Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
بن مالك بن أبي عامر) الأصبحي التميمي المدني (عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(آية المنافق) أي علامته (ثلاث) اسم جمع ولفظه مفرد والتقدير آية المنافق معدودة بالثلاث (إذا حدّث كذب) بتخفيف الذال المعجمة أي أخبر عن الشيء على خلاف ما هو به (وإذا ائتمن) بضم التاء (خان) في أمانته بأن تصرف فيها على خلاف الشرع (وإذا وعد) أحدًا خيرًا (أحلف) فلم يفِ لكن لو كان عازمًا على الوفاء فعرض له مانع فلا إثم عليه ولو وجدت الثلاثة في مسلم فهل يكون منافقًا. قال الخطابي: هذا القول إنما خرج على سبيل الإنذار للمسلم والتحذير له أن يعتاد هذه الخصال فيفضي به إلى النفاق لا أن من ندرت منه أو فعل شيئًا منها من غير اعتياد أنه منافق.
وقد سبق هذا الحديث في باب علامات المنافق من كتاب الإيمان.
٢٦٨٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃ قَالَ: "لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا: قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ وَعَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْطِيَنِي هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا -فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- قَالَ جَابِرٌ: فَعَدَّ فِي يَدِي خَمْسَمِائَةٍ ثُمَّ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ خَمْسَمِائَةٍ".
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفرّاء أبو إسحاق الرازي المعروف بالصغير قال:
(أخبرنا هشام) هو ابن يوسف أبو عبد الرحمن اليماني قاضيها (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال أخبرني) بالإفراد (عمرو بن دينار عن محمد بن عليّ) أي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب (عن جابر بن عبد الله ﵃) أنه (قال: لما مات النبي ﷺ جاء أبا بكر) الصديق ﵁ (مال من قبل العلاء بن الحضرمي) بكسر القاف وفتح الموحدة وكان عاملاً لرسول الله- ﷺ على البحرين وأقرّه الشيخان عليها إلى أن مات سنة أربع عشرة (فقال أبو بكر) ﵁: (من كان له على النبي ﷺ دين أو كانت له قبله) بكسر القاف وفتح الموحدة جهته (عدة) بتخفيف الدال أي وعد (فليأتينا) نَفِ له بذلك (قال جابر فقلت) له بعد أن أتيته (وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يديه) بالتثنية (ثلاث مرات قال جابر فعدّ) أبو بكر ﵁ (في يدي خمسمائة ثم خمسمائة ثم خمسمائة) ثلاثًا كما وعده ﷺ ثلاثًا ولما كان من خلقه الوفاء بالوعد نفذه أبو بكر بعد وفاته ﷺ .
وقد سبق هذا الحديث في باب من تكفل عن الميت دينًا من الكفالة ويأتي إن شاء الله تعالى في فرض الخمس بعون الله وقوّته.
٢٦٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ عَنْ سَالِمٍ الأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ: أَىَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى حَبْرِ الْعَرَبِ فَأَسْأَلَهُ. فَقَدِمْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ فَعَلَ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبوي ذر والوقت: حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) أبو يحيى صاعقة قال: (أخبرنا سعيد بن سليمان) بكسر العين سعدويه البغدادي قال: (حدّثنا مروان بن شجاع) مولى مروان بن محمد بن الحكم القرشي الأموي الجزري (عن سالم الأفطس) بن عجلان (عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي أنه (قال: سألني يهودي من أهل الحيرة) بكسر الحاء المهملة بلد معروف بالعراق. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم اليهودي (أي الأجلين قضى
موسى) أطولهما أو أقصرهما لما قال له صهره إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني أي أن تأجر نفسك مني ثماني حجج أي سنين فإن أتممت عشرًا فمن عندك أي فإتمامه من عندك تفضلاً لا من عندي إلزامًا عليك فتحصل البراءة من العهدة بفعل الأقل، ولذا قال: أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ أي فلا حرج عليّ قال سعيد بن جبير: (قلت) لليهودي: (لا أدري حتى أقدم) أي مكة (على حبر العرب) بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة ابن عباس، وعند أبي نعيم من حديث ابن عباس مرفوعًا: أن جبريل سمّاه بذلك (فاسأله) عن ذلك (فقدمت) مكة (فسألت ابن عباس) ﵄ (فقال قضى أكثرهما وأطيبهما) في نفس شعيب (إن رسول الله) موسى (¬ ﷺ ¬) أو من اتّصف بالرسالة ولم يرد نبيًّا بعينه (إذا قال فعل) لأن محاسن الأخلاق النبوية مقتضية لذلك، وهذا رواه سعيد موقوفًا وهو في الحكم مرفوع لأن ابن عباس كان لا يعتمد على أهل الكتاب، وقد صرّح برفعه عكرمة عن ابن عباس كما عند ابن جرير عنه أن رسول الله ﷺ قال: "سألت جبريل أيّ
стр. 1857
الأجلين قضي موسى"؟ قال: أتمهما وأكملهما. وعند ابن أبي حاتم من مرسل يوسف بن مرح أن رسول الله ﷺ سئل أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: لا علم لي فسأل رسول الله ﷺ جبريل فقال: لا علم لي، فسأل جبريل ملكًا فوقه فقال لا علم لي فسأل ذلك الملك ربه فقال الرب : أبرّهما وأتقاهما أو قال أرجاهما. وزاد الإسماعيلي من الطريق التي أخرجها البخاري قال سعيد: فلقيني اليهودي فأعلمته ذلك فقال: صاحبك والله عالم.
٢٩ - باب لَا يُسْأَلُ أَهْلُ الشِّرْكِ عَنِ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهَا
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْمِلَلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِقَوْلِهِ : ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤]. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ الآيَةَ".
هذا (باب) بالتنوين (لا يسأل) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول (أهل الشرك) بالرفع نائبًا عن الفاعل (عن الشهادة و) لا (غيرها) إذ لا تقبل شهادتهم خلافًا للحنفية حيث قالوا بقبولها من أهل الذمة على بعضهم وإن اختلفت مِلَلهم لأنه ﵊ رجم يهوديين زنيا بشهادة أربعة منهم.
(وقال الشعبي) عامر بن شراحيل فيما وصله سعيد بن منصور (لا تجوز شهادة أهل المِلل) بكسر الميم أي مِلل الكفر (بعضهم على بعض) زاد سعيد بن منصور إلاّ المسلمين (لقوله تعالى) ولأبي ذر (﴿فأغرينا﴾) فألزمنا من غري بالشيء إذا ألصق به (﴿بينهم العداوة والبغضاء﴾) [المائدة: ١٤] ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكره بعضهم بعضًا فالمالكية تكفر اليعقوبية وكذلك الآخرون كل طائفة تلعن الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
(وقال أبو هريرة) فيما وصله في تفسير سورة البقرة (عن النبي ﷺ : لا تصدقوا أهل الكتاب) أي فيما لا تعرفون صدقه من قبل غيرهم (ولا تكذبوهم وقولوا آمنّا بالله وما أنزل الآية) وفيه دليل لرد شهادتهم وعدم قبولها وسقط قوله الآية عند أبوي ذر والوقت.
٢٦٨٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللَّهِ تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ؟ وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٧٩] أَفَلَا يَنْهَاكُمْ بمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ؟ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلاً قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ".
[الحديث ٢٦٨٥ - أطرافه في: ٧٣٦٣، ٧٥٢٢، ٧٥٢٣].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري وسقط قوله يحيى عند أبوي ذر والوقت قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن زيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (عن ابن عباس) ولأبوي ذر والوقت: عن عبد الله بن عباس (﵄ قال): (يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب) من اليهود والنصارى والاستفهام للإنكار (وكتابكم) القرآن (الذي أنزل) بضم الهمزة ولأبي ذر: أنزل بفتحها (على نبيّه) محمد (¬ ﷺ أحدث الأخبار بالله) بفتح الهمزة أي أقربها نزولاً إليكم من عند الله فالحدوث بالنسبة إلى المنزل إليهم وهو في نفسه قديم وأحدث رفع خبر كتابكم وأنزل صفته (تقرؤونه لم يشب) بضم أوّله وفتح ثانيه لم يخلط ولم يغير ولم يبدل (وقد حدّثكم الله) في كتابه (إن أهل الكتاب) صنف من اليهود وعن ابن عباس هم أحبار اليهود وعنه أيضًا هم المشركون وأهل الكتاب (بدّلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا هو) ولأبي ذر عن الكشميهني فقالوا هذا (من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلاً) قال الحسن: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها (أفلا ينهاكم ما) ولأبوي ذر والوقت عن المستملي بما (جاءكم من العلم عن مسايلتهم) بميم مضمومة فسين مهملة وبعد الألف مثناة تحتية مفتوحة، ولأبي ذر عن مساءلتهم بهمزة بعد الألف بدل التحتية ممدودًا (ولا والله ما رأينا رجلاً منهم قطّ يسألكم عن الذي أنزل عليكم) فأنتم بالطريق الأولى أن لا تسألوهم ولا في قوله ولا والله لتأكيد النفي.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التوحيد والاعتصام.
٣٠ - باب الْقُرْعَةِ فِي الْمُشْكِلَاتِ
وَقَوْلِهِ : ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ اقْتَرَعُوا فَجَرَتِ الأَقْلَامُ مَعَ الْجِرْيَةِ، وَعَال قَلَمُ زَكَرِيَّاءَ الْجِرْيَةَ، فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَسَاهَمَ﴾ [الصافات: ١٤١] أَقْرَعَ ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ مِنَ الْمَسْهُومِينَ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "عَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهِمَ بَيْنَهُمْ: أَيُّهُمْ يَحْلِفُ".
(باب) مشروعية (القرعة في) الأشياء (المشكلات) التي يقع النزاع فيها بين اثنين أو أكثر ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من بدل في أي لأجل المشكلات كقوله تعالى: ﴿من خطاياهم﴾ [العنكبوت: ١٢] أي لأجل خطاياهم (وقوله) زاد أبو ذر أي في قصة مريم ﴿إذ يلقون﴾ أي حين يلقون ﴿أقلامهم﴾ أقداحهم للاقتراع وقيل اقترعوا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبركًا ﴿أيّهم يكفل مريم﴾ [آل عمران: ٤٤] متعلق بمحذوف دلّ عليه يلقون أقلامهم أي يلقونها ليعلموا أيهم
стр. 1858
يكفلها أي يضمها إلى نفسه ويربيها رغبة في الأجر وذلك لما وضعتها أمها حنّة وأخرجتها في خرقتها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى بن عمران وهم يومئذٍ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فإني حرّرتها وهي ابنتي وأنا لا أردّها إلى بيتي فقالوا: هذه ابنة إمامنا، وكان عمران يؤمهم في الصلاة فقال زكريا: ادفعوها إليّ فإن خالتها تحتي فقالوا: لا تطيب نفوسنا هي ابنة إمامنا فعند ذلك اقترعوا عليها.
(وقال ابن عباس: اقترعوا فجرت الأقلام) التي ألقوها في نهر الأردن (مع الجرية) بكسر الجيم أي جرية الماء إلى الجهة السفلى (وعال) بعين مهملة وبعد الألف لام أي ارتفع (قلم زكريا الجرية) فأخذها وضمها إلى نفسه وللأصيلي: وعالا بألف بعد اللام، ولأبي ذر عن الكشميهني: وعدا بالدال بدل اللام كذا في الفرع وأصله. وقال في فتح الباري وفي رواية الكشميهني: وعلا أي بعين فلام فألف من العلوّ قال وفي نسخة وعدا بالدال وهذا وصله ابن جرير بمعناه (فكفلها زكريا وقوله) تعالى بالجر عطفًا على قوله الأول في قضية يونس (فساهم) قال ابن عباس فيما أخرجه ابن جرير أي (أقرع) ﴿فكان من المدحضين﴾ [الصافات: ١٤١] قال ابن عباس أيضًا فيما أخرجه ابن جرير أي (من المسهومين) وأشار المؤلّف بما ذكره من قصة مريم ويونس عليهما الصلاة والسلام إلى الاحتجاج بصحة الحكم بالقرعة وهو مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد ما يخالفه.
(وقال أبو هريرة) ﵁ مما وصله قريبًا في باب: إذا تسارع قوم في اليمين (عرض النبي ﷺ على قوم اليمين فأسرعوا) إلى اليمين (فأمر) ﷺ (أن يسهم بينهم) بكسر هاء يسهم أي يقرع (في اليمين أيّهم يحلف) قبل الآخر وفيه دلالة لمشروعية القرعة على ما لا يخفى.
٢٦٨٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ
فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا، فَتَأَذَّوْا بِهِ، فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: تَأَذَّيْتُمْ بِي وَلَا بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ".
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) بكسر الغين المعجمة آخره مثلثة ابن طلق بفتح الطاء وسكون اللام الكوفي قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدّثني) بالإفراد (الشعبي) عامر بن شراحيل (أنه سمع النعمان بن بشير ﵄ يقول: قال النبي ﷺ ¬):
(مثل المدهن) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر الهاء آخره نون أي الذي يرائي (في حدود الله) المضيع لها (والواقع فيها) المرتكبها (مثل قوم استهموا) اقترعوا (سفينة) مشتركة بينهم تنازعوا في المقام بها علوًّا أو سفلاً فأخذ كل واحد منهم نصيبًا من السفينة بالقرعة (فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها فكان الذين في أسفلها يمرّون بالماء على الذين) وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي على الذي (في أعلاها فتأذّوا) أي الذين أعلاها (به) بالماء عليهم بالماء حالة السقي أو بالماء الذي مع المار (فأخذ) الذي مرّ بالماء (فأسًا) بهمزة ساكنة وقد تبدل ألفًا (فجعل ينقر) بضم القاف أي يحفر (أسفل السفينة) ليخرقها (فأتوه) الذين أعلاها (فقالوا: ما لك) تحفر السفينة (قال: تأذيتم بي ولا بدّ لي من الماء فإن أخذوا على يديه) بالتثنية أي منعوه من الحفر ولأبي ذر على يده بالإفراد (أنجوه) أي الحافر (ونجوا أنفسهم) بتشديد الجيم من الغرق (وإن تركوه) يحفر (أهلكوه وأهلكوا أنفسهم).
ومن فوائد هذا الحديث: تبيين الحكم بضرب المثل ووقع في الشركة من وجه آخر عن عامر وهو الشعبي: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها. قال في فتح الباري: وهو أصوب لأن المدهن والواقع في الحكم واحد والقائم مقابله، وعند الإسماعيلي في الشركة: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمرائي في ذلك، ووقع عنده هنا أيضًا مثل الواقع في حدود الله والناهي عنها وهو المطابق للمثل المضروب فإنه لم يقع فيه إلا ذكر فرقتين فقط، لكن إذا كان المدهن مشتركًا في الذم مع الواقع فيها صار بمنزلة فرقة واحدة وبيان وجود الفرق الثلاث في المثل المضروب أن الذين أرادوا خرق السفينة بمنزلة الواقع في حدود الله ثم من عداهم إما منكر وهو
стр. 1859
القائم وإما ساكت وهو المدهن.
وهذا الحديث قد سبق في باب: هل يقرع في القسمة في الشركة؟.
٢٦٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ
أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِمْ قَدْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: "أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى حِينَ أَقْرَعَتِ الأَنْصَارُ سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ، قَالَتْ أُمُّ الْعَلَاءِ: فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَاشْتَكَى فَمَرَّضاهُ، حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ وَجَعَلْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءَهُ وَاللَّهِ الْيَقِينُ، وَإِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي -وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ- مَا يُفْعَلُ بِهِ. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ. قَالَتْ: فَنِمْتُ فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ذَلِكَ عَمَلُهُ".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الأموي مولاهم واسم أبيه دينار (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (خارجة بن زيد الأنصاري) أحد الفقهاء السبعة التابعي الثقة (أن أم العلاء) بفتح العين ممدودًا بنت الحرث بن ثابت يقال إنها أم خارجة الراوي عنها (امرأة) بالنصب صفة للسابق (من نسائهم قد بايعت النبي ﷺ ¬) أي عاقدته (أخبرته) في موضع رفع خبر إن (أن عثمان بن مظعون) بفتح الميم وسكون الظاء المعجمة وضم العين المهملة الجمحي القرشي (طار) أي وقع (له) ولأبوي ذر والوقت: لهم (سهمه في السكنى حين اقترعت الأنصار) وفي الفرع أقرعت الأنصار (سكنى المهاجرين) لما دخلوا المدينة ولم يكن لهم مساكن (قالت أم العلاء: فسكن عندنا عثمان بن مظعون فاشتكى) أي مرض (فمرضناه) بتشديد الراء أي قمنا بأمره (حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه) أي أكفانه بعد أن غسلناه (دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت رحمة الله عليك) يا (أبا السائب) بالسين المهملة كنية عثمان (فشهادتي عليك) أي لك (لقد أكرمك الله فقال لي النبي ﷺ ¬):
(وما يدريك) بكسر الكاف أي من أين علمت (أن الله أكرمه)؟ (فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ ¬): (أما عثمان فقد جاءه والله اليقين) أي الموت (وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به) أي بعثمان بن مظعون وفي الجنائز في رواية غير الكشميهني ما يفعل بي وهو موافق لقوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ [الأحقاف: ٩] وسبق ما فيه ثم (قالت) أم العلاء: (فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا وأحزنني) بالواو ولأبي ذر فأحزنني (ذلك) الذي قاله ﵊ (قالت: فنمت فأريت) بهمزة مضمومة فراء مكسورة، ولأبي ذر عن الكشميهني: فرأيت (لعثمان عينًا لمجري فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته) بما رأيت لعثمان (فقال) ﵊ (ذلك) بلام وكسر الكاف، ولأبي الوقت بفتحها ولأبي ذر ذاك (عمله) قال الكرماني وقيل إنما عبّر بالماء بالعمل وجريانه بجريانه لأن كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا فإن عمله ينمو إلى يوم القيامة.
وهذا الحديث سبق في الجنائز ويأتي وإن شاء الله تعالى في الهجرة والتفسير والتعبير.
٢٦٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ. وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا. غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) بكسر التاء المروزيّ المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت): (كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه) تطييبًا لقلوبهنّ (فأيتهنّ خرج سهمها) الذي باسمها منهن (خرج بها معه) في سفره (وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة) أم المؤمنين ﵂ (وهبت يومها وليلتها لعائشة) ﵂ (زوج النبي ﷺ ¬) حال كونها (تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ ¬).
وهذا الحديث قد سبق في الهبة.
٢٦٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا».
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (إسماعيل) بن أبي أُويس عبد الله الأصبحي (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم (عن سمي) بضم أوله وفتح الميم آخره تحتية مشددة (مولى أبي بكر) أي ابن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(لو يعلم الناس ما في النداء) أي الأذان (و) ما في (الصف الأول) الذي يلي الإمام من الخير والبركة (ثم لم يجدوا) شيئًا من وجوه الأولوية بأن يقع التساوي (إلا أن يستهموا) أي يقترعوا (عليه) أي على المذكور من الأذان
стр. 1860
والصف الأول (لاستهموا) أي لاقترعوا عليه (ولو يعلمون ما في التهجير) أي التبكير إلى الصلوات (لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في) ثواب أداء صلاة (العتمة) أي العشاء في جماعة (و) ثواب أداء صلاة (الصبح لأتوهما ولو حبوًا) على اليدين والركبتين.
وقد سبق هذا الحديث في الأذان، وقد وقع في رواية أبوي ذر والوقت حديث عمر بن حفص بن غياث المسوق هذا في هذا الباب مؤخرًا هنا بعد قوله: "ولو حبوًا".
وغرض المؤلّف ﵀ بسياق هذه الأحاديث الإشارة إلى مشروعية القرعة لفصل النزاع عند التشاحح في حق ثبت لاثنين فأكثر وتكون في الحقوق المتساوية وفي تعيين الملك، فمن الأول الإمامة الكبرى إذا استووا في صفاتها، وفي الأذان والصف الأول كما في حديث أبي هريرة ﵁ وفي إمامة الصلاة، وكذا إذا تنازع أخوان وزوجتان في غسل الميت ولا مرجح لأحدهما أقرع بينهما وكذا لو اجتمع اثنان في الصلاة على الميت واستوت خصالهما المعروفة وتشاحًا، وكذا لو سبق اثنان إلى مقعد من شارع وتنازعا فيه ولو جاءا إلى معدن الظاهر ككبريت معًا أقرع ولو التقط لقيطًا معًا واستويا في الخصال، ولو اجتمع أولياء في درجة واحدة وتساووا في الصفات وتشاحوا وأراد كلٌّ منهم أن يزوج أقرع أيضًا، وفي ابتداء القسم بين الزوجات والسفر ببعضهن كما في حديث عائشة والحاضنات إذا كن في درجة واحدة وولاة القصاص عند الاستواء، وكذا إذا ازدحم خصوم عند القاضي وجهل الأسبق أو جاؤوا معًا، وكذا عند تعارض البيّنتين فيما إذا شهدت بيّنة أنه أعتق في مرضه سالمًا وأخرى أنه أعتق غانمًا وكل واحد منهما ثلث ماله واتحد تاريخ البيّنتين وإن أطلقتا قيل يقرع والمذهب يعتق من كل نصفه ولو أعتق ثلاثة أو قسمة ما لا يعظم ضرره بالأجزاء كمثلي من حبوب ودراهم وأدهان وغيرها ودار متفقة أبنية وأرض مشتبهة الأجزاء فيجبر الممتنع عليها فتعدل السهام كيلاً في المكيل أو وزنًا في الموزون أو ذرعًا في المذروع بعدد الأنصباء إن استوت كالأثلاث لزيد وعمرو وبكر، ويكتب في كل رقعة اسم شريك أو جزء مميز بحد أو جهة وتدرّج في بنادق مستوية وزنًا وشكلاً من طين مجفّف أو شمع ثم يخرج من لم يحضرها رقعة على الجزء الأول إن كتب الأسماء فيعطى من خرج اسمه أو على اسم زيد إن كتب الأجزاء فيعطى ذلك الجزء ويفعل كذلك في الرقعة الثانية فيخرجها على الجزء الثاني أو على اسم عمرو وتتعين الثالثة للباقي إن كانت ثلاثًا وتعين من يبتدأ به من الشركاء فإن اختلفت الأنصباء كنصف وثلث وسدس في أرض جزّئت الأرض على أقل السهام وهو السدس فتكون ستة أجزاء وقسمت كما سبق والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٣ - كتاب الصلح
(بسم الله الرحمن الرحيم) بإثبات البسملة (كتاب الصلح).
١ - باب مَا جَاءَ فِي الإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ
وَقَوْلِ : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤].
(ما جاء في الإصلاح بين الناس) زاد الأصيلي وأبو ذر عن الكشميهني إذا تفاسدوا وسقط لغير الأصيلي وأبي الوقت كتاب الصلح ولأبي ذر: ما جاء. وزاد في الفتح ثبوت كتاب الصلح للنسفي أيضًا قال: ولغيرهم باب.
والصلح لغة قطع النزاع وشرعًا عقد يحصل به ذلك وهو أنواع فمنه ما يكون بين المتداعيين وتارة يكون على إقرار وتارة على إنكار والأول يكون على عين كدار أو حصة منها وعلى منفعة في دار ويكون الصلح أيضًا بين الزوجين عند الشقاق وفي الجراح كالعفو على مال وبين الفئة الباغية.
(وقول الله تعالى) بالجرّ عطفًا على قوله في الإصلاح، ولأبي ذر : (﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾) من تناجي الناس (﴿لا من أمر بصدقة أو معروف﴾) إلا نجوى من أمر على أنه مجرور بدلاً من كثير كما تقول: لا خير في قيامهم إلاّ قيام زيد، ويجوز أن يكون منصوبًا على الانقطاع بمعنى ولكن من أمر يصدقة ففي نجواه الخير، والمعروف كل ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل وفسّرها هنا بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التطوّع وسائر ما فسر به (﴿أو إصلاح بين الناس﴾) أو إصلاح ذات البين (﴿ومن
стр. 1861
يفعل ذلك﴾) الذي ذكر (﴿ابتغاء مرضاة الله﴾) طلبًا لثوابه لا للرياء والسمعة (﴿فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾) [النساء: ١١٤] وصف الأجر بالعظم تنبيهًا على حقارة ما فاته في جنبه من أعراض الدنيا، ووقع في رواية أبوي ذر والوقت الاقتصار من الآية على قوله: ﴿من أمر بصدقة﴾
ثم قال إلى آخر الآية. وعند الأصيلي إلى قوله: ﴿ابتغاء مرضاة الله﴾ ثم قال: الآية. وأشار بهذه الآية إلى بيان فضل الإصلاح بين الناس وأن الصلح مندوب إليه وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة"؟ قالوا: "بلى". قال ﷺ : "إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة". رواه أحمد. (وخروج الإمام) بالجر أيضًا على قوله وقول الله وهو من بقية الترجمة (إلى المواضع ليصلح بين الناس بأصحابه).
٢٦٩٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: "أَنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَىْءٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَمْ يَأْتِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَأْتِ النَّبِيُّ ﷺ . فَجَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حُبِسَ، وَقَدْ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ. فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، فَأَخَذَ النَّاسُ في التَّصْفِيحِ حَتَّى أَكْثَرُوا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَكَادُ يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَرَاءَهُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ فَأَمَرَهُ أن يُصَلِّي كَمَا هُوَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِالنَّاسِ. فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا لَكُمْ إِذَا نَابَكُمْ شَىْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ، إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَىْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلاَّ الْتَفَتَ، يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ لَمْ تُصَلِّ بِالنَّاسِ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَىِ النَّبِيِّ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم أبو محمد الجمحي مولاهم البصري قال: (حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا (أبو غسان) محمد بن مطرف الليثي المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الساعدي (¬﵁ أن أناسًا من بني عمرو بن عوف) بفتح العين وسكون الميم لم يسموا وكانت منازلهم بقباء (كان بينهم شيء) من الخصومة حتى تراموا بالحجارة، ولأبي ذر عن الكشميهني: شرّ ضدّ الخير (فخرج إليهم النبي ﷺ في أناس من أصحابه) سمي منهم أُبي بن كعب وسهيل بن بيضاء في الطبراني (يصلح بينهم فحضرت الصلاة) هي العصر (ولم يأتِ النبي ﷺ ¬) مسجده (فجاء بلال فأذّن بلال بالصلاة) سقط قوله فجاء بلال لأبوي ذر والوقت والأصيلي، وفي نسخة الميدومي فجاء بلال فأذن بالصلاة فأسقط لفظ بلال الثاني (ولم يأتِ النبي ﷺ فجاء) بلال (إلى أبي بكر) الصديق) ﵁ (فقال) له (إن النبي ﷺ حبس) بضم الحاء مبنيًّا للمفعول بسبب الإصلاح (وقد حضرت الصلاة فهل لك أن تؤم الناس؟ فقال: نعم إن شئت فأقام الصلاة فتقدم أبو بكر) ودخل في
الصلاة (ثم جاء النبي ﷺ ¬) حال كونه (يمشي في الصفوف حتى قام في الصف الأول) وهو جائز للإمام مكروه لغيره (فأخذ الناس بالتصفيح) بالحاء المهملة وأوّله موحدة، ولأبي ذر في التصبيح بفيء، بدل الموحدة وله عن الكشميهني بالتصفيق بالموحدة والقاف وهما بمعنى أي ضرب كلّ يده بالأخرى حتى سمع لها صوت (حتى أكثروا) منه، (وكان أبو بكر) ﵁ (لا يكاد يلتفت في الصلاة) لأنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل كما عند ابن خزيمة (فالتفت) لما أكثروا التصفيق (فإذا هو بالنبي ﷺ وراءه فأشار إليه) ﵊ (بيده) الكريمة (فأمره يصلّي) وللأصيلي وأبي الوقت وأبي ذر عن الكشميهني أن يصلّي (كما هو فرفع أبو بكر يده) بالإفراد (فحمد الله) أي بلسانه زاد في باب من دخل ليؤم الناس من الصلاة على ما أمره به أي من الوجاهة في الدين زاد الأصيلي وأثنى عليه (ثم رجع) أبو بكر (القهقرى وراءه) حتى لا يستدبر القبلة ولا ينحرف عنها (حتى دخل في الصف وتقدم) بالواو ولأبوي ذر والوقت والأصيلي فتقدم (النبي ﷺ فصلّى بالناس فلما فرغ) ﵊ من الصلاة (أقبل على الناس فقال):
(يا أيها الناس إذا نابكم) أي أصابكم (شيء في صلاتكم أخدتم بالتصفيح) بالموحدة والحاء ولأبي ذر عن الكشميهني بالتصفيق بالموحدة والقاف وإذا للظرفية المحضة لا للشرطية وفي حاشية الفرع كأصله مكتوبًا صوابه ما لكم إذا نابكم فضبب على لفظ الناس فليتأمل (إنما التصفيح للنساء. من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله) وزاد الأبوان عن الحموي سبحان الله (فإنه لا يسمعه أحد) يصلّي معه (إلا التفت) إليه (يا أبا بكر ما منعك) قال الكرماني: مجاز عن دعاك حملاً للنقيض على النقيض. قال السكاكي: والتعلق بين الصارف عن فعل الشيء والداعي إلى تركه يحتمل أن يكون منعك مرادًا به
стр. 1862
دعاك (حتى أشرت إليك) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي أشير بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (لم تصل بالناس) (فقال: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي النبي) وللأصيلي رسول الله (¬ ﷺ ¬) أي قدامه إمامًا به ولم يقل ما كان ينبغي لي ولا لأبي بكر تحقيرًا لنفسه واستصغارًا لمرتبته.
وفي الحديث مشروعية الإصلاح بين الناس والذهاب إليهم لذلك.
٢٦٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي أَنَّ أَنَسًا ﵁ قَالَ: "قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ. فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكِبَ حِمَارًا، فَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ -وَهْيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ- فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي، وَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ. فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَشَتَمَا، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد المهملة الأولى ابن مسرهد قال:
(حدّثنا معتمر) بضم الميم الأولى وكسر الميم الثانية (قال: سمعت أبي) سليمان بن طرخان (أن أنسًا) هو ابن مالك (﵁ قال: قيل للنبي ﷺ لو أتيت عبد الله بن أبي) أي ابن سلول الخزرجي وكان منزله بالعالية ولو للتمني فلا تحتاج إلى جواب أو على أصلها والجواب محذوف أي لكان خيرًا أو نحو ذلك، (فانطلق إليه النبي ﷺ وركب حمارًا) جملة حالية (فانطلق المسلمون) حال كونهم (يمشون معه) ﵇ (وهي) أي الأرض التي مرّ فيها ﵇ (أرض سبخة) بكسر الموحدة ذات سباخ تعلوها الملوحة لا تكاد تنبت إلا بعض الشجر (فلما أتاه النبي ﷺ فقال): أي عبد الله بن أبي له ﵊ ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: (إليك) أي تنح (عني والله لقد آذاني نتن حمارك) وفي تفسير مقاتل مرّ ﷺ على الأنصار وهو راكب حماره يعفور فبال فأمسك ابن أبي بأنفه وقال للنبي ﷺ : خلِّ للناس سبيل الريح من نتن هذا الحمار (فقال رجل من الأنصار منهم) هو عبد الله بن رواحة (والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحًا منك) برفع أطيب خبرًا لحمار واللام للتأكيد (فغضب لعبد الله) أي لأجل عبد الله بن أبي (رجل من قومه) قال ابن حجر: لم أعرفه (فشتما) بالتثنية من غير ضمير أي شتم كل واحد منهما الآخر ولأبي ذر عن الكشميهني فشتمه (فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد) بالجيم والراء الغصن الذي يجرد عنه الخوص ولأبي ذر عن الكشميهني بالحديد بالحاء والدال المهملتين والأول أصوب (والأيدي والنعال) قال أنس بن مالك (فبلغنا أنها) أي الآية (أنزلت) بهمزة مضمومة ولابوي ذر والوقت والأصيلي نزلت: (﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾) [الحجرات: ٩].
واستشكل ابن بطال نزول هذه الآية في هذه القصة أن المخاصمة وقعت بين من كان معه ﷺ من الصحابة وبين أصحاب عبد الله بن أبي وكانوا حينئذٍ كفارًا. وأجيب: بأن قول أنس بلغنا أنها أنزلت لا يستلزم النزول في ذلك الوقت، ويؤيده أن نزول آية الحجرات متأخر جدًّا. وقال مغلطاي فيما نقله عنه في المصابيح وفي تفسير ابن عباس: وأعان ابن أبي رجال من قومه وهم مؤمنون فاقتتلوا قال: وهذا فيه ما يزيل استشكال ابن بطال، وذكر سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج.
٢ - باب لَيْسَ الْكَاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ
(باب) بالتنوين (ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس) أي ليس من يصلح بين الناس كاذبًا فهو من باب القلب قاله في الفتح.
٢٦٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) الزهري (أن حميد بن عبد الرحمن) بضم الحاء وفتح الميم مصغرًا ابن عوف (أخبره أن أمه أم كلثوم) بضم الكاف وبالمثلثة (بنت عقبة) بضم العين وسكون القاف ابن أبي معيط أُخت عثمان بن عفان لأمه (أخبرته أنها سمعت رسول الله) وللأصيلي النبي (¬ ﷺ يقول):
(ليس الكذاب الذي) ولأبي الوقت والأصيلي: بالذي (يصلح بين الناس) بضم الياء من الإصلاح والجملة في محل نصب خبر ليس (فينمي خيرًا) بفتح المثناة التحتية وسكون النون وكسر الميم يقال: نميت الحديث بالتخفيف أنميه إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير فإذا بلغته على وجه الإفساد
стр. 1863
والنميمة قلت نميته بالتشديد كذا قال أبو عبيدة وابن قتيبة والجمهور، وقال الحربي: هي مشددة وأكثر المحدثين يخففها وهذا لا يجوز ورسول الله ﷺ لا يلحن ومن خفف لزمه أن يقول خير يعني بالرفع. قال ابن الأثير: وهذا ليس بشيء فإن خيرًا ينتصب بينمي كما ينتصب بقال.
(أو يقول خيرًا) شك من الراوي، وليس المراد نفي ذات الكذب بل نفي إثمه فالكذب كذب سواء كان للإصلاح أو لغيره وقد يرخص في بعض الأوقات في الفساد القليل الذي يؤمل فيه الصلاح الكثير، وعند مسلم والنسائي من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه في آخر هذا الحديث ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس أنه كذب إلا في ثلاث يعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته، لكن هذه الزيادة مدرجة كما بيّن ذلك مسلم من طريق يونس عن الزهري فجوّز قوم الكذب في هذه الثلاثة وقاس بعضهم عليها أمثالها وقالوا: إن الكذب مذموم فيما فيه مضرّة أو ما ليس فيه مصلحة ومنعه بعضهم مطلقًا وحملوا المذكور هنا على التورية كأن يقول للظالم دعوت لك أمس يعني اللهم اغفر للمسلمين ويعد امرأته بعطية شيء ويريد إن قدّر الله وأن يظهر من نفسه قوّة في الحرب. قال المهلب: وإنما أطلق ﵇ للمصلح بين الناس أن يقول ما علم من الخير بين الفريقين ويسكت عما سمع من الشر بينهم لا أنه يخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه. وقال في المصابيح: وليس في تبويب البخاري ما يقتضي جواز الكذب في الإصلاح، وذلك أنه قال: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس وسلب الكاذب عن الإصلاح لا يسلتزم كون ما يقوله كذبًا لجواز أن يكون صدقًا بطريق التصريح أو التعريض وكذا الواقع في الحديث فإنه ليس فيه الكذاب الذي يصلح بين الناس واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقًّا عليه أو عليها أو أخذ ما ليس لها أو له وعلى جواز الكذب عند الاضطرار كما لو قصد ظالم قتل رجل هو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم.
وهذا الحديث ثابت في رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي ساقط عند غيرهما.
٣ - باب قَوْلِ الإِمَامِ لأَصْحَابِهِ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ
(باب قول الإمام لأصحابه اذهبوا بنا نصلح) بالرفع.
٢٦٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: "أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي فيما جزم به الحاكم قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي) هو من مشايخ المؤلّف وروى عنه بلا واسطة في الباب السابق (وإسحاق بن محمد الفروي) بفتح الفاء وسكون الراء من مشايخه أيضًا (قالا: حدّثنا محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير (عن أبي حازم) سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الأنصاري (﵁ أن أهل قباء) بالصرف وفي أول كتاب الصلح أن ناسًا من بني عمرو بن عوف (اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله) بضم الهمزة وكسر الموحدة وللأصيلي النبي (¬ ﷺ بذلك فقال) لبعض أصحابه وسمى منهم أُبيّ بن كعب وسهيل بن بيضاء كما في الطبراني.
(اذهبوا بنا نصلح بينهم) برفع نصلح على تقدير نحن نصلح، ولأبي ذر نصلح بالجزم على جواب الأمر.
وفي الحديث خروج الإمام في أصحابه للإصلاح بين الناس عند شدّة تنازعهم.
وهذا الحديث طرف من الحديث السابق أوّل كتاب الصلح ومطابقته لما ترجم به هنا ظاهرة.
٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ يُصلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]
(باب قول الله تعالى) في سورة النساء مخبرًا ومشرعًا عن حال الزوجين تارة في نفور الرجل عن المرأة وتارة في حال اتفاقه معها وتارة عند فراقه لها (﴿أن يُصلِحا بينهما صلحًا﴾) أصله أن يتصالحا فأبدلت التاء وأدغمت في تاليتها أن يصطلحا بأن تحطّ له بعض المهر أو القسم أو تهب له شيئًا تستميله به وقرأ الكوفيون أن يصلحا من أصلح بين المتنازعين وعلى هذا جاز أن ينتصب صلحًا على المفعول به وبينهما ظرف أو حال منه على المصدر كما في القراءة الأولى والمفعول بينهما أو هو محذوف (﴿والصلح خير﴾) [النساء: ١٢٨] من الفرقة وسوء العشرة أو من الخصومة، ويجوز أن لا يراد به التفضيل بل بيان أنه من الخيور كما أن الخصومة من الشرور قاله البيضاوي.
٢٦٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتْ: "هُوَ الرَّجُلُ يَرَى مِنِ امْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا، فَتَقُولُ: أَمْسِكْنِي، وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ. قَالَتْ: ولَا بَأْسَ إِذَا تَرَاضَيَا".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد)
стр. 1864
الثقفي أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه عن عائشة ﵂) في تفسير قوله تعالى: (﴿وإن امرأة خافت من بعلها﴾) توقعت منه لما ظهر لها من المخايل (﴿نشوزًا﴾) تجافيًا عنها وترفعًا عن صحبتها كراهية لها (﴿أو إعراضًا﴾) [النساء: ١٢٨] بأن يقل مجالستها ومحادثتها (قالت: هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه كبرًا) بكسر الكاف وفتح الموحدة أي كبر السن والهرم وفي الفرع كبرًا بسكون الموحدة وليس هو في اليونينية (أو غيره) من سوء خُلق أو خَلق ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وغيره بإسقاط الألف وله أيضًا عن الكشميهني وغيره بمثناة فوقية بدل الهاء (فيريد فراقها فتقول) أي المرأة لزوجها (امسكني) ولا تفارقني (واقسم لي ما شئت) من النفقة وغيرها (قالت) عائشة (فلا) بالفاء ولأبي ذر: ولا (بأس) بذلك (إذا تراضيا) أي الرجل وامرأته.
وتأتي مباحث ذلك في تفسير سورة النساء إن شاء الله تعالى بعون الله.
٥ - باب إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحِ جَوْرٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ
هذا (باب) بالتنوين (إذا اصطلحوا) أي المتخاصمون (على صلح جور) بالإضافة أي ظلم وجوّز في الفتح وغيره تنوين صلح فيكون جور صفة له (فالصلح) بالفاء جواب إذا المتضمنة معنى الشرط ولأبوي ذر والوقت والأصيلي فهو (مردود).
٢٦٩٥ و ٢٦٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵄ قَالَا: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ. فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَقَالُوا لِي: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ -لِرَجُلٍ- فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا. فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا".
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب قال: (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄) أنهما (قالا: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله اقضِ بيننا بكتاب الله) القرآن أو بحكم الله مطلقًا والثاني أولى لأن النفي والرجم ليسا في القرآن نعم يؤخذ من الأمر بطاعة الرسول في قوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧] ونحوه وفي حديث عبادة بن الصامت عند مسلم مرفوعًا: خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم فوضح دخوله تحت السبيل المذكور في الآية فيصير التغريب في القرآن من هذا الوجه، لكن زيادة الجلد مع الرجم منسوخة بأنه ﷺ رجم من غير جلد، ولا ريب أنه ﵊ إنما يحكم بكتاب الله، فالمراد أن يفصل بينهما بالحكم الصرف لا بالصلح إذ للحاكم أن يفعل ذلك برضا الخصوم.
(فقام خصمه) هو في الأصل مصدر خصمه يخصمه إذا نازعه وغالبه ثم أطلق على المخاصم وصار اسمًا له ولذا يطلق على الواحد والاثنين والأكثر بلفظ واحد مذكرًا كان المخاصم أو مؤنثًا لأنه بمعنى ذو كذا على القول البصريين في رجل عدل ونحوه قال تعالى: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب﴾ [ص: ٢١] وربما ثني وجمع نحو: لا تخف خصمان ولم يسم هذا الخصم (فقال: صدق اقضِ) وللأصيلي وأبوي الوقت وذر عن الكشميهني والمستملي: فاقضِ (بيننا بكتاب الله، فقال الأعرابيّ: إن ابني) لم يسم (كان عسيفًا) وفي الشروط فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه. نعم فاقضِ بيننا بكتاب الله وائذن لي فقال رسول الله ﷺ : "قل قال إن ابني كان عسيفًا وظاهر هذه الرواية أن القائل إن ابني كان عسيفًا هو الثاني لا الأول، وجزم الكرماني بأنه الأول لا الثاني ولعله تمسك بقوله هنا. فقال الأعرابيّ: إن ابني، لكن قال الحافظ ابن حجر إن قوله فقال الأعرابي إن ابني زيادة شاذة وإن المحفوظ في سائر الطرق غير ما هنا انتهى.
والعسيف: بالسين المهملة المخففة والفاء أي أجيرًا (على هذا) لم يقل لهذا ليعلم أنه أجير ثابت الأجرة عليه لكونه لابس العمل وأتمه (فزنى) ابني (بأمرأته) لم تسم (فقالوا لي: على ابنك الرجم) أي إن كان بكرًا واعترف (ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة) أي جارية ومن في قوله منه للبدلية كما في قوله تعالى: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ [التوبة: ٣٨] أي بدل الآخرة (ثم سألت أهل العلم) الصحابة الذين كانوا
стр. 1865
يفتون في عصره ﷺ وهم الخلفاء الأربعة وثلاثة من الأنصار أُبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت، وزاد ابن سعد في الطبقات عبد الرحمن بن عوف (فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة) بإضافة جلد لمائة في الفرع اليونيني وفي الفرع المقروء على الميدومي جلد بالتنوين مائة بالنصب على التمييز، وقال القاضي عياض: إنه رواية الجمهور قال وجاء عن الأصيلي جلده مائة بالإضافة مع إثبات الهاء يعني بإضافة المصدر إلى ضمير الغائب العائد على الابن
من باب إضافة المصدر إلى المفعول قال وهو بعيد إلا أن ينصب مائة على التفسير أو يضمر مضاف أي عدد مائة أو نحو ذلك (وتغريب عام) ونفي من البلد الذي وقعت فيه الجناية (فقال النبي ﷺ ¬):
(لأقضين بينكما بكتاب الله) أي بحكمه (أما الوليدة) الجارية (والغنم) اللذان افتديت بهما ابنك (فرد) أي مردود (عليك) فأطلق المصدر على المفعول، ولأبوي الوقت وذر عن الحموي والمستملي: فترد على صيغة المجهول من المضارع قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن ما أخذ بالمعاوضة الفاسدة يجب ردّه ولا يملك (وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام) بالإضافة فيهما زاد في باب: إذا رمى امرأته أو امرأة غيره بالزنا عند الحاكم من حديث عبد الله بن يوسف عن مالك عن ابن شهاب وجلد ابنه مائة وغرّبه عامًّا (وأما أنت يا أنيس -لرجل-) من أسلم وهو بضم الهمزة وفتح النون مصغرًا هو أنيس بن الضحاك الأسلمي لا ابن مرثد ولا خادمه ﵊ (فاغد على امرأة هذا) أي ائتها غدوة أو امشِ إليها (فارجمها) إن اعترفت كما في الرواية الأخرى، (فغدا عليها أنيس فرجمها) بعد أن اعترفت وإنما خصّ ﵊ أنيسًا بهذا الحكم لأنه من قبيلة المرأة وقد كانوا ينفرون من حكم غيرهم. لكن في بعض الروايات فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت. قال القرطبي: وهو يدل على أن أنيسًا إنما كان رسولاً ليسمع إقرارها وإن تنفيذ الحكم كان منه ﵊ ويشكل عليه كونه اكتفى في ذلك بشاهد واحد.
وأجيب: بأن قوله فاعترفت فأمر بها فرجمت هو من رواية الليث عن الزهري، وقد رواه عن الزهري مالك بلفظ: فاعترفت فرجمها لم يقل فأمر بها النبي ﷺ فرجمت، وعند التعارض فحديث مالك أولى لما تقرر من ضبط مالك وخصوصًا في حديث الزهري فإنه من أعرف الناس به، فالظاهر أن أنيسًا كان حاكمًا، ولئن سلمنا أنه كان رسولاً فليس في الحديث نص على انفراده بالشهادة فيحتمل أن غيره شهد عليها.
وبقية مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الحدود.
وقد سبق بعض الحديث في باب الوكالة في الحدود من كتاب الوكالة.
ومطابقته لما ترجم له في قوله: "أما الوليدة والغنم فرد عليك" لأنه في معنى الصلح عما وجب على العسيف من الحد ولم يكن ذلك جائزًا في الشرع فكان جورًا.
٢٦٩٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ».
رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وبه قال: (حدثنا يعقوب) هو ابن إبراهيم الدورقي كما في المغازي في باب من شهد بدرًا.
قال البخاري: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم قال أبو ذر في روايته أي الدورقي وبذلك رجحه الحافظ
ابن حجر حملاً لما أطلقه البخاري هنا على ما قيده في المغازي قال: وهذه عادة البخاري لا يهمل نسبة الراوي إلا إذا ذكرها في مكان آخر فيهملها استغناء عنها بما ذكره قال: (حدثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين (عن أبيه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن القاسم بن محمد) هو ابن أبي بكر الصديق المدني (عن عائشة ﵂) أنها (قالت. قال رسول الله) ولأبوي الوقت وذر النبي (¬ ﷺ ¬):
(من أحدث في أمرنا) ديننا (هذا ما ليس فيه) مما لا يوجد في كتاب ولا سُنّة ولأبوي الوقت وذر منه (فهو رد) من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول أي فهو مردود أي باطل غير معتد به.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأقضية وأبو داود وابن ماجه في السُّنن.
(رواه) أي الحديث المذكور (عبد الله بن جعفر) أي ابن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة (المخرمي) بفتح
стр. 1866
الميم الأولى وكسر الثانية بينهما خاء معجمة ساكنة فراء مفتوحة نسبة إلى جده الأعلى فيما وصله مسلم من طريق أبي عامر العقدي والبخاري في خلق أفعال العباد، (وعبد الواحد بن أبي عون) المدني فيما وصله الدارقطني من طريق عبد العزيز بن محمد عنه، وليس لعبد الواحد في البخاري سوى هذا (عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف وسعد بسكون العين.
٦ - باب كَيْفَ يُكْتَبُ "هَذَا مَا صَالَحَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ وَفُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ وَإِنْ لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى قَبِيلَتِهِ أَوْ نَسَبِهِ"
هذا (باب) بالتنوين (كيف يكتب) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول أي كيف يكتب الصلح؟
يكتب (هذا ما صالح فلان بن فلان وفلان بن فلان) فيكتفي بذلك إن كان مشهورًا (ولم) ولأبي ذر عن الكشميهني وإن لم (ينسبه إلى قبيلته أو نسبه) ولأبي ذر والأصيلي في نسخة إلى قبيلة بإسقاط المثناة الفوقية التي بعد اللام إذا كان مشهورًا بدون ذلك بحيث يؤمن اللبس وإلا فتتعيّن النسبة.
٢٦٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ عَلِيٌّ بن أبي طالب رضوان الله عليه بَيْنَهُمْ كِتَابًا فَكَتَبَ "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَا تَكْتُبْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، لَوْ كُنْتَ رَسُولاً لَمْ نُقَاتِلْكَ. فَقَالَ لِعَلِيٍّ: امْحُهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ. فَمَحَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلُوهَا إِلاَّ بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ. فَسَأَلُوهُ: مَا جُلُبَّانُ السِّلَاحِ؟ فَقَالَ: الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة أبو بكر العبدي البصري المعروف ببندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي أنه (قال: سمعت البراء بن عازب ﵄ قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية) بتخفيف الياء في الفرع كأصله وغيره قال القاضي عياض كذا ضبطناه عن المتقنين وعامّة الفقهاء والمحدثون يشدّدونها وهي قرية ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة (كتب علي بن أبي طالب رضوان الله عليه) بأمره ﷺ وسقط لغير أبوي ذر والوقت ابن أبي طالب (بينهم) أي بين المسلمين والمشركين (كتابًا) بالصلح على أن يوضع الحرب بينهم عشر سنين وأن يأمن بعضهم بعضًا وأن يرجع عنهم عامهم (فكتب محمد رسول الله) فيه حذف أي هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله زاد في رواية غير أبي ذر ﷺ (فقال المشركون لا تكتب محمد رسول الله لو كنت رسولاً لم نقاتلك. فقال) ﷺ (لعليّ) ﵁:
(امحه) بضم الحاء في الفرع كأصله وفي نسخة بفتحها أي امح الخط الذي لم يريدوا إثباته يقال محوت الكتابة ومحيتها (فقال) ولأبوي ذر والوقت: قال (عليّ) ﵁ (ما أنا بالذي أمحاه) ليس بمخالفة لأمره ﵊ بل علم بالقرينة أن الأمر ليس للإيجاب (فمحاه رسول الله ﷺ ¬) زاد أبو ذر عن الكشميهني والمستملي بيده (وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه) في العام المقبل مكة (ثلاثة أيام ولا) بالواو ولأبي ذر فلا (يدخلوها إلا بجلبان السلاح) بضم الجيم وسكون اللام وبضمها وتشديد الموحدة وقال عياض وبالتشديد ضبطناه وصوّبه ابن قتيبة وبالتخفيف ضبطه الهروي وصوّبه وإنما اشترطوا ذلك ليكون أمارة للسلم لئلا يظن أنهم دخلوها قهرًا (فسألوه ما جلبان السلاح) بتخفيف الموحدة وتشديدها (فقال) ولأبي ذر قال: (القراب بما فيه).
ومطابقته للترجمة في قوله فكتب محمد رسول الله ولم ينسبه لأبيه وجده وأقرّه ﷺ على ذلك
لأمن اللبس.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في المغازي وأبو داود في الحج.
٢٦٩٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: "اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: لَا نُقِرُّ بِهَا، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ، لَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: امْحُ: "رَسُولُ اللَّهِ" قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ سِلَاحٌ إِلاَّ فِي الْقِرَابِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّبِعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَرَادَ أَنْ
يُقِيمَ بِهَا. فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الأَجَلُ أَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَتَبِعَتْهُمُ ابْنَةُ حَمْزَةَ -يَا عَمِّ، يَا عَمِّ- فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ احْمِلِيهَا. فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا وَهْيَ ابْنَةُ عَمِّي وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي. وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا وَقَالَ: الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ. وَقَالَ لِجَعْفَرٍ أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي. وَقَالَ لِزَيْدٍ: أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا".
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغرًا أبو محمد العبسي مولاهم الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق (عن) جده (أبي إسحاق) السبيعي (عن البراء) وللأصيلي زيادة ابن عازب (﵁) أنه (قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة) بفتح القاف في الفرع كأصله وغيرهما (فأبى أهل مكة أن يدعوه) بفتح الدال أي امتنعوا أن يتركوه (يدخل مكة حتى قاضاهم) من القضاء وهو إحكام الأمر وإمضاؤه (على أن يقيم بها ثلاثة أيام) فقط (فلما كتبوا الكتاب) بخط علي (كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) زاد في غير رواية أبي ذر ﷺ (فقالوا): أي المشركون (لا نقرّ بها) أي بالرسالة (فلو) بالفاء ولأبي ذر ولو (نعلم أنك رسول الله ما منعناك) من دخول
стр. 1867
مكة وعبّر بالمضارع بعد لو التي للماضي لتدل على الاستمرار أي استمر عدم علمنا برسالتك في سائر الأزمنة من الماضي والمضارع وهذا كقوله تعالى: ﴿لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم﴾ [الحجرات: ٧] قاله في شرح المشكاة (لكن أنت محمد بن عبد الله قال):
(أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ثم قال لعليّ امح رسول الله) بالرفع على الحكاية ولأبي الوقت امح رسول الله بالنصب على المفعولية (قال) أي علي (لا والله لا أمحوك أبدًا) لعلمه بالقرائن أن الأمر ليس للإيجاب (فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب) إسناد الكتابة إليه ﷺ على سبيل المجاز لأنه الآمر بها، وقيل كتب وهو لا يحسن بل أطلقت يده بالكتابة ولا ينافي هذا كونه أميًّا لا يحسن الكتابة لأنه ما حرك يده تحريك من يحسن الكتابة إنما حركها فجاء المكتوب صوابًا من غير قصد فهو معجزة ودفع بأن ذلك مناقض لمعجزة أخرى وهو كونه أميًّا لا يكتب وفي ذلك إفحام الجاحد وقيام الحجة والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا وقيل لما أخذ القلم أوحى الله إليه فكتب، وقيل ما مات حتى كتب (هذا) إشارة إلى ما في الذهن مبتدأ خبره قوله (ما قاضى) ومفسر له زاد أبو ذر عن الكشميهني عليه (محمد بن عبد الله لا يدخل) بفتح أوّله وضم ثالثه (مكة سلاح) بالرفع وللأصيلي إلا وله ولأبي الوقت بسلاح بزيادة حرف الجر ولأبوي الوقت وذر لا يدخل بضم أوله وكسر ثالثه مكة سلاحًا بالنصب على المفعولية (إلا في القراب) وقوله لا يدخل مفسر لقوله قاضى وكذا قوله (وأن لا يخرج) بفتح أوّله وضم الراء (من أهلها بأحد) أي من الرجال (إن أراد أن يتبعه) بتشديد المثناة الفوقية ولأبي ذر والأصيلي يتبعه بسكونها (وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه أراد أن يقيم بها) أي بمكة.
(فلما دخلها) أي مكة في العام القابل (ومضى الأجل) وهو الأيام الثلاثة أي قرب انقضاؤها كقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال الكرماني ولا بدّ من هذا التأويل لئلا يلزم عدم الوفاء بالشرط (أتوا عليًّا) ﵁ (فقالوا: قل لصاحبك) أي النبي ﷺ ، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لأصحابك النبي ﷺ ومن معه (أخرج عنا فقد مضى الأجل) زاد البيهقي فحدّثه عليّ بذلك فقال نعم (فخرج النبي ﷺ فتبعتهم ابنة) وللأصيلي بنت (حمزة) اسمها عمارة أو أمامة (يا عم يا عم) مرتين أي تقول له ﵊ يا عم لأنه عمها من الرضاعة (فتناولها علي) وللأصيلي علي بن أبي طالب (فأخذ بيدها وقال لفاطمة ﵍: دونك) بكسر الكاف أي خذي (ابنة عمك حملتها) بلفظ الماضي ولعل الفاء سقطت، وقد ثبتت في رواية النسائي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري، ولأبي ذر عن الكشميهني: احمليها. وعند الحاكم من مرسل الحسن فقال علي لفاطمة وهي في هودجها: أمسكيها عندك (فاختصم فيها) أي بعد أن قدموا المدينة كما في حديث علي عند أحمد والحاكم (علي وزيد) هو ابن حارثة (وجعفر) أخو علي في أيّهم تكون عنده (فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي) زاد في حديث علي عند أبي داود: وعندي ابنة رسول الله ﷺ وهي أحق بها. (وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها) أي أسماء بنت عميس (تحتي) زوجتي، (وقال زيد: ابنة أخي) لأنه ﷺ آخى بين زيد وأبيها حمزة (ققضى بها النبي ﷺ لخالتها) زوجة جعفر. وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد في شرف المصطفى بسند ضعيف فقال جعفر أولى بها فرجح جانب جعفر باجتماع قرابة الرجل والمرأة (وقال) ﵊: (الخالة بمنزلة الأم) في الحضانة لأنها تقرب منها في الحنوّ والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد ولم يقدح في حضانتها كونها متزوّجة بمن له مدخل في الحضانة بالعصوبة وهو ابن العم.
واستنبط منه أن الخالة مقدمة في الحضانة على العمة لأن صفية بنت عبد المطلب كانت موجودة حينئذ وإذا قدمت على العمة مع كونها أقرب العصبات من النساء فهي مقدمة على غيرها.
وفيه تقديم أقارب الأم على أقارب الأب وغير ذلك
стр. 1868
مما يأتي إن شاء الله تعالى في محله.
(وقال) ﵊ (لعلي) (أنت مني وأنا منك) أي في النسب والسابقية والمحبة وغيرها (وقال لجعفر: أشبهت خلْقي وخُلُقي) بفتح الخاء في الأول وضمها في الثانية وهي منقبة جليلة لجعفر (وقال لزيد) (أنت أخونا) في الإيمان (ومولانا) من جهة أنه أعتقه فطيب ﷺ قلوبهم بنوع من التشريف على ما يليق بهم بالحال وإن كان قضى لجعفر فقد بيّن وجه ذلك.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي أيضًا ويأتي بقية مباحثه، إن شاء الله تعالى في عمرة القضية.
٧ - باب الصُّلْحِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ. فِيهِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ
وَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ هُدْنَةٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ».
وَفِيهِ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ "لقد رأيتنا يوم أبي جندل"، وَأَسْمَاءُ، وَالْمِسْوَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب) حكم (الصلح مع المشركين فيه عن أبي سفيان) صخر بن حرب في شأن هرقل المسوق أول الكتاب والغرض منه هنا الإشارة إلى مدة الصلح المذكورة في قوله ونحن منه في مدة وغير ذلك.
(وقال عوف بن مالك) بفتح العين المهملة وسكون الواو آخره فاء الأشجعي الغطفاني فيما وصله المؤلّف بتمامه في الجزية من طريق أبي إدريس الخولاني (عن النبي ﷺ ¬) (ثم تكون هدنة) بضم الهاء وسكون الدال أي صلح (بينكم وبين الأصفر) هم الروم.
(وفيه) أي في الباب روى (سهل بن حنيف) بضم الحاء المهملة الأنصاري الأوسي فيما وصله في آخر الجزية وللأصيلي وفيه عن سهل بن حنيف (لقد رأيتنا يوم أبي جندل) بفتح الجيم وسكون النون وفتح الدال المهملة آخره لام العاص بن سهيل حين حضر من مكة إلى الحديبية يرسف في قيوده إلى النبي ﷺ وكان يكتب هو وأبو سهيل بن عمرو كتاب الصلح، وكان أبو جندل قد أسلم بمكة فحبسه أبوه فهرب، وجاء إلى النبي ﷺ فأخذ أبوه سهيل يجره ليردّه إلى قريش، فجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنوني في ديني، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين بمكة فرجًا ومخرجًا وإنّا قد عقدنا بيننا وبينهم صلحًا وعهدًا ولا نغدر بهم" وسقط قوله: لقد رأيتنا يوم أبي جندل لغير أبي ذر كما في الفرع وأصله. وقال في الفتح: ولم يقع في رواية أبي ذر والأصيلي لقد رأيتنا يوم أبي جندل وللأصيلي كما في الفرع، وأصله: رأتنا بهمزة ففوقية ساكنة فنون فألف فليتأمل.
(و) في الباب أيضًا روت (أسماء) بنت أبي بكر الصديق ﵄ فيما وصله في الهبة بلفظ قدمت عليّ أمي راغبة في عهد قريش لأن فيه معنى الصلح (والمسور) بن مخرمة فيما وصله في كتاب الشروط (عن النبي ﷺ ¬) ويأتي إن شاء الله تعالى بعد سبعة أبواب.
٢٧٠٠ - وَقَالَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: "صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ. وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلاَّ بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ: السَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَنَحْوِهِ. فَجَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَمْ يَذْكُرْ مُؤَمَّلٌ عَنْ سُفْيَانَ أَبَا جَنْدَلٍ، وَقَالَ: "إِلاَّ بِجُلُبِّ السِّلَاحِ".
(وقال موسى بن مسعود) أبو حذيفة النهدي فيما وصله أبو عوانة في صحيحه وغيره (حدّثنا سفيان بن سعيد) هو الثوري (عن أبي إسحاق) هو السبيعي (عن البراء بن عازب ﵄)
أنه (قال): (صالح النبي ﷺ المشركين يوم الحديبية) بالتخفيف (على ثلاثة أشياء ﷺ أن من أتاه من المشركين ردّه إليهم) بدل من قوله ثلاثة أشياء، (ومن أتاهم من المسلمين لم يردّوه) إليه (وعلى أن يدخلها من قابل) أي مكة من عام قابل والواو في ومن وعلى للعطف على السابق (ويقيم) بالنصب عطفًا على السابق (بها) أي بمكة (ثلاثة أيام) أي لا غير (ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح) بتخفيف الموحدة وتشديدها (السيف والقوس ونحوه) بالجر فيها بدلاً من سابقها.
قال في التنقيح: كذا وقع مفسرًا هنا وهو مخالف لقوله في السياق السابق فسألوه ما جلبان السلاح قال: القراب بما فيه وهو الأصوب. قال الأزهري: الجلبان يشبه الجراب من الأدم يضع فيه الراكب سيفه مغمودًا ويضع فيه سوطه وأدائه ويعلقها في آخرة الرحل أو واسطته اهـ.
قال في المصابيح: فعلى ما قاله الأزهري لا يخالف ما في هذا الحديث السياق الأول أصلاً فإنه هنا فسر السلاح الذي يوضع في الجلبان بالسيف والقوس ونحوه ولم يفسره في الأول حيث قال: القراب بما فيه فأيّ تخالف وقع فتأمله.
(فجاء) ولأبي ذر عن
стр. 1869
الحموي والمستملي فجعل (أبو جندل) عبد الله أو العاص بن سهيل (يحجل في قيوده) بفتح الياء وسكون الحاء المهملة وضم الجيم أي يمشي مثل الحجلة الطير الذي يرفع رجلاً ويضع أخرى لأن المقيد لا يمكنه أن ينقل رجليه معًا (فردّه) ﷺ (إليهم) محافظة للعهد ومراعاة للشرط ولأن أباه في الغالب لا يبلغ به الهلاك (قال: لم يذكر) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي في نسخة قال أبو عبد الله أي البخاري لم يذكر (مؤمل) بتشديد الميم الثانية مفتوحة ابن إسماعيل في روايته لهذا الحديث (عن سفيان) الثوري (أبا جندل) فتابع موسى بن إسماعيل إلا في قصة أبي جندل فلم يذكرها (وقال) بدل قوله إلا بجلبان السلاح (إلا بجلب السلاح) بضم الجيم واللام وتشديد الموحدة وإسقاط الألف والنون ولم يشدد الموحدة في الفرع.
وطريق مؤمل هذا أخرجه موصولاً أحمد في مسنده عنه.
٢٧٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ، وَلَا يَحْمِلَ سِلَاحًا عَلَيْهِمْ إِلاَّ سُيُوفًا، وَلَا يُقِيمَ بِهَا إِلاَّ مَا أَحَبُّوا. فَاعْتَمَرَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَدَخَلَهَا كَمَا كَانَ صَالَحَهُمْ، فَلَمَّا أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ فَخَرَجَ".
[الحديث ٢٧٠١ - طرفه في: ٤٢٥٢].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن رافع) بالفاء والعين المهملة العماد بن أبي يزيد أبو عبد الله القشيري النيسابوري قال: (حدّثنا سريج بن النعمان) بسين مهملة مضمومة آخره جيم البغدادي الجوهري وهو من شيوخ المؤلّف قال: (حدّثنا فليح) هو ابن سليمان بن المغيرة واسمه عبد الملك فشهر بلقبه فليح
(عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) (أن رسول الله ﷺ خرج) من المدينة حال كونه (معتمرًا فحال كفار قريش بينه وبين البيت) الحرام أي منعوه (فنحر هديه وحلق رأسه) ناويًا التحلّل من عمرته (بالحديبية) وهي من الحلّ (وقاضاهم) أي صالحهم (على أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل) ولأبوي الوقت وذر عن الحموي والمستملي ولا يحتمل بمثناة فوقية بعد الحاء (سلاحًا عليهم إلا سيوفًا ولا يقيم بها) بمكة (إلا ما أحبوا) وفي الرواية السابقة ويقيم بها ثلاثة أيام (فاعتمر من العام المقبل فدخلها) ﵊ (كما كان صالحهم) من غير حمل سلاح إلا ما استثنى (فلما أقام بها ثلاثًا) ولأبي الوقت في نسخة ثلاثة (أمروه) ﵊ (أن يخرج) من مكة (فخرج) ﵊.
٢٧٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: "انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ … ".
[الحديث ٢٧٠٢ - أطرافه في: ٣١٧٣، ٦١٤٣، ٦٨٩٨، ٧١٩٢].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا بشر) بموحدة مكسورة فشين معجمة ساكنة ابن المفضل قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن بشير بن يسار) بضم الموحدة وفتح المعجمة مصغرًا ابن يسار بالمهملة المخففة المدني (عن سهل بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة عامر بن ساعدة الأنصاري المدني الصحابي أنه (قال: انطلق عبد الله بن سهل) الأنصاري الحارثي (ومحيصة بن مسعود بن زيد) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد المثناة التحتية المكسورة وبالصاد المهملة الحارثي (إلى خيبر وهي) أي خيبر ولأبي ذر عن الكشميهني وهم أي أهلها اليهود وللأصيلي وهو (يومئذ صلح) مع المسلمين.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الجزية والأدب والدّيات والأحكام ومسلم في الحدود وأبو داود في الدّيات وكذا الترمذي وابن ماجه، وأخرجه النسائي في القضاء والقسامة.
٨ - باب الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ
(باب الصلح في الدّية).
٢٧٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ -وَهْيَ ابْنَةُ النَّضْرِ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ، فَأَبَوْا. فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ. فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَقَالَ: يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ. فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ مِنْ عِبَادِ
اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ» زَادَ الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: "فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ".
[الحديث ٢٧٠٣ - أطرافه في: ٢٨٠٦، ٤٤٩٩، ٤٥٠٠، ٤٦١١، ٦٨٩٤].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله) بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك (الأنصاري) البصري قاضيها (قال: حدّثني) بالإفراد (حميد) الطويل (أن أنسًا) هو ابن مالك ﵁ (حدّثهم أن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وكسر المثناة التحتية المشددة آخره عين مهملة (وهي ابنة النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة الأنصارية عمة أنس بن مالك (كسرت ثنية جارية) أي شابة لا رقيقة ولم تسم (فطلبوا) أي قوم الجارية (الأرش وطلبوا) منهم أيضًا (العفو) عن الربيع (فأبوا) أي امتنع قوم الجارية فلم يرضوا أخذ الأرش منهم ولا بالعفو عنها (فأتوا النبي ﷺ ¬) وتخاصموا بين يديه (فأمرهم) ولأبي ذر فأمر بحذف ضمير النصب (بالقصاص، فقال أنس بن النضر) وهو عمّ أنس بن مالك المستشهد يوم أحد المنزل فيه قوله تعالى: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣] (أتكسر ثنية الربيع يا رسول
стр. 1870
الله لا و) الله (الذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها) قال البيضاوي: لم يرد به الردّ على الرسول والإنكار لحكمه: وإنما قاله توقعًا ورجاءً من فضله تعالى أن يرضي خصمها ويلقي في قلبه أن يعفو عنها ابتغاء مرضاته. وقال شارح المشكاة لا في قوله لا والذي بعثك ليس ردًّا للحكم بل نفي لوقوعه، وقوله لا تكسر إخبار عن عدم الوقوع وذلك لما كان له عند الله من القرب والزلفى والثقة بفضل الله ولطفه في حقه أنه لا يخيبه بل يلهمهم العفو يدل عليه قوله في رواية مسلم ولا والله لا يقتص منها أبدًا أو أنه لم يكن يعرف أن كتاب الله القصاص على التعيين بل ظن التخيير لهم بين القصاص والدّية أو أراد الاستشفع به ﷺ إليهم (فقال) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي قال:
(يا أنس كتاب الله القصاص) برفعهما على الابتداء والخبر والمعنى حكم الكتاب على حذف المضاف وأشار به إلى نحو قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿والسنّ بالسنّ﴾ [المائدة: ٤٥] إن قلنا شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد له نسخ في شرعنا. قال في المصابيح كالتنقيح: ويروى كتاب الله بالنصب على الإغراء أي عليكم كتاب الله القصاص بالرفع مبتدأ حذف خبره أي القصاص واجب أو مستحق أو نحو ذلك (فرضي القوم وعفوا) عن الربيع فتركوا القصاص (فقال النبي ﷺ ¬): (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه) في قسمه وهو ضدّ الحنث وجعله من زمرة المخلصين وأولياء الله المطيعين.
(زاد الفزاري) بفتح الفاء وتخفيف الزاي والراء مروان بن معاوية الكوفي سكن مكة فيما وصله المؤلّف في سورة المائدة (عن حميد) الطويل (عن أنس فرضي القوم وقبلوا الأرش).
وهذا موضع الترجمة لأن قبول الأرش عوض القصاص لم يكن إلا بالصلح.
وهذا الحديث أخرجه في التفسير والدّيات ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجة.
٩ - باب قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
(باب قول النبي ﷺ ¬) سقط لفظ باب لأبي ذر فيكون قول النبي رفعًا على ما لا يخفى (للحسن بن علي ﵄) (ابني هذا سيد) هذا مبتدأ مؤخر وسيد خبر بعد خبر واللام في للحسن بمعنى عن (ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين) الفئة التي من جهته والتي من جهة معاوية عند اختلافهما على الخلافة. (وقوله جل ذكره) بالجر عطفًا على المجرور بالإضافة وبالرفع عطفًا على رواية سقوط لفظ باب وسقط قوله جل ذكره في رواية أبي ذر (﴿فأصلحوا بينهما﴾) [الحجرات: ٩] فيه إشارة إلى أن الصلح مندوب إليه.
٢٧٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: "اسْتَقْبَلَ وَاللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنِّي لأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ -وَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ- أَىْ عَمْرُو، إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ وهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِِ مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ، مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ، مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ -عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ- فَقَالَ: اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ وَقُولَا لَهُ وَاطْلُبَا إِلَيْهِ. فَأَتَيَاهُ فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا وَقَالَا لَهُ وطَلَبَا إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا. قَالَا: فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا. وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ. قَالَ: فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلاَّ قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَصَالَحَهُ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ -وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ- وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ لِي عليُّ بْنِ عَبْدِ اللهِ: إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
[الحديث ٢٧٠٤ أطرافه في: ٣٦٢٩، ٣٧٤٦، ٧١٠٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن أبي موسى) إسرائيل بن موسى البصري أنه (قال: سمعت الحسن) البصري (يقول استقبل والله الحسن بن علي معاوية) نصب على المفعولية ابن أبي سفيان ﵃ (بكتائب) بالمثناة الفوقية أي بجيوش (أمثال الجبال) أي لا يرى طرفها لكثرتها كما لا يرى من قابل الجبل طرفيه (فقال عمرو بن العاص)
بإثبات الياء محرّضًا لمعاوية على قتال الحسن (إني لأرى كتائب لا تولي) لا تدبر (حتى تقتل أقرانها) بفتح الهمزة وجمع قرن بكسر القاف وهو الكفء والنظير في الشجاعة والحرب، (فقال له معاوية) جوابًا عن مقالته (وكان والله خير الرجلين) جملة معترضة من قول الحسن البصري أي وكان معاوية خيرًا من عمرو بن العاص لأنه كان يحرض معاوية على القتال ومعاوية يتوقع الصلح وأن الحسن يبايعه ويأخذ منه ما يريد من غير قتال (أي عمرو) حرف نداء ومنادى مبني على الضم (إن قتل هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء) الأوّل مرفوع على الفاعلية والثاني منصوب على المفعولية في الموضعين أي إن قتل جيشنا جيشه أو قتل جيشه جيشنا (من لي) أي من يتكفل لي (بأمور الناس) هو جواب الشرط في قوله إن قتل يعني أنه المطالب عند الله على كِلا التقديرين (من لي) ولأبي ذر من لنا (بنسائهم من لي بضيعتهم) بفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية وبالعين المهملة أي عيالهم وقال العيني ويروى بصبيتهم بالصاد المهملة والموحدة
стр. 1871
قال وعلى هذه الرواية فسّرها الكرماني بقوله والصبية المراد بها الأطفال والضعفاء لأنهم لو تركوا بحالهم لضاعوا لعدم استقلالهم بالمعاش اهـ.
والذي في النسخة التي وقفت عليها من الكرماني والضيعة بالضاد المعجمة. نعم روى المؤلّف الحديث في الفتن بلفظ قال معاوية: من لذراري المسلمين؟ ومفهوم هذا أن معاوية كان راغبًا في الصلح وترك الحرب ليسلم من تَبِعَة الناس دنيا وأخرى ﵁.
(فبعث إليه) أي بعث معاوية إلى الحسن (رجلين من قربش من بنى عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة) بالنصب بدلاً من رجلين ابن حبيب بن عبد شمس القرشي من مسلمة الفتح (وعبد الله بن عامر بن كريز) بضم الكاف وفتح الراء وسكون التحتية آخره زاي وسقط قوله ابن كريز في رواية الأصيلي (فقال) معاوية لهما: (اذهبا إلى هذا الرجل) الحسن (فأعرضا عليه) الصلح (وقولا له واطلبا إليه) قال الكرماني أي يكون مطلوبكما مفوّضًا إليه وطلبكما منتهيًا إليه أي التزما مطالبه (فأتياه فدخلا عليه فتكلما) ولأبوي ذر والوقت وتكلما بالواو بدل الفاء (وقالا له) ولأبي ذر وحده فقالا له (وطلبا) بالواو ولغير أبوي ذر والوقت والأصيلي فطلبا (إليه فقال لهما) أي للرّسولين ولأبوي الوقت وذر عن الحموي والمستملي فقال لهم (الحسن بن علي) أي للرسولين ومن معهما (إنّا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال) بالخلافة ما صارت لنا به عادة في الإنفاق والإفضال على الأهل والحاشية فإن تخليت من أمر الخلافة قطعت العادة (وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها) بعين مهملة فألف فمثلثة فمثناة فوقية أي اتسعت في القتل والإفساد فلا تكف إلا بالمال (قالا) عبد الرحمن وعبد الله (فإنه) أي معاوية (يعرض عليك كذا وكذا) أي من المال والأقوات والثياب (ويطلب إليك ويسألك) وكان الحسن فيما قاله ابن الأثير في الكامل قد كتب إلى معاوية كتابًا وذكر فيه شروطًا وأرسل معاوية رسوليه المذكورين قبل وصول كتاب الحسن إليه ومعهما صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكتب إليه أن اكتب إليّ في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها بما شئت فهو لك.
(قال) الحسن (فمن لي) أي فمن يتكفل لي (بهذا) الذي ذكرتماه؟ (قالا: نحن) نتكفل (لك به فما سألهما) الحسن (شيئًا إلا قالا نحن) نتكفل (لك به) وسقط من قوله فما سألهما إلى آخره في رواية أبي ذر عن الحموي والكشميهني (فصالحه) الحسن على ما وقع من الشروط رعاية لمصلحة دينية ومصلحة الأمة، وقيل: إن معاوية أجاز الحسن بثلائمائة ألف ألف ثوب وثلاثين عبدًا ومائة جمل وقرأت في كامل ابن الأثير أن الحسن لما سلم معاوية أمر الخلافة طلب أن يعطيه الشروط التي في الصحيفة التي ختم عليها معاوية فأبى ذلك معاوية وقال قد أعطيتك ما كنت تطلب وكان الذي طلب الحسن منه أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة ومبلغه خمسة آلاف وخراج دارابجرد من فارس ثم انصرف الحسن إلى المدينة قال الكرماني: وقد كان يومئذٍ الحسن أحقّ الناس بهذا الأمر فدعاه ورعه إلى ترك الملك رغبة فيما عند الله ولم يكن ذلك لعلّة ولا لذلّة ولا لقلّة فقد بايعه على الموت أربعون ألفًا، وفيه دلالة على جواز النزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه بعد استيفاء شرائطه بأن يكون المنزول له أولى من النازل وأن يكون المبذول من مال الباذل.
(فقال) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي قال (الحسن) أي البصري: (ولقد سمعت أبا بكرة) نفيع بن الحرث الثقفي (يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى) الواو في قوله والحسن وفي قوله وهو يقبل للحال (ويقول):
(إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين) تثنية فئة أي فرقتين (عظيمتين من المسلمين).
(قال: قال لي علي بن عبد الله) المديني ولأبوي الوقت وذر والأصيلي قال أبو عبد الله أي البخاري قال لي عليّ بن عبد الله: (إنما ثبت لنا سماع
стр. 1872
الحسن) البصري (من أبي بكرة) نفيع المذكور (بهذا الحديث) لأنه صرّح فيه بالسماع وفي رواية أبي ذر لهذا باللام بدل الموحدة.
وقد أخرج المؤلّف هذا الحديث عن علي بن المديني عن ابن عيينة في كتاب الفتن ولم يذكر هذه الزيادة وأخرجه أيضًا في علامات النبوّة وفضل الحسن وأبو داود في السنّة والترمذي في المناقب والنسائي فيه وفي الصلاة واليوم والليلة.
١٠ - باب هَلْ يُشِيرُ الإِمَامُ بِالصُّلْح؟
هذا (باب) بالتنوين (هل يشير الإمام) لأحد الخصمين أو لهما جميعًا (بالصلح) وحرف
الاستفهام ساقط لغير أبي ذر عن الحموي والمستملي.
٢٧٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ
﵂ تَقُولُ: "سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ، عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَىْءٍ، وَهْوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني) بالإفراد (أخي) عبد الحميد بن أبي أويس (عن سليمان) بن بلال (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن) الأنصاري وكان له أولاد عشرة رجالاً كاملين فكني بأبي الرجال (أن أمه عمرة) بفتح العين وسكون الميم (بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية (قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم) بضم الخاء جمع خصم (بالباب عالية أصواتهم) بجر عالية صفة لخصوم وفي نسخة عالية بالنصب على الحال من خصوم وإن كان نكرة لتخصيصه بالوصف أو من الضمير المستكن في الظرف المستقر ولغير الكشميهني أصواتهما بالتثنية فالجمع باعتبار من حضر الخصومة والتثنية باعتبار الخصمين أو التخاصم وقع من الجانبين بين جماعة فجمع ثم ثنى باعتبار جنس الخصم. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على تسمية واحد منهم (وإذا أحدهما) أحد الخصمين مبتدأ خبره (يستوضع الأخر) يطلب منه أن يضع من دينه شيئًا (ويسترفقه في شيء) يطلب منه أن يرفق به في الاستيفاء والمطالبة (وهو يقول: والله لا أفعل) ما سألته من الحطيطة (فخرج) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي خرج بحذف الفاء (عليهما) على المتخاصمين (رسول الله ﷺ فقال):
(أين المتألي على الله) بضم الميم وفتح المثناة الفوقية والهمزة وتشديد اللام المكسورة الحالف المبالغ في اليمين (لا يفعل المعروف) (فقال: أنا يا رسول الله) المتألي (وله) أي لخصمي (أي ذلك أحب) من وضع المال والرفق ولأبوي ذر والوقت فله بالفاء بدل الواو أي بالنصب وللأصيلي له بإسقاط الفاء والواو.
واستنبط من الحديث فوائد لا تخفى على المتأمل وفيه ثلاثة من التابعين وكل رجاله مدنيون وأخرجه مسلم في الشركة.
٢٧٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: "حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ مَالٌ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا كَعْبُ -فَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: النِّصْفَ- فَأَخَذَ نِصْفَ مَا لَهُ وَتَرَكَ نِصْفًا".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز أنه (قال: حدّثني) بالإفراد
(عبد الله بن كعب بن مالك عن كعب بن مالك أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد) بفتح الحاء وسكون الدال وفتح الراء وآخره دال مهملات (الأسلمي مال) وكان أوقيتين كما أفاده ابن أبي شيبة في رواية (فلقيه) ولأبي ذر عن الكشميهني قال فلقيه (فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما) زاد في باب التقاضي والملازمة في المسجد من كتاب الصلاة حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته فخرج إليهما (فمرّ بهما النبي ﷺ ¬) وهما في المسجد (فقال):
(يا كعب) زاد في الباب المذكور قال لبيك يا رسول الله (فأشار) ﵊ (بيده كأنه يقول) ضع عنه من دينك (النصف فأخذ) كعب (نصف ما له عليه) وسقط لغير أبي ذر لفظ له والضمير ع في عليه لابن أبي حدرد (وترك نصفًا).
وهذا الحديث قد سبق في الصلاة مع مباحثه.
١١ - باب فَضْلِ الإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ
(باب فضل الأصلاح بين الناس والعدل بينهم).
٢٧٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ».
[الحديث ٢٧٠٧ - طرفاه في: ٢٨٩١، ٢٩٨٩].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) أبو يعقوب الكوسج المروزي وسقط لغير أبي ذر ابن منصور قال: (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن منبّه (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(كل سلامى) بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم
стр. 1873
مقصورًا أي كل مفصل من المفاصل الثلثمائة والستين التي في كل واحد (من الناس عليه) في كل واحد منها (صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس) بنصب كل ظرفًا لما قبله وفي الفرع كلٌّ بالرفع مبتدأ والجملة بعده خبره والعائد يجوز حذفه شكرًا لله تعالى بأن جعل عظامه مفاصل تقدر على القبض والبسط وتخصيصها من بين سائر الأعضاء لأن في أعمالها من دقائق الصنائع ما تتحير فيه الأفهام فهي من أعظم نِعَم الله على الإنسان وحق المنعم عليه أن يقابل كل نعمة منها بشكر يخصّها فيعطي صدقة كما أعطي منفعة لكن الله تعالى خفّف بأن جعل العدل بين الناس ونحوه صدقة كما قال: (يعدل) مبتدأ على تقدير العدل كقوله تسمع بالمعيدي خير من أن تراه أي أن يعدل المكلف (بين الناس) وخبره (صدقة).
وهذا موضع الترجمة لأن الإصلاح كما قال الكرماني نوع من العدل وعطف العدل عليه في الترجمة من عطف العام على الخاص.
وهذا الحديث أخرجه في الجهاد أيضًا ومسلم في الزكاة.
١٢ - باب إِذَا أَشَارَ الإِمَامُ بِالصُّلْحِ فَأَبَى، حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ الْبَيِّنِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا أشار الإمام بالصلح فأبى) أي امتنع من عليه الحق من الصلح (حكم عليه بالحكم البيّن) الظاهر.
٢٧٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ. فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ. فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ حَقَّهُ لِلزُّبَيْرِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ سَعَةٍ لَهُ وَلِلأَنْصَارِيِّ فَلَمَّا أَحْفَظَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ، قَالَ عُرْوَةُ قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إِلاَّ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ". [النساء: ٦٥].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير أن) أباه (الزبير) بن العوّام (كان يحدّث أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدرًا) هو حميد كما رواه أبو موسى في الذيل بسند جيد (إلى رسول الله ﷺ في شراج) بالشين المعجمة المكسورة آخره جيم أي مسايل الماء (من الحرة) بالحاء المفتوحة والراء المشددة المهملتين موضع بالمدينة (كانا يسقيان به كلاهما) تأكيد (فقال رسول الله ﷺ للزبير):
(اسقِ يا زبير) بهمزة وصل في الفرع وغيره وسبق في المساقاة أن فيه القطع أيضًا (ثم أرسل) بهمزة قطع مفتوحة أي الماء (إلى جارك) الأنصاري (فغضب الأنصاري، فقال) أي الأنصاري (يا رسول الله آن كان) بمد الهمزة في الفرع مصححًا عليه على الاستفهام وسبق في المساقاة أن فيه القصر أي لأجل أن كان الزبير (ابن عمتك) صفية بنت عبد المطلب حكمت له بالتقديم (فتلوّن) تغير (وجه رسول الله ﷺ ¬) من الغضب لانتهاك حرمة النبوّة (ثم قال) ﵊ (اسق) بهمزة وصل زاد في المساقاة يا زبير (ثم احبس) بهمزة وصل أي الماء (حتى يبلغ) الماء (الجدر) بفتح الجيم وسكون الدال أي الجدار قيل والمراد به هنا أصل الحائط وقيل أصول الشجر وقيل جدر المشارب
بضم الجيم والدال التي يجتمع فيها أي الماء في أصول الثمار (فاستوعى) أي استوفى (رسول الله ﷺ حينئذٍ حقه للزبير) كاملاً بحيث لم يترك منه شيئًا (وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي سعة) بالنصب أي للسعة أي مسامحة (له وللأنصاري) وتوسيعًا عليهما على سبيل الصلح والمجاملة وفي الفرع كأصله سعة بالجر صفة لسابقه (فلما أحفظ) بهمزة مفتوحة فجاء مهملة ساكنة ففاء فمعجمة أي أغضب (الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى للزبير حقه في صريح الحكم) وزعم الخطابي أن هذا من قول الزهري أدرجه في الخبر وفي ذلك نظر لأن الأصل أنه حديث واحد ولا يثبت الإدراج بالاحتمال (قال عروة قال الزبير والله ما أحسب هذا الآية) التي في سورة النساء (نزلت إلا في ذلك ﴿فلا وربك﴾) أي فوربك (﴿لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر﴾ [النساء: ٦٥] (﴿بينهم﴾ الآية) إلى آخرها.
١٣ - باب الصُّلْحِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَأَصْحَابِ الْمِيرَاثِ، وَالْمُجَازَفَةِ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَخَارَجَ الشَّرِيكَانِ فَيَأْخُذَ هَذَا دَيْنًا وَهَذَا عَيْنًا فَإِنْ تَوِيَ لأَحَدِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ.
(باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث والمجازفة في ذلك) عند المعاوضة (وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله ابن أبي شيبة (لا بأس أن يتخارج الشريكان) أي إذا كان لهما دين على إنسان فأفلس أو مات أو جحد وحلف حيث لا بيّنة فيخرج هذا الشرك مما وقع في نصيب صاحبه وذلك الآخر كذلك في القسمة بالتراضي من غير قرعة مع استواء الدين (فيأخذ هذا دينًا وهذا عينا
стр. 1874
فإن توي) بفتح الفوقية وكسر الواو، ولأبي ذر بفتح الواو على لغة طيئ أي هلك (لأحدهما) شيء مما أخذه (لم يرجع على صاحبه) قال في النهاية أي إذا كان المتاع بين ورثة لم يقتسموه أو بين شركاء وهو في يد بعضهم دون بعض فلا بأس أن يتبايعوه بينهم وإن لم يعرف كل واحد منهم نصيبه بعينه ولم يقبضه صاحبه قبل البيع وقد رواه عطاء عنه مفسرًا قال: لا بأس أن يتخارج القوم في الشركة تكون فيأخذ هذا عشرة دنانير نقدًا وهذا عشرة دنانير والتخارج تفاعل من الخروج كأنه يخرج كل واحد عن ملكه إلى صاحبه بالبيع.
٢٧٠٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "تُوُفِّيَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَرَضْتُ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا التَّمْرَ بِمَا عَلَيْهِ فَأَبَوْا، وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ فِيهِ وَفَاءً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إِذَا جَدَدْتَهُ فَوَضَعْتَهُ فِي الْمِرْبَدِ آذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَجَاءَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَدَعَا بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قَالَ: ادْعُ غُرَمَاءَكَ فَأَوْفِهِمْ. فَمَا تَرَكْتُ أَحَدًا لَهُ عَلَى أَبِي دَيْنٌ إِلاَّ قَضَيْتُهُ، وَفَضَلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَسْقًا: سَبْعَةٌ عَجْوَةٌ وَسِتَّةٌ لَوْنٌ، أَوْ سِتَّةٌ عَجْوَةٌ وَسَبْعَةٌ لَوْنٌ. فَوَافَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ فَذَكَرْتُ
ذَلِكَ لَهُ، فَضَحِكَ فَقَالَ: ائْتِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَأَخْبِرْهُمَا، فَقَالَا: لَقَدْ عَلِمْنَا -إِذْ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا صَنَعَ- أَنْ سَيَكُونُ ذَلِكَ".
وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ وَهْبٍ عَنْ جَابِرٍ: "صَلَاةَ الْعَصْرِ" وَلَمْ يَذْكُرْ "أَبَا بَكْرٍ" وَلَا "ضَحِكَ" وَقَالَ: "وَتَرَكَ أَبِي عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا دَيْنًا".
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ وَهْبٍ عَنْ جَابِرٍ "صَلَاةَ الظُّهْرِ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة العبدي البصري قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي البصري قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب (عن وهب بن كيسان) بفتح الكاف (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) أنه (قال: توفي أبي) عبد الله (وعليه دين) ثلاثون وسقًا لرجل من اليهود (فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر) بالمثناة الفوقية وسكون الميم (بما عليه) من الدين (فأبوا ولم يروا أن فيه وفاء) بما لهم عليه (فأتيت النبي ﷺ فدكرت ذلك له فقال):
(إذا جددته) بإهمال الدالين في الفرع وأصله وغيرهما وبالمعجمتين كما في المصابيح كالتنقيح أي: قطعته (فوضعته في المربد) بكسر الميم وفتح الموحدة الموضع الذي تجفف فيه الثمرة وجواب إذا قوله (آذنت) بهمزة ممدودة وتاء الضمير منه مفتوحة أي أعلمت (رسول الله ﷺ ¬) ووضع موضع المضمر لتقوية الداعي أو للإشعار بطلب البركة منه ونحوه وفي الفرع ضم التاء أيضًا (فجاء) ﵊ (ومعه أبو بكر وعمر) ﵄ (فجلس عليه) أي على التمر (ودعا) فيه (بالبركة ثم قال): (ادع غرماءك فأوفهم) دينهم قال جابر: (فما تركت أحدًا له على أبي دين) اليهودي وغيره (إلا قضيته وفضل ثلاثة عشر وسقًا) بفتح الضاد المعجمة من فضل ولأبي ذر وفضل بكسرها قال ابن سيده في الحكم: فضل الشيء يفضل أي من باب دخل يدخل وفضل يفضل من باب حذر يحذر ويفضل نادر جعلها سيبويه كمن تموت. وقال اللحياني فضل يفضل كحسب يحسب نادر كل ذلك بمعنى والفضالة ما فضل من الشيء (سبعة عجوة) هي من أجود تمور المدينة (وستة لون) نوع من النخل وقيل هو الدقل (أو ستة عجوة وسبعة لون) شك من الراوي (فوافيت مع رسول الله ﷺ المغرب فذكرت ذلك له فضحك فقال): (ائت أبا بكر وعمر) ﵄ (فأخبرهما) لكونهما كانا حاضرين معه حين جلس على التمر ودعا فيه بالبركة مهتمين بقصة جابر (فقالا) لما أخبرهما جابر (لقد علمنا إذ صنع) أي حين صنع (رسول الله ﷺ ما صنع أن سيكون ذلك) بفتح الهمزة مفعول علمنا.
(وقال هشام) هو ابن عروة فيما وصله المؤلّف في الاستقراض (عن وهب) هو ابن كيسان (عن جابر صلاة العصر) بدل قوله في رواية عبيد الله عن وهب المغرب (ولم يذكر) هشام (أبا بكر)
بل اقتصر على عمر (ولا) ذكر قوله في رواية عبيد الله (ضحك. وقال: وترك أبي عليه ثلاثين وسقًا دينًا).
(وقال ابن إسحاق) محمد في روايته (عن وهب عن جابر صلاة الظهر) فاختلفوا في تعيين الصلاة التي صلاها جابر معه ﷺ حتى أعلمه بقصته وهذا لا يقدح في صحة أصل الحديث لأن الغرض منه وهو توافقهم على حصول بركته ﷺ قد حصل ولا يترتب على تعيين تلك الصلاة كبير معنى.
وهذا الحديث قد مضى في الاستقراض في باب: إذا قاصّ أو جازفه في الدين وتأتي مباحثه إن شاء الله تعالى في علامات النبوّة.
١٤ - باب الصُّلْحِ بِالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ
(باب الصلح بالدين والعين).
٢٧١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ ح.
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ فِي بَيتهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: يَا كَعْبُ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ، فَقَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُمْ فَاقْضِهِ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عثمان بن عمر) بن فارس وسقط ابن عمر في رواية أبي ذر قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي.
(وقال الليث) بن سعد فيما وصله الذهلي في الزهريات
стр. 1875
(حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن كعب أن) أباه (كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد) عبد الله (دينًا) وكان أوقيتين (كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد) متعلق بتقاضى (فارتفعت) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي في المسجد حتى ارتفعت (أصواتهما حتى سمعها) أي الأصوات (رسول الله ﷺ وهو في بيت) من بيوته جملة حالية، ولأبي ذر: في بيته (فخرج رسول الله ﷺ إليهما حتى كشف سجف حجرته) بكسر السين المهملة وسكون الجيم ستر بيته (فنادى كعب بن مالك فقال):
(يا كعب) (فقال) أي كعب ولأبي ذر قال: (لبيك يا رسول الله) (فأشار) إليه ﵊ (بيده) الكريمة (أن ضع الشطر) من دينك (فقال كعب: قد فعلت) ذلك (يا رسول الله) ما
أمرتني به وعبر بالماضي مبالغة في امتثال الأمر (فقال رسول الله ﷺ ¬): (قم فاقضه) بكسر الهاء ضمير الغريم المذكور أو ضمير الشطر الباقي من الدين بعد الوضع.
وفيه إشارة إلى أنه لا تجتمع الوضيعة والتأجيل.
وهذا الحديث قد سبق قريبًا وفي الصلاة أيضًا والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٤ - كتاب الشروط
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(كتاب الشروط) جمع شرط وهو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فخرج بالقيد الأوّل المانع فإنه لا يلزم من عدمه شيء، وبالثاني السبب فانه يلزم من وجوده الوجود وبالثالث مقارنة الشرط للسبب فيلزم الوجود كوجود الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة مع النصاب الذي هو سبب للوجوب ومقارنة المانع كالدين على القول بأنه مانع من وجوب الزكاة فيلزم العدم والوجود فلزوم الوجود والعدم في ذلك لوجود السبب والمانع لا لذات الشرط ثم هو عقلي كالحياة للعلم وشرعي كالطهارة للصلاة وعادي كنصب السلم لصعود السطح ولغوي وهو المخصص كما في أكرم بني إن جاؤوا أي الجائين منهم فينعدم الإكرام المأمور به بانعدام المجيء ويوجد بوجوده إذا امتثل الأمر قاله الجلال المحلي وسقط قوله كتاب الشروط لغير أبي ذر.
١ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي الإِسْلَامِ، وَالأَحْكَامِ، وَالْمُبَايَعَةِ
(باب ما يجوز من الشروط) عند الدخول (في الإسلام) كشرط عدم التكلف بالنقلة من بلد إلى أخرى لا أنه لا يصلّي مثلاً (و) ما يجوز من الشروط في (الأحكام) أي العقود والفسوخ وغيرهما من المعاملات (والمبايعة) من عطف الخاص على العام.
٢٧١١ و ٢٧١٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ﵄ يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَئِذٍ كَانَ فِيمَا اشْتَرَطَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَن لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ -وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ- إِلاَّ رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، وَخَلَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. فَكَرِهَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ وَامْتَعَضُوا مِنْهُ، وَأَبَى سُهَيْلٌ إِلاَّ ذَلِكَ فَكَاتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، فَرَدَّ يَوْمَئِذٍ أَبَا جَنْدَلٍ عَلَى أَبِيهِ
سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ إِلاَّ رَدَّهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا. وَجَاءَت الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ، وَكَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مِمَّنْ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ -وَهْيَ عَاتِقٌ- فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَهَا إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَرْجِعْهَا إِلَيْهِمْ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ -إِلَى قَوْلِهِ- وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) المخزومي مولاهم المصري ونسبه إلى جدّه لشهرته به واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأموي مولاهم (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أنه سمع مروان) بن الحكم ولا صحبة له (والمسور بن مخرمة) وله سماع من النبي ﷺ لكنه إنما قدم مع أبيه وهو صغير بعد الفتح وكانت قصة الحديبية الآتي حديثها هنا مختصرًا قبل بسنتين (﵄ يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ ¬) وهم عدول ولا يقدح عدم معرفة من لم يسم منهم (قال) كلٌّ منهما (لما كاتب سهيل بن عمرو) بضم السين مصغرًا وعمرو بفتح العين وسكون الميم أحد أشراف قريش وخطيبهم وهو من مسلمة الفتح (يومئذٍ) أي يوم صلح الحديبية (كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ أنه لا يأتيك منا أحد) من قريش (وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه) بعين مهملة فضاد معجمة أي غضبوا من هذا الشرط وأنفوا منه وقال ابن الأثير شقّ عليهم وعظم (وأبي سهيل إلا ذلك) الشرط (فكاتبه النبي ﷺ على ذلك فرد) ﵊ (يومئذٍ أبا جندل) العاصي حين حضر من مكة إلى الحديبية يرسف في قيوده (إلى أبيه سهيل بن عمرو) لأنه لا يبلغ به
стр. 1876
في الغالب الهلاك (ولم يأته) بكسر الهاء ﵊ (أحد من الرجال إلا ردّه) إلى قريش (في تلك المدة وان كان مسلمًا) وفاء بالشرط (وجاء المؤمنات) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وجاءت المؤمنات (مهاجرات) نصب على الحال من المؤمنات (وكانت أم كلثوم) بضم الكاف وسكون اللام وضم المثلثة (بنت عقبة بن أبي معيط) بضم العين وسكون القاف وفتح الموحدة ومعيط بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون التحتية (ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذٍ وهي عاتق) بعين مهملة فألف فمثناة فوقية فقاف وهي شابة أول بلوغها الحلم (فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم) بفتح ياء المضارعة لأن ماضيه ثلاث قال تعالى: ﴿فإن رجعك الله﴾ (فلم يرجعها) ﵊ (إليهم لما) بكسر اللام وتخفيف الميم (أنزل الله فيهنّ) في المهاجرات (﴿إذا جاءكم المؤمنات﴾) سماهن به لتصديقهن بألسنتهن ونطقهن بكلمة الشهادة ولم يظهر منهن ما يخالف ذلك (﴿مهاجرات﴾) من دار الكفر إلى دار الإسلام (﴿فامتحنوهن﴾) فاختبروهن بالحلف والنظر في العلامات ليغلب على ظنكم صدق إيمانهن (﴿الله أعلم بإيمانهنّ﴾) منكم لأن عنده حقيقة العلم (إلى قوله) تعالى (﴿ولا هم يحلون لهن﴾) [الممتحنة: ١٠] لأنه لا حلّ بين المؤمنة والمشرك.
٢٧١٣ - قَالَ عُرْوَةُ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ -إِلَى- غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ بَايَعْتُكِ" كَلَامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ، وَمَا بَايَعَهُنَّ إِلاَّ بِقَوْلِهِ".
[الحديث ٢٧١٣ - أطرافه في: ٢٧٣٣، ٤١٨٢، ٤٨٩١، ٥٢٨٨، ٧٢١٤].
(قال عروة) بن الزبير متصل بالإسناد السابق أولاً (فأخبرتني عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن) يختبرهن (بهذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾ إلى ﴿غفور رحيم﴾) وسقط لفظ فامتحنوهن لأبي ذر (قال عروة قالت عائشة فمن أقرّ بهذا الشرط منهن قال رسول الله ﷺ : قد بايعتك) حال كونه (كلامًا يكلمها به والله ما مسّت يده) ﵊ (يد امرأة قطّ في المبايعة) بفتح الياء (وما بايعهنّ إلا بقوله).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الطلاق ويأتي إن شاء الله تعالى تامًّا قريبًا من وجه آخر عن ابن شهاب.
٢٧١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا ﵁ يَقُولُ: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاشْتَرَطَ عَلَىَّ: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن زياد بن علاقة) بعين مهملة مكسورة وبقاف الثعلبي بالمثلثة والعين المهملة الكوفي أنه (قال: سمعت جربرًا) بفتح الجيم وكسر الراء الأولى (﵁ يقول): (بايعت رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ فاشترط علي والنصح) بالنصب (لكل مسلم) وفي نسخة في الفرع وأصله وغيرهما وعليه شرح الكرماني والنصح بالجر عطفًا على مقدّر يعلم من الحديث بعده أي على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
٢٧١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد البجلي أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (قيس بن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي البجلي أيضًا (عن جرير بن عبد الله) البجلي (﵁) أنه (قال): (بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة) حذف تاء إقامة لأن المضاف إليه عوض عنها (وإيتاء الزكاة والنصح) بالجر عطفًا على السابق (لكل مسلم) ولأبي ذر والنصح بالرفع كما في الفرع وأصله.
٢ - باب إِذَا بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ
هذا (باب) بالتنوين (إذا باع) شخص (نخلاً) حال كونها (قد أبرت) بضم الهمزة وتشديد الموحدة ولأبي ذر أبرت بتخفيفها وهو الأكثر أي لقحت وزاد في رواية أبي ذر عن الكشميهني ولم يشترط الثمرة أي المشتري وجواب الشرط محذوف تقديره فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المشتري.
٢٧١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(من باع نخلاً قد أبرت) مبني للمفعول مع تشديد الموحدة ولأبي ذر أبرت بتخفيفها (فثمرتها للبائع) بالمثلثة وبالمثناة بعد الراء ولأبي ذر فثمرتها بحذف المثناة (إلا أن يشترط المبتاع) أي المشتري.
وتقدم هذا الحديث في باب من باع نخلاً قد أبرت من كتاب البيوع.
٣ - باب الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ
(باب الشروط في البيع) ولأبي ذر في البيوع بالجمع.
٢٧١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةََ-﵂ أَخْبَرَتْهُ: "أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا: ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر في نسخة: أخبرنا
стр. 1877
(عبد الله بن مسلمة) بن قعنب الحرثي القعنبي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام ولأبي ذر حدّثنا ليث (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (أن عائشة ﵂ أخبرته أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن) بريرة (قضت) لمواليها (من كتابتها شيئًا) وكانت كاتبتهم على تسع أواق في كل عام أوقية (قالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك) بكسر الكاف أي مواليك (فإن أحبّوا أن أقضي عنك كتابتك) وأعتقك (ويكون) بالنصب عطفًا على السابق (ولاؤك) الذي هو سبب الإرث (لي فعلت) ذلك (فذكرت ذلك) الذي قالته عائشة (بريرة إلى أهلها) ولأبي ذر لأهلها (فأبوا) امتنعوا (وقالوا: إن
شاءت أن تحتسب عليك) بكسر الكاف (فلتفعل ويكون) بالنصب عطفًا على المنصوب السابق (لنا ولاؤك، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها):
(ابتاعيـ) ها (فأعتقيـ) ـها بهمزة قطع وحذف الضمير المنصوب في الموضعين للعلم به (فإنما الولاء لمن أعتق). وفيه دليل لقول الشافعي في القديم إنه يصح بيع رقبة المكاتب ويملكه المشتري مكاتبًا ويعتق بأداء النجوم إليه والولاء له أما على الجديد فلا يصح.
وترجمة المؤلّف هنا مطلقة تحتمل جواز الاشتراط في البيع وعدم الجواز ومذهب الشافعية لا يجوز بيع وشرط كبيع بشرط بيع أو قرض للنهي عنه في حديث أبي داود وغيره إلا في ست عشرة مسألة.
أولها: شرط الرهن.
ثانيها: الكفيل المعين لثمن في الذمة للحاجة إليهما في معاملة من لا يرضى إلا بهما ولا بدّ من كون الرهن غير المبيع فإن شرط رهنه بالثمن أو غيره بطل البيع لاشتماله على شرط رهن ما لم يملكه بعد.
ثالثها: الإشهاد لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾.
رابعها: الخيار.
خامسها: الأجل المعين.
سادسها: العتق للمبيع في الأصح لأن عائشة ﵂ اشترت بريرة بشرط العتق والولاء ولم ينكر ﷺ الولاء لهم بقوله ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله إلى آخره ولأن استعقاب البيع العتق عهد في شراء القريب فاحتمل شرطه والثاني البطلان كما لو شرط بيعه أو هبته، وقيل يصح البيع ويبطل الشرط.
سابعها: شرط الولاء لغير المشتري مع العتق في أضعف القولين فيصح البيع ويبطل الشرط لظاهر حديث بريرة والأصح بطلانهما لما تقرر في الشرع من أن الولاء لمن أعتق، وأما قوله لعائشة:
واشترطي لهم الولاء فأجيب عنه بأن الشرط لم يقع في العقد وبأنه خاص بقضية عائشة وبأن لهم بمعنى عليهم.
ثامنها: البراءة من العيوب في المبيع.
تاسعها: نقله من مكان البائع لأنه تصريح بمقتضى العقد.
عاشرها وحادي عاشرها: قطع الثمار أو تبقيتها بعد الصلاح.
ثاني عشرها: أن يعمل فيه البائع عملاً معلومًا كأن باع ثوبًا بشرط أن يخيطه في أضعف الأقوال وهو في المعنى بيع وإجارة يوزع المسمى عليها باعتبار القيمة، وقيل يبطل الشرط ويصح البيع بما يقابل المبيع من المسمى والأصح بطلانهما لاشتمال البيع على شرط عمل فيما لم يملكه بعد.
ثالث عشرها: أن يشترط كون العبد فيه وصف مقصود.
رابع عشرها: أن لا يسلم المبيع حتى يستوفي الثمن.
خامس عشرها: الردّ بالعيب.
سادس عشرها: خيار الرؤية فيما إذا باع ما لم يره على القول بصحته للحاجة إلى ذلك وهذا الحديث قد سبق في البيع والعتق وغيرهما.
٤ - باب إِذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ ظَهْرَ الدَّابَّةِ إِلَى مَكَانٍ مُسَمًّى جَازَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا اشترط البائع) على المشتري (ظهر الدابة) أي ركوب ظهر الدابة التي باعها (إلى مكان مسمى) معين (جاز) هذا البيع.
٢٧١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَيْسَ يَسِيرُ مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ بِعْنِيهِ بِأَوقِيَّةٍ، فَبِعْتُهُ، فَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي. فَلَمَّا قَدِمْنَا أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ وَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَأَرْسَلَ عَلَى إِثْرِي قَالَ: مَا كُنْتُ لآخُذَ جَمَلَكَ، فَخُذْ ذَلِكَ فَهْوَ مَالُكَ".
قَالَ شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ جَابِرٍ: "أَفْقَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ظَهْرَهُ إِلَىَ الْمَدِينَةِ". وَقَالَ إِسْحَاقُ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مُغِيرَةَ: "فَبِعْتُهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ". وَقَالَ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ: "وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ". وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ: "شَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ". وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ جَابِرٍ: "وَلَكَ ظَهْرُهُ حَتَّى تَرْجِعَ" وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: "أَفْقَرْنَاكَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ". وَقَالَ الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ: "تَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى أَهْلِكَ". قَالَ أَبُو عَبْدُ اللهِ: الاشْتِرَاطُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ عِنْدِي. وقال عُبَيْدُ اللَّهِ وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ وَهْبٍ عَنْ جَابِرٍ: "اشْتَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَوقِيَّةٍ". وَتَابَعَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ جَابِرٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرٍ: "أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ" وَهَذَا يَكُونُ أوَقِيَّةً عَلَى حِسَابِ الدِّينَارِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ. وَلَمْ يُبَيِّنِ الثَّمَنَ مُغِيرَةُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ وَأَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. وَقَالَ الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ "أَوقِيَّةٍ ذَهَبٍ". وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ "بِمِائَتَىْ دِرْهَمٍ" وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرٍ
اشْتَرَاهُ بِطَرِيقِ تَبُوكَ، أَحْسِبُهُ قَالَ: بِأَرْبَعِ أَوَاقٍ". وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ عَنْ جَابِرٍ: "اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا". وَقَوْلُ الشَّعْبِيِّ "بِأَوْقِيَةٍ" أَكْثَرُ. الاِشْتِرَاطُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ عِنْدِي. قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا زكريا) بن أبي زائدة الكوفي (قال: سمعت عامرًا) الشعبي (يقول: حدّثني) بالإفراد (جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (﵁ أنه كان يسير على جمل له) في غزوة تبوك أو ذات الرقاع (قد أعيا) أي تعب (فمرّ) به (النبي ﷺ فضربه فدعا له) بالفاء فيهما وكأنه عقب الدعاء له بضربة، ولمسلم وأحمد من هذا الوجه فضربه برجله ودعا له ولأحمد من هذا الوجه أيضًا قلت: يا رسول الله أبطأ جملي هذا. قال:
стр. 1878
(أنخه) وأناخ رسول الله ﷺ ثم قال (أعطني هذه العصا أو اقطع لي عصا من الشجرة) ففعلت فأخذها فنسخه بها نسخات ثم قال (اركب) فركبت (فسار بسير) بلفظ الجار والمجرور والمصدر ولأبي ذر سيرًا بإسقاط حرف الجر (ليس يسير مثله) بلفظ المضارع ولابن سعد من هذا الوجه فانبعث فما كدت أمسكه ولمسلم من رواية أبي الزبير عن جابر فكنت بعد ذلك أحبس خطامه لأسمع حديثه (ثم قال) ﵊:
(بعنيه) أي الجمل (بوقية) بفتح الواو مع إسقاط الهمزة ولأبي ذر بأوقية بهمزة مضمومة والتحتية مشددة فيهما (قلت: لا) أبيعه، وللنسائي من هذا الوجه وكانت لي إليه حاجة شديدة.
وقال ابن التين قوله لا غير محفوظ إلا أن يريد لا أبيعكه هو لك بغير ثمن وكأنه نزّه جابرًا عن قوله لا لسؤال النبي ﷺ ، لكن قد ثبت قوله لا لكن النفي متوجه لترك البيع وعند أحمد من رواية وهب بن كيسان عن جابر أتبيعني جملك هذا يا جابر قلت بل أهبه لك (ثم قال) ﵊ ثانيًا (بعنيه بوقية) ولأبي ذر بأوقية (فبعته) بها امتثالاً لأمره ﵊ وإلاّ فقد كان عرضه أن يهبه للرسول ﷺ (فاستثنيت) أي اشترطت (حملانه) بضم الحاء المهملة وسكون الميم أي حمله إياي فحذف المفعول (إلى أهلي فلما قدمنا) إلى المدينة (أتيته بالجمل).
وفي الاستقراض: في باب الشفاعة في وضع الدين من طريق مغيرة عن الشعبي، فلما دنونا من المدينة استأذنت فقلت: يا رسول الله إني حديث عهد بعرس. قال ﷺ فما تزوجت بكرًا أم ثيّبًا؟
قلت: ثيّبًا أصيب عبد الله وترك جواري صغارًا فتزوّجت ثيّبًا تعلّمهنّ وتؤدّبهنّ ثم قال: (ائت أهلك) فقدمت فأخبرت خالي ببيع الجمل فلامني زاد في رواية وهب بن كيسان في البيوع قال: "فدع الجمل وادخل فصلِّ ركعتين (ونقدني) بالنون والقاف أي أعطاني (ثمنه) على يد بلال زاد في الاستقراض وسهمي مع القوم (ثم انصرفت فأرسل) ﵊ (على أثري) بكسر الهمزة وسكون المثلثة فلما جئته (قال) (ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك ذلك) هبة (فهو مالك) برفع اللام وعند أحمد من رواية يحيى القطان عن زكريا قال أظننت حين ماكستك أذهب بجملك خذ جملك وثمنه فهما لك والمماكسة المناقصة في الثمن وأشار بذلك إلى ما وقع بينهما من المساومة عند البيع.
(قال) ولأبي ذر وقال (شعبة) بن الحجاج فيما وصله البيهقي من طريق يحيى بن كثير عنه (عن مغيرة) بن مقسم الكوفي (عن عامر) الشعبي (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (أفقرني) بفتح الهمزة وسكون الفاء فقاف مفتوحة فراء (رسول الله ﷺ ظهره) أي حملني عليه (إلى المدينة، وقال إسحاق) بن راهويه مما وصله في الجهاد (عن جرير) هو ابن عبد الحميد (عن مغيرة) بن مقسم الكوفي عن عامر عن جابر (فبعته على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة) فيه الاشتراط بخلاف التعليق السابق. (وقال عطاء) هو ابن أبي رباح (وغيره) أي عن جابر مما سبق مطوّلاً في باب الوكالة (لك) ولأبي ذر ولك (ظهره إلى المدينة) وليس فيه دلالة على الاشتراط. (وقال محمد بن المنكدر) مما وصله البيهقي من طريق المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه (عن جابر شرط ظهره إلى المدينة، وقال زيد بن أسلم عن جابر: ولك ظهره حتى ترجع) أي إلى المدينة وكذا وصله الطبراني أيضًا وليس فيه ذكر الاشتراط أيضًا. (وقال أبو الزبير) محمد بن أسلم بن تدرس مما وصله البيهقي (عن جابر أفقرناك ظهره إلى المدينة) وهو عند مسلم من هذا الوجه لكن قال قلت على أن لي ظهره إلى المدينة قال (ولك ظهره إلى المدينة). (وقال الأعمش) سليمان بن مهران مما وصله الإمام أحمد ومسلم (عن سالم) هو ابن أبي الجعد (عن جابر تبلغ) بفوقية وموحدة مفتوحتين ولام مشددة فغين معجمة بصيغة الأمر (عليه إلى أهلك) وليس فيه ما يدل على الاشتراط
стр. 1879
وللنسائي من طريق ابن عيينة عن أيوب: وقد أعرتك ظهره إلى المدينة.
(قال أبو عبد الله) البخاري (الاشتراط) في العقد عند البيع (أكثر) طرفًا (وأصح عندي) مخرجًا من الرواية التي لا تدل عليه لأن الكثرة تفيد القوة وهذا وجه من وجوه الترجيح فيكون أصح، ويترجح أيضًا بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادة وهم حفاظ فيكون حجة وليست رواية من لم يذكر الاشتراط منافية لرواية من ذكره لأن قوله لك ظهره وأفقرناك ظهره وتبلغ عليه لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك.
وبهذا الحديث تمسك الحنابلة لصحة شرط البائع نفعًا معلومًا في المبيع وهو مذهب المالكية في الزمن اليسير دون الكثير، وذهب الجمهور إلى بطلان البيع لأن الشرط المذكور ينافي مقتضى العقد وأجابوا عن حديث الباب بأن ألفاظه اختلفت، فمنهم من ذكر فيه الشرط، ومنهم من ذكر ما يدل عليه، ومنهم من ذكر ما يدل على أنه كان بطريق الهبة وهي واقعة عين يطرقها الاحتمال، وقد عارضه حديث عائشة في قصة بريرة ففيه بطلان الشرط المخالف لمقتضى العقد، وصحّ من حديث جابر أيضًا النهي عن بيع الثنيا أخرجه أصحاب السنن وإسناده صحيح، وورد النهي عن بيع وشرط. وقال الإسماعيلي قوله ولك ظهره وعد قام مقام الشرط لأن وعده لا خلف فيه وهبته لا رجوع فيها لتنزيه الله تعالى له عن دناءة الأخلاق، فلذلك ساغ لبعض الرواة أن يعبر عنه بالشرط، ولا يجوز أن يصح ذلك في حق غيره، وحاصله أن الشرط لم يقع في نفس العقد وإنما وقع سابقًا أو لاحقًا فتبرع بمنفعته أوّلاً كما تبرع آخرًا وسقط في رواية غير أبي ذر قال أبو عبد الله إلى آخره.
(وقال عبيد الله) مصغرًا ابن عمر العمري فيما وصله المؤلّف في البيوع (وابن إسحاق) محمد مما وصله أحمد وأبو يعلى والبزار (عن وهب) بسكون الهاء ابن كيسان (عن جابر) ﵁ (اشتراه النبي ﷺ بوقية) ولأبي ذر: بأوقية.
(وتابعه) ولأبي ذر بإسقاط الواو أي تابع وهبًا (زيد بن أسلم عن جابر) في ذكر الأوقية وهذه المتابعة وصلها البيهقي. (وقال ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز فيما وصله البخاري في الوكالة (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (وغيره) بالجر عطفًا على المجرور السابق (عن جابر) (أخذته) أي قال ﵊: "أخذت الجمل" (بأربعة دنانير) ذهبًا قال البخاري (وهذا) أي ما ذكر من أربعة الدنانير (يكون وقية) ولأبي ذر: أوقية (على حساب الدينار) الواحد (بعشرة دراهم).
قال الكرماني وتبعه ابن حجر: الدينار مبتدأ وقوله بعشرة دراهم خبره والحساب مضاف إلى الجملة أي دينار من الذهب بعشرة دراهم وأربعة دنانير تكون أوقية من الفضة، وتعقبه العيني فقال:
هذا تصرف عجيب ليس له وجه أصلاً لأن لفظ الدينار وقع مضافًا إليه وهو مجرور بالإضافة، ولا وجه لقطع لفظ حساب عن الإضافة ولا ضرورة إليه، والمعنى أصح ما يكون انتهى.
وسقط قوله دراهم في رواية أبي ذر (ولم يبين الثمن مغيرة) بن مقسم فيما وصله في الاستقراض (عن الشعبي) عامر (عن جابر و) كذا لم يبين الثمن (ابن المنكدر) محمد فيما وصله الطبراني (وأبو الزيير) محمد بن أسلم فيما وصله النسائي (عن جابر) نعم وقع في رواية أبي الزبير عند مسلم تعيينها بخمس أواق وفي فوائد تمام بأربعين درهمًا.
(وقال الأعمش) سليمان بن مهران فيما وصله أحمد ومسلم وغيرهما (عن سالم) هو ابن أبي الجعد (عن جابر وقية ذهب) ولأبي ذر: أوقية ذهب، (وقال أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي مما لم يقف الحافظ ابن حجر على وصله (عن سالم عن جابر بمائتي درهم بالتثنية، (وقال داود بن قيس) الفراء الدباغ أبو سليمان (عن عبيد الله بن مقسم) بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين المهملة وعبيد الله بضم العين مصغرًا القرشي المدني (عن جابر اشتراه) أي اشترى النبي ﷺ الجمل (بطريق تبوك) وجزم ابن إسحاق عن وهب بن كيسان في روايته المشار إليها قبل بأن ذلك كان في غزوة ذات
стр. 1880
الرقاع. قال ابن حجر وهي الراجحة في نظري لأن أهل المغازي أضبط لذلك من غيرهم (أحسبه قال: بأربع أواق) كقاضٍ ولأبوي ذر والوقت والأصيلي أواقي بإثبات الياء فجزم بزمان القصة وشك في مقدار الثمن وقد وافقه على ما جزم به علي بن زيد بن جدعان عن أبي المتوكل عن جابر أنه ﷺ مرّ بجابر في غزوة تبوك.
(وقال أبو نضرة) بنون مفتوحة فضاد معجمة ساكنة المنذر بن مالك العبدي فيما وصله ابن ماجه (عن جابر اشتراه بعشرين دينارًا) قال المؤلّف: (وقول الشعبي) عامر بن شراحيل (بوقية) ولأبي
ذر بأوقية (أكثر) من غيره في أكثر الروايات (الاشتراط أكثر) طرقًا (وأصح عندي) مخرجًا (قاله أبو عبد الله) أي البخاري.
وهذا قد سبق قريبًا وزيد هنا في نسخة وسقط في نسخ، والحاصل من الروايات في الثمن أنه في رواية الأكثر أوقية وأربعة دنانير وهي لا تخالفها وأوقية ذهب وأربع أواق وخمس أواق ومائتا درهم وعشرون دينارًا وعند أحمد والبزار من رواية علي بن زيد عن أبي المتوكل ثلاثة عشر دينارًا، وقد جمع القاضي عياض بين هذه الروايات بأن سبب الاختلاف الرواية بالمعنى، وأن المراد أوقية الذهب وأربع الأواقي والخمس بقدر ثمن الأوقية الذهب وأربعة الدنانير مع العشرين دينارًا محمولة على اختلاف الوزن والعدد وكذلك الأربعين درهمًا مع المائتي درهم قال: وكأن الإخبار بالفضة عما وقع عليه العقد وبالذهب عما حصل به الوفاء أو بالعكس.
٥ - باب الشُّرُوطِ فِي الْمُعَامَلَةِ
(باب الشروط في المعاملة) مزارعة وغيرها.
٢٧١٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: لَا. فَقَالُوا: تَكْفُونَنا الْمَؤُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان الزيات (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ ¬) لما قدم المدينة مهاجرًا: يا رسول الله (أقسم بيننا وبين إخواننا) المهاجرين (النخيل) بكسر الخاء المعجمة (قال) ﵊:
(لا) أقسم كراهية أن يخرج عنهم شيئًا من رقبة نخلهم الذي به قوام أمرهم شفقة عليهم (فقال الأنصار) أيها المهاجرون (تكفونا) ولأبي ذر تكفوننا (المؤونة) في النخيل بتعهده في السقي والتربية والجداد (ونشرككم) بفتح أوله وثالثه أو بضم ثم كسر (في الثمرة) وهذا موضع الترجمة لأن تقديره ان تكفونا المؤونة نقسم بينكم أو نشرككم وهو شرط لغوي اعتبره ﷺ (قالوا) أي المهاجرون والأنصار (سمعنا وأطعنا).
وهذا الحديث قد سبق في المزارعة في باب إذا قال اكفني مؤونة النخل.
٢٧٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ إسماعيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي وسقط لأبي ذر بن إسماعيل قال: (حدّثنا جويرية بن أسماء عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله) أي ابن عمر (﵁) وعن أبيه أنه (قال): (أعطى رسول الله ﷺ خيبر اليهود أن) وفي باب المزارعة مع اليهود من طريق عبد الله عن نافع على أن (يعملوها) أي يتعاهدوا أشجارها بالسقي وإصلاح مجاري الماء وغير ذلك (ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها) من ثمر أو زرع.
ومطاقته للترجمة ظاهرة، لكن الأكثرون على المنع من كراء الأرض بجزء مما يخرج منها لكن حمله بعضهم على أن المعاملة كانت مساقاة على النخل والبياض المتخلل بين النخيل كان يسيرًا فتقع المزارعة تبعًا للمساقاة وسبق الحديث في المزارعة.
٦ - باب الشُّرُوطِ فِي الْمَهْرِ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ
(باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح) بضم العين وسكون القاف أي وقت عقده.
وَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ مَقَاطِعَ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ، وَلَكَ مَا شَرَطْتَ. وَقَالَ الْمِسْوَرُ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ فَأَحْسَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي فصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي".
(وقال عمر) هو ابن الخطاب ﵁ فيما وصله ابن أبي شيبة (أن مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت، وقال المسور) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو ابن مخرمة فيما وصله في الخمس (سمعت النبي ﷺ ذكر صهرًا له) هو أبو العاص بن الربيع من مسلمة الفتح (فأثنى عليه) خيرًا (في مصاهرته) وكان قد تزوّج زينب بنت النبي ﷺ قبل البعثة (فأحسن) الثناء عليه (قال): (حدّثني وصدقني) بتخفيف الدال في حديثه بالواو في اليونينية
стр. 1881
وفي الفرع فصدقني بالفاء بدل الواو (ووعدني) أي أن يرسل إليّ زينب وذلك أنه لما أسر ببدر مع المشركين فدته زينب فشرط عليه النبي ﷺ أن يرسلها إليه (فوفى لي) بذلك فأثنى عليه لأجل وفائه بما شرط له.
وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في كتاب النكاح.
٢٧٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِا مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ».
[الحديث ٢٧٢١ - طرفه في: ٥١٥١].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (يزيد بن أبي حبيب) من الزيادة البصري واسم أبيه سويد (عن أبي الخير) مرثد بفتح
الميم والمثلثة ابن عبد الله اليزني (عن عقبة بن عامر) الجهني (¬﵁¬) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) معناه عند الجمهور أولى الشروط وحمله بعضهم على الوجوب. قال أبو عبد الله الأبي: وهو الأظهر لأنه على الأول يلزم أن لا يجب شرط مطلقًا لأنه إذا كان الشرط الذي تستباح به الفروج ليس بواجب فغيره أحرى، ومعلوم أن لنا في البياعات وغيرها شروط لازمة لأن لفظ الشروط هنا عام، وإنما كان النكاح كذلك لأن أمره أحوط وبابه أضيق والمراد شروط لا تنافي مقتضى عقد النكاح بل تكون من مقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف وأن لا يقصر في شيء من حقوقها أما شرط يخالف مقتضاه كشرط أن لا يتسرى عليها ولا يسافر بها فلا يجب الوفاء به بل يلغوا الشرط ويصح النكاح بمهر المثل فهو عام مخصوص لأنه تخرج منه الشروط الفاسدة، وقال أحمد: يجب الوفاء بالشرط مطلقًا لحديث أحق الشروط قاله النووي في شرح مسلم، لكن رأيت في تنقيح المرداوي من الحنابلة تفصيلاً في ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في باب الشروط في النكاح من كتابه مع بقية ما في الحديث من المباحث.
وقد أخرج هذا الحديث أبو داود والترمذي وابن ماجه في النكاح والنسائي فيه وفي الشروط.
٧ - باب الشُّرُوطِ فِي الْمُزَارَعَةِ
(باب) (الشروط في المزارعة) هذه الترجمة أخص من سابقة السابقة.
٢٧٢٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ يَقُولُ: "كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلاً، فَكُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هذِهِ، فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ نُنْهَ عَنِ الْوَرِقِ".
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) ابن زياد بن درهم أبو غسان النهدي الكوفي قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: سمعت حنظلة الزرقي) بن قيس (قال: سمعت رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال وبعد التحتية جيم (﵁ يقول: كنا أكثر الأنصار حقلاً) بحاء مهملة مفتوحة وقاف ساكنة منصوب على التمييز أي زرعًا (فكنا نكري الأرض) بضم نون نكري وفي باب ما يكره من الشروط في المزارعة عن صدقة بن الفضل وكان أحدنا يكري أرضه فيقول هذه القطعة لي وهذه لك (فربما أخرجت هذه) القطعة من الأرض (ولم تخرج ذه) بذال معجمة مكسورة وهاء مكسورة مع الاختلاس أو الإشباع وحذف الهاء قبل المعجمة والأصل ذي فجيء بالهاء للوقف أي ولم تخرج القطعة الأخرى فيفوز صاحب تلك بكل ما حصل ويضيع الآخر بالكلية (فنهينا) وفي حديث صدقة بن الفضل المذكور فنهاهم النبي ﷺ (عن
ذلك) لما فيه من حصول المخاطرة المنهي عنها (ولم ننه) بضم النون الأولى وسكون الثانية وفتح الهاء مبنيًّا للمفعول أي لم ينهنا النبي ﷺ (عن الورق) بكسر الراء أي عن الإكراء بالدراهم.
٨ - باب مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ
(باب ما لا يجوز من الشروط في) عقد (النكاح).
٢٧٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَزِيدَنَّ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبَنَّ عَلَى خِطْبَتِهِ. وَلَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَكْفِئَ إِنَاءَهَا».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد المهملة الأولى ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بتقديم الزاي على الراء مصغرًا أبو معاوية البصري قال: (حدّثنا معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سعيد) هو ابن المسيب (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يبيع) بإثبات التحتية بعد الموحدة على أن لا نافية وللأصيلي لا يبع بحذفها وسكون العين على أنها ناهية (حاضر لبادٍ) متاعًا يقدم به من البادية ليبيعه بسعر يومه بأن يقول له اتركه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى (و) قال عليه الصلاة
стр. 1882
والسلام (لا تناجشوا) الأصل تتناجشوا حذفت إحدى التاءين تخفيفًا من النجش بالنون والجيم والمعجمة وهو أن يزيد في الثمن بلا رغبة بل ليغرّ غيره (ولا يزيدن) بنون التأكيد الثقيلة وفي البيع من حديث عليّ بن المديني عن ابن عيينة ولا يبيع الرجل (على بيع أخيه ولا يخطبن) بنون التوكيد الثقيلة (على خطبته) بكسر الخاء المعجمة (ولا تسأل المرأة) بكسر اللام لالتقاء الساكنين على النهي (طلاق أختها) قال النووي: نهى المرأة الأجنبية أن تسأل رجلاً طلاق زوجته وأن يتزوّجها هي فيصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ما كان للمطلقة وعبّر عن ذلك بقوله (لتستكفئ) بسين مهملة ساكنة بين المثناتين الفوقيتين أي لتقلب (إناءها) قال: والمراد بأختها نسبًا أو رضاعًا أو دينًا ويلتحق بذلك الكافرة في الحكم وإن لم تكن أختًا في الدين إما لأن المراد الغالب أو أنها أختها في الجنس الآدمي، وقال ابن عبد البر: المراد الضرة.
وهذا الحديث سبق في البيوع ويأتي إن شاء الله تعالى في النكاح.
٩ - باب الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَحِلُّ فِي الْحُدُودِ
(باب الشروط التي لا تحل في الحدود).
٢٧٢٤ و ٢٧٢٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: "إِنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ -وَهْوَ أَفْقَهُ مِنْهُ-: نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائْذَنْ لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُلْ. قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البغلاني قال: (حدّثنا ليث) بلام واحدة ابن سعد الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) مصغرًا (ابن عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون المثناة الفوقية (ابن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أنهما قالا: إن رجلاً من الأعراب) لم يسم كغيره من المبهمات في هذا الحديث (أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أنشدك الله) بفتح الهمزة وضم المعجمة والمهملة أي سألتك الله أي بالله ومعنى السؤال هنا القسم كأنه قال أقسمت عليك بالله أو ذكرتك الله بتشديد الكاف وحينئذ فلا حاجة لتقدير حرف جر فيه (إلا قضيت) أي ما أطلب منك إلا قضاءك (لي بكتاب الله) أي بحكم الله أو المراد به ما كان من القرآن متلوًّا فنسخت تلاوته وبقي حكمه وهو الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله (فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه) أي بحسن مخاطبته وأدبه أو أفقه منه في هذه القصة لوصفها على وجهها (نعم فاقضِ بيننا بكتاب الله) الفاء جواب شرط محذوف (وائذن لي) هو بهمزتين الأولى همزة وصل تحذف في الدرج والثانية فاء الفعل ساكنة فإذا ابتدأت بها ظهرت همزة الوصل وقلبت همزة الفعل ياء من جنس حركة الهمزة قبلها على قاعدة اجتماع الهمزتين وحذف المفعول المعدّى بحرف الخفض للعلم به من السياق، والتقدير وائذن لي في أن أقول وهذا الاستئذان من حسن الأدب في مخاطبة الكبير (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(قل) (قال إن ابني كان عسيفًا) القائل أن ابني إلخ هو الخصم الثاني كما هو ظاهر السياق، وجزم الكرماني بأنه الأوّل وعبارته ولفظ ائذن لي عطف على اقضِ إذا المستأذن هو الرجل الأعرابي لا خصمه انتهى.
والظاهر أنه استدلّ لذلك بما تقدم في كتاب الصلح عن آدم عن ابن أبي ذئب فقال الأعرابي: إن ابني بعد قوله في الحديث جاء أعرابي وفيه فقال خصمه، لكن قال الحافظ ابن حجر: إن هذه الزيادة شاذة يعني قوله فقال الأعرابيّ والمحفوظ في سائر الطرق كما هنا انتهى.
وينظر في قول الكرماني إذ المستأذن هو الرجل الأعرابي لا خصمه حيث جعله علّة لقوله ائذن لي عطف على اقضِ لأن ظاهره التدافع على ما لا يخفى وكذا قول العيني في باب الاعتراف بالزنا من كتاب الحدود وقوله وائذن لي أي في الكلام لأتكلم، وهذا من جملة كلام الرجل لا الخصم وهذا من جملة فقهه حيث استأذن بحسن الأدب وترك رفع الصوت انتهى فليتأمل.
والعسيف بالسين المهملة والفاء أي كان أجيرًا (على هذا فزنى) أي ابنه (بامرأته) بامرأة الرجل (وإني أخبرت) بضم الهمزة وكسر الموحدة (أن على ابني الرجم) لكونه كان بكرًا واعترف (فافتديت) ابني (منه بمائة شاة) من الغنم (ووليدة) جارية (فسألت أهل العلم) الصحابة الذين كانوا يفتون في العصر النبويّ
стр. 1883
وهم الخلفاء الأربعة وأُبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت الأنصاريون وزاد ابن سعد عبد الرحمن بن عوف (فأخبروني إنما على ابني جلد مائة) بإضافة جلد إلى مائة ولأبي ذر مائة جلدة (وتغريب عام) من البلد الذي وقع فيه ذلك (وإن على امرأة هذا الرجم فقال رسول الله ﷺ ¬):
(والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله) أي بحكمه أو بما كان قرآنًا قبل نسخ لفظه (الوليدة والغنم رد) أي مردود (عليك) فأطلق المصدر على المفعول مثل نسج اليمن أي يجب ردّهما عليك وسقط قوله عليك لغير أبي ذر (وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام) لأنه كان بكرًا واعترف هو بالزنا لأن إقرار الأب عليه لا يقبل نعم إن كان هذا من باب الفتوى، فيكون المعنى إن كان ابنك زنى وهو بكر فحدّه ذلك (اغد يا أنيس) بضم الهمزة وفتح النون مصغرًا (إلى امرأة هذا فإن اعترفت) بالزنا وشهد عليها اثنان (فارجمها) لأنها كانت محصنة (قال: فغدا عليها) أنيس (فاعترفت) بالزنا (فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت) يحتمل أن يكون هذا الأمر هو الذي في قوله: فإن اعترفت فارجمها، وأن يكون ذكر له أنها اعترفت فأمره ثانيًا أن يرجمها وبعث أنيس كما قاله النووي محمول عند العلماء من أصحابنا على إعلام المرأة بأن هذا الرجل قذفها بابنه فلها عليه حدّ القذف فتطالب به أو تعفو عنه إلا أن تعترف بالزنا فلا يجب عليه حدّ القذف بل عليها حدّ الزنا وهو الرجم قال: ولا بدّ من هذا التأويل لأن ظاهره أنه بعث ليطلب إقامة حدّ الزنا وهذا غير مراد لأن حدّ الزنا لا يحتاط له بالتجسس بل لو أقرّ الزاني استحب أن يعرض له بالرجوع.
ومطابقة الحديث للترجمة قيل في قوله فافتديت منه بمائة شاة ووليدة لأن ابن هذا كان عليه جلد مائة وتغريب عام وعلى المرأة الرجم فجعلوا في الحد الفداء بمائة شاة ووليدة كأنهما وقعا شرطًا لسقوط الحدّ عنهما فلا يحل هذا في الحدود، كذا قالوا وفيه تعسف لا يخفى لأن الذي وقع إنما هو صلح.
وهذا الحديث قد ذكره البخاري في مواضع مختصرًا ومطوّلاً في الصلح والأحكام والمحاربين والوكالة والاعتصام وخبر الواحد وأخرجه بقية الجماعة.
١٠ - باب مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ بِالْبَيْعِ عَلَى أَنْ يُعْتَقَ
(باب ما يجوز من شروط المكاتب إذا رضي بالبيع على أن يعتق) بضم أوله وفتح ثالثه وكلمة على للتعليل كهي في قوله تعالى ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ أي إذا رضي بالبيع لأجل عتقه.
٢٧٢٦ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ الْمَكِّيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَىَّ بَرِيرَةُ وَهْيَ مُكَاتَبَةٌ فَقَالَتْ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ اشْتَرِينِي، فَإِنَّ أَهْلِي يَبِيعُونِي فَأَعْتِقِينِي. قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِنَّ أَهْلِي لَا يَبِيعُونني حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي. قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ. فَسَمِعَ ذَلِكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ -أَوْ بَلَغَهُ- فَقَالَ: مَا شَأْنُ بَرِيرَةَ؟ فَقَالَ: اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَلْيَشْتَرِطُوا مَا شَاؤُوا. قَالَتْ فَاشْتَرَيْتُهَا فَأَعْتَقْتُهَا وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ".
وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام ابن صفوان السلمي أبو محمد الكوفي نزيل مكة صدوق رمي بالإرجاء قال: (حدّثنا عبد الواحد بن أيمن) ضد أيسر الحبشي مولى ابن أبي عمرو المخزومي القرشي (المكي عن أبيه) أيمن أنه (قال: دخلت على عائشة ﵂) قبل آية الحجاب أو من وراء الحجاب (قالت: دخلت عليّ بريرة وهي مكاتبة) الواو للحال ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا وكانت كاتبتهم على تسع أواق في كل سنة وقية (فقالت يا أم المؤمنين اشتريني فإن أهلي يبيعوني) ولأبي ذر: يبيعونني بنونين على الأصل (فأعتقيني) بهمزة قطع (قالت) عائشة فقلت لها (نعم) أشتريك فأعتقك (قالت) بريرة (إن أهلي لا يبيعوني) ولأبي ذر: لا يبعونني (حتى يشترطوا ولائي) الذي هو سبب الإرث أن يكون لهم (قالت) عائشة فقلت لها (لا حاجة لي فيك) حينئذ (فسمع ذلك النبي ﷺ أو بلغه) شك الراوي (فقال):
(ما شأن بريرة)؟ أي فذكرت له شأنها (فقال) ولأبي ذر قال: (اشتريها فأعتقيها) بهمزة وصل في الأولى وقطع في الأخرى (وليشترطوا) بلام ساكنة ولأبي ذر ويشترطوا بإسقاطها (ما شاؤوا) (قالت) عائشة (فاشتريتها فأعتقتها) ولأبي ذر قال أي الراوي فاشترتها أي عائشة فأعتقتها (واشترط أهلها ولاءها) أن يكون لهم (فقال: النبي ﷺ ¬) (الولاء لمن أعتق وإن اشترطوا مائة شرط).
ومطابقته للترجمة من كون بريرة شرطت على عائشة أن تعتقها إذا اشترتها وقد تكرر ذكر هذا الحديث مرات.
١١ - باب الشُّرُوطِ فِي الطَّلَاقِ
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: إِنْ بَدَأَ بِالطَّلَاقِ أَوْ أَخَّرَ فَهُوَ أَحَقُّ بِشَرْطِهِ.
(باب الشروط في الطلاق. وقال ابن المسيب) سعيد (والحسن) البصري
стр. 1884
(وعطاء) هو ابن أبي رباح فيما وصله عبد الرزاق (إن بدا) بغير همزة في الفرع وأصله وفي غيرها بإثباته في الشرط (بالطلاق) بأن قال: أنت طالق إن دخلت الدار (أو أخّر) بأن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق (فهو أحق بشرطه).
٢٧٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبْتَاعَ الْمُهَاجِرُ لِلأَعْرَابِيِّ. وَأَنْ تَشْتَرِطَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ. وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَعَنِ التَّصْرِيَةِ".
تَابَعَهُ مُعَاذٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ شُعْبَةَ.
وَقَالَ غُنْدَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ: "نُهِيَ". وَقَالَ آدَمُ: "نُهِينَا". وَقَالَ النَّضْرُ وَحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: "نَهَى".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عرعرة) الناجي السامي بالسين المهملة القرشي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمان الأشجعي (عن أبي هريرة ﵁ قال):
(نهى رسول الله ﷺ عن التلقي) للركبان لشراء متاعهم قبل معرفة سعر البلد (وأن يبتاع) يشتري (المهاجر) أي المقيم (للأعرابي) الذي يسكن البادية (وأن تشترط المرأة) عند العقد (طلاق أختها) أعم من أن تكون معها في العصمة كالضرّة أو لا تكون في العصمة كالأجنبية.
وهذا موضع الترجمة كما قاله ابن بطال لأن مفهومه أنها إذا اشترطت ذلك فطلق أختها وقع الطلاق لأنه لو لم يقع لم يكن للنهي عنه معنى.
(وأن يستام الرجل على سوم أخيه) بأن يقول لمن اتفق مع غيره في بيع ولم يعقداه أنا أشتريه بأزيد أو أنا أبيعك خيرًا منه بأرخص منه فيحرم بعد استقرار الثمن بالتراضي صريحًا وقبل العقد (ونهى) ﵊ أيضًا (عن النجش) بنون مفتوحة فجيم ساكنة فشين معجمة وهو أن يزيد في الثمن بلا رغبة بل ليغرّ غيره (وعن التصرية) وهي ربط البائع ضرع ذات اللبن من مأكول اللحم ليكثر لبنها لتغرير المشتري.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع وكذا النسائي.
(تابعه) أي تابع محمد بن عرعرة في تصريحه برفع الحديث إلى النبي ﷺ (معاذ) أي ابن معاذ بن نصر بن حسان العنبري البصري فيما وصله مسلم (وعبد الصمد) بن عبد الوارث فيما وصله مسلم أيضًا (عن شعبة) بن الحجاج (وقال غندر) محمد بن جعفر فيما وصله مسلم أيضًا،
وأبو نعيم في مستخرجه كما في المقدمة (وعبد الرحمن) بن مهدي (نهي) بضم النون وكسر الهاء مبنيًّا للمفعول: (وقال آدم) بن أبي إياس عن شعبة (نهينا) بضم النون وكسر الهاء مع ضمير الجمع، (وقال النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل (وحجاج بن منهال) بكسر الميم وسكون النون (نهي) بفتح النون والهاء مبنيًّا للمعلوم من الماضي المفرد ولم يعينا الفاعل وبعد هاء نهي ياء وفي رواية أبي ذر كما في الفرع نها بألف بدل الياء. قال الحافظ ابن حجر في المقدمة ورواية آدم وعبد الرحمن والنضر لم أقف عليها أي موصولة ورواية حجاج وصلها البيهقي وقال في الفتح: رواية آدم رويناها في نسخته وأما رواية النضر فوصلها إسحاق بن راهويه في مسنده عنه.
١٢ - باب الشُّرُوطِ مَعَ النَّاسِ بِالْقَوْلِ
(باب الشروط مع الناس بالقول) أي دون الإشهاد والكتابة.
٢٧٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَغَيْرُهُمَا قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ- قَالَ: إِنَّا لَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَدَّثَنِي أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُوسَى رَسُولُ اللَّهِ … فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: كَانَتِ الأُولَى نِسْيَانًا، وَالْوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا. ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾، ﴿لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾، ﴿فَانْطَلَقنا … فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾. قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ "أَمَامَهُمْ مَلِكٌ".
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعاني قاضيها (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبره) ولأبي ذر أخبرهم بميم الجمع (قال: أخبرني) بالإفراد (يعلى بن مسلم) على وزن يرضى ابن هرمز (وعمرو بن دينار) بفتح العين وسكون الميم (عن سعيد بن جبير) الكوفي (يزبد أحدهما على صاحبه وغيرهما) بالرفع عطفًا على فاعل أخبرني (قد سمعته) الضمير المرفوع لابن جريج والمنصوب للغير (يحدّثه عن سعيد بن جبير) أنه (قال: إنّا لعند ابن عباس) بفتح اللام للتأكيد (﵄ قال: حدّثني) بالإفراد (أُبيّ بن كعب) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(موسى رسول الله) مبتدأ وخبر أي صاحب الخضر هو موسى بن عمران كليم الله ورسوله لا موسى آخر كما يزعم نوف البكالي (فذكر الحديث) في قصة موسى والخضر. (قال) أي الخضر لموسى (﴿ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا﴾ كانت) المسألة (الأولى) من موسى (نسيانًا) بالنصب خبر كان (و) المسألة (الوسطى) شرطًا يعني كانت بالشرط بالقول (و) المسألة (الثالثة عمدًا) وأشار إلى
الأولى بقوله: (﴿قال لا تؤاخدني
стр. 1885
بما نسيت﴾) أي بالذي نسيته أو بنسياني أو بشيء نسيته يعني وصيته بأن لا يعترض عليه وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها قاله البيضاوي. وقال السمرقندي، قال ابن عباس: هذا من معاريض الكلام لأن موسى لم ينس، ولكن قال: لا تؤاخذني بما نسيت إذا كان مني نسيان فلا تؤاخذني به (﴿ولا ترهقني من أمري عسرًا﴾) لا تكلفني من أمري شدة وأشار إلى الوسطى التي كانت بالشرط بقوله: (﴿لقيا غلامًا فقتله﴾) إلى الثالثة بقوله (فانطلقنا ﴿فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض﴾) أي تدانى إلى أن يسقط فاستعيرت الإرادة للمشارقة (﴿فأقامه﴾) بعمارته أو بعمود عمد به وقيل مسحه بيده فقام (قرأها ابن عباس) أي وراءهم من قوله تعالى: (﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم﴾ (أمامهم ملك).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله والوسطى شرطًا لأن المراد به قوله إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني والتزم موسى بذلك ولم يكتبا ذلك ولم يشهدا أحدًا وفيه دلالة على العمل بمقتضى ما دلّ عليه الشرط فإن الخضر قال لموسى لما أخلف الشرط هذا فراق بيني وبينك ولم ينكر عليه موسى ﷺ .
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف في مواضع كثيرة تزيد على العشرة مطوّلاً ومختصرًا.
١٣ - باب الشُّرُوطِ فِي الْوَلَاءِ
(باب الشروط في الولاء).
٢٧٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقَالَتْ: إِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ- فَقَالَتْ: إِنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) ابن أبي أويس الأصبحي ابن أُخت إمام الأئمة مالك بن أنس قال: (حدّثنا مالك) هو خالد الإمام الأعظم (عن هشام بن عروة) وسقط لأبي ذر بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: جاءتني بريرة فقالت:
كاتبت أهلي) موالي (على تسع أواق) بالتنوين من غير ياء (في كل عام أوقية فأعينيني) وفي كتاب المكاتبة مما ذكره معلقًا، ووصله الذهلي في الزهريات عن الليث عن يونس عن ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين، لكن المشهور ما في رواية هشام بن عروة تسع أواق، وجزم الإسماعيلي بأن الرواية المعلقة غلط لكن جمع بينهما بأن الخمس هي التي كانت استحقت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام ويشهد له أن في رواية عمرة عن عائشة في أبواب المساجد فقال: أهلها إن شئت أعطيت ما يبقى (فقالت) عائشة لبريرة (إن أحبوا) أهلك (أن أعدّها لهم) أي الأواقي التسع وهو يشكل على الجمع الذي ذكرته فليتأمل (ويكون) نصب عطفًا على المنصوب السابق (ولاؤك لي) بعد أن أعتقك وجواب الشرط (فعلت فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم) ما قالته عائشة (فأبوا عليها) أي فامتنعوا أن يكون الولاء لعائشة (فجاءت من عندهم) إلى عائشة (ورسول الله ﷺ جالس) عندها (فقالت: إني قد عرضت ذلك) بكسر الكاف (عليهم) تعني أهلها (فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فسمع النبي ﷺ فأخبرت عائشة النبي ﷺ فقال):
(خذيها) اشتريها فأعتقيها (واشترطي لهم الولاء) أي عليهم فاللام بمعنى على كذا رويناه عن حرملة عن الشافعي، لكن ضعفه النووي بأنه ﵊ أنكر الاشتراط فلو كانت بمعنى على لم ينكره. قال وأقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاص بعائشة في هذه القصة، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل أو المراد التوبيخ لهم لأنه ﷺ قد بيّن لهم أن الشرط لا يصح فلما لجّوا في اشتراطه قال ذلك أي لا تبالي به سواء شرطيته أم لا. والحكمة في إذنه ثم إبطاله أن يكون أبلغ في قطع عادتهم وزجرهم عن مثله، وقد أشار الشافعي في الأم إلى تضعيف رواية هشام المصرّحة بالاشتراط لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، لكن قال الطحاوي: حدّثني المزني به عن الشافعي بلفظ: وأشرطي لهم الولاء بهمزة قطع بغير مثناة فوقية ثم وجهها بأن المعنى أظهري لهم حكم الولاء ولا يلزم أن يكون ما نقله الطحاوي عن المزني مذكورًا في الأم (فإنما الولاء لمن أعتق) (ففعلت عائشة)
стр. 1886
الشراء والعتق (ثم قام رسول الله ﷺ في الناس) خطيبًا (فحمد الله وأثنى عليه ثم قال): (ما بال رجال) ما شأنهم (يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله) أي ليست في حكمه وقضائه (ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) أو أكثر (قضاء الله أحق) أي الحق (وشرط الله) الذي شرطه وجعله شرعًا (أوثق) أي القوي وما سواه واهٍ فأفعل التفضيل فيهما ليس على بابه (وإنما الولاء لمن أعتق).
وهذا الحديث قد ذكره المؤلّف في مواضع كثيرة بوجوه مختلفة وطرق متباينة قال العيني وهذا هو الرابع عشر موضعًا.
١٤ - باب إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ "إِذَا شِئْتُ أَخْرَجْتُكَ"
هذا (باب) بالتنوين (إذا اشترط) صاحب الأرض (في) عقد (المزارعة إذا شئت أخرجتك).
٢٧٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ الْكِنَانِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "لَمَّا فَدَعَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَقَالَ: نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ فَفُدِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرُهُمْ، هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهَمَتُنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ. فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُن بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ. فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ. فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ. فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مَالاً وَإِبِلاً وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ".
رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَحْسِبُهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، اخْتَصَرَهُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو أحمد) غير مسمى ولا منسوب، ولأبي ذر وابن السكن عن الفربري أبو أحمد مرار بن حمويه بفتح الميم وتشديد الراء الأولى وأبوه بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم الهمداني بفتح الميم والمعجمة النهاوندي وليس له كشيخه في البخاري سوى هذا الحديث، ويقال إنه محمد بن يوسف البيكندي، ويقال إنه محمد بن عبد الوهاب الفراء قال: (حدّثنا محمد بن يحيى) بن علي (أبو غسان) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة (الكناني) قال (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: لما فدع) بالفاء والدال والعين المهملتين محركتين، وضبطه الكرماني كالصغاني بالغين المعجمة وتشديد الدال المهملة من الفدع وهو كسر الشيء المجوّف (أهل خيبر) بالرفع على الفاعلية ومفعوله (عبد الله بن عمر قام) أبوه (عمر) ﵁ (خطيبًا فقال: إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أموالهم) أي التي كانت لهم قبل أن يفيئها الله على المسلمين (وقال) لهم:
(نقركم) بضم النون وكسر القاف فيها (ما أقركم الله) أي ما قدر الله أنا نترككم فإذا شئنا فأخرجناكم منها تبين أن الله قد أخرجكم (وأن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هنالك) بخفض ماله (فعُدِيَ عليه) بضم العين وكسر الدال المخففة أي ظلم على ماله (من الليل) وألقوه من فوق بيت (ففدعت) بضم الفاء الثانية وكسر الدال مبنيًّا للمفعول والنائب عن الفاعل قوله (يداه ورجلاه).
قال في القاموس: الفدع محركة اعوجاج الرسغ من اليد والرجل حتى ينقلب الكف أو القدم إلى إنسيها أو هو المشي على ظهر القدم أو ارتفاع أخمص القدم حتى لو وطئ الأفدع عصفورًا ما آذاه، أو هو عوج في المفاصل كأنها قد زالت عن موضعها، وأكثر ما يكون في الأرساغ خلقة أو زيغ بين القدم وبين عظم الساق، ومنه حديث ابن عمر أن يهود خيبر دفعوه من بيت ففدعت قدمه.
(وليس لنا هناك عدوّ غيرهم هم عدونا وتهمتنا) بضم الفوقية وفتح الهاء، ولأبي ذر: وتهمتنا بسكون الهاء أي الذين نتهمهم (وقد رأيت إجلاءهم) بكسر الهمزة وسكون الجيم ممدودًا إخراجهم من أوطانهم (فلما أجمع عمر على ذلك) أي عزم عليه (أتاه أحد بني أبي الحقيق) بضم الحاء المهملة وفتح الأولى وسكون التحتية رؤساء اليهود (فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا) بهمزة الاستفهام الإنكاري (وقد أقرّنا محمد ﷺ ¬) الواو في وقد للحال (وعاملنا على الأموال) بفتح الميم واللام من وعاملنا (وشرط ذلك) أي إقرارنا في أوطاننا (لنا؟ فقال) له (عمر: أظننت) بهمزة الاستفهام الإنكاري (أني نسيت قول رسول الله ﷺ . كيف بك إذا أخرجت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول وتاء الخطاب (من خيبر تعدو) بعين مهملة أي تجري (بك قلوصك ليلة بعد ليلة) بفتح القاف وضم اللام والصاد المهملة بينهما واو ساكنة الناقة الصابرة على السير أو الأنثى أو الطويلة القوائم، وأشار ﷺ إلى إخراجهم من خيبر فهو من أعلام النبوّة (فقال) أحد بني أبي الحقيق: (كانت هذه) وللحموي والمستملي كان ذلك (هزيلة من أبي القاسم) بضم الهاء وفتح الزاي تصغير هزلة ضدّ الجد وفي اليونينية هزيلة بكسر الزاي أي لم تكن حقيقة وكذب عدوّ الله (قال) عمر، ولأبي ذر: فقال (كذبت يا عدوّ الله فأجلاهم عمر وأعطاهم) بعد أن
стр. 1887
أجلاهم (قيمة ما كان لهم من الثمر) بالمثلثة وفتح الميم (مالاً وإبلاً وعروضًا) نصب تمييزًا للقيمة (من أقتاب وحبال وغير ذلك) والأقتاب جمع قتب وهو أكاف الجمل، وإنما ترك عمر مطالبتهم بالقصاص لأنه فادع ليلاً وهو نائم فلم يعرف عبد الله من فدعه فأشكل الأمر.
(رواه) أي الحديث (حماد بن سلمة) فيما وصله أبو يعلى (عن عبيد الله) مصغرًا العمري (أحسبه عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ اختصره) حماد وشك في وصله رواه الوليد بن صالح عن حماد بغير شك فيما قاله البغوي.
١٥ - باب الشُّرُوطِ فِي الْجِهَادِ، وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ
(باب) بيان (الشروط في الجهاد و) بيان (المصالحة مع أهل الحروب) وفي الفرع كأصله أيضًا الحرب بفتح الحاء وسكون الراء (وكتابة الشروط) زاد أبو ذر عن المستملي مع الناس بالقول. قال في الفتح: وهي زيادة مستغنى عنها لأنها تقدمت في ترجمة مستقلة إلا أن تحمل الأولى على الاشتراط بالقول خاصة وهذه على الاشتراط بالقول والفعل معًا انتهى. فليتأمل مع قوله: وكتابة الشروط.
٢٧٣١ و ٢٧٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ -يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ- قَالَا: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ. فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ. فَأَلَحَّتْ. فَقَالُوا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ. وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونني خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا. ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ. قَالَ فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ -وَكَانُوا عَبيةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ- فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَىٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَىٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمَعَهُمُ الْعُودُ الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ. وَإِلاَّ فَقَدْ جَمُّوا. وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ. فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ. قَالَ فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا قَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلاً، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا. فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرُونَا عَنْهُ بِشَىْءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ. قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ . فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَىْ قَوْمِ، أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لَا. قَالَ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَىَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ عليكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِهِ. قَالُوا ائْتِهِ. فَأَتَاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ. فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَىْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ؟ وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى، فَإِنِّي وَاللَّهِ لأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لأَرَى أْشَوَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟
فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لأَجَبْتُكَ. قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَقَالَ: أَىْ غُدَرُ، أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّا الإِسْلَامَ فَأَقْبَلُ وَأَمَّا الْمَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ. ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ. قَالَ فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، فإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ. فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَىْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِيكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ إِنْ يتَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّموا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ. وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتيهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا فُلَانٌ، وَهْوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ، فَابْعَثُوهَا لَهُ، فَبُعِثَتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فَقَالَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا مِكْرَزٌ، وَهْوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ. فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ . فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ. قَالَ مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا. فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، فقَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا "الرَّحْمَنُ" فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هِيَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ". كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلاَّ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اكْتُبْ «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ». ثُمَّ قَالَ: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَقَالَ سُهَيْلٌ وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ"، فَقَالَ
النَّبِيُّ ﷺ : وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ". قَالَ الزُّهْرِيُّ: لِقَوْلِهِ: «لَا يَسْأَلُونني خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ -وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ- إِلاَّ رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا. قَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَىَّ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَىْءٍ أَبَدًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَأَجِزْهُ لِي، قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ، قَالَ: بَلَى فَافْعَلْ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَىْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهْوَ نَاصِرِي. قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهْوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ. قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالاً. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ: نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا. ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ -حَتَّى بَلَغَ- بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠] فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي
سُفْيَانَ وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ. ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهْوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ ثُمَّ جَرَّبْتُ. فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ. فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ. قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلاَّ لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلاَّ اعْتَرَضُوا لَهَا. فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ. فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ اللَّهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهْوَ آمِنٌ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ -حَتَّى بَلَغَ- الْحَمِيَّةَ، حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤] وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْت".
قال أبو عبد الله معرة العر: الجرب. تزيلوا: انمازوا. وحميت القوم: منعتهم حماية. وأحميت الحمى: جعلته حمى لا يدخل. وأحميت الرجل إذا أغضبته إحماء.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام اليماني قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين وسكون المهملة بينهما ابن راشد (قال: أخبرني) بالإفراد (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبروني) بالإفراد أيضًا (عروة بن الزبير) بن العوام (عن المسور بن مخرمة ومروان) بن الحكم وروايتهما مرسلة لأن مروان لا صحبة له ومسورًا وإن كان له صحبة لكنه لم يحضر القصة وإنما سمعناها من جماعة من الصحابة شهدوها (يصدق كل واحد منهما) من المسور ومروان (حديث صاحبه) والجملة حالية (قالا: خرج رسول الله ﷺ ¬) من المدينة (زمن الحديبية) بالتخفيف يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة في بضع عشرة مائة فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث بسرًا
بضم الموحدة وسكون السين المهملة ابن سفيان عينًا لخبر قريش (حتى كانوا) ولأبي ذر حتى إذا كانوا (ببعض الطريق قال النبي ﷺ ¬):
(إن خالد بن الوليد بالغميم) بفتح الغين المعجمة وكسر الميم بوزن عظيم وفي المشارق بضم الغين وفتح الميم. قال ابن حبيب: موضع قريب من مكة بين رابغ والجحفة (في خيل لقريش) وكانوا كما عند ابن سعد مائتي فارس فيهم عكرمة بن أبي جهل حال كونهم (طليعة) وهي مقدمة الجيش ولأبي ذر طليعة بالرفع (فخذوا ذات اليمين) وهي بين ظهري الحمض في طريق تخرجه على ثنية المرار بكسر الميم وتخفيف الراء مهبط الحديبية من أسفل مكة قال ابن هشام فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش وهو معنى قوله (فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش) بفتح القاف والمثناة الفوقية وسكنها في الفرع غباره الأسود (فانطلق) خالد حال كونه (يركض يضرب برجله دابته استعجالاً للسير حال كونه (نديرًا) منذرًا (لقريش) بمجيء رسول الله ﷺ (وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية) أي ثنية المرار بكسر الميم (التي يهبط) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول أي على قريش (منها بركت به) ﵊ (راحلته فقال الناس: حل حل) بفتح الحاء المهملة وسكون اللام فيهما زجر للراحلة إذا حملها على السير.
وقال الخطابي إن قلت: حل واحدة فبالسكون وإن أعدتها نوّنت الأولى وسكنت الثانية، وحكي السكون فيهما والتنوين كنظيره في بخ بخ وهو معنى قوله في القاموس حل حل منوّنتين أو حل واحدة اهـ. لكن الرواية بالسكون فيهما.
(فألحت) بتشديد الحاء المهملة وفتح الهمزة أي تمادت في البروك فلم تبرح من مكانها (فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء) مرتين وخلأت بفتح الخاء المعجمة واللام والهمزة والقصواء بفتح القاف وسكون الصاد المهملة وفتح الواو مهموزًا ممدودًا اسم لناقته ﵊ أي حزنت وتصعبت (فقال النبي ﷺ ¬) (ما خلأت القصواء) أي ما حزنت (وما ذاك لها بخلق)
стр. 1888
بضم الخاء المعجمة واللام أي ليس الخلاء لها بعادة كما حسبتم (ولكن حبسها) أي القصواء (حابس الفيل) زاد ابن إسحاق عن مكة أي حبسها الله عن دخول مكة كما حبس الفيل عن مكة لأنهم لو دخلوا مكة على تلك الهيئة وصدّهم قريش عن ذلك لوقع بينهم ما يفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال لكن سبق في العلم القديم أنه يدخل في الإسلام منهم جماعات.
(ثم قال) ﵊ (والذي نفسي بيده لا يسألوني) أي قريش ولأبي ذر لا يسألونني بنونين على الأصل (خطة) بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي خصلة (يعظمون فيها حرمات الله) يكفون بسببها عن القتال في الحرم تعظيمًا له (إلا أعطيتهم إياها) أي أجبتهم إليها وإن كان في ذلك تحمل مشقة (ثم زجرها) أي زجر ﵊ الناقة (فوثبت) بالمثلثة وآخره مثناة أي
قامت (قال فعدل) ﵊ (عنهم) وفي رواية ابن سعد فولى راجعًا (حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد) بفتح الثاء والميم آخره دال مهملة (قليل الماء) قال في القاموس: الثمد ويحرك وككتاب الماء القليل لا مادة له أو ما يبقى في الجلد أو ما يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف اهـ.
وقوله قليل الماء قيل تأكيد لدفع توهم أن يراد لغة من يقول إن الثمد الماء الكثير وعورض بأنه إنما يتوجه أن لو ثبت في اللغة أن الثمد الماء الكثير، واعترض في المصابيح قوله تأكيد بأنه لو اقتصر على قليل أمكن أما مع إضافته إلى الماء فيشكل وذلك لأنك لا تقول هذا ماء قليل الماء. نعم قال الداودي: الثمد العين وقال غيره: حفرة فيها ماء فإن صح فلا إشكال.
(يتبرضه) بالموحدة المفتوحة بعد المثناتين التحتية والفوقية فراء مشددة فضاد معجمة أي يأخذه (الناس تبرضًا) نصب على أنه مفعول مطلق من باب التفعل للتكلف أي قليلاً قليلاً وقال صاحب العين التبرض جمع الماء بالكفّين (فلم يلبثه) بضم أوله وفتح اللام وتشديد الموحدة وسكون المثلثة في الفرع وأصله وغيرهما مصححًا عليه، ونسبه في الفتح وتبعه في العمدة لقول ابن التين، وضبطناه بسكون اللام مضارع ألبث أي لم يتركوه يلبث أي يقيم (الناس حتى نزحوه) لم يبقوا منه شيئًا يقال نزحت البئر على صيغة واحدة في التعدي واللزوم.
(وشكي) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (إلى رسول الله ﷺ العطش) بالرفع نائبًا عن الفاعل (فانتزع سهمًا من كنانته) بكسر الكاف جعبته التي فيها النبل (ثم أمرهم أن يجعلوه) أي السهم (فيه) في الثمد، وروى ابن سعد من طريق أبي مروان حدّثني أربعة عشر رجلاً من الصحابة أن الذي نزل البئر ناجية بن الأعجم، وقيل هو ناجية بن جندب، وقيل البراء بن عازب، وقيل عباد بن خالد حكاه عن الواقدي، ووقع في الاستيعاب خالد بن عبادة قاله في المقدمة. وقال في الفتح: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره (فوالله ما زال يجيش) بفتح أوله وكسر الجيم آخره شين معجمة بعد تحتية ساكنة يفور ويرتفع (لهم بالري) بكسر الراء (حتى صدروا عنه) أي رجعوا رواء بعد ورودهم، وزاد ابن سعد حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسًا على شفير البئر، (فبينما) بالميم ولأبي ذر عن الكشميهني فبينا بإسقاطها (هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء) بضم الموحدة وفتح الدال المهملة مصغرًا وأبوه بفتح الواو وسكون الراء وبالقاف ممدودًا (الخزاعي) بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة الصحابيّ المشهور (في نفر من قومه من خزاعة) منهم عمرو بن سالم، وخراش بن أمية فيما قاله الواقدي، وخارجة بن كرز، ويزيد بن أمية كما في رواية أبي الأسود عن عروة (وكانوا) أي بديل والنفر الذين معه (عيبة نصح رسول الله ﷺ ¬) بفتح العين المهملة وسكون التحتية وفتح الموحدة ويصح بضم النون أي موضع سرّه وأمانته فشبّه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع خير الثياب وكانت خزاعة (من أهل تهامة) بكسر المثناة الفوقية مكة وما حولها زاد ابن إسحاق في روايته، وكانت خزاعة عيبة رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئًا كان بمكة (فقال) بديل (إني تركت كعب بن
стр. 1889
لؤي وعامر بن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة
وتشديد الياء فيهما (نزلوا أعداد مياه الحديبية) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة جمع عد بالكسر والتشديد وهو الماء الذي لا انقطاع لمادّته كالعين والبئر وفيه أنه كان بالحديبية مياه كثيرة وأن قريشًا سبقوا إلى النزول عليها، ولذا عطش المسلمون حتى نزلوا على الثمد المذكور وذكر أبو الأسود في روايته عن عروة وسبقت قريش إلى الماء ونزلوا عليه (ومعهم العوذ) بضم العين المهملة وسكون الواو وآخره ذال معجمة جمع عائذ أي النوق الحديثات النتاج ذات اللبن (المطافيل) بفتح الميم والطاء المهملة وبعد الألف فاء مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فلام الأمهات التي معها أطفالها ومراده أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزوّدوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوه. وقال ابن قتيبة: يريد النساء والصبيان ولكنه استعار ذلك يعني أنهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام وليكون أدعى إلى عدم الفرار، ويحتمل إرادة المعنى الأعم وعند ابن سعد معهم العوذ المطافيل والنساء والصبيان (وهم مقاتلوك وصادّوك) أي مانعوك (عن البيت) الحرام (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(إنّا لم نجيء لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وأن قريشًا قد نهكتهم الحرب) بفتح أوله وبفتح الهاء وكسرها في الفرع كأصله أي أبلغت فيهم حتى أضعفت قوّتهم وهزلتهم أو أضعفت أموالهم (وأضرّت بهم فإن شاؤوا ماددتهم) أي جعلت بيني وبينهم (مدة) معينة أترك قتالهم فيها (ويخلوا بيني وبين الناس) أي من كفار العرب وغيرهم زاد أبو ذر عن المستملي والكشميهني إن شاؤوا (فإن أظهر) بالجزم (فإن شاؤوا) شرط معطوف على الشرط الأول (أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس) من طاعتي وجواب الشرطين قوله (فعلوا وإلا) أي وإن لم أظهر (فقد جمعوا) بفتح الجيم وتشديد الميم المضمومة أي استراحوا من جهد القتال، ولابن عائذ من وجه آخر عن الزهري: فإن ظهر الناس عليّ فذلك الذي يبغون فصرّح بما حذفه هنا من القسم الأول والتردد في قوله فإن أظهر ليس شكًّا في وعد الله أنه سينصره ويظهره بل على طريق التنزيل وفرض الأمر على ما زعم الخصم (وإن هم أبوا) امتنعوا (فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي) بالسين المهملة وككسر اللام أي حتى تنفصل رقبتي أي حتى أموت أو حتى أموت وأبقى منفردًا في قبري (ولينفذن الله أمره) بضم المثناة التحتية وسكون النون وبالذال المعجمة وتشديد النون وضبطه في المصابيح كالتنقيح بتشديد الفاء المكسورة أي ليمضين الله أمره في نصر دينه.
(فقال بديل: سأبلغهم) بفتح الموحدة وتشديد اللام (ما تقول. قال فانطلق) بديل (حتى أتى قريشًا قال: إنّا جئناكم من هذا الرجل) يعني النبي ﷺ (وسمعناه يقول قولاً فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم) قال في الفتح: سمى الواقدي منهم عكرمة بن أبي جهل، والحكم بن أبي وقاص: (لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم: هات) بكسر التاء أي أعطني (ما سمعته يقول قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدّثهم بما قال النبي ﷺ فقام عروة بن مسعود) هو ابن معتب بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الفوقية المشددة الثقفي أسلم ورجع إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فقتلوه (فقال: أي قوم) أي يا قوم (ألستم بالوالد) أي مثل الأب في الشفقة لولده؟
(قالوا: بلى. قال: أو لستم بالولد) مثل الابن في النصح لوالده؟ (قالوا: بلى) وعند ابن إسحاق عن الزهري أن أم عروة هي سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف فأراد بقوله ألستم بالوالد إنكم قد ولدتموني في الجملة لكون أمي منكم، ولأبي ذر فيما قاله الحافظ ابن حجر ألستم بالولد وألست بالوالد والأول هو الصواب وهو الذي في رواية أحمد وابن إسحاق وغيرهما (قال: فهل تتهموني)؟ ولأبي ذر تتهمونني بنوني على الأصل أي هل تنسبونني إلى التهمة (قالوا: لا). نتهمك (قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ) بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وآخره ظاء معجمة غير منصرف لأبي ذر ولغيره بالتنوين أي دعوتهم
стр. 1890
للقتال نصرة لكم (فلما بلحوا علّي) بالموحدة وتشديد اللام المفتوحتين ثم حاء مهملة مضمومة امتنعوا أو عجزوا (جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني. قالوا: بلى. قال: فإن هذا) يعني النبي ﷺ (وقد عرض لكم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عليكم (خطة رشد) بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي خصلة خير وصلاح وإنصاف (اقبلوها ودعوني) اتركوني (آتيه) بالمد والياء على الاستئناف أي أنا آتيه، ولأبي ذر: آته مجزومًا بحذف الياء على جواب الأمر والهاء مكسورة أي أجيء إليه (قالوا ائته) بهمزة وصل فهمزة قطع ساكنة فمثناة فوقية مكسورة فهاء مكسورة أمر من أتى يأتي (فأتاه) ﵊ عروة (فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ ¬) لعروة (نحوًا من قوله لبديل) السابق.
وزاد ابن إسحاق وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا (فقال عروة عند ذلك) أي عند قوله لأقاتلنّهم (أي محمد) أي يا محمد (أرأيت) أي أخبرني (إن استأصلت أمر قومك) أي استهلكتهم بالكلية (هل سمعت بأحد من العرب اجتاح) بتقديم الجيم على الحاء المهملة أهلك (أهله قبلك) بالكلية ولأبي ذر في نسخة أصله كذا في الفرع كأصله وضبب على الأولى (وإن تكن الأخرى) قال الكرماني وتبعه العيني: وإن تكن الدولة لقومك فلا يخفى ما يفعلون بكم فجواب الشرط محذوف وفيه رعاية الأدب مع رسول الله ﷺ حيث لم يصرح إلا بشق غالبيته، وقال في المصابيح: التقدير وإن تكن الأخرى لم ينفعك أصحابك، وأما قول الزركشي: التقدير وإن كانت الأخرى كانت الدولة للعدوّ وكان الظفر لهم عليك وعلى أصحابك فقال في المصابيح: هذا التقدير غير مستقيم لما يلزم عليه من اتحاد الشرط والجزاء لأن الأخرى هي انتصار العدوّ وظفرهم فيؤل التقدير إلى أنه إن انتصر أعداؤك وظفروا كانت الدولة لهم وظفروا.
(فإني والله لا أرى وجوهًا) أي أعيان الناس (وإني لأرى أشوابًا من الناس) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وتقديمها على الواو أخلاطًا من الناس من قبائل شتى ولأبي ذر عن الكشميهني: أو شابًّا بتقديم الواو على المعجمة ويروى أوباشًا بتقديم الواو والموحدة أخلاطًا من السفلة (خليقًا) بالخاء المعجمة والقاف حقيقًا (أن يفروا) أي بأن يفروا (ويدعوك) يتركوك لأن العادة جرت أن الجيوش المجمعة لا يؤمن عليها الفرار بخلاف من كان من قبيلة واحدة فإنهم يأنفون الفرار في العادة وما علم عروة أن مودة الإسلام أبلغ من مودة القرابة (فقال له أبو بكر ﵁)
ولأبي ذر: أبو بكر الصديق وكان خلف رسول الله ﷺ قاعدًا فيما ذكره ابن إسحاق (امصص) بهمزة وصل فميم ساكنة فصادين مهملتين الأولى مفتوحة بصيغة الأمر من مصص يمصص من باب علم يعلم، ولأبي ذر وحكاه ابن التين عن رواية القابسي امصص بضم الصاد وخطأها (ببظر اللات) بفتح الموحدة بعد الجارة وسكون المعجمة قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة. وقال الداودي: البظر فرج المرأة. قال السفاقسي: والذي عند أهل اللغة أنه ما يخفض من فرج المرأة أي يقطع عند خفاضها.
وقال في القاموس: البظر ما بين اسكتي المرأة الجمع بظور كالبيظر والبنظر بالنون كقنفذ والبظارة وتفتح وأمة بظراء طويلته والاسم البظر محركة واللام اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وقد كانت عادة العرب الشتم بذلك تقول: ليمصص بظر أمه فاستعار ذلك أبو بكر ﵁ في اللات لتعظيمهم إياه فقصد المبالغة في سبّ عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبته إلى الفرار ولأبي ذر: بظر بإسقاط حرف الجر (أنحن نفرّ عنه وندعه)؟ استفهام إنكاري، (فقال) أي عروة (من ذا)؟ أي المتكلم (قالوا: أبو بكر. قال) عروة (أما) بالتخفيف حرف استفتاح (والذي نفسي بيده لولا يد) أي نعمة ومنّة (كانت لك عندي لم أجزك) بفتح الهمزة وسكون الجيم وبالزاي أي لم أكافئك (بها لأجبتك) وبين عبد العزيز الإمامي عن الزهري في هذا الحديث أن اليد المذكورة أن عروة كان تحمل بدية فأعانه
стр. 1891
فيها أبو بكر بعون حسن وفي رواية الواقدي عشر قلائص قاله الحافظ ابن حجر.
(قال وجعل) عروة (يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم) زاد أبو ذر عن الحموي والكشميهني كلمة والذي في اليونينية كلمه بدل قوله تكلم. وفي نسخة فكلما كلمه (أخذ بلحيته) الشريفة على عادة العرب من تناول الرجل لحية من يكلمه لا سيما عند الملاطفة (ومغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه سيف) قصدًا لحراسته (وعليه) أي على المغيرة (المغفر) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء ليستخفي من عروة عمه (فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده) إجلالاً للنبي ﷺ وتعظيمًا (بنعل السيف) وهو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها (وقال له: أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ¬) زاد عروة بن الزبير فإنه لا ينبغي لمشرك أن يمسه (فرفع عروة رأسه فقال: من هذا)؟ الذي يضرب يدي (قالوا) ولأبي ذر قال (المغيرة بن شعبة) وعند ابن إسحاق فتبسم رسول الله ﷺ فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال في الفتح. وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من حديث المغيرة بن شعبة نفسه بإسناد صحيح وأخرجه ابن حبان.
(فقال) عروة مخاطبًا للمغيرة (أي غدرًا) بضم الغين المعجمة وفتح الدال أي يا غدر معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر (ألست أسعى في غدرتك) أي ألست أسعى في دفع شرّ خيانتك ببذل المال (وكان المغيرة) قبل إسلامه (صحب قومًا في الجاهلية) من ثقيف من بني مالك لما خرجوا زائرين المقوقس بمصر فأحسن إليهم وقصر بالمغيرة فحصلت له الغيرة منهم لأنه ليس من القوم فلما كانوا
بالطريق شربوا الخمر فلما سكروا وناموا غدر بهم (فقتلهم) جميعًا (وأخذ أموالهم) فلما بلغ ثقيفًا فعل المغيرة تداعوا للقتال فسعى عروة عم المغيرة حتى أخذوا منه ديّة ثلاثة عشر نفسًا واصطلحوا فهذا هو سبب قوله أي غدر (ثم جاء) إلى المدينة (فأسلم) فقال له أبو بكر: ما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم وجئت بأسلابهم إلى رسول الله ﷺ لتخمس أو ليري رأيه فيها (فقال النبي ﷺ ¬):
(أما الإسلام) بالنصب على المفعولية (فأقبل) بلفظ المضارع أي أقبله (وأما المال فلست منه في شيء) أي لا أتعرض له لكونه أخذه غدرًا لأن أموال المشركين وإن كانت مغنومة عند القهر فلا يحلّ أخذها عند الأمن، فإذا كان الإنسان مصاحبًا لهم فقد أمّن كل واحد منهما صاحبه فسفك الدماء وأخذ الأموال عند ذلك غدر والغدر بالكفار وغيرهم محظور وإنما تحل أموالهم بالمحاربة والمغالبة ولعله ﷺ ترك المال في يده لإمكان أن يسلم قومه فيردّ إليهم أموالهم.
(ثم وإن عروة جعل يرمق) بضم الميم أي يلحظ (أصحاب النبي ﷺ بعينيه) بالتثنية (قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة) بضم النون ما يصعد من الصدر إلى الفم (إلا وقعت في كل رجل منهم فدلك بها) أي بالنخامة (وجهه وجلده) تبركًا بفضلاته وزاد ابن إسحاق ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه (وإذا أمرهم ابتدروا أمره) أي أسرعوا إلى فعله (وإذا توضأ كانوا يقتتلون على وضوئه) بفتح الواو وفضلة الماء الذي توضأ به أو على ما يجتمع من القطرات وما يسيل من الماء الذي باشر أعضاءه الشريفة عند الوضوء، (وإذا تكلم) ﵊ ولأبي ذر وإذا تكلموا أي الصحابة (خفضوا أصواتهم عنده وما يحدّون) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول في اليونينية بالحاء المهملة (إليه النظر) أي ما يتأملونه ولا يديمون النظر إليه (تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم) أي يا قوم (والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر) غير منصرف للعجمة وهو لقب لكلٍّ من ملك الروم (وكسرى) بكسر الكاف وتفتح اسم لكل من ملك الفرس (والنجاشي) بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة وتشديد التحتية وتخفف لقب من ملك الحبشة، وهذا من باب عطف الخاص على العام وخصّ الثلاثة بالذكر لأنهم كانوا أعظم ملوك ذلك الزمان (والله إن)
стр. 1892
بكسر الهمزة نافية أي ما (رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد) ﷺ (محمدًا والله إن) بكسر الهمزة نافية أي ما (تنخم) بلفظ الماضي ولأبي ذر يتنخم (نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم) ﵊ ولأبي ذر تكلموا بضمير الجمع أي الصحابة (خفضوا أصواتهم عنده) إجلالاً له وتوقيرًا (وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له وإنه) بكسر الهمزة ﵊ (قد عرض عليكم خطة رشد) بضم الخاء المعجمة وتشديد المهملة أي خصلة خير وصلاح (فاقبلوها) بهمزة وصل وفتح الموحدة.
(فقال رجل من بني كنانة) هو الحليس بمهملتين مصغرًا ابن علقمة سيد الأحابيش كما ذكره الزبير بن بكار (دعوني آتيه) بتحتية قبل الهاء ولأبي ذر آته بحذفها مجزومًا مع كسر الهاء (فقالوا ائته) بهمزة ساكنة وكسر الهاء فأتى (فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ ¬): (هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن) بضم الموحدة وسكون الدال المهملة جمع بدنة وهي من الإبل والبقر (فابعثوها) أي أثيروها (له) (فبعثت له واستقبله الناس) حال كونهم (يلبون) بالعمرة (فلما رأى) الكناني (ذلك) المذكور من البدن واستقبال الناس له بالتلبية (قال) متعجبًا (سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا) بضم أوله وفتح الصاد المهملة أي يمنعوا (عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال) لهم: (رأيت البدن قد قلدت) بضم القاف وكسر اللام المشددة أي علق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي (وأشعرت) بضم أوّله وسكون المعجمة وكسر المهملة أي طعن في سنامها بحيث سأل دمها ليكون علامة للهدي أيضًا (فما رأى) بفتح الهمزة (أن يصدوا عن البيت) زاد ابن إسحاق وغضب وقال: يا معشر قريش ما على هذا عاقدناكم أيصدّ عن بيت الله من جاء معظّمًا له. فقالوا: كفّ عنّا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى.
(فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء بعدها زاي ابن الأخيف بخاء معجمة فتحتية ففاء وهو من بني عامر بن لؤي (فقال: دعوني آتيه) ولأبي ذر آته بحذف التحتية (فقالوا: ائته فلما أشرف عليهم) على النبي ﷺ وأصحابه (قال النبي ﷺ ¬) (هذا مكرز وهو رجل فاجر) أي غادر لأنه كان مشهورًا بالغدر ولم يصدر منه في قصة الحديبية فجور ظاهر (فجعل) أي مكرز (يكلم النبي ﷺ فبينما) بالميم (هو) أي مكرز (يكلمه) ﵊ (إذ جاء سهيل بن عمرو (تصغير سهل وعمرو بفتح العين (قال معمر) هو ابن راشد بالإسناد السابق (فأخبرني) بالإفراد (أيوب) هو السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (أنه لما جاء سهيل بن عمرو) سقط لأبي ذر ابن عمرو (قال النبي ﷺ ¬) (لقد) ولأبي ذر: قد (سهل لكم من أمركم) بفتح السين المهملة وضم الهاء وهذا مرسل، وله شاهد موصول عند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع قال: بعثت قريش بسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى إلى النبي ﷺ ليصالحوه، فلما رأى النبي ﷺ سهيلاً قال: "قد سهل لكم من أمركم" وهذا من باب التفاؤل، وكان ﵊ يعجبه الفأل الحسن وأتى بمن التبعيضية في قوله: من أمركم إيذانًا بأن السهولة الواقعة في هذه القصة ليست عظيمة قيل ولعله ﵊ أخذ ذلك من التصغير الواقع في سهيل فإن تصغيره يقتضي كونه ليس عظيمًا.
(قال معمر) بالإسناد السابق أيضًا (قال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (في حديثه) السابق فحديث عكرمة معترض في أثنائه (فجاء سهيل بن عمرو) في رواية ابن إسحاق فلما انتهى إلى النبي ﷺ جرى بينهما القول حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب عشر سنين وأن يؤمن بعضهم بعضًا وأن يرجع عنهم عامهم (فقال) سهيل (هات) بكسر التاء (اكتب بيننا وبينكم كتابًا
فدعا النبي ﷺ الكاتب) هو عليّ بن أبي طالب
стр. 1893
(فقال) له (النبي ﷺ ¬): (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) (قال) ولأبي ذر فقال: (سهيل أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ما هي بتأنيث الضمير أي كلمة الرحمن (ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب) وكان ﵊ يكتب كذلك في بدء الإسلام كما كانوا يكتبونها في الجاهلية فلما نزلت آية النمل كتب بسم الله الرحمن الرحيم فأدركتم حمية الجاهلية (فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي ﷺ ¬): لعلي ﵁ (اكتب باسمك اللهم ثم قال) ﵊ اكتب (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي ﷺ ¬): (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني) بتشديد المعجمة وجزاؤه محذوف (اكتب محمد بن عبد الله). (قال الزهري): محمد بن مسلم بن شهاب بالسند السابق (وذلك) أي أجابته لسؤال سهيل حيث قال: اكتب باسمك اللهم، واكتب محمد بن عبد الله (لقوله) ﵊ السابق (لا يسألوني) أي قريش، ولأبي ذر: لا يسألونني بنوني على الأصل (خطة) بضم الخاء المعجمة خصلة (يعظمون فيها حرمات الله) يكفون بها عن القتال في الحرم (إلا أعطيتهم إياها) أي أجبتهم إليها (فقال له النبي ﷺ ¬): (على أن تخلوا بيننا وبين البيت) العتيق (فنطوف به) بالتخفيف وبالنصب عطفًا على المنصوب السابق وفي نسخة فنطوف بالرفع على الاستئناف وفي أخرى فنطوّف بتشديد الطاء والواو وأصله نتطوّف وبالنصب والرفع (فقال سهيل: والله لا) نخلي بينك وبين البيت الحرام (تتحدث العرب أنا أخذنا) بضم الهمزة وكسر الخاء (ضغطة) بضم الضاد وسكون الغين المعجمتين وبالنصب على التمييز قهرًا والجملة استئنافية وليست مدخولة لا (ولكن ذلك) أي التخلية (من العام المقبل فكتب) علّي ذلك. (فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا). وفي رواية عقيل عن الزهري في أوّل الشروط لا يأتيك منا أحد وهي تعمّ بالرجال والنساء فيدخلن في هذا الصلح ثم نسخ ذلك الحكم فيهن أو لم يدخلن إلا بطريق العموم فخصصن.
(قال المسلمون) قال في الفتح وقائل ذلك يشبه أن يكون عمر لما سيأتي، وممن قال أيضًا
أسيد بن حضير وسعد بن عبادة كما قاله الواقدي وسهل بن حنيف (سبحان الله، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء) حال كونه (مسلمًا فبينما هم كذلك) بالميم في بينما (إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو) بالجيم والنون بوزن جعفر وسهيل بضم السين مصغرًا وعمرو بفتح العين واسم أبي جندل العاص وكان حبس حين أسلم وعذب فخرج من السجن وتنكب الطريق وركب الجبال حتى هبط على المسلمين حال كونه (يرسف) بفتح أوّله وسكون الراء وضم السين المهملة آخره فاء يمشي (في قيوده) مشي المقيد المثقل (وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال) أبوه: (سهيل هذا يا محمد أوّل ما) ولأبي ذر عن الكشميهني من (أقاضيك عليه أن تردّه إليّ فقال النبي ﷺ ¬): (إنّا لم نقضِ الكتاب بعد) بنون مفتوحة فقاف ساكنة فضاد معجمة أي لم نفرغ من
كتابته، ولأبي ذر عن المستملي والحموي: لن نفض بالفاء وتشديد المعجمة. (قال) سهيل: (فوالله إذًا) بالتنوين (لم أصالحك) وفي نسخة لا أصالحك (على شيء أبدًا. قال النبي ﷺ ¬): (فأجزه) بهمزة مفتوحة فجيم مكسورة فزاي ساكنة أي امض (لي) فعلي فيه فلا أردّه إليك (قال) سهيل: (ما أنا بمجيزه) ولأبي ذر: بمجيز ذلك (لك. قال) ﵊: (بلى فافعل) (قال) سهيل: (ما أنا بفاعل. قال مكرز) بكسر الميم وسكون الكاف وبعد الراء المفتوحة زاي ابن حفص وكان ممن أقبل مع سهيل بن عمرو في التماس الصلح (بل قد أجزناه) بحرف الإضراب وللكشميهني كما في الفتح بلى أي نعم. وفي نسخة قال مكرز قد أجزناه (لك. قال أبو
стр. 1894
جندل أي معشر المسلمين أردّ) بضم الهمزة وفتح الراء (إلى المشركين وقد جئت) حال كوني (مسلمًا ألا ترون ما قد لقيت) بفتح القاف في اليونينية فقط وفي غيرها لقيت بكسرها (وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله) زاد ابن إسحاق فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإنّا لا نغدر وإن الله جاعل لك فرجًا ومخرجًا".
وقول الكرماني فإن قلت: لم رد أبا جندل إلى المشركين وقد قال مكرز أجزناه لك؟ وجوابه: بأن المتصدي لعقد المهادنة هو سهيل لا مكرز فالاعتبار بقول المباشر لا بقول مكرز متعقب بما نقله في فتح الباري عن الواقدي أنه روى أن مكرزًا كان ممن جاء في الصلح مع سهيل وكان معهما حويطب بن عبد العزى، وأنه ذكر في روايته ما يدل على أن إجازة مكرز لم تكن في أن لا يرده إلى سهيل بل في تأمينه من التعذيب، وأن مكرزًا وحويطبًا أخذا أبا جندل فأدخلاه فسطاطًا وكفا أباه عنه. وقال الخطابي: إنما ردّه إلى أبيه والغالب أن أباه لا يبلغ به الهلاك.
(فقال) ولأبي ذر قال (عمر بن الخطاب) ﵁: (فأتيت نبي الله ﷺ فقلت) له (ألست نبي الله) بالنصب خبر ليس (حقًّا؟ قال) ﵊ (بلى) (قلت ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال) ﵊: (بلى) (قلت: فلِمَ نُعطي الدنيّة) بفتح الدال والمهملة وكسر النون وتشديد التحتية والأصل فيه الهمزة لكنه خفّف وهو صفة لمحذوف أي الحالة الدنيّة الخبيثة (في ديننا إذًا) بالتنوين أي حينئذٍ (قال): (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري) فيه تنبيه لعمر- ﵁ على إزالة ما حصل عنده من القلق، وأنه ﷺ لم يفعل ذلك إلا لأمر أطلعه الله عليه من حبس الناقة وأنه لم يفعل ذلك إلا بوحي من الله. قال عمر ﵁ (قلت) له ﵊: (أوليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به) بالتخفيف وفي نسخة فنطّوّف بتشديد الطاء والواو وعند الواقدي أنه ﷺ كان رأى في منامه قبل أن يعتمر أنه دخل هو وأصحابه البيت فلما رأوا تأخير ذلك شقّ عليهم (قال) ﵊: (بلى فأخبرتك أنّا نأتيه العام) هذا (قال) عمر (قلت لا. قال: فإنك آتيه ومطوّف به) بتشديد الطاء المفتوحة والواو المكسورة المشددة أيضًا.
(قال) عمر (فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًّا)؟ وفي اليونينية نبي الله بالنصب (قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي) الخصلة (الدنيّة) الخبيثة (في ديننا إذًا) أي حينئذٍ (قال) أبو بكر ﵁ مخاطبًا لعمر رضي الله
عنهما (أيها الرجل إنه لرسول الله) ولأبي ذر إنه رسول الله (¬ ﷺ وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه) بفتح العين المعجمة وبعد الراء الساكنة زاي وهو للإبل بمنزلة الركاب للفرس أي فتمسك بأمره ولا تخالفه كما يتمسك المرء بركاب الفارس فلا يفارقه، (فوالله إنه على الحق) قال عمر: (قلت أليس كان) ﵊: (يحدّثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به) ولأبي ذر فنطوّف بالفاء بدل الواو والتشديد (قال) أبو بكر: (بلى أفأخبرك) ﵊ (أنك تأتيه العام) هذا قال عمر: (قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوّف به) بالتشديد مع كسر الواو وفي ذلك دلالة على فضيلة أبي بكر ووفور عمله لكونه أجاب به الرسول ﷺ .
(قال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب بالسند السابق (قال عمر) ﵁ (فعملت لذلك) التوقف في الامتثال ابتداء (أعمالاً) صالحة. وعند ابن إسحاق فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الذي تكلمت به، وعند الواقدي من حديث ابن عباس قال عمر ﵁: لقد أعتقت بسبب ذلك رقابًا وصمت دهرًا الحديث. ولم يكن هذا شكًّا منه في الدين بل ليقف على الحكمة في القضية وتنكشف عنه الشبهة وللحثّ على إذلال الكفار كما عرف من قوّته في نصرة الدين وقول الزهري هذا منقطع بينه وبين عمر.
(قال: فلما فرغ من قضية الكتاب)
стр. 1895
وأشهد على الصلح رجالاً من المسلمين منهم أبو بكر وعمر وعليّ ورجالاً من المشركين منهم مكرز بن حفص (قال رسول الله ﷺ لأصحابه): (قوموا فانحروا) الهدي (ثم احلقوا) رؤوسكم (قال فوالله ما قام منهم رجل) رجاء نزول الوحي بإبطال الصلح المذكور ليتم لهم قضاء نسكهم أو لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور (حتى قال) ﵇ لهم (ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل) ﵇ (على أم سلمة) ﵂ (فذكر لها ما لقي من الناس) من كونهم لم يفعلوا ما أمرهم به (فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك)؟ وعند ابن إسحاق قالت أم سلمة: يا رسول الله لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقّة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح ويحتمل أنها فهمت من الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي ﷺ أمرهم بالتحلّل أخذًا بالرخصة في حقهم وأنه هو يستمر على الإحرام أخذًا بالعزيمة في حق نفسه فأشارت عليه أن يتحلل لينفي عنهم هذا الاحتمال فقالت: (اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك) بضم الموحدة وسكون المهملة (وتدعو حالقك) بنصب الفعل عطفًا على الفعل المنصوب قبله (فيلحقك فخرج) ﵊ (فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه) بضم الموحدة وسكون المهملة وكانوا سبعين بدنة فيها جمل لأبي جهل في رأسه برّة من فضة ولأبي ذر عن الكشميهني هديه (ودعا حالقه) هو خراش بمعجمتين ابن أمية بن الفضل الخزاعي الكعبي (فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا) هديهم ممتثلين ما أمرهم به إذ لم تبق بعد ذلك غاية تنتظر (وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا) أي
ازدحامًا وفيه فضيلة أم سلمة ووفور عقلها، وقد قال إمام الحرمين في النهاية: قيل ما أشارت امرأة بصواب إلا أم سلمة في هذه القضية.
(ثم جاءه) ﵊ (نسوة مؤمنات) بعد ذلك في أثناء مدة الصلح (فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾) نصب على الحال (﴿فامتحنوهن﴾) فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن (حتى بلغ ﴿بعصم الكوافر﴾) [الممتحنة: ١٠] بما تعتصم به الكافرات من عقد ونسب جمع عصمة والمراد نهي المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات وبقية الآية ﴿الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ أي إلى أزواجهن الكفرة لقوله: ﴿لا هنّ حلٌّ لهم ولا هم يحلُّون لهنّ وآتوهم ما أنفقوا﴾ أي ما دفعوا إليهن من المهور، وهذه الآية على رواية لا يأتيك منّا أحد وإن كان على دينك إلا رددته تكون مخصصة للسنة وهذا من أحسن أمثلة ذلك وعلى طريقة بعض السلف ناسخة من قبيل نسخ السنة بالكتاب، أما على رواية: لا يأتيك منا رجل فلا إشكال فيه.
(فطلق عمر) ﵁ (يومئذٍ امرأتين) قريبة بنت أبي أمية وابنة جرول الخزاعي كما في الرواية التالية (كانتا له في الشرك) لقوله تعالى في الآية ﴿لا هنّ حِلٌّ لهم ولا هم يحلُّون لهنّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقد كان ذلك جائزًا في ابتداء الإسلام (فتزوّج إحداهما) وهي قريبة (معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية) وفي الرواية اللاحقة وتزوج الأخرى أبو جهم.
(ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير) بفتح الموحدة وكسر الصاد المهملة (رجل من قريش) بدل من أبو بصير ومعنى كونه من قريش أنه منهم بالحلف وإلاّ فهو ثقفي واسمه عتبة بضم العين المهملة وسكون الفوقية ابن أسيد بفتح الهمزة على الصحيح ابن جارية بالجيم الثقفي حليف بني زهرة وبنو زهرة من قريش (وهو مسلم) جملة حالية (فأرسلوا) أي قريش (في طلبه رجلين) هما خنيس بخاء معجمة مضمومة ونون مفتوحة آخره سين مهملة مصغرًا ابن جابر وأزهر بن عوف لزهريّ إلى رسول الله ﷺ (فقالوا العهد الذي جعلت لنا) يوم الحديبية أن ترد إلينا من جاء منا وإن كان على دينك وسألوه أن يردّ إليهم أبا بصير كما وقع في الصلح (فدفعه) ﵇ (إلى الرجلين) وفاء بالعهد (فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد
следующие страницы →