← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أقبل على فرس هجين وليس الأمر كذلك، على أن الجوهري حكى أن الحمارة في الأُنثى شاذة وأتان بالجر والتنوين كسابقه على النعت أو بدل الغلط أو بدل بعض من كل، لأن الحمار يطلق على الجنس فيشمل الذكر والأنثى أو بدل كل من كل نحو شجرة زيتونة، ويروى بإضافة حمار إلى أتان أي حمار هذا النوع وهو الأتان. قال البدر الدماميني، قال سراج بن عبد الملك: كذا وجدته مضبوطًا في بعض الأصول، واستنكرها السهيلي وقال: إنما يجوّزه من جوّز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، وذكر ابن الأثير أن فائدة التنصيص على كونها أُنثى الاستدلال بطريق الأولى على أن الأُنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة لأنهنّ أشرف، وعورض بأن العلة ليست مجرد الأنوثة فقط بل الأُنوثة بقيد البشرية لأنها مظنة الشهوة. (وأنا يومئذ قد ناهزت) أي قاربت (الاحتلام ورسول الله -صلى اله عليه وسلم- يصلي بمنى) بالصرف وعدمه والأجود الصرف وكتابته بالألف وسميت بذلك لما يمنى أي يراق بها من الدماء (إلى غير جدار) قال في فتح الباري: أي إلى غير سترة أصلاً قاله الشافعي، وسياق الكلام يدل عليه لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار بلفظ: والنبي ﷺ يصلي المكتوبة ليس شيء يستره (فمررت بين يدي) أي قدام (بعض الصف) فالتعبير باليد مجاز وإلا فالصف لا يد له (وأرسلت الأتان ترتع) أي تأكل وترتع مرفوع، والجملة في محل نصب على الحال من الأتان وهي حال مقدّرة لأنه لم يرسلها في تلك الحال، وإنما أرسلها قبل مقدّرًا كونها على تلك الحال، وجوّز ابن السيد فيه أن يريد لترتع، فلما حذف الناصب رفع كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾ [الزمر: ٦٤] قاله البدر الدماميني، وقيل ترتع تسرع في المشي والأوّل أصوب، ويدل عليه رواية المؤلف في الحج نزلت عنها فرتعت (ودخلت الصف) وللكشميهني فدخلت بالفاء في الصف (فلم ينكر) بفتح الكاف (ذلك على) أي لم ينكره عليّ رسول الله ﷺ ولا غيره، واستدل المؤلف بسياق هذا على ما ترجم له، وهو أن التحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية، وإنما يشترط عند الأداء، ويلحق بالصبي في ذلك العبد والفاسق والكافر، وأدخل المصنف هذا الحديث في ترجمة سماع الصبي وليس فيه سماع لتنزيل عدم إنكار المرور منزلة قوله إنه جائز، والمراد من الصغير غير البالغ، وذكره مع الصبي من باب التوضيح والبيان. ٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ. [الحديث ٧٧ - أطرافه في: ١٨٩، ٨٣٩، ١١٨٥، ٦٣٥٤، ٦٤٢٢]. وبه قال (حدّثني) بالإفراد، وللأصيلي وأبي ذر وابن عساكر حدّثنا (محمد بن يوسف) هو البيكندي كما جزم به البيهقي وغيره، وقيل: هو الفريابي وردّ بأنه لا رواية له عن أبي مسهر الآتي (قال: حدّثنا أبو مسهر) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وآخره راء عبد الأعلى بن (قال: حدّثنا أبو مسهر) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وآخره راء عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي، المتوفى ببغداد سنة ثمان عشرة ومائتين، وقد لقيه المؤلف وسمع منه شيئًا يسيرًا لكنه حدّث عنه هنا بواسطة (قال: حدّثني) بالإفراد، ولابن عساكر وأبي الوقت: حدّثنا (محمد بن حرب) بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين آخره موحدة الخولاني الحمصي، المتوفى سنة أربع وسبعين ومائة، وقد شارك أبا مسهر في رواية هذا الحديث عن محمد بن حرب هذا محمد بن المصفى كما عند النسائي وابن جوصى عن سلمة بن الخليل وابن التقي كلاهما عن محمد بن حرب كما في المدخل للبيهقي، فقد رواه ثلاثة غير أبي مسهر عن ابن حرب فاندفع دعوى تفرد أبي مسهر به عنه (قال: حدّثني) بالإفراد (الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة أبو الهزيل محمد بن الوليد بن عامر الشامي الحمصي، المتوفى بالشام سنة سبع أو ثمان وأربعين ومائة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن محمود بن الرييع) بفتح الراء وكسر الموحدة ابن سراقة الأنصاري الخزرجي المدني، المتوفى ببيت المقدس سنة تسع وتسعين عن ثلاث وتسعين سنة أنه (قال عقلت) بفتح القاف من باب ضرب يضرب أي عرفت أو حفظت (من النبي ﷺ مجة) بالنصب على المفعولية (مجها) من فيه أي رمى بها حال كونها (في وجهي وأنا ابن خمس سنين) جملة من المبتدأ والخبر وقعت حالاً إما من الضمير المرفوع في عقلت

стр. 177

أو من الياء في وجهي (من) ماء (دلو) كان من بئرهم التي في دارهم، وكان فعله ﵊ لذلك على جهة المداعبة أو التبريك عليه كما كان ﷺ يفعل مع أولاد الصحابة، ثم نقله لذلك الفعل المنزل منزلة السماع وكونه سُنّة مقصودة دليل لأن يقال لابن خمس سمع. وقد تعقب ابن أبي صفرة المؤلف في كونه لم يذكر في هذه الترجمة حديث ابن الزبير في رؤيته إياه يوم الخندق يختلف إلى بني قريظة، ففيه السماع منه، وكان سنّه حينئذ ثلاث سنين أو أربعًا فهو أصغر من محمود، وليس في قصة محمود ضبطه لسماع شيء فكان ذكر حديث ابن الزبير أولى بهذين المعنيين. وأجاب ابن المنير كما قاله في فتح الباري ومصابيح الجامع: بأن المؤلف إنما أراد نقل السنن النبوية لا الأحوال الوجودية، ومحمود نقل سنة مقصودة في كون النبي ﷺ مج مجة في وجهه، بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية ثبت بها كونه صحابيًّا، وأما قصة ابن الزبير فليس فيها نقل سُنّة من السُّنن النبوية حتى تدخل في هذا الباب، ولا يقال كما قاله الزركشي إن قصة ابن الزبير تحتاج إلى ثبوت صحتها على شرط البخاري أي حتى يتوجه الإيراد بأنه قد أخرجها في مناقب الزبير في كتابه هذا، فنفي الورود حينئذ لا يخفى ما فيه. وفي هذا الحديث من الفقه جواز إحضار الصبيان مجالس الحديث. واستدل به أيضًا على أن تعيين وقت السماع خمس سنين، وعزاه عياض في الإلماع لأهل الصنعة. وقال ابن الصباغ: وعليه قد استقر عمل أهل الحديث المتأخرين فيكتبون لابن خمس فصاعدًا سمع ولمن لم يبلغها حضر أو أحضر. وحكى القاضي عياض أن محمودًا حين عقل المجة كان ابن أربع، ومن ثم صحح الأكثرون سماع من بلغ أربعًا، لكن بالنسبة لابن العربي خاصة، أما ابن العجمي فإذا بلغ سبعًا قال في فتح الباري: وليس في الحديث ما يدل على تسميع من عمره خمس سنين، بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن فهم الخطاب يسمع وإن كان دون خمس وإلاّ فلا. ١٩ - باب الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ هذا (باب الخروج في طلب العلم) أي السفر لأجل طلب العلم. (ورحل جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي ﵁ (مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس) بضم الهمزة مصغر الجهني، المتوفى بالشام سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية ﵁ (في) أي لأجل (حديث واحد) ذكره المؤلف في المظالم آخر هذا الصحيح بلفظ: ويذكر عن جابر عن عبد الله بن أنيس، سمعت النبي ﷺ يقول: "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت" الحديث. رواه أيضًا في الأدب المفرد موصولاً، وفيه: أن جابرًا بلغه عنه حديث سمعه من رسول الله ﷺ فاشترى بعيرًا ثم شدّ رحله وسار إليه شهرًا حتى قدم عليه وسمعه منه فذكره، ورواه كذلك أحمد وأبو يعلى. لا يقال إن المؤلف نقض قاعدته حيث عبر هنا بقوله: ورحل بصيغة الجزم القتضية للتصحيح. وفي باب المظالم بقوله: ويذكر بصيغة التمريض كما ذكره الزركشي، وحكاه عنه صاحب المصابيح من غير تعرض له، لأن المجزوم به هو الرحلة لا الحديث. قال في فتح الباري: جزم بالارتحال لأن الإسناد حسن، واعتضد ولم يجزم بما ذكره من المتن لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب، ويحتاج إلى تأويل فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طرق مختلف فيها ولو اعتضدت انتهى. ٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَىٌّ نَعَمْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالى إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى ﷺ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ. فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي. فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا. فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ». وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا أبو القاسم خالد بن خلّي) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام الخفيفة بعدها مثناة تحتية مشددة لا بلام مشدّدة كما وقع للزركشي كما في فتح الباري وهو سبق قلم أو خطأ من الناسخ انتهى. الكلاعي. وفي رواية أبي ذر قاضي حمص (قال: حدّثنا محمد بن حرب) الخولاني الحمصي (قال: قال الأوزاعي) وللأصيلي قال: حدّثنا الأوزاعي بفتح الهمزة نسبة إلى الأوزاع قرية بقرب دمشق خارج باب الفراديس، أو لبطن من حمير أو همدان بسكون الميم أو الأوزاع القبائل التي فرقها أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد أحد الأعلام من أتباع التابعين، المتوفى سنة سبع وخمسين ومائة (أخبرنا الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله بن عبد الله) بتصغير العبد الأوّل (ابن عتبة) بضم العين (ابن مسعود عن ابن عباس) عبد الله

стр. 178

﵄ (أنه تمارى) من التماري وهو التجادل والتنازع (هو والحرّ بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى) بن عمران ﵇ هل هو خضر أم لا، وأتى بضمير الفصل لأنه لا يعطف على الضمير المرفوع المتصل إلا إذا أكد بالمنفصل وسقطت لفظة هو من رواية ابن عساكر فعطفه على المرفوع المتصل بغير تأكيد ولا فصل وهو جائز عند الكوفيين، وزاد في الرواية السابقة قال ابن عباس: هو خضر (فمر بهما أُبيّ بن كعب) الأنصاري أقرأ هذه الأمة المقول فيه من عمر سيد المسلمين (فدعاه ابن عباس) هلمّ إلينا (فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل) موسى (السبيل إلى لقيه) بضم اللام وكسر القاف وتشديد الياء مصدر بمعنى اللقاء. يقال: لقيته لقاء بالمد ولقا بالقصر ولقيّا بالتشديد (هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه) قصته؟ (فقال أُبيّ: نعم سمعت النبي) وفي رواية أبي ذر رسول الله (¬ ﷺ يذكر شأنه يقول): (بينما موسى) ﵇ (في ملأ من بني إسرائيل) من ذرية يعقوب بن إسحاق بن الخليل عليهم الصلاة والسلام، وعند مسلم بينما موسى في قومه يذكرهم أيام الله (إذ جاءه رجل) لم يسم (فقال) وفي رواية قال: (أتعلم) بهمزة الاستفهام وفي رواية الأربعة تعلم بحذفها، وللكشميهني هل تعلم (أحدًا أعلم) بنصبهما مفعولاً وصفة، وفي رواية الحموي أن أحدًا أعلم (منك. قال موسى: لا) إنما نفى الأعلمية بالنظر لما في اعتقاده (فأوحى الله تعالى إلى موسى: بلى) وللكشميهني والحموي بل (عبدنا خضر) أعلم منك أي في شيء خاص، (فسأل) موسى (السبيل إلى لقيه) وفي السابقة إليه بدل لقيه وزيادة موسى (فجعل الله) تعالى (له الحوت آية) علامة دالّة على مكانه (وقيل له: إذا فقدت الحوت) بفتح القاف (فارجع فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع) بتشديد المثناة الفوقية (أثر الحوت في البحر)، وللكشميهني والحموي في الماء (فقال فتى موسى) يوشع (لموسى: أرأيت إذ أوينا) أي حين نزلنا ﴿إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلاّ الشيطان أن أذكره﴾ وفي حرف عبد الله: وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان، وكانا تزوّدا حوتًا وخبزًا فكانا يصيبان منه عند الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر فانسرب الحوت فيه، وكان قد قيل لموسى تزوّد حوتًا، فإذا فقدته وجدت الخضر فاتخذ سبيله في البحر مسلكًا ومذهبًا (قال موسى: ذلك ما كنا نبغي) من الآية الدالّة على لقي الخضر عليه اسلام ﴿فارتدّا على آثارهما﴾ يقصان ﴿قصصًا فوجدا خضرًا﴾ على طنفسة على وجه الماء أو نائمًا مسجى بثوب أو غير ذلك (فكان من شأنهما) أي من شأن موسى والخضر (ما قصّ الله في كتابه) بسورة الكهف مما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى بعون الله. ٢٠ - باب فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ هذا (باب فضل من علم) بتخفيف اللام المكسورة أي من صار عالمًا (وعلم) غيره بفتحها مشددة. ٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ، وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بالمهملة والمد المكنى بأبي كريب بضم الكاف مصغر كرب بالموحدة وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائتين (قال: حدّثنا حماد بن أسامة) بضم الهمزة ابن يزيد الهاشمي القرشي الكوفي، المتوفى سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين سنة فيما قيل (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون المثناة التحتية آخره دال مهملة (عن أبي بردة) بضم الموحدة وإسكان الراء ابن أبي موسى الأشعري (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁، ولم يقل عن أبيه بدل قوله عن أبي موسى تفننًا في العبارة (عن النبي ﷺ قال): (مثل) بفتح الميم والمثلثة (ما بعثني الله به من الهدى والعلم) بالجر عطفًا على الهدى من عطف المدلول على الدليل، لأن الهدى هو الدلالة الموصلة للمقصد والعلم هو المدلول وهو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض، والمراد به هنا الأدلة الشرعية (كمثل) بفتح الميم والمثلثة (الغيث) المطر (الكثير أصاب)

стр. 179

الغيث (أرضًا) الجملة من الفعل والفاعل والمفعول في موضع نصب على الحال بتقدير قد (فكان منها) أي من الأرض أرض (نقية) بنون مفتوحة وقاف مكسورة ومثناة تحتية مشددة أي طيبة (قبلت الماء) بفتح القاف وكسر الموحدة من القبول (فانبتت الكلأ) بفتح الكاف واللام آخره مهموز مقصور النبات يابسًا ورطبًا (والعشب) الرطب منه وهو نصب عطفًا على المفعول (الكثير) صفة للعشب فهو من ذكر الخاص بعد العام. وفي حاشية أصل أبي ذر وهو عند الخطابي والحميدي ثغبة بمثلثة مفتوحة وغين معجمة مكسورة، وقد تسكن بعدها باء موحدة خفيفة مفتوحة. وفي فرع اليونينية ثغبة مضبب عليها وهي بضم المثلثة وتسكين الغين وهو مستنقع الماء في الجبال والصخور كما قاله الخطابي، لكن ردّه القاضي عياض وجزم بأنه تصحيف وقلب للتمثيل قال لأنه إنما جعل هذا المثل فيما ينبت والثغاب لا تنبت، والذي رويناه من طرق البخاري كلها بالنون مثل قوله في مسلم طائفة طيبة قبلت الماء. (وكانت) وفي بعض النسخ وكان (منها أجادب) بالجيم والدال المهملة جمع جدب بفتح الدال المهملة على غير قياس ولغير الأصيلي أجاذب بالمعجمة، قال الأصيلي: وبالمهملة هو الصواب أي لا تشرب ماء ولا تنبت (أمسكت الماء فنفع الله بها) أي بالأجادب، وللأصيلي به (الناس) والضمير المذكر للماء (فشربوا) من الماء (وسقوا) دوابهم وهو بفتح السين (وزرعوا) ما يصلح للزرع، ولمسلم وكذا النسائي ورعوا من الرعي، وضبط المازري أجاذب بالذال المعجمة وهمه فيه القاضي عياض، ولأبي ذر إخاذات بهمزة مكسورة وخاء خفيفة وذال معجمتين آخره مثناة فوقية قبلها ألف جمع إخّاذ وهي الأرض التي تمسك الماء كالغدير. وعند الإسماعيلي أحارب بحاء وراء مهملتين آخره موحدة. (وأصاب منها طائفة أخرى) وللأصيلي وكريمة وأصابت أي أصابت طائفة أخرى ووقع كذلك صريحًا عند النسائي (إنما هي قيعان) بكسر القاف جمع قاع وهو أرض مستوية ملساء (لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ) بضم المثناة الفوقية فيهما (فذلك) أي ما ذكر من الأقسام الثلاثة (مثل) بفتح الميم والمثلثة (من فقه) بضم القاف وقد تكسر أي صار فقيهًا (في دين الله ونفعه ما) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر بما أي بالذي (بعثني الله) (به فعلم) ما جئت به (وعلم) غيره وهذا يكون على قسمين: الأوّل العالم العامل المعلم وهو كالأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها، والثاني الجامع للعلم المستغرق زمانه فيه المعلم غيره لكنه لم يعمل بنوافله أو لم يتفقه فيما جمع، فهو كالأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به. (ومثل) بفتح الميم والمثلثة (من لم يرفع بذلك رأسًا) أي تكبر ولم يلتفت إليه من غاية تكبره وهو من دخل في الدين ولم يسمع العلم أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلمه، فهو كالأرض السبخة التي لا تقبل الماء وتفسده على غيرها وأشار بقوله: (ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) إلى من لم يدخل في الدين أصلاً بل بلغه فكفر به وهو كالأرض الصماء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا تنتفع به. قال في المصابيح: وتشبيه الهدى والعلم بالغيث المذكور تشبيه مفرد بمركب إذ الهدى مفرد وكذا العلم، والمشبه به وهو غيث كثير أصاب أرضًا منها ما قبلت فأنبتت، ومنها ما أمسكت خاصة، ومنها ما لم تنبت ولم تمسك مركب من عدة أمور كما تراه وشبه من انتفع بالعلم ونفع به بأرض قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب، وهو تمثيل لأن وجه الشبه فيه هو الهيئة الحاصلة من قبول المحل لما يرد عليه من الخير مع ظهور أماراته وانتشارها على وجه عام الثمرة متعدي النفع، ولا يخفى أن هذه الهيئة منتزعة من أمور متعددة، ويجوز أن يشبه انتفاعه بقبول الأرض الماء ونفعه المتعدي بإنباتها الكلأ والعشب، والأوّل أفحل وأجزل لأن في الهيئات المركبات من الوقع في النفس ما ليس في المفردات في ذواتها من غير نظر إلى تضامها ولا التفات إلى هيئتها الاجتماعية، قال الشيخ عبد القاهر في قول القائل:

стр. 180

وكأنّ أجرام النجوم لوامعًا … درر نشرن على بساط أزرق لو قلت: كان النجوم درر وكأن السماء بساط أزرق كان التشبيه مقبولاً، لكن أين هو من التشبيه الذي يريك الهيئة التي تملأ النواظر عجبًا وتستوقف العيون وتستنطق القلوب بذكر الله من طوع النجوم مؤتلفة متفرقة في أديم السماء وهي زرقاء زرقتها بحسب الرؤية صافية والنجوم تبرق وتلألأ في أثناء تلك الزرقة؟ ومن لك بهذه الصورة إذا جعلت التشبيه مفردًا، وقد وقع في الحديث أنه شبه من انتفع بالعلم في خاصة نفسه ولم ينفع به أحدًا بأرض أمسكت الماء ولم تنبت شيئًا، أو شبه انتفاعه المجرد بإمساك الأرض للماء مع عدم إنباتها، وشبه من عدم فضيلتي النفع والانتفاع جميعًا بأرض لم تمسك ماء أصلاً، أو شبه فوات ذلك له بعدم إمساكها الماء، وهذه الحالات الثلاث مستوفية لأقسام الناس ففيه من البديع التقسيم. فإن قلت: ليس في الحديث تعرض إلى القسم الثاني، وذلك أنه قال: فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم وهذا القسم الأوّل، ثم قال: ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به وهذا هو القسم الثالث، فأين الثاني؟ أجيب: فاحتمال أن يكون ذكر من الأقسام أعلاها وأدناها وطوى ذكر ما بينهما لفهمه من أقسام المشبه به المذكورة أوّلاً، ويحتمل أن يكون قوله نفعه الخ صلة موصول محذوف معطوف على الوصول الأوّل أي: فذلك مثل من فقه في دين الله، ومثل من نفعه كقول حسان ﵁: أمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء أي: ومن يمدحه وينصره سواء، وعلى هذا فتكون الأقسام الثلاثة مذكورة فمن فقه في دين الله هو الثاني، ومن نفعه الله من ذلك فعلم وعلم والأوّل، ومن يرفع بذك رأسًا هو الثالث، وفيه حينئذ لف ونشر غير مرتب انتهى. وقال غيره: شبه ﵊ ما جاء به من الدين بالغيث العامّ الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت، فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين له بالأراضى المختلفة التي ينزل يها الغيث. وهذا الحديث فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم كوفيون، وأخرجه المؤلف هنا فقط، ومسلم في فضائله -صلى لله عليه وسلم-، والنسائي في العلم. (قال أبو عبد الله) أي البخاري، وفي رواية غير الأصيلي وابن عساكر بحذف ذلك (قال إسحاق) بن إبراهيم بن مخلد بفتح الميم وسكون الخاء وفتح اللام الحنظلي المروزي المشهور بابن راهويه، المتوفى بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومائتين وهذا هو الظاهر لأنه إذا وقع في هذا الكتاب إسحاق غير منسوب فهو كما قاله الجياني عن ابن السكن يكون ابن راهويه في روايته عن أبي أسامة، (وكان منها طائفة قيلت الماء) بالمثناة التحتية المشددة بدل قوله قبلت بالموحدة، وجزم الأصيلي بأنها تصحيف من إسحاق وصوّبها غيره والمعنى شربت القيل وهو شرب نصف النهار وزاد في رواية المستملي هنا (قاع) أي أن قيعان المذكورة في الحديث جمع قاع أرض (يعلوه الماء) ولا يستقرّ فيه، (والصفصف المستوي من الأرض) هذا ليس في الحديث، وإنما ذكره جريًا على عادته في الاعتناء بتفسير ما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن، وعند ابن عساكر بعد قيلت الماء والصفصف المستوي من الأرض. ٢١ - باب رَفْعِ الْعِلْمِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ عِنْدَهُ شَىْءٌ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ (باب رفع العلم وظهور الجهل) الأوّل مستلزم للثاني وأتى به للإيضاح (وقال ربيعة) الرأي بالهمزة الساكنة ابن أبي عبد الرحمن المدني التابعي شيخ إمام الأئمة مالك، المتوفى بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة، وإنما قيل له الرأي لكثرة اشتغاله بالرأي والاجتهاد، ومقول قوله الموصول عند الخطيب في جامعه والبيهقي في مدخله (لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم) أي الفهم (أن يضيع نفسه) بترك الاشتغال أو بعدم إفادته لأهله لئلا يموت العلم فيؤدي ذلك إلى رفع العلم المستلزم لظهور الجهل، وفي رواية الأربعة يضيع نفسه بحذف أن. ٨٠ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا». [الحديث ٨٠ - أطرافه في: ٨١، ٥٢٣١، ٥٥٧٧، ٦٨٠٨]. وبالسند السابق إلى المؤلف قال: (حدّثنا عمران بن ميسرة) ضد الميمنة المنقري

стр. 181

البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان التميمي البصري (عن أبي التيّاح) بفتح المثناة الفوقية وتشديد التحتية آخره مهملة يزيد بن حميد الضبعي، المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائة (عن أنس) وللأصيلي زيادة ابن مالك أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (إن من أشراط الساعة) بفتح الهمزة أي علاماتها (أن يرفع العلم) بموت حملته وقبض نقلته لا بمحوه من صدورهم، ويرفع بضم أوّله، وعند النسائي من أشراط الساعة بحذف إن، وحينئذ فيكون محل أن يرفع العلم رفعًا على الابتداء وخبره مقدّم (و) أن (يثبت الجهل) بفتح المثناة التحتية من الثبوت بالمثلثة وهو ضد النفي، وعند مسلم ويبث من البث بموحدة فمثلثة وهو الظهور والفشوّ. (و) أن (يشرب) بضم المثناة التحتية (الخمر) أي يكثر شربه. وفي النكاح من طريق هشام عن قتادة ويكثر شرب الخمر فالمطلق محمول على المقيد خلافًا لمن ذهب إلى أنه لا يجب حمله عليه، والاحتياط بالحمل هاهنا أولى لأن حمل كلام النبوّة على أقوى محامله أقرب، فإن السياق يفهم أن المراد بأشراط الساعة وقوع أشياء لم تكن معهودة حين المقالة، فإذا ذكر شيئًا كان موجودًا عند المقالة فحمله على أن المراد بجعله علامة أن يتصف بصفة زائدة على ما كان موجودًا كالكثرة والشهرة أقرب، (و) أن (يظهر) أي يفشو (الزنا) بالقصر على لغة أهل الحجاز وبها جاء التنزيل وبالمد لأهل نجد والنسبة إلى الأوّل زنوي وإلى الآخر زناوي، فوجود الأربع هو العلامة لوقوع الساعة. ٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) بضم الميم وفتح السين والدال المهملتين ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بفتح القاف ابن دعامة (عن أنس) وللأصيلي ابن مالك (قال: لأحدثنكم) بفتح اللام أي والله لأحدّثنكم ولذا أكد بالنون وبه صرح أبو عوانة عن هشام عن قتادة (حديثًا لا يحدّثكم أحد بعدي) ولمسلم لا يحدّث أحد بعدي بحذف المفعول، وللمؤلف من طريق هشام لا يحدّثكم غيري وحمل على أنه قاله لأهل البصرة وقد كان هو آخر من مات بها من الصحابة (سمعت رسول الله) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر النبي (¬ ﷺ ¬) أي كلامه حال كونه (يقول): (من) وللأصيلي وأبي ذر أن من (أشراط الساعة أن يقل العلم) بكسر القاف من القلة وله في الحدود والنكاح أن يرفع العلم وكذا لمسلم ولا تنافي بينهما إما لأن القلّة فيه معبّر بها عن العدم. قال في الفتح: وهذا أليق لاتحاد المخرج أو ذلك باعتبار زمانين مبدأ الاشتراط وانتهائه (و) أن (يظهر الجهل و) أن (يظهر الزنا و) أن (تكثر النساء و) أن (يقل الرجال) لكثرة القتل بسبب الفتن وبقلتهم مع كثرة النساء يظهر الجهل والزنا ويرفع العلم لأن النساء حبائل الشيطان (حتى) أي إلى أن (يكون لخمسين امرأة القيم الواحد) بالرفع صفة القيم وهو من يقوم بأمرهن، وقال أبو عبد الله القرطبي في التذكرة: يحتمل أن يراد بالقيم من يقوم عليهنّ سواء كنّ موطوءات أم لا، ويحتمل أن يكون ذلك في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقول: الله الله فيتزوّج الواحد بغير عدد جهلاً بالحكم الشرعي، وقال القيم: بأل إشعارًا بما هو معهود من كون الرجال قوّامين على النساء، وهل المراد من قوله خمسين امرأة حقيقة العدد أو المجاز عن الكثرة؟ ويؤيد الثاني ما في حديث أبي موسى ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة. ٢٢ - باب فَضْلِ الْعِلْمِ هذا (باب فضل العلم) والباب السابق في أوّل كتاب العلم باب فضيلة العلماء، والمراد هنا الزيادة أي ما فضل عنه وهناك بمعنى الفضيلة وحينئذ فلا تكرار. ٨٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ». [الحديث ٨٢ - أطرافه في: ٣٦٨١، ٧٠٠٦، ٧٠٠٧، ٧٠٢٧، ٧٠٣٢]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون المثناة التحتية آخره راء (قال: حدّثني) بالإفراد وفي رواية أبي ذر حدّثنا (الليث) بن سعد إمام المصريين (قال: حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين وفتح القاف وسكون المثناة التحتية ابن خالد الأيلي بفتح الهمزة، وفي رواية أبي ذر عن عقيل، وفي فتح الباري وللأصيلي وكريمة حدّثني الليث حدّثني عقيل (عن ابن شهاب)

стр. 182

محمد بن مسلم الزهري (عن حمزة) بالمهملة والزاي (ابن عبد الله بن عمر) بن الخطاب المكنى بأبي عمارة بضم العين القرشي العدوي المدني التابعي (أن ابن عمر) ﵄ (قال: سمعت رسول الله) أي كلامه (¬ ﷺ ¬) حال كونه (قال) وفي رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر يقول: (بينا) بغير ميم (أنا) مبتدأ وخبره (نائم أتيت) بضم الهمزة وهو جواب بينا (بقدح لبن فشربت) أي من اللبن (حتى إني) بكسر همزة إن لوقوعها بعد حتى الابتدائية أو فتحها على جعلها جارّة (لا أرى) بفتح الهمزة من الرؤية (الري) بكسر الراء وتشديد الياء كذا في الرواية، وزاد الجوهري حكاية الفتح أيضًا، وقيل بالكسر الفعل وبالفتح المصدر (يخرج في أظفاري) في محل نصب مفعول ثان لأرى إن قدرت الرؤية بمعنى العلم أو حال إن قدرت بمعنى الإبصار، وفي رواية ابن عساكر والحموي من أظفاري، وللمؤلف في التعبير من أطرافي، ويجوز أن تكون في هنا بمعنى على. أي على أظفاري كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي عليها، ويكون بمعنى يظهر عليها، والظفر إما منشأ الخروج أو ظرفه. وقال: لأرى بلفظ المضارع لاستحضار هذه الرؤية للسامعين واللام فيه هي الداخلة في خبر إن للتأكيد كما في قولك: إن زيد القائم أو هي لام جواب قسم محذوف ورد بأنه ليس بصحيح فليس فيه قسم صريح ولا مقدر انتهى. وعبر بيخرج المضارع موضع الماضي لاستحضار صورة الرؤية للسامعين وجعل الري مرئيًّا تنزيلاً له منزلة الجسم، وإلاّ فالري لا يرى فهو استعارة أصلية (ثم أعطيت فضلي) أي ما فضل من لبن القدح الذي شربت منه (عمر بن الخطاب) ﵁ مفعول أعطيت الثاني (قالوا) أي الصحابة: (فما أوّلته) أي عبرته (يا رسول الله؟ قال) أوّلته (العلم) بالنصب ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف أي المؤوّل به العلم، ووجه تفسير اللبن بالعلم الاشتراك في كثرة النفع بهما وكونهما سببًا لصلاح ذاك في الأشباح، والآخر في الأرواح والفاء في فما أوّلته زائدة كهي في قوله تعالى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ [ص: ٥٧] فافهم ذلك. ٢٣ - باب الْفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا (باب الفتيا) بضم الفاء (وهو) أي العالم المفتي المجيب المستفتي عن سؤاله (واقف) أي راكب (على الدابّة) التي تركب، وفي بعض الروايات على ظهر الدابة (وغيرها) سواء كان واقفًا على الأرض أو ماشيًا وعلى كل أحواله، وفي رواية أبوي ذر والوقت أو غيرها. ٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. فَقَالَ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ. فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ. فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَىْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ. [الحديث ٨٣ - أطرافه في: ١٢٤، ١٧٣٦، ١٧٣٧، ١٧٣٨، ٦٦٦٥]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس ابن أُخت الإمام مالك (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) بن أنس الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله) بضم العين مصغرًا القرشي التيمي التابعي، المتوفى سنة مائة (عن عبد الله بن عمرو بن العاصي) بإثبات الياء بعد الصاد على الأفصح: (أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع) بفتح الواو اسم من ودع والفتح في حاء حجة هو الرواية ويجوز كسرها أي حال وقوفه (بمنى) بالصرف وعدمه (للناس) حال كونهم (يسألونه) ﵊ فهو حال من ضمير وقف، ويحتمل أن يكون من الناس أي وقف لهم حال كونهم سائلين منه، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانًا لعلة الوقوف (فجاءه رجل) قال في الفتح: لم أعرف أسمه، وفي رواية الأصيلي فجاء رجل (فقال): يا رسول الله (لم أشعر) بضم العين أي لم أفطن (فحلقت) رأسي (قبل أن أذبح) الهدي، (فقال) رسول الله ﷺ (اذبح ولا حرج) أي ولا إثم عليك (فجاء آخر) غيره (فقال) يا رسول الله (لم أشعر فنحرت) هدْيي (قبل أن أرمي) الجمرة (قال) ﵊، وفي رواية أبي ذر فقال: (ارم) الجمرة (ولا حرج) عليك في ذلك (فما سئل النبي ﷺ عن شيء) من أعمال يوم العيد الرمي والنحر والحلق والطواف (قدّم ولا أخّر) بضم أولهما على صيغة المجهول، وفي الأوّل حذف أي لا قدّم ولا أخر لأنها لا تكون في الماضي إلا مكررة على الفصيح وحسن ذلك هنا أنه في سياق النفي كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] ولمسلم ما سئل عن شيء قدّم أو أخّر (إلا قال) ﵊ للسائل: (افعل) ذلك كما فعلته قبل أو متى شئت (ولا حرج) عليك

стр. 183

مطلقًا لا في الترتيب ولا في ترك الفدية. وهذا مذهب إمامنا الشافعي وأحمد وعطاء وطاوس ومجاهد. وقال مالك وأبو حنيفة: الترتيب واجب يجبر بدم لما روى ابن عباس أنه قال: من قدَّم شيئًا في حجه أو أخّره فليهرق لذلك دمًّا، وتأوّلوا الحديث أي لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا لأنكم فعلتموه على الجهل منكم لا على القصد فأسقط عنهم الحرج وأعذرهم لأجل النسيان وعدم العلم، ويدل له قول السائل لم أشعر، ويؤيده أن في رواية علي عند الطحاوي بإسناد صحيح بلفظ: رميت وحلقت ونسيت أن أنحر، وفي الحديث جواز سؤال العالم راكبًا وماشيًا وواقفًا على كل حال ولا يعارض هذا بما روي عن مالك من كراهة ذكر العلم والسؤال عن الحديث في الطريق، لأن الموقف بمنى لا يعدّ من الطرقات لأنه موقف سُنّة وعبادة وذكر ووقت حاجة إلى التعلم خوف الفوات إما بالزمان أو بالمكان. ٢٤ - باب مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بِإِشَارَةِ الْيَدِ وَالرَّأْسِ هذا (باب من أجاب الفتيا) أي في بيان المفتي الذي أجاب المستفتي فيما سأله عنه (بإشارة اليد والرأس) وسقط لفظ باب للأصيلي. ٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ: وَلَا حَرَجَ. وقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: وَلَا حَرَجَ. [الحديث ٨٤ - أطرافه في: ١٧٢١، ١٧٢٢، ١٧٢٣، ١٧٣٤، ١٧٣٥، ٦٦٦٦]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي البصري (قال: حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء وسكون المثناة التحتية آخره موحدة ابن خالد الباهلي البصري، المتوفى سنة خمس أو تسع وستين لا سنة ست وخمسين (قال: حدّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) عبد الله ﵄: (أن النبي ﷺ سئل) بضم السين (في حجته) أي الوداع (فقال) أي السائل (ذبحت) هديي (قبل أن أرمي) الجمرة فهل يصح وهل عليّ حرج؟ (فأومأ) أي أشار ﷺ ، وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت قال: فأومأ (بيده) الكريمة حال كونه قد (قال) وفي رواية أبي ذر فقال: (لا حرج) عليك، وللأصيلي ولا حرج بالواو أي صح فعلك ولا حرج عليك وهي ساقطة في رواية لأبي ذر وعلى حالية قال يكون جمع بين الإشارة والنطق، ويحتمل أن يكون قال بيانًا لقوله: فأومأ ويكون من إطلاق القول على الفعل وهذا هو الأحسن. (وقال) ذلك السائل أو غيره (حلقت) رأسي (قبل أن أذبح) هديي أي قبل ذبحه (فأومأ) فأشار رسول الله ﷺ (بيده) الشريفة (ولا حرج) أي صح فعلك ولا إثم عليك، ولم يحتج إلى ذكر قال هنا لأنه أشار بيده بحيث فهم من تلك الإشارة أنه لا حرج. ورجال هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، والتحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في الحج من طريقين، ومسلم والنسائي فيه أيضًا. ٨٥ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ. [الحديث ٨٥ - أطرافه في: ١٠٣٦، ١٤١٢، ٣٦٠٨، ٣٦٠٩، ٤٦٣٥، ٤٦٣٦، ٦٠٣٧، ٦٥٠٦، ٦٩٣٥، ٧٠٦١، ٧١١٥، ٧١٢١]. وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة آخره راء البلخي، المتوفى ببلخ سنة أربع عشرة ومائتين (قال: أخبرنا حنظلة) زاد الأصيلي ابن أبي سفيان (عن سالم) هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ (قال: سمعت أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر أي كلامه (عن النبي ﷺ قال): (يقبض العلم) أي بموت العلماء ويقبض بضم أوّله على صيغة المجهول وهو تفسير لقوله في الرواية السابقة يرفع العلم. (وبظهر الجهل) بفتح المثناة التحتية على صيغة المعلوم وذكر هذه لزيادة التأكيد والإيضاح وإلاّ فظهور الجهل من لازم قبض العلم (والفتن) بالرفع عطفًا على الجهل وللأصيلي وابن عساكر ونظهر الفتن بإسقاط الجهل (ويكثر الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء آخره جيم الفتنة والاختلاط، وأصله كثرة الشر وهو بلسان الحبشة القتل كما عند المصنف في كتاب الفتن. (قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده فحرّفها كأنه يريد القتل) فهمه الراوي من تحريف يده الكريمة وحركتها كالضارب، وفي إطلاق القول على الفعل والفاء في قوله: فحرّفها تفسيرية فهى مفسرة لقوله هكذا. ٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ؟ النَّاسِ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ. قُلْتُ: آيَةٌ. فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا -أَىْ نَعَمْ- فَقُمْتُ حَتَّى عَلاني الْغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ. فَحَمِدَ اللَّهَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْ شَىْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلاَّ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ. فَأُوحِيَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ، أَوْ قَرِيبَ -لَا أَدْرِي أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، أَوِ الْمُوقِنُ -لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ (ثَلَاثًا)، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ، أَوِ الْمُرْتَابُ- لَا أَدْرِي أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ. [الحديث ٨٦ - أطرافه في: ١٨٤، ٩٢٢، ١٠٥٣، ١٠٥٤، ١٠٦١، ١٢٣٥، ١٣٧٣، ٢٥١٩، ٢٥٢٠، ٧٢٨٧]. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (قال: حدّثنا وهيب) أي ابن خالد (قال: حدّثنا هشام) أي ابن عروة بن الزبير بن العوام (عن فاطمة) بنت المنذر بن الزبير بن العوام وهي زوجة هشام هذا وبنت عمه (عن أسماء) بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين زوج الزبير، المتوفاة بمكة سنة ثلاث وسبعين وقد بلغ المائة ولم يسقط

стр. 184

لها سن ولم يتغير لها عقل أنها (قالت): (أتيت عائشة) أم المؤمنين ﵂ (وهي تصلي) أي حال كون عائشة تصلي (فقلت: ما شأن الناس) قائمين مضطربين فزعين (فأشارت) عائشة (إلى السماء) تعني انكسفت الشمس (فإذا الناس) أي بعضهم (قيام) لصلاة الكسوف (فقالت) أي ذكرت عائشة ﵂ (سبحان الله، قلت: آية) هي أي علامة لعذاب الناس لأنها مقدمة له قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] أو علامة لقرب زمان قيام الساعة (فأشارت) عائشة (برأسها أي نعم) قالت أسماء (فقمت) في الصلاة (حتى علاني) بالعين المهملة من علوت الرجل غلبته، ولكريمة تجلاني بفتح المثناة الفوقية والجيم وتشديد اللام وضبب عليه في الفرع أي علاني (الغشي) بفتح الغين وسكون الشين المعجمتين آخره مثناة تحتية مخففة وبكسر الشين وتشديد الياء أيضًا بمعنى الغشاوة وهي الغطاء، وأصله مرض معروف يحصل بطول القيام في الحر ونحوه وهو طرف من الإغماء، والمراد به هنا الحالة القريبة منه فأطلقته مجازًا ولهذا قالت: (فجعلت أصب على رأسي الماء) أي في تلك الحالة ليذهب (فحمد الله النبي ﷺ أثنى عليه) عطف على حمد من باب عطف العام على الخاص، لأن الثناء أعمّ من الحمد والشكر والمدح أيضًا (ثم قال) ﵊: (ما من شيء لم أكن أريته) بضم الهمزة أي مما يصح رؤيته عقلاً كرؤية الباري تعالى ويليق عرفًا مما يتعلق بأمر الدين وغيره (إلا رأيته) رؤية عين حقيقة حال كوني (في مقامي) بفتح الميم الأولى وكسر الثانية. زاد في رواية الكشميهني والحموي هذا خبر مبتدأ محذوف أي هو هذا، ويؤوّل بالمشار إليه والاستثناء مفرغ متصل فتلغى فيه إلا من حيث العمل لا من حيث المعنى كسائر الحروف نحو: ما جاءني إلا زيد وما رأيت إلا زيدًا وما مررت إلا بزيد (حتى الجنة والنار) بالرفع فيهما على أن حتى ابتدائية والجنة مبتدأ محذوف الخبر أي حتى الجنة مرئية والنار عطف عليه والنصب على أنها عاطفة عطفت الجنة على الضمير المنصوب في رأيته، والجر على أنها جارّة. وكذا قرّروه بالثلاثة وهي ثابتة في فرع اليونينية كهي. وقال الحافظ ابن حجر: رويناه بالحركات الثلاث فيهما، لكن استشكل البدر الدماميني بالجر بأنه لا وجه له إلا العطف على المجرور المتقدم وهو ممتنع لما يلزم عليه من زيادة من مع المعرفة والصحيح منعه. (فأوحي) بضم الهمزة وكسر الحاء (إليّ أنكم) بفتح الهمزة مفعول أوحي ناب عن الفاعل (تفتنون) تمتحنون وتختبرون (في قبوركم مثل أو قريبًا) بحذف التنوين في مثل وإثباته في تاليه (لا أدري أي ذلك) لفظ مثل أو قريبًا. (قالت أسماء) ﵂: (من فتنة المسيح) بالحاء المهملة لمسحه الأرض أو لأنه ممسوح العين (الدجال) الكذاب، والتقدير مثل فتنة المسيح أو قريبًا منها فحذف ما كان مثل مضافًا إليه لدلالة ما بعده وترك هو على هيئته قبل الحذف كذا وجهه ابن مالك وقال: إنه الرواية المشهورة. وقال عياض: الأحسن تنوين الثاني وتركه في الأوّل، وفي رواية في الفرع وأصله مثل أو قريب بالنصب من غير ألف بغير تنوين فيهما. قال الزركشي: المشهور في البخاري أي تفتنون مثل فتنة الدجال أو قريب الشبه من فتنة الدجال، فكلاهما مضاف، وجملة لا أدري إلى آخرها اعتراض بين المضاف والمضاف إليه مؤكدة لمعنى الشك المستفاد من كلمة أو لا يقال كيف فصل بين المضافين وبين ما أضيفا إليه، لأن الجملة المؤكدة للشيء لا تكون أجنبية منه، وإثبات من كما في بعض النسخ وهو الذي في فرع اليونينية بين المضاف والمضاف إليه لا يمتنع عند جماعة من النحاة ولا يخرج بذلك عن الإضافة، وفي رواية مثلاً أو قريبًا بإثبات التنوين فيهما أي تفتنون في قبوركم فتنة مثلاً من فتنة المسيح أو فتنة قريبًا من فتنة المسيح، وحينئذ فالأوّل صفة لمصدر محذوف، والثاني عطف عليه، وأي مرفوع على الأشهر بالابتداء والخبر. قالت أسماء: وضمير المفعول محذوف أي قالته وفعل الدراية معلق بالاستفهام لأنه من أفعال القلوب وبالنصب مفعول أدري إن جعلت موصولة، أو قالت

стр. 185

إن جعلت استفهامية أو موصولة (يقال) للمفتون: (ما علمك) مبتدأ وخبره (بهذا الرجل) ﷺ ولم يعبر بضمير المتكلم لأنه حكاية قول الملكين، ولم يقل رسول الله ﷺ لأنه يصير تلقينًا لحجته وعدل عن خطاب الجمع في أنكم تفتنون إلى المفرد في قوله ما علمك لأنه تفصيل. أي كل واحد يقال له ذلك لأن السؤال عن العلم يكون لكل واحد، وكذا الجواب بخلاف الفتنة، (فأما المؤمن أو الموقن) أي المصدق بنبوّته ﷺ (لا أدري بأيهما) وفي رواية الأربعة أيهما المؤمن أو الموقن. (قالت أسماء) والشك من فاطمة بنت المنذر (فيقول) الفاء جواب أما لما في أما من معنى الشرط (هو محمد رسول الله) هو (جاءنا بالبينات) بالمعجزات الدالّة على نبوّته (والهدى) أي الدلالة الموصلة إلى البغية (فأجبنا واتبعنا) وفي رواية أبي ذر فأجبناه واتبعناه بالهاء فيهما فحذف ضمير المفعول في الرواية الأولى للعلم به أي قبلنا نبوّته معتقدين مصدّقين واتّبعناه فيما جاء به إلينا أو الإجابة تتعلق بالعلم والاتباع بالعمل. يقول المؤمن: (هو محمد) وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت وهو محمد- ﷺ قولاً (ثلاثًا) أي ثلاث مرات (فيقال) له: (نم) حال كونك (صالحًا) منتفعًا بأعمالك إذ الصلاح كون الشيء في حدّ الانتفاع (قد علمنا إن كنت) بكسر الهمزة أي الشأن كنت (لموقنًا به) أي إنك موقن كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي أنتم أو تبقى على بابها. قال القاضي: وهو الأظهر واللام في قوله لموقنًا عند البصريين للفرق بين إن المخففة وإن النافية، وأما الكوفيون فهي عندهم بمعنى "ما" واللام بمعنى "إلا" كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أي ما كل نفس إلا عليها حافظ والتقدير ما كنت إلا موقنًا. وحكى السفاقسي فتح همزة أن على جعلها مصدرية أي علمنا كونك موقنًا به، وردّه بدخول اللام انتهى. وتعقبه البدر الدماميني فقال: إنما تكون اللام مانعة إذا جعلت لام الابتداء على رأي سيبويه ومن تابعه، وأما على رأي الفارسي وابن جني وجماعة أنها لام غير لام الابتداء اجتلبت للفرق فيسوغ الفتح بل يتعين حينئذ لوجود المقتضى وانتفاء المانع. (وأما المنافق) أي غير المصدق بقلبه لنبوّته (أو المرتاب) الشاك قالت فاطمة (لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته) أي قلت ما كان الناس يقولونه وفي رواية وذكر الحديث أي الخ الآتي إن شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين وأنّ من ارتاب في صدق الرسول ﷺ وصحة رسالته فهو كافر وأنّ الغشي لا ينقض الوضوء ما دام العقل باقيًا إلى غير ذلك مما لا يخفى. ٢٥ - باب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالْعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ». هذا (باب تحريض النبي ﷺ ¬) أي حثّه (وفد عبد القيس) القبيلة المشهورة (على أن يحفظوا الإيمان والعلم) من باب عطف الخاص على العام (ويخبروا به من وراءهم) وتحريض بالضاد المعجمة، وقيل وبالمهملة أيضًا وهما بمعنى كما قاله الكرماني، وعورض بأنه تصحيف ودفع بأنه إذا كان كلاهما يستعمل في معنى واحد لا يكون تصحيفًا وعلى منكر استعمال المهمل بمعنى المعجم البيان، وأجيب: بأن النافي لا يلزمه إقامة دليل وبأنه لا يلزم من ترادفهما وقوعهما معًا في الرواية، والكلام إنما هو في تقييد الرواية لا مطلق الجواز انتهى. (وقال مالك بن الحويرث) بالتصغير والمثلثة ابن حشيش بفتح المهملة وبالشين المعجمة المكررة الليثي له في البخاري أربعة أحاديث، المتوفى بالبصرة سنة أربع وتسعين مما هو موصول عند المؤلف في الصلاة والأدب وخبر الواحد كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلم كذلك (قال لنا النبيّ) وفي نسخة رسول الله (¬ ﷺ ¬) أي لما قدم عليه في ستة من قومه وأسلم وأقام عنده أيامًا وأذن له في الرجوع: (ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم) أمر دينهم، وفي رواية الأصيلي والمستملي فعظوهم من الوعظ والتذكير. ٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَنِ الْوَفْدُ -أَوْ مَنِ الْقَوْمُ- قَالُوا: رَبِيعَةُ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى. قَالُوا إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَىُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ. وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ -قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ النَّقِيرِ، وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرِ. قَالَ: احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ. [الحديث ٨٧ - أطرافه في: ٥٣، ٥٢٣، ١٣٩٨، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٣٦٨، ٤٣٦٩، ٦١٧٦، ٧٢٦٦، ٧٥٥٦]. وبالسند إلى البخاري قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة والشين المعجمة المثقلة ابن عثمان البصري (قال: حدّثنا غندر) بضم الغين المعجمة وفتح الدال المهملة محمد بن جعفر الهذلي

стр. 186

البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي جمرة) بالجيم والراء نصر بن عمران البصري أنه (قال): (كنت أترجم) أي أعبر (بين ابن عباس) ﵄ (وبين الناس) فأعبر لهم ما أسمع من ابن عباس وله ما أسمع منهم (فقال) ابن عباس: (إن وفد عبد القيس) بن أفصى بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الصاد المهملة، والوفد اسم جمع لا جمع لوافد على الصحيح، قال القاضي: وهم القوم يأتون ركبانًا (أتوا النبي) وفي الرواية السابقة لما أتوا النبي (¬ ﷺ فقال) لهم: (من الوفد أو) قال لهم (من القوم)؟ شك شعبة أو شيخه. (قالوا): نحن (ربيعة) لأن عبد القيس من أولاده (فقال) ﵊، وفي رواية ابن عساكر قال: (مرحبًا بالقوم أو الوفد) على الشك أيضًا، وفي رواية غير الأصيلي وكريمة بحذفهما (غير خزايا) أي مذلّين ولا مهانين ولا فضوحين بوطء البلاد وقتل الأنفس وسبي النساء ونصب غير على الحال. قال النووي: وهو المعروف وبالجر على الصفة. (ولا ندامى) الأصل نادمين جمع نادم، لأن ندامى إنما هو جمع ندمان أي المنادم في اللهو، لكن هنا على الاتباع كما قالوا: العشايا والغدايا وغداة جمعها الغدوات لكنه اتبع قاله الزركشي كالخطابي، وعورض بما في جامع القزاز على ما حكاه السفاقسي أنه يقال: رجل نادم وندمان في الندامة بمعنى أي نادم، وحينئذ يكون جاريًا على الأصل، وعند النسائي من طريق قرة فقال: مرحبًا بالوفد ليس الخزايا النادمين. (قالوا) يا رسول الله (إنّا نأتيك من شقة) بضم الشين المعجمة أي سفرة (بعيدة وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر) أصل الحي منزل القبيلة ثم سميت به اتساعًا لأن بعضهم يحيا ببعض. (ولا نستطيع أن نأتيك إلاّ في شهر حرام) بتنكيرهما وهو يصلح لكلها، وفي رواية الأصيلي في شهر الحرام بتعريف الثاني كمسجد الجامع، والمراد رجب لتفرّده بالتحريم مع التصريح به في رواية البيهقي كما مرّ (فمرنا بأمر) زاد في رواية كتاب الإيمان فصل (نخبر به) بالرفع على الصفة لقوله أمر وبالجزم جوابًا للأمر (من وراءنا) من قومنا (ندخل به الجنة) بإسقاط واو العطف الثابتة في رواية كتاب الإيمان مع الرفع على الحال المقدرة. أي: نخبر مقدرين دخول الجنة أو على الاستئناف أو البدلية أو الصفة بعد الصفة والجزم جوابًا للأمر جوابًا بعد جواب، وفي فرع اليونينية وندخل بإثبات العاطف كالأولى، وحينئذ فلا يتأتى الجزم في الثاني مع رفع الأوّل، (فأمرهم) ﵊ (بأربع) وزاد خامسة وهي إعطاء الخمس، (ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده) زاد في رواية الكشميهني لفظة قال (قال: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة) المفروضة (وإيتاء الزكاة) المعهودة (وصوم رمضان) وأن (تعطوا الخُمس من المغنم) صرّح بأن في وتعطوا في رواية أحمد عن غندر فقال: وأن تعطوا فكأن الحذف من شيخ البخاري. (ونهاهم عن الدباء) بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة والمدّ القرع (و) عن (الحنتم) بفتح المهملة وهو جرار خضر مطلية بما يسدّ الخرق (و) عن (المزفت) أي المطلي بالزفت. (قال شعبة: ربما) وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت وربما (قال) أبو جمرة عن (النقير) بالنون المفتوحة وكسر القاف أي الجذع المنقور، (وربما قال) عن (المقير) أي المطلي بالقار. قال في فتح الباري: وليس المراد أنه كان يتردد في هاتين اللفظتين ليثبت إحداهما دون الأخرى لئلا يلزم من ذكر المقير التكرار لسبق ذكر المزفت لأنه بمعناه، بل المراد أنه كان جازمًا بذكر الثلاث الأول شاكًا في الرابع وهو النقير، فكان تارة يذكره وتارة لا يذكره، وكان أيضًا شاكًّا في التلفظ بالثالث فكان تارة يقول المزفت وتارة يقول المقير هذا توجيهه فلا يلتفت إلى ما عداه، والدليل عليه أنه جزم بالنقير في الباب السابق يعني في كتاب الإيمان ولم يتردد إلا في المزفت والمقير (قال: احفظوه) أي المذكور (وأخبروه) بفتح الهمزة وكسر الموحدة، وللكشميهني وأخبروا بحذف الضمير، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني وأخبروا به (من وراءكم) من قومكم.

стр. 187

٢٦ - باب الرِّحْلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ هذا (باب الرحلة) بكسر الراء من رحل أي الارتحال (في المسألة النازلة) بالمرء. قال الحافظ ابن حجر: وفي روايتنا أيضًا الرحلة بفتح الراء أي الواحدة، وأما بضمها فالمراد به الجهة وقد يطلق على من يرحل إليه اهـ. وفي هامش الفرع كأصله بضم الراء ورقم عليه علامة الأصيلي، وزاد في رواية كريمة وأبي الوقت بعد قوله النازلة: (وتعليم أهله) بالجر عطفًا على الرحلة وصوّب حذفه لمجيئه في باب آخر. ٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي. فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. [الحديث ٨٨ - أطرافه في: ٢٠٥٢، ٢٦٤٠، ٢٦٥٩، ٢٦٦٠، ٥١٠٤]. وبالسند السابق قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي، وفي رواية غير الأصيلي ابن مقاتل أبو الحسن (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي (قال أخبرنا عمر بن سعيد) بضم العين في الأولى وكسرها في الثانية (عن أبي حسين) بضم الحاء وفتح السين مصغرًا النوفلي المكي (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الله) بفتح العين وسكون الموحدة (ابن أبي مليكة) بضم الميم زهير التيمي القرشي الأحول ونسبه لجده أبي مليكة لشهرته وإلاّ فأبوه عبيد الله بضم العين (عن عقبة) بضم العين وسكون القاف وفتح الباء الموحدة (ابن الحرث) بن عامر القرشي المكي أبو سروعة بكسر السين المهملة وقد تفتح أسلم يوم الفتح، وعند المؤلف في النكاح في باب شهادة المرضعة أنّ ابن أبي مليكة قال: حدّثنا عبيد بن أبي مريم عن عقبة بن الحرث قال: وسمعته من عقبة لكني لحديث عبيد أحفظ فصرّح بسماعه من عقبة، فانتفى قول أبي عمران ابن أبي مليكة لم يسمع من عقبة بينهما عبيد بن أبي مريم فإسناده منقطع. (أنه) أي عقبة بن الحرث (تزوّج ابنة) وللأصيلي بنتًا (لأبي إهاب بن عزيز) بكسر الهمزة وفتح العين المهملة وكسر الزاي وسكون المثناة التحتية لا بضم العين وفتح الزاي ابن قيس بن سويد التميمي الدارمي، واسم ابنته غنية بفتح المعجمة وكسر النون وتشديد المثناة التحتية وكنيتها أمُ يحيى، (فأتته امرأة) قال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمها (فقالت: إني قد أرضعت عقبة) بن الحرث (والتي تزوّج بها) أي غنية، وفي رواية الأربعة بحذف بها (فقال لها عقبة: ما أعلم أنك) بكسر الكاف (أرضعتني) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت أرضعتيني بزيادة مثناة تحتية قبل النون (ولا أخبرتني) ولابن عساكر ولا أخبرتيني بزيادة مثناة تحتية بعد الفوقية تولدت من إشباع الكسرة فيهما، وعبر بأعلم مضارعًا وأخبرت ماضيًا لأن نفي العلم حاصل في الحال بخلاف نفي الأخبار فإنه كان في الماضي فقط، (فركب) عقبة (إلى رسول الله ﷺ ¬) حال كونه (بالمدينة) أي فيها (فسأله) أي سأل عقبة رسول الله ﷺ عن الحكم في المسألة النازلة به (فقال) وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر قال (رسول الله) وفي رواية أبي ذر قال النبي (¬ ﷺ : كيف) تباشرها وتفضي إليها (وقد قيل) إنك أخوها من الرضاعة أي ذلك بعيد من ذي المروءة والورع (ففارقها عقبة) بن الحرث ﵁ صورة أو طلقها احتياطًا وورعًا لا حكمًا بثبوت الرضاع وفساد النكاح إذ ليس قول المرأة الواحدة شهادة يجوز بها الحكم في أصل من الأصول. نعم عمل بظاهر هذا الحديث أحمد رحمه الله تعالى فقال: الرضاع يثبت بشهادة المرضعة وحدها بيمينها، (ونكحت) غنية بعد فراق عقبة (زوجًا غيره) هو ظريب بضم المعجمة وفتح الراء آخره موحدة ابن الحرث وتأتي بقية مباحث هذا الحديث -إن شاء الله تعالى- والله أسال العافية والسلامة في السفر والإقامة. ٢٧ - باب التَّنَاوُبِ فِي الْعِلْمِ هذا (باب التناوب) بالخفض على الإضافة (في العلم) أي بأن يأخذ هذا مرة ويذكره لهذا والآخر مرة ويذكره له وسقط لفظ باب للأصيلي. ٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قال: أخبرنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ -وَهْيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ- وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ .... فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَتْ لَا أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: لَا. فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. [الحديث ٨٩ - أطرافه في: ٢٤٦٨، ٤٩١٣، ٤٩١٤، ٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) أي ابن أبي حمزة بالمهملة والزاي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (ح) للتحويل (قال أبو عبد الله) أي البخاري وهو ساقط في رواية الأصيلي، وأبي الوقت وابن عساكر. (وقال ابن وهب) عبد الله المصري فيما وصله ابن حبّان في صحيحه عن ابن قتيبة عن حرملة عن عبد الله بن وهب، (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي، (عن ابن شهاب) هو الزهري المذكور في الموصوف فغاير بين اللفظين تنبيهًا

стр. 188

على قوّة محافظته على ما سمعه من شيوخه (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بفتحها (ابن أبي ثور) بالمثلثة القرشي النوفلي التابعي (عن عبد الله بن عباس عن عمر) بن الخطاب ﵁ أنه (قال): (كنت أنا وجار لي) بالرفع عطفًا على الضمير المنفصل المرفوع وهو أنا وإنما أظهره لصحة العطف لئلا يلزم عطف الاسم على الفعل وهو جائز عند الكوفيين من غير إعادة الضمير، ويجوز النصب على معنى المعية، واسم الجار عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري الخزرجي كما أفاده الشيخ قطب الدين القسطلاني فيما ذكره الحافظ ابن حجر ولم يذكر غيره وعند أبن بشكوال، وذكره البرماوي أنه أوس بن خولي، وعلل بأن النبي ﷺ آخى بينه وبين عمر لكن لا يلزم من المؤاخاة الجوار (من الأنصار) الكائنين أو المستقرين أو النازلين (في) موضع أو قبيلة (بني) وفي رواية من بني (أمية بن زيد وهي) أي القبيلة، وفي رواية ابن عساكر وهو أي الموضع (من عوالي المدينة) قرى شرقيّ المدينة بين أقربها وبينها ثلاثة أميال أو أربعة وأبعدها ثمانية (وكنا نتناوب النزول) بالنصب على المفعولية (على رسول الله ﷺ ينزل) جاري الأنصاري (يومًا) بالنصب على الظرفية من العوالي إلى رسول الله ﷺ لتعلم العلم (وأنزل يومًا) كذلك (فإذا نزلت) أنا (جئته) جواب فإذا لما فيها من معنى الشرط (بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل) جاري (فعل) معي (مثل ذلك فنزل صاحبي الأنصاري) بالرفع صفة لصاحبي (يوم نوبته) أي يومًا من أيام نوبته، فسمع أن رسول الله ﷺ اعتزل زوجاته فرجع إلى العوالي فجاء (فضرب بابي ضربًا شديدًا فقال أثم هو) بفتح المثلثة وتشديد الميم اسم يشار به إلى المكان البعيد (ففزعت) بكسر الزاي أي خفت لأجل الضرب الشديد فإنه كان على خلاف العادة فالفاء تعليلية، وللمؤلف في التفسير -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- قال عمر ﵁: كنا نتخوّف ملكًا من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا وقد امتلأت صدورنا منه فتوهمت لعله جاء إلى المدينة فخفته لذلك (فخرجت إليه، فقال: قد حدث أمر عظيم) طلَّق رسول الله ﷺ نساءه. قلت: قد كنت أظن أنّ هذا كائن حتى إذا صليت الصبح شددت عليَّ ثيابي ثم نزلت (فدخلت على حفصة) أم المؤمنين، فالداخل عليها أبوها عمر لا الأنصاري وقضية حذف طلق إلى قوله فدخلت يوهم أنه من قول الأنصاري، فالفاء في فدخلت فصيحة تفصح عن المقدر أي نزلت من العوالي فجئت إلى المدينة فدخلت، وفي رواية الحموي والمستملي دخلت، وللأصيلي قال فدخلت على حفصة، (فإذا هي تبكي فقلت: طلقكن) وفي رواية لابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني أطلقكن (رسول الله ﷺ ؟ قالت) حفصة: (لا أدري) أي لا أعلم أنه طلق (ثم دخلت على النبي ﷺ فقلت وأنا قائم) يا رسول الله: (أطلقت نساءك) بهمزة الاستفهام كما في فرع اليونينية كهي، وقال العيني بحذفها (قال) ﵊: (لا. فقلت) وللأصيلي قلت: (الله أكبر) تعجبًا من كون الأنصاري ظن أن اعتزاله ﷺ عن نسائه طلاق أو ناشئ عنه، والمقصود من إيراده لهذا الحديث هنا التناوب في العلم اهتمامًا بشأنه، لكن قوله كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول ليس في رواية ابن وهب إنما هو في رواية شعيب كما نص عليه الذهلي والدارقطني والحاكم في آخرين. وفي هذا الحديث رواية تابعي عن تابعي وصحابي عن صحابي والتحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلف في النكاح والمظالم، ومسلم في الطلاق، والترمذي في التفسير، والنسائي في الصوم وعِشرة النساء. ٢٨ - باب الْغَضَبِ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ هذا (باب الغضب) بالإضافة وهو انفعال يحصل من غليان الدم لشيء دخل في القلب (في) حالة (الموعظة و) حالة (التعليم إذا رأى) الواعظ أو المعلم (ما يكره) أي الذي يكرهه فحذف العائد، وقيل أراد المؤلف الفرق بين قضاء القاضي وهو غضبان وبين تعليم المعلم وتذكير الواعظ فإنه بالغضب أجدر كذا قاله البرماوي

стр. 189

والعيني كابن المنير، وتعقبه البدر الدماميني فقال: أما الوعظ فمسلم وأما تعليم العلم فلا نسلم أنه أجدر بالغضب لأنه مما يدهش الفكر فقد يفضي التعليم به في هذه الحالة إلى خلل والمطلوب كمال الضبط انتهى. ٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ. فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ». [الحديث ٩٠ - أطرافه في: ٧٠٢، ٧٠٤، ٦١١٠، ٧١٥٩]. وبالسند السابق قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بفتح الكاف وبالمثلثة العبدي بسكون الموحدة البصري الموثق من أبي حاتم المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين (قال: أخبرنا) ولأبي ذر أخبرني (سفيان) الثوري (عن ابن أبي خالد) هو إسماعيل البجلي الكوفي الأحمسي التابعي الطحان المسمى بالميزان (عن قيس بن أبي حازم) بالمهملة والزاي الأحمسي الكوفي البجلي (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو (الأنصاري) الخزرجي البدري أنه (قال): (قال رجل) هو حزم بن أبي كعب كذا قاله ابن حجر في المقدمة، ثم قال في الشرح في كتاب الصلاة: لم أقف على تسميته، ووهم من زعم أنه حزم بن أبي كعب، لأن قصته كانت مع معاذ لا مع ابن أُبي بن كعب (يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطوّل بنا فلان) هو معاذ بن جبل، وفي رواية مما يطيل، فالأولى من التطويل والأخرى من الإطالة، قال القاضي عياض: ظاهره مشكل لأن التطويل يقتضي الإدراك لا عدمه ولعله لأكاد أترك الصلاة فزيدت الألف بعد لا وفصلت التاء من الراء فجعلت دالاً، وعورض بعدم مساعدة الرواية لما ادّعاه، وقيل: معناه أنه كان به ضعف فكان إذا طوّل به الإمام في القيام لا يبلغ الركوع إلا وقد ازداد ضعفه فلا يكاد يتم معه الصلاة، ودفع بأن المؤلف رواه عن الفريابي بلفظ لأتأخر عن الصلاة، وحينئذ فالمراد أني لا أقرب من الصلاة في الجماعة بل أتأخر عنها أحيانًا من أجل التطويل فعدم مقاربته لإدراك الصلاة مع الإمام ناشئ عن تأخره عن حضورها ومسبب عنه، فعبر عن السبب بالمسبب وعلّله بتطويل الإمام، وذلك لأنه إذا اعتيد التطويل منه تقاعد المأموم عن المبادرة ركونًا إلى حصول الإدراك بسبب التطويل فيتأخر لذلك وهو معنى الرواية الأخرى المروية عن الفريابي فالتطويل سبب التأخر الذي هو سبب لذلك الشيء ولا داعي إلى حمل الرواية الثابتة في الأمهات الصحيحة على التصحيف قاله البدر الدماميني (فما رأيت النبي ﷺ في موعظة أشد غضبًا) بالنصب على التمييز (من يومئذ) وفي رواية ابن عساكر منه من يومئذ ولفظة منه صلة أشد والمفضل عليه وإن كانا واحدًا وهو الرسول لأن الضمير راجع إليه لكن باعتبارين فهو مفضل باعتبار يومئذ ومفضل عليه باعتبار سائر الأيام. وسبب شدّة غضبه ﷺ إما لمخالفة الموعظة لاحتمال تقدّم الإعلام بذلك أو للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه أو لإرادة الاهتمام بما يلقيه على أصحابه ليكونوا من سماعه على بال لئلا يعود من فعل ذلك إلى مثله. (فقال) ﷺ : (يا أيها الناس إنكم منفرون) عن الجماعات، وفي رواية أبي الوقت إن منكم منفرين ولم يخاطب المطوّل على التعيين بل عمم خوف الخجل عليه لطفًا به وشفقة على جميل عادته الكريمة صلوات الله وسلامه عليه (فمن صلى بالناس) أي من صلى متلبسًا بهم إمامًا لهم (فليخفف) جواب من الشرطية (فإن فيهم المريض) الذي ليس بصحيح (والضعيف) الذي ليس بقوي الخلقة كالنحيف والمسنّ، (وذا) بالنصب أي صاحب (الحاجة) وللقابسي وذو الحاجة بالرفع مبتدأ حذف خبره، والجملة عطف على الجملة المتقدمة أي وذو الحاجة كذلك، وإنما ذكر الثلاثة لأنها تجمع الأنواع الموجبة للتخفيف لأن المقتضي له إما في نفسه أو لا، والأوّل إما بحسب ذاته وهو الضعيف أو بحسب العارض وهو المريض أولاً في نفسه وهو ذو الحاجة. ٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ الْمَدِينِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا -أَوْ قَالَ: وِعَاءَهَا- وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ -أَوْ قَالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ- فَقَالَ: «وَمَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ». [الحديث ٩١ - أطرافه في: ٢٣٧٢، ٢٤٢٧، ٢٤٢٨، ٢٤٢٩، ٢٤٣٦، ٢٤٣٨، ٥٢٩٢، ٦١١٢]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) أبو جعفر المسندي بفتح النون (قال: حدّثنا أبو عامر) وفي رواية ابن عساكر العقدي، وفي رواية أبي ذر عبد الملك بن عمرو العقدي (قال: حدّثنا سليمان بن بلال المديني) بالمثناة التحتية قبل النون وللأصيلي المدني بحذفها (عن ربيعة) الرأي (ابن أبي عبد الرحمن) شيخ إمام الأئمة مالك بن أنس (عن يزيد) من الزيادة (مولى المنبعث) بالنون والموحدة والمهملة والمثلثة المدني (عن زيد بن خالد

стр. 190

الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون نزيل الكوفة المتوفى بها أو المدينة أو مصر سنة ثمان وسبعين وله في البخاري خمسة أحاديث. (أن النبي ﷺ سأله رجل) هو عمير والد مالك، وقيل بلال المؤذن، وقيل الجارود، وقيل هو زيد ابن خالد نفسه (عن اللقطة) بضم اللام وفتح القاف وقد تسكن الشيء الملقوط وهو ما ضاع بسقوط أو غفلة فيجده شخص (فقال) له ﷺ ، ولكريمة قال: (اعرف) بكسر الراء من المعرفة (وكاءها) بكسر الواو ممدودًا ما يربط به رأس الصرّة والكيس ونحوهما أو بكسر الواو أي ظرفها، (-أو قال وعَاءَها-) الشّك من زيد بن خالد أو ممن دونه من الرواة (وعفاصها) بكسر العين المهملة وبالفاء هو الوعاء أيضًا لأن العفص هو الثني والعطف لأن الوعاء يثنى على ما فيه وينعطف، والمراد الشيء الذي يكون فيه النفقة من خرقة أو جلدة ونحوهما، أو هو الجلد الذي يلبس رأس القارورة، وأما الذي يدخل في فمها فهو الصمام بالمهملة المكسورة، وإنما أمر بمعرفة ما ذكر ليعرف صدق مدّعيها من كذبه ولئلا يختلط بماله، (ثم عرّفها) على سبيل الوجوب للناس بذكر بعض صفاتها (سنة) أي مدة سنة متصلة يعرّف أوّلاً كل يوم طرفي النهار ثم كل يوم مرة ثم كل أسبوع ثم كل شهر ولا يجب فور في التعريف بل المعتبر سنة متى كان، وهل تكفي سنة مفرقة؟ وجهان ثانيهما وبه قطع العراقيون. نعم قال النووي وهو الأصح (ثم استمتع بها) بكسر التاء الثانية وتسكين العين عطف على ثم عرّفها، (فإن جاء ربّها) أي مالكها (فأدّها) جواب الشرط أي أعطها (إليه. قال): يا رسول الله (فضالة الإبل) ما حكمها؟ أكذلك أم لا وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف (فغضب) ﵊ (حتى احمرّت وجنتاه) تثنية وجنة بتثليث الواو وأجنة بهمزة مضمومة وهي ما ارتفع عن الخد (أو قال احمرّ وجهه) وإنما غضب استقصارًا لعلم السائل وسوء فهمه إذ إنه لم يراع المعنى المذكور ولم يتفطن له فقاس الشيء على غير نظيره لأن اللقطة وإنما هو الشيء الذي سقط من صاحبه ولا يدرى ْأين موضعه وليس كذلك الإبل فإنها مخالفة للقطة اسمًا وصفة، (فقال) ﷺ : (وما لك ولها) أي ما تصنع بها أي لم تأخذها ولم تتناولها. وفي رواية الحموي والمستملي فما لك، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر ما لك بغير واو ولا فاء (معها سقاؤها) بكسر السين مبتدأ وخبر مقدم أي أجوافها فإنها تشرب فتكتفي به أيامًا. (وحذاؤها) بكسر الحاء المهملة والمد عطف على سقاؤها أي خفّها الذي تمشي عليه (ترد الماء) جملة بيانية لا محل لها من الإعراب أو محلها الرفع خبر مبتدأ محذوف أي هي ترد الماء (وترعى الشجر فذرها) أي إذا كان الأمر كذلك فدعها فالفاء في فذرها جواب شرط محذوف (حتى يلقاها ربها) مالكها إذ إنها غير فاقدة أسباب العود إليه لقوّة سيرها بكون الحذاء والسقاء معها لأنها ترد الماء ربعًا وخمسًا، وتمتنع من الذئاب وغيرها من صغار السباع ومن التردّي وغير ذلك (قال): يا رسول الله (فضالة الغنم) ما حكمها أهي مثل ضالة الإبل أم لا؟ (قال) ﵊: ليست كضالهَ الإبل بل هي (لك) إن أخذتها (أو لأخيك) من اللاقطين إن لم تأخذها (أو للذئب) يأكلها إن لم تأخذها أنت ولا غيرك، فهو إذن في أخذها دون الإبل. نعم إذا كانت الإبل في القرى والأمصار فتلتقط لأنها تكون حينئذ معرّضة للتلف مطمحة للأطماع، ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في بابه بعون الله وحوله وقوّته. ٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ. فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ». [الحديث ٩٢ - طرفه في: ٧٢٩١]. وبه قال: (حدّثنا) وفي رواية ابن عساكر حدّثني (محمد بن العلاء) هو أبو كريب الكوفي (قال: حدّثنا أبو أسامة) هو حمّاد بن أسامة الكوفي (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراء (عن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر بن أبي موسى الأشعري (عن أبي موسى) الأشعري ﵁ (قال): (سئل النبي ﷺ ¬) بضم السين المهملة وكسر الهمزة (عن أشياء) غير منصرف (كرهها) لأنه ربما كان

стр. 191

فيها شيء سببًا لتحريم شيء على المسلمين فيلحقهم به المشقة أو غير ذلك، وكان من هذه الأشياء السؤال عن الساعة ونحوها كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (فلما أكثر) بضم الهمزة على صيغة المجهول أي فلما أكثر الناس السؤال (عليه) ﷺ (غضب) لتعنتهم في السؤال وتكلفهم ما لا حاجة لهم فيه (ثم قال) ﵊ (للناس سلوني) وللأصيلي ثم قال: (عمّا شئتم) بالألف، وللأصيلي عمّ شثتم بحذفها لأنه يجب حذف ألف ما الاستفهامية إذا جرت وإبقاء الفتحة دليل عليها نحو فيم وإلامَ وعلام للفرق بين الاستفهام والخبر ومن ثم حذفت في نحو ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ﴾ [النمل: ٣٥] وثبتت في ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤] ﴿أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بيدي﴾ [ص: ٧٥] فكما لا تحذف الألف في الخبر لا تثبت في الاستفهام، وحمل هذا القول منه ﵊ على الوحي أولى، وإلا فهو لا يعلم ما يسأل عنه من المغيبات إلا بإعلام الله تعالى كما هو مقرر (قال رجل) هو عبد الله بن حذافة الرسول إلى كسرى (من أبي) يا رسول الله؟ (قال) ﵊ (أبوك حذافة) بمهملة مضمومة وذال معجمة وفاء القرشي السهمي، المتوفى في خلافة عثمان ﵁ (فقام) رجل (آخر) وهو سعد بن سالم كما في التمهيد لابن عبد البر (فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال) وفي رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر قال: (أبوك سالم مولى شيبة) بن ربيعة وهو صحابي جزمًا وكان سبب السؤال طعن بعض الناس في نسب بعضهم على عادة الجاهلية، (فلما رأى) أبصر (عمر) بن الخطاب ﵁ (ما في وجهه) الوجيه ﵊ من أثر الغضب (قال: يا رسول الله إنّا نتوب إلى الله مما يوجب غضبك. ٢٩ - باب مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَوِ الْمُحَدِّث (باب من برك) بفتحتين وتخفيف الراء. ٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي». فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، فَسَكَتَ. [الحديث ٩٣ - أطرافه في: ٥٤٠، ٧٤٩، ٤٦٢١، ٦٣٦٢، ٦٤٦٨، ٦٤٨٦، ٧٠٨٩، ٧٠٩٠، ٧٠٩١، ٧٢٩٤، ٧٢٩٥]. وبالسند إلى المصنف قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا) وللأصيلي حدّثنا (شعيب) هو ابن أبي حمزة بالمهملة والزاي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالتوحيد (أنس بن مالك) ﵁ (أن رسول الله- ﷺ خرج) فسئل فأكثروا عليه فغضب فقال: سلوني (فقام عبد الله بن حذافة) السهمي المهاجري أحد الذين أدركوا بيعة الرضوان (فقال) يا رسول الله (من أبي؟ فقال) ﵊ وفي رواية قال: من أبي؟ (فقال: أبوك حذافة) وفي مسلم أنه كان يدعى لغير أبيه ولما سمعت أمه سؤاله قالت: ما سمعت بابن أعقّ منك أأمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية تفضحها على أعين الناس. فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به (ثم أكثر) بالمثلثة (أن يقول) ﵊ (سلوني فبرك) بفتح الموحدة والراء المخففة (عمر) ﵁ (على ركبتيه) يقال برك البعير إذ ستناخ واستعمل في الآدمي على طريق المجاز غير المقيد وهو أن يكون في حقيقته مقيدًا فيستعمل في الأعمّ بلا قيد كالمشفر لشفة البعير فيستعمل لمطلق الشفة فيقال: زيد غليظ المشفر (فقال) عمر ﵁ بعد أن برك على ركبتيه تأدبًّا وإكرامًا لرسول الله ﷺ وشفقة على السلمين: (رضينا بالله ربًَّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيَّا) فرضي النبي ﷺ بذلك، (فسكت) وفي بعض الروايات فسكن غضبه بدل فسكت. ٣٠ - باب مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ»، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «هَلْ بَلَّغْتُ»؟ ثَلَاثًا. هذا (باب من أعاد الحديث) في أمور الدين (ثلاثًا ليفهم) بضم المثناة التحتية وفتح الحاء (عنه) كذا للأصيلي وكريمة فيما نص عليه الحافظ ابن حجر، وفي رواية حذف عنه وكسر الهاء، وفي أخرى كذلك مع فتحها (فقال: ألا) بالتخفيف وفي غير رواية أبي ذر، فقال النبي ﷺ : ألا (وقول الزور فما زال يكرّرها) في مجلسه ذلك والضمير لقوله وقول الزور وهذا طرف من حديث وصله بتمامه في كتاب الشهادات (وقال ابن عمر) بن الخطاب ﵄ فيما وصله المؤلف في خطبة الوداع (قال النبي ﷺ : هل بلغث ثلاثًا) أي قال: هل بلغت ثلاث مرات. ٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا. [الحديث ٩٤ - طرفاه في: ٩٥، ٦٢٤٤]. وبالسند الماضي إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبدة) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة ابن عبد الله

стр. 192

الخزاعي البصري الكوفي الأصل، المتوفى سنة ثمان وخمسين ومائتين (قال: حدّثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد العنبري التميمي البصري الحافظ الحجة، المتوفى سنة سبع ومائتين (قال حدّثنا عبد الله بن المثنى) بضم الميم وفتح المثلثة وتشديد النون المفتوحة ابن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري وثّقه العجلي والترمذي (قال: حدّثنا ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميمين زاد في غير رواية أبي ذر وأبي الوقت (ابن عبد الله) أي ابن أنس بن مالك الأنصاري البصري (عن) جدّه (أنس) أي ابن مالك ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه: (كان إذا سلم) على أناس (سلم) عليهم (ثلاثًا) أي ثلاث مرات ويشبه أن يكون ذلك عند الاستئذان لحديث إذا استأذن أحدكم ثلاثًا ولم يؤذن له فليرجع، وعورض بأن تسليمة الاستئذان لا تثنى إذا حصل الإذن بالأولى، ولا تثلث إذا حصل بالثانية، نعم يحتمل أن يكون معناه أنه ﵊ كان إذا أتى على قوم سلم عليهم تسليمة الاستئذان، وإذا دخل سلم تسليمة التحية، ثم إذا قام من المجلس سلم تسليمة الوداع وكلٌّ سُنَّة. (وإذا تكلم) ﵊ (بكلمة) أي بجملة مفيدة من باب إطلاق اسم البعض على الكل (أعادها ثلاثًا) أي ثلاث مرات. قال البدر الدماميني: لا يصح أن يكون أعاد مع بقائه على ظاهره عاملاً في ثلاثًا ضرورة أنه يستلزم قول تلك الكلمة أربع مرات، فإن الإعادة ثلاثًا إنما تتحقق بها إذ المرة الأولى لا إعادة فيها، فأما إن تضمن معنى قال ويصح عملها في ثلاثًا بالمعنى المضمن أو يبقى أعاد على معناه، ويجعل العامل محذوفًا أي أعادها فقالها وعليهما فلم تقع الإعادة إلا مرتين انتهى. ٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا. وبه قال (حدّثنا عبدة بن عبد الله) زاد في رواية الأصيلي الصفار وهو السابق وسقط عنده لفظة ابن عبد الله (قال حدّثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث (قال حدّثنا عبد الله بن المثنى) الأنصاري (قال حدّثنا ثمامة بن عبد الله) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر ثمامة بن أن فنسباه إلى جدّه وأسقطا اسم أبيه وإلا فاسم أبيه عبد الله (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها) أي الكلمة المفسرة بالجملة المفيدة (ثلاثًا) أي ثلاث مرات وقد بيّن المراد بالتكرار في قوله (حتى تفهم عنه) بضم أوّله وفتح ثالثه أي لكي تعقل لأنه ﵊ مأمور بالإبلاغ والبيان وعبر بكان إذا تكلم ليشعر بالاستمرار لأن كان تدل على الثبات والاستمرار بخلاف صار فإنها تدل على الانتقال فلهذا يجوز أن يقال كان الله ولا يجوز صار (و) كان ﷺ (إذا أتى على قوم سلم عليهم سلم عليهم ثلاثًا) أي ثلاث مرات إذا شرط جوابه سلم لا فسلم بل هو عطف على أتى من بقية الشرط وقد سقط حديث عبدة الأول في رواية ابن عساكر وأبي ذر ولا يخفى الاستغناء عنه بالثاني. ٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. وبه قال (حدّثنا مسدد) بفتح السين المهملة (قال حدّثنا أبو عوانة) بفتح العين المهملة اليشكري (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن إياس (عن يوسف بن ماهك) بفتح الهاء وبكسرها غير منصرف للعجمة والعلمية وللأصيلي بالصرف لأجل الصفة على ما تقدم تقريره في باب من رفع صوته بالعلم (عن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاصي ﵁ (قال تخلف رسول الله ﷺ في سفر سافرناه) وللأصيلي كما في الفرع في سفرة سافرناها، ووقع في مسلم تعينها من مكة إلى المدينة (فأدركنا) بفتح الكاف أي النبي ﷺ (وقد أرهقنا) بسكون القاف (الصلاة) بالنصب على المفعوية ولأصيلي أرهقتنا بالتأنيث وفتح القاف الصلاة بالرفع على الفاعلية (صلاة العصر) النصب أو الرفع على البدلية من الصلاة (ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا) أي نغسلها غسلاً خفيفًا (فنادى) رسول الله ﷺ (بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثًا) شك من الراوي، وقد سبق الحديث في باب من رفع صوته بالعلم وأعاده لغرض تكرار الحديث، وأخرجه هناك عن النعمان عن أبي عوانة، وهنا عن مسدّد عن أبي عوانة وصرح هنا بصلاة العصر، وتأتي بقية مباحثه

стр. 193

في الطهارة إن شاء الله تعالى. ٣١ - باب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَه (باب تعليم الرجل أمته وأهله) من عطف العامّ على الخاص لأن أمة الرجل من أهل بيته. ٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ سَلَامٍ- قال: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ». ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَىْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ. [الحديث ٩٧ - أطرافه في: ٢٥٤٤، ٢٥٤٧، ٢٥٥١، ٣٠١١، ٣٤٤٦، ٥٠٨٣]. وبالسند قال: (أخبرنا) وفي رواية أبوي ذر والوقت حدّثنا (محمد) ولكريمة حدّثنا محمد (هو ابن سلام) أي بتخفيف اللام وفي رواية أبي ذر والأصيلي حدّثنا محمد بن سلام، وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت حدّثني محمد بن سلام (قال: حدّثنا) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر أخبرنا (المحاربي) بضم الميم وبالحاء المهملة وكسر الراء والموحدة عبد الرحمن بن محمد بن زياد الكوفي الموثق المتوفى سنة خمس وتسعين ومائة (قال: حدثنا صالح بن حيان) بفتح المهملة وتشديد المثناة التحتية ونسبه لجده الأعلى لشهرته به وإلا فهو صالح بن صالح بن مسلم بن حيان وليس هو صالح بن حيان القرشي الضعيف (قال) أي صالح، (قال عامر) هو ابن شراحيل (الشعبي) بفتح المعجمة وسكون المهملة وبالموحدة (حدّثني) بالتوحيد (أبو بردة) بضم الموحدة (عن أبيه) هو أبو موسى الأشعري كما صرّح به في العتق وغيره (قال) أي أبو موسى، (قال رسول الله ﷺ ثلاثة) مبتدأ خبره جملة (لهم أجران) أوّلهم (رجل) وكذا امرأة (من أهل الكتاب) التوراة والإنجيل أو الإنجيل فقط على القول بأن النصرانية ناسخة لليهودية حال كونه قد (آمن بنبيه) موسى أو عيسى عليهما الصلاة والسلام مع إيمانه بمحمد ﷺ المنعوت في التوراة والإنجيل المأخوذ له الميثاق على سائر النبيين وأممهم (وآمن بمحمد ﷺ أي بأنه هو الموصوف في الكتابين، ويأتي إن شاء الله تعالى ما في ذلك من المباحث في باب فضل من أسلم من أهل الكتابين في كتاب الجهاد، (و) الثاني (العبد المملوك) أي جنس العبد المملوك (إذا أدّى حق الله) تعالى، أي كالصلاة والصوم (وحق مواليه) بسكون الياء جمع مولى لتحصل مقابلة الجمع في جنس العبيد بجمع المولى، أو ليدخل ما لو كان العبد مشتركًا بين موالي، والمراد من حقهم خدمتهم ووصف العبد بالمملوك لأن كل الناس عباد الله فميّزه بكونه مملوكًا للناس، (و) الثالث (رجل كانت عنده أمة) زاد في رواية الأربعة هـ س ط ص يطأها بالهمزة (فأدّبها) لتتخلق بالأخلاق الحميدة (فأحسن تأديبها) بلطف ورفق من غير عنف (وعلمها) ما يحب تعليمه من الدين (فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها) بعد أن أصدقها (فله أجران) الضمير يرجع إلى الرجل الأخير، وإنما لم يقتصر على قوله لهم أجران مع كونه داخلاً في الثلاثة بحكم العطف لأن الجهة كانت فيه متعددة وهي التأديب والتعليم والعتق والتزوّج وكانت مظنة أن يستحق من الأجر أكثر من ذلك فأعاد قوله: فله أجران إشارة إلى أن المعتبر من الجهات أمران، وإنما اعتبر اثنين فقط لأن التأديب والتعليم يوجبان الأجر في الأجنبي والأولاد وجميع الناس فلم يكن مختصًّا بالإماء فلم يبق الاعتبار إلا في العتق والتزوج، وإنما ذكر الأخيرين لأن التأديب والتعليم أكمل للأجر إذ تزوّج المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة وأقرب إلى أن تعين زوجها على دينه. وعطف بثم في العتق وفي السابق بالفاء لأن التأديب والتعليم ينفعان في الوطء بل لا بدّ منهما فيه، والعتق نقل من صنف إلى صنف ولا يخفى ما بين الصنفين من البعد بل من الضدّيّة في الأحكام والمنافاة في الأحوال، فناسب لفظًا دالاً على التراخي بخلاف التأديب وغيره مما ذكر. فإن قلت: إذا لم يطأ الأمة لكن أدّبها هل له أجران؟ أجيب: بأن المراد تمكنه من وطئها شرعًا وإن لم يطأها انتهى. وإنما عرف العبد ونكر رجل في الموضعين الأخيرين لأن المعرف بلام الجنس كالنكرة في المعنى، وكذا الإتيان في العبد بإذا دون القسم الأوّل لأنها ظرف وآمن حال وهي في حكم الظرف لأن معنى جاء زيد راكبًا في وقت الركوب وحاله إذ يقال في وجه المخالفة الإشعار بفائدة عظيمة، وهي أن الإيمان بنبيّه لا يفيد في الاستقبال الأجرين، بل لا بدّ من الإيمان في عهده حتى يستحق أجرين بخلاف العبد فإنه في زمان الاستقبال يستحق الأجرين أيضًا، فأتى بإذا التي للاستقبال قاله البرماوي كالكرماني، وتعقبه في

стр. 194

الفتح فقال: هو غير مستقيم لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ وليس متفقًا عليه بين الرواة بل هو عند المصنف وغيره مختلف، فقد عبّر في ترجمة عيسى بإذا في الثلاثة، وعبّر في النكاح بقوله: أيما رجل في المواضع الثلاثة وهي صريحة في التعميم، وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في الجهاد. (ثم قال عامر) الشعبي لرواية صالح المذكور (أعطيناكها) أي أعطينا المسألة أو المقالة إياك (بغير شيء) من أجرة بل بثواب التعليم أو التبليغ أو الخطاب لرجل من أهل خراسان سأل الشعبي عمن يعتق أمته ثم يتزوجها كما عند المؤلف في باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَم﴾ [مريم: ١٦] والأوّل قاله الكرماني والثاني العيني كابن حجر وهو الراجح (قد) وللأصيلي وقد بالواو ولغيره كما قاله العيني والبرماوي فقد (كان يركب) بضم المثناة التحتية وفتح الكاف أي يرحل (فيما دونها إلى المدينة) النبوية، والضمير للمسألة أو المقالة، وقد ظهر أن مطابقة الحديث للترجمة في الأمة بالنص وفي الأهل بالقياس إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله تعالى وسنن رسوله ﵊ آكد من الاعتناء بالإماء، ورواة هذا الحديث الستة كلهم كوفيون ما خلا ابن سلام وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، ورواية تابعي عن تابعي، وأخرجه المؤلف أيضًا في العتق والجهاد. وأحاديث الأنبياء والنكاح، ومسلم في الإيمان، والترمذي في النكاح، وكذا النسائي فيه وابن ماجة. ٣٢ - باب عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ هذا (باب عظة الأمام) أي الأعظم أو نائبه (النِّساء) أي تذكيرهن العواقب (وتعليمهن) أمور الدين. ٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . [الحديث ٩٨ - أطرافه في: ٨٦٣، ٩٦٢، ٩٦٤، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ٩٨٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) بالمهملة والموحدة الأزدي الأنصاري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أيوب) السختياني (قال: سمعت عطاء) أي ابن أبي رباح سلمان الكوفي القرشي الحبشي الأسود الأعور الأفطس الأشل الأعرج ثم عمي بآخرة المرفوع بالعلم والعمل حتى صار من الجلالة والثقة بمكان، المتوفى سنة خمس ومائة أو سنة أربع عشرة ومائة (قال سمعت ابن عباس) عبد الله ﵄ (قال أشهد على النبي) وفي رواية أبي الوقت رسول الله ﷺ ، (أو قال عطاء، أشهد على ابن عباس) يعني أن الراوي تردد هل لفظ أشهد من قول ابن عباس أو من قول عطاء، وأخرجه أحمد بن حنبل عن غندر عن شعبة جازمًا بلفظ أشهد عن كلٍّ منهما، وعبّر بلفظ الشهادة تأكيدًا لتحققه ووثوقًا بوقوعه (أن رسول الله ﷺ خرج) من بين صفوف الرجال إلى صف النساء (ومعه بلال) أي ابن أبي رباح بفتح الراء وتخفيف الموحدة الحبشي واسم أمه حمامة، ولغير الكشميهني معه بلال بلا واو على أنه حال استغنى فيها عن الواو بالضمير كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] (فظن) ﷺ (أنه لم يسمع النساء) حين أسمع الرجال فإن مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي ظن، وفي رواية أنه لم يسمع بدون ذكر النساء (فوعظهن) ﵊ بقوله: "إني رأيتكن أكثر أهل النار لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير" وهذا أصل في حضور النساء مجالس الوعظ ونحوه بشرط أمن الفتنة، (وأمرهن بالصدقة) النفلية لما رآهن أكثر أهل النار لأنها ممحاة لكثير من الذنوب المدخلة للنار، أو لأنه كان وقت حاجة إلى المؤاساة والصدقة حينئذٍ كانت أفضل وجوه البر، (فجعلت المرأة تلقي القرط) بضم القاف وسكون الراء آخره مهملة الذي يعلق بشحمة أُذنها (والخاتم) بالنصب عطفًا على المفعول (وبلال يأخذ في طرف ثوبه) ما يلقينه ليصرفه ﵊ في مصارفه لأنه يحرم عليه الصدقة وحذف المفعول للعلم به ورفع بلال بالابتداء وتاليه خبره والجملة حالية. (وقال إسماعيل) وفي رواية ابن عساكر قال أبو عبد الله أي البخاري، وقال إسماعيل أي ابن علية (عن أيوب) السختياني (عن عطاء) أي ابن أبي رباح، (وقال عن ابن عباس) ﵄ وفي رواية ابن عساكر والأصيلي وأبي الوقت قال ابن عباس: (أشهد على النبي ﷺ ¬) فجزم بأن لفظ أشهد من كلام ابن عباس فقط، هذا من تعاليقه لأنه لم يدرك إسماعيل بن علية لأنه مات في عام

стр. 195

ولادة المؤلف سنة أربع وتسعين ومائة، ووصله في كتاب الزكاة. ٣٣ - باب الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيث. هذا (باب الحرص على) تحصيل (الحديث) المضاف إلى النبي ﷺ وسقط لفظ باب للأصيلي. ٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ». [الحديث ٩٩ - طرفه في: ٦٥٧٠]. وبالسند السابق إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى الأويسي المدني (قال: حدّثني) بالتوحيد (سليمان) بن بلال أبو محمد التيمي القرشي (عن عمرو بن أبي عمرو) بفتح العين فيهما مولى المطلب المدني، المتوفى في خلافة أبي جعفر المنصور سنة ست وثلاثين ومائة (عن سعيد بن أبي سعيد المقبري) بضم الموحدة وفتحها (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁ (أنه) بفتح الهمزة (قال): (قيل يا رسول الله) ولغير أبي ذر وكريمة قال: يا رسول الله بإسقاط قيل كما في رواية الأصيلي والقابسي فيما قاله العيني وغيره وهو الصواب، ولعلها كانت قلت كما عند المؤلف في الرقاق فتصحفت بقيل لأن السائل هو أبو هريرة نفسه، فدل هذا على أن رواية أبي ذر وكريمة وهم (من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة) بنصب يوم على الظرفية ومن استفهامية مبتدأ خبره تاليه (قال رمول الله ﷺ ¬): والله (لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني) بضم اللام وفتحها على حدّ قراءتي وحسبوا أن لا تكون بالرفع والنصب لوقوع أن بعد الظن واللام في لقد جواب القسم المحذوف كما قدّرته أو للتأكيد (عن هذا الحديث أحد) بالرفع فاعل يسألني (أوّل منك) برفع أوّل صفة لأحد أو بدل منه بالنصب، وهو الذي في فرع اليونينية كهي وصحح عليه وخرج على الظرفية. وقال عياض على المفعول الثاني لظننت. قال في المصابيح: ولا يظهر له وجه، وقال أبو البقاء: على الحال أي لا يسألني أحد سابقًا لك ولا يضرّ كونه نكرة لأنها في سياق النفي كقولهم: ما كان أحد مثلك (لما رأيت) أي الذي رأيته (من حرصك على الحديث) أو لرؤيتي بعض حرصك فمن بيانية على الأول وتبعيضية على الثاني (أسعد الناس) الطائع والعاصي (بشفاعتي يوم القيامة) أي في يوم القيامة (من قال) في موضع رفع خبر المبتدأ الذي هو أسعد، ومن موصولة أي الذي قال: (لا إله إلاّ الله) مع قوله محمد رسول الله حال كونه (خالصًا) من الشرك، زاد في رواية الكشميهني وأبي الوقت مخلصًا (من قلبه أو نفسه) شك من الراوي، وقد يكتفى بالنطق بأحد الجزأين من كلمتي الشهادة لأنه صار شعارًا لمجموعهما. فإن قلت: الإخلاص محله القلب فما فائدة قوله من قلبه؟ أجيب: بأن الإتيان به للتأكيد ولو صدق بقلبه ولم يتلفظ دخل في هذا الحكم لكنا لا نحكم عليه بالدخول إلا أن يتلفظ فهو للحكم باستحقاق الشفاعة لا لنفس الاستحقاق، واستشكل التعبير بالفعل التفضيل في قوله أسعد إذ مفهومه أن كلاًّ من الكافر الذي لم ينطق بالشهادة والمنافق الذي نطق بلسانه دون قلبه أن يكون سعيدًا. وأجيب: بأن أفعل هنا ليست على بابها، بل بمعنى سعيد الناس من نطق بالشهادتين أو تكون أفعل على بابها والتفضيل بحسب المراتب أي هو أسعد ممن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكد البالغ غايته، والدليل على إرادة تأكيده ذكر القلب إذ الإخلاص محله القلب ففائدته التأكيد كما مرّ. وقال البدر الدماميني: حمله ابن بطال يعني قوله مخلصًا على الإخلاص العام الذي هو من لوازم التوحيد، ورده ابن المنير بأن هذا لا يخلو عنه مؤمن فتعطل صيغة أفعل وهو لم يسأله عمن يستأهل شفاعته، وإنما سأل عن أسعد الناس بها، فينبغي أن يحمل على إخلاص خاصّ مختص ببعض دون بعض ولا يخفى تفاوت رتبه، والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في صفة الجنة والنار من كتاب الرقاق، والله أعلم. ٣٤ - باب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يُقْبَلْ إِلاَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلْيُفْشُوا الْعِلْمَ. وَلْيَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا. حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ. يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلِهِ "ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ". هذا (باب) بالتنوين وفي فرع اليونينية بغير تنوين مضافًا لقوله: (كيف يقبض العلم) أي كيفية رفع العلم، وسقط لفظ باب للأصيلي: (وكتب) وفي رواية ابن عساكر قال: أي البخاري وكتب (عمر بن عبد العزيز) أحد الخلفاء الراشدين المهديين (إلى) نائبه في الإمرة والقضاء على المدينة (أبي بكر) بن محمد بن عمرو (بن حزم) بفتح المهملة وسكون الزاي الأنصاري المدني، المتوفى سنة اثنتين ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك وهو

стр. 196

ابن أربع وثمانين سنة، ونسبه المؤلف إلى جد أبيه لشهرته به ولجده عمرو صحبة ولأبيه محمد رؤية (انظر ما كان) أي الجمع الذي تجده، وفي رواية الكشميهني انظر ما كان عندك أي في بلدك، فكان على الرواية الأولى تامة وعلى الثانية ناقصة وعندك الخبر (من حديث رسول الله ﷺ فأكتبه فإني خفت دروس العلم) بضم الدال (وذهاب العلماء) فإن في كتبه ضبطًا له وإبقاء، وقد كان الاعتماد إذ ذاك إنما هو على الحفظ فخاف عمر بن عبد العزيز في رأس المائة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء فأمر بذلك، (ولا يقبل) بضم المثناة التحتية وسكون اللام، وفي بعض النسخ بالرفع على أن لا نافية وفي فرع اليونينية كهي تقبل بفتح المثناة الفوقية على الخطاب مع الجزم (إلا حديث النبي ﷺ . وليفشوا العلم وليجلسوا) بضم المثناة التحتية في الأوّل من الإفشاء وفتحها في الثاني من الجلوس لا من الإجلاس مع سكون اللام وكسرها معًا فيهما. وفي رواية عن ابن عساكر: ولتفشوا ولتجلسوا بالمثناة الفوقية فيهما (حتى يعلم) بضم المثناة التحتية وتشديد اللام المفتوحة وللكشميهني يعلم بفتحها وتخفيف اللام مع تسكين العين من العلم (من لا يعلم فإن العلم لا يهلك) بفتح أوّله وكسر ثالثه كضرب يضرب وقد تفتح (حتى يكون سرًّا) أي خفية كاتخاذه في الدار المحجورة التي لا يتأتى فيها نشر العلم بخلاف المساجد والجوامع والمدارس ونحوها، وقد وقع هذا التعليق موصولاً عقبه في غير رواية الكشميهني وكريمة وابن عساكر ولفظه: حدّثنا. وفي رواية الأصيلي قال أبو عبد الله أي البخاري: (حدّثنا العلاء بن عبد الجبار) أبو الحسن البصري العطار الأنصاري الثقة، المتوفى سنة اثنتي عشرة ومائتين (قال: حدّثنا عبد العزيز بن مسلم) القسملي، المتوفى سنة سبع وستين ومائة (عن عبد الله بن دينار) القرشي المدني مولى ابن عمر ﵄ (بذلك يعني حديث عمر بن عبد العزيز إلى قوله ذهاب العلماء) قال الحافظ ابن حجر: محتمل لأن يكون ما بعده ليس من كلام عمر أو من كلامه ولم يدخل في هذه الرواية والأوّل أظهر، وبه صرّح أبو نعيم في المستخرج ولم أجده في مواضع كثيرة إلا كذلك، وعلى هذا فبقيته من كلام المصنف أورده تلو كلام عمر، ثم بيّن أن ذلك غاية ما انتهى إليه كلام عمر انتهى. ١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». قَالَ الْفِرَبْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قال: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ. [الحديث ١٠٠ - طرفه في: ٧٣٠٧]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس) بضم الهمزة والسين المهملة (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الإمام (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة (عن عبد الله بن عمرو بن العاصي) ﵄ أنه (قال: سمعت رسول الله ﷺ ¬) أي كلامه حال كونه (يقول) أي في حجة الوداع كما عند أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة: (إن الله لا يقبض العلم) من بين الناس (انتزاعًا) بالنصب مفعول مطلق (ينتزعه) وفي رواية ينزعه (من العباد) بأن يرفعه إلى السماء أو يمحوه من صدورهم، (ولكن يقبض العلم بقبض) أرواح (العلماء) وموت حملته، وإنما عبّر بالمظهر في قوله يقبض العلم موضع المضمر لزيادة تعظيم المظهر كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ بعد قوله: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (حتى إذا لم يبق) بضم المثناة التحتية وكسر القاف من الإبقاء وفيه ضمير يرجع إلى الله تعالى أي حتى إذا لم يبق الله تعالى (عالمًا) بالنصب على المفعولية كذا في رواية الأصيلي ولغيره يبق بفتح حرف المضارعة من البقاء الثلاثي وعالم بالرفع على الفاعلية، ولمسلم حتى إذا لم يترك عالمًا (اتخذ الناس) بالرفع على الفاعلية (رؤوسًا) بضم الراء والهمزة والتنوين جمع رأس، ولأبي ذر أيضًا كما في الفتح رؤساء بفتح الهمزة وفي آخره همزة أخرى مفتوحة جمع رئيس (جهالاً) بالضم والتشديد والنصب صفة لسابقه (فسئلوا) بضم السين أي فسألهم السائل (فأفتوا) له (بغير علم فضلوا) من الضلال أي من أنفسهم (وأضلوا) من الإضلال أي أضلّوا السائلين. فإن قلت: الواقع بعد حتى هنا جملة شرطية فكيف وقعت غاية، أجيب: بأن

стр. 197

التقدير ولكن يقبض العلم بقبض العلماء إلى أن يتخذ الناس رؤساء جهالاً وقت انقراض أهل العلم، فالغاية في الحقيقة هي ما ينسبك من الجواب مرتبًا على فعل الشرط انتهى. واستدل به الجمهور على جواز خلو الزمان عن مجتهد خلافًا للحنابلة. (قال الفربري) أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر (حدّثنا عباس) بالموحدة والمهملة آخره وفي رواية بإسقاط قال الفربري. (قال: حدّثنا قيبة) بن سعيد أحد مشايخ المؤلف (قال: حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد الضبي (عن هشام) هو ابن عروة بن الزبير بن العوام (نحوه) أي نحو حديث مالك السابق، وهذه من زيادات الراوي عن البخاري في بعض الأسانيد، ولفظ رواية قتيبة هذه أخرجها مسلم عنه وسقط من قوله قال الفربري الخ لابن عساكر وأبي الوقت والأصيلي. ٣٥ - باب مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَه هذا (باب من سمع شيئًا) زاد في رواية أبي ذر فلم يفهمه (فراجع) أي راجع الذي سمعه منه وللأصيلي فراجع فيه وفي رواية فراجعه (حتى يعرفه). ١٠١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ: أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ». [الحديث ١٠١ - أطرافه في: ٤٩٣٩، ٦٥٣٦، ٦٥٣٧]. وبالسند قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين (ابن أبي مريم) الجمحي البصري المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين ونسبه لجد أبيه لأن أباه الحكم بن محمد بن أبي مريم (قال: أخبرنا نافع بن عمر) وفي رواية أبي ذر ابن عمر الجمحي وهو قرشي مكي توفي سنة أربع وعشرين ومائة (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام عبد الله بن عبيد الله: (أن عائشة) بفتح الهمزة أي بأن عائشة (زوج النبي ﷺ ¬) ﵂ (كانت لا تسمع) وفي رواية أبي ذر لا تستمع (شيئًا) مجهولاً موصوفًا بصفة (لا تعرفه إلاّ راجعت فيه) النبي ﷺ (حتى) أي إلى أن (تعرفه) وجمع بين كانت الماضي وبين لا تسمع المضارع استحضارًا للصورة الماضية لقوة تحققها (وأن النبي ﷺ ¬) عطف على قوله أن عائشة (قال من) موصول مبتدأ و (حوسب) صلته و (عذب) خبر المبتدأ (قالت عائشة) ﵂ (فقلت أ) كان كذلك (وليس يقول الله تعالى) وللأصيلي وكريمة فيقول خبر ليس واسمها ضمير الشأن أو أن ليس بمعنى لا أي أو لا يقول الله تعالى ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] أي سهلاً لا يناقش فيه (قالت) عائشة (فقال) رسول الله ﷺ : (إنما ذلك العرض) بكسر الكاف لأنه خطاب المؤنث (ولكن من نوقش الحساب) بالنصب على المفعولية أي من ناقشه الله الحساب أي من استقصى حسابه (يهلك) بكسر اللام وإسكان الكاف جواب من الموصول المتضمن معنى الشرط، ويجوز رفع الكاف لأن الشرط إذا كان ماضيًا جاز في الجواب الوجهان، والمعنى أن تحرير الحساب يفضي إلى استحقاق العذاب لأن حسنات العبد متوقفة على القبول وإن لم تحصل الرحمة المقتضية للقبول لا تقع النجاة، وظاهر قول ابن أبي مليكة أن عائشة كانت لا تسمع شيئًا إلا راجعته فيه. الإرسال لأن ابن أبي مليكة تابعي لم يدرك مراجعتها النبي ﷺ ، لكن قول عائشة فقلت أوليس يدل على أنه موصول. والله أعلم. ٣٦ - باب هل يجعل للنساء يوماً على حِدَةٍ في العلم؟ هذا (باب) بالتنوين (هل يجعل) الإمام اللنساء يومًا على حدة في العلم) بكسر الحاء وتخفيف الدال المهملتين أي على انفراد، ولأصيلي وكريمة يجعل على صيغة المجهول ويوم بالرفع مفعول ناب عن فاعله. ١٠٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَالَ: النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلاَّ كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَيْنِ؟ فَقَالَ: وَاثْنَيْنِ. [الحديث ١٠١ - طرفاه في: ١٢٤٩، ٧٣١٠]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا آدم) غير منصرف للعجمة والعلمية على القول بعجمته، وإلا فالعلمية ووزن الفعل وهو ابن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثني) بالتوحيد (ابن الأصبهاني) بفتح الهمزة وقد تكسر وقد تبدل باؤها فاء عبد الرحمن بن عبد الله الكوفي (قال: سمعت أبا صالح ذكوان) بالدّال المعجمة وسكون الكاف حال كونه (يحدث عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك ﵁ (قال) أي قال أبو سعيد: (قال النساء) وفي رواية بإسقاط قال الأولى ولغير أبي ذر وأبي الوقت وابن عساكر قالت النساء بتاء التأنيث وكلاهما جائز في فعل اسم الجمع (للنبي ﷺ غلبنا) بفتح الموحدة (عليك الرجال) بملازمتهم لك كل الأيام يتعلمون الدين ونحن نساء ضعفة لا نقدر على مزاحمتهم (فاجعل) أي انظر لنا فعيَّن (لنا يومًا) من الأيام تعلمنا فيه يكون منشؤه (من نفسك) أي من اختيارك لا من اختيارنا وعبر عن التعيين بالجعل لأنه لازمه (فوعدهن) ﵊ (يومًا) ليعلمهنّ فيه (لقيهنّ فيه) أي في اليوم الموعود به ويومًا نصب مفعول ثانٍ لوعد. قال العيني: فإن قلت: عطف الجملة البرية وهي فوعدهنّ على الإنشائية وهي فاجعل لنا، وقد منعه ابن عصفور وابن مالك وغيرهما. أجيب: بأن العطف ليس على قوله فاجعل لنا يومًا، بل العطف على جميع الجملة من قوله: غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يومًا من نفسك انتهى. (فوعظهنّ) ﵊ أي فوفى ﵊ بوعدهنّ ولقيهنّ فوعظهنّ بمواعظ (وأمرهنّ) بأمور دينية (فكان فيما قال لهنّ: ما منكنّ امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان) التقديم (لها حجابًا) بالنصب خبر كان، وللأصيلي: ما منكن من امرأة بزيادة من زيدت تأكيدًا كما قال البرماوي وللأصيلي وابن عساكر والحموي حجاب بالرفع على أن كان تامّة أي حصل لها حجاب (من النار فقالت امرأة: و) من قدم (اثنين) ولكريمة واثنتين بتاء التأنيث والسائلة هي أم سليم كما عند أحمد والطبراني، وأم أيمن كما عند الطبراني في الأوسط، أو أم مبشر بالمعجمة المشددة كما بيّنه المؤلف (فقال) ﷺ (و) من قدم (اثنين) ولكريمة واثنتين أيضًا. تنبيه: حكم الرجل في ذلك كالمرأة. ١٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ». [الحديث ١٠٣ - طرفه في: ١٢٥٠]. وبه قال: (حدّثنا) وفي رواية أبوي ذر والوقت حدّثني (محمد بن بشار) الملقب ببندار (قال: حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن ذكوان) أبي صالح، وأفاد المؤلف هنا تسمية ابن الأصبهاني المبهم في الرواية السابقة (عن أبي سعيد) أي الخدري كما للأصيلى (عن النبي ﷺ بهذا) أي بالحديث المذكور. (وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني) الواو في وعن للعطف على قوله في السابقة عن عبد الرحمن، والحاصل أن شعبة يرويه عن عبد الرحمن بإسنادين فهو

стр. 198

موصول ومن زعم أنه معلق فقد وهم (قال: سمعت أبا حازم) بالمهملة والزاي سلمان الأشجعي الكوفي، المتوفى في خلافة عمر بن عبد العزيز (عن أبي هريرة قال) وفي رواية أبي ذر وقال بواو العطف على محذوف تقديره مثله أي مثل حديث أبي سعيد، وقال: (ثلاثة لم يبلغوا الحنث) بكسر المهملة وبالمثلثة أي الإثم فزاد هذه على الرواية الأولى، والمعنى أنهم ماتوا قبل البلوغ فلم يكتب الحنث عليهم ووجه اعتبار ذلك أن الأطفال أعلق بالقلوب والمصيبة عند النساء أشد لأن وقت الحضانة قائم. ٣٧ - باب لِيُبَلِّغِ الْعِلْمَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - هذا (باب) بالتنوين (ليبلغ العلم) بالنصب (الشاهد) بالرفع (الغائب) بالنصب أي ليبلغ الحاضر الغائب العلم فالشاهد فاعل والغائب مفعول أول له وإن تأخر في الذكر والعلم مفعول ثانٍ واللام في ليبلغ لام الأمر، وفي الغين الكسر على الأصل في حركة التقاء الساكنين والفتح لخفته (قاله) أي رواه (ابن عباس) ﵄ فيما وصله المؤلف في كتاب الحج في باب الخطبة أيام منى (عن النبي ﷺ ¬) لكن بحذف العلم ولفظه أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، وفي آخره: اللهمّ هل بلغت. قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده إنها لوصية إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب، والظاهر أن المصنف ذكره بالمعنى لأن المأمور بتبليغه هو العلم أشار لمعناه في الفتح. ١٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ -وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ- ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ». فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، أنَّ مَكَّةَ لَا تُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. [الحديث ١٠٤ - طرفاه في: ١٨٣٢، ٤٢٩٥]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: حدّثني) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر حدّثنا (الليث) بن سعد المصري (قال: حدّثني) بالإفراد (سعيد) بكسر العين المقبري وللأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت سعيد بن أبي سعيد ولغيرهم هو ابن أبي سعيد (عن أبي شريح) بضم

стр. 199

المعجمة وفتح الراء آخره حاء مهملة خويلد بن عمرو بن صخر الخزاعي الكعبي الصحابي، المتوفى سنة ثمان وستين ﵁ وله في البخاري ثلاثة أحاديث. (أنه قال لعمرو بن سعيد) بفتح العين في الأولى وكسرها في الثانية ابن العاص بن أمية القرشي الأموي المعروف بالأشدق. قال ابن حجر: وليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان (وهو يبعث البعوث) بضم الموحدة جمع البعث بمعنى المبعوث، والجملة اسمية وقعت حالاً والمعنى يرسل الجيوش (إلى مكة) زادها الله تعالى شرفًا ومنَّ علينا بالمجاورة بها على أحسن وجه في عافية بلا محنة لقتال عبد الله بن الزبير لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية في سنة إحدى وستين من الهجرة، واعتصم بالحرم بلغنا الله المجاورة به في عافية بلا محنة وكان عمرو وإلي يزيد على المدينة الشريفة (ائذن لي) يا (أيها الأمير أُحدّثك) بالجزم لأنه جواب الأمر (قولاً) بالنصب مفعول ثانٍ لأحدّث (قام به النبي) وفي رواية أبي الوقت رسول الله ﷺ الغد) بالنصب على الظرفية (من يوم الفتح) أي ثاني يوم فتح مكة في العشرين من رمضان السنة الثامنة من الهجرة (سمعته أُذناي) أصله أُذنان لي فسقطت النون لإضافته لياء المتكلم، والجملة في محل نصب صفة للقول كجملة قام به النبي ﷺ وهو ينفي أن يكون سمعه من غيره (ووعاه قلبي) أي حفظه وتحقق فهمه وتثبت في تعقل معناه (وأبصرته عيناي) بتاء التأنيث كسمعته أُذناي، لأن كل ما هو في الإنسان من الأعضاء اثنان كاليد والرجل والعين والأُذن فهو مؤنث بخلاف الأنف والرأس، والمعنى أنه لم يكن اعتماده على الصوت من وراء حجاب بل بالرؤية والمشاهدة وأتى بالتثنية تأكيدًا (حين تكلم) ﷺ (به) أي بالقول الذي أحدّثك (حمد الله) تعالى بيان لقوله تكلم به (وأثنى عليه) عطف على سابقه من باب عطف العام على الخاص (ثم قال) ﵊ (إن مكة حرمها الله) يوم خلق السماوات والأرض (ولم يحرمها الناس) من قبل أنفسهم واصطلاحهم، بل حرمها الله تعالى بوحيه فتحريمها ابتدائي من غير سبب يعزى لأحد فلا مدخل فيه لنبي ولا لغيره ولا تنافي بين هذا وبين ما روي أن إبراهيم ﵊ حرمها إذ المراد أنه بلغ تحريم الله وأظهره بعد أن رفع البيت وقت الطوفان واندرست حرمتها، وإذا كان كذلك (فلا يحل لامرئ) بكسر الراء كالهمزة إذ هي تابعة لها في جميع أحوالها أي لا يحل لرجل (يؤمن بالله واليوم الأخر) يوم القيامة إشارة إلى المبدأ والمعاد (أن يسفك بها دمًا) بكسر الفاء وقد تضم وهما لغتان. قال في العباب: سفكت الدم أسفكه وأسفكه سفكًا. وفي رواية المستملي والكشميهني فيها بدل بها والباء بمعنى في وأن مصدرية أي فلا يحل سفك دم فيها والسفك صب الدم والمراد به القتل. (و) أن (لا يعضد بها) بفتح المثناة التحتية وتسكين العين المهملة وكسر الضاد المعجمة آخره دال مهملة مفتوحة أي يقطع بالمعضد وهو آلة كالفأس (شجرة) أي ذات ساق ولا زيدت لتأكيد معنى النفي أي لا يحل له أن يعضد، (فإن) ترخص (أحد ترخص) برفع أحد بفعل مقدر يفسره ما بعده لا بالابتداء لأن إن من عوامل الفعل وحذف الفعل وجوبًا لئلا يجمع بين المفسر والمفسر وأبرزته لضرورة البيان، والمعنى إن قال أحد ترك القتال عزيمة والقتال رخصة تتعاطى عند الحاجة (القتال) أي لأجل قتال (رسول الله ﷺ فيها) مستدلاً بذلك (فقولوا) له ليس الأمر كذلك (إن الله) تعالى (قد أذن لرسوله) ﷺ خصيصة له (ولم يأذن لكم وإنما أذن لي) الله في القتال فقط (فيها) أي مكة وهمزة أذن مفتوحة ويجوز ضمها على البناء للمفعول ولأبي ذر كما في الفرع وأصله إسقاط لفظة فيها اختصارًا للعلم به فقال: أذن ليس (ساعة) أي في ساعة (من نهار) وهي من طلوع الشمس إلى العصر كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن

стр. 200

جدّه عند أحمد فكانت مكة في حقه ﷺ في تلك الساعة بمنزلة الحل، (ثم عادت حرمتها اليوم) أي تحريمها المقابل للإباحة المفهومة من لفظ الإذن في اليوم المعهود وهو يوم الفتح إذ عود حرمتها كان في يوم صدور هذا القول لا في غيره (كحرمتها بالأمس) الذي قبل يوم الفتح. (وليبلغ الشاهد) الحاضر (الغائب) بالنصب مفعول الشاهد، ويجوز كسر لام ليبلغ وتسكينها فالتبليغ عن الرسول ﵊ فرض كفاية. (فقيل لأبي شريح) المذكور (ما قال عمرو) أي ابن سعيد المذكور في جوابك فقال (قال) عمرو (أنا أعلم منك يا أبا شريح أن مكة) يعني صح سماعك وحفظك لكن ما فهمت المعنى فإن مكة (لا تعيذ) بالمثناة الفوقية والذال المعجمة أي لا تعصم (عاصيًا) من إقامة الحدّ عليه وفي رواية إن الحرم لا يعيد بالمثناة التحتية عاصيًا (ولا فارًّا) بالفاء والراء المشددة (بدم) أي مصاحبًا بدم ومتلبسًا به وملتجئًا إلى الحرم بسبب خوفه من إقامة الحد عليه (ولا فارًّا بخربة) أي بسبب خربة وهي بفتح المعجمة وبعد الراء الساكنة موحدة، ووقع في رواية المستملي تفسيرها فقال: بخربة يعني السرقة، وفي رواية الأصيلي كما قاله القاضي عياض بخربة بضم الخاء أي الفساد، وزاد البدر الدماميني الكسر مع إسكان الراء كذلك وقال: على المشهور أي في الراء قال: وأصلها سرقة الإبل وتطلق على كل خيانة انتهى. وقد حاد عمرو عن الجواب وأتى بكلام ظاهره حق، لكن أراد به الباطل فإن أبا شريح الصحابي أنكر عليه بعث الخيل إلى مكة واستباحة حرمتها بنصب الحرب عليها. فأجاب بأنه لا يمنع من إقامة القصاص وهو الصحيح، إلا أن ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيء، بل هو أولى بالخلافة من يزيد بن معاوية لأنه بويع قبله، وهو صاحب النبي ﷺ ، ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في الحج. ورواة هذا الحديث ما بين مصري ومدني وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه المؤلف في الحج والمغازي ومسلم في الحج، والترمذي فيه وفي الدّيات، والنسائي في الحج والعلم والله الموفق. ١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ- عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا. أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ»، وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) أبو محمد الحجبي بفتح الحاء المهملة والجيم والموحدة البصري الثقة الثبت، المتوفى سنة ثمانٍ وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا حماد) أي ابن زيد البصري (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن ابن أبي بكرة) عبد الرحمن (عن) أبيه (أبي بكرة) نفيع كذا في رواية الكشميهني والمستملي وهو الصواب كما سبق في كتاب العلم من طريق أخرى، وهو الذي رواه سائر رواة الفربري، ووقع في نسخة أبي ذر فيما قيده عن الحموي وأبي الهيثم عن الفربري عن محمد عن أبي بكرة فأسقط ابن أبي بكرة كذا قاله أبو علي الغساني، والصواب الأول قال أبو بكرة حال كونه (ذكر النبي ﷺ ¬) بضم الذال مبنيًّا للمفعول وفي نسخة مبنيًّا للفاعل (قال) وللأصيلي فقال: أي النبي ﷺ في حجة الوداع أي يوم الحديث السابق في باب رب مبلغ من كتاب العلم، واقتصر منه هنا على بيان التبليغ إذ هو المقصود فقال: (فإن) بفاء العطف على المحذوف كما تقرر (دماءكم وأموالكم قال محمد) أي ابن سيرين (وأحسبه) أي وأظن ابن أبي بكرة (قال وأعراضكم) بالنصب عطفًا على السابق (عليكم حرام) أي فإن انتهاك دمائكم وانتهاك أموالكم وانتهاك أعراضكم عليكم حرام. يعني مال بعضكم حرام على بعض لا أن مال الشخص حرام عليه كما دلّ عليه العقل ويدل له رواية بينكم بدل عليكم (كحرمة يومكم هذا) وهو يوم النحر (في شهركم هذا) ذي الحجة (ألا) بالتخفيف (ليبلغ الشاهد منكم الغائب) بالنصب على المفعولية وكسر لام ليبلغ الثانية وغينها للساكنين. (وكان محمد) يعني ابن سيرين (يقول صدق رسول الله ﷺ كان كذلك) أي إخباره ﵊ بأنه سيقع التبليغ فيما بعد فيكون الأمر في قوله: ليبلغ بمعنى الخبر لأن

стр. 201

التصديق إنما يكون للخبر لا للأمر أو يكون إشارة إلى تتمة الحديث، وهو أن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه يعني وقع تبليغ الشاهد أو إشارة إلى ما بعده وهو التبليغ الذي في ضمن ألا هل بلغت بمعنى وقع تبليغ الرسول إلى الأمة قاله البرماوي كالكرماني وغيره، وفي رواية قال ذلك بدل قوله كان ذلك. (ألا) بالتخفيف أيضًا أي يا قوم (هل بلغت مرتين) أي قال هل بلغت مرتين لا إنه قال الجميع مرتين إذ لم يثبت، فقوله قال محمد الخ اعتراض وألا هل بلغت من كلامه ﷺ . ٣٨ - باب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ - هذا (باب إثم من كذب على النبي ﷺ ¬) أعاذنا الله من ذلك ومن سائر المهالك. ١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا تَكْذِبُوا عَلَىَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ». وبالسند قال: (حدّثنا علي بن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين آخره دال مهملتين الجوهري البغدادي (قال: أخبرنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (قال: سمعت ربعي) بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر المهملة وتشديد المثناة التحتية (ابن حراش) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالشين المعجمة ابن جحش بفتح الجيم وسكون المهملة آخره شين معجمة الغطفاني العبسي بالموحدة الكوفي الأعور. قيل: إنه لم يكذب قطّ، وحلف أن لا يضحك حتى يعلم أين مصيره فما ضحك إلا عند موته، وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز في رجب سنة إحدى ومائة أو سنة أربع ومائة (يقول: سمعت عليًّا) أي ابن أبي طالب أحد السابقين إلى الإسلام والعشرة المبشرة بالجنة والخلفاء الراشدين والعلماء الربانيين والشجعان المشهورين، وَليِ الخلافة خمس سنين، وتوفي بالكوفة ليلة الأحد تاسع عشر رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة ﵁، وكان ضربه عبد الرحمن بن ملجم بسيف مسموم، وله في البخاري تسعة وعشرون حديثًا أي سمعت عليًّا حال كونه (يقول: قال رسول الله ﷺ ¬): (لا تكذبوا عليّ) بصيغة الجمع وهو عامّ في كل كذب مطلق في كل نوع منه في الأحكام وغيرها كالترغيب والترهيب، ولا مفهوم لقوله عليّ لأنه لا يتصور أن يكذب له لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن مطلق الكذب، (فإنه) أي الشأن (من كذب عليّ فليلج النار) أي فليدخل فيها هذا جزاؤه وقد يعفو الله تعالى عنه، ولا يقطع عليه بدخول النار كسائر أصحاب الكبائر غير الكفر، وقد جعل الأمر بالولوج مسببًا عن الكذب لأن لازم الأمر الإلزام، والإلزام يولج النار بسبب الكذب عليه أو هو بلفظ الأمر ومعناه الخبر، ويؤيده رواية مسلم: "من يكذب عليّ يلج النار" ولابن ماجة: "فإن الكذب عليَّ يولج النار" وقيل: دعاء عليه ثم أخرج مخرج الذم. ١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ. قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن جامع بن شداد) المحاربي الكوفي الثقة، المتوفى سنة ثمان عشرة ومائة (عن عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي القرشي، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائة (عن أبيه) عبد الله بن الزبير الصحابي أول مولود في الإسلام للمهاجرين بالمدينة وكان أطلس لا لحية له، وتوفي سنة اثنتين وسبعين أنه (قال): (قلت للزبير) بن العوام بتشديد الواو حواري رسول الله ﷺ وأحد العشرة المبشرين بالجنة المتوفى بوادي السباع بناحية البصرة سنة ست وثلاثين بعد منصرفه من وقعة الجمل، وله في البخاري تسعة أحاديث (إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدّث فلان وفلان) أي كتحديث فلان وفلان وسمى منهما في رواية ابن ماجة عبد الله بن مسعود (قال) أي الزبير: (أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح ولذا كسرت همزة إن بعدها في قوله: (إني لم أفارقه) ﷺ زاد الإسماعيلي منذ أسلمت، والمراد المفارقة العرفية الصادقة بأغلب الأوقات، وإلا فقد هاجر إلى الحبشة ولم يكن مع النبي ﷺ في حال هجرته إلى المدينة لكن أجيب عن هجرة الحبشة بأنها كانت قبل ظهور شوكة الإسلام أي ما فارقته عند ظهور شوكته (ولكن) وللأصيلي

стр. 202

وابن عساكر وأبي ذر والحموي ولكني، وفي رواية مما ليس في اليونينية ولكنني إذ يجوز في إن وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدمه (سمعته) ﷺ (يقول: من كذب عليَّ فليتبوّأ) بكسر اللام على الأصل وبسكونها على المشهور ومن موصول متضمن معنى الشرط والتالي صلته وفليتبوّأ جوابه أمر من التبوّء أي فليتخذ (مقعده من النار) أي فيها. والأمر هنا معناه الخبر أي أن الله تعالى يبوِّئه مقعده من النار، أو أمر على سبيل التهكم والتغليظ، أو أمر تهديد أو دعاء على معنى بوَّأه الله، وإنما خشي الزبير من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكنه قد يأثم بالإكثار، إذ الإكثار مظنة الخطأ، والثقة إذا حدَّث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به على الدوام للوثوق بنقله فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار، فمن ثم توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث، وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبّت أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان قاله الحافظ ابن حجر. ١٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَىَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين وسكون العين المهملة عبد الله بن عمرو المنقري البصري المعروف بالمقعد (قال: حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التيمي البصري (عن عبد العزيز) بن صهيب الأعمى البصري أنه قال: (قال أنس) أي ابن مالك ﵁، وفي رواية أبوي ذر والوقت بإسقاط قال الأولى: (إنه ليمنعني أن أحدثكم) بكسر همزة إن الأولى مع التشديد، وفتح الثانية مع التخفيف أي ليمنعني تحديثكم (حديثًا كثيرًا) بالنصب فيهما والمراد جنس الحديث، ومن ثم وصفه بالكثرة (أن النبي ﷺ قال: من تعمد عليّ كذبًا) عامّ في جميع أنواع الكذب لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي في إفادة العموم، والمختار أن الكذب عدم مطابقة الخبر للواقع ولا يشترط في كونه كذبًا تعمده والحديث يشهد له لدلالته على انقسام الكذب إلى متعمد وغيره (فليتبوّأ مقعده من النار) فأفاد أنس أن توقّيه من التحديث لم يكن للامتاع من أصل التحديث للأمر بالتبليغ، وإنما هو لخوف الإكثار المفضي إلى الخطأ. وقد ذهب الجويني إلى كفر من كذب متعمدًا عليه صلوات الله وسلامه عليه، ورده عليه ولده إمام الحرمين وقال: إنه من هفوات والده، وتبعه من بعده فضعفوه، وانتصر له ابن المنير بأن خصوصية الوعيد توجب ذلك إذ لو كان بمطلق النار لكان كل كاذب كذلك عليه وعلى غيره، فإنما الوعيد بالخلود. قال: ولهذا قال فليتبوّأ أي فليتخذها مباءة ومسكنًا وذلك هو الخلود، وبأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلاً لا ينفك عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفر والحمل على الكفر كفر، وأجيب عن الأوّل: بأن دلالة التبوّء على الخلود غير مسلمة ولو سلم فلا نسلم أن الوعيد بالخلود مقتضٍ للكفر بدليل متعمد القتل الحرام. وأجيب عن الثاني: بأنَّا لا نسلم أن الكذب عليه ملازم لاستحلاله ولا لاستحلال متعلقه فقد يكذب عليه في تحليل حرام مثلاً مع قطعه بأن الكذب عليه حرام، وأن ذلك الحرام ليس بمستحل كما تقدم العصاة من المؤمنين على ارتكابهم الكبائر مع اعتقادهم حرمتها انتهى: ١٠٩ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَىَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وبه قال: (حدّثنا المكي) وفي رواية أبي ذر: حدّثني المكي بالإفراد والتعريف، وفي أخرى: حدّثني مكي بالإفراد والتنكير (ابن إبراهيم) البلخي (قال: حدّثنا يزيد بن أبي عبيد) بضم العين الأسلمي، المتوفى بالمدينة سنة ست أو سبع وأربعين ومائة (عن سلمة) بفتح السين واللام (ابن الأكوع) واسم الأكوع سنان بن عبد الله السلمي المدني، المتوفى بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن ثمانين سنة، وله في البخاري عشرون حديثًا. (سمعت النبي ﷺ ¬) أي كلامه حال كونه (يقول: من يقل علي) أصله يقول حذفت الواو للجزم

стр. 203

لأجل الشرط (ما لم أقل) أي الذي لم أقله وكذا لو نقل ما قاله بلفظ يوجب تغير الحكم أو نسب إليه فعلاً لم يرد عنه (فليتبوّأ) جواب الشرط السابق (مقعده من النار) لما فيه من الجرأة على الشريعة وصاحبها ﷺ ، فلو نقل العالم معنى قوله بلفظ غير لفظه لكنه مطابق لمعنى لفظه فهو سائغ عنده المحققين، وفي هذا الحديث زيادة على ما سبق التصريح بالقول لأن السابق أعمّ من نسبة القول والفعل إليه. ١١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي. وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي. وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». [الحديث ١١٠ - أطرافه في: ٣٥٣٩، ٦١٨٨، ٦١٩٧، ٦٩٩٣]. وبه قال (حدّثنا) وفي رواية حدّثني (موسى) بن إسماعيل المنقري التبوذكي البصري (قال: حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الكوفي، المتوفى سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائة (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني (عن أبي هريرة) الدوسي ﵁ (عن النبي ﷺ قال): (تسموا) بفتح التاء والسين والميم المشددة أمر بصيغة الجمع من باب التفعّل (باسمي) محمد وأحمد (ولا تكتنوا) بفتح التاءين بينهما كاف ساكنة، وفي رواية الأربعة "ولا تكنوا" بفتح الكاف ونون مشدّدة من غير تاء ثانية من باب التفعّل من تكنى يتكنى تكنيًّا، وأصله لا تتكنوا فحذفت إحدى التاءين أو بضم التاء وفتح الكاف وضم النون المشددة من باب التفعيل من كنى يكني تكنية، أو بفتح التاء وسكون الكاف وكلها من الكناية (بكنيتي) أبي القاسم وهو من باب عطف المنفي على المثبت. (ومن رآني في المنام فقد رآني) حقًّا (فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي) أي لا يتمثل بصورتي، وتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى. وفي كتابي المواهب من ذلك ما يكفي ويشفي. (ومن كذب علي متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار) مقتضى هذا الحديث استواء تحريم الكذب عليه في كل حال سواء في اليقظة والنوم، وقد أورد المصنف حديث من كذب عليّ هاهنا عن جماعة من الصحابة علي والزبير وأنس وسلمة وأبي هريرة وهو حديث في غاية الصحة ونهاية القوّة، وقد أطلق القول بتواتره جماعة وعورض بأن المتواتر شرطه استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة وليست موجودة في كل طريق بمفردها، وأجيب: بأن المراد من إطلاق تواتره رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كافٍ في إفادة العلم. ٣٩ - باب كِتَابَةِ الْعِلْمِ هذا (باب كتابة العلم). ١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. [الحديث ١١١ - أطرافه في: ١٨٧٠، ٣٠٤٧، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦٩٠٣، ٦٩١٥، ٧٣٠٠]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا ابن سلام) بالتخفيف. قال في الكمال: وقد يشدده من لا يعرف، وقال الدارقطني: بالتشديد لا بالتخفيف البيكندي ولغير أبي ذر محمد بن سلام (قال: أخبرنا وكيع) أي ابن الجراح بن مليح الكوفي، المتوفى يوم عاشوراء سنة سبع وسبعين ومائة (عن سفيان) الثوري أو ابن عيينة، وجزم في فتح الباري بالأوّل لشهرة وكيع بالرواية عنه، ولو كان ابن عيينة لنسبه المؤلف لأن إطلاق الرواية عن متّفقي الاسم يقتضي أن يحمل من أهملت نسبته على من يكون له به خصوصية من إكثار ونحوه، وتعقبه العيني بأن أبا مسعود الدمشقي قال في الأطراف: إنه ابن عيينة. (عن مطرف) بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء المشددة آخره فاء ابن طريف بطاء مهملة مفتوحة الحارثي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائة (عن الشعبي) بفتح الشين وسكون العين المهملة واسمه عامر (عن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وبالفاء واسمه وهب بن عبد الله السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبالمد الكوفي من صغار الصحابة، المتوفى سنة اثنتين وسبعين (قال): (قلت لعلي) وللأصيلي زيادة ابن أبي طالب (هل عندكم) أهل البيت النبوي أو الميم للتعظيم (كتاب) أي مكتوب خصّكم به رسول الله ﷺ دون غيركم من أسرار علم الوحي كما يزعم الشيعة (قال) علي: (لا) كتاب عندنا (إلا كتاب الله) بالرفع بدل من مستثنى منه (أو فهم) بالرفع (أعطيه) بصيغة المجهول وفتح الياء (رجل مسلم) من فحوى الكلام ويدركه من باطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه ومراتب الناس في ذلك متفاوتة،

стр. 204

ويفهم منه جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه ما لم يكن مقولاً عن المفسرين إذا وافق أصول الشريعة ورفع فهم بالعطف على سابقه، فالاستثناء متصل قطعًا. وأما قول الحافظ ابن حجر: الظاهر أنه منقطع فمدفوع بأنه لو كان من غير الجنس لكان قوله أو فهم منصوبًا لأنه عطف على المستثنى، والمستثنى إذا كان من غير جنس المستثنى منه يكون منصوبًا وما عطف عليه كذلك ثم عطف على قوله كتاب الله. قوله: (أو ما) أي الذي (في هذه الصحيفة) وهي الورقة المكتوبة وكانت معلقة بقبضة سيفه إما احتياطًا أو استحضارًا، وإما لكونه منفردًا بسماع ذلك، وللنسائي فأخرج كتابًا من قراب سيفه (قال) أبو جحيفة (قلت وما) وفى رواية الكشميهني فما وكلاهما للعطف أي أيّ شيء (في هذه الصحيفة؟ قال) علي ﵁، فيها (العقل) أي حكم العقل وهو الدّية لأنهم كانوا يعقلون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المستحق للعقل، والمراد أحكامها ومقاديرها وأصنافها وأسنانها، (وفكاك) بفتح الفاء ويجوز كسرها وهو ما يحصل به خلاص (الأسير ولا يقتل مسلم بكافر) بضم اللام عطف جملة فعلية على جملة اسمية أي فيها العقل وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر. وفي رواية الأصيلي والكشميهني: وأن لا يقتل بزيادة أن المصدرية الناصبة وعطفت الجملة على المفرد لأن التقدير فيها أي الصحيفة حكم العقل وحكم تحريم قتل المسلم بالكافر، فالخبر محذوف. وحينئذ فهو عطف جملة على جملة، وحرمة قصاص المسلم بالكافر هو مذهب إمامنا الشافعي ومالك وأحمد والأوزاعي والليث وغيرهم من العلماء، خلافًا للحنفية. ويدل لهم أنّ النبي ﷺ قتل مسلمًا بمعاهد وقال: (أنا أكرم من وفى بذمته) الحديث. رواه الدارقطني لكنه ضعيف فلا يحتج به، وتمام البحث في ذلك يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى. ووقع عند المصنف ومسلم قال: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة فإذا فيها المدينة حرم، ولمسلم وأخرج صحيفة مكتوبة فيها لعن الله من ذبح لغير الله، وللنسائي فإذا فيها المؤمنون يتكافؤون دماءهم يسعى بذمتهم أدناهم الحديث، ولأحمد فيها فرائض الصدقة. والجمع بين هذه أنّ الصحيفة كانت واحدة وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها فنقل كلٌّ من الرواة عنه ما حفظ. ١١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ -أَوِ الْفِيلَ. شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ- وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ. أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي. أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ: لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ. فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: «اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلاَّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِلاَّ الإِذْخِرَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ يُقَادُ بِالْقَافِ. فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَىْءٍ كَتَبَ لَهُ؟. قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ. [الحديث ١١٢ - طرفاه في: ٢٤٣٤، ٦٨٨٠]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم الفضل بن دكين) بضم الدال المهملة وفتح الكاف (قال: حدّثنا شيبان) بفتح المعجمة وسكون المثناة التحتية ابن عبد الرحمن النحوي المؤدب البصري الثقة، المتوفى سنة أربع وستين ومائة في خلافة المهدي (عن يحيى) بن أبي كثير صالح بن المتوكل الطائي مولاهم العطار أحد الأعلام الثقات العباد، المتوفى سنة تسع وعشرين ومائة. وقيل: سنة اثنتين وثلاثين (عن أبي سلمة) بفتح اللام عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁. وللمؤلف في الدّيات: حدّثنا أبو سلمة قال: حدّثنا أبو هريرة: (أن خزاعة) بضم الخاء المعجمة وبالزاي غير منصرف للعلمية والتأنيث وهم حي من الأزد (قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه). في السيرة أن خراش بن أمية الخزاعي قتل جندب بن الأقرع الهذلى بقتيل قتل في الجاهلية يقال له أحمر، وعلى هذا فيكون قوله أنّ خزاعة قتلوا أي واحد منهم فأطلق عليه اسم الحيّ مجازًا (فأخبر) بضم الهمزة وكسر الموحدة (بذلك النبيّ) بالرفع نائب الفاعل (¬ ﷺ فركب راحلته) الناقة التي تصلح أن يرحل عليها (فخطب) رسول الله ﷺ (فقال: وإن الله) (حبس) أي منع (عن مكة القتل) بالقاف المفتوحة والمثناة الفوقية (أو الفيل) بالفاء المكسورة والمثناة التحتية الحيوان المشهور (شك أبو عبد الله) أي البخاري وسقط قوله شك أبو عبد الله عند أبي ذر وابن عساكر وللأربعة قال أبو عبد الله كذا قال أبو نعيم هو الفضل بن دكين، وأراد به أن الشك فيه من شيخه واجعلوا بصيغة الأمر، وللأصيلي واجعلوه بضمير النصب أي اجعلوا اللفظ على الشك الفيل بالفاء أو القتل

стр. 205

بالقاف وغيره أي غير أبي نعيم ممن رواه عن الشيباني رفيقًا لأبي نعيم وهو عبيد الله بن موسى، ومن رواه عن يحيى رفيقًا لشيبان وهو حرب بن شداد كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الدّيات يقول الفيل بالفاء من غير شك، والمراد بحبس الفيل أهل الفيل الذين غزوا مكة فمنعها الله تعالى منهم كما أشار إليه تعالى في القرآن، وهذا تصريح من المصنف بأن الجمهور على رواية الفيل بالفاء، وفي بعض النسخ مما ليس في اليونينية أن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل كذا قال أبو نعيم، واجعلوا على الشك الفيل أو القتل. وفي رواية قال محمد أي البخاري: وجعلوه أي الرواة على الشك كذا قال أبو نعيم الفيل أو القتل. وقال البرماوي كالكرماني الفتك بالفاء والكاف أي سفك الدم على غفلة أي بدل القتل، ووجهه ظاهر، لكن لا أعلمه روي كذلك ولا يبعد أن يكون تصحيفًا. ثم عطف على السابق قوله: (وسلط عليهم) بضم السين بالبناء للمفعول (رسول الله) نائب عن الفاعل (¬ ﷺ والمؤمنون) رفع بالواو عطف عليه كذا في رواية أبي ذر ولغيره وسلّط بفتح السين أي الله رسول الله مفعوله والمؤمنين نصب بالياء عطف عليه (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أن الله قد حبس عنها (وإنها) ولأبي ذر فإنها بالفاء (لم تحل) بفتح أوّله وكسر ثانيه (لأحد قبلي ولا تحل) بضم اللام وفي رواية الكشميهني ولم تحل (لأحد بعدي) واستشكلت هذه الرواية، فإن لم تقلب المضارع ماضيًا ولفظ بعدي للاستقبال فكيف يجتمعان؟ وأجيب بأن المعنى لم يحكم الله في الماضي بالحال في المستقبل (ألا) بالتخفيف مع الفتح أيضًا (وإنها) بالعطف على مقدر كالسابقة (أحلّت لي ساعة من نهار ألا) بالتخفيف أيضًا (وإنها) بواو العطف كذلك (ساعتي) أي في ساعتي (هذه) التي أتكلم فيها بعد الفتح (حرام) بالرفع على الخبرية لقوله إنها أي مكة واستشكل بكون مكة مؤنثة فلا تطابق بين المبتدأ والخبر المذكور. وأجيب: بأنه مصدر في الأصل يستوي فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع (لا يختلى) يضم أوّله وبالمعجمة أي لا يقطع ولا يجز (شوكها) إلا المؤذي كالعوسج واليابس كالحيوان المؤذي والصيد الميت (ولا يعضد) بضم أوّله وفتح ثالثه المعجم أي لا يقطع (شجرها ولا تلتقط) بالبناء للمفعول (ساقطتها) أي ما سقط فيها بغفلة مالكه (إلا لمنشد) أي معرف فليس لواجدها غير التعريف ولا يملكها هذا مذهبنا، (فمن قتل) بضم أوّله وكسر ثانيه أي قتل له قتيل كما في الدّيات عند المصنف (فهو بخير النظرين) أي أفضلهما، ولغير الكشميهني بخير بالتنوين وإسقاط النظرين. وفي نسخة الصغاني فمن قتل له قتيل وصحح على قوله له قتيل، كذا قدر المحذوف هنا الحافظ ابن حجر كالخطابي، وتعقبه العيني بأنه يلزم منه حذف الفاعل. وقال البرماوي: أي المستحق لديته بخير وهو معنى قول البدر الدماميني يمكن جعل الضمير من قوله فهو عائدًا إلى الولي المفهوم من السياق. وقال العيني: التحقيق أن يقدر فيه مبتدأ محذوف وحذفه سائغ، والتقدير فمن أهله قتل فهو بخير النظرين فمن مبتدأ وأهله قتل جملة من المبتدأ والخبر وقعت صلة للموصول، وقوله: فهو مبتدأ وقوله بخير النظرين خبره، والجملة خبر المبتدأ الأوّل والضمير في قتل يرجع إلى الأهل المقدر. وقوله: هو يرجع إلى من والباء في بخير النظرين متعلق بمحذوف تقديره فهو مرضي بخير النظرين أو عامل أو مأمور. (إما أن يعقل وإما أن يقاد) أي يمكن (أهل القتيل) من القتل يقال أقدت القاتل بالمقتول أي اقتصصته منه، فالنائب عن الفاعل ضمير يعود للمفعول أي يؤخذ له القود أو نحو ذلك، وبهذا يزول الإشكال إذ لولا التقدير كان المعنى وإما أن يقتل أهل القتيل وهو باطل، قال الدماميني: ولعل يقاد يمكن من القود وهو القتل. أي: وإما أن يمكن أهل القتيل من القود فيستقيم المعنى والفعلان مبنيان للمفعول وهمزة إما التفصيلة مكسورة وأن المصدرية مفتوحة في الأربعة. (فجاء رجل من أهل اليمن) هو أبو شاه بشين معجمة وهاء منوّنة كما في فتح الباري (فقال: اكتب لي) أي الخطبة التي سمعتها منك (يا رسول الله. فقال) ﷺ : (اكتبوا لأبي

стр. 206

فلان) أي لأبي شاه (فقال رجل من قريش) هو العباس بن عبد المطلب قل يا رسول الله لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها (إلا الإذْخر يا رسول الله) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين وهو نبت معروف طيب الرائحة ويجوز فيه الرفع على البدل من السابق والنصب على الاستثناء لكونه واقعًا بعد النفي، (فإنا نجعله في بيوتنا) للسقف فوق الخشب أو يخلط بالطين لئلا ينشق إذا بني به (وقبورنا) نسدّ به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات (فقال النبي ﷺ ¬): بوحي في الحال أو قبل ذلك أنه إن طلب منه أحد استثناء شيء منه فاستثنه (إلا الإذْخر) وللأصيلي إلا الإذْخر مرتين فتكون الثانية للتأكيد. وفي فرع اليونينية هنا زيادة وهي (قال أبو عبد الله) أي البخاري (يقال يقاد بالقاف فقيل لأبي عبد الله أي شيء كتب له؟ فقال: كتب له هذه الخطبة). وليس هذا التفسير عند أبي ذر والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر. ١١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. - وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني الإمام (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا عمرو) هو ابن دينار المكي الجمحي أحد الأئمة المجتهدين، المتوفى سنة ست وعشرين ومائة (قال: أخبرني) بالإفراد (وهب بن منبّه) بضم الميم وفتح النون وكسر الموحدة المشددة ابن كامل بن سيج بفتح السين المهملة، وقيل بكسرها وسكون المثناة التحتية في آخره جيم الصنعاني الأنباري الذماري بالمعجمة، المتوفى سنة أربع عشرة ومائة (عن أخيه) همام بن منبّه المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائة (قال: سمعت أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁ (يقول): (ما من أصحاب النبي ﷺ أحد) بالرفع اسم ما النافية (أكثر) بالنصب خبرها (حديثًا) بالنصب على التمييز (عنه) ﷺ (مني) وفي رواية أبي أكثر بالرفع صفة أحد كذا أعربه العيني والكرماني والزركشي، وتعقبه البدر الدماميني فقال قوله اسم ما يقتضي أنها عاملة وأحد الشروط متخلف وهو تأخير الخبر واغتفارهم لتقدّم الظرف دائمًا إنما هو إذا كان معمولاً للخبر لا خبرًا، وأما نصب أكثر فيحتمل أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الظرف المتقدم على بحث فيه فتأمله. قال: والذي يظهر أن (ما) هذه مهملة غير عاملة عمل ليس، وأن أحد مبتدأ وأكثر صفته ومن أصحاب النبي ﷺ خبره اهـ. (إلا ما كان من عبد الله بن عمرو) أي ابن العاص ﵄ (فإنه كان يكتب و) أنا (لا أكتب) أي لكن الذي كان من عبد الله بن عمرو وهو الكتابة لم يكن مني والخبر محذوف بقرينة ما في الكلام سواء لزم منه كونه أكثر حديثًا لما تقتضيه عادة الملازمة مع الكتابة أم لا. ويجوز أن يكون الاستثناء متصلاً نظرًا إلى المعنى إذ حديثًا وقع تمييزًا، والتمييز كالمحكوم عليه فكأنه قال: ما أحد حديثه أكثر من حديثي إلا أحاديث حصلت من عبد الله، ويفهم منه جزم أبي هريرة ﵁ بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثًا عن النبي ﷺ منه إلا عبد الله بن عمرو مع أن الموجود عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المرويّ عن أبي هريرة بأضعاف لأنه سكن مصر، وكان الواردون إليها قليلاً بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة، وروى عنه فيما قاله المؤلف نحو من ثمانمائة رجل، ورُوِيَ عنه من الحديث خمسة آلاف وثلاثمائة حديث ووجد لعبد الله سبعمائة حديث (تابعه) أي تابع وهب بن منبّه في روايته لهذا الحديث عن همام (معمر) هو ابن راشد (عن همام عن أبي هريرة) كما أخرجها عبد الرزاق عن معمر. ١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ» قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا، وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ. فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيئةَ كُلَّ الرَّزِيئةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ. [الحديث ١١٤ - أطرافه في: ٣٠٥٣، ٣١٦٨، ٤٤٣١، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦]. وبه قال (حدّثنا يحيى بن سليمان) بن يحيى الجعفي المكّي المتوفى بمصر سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومائتين (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة أحد الفقهاء السبعة (عن ابن عباس) ﵄ (قال): (لما اشتد) أي حين قوي (بالنبي ﷺ

стр. 207

وجعه) الذي توفي فيه يوم الخميس قبل موته بأربعة أيام (قال: ائتوني بكتاب) أي بأدوات الكتاب كالدواة والقلم أو أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه كالكاغد وعظم الكتف كما صرح به في رواية مسلم (كتب لكم) بالجزم جوابًا للأمر ويجوز الرفع على الاستئناف أي آمر من يكتب لكم (كتابًا) فيه النص على الأئمة بعدي أو أبين فيه مهمات الأحكام (لا تضلوا بعده) بالنصب على الظرفية، وتضلوا بفتح أوّله وكسر ثانيه مجزوم بحذف النون بدلاً من جواب الأمر. (قال عمر) بن الخطاب ﵁ لمن حضره من الصحابة: (إن النبي ﷺ غلبه الوجع و) الحال (عندنا كتاب الله) هو (حسبنا) أي كافينا، فلا نكلف رسول الله ﷺ ما يشق عليه في هذه الحالة من إملاء الكتاب ولم يكن الأمر في ائتوني للوجوب، وإنما هو من باب الإرشاد للأصلح للقرينة الصارفة للأمر عن الإيجاب إلى الندب، وإلا فما كان يسوغ لعمر ﵁ الاعتراض على أمر الرسول ﵊ على أنّ في تركه ﵊ الإنكار على عمر ﵁ دليلاً على استصوابه، فكان توقف عمر صوابًا، لا سيما والقرآن فيه تبيان لكل شيء، ومن ثم قال عمر: حسبنا كتاب (فاختلفوا) أي الصحابة عند ذلك فقالت طائفة: بل نكتب لما فيه من امتثال أمره وزيادة الإيضاح، (وكثر) بضم المثلثة (اللغط) بتحريك اللام والغين المعجمة أي الصوت والجلبة بسبب ذلك، فلما رأى ذلك ﵊ (قال) وفي رواية فقال بفاء العطف وفي أخرى وقال بواوه (قوموا عني) أي عن جهتي (ولا ينبغي عندي التنازع) بالضم فاعل ينبغي، (فخرج ابن عباس) من المكان الذي كان به عندما تحدث بهذا الحديث وهو (يقول: إن الرزيئة) بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ساكنة ثم همزة وقد تسهل وتشدد الياء (كل الرزيئة) بالنصب على التوكيد (ما حال) أي الذي حجز (بين رسول الله ﷺ وبين كتابه) وقد كان عمر أفقه من ابن عباس حيث اكتفى بالقرآن على أنه يحتمل أن يكون ﷺ كان ظهر له حين همّ بالكتاب أنه مصلحة، ثم ظهر له أو أُوحي إليه بعد أنّ المصلحة في تركه ولو كان واجبًا لم يتركه عليه الصلاة والسلام لاختلافهم لأنه لم يترك التكليف لمخالفة من خالف، وقد عاش بعد ذلك أيامًا ولم يعاود أمرهم بذلك. ويستفاد من هذا الحديث جواز كتابة الحديث الذي عقد المؤلف الباب له، وكذا من حديث علي وقصة أبي شاه الإذن فيها، لكن يعارض ذلك حديث أبي سعيد الخدري المروي في مسلم مرفوعًا "لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن" وأجيب: بأن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك أو الإذن ناسخ للنهي عند الأمن من الالتباس، أو النهي خاص بمن خشي منه الاتّكال على الكتاب دون الحفظ والإذن لمن أمن منه ذلك. وقد كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دوّنوه وأوّل من دوّن الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير ولله الحمد والمنّة. ٤٠ - باب الْعِلْمِ وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ (باب) تعليم (العلم والعظة) بكسر العين أي الوعظ، وفي بعض النسخ واليقظة (بالليل). ١١٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَعَمْرٌو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ. أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ». [الحديث ١١٥ - أطرافه في: ١١٢٦، ٣٥٩٩، ٥٨٤٤، ٦٢١٨، ٧٠٦٩]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضيل المروزي، المتوفى سنة ثلاث أو ست وعشرين ومائتين وانفرد المؤلف به عن الستة (قال: أخبرنا ابن عيبنة) سفيان (عن معمر) بفتح الميمين وسكون العين بينهما ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن هند) بنت الحرث الفراسية بكسر الفاء وبالسين المهملة، وللكشميهني عن امرأة بدلها (عن أم سلمة) هند وقيل: رملة أم المؤمنين بنت سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ورثت عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا، لها في البخاري أربعة أحاديث، وتوفيت سنة تسع وخمسين ﵂. (وعمرو) بالرفع على الاستئناف والمعنى أن ابن عيينة حدّث عن معمر عن الزهري، ثم قال: وعمرو وكأنه حدّث

стр. 208

بحذف صيغة الأداء كما هي عادته، ويجوز الجرّ في عمرو عطفًا على معمر وهو الذي في الفرع مصححًا عليه. قال القاضي عياض: والقائل وعمرو هو ابن عيينة، وعمرو هذا هو ابن دينار، (ويحيى بن سعيد) هو الأنصاري لا القطان إذ هو لم يلق الزهري حتى يكون سمع منه (عن) ابن شهاب (الزهري عن هند) وفي رواية الأربعة عن امرأة بدل قوله في هذا الإسناد الثاني عن هند، وفي هامش فرع اليونينية، ووقع عند الحموي والمستملي في الطريق الثاني عن هند عن أم سلمة كما في الحديث قبله، ولغيرهما عن امرأة قال: وفي نسخة صحيحة مرقوم على قوله عن امرأة علامة أبي الهيثم، والأصيلي وابن عساكر وابن السمعاني في أصل سماعه عن أبي الوقت في خانقاه السميساطي اهـ. والحاصل أن الزهري ربما أبهمها وربما سماها (عن أم سلمة) ﵂ أنها (قالت): (استيقظ) أي تيقظ فالسين ليست هنا للطلب أي انتبه (النبي) وفي رواية أبي ذر رسول الله (¬ ﷺ ذات ليلة) أي في ليلة ولفظ ذات زيدت للتأكيد، وقال جار الله: هو من إضافة المسمى إلى اسمه وكان ﵊ في بيت أُم سلمة لأنها كانت ليلتها (فقال: سبحان الله ماذا) استفهام متضمن معنى التعجب لأن سبحان تستعمل له (أنزل) بضم الهمزة وللكشميهني أنزل الله (الليلة) بالنصب ظرفًا للإنزال (من الفتن وماذا فتح من الخزائن) عبر عن العذاب بالفتن لأنها أسبابه وعن الرحمة بالخزائن لقوله تعالى: ﴿خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [ص: ٩] واستعمل المجاز في الإنزال، والمراد به إعلام الملائكة بالأمر المقدور، وكأنه ﷺ رأى في المنام أنه سيقع بعده فتن وتفتح لهم الخزائن؛ أو أوحى الله تعالى إليه ذلك قبل النوم فعبّر عنه بالإنزال وهو من المعجزات، فقد فتحت خزائن فارس والروم وغيرهما كما أخبر ﵊ (أيقظوا) بفتح الهمزة أي نبهوا (صواحب) وفي رواية صواحبات (الحجر) بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة وهي منازل أزواجه ﷺ وخصّهنّ لأنهنّ الحاضرات حينئذ (فربّ كاسية في الدنيا) أثوابًا رقيقة لا تمنع إدراك البشرة أو نفيسة (عارية) بتخفيف الياء أي معاقبة (في الآخرة) بفضيحة التعرّي أو عارية من الحسنات في الآخرة، فندبهنّ بذلك إلى الصدقة وترك السرف. ويجوز في عارية الجر على النعت لأن ربّ عند سيبويه حرف جر يلزم صدر الكلام والرفع بتقدير هي، والفعل الذي يتعلق به محذوف. واختار الكسائي أن تكون ربّ اسمًا مبتدأ والمرفوع خبرها وهي هنا للتكثير وفعلها الذي تتعلق به ينبغي أن يكون محذوفًا غالبًا، والتقدير: رب كاسية عارية عرفتها، والحديث يأتي في الفتن إن شاء الله تعالى. ٤١ - باب السَّمَرِ بِالْعِلْمِ (باب السمر) بفتح السين والميم وهو الحديث في الليل (في العلم) وللأربعة بالعلم، وفي اليونينية في العلم وضبب عليه، ومكتوب على الهامش بالعلم مصحح عليه، ولغير أبي ذر باب بالتنوين مقطوعًا عن الإضافة أي هذا باب في بيان السمر بالعلم. ١١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». [الحديث ١١٦ - طرفاه في: ٥٦٤، ٦٠١]. وبالسند السابق إلى المؤلف قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء (قال: حدّثني) بالإفراد وللأصيلي حدّثنا (الليث) بن سعد عالم مصر (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن خالد) زاد في رواية أبي ذر ابن مسافر أي الفهمي مولى الليث بن سعد أمير مصر لهشام بن عبد الملك، المتوفى سنة سبع وعشرين ومائة، وفي رواية حدّثني الليث حدّثه عبد الرحمن أي أنه حدّثه عبد الرحمن (عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم) أي ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب (وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة، ولم يخرج له المؤلف سوى هذا الحديث مقرونًا بسالم. (أن عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄ (قال: صلّى بنا النبي) وفي رواية الأربعة لنا باللام بدل الباء يعني إمامًا لنا، وإلاّ فالصلاة لله لا لهم، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني رسول الله بدل قوله النبي (¬ ﷺ العشاء) بكسر العين والمد أي صلاة العشاء (في آخر حياته) قبل موته ﵊ بشهر، (فلما سلَّم) من الصلاة (قام فقال: أرأيتكم) أي أخبروني وهو من إطلاق

стр. 209

السبب على المسبب لأن مشاهدة هذه الأشياء طريق إلى الإخبار عنها والهمزة فيه مقررة أي قد رأيتم ذلك فأخبروني (ليلتكم) أي شأن ليلتكم أو خبر ليلتكم (هذه) هل تدرون ما يحدث بعدها من الأمور العجيبة، وتاء أرأيتكم فاعل والكاف حرف خطاب لا محل لها من الإعراب ولا تستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة، وليلتكم نصب مفعول ثانٍ لأخبروني، (فإن رأس) وللأصيلي فإن على رأس (مائة سنة منها) أي من تلك الليلة (لا يبقى ممّن هو على ظهر الأرض أحد) ممن ترونه أو تعرفونه عند مجيئه، أو المراد أرضه التي بها نشأ ومنها بعث كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز وتهامة ونجد فهو على حدّ قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] أي بعض الأرض التي صدرت الجناية فيها، فليست أل للاستغراق، وبهذا يندفع قول من استدل بهذا الحديث على موت الخضر ﵇ كالمؤلف وغيره، إذ يحتمل أن يكون الخضر في غير هذه الأرض المعهودة، ولئن سلمنا أن أل للاستغراق فقوله أحد عموم يحتمل إذ على وجه الأرض الجنّ والإنس والعمومات يدخلها التخصيص بأدنى قرينة، وإذا احتمل الكلام وجوهًا سقط به الاستدلال قاله الشيخ قطب الدين القسطلاني. وقال النووي: المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة سواء قلّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي حياة أحد يولد بعد تلك الليلة مائة سنة. ١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: «نَامَ الْغُلَيِّمُ» -أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا- ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ -أَوْ خَطِيطَهُ- ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. [الحديث ١١٧ - أطرافه في: ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢٤، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢]. وبه قال: (حدّثنا آدم) أي ابن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا الحكم) بفتح الحاء والكاف ابن عتبة بضم العين تصغير عتبة ابن النهاس فقيه الكوفة، المتوفى سنة أربع عشرة وقيل: خمس عشرة ومائة. (قال: سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال): (بت) بكسر الموحدة من البيتوتة (في بيت خالتي ميمونة بنت الحرث) الهلالية (زوج النبي ﷺ ¬) وهي أخت أمه لبابة الكبرى بنت الحرث ولبابة هذه أوّل امرأة أسلمت بعد خديجة، وتوفيت ميمونة ﵂ سنة إحدى وخمسين بسرف بالمكان الذي بنى بها فيه النبي ﷺ وصلى عليها ابن عباس لها في البخاري سبعة أحاديث. (وكان النبي ﷺ عندها في ليلتها) المختصة بها بحسب قسم النبي ﷺ بين أزواجه (فصلى النبي ﷺ العشاء) في المسجد، (ثم جاء) منه (إلى منزله) الذي هو بيت ميمونة أم المؤمنين، والفاء في فصلى هي التي تدخل بين المجمل والمفصل لأنّ التفصيل إنما هو عقب الإجمال لأن صلاته ﵊ العشاء ومجيئه إلى منزله كانا قبل كونه عند ميمونة ولم يكونا بعد الكون عندها. (فصلى) ﵊ عقب دخوله (أربع ركعات ثم نام) بعد الصلاة على التراخي، (ثم قام) من نومه (ثم قال: نام الغليم) بضم الغين المعجمة وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية تصغير شفقة، ومراده ابن عباس وقوله نام استفهام حذفت همزته لقرينة المقام أو إخبار منه ﵊ بنومه (أو) قال (كلمة تشبهها) أي تشبه كلمة نام الغليم شك من الراوي وعبر بكلمة على حدّ كلمة الشهادة (ثم قام) ﵊ في الصلاة، (فقمت عن يساره) بفتح الياء وكسرها شبّهوها في الكسر بالشمال وليس في كلامهم كلمة مكسورة الياء إلا هذه، وحكي التشديد للسين لغة فيه عن ابن عباد (فجعلني عن يمينه فصلى) وفي رواية ابن عساكر وصلّى (خمس ركعات) وفي الرفع كأصله من غير رقم عشرة ركعة، (ثم صلى ركعتين ثم نام) ﵊ (حتى) أي إلى أن (سمعت غطيطه) بفتح الغين المعجمة وكسر المهملة الأولى وهو صوت نفس النائم عند استثقاله. وفي العباب وغطيط النائم والمخنوق نخيرهما (أو خطيطه) بفتح الخاء المعجمة وكسر المهملة شك من الراوي وهو بمعنى الأوّل، ثم استيقظ ﵊ (ثم خرج إلى الصلاة) ولم يتوضأ لأن من خصائصه أن نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه لأن عينه تنامان ولا ينام قلبه، لا يقال إنه معارض بحديث نومه ﵊ في الوادي إلى أن طلعت الشمس لأن

стр. 210

الفجر والشمس إنما يدركان بالعين لا بالقلب. ويأتي تمام البحث في ذلك في ذكر تهجده ﵊. فإن قلت: ما المناسبة بين هذا الحديث والترجمة؟ أجيب: باحتمال أن يطلق السمر على الكلمة وهي هنا قوله ﵊: "نام الغليم" أو هو ارتقاب ابن عباس لأحواله ﵊، لأنه لا فرق بين التعلم من القول والتعلم من الفعل. وتعقب بأن المتكلم بالكلمة الواحدة لا يسمى سامرًا، وبأن صنيع ابن عباس يسمى سهرًا لا سمرًا لأن السمر لا يكون إلا عن تحدّث. وأجيب: بأن حقيقة السمر التحدّث بالليل ويصدق بكلمة واحدة ولم يشترط أحد التعدّد، وكما يطلق السمر على القول يطلق على الفعل بدليل قولهم: سمر القوم الخمر إذا شربوها ليلاً. وأجاب الحافظ ابن حجر: بأن المناسبة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى في التفسير عند المؤلف بلفظ: بتّ في بيت ميمونة، فتحدّث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة قال: وهذا أولى من غير تعسّف ولا رجم بالظن، لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن. وتعقبه العيني بأن من يعقد بابًا بترجمة ويضع فيه حديثًا، وكان قد وضع هذا الحديث في باب آخر بطريق أخرى وألفاظ متغايرة هل يقال مناسبة الترجمة في هذا الباب تستفاد من ذلك الحديث الموضوع في الباب الآخر. قال: وأبعد من هذا أنه علّل ما قاله بقوله لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن، لأن هؤلاء ما فسروا الحديث هنا بل ذكروا مطابقة الترجمة بالتقارب. ٤٢ - باب حِفْظِ الْعِلْمِ هذا (باب حفظ العلم) وسقط لفظ باب للأصيلي. ١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَلَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا. ثُمَّ يَتْلُو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ -إِلَى قَوْلِهِ تعالى- الرَّحِيمُ﴾. إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وِإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ. [الحديث ١١٨ - أطرافه في: ١١٩، ٢٠٤٧، ٢٣٥٠، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) أي الأويسي المدني (قال: حدّثني) بالتوحيد (مالك) هو ابن أنس إمام الأئمة (عن ابن شهاب) الزهري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (قال): (إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة) أي الحديث كما في البيوع وهو حكاية كلام الناس وإلاّ لقال أكثرت. زاد المصنف في رواية في الزراعة ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثل أحاديثه، (ولولا آيتان) موجودتان (في كتاب الله) تعالى (ما) أي لما (حدّثت حديثًا). قال الأعرج (ثم يتلو) أبو هريرة: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ إلى قوله تعالى: (﴿الرَّحِيمِ﴾) [البقرة: ١٥٩] وعبّر بالمضارع في قوله: ويتلو استحضارًا لصورة التلاوة، والمعنى لولا أن الله تعالى ذم الكاتمين للعلم لما حدّثتكم أصلاً، لكن لما كان الكتمان حرامًا وجب الإظهار، فلذلك حصلت الكثرة عنده، ثم ذكر سبب الكثرة بقوله: (إن إخواننا) جمع أخ ولم يقل إخوانه ليعود الضمير على أبي هريرة لغرض الالتفات وعدل عن الإفراد إلى الجمع لقصد نفسه وأمثاله من أهل الصفة وحذف العاطف على جعله جملة استئنافية كالتعليل للإكثار جوابًا للسؤال عنه، والمراد أخوّة الإسلام (من المهاجرين) الذين هاجروا من مكة إلى المدينة (كان يشغلهم) بفتح أوّله وثالثه من الثلاثي، وحكي ضم أوّله من الرباعي وهو شاذ (الصفق بالأسواق) بفتح الصاد وإسكان الفاء كناية عن التبايع لأنهم كانوا يضربون فيه يدًا بيد عند المعاقدة وسميت السوق لقيام الناس فيها على سوقهم، (وإن إخواننا من الأنصار) الأوس والخزرج (كان يشغلهم العمل في أموالهم) أي القيام على مصالح زرعهم (وإن أبا هريرة) عدل عن قوله: وإني لقصد الالتفات (كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه) كذا للأصيلي بموحدة في أوّله، وفي رواية الأربعة باللام وكلاهما للتعليل أي لأجل شبع بطنه وهو بكسر الشين المعجمة وفتح الموحدة. وعن ابن دريد إسكانها وعن غيره الإسكان اسم لما أشبعك من الشيء، وفي رواية ابن عساكر في نسخة ليشبع بطنه بلام كي ويشبع بصورة المضارع المنصوب، والمعنى أنه كان يلازم قانعًا بالقوت لا يتجر ولا يزرع، (ويحضر ما لا يحضرون) من أحوال النبي ﷺ لأنه يشاهد ما لا يشاهدون، (ويحفظ ما لا يحفظون) من أقواله لأنه يسمع ما لا يسمعون. ١١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. قَالَ: ابْسُطْ رِدَاءَكَ. فَبَسَطْتُهُ. قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ضُمُّهُ، فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ». حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا. أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن أبي بكر) زاد في رواية عن أبي ذر وابن عساكر والأصيلي

стр. 211

(أبو مصعب) وهو كنية أحمد وهو أشهر بها وسقطت في رواية أبي ذر والأصيلي، واسم أبي بكر القاسم بن الحرث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري العوفي قاضي المدينة وعالمها صاحب مالك، المتوفى سنة اثنتين وأربعين ومائتين عن اثنتين وتسعين سنة (قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم بن دينار) مفتي المدينة مع إمامها مالك بن أنس، المتوفى سنة اثنتين وثمانين ومائة (عن ابن أبي ذئب) بكسر الذال المعجمة، وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحرث بن أبي ذئب القرشي المدني العامري. قال الإمام أحمد: كان ابن أبي ذئب أفضل من مالك إلا أن مالكًا أشد تنقية للرجال منه، المتوفى بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة (عن سعيد) أي ابن أبي سعيد (المقبري) بفتح الميم وضم الموحدة المدني (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قلت يا رسول الله) وفي رواية ابن عساكر قلت لرسول الله ﷺ : (إني أسمع منك حديثًا كثيرًا) صفة لقوله حديثًا لأنه اسم جنس يتناول القليل والكثير (أنساه) صفة ثانية لحديثًا والنسيان زوال علم سابق عن الحافظة والمدركة والسهو زواله عن الحافظة فقط، ويفرق بينه وبين الخطأ بأن السهو ما ينتبه صاحبه بأدنى تنبيه بخلاف الخطأ. (قال) أي النبي ﷺ لأبي هريرة وفي رواية فقال: (ابسط رداءك فبسطته) أي لما قال ابسط امتثلت أمره فبسطته، وإلا فيلزم منه عطف الخبر على الإنشاء وهو مختلف فيه. (قال فغرف) ﵊ (بيديه) من فيض فضل الله فجعل الحفظ كالشيء الذي يغرف منه ورمى به في ردائه ومثل بذلك في عالم الحس. (ثم قال) ﵊ لأبي هريرة: (ضمه) بالهاء مع ضم الميم تبعًا للضاد وفتحها وهي رواية أبي ذرّ لأن الفتح أخف الحركات وكسرها لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر وفك الإدغام فيصير اضممه والهاء فيه ترجع إلى الحديث، كما يدل عليه قوله في غير الصحيح فغرف بيده ثم قال: ضم الحديث، وعند المصنف في بعض طرقه: لن يبسط أحدكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعها إلى صدره، وقد وقع في جامع الترمذي وحلية أبي نعيم التصريح بهذه المقالة المبهمة في حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله تعالى عليه فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة". ووقع في رواية الكشميهني وعزاها في الفرع للحموي والمستملي ضم بغير هاء. قال أبو هريرة: (فضممته فما نسيت شيئًا بعده) أي بعد الضم وفي رواية الأكثر بعد مقطوع عن الإضافة مبني على الضم وتنكير شيئًا بعد النفي ظاهر العموم في عدم النسيان منه لكل شيء في الحديث وغيره لأن النكرة في سياق النفي تدل عليه، لكن وقع في رواية ابن عيينة وغيره عن الزهري في الحديث السابق ما نسيت شيئًا سمعته منه وعند مسلم من رواية يونس فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدّثني به وهو يقتضي تخصيص عدم النسيان بالحديث، وأخصُّ منه ما جاء في رواية شعيب حيث قال: فما نسيت من مقالته تلك شيئًا، فإنه يفهم تخصيص عدم النسيان بهذه المقالة فقط. لكن سياق الكلام يقتضي ترجيح رواية يونس ومن وافقه لأن أبا هريرة نبّه به على كثرة محفوظه من الحديث فلا يصح حمله على تلك المقالة وحدها، ويحتمل أن يكون وقعت له قضيتان، فالتي رواها الزهري مختصة بتلك المقالة، والتي رواها سعيد المقبري عامّة، هكذا قرره في فتح الباري وهذا من المعجزات الظاهرات حيث رفع ﷺ من أبي هريرة النسيان الذي هو من لوازم الإنسان حتى قيل إنه مشتق منه، وحصول هذا في بسط الرداء الذي ليس للعقل فيه مجال. وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) بالذال المعجمة وسبق في أوّل كتاب العلم (قال: أخبرنا ابن أبي فديك) بضم الفاء وفتح الدال المهملة وهو أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن أبي فديك واسم أبي فديك دينار المدني الليثي، المتوفى سنة مائتين، وابن أبي فديك يرويه عن ابن أبي ذئب كما عند المؤلف في علامات النبوّة (بهذا) أي بهذا الحديث (أو قال) وفي رواية الكشميهني وقال: (غرف بيده فيه) بالإفراد مع زيادة فيه

стр. 212

والضمير للثوب، وللمستملي وحده يحذف فيه بالحاء المهملة والذال المعجمة والفاء من الحذف وهو الرمي، لكن حديث علامات النبوّة المنبّه عليه فيما سبق ليس فيه إلا الغرف، وبه استوضح الحافظ ابن حجر على أن يحذف تصحيف مع ما استشهد به مما في طبقات ابن سعد عن ابن أبي فديك حيث قال: فغرف. وتعقبه العيني بأن ما قاله لا يكون دليلاً لما ادّعاه من التصحيف، ولو كان كذلك لنبّه عليه صاحب المطالع، وأجيب بأنه لا يلزم من كون صاحب المطالع لم ينبّه عليه أن لا يكون تصحيفًا انتهى. لكن يبقى طلب الدليل على كونه تصحيفًا فافهم، وهذا المذكور من قوله: حدّثنا إبراهيم بن المنذر إلى آخر قوله فغرف أو يحذف بيده فيه ساقط في رواية أبي ذر والأصيلي والمستملي وابن عساكر. ١٢٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالتوحيد وللأصيلي حدّثنا (أخي) عبد الحميد بن أبي أويس (عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن السابق قريبًا (عن سعيد المقبري) بضم الموحدة (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال): (حفظت عن رسول الله ﷺ ¬) وفي رواية الكشميهني من بدل عن وهي أصرح في تلقّيه من النبي ﷺ بلا واسطة (وعاءين) بكسر الواو والمدّ تثنية وعاء وهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال أي نوعين من العلم. (فأما أحدهما) أي أحد ما في الوعاءين من نوعي العلم (فبثثته) بموحدة مفتوحة ومثلثتين بعدهما مثناة فوقية ودخلته الفاء لتضمنه معنى الشرط أي نشرته زاد الأصيلي فبثثته في الناس، (وأما) الوعاء (الآخر فلو بثثته) أي نشرته في الناس (قطع) وفي روايهَ لقطع (هذا البلعوم) بضم الموحدة مرفوعًا لكونه ناب عن الفاعل وكُنِّي به عن القتل، وزاد في رواية ابن عساكر والأصيلي وأبي الوقت وأبي ذر والمستملي، قال أبو عبد الله أي البخاري: البلعوم مجرى الطعام أي في الحلق وهو المريء. قاله القاضي والجوهري وابن الأثير، وعند الفقهاء الحلقوم مجرى النفس خروجًا ودخولاً والمريء مجرى الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم، والبلعوم تحت الحلقوم، وأراد بالوعاء الأوّل ما حفظه من الأحاديث وبالثاني ما كتمه من أخبار الفتن وأشراط الساعة وما أخبر به الرسول ﵊ من فساد الدين على يدي أغيلمة من سفهاء قريش، وقد كان أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم أو المراد الأحاديث التي فيها تبيين أسماء أمراء الجور وأحوالهم وذمهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعض ذلك ولا يصرّح خوفًا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله تعالى دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة، وسيأتي ذلك مع مزيد له في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى أو المراد به علم الأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان والمشاهدات والاتقان التي هي نتيجة علم الشرائع والعمل بما جاء به الرسول ﷺ والوقوف عند ما حدّه وهذا لا يظفر به إلا الغوّاصون في بحر المجاهدات، ولا يسعد به إلا المصطفون بأنوار المشاهدات، لكن في كون هذا هو المراد نظر من حيث إنه لو كان كذلك لما وسع أبا هريرة كتمانه مع ذكره من الآية الدالّة على ذم كتمان العلم لا سيما هذا الشأن الذي هو لبّ ثمرة العلم وأيضًا فإنه نفى بثّه على العموم من غير تخصيص، فكيف يستدل به لذلك؟ وأبو هريرة لم يكشف مستوره فيما أعلم، فمن أين علم أن الذي كتمه هو هذا فمن ادّعى ذلك فعليه البيان فقد ظهر أن الاستدلال بذلك لطريق القوم فيه ما فيه على أنهم في غنية عن الاستدلال إذ الشريعة ناطقة بأدلتهم، ومن تصفح الأخبار وتتبع الآثار مع التأمّل والاستنارة بنور الله ظهر له ما قلته والله يهدينا إلى سواء السبيل. ٤٣ - باب الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ هذا (باب الإنصات) بكسر الهمزة أي السكوت والاستماع (للعلماء) أي لأجل ما يقولونه. ١٢١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: اسْتَنْصِتِ النَّاسَ. فَقَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». [الحديث ١٢١ - أطرافه في: ٤٤٠٥، ٦٨٦٩، ٧٠٨٠]. وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن منهال (قال: حدّثنا شعبة) أي ابن الحجاج (قال: أخبرني) بالتوحيد (علي بن مدرك) بضم الميم وكسر الراء النخعي الكوفي،

стр. 213

المتوفى سنة عشرين ومائة (عن أبي زرعة) هرم بفتح الهاء وكسر الراء، زاد في رواية أبي ذر والأصيلي ابن عمرو (عن جرير) هو ابن عبد الله البجلي، وهو جدّ أبي زرعة الراوي عنه هنا لأبيه وكان بديع الجمال طويل القامة بحيث يصل إلى سنام البعير وكان نعله ذراعًا وسبق في باب الدين النصيحة. (أن النبي ﷺ قال له) وعند المؤلف في حجة الوداع أن النبي ﷺ قال لجرير (في حجة الوداع) بفتح الحاء والواو عند جمرة العقبة واجتماع الناس للرمي وغيره (استنصت الناس) استفعال من الإنصات ومعناه طلب السكوت، وقد أنكر بعضهم لفظه له من قوله قال له في حجة الوداع معلّلاً بأن جريرًا أسلم قبل وفاته ﵊ بأربعين يومًا، وتوقف المنذري لثبوتها في الطرف الصحيحة وقد ذكر غير واحد أنه أسلم في رمضان سنة عشر فأمكن حضوره مسلمًا لحجة الوداع وحينئذ فلا خلل في الحديث (فقال) ﵊ بعد أن أنصتوا: (لا ترجعوا) أي لا تصيروا (بعدي) أي بعد موقفي هذا أو بعد موتي (كفارًا) نصب خبر لا ترجعوا المفسر بلا تصيروا (يضرب بعضكم رقاب بعض) مستحلين لذلك ويضرب بالرفع على الاستئناف بيانًا لقوله: لا ترجعوا أو حالاً من ضمير ترجعوا أي لا ترجعوا بعدي كفّارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعض أو صفة. أي لا ترجعوا بعدي كفارًاً متصفين بهذه الصفة القبيحة أي ضرب بعضكم، وجوّز ابن مالك وأبو البقاء جزم الباء بتقدير شرط أي: فإن ترجعوا يضرب بعضكم بعضًا، والمعنى لا تتشبهوا بالكفار في قتل بعضهم بعضًا، ويأتي تمام البحث إن شاء الله تعالى في الفتن أعاذ الله تعالى منها. ٤٤ - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَيَكِلُ الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ هذا (باب ما يستحب) أي الذي يستحب (للعالم إذا سئل أي الناس) أي أيّ شخص من أشخاص الناس (أعلم) من غيره (فيكل) أي فهو يكل (العلم إلى الله) وحينئذ فإذا شرطية والفاء في جوابها، والجملة بيان لا يستحب أو إذا ظرف ليستحب والفاء تفسيرية على أن يكل في تقدير أن أي ما يستحب وقت السؤال هو الوكول إلى الله تعالى. ١٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ لي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهْوَ ثَمَّ. فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الْحُوتُ مِنَ الْمِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ. قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي. فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَلَمَّا آَتَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ -أَوْ قَالَ: تَسَجَّى بِثَوْبِهِ- فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى. فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا. قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَ الله لَا أَعْلَمُهُ. قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الْخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ. فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ. فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ. فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. قَالَك لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ. فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. فَانْطَلَقَا فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ. فَقَالَ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ (وقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا». وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) هو الجعفي المسندي بفتح النون (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا) وفي رواية ابن عساكر أخبرنا (عمرو) بفتح العين وهو ابن دينار (قال: أخبرني) بالتوحيد (سعيد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة (قال): (قلت لابن عباس) ﵄ (إن نوفًا) بفتح النون وسكون الواو آخره منصوبًا باسم إن منصرفًا في الفصحى بطن من العرب، ولئن سلمنا عجمته فمنصرف أيضًا لسكون وسطه كنوح ولوط واسم أبي نوف فضالة بفتحتين القاص (البكالي) بكسر الموحدة وفتحها وتخفيف الكاف وحكي تشديدها مع فتح الموحدة وعزاه في المطالع لأكثر المحدثين، والصواب التخفيف نسبة إلى بني بكال بطن من حمير وهو نصب نعتًا لنوف وكان تابعًا عالمًاً إمامًا لأهل دمشق وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور (يزعم أن) بفتح الهمزة مفعول يزعم أي يقول: إن (موسى) صاحب الخضر (ليس بموسى بني اسرائيل) المرسل لهم والباء زائدة للتوكيد حذفت في رواية الأربعة وأضيف لبني إسرائيل مع العلمية لأنه نكر بأن أوّل بواحد من الأمة المسماة ثم أضيف إليه (إنما هو موسى آخر) بتنوين موسى لكونه نكرة فانصرف لزوال علميته، وفي رواية بترك التنوين، قال الحافظ ابن حجر: كذا في روايتنا بغير تنوين فيهما وهو علم على شخص معين. قالوا: إنه موسى بن ميشا بكسر الميم وسكون المثناة التحتية وبالشين المعجمة (فقال) ابن عباس: (كذب عدوّ الله) نوف خرج منه مخرج الزجر والتحذير لا القدح في نوف، لأن ابن عباس قال ذلك في حال غضبه وألفاظ الغضب تقع على غير الحقيقة غالبًا وتكذيبه له لكونه قال غير الواقع ولا يلزم منه تعمده. (حدّثنا) في رواية أبوي ذر والوقت حدّثني (أُبي بن كعب) الصحابي ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال قام موسى النبي ﷺ ¬) حال

стр. 214

كونه (خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أيّ الناس أعلم) أي منهم على حدّ الله أكبر أي من كل شيء (فقال: أنا أعلم) الناس أي بحسب اعتقاده وهذا أبلغ من السابق في باب الخروج في طلب العلم هل تعلم أن أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا فإنه إنما نفى هناك علمه وهنا على البتّ، (فعتب الله عليه إذ) بسكون الدّال للتعليل (لم يردّ العلم إليه) فكان يقول نحو الله أعلم، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني إلى الله ويردّ بضم الدال اتباعًا لسابقها وبفتحها لخفته وبكسرها على الأصل في الساكن إذا حرك وجوّز الفك أيضًا، والعتب من الله محمول على ما يليق به فحمل على أنه لم يرض قوله شرعًا:، فإن العتب الذي هو معنى تغيير النفس مستحيل على الله تعالى: (فأوحى الله) تعالى (إليه أن عبدًا) بفتح الهمزة أي بأن وفي فرع اليونينية بكسرها على تقدير فقال إن عبدًا والمراد الخضر (من عبادي) كائنًا (بمجمع البحرين) أي ملتقى بحري فارس والروم من جهة الشرق أو بإفريقية أو طنجة (هو أعلم منك). أي بشيء مخصوص كما يدل عليه قول الخضر الآتي إن شاء الله تعالى إني على علم من علم الله علّمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم علمك لا أعلمه ولا ريب أن موسى أفضل من الخضر بما اختصّ به من الرسالة وسماع الكلام والتوراة، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته ومخاطبون بحكم نبوّته حتى عيسى ﵇، وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل وموسى أفضلهم. وإن قلنا إن الخضر ليس بنبي بل وليّ، فالنبي أفضل من الوليّ وهو أمر مقطوع به، والقائل بخلافه كافر لأنه معلوم من الشرع بالضرورة، وإنما كانت قصة موسى مع الخضر امتحانًا لموسى ليعتبر، ووقع عند النسائي أنه عرض في نفس موسى ﵇ أن أحدًا لم يؤت من العلم ما أُوتي وعلم الله بما حدّث به نفسه، فقال: يا موسى إن من عبادي من آتيته من العلم ما لم أُوتك. (قال: رب) بحذف أداة النداء وياء المتكلم تخفيفًا اجتزاء بالكسرة وفي بعض الأصول يا رب (وكيف لي به) أي كيف السبيل إلى لقائه؟ (فقيل له احمل) بالجزم على الأمر (حوتًا) أي سمكة كائنة (في مكتل) بكسر الميم وفتح المثناة الفوقية شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا كذا في العباب (فإذا فقدته) بفتح القاف أي الحوت (فهو ثم) بفتح المثلثة بمعنى هناك أي العبد الأعلم منك هناك (فانطلق) موسى (وانطلق بفتاه يوشع) مجرور بالفتحة عطف بيان لفتاه غير منصرف للعجمة والعلمية (ابن نون) مجرور بالإضافة منصرف كنوح ولوط على الفصحى، وفي رواية أبي ذر وانطلق معه فتاه فصرح بالمعيّة للتأكيد وإلاّ فالمصاحبة مستفادة من قوله بفتاه (وحملا حوتًا في مكتل) كما وقع الأمر به، وقد قيل كانت سمكة مملوحة، وقيل شق سمكة (حتى كانا عند الصخرة) التي عند ساحل البحر الموعود بلقي الخضر عنده (وضعا رؤوسهما وناما) وفي رواية الأربعة فناما بالفاء وكلاهما للعطف على وضعا، (فانسل الحوت) الميت المملوح (من المكتل) لأنه أصابه من ماء عين الحياة الكائنة في أصل الصخرة شيء إذ إصابتها مقتضية للحياة كما عند المؤلف في رواية (فاتخذ سبيله) أي طريقه (في البر سربًا) أي مسلكًا زاد في سورة الكهف، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عله مثل الطاق (وكان) إحياء الحوت المملوح وإمساك جرية الماء حتى صار مسلكًا (لموسى وفتاه عجبًا فانطلقا بقية) بالنصب على الظرف (ليلتهما) بالجر على الإضافة (ويومهما) بالنصب على إرادة سير جميعه وبالجر عطفًا على ليلتهما والوجه الأوّل هو الذي في فرع اليونينية، وفي مسلم كالمؤلف في التفسير بقية يومهما وليلتهما وهو الصواب لقوله، (فلما أصبح) إذ لا يقال أصبح إلا عن ليل (قال موسى لفتاه آتنًا غداءنا) بفتح الغين مع المد وهو الطعام يؤكل أوّل النهار (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا) أي تعبًا والإشارة لسير البقية والذي يليها ويدل عليه قوله (ولم يجد موسى) ﵇ (مسًّا) وفي نسخة شيئًا (من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به) فألقي عليه الجوع

стр. 215

والنصب (فقال) وفي رواية الأصيلي قال (له فتاه: أرأيت) أي أخبرني ما دهاني (إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أي فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت، زاد في رواية ابن عساكر: وما أنسانيه أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان، وإنما نسبه للشيطان هضمًا لنفسه (قال موسى ذلك) أي أمر الحوت (ما كنا نبغي) هو الذي كنا نطلّب لأنه علامة وجدان المطلوب وحذف العائد (فارتدا على آثارهما) أي فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه يقصّان (قصصًا) أي يتبعان آثارهما اتباعًا، (فلما أتيا إلى الصخرة) وفي نسخة انتهيا (إذا رجل) مبتدأ وسوغ لتخصيصه بالصفة وهي قوله (مسجى) أي مغطى كله (بثوب) والخبر محذوف أي نائم (أو قال تسجى بثوبه) شك من الراوي، (فسلم موسى) ﵇ (فقال الخضر وأنَّى) بهمزة ونون مشددة مفتوحتين أي كيف (بأرضك السلام) وهو غير معروف بها وكأنها كانت دار كفر وكانت تحيتهم غيره وعنده في التفسير وهل بأرضي من سلام (فقال) وفي رواية الأصيلي قال (أنا موسى فقال) له الخضر أنت (موسى بني اسرائيل) فهو خبر مبتدأ محذوف (قال نعم) أنا موسى بني إسرائيل فهو مقول القول ناب عن الجملة، وهذا يدل على أن الأنبياء ومن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى، لأن الخضر لو كان يعلم كل غيب لعرف موسى قبل أن يسأله (قال هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت) أي من الذي علمك الله علمًا (رشدًا) ولا ينافي نبوّته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه به قاله البيضاوي، لكن لم يكن موسى مرسلاً إلى الخضر فقد يوهم ما قاله دخوله فيهم من السياق فليتأمل. (قال إنك لن تستطيع معي صبرًا) فإني أفعل أمورًا ظاهرها مناكير وباطنها لم تحط به (يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه) جملة من الفعل والفاعل والمفعولين أحدهما ياء المفعول والثاني الضمير الراجع إلى العلم صفة لعلم (لا تعلمه أنت وأنت على علم) مبتدأ وخبره معطوف على السابق (علمك الله) جملة كالسابقة لكن الثاني محذوف تقديره علمك الله إياه. وفي فرع اليونينية علمكه الله بهاء الضمير الراجع إلى العلم (لا أعلمه) صفة أخرى وهذا لا بد من تأويله لأن الخضر كان يعرف من علم الشرع ما لا غنى للمكلف عنه وموسى كان يعرف من علم الباطن ما لا بدّ منه كما لا يخفى (قال ستجدني إن شاء الله صابرًا) معك غير منكر عليك وانتصاب صابرًا مفعول ثانٍ لستجدني وإن شاء الله اعتراض بين المفعولين (ولا أعصي لك أمرًا) عطف على صابرًا أي ستجدني صابرًا أو غير عاصٍ، قال القاضي: وتعليق الوعد بالمشيئة إما للتيمن وإما لعلمه بصعوبة الأمر فإن الصبر على خلاف المعتاد شديد (فانطلقا) على الساحل حال كونهما (يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينة فمرت بهما سفينة فكلموهم) أي موسى والخضر ويوشع كلموا أصحاب السفينة (أن) أي لأن (يحملوهما) أي لأجل حملهم إياهما (فعرف الخضر فحملوهما) أي الخضر وموسى (بغير نول) بفتح النون أي بغير أُجرة ولم يذكر يوشع معهما كما في قوله، فانطلقا يمشيان لأنه تابع غير مقصود بالأصالة، ويحتمل أن يكون يوشع لم يركب معهما لأنه لم يقع له ذكر بعد ذلك وضمه معهما في كلام أهل السفينة لأن المقام يقتضي كلام التابع، لكن في رواية بفرع اليونينية كهي فعرف الخضر فحملوهم بالجمع وهو يقتضي الجزم بركوبه معهما في السفينة (فجاء عصفور) بضم أوّله، وحكى ابن رشيق في كتاب الغرائب فتحه قيل وسمي به لأنه عصى وفرّ قاله الدميري، وقيل إنه الصرد (فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة) بالنصب على المصدر (أو نقرتين) عطف عليه (في البحر فقال الخضر يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله) أي من معلومه (إلا كنقرة هذا العصفور في البحر) وعند المؤلف
следующие страницы →