرض) أي قدر (رسول الله ﷺ قال): (وما كان من خليطين) تثنية خليط وهو الشريك (فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) أي أن الشريكين إذا خلطا رأس مالهما والربح بينهما فمن أنفق من مال الشركة أكثر مما أنفق صاحبه تراجعا عند القسمة بقدر ذلك لأنه ﷺ أمر الخليطين في الغنم بالتراجع بينهما وهما شريكان فدلّ ذلك على أن كل شريكين في معناهما قاله أبو سليمان الخطابي. وتعقبه ابن المنير: بأن التراجع الواقع بين الخليطين في الفتح ليس من باب قسمة الربح إنما أصله غرم مستهلك لأنّا نقدّر من لم يعط استهلك مال من أعطى إذا أعطى عن حق وجب على غيره وقيل إنما يقدر مستلفًا من صاحبه على ذلك الخلاف في وقت التقويم عند التراجع هل يقوّم وقت الأخذ أو وقت الوفاء فالأول على أنه استهلك والثاني على أنه استلف قال وفيه حجة لمذهب مالك ﵀ أن من قام عن غيره بواجب فله الرجوع عليه وإن لم يكن أذن له في القيام عنه، وأما لو ذبح أحد الخليطين أو الشريكين من الشركة شيئًا فهو مستهلك فالقيمة يوم الاستهلاك قولاً واحدًا بخلاف ما يأخذه الساعي كذا نقله عن ابن المنير في المصابيح والفتح بنحوه مختصرًا. وهذا الحديث بهذا السند قد ذكره المؤلّف في مواضع مقطعًا في عشرة مواضع سبق منها في الزكاة ستة وباقيها في الشركة والخمس واللباس وترك الحيل، وأخرجه أبو داود في موضع واحد بتمامه. ٣ - باب قِسْمَةِ الْغَنَمِ (باب قسمة الغنم) أي بالعدد. ٢٤٨٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ فَأَصَابُوا إِبِلاً وَغَنَمًا، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ ثُمَّ قَسَمَ، فَعَدَلَ عَشْرَةً مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا. فَقَالَ جَدِّي: إِنَّا نَرْجُو -أَوْ نَخَافُ- الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ". [الحديث ٢٤٨٨ - أطرافه في: ٢٥٠٧، ٣٠٧٥، ٥٤٩٨، ٥٥٠٣، ٥٥٠٦، ٥٥٠٩، ٥٥٤٣، ٥٥٤٤]. وبه قال: (حدّثنا عليّ بن الحكم) بفتحتين ابن ظبيان بفتح المعجمة وسكون الموحدة المروزي (الأنصاري) المؤدب قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن سعيد بن مسروق) بن عدي والد سفيان الثوري (عن عباية بن رفاعة) بفتح العين المهملة وتخفيف الموحدة وبعد الألف مثناة تحتية مفتوحة ورفاعة بكسر الراء (ابن رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة وآخره جيم (عن جده) رافع بن خديج ﵁ أنه (قال كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة) زاد مسلم كالمؤلّف في باب من عدل عشرًا من الغنم بجزور من تهامة وهو يردّ على النووي حيث قال تبعًا للقابسي إنه المهل الذي بقرب المدينة قال السفاقسي: وكان ذلك سنة ثمان من الهجرة في قضية حُنين (فأصاب الناس جوع فأصابوا إبلاً وغنمًا) بكسر الهمزة والموحدة لا واحد له من لفظه بل واحده بعير (قال) رافع (وكان النبي ﷺ في أُخريات القوم) بضم الهمزة للرفق بهم وحمل النقطع (فعجلوا) بكسر الجيم وفي الفرع بفتحها ولم يضبطها في اليونينية (وذبحوا) مما أصابوه (ونصبوا القدور) بعد أن وضعوا اللحم فيها للطبخ (فأمر النبي ﷺ بالقدور) أن تكفأ (فأكفئت) بضم الهمزة الأولى أي أميلت ليفرغ ما فيها يقال كفأت الإناء وأكفأته إذا أملته وإنما أكفئت لأنهم ذبحوا الغنم قبل أن تقسم ولم يكن لهم ذلك وقال النووي لأنهم كانوا قد انتهوا إلى دار

стр. 1729

الإسلام والمحل الذي لا يجوز الأكل فيه من مال الغنيمة المشتركة، فإن الأكل منها قبل القسمة إنما يباح في دار الحرب، والمأمور به من الإراقة إنما هو إتلاف المرق عقوبة لهم، وأما اللحم فلم يتلفوه بل يحمل على أنه جمع وردّ إلى المغنم ولا يظن بأنه أتلف مال الغانمين لأنه ﷺ نهى عن إضاعة المال. نعم في سنن أبي داود بسند جيد أنه ﷺ أكفأ القدور بقوسه ثم جعل يزيل اللحم بالتراب ثم قال: "إن النهبة ليست بأحلّ من الميتة أو إن الميتة ليست بأحل من النهبة" شك هناد أحد رواته وقد يجاب بأنه لا يلزم من تزبيله إتلافه لإمكان تداركه بالغسل لكنه بعيد، ويحتمل أن فعله ذلك لأنه أبلغ في الزجر ولو ردّها إلى المغنم لم يكن فيه كبير زجر إذا ما ينوب الواحد منهم في ذلك نزر يسير فكان إفسادها عليهم مع تعلق قلوبهم بها وغلبة شهواتهم أبلغ في الزجر. (ثم قسم) ﵊ (فعدل) بتخفيف الدال (عشرة) بإثبات تاء التأنيث في أصل أبي ذر والأصيلي وابن عساكر والأصل المسموع على أبي الوقت بقراءة الحافظ ابن السمعاني لكن قال ابن مالك لا يجوز إثباتها فالصواب فعدل عشرًا (من الغنم ببعير) أي سواها به وهو محمول على أنه كان بحسب قيمتها يومئذ ولا يخالف هذا قاعدة الأضحية من إقامة بعير مقام سبع شياه لأنه الغالب في قيمة الشياه والإبل المعتدلة. وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى (فند) بفتح النون وتشديد الدال المهملة أي هرب وشرد (منها بعير فطلبوه فأعياهم) أي أعجزهم (وكان في القوم خيل يسيرة) أي قليلة (فأهوى) أي مال وقصد (رجل منهم) إليه (بسهم) أي فرماه به (فحبسه الله) أي بذلك السهم (ثم قال) ﷺ : (إن لهذه البهائم) أي الإبل (أوابد) جمع آبدة بالمد وكسر الموحدة المخففة أي نوافر وشوارد (كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا) أي ارموه بالسهم كالصيد. قال عباية بن رفاعة (فقال جدي) رافع بن خديج (إنّا نرجو أو) قال (نخاف العدوّ غدًا) والشك من الراوي والرجاء هنا بمعنى الخوف (وليست مدى) ولأبي ذر عن الكشميهني والأصيلي: وليست معنا مدى، وللحموي والمستملي: وليست لنا مدى وهو بضم الميم وبالدال المهملة مقصور منوّن جمع مدية مثلث الميم سكين أي استعملنا السيوف في الذبائح تكل وتعجز عند لقاء العدوّ عن المقاتلة بها (أفنذبح بالقصب) ولمسلم فنذكي بالليط بكسر اللام وسكون المثناة التحتية وبالطاء المهملة قطع القصب أو قشوره (قال) ﵊: (ما أنهر الدم) أي صبه بكثرة وهو مشبه بجري الماء في النهر وكلمة ما موصولة مبتدأ والخبر فكلوه أو شرطية والفاء جواب الشرط. وقال البرماوي كالزركشي وروي بالزاي حكاه القاضي عياض وهو غريب. قال في المصابيح وهذا تحريف في النقل، فإن القاضي قال في المشارق ووقع للأصيلي في كتاب الصيد أنهز بالزاي وليس بشيء والصواب ما لغيره أنهر أي بالراء كما في سائر المواضع، فالقاضي إنما حكى هذا عن الأصيلي في كتاب الصيد لا في المكان الذي نحن فيه وهو كتاب الشركة وكلام الزركشي ظاهر في روايته في هذا المحل الخاص وهو تحريف بلا شك انتهى. (وذكر اسم الله عليه فكلوه) هذا تمسك به من اشترط التسمية عند الذبح وهم المالكية والحنفية فإنه علق الإذن في الأكل بمجموع أمرين والمعلق على شيئين ينتفي بانتفاء أحدهما. وأجاب أصحابنا الشافعية بأن هذا معارض بحديث عائشة ﵂ أن قومًا قالوا إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا فقال "سموا أنتم وكلوا" فهو محمول على الاستحباب. وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الصيد والذبائح. قال العلاّمة البدر الدماميني، فإن قلت: الضمير من قوله فكلوه لا يعود على ما لأنها عبارة عن آلة التذكية وهي لا تؤكل فعلى ماذا يعود؟ وأجاب: بأنه يعود على المذكّي المفهوم من الكلام لأن إنهار الآلة للدم يدل على شيء أنهر دمه ضرورة وهو المذكى

стр. 1730

ولكن لا بدّ من رابط يعود على ما من الجملة أو ملابسها فيقدر محذوف ملابس أي فكلوا مذبوحة أو يقدر ذلك مضافًا إلى ما ولكنه حذف فالتقدير مذبوح ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه. فإن قلت: يلزم عدد الارتباط حينئذ. وأجاب: بأن الربط حاصل. قال: وذلك أنّا نقدّر التركيب هكذا ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه على مذكاه فكلوا فالضمير عائد على ملتبس فحصل الربط، وقد قال الكسائي وتبعه ابن مالك في قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن﴾ [البقرة: ٢٣٤] إن الذين مبتدأ ويتربصن الخبر والأصل يتربص أزواجهم ثم جيء بالضمير مكان الأزواج لتقدّم ذكرهنّ فامتنع ذكر الضمير لأن النون لا تضاف لكونها ضميرًا وجعل الربط بالضمير القائم مقام الظاهر المضاف إلى الضمير وهذا مثل مسألتنا. (ليس السن والظفر) قال الزركشي والبرماوي والكرماني واليني ليس هنا للاستثناء بمعنى إلا وما بعدها نصب على الاستثناء. قال في المصابيح: الصحيح أنها ناسخة وأن اسمها ضمير راجع للبعض المفهوم مما تقدم واستتاره واجب فلا يليها في اللفظ إلا المنصوب (وسأحدثكم عن ذلك) أي سأبيّن لكم علّته وحكمته لتتفقهوا في الدين (أما السن فعظم) لا يقطع غالبًا وإنما يجرح ويدمي فتزهق النفس من غير تيقن الذكاة وهذا يدل على أن النهي عن الذكاة بالعظم كان متقدمًا فأحال بهذا القول على معلوم قد سبق. قال ابن الصلاح ولم أجد بعد البحث أحدًا ذكر ذلك بمعنى يعقل قال وكأنه عندهم تعبدي، وكذا نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال: للشرع علل تعبد بها كما أن له أحكامًا تعبد بها أي وهذا منها. وقال النووي: المعنى لا تذبحوا بالعظام لأنها تنجس بالدم وقد نهيتم عن تنجيس العظام في الاستنجاء لكونها زاد إخوانكم من الجن انتهى. قال في جمع العدة: وهو ظاهر. (وأما الظفر فمدى الحبشة) ولا يجوز التشبه بهم ولا بشعارهم لأنهم كفار وهم يدمون المذبح بأظفارهم حتى تزهق النفس خنقًا وتعذيبًا ويحلّونها محل الذكاة فلذلك ضرب المثل بهم والألف واللام في الظفر للجنس فلذلك وصفها بالجمع ونظيره قولهم: أهلك الناس الدرهم البيض والدينار الصفر قال النووي: ويدخل فيه ظفر الآدمي وغيره متصلاً ومنفصلاً ظاهرًا أو نجسًا وكذا السن، وجوّزه أبو حنيفة وصاحباه بالمنفصلين. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الشركة والجهاد والذبائح، ومسلم في الأضاحي، وأبو داود في الذبائح، والترمذي في الصيد والأضاحي، وابن ماجة في الأضاحي والذبائح. ٤ - باب الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ (باب) ترك (القران في التمر) هو الجمع بين التمرتين عند الأكل (بين الشركاء حتى يستأذن أصحابه) فيه حذف المضاف وهو ترك وإقامة المضاف إليه مقامه لوجود الدليل عليه والأصل ترك القران فحذف الترك لأن الغاية المذكورة تدل عليه قاله البدر الدماميني وهو أحسن من قول غيره إن حتى كانت حين فتصحفت أو سقط من الترجمة لفظ النهي من أولها. ٢٤٨٩ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ". وبه قال: (حدّثنا خلاّد بن يحيى) بن صفوان السلمي الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا جبلة بن سحيم) بضم السين وفتح الحاء المهملتين وبعد المثناة التحتية الساكنة ميم وجبلة بفتح الجيم والموحدة واللام التيمي (قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول نهى النبي ﷺ ¬) نهي تنزيه (أن يقرن الرجل) بفتح الياء وسكون القاف وضم الراء وصحح عليه في اليونينية وفي غيرها يقرن بكسر الراء. قال الصغاني: يقال فيه يقرن ويقرن بضم الراء وكسرها مع فتح أولهما ويقرن بكسر الراء مع ضم الأول (بين التمرتين جميعًا) في الأكل بين الشركاء (حتى يستأذن أصحابه). وهذا الحديث قد سبق في المظالم. ٢٤٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَبَلَةَ قَالَ: "كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فَأَصَابَتْنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: لَا تَقْرُنُوا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ". وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن جبلة) بن سحيم أنه (قال: كنا بالمدينة فأصابتنا سنة) عام مقحط لم تنبت الأرض فيه شيئًا سواء نزل غيث أو لم ينزل (فكان ابن الزبير) عبد الله (يرزقنا التمر) أي يقوتنا به، (وكان ابن عمر) بن الخطاب

стр. 1731

﵄ (يمر بنا فيقول: لا تقرنوا) بضم الراء في اليونينية وبكسرها في غيرها من باب نصر ينصر وضرب يضرب أي لا تجمعوا في الأكل بين تمرتين (فإن النبي ﷺ نهى عن الإقران) بكسر الهمزة من الثلاثي المزيد فيه وللحموي والمستملي عن القران بغير همز من الثلاثي وهو الصواب والنهي للتنزيه لما فيه من الحرص على الأكل والشره مع ما فيه من الدناءة. وقال ابن بطال: النهي عن القران من حسن الأدب في الأكل عند الجمهور لا على التحريم خلافًا للظاهرية لأن الذي يوضع للأكل سبيله سبيل المكارمة لا التشاح لاختلاف الناس في الأكل لكن إذا استأثر بعضهم بأكثر من بعض لم يحمد له ذلك. (إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه) في القران فلا كراهة. ٥ - باب تَقْوِيمِ الأَشْيَاءِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقِيمَةِ عَدْلٍ (باب تقويم الأشياء) نحو الأمتعة والعروض (بين الشركاء) حال كون التقويم (بقيمة عدل) واختلف في قسمتها بغير تقويم فأجازه الأكثر إذا كان على سبيل التراضي ومنعه الشافعي. ٢٤٩١ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ -أَوْ شِرْكًا، أَوْ قَالَ نَصِيبًا- وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فَهْوَ عَتِيقٌ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». قَالَ: لَا أَدْرِي قَوْلُهُ: "عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" قَوْلٌ مِنْ نَافِعٍ، أَوْ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [الحديث ٢٤٩١ - أطرافه في: ٢٥٠٣، ٣٥٢١، ٢٥٢٢، ٢٥٢٣، ٢٥٢٤، ٢٥٢٥]. وبه قال: (حدّثنا عمران بن ميسرة) بفتح الميم وسكون المثناة التحتية أبو الحسن البصري الأدمي قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد العنبري التنوري بفتح المثناة الفوقية وتشديد النون البصري (قال: حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (من أعتق شقصًا) بكسر الشين المعجمة نصيبًا (له) قليلاً كان أو كثيرًا (من عبد) أي ذكر أو أنثى قال تعالى: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣] فإنه يتناول الذكر والأنثى قطعًا (أو) قال (شركًا) بكسر الشين أيضًا (أو قال نصيبًا) من عبد مشترك بينه وبين آخر (وكان له) أي الذي أعتق (ما يبلغ ثمنه) أي ثمن بقية العبد أما حصته فهو موسر بها لملكه لها فتعتق على كل حال. قال أصحابنا وغيرهم: ويصرف في ثمن بقية العبد جميع ما يباع في الدين فيباع مسكنه وخادمه وكل ما فضل عن قوت يومه وقوت من تلزمه نفقته ودست ثوب يلبسه وسكنى يومه، والمراد بالثمن هنا القيمة لأن الثمن ما اشتريت به العين واللازم هنا القيمة لا الثمن ويأتي إن شاء الله تعالى في رواية أيوب في كتاب العتق بلفظ: ما يبلغ قيمته (بقيمة العدل) بفتح العين من غير زيادة ولا نقص (فهو عتيق) أي معتق كله بعضه بالإعتاق وبعضه بالسراية ويقاس الوسر ببعض الباقي على الموسر بكله في السراية إليه وقيل لا يسري إليه اقتصارًا على الوارد في الحديث (وإلاّ) وإن لم يكن له مال يبلغ ثمنه (فقد عتق) وللحموي والمستملي: فأعتق (منه) أي من العبد (ما عتق) أي المقدار الذي عتقه فقط وعين في الموضعين مفتوحة، ولأبي ذر: عتق بضمها وكسر الفوقية، وجوّزه الداودي، وتعقبه السفاقسي بأنه لم يقله غيره وإنما يقال عتق بالفتح وأعتق بضم الهمزة ولا يعرف عتق بضم العين لأن الفعل لازم غير متعدٍّ. (قال) أي أيوب كما في باب: إذا أعتق عبدًا بين اثنين من كتاب العتق (لا أدري قوله) بالرفع (عتق منه ما عتق قول من نافع) فيكون منقطعًا مقطوعًا (أو في الحديث عن النبي ﷺ ¬) فيكون موصولاً مرفوعًا، وفي هذا بحث يأتي إن شاء الله تعالى مع بقية مباحث في كتاب العتق. ومطابقته للترجمة ظاهرة، وأخرجه أيضًا في العتق ومسلم في النذور والعتق وأبو داود في العتق والترمذي في الأحكام والنسائي في البيوع. ٢٤٩٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». [الحديث ٢٤٩٢ - أطرافه في: ٢٥٠٤، ٢٥٢٦، ٢٥٢٧]. وبه قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة السختياني أبو محمد المروزي صدوق لكنه رمي بالإرجاء قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا سعيد بن أبي عروبة) بفتح العين المهملة وضم الراء بالموحدة اسمه مهران اليشكري (عن قتادة) بن دعامة (عن النضر بن أنس) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن مالك الأنصاري (عن بشير بن نهيك) بفتح النون وكسر الهاء وبعد التحتية الساكنة كاف وبشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة السلولي أو السدوسي (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (من أعتق

стр. 1732

شقيصًا) بفتح الشين المعجمة وبعد القاف المكسورة تحتية ساكنة فصا مهملة نصيبًا وزنًا ومعنى (من مملوكه فعليه خلاصه في ماله) أي فعليه أداء قيمة الباقي من ماله ليتخلص من الرق (فإن لم يكن له) أي للذي أعتق (مال قوّم المملوك) أي كله (قيمة عدل) نصب على المفعول المطلق والعدل بفتح العين أي قيمة استواء لا زيادة فيها ولا نقص (ثم أستسعي) بضم تاء الاستفعال على البناء للمفعول أي ألزم العبد الاكتساب لقمة نصيب الشريك ليفك بقية رقبته من الرق (غير مشقوق) أي مشدّد (عليه) في الاكتساب إذا عجز وغير نصب على الحال من الضمير المستتر العائد على العبد وعليه في محل رفع نائب عن الفاعل ولم يذكر بعض الرواة السعاية فقيل هي مدرجة في الحديث من قول قتادة ليست من كلامه ﷺ ، وبذلك صرح النسائي وغيره والقول بالسعاية مذهب أبي حنيفة وخالفه صاحباه والجمهور. ويأتي إن شاء الله تعالى بقية المباحث المتعلقة بذلك في كتاب العتق. ومطابقة الحديث للترجمة لا تخفى وقد أخرجه أيضًا في العتق وفي الشركة ومسلم في العتق والنذور وأبو داود في العتق والترمذي في الأحكام والنسائي في العتق وابن ماجة في الأحكام. ٦ - باب هَلْ يُقْرَعُ فِي الْقِسْمَةِ؟ وَالاِسْتِهَامِ فِيهِ هذا (باب) بالتنوين (هل يقرع) بضم أوله وفتح ثالثه وكسره من القرعة (في القسمة) بين الشركاء (والاستهام فيه) أي في أخذ السهم وهو النصيب قال الكرماني والضمير في فيه عائد إلى القسم أو المال الذي تدل عليهما القسمة. وقال في الفتح: على القسم بدلالة القسمة، وتعقبهما في عمدة القاري فقال: كلاهما بمعزل عن نهج الصواب ولم يذكر هنا قسم ولا مال حتى يعود الضمير إليه بل الضمير يعود إلى القسمة والتذكير باعتبار أن القسمة هنا بمعنى القسم وفي المغرب القسم اسم من أسماء الاقتسام وجواب هل محذوف تقديره نعم يقرع. ٢٤٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا». [الحديث ٢٤٩٣ - طرفه في: ٢٦٨٦]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين الكوفي قال: (حدّثنا زكريا) بن أبي زائدة خالد ويقال هبيرة بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي الكوفي الثقة لكنه كان يدلس (قال: سمعت عامرًا) الشعبي (يقول: سمعت النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (مثل القائم على حدود الله) الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر (والواقع فيها) أي في الحدود التارك للمعروف والمرتكب للمنكر (كمثل قوم استهموا) اقترعوا (على سفينة) مشتركة بينهم بالإجارة أو الملك تنازعوا في المقام بها علوًّا أو سفلاً (فأصاب بعضهم) بالقرعة (أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين) وللحموي والمستملي: فكان الذي (في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم). قال في المصابيح: يظهر لي أن قوله الذي صفة لموصوف مفرد اللفظ كالجمع فاعتبر لفظه فوصف بالذي واعتبر معناه فأعيد عليه ضمير الجماعة في قوله إذا استقوا وهو أولى من أن يجعل الذي مخففًا من الذين بحذف النون انتهى. وفي الشهادات: فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به. (فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ) بضم النون وسكون الهمزة وبالذال المعجمة أي لم نضر (من فوقنا) وفي الشهادات فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا ما لك قال تأذيتم بي ولا بدّ لي من الماء (فإن يتركوهم وما أرادوا) من الخرق في نصيبهم (هلكوا جميعًا) أهل العلو والسفل لأن من لازم خرق السفينة غرقها وأهلها (وإن أخذوا على أيديهم) منعوهم من الخرق (نجوا) أي الآخذون (ونجوا جميعًا) أي جميع من في السفينة وهكذا إقامة الحدود يحصل بها النجاة لمن أقامها وأقيمت عليه وإلا هلك العاصي بالمعصية والساكت بالرضا بها. ومطابقة الحديث للترجمة غير خفية وفيه وجوب الصبر على أذى الجار إذا خشي وقوع ما هو أشد ضررًا وأنه ليس لصاحب السفل أن يحدث على صاحب العلو ما يضرّ به وأنه إن أحدث عليه ضررًا لزمه إصلاحه، وأن لصاحب العلو منعه من الضرر وفيه جواز قسمة العقار المتفاوت بالقرعة. قال

стр. 1733

ابن بطال: والعلماء متفقون على القول بالقرعة إلا الكوفيين فإنهم قالوا لا معنى لها لأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها ويأتي مزيد لما ذكرته هنا في باب الشهادات إن شاء الله تعالى، وقد أخرج الحديث الترمذي في الفتن وقال حسن صحيح. ٧ - باب شَرِكَةِ الْيَتِيمِ وَأَهْلِ الْمِيرَاثِ (باب شركة اليتيم وأهل الميراث) أي مع أهل الميراث. ٢٤٩٤ - حَدَّثَنَا الأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ … وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فإِنْ خِفْتُمْ﴾ -إِلَى- ﴿وَرُبَاعَ﴾ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ. قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ لِيَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلاَّ بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ". [الحديث ٢٤٩٤ - أطرافه في: ٢٧٦٣، ٤٥٧٣، ٤٥٧٤، ٤٦٠٠، ٥٠٦٤، ٥٠٩٢، ٥٠٩٨، ٥١٢٨، ٥١٣١، ٥١٤٠، ٦٩٦٥]. وبه قال: (حدّثنا الأويسي) بضم الهمزة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر المهملة ولغير أبي ذر حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله العامري الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرنى) بالإفراد (عروة) بن الزبير بن العوّام (أنه سأل) خالته (عائشة ﵂¬). (وقال الليث) بن سعد الإمام مما وصله الطبري في تفسيره (حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق (أنه سأل عائشة ﵂ عن) معنى (قول الله تعالى) في سورة النساء (﴿فإن خفتم﴾) بالفاء في الفرع وفي النسخة المقروءة على الشرف الميدومي وإن خفتم بالواو ﴿أن لا تقسطوا﴾ تعدلوا (إلى) قوله (﴿ورباع﴾) [النساء: ٣] وسقط لغير أبي الوقت أن لا تقسطوا (فقالت) أي عائشة ولأبي الوقت قالت (يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليّها) القائم بأمورها زاد في تفسير سورة النساء من رواية أبي أسامة ووارثها (تشاركه في ماله) زاد أبو أسامة أيضًا حتى في العذق (فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليّها) التي هي تحت حجره (أن يتزوّجها بغير أن يقسط) أن يعدل (في صداقها) في النكاح من رواية عقيل عن ابن شهاب ويريد أن ينتقص من صداقها (فيعطيها) بالنصب عطفًا على معمول بغير أن أي يريد أن يتزوّجها بغير أن يعطيها (مثل ما يعطيها غيره فنهوا) بضم النون والهاء على وزن فعوا بحذف لام الفعل لأن الأصل نهيوا فنقلت ضمة الياء إلى الهاء فالتقى ساكنان فحذفت الياء (أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنّتهن) أي طريقهن (من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن). (قال عروة) بن الزبير بالسند السابق (قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ ¬) طلبوا منه الفتيا في أمر النساء (بعد) نزول (هذه الآية) وهي وإن خفتم إلى رباع (فأنزل الله) (﴿ويستفتونك في النساء﴾) إلى قوله: (﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾) [النساء: ١٢٧] في أن تنكحوهن أو عن أن تنكحوهن (والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال) تعالى (فيها ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾) أي إن خفتم أن لا تعدلوا في يتامى النساء إذا تزوجتم بهن (﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾) [النساء: ٣] من غيرهن. (قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ هي رغبة أحدكم) ولغير أبوي ذر والوقت يعني هي رغبة أحدكم (ليتيمته) التي في حجره ولأبي ذر عن الكشميهني يتيمته بإسقاط اللام وللكشميهني والحموي والمستملي عن يتيمته (التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال) قال ابن حجر: ولعل رواية عن أصوب وقد تبين أن أولياء اليتامى كانوا يرغبون فيهن إن كنّ جميلات ويأكلون أموالهن وألاّ يعضلوهن طمعًا في ميراثهنّ (فنهوا أن ينكحوا ما) أي التي (رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط) بالعدل (من أجل رغبتهم عنهن) لقلة مالهن وجمالهن فينبغي أن يكون نكاح اليتيمتين على السواء في العدل. وفي الحديث أن للولي أن يتزوج من هي تحت حجره لكن يكون العاقد غيره، وسيأتي البحث فيه مع غيره إن شاء الله تعالى في كتاب النكاح وغيره. وقد أخرجه أيضًا في الأحكام والشركة ومسلم في التفسير، وأخرجه أبو داود في النكاح وكذا النسائي. ٨ - باب الشَّرِكَةِ فِي الأَرَضِينَ وَغَيْرِهَا (باب الشركة في الأرضين وغيرها) كالعقارات والبساتين. ٢٤٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "إِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني اليماني قال:

стр. 1734

(أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) أنه (قال): (إنما جعل النبي ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم) أي في كل مشترك لم يقسم من الأراضي ونحوها ومفهومه أن ما لم يقسم يكون بين الشركاء (فإذا وقعت الحدود) جمع حد وهو هنا ما تتميز به الأملاك بعد القسمة وأصل الحد المنع ففي تحديد الشيء منع خروج شيء منه ومنع دخول غيره فيه (وصرفت الطرق) أي بيّنت مصارفها وشوارعها وراء صرفت مشددة (فلا شفعة) وفيه أنه لا شفعة إلا في العقار. والحديث قد سبق في الشفعة بمباحثه فليراجع. ٩ - باب إِذَا اقْتَسَمَ الشُّرَكَاءُ الدُّورَ أَوْ غَيْرَهَا فَلَيْسَ لَهُمْ رُجُوعٌ وَلَا شُفْعَةٌ هذا (باب) بالتنوين (إذا اقتسم) ولأبي ذر: قسم (الشركاء الدور أو غيرها) كالبساتين ولأبي ذر وغيرها (فليس لهم رجوع) لأن القسمة عقد لازم فلا رجوع فيها (ولا شفعة) لأن الشفعة في الشركة لا في القسمة لأنها لا تكون إلا في المشاع. ٢٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين المهملة وتشديد الدال المهملة الأولى ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد البصري قال: (حدّثنا معمر) بعين مهملة ساكنة بين ميمين مفتوحتين ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله ﵄) أنه (قال): (قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) دلّ بمنطوقه صريحًا على أن الشفعة في مشترك مشاع لم يقسم بعد، فإذا قسم وتميزت الحقوق ووقعت الحدود وصرفت الطرق بأن تعددت وحصل لنصيب كل طريق مخصوص لم يبق للشفعة مجال. فإن قلت: لا مطابقة بين الحديث والترجمة لأن فيها لزوم القسمة وليس في الحديث إلا نفي الشفعة. أجاب ابن المنير: بأنه يلزم من نفي الشفعة نفي الرجوع إذ لو كان للشريك الرجوع لعاد ما يشفع فيه مشاعًا فحينئذٍ تعود الشفعة. ١٠ - باب الاِشْتِرَاكِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفُ (باب) جواز (الاشتراك في الذهب والفضة) بشرط خلطهما حتى لا يتميز إلا كدراهم سود خلطت ببيض وأن لا تكون الدراهم من أحدهما والدنانير من الآخر عند الشافعي ومالك في المشهور عنه والكوفيين إلا الثوري وأن لا تختلف الصفة كصحاح ومكسرة عند الشافعي وظاهر إطلاق المؤلّف يقتضي موافقة الثوري، (وما يكون فيه الصرف) والأكثرون على أنه يصح في كل مثلي وهو الأصح عند الشافعية، وقيل يختص بالنقد المضروب. ٢٤٩٧، ٢٤٩٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُثْمَانَ -يَعْنِي ابْنَ الأَسْوَدِ- قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ عَنِ الصَّرْفِ يَدًا بِيَدٍ فَقَالَ: "اشْتَرَيْتُ أَنَا وَشَرِيكٌ لِي شَيْئًا يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً، فَجَاءَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: فَعَلْتُ أَنَا وَشَرِيكِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَسَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ". وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن بحر الباهلي البصري الصيرفي قال: (حدّثنا أيو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل شيخ المؤلّف أيضًا (عن عثمان يعني ابن الأسود) بن موسى بن باذان المكي أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سليمان بن أبي مسلم) الأحول (قال: سألت أبا المنهال) بكسر الميم وسكون النون عبد الرحمن بن مطعم البناني بضم الموحدة ونونين بينهما ألف مخففًا البصري نزيل مكة (عن الصرف) وهو بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة أو أحدهما بالآخر (يدًا بيد) أي متقابضين في المجلس (فقال) أي أبو النهال (اشتريت أنا وشريك لي) لم يسم (شيئًا يدًا بيد ونسيئة) أي متأخرًا من غير تقابض (فجاءنا البراء بن عازب) ﵁ (فسألناه) عن ذلك (فقال: فعلت) ذلك (أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال): (ما كان يدًا بيد فخذوه وما كان نسيئة فذروه) بالذال المعجمة أي اتركوه وفي رواية فردّوه من الردّ وفيه كما قال ابن المنير حجة للقول بتفريق الصفقة وأنه يصح منها الصحيح ويبطل منها الفاسد، وتعقب باحتمال أن يكون أشار إلى عقدين مختلفين. قال الحافظ ابن حجر وفي رواية النسفيّ ردّوه بدون الفاء لأن الاسم الموصول بالفعل المتضمن للشرط يجوز فيه دخول الفاء في خبره ويجوز تركه. ١١ - باب مُشَارَكَةِ الذِّمِّيِّ وَالْمُشْرِكِينَ فِي الْمُزَارَعَةِ (باب) جواز (مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة) وعطف المشركين على الذمي من عطف العام على الخاص، والمراد بالمشركين المستأمنون فيكونون في معنى

стр. 1735

أهل الذمة. ٢٤٩٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا". وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي قال: (حدّثنا جويرية بن أسماء) تصغير جارية الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله) أي ابن عمر (﵁) وعن أبيه أنه (قال: أعطى رسول الله ﷺ ¬) أرض (خيبر اليهود) وكانوا أهل ذمة (أن يعملوها ويزرعوها) أي بياض أرضها (ولهم شطر ما يخرج منها) من زرع وإذا جاز مشاركة الذمي في المزارعة جاز في غيرها خلافًا لأحمد ومالك إلا أنه أجاز إذا كان يتصرف بحضرة المسلم خشية أن يدخل في مال المسلم ما لا يحل كالربا وثمن الخمر والخنزير. وأجيب: بمشروعية أخذ الجزية منهم مع أن في أموالهم ما فيها وبمعاملته ﷺ يهود خيبر وألحق بالذمي الشرك. نعم مذهب الشافعية يكره مشاركة الذمي ومن لا يحترز من الربا ونحوه كما نقله ابن الرفعة عن البندنيجي لما في أموالهما من الشبهة. ١٢ - باب قِسْمَةِ الْغَنَمِ وَالْعَدْلِ فِيهَا (باب قسمة الغنم) ولأبوي ذر والوقت: قسم الغنم (والعدل فيها). ٢٥٠٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ أَنْتَ". وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة الثقفي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الفهمي أبو الحرث المصري الإمام المشهور (عن يزيد بن أبي حبيب) أبي رجاء البصري واسم أبيه سويد (عن أبي الخير) مرثد بالميم والمثلثة بوزن حمير ابن عبد الله اليزنيّ بالتحتية والزاي والنون (عن عقبة بن عامر) الجهني (﵁ أن رسول الله ﷺ أعطاه غنمًا يقسمها على صحابته ضحايا فبقي عتود) أي منها والعتود بفتح العين المهملة وضم المثناة الفوقية ما بلغ سنة. وقال في المشارق: هو من ولد المعز إذا بلغ السفاد، وقيل إذا قوي وشب (فذكره لرسول الله ﷺ فقال): (ضح به أنت) واستدلّ به على أنه يجزئ في الأضحية الجذع من المعز وإذا جاز ذلك منه فمن الضأن أولى، وقد دلّت رواية النسائي من طريق معاذ بن عبد الله بن خبيب عن عقبة بن عامر على الضان صريحًا ولفظه. . . . . . . (١). وبقية المبحث في ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في الأضحية وتبويب البخاري بقوله قسمة الغنم والعدل فيها يدل على أنه فهم أن هذه القسمة هي القسمة المعهودة التي يعتبر فيها تسوية الأجزاء وفيه نظر لأنه ﷺ إنما أمره بتفرقة غنم على أصحابه. فإما أن يكون ﵊ عين ما يعطيه لكل واحد منهم وإما أن يكون وكّل ذلك إلى رأيه من غير تقييد عليه بالتسوية فإن في ذلك عسرًا وحرجًا، والغنم لا يتأتى فيها قسمة الأجزاء ولا تقسم إلا بالتعديل ويحتاج ذلك في الغالب إلى ردّ لأن قسمتها على التحرير بعيد، والظاهر أن هذه الغنم كانت للنبي ﷺ وقسمتها بينهم على سبيل التبرع. وهذا الحديث قد سبق في أول الوكالة، وأخرجه مسلم والنسائي والترمذي في الأضاحي. ١٣ - باب الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ وَيُذْكَرُ أَنَّ رَجُلاً سَاوَمَ شَيْئًا فَغَمَزَهُ آخَرُ، فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ لَهُ شَرِكَةً. (باب الشركة في الطعام وغيره) مما يجوز تملكه (ويذكر) بضم أوّله وفتح ثالثه فيما وصله سعيد بن منصور (أن رجلاً) لم يسم (ساوم شيئًا فغمزه آخر) حتى اشتراه (فرأى عمر) ﵁ (أن له) أي للذي غمز (شركه) فيه مع الذي ساوم اكتفاء بالإشارة مع ظهور القرينة عن الصيغة وإلى هذا ذهب مالك ﵁ وقال أيضًا: في السلعة تعرض للبيع فيقف من يشتريها للتجارة فإذا اشتراها واحد منهم واستشركه الآخر لزمه أن يشركه لأنه انتفع بتركه الزيادة عليه. ٢٥٠١ و ٢٥٠٢ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ -وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْهُ، فَقَالَ: هُوَ صَغِيرٌ. فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ- وَعَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ إِلَى السُّوقِ فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ ﵃ فَيَقُولَانِ لَهُ: أَشْرِكْنَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ، فَيَشْرَكُهُمْ، فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْمَنْزِلِ". [الحديث ٢٥٠١ - طرفه في: ٧٢١٠]. [الحديث ٢٥٠٢ - طرفه في: ٦٣٥٣]. وبه قال: (حدثنا أصبغ بن الفرج) أبو عبد الله الأموي مولاهم الفقيه المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن وهب) القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه الحافظ (قال: أخبرني) بالإفراد أيضًا (سعيد) هو ابن أبي أيوب مقلاص الخزاعي (عن زهرة بن معبد) بضم الزاي وسكون الهاء ومعبد بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة القرشي التيمي أبي عقيل المدني نزيل مصر (عن جده عبد الله بن هشام) واسم جده (٢) زهرة بن عثمان (وكان قد أدرك النبي ﷺ ¬) قبل موته بست سنين فيما ذكره ابن منده (وذهبت به أمه زينب بنت حميد) الصحابية

стр. 1736

(إلى رسول الله ﷺ ¬) في الفتح (فقالت: يا رسول الله بايعه) بسكون العين أي عاقده على الإسلام (فقال) ﵊: (هو صغير فمسح رأسه ودعا له) أي بالبركة. (وعن زهرة بن معبد) بالإسناد السابق (أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر) عبد الله (وابن الزبير) عبد الله (﵃ فيقولان له) أي لعبد الله بن هشام (أشركنا) بوصل الهمزة في الفرع وفتح الراء وكسرها وفي غيره وهو الذي في اليونينية لا غير بقطعها مفتوحة وكسر الراء أي جعلنا شريكين لك في الطعام الذي اشتريته (فإن النبي ﷺ قد دعا لك بالبركة فيشركهم) بفتح الياء والراء (فربما أصاب) أي من الربح (الراحلة كما هي) أي بتمامها (فيبعث بها إلى المنزل) والراحلة يحتمل أن يراد بها المحمول من الطعام وأن يراد بها الحامل والأول أولى لأن سياق الكلام وارد في الطعام، وقد ذهب المظهري إلى المجموع حيث قال: يعني ربما يجد دابة متاع على ظهرها فيشتريها من الربح ببركة النبي ﷺ . ومطابقة الحديث للترجمة في قوله أشركنا لكونهما طلبا منه الاشتراك في الطعام الذي اشتراه فأجابهما إلى ذلك وهم من الصحابة ولم ينقل عن غيرهم ما يخالف ذلك فيكون حجة، والجمهور على صحة الشركة في كل ما يتملك والأصح عند الشافعية اختصاصها بالمثلي، لكن من أراد الشركة مع غيره في العروض المتقوّمة باع أحدهما نصف عرضه بنصف عرض صاحبه وتقابضا أو باع كل منهما بعض عرضه لصاحبه بثمن في الذمة وتقابضا كما صرّح به في الروضة وأذن بعد ذلك كل منهما للآخر في التصرف سواء تجانس العرضان أم اختلفا، وإنما اعتبر التقابض ليستقر الملك، وعن المالكية تكره الشركة في الطعام والراجح عندهم الجواز. ١٤ - باب الشركةِ في الرَّقيقِ (باب الشركة في الرقيق) بفتح الشين وكسر الراء. ٢٥٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِى مَمْلُوكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ قَدْرَ ثَمَنِهِ يُقَامُ قِيمَةَ عَدْلٍ: وَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُ حِصَّتَهُمْ وَيُخَلَّى سَبِيلُ الْمُعْتَقِ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا جويرية بن أسماء) الضبعي (عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي- ﷺ ¬) أنه (قال): (من أعتق شركًا) بكسر الشين المعجمة وسكون الراء نصيبًا. قال ابن دقيق العيد: وهو في الأصل مصدر لا يقبل العتق وأطلق على متعلقه وهو المشترك وعلى هذا لابدّ من إضمار تقديره جزء مشترك أو ما يقارب ذلك لأن المشترك في الحقيقة هو جملة العين أو الجزء العين منها إذا أفرد بالتعيين كاليد والرجل مثلاً وأما النصيب المشاع فلا اشتراك فيه انتهى. وحينئذٍ فيكون من إطلاق المصدر على المفعول أم من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أو أطلق الكل على البعض، وهذا موضع الترجمة لأن الإعتاق مبني على صحة الملك فلو لم تكن الشركة في الرقيق صحيحة لما ترتب عليها صحة العتق وفي رواية سبقت من أعتق شقصًا وفي أخرى شقيصًا. (له في مملوك) شامل للذكر والأنثى (وجب عليه أن يعتق) بضم أوله وكسر المثناة الفوقية (كله) قال في المصابيح: الغالب على كل أن تكون تابعة نحو: جاء القوم كلهم وحيث تخرج عن التبعية فالغالب أن لا يعمل فيها إلا ابتداء ووقعت هنا في غير الغالب قال: ويحتمل أن يجري فيه على غير الغالب بأن يجعل كله تأكيدًا لضمير محذوف أي يعتقه كله بناء على جواز حذف المؤكد وبقاء التأكيد، وقد قال به إماما أهل العربية الخليل وسيبويه انتهى. وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون المعتق والشريك والعبد مسلمين أو كفارًا أو بعضهم كفّارًا. وبه قال الشافعية وعند الحنابلة وجهان فيما لو أعتق الكافر شركًا له من عبد مسلم هل يسري عليه أم لا؟ وقال المالكية: إن كانوا كفارًا فلا سراية وإن كان المعتق كافرًا دون شريكه فهل يسري عليه أم لا يسري فيما إذا كان العبد مسلمًا دون ما إذا كان كافرًا: ثلاثة أقوال. وإن كانا كافرين والعبد مسلمًا فروايتان وإن كان المعتق

стр. 1737

مسلمًا سرى عليه بكل حال. (وإن كان له مال قدر ثمنه يقام) عليه (قيمة عدل) بفتح العين أي قيمة استواء لا زيادة فيها ولا نقص وقيمة نصب على المفعول المطلق (ويُعطى) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (شركاؤه) رفع نائب عن الفاعل (حصتهم) نصب على المفعولية (ويخلى سبيل المعتق) بفتح الطاء الفوقية ويخلى مبني للمفعول وسبيل نائب الفاعل. ٢٥٠٤ - : حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِى عَبْدٍ أُعْتِقَ كُلُّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلاَّ يُسْتَسْعَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي البصري الملقب بعارم قال: (حدّثنا جرير بن حازم) الأزدي البصري وثّقه ابن معين وضعفه في قتادة خاصة ووثقه النسائي، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن سعد ثقة إلا أنه اختلط في آخر عمره انتهى. ولم يحدث في حال اختلاطه واحتج به الجماعة ولم يخرج له البخاري عن قتادة إلا أحاديث توبع فيها (عن قتادة) بن دعامة (عن النضر) بسكون الضاد المعجمة (ابن أنس) الأنصاري (عن بشير بن نهيك) بفتح الموحدة وكسر الشين في الأول وفتح النون وكسر الهاء وبعد التحتية كافٍ في الثاني السلولي (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (من أعتق شقصًا) بكسر الشين زاد في غير رواية أبي ذر له (في عبد أعتق كله) بضم الهمزة (إن كان له مال وإلا) أي وإن لم يكن له مال (يستسع) بضم التحتية وفتح العين من غير إشباع مبنيًّا للمفعول مجزوم على الأمر بحذف حرف العلة، ولأبي ذر: يستسعى بإشباع الفتحة وفي أخرى استسعى بألف وصل وضم المثناة الفوقية وكسر العين وفتح الياء والمعنى أنه يكلف العبد الاكتساب لقيمة نصيب الشريك حال كونه (غير مشقوق عليه) بل مرفهًا مسامحًا. ويأتي إن شاء الله تعالى في العتق ما في ذلك من البحث، وقد سبق الحديث قريبًا والله الموفق والمعين. ١٥ - باب الاشتراكِ في الهدي والبُدْنِ وإذا أشرَكَ الرجُلُ الرجلَ في هديهِ بعد ما أهدَى (باب الاشتراك في الهدي) بسكون الدال ما يهدى إلى المحرم من النعم (والبدن) بضم الموحدة وسكون المهملة من عطف الخاص على العام (وإذا أشرك الرجل الرجل) ولأبي ذر: الرجل رجلاً (في هديه بعدما أهدى) هل يجوز ذلك أم لا. ٢٥٠٥، ٢٥٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ. وَعَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: "قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِى الْحَجَّةِ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ لَا يَخْلِطُهُمْ شَىْءٌ. فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً، وَأَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا. فَفَشَتْ فِى ذَلِكَ الْقَالَةُ. قَالَ عَطَاءٌ: فَقَالَ جَابِرٌ فَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا -فَقَالَ جَابِرٌ بِكَفِّهِ- فَبَلَغَ النَّبِىَّ ﷺ ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: بَلَغَنِى أَنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا، وَاللَّهِ لأَنَا أَبَرُّ وَأَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنِّى اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِى الْهَدْىَ لأَحْلَلْتُ. فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هِىَ لَنَا أَوْ لِلأَبَدِ؟ فَقَالَ: لَا بَلْ لِلأَبَدِ. قَالَ: وَجَاءَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ الآخَرُ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، - فَأَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَأَشْرَكَهُ فِى الْهَدْىِ". وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) عارم بن الفضل قال: (حدّثنا حماد بن زيد) اسم جده درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري قال: (أخبرنا عبد الملك بن جريج) بضم الجيم الأولى وفتح الراء (عن عطاء) هو ابن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم أحد أعلام التابعين (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (وعن طاوس) هو ابن كيسان عطف على قوله عطاء لأن ابن جريج سمع منهما لكن قال الحافظ ابن حجر ﵀: الذي يظهر لي أن ابن جريج عن طاوس منقطع فقد قال الأئمة إنه لم يسمع من مجاهد ولا من عكرمة، وإنما أرسل عنهما وطاوس من أقرانهما وإنما سمع من عطاء لكونه تأخرت عنهما وفاته نحو عشر سنين، (عن ابن عباس ﵄ قال) ولأبي ذر وكريمة قالا: أي جابر وابن عباس (قدم النبي ﷺ ¬) أي مكة (صبح رابعة) وللكشميهني لما قدم النبي ﷺ وأصحابه صبح رابعة (من ذي الحجة) حال كونهم (مهلين) محرمين وجمع على رواية من أسقط لفظ أصحابه باعتبار أن قدومه ﵊ مستلزم لقدوم أصحابه معه وأما على إثباته فواضح وللحموي مهلون بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هم محرمون (بالحج لا يخلطهم) بفتح الياء وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام (شيء) من العمرة أي في وقت الإحرام، (فلما قدمنا) أي مكة شرّفها الله تعالى وجعلنا من ساكنيها (أمرنا) ﵊ (فجعلناها) أي تلك الحجة (عمرة) فصرنا متمتعين (وأن نحلّ إلى نسائنا ففشت) بالفاء والشين المعجمة والفتحات أي فشاعت وأنتشرت (في ذلك) أي في فسخ الحج إلى العمرة (المقالة) بالقاف واللام وللكشميهني المقالة بزيادة ميم قبل القاف أي مقالة الناس لاعتقادهم أن العمرة غير صحيحة في أشهر الحج وأنها من أفجر الفجور. (قال عطاء) هو ابن أبي رباح بالسند السابق (فقال جابر) الأنصاري (فيروح) استفهام تعجبي محذوف الأداة أي أفيروح؟ (أحدنا

стр. 1738

إلى منى) أي محرمًا بالحج (وذكره) لقرب عهده من الجماع (يقطر منيًّا) وهو من باب المبالغة (فقال جابر بكفّه) أشار به إلى التقطر وإنما أشار إلى ذكره استهجانًا لذلك الفعل، ولذا واجههم ﵊ بقوله الآتي: لأنا أبرّ وأتقى، وللكشميهني يكفّه وهو من كفه إذا منعه أي قال جابر ذلك والحال أنه يكفّه. (فبلغ ذلك) الذي صدر منهم من القول (النبي ﷺ فقام) حال كونه (خطيبًا فقال بلغني أن أقوامًا يقولون كذا وكذا والله لأنا) بلام التوكيد مبتدأ خبره قوله (أبرّ وأتقى لله) (منهم) وفي الفرع علامة السقوط على لفظ الجلالة الشريفة وثبت في أصله (ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت) أي لو عرفت في أول الحال ما عرفت في آخره من جواز العمرة في أشهر الحج (ما أهديت) أي ما سقت الهدي (ولولا أن معي الهدي لأحللت) من الإحرام لكن امتنع الإحلال لصاحب الهدي وهو المفرد والقارن حتى يبلغ الهدي محله وذلك في أيام النحر لا قبلها، (فقام سراقة بن مالك بن جعشم) بضم الجيم والمعجمة بينهما عين مهملة المدلجي الصحابي الشهير (فقال: يا رسول الله هي) أي العمرة في أشهر الحج (لنا) أي خاصة (أو للأبد؟ فقال) ﵊ (لا) أي ليست لكم خاصة (بل) هي (للأبد) أي إلى يوم القيامة ما دام الإسلام. (قال) جابر (وجاء علي بن أبي طالب) ﵁ أي من اليمن (فقال أحدهما) وهو جابر (يقول) عليّ (لبيك بما أهل به رسول الله ﷺ وقال الآخر) وهو ابن عباس يقول علي ﵃ (لبيك بحجة رسول الله ﷺ ¬) وسقط وقال الأولى في رواية أبي ذر (فأمر النبي) بإسقاط ضمير النصب ولأبي ذر فأمره رسول الله (¬ ﷺ أن يقيم على إحرامه) أي يثبت عليه (وأشركه) بفتح الهمزة والراء أي أشرك- ﷺ عليًّا (في الهدي). قال في فتح الباري فيه بيان أن الشركة وقعت بعدما ساق النبي ﷺ الهدي من المدينة وهو ثلاث وستون بدنة وجاء علي من اليمن إلى النبي ﷺ ومعه سبع وثلاثون بدنة فصار جميع ما ساقه النبي ﷺ من الهدي مائة بدنة وأشرك عليًّا معه فيها اهـ. وقال المهلب: ليس في حديث الباب ما ترجم به من الاشتراك في الهدي بعدما أهدى بل لا يجوز الاشتراك بعد الإهداء ولا هبته ولا بيعه والمراد منه ما أهدى عليّ من الهدي الذي كان معه عن رسول الله ﷺ وجعل له ثوابه، فيحتمل أن يفرد بثواب ذلك الهدي كله فهو شريك له في هديه لأنه أهدى عنه ﵊ متطوّعًا من ماله، ويحتمل أن يشركه في ثواب هدي واحد فيكون بينهما إذا كان متطوّعًا كما ضحى ﷺ عنه وعن أهل بيته بكبش وعمن لم يضحّ من أمته بآخر وأشركهم في ثوابه فجعل ضمير الفاعل في أشرك لعليّ ﵁ لا لرسول الله ﷺ ، وقال القاضي عياض: عندي أنه لم يكن شريكًا حقيقة بل أعطاه قدرًا يذبحه، والظاهر أنه ﷺ نحر البدن التي جاءت من المدينة وأعطى عليًّا من البدن التي جاء بها من اليمن. ١٦ - باب مَنْ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الْغَنَمِ بِجَزُورٍ فِى الْقَسْمِ (باب من عدل عشرًا) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي: عشرة (من الغنم بجزور في القسم) بفتح القاف. ٢٥٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِى الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلاً، فَعَجِلَ الْقَوْمُ فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الْغَنَمِ بِجَزُورٍ. ثُمَّ إِنَّ بَعِيرًا نَدَّ وَلَيْسَ فِى الْقَوْمِ إِلاَّ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ فَحَبَسَهُ بِسَهْمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا. قَالَ قَالَ: جَدِّى يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْجُو -أَوْ نَخَافُ- أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، أفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ: اعْجَلْ، أَوْ أَرْنِى. مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ". وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (محمد) غير منسوب وعند ابن شبويه محمد بن سلام قال: (أخبرنا وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي بضم الراء ثم همزة ثم سين مهملة الكوفي (عن سفيان) الثوري (عن أبيه) سعيد بن مسروق الثوري (عن عباية بن رفاعة) بفتح عين عباية وكسر راء رفاعة (عن جده رافع بن خديج ﵁) أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة من تهامة) خير بقيد تهامة ميقات أهل المدينة (فأصبنا غنمًا وإبلاً) ولأبوي الوقت وذر: أو إبلاً (فعجل القوم) بكسر الجيم (فأغلوا بها) أي بلحوم ما أصابوه (القدور فجاء رسول الله ﷺ فأمر بها) أي بالقدور أن تكفأ (فكفئت)

стр. 1739

وللكشميهني. فكفئت أريقت بما فيها من المرق واللحم زجرًا لهم وقد مر ما فيه من البحث في باب الغنم قريبًا، (ثم عدل) عليّ رواية فعدل (عشرًا) ولأبي ذر: عشرة بإثبات تاء التأنيث، لكن قال ابن مالك: لا يجوز إثباتها (من الغنم بجزور) أي سوّاها به (ثم إن بعيرًا منها ندّ) أي هرب (وليس في القوم إلا خيل يسيرة فرماه رجل) وسقط ضمير النصب لأبي ذر (فحبسه بسهم) أصابه وفي الرواية السابقة فحبسه الله (فقال رسول الله ﷺ ¬): (إن لهذه البهائم) أي الإبل (أوابد كأوابد الوحش) كنفراته (فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا) أي ارموه بالسهم (قال) عباية (قال جدي) رافع بن خديج (يا رسول الله إنّا نرجو أو) قال (نخاف أن نلقى العدوّ غدًا وليس معنا مدى) جمع مدية أي سكين وإن استعملنا السيوف في الذبح تكلّ عند لقاء العدوّ عن المقاتلة (أفنذبح بالقصب؟ فقال) ولأبي ذر: قال: (اعجل) بفتح الجيم (أو) قال (أرني) بهمزة مفتوحة وراء ساكنة ونون مكسورة وياء حاصلة من إشباع كسرة النون وليست ياء إضافة على ما لا يخفى، ولأبي ذر: أرن بكسر الراء وسكون النون وهي بمعنى أعجل أي أعجل ذبحها لئلا تموت خنقًا فإن الذبح إذا كان بغير حديد احتاج صاحبه إلى خفة يد وسرعة (ما أنهر الدم) أراقه بكثرة (وذكر اسم الله عليه فكلوا) الضمير في فكلوا لا يصح عوده على ما ولا بدّ من رابط يعود على ما من الجملة أو ملابسها فيقدر أي فكلوا مذبوحة ويحتمل أن يقدّر ذلك مضافًا إلى ما ولكنه حذف والتقدير مذبوح ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه (ليس السن والظفر) نصب على الاستثناء أو أن ليس ناسخة واسمها ضمير راجع للبعض المفهوم مما تقدم كما مرّ (وسأحدّثكم عن) علة (ذلك أما السن فعظم) يتنجس بالدم وقد نهيتم عن تنجيسه بالاستنجاء لأنه زاد إخوانكم من الجن (وأما الظفر فمدى الحبشة) ولا يجوز التشبه بهم. وهذا الحديث قد سبق قريبًا في باب قسمة الغنم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٨ - باب فِى الرَّهْنِ فِى الْحَضَرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. (بسم الله الرحمن الرحيم كتاب) بالتنوين (في الرهن في الحضر)، وللكشميهني: كتاب الرهن، ولغير أبي ذر باب بالتنوين بدل كتاب في الرهن، وفي النسخة المقروءة على الميدومي: كتاب الرهن باب الرهن في الحضر، ولابن شبويه: باب ما جاء إلى آخره والرهن لغة الثبوت ومنه الحالة الراهنة أي الثابتة، وقال الإمام الاحتباس ومنه ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ وشرعًا جعل عين متموّلة وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه ويطلق أيضًا على العين المرهونة تسمية للمفعول باسم المصدر، (وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣] بكسر الراء وفتح الهاء وألف بعدها جمع رهن وفعل وفعال يطرد كثيرًا نحو: كعب وكعاب وكلب وكلاب، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: فرهن بضم الراء والهاء من غير ألف جمع رهن وفعل يجمع على فعل نحو سقف وسقف وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير وابن محيصن واليزيدي. قال أبو عمرو بن العلاء: إنما قرأت فرهن للفصل بين الرهان في الخيل وبين جمع رهن في غيرها، ومعنى الآية كما قال القاضي ﵀ فارهنوا واقبضوا لأنه مصدر جعل جزاء للشرط بالفاء فجرى مجرى الأمر كقوله: ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢] ﴿فضرب الرقاب﴾ [محمد: ٤] وقيده في الترجمة بالحضر إشارة إلى أن التقييد بالسفر في الآية خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له لدلالة الحديث على مشروعيته في الحضر وهو قول الجمهور، واحتجوا له من حيث المعنى بأن الرهن شرع على الذين لقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] فإنه يشير إلى أن المراد بالرهن الاستيثاق وإنما قيده بالسفر لأنه مظنة فقد الكاتب فأخرجه مخرج الغالب وخالف في ذلك مجاهد والضحاك فيما نقله الطبري عنهما فقالا: لا يشرع إلا في السفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظاهر وفي رواية أبي ذر وقول الله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ كذا في الفرع وهو ينافي قول الحافظ ابن حجر وكلهم ذكر الآية من أولها. ٢٥٠٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِىُّ ﷺ دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ، وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ. وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَصْبَحَ لآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلاَّ صَاعٌ وَلَا أَمْسَى، وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ". وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا

стр. 1740

هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁): أنه (قال ولقد رهن رسول الله) هو عطفًا على شيء محذوف بينه أحمد من طريق أبان العطار عن قتادة عن أنس أن يهوديًا دعا رسول الله ﷺ فأجابه ولقد رهن رسول الله ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ درعه) بكسر الدال وسكون الراء (بشعير) أي في مقابلة شعير فالباء للمقابلة عند أبي الشحم اليهودي وكان قدر الشعير ثلاثين صاعًا كما عند المؤلّف في الجهاد وغيره. قال أنس: (ومشيت إلى النبي ﷺ بخبز شعير) بالإضافة (وإهالة سنخة) بكسر الهمزة وتخفيف الهاء ما أذيب من الشحم والألية وسنخة بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة صفة لإهالة أي متغيرة الريح. وقال أنس أيضًا: (ولقد سمعته) ﵊ (يقول: ما أصبح لآل محمد ﷺ إلاّ صاع ولا أمسى) أي ليس لهم إلا صاع، وعند الترمذي والنسائي من طريق ابن أبي عدي ومعاذ بن هشام عن هشام بلفظ: ما أمسى لآل محمد صاع تمر ولا صاع حب، وسبق في أوائل البيوع من وجه آخر بلفظ: بن بدل تمر، والمراد بالآل أهل بيته ﵊، وقد بينه بقوله: (وإنهم) أي آله (لتسعةُ أبياتٍ) أي تسع نسوة وأراد بقوله ذلك بيانًا للواقع لا تضجرًا وشكاية حاشاه الله من ذلك بل قاله معتذرًا عن إجابته لدعوة اليهودي ولرهنه درعه عنده وفيه ما كان ﵊ من التواضع والزهد في الدنيا والتقلل منها مع قدرته عليها والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادخار حتى احتاج إلى رهن درعه والصبر على ضيق العيش والقناعة باليسير. وهذا الحديث قد سبق في أوائل البيع. ١ - باب مَنْ رَهَنَ دِرْعَهُ (باب من رهن درعه). ٢٥٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: "تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ وَالْقَبِيلَ فِى السَّلَفِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِىٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي مولاهم البصري قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: تذاكرنا عند إبراهيم) النخعي (الرهن والقبيل) بفتح القاف وكسر الموحدة هو الكفيل وزنًا ومعنى (من السلف فقال: إبراهيم): بن يزيد النخعي (حدّثنا الأسود) بن يزيد (عن عائشة ﵂): (أن النبي- ﷺ : اشترى من يهودي) اسمه أبو الشحم كما في رواية الشافعي والبيهقي (طعامًا) ثلاثين صاعًا من شعير وعند البيهقي والنسائي بعشرين ولعله كان دون الثلاثين فجبر الكسر تارة وألغاه أخرى وعند ابن حبّان من طريق شيبان عن قتادة عن أنس أن قيمة الطعام كانت دينارًا (إلى أجل) في صحيح ابن حبان من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش أنه سنة (ورهنه درعه). أي ذات الفضول كما بيّنه أبو عبد الله التلمساني في كتاب الجوهرة، وقد قيل إنه ﵊ افتكّه قبل موته لحديث أبي هريرة، وصححه ابن حبان: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه وهو- ﷺ منزّه عن ذلك، وهذا معارض بما وقع في أواخر المغازي من طريق الثوري عن الأعمش بلفظ: توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة. وفي حديث أنس عند أحمد: فما وجد ما يفتكها به. وأجيب عن حديث نفس المؤمن معلق بدينه بالحمل على من لم يترك عند صاحب الدين ما يحصل له به الوفاء، وإليه جنح الماوردي، وذكر ابن الطلاع في الأقضية النبوية أن أبا بكر افتكّ الدرع بعد النبي ﷺ . وفي الحديث جواز البيع إلى أجل واختلف هل هو رخصة أو عزيمة قال ابن العربي: جعلوا الشراء إلى أجل رخصة وهو في الظاهر عزيمة لأن الله تعالى يقول في محكم كتابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأنزله أصلاً في الدين ورتب عليه كثيرًا من الأحكام. وهذا الحديث قد سبق في باب شراء النبي- ﷺ بالنسيئة. ٢ - باب رَهْنِ السِّلَاحِ (باب رهن السلاح). ٢٥١٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ . فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا. فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ. فَقَالَ: ارْهَنُونِى نِسَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِى أَبْنَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ؟ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللأْمَةَ - قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِى السِّلَاحَ - فَوَعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِىَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ". [الحديث ٢٥١٠ - أطرافه في: ٣٠٣١، ٢٠٣٢، ٤٠٣٧]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) بن المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال عمرو) بفتح العين ابن دينار (سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ يقول: قال رسول الله

стр. 1741

ﷺ ¬): (من لكعب بن الأشرف) اليهودي أي من يتصدى لقتله (فإنه آذى الله) ولأبي ذر: فإنه قد آذى الله (ورسوله) وكان كعب قد خرج من المدينة إلى مكة لما جرى ببدر ما جرى فجعل ينوح ويبكي على قتلى بدر ويحرّض الناس على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار (فقال محمد بن مسلمة): بفتح الميمين واللام ابن خالد (أنا) لقتله يا رسول الله: زاد في المغازي: فأذن لي أن أقول شيئًا؟ قال قل (فأتاه) محمد بن مسلمة (فقال: أردنا أن تسلفنا) وزاد في المغازي فقال إن هذا الرجل قد سألنا صدقة وإنه قد عنانا وإني قد أتيتك أستسلفك (وسقًا) بفتح الواو وكسرها وهو ستون صاعًا (أو وسقين) شك من الراوي (فقال) كعب (ارهنوني) وللحموي والمستملي أترهنوني (نساءكم قالوا) يعني محمد بن مسلمة ومن معه (كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهن) ولأبي ذر في نسخة كيف نرهنك (أبناءنا فيسب أحدهم) بضم المثناة التحتية وفتح المهملة وأحدهم رفع نائب عن الفاعل (فيقال: رهن بوسق أو وسقين) بضم الراء وكسر الهاء مبنيًّا للمفعول (هذا عار علينا ولكنا نرهنك اللأمة) بالهمزة وقد تترك تخفيفًا. (قال سفيان): بن عيينة في تفسير اللأمة (يعني السلاح فوعده) محمد بن مسلمة (أن يأتيه) زاد في المغازي فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم فقالت امرأته أين تخرج هذه الساعة فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة وقال غير عمرو: قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم قال إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة إن الكريم لو دعي إلى طعنة بالليل لأجاب قال: ويدخل محمد بن مسلمة معه برجلين قيل لسفيان سماهم عمرو، قال سمى بعضهم قال عمرو جاء معه برجلين، وقال غير عمرو أبو عبس بن جبر والحرث بن أوس وعباد بن بشر فقال: إذا ما جاء فإني نائل بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه وقال مرة ثم أشمكم فنزل إليهم متوشحًا وهو ينفح منه ريح الطيب فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا أي أطيب وقال غير عمرو: قال: عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب قال عمرو فقال: أتأذن ليس أن أشم؟ قال: نعم فشمه ثم أشم أصحابه ثم قال أتاذن لي؟ قال: نعم فلما استمكن منه قال: دونكم (فقتلوه ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه) ففرح ودعا لهم؛ قال ابن بطال: وليس في قولهم نرهنك اللأمة دليل على جواز رهن السلاح عند الحرب وإنما كان ذلك من معاريض الكلام المباحة في الحرب وغيره. وقال العيني: المطابقة بين الحديث والترجمة في قوله: ولكنّا نرهنك اللأمة أي السلاح بحسب ظاهر الكلام وإن لم يكن في نفس الأمر حقيقة الرهن وهذا المقدار كافٍ في وجه المطابقة انتهى. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي والجهاد ومسلم في المغازي وأبو داود في الجهاد والنسائي في السير. ٣ - باب الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ وَقَالَ مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: تُرْكَبُ الضَّالَّةُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا، وَتُحْلَبُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا. وَالرَّهْنُ مِثْلُهُ. هذا (باب) بالتنوين (الرهن مركوب ومحلوب) أي يجوز إذا كان ظهرًا يركب أو من ذوات الدر يحلب، وهذا لفظ حديث أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين. (وقال: منيرة) هو ابن مقسم بكسر الميم وسكون القاف مما وصله سعيد بن منصور (عن إبراهيم) النخعي (تركب الضالة) ما ضل من البهائم ذكر كان أو أنثى (بقدر علفها وتحلب بقدر علفها) وفي نسخة لأبي ذر عن الكشميهني: عملها. قال في الفتح: والأول أصوب (والرهن) أي المرهون (مثله) في الحكم المذكور يعني يركب ويحلب بقدر العلف وهذا وصله سعيد بن منصور أيضًا. ٢٥١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا». [الحديث ٢٥١١ - طرفه في: ٢٥١٢]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا زكريا) بن أبي زائدة (عن عامر) هو الشعبي (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه كان يقول): (الرهن) أي الظهر المرهون (يركب) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (بنفقته) أي يركب وينفق عليه (ويشرب لبن الدر إذا كان مرهونًا). بفتح الدال المهملة وتشديد الراء. قال الكرماني وتبعه

стр. 1742

العيني وغيره مصدر بمعنى الدارّة أي ذات الضرع، وقال الحافظ ابن حجر: هو من إضافة الشيء إلى نفسه، وتعقبه العيني بأن إضافة الشيء إلى نفسه لا تصح إلا إذا وقع في الظاهر فيؤوّل، وإذا كان المراد بالدر الدارّة فلا يكون من إضافة الشيء إلى نفسه لأن اللبن غير الدارة، واحتج به الإمام حيث قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحته ولو لم يأذن له المالك وأجمع الجمهور على أن المرتهن لا ينتفع من الرهن بشيء. قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يردّه أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها ويدل على نسخه، حديث ابن عمر أي القاضي في أبواب المظالم لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه انتهى. وقال إمامنا الشافعي: يشبه أن يكون المراد من رهن ذات در وظهر لم يمنع الراهن من درّها وظهرها فهي محلوبة ومركوبة له كما كانت قبل الرهن انتهى. فيجوز للراهن انتفاع لا ينقص المرهون كركوب وسكنى واستخدام ولبس وإنزاء فحل لا ينقصانه وقال الحنفية ومالك وأحمد في رواية عنه: ليس للراهن ذلك لأنه ينافي حكم الرهن وهو الحبس الدائم، واحتج الطحاوي في شرح الآثار: بأن هذا الحديث مجمل لم يبين فيه من الذي يركب ويشرب اللبن فمن أين جاز لهم أن يجعلوه للراهن دون أنس يجعلوه للمرتهن إلا أن يعاونه دليل من كتاب أو سُنّة أو إجماع قال: ومع ذلك فقد روى هشيم هذا الحديث بلفظ: إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها وثمن الذي يشرب وعلى الذي يشرب نفقتها ويركب، فدلّ هذا الحديث أن المعنيّ بالركوب وشرب اللبن في الحديث الأوّل هو المرتهن لا الراهن فجعل ذلك له وجعلت النفقة عليه بدلاً مما يتعوض منه مما ذكرنا وكان هذا عندنا في الوقت الذي كان الربا مباحًا فلما حرم الربا حرمت أشكاله، وردت الأشياء المأخوذة إلى أبدالها المساوية لها وحرم بيع اللبن في الضرع فدخل في ذلك النهي عن النفقة التي يملك بها المنفق لبنًا في الضرع وتلك النفقة غير موقوف على مقدارها واللبن أيضًا كذلك فارتفع بنسخ الربا أن تجب النفقة على المرتهن بالمنافع التي تجب له عوضًا منها، وباللبن الذي يحتلبه ويشربه. وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال والتاريخ في هذا متعذر والله أعلم. ٢٥١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِى يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) أبو الحسن الكسائي المروزي نزيل بغداد ثم مكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا زكريا) بن أبي زائدة (عن الشعبي) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة وكسر الموحدة عامر (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال: رسول الله ﷺ ¬): (الرهن) ولأبوي الوقت وذر قال: رسول الله ﷺ : الظهر (يركب بنفقته إذا كان مرهونًا ولبن الدر) أي ذات الضرع (يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا) أي يركبه الراهن ويشرب اللبن لأن له رقبتها أو المراد المرتهن وهذا الأخير قول أحمد كما مرّ في السابق، واحتج له في المغني بأن نفقة الحيوان واجبة وللمرتهن فيه حق وقد أمكنه استيفاء حقه من نماء الرهن والنيابة عن المالك فيما وجب عليه واستيفاء ذلك من منافعه فجاز ذلك كما يجوز للمرأة أخذ مؤونتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه (وعلى الذي يركب) الظهر (ويشرب) لبن الدارّة (النفقة) عليها وكذا مؤونة المرهون غيرهما التي يبقى بها كنفقة العبد ويبقى الأشجار والكروم وتجفيف الثمار وأجرة الإصطبل والبيت الذي يحفظ فيه المتاع المرهون إذا لم يتبرع بذلك المرتهن، وحكى الإمام المتولي وجهين في أن هذه المؤن هل يجبر عليها الراهن حتى يقوم بها من خالص ماله وجهان أصحهما الإجبار حفظًا للوثيقة، وأما المؤن التي تتعلق بالمداواة كالفصد والحجامة والمعالجة بالأدوية والمراهم فلا تجب عليه. ٤ - باب الرَّهْنِ عِنْدَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ (باب الرهن عند اليهود وغيرهم). ٢٥١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: "اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِىٍّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ". وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا جرير عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: اشترى رسول الله ﷺ من يهودي)

стр. 1743

هو ابن الشحم بفتح الشين المعجمة ولسكون الحاء المهملة اليهودي من بني ظفر بفتح الظاء والفاء بطن من الأوس وكان حليفًا لهم (طعامًا) وكان ثلاثين صاعًا من شعير كما مرّ (ورهنه درعه) ذات الفضول. وهذا الحديث قد سبق ذكره كثيرًا ومراد المؤلّف من سياقه هنا جواز معاملة غير المسلمين وإن كانوا يأكلون أموال الربا كما أخبر الله تعالى عنهم ولكن مبايعتهم وكل طعامهم مأذون لنا فيه بإباحة الله وقد ساقاهم النبي ﷺ على خيبر كما مرّ. ٥ - باب إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ وَنَحْوُهُ فَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِى، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هذا (باب) بالتنوين (إذا اختلف الراهن والمرتهن) في أصل الرهن كأن قال: رهنتني كذا فأنكر أو في قدره كأنه قال: رهنتني الأرض باشجارها؟ فقال: بل وحدها أو تعيينه كذا العبد فقال: بل الثوب أو قدر المرهون به كبعشرة فقال بل بعشرين (ونحوه) كاختلاف المتبايعين (فالبينة على المدعي) وهو من إذا ترك ترك (واليمين على المدعى عليه) وهو من إذا ترك لا يترك بل يجبر. ٢٥١٤ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ: "كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَتَبَ إِلَىَّ: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". [الحديث ٢٥١٤ - طرفاه في: ٢٦٦٨، ٤٥٥٢]. وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) بن صفوان السلمي الكوفي قال: (حدّثنا نافع بن عمر) بن عبد الله الجمحي (عن ابن أي مليكة) بضم الميم وفتح اللام وبعد التحتية الساكنة كاف هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي ميكة واسمه زهير المكي الأحول وكان قاضيًا لابن الزبير أنه (قال: كتبت إلى ابن عباس) ﵄ أي أسأله في قضية امرأتين ادّعت إحداهما على الأخرى كما سيأتي في سير سورة آل عمران ففيه حذف المفعول (فكتب إليّ): (إن النبى ﷺ ¬) بكسر إن على الحكاية وبفتحها على تقدير الجار أي بأن النبي ﷺ (قضى أن اليمين على المدعى عليه) قال العلماء: والحكمة في كون البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه أن جانب المدعي ضعيف لأنه يقول خلاف الظاهر فكلف الحجة القوية وهي البيّنة وهي لا تجلب لنفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضررًا فيقوى بها ضعف المدعي وجانب المدّعى عليه قويّ لأن الأصل فراغ ذمته فاكتفي فيه بحجة ضعيفة وهي اليمين لأن الحالف يجلب لنفسه النفع ويدفع الضرر فكان ذلك في غاية الحكمة. نعم قد يجعل اليمين في جانب المدعي في مواضع تستثنى لدليل كأيمان القسامة ودعوى القيمة في المتلفات ونحو ذلك كما هو مبسوط في محله من كتب الفقه، ويأتي إن شاء الله تعالى في محله من هذا الكتاب ومذهب الشافعية في مسألة الرهن تصديق الراهن بيمينه حيث لا بينة لأن الأصل عدم رهن ما ادّعاه المرتهن فإن قال الراهن: لم تكن الأشجار موجودة عند العقد بل أحدثتها فإن لم يتصور حدوثها بعده فهو كاذب وطولب بجواب الدعوى فإن أصرّ على إنكار وجودها عند العقد جعل ناكلاً وحلف المرتهن وإن لم يصر عليه واعترف بوجودها وأنكر رهنها قبلنا منه إنكاره لجواز صدقه في نفي الرهن، وإن كان قد بان كذبه في الدعوى الأولى وهي نفي الوجود أما إذا تصور حدوثها بعد العقد فإن لم يمكن وجودها عنده صدّق بلا يمين وإن أمكن وجودها وعدمه عنده فالقول قوله بيمينه لما مر، فإن حلف فهي كالأشجار الحادثة بعد الرهن في القلع وسائر الأحكام، وقد مرّ بيانها هذا إن كان رهن تبرع فإن اختلفا في رهن مشروط في بيع بأن اختلفا في اشتراطه فيه أو اتفقا عليه واختلفا في شيء مما سبق تحالفًا كسائر صور البيع إذا اختلف فيها. نعم إن اتفقا على اشتراطه فيه واختلفا في أصله فلا تحالف لأنهما لم يختلفا في كيفية البيع بل يصدّق الراهن وللمرتهن الفسخ إن لم يرهن. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الشهادت وتفسير آل عمران ومسلم والترمذي وابن ماجة في الأحكام وأبو داود والنسائي في القضايا. ٢٥١٥ و ٢٥١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ: "قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالاً وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِىَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ فَقَرَأَ إِلَى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ قَالَ: فَقَالَ صَدَقَ، لَفِىَّ وَاللَّهِ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ بَيْنِى وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِى بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : شَاهِدُكَ أَوْ يَمِينُهُ. قُلْتُ: إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالاً هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِىَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ. ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ إِلَى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة أنه (قال: قال عبد الله) يعني ابن مسعود (﵁ من حلف على يمين) أي على محلوف يمين فسماه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه وإلا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه (يستحق بها) أي

стр. 1744

باليمين (مالاً) لغيره (وهو فيها) أي في اليمين (فاجر) أي كاذب وهو من باب الكناية إذ الفجور لازم الكذب والواو في وهو للحال (لقي الله وهو عليه غضبان) من باب المجازاة أي يعامله معاملة المغضوب عليه فيعذبه (فأنزل الله) ولأبوي ذر والوقت: ثم أنزل الله (تصديق ذلك) في كتابه العزيز (﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً﴾ فقرأ إلى ﴿عذاب أليم﴾) [آل عمران: ٧٧] برفعهما على الحكاية (ثم إن الأشعث بن قيس) الكندي (خرج إلينا) من المكان الذي كان فيه (فقال: ما يحدّثكم أبو عبد الرحمن)؟ يعني ابن مسعود (قال: فحدّثناه) بسكون المثلثة (قال: فقال صدق لفيّ) بفتح اللام وكسر الفاء وتشديد التحتية (والله أنزلت) ولأبي ذر: لفيّ نزلت أي الآية (كانت بيني وبين رجل) اسمه معدان بن الأسود بن معد يكرب الكندي (خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ ¬): (شاهدك) بالرفع والإفراد، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: شاهداك أي ليحضر شاهداك أو ليشهد شاهداك فالرفع على الفاعلية بفعل محذوف أو على خبر مبتدأ محذوف تقديره أي الواجب شرعًا شاهداك أي شهادة شاهديك أو مبتدأ حذف خبره أي شهادة شاهديك الواجب في الحكم (أو يمينه) عطف عليه. قال الأشعث (قلت) يا رسول الله (إنه) أي الرجل (إذًا يحلف ولا يبالي) بنصب يحلف بإذًا لوجود شرائط عملها التي هي التصدّر والاستقبال وعدم الفصل ولغير أبي الوقت بالرفع، وذكر ابن خروف في شرح سيبويه أن من العرب من لا ينصب بها مع استيفاء الشروط حكاه سيبويه قال ومنه الحديث إذًا يحلف ففيه جواز الرفع على ما لا يخفى. (فقال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين يستحق بها مالاً فهو) ولأبي ذر: وهو (فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان) بغير تنوين للصفة وزيادة الألف والنون (فأنزل الله) ولأبي ذر: ثم أنزل الله (تصديق ذلك ثم اقترأ) ﷺ (هذه الآية: (﴿إن الدين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً﴾ إلى ﴿ولهم عذاب أليم﴾). وهذا الحديث قد سبق في باب الخصومة في البئر من كتاب الشرب. بسم الله الرحن الرحيم ٤٩ - كتاب العتق ١ - باب في العتقِ وفضلهِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣ - ١٥]. (بسم الله الرحمن الرحيم). (باب في العتق وفضله) ولأبي ذر: ما جاء في العتق بسم الله الرحمن الرحيم، وله عن المستملي كتاب العتق بسم الله الرحمن الرحيم ولم يقل باب، وللنسفي كتاب في العتق باب ما جاء في العتق وفضله والعتق بمعنى الإعتاق وهو إزالة الرقّ عن الآدمي، (وقوله تعالى) بالرفع في اليونينية على الاستئناف وبالجر عطفًا على المجرور السابق (﴿فك رقبة) برفع الكاف وخفض رقبة (﴿أو إطعام﴾) بوزن إكرام وهذه قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة على جعل فك خبر مبتدأ مضافًا إلى رقبة وإطعام مصدرًا ولأبي ذر ﴿فك رقبة﴾ فعلاً ماضيًا ورقبة مفعوله أو أطعم فعلاً ماضيًا، والمراد بفك الرقبة تخليصها من الرق من باب تسمية الشيء باسم بعضه وإنما خصّت بالذكر إشارة إلى أن حكم السيد عليه كالغل في رقبته فإذا عتق فك من عنقه (﴿في يوم) المراد مطلق الزمان ليلاً كان أو نهارًا (﴿ذي مسغبة﴾) مجاعة (﴿يتيمًا﴾) نصب بأطعم أو بالمصدر لأنه يعمل عمل فعله (﴿ذا مقربة﴾) [البلد: ١٣] صفة ليتيمًا أي قرابة. ٢٥١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِى وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِى سَعِيدٌ ابْنُ مَرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: لِى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ. قَالَ: سَعِيدٌ ابْنُ مَرْجَانَةَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَعَمَدَ عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنٍ ﵄ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ - أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ - فَأَعْتَقَهُ". [الحديث ٢٥١٧ - طرفه في: ٦٧١٥]. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي قال: (حدّثنا عاصم بن محمد) أي ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري المدني ﵃ (قال: حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (واقد بن محمد) بالقاف ابن زيد أخو عاصم الراوي عنه (قال: حدّثني) بالإفراد (سعيد ابن مرجانة) بفتح الميم وسكون الراء بعدها جيم وهو سعيد بن عبد الله ومرجانة أمه وليس له في البخاري سوى هذا الحديث (صاحب علي بن حسين) ولأبي ذر: صاحب علي بن الحسين بالتعريف ﵉ هو زين العابدين بن حسين بن علي بن أبي طالب (قال: قال لي أبو هريرة ﵁، قال النبي ﷺ ¬): (أيما رجل) بالجر في اليونينية

стр. 1745

وغيرها وقال الكرماني وبالرفع على البدلية وكلمة أي للشرط دخلت عليها ما، وللإسماعيلي من طريق عاصم بن علي عن عاصم بن محمد كمسلم والنسائي من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن سعيد بن مرجانة: أيما مسلم (أعتق امرأً مسلمًا استنقذ الله) أي خلص الله (بكل عضو منه عضوًا منه من النار) زاد في كفّارات الإيمان: حتى فرجه بفرجه وخصّ الفرج بالذكر لأنه محل أكبر الكبائر بعد الشرك، قال الخطابي: ويستحب عند بعض العلماء أن لا يكون العبد المعتق ناقص العضو بالعور أو الشلل ونحوهما، بل يكون سليمًا ليكون معتقه قد نال الموعود في عتق أعضائه كلها من النار بإعتاقه إياه من الرقّ في الدنيا قال: وربما كان نقصان الأعضاء زيادة في الثمن كالخصي إذا صلح لما لا يصلح له غيره من حفظ الحريم وغيره انتهى ففيه إشارة إلى أنه يغتفر النقص المجبور بالمنفعة ولا شك أن في عتق الخصي فضيلة لكن الكامل أولى. (قال سعيد بن مرجانة) بالسند السابق: (فانطلقت إلى) ولأبي ذر: به أي بالحديث إلى (علي بن حسين) ولأبي ذر ابن الحسين ولمسلم فانطلقت حتى سمعت الحديث من أبي هريرة فذكرته لعلي زاد أحمد وأبو عوانة من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن سعيد بن مرجانة فقال علي بن الحسين أنت سمعت هذا من أبي هريرة فقال: نعم (فعمد) بفتح الميم أي قصد (علي بن حسين ﵄) ولأبي ذر ابن الحسين (إلى عبد له) اسمه مطرف كما عند أحمد وأبي عوانة وأبي نعيم في مستخرجيهما على مسلم (قد أعطاه به) أي في مقابلة العبد (عبد الله بن جعفر) أي ابن أبي طالب وهو ابن عمّ والد علي بن الحسين (عشرة ألاف درهم أو ألف دينار فأعتقه) وفي رواية إسماعيل عند مسلم فقال: اذهب فأنت حرّ لوجه الله تعالى، والشك من الراوي وفيه إشارة إلى أن الدينار إذ ذاك بعشر دراهم. وأخرجه المؤلّف أيضًا في كفارات الإيمان ومسلم في العتق وكذا النسائي والترمذي. ٢ - باب أَىُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ هذا (باب) بالتنوين (أي الرقاب أفضل) أي للعتق. ٢٥١٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِى ذَرٍّ ﵁ قَالَ: "سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ أَىُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِى سَبِيلِهِ. قُلْتُ فَأَىُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَغْلَاهَا ثَمَنًا. وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا. قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تُعِينُ ضَائِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ". وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغرًا ابن باذام العبسي الكوفي (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن أبيه عن أبي مراوح) بضم الميم وتخفيف الراء وكسر الواو آخره حاء مهملة الغفاري ويقال الليثي المدني من كبار التابعين وقيل له صحبة، وقال الحاكم أبو أحمد: أدرك النبي ﷺ ولم يره ولا يعرف اسمه وقيل اسمه سعد ولا يصح (عن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري (﵁) أنه (قال سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال): (أيمان بالله وجهاد في سبيله) قرنهما لأن الجهاد كان إذ ذاك أفضل الأعمال (قلت: فأيّ الرقاب أفضل)؟ أي للعتق (قال: أغلاها) بالغين المعجمة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أعلاها (ثمنًا) بالعين المهملة ومعناهما متقارب، ولمسلم من طريق حماد بن زيد عن هشام أكثرها ثمنًا وهو يبين المراد. قال النووي: محله والله أعلم فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلاً فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها فوجد رقبة نفيسة ورقبتين مفضولتين قال: فالاثنتان أفضل. قال: وهذا بخلاف الأضحية فإذ الواحدة السمينة أفضل لأن المطلوب هنا (فك الرقبة) وهناك طيب اللحم انتهى. قال في فتح الباري: والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فربّ شخص واحد إذا عتق انتفع بالعتق وانتفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتق أكثر عددًا منه وربّ محتاج إلى كثرة اللحم ليفرقه على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم والضابط أن أيّهما كان أكثر نفعًا كان أفضل سواء قلّ أو كثر. (وأنفسها عند أهلها) بفتح الفاء أي أكثرها رغبة عند أهلها لمحبتهم فيها لأن عتق مثل ذلك لا يقع إلا خالصًا. (قلت: فإن لم أفعل)؟ أي إن لم أقدر على العتق، وللدارقطني في الغرائب: فإن لم أستطع (قال: تعين صانعًا) بالصاد المهملة والنون من الصنعة كذا في اليونينية المقابلة بالأصول كأصل أبي ذر وأبي الوقت والأصيلي وغيرهم

стр. 1746

وكذا في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة كالأصل المقروء على الشرف الميدومي وغيره، وضبطه الحافظ ابن حجر وغيره ضائعًا بالضاد المعجمة والهمزة تكتب ياء أي تعين ذا ضياع من فقر أو عيال أو حال قصر عن القيام بها، وكذا هو بالمعجمة في رواية مسلم من طريق حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي مراوح. قال القاضي عياض مما نقله عنه النووي في شرح مسلم: روايتنا في هذا من طريق هشام فتعين ضائعًا بمعجمة قال: وكذا في الرواية الأخرى أي من صحيح مسلم وهي رواية الزهري عن حبيب مولى عروة بن الزبير عن عروة عن أبي مراوح فتعين الضائع بالمعجمة من جميع طرقنا عن مسلم في حديث هشام والزهري إلا من رواية أبي الفتح السمرقندي عن عبد الغافر الفارسي، فإن شيخنا أبا بحر حدّثنا عنه فيهما بالمهملة وهو صواب الكلام لمقابلته بالأخرق وإن كان المعنى من جهة الضائع صحيحًا، لكن صحّت الرواية عن هشام هنا بالصاد المهملة، وكذا رويناه في صحيح البخاري انتهى. وجزم الحافظ ابن حجر بأنه بالمعجمة في جميع روايات البخاري قال: وقد خبط من قال من شراح البخاري إنه روي بالصاد المهملة والنون فإن هذه الرواية لم تقع في شيء من طرقه انتهى. ويؤيده قول ابن الصلاح هو في رواية هشام بالمهملة والنون في أصل الحافظين أبي عامر العبدري وابن عساكر، ولكنه ليس من رواية هشام وإن كان صحيحًا في نفس الأمر ولكن روايته إنما هي بالمعجمة، وأما رواية الزهري فالمحفوظ عنه أنه بالمهملة وكان ينسب هشامًا إلى التصحيف قال: وذكر القاضي عياض أنه في رواية الزهري بالمعجمة إلا رواية السمرقندي وليس الأمر على ما حكاه في روايات أصولنا بكتاب مسلم فكلها مقيدة في رواية الزهري بالمهملة انتهى. لكن قول الحافظ ابن حجر ﵀: إن القاضي عياضًا جزم بأنه في البخاري بالمعجمة يردّه ما سبق عن القاضي من قوله صحّت الرواية عن هشام بالصاد المهملة، وكذا رويناه في صحيح البخاري فليتأمل. وقال النووي يروى بهما فيهما والصحيح عند العلماء المهملة والأكثر في الرواية المعجمة انتهى. وممن نسب هشامًا إلى التصحيف في هذه الدارقطني وحكاه ابن المديني وقد تقرر مما ذكرناه أن رواية هشام بالمعجمة لا بالمهملة وإن نسب إلى التصحيف ويبقى النظر في تطابق الأصول التي وقفت عليها مع توافق أهل هذا الشأن على الاعتماد على الأصول المعتمدة على ما لا يخفى. (أو تصنع لأخرق) بفتح الهمزة والراء بينهما ساكنة وآخره قاف لا يحسن صنعة ولا يهتدي إليها (قال: فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من الشر) أي تكفّ عنهم شرك (فإنها صدقة تصدّق بها على نفسك) بحذف إحدى التاءين والأصل تتصدق والضمير في قوله فإنها للمصدر الذي دل عليه الفعل وأنثه لتأنيث الخبر. وهذا الحديث من أعلى حديث وقع عند المؤلّف وهو في حكم الثلاثيات، لأن هشام بن عروة شيخ من شيخه من التابعين وإن كان روى هنا عن تابعي آخر وهو أبوه عروة، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق واحد هشام وأبوه وأبو مراوح، وأخرجه مسلم في الإيمان، والنسائي في العتق والجهاد، وابن ماجة في الأحكام. ٣ - باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْعَتَاقَةِ فِى الْكُسُوفِ وَالآيَاتِ (باب ما يستحب من العتاقة) بفتح العين أي الإعتاق (في الكسوف والآيات) كخسوف القمر والظلمة الشديدة وهو من عطف العامّ على الخاص ولأبوي الوقت وذر: أو الآيات بألف قبل الواو. ٢٥١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: "أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بِالْعَتَاقَةِ فِى كُسُوفِ الشَّمْسِ". تَابَعَهُ عَلِىٌّ عَنِ الدَّرَاوَرْدِىِّ عَنْ هِشَامٍ. وبه قال: (حدّثنا موسى بن مسعود) هو أبو حذيفة النهدي بفتح النون البصري مشهور بكنيته أكثر من اسمه قال: (حدّثنا زائدة بن قدامة) أبو الصلت الثقفي الكوفي (عن هشام بن عروة) ابن الزبير (عن فاطمة بنت المنذر) بن الزبير بن العوّام زوج هشام (عن أسماء بنت أبي بكر) الصدّيق (﵄) أنها (قالت أمر النبي ﷺ -بالعتاقة) أي فك الرقبة من العبودية بالإعتاق (في كسوف الشمس) لأن الخيرات تدفع العذاب. (تابعه) أي تابع موسى بن مسعود (علي) قال الحافظ ابن حجر: يعني ابن المديني وهو شيخ البخاري ووهم من قال: المراد به ابن حجر انتهى. أي: بضم الحاء المهملة وسكون

стр. 1747

الجيم وبالراء والقائل بأنه المراد هو الكرماني قال العيني: كل من ابن المديني وابن حجر شيخ المؤلّف وروي عن اللاحق فما الدليل على تخصيص ابن المديني ونسبة الوهم إلى غيره (عن الدراوردي) بفتح الدال المهملة والراء المخففة والواو وسكون الراء وكسر الدال المهملة وتشديد التحتية نسبة إلى دراورد قرية من قرى خراسان واسمه عبد العزيز بن محمد (عن هشام) أي ابن عروة عن فاطمة بنت المنذر إلى آخره، وقد مضى الحديث في أبواب الكسوف. ٢٥٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ حَدَّثَنَا عَثَّامٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: "كُنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الْخُسُوفِ بِالْعَتَاقَةِ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن أبي بكر) المقدمي قال: (حدّثنا عثام) بفتح العين المهملة وتشديد المثلثة وبعد الألف ميم ابن علي بن الوليد العامري الكوفي قال: (حدّثنا هشام) هو ابن عروة (عن) زوجته (فاطمة بنت المنذر) بن الزبير (عن أسماء بنت أبي بكر) الصديق (﵄) أنها (قالت: كنا نؤمر عند الخسوف) بالخاء المعجمة أي خسوف القمر (بالعتاقة) بفتح العين أي الإعتاق للرقبة وقد وضح برواية زائدة السابقة أن الآمر في رواية عثام هو الرسول ﷺ وفيه تقوية للقائل إن قول الصحابي كنّا نؤمر بكذا له حكم الرفع وهو الأصح. ٤ - باب إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَوْ أَمَةً بَيْنَ الشُّرَكَاءِ هذا (باب) بالتنوين (إذا أعتق) الشخص (عبدًا) مشتركًا (بين اثنين) أو أكثر (أو) أعتق (أمة بين الشركاء) وإنما قال: في العبد بين اثنين وفي الأمة بين الشركاء محافظة على لفظ الحديث وإلا فالحكم واحد. ٢٥٢١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُعْتَقُ". وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر (﵁) وعن أبيه (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (من أعتق عبدًا) أي أو أمة (بين اثنين) فأكثر (فإن كان) الذي أعتق (موسرًا) صاحب يسار (قوّم عليه) بضم القاف مبنيًّا للمفعول أي قيمة عدل كما في الرواية الأخرى أي سواء من غير زيادة ولا نقص (ثم يعتق) أي العبد أو الأمة وأول يعتق مضموم وثالثه مفتوح، وقول ابن المنير قوله: من أعتق عبدًا بين اثنين فيه دليل لطيف على صحة إطلاق الجمع على الواحد لأنه قال عبدًا بين اثنين، ثم قال: فأعطى شركاءه حصصهم والمراد شريكه قطعًا. قال العلاّمة البدر الدماميني: هذا سهو منه فإن الحديث الذي فيه من أعتق عبدًا بين اثنين ليس فيه فأعطى شركاءه حصصهم والذي فيه فأعطى شركاءه حصصهم ليس فيه من أعتق عبدًا بين اثنين إنما فيه من أعتق شركًا له في عبد انتهى. وليس في قوله ثم يعتق دليل للمالكية على أنه لا يعتق إلا بعد أداء القيمة كما سيأتي بيانه قريبًا في هذا الباب إن شاء الله تعالى. وهذا الحديث قد سبق في باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل. ٢٥٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِى عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال): (من أعتق شركًا) بكسر الشين أي نصيبًا (له في عبد) سواء كان قليلاً أو كثيرًا والشرك في الأصل مصدر أطلق على متعلقه وهو المشترك ولا بدّ من إضمار أي جزء مشترك لأن المشترك في الحقيقة الجملة (فكان له) أي للذي أعتق (مال يبلغ) وللحموي والمستملي ما يبلغ أي شيء (ثمن العبد) أي قيمة بقيته (قوّم العبد) بضم القاف مبنيًّا للمفعول زاد أبو ذر والأصيلي عليه (قيمة عدل) بأن لا يزاد من قيمته ولا ينقص (فأعطى شركاءه حصصهم) أي قيمة حصصهم وروي فأعطي بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول شركاؤه بالرفع نائبًا عن الفاعل (وعتق عليه) بفتح العين والتاء ولا يبنى للمفعول إلا إذا كان بهمزة التعدية فيقال أعتق ولأبي ذر وعتق عليه العبد (وإلا) بأن لم يكن موسرًا (فقد عتق منه ما عتق) أي حصته. وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في العتق. ٢٥٢٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِى أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِى مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ على المعتق، فَأُعْتِقَ مِنْهُ مَا أَعْتَقَ». حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ … اخْتَصَرَهُ. وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين أبو محمد القرشي الهباري الكوفي من ولد هبار بن الأسود واسمه في الأصل عبد الله وعبيد لقب غلب عليه (عن أبي أسامة) حماد بن أسامة (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄)

стр. 1748

أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (من أعتق شركًا له في مملوك فعليه عتقه كله) قال الزركشي وتبعه ابن حجر بالجر أنه تأكيد للضمير المضاف أي أعتق العبد كله، وتعقبه العيني بأنه ليس هنا ضمير مضاف حتى يكون تأكيدًا وفيه مساهلة جدًّا، وإنما هو تأكيد لقوله في مملوك انتهى. أي: فعليه عتق المملوك كله والأحسن أن يقال: إنه تأكيد للضمير المضاف إليه (إن كان له) أي للذي أعتق (مال يبلغ ثمنه) أي قيمة بقية العبد (فإن لم يكن له مال يقوم عليه قيمة عدل على المعتق) بكسر التاء ويقوم بفتح الواو المشددة صفة لقوله مال أي من لا مال له بحيث يقع عليه التقويم فإن العتق يقع في نصيبه خاصة، وليس المراد أن التقويم يشرع فيمن لم يكن له مال فليس يقوّم جوابًا للشرط بل هو قوله: (فأعتق منة) بضم الهمزة وكسر الفوقية مبنيًّا للمفعول أي فأعتق من العبد (ما أعتق) بفتح الهمزة والتاء أي ما أعتق المعسر. وقال الإمام البلقيني: يحتمل أن يكون المراد فإن لم يكن له مال يبلغ قيمة حصة الشريك بل البعض فيقوم لأجل ذلك، ويكون حجة لأصح الوجهين في مذهب الشافعي أنه يعتق من حصة الشريك بقدر ما يوسر به أو يحكم على هذه اللفظة بالشذوذ والمخالفة لما رواه الناس فإنها لا تعرف إلا من هذا الطريق أوردها به البخاري انتهى. وفي نسخة: ما أعتق بضم الهمزة وكسر التاء وللحموي والمستملي قيمة عدل على العتق بكسر العين وسكون المثناة الفوقية، وعند النسائي من رواية خالد بن الحرث عن عبيد الله فإن كان له مال قوّم عليه قيمة عدل في ماله فإن لم يكن له مال عتق منه ما عتق. وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين المهملة ابن مسرهد أبو الحسن الأسدي البصري قال: (حدّثنا بشر) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة ابن المفضل (عن عبيد الله) بن عمر العمري (اختصره) مسدد بالإسناد المذكور فذكر المقصود منه فقط. قال في فتح الباري: وقد أخرجه مسدد في مسنده من رواية معاذ بن المثنى عنه بهذا الإسناد، وأخرجه البيهقي من طريقه ولفظه: "من أعتق شركًا له في مملوك فقد عتق كله" وقد رواه غير مسدد عن بشر مطوّلاً، وقد أخرجه النسائي عن عمرو بن علي عن بشر لكن ليس فيه أيضًا قوله عتق منه ما عتق فيحتمل أن يكون مراده أنه اختصر هذا القدر. ٢٥٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِى مَمْلُوكٍ أَوْ شِرْكًا لَهُ فِى عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فَهْوَ عَتِيقٌ. قَالَ: نَافِعٌ: وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ. قَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِى أَشَىْءٌ قَالَهُ نَافِعٌ، أَوْ شَىْءٌ فِى الْحَدِيثِ". وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل قال: (حدّثنا حماد) ولأبي ذر حماد بن زيد (عن أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (من أعتق نصيبًا له في مملوك أو) قال (شركًا له في عبد) شك أيوب (وكان) بالواو، ولأبوي ذر والوقت: فكان (له من المال ما يبلغ قيمته) أي قيمة بقية العبد (بقيمة العدل) من غير زيادة ولا نقص (فهو) أي العبد (عتيق) أي معتق بضم الميم وفتح المثناة كله بعضه بالإعتاق وبعضه بالسراية فلو كان له مال لا يفي بحصصهم سرى إلى القدر الذي هو موسر به تنفيذًا للعتق بحسب الإمكان وخرج بقوله أعتق ما إذا أعتق عليه قهرًا بأن ورث بعض من يعتق عليه بالقرابة فإنه يعتق ذلك القدر خاصة ولا سراية، وبهذا صرّح الفقهاء من أصحابنا الشافعية وغيرهم، وعن أحمد رواية بخلافه، وخرج أيضًا ما إذا أوصى بإعتاق نصيبه من عبد فإنه يعتق ذلك القدر ولا سراية لأن المال ينتقل إلى لوارث ويصير الميت معسرًا بل لو كان كل العبد له فأوصى بإعتاق بعضه عتق ذلك البعض ولم يسر كما قاله الجمهور، ولا تتوقف السراية فيما إذا أعتق البعض على أداء القيمة لأنه لو لم يعتق قبل الأداء لما وجبت القيمة، وإنما تجب على تقدير انتقال أو قرض أو إتلاف ولم يوجد الأخيران فتعيّن الأول وهو الانتقال إليه وهذا مذهب الجمهور، والأصح عند الشافعية وبعد المالكية وفي رواية النسائي وابن حبّان من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر: من أعتق عبدًا وله فيه شركاء وله وفاء فهو حرّ ويضمن نصيب شركائه بقيمته، وللطحاوي نحوه، ومشهور مذهب المالكية أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة فلو أعتق الشريك قبل أخذ

стр. 1749

القيمة نفذ عتقه واستدلّ لهم بقوله في رواية سالم المذكور أول الباب: فإن كان موسرًا قوّم عليه ثم عتق. وأجيب: بأنه لا يلزم من ترتيب العتق على التقويم ترتيبه على أداء القيمة فإن التقويم يفيد معرفة القيمة وأما الدفع فقدر زائد على ذلك، وأما رواية مالك فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد فلا يقتضي ترتيبًا لسياقها بالواو، ولا فرق بين أن يكون العبد والمعتق والشريك مسلمين أو كفارًا أو بعضهم مسلمين وبعضهم كفارًا ولا خيار للشريك في ذلك ولا للعبد ولا للمعتق بل ينفذ الحكم، وإن كرهوا كلهم مراعاة لحق الله تعالى في الحرية، وهذا مذهب الشافعية. وعند الحنابلة وجهان فيما لو أعتق الكافر شركًا له في عبد مسلم هل يسري عليه أم لا؟ وقال المالكية إن كانوا كفارًا فلا سراية وإن كان المعتق كافرًا دون شريكه فهل يسري عليه أم لا؟ أم يسري فيما إذا كان العبد مسلمًا دون ما إذا كان كافرًا؟ ثلاثة أقوال وإن كانا كافرين والعبد مسلمًا فروايتان وإن كان المعتق مسلمًا سرى عليه بكل حال. (قال نافع) مولى ابن عمر (وإلا) أي وإن لم يكن له مال (فقد عتق منه ما عتق) بفتح العين والتاء فيهما وهو نصيبه ونصيب الشريك رقيق لا يكلف إعتاقه ولا يستسعي العبد في فكّه ولأبي ذر أعتق بضم الهمزة في الأول وكسر التاء مبنيًّا للمفعول وفتحها في الثاني وإسقاط منه. (قال أيوب) السختياني (لا أدري أشيء) أي حكم المعسر (قاله نافع) من قبله فيكون منقطعًا موقوفًا (أو شيء في الحديث) فيكون موصولاً مرفوعًا، وقد وافق أيوب على الشك فى رفع هذه الزيادة يحيى بن سعيد عن نافع فيما رواه مسلم والنسائي ولم يختلف عن مالك في وصلها ولا عن عبيد الله بن عمر، لكن اختلف عليه في إثباتها وحذفها والذين أثبتوها حفاظ فإثباتها عند عبيد الله مقدّم وقد رجح الأئمة رواية من أثبت هذه الزيادة مرفوعة. قال إمامنا الشافعي ﵁: لا أحسب عالمًا بالحديث يشك في أن مالكًا أحفظ لحديث نافع من أيوب لأنه كان ألزم له منه حتى لو استويا فشك أحدهما في شيء لم يشك فيه صاحبه كانت الحجة مع من لم يشك، ويقوي ذلك قول عثمان الدارمي قلت لابن معين مالك في نافع أحب إليك أو أيوب؟ قال مالك ومن جزم حجة على من تردد وزاد فيه بعضهم كما قاله الشافعي ﵁ فيما نقله عنه البيهقي في المعرفة ورقّ منه ما رقّ، ووقعت هذه الزيادة عند الدارقطني وغيره من طريق إسماعيل بن أمية وغيره عن نافع عن ابن عمر بلفظ ورقّ منه ما بقي واستدلّ بذلك على ترك الاستسعاء، لكن في إسناده إسماعيل بن مرزوق الكعبي وليس بالمشهور عن يحيى بن أيوب وفي حفظه شيء. ٢٥٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مِقْدَامٍ حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ "عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي فِي الْعَبْدِ أَوِ الأَمَةِ يَكُونُ بَيْنَ شُرَكَاءَ فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ يَقُولُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ إِذَا كَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ يُقَوَّمُ مِنْ مَالِهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، وَيُدْفَعُ إِلَى الشُّرَكَاءِ أَنْصِبَاؤُهُمْ وَيُخَلَّى سَبِيلُ الْمُعْتَقِ، يُخْبِرُ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ". وَرَوَاهُ اللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَجُوَيْرِيَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ … مُخْتَصَرًا. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن مقدام) بكسر الميم وسكون القاف أبو الأشعث العجلي البصري قال (حدّثنا الفضيل بن سليمان) بضم الفاء وفتح المعجمة في الأول وضم السين وفتح اللام في الثاني النميري قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف قال: (أخبرني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان يفتي في العبد أو الأمة يكون بين الشركاء فيعتق) بضم التحتية وكسر الفوقية (أحدهم نصيبه منه من العبد أو الأمة (يقول) أي ابن عمر (وقد وجب علبه عتقه كله) بالجر تأكيدًا للضمير إليه كما مرّ أي وجب عليه عتق العبد كله أو الأمة كلها (إذا كان الذي أعتق من المال ما يبلغ) أي قيمة نصيب شركائه فحذف المفعول (يقوّم من ماله) أي من مال الذي أعتق (قيمة العدل) بفتح العين أي قيمة استواء من غير زيادة ولا نقص وقيمة نصب مفعول مطلق (ويدفع) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (إلى الشركاء أنصباؤهم) بالرفع نائبًا عن الفاعل (ويخلى) بفتح اللام مبنيًا للمفعول (سبيل المعتق) بالرفع نائبًا عن الفاعل والمعتق بفتح التاء أي العتيق، ولأبي ذر: ويدفع بفتح أوّله إلى الشركاء أنصباءهم بالنصب على المفعولية ويخلي بكسر اللام مبنيًّا للفاعل أي المعتق بكسر التاء "سبيل" على المفعولية وفتح الفوقية من المعتق (يخبر ذلك

стр. 1750

ابن عمر عن النبي ﷺ ¬). (ورواه) أي الحديث المذكور (الليث) بن سعد الإمام فيما وصله مسلم والنسائي (وابن أبي ذئب) محمد فيما وصله أبو نعيم في مستخرجه (وابن إسحاق) محمد صاحب المغازي فيما وصله أبو عوانة (وجويرية) بن أسماء فيما وصله المؤلّف في الشركة (ويحيى بن سعيد) الأنصاري فيما وصله مسلم (وإسماعيل بن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية فيما وصله عبد الرزاق كلهم (عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ مختصرًا) بفتح الصاد يعني لم يذكر والجملة الأخيرة في حق المعسر وهي قول فقد عتق منه ما عتق. وقد أخرج المؤلّف حديث ابن عمر في هذا الباب من ستة طرق تشتمل على فصول من أحكام عتق العبد المشترك كما ترى. ٥ - باب إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبًا فِي عَبْدٍ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ، عَلَى نَحْوِ الْكِتَابَةِ هذا (باب) بالتنوين (إذا أعتق) شخص (نصيبًا) له (في عبد وليس له مال) وجواب إذا قوله (استسعي) بضم تاء الاستفعال مبنيًّا للمفعول أي ألزم (للعبد) السعي في تحصيل القدر الذي يخلص به باقيه من الرقّ حال كونه (غير مشقوق عليه على نحو) عقد (الكتابة). ٢٥٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ عَبْدٍ … ». وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (أحمد بن أبي رجاء) واسمه عبد الله بن أيوب أبو الوليد الحنفي الهروي قال: (حدّثنا يحيى بن آدم) بن سليمان القرشي الكوفي قال: (حدثنا جرير بن حازم) البصري (قال: سمعت قتادة) بن دعامة أبا الخطاب السدوسي (قال: حدّثني) بالإفراد (النضر بن أنس بن مالك) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة الأنصاري البصري (عن بشبر بن نهيك) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وفتح النون وكسر الهاء في الثاني وآخره كاف السدوسي ويقال السلوليّ البصري (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (من أعتق شقيصًا) بفتح الشين المعجمة وكسر القاف أي نصيبًا (من عبد) كذا ساقه مختصرًا وعطف عليه طريق سعيد عن قتادة فقال بالسند إليه. ٢٥٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا -أَوْ شَقِيصًا- فِي مَمْلُوكٍ فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلاَّ قُوِّمَ عَلَيْهِ فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ وَأَبَانُ وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ عَنْ قَتَادَةَ … اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ. (وحدّثنا) وفي الفرع حدّثنا بحذف واو العطف (مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بتقديم الزاي على الراء مصغرًا أبو معاوية البصري قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري الثقة الحافظ ذو التصانيف كثير التدليس واختلط لكنه من أثبت الناس في قتادة وقد سمع منه يزيد بن زريع قبل اختلاطه (عن قتادة) بن دعامة (عن النضر بن أنس) الأنصاري (عن بشير بن نهيك) بفتح أوّلهما وكسر ثانيهما وزنًا واحدًا (عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال): (من أعتق نصيبًا أو) قال (شقيصًا) بفتح أوله وكسر ثانيه والشك من الراوي (في مملوك) مشترك بينه وبين غيره (فخلاصه) كله من الرقّ (عليه في ماله) بأن يؤدي قيمة باقيه من ماله (إن كان له مال وإلاّ) بأن لم يكن للذي أعتق مال (قوم) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (عليه فاستسعي) بضم التاء أي ألزم العبد (به) أي باكتساب ما قوّم من قيمة نصيب الشريك ليفك بقية رقبته من الرقّ أو يخدم سيده الذي لم يعتقه بقدر ما له فيه من الرقّ، والتفسير الأول هو الأصح عند القائل بالاستسعاء لاسيما وفي رواية عبدة عند النسائي ومحمد بن بشر عند أبي داود كلاهما عن سعيد ما يوضح أن المراد الأول ولفظه واستسعى في قيمته لصاحبه (غير مشقوق عليه) في الاكتساب إذا عجز، وقال ابن التين: معناه لا يستغلى عليه في الثمن وهو قول أبي حنيفة مستدلاً بهذا الحديث، وما رواه مسلم وأصحاب السنن وخالفه أصحابه وهو مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة. (تابعه) أي تابع سعيد بن أبي عروبة في روايته عن قتادة على ذكر السعاية (حجاج بن حجاج) بتشديد الجيم فيهما الأسلمي الباهلي البصري الأحول مما هو في نسخته عن قتادة من رواية أحمد بن حفص أحد شيوخ البخاري عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن حجاج وفيها ذكر السعاية (وأبان) بن يزيد العطار مما أخرجه أبو داود والنسائي من طريقه قال: حدّثنا قتادة أخبرنا النضر بن أنس ولفظه:

стр. 1751

فإن عليه أن يعتق بقيته إن كان له مال وإلا استسعي العبد الحديث. (وموسى بن خلف) العمي فيما وصله الخطيب في كتاب الفصل للوصل من طريق أبي ظفر عبد السلام بن مطهر عنه كلهم (عن قتادة) بن دعامة، وأراد المؤلّف بهذا الرد على من زعم أن الاستسعاء في هذا الحديث غير محفوظ، وأن سعيد بن أبي عروبة تفرّد به فاستظهر له برواية جرير بن حازم لموافقته ثم ذكر ثلاثة تابعوهما على ذكرها فنفى عنه التفرّد ثم قال: (اختصره) أي الحديث (شعبة) هو ابن الحجاج وكأنه جواب عن سؤال مقدّر، وهو أن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة فكيف لا يذكر الاستسعاء فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفًا لأنه أورده مختصرًا وغيره بتمامه والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد. ورواية شعبة أخرجها مسلم والنسائي من طريق غندر عنه عن قتادة بإسناده ولفظه عن النبي ﷺ في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما نصيبه قال "يضمن". ومن طريق معاذ عن شعبة بلفظ: "من أعتق شقصًا من مملوك فهو حر من ماله" وقد اختصر ذكر السعاية أيضًا هشام الدستوائي عن قتادة إلا أنه اختلف عليه في إسناده فمنهم من ذكر فيه النضر بن أنس، ومنهم من لم يذكره. وقد أجاب أصحابنا الشافعية عن الأحاديث المذكور فيها السعاية بأجوبة. أحدها: أن الاستسعاء مدرج في الحديث من كلام قتادة لا من كلامه ﷺ كما رواه همام بن يحيى عن قتادة بلفظ: إن رجلاً أعتق شقصًا من مملوك فأجاز النبي ﷺ عتقه وغرمه بقية ثمنه قال قتادة: إن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه أخرجه الدارقطني والخطابي والبيهقي وفيه فصل السعاية من الحديث وجعلها من قول قتادة. وقال ابن المنذر والخطابي في معالم السنن: هذا الكلام لا يثبته أكثر أهل النقل مسندًا عن النبي ﷺ ، ويزعمون أنه من كلام قتادة، واستدلّ له ابن المنذر برواية همام وقد ضعف الشافعي ﵁ أمر السعاية فيما ذكره عنه البيهقي بوجوه. منها: أن شعبة وهشامًا الدستوائي رويا هذا الحديث ليس فيه استسعاء وهما أحفظ. ومنها: أن الشافعي ﵁ سمع بعض أهل النظر والقياس والعلم بالحديث يقول: لو كان حديث سعيد بن أبي عروبة في الاستسعاء منفردًا لا يخالفه غيره ما كان ثابتًا قال الشافعي ﵁ في القديم: وقد أنكر الناس حفظ سعيد. قال البيهقي: وهذا كما قال الشافعي فقد اختلط سعيد بن أبي عروبة في آخر عمره حتى أنكروا حفظه، إلا أن حديث الاستسعاء قد رواه أيضًا جرير بن حازم عن قتادة، ولذلك أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، واستشهد البخاري برواية الحجاج بن الحجاج وأبان وموسى عن قتادة فذكر الاستسعاء فيه، وإنما يضعف الاستسعاء في هذا الحديث رواية همام بن يحيى عن قتادة فإنه فصله من الحديث وجعله من قول قتادة، ولعل الذي أخبر الشافعي بضعفه وقف على رواية همام أو عرف علة أخرى لم يقف عليها اهـ. فجزم هؤلاء الأثمة بأنه مدرج وأبى ذلك جماعة منهم الشيخان فصحّحا كون الجميع مرفوعًا وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد وجماعة لأن سعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همام وغيره، وهمام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد لكنهما لم ينفيا ما رواه، وإنما اقتصرا من الحديث على بعضه وليس المجلس متحدًّا حتى يتوقف في زيادة سعيد فإن ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره وهذا كله لو انفرد وسعيد لم ينفرد، وقد قال النسائي في حديث قتادة عن أبي المليح في هذا الباب بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة هشام: وسعيد أثبت في قتادة من همام وما أعلّ به حديث سعيد من كونه اختلط أو تفرد به مردود لأنه في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع، ووافقه عليه أربعة تقدم ذكرهم وآخرون معهم يطول ذكرهم وهمام هو الذي انفرد بالتفصيل، وهو الذي خالف

стр. 1752

الجميع في القدر المتفق على رفعه فإنه جعله واقعة عين وهم جعلوه حكمًا عامًّا فدلّ على أنه لم يضبطه كما ينبغي، وقد وقع ذكر الاستسعاء في غير حديث أبي هريرة أخرجه الطبراني من حديث جابر. واحتج من أبطل الاستسعاء بحديث عمران بن حصين عند مسلم أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعاهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرقّ أربعة. ووجه الدلالة منه أن الاستسعاء لو كان مشروعًا لنجز من كل واحد منهم عتق ثلثه وأمره بالاستسعاء في بقية قيمته لورثة الميت. وروى النسائي من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق عبدًا وله وفاء فهو حر ويضمن نصيب شركائه بقيمته لما أساء من مشاركتهم وليس على العبد شيء". ورواه البيهقي أيضًا من وجه آخر. ٦ - باب الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْعَتَاقَةِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، وَلَا عَتَاقَةَ إِلاَّ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». وَلَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي وَالْمُخْطِئِ. (باب) حكم (الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه) أي نحو كلٍّ منهما من الأشياء التي يريد الشخص أن يتلفظ بشيء منها فيسبق لسانه إلى غيره كان يقول لعبده: أنت حر، أو لامرأته أنت طالق من غير قصد، فقال الحنفية: يلزمه الطلاق، وقال الشافعية: من سبق لسانه إلى لفظ الطلاق في محاورته وكان يريد أن يتكلم بكلمة أخرى لم يقع طلاقه لكن لمن تقبل دعواه سبق اللسان في الظاهر إلا إذا وجدت قرينة تدل عليه، فإذا قال طلّقتك ثم قال سبق لساني وإنما أردت طلبتك فنصّ الشافعي ﵀ أنه لا يسع امرأته أن تقبل منه. وحكى الروياني عن صاحب الحاوي وغيره: إن هذا فيما إذا كان الزوج متّهمًا فأما إن ظنت صدقه بأمارة فلها أن تقبل قوله ولا تخاصمه. قال الروياني: وهذا هو الاختيار نعم يقع الطلاق والعتق من الهازل ظاهرًا وباطنًا ولا يدين فيهما. (ولا عتاقة إلا لوجه الله تعالى) أي لذاته ولجهة رضاه ومراده بذلك إثبات اعتبار النيّة لأنه لا يظهر كونه لوجه الله تعالى إلا مع القصد وفي حديث ابن عباس مرفوعًا كما في الطبراني: لا طلاق إلا لعدّة ولا عتاقة إلا لوجه الله. (وقال: النبي ﷺ ¬) فيما سبق موصولاً في حديث عمر بن الخطاب ﵁. (لكل امرئ ما نوى) الحديث (ولا نيّة للناسي والمخطئ) وهو من أراد الصواب فصار إلى غيره قال الحافظ ابن حجر وللقابسي والخاطئ وهو من تعمد لما لا ينبغي. ٢٥٢٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ». [الحديث ٢٥٢٨ - طرفاه في: ٥٢٦٩، ٦٦٦٤]. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: وحدّثني (الحميدي) عبد الله بن الزبير بن عيسى قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين ابن كدام بكسر الكاف ودال مهملة مخففة (عن قتادة) بن دعامة (عن زرارة بن أوفى) هو من ثقات التابعين (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (إن الله) (تجاوز لي) أي لأجلي (عن أمتي ما وسوست به صدورها) جملة في محل نصب على المفعولية وما موصول ووسوست صلته وبه عائد وصدورها بالرفع فاعل وسوست ولأبي ذر صدورها بالنصب على أن وسوست بمعنى حدثت، ونسب هذه في الفتح وغيره لرواية الأصيلي، ويأتي إن شاء الله تعالى في الطلاق بلفظ ما حدّثت به أنفسها والمعنى ما حدّثت به نفسه وهو ما يخطر بالبال والوسوسة الصوت الخفي ومنه وسواس الحلي لأصواتها وقيل ما يظهر في القلب من الخواطر إن كانت تدعو إلى الرذائل والمعاصي تسمى وسوسة، فإن كانت تدعو إلى الخصال الرضية والطاعات تسمى إلهامًا ولا تكون الوسوسة إلا مع التردّد والتزلزل من غير أن يطمئن إليه أو يستقر عنده (ما لم تعمل) في العمليات بالجوارح (أو تكلم) في القوليات باللسان على وفق ذلك وأصل تكلم تتكلم بمثناتين حذفت إحداهما تخفيفًا. ومطابقة الحديث للترجمة من قوله: ما وسوست لأن الوسوسة لا اعتبار لها عند عدم التوطّن فكذلك المخطئ والناسي لا توطن لهما، وأما قول ابن العربي: إن المراد بقوله ما لم تكلم الكلام النفسي إذ هو الكلام الأصلي وإن القول الحقيقي هو الموجود بالقلب الموافق للعلم

стр. 1753

فمراده به الانتصار لما روي عن الإمام الأعظم مالك أنه يقع الطلاق والعتاق بالنيّة وإن لم يتلفظ. قال في المصابيح: وقد أشكل هذا على كثير من أصحابه لأن النية عبارة عن القصد في الحال أو العزم في الاستقبال فكما لا يكون قاصد الصلاة مصليًّا حتى يفعل المقصود وكذا قاصد الزكاة والنكاح وغيرهما كذلك ينبغي أن يكون قاصد الطلاق، ثم قول القائل: يقع الطلاق بالقصد متدافع، وحاصله يقع ما لم يوقعه المكلف إذ القصد ضرورة يفتقر إلى مقصود النية فكيف يكون القصد نفس المقصود هذا قلب للحقائق، فمن هنا اشتد الإنكار حتى حمل على التأويل، والذي يرفع الإشكال أن النية التي أُريدت هنا هي الكلام النفسي الذي يعبر عنه بقول القائل أنت طالق فالمعنى الذي هذا لفظه هو المراد بالنيّة وإيقاع الطلاق على من تكلم بالطلاق وأنشأه حقيقة لا ريب فيه، وذلك أن الكلام يطلق على النفسي حقيقة وعلى اللفظي قيل حقيقة وقيل مجازًا ولهذا نقول قاصد الإيمان مؤمن لأن التكلم بالإيمان كلامًا نفسيًّا مصدقًا عن معتقده مؤمن وكذلك معتقد الكفر بقلبه المصدق له كافر وأما المتكلم في نفسه بإحرام الصلاة وبالقراءة فإنما لم يعد مصليًا ولا قارئًا بمجرد الكلام النفسي لتعبّد الشرع في هذه المواضع الخاصة بالنطق اللفظي. ألا ترى أن المتكلم بإحرام الحج في نفسه محرم وإن لم يلب وكذلك المخيرة إذا تسترت ونقلت قماشها ونحو ذلك كان ذلك اختيارًا وإن لم تتكلم بلفظ لأنها قد تكلمت في نفسها ونصبت هذه الأفعال دلالات على الكلام النفسي، فإن الدليل عليه لا يخص النطق بل تدخل فيه الإشارات والرموز والخطوط، ولها كانت المعاطاة عنده بيعًا لدلالتها على الكلام النفسي عرفًا فاندفع السؤال وصار ما كان مشكلاً هو اللائح انتهى. وهذا نقضه الخطابي بالظهار فإنهم أجمعوا على أنه لو عزم على الظهار لم يلزم حتى يتلفظ به قال: وهو في معنى الطلاق وكذلك لو حدّث نفسه بالقذف لم يكن قاذفًا ولو حدّث نفسه في الصلاة لم يكن عليه إعادة، وقد حرّم الله تعالى الكلام في الصلاة فلو كان حديث النفس في معنى الكلام لبطلت الصلاة، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الطلاق والنذور، ومسلم في الإيمان، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة في الطلاق. ٢٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلاِمْرِئٍ مَا نَوَى: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) أبو عبد الله العبدي البصري الثقة ولم يصب من ضعفه وقد وثّقه أحمد (عن سفيان) الثوري قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري التابعي (عن محمد بن إبراهيم التيمي) القرشي المدني التابعي (عن علقمة بن وقاص الليثي) بالمثلثة أنه (قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (الأعمال) إنما تصح (بالنية) بالإفراد (ولامرئ) ثواب (ما نوى) بحذف إنما في الموضعين ومعنى النية القصد إلى الفعل، وقال الحافظ المقدسي في أربعينه: النية والقصد والإرادة والعزم بمعنى، والعرب تقول نواك الله بحفظه أي قصدك وعبارة بعضهم إنها تصميم القلب على فعل الشيء، وقال الماوردي في كتاب الإيمان: قصد الشيء مقترنًا بفعله فإن تراخى عنه كان عزمًا، وقال الخطابي: قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له، وقال البيضاوي: النيّة عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع أو دفع ضرِّ حالاً أو مآلاً والشرع خصّها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله وامتثالاً لحكمه والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه وتقسيمه بقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا) وللكشميهني: لدنيا (يصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) فإنه تفصيل لما أجمله واستنباط للمقصود عما أصله، والمعنى من قصد بهجرته وجه الله وقع أجره على الله، ومن قصد بها دنيا أو امرأة فهي حظه ولا نصيب له في الآخرة، فالأولى للتعظيم، والثانية للتحقير. ولا يقال اتحد

стр. 1754

الشرط والجزاء لأنّا نقول ليس الجزاء هنا نفس الشرط وإنما الجزاء محذوف أقيم هذا المذكور مقامه وتأوّله ابن دقيق العيد بأن التقدير فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيّةً وقصدًا فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا، وفيه بحث سبق أوّل هذا الكتاب وأواخر الإيمان فليراجع. وتنقسم النية إلى أقسام كثيرة: كالتعبد وهو إخلاص العمل لله تعالى، والتمييز كمن أقبض رب الدين من جنس دينه شيئًا فإنه يحتمل الهبة والقرض والوديعة والإباحة ونحوها، ويحتمل أن يكون من وفاء الدين وكذا في مواضع من المعاملات ونحوها: ككناية البيع والطلاق فإنه لو لم ينوِ الطلاق لم يقع وكمن أكره على الكفر فتكلم به وهو ينوي خلافه فإنه لا يكفر ونحو ذلك مما هو معروف في كتب الفقه. وزعم قوم أن الاستدلال بالحديث في غير العبادات غير صحيح لأنه إنما جاء في اختلاف مصارف وجوه العبادات، والجواب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. واستنبط المؤلّف منه عدم وقوع العتاق والطلاق من الناسي والمخطئ لأنه لا نيّة لهما ولا يحتاج صريح الطلاق إلى نيّة لأن الصريح موضوع للطلاق شرعًا فكان حقيقة فيه فاستغنى عن النية، وقال الحنفية: طلاق الخاطئ والناسي والهازل واللاعب والذي تكلم به من غير قصد واقع لأنه كلام صحيح صادر من عاقل بالغ. ٧ - باب إِذَا قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ هُوَ لِلَّهِ وَنَوَى الْعِتْقَ، وَالإِشْهَادُ فِي الْعِتْقِ هذا (باب) بالتنوين (إذا قال لعبده) ولغير أبوي ذر والوقت: إذا قال رجل لعبده (هو لله و) الحال أنه (نوى العتق) صح (والإشهاد بالعتق) بجرّ الإشهاد في الفرع وأصله أي وباب الإشهاد وهو مشكل لأنه إن قدر منوّنًا احتاج إلى خبر وإلا لزم حذف التنوين من الأول ليصح العطف عليه وهو بعيد. ومن ثم قال العيني: ومن جر الإشهاد فقد جر ما لا يطيق حمله، وفي نسخة: والإشهاد بالرفع أي وباب بالتنوين يذكر فيه الإشهاد وهذا هو الوجه. ٢٥٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلَامَ -وَمَعَهُ غُلَامُهُ- ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أَتَاكَ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ. قَالَ فَهُوَ حِينَ يَقُولُ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ [الحديث ٢٥٣٠ - أطرافه في: ٢٥٣١، ٢٥٣٢، ٤٣٩٣]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني بسكون الميم الكوفي أبو عبد الرحمن (عن محمد بن بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة العبدي الكوفي (عن إسماعيل) بن أبي خالد سعد الأحمسي البجلي (عن قيس) هو ابن أي حازم بالحاء المهملة والزاي واسمه عوف (عن أبي هريرة ﵁ لما أقبل) حال كونه (يريد الإسلام) وكان مقدمه فيما قاله الفلاس عام خيبر وكان في المحرم سنة سبع وكان إسلامه بين الحديبية وخيبر (ومعه غلامه) قال ابن حجر: لم أقف على اسمه (ضلّ) أي تاه (كل واحد منهما من صاحبه) فذهب إلى ناحية (فأقبل) أي الغلام (بعد ذلك) ولأبي ذر: بعد ذاك (وأبو هريرة جالس مع النبي ﷺ فقال النبي ﷺ ¬): (يا أبا هريرة هذا غلامك قد أتاك فقال: أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم أي حقًّا (إني أشهدك أنه حر. قال فهو حين يقول) أي الوقت الذي وصل فيه إلى المدينة: (يا ليلة من طولها وعنائها) بفتح العين المهملة وتخفيف النون ممدودًا تعبها ومشقتها (على أنها من دارة الكفر) أي الحرب (نجت) وهذا من بحر الطويل وفيه الخرم بالمعجمة والراء الساكنة وهو أن يحذف من أول الجزء حرف لأن أصله: فيا ليلة. وهذا الشعر لأبي هريرة أو لغلامه، أو لأبي مرثد الغنوي تمثل به أبو هريرة وفيه التألم من النصب والسفر. ٢٥٣١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ. فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَأَعْتَقْتُهُ". لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ "حُرٌّ". وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن سعيد) السرخسي اليشكري أبو قدامة قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي البجلي (عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: لما قدمت على النبي ﷺ ¬) أي أريد الإسلام (قلت في الطريق): (يا ليلة من طولها وعنائها … على أنها من دارة الكفر نجت) (قال) أبو هريرة (وأبق) بفتحات وحكى ابن القطاع كسر الموحدة أي هرب (مني غلام لي في الطريق قال) أبو هريرة: (فلما قدمت على النبي ﷺ بايعته) على الإسلام، ولأبي ذر: فبايعته (فبينا) بغير ميم (أنا عنده) وجواب بينا قوله (إذ طلع الغلام فقال لي رسول الله ﷺ ¬):

стр. 1755

(يا أبا هريرة هذا غلامك) يحتمل أن يكون وصفه أبو هريرة له ﵊ فعرفه أو رآه مقبلاً إليه أو أخبره الملك. قال أبو هريرة: (فقلت هو حرٌّ لوجه الله فأعتقته) أي باللفظ المذكور فالفاء تفسيرية وليس المراد أنه أعتقه بعد هذا بلفظ آخر (لم يقل) ولأبي ذر قال أبو عبد الله البخاري لم يقل (أبو كريب) هو محمد بن العلاء أحد مشايخه في روايته (عن أبي أسامة حر) بل قال لوجه الله فأعتقه وهذا وصله في أواخر المغازي. ٢٥٣٢ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: "لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁-وَمَعَهُ غُلَامُهُ- وَهْوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ فَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ … -بِهَذَا وَقَالَ- أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ لِلَّهِ". وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (شهاب بن عباد) بفتح العين وتشديد الموحدة أبو عمر العبدي الكوفي قال: (حدّثنا إبراهيم بن حميد) الرؤاسي بضم الراء وبعدها همزة فسين مهملة الكوفي (عن إسماعيل عن قيس) هو ابن أبي حازم البجلي أنه (قال: لما أقبل أبو هريرة ﵁ ومعه غلامه) لم يسم (وهو يطلب الإسلام) جملة حالية (فضلّ أحدهما صاحبه) بالنصب على نزع الخافض أي من صاحبه كما في الطريق الأولى (بهذا) اللفظ السابق، وقوله فضلّ كذا هو في رواية أبي ذر لكنه ضبب عليه في فرع اليونينية. وقال في الهامش: الصواب فأضلّ أي معدّى بالهمزة وحينئذ لا يحتاج إلى تقدير (وقال: أما) بالتخفيف (إني أشهدك أنه) أي الغلام (لله) وهذا من الكناية كقوله لا ملك لي عليك ولا سبيل ولا سلطان أو أزلت ملكي عنك، وأما قوله له هو حر أو محرر أو حررته فصريح لا يحتاج إلى نيّة ولا أثر للخطأ في التذكير والتأنيث بأن يقول للعبد: أنت حرّة وللأمة أنت حرّ وفك الرقبة صريح على الأصح، ولو كانت أمته تسمى قبل جريان الرقّ عليها حرة فقال لها يا حرة فإن لم يخطر له النداء باسمها القديم عتقت فإن قصد نداءها لم تعتق على الأصح وقيل تعتق لأنه صريح، ولو كان اسمها في الحال حرة أو اسم العبد حر أو عتيق فإن قصد النداء لم يعتق، وكذا إن أطلق على الأصح. وفي فتاوى الغزالي إنه لو اجتاز بالمكاس فخاف أن يطالبه بالمكس عن عبده فقال هو حرّ وليس بعبد وقصد الإخبار لم يعتق فيما بينه وبين الله تعالى وهو كاذب في خبره ومقتضى هذا أن لا يقبل ظاهرًا، ولو قيل لرجل استخبارًا: أطلّقت زوجتك؟ فقال: نعم فإقرار بالطلاق فإن كان كاذبًا فهي زوجته في الباطن فإن قال أردت طلاقًا ماضيًا وراجعت صدق بيمينه في ذلك وإن قيل له ذلك التماسًا لإنشاء فقال نعم فصريح، لأن نعم قائم مقام طلّقتها المراد بذكره في السؤال، وأنه لو قال لعبده: افرغ من هذا العمل قبل العشي وأنت حر، وقال أردت حرًّا من العمل دون العتق دين فلا يقبل ظاهرًا ولو قال لعبده يا مولاي فكناية ولو قال له يا سيدي قال القاضي حسين والغزالي هو لغو، وقال الإمام الذي أراه أنه كناية ولو قال لعبد غيره أنت حر فهو إقرار بحريته وهو باطل في الحال فلو ملكه حكمنا بعتقه مؤاخذة له بإقراره. ٨ - باب أُمِّ الْوَلَدِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا». (باب) حكم (أم الولد قال أبو هريرة) ﵁ فيما تقدم بمعناه موصولاً في الإيمان (عن النبي ﷺ : من أشراط الساعة أن تلد الأمة ربها) أي سيدها لأن ولدها من سيدها ينزل منزل سيدها لمصير مال الإنسان إلى ولده، ولا دلالة فيه على جواز بيع أم الولد ولا عدمه كما سبق تقريره في كتاب الإيمان فليراجع. وقال ابن المنير: استدلّ البخاري بقوله تلد الأمة ربها على إثبات حرية أم الولد وأنها لا تباع من جهة كونه من أشراط الساعة أي يعتق الرجل والمرأة أمهما الأمة ويعاملانها معاملة السيد تقبيحًا لذلك، وعدّه من الفتن ومن أشراط الساعة فدلّ على أنها محترمة شرعًا. ٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ قَالَ عُتْبَةُ: إِنَّهُ ابْنِي. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَىَّ أَنَّهُ ابْنُهُ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَخِي، ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ. مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ. وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ". وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: حدّثني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن عائشة ﵂ قالت: إن عتبة بن أبي وقاص) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: كان عتبة بن أبي وقاص (عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص) أحد العشرة المبشرة بالجنة (أن يقبض إليه ابن وليدة زمعة) بن قيس العامري ولم تسمِّ الوليدة نعم ذكر مصعب الزبيري في نسب قريش أنها كانت أمة يمانية
следующие страницы →