Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
في إيثار بعض نسائه بالتحف والطرف في المآكل، واعترضه ابن المنير بأنه لا دلالة في الحديث على ذلك وإنما الناس كانوا يفعلون ذلك والزوج وإن كان مخاطبًا بالعدل بين نسائه فالمهدون الأجانب ليس أحدهم مخاطبًا بذلك، فلهذا لم يتقدم ﵊ إلى الناس بشيء في ذلك، وأيضًا فليس من مكارم الأخلاق أن يتعرض الرجل إلى الناس بمثل ذلك لما فيه من التعرّض لطلب الهدية، ولا يقال إنه ﵊ هو الذي يقبل الهدية فيملكها فيلزم التخصيص من قبله لأنّا نقول: المهدي لأجل عائشة كأنه ملك الهدية بشرط تخصيص عائشة والتمليك يتبع فيه تحجير المالك مع أن الذي يظهر أنه ﵊ كان
يشركهن في ذلك، وإنما وقعت المنافسة لكون العطية تصل إليهن من بيت عائشة ولا يلزم في ذلك تسوية.
ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون وفيه رواية الأخ عن أخيه والابن عن أبيه، ولما تصرف الرواة في حديث الباب بالزيادة والنقص حتى أن منهم من جعله ثلاثة أحاديث.
(قال البخاري: الكلام الأخير قصة فاطمة يذكر عن هشام بن عروة عن رجل) لم يسمّ (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن محمد بن عبد الرحمن) بن الحرث بن هشام عن عائشة ويغتفر جهالة الراوي في الشواهد والمتابعات. (وقال أبو مروان) يحيى بن أبي زكريا الغساني سكن واسطًا (عن هشام عن عروة كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة) ﵂، (وعن هشام) هو ابن عروة (عن رجل من قريش ورجل من الموالي) لم يسميا (عن الزهري عن محمد بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام) أنه قال: (قالت عائشة: كنت عند النبي ﷺ فاستأذنت فاطمة) الحديث. قال الحافظ ابن حجر في تعليق التعليق من المقدمة رواية هشام عن رجل، ورواية أبي مروان عن هشام لم أجدهما.
٩ - باب مَا لَا يُرَدُّ مِنَ الْهَدِيَّةِ
(باب ما لا يردّ من الهدية).
٢٥٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَنَاوَلَنِي طِيبًا، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ ﵁ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ. قَالَ: وَزَعَمَ أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ".
[الحديث ٢٥٨٢ - طرفه في: ٥٩٢٩].
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدّثنا عزرة بن ثابت) بفتح العين المهملة وسكون الزاي وفتح الراء (الأنصاري قال: حدّثني) بالإفراد (ثمامة بن عبد الله) بضم المثلثة وتخفيف الميم ابن أنس قاضي البصرة (قال) أي عزرة (دخلت عليه) أي على ثمامة (فناولني طيبًا قال: كان أنس ﵁ لا يردّ الطيب قال: وزعم) أي قال: (أنس) (أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب) لأنه ملازم لمناجاة الملائكة كذا قاله ابن بطال، ومفهومه أنه من خصائصه وليس كذلك وقد اقتدى به أنس فى ذلك والحكمة في ذلك ما في حديث أبي هريرة بإسناد صحيح عند أبي داود والنسائي مرفوعًا: من عرض عليه طيب فلا يردّه فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة". وعند الترمذي بإسناد حسن من حديث ابن عمر مرفوعًا "ثلاثة لا تردّ الوسائد والدهن واللبن" قال الترمذي: يعني بالدهن الطيب.
وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في اللباس والترمذي في الاستئذان في باب ما جاء في كراهية ردّ الطيب وقال: حسن صحيح والنسائي في الوليمة والزينة.
١٠ - باب مَنْ رَأَى الْهِبَةَ الْغَائِبَةَ جَائِزَة
(باب من رأى الهبة) أي التي توهب ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من يرى ولأبي ذر أن الهبة (الغائبة جائزة) نصب مفعول ثانٍ لرأى وبالرفع خبر أن على رواية أبي ذر.
٢٥٨٣ و ٢٥٨٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: ذَكَرَ عُرْوَةُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ﵄ وَمَرْوَانَ أَخْبَرَاهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ قَامَ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا. فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا لَكَ".
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين في ابن خالد بن عقيل بالفتح الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتية الأموي مولاهم (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: ذكر عروة) بن الزبير (أن المسور بن مخرمة ﵄ ومروان) بن الحكم (أخبراه أن النبي ﷺ حين جاءه وفد هوازن) زاد في الوكالة مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم (قام في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال):
(أما بعد فإن إخوانكم جاؤونا) حال كونهم (تائبين وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن
стр. 1787
يطيب ذلك) بضم الياء وفتح الطاء وتشديد الياء أي من أحب أن يطيب نفسه بدفع السبي إلى هوازن (فليفعل) جواب من المتضمنة معنى الشرط (ومن أحب) أي منكم (أن يكون على حظه) أي نصيبه من السبي (حتى نعطيه إياه) أي عوضه (من أوّل ما يفيء الله عليها) بضم الياء وكسر الفاء من أفاء أي يرجع إلينا من أموال الكفار وجواب الشرط فليفعل وحذف هنا في هذه الطريق (فقال الناس: طيبنا لك) زاد في العتق ذلك وقد سبق فيه إن هذه الرواية مرسلة لأن مروان لا صحبة له، والمسور لم يحضر القصة، ومراد المؤلّف منه هنا قوله ﷺ : "وإني رأيت أن أردّ إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل" مع قولهم طيبنا لك ففيه أنهم وهبوا ما غنموه من السبي قبل أن يقسم وذلك في معنى الغائب وتركهم إياه في معنى الهبة كذا قرره في فتح الباري، وفيه من التعسّف ما لا يخفى وإطلاق الترك على الهبة بعيد.
وزعم ابن بطال أن فيه دليلاً على أن للسُّلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة واستئلاف، وتعقبه ابن المنير بأنه لا دليل فيه على ذلك بل في نفس الحديث أنه ﷺ لم يفعل ذلك إلا بعد تطييب نفوس المالكين، ولا يسوغ للسلطان نقل أملاك الناس وكل أحد أحقّ بماله، وتعقبه ابن الدماميني من المالكية فقال: لنا في المذهب صورة ينقل فيها السلطان ملك الإنسان عنه جبرًا كدار
ملاصقة للجامع الذي احتيج إلى توسعته وغير ذلك لكنه لا ينقل إلا بالثمن قال: وهو مراد على عموم كلامه.
وهذا الحديث قطعة من حديث سبق في العتق.
١١ - باب الْمُكَافَأَةِ فِي الْهِبَةِ
(باب المكافاة في الهبة) بالهمزة وقد يترك مفاعلة بمعنى المقابلة وللكشميهني الهدية بالدال المهملة بدل الهبة بالموحدة.
٢٥٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا". لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ وَمُحَاضِرٌ: "عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عيسى بن يونس) بن إسحاق السبيعي بفتح السين المهملة وكسر الباء (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت) (كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها) أي يعطي الذي يهدي له بدلها. واستدلّ به بعض المالكية على وجوب الثواب على الهدية إذا أطلق وكان ممن يطلب مثله الثواب كالفقير للغني بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته ﷺ على ذلك، ومذهب الشافعية لا يجب بمطلق الهبة والهدية إذ لا يقتضيه اللفظ ولا العادة ولو وقع ذلك من الأدنى إلى الأعلى كما في إعارته له إلحاقًا للأعيان بالمنافع فإن أثابه المتهب على ذلك فهبة مبتدأة، وإذا قيدها المتعاقدان بثواب معلوم لا مجهول صحّ العقد بيعًا نظرًا للمعنى فإنه معاوضة مال بمال معلوم كالبيع بخلاف ما إذا قيّداها بمجهول لا يصح لتعذره بيعًا وهبة. نعم المكافأة على الهدية والهبة مستحبة اقتداء به ﷺ .
وأشار المؤلّف بقوله: (لم يذكر وكيع) هو ابن الجراح فيما وصله ابن ابي شيبة (ومحاضر) بضم الميم وكسر الضاد المعجمة ابن المورع بتشديد الراء المكسورة وبالعين المهملة الكوفي (عن هشام عن أبيه) عروة (عن عائشة) إلى أن عيسى بن يونس تفرد بوصل هذا الحديث عن هشام، وقد قال الترمذي والبزار لا نعرفه موصولاً إلاّ من حديث عيسى بن يونس وهو عند الناس مرسل. قال ابن حجر: ورواية محاضر لم أقف عليها.
ومطابقة الحديث للترجمة متجهة إذا أريد بلفظ الهبة معناها الأعم، والحديث أخرجه أبو داود في البيوع والترمذي في البر.
١٢ - باب الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ
وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَيُعْطِيَ الآخَرُ مِثْلَهُ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ».
وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ؟ وَمَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَتَعَدَّى؟
"وَاشْتَرَى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عُمَرَ بَعِيرًا ثُمَّ أَعْطَاهُ ابْنَ عُمَرَ وَقَالَ: اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ".
(باب) حكم (الهبة للولد) من الوالد (وإذا أعطى) الوالد (بعض ولده شيئًا لم يجز) له ذلك (حتى يعدل بينهم ويعطي الآخرين مثله) وللحموي والمستملي ويعطى بضم أوّله وفتح ثالثه الآخر بالإفراد والرفع نائبًا عن الفاعل (ولا يشهد عليه) مبني للمفعول والضمير في عليه للأب أي لا يسع الشهود أن يشهدوا على الأب إذا فضل بعض بنيه على بعض.
(وقال النبي ﷺ ¬) فيما وصله في الباب اللاحق من حديث النعمان (اعدلوا بين أولادكم في العطية) هبة أو هدية أو صدقة وسقط
стр. 1788
لفظ في العطية في الباب اللاحق، (وهل للوالد أن يرجع في عطيته) التي أعطاها لولده نعم له ذلك وكذا سائر الأصول من الجهتين ولو مع اختلاف الدين من دون حكم الحاكم سواء أقبضها الولد أم لا غنيًّا كان أو فقيرًا صغيرًا أو كبيرًا لحديث الترمذي والحاكم وصححاه لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي لولده، والوالد يشمل كل الأصول إن حمل اللفظ على حقيقته ومجازه وإلاّ لحق به بقية الأصول بجامع أن لكل ولادة كما في النفقة (و) حكم (ما يأكل) الوالد (من مال ولده بالمعروف) إذا احتاج (ولا يتعدى)، لكن قال ابن المنير: وفي انتزاعه من حديث الباب خفاء وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند الحاكم مرفوعًا "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا من مال أولادكم".
(واشترى النبي ﷺ ¬) فيما وصله المؤلّف في كتاب البيوع في حديث طويل (من عمر) ابن الخطاب (بعيرًا ثم أعطاه) (ابن عمر وقال) ﵊ (اصنع به ما شئت) فيه تأكيد للتسوية بين الأولاد في الهبة لأنه ﵊ لو سأل عمر أن يهبه لابن عمر لم يكن عدلاً بين بني عمر، فلذلك اشتراه ﷺ ثم وهبه له وفيه دليل على أن الأجنبي يجوز له أن يخص بالهبة بعض ولد صديقه دون بعض ولا يعدّ ذلك جورًا.
٢٥٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: "أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا. فَقَالَ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَارْجِعْهُ".
[الحديث ٢٥٧٦ - طرفاه في: ٢٥٨٧، ٢٦٥٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن حميد بن عبد الرحمن) بضم الحاء المهملة ابن عوف (ومحمد بن النعمان بن بشير) بفتح المؤكدة وكسر المعجمة ابن سعد بن ثعلبة بن الجلاس بضم الجيم وتخفيف اللام آخره سين مهملة التابعي (أنهما حدّثاه عن النعمان بن بشير أن أباه) بشير بن سعد بن ثعلبة (أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت) بفتح النون والحاء المهملة وسكون اللام أي أعطيت (ابني هذا) النعمان (غلانًا) لم يسم (فقال) ﵊:
(أكل ولدك نحلت) أي أعطيت (مثله): وهمزة أكل للاستفهام على طريق الاستخبار وكل منصوب بقوله نحلت، ولمسلم من رواية أبي حيان فقال: أكلهم وهبت لهم مثل هذا (قال: لا) وفي الموطآت للدارقطني من رواية ابن القاسم قال: لا والله يا رسول الله (قال) (فارجعه) بهمزة وصل ولمسلم من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب قال: فاردده وتمسك به من أوجب التسوية في عطية الأولاد، وبه صرح البخاري وهو مذهب طاوس والثوري، وحمل الجمهور الأمر على الندب والنهي على التنزيه فيكره للوالد وإن علا أن يهب لأحد ولديه أكثر من الآخر ولو ذكرًا لئلا يفضي ذلك إلى العقوق، وفارق الإرث بأن الوارث راضٍ بما فرض الله له بخلاف هذا، وبأن الذكر والأُنثى إنما يختلفان في الميراث بالعصوبة أما بالرحم المجردة فهما سواء كالأخوة والأخوات من الأم، والهبة للأولاد أمر بها صلة للرحم. نعم إن تفاوتوا حاجة قال ابن الرفعة: فليس من التفضيل والتخصيص المحذور السابق وإذا ارتكب التفضيل المكروه فالأولى أن يعطي الآخرين ما يحصل به العدل ولو رجع جاز بل حكي في البحر استحبابه. قال الأسنوي: ويتجه أن يكون محل جوازه أو استحبابه في الزائد وعن أحمد تصح التسوية، ويجب أن يرجع عنه يجوز التفاضل إن كان له سبب كأن يحتاج الولد لزمانته أو دينه أو نحو ذلك دون الباقين، وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار.
وفي هذا الحديث رواية الابن عن أبيه ورواته كلهم مدنيون إلاّ شيخ المؤلّف، وأخرجه أيضًا في الهبة والشهادات، ومسلم في الفرائض، والترمذي في الأحكام، والنسائي في النحل، وابن ماجه في الأحكام والله الموفق.
١٣ - باب الإِشْهَادِ فِي الْهِبَةِ
(باب الإشهاد في الهبة).
٢٥٨٧ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: "سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ. قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ".
وبه قال: (حدّثنا حامد بن عمر) بن حفص بن عبيد الله الثقفي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي (عن عامر) الشعبي أنه (قال: سمعت النعمان بن بشير
стр. 1789
﵄ وهو على المنبر) بالكوفة كما عن ابن حبان والطبراني (ويقول: أعطاني أبي) بشير بن سعد بن ثعلبة بن جلاس بضم الجيم وتخفيف اللام وضبطه الدارقطني بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام الأنصاري الخزرجي (عطية) كانت العطية غلامًا سألت أم النعمان أباه أن يعطيه إياه من ماله كما في مسلم (فقالت عمرة): بفتح العين وسكون الميم (بنت رواحة) بفتح الراء وبالحاء المهملة الأنصارية أم النعمان لأبيه (لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ ¬) أنك أعطيته ذلك على سبيل الهبة وغرضها بذلك تثبيت العطية (فأتى) بشير (رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني) النعمان (من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله) على ذلك (قال) ﵊:
(أعطيت سائر ولدك مثل هذا)؟ الذي أعطيته النعمان (قال: لا) وعند ابن حبان والطبراني عن الشعبي: لا أشهد على جور، وتمسك به الإمام أحمد في وجوب العدل في عطية الأولاد أن تفضيل أحدهم حرام وظلم.
وأجيب: بأن الجور هو الميل عن الاعتدال والمكروه أيضًا جور، وقد زاد مسلم: أشهد على هذا غيري وهو إذن بالإشهاد على ذلك، وحينئذ فامتناعه ﵊ من الشهادة على وجه التنزّه. واستضعف هذا ابن دقيق العيد بأن الصيغة وإن كان ظاهرها الإذن بهذا إلا أنها مُشعِرة بالتنفير الشديد عن ذلك الفعل حيث امتنع ﵊ من مباشرة هذه الشهادة معلّلاً بإنها جور فتخرج الصيغة عن ظاهر الإذن بهذه القرائن وقد استعملوا مثل هذا اللفظ في مقصود التنفير.
(قال): (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) (قال: فرجع) بشير من عند النبي ﷺ (فردّ عطيته) التي أعطاها للنعمان. وفي الحديث كراهة تحمل الشهادة فيما ليس بمباح وإن الإشهاد في الهبة مشروع وليس بواجب: وأن للإمام الأعظم أن يتحمل الشهادة وتظهر فائدتها إما ليحكم في ذلك بعلمه عند من يجيزه أو يؤدّيها عند بعض نوّابه. وقول ابن المنير: إن فيه إشارة إلى سوء عاقبة الحرص والتنطع لأن عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده ما رجع فيه لما اشتد حرصها في تثبيت ذلك
أفضى إلى بطلانه، تعقبه في المصابيح بأن إبطالها ارتفع به جور وقع في القضية فليس ذلك من سوء العاقبة في شيء.
١٤ - باب هِبَةِ الرَّجُلِ لاِمْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: جَائِزَةٌ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا يَرْجِعَانِ. وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». وَقَالَ الزُّهْرِيُّ -فِيمَنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ- هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ أَوْ كُلَّهُ. ثُمَّ لَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا حَتَّى طَلَّقَهَا فَرَجَعَتْ فِيهِ قَالَ: يَرُدُّ إِلَيْهَا إِنْ كَانَ خَلَبَهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَعْطَتْهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لَيْسَ فِي شَىْءٍ مِنْ أَمْرِهِ خَدِيعَةٌ جَازَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤].
(باب) حكم (هبة الرجل لامرأته و) حكم هبة (المرأة لزوجها. قال إبراهيم) بن يزيد النخعي فيما وصله عبد الرزاق: (جائزة) أي الهبة من الرجل لامرأته ومنها له. (وقال عمر بن عبد العزبز) فيما وصله عبد الرزاق: (لا يرجعان) أي الزوج فيما وهبه لزوجته ولا هي فيما وهبته له. (واستأذن النبي ﷺ ¬) مما هو موصول في هذا الباب (نساءه في أن يُمرّض في بيت عائشة).
ووجه مطابقته للترجمة من حيث أن أمهات المُؤمنين وهبن له ﵊ ما استحققن من الأيام ولم يكن لهن في ذلك رجوع فيما مضى وإن كان لهن الرجوع في المستقبل.
(وقال النبي ﷺ ¬): فيما يأتي إن شاء الله تعالى آخر الباب موصولاً (العائد في هبته) زوجًا كان أو غيره (كالكلب يعود في قيئه) (وقال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب فيما وصله عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد عنه (فيمن قال لامرأته: هبي لي) أمر من وهب يهب وأصله أو هبي حذفت واوه تبعًا لفعله لأن أصل يهب يوهب فلما حذفت الواو استغنى عن الهمزة فحذفت فصار هبي على وزن علي (بعض صداقك أو) قال هبي لي (كله) فوهبته (ثم لم يمكث إلا يسيرًا حتى طلّقها فرجعت فيه. قال) الزهري (يرد) الزوج (إليها) ما وهبته (إن كان خلبها) بفتح الخاء المعجمة واللام والموحدة أي خدعها (وإن كانت أعطته) وهبته ذلك (عن طيب نفس) منها (ليس في شيء من أمره خديعة) لها (جاز) ذلك ولا يجب رده إليها. (قال الله تعالى) في سورة النساء: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا﴾ [النساء: ٤] قال البيضاوي الضمير للصداق حملاً على المعنى أو يجري
стр. 1790
مجرى اسم الإشارة. قال الزمخشري: كأنه قيل عن شيء من ذلك وقيل للإيتاء ونفسًا تمييز لبيان الجنس ولذا وحّد، والمعنى: فإن وهبن لكم من الصداق شيئًا عن طيب نفس، لكن جعل العمدة طيب النفس للمبالغة وعدّاه بعن لتضمنه معنى التجافي والتجاوز وقال منه بعثًا لهنّ عن تقليل الموهوب، وزاد أبو ذر في روايته فكلوه أي فخذوه وأنفقوا هنيئًا أي حلالاً بلا تبعة وإلى التفصيل المذكور بين أن يكون خدعها فلها أن ترجع وإلاّ فلا ذهب المالكية إن أقامت البيّنة
على ذلك وقيل يقبل قولها في ذلك مطلقًا وإلى عدم الوجوب من الجانبين مطلقًا ذهب الجمهور وقال
الشافعي: لا يردّ الزوج شيئًا إذا خالعها ولو كان مضرًّا بها لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما
افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩].
٢٥٨٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: "قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ الأَرْضَ، وَكَانَ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ. فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَذَكَرْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ: وَهَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفرّاء الرازي المعروف بالصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني اليماني (عن معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله بن عبد الله) بضم العين في الأول ابن عتبة بن مسعود (قالت: عائشة ﵂):
(لما ثقل النبي ﷺ ¬) في وجعه (فاشتد وجعه) وكان في بيت ميمونة ﵂ (استأذن أزواجه أن يمرّض) بضم أوله وفتح الميم وتشديد الراء (في بيتي) وكان المخاطب لأمهات المؤمنين في ذلك فاطمة كما عند ابن سعد بإسناد صحيح (فأذن) بتشديد النون (له) ﵊ أن يمرض في بيت عائشة (فخرج) ﵊ (بين رجلين تخطّ رجلاه الأرض) بضم الخاء المعجمة ورجلاه فاعل أي يؤثر برجليه في الأرض كأنه يخط خطًْا (وكان بين العباس وبين رجل آخر فقال عبيد الله) بن عبد الله (فذكرت لابن عباس ما قالت عائشة) ﵂ (فقال لي: وهل تدري من الرجل الذي لم تسمّ عائشة؟ قلت: لا) أدري. (قال: هو علي بن أبي طالب) ﵁.
وهذا الحديث قد سبق في كتاب الطهارة وغيرها ويأتي إن شاء الله تعالى وبقية مباحثه في باب مرض النبي ﷺ آخر المغازي.
٢٥٨٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».
[الحديث ٢٥٨٩ - أطرافه في: ٢٦٢١، ٢٦٢٢، ٦٩٧٥].
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء مصغرًا ابن خالد بن عجلان البصري قال: (حدّثنا ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) طاوس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(العائد) زوجًا أو غيره (في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) وزاد أبو داود قال: ولا نعلم القيء إلا حرامًا، واحتجّ به الشافعي وأحمد على أنه ليس للواهب أن يرجع فيما وهبه إلا الذي ينحله الأب لابنه وعند مالك له أن يرجع في الأجنبي الذي قصد منه الثواب ولم يثبه وبه قال أحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: للواهب الرجوع في هبته من الأجنبي ما دامت قائمة ولم يعوّض منها.
وأجاب عن الحديث بأنه ﵊ جعل العائد في هبته كالعائد في قيئه فالتشبيه من حيث أنه ظاهر القبح مروءة وخلقًا لا شرعًا والكلب غير متعبد بالحرام والحلال فيكون العائد في هبته عائدًا في أمر قذر كالقذر الذي يعود فيه الكلب فلا يثبت بذلك منع الرجوع في الهبة ولكنه يوصف بالقبح.
١٥ - باب هِبَةِ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا، وَعِتْقُهَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَهْوَ جَائِزٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً فَإِذَا كَانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٥]
(باب) حكم (هبة المرأة لغير زوجها و) حكم (عتقها) جاريتها وفي نسخة بالفرع وأصله وعتقها بالرفع على الاستئناف (إذا كان لها زوج) ليست إذا للشرط بل هي للظرف لأن الكلام فيما إذا كان لها زوج وقت الهبة والعتق أما إذا لم يكن لها زوج فلا نزاع في جوازه (فهو) أي ما ذكر من الهبة والعتق (جائز إذا لم تكن سفيهة فإذا كانت سفيهة لم يجز. قال الله تعالى).
ولأبي ذر وقال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء: ٥] وهذا مذهب الجمهور وعن مالك لا يجوز لها أن تعطي بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة إلا من الثلث قياسًا على الوصية.
٢٥٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي مَالٌ إِلاَّ مَا أَدْخَلَ عَلَىَّ الزُّبَيْرُ، فَأَتَصَدَّقُ؟ قَالَ: تَصَدَّقِي، وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ".
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن ابن أبي مليكة) بضم
стр. 1791
الميم وفتح اللام عبد الله بن عبيد الله (عن عباد بن عبد الله) بتشديد الموحدة بعد العين المفتوحة ابن الزبير بن العوّام (عن) جدّتها لأبيه (أسماء) بنت أبي بكر الصديق (﵂) وعن أبيها أنها (قالت: قلت يا رسول الله ما لي مال إلاّ ما أدخل عليّ) بتشديد الياء زوجي (الزبير) بن العوّام وصيره ملكًا لها (فأتصدق) بحذف أداة الاستفهام وللمستملي كما في الفتح أفاتصدق بإثباتها (قال) ﵊:
(تصدقي ولا توعي) بضم أوله وكسر العين من الإيعاء (فيوعى عليك) بفتح العين أي لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة فتجازي بمثل ذلك.
وقد روى أيوب هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن عائشة بغير واسطة أخرجه أبو داود والترمذي وصححه والنسائي، وصرح أيوب عن ابن أبي مليكة بتحديث عائشة له بذلك فيحمل على أنه سمعه من عباد عنها ثم حدّثته به.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله تصدقي فإنه يدل على أن المرأة التي لها زوج لها أن تتصدق بغير إذن زوجها والمراد من الهبة في الترجمة معناها اللغوي وهو يتناول الصدقة وقد تقدم الحديث في أوانل كتاب الزكاة.
٢٥٩١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَنْفِقِي، وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ».
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين ابن سعيد اليشكري السرخسي قال: (حدّثنا عبد الله بن نمير) بضم النون وفتح الميم قال: (حدّثنا هشام بن عروة) بن الزبير (عن) بنت عمه (فاطمة) بنت المنذر بن الزبير بن العوّام (عن) جدّتهما لأبيهما (أسماء) بنت أبي بكر ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال) لها:
(أنفقي) بهمزة قطع وكسر الفاء (ولا تحصي) بضم أوله وكسر الصاد من الإحصاء (فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك) بنصب المضارع الواقع بعد الفاء في جواب النهي فيهما والإحصاء مجاز عن التضييق لأن العود مستلزم له ويحتمل أن يكون من الحصر الذي هو بمعنى المنع وقال الخطابي: لا توعي أي لا تخبئي الشيء في الوعاء أي أن مادة الرزق متصلة باتصال النفقة منقطعة بانقطاعها فلا تمنعي فضلها فتحرمي مادتها وكذلك لا تحصي فإنها إنما تحصى للتبقية والذخر فيحصى عليك بقطع البركة ومنع الزيادة وقد يكون مرجع الإحصاء إلى المحاسبة عليه والمناقشة في الآخرة.
٢٥٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ: أَوَفَعَلْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِيهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ".
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ: "إِنَّ مَيْمُونَةَ أَعْتَقَتْ … ".
[الحديث ٢٥٩٢ - أطرافه في: ٢٥٩٤].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومى (عن الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد) بن أبي حبيب (عن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف ابن عبد الله الأشجّ (عن كريب مولى ابن عباس) ﵄ (أن ميمونة بنت الحرث) أم المؤمنن الهلالية (﵂ أخبرته أنها أعتقت وليدة) أي أمة وللنسائي أنها كانت لها جارية سوداء قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسمها، (ولم تستأذن النبي ﷺ فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت) أي أعلمت (يا رسول الله أني أعتقت وليدتي قال): ﵊:
(أوفعلت)؟ بفتح الواو والهمزة للاستفهام أي أوفعلت العتق (قالت نعم) فعلته (قال) (أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إنك) بكسر الهمزة في الفرع وأصله على أن أما استفتاحية بمعنى ألا وفي بعض الأصول أنك بفتح الهمزة على أن أما بمعنى حقًّا (لو أعطيتها) أي الوليدة (أخوالك) من بني هلال. قال العيني: ووقع في رواية الأصيلي أخواتك بالتاء بدل اللام قال عياض: ولعله أصح من رواية أخوالك بدليل رواية مالك في الموطأ فلو أعطيتها أختيك ولا تعارض، فيحتمل أنه ﵊ قال ذلك كله. (كان) إعطاؤك لهم (أعظم لأجرك) من عتقها. ومفهومه أن الهبة لذوي الرحم أفضل من العتق كما قاله ابن بطال، وليس ذلك على إطلاقه بل يختلف باختلاف الأحوال، وقد وقع في رواية النسائي بيان وجه الأفضلية في إعطاء الأخوال وهو احتياجهم إلى من يخدمهم ولفظه: أفلا فديت بها بنت أختك من رعاية الغنم، على أنه ليس في حديث الباب نص على أن صلة الرحم أفضل من العتق لأنها واقعة عين.
فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والترجمة؟
стр. 1792
أجيب: بأنها أعتقت قبل أن تستأمر النبي ﷺ وكانت رشيدة فلم يستدرك ذلك عليها بل أرشدها إلى ما هو الأولى فلو كان لا ينفذ لها تصرف في مالها لأبطله قال في الفتح.
وفي هذا الحديث ثلاثة من التابعين على نسق واحد ونصف رجاله الأول مصريون والأُخر مدنيون، وأخرجه مسلم في الزكاة والنسائي في العتق.
(وقال بكر بن مضر) بفتح الموحدة وسكون الكاف ومضر بضم الميم وفتح الضاد المعجمة ابن محمد بن حكيم المصري مما وصله المؤلّف في الأدب المفرد وبرّ الوالدين له (عن عمرو) بفتح العين ابن الحرث (عن بكير) المذكور (عن كربب) مولى ابن عباس (أن ميمونة أعتقت) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أعتقته بضمير النصب الراجع لكريب. قال في الفتح: وهو غلط فاحش، وفي هذا التعليق موافقة عمرو بن الحرث ليزيد بن أبي حبيب على قوله عن كريب قال: وقد خالفهما محمد بن إسحاق فرواه عن بكير فقال: عن سليمان بن يسار بدل كريب أخرجه أبو داود والنسائي
من طريقه قال الدارقطني: ورواية يزيد وعمرو أصح ورواية بكر بن مضر له عن عمرو عن بكير عن كريب أن ميمونة صورتها صورة الإرسال لكونه ذكر قصة ما أدركها، لكن قد رواه ابن وهب عن عمرو بن الحرث فقال: فيه عن كريب عن ميمونة أخرجه مسلم والنسائي من طريقه.
٢٥٩٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
[الحديث ٢٥٩٣ - أطرافه في: ٢٦٣٧، ٢٦٦١، ٢٦٨٨، ٢٨٧٩، ٤٠٢٥، ٤١٤١، ٤٦٩٠، ٤٧٤٩، ٤٧٥٠، ٤٧٥٧، ٥٢١٢، ٦٦٦٢، ٦٦٧٩، ٧٣٦٩، ٧٣٧٠، ٧٥٠٠، ٧٥٤٥].
وبه قال: (حدّثنا حبان بن موسى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت):
(كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهنّ) أي أيّ امرأة منهن (خرج سهمها) الذي باسمها (خرج) ﵊ (بها معه) في صحبته (وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة) أم المؤمنين (وهبت يومها وليلتها لعائشة) ﵂ (زوج النبي ﷺ ¬) حال كونها (تبتغى) تطلب (بدلك رضا رسول الله ﷺ ¬).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله وهبت لعائشة إذ لو قلنا أن الهبة كانت لرسول الله ﷺ لم تقع المطابقة قاله الكرماني. وقال ابن بطال: إن هذا الحديث ليس من هذا الباب لأن للسفيهة أن تهب يومها لضرّتها وإنما السفه في إفساد مال الخاصّة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الشهادات وأبو داود في النكاح والنسائي في النكاح في عِشرة النساء.
١٦ - باب بِمَنْ يُبْدَأُ بِالْهَدِيَّةِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (بمن يبدأ بالهدية) قال في الفتح: أي عند التعارض في أصل الاستحقاق.
٢٥٩٤ - حَدَّثَنَا وَقَالَ بَكْرٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: "أنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً لَهَا، فَقَالَ لَهَا: وَلَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوَالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ".
(وقال بكر) هو ابن مضر (عن عمرو) هو ابن الحرث مما وصله المؤلّف في الأدب المفرد وبرّ الوالدين له (عن بكير) بضم الموحدة وفح الكاف ابن عبد الله الأشج (عن كريب) زاد في رواية غير أبي ذر مولى ابن عباس (أن ميمونة زوج النبي ﷺ أعتقت وليدة) أمة (لها) لم تسم (فقال لها) أي رسول الله ﷺ كما ثبت في الرواية السابقة، بل ثبت في النسخة المقروءة على الميدومي كنسخ غيرها.
(ولو) بالواو في اليونينية وفي نسخة لو (وصلت بعض أخوالك) من بني هلال (كان أعظم لأجرك) من عتقها. وفي حديث سليمان بن عامر الضبي عند الترمذي والنسائي وصححه ابنا خزيمة وحبان مرفوعًا "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم صدقة صلة" والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال كما سبق تقريره قريبًا.
٢٥٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن بشار) بالموحدة المفتوحة والمعجمة المشددة العبدي البصري الملقب ببندار قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي عمران) عبد الملك بن حبيب (الجوني) بفتح الجيم وسكون الواو وبالنون (عن طلحة بن عبد الله) بن عثمان (رجل من بني تميم بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال):
(إلى أقربهما منك
стр. 1793
بابًا) نصب على التمييز وأقربهما أي أشدّهما قربًا قيل الحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوّق لها بخلاف الأبعد.
١٧ - باب مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الْهَدِيَّةَ لِعِلَّة
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: "كَانَتِ الْهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدِيَّةً، وَالْيَوْمَ رِشْوَةٌ".
(باب من لم يقبل الهدية لعلّة) أي لأجل علة كهدية المستقرض إلى المقرض. (وقال عمر بن عبد العزيز): فيما وصله ابن سعد وأبو نعيم في الحلية (كانت الهدية في زمن رسول الله ﷺ هدية واليوم رشوة) بتثليث الراء ما يؤخذ بغير عوض ويعاب أخذه.
٢٥٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ -وَكَانَ مِنْ
أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ -يُخْبِر: ُ" أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ- وَهْوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّهُ، قَالَ صَعْبٌ: فَلَمَّا عَرَفَ فِي وَجْهِي رَدَّهُ هَدِيَّتِي قَالَ: لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْكَ، وَلَكِنَّا حُرُمٌ".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله بن عبد الله) بضم العين في الأول (ابن عتبة) بن مسعود (أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره أنه سمع الصعب بن جثامة الليثي، وكان من أصحاب النبي ﷺ ¬) عاش إلى خلافة عثمان على الأصح (يخبر أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمار وحش وهو بالأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحدة قرية من الفرع من عمل المدينة (أو بودّان) بفتح الواو وتشديد الدال المهملة قرية جامعة قريبة من الجحفة والشك من الراوي (وهو محرم) جملة حالية (فردّه) أي فردّ ﵊ الحمال على الصعب (قال) ولأبي ذر: فقال (صعب: فلما عرف) ﵊ (في وجهي ردّه) مصدر مفعول عرف أي عرف أثر التغيّر في وجهي من كراهة ردّه (هديتي قال):
(ليس بنا) أي بسببنا وجهتنا (ردّ عليك ولكنّا حُرُم) أي وإنما سبب الردّ كوننا محرمين.
وهذا الحديث سبق في باب: إذا أهدى المحرم حمارًا وحشيًّا من كتاب الحج.
٢٥٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. قَالَ: فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ -أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ- فَيَنْظُرَ أيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ -ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ، حَتَّى رَأَيْنَا غُفْرَةَ إِبْطَيْهِ- اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ. ثَلَاثًا».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن أبي حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم عبد الرحمن بن المنذر (الساعدي) الأنصاري (﵁) قال: استعمل النبي ﷺ رجلاً من الأزد) بفتح الهمزة وسكون الزاي آخره دال مهملة (يقال له ابن الأتبية على الصدقة) بسكون اللام وضم الهمزة وفتح الفوقية وكسر الموحدة وتشديد التحتية وفيه أربعة أقوال سبق التنبيه عليها في كتاب الزكاة قال الكرماني: والأصح أنه باللام وسكون الفوقية وأنها نسبة إلى بني لتب قبيلة معروفة واسمه عبد الله، (فلما قدم) المدينة وفرغ من عمله حاسبه ﵊ (قال) أي ابن الأتبية: (هذا لكم وهذا أهدي لي قال) ﵊:
(فهلاّ جلس في بيت أبيه أو) قال (بيت أمه فنظر يهدى) بحذف همزة الاستفهام ولأبي ذر:
أيهدى (له) وللحموي والمستملي إليه (أم لا) بنصب الفعل المضارع المقترن بالفاء في جواب التحضيض المتقدم وهو: هلاّ جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، والظاهر أن النظر هنا بصري والجملة الواقعة بعده مقترنة بالاستفهام في محل نصب وهو معلق عن العمل. وقد صرّح الزمخشري بتعليق النظر البصري لأنه من طريق العلم، وتوقف فيه ابن هشام في مغنيه مرة، وقال به أخرى حكاه في المصابيح، وهذا موضع الترجمة لأنه ﵊ عاب على ابن الأتبية قبوله الهدية التي أهديت له لكونه كان عاملاً وفيه أنه يحرم على العمال قبول هدايا رعاياهم على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى.
(والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه) أي من مال الصدقة (شيئًا إلا جاء به يوم القيامة) حال كونه (يحمله على رقبته إن كان) المأخوذ (بعيرًا) أي يحمله على رقبته بحذف جواب الشرط لدلالة المذكور عليه (له رغاء) بضم الراء وبالغين المعجمة ممدودًا صفة للبعير يقال رغا البعير إذا صوّت (أو) كان المأخوذ (بقرة) يحملها على رقبته (لها خوار) بضم الخاء المعجمة صفة للبقرة وهو صوتها (أو) كان المأخوذ (شاة) يحملها على رقبته (تيعر) بفتح المثناة الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة آخره راء صفة لشاة أي تصوّت، (ثم رفع) ﵊ (بيده) وفي نسخة يده (حتى رأينا عفرة إبطيه)
стр. 1794
بضم العين المهملة وسكون الفاء وفتح الراء آخره تأنيث أي بياضهما المشوب بالسمرة، ولأبي ذر: عفر بإسقاط هاء التأنيث (اللهم هل بلغت هل بلغت ثلاثًا) أي قد بلغت أو استفهام تقريري والتقرير للتأكيد ليسمع من لا سمع وليبلغ الشاهد الغائب، وفيه أن هدايا العمال تجعل في بيت المال وأن العامل لا يملكها إلا أن يطيبها له الإمام كما في قصة معاذ أنه ﵊ طيّب له الهدية فأنفذها له أبو بكر ﵁ بعد رسول الله ﷺ .
وقد سبق حديث الباب في الزكاة، وأخرجه أيضًا في الأحكام والنذور وترك الحيل ومسلم في المغازي وأبو داود في الخراج.
١٨ - باب إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ
وَقَالَ عَبِيدَةُ: إِنْ مَاتا وَكَانَتْ فُصِلَتِ الْهَدِيَّةُ وَالْمُهْدَى لَهُ حَىٌّ فَهْيَ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فُصِلَتْ فَهْيَ لِوَرَثَةِ الَّذِي أَهْدَى. وَقَالَ الْحَسَنُ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ فَهْيَ لِوَرَثَةِ الْمُهْدَى لَهُ إِذَا قَبَضَهَا الرَّسُولُ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا وهب) الرجل (هبة) لاخر (أو وعد) آخر وزاد الكشميهني عدة (ثم مات) الذي وهب أو الذي وعد أو الذي وهب له أو الذي وعد له (قبل أن تصل) الهبة أو الذي وعده به (إليه) إلى الموهوب له أو الموعود لم ينفسخ عقد الهبة لأنه يؤول إلى اللزوم كالبيع بخلاف نحو الشركة والوكالة ومثل الموت الجنون والإغماء، لكن لا يقبضان إلا بعد الإفاقة قاله البغوي.
وقام وارث الواهب في الإقباض والإذن، ووارث المتهب في القبض مقام المورث، فإن رجع الواهب أو وارثه في الإذن في القبض أو مات هو أو المتهب بطل الإذن، ولو مات المهدي أو المهدى إليه قبل القبض فليس للرسول إيصال الهدية إلى المهدى إليه أو وارثه إلا بإذن جديد كما هو مفهوم مما مرّ.
(وقال عبيدة): بفتح العين المهملة وكسر الموحدة ابن عمرو السلماني بفتح السين وسكون اللام مما لم أعرف من وصله (إن مات) أي المهدي وفي نسخة: إن ماتا أي المهدي والمُهدى (وكانت فصلت الهدية) بالفاء المضمومة والصاد المهملة المكسورة، وفي نسخة: فصلت بفتحهما وهما من الفصل والمراد القبض، وفي نسخة: وصلت بالواو بدل الفاء فالفصل بالنظر إلى المهدي والوصل بالنظر إلى المُهدى إليه إذ حقيقة الإقباض لا بدّ لها من فصل الموهوب عن الواهب ووصله إلى المتهب قاله الكرماني (والمهدى له حيّ) حال القبض ثم مات (فهي) أي الهدية (لورثته وإن لم تكن) أي الهدية (فصلت فهي لورثة الذي أهدى) بفتح الهمزة والدال.
قال في فتح الباري وتفصيله بين أن تكون انفصلت أم لا مصير منه إلى أنّ قبض الرسول يقوم مقام قبض المهدى إليه، وذهب الجمهور إلى أن الهدية لا تنتقل إلى المهدى إليه إلا بأن يقبضها أو وكيله انتهى.
ومفهومه أن المراد بقوله فصلت أي من المهدي إلى الرسول لا قبض المهدى إليه لها وهو خلاف ما قاله الكرماني.
(وقال الحسن) البصري ﵀ مما لم أعرفه موصولاً (أيهما) أي أيّ واحد من المهدي والمهدى إليه (مات قبل) أي قبل الآخر (فهي) أي الهدية (لورثة المهدى له إذا قبضها الرسول) فإن لم يقبضها فهي للمهدي أو لورثته.
٢٥٩٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ قَالَ: "قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا (ثَلَاثًا)، فَلَمْ يَقْدَمْ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا. فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَعَدَنِي فَحَثَى لِي ثَلَاثًا".
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا ابن المنكدر) محمد قال: (سمعت جابرًا) هو ابن عبد الله الأنصاري (﵁ قال: قال لي النبي ﷺ ¬):
(لو جاء مال البحرين) من الجزية (أعطيتك هكذا ثلاثًا فلم يقدم) مال البحرين (حتى توفي النبي ﷺ ¬) أرسله العلاء بن الحضرمي (فأرسل) والذي في الفرع فأمر (أبو بكر) ﵁
(مناديًا) يحتمل أن يكون بلالاً (فنادى من كان له عند النبي ﷺ عدة) وعده بها (أو دين) كقرض أو نحوه (فليأتنا) نوفه ذلك قال جابر (فأتيته) ﵁ (فقلت) له: (إن النبي ﷺ وعدني) عدة (فحثى لي) بالحاء المهملة والمثلثة (ثلاثًا) أي ثلاث حثيات من حثى يحثي ويحثو لغتان والحثية ما يملأ الكف والحفنة ما يملأ الكفّين، وذكر أبو عبيد أنهما بمعنى وكانت كل حثية خمسمائة. وقول الإسماعيلي أن ما قاله النبي ﷺ لجابر ليس هبة وإنما هي عدة على وصف لكن لما كان وعد النبي ﷺ لا يجوز أن يتخلف نزلوا وعده منزله الضمان
стр. 1795
في الصحة فرقًا بينه وبين غيره من الأمّة ممن يجوز أن يفي وأن لا يفي، فلا مطابقة بين الحديث والترجمة إلا على هذا التأويل فيه نظر وبيانه كما في المصابيح: أن الترجمة لشيئين. أحدهما: إذا وهب ثم مات قبل وصولها فساق لهذا ما ذكره عن عبيدة والحسن. ثانيهما: إذا وعد ثم مات قبل وصولها، وساق له حديث- جاير وهو قوله ﷺ : "لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا ثلاثًا" وهذا وعد بلا ريب فلم يقع للمؤلّف ﵀ إخلال بما وقع في الترجمة على ما لا يخفى وليس فعل الصدّيق واجبًا عليه ولم يكن لازمًا للرسول ﷺ وإنما فعله اقتداء بطريقة النبي ﷺ فإنه كان أوفى الناس بعهده وأصدقهم لوعده.
وبقية مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الخمس وغيره.
١٩ - باب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعَبْدُ وَالْمَتَاعُ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (كبف يقبض العبد) الموهوب (والمتاع) الموهوب ويقبض مبني للمفعول والعبد نائب عن الفاعل (وقال ابن عمر) بن الخطاب ﵄ مما وصله المؤلّف في كتاب البيوع في باب: إذا اشترى شيئًا فوهبه من ساعته (كنت على بكر) بفتح الموحدة وسكون الكاف جمل (صعب فاشتراه النبي ﷺ ¬) من عمر بن الخطاب لا من ابنه (وقال: هو لك يا عبد الله) فاكتفى في القبض بكونه في يده ولم يحتج إلى قبض آخر لأجل الهبة.
٢٥٩٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵄ قَالَ: "قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَىَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي، قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا فَقَالَ: خَبَأْنَا هَذَا لَكَ. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ".
[الحديث ٢٥٩٩ - أطرافه في: ٢٦٥٧، ٣١٢٧، ٥٨٠٠، ٥٨٦٢، ٦١٣٢].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن المسور بن مخرمة) بكسر الميم وسكون السين المهملة ومخرمة بفتح الميم وسكون الخاء
المعجمة ابن نوفل الزهري (﵄ أنه قال: قسم رسول الله ﷺ أقبية) بفتح الهمزة وسكون القاف وكسر الموحدة جمع قباء بفتح القاف ممدودًا جنس من الثياب ضيقة من لباس العجم معروف (ولم يعطِ مخرمة منها) أي من الأقبية (شيئًا) أي في حال تلك القسمة (فقال مخرمة) للمسور: (يا بنيّ انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ ¬) وفي رواية حاتم في الشهادات عسى أن يعطينا منها شيئًا الحديث. قال المسور: (فانطلقت معه فقال: ادخل فادعه) ﵊ (لي) زاد في رواية تأتي إن شاء الله تعالى فأعظمت ذلك فقال: يا بني إنه ليس بجبار (قال: فدعوته له فخرج) ﵊ (إليه وعليه قباء منها) أي من الأقبية والجملة حالية (فقال) ﵊:
(أخبأنا هذا) القباء (لك) (قال) المسور (فنظر إليه) إلى القباء مخرمة (فقال) ﵊: (رضي مخرمة) استفهام أي هل رضي، ويحتمل كما قال ابن التين: أن يكون من قول مخرمة.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أن نقل المتاع إلى الموهوب له قبض، واختلف هل من شرط صحة الهبة القبض أم لا؟ فالجمهور وهو قول الشافعي الجديد والكوفيون أنها لا تملك إلا بالقبض لقول أبي بكر الصديق لعائشة ﵄ في مرضه فيما نحلها في صحته من عشرين وسقًا وددت أنك حزته أو قبضته وإنما هو اليوم مال الوارث ولأنه عقد إرفاق كالقرض فلا يملك إلا بالقبض، وفي القديم تصح بنفس العقد وهو مشهور مذهب المالكية وقالوا: تبطل إن لم يقبضها الموهوب له حتى وهبها الواهب لغيره وقبضها الثاني وهو قول أشهب ومحمد، وعن أبي القاسم مثله، وهو قول الغير في المدوّنة ولابن القاسم أنها للأوّل. قال محمد: وليس بشيء والحائز أولى، وقال المرداوي من الحنابلة: وتصح بعقد وتملك به أيضًا ولو بمعاطاة بفعل فتجهيز بنته بجهاز إلى الزوج تمليك وهو كبيع في تراخي قبوله وتقديمه وغيرهما وتلزم بقبض كمبيع بإذن واهب إلا ما كان في يد متهبه فيلزم بعقد ولا يحتاج إلى مضي مدّة يتأتى قبضه فيها، وعنه أي عن أحمد يلزم في غير مكيل وموزون ومعدود ومدروع بمجرد الهبة ولا يصح قبض إلا بإذن واهب. اهـ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في اللباس والشهادات والخمس والأدب ومسلم في الزكاة وأبو داود في اللباس والترمذي في الاستئذان.
٢٠ - باب إِذَا وَهَبَ هِبَةً فَقَبَضَهَا الآخَرُ وَلَمْ يَقُلْ قَبِلْتُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا وهب) رجل (هبة فقبضها الآخر) الموهوب له (ولم يقل
стр. 1796
قبلت) جازت، واشترط الشافعية الإيجاب والقبول فيها كسائر التمليكات بخلاف صحة الإبراء والعتق والطلاق بلا قبول لأنها إسقاط، ويستثنى من اعتبار ذلك الهبة الضمنية كان قال لغيره: أعتق عبدك عني ففعل فإنه يدخل في ملكه هبة ويعتق عنه ولا يشترط القبول ولا يشترط الإيجاب والقبول في
الهدية والصدقة ولو في غير المطعوم، بل يكفي البعث من المملك والقبض من التملك كما جرى عليه الناس في الإعصار، ولهذا كانوا يبعثونهما على أيدي الصبيان الذين لا تصح عقولهم.
فإن قيل: كان هذا إباحة لا هدية أجيب: بأنه لو كان إباحة ما تصرفوا فيه تصرف الملاك ومعلوم أنه ليس كذلك.
٢٦٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ، فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: أتَجِدُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِعَرَقٍ -وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ- فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ. قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن محبوب) أبو عبد الله البصري البناني قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: جاء رجل) سلمة بن صخر أو سلمان بن صخر أو أعرابي (إلى رسول الله ﷺ فقال: هلكت) فعلت ما هو سبب لهلاكي (فقال) ﵊:
(وما ذاك) ولأحمد: وما الذي أهلكك؟ (قال: وقعت بأهلي) أي وطئت امرأتي (في رمضان) نهارًا (قال) ﵊: (تجد) ولأبي ذر: أتجد (رقبة) المراد الوجود الشرعي ليدخل فيه القدرة بالشراء ونحوه ويخرج عنه مالك الرقبة المحتاج إليها بطريق شرعي (قال) الرجل: (لا) أجد رقبة (قال) ﵊: (فهل تستطبع أن تصوم شهرين متتابعين)؟ (قال) الرجل: (لا) أستطيع ذلك (قال) ﵊: (فتستطيع أن تطعم ستين مسكينًا) (قال) الرجل (لا) أستطيع (قال: فجاء رجل من الأنصار) قال في مقدمة فتح الباري: لم يسمِّ وإن صحّ أن المحترق سلمة بن صخر فالرجل هو فروة بن عمرو البياضي (بعرق) بفتح العين والراء المهملتين قال أبو هريرة أو الزهري أو غيره (والعرق المكتل) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح المثناة الفوقية وهو الزنبيل (فيه تمر) زاد ابن أبي حفصة عند أحمد فيه خمسة عشر صاعًا. وعند ابن خزيمة من حديث عائشة فأتى بعرق فيه عشرون صاعًا. وعند مسدد من مرسل عطاء فأمر له ببعضه وهو يجمع بين الروايات فمن قال: عشرون أراد أصل ما كان فيه ومن قال: خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة (قال) ﵊ (اذهب بهذا) العرق (فتصدق به) بالجزم على الأمر (فقال) الرجل أتصدق به (على) ناس
(أحوج منّا يا رسول الله و) الله (الذي بعثك بالحق ما بين لابتيها) بغير همزة أي حرّتي المدينة المكتنفتين بها (أهل بيت أحوج منّا. قال) ﵊، ولأبوي ذر والوقت: ثم قال: (اذهب فأطعمه أهلك) من تلزمك نفقته أو زوجتك وكان من مال الصدقة والكفارة باقية في ذمته كما سبق تقريره في الصيام قال في الفتح: والغرض منه هنا أنه ﷺ أعطى الرجل التمر فقبضه ولم يقل قبلت ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك ولمن اشترط القبول أن يجيب عن هذا بأنها واقعة عين فلا حجة فيها ولم يصرّح فيها بذكر القبول ولا بنفيه.
٢١ - باب إِذَا وَهَبَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ
قَالَ شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ: هُوَ جَائِزٌ. وَوَهَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵉ لِرَجُلٍ دَيْنَهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيُعْطِهِ أَوْ لِيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ». فَقَالَ جَابِرٌ: "قُتِلَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ غُرَمَاءَهُ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي، وَيُحَلِّلُوا أَبِي".
هذا (باب) بالتنوين (إذا وهب) رجل (دينًا) له (على رجل) لآخر أو لمن هو عليه (قال شعبة) بن الحجاج فيما وصله ابن أبي شيبة: (عن الحكم) بفتحتين ابن عتيبة (هو) أي فعل هبة الدين لمن هو عليه (جائز ووهب الحسن بن علي) أي ابن أبي طالب ﵉ لرجل) له عليه دين (دينه) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على من وصله ولم يسم الرجل.
(وقال النبي ﷺ ¬) فيما وصله مسدد في مسنده من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا (من كان له) أي لأحد (عليه حق فليعطه) إياه (أو ليتحلله منه). بالجزم على الأمر والضمير في منه لصاحب الحق. قال الحافظ ابن حجر: وجه الدلالة منه لجواز هبة الدين أنه من سوّى بين أن يعطيه إياه أو يحلله منه ولم يشترط في التحليل قبضًا (فقال) بالفاء وفي نسخة وقال: بالواو (جابر: قتل أبي) هو عبد الله
стр. 1797
الأنصاري وكان قتل بأُحُد (وعليه دين) رقم في الفرع على قوله وعليه دين علامة السقوط. (فسأل النبي ﷺ غرماءه أن يقبلوا تمر حائطي) أي بستاني (ويحللوا أبي) وهذا التعليق سبق موصولاً في القرض وساقه هنا بأتم منه كما قال:
٢٦٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمْ وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ، وَلَكِنْ قَالَ: سَأَغْدُو عَلَيْكَ -إِنْ شَاءَ اللهُ-. فَغَدَا عَلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا فِي ثَمَرِهِ بِالْبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا، فَقَضَيْتُهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَبَقِيَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا بَقِيَّةٌ. ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ جَالِسٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
لِعُمَرَ: اسْمَعْ -وَهْوَ جَالِسٌ- يَا عُمَرُ. فَقَالَ: أَلاَّ يَكُونُ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؟ وَاللَّهِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ".
(حدثنا عبدان) هو عبد الله بن جبلة بفتح الجيم والموحدة العتكي بفتح المهملة والمثناة الفوقيه المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن زيد الأيلي.
(وقال الليث) بن سعد الإمام مما وصله الذهلي في الزهريات (حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (أنه قال: حدّثني) بالإفراد (ابن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله ﵄) قال الكرماني: ابن كعب يحتمل أن يكون عبد الرحمن أو عبد الله لأن الزهري يروي عنهما جميعًا لكن الظاهر أنه عبد الله لأنه يروي عن جابر (أخبره أن أباه) عبد الله (قتل يوم) وقعة (أُحُد شهيدًا) وكان عليه دين ثلاثين وسقًا لرجل من اليهود (فاشتد الغرماء) عليّ (في) طلب (حقوقهم فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته) أي ليشفع لي زاد في علامات النبوّة من وجه آخر فقلت إن أبي ترك عليه دينًا وليس عندي إلا ما يخرج نخله ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه (فسألهم) النبي ﷺ (أن يقبلوا ثمر حائطي) بفتح المثلثة والميم أي في دينهم (ويحللوا أبي) أي يجعلوه في حِلٍّ بإبرائهم ذمته (فأبوا) أي امتنعوا (فلم يعطهم رسول الله ﷺ ¬) ثمر نخل (حائطي ولم يكسره) بفتح أوّله وكسر ثالثه أي لم يكسر الثمر من النخل (لهم) أي لم يعين ولم يقسم عليهم قاله الكرماني (ولكن قال): ﵊: (سأغدوا عليك) زاد أبو ذر إن شاء الله تعالى قال جابر: (فغدا علينا) ﷺ (حين أصبح) ولغبر أبي ذر حتى أصبح والأول أوجه وضبب على الأخير في الفرع (فطاف في النخل ودعا) بالواو ولأبوي ذر والوقت فدعا (في ثمره بالبركة) وعند أحمد عن جابر من وجه آخر فجاء هو وأبو بكر وعمر فاستقرأ النخل يقوم تحت كل نخلة لا أدري ما يقول حتى مرّ على آخرها (فجددتها) بالجيم والدالين المهملتين أي قطعتها (فقضيتهم حقهم) الذي لهم وفي اليونينية وفرعها حقوقهم (وبقي لنا من ثمرها) بالمثلثة المفتوحة، ولأبي الوقت: من تمرها بالمثناة الفوقية وسكون الميم أي تمر النخل (بقية) وفي علامات النبوّة وبقي مثل ما أعطاهم، (ثم جئت رسول الله ﷺ وهو جالس) جملة حالية (فأخبرته بذلك) الذي وقع من قضاء الحقوق وبقاء الزيادة وظهور بركة دعائه ﷺ (فقال رسول الله ﷺ لعمر) بن الخطاب: (اسمع) ما يقول جابر (وهو) أي عمر (جالس يا عمر فقال) عمر (ألا يكون) بالرفع وفي بعض الأصول بالنصب (قد علمنا أنك رسول الله والله إنك لرسول الله) بفتح الهمزة وتشديد اللام من ألا وأصلها أن المخففة ضمت إليها لا النافية أي هذا إنما يحتاج إليه من لا يعلم أنك رسول الله فكذبك في الخبر فيحتاج إلى الاستدلال، وأما من علم أنك رسول الله فلا يحتاج إلى ذلك ولأبي ذر عن الكشميهني ألا بتخفيف اللام كما في فروع عدة لليونينية وأصول معتمدة ووجه بأن الهمزة للاستفهام التقريري، وإذا تقرر هذا فلينظر في قول الحافظ ابن حجر في علامات النبوّة ألا يكون بفتح الهمزة وتشديد اللام في الروايات كلها. وزعم بعض المتأخرين أن الرواية فيه بتخفيف اللام وأن الهمزة للاستفهام التقريري فأنكر عمر عدم علمه بالرسالة فأنتج إنكاره
ثبوت علمه بها. قال الحافظ ابن حجر: وهو كلام موجه إلا أن الرواية إنما هي بالتشديد وكذا ضبطها عياض وغيره انتهى. وقال الكرماني: ومقصوده ﷺ تأكيد علم عمر ﵁ وتقويته وضم حجة أخرى إلى الحجج السابقة. وقال في الفتح: النكتة في اختصاصه بإعلامه بذلك أنه كان معتنيًا بقضية جابر مهتمًّا بشأنه مساعدًا له على وفاء دين أبيه.
ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ كما قاله في عمدة القاري من معنى الحديث، ولكنه
стр. 1798
بالتكلف وهو أنه ﷺ سأل غرماء أبي جابر أن يقبضوا ثمر حائطه ويحللوه من بقية دينه ولو قبلوا ذلك كان إبراء لذمة أبي جابر من بقية الدين وهو في الحقيقة لو وقع كان هبة للدين ممن هو عليه وهو معنى الترجمة، وقد اختلف فيما إذا وهب دينًا له على رجل لآخر فقال المالكية يصح إذا أشهد له بذلك وجمع بينه وبين غريمه وقال الشافعي: بالبطلان لاشتراطهم القبض.
٢٢ - باب هِبَةِ الْوَاحِدِ لِلْجَمَاعَةِ
وَقَالَتْ أَسْمَاءُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ: وَرِثْتُ عَنْ أُخْتِي عَائِشَةَ بِالْغَابَةِ، وَقَدْ أَعْطَانِي بِهِ مُعَاوِيَةُ مِائَةَ أَلْفٍ، فَهُوَ لَكُمَا.
(باب هبة الواحد) الشيء الواحد (للجماعة) مشاعًا جائز وإن كان لا ينقسم كعبد لأن الهبة عقد تمليك والمشاع قبل للملك فتجوز هبته كبيعه، وقال الحنفية: تجوز فيما لا ينقسم كالحمام والرحى لا فيما ينقسم إلا بعد القسمة كما لا تجوز هبة سهم في دار لأن القبض في الهبة منصوص عليه مطلقًا فينصرف إلى الكامل والقبض في المشاع ليس بكامل لأنه في حيزّه من وجه وفي حيّز شريكه من وجه، وتمامه إنما يحصل بالقسمة بخلاف المشاع فيما لم يقسم لأن القبض الكامل فيه غير متصوّر فاكتفى بالقاصر قاله ابن فرشتاه في شرح المجمع، وقبض المشاع يحصل بقبض الجميع منقولاً كان أو غيره فإن كان منقولاً ومنع من القبض الشريك فيه ووكله الموهوب له في القبض له جاز فيقبضه له الشريك، فإن امتنع الموهوب له من توكيل الشريك فيقبض له الحاكم ويكون في يده لهما أما إذا لم يمتنع الشريك من القبض بأن رضي بتسليم نصيبه أيضًا إلى الموهوب له فقبض الجميع فيحصل الملك ويكون نصيبه تحت يد الموهوب له وديعة.
(وقالت أسماء) بنت أبي بكر الصدّيق (للقاسم بن محمد) هو ابن أخي أسماء (وابن أبي عتيق) هو أبو بكر عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر وهو ابن أخي أسماء (ورثت) وفي بعض الأصول الذي ورثت (عن أختي عائشة) زاد أبو ذر عن الكشميهني مالاً (وبالغابة) بالغين المعجمة وبعد الألف موحدة موضع بالعوالي قريب من المدينة به أموال أهلها (وقد أعطاني به معاوية) بن أبي سفيان (مائة ألف) أي وما بعته منه (فهو لكما) خطاب للقاسم وعبد الله بن أبي عتيق وقد كانت عائشة لما ماتت ورثتها أختاها أسماء وأم كلثوم وأولاد أخيها عبد الرحمن ولم يرثها
أولاد أخيها محمد لأنهُ لم يكن شقيقها، فكأن أسماء قصدت جبر خاطر القاسم بذلك وأشركت معه عبد الله لأنه لم يكن وارثًا لوجود أبيه قاله في الفتح، والجمع يطلق على الاثنين فتحصل المطابقة بينه وبين الترجمة ولم أرَ هذا التعليق موصولاً.
٢٦٠٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: إِنْ أَذِنْتَ لِي أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدًا. فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي القرشي المكي المؤذن قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج (عن سهل بن سعد) الساعدي الأنصاري له ولأبيه صحبة (﵁) وعن أبيه.
(أن النبي ﷺ أُتيَ بشراب) لبن ممزوج بماء (فشرب) ﵊ منه (وعن يمينه غلام) هو ابن عباس (وعن يساره الأشياخ) منهم أبو بكر الصدّيق ﵁ (فقال) ﵊ (للغلام) ابن عباس (إن أذنت لي أعطيت هؤلاء) الأشياخ القدح (فقال) الغلام (ما كنت لأُوثر بنصيبي منك يا رسول الله أحدًا فتله) بالمثناة الفوقية وتشديد اللام أي رمى به ﷺ (في يده) أي يد الغلام. قال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث هبة لا للواحد ولا للجماعة وإنما هو شراب أُتي به النبي ﷺ ثم سقي على وجه الإباحة والإرفاق كما لو قدّم للضيف طعامًا يأكله وليس قوله للغلام: أتأذن لي على جهة أنه حق له بالهبة لكن الحق من جهة السُّنّة في الابتدائية وللأشياخ حق السن وأجاب في فتح الباري: بأن الحق كما قال ابن بطال أنه ﷺ سأل الغلام أن يهب نصيبه الأشياخ وكان نصيبه منه مشاعًا غير متميز فدلّ على صحة هبة المشاع.
ويؤخذ من الحديث تقديم الصغير على الكبير والمفضول على الفاضل إذا جلس على يمين الرئيس فيكون مخصوصًا من عموم حديث ابن عباس عند أبي يعلى بسند قوي قال: كان رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 1799
وَسَلَّمَ- إذا سقي قال: ابدؤوا بالأكبر ويكون الأيمن ما امتاز بمجرد الجلوس في الجهة اليمنى بل الخصوص كونها يمين الرئيس والفضل إنما فاض عليه من الأفضل قال الزركشي: ويؤخذ منه أنه إذا تعارضت الفضيلة المتعلقة بالمكان والمتعلقة بالذات تقدم المتعلقة بالذات وإلاَّ لم يستأذنه. قال في المصابيح: وقع في النظائر والأشباه لابن السبكي أنه بحث مرة مع أبيه الشيخ تقي الدين السبكي في صلاة الظهر بمنى يوم النحر إذا جعلنا منى خارجة عن حدود المحرم أتكون أفضل من صلاتها في المسجد لأن النبي ﷺ صلاّها بمنى والاقتداء به أفضل أو في المسجد لأجل المضاعفة فقال بل في منى وإن لم تحصل بها المضاعفة فإن في الاقتداء بأفعال الرسول ﷺ من الخير ما يربو على المضاعفة.
وهذا الحديث قد سبق في المظالم ويأتي إن شاء الله تعالى في الأشربة.
٢٣ - باب الْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ وَغَيْرِ الْمَقْبُوضَةِ، وَالْمَقْسُومَةِ وَغَيْرِ الْمَقْسُومَةِ
وَقَدْ وَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِهَوَازِنَ مَا غَنِمُوا مِنْهُمْ، وَهْوَ غَيْرُ مَقْسُومٍ.
(باب الهبة المقبوضة) السابق حكمها (وغير المقبوضة) علم من حكم المقبوضة (والمقسومة وغير المقسومة) أما المقسومة فحكمها ظاهر وأما غير المقسومة فهو المقصود بهذه الترجمة وهي مسألة هبة المشاع السابق تقريرها أوّل الباب السابق، (وقد وهب النبي ﷺ وأصحابه) ﵃ مما وصله بأتمّ منه في الباب التالي (لهوازن ما غنموا منهم) قال: المؤلّف تفقهًا (وهو) أي الذي غنموه (غير مقسوم) وفي الفرع وأصله علامة السقوط على قوله لهوازن وإثباتها بعد قوله غير مقسوم لأبي ذر ويبقى النظر في قوله منهم على هذه الرواية فليتأمل.
واستدلّ المؤلّف بهذا التعليق على صحة هبة المشاع وتعقب بأن غير المقسوم يلزم منه أن يكون غير مقبوض فلا يتم له الاستدلال. وأجيب بأن قبضهم إياه وقع تقديريًّا باعتبار حيازتهم له على الشيوع.
٢٦٠٣ - وَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَقَضَانِي وَزَادَنِي".
وبه قال: (حدّثنا ثابت بن محمد) أبو إسماعيل العابد الشيباني الكوفي وسقط ابن محمد لأبي ذر ولغير أبي ذر، ونسبه الحافظ ابن حجر لأبي زيد المروزي وقال ثابت بصورة التعليق وهو موصول عند الإسماعيلي وغيره وبالأول جزم أبو نعيم في المستخرج وفاقًا للأكثر قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم ابن كدام (عن محارب) بكسر الراء ابن دثار (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (﵁) عن أبيه أنه (قال): (أتيت النبي ﷺ في المسجد) المدني (فقضاني) أي على يد بلال ثمن الجمل الذي كان اشتراه مني بأوقية بطريق تبوك أو ذات الرقاع بعد أن أعيا ودعا له حتى سار سيرًا ليس يسير مثله (وزادني) أي قيراطًا.
وهذا الحديث قد سبق بأتم من هذا في باب شراء الدواب والحمير من كتاب البيوع، وساقه هنا من طريق أخرى فقال بالسند إليه:
٢٦٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: "بِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بَعِيرًا فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ: ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ. فَوَزَنَ".
قَالَ شُعْبَةُ: أُرَاهُ "فَوَزَنَ لِي فَأَرْجَحَ، فَمَا زَالَ مِنْهَا شَىْءٌ حَتَّى أَصَابَهَا أَهْلُ الشَّأْمِ يَوْمَ الْحَرَّةِ".
(حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشدّدة المشهور ببندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر الهذلي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن محارب) هو ابن دثار أنه قال: (سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ يقول: بعت من النبي ﷺ بعيرًا في سفر فلما أتينا المدينة قال) ﵊:
(ائت المسجد فصل) فيه (ركعتين) وفي رواية وهب بن كيسان في البيوع قدم رسول الله ﷺ المدينة قبلي وقدمت بالغداة فجئت إلى المسجد فوجدته فقال: "الآن قدمت"؟ قلت: نعم قال: فدع الجمل وادخل فصلِّ ركعتين (فوزن) أي ثمن الجمل.
(وقال شعبة) بن الحجاج (أراه) بضم الهمزة أظنه قال (فوزن لي فأرجح) وهو على سبيل المجاز لأن ذلك إنما كان بواسطة بلال كما في مسلم ولفظه: فلما قدمت المدينة قال لبلال أعطه أوقية من ذهب وزده. قال: فأعطاني أوقية وزادني قيراطًا فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ (فما زال منها) وللكشميهني: فما زال معي منها (شيء حتى أصابها أهل الشام يوم) وقعة (الحرّة) أي التي كانت حوالي المدينة عند حرّتها بين عسكر الشام من جهة يزيد بن معاوية وبين أهل المدينة سنة ثلاث وستين.
٢٦٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة وسكون
стр. 1800
المعجمة (عن مالك) إمام دار الهجرة (عن أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج المدني القاصّ (عن سهل بن سعد) الساعدي (﵁ أن رسول الله ﷺ أُتِيَ بشراب) لبن شيب بماء (وعن يمينه غلام) ابن عباس (وعن يساره أشياخ) منهم أبو بكر الصدّيق ﵁ (فقال) ﵊ (للغلام): (أتاذن لي أن أعطي هؤلاء) الأشياخ القدح؟ (فقال الغلام: لا والله لا أوثر بنصيبي منك) زاد في رواية الباب السابق يا رسول الله (أحدًا فتله) أي رمى رسول الله ﷺ بالقدح (في يده) أي في يد ابن عباس.
٢٦٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَيْنٌ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً. وَقَالَ: اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ، فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَجِدُ سِنًّا إِلاَّ سِنًّا هِيَ أَفْضَلُ مِنْ سِنِّهِ. قَالَ: فَاشْتَرُوهَا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة) بفتح الجيم والموحدة واللام الملقب عبدان قال:
أخبرني) بالإفراد (أبي) هو عثمان بن جبلة (عن شعبة) بن الحجاج (عن سلمة) بن كهيل أنه (قال: سمعت أبا سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: كان لرجل) أعرابي لم يسم (على رسول الله ﷺ دين) بغير كان اقترضه ﵊ منه (فهمّ به أصحابه) أي عزموا أن يؤذوه بالقول أو الفعل، لكنهم تركوا ذلك أدبًا مع النبي ﷺ وذلك أغلظ في المطالبة على عادة الأعرابي في الجفاء والغلظة في الطلب (فقال) ﵊:
(دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً) أي صولة في الطلب (وقال) ﵊ (اشتروا له سنًّا) مثل سنَّ بعيره (فأعطوها إياه) بهمزة قطع في فأعطوها وفي مسلم أن المخاطب بذلك أبو رافع مولى رسول الله ﷺ (فقالوا: إنّا لا نجد سنًّا إلا سنًّا هي أفضل من سنّه) في الثمن والحسن والسنّ (قال) ﵊ (فاشتروها) بهمزة وصل (فأعطوها إياه فإن من خيركم أحسنكم قضاءً) بنصب أحسنكم اسم إن وخبرها والجار والمجرور، وفي بعض النسخ فإن من خيركم أحسنكم بالرفع على حذف اسم إن أي إن من خيركم أناسًا أحسنكم، ولأبي ذر: فإن خيركم بإسقاط حرف الجر والنصب، وأحسنكم بالرفع اسم إن وخبرها، وفي بعض الأصول: فإن من خيركم أو خيركم على الشك أي أو إن خيركم أحسنكم بالرفع خبر إن على ما لا يخفى، وفي النسخة المقروءة على الميدومي: فإن من أخيركم أو خيركم بالجر عطفًا على السابق وزيادة همزة في الأولى وسكون الخاء على هذا فالشك في إثبات الهمزة وحذفها أحسنكم بالنصب اسم إن لكن الألف مزيدة وجزمة الحاء وفتحة نون أحسنكم على كشط بغير خط كاتب الأصل ومداده كما هو الظاهر وفي الفرع علامة السقوط لهذا الحديث إسنادًا ومتنًا لأبي ذر.
وهذا الحديث قد مضى في الاستقراض.
٢٤ - باب إِذَا وَهَبَ جَمَاعَةٌ لِقَوْمٍ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا وهب جماعة لقوم) شيئًا وزاد أبو ذر عن الكشميهني أو وهب رجل جماعة جاز وهذه الزيادة لا فائدة فيها لتقدمها قبل.
٢٦٠٧ و ٢٦٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَىَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ -وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ- فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلاَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ
هَؤُلَاءِ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ. فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِيهِ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُهُمْ-. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا".
وَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ. هَذَا آخِرُ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ. يَعْنِي فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف نسبة إلى جده لشهرته به واسم أبيه عبد الله المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين وكسر القاف الأيلي الأموي مولاهم (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (أن مروان بن الحكم) الأموي (والمسور بن مخرمة) الزهري وروايتهما هذه مرسلة لأن الأول لا صحبة له والآخر إنما قدم مع أبيه صغيرًا بعد الفتح وكانت هذه القصة الآتية بعده (أخبراه أن النبي ﷺ قال): وفي الوكالة: قام بالميم بدل اللام (حين جاءه وفد هوازن) القبيلة المعروفة حال كونهم (مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فقال لهم) ﵊:
(معي من ترون) من العسكر (وأحب الحديث إليّ أصدقه) رفع خبر وأحب (فاختاروا) أن أرد إليكم (إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال وقد كنت استأنيت) بالهمزة الساكنة محذوفة في الفرع وأصله أي: انتظرتكم (وكان النبي ﷺ انتظرهم) ليحضروا (بضع عشرة ليلة) لم يقسم السبي وتركه بالجعرانة (حين
стр. 1801
قفل) رجع (من الطائف) إلى الجعرانة فقسم الغنائم بها لما أبطؤوا (فلما تبيّن لهم أن النبي ﷺ رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائفتين) السبي أو المال (قالوا: فإنّا نختار سبينا) وفي مغازي ابن عقبة: ولا نتكلم في شاة ولا بعير (فقام) ﵊ (في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال): (أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء) وفد هوازن (جاؤونا) حال كونهم (تائبين وإني رأيت أن أردّ إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك) بفتح الطاء وتشديد التحتية المكسورة وفي الوكالة بذلك بزيادة الموحدة لم يطيب بدفع السبي إلى هوازن نفسه (فليفعل) ذلك (ومن أحب أن يكون) وفي الوكالة: ومن أحب منكم أن يكون (على حظه) نصيبه من السبي (حتى نعطيه إياه) أي عوضه (من أول ما يفيء الله علينا) بضم حرف المضارعة من أفاء يفيء (فليفعل) جواب من المتضمنة معنى الشرط كالسابق ومن ثم دخلت الفاء فيهما. (فقال الناس طيبنا) بتشديد المثناة التحتية أي جعلناه طيبًا من جهة كونهم رضوا به وطابت أنفسهم به (يا رسول الله لهم) أي لهوازن (فقال) ﵊ لهم: (إنّا لا ندري من أذن منكم فيه ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع) بالنصب في الفرع وأصله وغيرهما بأن مقدرة بعد حتى وقال: كالكرماني: قالوا هو بالرفع أجود انتهى. ولم يبين وجه أجوديته وفي الوكالة: حتى يرفعوا بالواو وعلى لغة أكلوني البراغيث (إلينا عرفاؤكم أمركم) (فرجع
الناس فكلمهم عرفاؤهم) في ذلك فطابت نفوسهم به (ثم رجعوا) أي العرفاء (إلى النبي ﷺ فأخبروه أنهم طيبوا) أي ذلك وفي الوكالة قد طيبوا (وأذنوا) له ﵊ أن يرد سبيهم إليهم (وهذا) ولأبي ذر فهذا (الذي بلغنا من) خبر (سبي هوازن).
قال البخاري: (هذا آخر قول الزهري يعني فهدا الذي بلغنا) وسقط قوله: وهذا الذي بلغنا إلخ في نسخة ورقم عليه في الفرع وأصله علامة السقوط كذلك، وفي نسخة ثابتة بهامشها قال أبو عبد الله أي البخاري قوله فهذا الذي بلغنا من قول الزهري.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الغانمين وهم جماعة وهبوا بعض الغنيمة لمن غنموها منهم وهم قوم هوازن، وأما الدلالة لزيادة الكشميهني فمن جهة أنه كان للنبي ﷺ سهم معين وهو سهم الصفي فوهبه لهم أو من جهة أنه ﷺ استوهب من الغانمين سهامهم فوهبوها له فوهبها هو لهم قاله في فتح الباري.
وهذا الحديث قد سبق في باب: إذا وهب شيئًا الوكيل أو شفيع قوم جاز من كتاب الوكالة، ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في غزوة حنين من المغازي.
٢٥ - باب مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ جُلَسَاؤُهُ فَهْوَ أَحَقُّ
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جُلَسَاءَهُ شُرَكَاءُ. وَلَمْ يَصِحَّ.
هذا (باب) بالتنوين (من أهدى له هدية) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول وهدية بالرفع نائبًا عن الفاعل (وعنده جلساؤه) جمع جليس والجملة حالية وجواب من (فهو أحق) أي بالهدية من جلسائه (ويذكر) بضم أوّله وفتح ثالثه بصيغة التمريض (عن ابن عباس) ﵄ مما روي مرفوعًا موصولاً عند عبد بن حميد بإسناد فيه مندل بن علي وهو ضعيف وموقوفًا وهو أصلح من المرفوع (أن جلساءه شركاء) فيما يهدى له ندبًا وشركاء بحذف الضمير قال: البخاري (ولم يصح) هذا عن ابن عباس أو لا يصح في هذا الباب شيء.
٢٦٠٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَخَذَ سِنًّا، فَجَاءَه صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ؛ فَقَالُوا لَهُ: فَقَالَ: إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً، ثُمَّ قَضَاهُ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ وَقَالَ: أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً".
وبه قال: (حدّثنا ابن مقاتل) محمد المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن سلمة بن كهيل) مصغرًا الحضرمي الكوفي (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه أخذ سنًّا) معينًا من الابل من رجل قرضًا (فجاءه صاحبه يتقاضاه) أي يطلب من النبي ﷺ أن يقضيه جمله وأغلظ بالتشديد في
الطلب (فقالوا) أي الصحابة (له) وفي الاستقراض وغيره فهم به أصحابه وسقط لغير أبي ذر فقالوا له: (فقال) ﵊:
(إن لصاحب الحق مقالا ثم قضاه أفضل من سنّه وقال) عليه الصلاة
стр. 1802
والسلام (أفضلكم) في المعاملة (أحسنكم قضاء).
ووجه المطابقة أنه ﵊ وهبه الفضل بين السنين فامتاز به دون الحاضرين بناء على أن الزيادة في الثمن تبرعًا حكمها حكم الهبة إلا الثمن أو فيها شائبة الهبة والثمن فنزل المؤلّف الأمر على ذلك.
٢٦١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو: "عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ عَلَى بَكْرٍ لِعُمَرَ صَعْبٍ، فَكَانَ يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَقُولُ أَبُوهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا يَتَقَدَّمِ النَّبِيَّ ﷺ أَحَدٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : بِعْنِيهِ، فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ لَكَ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدثنا ابن عيينة) سفيان (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار (عن ابن عمر ﵄ أنه كان مع النبي ﷺ في سفر) قال ابن حجر: لم أقف على تعيينه انتهى، (فكان) ولأبوي ذر والوقت: وكان بالواو بدل الفاء (على بكر) بفتح الموحدة وسكون الكاف ولد الناقة أوّل ما يركب (صعب) صفة لبكر أي نفور لكونه لم يذلل وكان (لعمر) أبيه والذي في الفرع وأصله تقديم لعمر على قوله صعب (فكان) البكر (يتقدم النبي ﷺ فيقول أبوه) عمر بن الخطاب (يا عبد الله لا يتقدم النبي ﷺ أحد فقال له) أي لعمر (النيي ﷺ ¬):
(بعنيه) أي الجمل (فقال) ولأبوي ذر والوقت: قال بإسقاط الفاء (عمر: هو لك) يا رسول الله (فاشتراه) ﵊ من عمر (ثم قال) ﵊ لابنه (هو لك يا عبد الله فاصنع به ما شئت) من أنواع التصرفات.
ووجه المناسبة بين الحديث والترجمة فالذي يظهر كما قاله في فتح الباري أن البخاري أراد إلحاق المشاع في ذلك بغير المشاع وإلحاق الكثير بالقليل لعدم الفارق. وقال ابن بطال: هبته لابن عمر مع الناس فلم يستحق أحد منهم فيه شركة هذا ما رأيته في وجه المناسبة لهم والله أعلم فليتأمل.
والحديث قد مرّ في باب إذا اشترى شيئًا فوهبه من ساعته قبل أن يتفرقا.
٢٦ - باب إِذَا وَهَبَ بَعِيرًا لِرَجُلٍ وَهْوَ رَاكِبُهُ، فَهُوَ جَائِزٌ
هذا (باب) بالتنوين (إذا وهب) رجل (بعيرًا لرجل وهو) أي والحال أن الموهوب له (راكبه) والذي في الفرع راكب بحذف الهاء أي البعير الموهوب (فهو جائز).
٢٦١١ - وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: بِعْنِيهِ، فَابْتَاعَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ".
(وقال الحميدي) عبد الله أبو بكر المكي مما وصله الإسماعيلي (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو) هو ابن دينار (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر وكنت على بكر صعب) لعمر ﵁ (فقال النبي ﷺ لعمر):
(بعنيه فابتاعه) بسكون الموحدة وبالمثناة الفوقية ﵊ منه ولأبي ذر فباعه أي عمر له ﵊ (فقال النبي ﷺ هو لك) أي هبة (يا عبد الله).
٢٧ - باب هَدِيَّةِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهَا
(باب) جواز (هدية ما يكره لبسها) أنّث باعتبار الحلّة وفي نسخة بالفرع وأصله، ونسبها الحافظ ابن حجر للنسفي لبسه بالتذكير والكراهة هنا أعم من التنزيه والتحريم.
٢٦١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَهَا فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ. قَالَ: إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ. ثُمَّ جَاءَتْ حُلَلٌ، فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ: أَكَسَوْتَنِيهَا وَقُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا. فَكَسَا عُمَرُ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) هو ابن أنس إمام دار الهجرة (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄) أنه (قال: رأى عمر بن الخطاب حلّة سيراء) بكسر السين المهملة وفتح المثناة التحتية وبالراء ممدودًا قال الخليل ليس في الكلام فعلاء بكسر أوّله مع المد سوى سيراء وحولاء وهو الماء الذي يخرج على رأس الولد وعنباء لغة في العنب وقوله حلة بالتنوين في الفرع وأصله وغيرهما على الصفة. وقال عياض: ضبطناه على متقني شيوخنا حلّة سيراء على الإضافة وهو أيضًا في اليونينية، وقال النووي: إنه قول المحققين ومتقني العربية وأنه من إضافة الشيء لصفته كما قالوا ثوب خزّ قال مالك: والسيراء هو الوشي من الحرير، وقال
الأصمعي: ثياب فيها خطوط من حرير أو قزّ وإنما قيل لها سيراء لتسيير الخطوط فيها، وقيل الحرير الصافي والمعنى رأى حلّة حرير تباع (عند باب المسجد) وفي رواية جرير بن حازم عن نافع عند مسلم رأى عمر عطاردًا التميمي يقيم حقة بالسوق وكان رجلاً يغشى الملوك ويصيب منهم (فقال: يا رسول الله لو اشتريتها فلبستها يوم الجمعة وللوفد) زاد في اللباس إذا أتوك (قال) ﵊:
(إنما يلبسها) أي حلة الحرير (من لا خَلاق) أي لا حظّ (له) منه أي
стр. 1803
من الحرير (في الآخرة) (ثم جاءت) رسول الله ﷺ (حُلَل) أي سيراء منها (فأعطى رسول الله ﷺ عمر منها حلّة) زاد في رواية جرير بن حازم وبعث إلى أسامة بحلّة، وأعطى علي بن أبي طالب حلّة، ولأبي ذر: فأعطى رسول الله ﷺ منها حلّة لعمر (وقال) بالواو أي عمر، ولأبي ذر: فقال (أكسوتنيها) بهمزة الاستفهام وفي رواية جرير بن حازم فجاء عمر بحلّته يحملها فقال بعثت إليّ بهذه (وقلت في حلّة عطارد) هو ابن حاجب بن زرارة بن عدس بمهملات الدارمي وكان من جملة وفد بني تميم أصحاب الحجرات وقد أسلم وحسن إسلامه (ما قلت) أي مما يدل على التحريم (فقال) ﵊ (إني لم أكسكها لتلبسها) وفي اللباس فقال: إنما بعثت إليك لتبيعها أو تكسوها (فكسا) بحذف الضمير المنصوب، ولأبي ذر والأصيلي: فكساها (عمر أخًا له) من أمه أو من الرضاع وسماه ابن بشكوال في المبهمات نقلاً عن ابن الحذاء عثمان بن حكيم. قال الدمياطي: وهو السلمي أخو خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص قال: وهو أخو زيد بن الخطاب لأمه فمن أطلق عليه أنه أخو عمر لأمه لم يصب. وأجيب: باحتمال أن يكون عمر ارتضع من أم أخيه زيد فيكون عثمان هذا أخًا لعمر لأمه من الرضاع وقوله له في محل نصب صفة لأخًا أي أخًا كائنًا له وكذا قوله (بمكة مشركًا) صفة بعد صفة قبل إسلامه.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وسبق الحديث في الجمعة، ويأتي إن شاء الله تعالى في اللباس بعون الله وقوّته.
٢٦١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "أَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا، وَجَاءَ عَلِيٌّ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا، فَقَالَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ فَأَتَاهَا عَلِيٌّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: لِيَأْمُرْنِي فِيهِ بِمَا شَاءَ. قَالَ: نُرْسِلُ بِهِ إِلَى فُلَانٍ، أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَةٌ".
وبه قال (حدّثنا محمد بن جعفر) أي ابن أبي الحسين الحافظ (أبو جعفر) الكوفي نزيل فيد بفتح الفاء وسكون التحتية آخره دال مهملة بلد بين بغداد ومكة. وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل عندي أن يكون هو أبا جعفر القومسي الحافظ المشهور، فقد أخرج عنه البخاري حديثًا غير هذا في المغازي، وإنما جوّزت ذلك لأن المشهور في كنية الفيدي أبو عبد الله بخلاف القومسي فكنيته أبو
جعفر بلا خلاف وبالأول جزم الكلاباذي قال: (حدّثنا ابن فضيل) محمد (عن أبيه) فضيل بن غزوان (عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: أتى النبي ﷺ بيت فاطمة بنته) ﵂ وسقط قوله بنته في كثير من النسخ (فلم يدخل عليها) زاد في رواية ابن نمير عن فضيل عن أبي داود وابن حبان قال: وقلّما كان يدخل إلا بإذنها، (وجاء علي) زوجها ﵄ زاد ابن نمير فرآها مهتمة (فذكرت له ذلك) الذي وقع منه ﵊ من عدم دخوله عليها (فذكره) في (للنبي ﷺ ¬) وفي رواية ابن نمير فقال: يا رسول الله اشتد عليها أنك جئت فلم تدخل عليها (قال) ﵊:
(إني رأيت على بابها سترًا موشيًا) بفتح الميم وسكون الواو وكسر المعجمة وبعدها تحتية أي مخططًا بألوان شتى (فقال) ﵊: (ما لي وللدنيا) (فأتاها عليّ) ﵁ (فذكر ذلك) الذي قاله ﵊ (لها، فقالت ليأمرني) بالجزم على الأمر (فيه) أي في الستر (بما شاء، قال): ﵊ لما بلغه قولها ليأمرني فيه بما شاء (ترسل به) أي بالستر الموشى وترسل بضم اللام أي فاطمة، ولأبي ذر: ترسلي بحذف النون على لغة. وقال في المصابيح: فيه شاهد على حذف لام الأمر وبقاء عملها مثل قوله:
محمد تفد نفسك كل نفس … إذا ما خفت من أمر تبالا
ويحتمل وهو الأولى أن يخرج على حذف أن الناصبة وبقاء عملها أي آمرك أن ترسلي به (إلى فلان أهل بيت) بالهاء والجر بدل من سابقه، وفي نسخة آل بهمزة ممدودة وإسقاط الهاء (بهم حاجة) وليس ستر الباب حرامًا لكنه ﷺ كره لابنته ما كره لنفسه من تعجيل الطيبات. قال الكرماني: أو لأن فيه صورًا ونقوشًا.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في اللباس.
٢٦١٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "أَهْدَى إِلَىَّ النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي".
[الحديث ٢٦١٤ - طرفاه في: ٥٣٦٦، ٥٨٤٠].
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم السلمي الأنماطي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال:
стр. 1804
أخبرني) بالإفراد (عبد الملك بن ميسرة) ضدّ الميمنة الهلالي الكوفي وفي اليونينية ابن ميسرة بخفض ابن والظاهر أنه سبق قلم (قال: سمعت زيد بن وهب) الجهني أبا سليمان الكوفي المخضرم (عن عليّ) هو ابن أبي طالب (¬﵁¬) أنه (قال): (أهدى) بفتح الهمزة والدال (إليّ) بتشديد التحتية (النبي ﷺ حلّة سيراء) نوع من البرود يخالطه حرير وحلة بالتنوين ولغير أبي ذر حلة سيراء بإسقاط التنوين للإضافة (فلبستها فرأيت الغضب في وجهه) زاد
مسلم في رواية أبي صالح فقال: إني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشفها خمرًا بين النساء (فشققتها بين نسائي) أي قطعتها ففرّقتها عليهن خمرًا بضم الخاء المعجمة وبالميم جمع خمار بكسر أوّله مع التخفيف ما تغطي به المرأة رأسها والمراد بقوله نسائي ما فسره في رواية أبي صالح حيث قال: بين الفواطم.
قال ابن قتيبة: المراد بالفواطم فاطمة بنت النبي ﷺ ، وفاطمة بنت أسد بن هاشم والدة عليّ ولا أعرف الثالثة، وذكر أبو منصور الأزهري أنها فاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب، وقد أخرج الطحاوي وابن أبي الدنيا في كتاب الهدايا وعبد الغني بن سعيد في المبهمات وابن عبد البرّ كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن أبي فاختة عن هبيرة بن يريم بتحتية ثم راء بوزن عظيم عن عليّ في نحو هذه القصة قال: فشققت منها أربعة أخمرة فذكر الثلاثة المذكورات قال: ونسي يزيد الرابعة. وقال عياض: لعلها فاطمة امرأة عقيل بن أبي طالب وهي بنت شيبة بن ربيعة، وقيل بنت عتبة بن ربيعة، وقيل بنت الوليد بن عتبة.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله فرأيت الغضب في وجهه فإنه دالٌّ على أنه كره له لبسها مع كونه أهداها له، وهذه الحلّة كان أهداها ﵊ أكيدر دومة كما في مسلم.
وقد أخرج المؤلّف حديث الباب أيضًا في النفقات واللباس ومسلم في اللباس والنسائي في الزينة.
٢٨ - باب قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِسَارَةَ، فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ فَقَالَ: أَعْطُوهَا آجَرَ». وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ.
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: "أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ".
(باب) جواز (قبول الهدية من المشركن، وقال أبو هريرة) مما وصله في أحاديث الأنبياء (عن النبي ﷺ هاجر إبراهيم) الخليل ﵇ بسارة) زوجته وكانت من أجمل النساء (فدخل قرية) قيل هى مصر (فيها ملك أو) قال (جبار) هو عمرو بن امرئ القيس بن سبأ وكان على مصر ذكره السهيلي، وهو قول ابن هشام في التيجان، وقيل اسمه صادوق حكاه ابن قتيبة وأنه كان على الأردن، وقيل غير ذلك فقيل له: إن هاهنا رجلاً معه امرأة من أحسن النساء فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال ادعي الله لي ولا أضرّك فدعت فأطلق (فقال: أعطوها آجر) بهمزة بدل الهاء والجيم مفتوحة، وفي نسخة هاجر أي هبة لها لتخدمها لأنه أعظمها أن تخدم نفسها. ويأتي الحديث: إن شاء الله تعالى تامًّا في أحاديث الأنبياء.
(وأهديت للنبي ﷺ ¬) بخيبر (شاة فيها سم) وهذا التعليق ذكره في هذا الباب موصولاً. (وقال أبو حميد) عبد الرحمن الساعدي الأنصاري مما وصله في باب: خرص التمر من الزكاة (أهدى) يوحنا بن روبة واسم أمه العلماء بفتح العين وسكون اللام ممدودًا (ملك أيلة) بفتح الهمزة وسكون التحتية بلد معروف بساحل البحر في طريق المصريين إلى مكة وهي الآن خراب (للنبي ﷺ بغلة بيضاء وكساه) بالواو النبي ﷺ ولأبي ذر فكساه (بردًا وكتب) أي أمر ﵊ أن يكتب (له) وفي نسخة لأبي ذر والأصيلي: إليه (ببحرهم) أي ببلدهم أي أهل بحرهم والمعنى أنه أقرّه عليهم بما التزمه من الجزية، وقد سبق لفظ الكتاب في الزكاة ومناسبة هذا للترجمة غير خفية.
٢٦١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ قَالَ: "أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا".
[الحديث ٢٦١٥ - طرفاه في: ٢٦١٦، ٣٢٤٨].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا يونس بن محمد) المؤدب البغدادي قال: (حدّثنا شيبان) بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية ابن عبد الرحمن النحوي (عن قتادة) بن دعامة أنه قال: (حدّثنا أنس) هو ابن مالك (﵁) أنه (قال): (أهدي للنبي ﷺ جبّة سندس) بضم همزة أهدي وكسر
стр. 1805
ثالثه وجبّة رفع نائب عن الفاعل والسندس مارق من الديباج وهو ما ثخن وغلظ من ثياب الحرير (وكان) ﵊ (ينهى عن) استعمال (الحرير) والجملة حالية (فعجب الناس منها فقال ﷺ ¬) زاد في اللباس أتعجبون من هذا قلنا نعم قال:
(و) الله (الذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ) الأوسي (في الجنة أحسن من هذا) الثوب قيل: وإنما خصّ المناديل بالذكر لكونها تمتهن فيكون ما فوقها أعلى منها بطريق الأولى.
٢٦١٦ - وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: "إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ".
(وقال سعيد) هو ابن أبي عروبة فيما وصله أحمد عن روح عنه (عن قتاة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ (أن أكيدر) بضم الهمزة وكسر الدال مصغرًا ابن عبد الملك بن عبد الجن بالجيم والنون، وكان نصرانيًّا أسره خالد بن الوليد لما أرسله النبي ﷺ في سرية، وقتل أخاه وقدم به إلى المدينة فصالحه النبي ﷺ على الجزية وأطلقه وكان صاحب (دومة أهدى إلى النبي ﷺ ¬) ودومة بضم الدال المهملة والمحدثون يفتحونها وسكون الواو وهي دومة الجندل مدينة بقرب تبوك بها نخل وزرع على عشر مراحل من المدينة وثمان من دمشق، والجندل الحجارة. والدومة: مستدار الشيء ومجتمعه
كأنها سميت به لأن مكانتها مجتمع الأحجار ومستدارها، ومراد المؤلّف من هذا التعليق بيان الذي أهدى ليطابق الترجمة.
٢٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) أبو محمد الحجبي البصري قال: (حدّثنا خالد بن الحرث) الهجيمي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن هشام بن زيد) بن أنس بن مالك الأنصاري (عن أنس بن مالك ﵁ أن يهودية) اسمها زينب واختلف في إسلامها (أتت النبي ﷺ ¬) في خيبر (بشاة مسمومة) وأكثرت من السمّ في الذراع لما قيل لها إنه ﵊ يحبها (فأكل منها) وأكل معه بشر بن البراء ثم قال: لأصحابه أمسكوا فإنها مسمومة (فجيء بها) أي باليهودية فاعترفت (فقيل: ألا نقتلها؟ قال) ﵊:
(لا) لأنه كان لا ينتقم لنفسه ثم مات بشر فقتلها به قصاصًا. قال أنس (فما زلت أعرفها) أي تلك الأكلة (في لهوات رسول الله ﷺ ¬) بفتح اللام والهاء والواو جمع لهاة وهي اللحمة المعلقة في أصل الحنك، وقيل: هي ما بين منقطع اللسان إلى منقطع أصل الفم ومراد أنس ﷺ كان يعتريه المرض من تلك أكلة أحيانًا، ويحتمل أنه كان يعرف ذلك في اللهوات بتغيّر لونها أو بنتو فيها أو تحفير قاله القرطبي فيما نقله عنه في فتح الباري.
٢٦١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً؟ أَوْ قَالَ: أَمْ هِبَةً؟ قَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ. فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَودِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى. وَإيْمُ اللَّهِ مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ إِلاَّ وقَدْ حَزَّ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَاهدِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتِ الْقَصْعَتَانِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْبَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ".
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا المعتمر بن سليمان) بن طرخان التيمي البصري (عن أبيه) سليمان (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل بلام مشددة والميم مثلثة النهدي بفتح النون وسكون الهاء مشهور بكنيته مخضرم عاش مائة وثلاثين سنة أو
أكثر (عن عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق (﵄) أنه (قال: كنّا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة فقال) له (النبي ﷺ ¬):
(هل مع أحد منكم طعام فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه) بالرفع عطفًا على صاع والضمير للصاع (فعجن ثم جاء رجل مشرك) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه ولا على اسم صاحب الصاع (مشعان) بضم الميم وسكون الشين المعجمة وبعدها عين مهملة آخره نون مشددة (طويل) زاد المستملي جدًّا فوق الطول ويحتمل أن يكون تفسيرًا للمشعان وقال: القزاز المشعان الجافي الثائر الرأس، وقال غيره: طويل شعر الرأس جدًّا البعيد العهد بالدهن الشعث، وقال القاضي: ثائر الرأس متفرقه: (بغنم يسوقها فقال النبي ﷺ ¬) له (بيعًا) نصب بفعل مقدّر أي أتبيع بيعًا أو الحال أي أتدفعها بائعًا (أم عطية) (أو قال): ﵊ (أم هبة) عطف على المنصوب السابق والشك من الراوي (قال) المشرك (لا) ليس هبة (بل) هو (بيع) أي مبيع وأطلق عليه بيعًا باعتبار ما يؤول إليه (فاشترى) ﵊ (منه) أي من المشرك (شاة) وللكشميهني
стр. 1806
بمنها أي من الغنم شاة (فصنعت) أي ذبحت (وأمر النبي ﷺ بسواد البطن) منها وهو كبدها أو كل ما في بطنها من كبد وغيرها لكن الأول أبلغ في المعجزة (أن يشوى وإيم الله) بوصل الهمزة قسم (ما في الثلاثين والمائة) الذين كانوا معه ﵊ (إلا وقد حزّ النبي ﷺ ¬) بفتح الحاء المهملة أي قطع (له حزة) بضم الحاء المهملة أي قطعة (من سواد بطنها وإن كان شاهدًا أعطاها إياه) قال: الحافظ ابن حجر أي أعطاه إياها فهو من القلب، وقال العيني: أي أعطى الحزة الشاهد أي الحاضر ولا حاجة إلى دعوى القلب بل العبارتان سواء في الاستعمال (وإن كان غائبًا خبأ له) منها (فجعل منها) أي من الشاة (قصعتين فأكلوا أجمعون) تأكيد للضمير الذي في أكلوا أي أكلوا من القصعتين مجتمعتين عليهما فيكون فيه معجزة أخرى لكونهما وسعتا أيدي القوم كلهم أو المراد أنهم أكلوا منها في الجمعة من الاجتماع والافتراق (وشبعنا ففضلت القصعتان فحملناه) أي الطعام الذي فضل، وفي رواية المصنف في الأطعمة وفضل في القصعتين ولغير أبي ذر: فحملنا بإسقاط ضمير المفعول (على البعير أو كما قال): شك من الراوي، وفي هذا الحديث معجزة تكثير سواد البطن حتى وسع هذا العدد وتكثير الصاع ولحم الشاة حتى أشبعهم أجمعين وفضلت منهم فضلة حملوها لعدم حاجة أحد إليها.
وهذا الحديث مضى مختصرًا في البيع، ويأتي في الأطعمة إن شاء الله تعالى.
٢٩ - باب الْهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَْ﴾ [الممتحنة: ٨].
(باب الهدية للمشركين وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على الهدية في سورة الممتحنة (﴿لا ينهاكم الله عن﴾) الاحسان إلى الكفرة (﴿الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾) قال ابن كثير: كالنساء والضعفة منهم (﴿ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم﴾) أي تحسنوا إليهم وتصلوهم (﴿وتقسطوا إليهم﴾) [الممتحنة: ٨] قال السمرقندي: تعدلوا معهم بوفاء عهدهم زاد أبو ذر إن الله يحب المقسطين أي العادلين.
٢٦١٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "رَأَى عُمَرُ حُلَّةً عَلَى رَجُلٍ تُبَاعُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : ابْتَعْ هَذِهِ الْحُلَّةَ تَلْبَسْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِذَا جَاءَكَ الْوَفْدُ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا بِحُلَلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، تَبِيعُهَا أَوْ تَكْسُوهَا. فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ".
وبه قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم وسكون المعجمة أبو الهيثم البجلي القطواني بفتح القاف والطاء الكوفي خالد: (حدّثنا سليمان بن بلال) التيمي مولاهم أبو محمد المدني قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: رأى عمر) أبوه (حلة) زاد في رواية نافع السابقة سيراء (على رجل) هو عطارد بن حاجب (تباع) أي عند باب المسجد كما في رواية نافع (فقال) عمر (للنبي ﷺ ابتع) اشتر (هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة) بجزم تلبسها في الفرع وأصله (وإذا جاءك الوفد فقال): ﵊:
(إنما يلبس هذه) أي الحلة ولغير أبي بذر هذا أي الحرير (من لا خلاق) أي لا حظ (له) منه (في الآخرة) (فأتي رسول الله ﷺ منها بحلل فأرسل إلى عمر منها بحلة فقال عمر) له ﵊ (كيف ألبسها وقد قلت فيها) وفي رواية نافع وقد قلت في حلّة عطارد (ما قلت. قال): ﵊ ولأبوي ذر والوقت فقال: (إني لم أكسكها لتلبسها تبيعها أو تكسوها) بالرفع (فأرسل بها) أي بالحلة (عمر إلى أخ له) من الرضاعة اسمه عثمان بن حكيم (من أهل مكة) زاد نافع مشركًا (قبل أن يسلم) لم يقل نافع قبل أن يسلم.
٢٦٢٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: "قَدِمَتْ عَلَىَّ أُمِّي وَهْيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهْيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ".
[الحديث ٢٦٢٠ - أطرافه في: ٣١٨٣، ٥٩٧٨، ٥٩٧٩].
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا واسمه عبد الله الهباري بفتح الهاء وتشديد الموحدة قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثي (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن أسماء بنت أبي بكر) الصدّيق (﵄) أنها (قالت) ولأبوي ذر والوقت، قلت يا رسول الله (قدمت عليّ أمي) قتيلة بالقاف والفوقية مصغرًا بنت عبد العزى بن سعد زاد الليث عن هشام في الأدب مع ابنها واسمه كما ذكره الزبير الحرث بن مدركة. قال الحافظ ابن حجر: ولم أرَ له ذكرًا في الصحابة فكأنه مات مشركًا، وفي رواية ابن سعد وأبي داود الطيالسي والحاكم من حديث عبد الله بن
стр. 1807
الزبير قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في الهدنة وكان أبو بكر طلّقها في الجاهلية بهدايا زبيب وسمن وقرظ فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها (وهي مشركة) جملة حالية (في عهد رسول الله ﷺ ¬) في زمنه (فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت) وفي رواية حاتم بن إسماعيل في الجزية فقلت يا رسول الله (إن أمي قدمت وهي راغبة) في شيء تأخذه أو عن ديني أو في القرب مني ومجاورتي والتودّد إليّ لأنها ابتدأت أسماء بالهدية، ورغبت منها في المكافأة لا الإسلام لأنه لم يقع في شيء من الروايات ما يدل على إسلامها ولو حمل قوله راغبة أي في الإسلام لم يستلزم إسلامها فلذا لم يصب من ذكرها في الصحابة، وأما قول الزركشي ورُوِيَ راغمة بالميم أي كارهة للإسلام ساخطة له فيوهم أنه رواية في البخاري وليس كذلك بل هي رواية عيسى بن يونس عن هشام عند أبي داود والإسماعيلي (أفأصل أمي قال): ﵊:
(نعم صلّى أمك) زاد في الأدب عن الحميدي عن ابن عيينة قال ابن عيينة: فأنزل الله فيها ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ [الممتحنة: ٨].
٣٠ - باب لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِِ
هذا (باب) بالتنوين (لا يحل لأحد أن يرجع في هبته) التي وهبها (و) لا في (صدقته) التي تصدق بها.
٢٦٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ».
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي الفراهيدي بالفاء أبو عمرو البصري قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (وشعبة) بن الحجاج (قالا: حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن سعيد بن المسيب) بفتح التحتية (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (العائد في هبته كالعائد في قيئه) زاد أبو داود في آخره قال: همام قال: قتادة ولا أعلم القيء إلا حرامًا.
٢٦٢٢ - وحَدَّثَني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر وحدّثني بالإفراد وواو العطف (عبد الرحمن بن المبارك) ليس أخا عبد الله بن المبارك المشهور بل هو العيشي بتحتية ومعجمة البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري بفتح المثناة وتشديد النون قال: (حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ليس لنا) وفي رواية: منّا.
(مثل السوء) بفتح السين ومثل بفتح الميم والمثلثة (الذي يعود في هبته) أي العائد في هبته
(كالكلب يرجع في قيئه) زاد مسلم من رواية أبي جعفر محمد بن علي الباقر عنه فيأكله وله في رواية
بكير إنما مثل الذي يتصدق بصدقة ثم يعود في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يأكل قيأه، والمعنى
كما قال البيضاوي: لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتّصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخسّ الحيوانات
في أحوالها. قال في الفتح: ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك وأدلّ على التحريم مما لو قال: مثلاً
لا تعودوا في الهبة. قال النووي: هذا المثل ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضهما
وهو محمول على هبة الأجنبي لا ما وهب لولده وولد ولده كما صرّح به في حديث النعمان، وهذا
مذهب الشافعي ومالك، وقال الحنفية: يكره الرجوع فيها لحديث الباب ولا يحرم لأن فعل الكلب
يوصف بالقبح لا بالحرمة فيجوز الرجوع فيما يهبه لأجنبي بتراضيهما أو بحكم حاكم لقوله عليه
الصلاة والسلام: "الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها" أي ما لم يعوض عنها.
٢٦٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي المكي قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم مولى عمر بن الخطاب أنه (قال: سمعت عمر بن الخطاب- ﵁ يقول، حملت على فرس) أي تصدقت به ووهبته بأن يقاتل عليه (في سبيل الله) واسمه الورد وكان للنبي ﷺ أعطاه له تميم الداري فأعطاه عمر (فأضاعه الذي كان عنده) بتقصيره في خدمته ومؤونته قال: عمر (فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النبي ﷺ فقال):
(لا تشتره) نهي للتنزيه (وإن أعطاكه بدرهم واحد) قال في الفتح: ويستفاد منه أنه لو وجده مثلاً يباع بأغلى من ثمنه ولم يتناوله النهي (فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) الفاء في فإن العائد للتعليل أي
стр. 1808
كما يقبح أن يقيء ثم يأكل كذلك يقبح أن يتصدّق بشيء ثم يجره إلى نفسه بوجه من الوجوه.
٣١ - باب
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة وهو كالفصل من السابق.
٢٦٢٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: "أَنَّ بَنِي صُهَيْبٍ مَوْلَى بْنِ جُدْعَانَ ادَّعَوْا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى ذَلِكَ صُهَيْبًا، فَقَالَ مَرْوَانُ مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ. فَدَعَاهُ، فَشَهِدَ لأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صُهَيْبًا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفرّاء الرازي المعروف بالصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني اليمني قاضيها (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام وتصغير عبد الثاني المكي (أن بني صهيب) بضم المهملة وفتح الهاء ابن سنان الرومي لأن الروم سبوه صغيرًا وبنوه هم حمزة وحبيب وسعد وصالح وصيفي وعباد وعثمان ومحمد (مولى ابن جدعان) بضم الجيم وسكون المهملة عبد الله بن عمرو بن جدعان كان اشتراه بمكة من رجل من كلب وأعتقه، وقيل بل هرب من الروم فقدم مكة فحالف فيها ابن جدعان وللكشميهني في نسخة والحموي: بني جدعان (ادعوا) أي بنو صهيب عند مروان (بيتين) تثنية بيت (وحجرة) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم الموضع المنفرد في الدار (أنّ رسول الله ﷺ أعطى ذلك) الذي ادعوه من البيتين والحجرة أباهم (صهيبًا فقال مروان: من يشهد لكما على ذلك) الذي ادّعيتماه وعبر بالتثنية وفي البقية بالجمع فيحمل على أن الذي تولى الدعوى منهم اثنان برضا الباقين فخاطبهما مروان بالتثنية لأن الحاكم لا يخاطب إلاّ المدّعي وعند الإسماعيلي، فقال مروان: من يشهد لكم بصيغة الجمع (قالوا) كلهم يشهد بذلك (ابن عمر) عبد الله (فدعاه) مروان (فشهد لأعطى رسول الله ﷺ ¬) بفتح لام لأعطى. قال الكرماني: كأنه جعل للشهادة حكم القسم أو يقدر قسم أي والله لأعطى ﵊ (صهيبًا بيتين وحجرة) وهي التي ادّعى بها (فقضى مروان بشهادته لهم) أي بشهادة ابن عمر وحده لبني صهيب بالبيتين والحجرة.
فإن قيل: كيف قضى شهادته وحده؟ أجاب ابن بطال: بأنه إنما قضى لهم بشهادته ويمينهم،
وتعقب بأنه لم يذكر ذلك في الحديث، بل عبّر عن الخبر بالشهادة والخبر يؤكد بالقسم كثيرًا وإن كان السامع غير منكر ولو كانت شهادة حقيقة لاحتاج إلى شاهد آخر ولا يخفى ما في هذا فليتأمل.
والقاعدة المستمرة تنفي الحكم بشهادة الواحد فلا بدّ من اثنين أو شاهد ويمين فالحمل على هذا أولى من حمله على الخبر وكون الشهادة غير حقيقية، وهذا الحديث تفرّد به البخاري.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذر في اليونينية قال ابن حجر: وثبتت للأصيلي وكريمة قبل الباب.
٣٢ - باب مَا قِيلَ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى
أعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهْيَ عُمْرَى: جَعَلْتُهَا لَهُ. ﴿اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] جَعَلَكُمْ عُمَّارًا.
(باب ما قيل) أي ورد (في العمرى) بضم العين المهملة وسكون الميم مع القصر مأخوذة من العمر (والرقبى) بوزنها مأخوذة من الرقوب لأن كلاًّ منهما يرقب موت صاحبه وكانا عقدين في الجاهلية وتفسير العمري أن يقول الرجل لغير (أعمرته الدار فهي عمرى) أي (جعلتها له) ملكًا مدة عمره وتكون هبة ولو زاد فإن متّ فهي لورثته فهبة أيضًا طوّل فيها العبارة (استعمركم فيها) أي (جعلكم عمارًا) هذا تفسير أبي عبيدة في المجاز وقال غيره استعمركم أطال أعماركم أو أذن لكم في عمارتها واستخراج قوتكم منها.
٢٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن جابر ﵁) أنه (قال: قضى النبي ﷺ بالعمرى أنها) أي حكم في العمرى بأنها (لمن وهبت له) بضم الواو مبنيًّا للمفعول زاد مسلم في رواية الزهري عن أبي سلمة لا ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، وله من طريق الليث عن الزهري فقد قطع قوله حقه فيها وهي لمن أعمر ولعقبه فلو قال: إن متّ عاد إليّ أو إلى ورثتي إن متّ صحّت الهبة ولغا الشرط لأنه فاسد ولإطلاق الحديث.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الفرائض وأبو داود في البيوع والترمذي وابن ماجة في الأحكام والنسائي في العمرى.
٢٦٢٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ».
وقال عطاءٌ: حدّثني جابرٌ عنِ النبى- ﷺ … مثلَه.
وبه قال: (حدّثنا حفص بن
стр. 1809
عمر) الحوضي قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى الشيباني البصري قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (قال: حدّثني) بالإفراد (النضر بن أنس) الأنصاري (عن بشير بن نهيك) بفتح الموحدة وكسر المعجمة ونهيك بفتح النون وكسر الهاء السلولي (عن أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(العمرى جائزة) أي للمعمر بفتح الميم ولورثته من بعده لا حق للمعمر فيها.
(وقال عطاء) هو ابن أبي رباح بالإسناد السابق الموصول إلى قتادة (حدّثني) بالإفراد (جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (عن النبي ﷺ نحوه) أي نحو حديث أبي هريرة ﵁، ورواه مسلم عن قتادة عن عطاء بلفظ العمرى ميراث لأهلها، ولعله المراد بقوله نحوه لكن في رواية أبي ذر بلفظ مثله بدل نحوه قال النووي، قال أصحابنا: للعمرى ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقول أعمرتك هذه الدار فإذا متّ فهي لورثتك أو لعقبك فتصح بلا خلاف ويملك رقبة الدار وهي هبة فإذا مات فالدار لورثته، وإلاّ فلبيت المال ولا تعود إلى الواهب بحال.
ثانيها: أن يقتصر على قوله جعلتها لك عمرى ولا يتعرّض لما سواه ففي صحته قولان للشافعي أصحهما وهو الجديد صحته.
ثالثها: أن يزيد عليه بأن يقول فإن متّ عادت إليّ ولورثتي إن متّ ولغا الشرط. وقال أحمد:
تصحّ العمرى المطلقة دون المؤقتة، وقال مالك العمرى في جميع الأحوال تمليك لمنافع الدار مثلاً ولا تملك فيها رقبتها بحال، ومذهب أبي حنيفة كالشافعية ولم يذكر المؤلّف في الرقبى المذكورة في جملة الترجمة شيئًا فلعله يرى اتحادهما في المعنى كالجمهور، وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفًا: العمرى والرقبى سواء وقد منعها مالك وأبو حنيفة ومحمد خلافًا للجمهور ووافقهم أبو يوسف.
وللنسائي من طريق إسرائيل عن عبد الكريم عن عطاء قال: نهى رسول الله ﷺ عن العمرى والرقبى. قلت: وما الرقبى؟ قال: "يقول الرجل للرجل هي لك حياتك فإن فعلتم فهو جائز" أخرجه مرسلاً.
وأخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر مرفوعًا "لا عمرى ولا رقبى فمن أعمر شيئًا أو أرقبه فهو له حياته ومماته" ورجاله ثقات. لكن اختلف في سماع حبيب له من ابن عمر فصرّح به النسائي في طريق ونفاه في طريق أخرى.
وأجيب: بأن معناه لا عمرى بالشروط الفاسدة على ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الرجوع أي فليس لهم العمرى المعروفة عندهم المقتضية للرجوع فأحاديث النهي محمولة على الإرشاد.
٣٣ - باب مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الْفَرَسَ
(باب من استعار من الناس الفرس) زاد أبو ذر والدابة، وزاد الكشميهني وغيرها قال الحافظ ابن حجر: وثبت مثله لابن شبويه لكن قال وغيرهما بالتثنية وعند بعض الشرّاح قبل الباب كتاب العارية ولم أره لغيره والعارية بتشديد الياء وقد تخفّف وفيها لغة ثالثة عارة بوزن غارة وهي اسم لما بعار مأخوذ من عار إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف عيار لكثرة ذهابه ومجيئه، وقيل من التعاور وهو التناوب. وقال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار لأن طلبها عار وعيب وحقيقتها شرعًا إباحة الانتفاع بما يحلّ الانتفاع به مع بقاء عينه والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٧] فسّره جمهور المفسرين بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض.
٢٦٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: "كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ فَرَكِبَه، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَىْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا".
[الحديث ٢٦٢٧ - أطرافه في: ٢٨٢٠، ٢٨٥٧، ٢٨٦٢، ٢٨٦٦، ٢٨٦٧، ٢٩٠٨، ٢٩٦٨، ٢٩٦٩، ٣٠٤٠، ٦٠٣٣، ٦٢١٢].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة أنه (قال: سمعت أنسًا) هو ابن مالك ﵁ (يقول: كان فزع) بفتح الفاء والزاي خوف من العدوّ (بالمدينة فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة) زيد بن سهل زوج أم أنس (يقال له المندوب) زاد في الجهاد من طريق سعيد عن قتادة كان يقطف أو كان فيه قطاف بالشك أي بطيء المشي. وقال ابن الأثير: المندوب أي المطلوب وهو من الندب الرهن الذي يجعل في السباق، وقيل سمي به لندب كان في جسمه وهو أثر الجرح، وقال عياض: يحتمل أنه لقب أو اسم بعير كسائر الأسماء (فركبه) عليه الصلاة
стр. 1810
والسلام زاد في رواية جرير بن حازم عن محمد عن أنس في الجهاد، ثم خرج يركض وحده فركب الناس يركضون خلفه (فلما رجع قال):
(ما رأينا من شيء) يوجب الفزع (وإن وجدناه) أي الفرس (لبحرًا) أي واسع الجري ومنه سمي البحر بحرًا لسعته، وتبحر فلان في العلم إذا اتسع فيه، وقيل شبّهه بالبحر لأن جريه لا ينفذ كما لا ينفذ ماء البحر. قال الخطابي: وإن هنا نافية واللام بمعنى إلا أي ما وجدناه إلا بحرًا، وعليه اقتصر الزركشي قال في التوضيح: وهو قصور وهذا إنما هو مذهب كوفي ومذهب البصريين أن إن مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية انتهى، وقد سبقه إليه ابن التين.
قال الحافظ ابن حجر: وفي رواية المستملي وإن وجدنا بحذف الضمير، وفي رواية حماد عن ثابت عن أنس في الجهاد أيضًا استقبلهم النبي ﷺ على فرس عري ما عليه سرج وفي عنقه سيف.
وأخرجه الإسماعيلي عن حماد وفي أوّله فزع أهل المدينة ليلة فتلقاهم النبي ﷺ قد سبقهم إلى الصوب ___ وهو على فرس بغير سرج واستدلّ به على مشروعية العارية وكانت كما قاله الروياني واجبة أول الإسلام للآية السابقة، ثم نسخ وجوبها فصارت مستحبة أي أصالة فقد تجب كإعارة الثوب لدفع حرّ أو برد وإعارة الخيل لإنقاذ غريق والسكين لذبح حيوان محترم يخشى موته وقد تحرم كإعارة الصيد من المحرم والأمة من الأجنبي، وقد تكره كإعارة العبد المسلم من كافر، ويشترط في المعير أن يملك المنفعة فتصحّ الإعارة من المستأجر لا من المستعير لأنه غير مالك لها، وإنما أبيح له الانتفاع لكن للمستعير استيفاء المنفعة بنفسه وبوكيله كأن يركب الدابة المستعارة وكيله في حاجته أو زوجته أو خادمه لأن الانتفاع راجع إليه بواسطة المباشر وحكم العارية إذا تلفت في يد المستعير بآفة سماوية أو أتلفها هو أو غيره ولو بلا تقصير الضمان لحديث أبي داود وغيره العارية مضمونة ولأنها مال يجب ردّه لمالكه فيضمن عند تلفه كالمأخوذ بجهة السوم، فإن تلفت باستعمال ماذون فيه كاللبس والركوب المعتادين لم يضمن لحصول التلف بسبب مأذون فيه.
٣٤ - باب الاِسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ الْبِنَاءِ
(باب الاستعارة للعروس) نعت يستوي فيه الذكر والأُنثى ما داما في أعراسهما (عند البناء) أي الزفاف، وقال ابن الأثير: الدخول بالزوجة، وقيل له بناء لأنهم كانوا يبنون لمن يتزوّج قبّة ليدخل بها فيها ثم أطلق ذلك على التزويج.
٢٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِي الْبَيْتِ. وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلاَّ أَرْسَلَتْ إِلَىَّ تَسْتَعِيرُه".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عبد الواحد بن أيمن) بفتح الهمزة وسكون التحتية وبعد الميم المفتوحة نون المخزومي المكّي قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) أيمن الحبشي (قال: دخلت على عائشة ﵂ وعليها درع قطر) بكسر الدال وسكون الراء قميص المرأة وقطر بكسر القاف وسكون الطاء ثم راء مع إضافة درع لقطر ضرب من برود اليمن غليظ فيه بعض الخشونة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قطن بضم القاف وآخره نون والجملة حالية (ثمن خمسة دراهم) برفع ثمن وجر خمسة في الفرع وأصله وغيرهما من الأصول المعتمدة التي وقفت عليها. وقال في الفتح: ثمن بالنصب بنزع الخافض وخمسة بالجر على الإضافة أو ثمن خمسة بالرفع فيهما على حذف الضمير أي ثمنه خمسة دراهم ويروى ثمن بضم المثلثة وتشديد الميم المكسورة على صيغة المجهول من الماضي وخمسة بالنصب بنزع الخافض أي قوّم بخمسة دراهم قال: ووقع في رواية ابن شبويه وحده خمسة الدراهم.
(قالت ارفع بصرك إلى جاريتي) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف اسمها (انظر إليها) بلفظ الأمر (فإنها تزهى) بضم أوّله وفتح ثالثه تتكبر (أن تلبسه في البيت) يقال: زهى الرجل إذا تكبر وأعجب بنفسه وهو من الأفعال التي لم ترد إلا مبنية لما لم يسم فاعله وإن كان بمعنى الفاعل مثل عني بالأمر ونتجت الناقة، لكن قال في الفتح: إنه رآه في رواية أبي ذر تزهى بفتح أوّله، وقد حكاها ابن دريد لكن قال الأصمعي: لا يقال بالفتح (وقد كان لي منهن) أي من الدروع (درع على عهد رسول الله ﷺ ¬) أي في زمنه
стр. 1811
وأيامه (فما كانت امرأة تقين) بضم حرف المضارعة وفتح القاف وتشديد التحتية آخره نون مبنيًّا للمفعول أي تزين. قال صاحب الأفعال: قان الشيء قيانة أصلحه وقيل تجلى على زوجها (بالمدينة إلا أرسلت إليّ تستعيره) أي ذلك الدرع لأنهم كانوا إذ ذاك في حال ضيق فكان الشيء الخسيس عندهم نفيسًا.
وهذا الحديث تفرّد به البخاري وفيه من الفوائد ما لا يخفى فتأمله.
٣٥ - باب فَضْلِ الْمَنِيحَةِ
(باب فضل المنيحة) بفتح الميم والحاء المهملة بينهما نون مكسورة فمثناة تحتية ساكنة الناقة. أو الشاة تعطيها غيرك يحتلبها ثم يردّها عليك والمنحة بالكسر العطية وسقط لفظ باب في رواية أبي ذر ففضل مرفوع حينئذٍِ.
٢٦٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ الْمَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ».
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَإِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: "نِعْمَ الصَّدَقَةُ … ".
[الحديث ٢٦٢٩ - طرفه في: ٥٦٠٨].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو ابن عبد الله بن بكير ونسبه لجد لشهرته به المخزومي قال: (حدّثنا مالك) الإمام الأعظم (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(نعم المنيحة) الناقة (اللقحة) بكسر اللام وسكون القاف والرفع صفة لسابقها الملقوحة وهي ذات اللبن القريبة العهد بالولادة (الصفي) بفتح الصاد وكسر الفاء صفة ثانية لكثيرة اللبن واستعمله بغير هاء. قال الكرماني: لأنه إما فعيل أو فعول يستوي فيه المذكر والمؤنث وتعقبه العيني بأن قوله إما فعيل غير صحيح لأنه من معتل اللام والواوي دون اليائي. وقال في المصابيح: والأشهر استعمالها بغير هاء. قال العيني: ويروى أيضًا الصفية (منحة) نصب على التمييز قال ابن مالك في
التوضيح: فيه وقوع التمييز بعد فاعل نعم ظاهرًا وقد منعه سيبويه إلا مع إضمار الفاعل نحو ﴿بئس للظالمين بدلاً﴾ [الكهف: ٥٠] وجوّزه المبرد وهو الصحيح انتهى. وقال في المصابيح: يحتمل أن يقال إن فاعل نعم في الحديث مضمر والمنيحة الموصوفة بما ذكر هي المخصوص بالمدح ومنحة تمييز تأخر عن المخصوص فلا شاهد فيه على ما قال ولا يرد على سيبويه حيئنذٍ.
(والشاة الصفي) صفة وموصوف عطف على ما قبله (تغدو بإناء وتروح بإناء) أي تحلب إناء بالغداة وإناء بالعشي أو تغدو بأجر حلبها في الغدو والرواح والمنحة من باب الصلاة لا من باب الصدقات.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (وإسماعيل) بن أبي أويس (عن مالك) أنه (قال) في روايته للحديث السابق (نعم الصدقة) أي اللقحة الصفي منحة قال: في الفتح وهذا هو المشهور عن مالك وكذا رواه شعيب عن أبي الزناد كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأشربة أي بلفظ الصدقة.
٢٦٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالْعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ وَيَكْفُوهُمُ الْعَمَلَ وَالْمَؤونَةَ. وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمُّ أَنَسٍ أُمُّ سُلَيْمٍ كَانَتْ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِذَاقًا، فَأَعْطَاهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ فَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ مِنْ ثِمَارِهِمْ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُمِّهِ عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ".
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ بِهَذَا وَقَالَ: "مَكَانَهُنَّ مِنْ خَالِصِه".
[الحديث ٢٦٣٠ - أطرافه ٣١٢٨، ٤٠٣٠، ٤١٢٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا ابن وهب) عبد الله المصري قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: لما قدم المهاجرون المدينة من مكة وليس بأيديهم يعني شيئًا) وسقط لأبي ذر: يعني شيئًا (وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار) بالخفض عطفًا على السابق وجواب لما قوله (فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كل عام ويكفوهم العمل والمؤونة) في الزراعة والمنفي في حديث أبي هريرة السابق في المزارعة حيث قالوا: قسم بيننا وبين إخواننا النخل قال: لا مقاسمة الأصول، والمراد هنا مقاسمة الثمار، (وكانت أمه أم أنس) بدل من أمه والضمير فيه يعود على أنس واسمها
سهلة وهي (أم سليم) بضم السين مصغرًا بدل من المرفوع السابق أيضًا و (كانت أم عبد الله بن أبي طلحة) أيضًا فهو أخو أنس لأمه. قال في الفتح: والذي يظهر أن قائل ذلك الزهري عن أنس لكن بقية السياق تقتضي أنه من رواية الزهري عن أنس فيكون من باب التجريد كأنه ينتزع من نفسه شخصًا فيخاطبه (فكانت أعطت) أي وهبت (أم أنس رسول الله ﷺ عذاقًا) بكسر العين المهملة وتخفيف الذال المعجمة جمع عذق بفتح العين وسكون الذال النخلة نفسها أو إذا كان حملها موجودًا والمراد ثمرها ولأبي ذر عذاقًا بفتح العين (فأعطاهن) أي النخلات (النبي ﷺ أم أيمن)
стр. 1812
بركة (مولاته) وحاضنته (أم أسامة بن زيد) مولاه ﵊ وهو أخو أيمن بن عبيد الحبشي لأمه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في المغازي والنسائي في المناقب.
(قال ابن شهاب) الزهري بالسند السابق (فأخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك) ﵁ (أن النبي ﷺ لما فرغ من قتل) وللأصيلي من قتال (أهل خيبر فانصرف إلى المدينة ردّ المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم) لاستغنائهم بغنيمة خيبر (فردّ النبي ﷺ إلى أمه) هي أم أنس أم سليم (عذاقها) بكسر العين ولأبي ذر عذاقها بفتحها أي الذي كانت أعطته وأعطاه هو لأم أيمن (وأعطى) بالواو ولأبي ذر فأعطى (رسول الله ﷺ أم أيمن) مولاته (مكانهن) أي بدلهن (من حائطه) أي بستانه.
(وقال أحمد بن شبيب) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة الأولى البصري: (أخبرنا أبي) شبيب بن سعيد الحبطي بفتح الحاء المهملة والموحدة البصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (بهذا) الحديث متنًا وإسنادًا (وقال: مكانهنّ) فوافق ابن وهب إلا في قوله من حائطه فقال (من خالصه) أي خالص ماله وفي مسلم من طريق سليمان التيمي عن أنس أن الرجل كان يجعل للنبي ﷺ النخلات من أرضه حتى فتحت عليه قريظة والنضير فجعل بعد ذلك يردّ عليه ما كان أعطاه. قال أنس: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أم أيمن فأتيت النبي ﷺ فأعطانيهن فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وقالت: والله لا أعطيكهن وقد أعطانيهن فقال نبي الله ﷺ : "يا أم أيمن اتركيه ولك كذا وكذا" وتقول كلاّ والله الذي لا إله إلا هو فجعل يقول كذا وكذا حتى أعطاها عشرة أمثاله أو قريبًا من عشرة أمثاله، وإنما فعلت ذلك لأنها ظنت أنها هبة مؤبدة وتمليك الأصل الرقبة، فأراد ﷺ استطابة قلبها في استرداد ذلك فما زال يزيدها في العوض حتى رضيت تبرعًا منه ﷺ وإكرامًا لها من حق الحضانة زاده الله شرفًا وتكريمًا.
٢٦٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ يَقُول: ُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْبَعُونَ
خَصْلَةً -أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ- مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ».
قَالَ حَسَّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ -مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ- فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عيسى بن يونس) الهمداني قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن (عن حسان بن عطية) الشامي (عن أبي كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة وفتح الشين المعجمة (السلولي) بفتح السين المهملة وضم اللام الأولى أنه (قال: سمعت عبد الله بن عمرو) هو ابن العاص (﵄ يقول قال: رسول الله ﷺ ¬):
(أربعون خصلة) مبتدأ ولأحمد أربعون حسنة بدل خصلة وقوله (أعلاهن) مبتدأ ثانٍ خبره (منيحة العنز) الأُنثى من المعز والجملة خبر المبتدأ الأول (ما من عامل يعمل بخصلة منها) أي من الأربعين (رجاء ثوابها) بنصب رجاء على التعليل وكذا قوله (وتصديق موعودها إلا أدخله الله) (بها الجنة) (قال حسان) هو ابن عطية راوي الحديث بالسند السابق (فعددنا ما دون منيحة العنز من ردّ السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه) مما وردت به الأحاديث (فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة) قال ابن بطال: ما أبهمها ﵊ إلا لمعنى هو أنفع من ذكرها وذلك والله أعلم خشية أن يكون التعيين والترغيب فيها مزهدًا في غيرها من أبواب الخير، وقول حسان: فما استطعنا ليس بمانع أن يوجد غيرها ثم عدد خصالاً كثيرة، تعقبه ابن المنير في بعضها فقال: التعداد سهل، ولكن الشرط صعب وهو أن يكون كل ما عدّده من الخصال دون منيحة العنز ولا يتحقق فيما عدّده ابن بطال بل هو منعكس، وذلك أن من جملة ما عدّده نصرة المظلوم والذبّ عنه ولو بالنفس وهذا أفضل من منيحة العنز والأحسن في هذا أن لا يعدّ لأن النبي ﷺ أبهمه وما أبهمه الرسول كيف يتعلق الأمل ببيانه من غيره مع أن الحكمة في إبهامه أن لا يحتقر شيء من وجوه البرّ وإن قلّ.
وهذا
стр. 1813
الحديث أخرجه أبو داود في الزكاة.
٢٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "كَانَتْ لِرِجَالٍ مِنَّا فُضُولُ أَرَضِينَ، فَقَالُوا: نُؤَاجِرُهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي بكسر الموحدة قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن قال: (حدّثني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح ولأبي ذر عن عطاء (عن جابر) هو ابن
عبد الله (﵁) وعن أبيه أنه (قال: كانت لرجال منّا فضول أرضين) بفتح الراء (فقالوا نؤاجرها بالثلث والربع والنصف) بما يخرج منها والواو في الموضعين بمعنى أو (فقال النبي ﷺ ¬):
(مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها) بفتح الياء والنون والجزم على الأمر فيهما أي يعطها (أخاه) المسلم (فإن أبى) امتنع (فليمسك أرضه) وسقط لفظ أخاه في هذا الحديث في باب: ما كان أصحاب النبي ﷺ يواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمرة والغرض منه هنا قوله أو ليمنحها أخاه.
٢٦٣٣ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، إِنَّ الْهِجْرَةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتُعْطِي صَدَقَتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا".
(وقال محمد بن يوسف) البيكندي مما وصله الإسماعيلي وأبو نعيم قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن قال: (حدّثني) بالإفراد (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عطاء بن يزيد) من الزيادة الليثي قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (أبو سعيد) الخدري ﵁ (قال: جاء أعرابي إلى النبي) ولأبي ذر: إلى رسول الله (¬ ﷺ فسأله عن الهجرة) أي أن يبايعه على الإقامة بالمدينة ولم يكن من أهل مكة الذين وجبت عليهم الهجرة قبل الفتح (فقال) له ﵊:
(ويحك) كلمة ترحم وتوجع لمن وقع في هلكة لا يستحقها (إن الهجرة شأنها) أي القيام بحقها (شديد) لا يستطيع القيام به إلا القليل (فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال) ﵊ له (فتعطي صدقتها) المفروضة؟ (قال: نعم قال) ﵊ (فهل تمنح) بفتح النون وكسرها له في الفرع كالصحاح (منها شيئًا قال: نعم) وهذا موضع الترجمة فإن فيه إثبات فضيلة المنيحة (قال): ﵊ (فتحلبها يوم وردها) بكسر الواو وفي اليونينية بفتحها ولعله سبق قلم وفي النسخة المقروءة على الميدومي ورودها أي يوم نوبة شربها لأن الحلب يومئذ أوفق للناقة وأرفق للمحتاجين (قال: نعم قال) ﵊ له (فاعمل من وراء البحار) بموحدة ومهملة أي من وراء القرى والمدن، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: من وراء التجار المثناة الفوقية وبالجيم بدل الموحدة والحاء (فإن الله لن يترك) بفتح المثناة التحتية وكسر الفوقية أي لن ينقصك (من) ثواب (عملك شيئًا).
وهذا الحديث سبق في الزكاة في باب زكاة الإبل.
٢٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَعْلَمُهُمْ بِذَاكَ -يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄- "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ تَهْتَزُّ زَرْعًا، فَقَالَ: لِمَنْ هَذِهِ؟ فَقَالُوا: اكْتَرَاهَا فُلَانٌ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا عبد الوهاب) هو ابن عبد المجيد البصري قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار المكي (عن طاوس) هو ابن كيسان اليماني أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (أعلمهم بذاك) ولأبي ذر: بذلك باللام وفي المزارعة قاله عمرو: قلت لطاوس لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ نهى عنها.
قال: أي عمرو وإني أعطيهم وأغنيهم وإن أعلمهم أخبرني (يعني ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خرج إلى أرض تهتز زرعًا) أي تتحرك بالنبات وترتاح لأجل الزرع (فقال) ﵊:
(لمن هذه) الأرض (فقالوا اكتراها فلان فقال) ﵊ (أما) بالتخفيف (أنه لو منحها) أي أعطاها المالك (إياه) أي فلانًا المكتري على سبيل المنحة (كان خيرًا له من أن يأخذ) أي من أخذه (عليها أجرًا معلومًا) لأنها أكثر ثوابًا وسبق هذا الحديث في المزارعة.
٣٦ - باب إِذَا قَالَ أَخْدَمْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ فَهْوَ جَائِزٌ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ عَارِيَّةٌ. وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ فَهذهِ هِبَةٌ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال) رجل لآخر (أخدمتك هذه الجارية على ما يتعارف الناس) أي على عرفهم في صدور هذا القول منهم أو على عرفهم في كون الإخدام هبة أو عارية (فهو جائز) جواب إذا (وقال بعض الناس) قال: الكرماني: قيل أراد به الحنفية (وهذه) الصفة المذكورة بقوله إذا قال: أخدمتك هذه الجارية مثلاً فهي (عارية) قال الحنفية: لأنه صريح في إعارة الاستخدام (وإن قال كسوتك هذا الثوب فهو) ولأبي ذر: فهذه (هبة) قال الله تعالى
стр. 1814
﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ (إلى قوله) ﴿أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٨٩] ولم تختلف الأمة أن ذلك تمليك للطعام والكسوة فلو قال: كسوتك هذا الثوب مدة معينة فله شرطه قاله ابن بطال وقال ابن المنير: الكسوة للتمليك بلا شك لأن ظاهرها الأصلي لا يراد إذ أصلها لمباشرة الإلباس لكنّا نعلم أن الغني إذا قال للفقير كسوتك هذا الثوب لا يعني أنني باشرت إلباسك إياه فإذا تعذّر حمله على الوضع حمل على العرف وهو العطية.
وقال الكرماني قوله: وإن قال كسوتك إلخ يحتمل أن يكون من تتمة قول الحنفية ومقصود المؤلّف منه أنهم تحكموا حيث قالوا ذلك عارية وهذا هبة، ويحتمل أن يكون عطفًا على الترجمة.
٢٦٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، فَأَعْطَوْهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ، وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً»؟ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال):
(هاجر إبراهيم) الخليل ﷺ (بسارّة) زوجته فدخل قرية فيها جبار من الجبابرة فقيل إن هاهنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال: ادعي الله لي ولا أضرّك فدعت الله فأطلق بعض حجبته (فأعطوها آجر) بهمزة بدل الهاء وفتح الجيم (فرجعت) سارّة إلى الخليل (فقالت) له (أشعرت أن الله) (كبت الكافر) أي صرفه وأذلّه (وأخدم) أي الكافر (وليدة) جارية أي وهبها لأجل الخدمة.
(وقال ابن سيرين) محمد مما هو موصول في أحاديث الأنبياء (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) (فأخدمها هاجر) غرض المؤلّف أن لفظ الإخدام للتمليك وكذلك الكسوة، لكن قال ابن بطال: استدلاله بقوله فأخدمها هاجر على الهبة لا يصح، وإنما صحّت الهبة في هذه القصة من قوله فأعطوها هاجر.
قال في فتح الباري: مراد البخاري أنه إن وجدت قرينة تدل على العرف حمل عليها فإن كان جرى بين قوم عرف في تنزيل الإخدام منزلة الهبة فأطلقه شخص وقصد التمليك نفذ، ومن قال هي عارية في كل حال فقد خالف والله أعلم.
وهذا الحديث قد مرّ بتمامه في البيع في باب شراء المملوك من الحربي وساق هنا قطعة منه.
وهاهنا فروع لو أعطى إنسان آخر دراهم وقال: اشترِ لك بها عمامة أو ادخل بها الحمام أو نحو ذلك تعينت لذلك مراعاة لغرض الدافع هذا إن قصد ستر رأسه بالعمامة وتنظيفه بدخول الحمام لما رأى به من كشف الرأس وشعث البدن ووسخه، وإن لم يقصد ذلك بل قاله على سبيل التبسّط المعتاد فلا يتعيّن ذلك بل يملكها ويتصرف فيها كيف شاء وكذا لو طلب الشاهد من المشهود له مركوبًا ليركبه في أداء الشهادة فأعطاه أجرة المركوب فيأتي فيها التفصيل السابق، لكن قال الأسنوي:
والصحيح أن له صرفها إلى جهة أخرى كما ذكروه في بابه، والفرق أن الشاهد يستحق أجرة المركوب فله التصرف فيها كيف شاء والمذكور أولاً من باب الصدقة والبرّ فروعِيَ فيه غرض الدافع، وإن أعطاه كفنًا لأبيه فكفّنه في غيره فعليه ردّه له إن كان قصد التبرّك بأبيه وما يحصله خادم الصوفية
لهم من السوق وغيره يملكه دونهم لأنه ليس بوكيل عنهم ووفاؤه لهم مروءة منه فإن قصدهم الدافع معه فالملك مشترك أو دونه فمختص بهم إن كان وكيلاً عنهم.
٣٧ - باب إِذَا حَمَلَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ فَهْوَ كَالْعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا.
هذا (باب) بالتنوين (إذا حمل رجل رجلاً) آخر غيره (على فرس) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: إذا حمل رجلاً بالنصب على المفعولية والفاعل مضمر أي حمل رجل رجلاً على فرس (فهو) أي فحكمه (كالعمرى والصدقة) في عدم الرجوع فيه (وقال بعض الناس) أبو حنيفة ﵀ (له أن يرجع فيها) في الفرس الذي حمله عليها ناويًا الهبة لأنه يجوز عنده الرجوع في الهبة للأجنبي.
٢٦٣٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: "قَالَ عُمَرُ ﵁: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ".
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (أخبرنا سفيان) بن عيينة (قال: سمعت مالكًا) الإمام الأعظم (يسأل زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر المدني (قال) ولأبي ذر فقال (سمعت أبي) أسلم (يقول قال عمر) بن الخطاب (﵁: حملت على فرس) أي تصدّقت به (في سبيل الله)
стр. 1815
وليس المراد أنه حبسه كما سبق واسم الفرس الورد (فرأيته يباع) وأردت أن أشتريه (فسألت رسول الله ﷺ فقال):
(لا تشتره) أي الفرس والنهي للتنزيه، ولغير أبي ذر: لا تشتر بحذف الضمير المنصوب زاد في رواية يحيى بن قزعة وإن أعطاكه بدرهم (ولا تعد في صدقتك) والله تعالى أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٢ - كتاب الشهادات
(بسم الله الرحمن الرحيم).
جمع شهادة وهي كما في القاموس خبر قاطع وقد شهد كعلم وكرم وقد تسكن هاؤه وشهده كسمعه شهودًا حضره فهو شاهد الجمع شهود وشهد ولزيد بكذا شهادة أدّى ما عنده من الشهادة فهو شاهد الجمع شهد بالفتح وجمع الجمع شهود وأشهاد واستشهده سأله أن يشهد له والشهيد وتكسر شينه الشاهد والأمين في شهادته انتهى.
والفرق بين الشهادة والرواية مع أنهما خبر إن كما في شرح البرهان للمازري أن المخبر عنه في الرواية أمر عام لا يختص بمعين نحو الأعمال بالنيات والشفعة فيما لم يقسم فإنه لا يختص بمعين بل عام في كل الخلق والأعصار والأمصار بخلاف قول العدل لهذا عند هذا دينار فإنه إلزام لمعين لا يتعداه، وتعقبه الإمام ابن عرفة بأن الرواية تتعلق بالجزئي كثيرًا كحديث: يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة انتهى.
وقد تكون مركبة من الرواية والشهادة كالإخبار عن رؤية هلال رمضان فإنه من جهة أن الصوم لا يختص بشخص معين بل عام على من دون مسافة القصر رواية، ومن جهة أنه مختص بأهل المسافة ولهذا العام شهادة قاله: الكرماني. وقد ثبتت البسملة قبل كتاب في الفرع ونسب ذلك فى الفتح لرواية النسفيّ وابن شبويه وفي بعض النسخ سقوطها.
١ - باب مَا جَاءَ فِي الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَنْ لَا تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ لَا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَقَوْلِ اللهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
(باب ما جاء في البينة على المدعي) بكسر العين (لقوله) زاد أبو ذر تعالى ولأبي ذر أيضًا (﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾) أي إذا داين بعضكم بعضًا تقول داينته إذا عاملته نسيئة معطيًا أو آخذًا (﴿إلى أجل مسمى﴾) معلوم بالأيام والأشهر لا بالحصاد وقدوم الحاج (﴿فاكتبوه﴾) قال ابن كثير: هذا إرشاد من الله تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد، ويقال مما ذكره السمرقندي مَن ادّان دينًا وا يكتب فإذا نسي دينه ويدعو الله تعالى بأن يظهره يقول الله تعالى: أمرتك بالكتابة فعصيت أمري، والجمهور على أن الأمر هنا للاستحباب (﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾) أي بالقسط من غير زيادة ولا نقصان (﴿ولا يأب كاتب﴾) ولا يمتنع أحد من الكتاب (﴿أن يكتب كما علمه الله﴾) مثل ما علمه الله من كتب الوثائق ما لم يكن يعلم (﴿فليكتب﴾) نلك الكتابة المعلمة (﴿وليملل الذي عليه الحق﴾) وليكن المملل من عليه الحق لأنه المقرّ المشهود عليه (﴿وليتق الله ربه﴾) أي المملي أو الكاتب (﴿ولا يبخس﴾) ولا ينقص (﴿منه شيئًا﴾) أي من الحق أو الكاتب لا ينجس مما أمل عليه (﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا﴾) ناقص العقل مبذرًّا (﴿أو ضعيفًا﴾) صبيًّا أو ضعيفًا مختلاًّ (﴿أو لا يستطيع أن يمل هو﴾) أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لخرس أو جهل باللغة (﴿فليملل وليه بالعدل﴾) أي الذي يلي أمره ويقوم مقامه من قيم إن كان صبيًّا أو مختل عقل أو وكيل أو مترجم إن كان غير مستطيع وهو دليل جريان النيابة في الإقرار ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو الوكيل (﴿واستشهدوا﴾) على حقكم (﴿شهيدين من رجالكم﴾) المسلمين الأحرار البالغين وقال: ابن كثير أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة (﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾) وهو مخصوص بالأموال عندنا ومما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة (﴿ممن ترضون من الشهداء﴾) لعلمكم بعد التهم (﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾) أي لأجل أن إحداهما إن ضلّت الشهادة بأن نسيتها ذكرتها الأخرى وفيه إشعار بنقصان عقلهن وقلة ضبطهن (﴿ولا يأبَ الشهداء إذا ما دعوا﴾) لأداء الشهادة عند الحاكم فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت،
стр. 1816
وإلاّ فهو فرض كفاية أو التحمل وسموا شهداء تنزيلاً لما يشارف منزلة الواقع وما مزيدة (﴿ولا تسأموا﴾)
ولا تملوا من كثرة مدايناتكم (﴿أن تكتبوه﴾) أي الدين أو الكتاب (﴿صغيرًا أو كبيرًا﴾) صغيرًا كان الحق أو كبيرًا أو مختصرًا كان الكتاب أو مشبعًا (﴿إلى أجلها﴾) أي إلى وقت حلوله الذي أقرّ به المديون (﴿ذلكم﴾) الذي أمرناكم به من الكتابة (﴿أقسط عند الله﴾) أعدل (﴿وأقوم للشهادة﴾) وأثبت لها وأعون على إقامتها إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة لاحتمال أنه لولا الكتابة لنسيه كما هو الواقع غالبًا (﴿وأدنى أن لا ترتابوا﴾) وأقرب في أن لا تشكوا في جنس الدين وقدره وأجله والمشهور ونحو ذلك ثم استثنى من الأمر بالكتابة فقال: (﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها﴾) أي إلا أن تتبايعوا يدًا بيد فلا بأس أن لا تكتبوا لبعده عن التنازع والنسيان (﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾) هذا التبايع أو مطلقًا لأنه أحوط (﴿ولا يضارّ كاتب ولا شهيد﴾) فيكتب هذا خلاف ما علم ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو الضرار بهما مثل أن يعجلا عن أمر مهم ويكلفا الخروج عما حدّ لهما ولا يعطي الكاتب جعله والشاهد مؤونة مجيئه حيث كانت (﴿وإن تفعلوا﴾) الضرار بالكاتب والشاهد (﴿فإنه فسوق بكم﴾) خروج عن الطاعة لاحق بكم (﴿واتقوا الله﴾) في مخالفة أمره ونهيه (﴿ويعلمكم الله﴾) أحكامه المتضمنة لمصالحكم (﴿والله بكل شيء عليم﴾) [البقرة: ٢٨٢] عالم بحقائق الأمور ومصالحها لا يخفى عليه شيء بل علمه محيط بجميع الكائنات ولفظ رواية أبي ذر بعد قوله: (﴿فاكتبوه﴾) إلى قوله: (﴿واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم﴾) وكذا لابن شبويه، وساق في رواية الأصيلي وكريمة الآية كلها قاله الحافظ ابن حجر.
(وقوله تعالى) في سورة النساء ولأبوي ذر والوقت وقول الله : (﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط﴾) مواظبين على العدل مجتهدين في إقامته (﴿شهداء لله﴾) بالحق تقيمون شهاداتكم لوجه الله تعالى (﴿ولو﴾) كانت الشهادة (﴿على أنفسكم﴾) بأن تقرّوا عليها لأن الشهادة بيان الحق سواء كان الحق عليه أو على غيره (﴿أو الوالدين والأقربين﴾) ولو على أقاربكم (﴿إن يكن﴾) أي المشهود عليه أو كل واحد منه ومن المشهود له (﴿غنيًّا أو فقيرًا﴾) فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة فلا تراعوا الغني لغناه ولا الفقير لفقره (﴿فالله أولى بهما﴾) بالغني والفقير وبالنظر لهما فلو لم تكن الشهادة لهما أو عليهما صلاحًا لما شرعها (﴿فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾) لأن تعدلوا عن الحق (﴿وإن تلووا﴾) ألسنتكم عن شهادة الحق أو عن حكومة العدل (﴿أو تعرضوا﴾) عن أدائها (﴿فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾) [النساء: ١٣٥] تهديد للشاهد لكيلا يقصر في أداء الشهادة ولا يكتمها، ولأبي ذر وابن شبويه بعد قوله: ﴿بالقسط﴾ إلى قوله: ﴿بما تعملون خبيرًا﴾.
ووجه الاستدلال بما ذكره على الترجمة كما قاله ابن المنير أن المدعي لو كان مصدقًا بلا بيّنة لم يحتج إلى الإشهاد ولا إلى كتابة الحقوق املائها فالإرشاد إلى ذلك يدل على الحاجة إليه وفي ضمن ذلك أن البينة على المدّعي، ولأن الله تعالى حين أمر الذي عليه الحق بالإملاء اقتضى تصديقه فيما أقرّ به، وإذا كان مصدّفًا فالبينة على مَن ادّعى تكذيبه، ولم يسق المؤلّف ﵀ حديثًا اكتفاء بالآيتين.
٢ - باب إِذَا عَدَّلَ رَجُلٌ أَحَدًا فَقَالَ: لَا نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا، أَو مَا عَلِمْتُ إِلاَّ خَيْرًا وساق حديث الإفك فقال النبي ﷺ لأسامة حين استشاره، فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا
هذا (باب) بالتنوين (إذا عدّل) بتشديد الدال (رجل أحدًا) ولأبي ذر عن المستملي: رجلاً بدل أحدًا (فقال) المعدل (لا نعلم إلا خيرًا أو قال ما) ولأبوي ذر والوقت أو ما (علمت إلا خيرًا) ما الحكم في ذلك زاد أبو ذر وساق حديث الإفك فقال النبي ﷺ لأسامة حين عدّله قال أهلك ولا نعلم إلا خيرًا. قال في الفتح: ولم يقع هذا كله في رواية الباقين وهو اللائق لأن حديث الإفك قد ذكر في الباب موصولاً وإن كان اختصره.
٢٦٣٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ حَدَّثَنَا ثوبانُ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بن الزبير وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بن عبد الله عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂-وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا- حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ ما قَالُوا: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَقَالَ: أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا. وَقَالَتْ بَرِيرَةُ: إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَعْذِرُنَا مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلاَّ خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا».
وبه قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن منهال قال: (حدّثنا عبد الله بن عمر) بضم العين وفتح الميم ابن غانم (النميري) بضم النون وفتح الميم قال: (حدّثنا ثَوبان) كتب في اليونينية وفرعها على ثوبان علامة السقوط من غير
стр. 1817
رقم ولأبي ذر: حدّثنا يونس بن يزيد الأيلي.
(وقال الليث) بن سعد الإمام مما وصله في تفسير سورة النور (حدّثني) بالإفراد (يونس) الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام وسقط لغير أبي ذر ابن الزبير (وابن المسيب) سعيد (وعلقمة بن وقاص) بتشديد القاف الليثي (وعبيد الله بن عبد الله) بضم العين في الأول ابن عتبة بن مسعود وسقط ابن عبد الله لغير أبي ذر (عن حديث عائشة ﵂ وبعض حديثهم يصدق بعضًا) أي وحديث بعضهم يصدّق بعضًا فيكون من باب المقلوب أو المراد أن حديث كلٍّ منهم يدل على صدق الراوي في بقية حديثه لحسن سياقه وجودة حفظه (حين قال لها أهل الإفك) أسوأ الكذب (ما قالوا) مما رموها به وبرّأها الله وسقط لغير الكشميهني قوله ما قالوا: (فدعا رسول الله ﷺ عليًا) هو ابن أبي طالب (وأسامة) الفاء في فدعا عاطفة على محذوف
تقديره، وكان رسول الله قبل ذلك قد سمع ما قيل فدعا عليًّا وأسامة (حين استلبث الوحي) استفعل من اللبث وهو الإبطاء والتأخير والوحي بالرفع أي أبطأ نزوله (يستأمرما) يشاورهما (في فراق أهله) عدلت عن قولها في فراقي إلى قولها في فراق أهله لكراهتها التصريح بإضافة الفراق إليها (فأما أسامة فقال: أهلك) بالرفع أي هم أهلك، ولأبي ذر: أهل بالنصب على الإغراء أي الزم أهلك أي العفائف المعروفات بالصيانة (ولا نعلم إلاّ خيرًا).
وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى، لكن اعترضه ابن المنير: بأن التعديل إنما هو تنفيذ للشهادة وعائشة ﵂ لم تكن شهدت ولا كانت محتاجة إلى التعديل لأن الأصل البراءة، وإنما كانت محتاجة إلى نفي التهمة عنها حتى تكون الدعوى عليها بذلك غير مقبولة ولا مشبهة فيكفي في هذا القدر هذا اللفظ فلا يكون فيه لمن اكتفى في التعديل بقوله لا أعلم إلا خيرًا حجة انتهى.
ولا يلزم من أنه لا يعلم منه إلا خيرًا أن لا يكون فيه شيء، وعند الشافعية لا يقبل التعديل ممن عدل غيره حتى يقول هو عدل، وقيل: عدل علي ولي. قال الإمام: وهو أبلغ عبارات التزكية ويشترط أن تكون معرفته به باطنة متقادمة بصحبة أو جوار أو معاملة، وقال مالك: لا يكون قوله لا نعلم إلاّ خيرًا تزكية حتى يقول رضًا ونقل الطحاوي عن أبي يوسف إنه إذا قال: لا نعلم إلا خيرًا قبلت شهادته، والصحيح عند الحنفية أن يقول هو عدل جائز الشهادة قال ابن فرشتاه: وإنما أضاف إلى قوله هو عدل كونه جائز الشهادة لأن العبد والمحدود في قذف يكونان عدلين إذا تابا ولا تقبل شهادتهما انتهى.
(وقالت بريرة) خادمتها حين سألها ﵇ هل رأيت شيئًا يريبك (إن رأيت عليها أمرًا) بكسر همزة إن النافية أي ما رأيت عليها شيئًا (أغمصه) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة وكسر الميم وبصاد مهملة أي أعيبها به (أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها) لرطوبة بدنها وسقط لأبي ذر قوله جارية (فتأتي الداجن) بدال مهملة وبعد الألف جيم الشاة تألف البيوت ولا تخرج إلى المرعى (فتأكله فقال رسول الله ﷺ ¬):
(من يعذرنا) أي من ينصرنا أو من يقوم بعذره فيما رمى به أهلي من المكروه أو من يقوم بعذري إذا عاقبته على سوء ما صدر منه، ورجح النووي هذا الثاني (في) وللكشميهني من (رجل) هو عبد الله بن أبي (بلغني أذاه في أهل بيتي) فيما رمى به من المكروه (فوالله ما علمت من أهلي إلاّ خيرًا ولقد ذكروا رجلاً) هو صفوان بن معطل (ما علمت عليه) ولأبي ذر عن الكشميهني فيه (إلاّ خيرًا).
وهذا الحديث أخرجه هنا مختصرًا، وأخرجه أيضًا في الشهادات والمغازي والتفسير والإيمان والنذور والتوحيد ومسلم في التوبة والنسائي في عشرة النساء والتفسير.
٣ - باب شَهَادَةِ الْمُخْتَبِئ، وَأَجَازَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ
قَالَ: وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْكَاذِبِ الْفَاجِرِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: السَّمْعُ شَهَادَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَمْ يُشْهِدُونِي عَلَى شَىْءٍ، وَإِنِّي سَمِعْتُ كَذَا وَكَذَا.
(باب) حكم (شهادة المختبئ) بالخاء المعجمة والموحدة أي الذي يختفي عند تحمل الشهادة (وأجازه) أي الاختباء عند تحملها (عمرو بن حريث) بفتح العين وسكون الميم وحريث بضم الحاء المهملة وبالمثلثة آخره مصغرًا المخزومي من
стр. 1818
صغار الصحابة ﵃ ولأبيه صحبة أيضًا وليس له في البخاري ذكر إلا هذا، ورواه البيهقي (وقال) أي عمرو بن حريث (وكذلك يفعل) ما ذكر من الاختباء عند التحمل (بالكاذب الفاجر) بسبب المديون الذي لا يعترف بالدين ظاهرًا بل إذا خلا به صاحب الدين يعترف به فيسمع إقراره به من هو مختف عمل بذلك، وبه قال الشافعي في الجديد ومالك وأحمد، قال أبو حنيفة: لا.
(وقال الشعبي) بفتح المعجمة وسكون المهملة عامر فيما وصله ابن أبي شيبة (وابن سيرين) محمد (وعطاء) هو ابن أبي رباح (وقتادة) بن دعامة (السمع شهادة) وإن لم يشهد المقر، (وقال) ولأبي ذر كان (الحسن) البصري (يقول) الذي سمع من قوم شيئًا للقاضي (لم يشهدوني على شيء وإني) ولأبي ذر: ولكن (سمعت) هم يقولون (كذا وكذا) وهذا وصله ابن أبي شيبة.
٢٦٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: "انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ وَهْوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ، لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ أَوْ زَمْزَمَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادِ: أَىْ صَافِ، هَذَا مُحَمَّدٌ. فَتَنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (قال سالم سمعت) أبي (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (﵄ يقول: انطلق رسول الله ﷺ وأُبيّ بن كعب الأنصاري يؤمان النخل) أي يقصدانه ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إلى النخل (التي فيها ابن صياد) واسمه صافي (حتى إذا دخل رسول الله ﷺ ¬) في النخل (طفق) بكسر الفاء جعل (رسول الله ﷺ ¬) وخبر طفق قوله (يتقي بجذوع النخل وهو يختل) بفتح المثناة التحتية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية آخره لام أي حال كونه يطلب (أن يسمع من ابن صياد شيئًا) من كلامه الذي يقوله في خلوته ليعلم هو وأصحابه أكاهن هو أو ساحر (قبل أن يراه) أي ابن صياد كما صرّح به في الجنائز (وابن صياد مضطجع) الواو للحال (على فراشه في قطيفة) كساء له حمل (له) أي لابن صياد (فيها) في القطيفة (رمرمة) براءين مهملتين بينهما
ميم ساكنة وبعد الراء الثانية ميم أخرى أي صوت خفي (أو زمزمة) بزاءين معجمتين ومعناها كالأولى والشك من الراوي (فرأت أم ابن صياد النبي ﷺ وهو) أي والحال أنه (يتقي) يخفي نفسه (بجذوع النخل) حتى لا تراه أم صياد (فقالت لابن صياد) أمه (أي صافٍ) كقاضٍ أي يا صافٍ (هذا محمد) صلوات الله وسلامه عليه (فتناهى ابن صياد) أي رجع إليه عقله وتنبّه من غفلته أو انتهى عن زمزمته (قال رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ ¬):
(لو تركته) أمه ولم تعلمه بمجيئنا (بين) لنا من حاله ما نعرف به حقيقة أمره. وهذا يقتضي الاعتماد على سماع الكلام وإن كان السامع محتجبًا عن المتكلم إذا عرف صوته.
وهذا الحديث سبق في الجنائز في باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلّى عليه وأخرجه أيضًا في بدء الخلق وغيره.
٢٦٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ. فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ. وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ. فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ".
[الحديث ٢٦٣٩ - أطرافه في: ٥٢٦٠، ٥٢٦١، ٥٢٦٥، ٥٣١٧، ٥٧٩٢، ٥٨٢٥، ٦٠٨٤].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت: جاءت امرأة رفاعة) بكسر الراء (القرظي النبي) بالنصب والقرظي بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة من بني قريظة وهو أحد العشرة الذين نزل فيهم ولقد وصلنا لهم القول الآية كما رواه الطبراني عنه قال البغوي: ولا أعلم له حديثًا غيره واسم زوجته سهيمة، وقيل غير ذلك مما يأتي إن شاء الله تعالى في النكاح ولأبي ذر: جاءت إلى النبي (¬ ﷺ فقالت) له ﵊: (كنت عند رفاعة فطلقني فأبتَّ طلاقي) بهمزة مفتوحة وتشديد المثناة الفوقية كذا في جميع ما وقفت عليه من النسخ في الأصول المعتمدة فأبتَّ بالهمز من الثلاثي المزيد فيه، وقال العيني: فبتَّ من غير همز من الثلاثي المجرّد قال وفي النسائي فأبتَّ من المزيد انتهى.
نعم رأيت في النسخة المقروءة على الميدومي فطلّقني فأبتَّ فزاد فطلّقني ولم يقل بعد أبت طلاقي، وفي الطلاق عند المؤلّف طلّقني فبتَّ طلاقي أي قطع قطعًا كليًّا بتحصيل البينونة الكبرى بالطلاق الثلاث متفرقات.
(فتزوّجت)
стр. 1819
بعد انقضاء العدّة (عبد الرحمن بن الزبير) بفتح الزاي وكسر الموحدة ابن باطا القرظي (إنما) أي إن الذي (معه مثل هدبة الثوب) بضم الهاء وسكون الدال المهملة طرفه الذي لم ينسج شبهوه بهدب العين وهو شعر جفنها ومرادها ذكره وشبهته بذلك لصغره أو استرخائه وعدم انتشاره. قال في العدة: والثاني أظهر، وجزم به ابن الجوزي لأنه يبعد أن يبلغ في الصغر إلى حدّ لا تغيب منه الحشفة التي يحصل بها التحلل (فقال) ﵊:
(أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) سبب هذا الاستفهام قول زوجها عبد الرحمن بن الزبير كما في مسلم أنها ناشز تريد رفاعة. قال الكرماني: وفي بعضها ترجعين بالنون على لغة من يرفع الفعل بعد أن حملاً على ما أختها (لا) رجوع لك إلى رفاعة (حتى تذوقي عسيلته) أي عسيلة عبد الرحمن (ويذوق) هو أيضًا (عسيلتك) بضم العين وفتح السين المهملتين مصغرًا فيهما كناية عن الجماع فشبّه لذته بلذة العسل وحلاوته واستعار لها ذوقًا. وقد روى عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة مرفوعًا إن العسيلة هي الجماع. رواه الدارقطني فهو مجاز عن اللذة وقيل العسيلة ماء الرجل والنطفة تسمى العسيلة، وحينئذٍ فلا مجاز لكن ضعف بأن الإنزال لا يشترط، وإن قال به الحسن البصري، وأنّث العسيلة لأنه شبّهها بالقطعة من العسل أو أن العسل في الأصل يذكّر ويؤنّث، وإنما صغره إشارة إلى القدر القليل الذي يحصل به الحلّ قال: النووي واتفقوا على أن تغيب الحشفة في قبلها كافٍ من غير إنزال وقال ابن المنذر: في الحديث دلالة على أن الزوج الثاني إن واقعها وهي نائمة أو مغمى عليها لا تحسّ باللذة أنها لا تحلّ للأوّل لأن الذوق أن تحسّ باللذة وعامّة أهل العلم أنها تحلّ.
(وأبو بكر) الصديق ﵁ (جالس عنده) ﷺ (وخالد بن سعيد بن العاص) الأموي (بالباب) الشريف النبوي (ينتظر أن يؤذن له فقال) أي خالد وهو بالباب: (يا أبا بكر ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (تسمع إلى هذه ما تجهر به عند النبي ﷺ ¬) من قولها: إنما معه مثل الهدبة وكأنه استعظم تلفظها بذلك بحضرته ﷺ .
وهذا موضع الترجمة لأن خالد بن سعيد أنكر على امرأة رفاعة ما كانت تتكلم به عند النبي ﷺ مع كونه محجوبًا عنها خارج الباب، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك فاعتماد خالد على سماع صوتها حتى أنكر عليها هو حاصل ما يقع من شهادة السمع ولا معنى للإشهاد إلا الإسماع، فإذا أسمعه فقد أشهده قصد ذلك أم لا؟ وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولم يقل الإشهاد والسماع شهادة ولكن إذا صرّح المقرّ بالإشهاد فالأحسن أن يكتب الشاهد أشهدني بذلك فشهدت عليه حتى يخلص من الخلاف.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه في النكاح والنسائي فيه وفي الطلاق.
٤ - باب إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَوْ شُهُودٌ بِشَىْءٍ وَقَالَ آخَرُونَ مَا عَلِمْنَا بذَلِكَ يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: هَذَا كَمَا أَخْبَرَ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ، وَقَالَ الْفَضْلُ: لَمْ يُصَلِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ بِلَالٍ. كَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، يُقْضَى بِالزِّيَادِةَ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا شهد شاهد) بقضية (أو) شهد (شهود بشيء فقال) بالفاء ولأبي ذر قال: جماعة (آخرون ما علمنا ذلك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: بذلك (يحكم بقول من شهد) لأنه مثبت فيقدم على النافي (قال الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي فيما وصله في الحج (هذا) أي الحكم (كما أخبر بلال) المؤذن (أن النبي ﷺ صلّى في) جوف (الكعبة) عام الفتح، (وقال الفضل) بن العباس (لم يصلّ) ﵊ فيها (فأخذ الناس بشهادة بلال) فرجحوها على رواية الفضل لأن فيها زيادة علم وإطلاق الشهادة على إخبار بلال تجوّز.
وقال الكرماني فإن قلت: ليس هذا من باب ما علمنا بل هما متنافيان لأن أحدهما قال: صلّى، والآخر قال: لم يصلّ؟ وأجاب: بأن قوله لم يصلِّ معناه أنه ما علم أنه صلّى قال ولعلّ الفضل كان مشتغلاً بالدعاء ونحوه فلم يره صلّى فنفاه عملاً بظنه.
(كذلك) الحكم (إن شهد شاهدان أن لفلان على فلان ألف درهم وشهد آخران بألف وخمسمائة) مثلاً (يقضي بالزيادة) لأن عدم علم الغير لا يعارض علم من علمه، ولأبي
стр. 1820
ذر يعطي بدل يقضي فالباء في بالزيادة على هذا ساقطة أو زائدة.
٢٦٤٠ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: "عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي. فَأَرْسَلَ إِلَى آلِ أَبِي إِهَابٍ يَسْأَلُهُمْ فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَاه أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا. فَرَكِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ فَفَارَقَهَا وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ".
وبه قال: (حدّثنا حبّان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن موسى السلمي المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا عمر بن سعيد بن أبي حسين) بضم العين في الأول وكسرها في الثاني وضم حاء حسين النوفلي المكي: (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة بالتصغير واسمه زهير التيمي المدني (عن عقبة بن الحرث) بن عامر بن نوفل المكي صحابي من مسلمة الفتح بقي إلى بعد الخمسين (أنه تزوّج
ابنة لأبي إهاب بن عزيز) بكسر همزة إهاب وعزيز بفتح العين المهملة وزايين معجمتين بوزن عظيم، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: عزيز بضم العين وفتح الزاي الأولى، لكن قال في الفتح وتبعه العيني آخره راء فالله أعلم واسم المرأة غنية وهي أم يحيى (فأتته امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (فقالت: قد أرضعت) وعند المؤلّف في باب الرحلة في المسألة النازلة من العلم فقالت إني قد أرضعت (عقبة) بن الحرث (و) المرأة (التي تزوّج) بحذف بها الثابتة في رواية عنده في باب الرحلة (فقال لها عقبة: مما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني) بغير مثناة تحتية بعد الفوقية فيهما، وفي رواية بباب الرحلة بإثباتها فيهما وعبر بأعلم المضارع وأخرت الماضي لأن نفي العلم حاصل في الحال بخلاف نفي الإخبار فإنه كان في الماضي لا غير (فأرسل) عقبة (إلى آل أبي إهاب يسألهم) أي عن مقالة المرأة، ولأبوي ذر والوقت: فيسألهم (فقالوا ما علمنا) بحذف الضمير المنصوب ولأبي ذر: ما علمناه (أرضعت صاحبتنا فركب) عقبة (إلى النبي ﷺ ¬) حال كونه (بالمدينة) أي فيها (فسأله) أي سأل عقبة النبي ﷺ عن الحكم في هذه الواقعة (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(كيف) تباشرها وتفضي إليها (وقد قيل) إنك أخوها من الرضاعة إن ذلك بعيد من ذي المروءة والورع (ففارقها) زاد في الرحلة ففارقها عقبة أي طلّقها احتياطًا وورعًا لا حكمًا بثبوت الرضاع قال ابن بطال: ويدل عليه الاتفاق على أنه لا يجوز شهادة امرأة واحدة في الرضاع إذا شهدت بذلك بعد النكاح، لكن تعقب في دعوى الاتفاق بأن شهادتها وحدها فيه قول جماعة من السلف ونقل عن أحمد حتى المالكية فإن عندهم رواية أنها تقبل وحدها لكن بشرط فشوّ ذلك في الجيران.
(ونكحت) غنية بعد فراق عقبة (زوجًا غيره) هو ظريب بمعجمة مضمومة وراء مفتوحة آخره موحدة ابن الحرث.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أمره ﷺ بالمفارقة تورعًا فجعل كالحكم وإخبارها كالشهادة وعقبة نفى العلم.
وسبق هذا الحديث في باب الرحلة من كتاب العلم.
٥ - باب الشُّهَدَاءِ الْعُدُولِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ -و- ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [الطلاق: ٢، والبقرة: ٢٨٢]
(باب) بيان (الشهداء العدول) جمع عدل وهو مسلم فلا تقبل شهادة كافر ولو على مثله لقوله تعالى: ﴿شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس من رجالنا بالغ عاقل فلا تقبل شهادة
صبي ومجنون حرّ فلا تقبل شهادة من فيه رقٌّ لنقصه غير فاسق لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ
فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦] نعم إن كان فسقه بتأويل كذي بدعة قبلت شهادته بصير فلا تقبل من أعمى
لانسداد طريق المعرفة عليه مع اشتباه الأصوات إلا في مواضع غير مغفل إذ المغفل لا يضبط ولا
يوثق بقوله نعم لا يقدح الغلط اليسير لأن أحدًا لا يسلم منه ذو مروءة وهو المتخلق بخلق أمثاله في
زمانه ومكانه فالأكل والشرب في السوق لغير سوقيّ والمشي فيه مكشوف الرأس وقبلته زوجته أو
أمته بحضرة الناس وإكثار حكايات مضحكة بينهم مسقط لإشعاره بالخسة.
(وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على السابق (﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾) [الطلاق: ٢] فالعدالة في الشاهد شرط (﴿و﴾) قوله تعالى: (﴿ممن ترضون من الشهداء﴾) [البقرة: ٢٨٢] فإذا لم يرض بهم لمانع عن الشهادة لا تقبل شهادتهم كشهادة أصل لفرع أو هو لأصله.
٢٦٤١ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: "إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَىْءٌ، اللَّهُ يُحَاسِبُ سَرِيرَتِهِ. وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ".
وبه قال: (حدّثنا الحكم بن نافع) أبو اليمان البرهاني الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه
стр. 1821
(قال: حدّثني) بالإفراد (حميد بن عبد الرحمن بن عوف) بضم حاء حميد مصغرًا (أن عبد الله بن عتبة) أي ابن مسعود وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي المتوفى زمن عبد الملك بن مروان (قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إن إناسًا كانوا يؤخدون بالوحي) يعني كان الوحي يكشف عن سرائر الناس في بعض الأوقات (في عهد رسول الله ﷺ وأن الوحي قد انقطع) بوفاته ﷺ فلم يأت الملك به عن الله لبشر لختم النبوة (وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرًا أمناه) بهمزة مقصورة وميم مكسورة ونون مشددة من الأمان أي جعلناه آمنًا من الشرّ أو صيّرناه عندنا أمينًا (وقرّبناه) أي أكرمناه وعظمناه إذ نحن إنما نحكم بالظاهر (وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسبه) بمثناة تحتية مضمومة وإثبات ضمير النصب في الفرع. وقال ابن حجر: محاسبه بميم أوّله وهاء آخره، ولأبي ذر عن الكشميهني: يحاسب بحذف ضمير المفعول ومثناة مضمومة أوّله (في سريرته ومن أظهر لنا سوءًا) ولأبي ذر عن الكشميهني: شرًّا (لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال وإن سريرته حسنة) ويؤخذ منه أن العدل من لم توجد منه ريبة.
وهذا الحديث من إفراده.
٦ - باب تَعْدِيلِ كَمْ يَجُوزُ؟
(باب) بيان (تعديل كم) نفس (يجوز) قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد: لا يقبل أقل من رجلين، وقال أبو حنيفة: يكفي الواحد.
٢٦٤٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا -أَوْ قَالَ: غَيْرَ ذَلِكَ- فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ لِهَذَا وَجَبَتْ وَلِهَذَا وَجَبَتْ. قَالَ: شَهَادَةُ الْقَوْمِ. الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) هو ابن درهم الجهضمي البصري (عن ثابت) البناني (عن أنس) هو ابن مالك (﵁) أنه (قال: مرّ) بضم الميم مبنيًّا للمفعول (على النبي ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال) ﵊:
(وجبت ثم مرّ بأخرى فأثنوا عليها شرًّا) واستعمل الثناء في الشر على اللغة الشاذة للمشاكلة لقوله فأثنوا عليها خيرًا (أو قال غير ذلك) شك الراوي (فقال) ﵊ (وجبت فقيل) القائل عمر كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (يا رسول الله قلت لهذا) المثني عليه خيرًا (وجبت ولهذا) المثني عليه شرًّا (وجبت) (قال) ﵊: (شهادة القوم المؤمنين) مقبولة فشهادة مبتدأ والمؤمنين صفة القوم المجرور بالإضافة والخبر محذوف تقديره مقبولة كما مر (شهداء الله في الأرض) خبر مبتدأ محذوف أي هم شهداء الله، ولأبي ذر عن الكشميهني: شهادة القوم المؤمنين بالرفع مبتدأ وشهداء الله خبره وشهادة القوم مبتدأ حذف خبره أي شهادة القوم مقبولة، وقال الحافظ ابن حجر: ووقع في رواية الأصيلي شهادة بالنصب، ووجهه في المصابيح بأن يكون النائب عن الفاعل ضمير المصدر مستكنًّا في الفعل وخيرًا حال منه أي فأثنى هو أي الثناء حالة كونه خيرًا.
٢٦٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: "أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ ﵁، فَمَرَّتْ جِنَازَةٌ فَأُثْنِيَ خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقُلْتُ: مَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. قُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ. قُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ. ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا داود بن أبي الفرات) بلفظ النهر واسمه عمرو الكندي قال: (حدّثنا عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء آخره هاء تأنيث (عن أبي الأسود) ظالم بن عمرو بن سفيان الديلي أنه (قال: أتيت المدينة) يثرب (وقد وقع بها مرض) جملة حالية كقوله (وهم يموتون موتًا ذريعًا) بفتح المعجمة سريعًا (فجلست إلى عمر) بن الخطاب (﵁ فمرّت جنازة فأُثني خير) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول ورفع خير نائبًا عن الفاعل وحذف عليها، ولأبي ذر والأصيلي: فأثني بضم الهمزة أيضًا خيرًا بالنصب صفة لمصدر محذوف أي ثناء خيرًا أو بنزع الخافض أي بخير (فقال عمر: وجبت. ثم مرّ) بضم الميم (بأخرى فأُثني خيرًا) بضم الهمزة ونصب خيرًا كما مرّ (فقال) أي عمر (وجبت، ثم مر بالثالثة) ولأبي ذر بالثالث بحذف هاء التأنيث (فأُثني شرّا) بضم الهمزة ونصب شرًّا أيضًا أي ثناء شرًّا أو بشر (فقال) أي عمر (وجبت) قال أبو الأسود. (فقلت ما) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وما أي وما معنى قولك (وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي ﷺ ¬):
(أيما مسلم شهد له أربعة)
стр. 1822
من المسلمين (بخير أدخله الله الجنة. قلنا: وثلاثة؟ قال) ﵊: (وثلاثة. قلنا. واثنان؟ قال) ﵊: (واثنان ثم لم نسأله عن الواحد) استبعادًا أن يكتفى به في مثل هذا المقام العظيم.
وسبق هذا الحديث في الجنائز.
٧ - باب الشَّهَادَةِ عَلَى الأَنْسَابِ، وَالرَّضَاعِ الْمُسْتَفِيضِ، وَالْمَوْتِ الْقَدِيمِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ». وَالتَّثَبُّتِ فِيهِ.
(باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض) الشائع الذائع (والموت القديم) الذي تطاول عليه الزمان (وقال النبي ﷺ ¬) أرضعتني وأبا سلمة، بالنصب عطفًا على المفعول وفتح اللام ابن عبد الأسد المخزومي زوج أم سلمة أم المؤمنين وتوفي سنة أربع فتزوج النبي ﷺ أم سلمة (ثويبة) بالمثلثة والموحدة مصغرًا مولاة أبي لهب.
وهذا طرف من حديث وصله في الرضاع (والتثبيت فيه) أي في أمر الرضاع وهذا من بقية الترجمة.
٢٦٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: "اسْتَأْذَنَ عَلَىَّ أَفْلَحُ فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟ فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي. فَقَالَتْ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رسول
اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ".
[الحديث ٢٦٤٤ - أطرافه في: ٤٧٩٦، ٥١٠٣، ٥١١١، ٥٢٢٩، ٦١٥٦].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا الحكم) بفتحتين ابن عتيبة مصغرًا (عن عراك بن مالك) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت استأذن علي أفلح) بتشديد الياء أي طلب الإذن في الدخول عليّ بعد نزول الحجاب، وأفلح هو أبو الجعد أخو أبي القعيس بضم القاف وفتح العين المهملة واسم أبي القيس ما قال الدارقطني وائل الأشعري (فلم آذن له) بالمد في الدخول عليّ (فقال) أي أفلح (أتحتجبين منّي وأنا عمك: فقلت وكيف ذلك قال): ولأبي ذر فقال: (أرضعتك امرأة أخي) وائل (بلبن أخي فقالت) عائشة (سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ¬) وسقط لغير الكشميهني قوله عن ذلك (فقال):
(صدق أفلح ائذني له) زاد مسلم من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عراك عن عروة لا تحتجبي منه فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، واستشكل كونه ﵊ عمل بمجرد دعوى أفلح من غير بيّنة. وأجيب: باحتمال اطلاعه ﵊ على ذلك، وفيه أن لبن الفحل يحرّم وأن زوج المرضعة بمنزلة الوالد للرضيع وأخاه بمنزلة العم له.
ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محالها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النكاح والتفسير وكذا مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٢٦٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِة مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، هِيَ ابِنةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ".
[الحديث ٢٦٤٥ - طرفه في: ٥١٠٠].
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي بالفاء البصري قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العوذي بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن جابر بن زيد) التابعي الأزدي ثم الجوفي بفتح الجيم وسكون الواو بعدها فاء أبو الشعثاء البصري (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬) أي لما قال عليّ ﵁ (في بنت حمزة) بن عبد المطلب عمه ﷺ وأخيه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب ألا تتزوجها (لا تحل لي) وكان اسمها أمامة أو عمارة أو غير ذلك.
(يحرم من الرضاع) ولأبي ذر: من الرضاعة (ما يحرم من النسب) يستثنى من هذا العموم أربع نسوة يحرمن في النسب مطلقًا وفي الرضاع قد لا يحرمن، ويأتي ذكرهنّ إن شاء الله في النكاح، وكما أن الرضاع يحرّم ما يحرم من النسب يبيح ما يبيحه بالإجماع فيما يتعلق بالنكاح وتوابعه وانتشار
الحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النظر والخلوة والمسافرة لا باقي الأحكام من التوارث وغيره مما يأتي إن شاء الله تعالى في محله (هي) أي بنت حمزة أمامة (بنت) ولأبي ذر: ابنة (أخي) حمزة (من الرضاعة).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا المؤلّف ومسلم والنسائي وابن ماجه في النكاح.
٢٦٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرَاهُ فُلَانًا، لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ -فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُرَاهُ فُلَانًا، لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا -لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- دَخَلَ عَلَىَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، إِنَّ الرَّضَاعَةَ يَحْرُمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ".
[الحديث ٢٦٤٦ - طرفاه في: ٣١٠٥، ٥٠٩٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن عبد الله بن أبي بكر) اسم جده محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني (عن عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية (أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرتها أن رسول الله) ولأبي ذر أن النبي (¬ ﷺ كان عندها) في بيتها (وأنها سمعت صوت رجل) قال ابن حجر:
стр. 1823
لم أعرف اسمه (يستأذن في بيت حفصة) بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين والجملة في موضع جر صفة لرجل (قالت عائشة ﵂: فقلت يا رسول الله أراه) بضم الهمزة أي أظنه (فلانًا لعم حفصة) أم المؤمنين (من الرضاعة فقالت عائشة: يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك) الذي فيه حفصة (قالت) عائشة (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(أراه) بضم الهمزة أظنه (فلانًا لعم) أي عم (حفصة من الرضاعة) لم يسم عم حفصة هذا وسقط قوله قالت عائشة فقلت يا رسول الله أراه إلخ في الأصل المقروء على الميدومي، وثبت في عدة من الفروع المقابلة بأصل اليونينية وكذا رأيته فيها وسقوطه أولى كما لا يخفى (فقالت عائشة) له ﵊ (لو كان فلان حيًّا لعمها) اللام بمعنى عن أبي عن عمها (من الرضاعة دخل عليّ) بتشديد الياء أي هل كان يجوز أن يدخل عليّ؟ قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم عم حفصة ووهم من فسره بأفلح أخي أبي القعيس لأن أبا القعيس والد عائشة من الرضاعة، وأما أفلح فهو أخوه وهو عمها من الرضاعة وقد عاش حتى جاء يستأذن على عائشة فأمرها ﵊ أن تأذن له بعد أن امتنعت فالمذكور هنا عم آخر أخو أبيها أبي بكر من الرضاع أرضعتهما امرأة واحدة، وقيل هما واحد. وغلطه النووي بأن عمها في حديث أبي القعيس كان حيًّا والآخر كان ميتًا وإنما ذكرت عائشة ذلك في العم الثاني لأنها جوّزت تبدل الحكم فسألت مرة أخرى.
(فقال رسول الله ﷺ ¬) في جوابها (نعم) أي يجوز دخوله عليك ثم علّل جواز ذلك بقوله (إن الرضاعة تحرم) بتشديد الراء المكسورة مع ضم أوله ولأبي ذر عن الكشميهني يحرم منها بفتح المثناة التحتية وضم الراء مخفّفًا (ما يحرم) بفتح أوله مخفّفًا (من الولادة) أي مثل ما يحرم من الولادة فهو على حذف مضاف وتعبيره بقوله ما يحرم من الولادة وفي الرواية الأخرى من النسب. قال القرطبي: دليل على جواز الرواية بالمعنى أو قال ﵊ اللفظين في وقتين وقطع بالأخير في الفتح معلّلاً بأن الحديثين مختلفان في القصة والسبب والراوي.
وهذا الحديث أخرجه في الخمس أيضًا والنكاح ومسلم والنسائي في النكاح.
٢٦٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ قَالَ: يَا عَائِشَةُ انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ". تَابَعَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ.
[الحديث ٢٦٤٧ - طرفه في: ٥١٠٢].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة أبو عبد الله العبدي البصري وثقه أحمد، وروى له المؤلّف ثلاثة أحاديث في العلم والبيوع والتفسير توبع عليها قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن أشعث بن أبي الشعثاء) بالشين المعجمة والمثلثة والعين المهملة فيهما والأخير ممدود (عن أبيه) أبي الشعثاء سليم بن الأسود (عن مسروق) هو ابن الأجدع (أن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ النبي ﷺ وعندي رجل) الواو للحال وأخو عائشة هذا لا أعرف اسمه، وقول الجلال البلقيني فيما نقله عنه في المصابيح أنه وجد بخط مغلطاي على حاشية أسد الغابة ما يدل على أنه عبد الله بن يزيد تعقبه في مقدمة فتح الباري بأنه غلط لأنه تابعي انتهى.
يعني وهذا صحابي لأنه ﷺ رآه بلا ريب عند عائشة، نعم عبد الله التابعي هذا المذكور أخوها من الرضاعة كما صرّح به في رواية مسلم في الجنائز وكثير بن عبد الله الكوفي أخوها أيضًا كما عند المؤلّف في الأدب المفرد وسنن أبي داود وسبق التنبيه على ذلك في باب الغسل بالصاع.
(قال) ﵊ ولأبي ذر: فقال (يا عائشة من هذا؟ قلت: أخي من الرضاعة. قال: يا عائشة انظرن) بهمزة وصل وضم الظاء المعجمة من النظر بمعنى التفكّر والتأمّل (من إخوانكن) استفهام (فإنما الرضاعة) الفاء تعليلية لقوله انظرن من إخوانكن أي ليس كل من أرضع لبن أمهاتكنّ يصير أخاكن بل شرطه أن يكون (من المجاعة) بفتح الميم من الجوع أي أن الرضاعة المعتبرة في المحرمية شرعًا ما كان فيه تقوية للبدن واستقلال بسد الجوع، وذلك إنما يكون في حال الطفولية قبل الحولين كما سيأتي إن شاء الله تعالى تقريره في بابه بعون الله وقوّته.
стр. 1824
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النكاح وكذا مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. (تابعه) أي تابع محمد بن كثير (ابن مهدي) عبد الرحمن بفتح الميم في روايته الحديث فيما وصله مسلم وأبو يعلى (عن سفيان) الثوري ثم إن المطابقة بين الترجمة والأحاديث المسوقة في بابها مستفادة منها فأما النسب فمن أحاديث الرضاعة فإنه من لازمه وأما الرضاعة فبالاستفاضة وأما الموت القديم فبالإحقاق قاله ابن المنير والله أعلم.
٨ - باب شَهَادَةِ الْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي
وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥].
وَجَلَدَ عُمَرُ أَبَا بَكْرَةَ وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ وَنَافِعًا بِقَذْفِ الْمُغِيرَةِ، ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ وَقَالَ: مَنْ تَابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ.
وَأَجَازَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ وَشُرَيْحٌ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: الأَمْرُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ إِذَا رَجَعَ الْقَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ: إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِذَا جُلِدَ الْعَبْدُ ثُمَّ أُعْتِقَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اسْتُقْضِيَ الْمَحْدُودُ فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ وَإِنْ تَابَ. ثُمَّ قَالَ: لَا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ جَازَ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ. وَأَجَازَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ وَالْعَبْدِ وَالأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ. وَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ. وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ ﷺ الزَّانِيَ سَنَةً، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلَامِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ حَتَّى مَضَى خَمْسُونَ لَيْلَةً.
(باب) حكم (شهادة القاذف) بالذال المعجمة الذي يقذف أحدًا بالزنا (والسارق والزاني) هل تقبل بعد توبتهم أم لا (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه ولأبي ذر (﴿ولا تقبلوا لهم شهادة﴾) قال القاضي أيّ شهادة كانت لأنه مصرٌّ وقيل شهادتهم في القذف ولا يتوقف ذلك على استيفاء الجلد (﴿أبدًا﴾) ما لم يتب وعند أبي حنيفة إلى آخر عمره (﴿وأولئك هم الفاسقون﴾) المحكوم بفسقهم (﴿إلا الذين تابوا﴾) عن القذف (﴿من بعد ذلك وأصلحوا﴾) [النور: ٤ - ٥] أي أعمالهم
بالتدارك ومنه الاستسلام للحد أو الاستحلال من المقذوف فإن شهادتهم مقبولة لأن الله استثنى التائبين عقب النهي عن قبول شهادتهم، وقال الحنفية: ذكره بالتأبيد يدل على أنها لا تقبل بعد استيفاء الحد بكل حال والاستثناء منصرف إلى ما يليه وهو قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ وقال الحنفية: الاستثناء منقطع لأن التائبين غير داخلين في صدر الكلام وهو قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ إذ التوبة تجب ما قبلها من الذنوب فلا يكون التائب فاسقًا، وأما شهادته فلا تقبل أبدًا لأن ردّها من تتمة الحد لأنه يصلح جزاء فيكون مشار كالأول في كونه حدًّا وقوله: وأولئك هم الفاسقون لا يصلح أن يكون جزاء لأنه ليس بخطاب للأئمة بل إخبار عن صفة قائمة بالقاذفين فلا يصلح أن يكون من تمام الحد لأنه كلام مبتدأ على سبيل الاستئناف منقطع عما قبله لعدم صحته على ما سبق لأن قوله: وأولئك هم الفاسقون جملة خبرية ليس بخطاب للأئمة وما قبله إنشائية خطاب لهم، وقوله: ﴿ولا تقبلوا﴾ إنشائية يصح عطفها على فاجلدوا فإذا شهد قبل الحد أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادته فإذا استوفى لم تقبل وإن تاب وكان من الأتقياء الأبرار لتعلقها باستيفاء الحد وتعقبه الشافعي بأن الحدود كفّارات لأهلها فهو بعد الحدّ خير منه قبله فكيف ترد في خير حالتيه وتقبل في شرهما ولأن أبدًا في كل شيء على ما يليق به كما لو قيل لا تقبل شهادة الكافر أبدًا أي ما دام كافرًا.
(وجلد عمر) بن الخطاب ﵁ فيما وصله الشافعي (أبا بكرة) نفيع بن الحرث بن كلدة بالكاف واللام والدال المهملة المفتوحات الصحابيّ (وشبل بن معبد) بكسر الشين وسكون الموحدة ومعبد بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحدة ابن عبيد بن الحرث البجلي أخا أي بكرة لأمه سميّة وهو معدود في المخضرمين (ونافعًا) هو ابن الحرث أخو أبي بكرة لأمه أيضًا (بقذف المغيرة) بن شعبة وكان أمير البصرة لعمر ﵁ لما رأوه وكان معهم أخوهم لأمهم زياد بن أبي سفيان متبطن الرقطاء أم جميل بنت عمرو بن الأفقم الهلالية زوج الحجاج بن عتيك بن الحرث بن عوف الجشمي فرحلوا إلى عمر فشكوه فعزله وولى أبا موسى الأشعري وأحضر المغيرة فشهد عليه الثلاثة بالزنا ولم يثبت زياد الشهادة وقال: رأيت منظرًا قبيحًا وما أدري أخالطها أم لا. وعند الحاكم فقال زياد: رأيتهما في لحاف واحد وسمعت نفسًا عاليًا وما أدري ما وراء ذلك فأمر عمر بجلد الثلاثة حذ القذف (ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته) نصب مفعول قبلت.
(وأجازه) أي الحكم المذكور وهو قبول شهادة المحدود في القذف (عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون المثناة الفوقية ابن مسعود فيما وصله الطبري من طريق عمران بن عمير عنه، (وعمر بن عبد العزيز) الخليفة المشهور فيما وصله الطبري أيضًا والخلال من طريق ابن جريج عن عمران بن موسى عنه، (وسعيد بن جبير) التابعي المشهور فيما
стр. 1825
وصله الطبري من طريقه، (وطاوس) هو ابن كيسان اليماني، (ومجاهد) هو ابن جبر المكي فيما وصله عنهما سعيد بن منصور والشافعي والطبري من طريق ابن أبي نجيح، (والشعبي) عامر بن شراحيل فيما وصله الطبري من طريق ابن
أبي خالد عنه، (وعكرمة) مولى ابن عباس فيما وصله البغوي في الجعديات عن شعبة عن يونس هو ابن عبيد عنه، (والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب فيما وصله ابن جرير عنه، (ومحارب بن دثار) بكسر الدال وبالمثلثة ومحارب بضم الميم وبعد الحاء المهملة ألف فراء مكسورة آخره موحدة الكوفي قاضيها (وشريح) القاضي (ومعاوية بن قرة) ابن إياس البصري فيما قاله العيني، لكن قال ابن حجر: لم أرَ عن واحد من الثلاثة أي الأخيرة التصريح بالقبول.
(وقال أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان فيما وصله سعيد بن منصور (الأمر عندنا بالمدينة) طيبة (إذا رجع القاذف عن قوله فاستغفر ربه قبلت شهادته) وهذا بخلاف الحنفية كما مرّ (وقال الشعبي) عامر بن شراحيل (وقتادة) فيما وصله الطبري عنهما مفرقًا (إذا أكذب) القاذف (نفسه جلد) حد القذف (وقبلت شهادته) لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: ٤] وقد سأل ابن المنير فقال: إن كان صادقًا في قذفه فمِمَّ يتوب إذا؟ وأجاب: بأنه يتوب من الهتك ومن التحدّث بما رآه، ويحتمل أن يقال إن المعاين للفاحشة مأمور بأن لا يكشف صاحبها إلا إذا تحقق كمال النصاب معه فإذا كشف قبل ذلك عصى فيتوب من المعصية في الإعلان لأمن الصدق في علمه، وتعقبه في الفتح بأن أبا بكرة لم يكشف حتى تحقق كمال النصاب ومع ذلك أمره عمر بالتوبة لتقبل شهادته قال: ويجاب عن ذلك بأن عمر لعله لم يطلع على ذلك فأمره بالتوبة ولذلك لم يقبل منه أبو بكرة ما أمره به لعلمه بصدقه عند نفسه انتهى.
(وقال الثوري) سفيان مما هو في جامعه برواية عبد الله بن الوليد العدني عنه (إذا جلد العبد) بالرفع نائبًا عن الفاعل (ثم أعتق) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (جازت شهادته وإن استقضي المحدود) بسكون السين وضم الفوقية وسكون القاف وكسر الضاد المعجمة أي طلب منه أن يحكم بين خصمين (فقضاياه جائزة، وقال بعض الناس) يعني أبا حنيفة ﵀ (لا تجوز شهادة القاف وإن تاب) عن جريمة القذف لقوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ [النور: ٤] كما مرّ (ثم قال) أي أبو حنيفة (لا يجوز نكاح بغير شاهدين فإن تزوج بشهادة محدودين) في قذف (جاز) النكاح لأنهما أهل للشهادة تحملاً وعدم قبولها عند الأداء لا يمنع تحققها إذ الأداء من ثمراتها وفوت الثمرة لا يدل على فوت الأصل وانعقاد النكاح موقوف على حضور الشاهدين لا على أدائهما الشهادة كذا عللوه وفي الحقائق من كتبهم أن محل الخلاف في المحدودين قبل ظهور التوبة إذ بعده ينعقد إجماعًا (وإن تزوج بشهادة عبدين لم يجز) لأن الشهادة من باب الولاية لكونها نافذة على الغير رضي والعبد ليس من أهل الولاية.
(وأجاز) بعض الناس المذكور (شهادة المحدود) أي في قذف بعد التوبة (والعبد والأمة لرؤية هلال رمضان) لجريانه مجرى الخبر وهو مخالف للشهادة في المعنى قال البخاري: (وكيف تعرف توبته) أي القاذف وهذا من كلام المصنف من تمام الترجمة، وقد قال: الشافعي كأكثر السلف: لا بدّ أن يكذب نفسه، وعن مالك إذا ازداد خيرًا كفى ولا يتوقف على تكذيبه نفسه لجواز أن يكون صادقًا في
نفس الأمر، وإلى هذا مال المؤلّف ﵀ ثم استدلّ لذلك بقوله: (وقد نفى النبي ﷺ الزاني سنة) فيما يأتي موصولاً قريبًا وسقط (قد) لأبي ذر، (ونهى النبي ﷺ عن) ولأبي ذر: ونهي عن (كلام كعب بن مالك وصاحبيه) وهما هلال بن أمية ومرارة بن الربيع (حتى مضى خمسون ليلة) كما يأتي إن شاء الله تعالى موصولاً في غزوة تبوك وتفسير براءة ووجه الدلالة من ذلك أنه لم ينقل أنه ﷺ كلفهما بعد التوبة بقدر زائد على النفي والهجران.
٢٦٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ.
وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: "أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَمَرَ بها فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
[الحديث ٢٦٤٨ - أطرافه في: ٣٤٧٥، ٣٧٣٢، ٣٧٣٣، ٤٣٠٤، ٦٧٨٧، ٦٧٨٨، ٦٨٠٠].
وبه قال: (حدّثنا
следующие страницы →