Полный текст (4 743 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
سبيل التعريض وإبانة لفضلها (﴿والمهاجرين والأنصار﴾) أي وتاب عليهم حقيقة لأنه لا ينفك الإنسان عن الزلات أو كانوا يتوبون على وساوس تقع في قلوبهم (﴿الذين اتبعوه﴾) حقيقة بأن خرج أوّلاً وتبعوه أو مجازًا عن اتباعهم أمره ونهيه (﴿في ساعة العسرة﴾) في وقت الشدة الحاصلة لهم في غزوة تبوك أي من عسرة الزاد والماء والظهر والقيظ وبعد الشقة إذ السفرة كلها تبع لتلك الساعة وبها يقع الأجر على الله تعالى وإن كان عرف الساعة لما قل من الزمن كالقطعة من النهار كساعات الرواح إلى الجمعة، فالمراد بها هنا من وقت الخروج إلى العود روي أنه لما نفد زادهم كان النفر منهم يمصون التمرة تداولاً بينهم وإنهم عطشوا حتى نحروا بعض إبلهم فشربوا عصارة ما في كروشها حتى استسقى لهم ﷺ فأمطرت عليهم سحابة لم تتجاوزهم وكان الرجلان والثلاثة يتعقبون البعير الواحد (﴿من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم﴾) عن الثبات على الإيمان أو اتباع الرسول ما نالهم من المشقة والشدة (﴿ثم تاب عليهم﴾) تكرير للتوكيد من حيث المعنى فيكون الضمير للنبي ﷺ والمهاجرين والأنصار ويجوز أن يكون الضمير للفريق المذكور في قوله كاد تزيغ قلوب فريق منهم لصدور الكيدودة منهم (﴿إنه بهم رؤوف رحيم﴾) [التوبة: ١١٧] حتى تاب عليهم وسقط قوله في ساعة العسرة الخ لأبي ذر وقال: بعد قوله ﴿اتبعوه﴾ الآية.
٤٦٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ.
قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
كَعْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر بن الطبري المصري (قال: حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (ابن وهب) عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (قال أحمد): هو ابن صالح شيخ المؤلّف المذكور (وحدّثنا) أيضًا (عنبسة) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الموحدة والسين المهملة ابن خالد بن يزيد الأيلي ابن أخي يونس قال: (حدّثنا) عمي (يونس) الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الرحمن بن كعب) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله ولأبي ذر زيادة ابن مالك (قال: أخبرني) بالإفراد أيضًا أبي (عبد الله بن كعب) الأنصاري المدني الشاعر.
قال في فتح الباري: والحاصل أن أحمد بن صالح روى هذا الحديث عن شيخين عن يونس لكن فرقهما لاختلاف الصيغة، ثم ظاهره أن السند بينهما متحد وليس كذلك لأن في رواية ابن وهب أن شيخ ابن شهاب هنا هو عبد الرحمن بن كعب كما في رواية عنبسة وليس كذلك بل هو في رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب كذلك أخرجه النسائي عن سليمان بن مهران عن ابن وهب، ولعل البخاري بناه على أن عبد الرحمن نسب لجده فتتحد الروايتان على ذلك الحافظ أبو علي الصدفي فيما قرأته بخطه بهامش نسخته وقد أفرد البخاري رواية ابن وهب بهذا الإسناد في النذر فوقع في رواية أبي ذر عبد الرحمن بن كعب، وإنما أخرج النسائي بعض الحديث وقد وجدت بعض الحديث أيضًا في سنن أبي داود عن سليمان بن داود شيخ البخاري فيه كما في النسائي، وعن أبي الطاهر بن السراج عن ابن وهب كذلك.
وقد تعقبه تلميذه شيخنا الحافظ أبو الخير السخاوي -رحمه الله تعالى- فيما وجد بخطه في حاشية نسخته من فتح الباري بأن البخاري قد أخرج حديث عنبسة في وفود الأنصار فيما مضى ووقع هناك عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وأخرج حديث ابن وهب في النذر فيما سيأتي، ووقع أيضًا فيه كذلك وحينئذٍ فسندهما متحد وكذا رأيت الدمياطي ألحق هنا في نسخته مما صحح عليه عبد الله في نسب عبد الرحمن وكذا ثبت عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب في سنن أبي داود حسبما ثبت في رواية اللؤلؤي وابن داسة عنه عن شيخه ابن السراج وسليمان بن داود المهري كلاهما عن ابن وهب. نعم قيل إن الذي في رواية ابن داسة عبد الله بن عبد الله بن كعب وهو وهم لأن عبد الله الأول إنما هو عبد الرحمن وأما روايته فهي كما مر في روايتي ابن السني وابن الأحمر عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك
стр. 2977
بدونها وحينئذٍ فهذا خلاف ما اقتضاه كلام شيخنا من اتحاد سند أبي داود والنسائي، ثم إن قوله سليمان بن مهران سهو إما من الكاتب أو من غيره فإنما هو ابن داود اهـ.
(وكان) أي عبد الله (قائد كعب) أبيه (من) بين (بنيه) بني بفتح الموحدة وكسر النون وسكون التحتية (حين عمي) وكان أبناؤه أربعة عبد الله وعبد الرحمن ومحمد وعبيد الله (قال: سمعت) أبي (كعب بن مالك في حديثه) الطويل في قصة توبته المسوق هنا مختصرًا مقتصرًا على المحتاج منه كالوصايا المنزل فيه قوله تعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ زاد في نسخة حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت (قال في آخر حديثه) يا رسول الله (إن من توبتي أن أنخلع) أن أخرج (من) جميع (مالي صدقة إلى الله ورسوله) بنصب صدقة أي لأجل التصدق أو حالاً بمعنى متصدقًا وإلى بمعنى اللام أي صدقة خالصة لله ولرسوله، ولأبي ذر: وإلى رسوله (فقال) له (النبي ﷺ ¬):
(امسك) عليك (بعض مالك فهو خير لك) من أن تضرر بالفقر وتجرع الصبر على الإضاقة.
١٨ - باب ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]
(﴿وعلى الثلاثة﴾) أي وتاب على الثلاثة فهو نسق على النبي أو على الضمير في عليهم: أي ثم تاب عليهم وعلى الثلاثة ولذا كرر حرف الجر والثلاثة هم كعب بن مالك الأسلمي وهلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العمري (﴿الذين خلفوا﴾) تخلفوا عن غزوة تبوك أو خلف أمرهم فإنهم المرجون (﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾) برحبها أي مع سعتها لشدة حيرتهم وقلقهم (﴿وضاقت عليهم أنفسهم﴾) فلم تتسع لصبر ما نزل بها من الهم والإشفاق (﴿وظنوا﴾) علموا (﴿أن لا ملجأ من الله﴾) أن لا مفر من عذاب الله (﴿إلا إليه﴾) بالتوبة والاستغفار والاستثناء من العام المحذوف أي لا ملجأ لأحد إلا إليه (﴿ثم تاب عليهم﴾) رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى (﴿ليتوبوا﴾) ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا أو ليتوبوا أيضًا فيما يستقبل كلما فرطت منهم زلة لأنهم علموا بالنصوص الصحيحة أن طريان الخطيئة يستدعي تجدد التوبة (﴿إن الله هو التوّاب﴾) على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة كما روي ما أصرّ من استغفر ولو عاد في اليوم مائة مرة (﴿الرحيم﴾) [التوبة: ١١٨] به بعد التوبة وسقط قوله وضاقت عليهم أنفسهم الخ ولأبي ذر وقال بعد قوله رحبت الآية.
٤٦٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ، أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَهْوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ: غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ، وَغَزْوَةِ بَدْرٍ، قَالَ: فَأَجْمَعْتُ
صِدْقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضُحًى وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلاَّ ضُحًى، وَكَانَ يَبْدَأُ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلَامِي وَكَلَامِ صَاحِبَيَّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأَمْرُ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ» قَالَتْ: أَفَلَا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قَالَ: «إِذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ» حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَكَانَ إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْقَمَرِ وَكُنَّا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنِ الأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ لَنَا التَّوْبَةَ، فَلَمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ فَاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤] الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد) هو ابن النضر النيسابوري أو ابن إبراهيم البوشنجي أو ابن يحيى الذهلي وبالأوّلين قال الحاكم وبالأخير أبو علي الغساني قال: (حدّثنا أحمد بن أبي شعيب) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله بن أبي شعيب مسلم. قال الحافظ ابن حجر: وقع في رواية ابن السكن حدّثني أحمد بن أبي شعيب من غير ذكر محمد المختلف فيه والأوّل هو المشهور وإن كان أحمد بن أبي شعيب من مشايخ المؤلّف قال: (حدّثنا موسى بن أعين) بفتح الهمزة والتحتية بينهما عين ساكنة وآخره نون الجزري بالجيم والزاي والراء قال: (حدّثنا إسحاق بن راشد) الجزري أيضًا (إن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (حدّثه قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه) عبد الله (قال: سمعت أبي كعب بن مالك وهو) أي كعب (أحد الثلاثة) هو وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع (الذين تيب عليهم) بكسر الفوقية وسكون التحتية مجهول تاب يتوب توبة (أنه لم يتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط غير غزوتين غزوة العسرة) بضم العين وسكون السين المهملتين وهي غزوة تبوك (وغزوة بدر قال: فأجمعت صدق رسول الله) ولأبي ذر عن الكشميهني صدقي رسول الله (¬ ﷺ ¬) أي بعد أن بلغه أنه ﵊ توجه قافلاً من الغزو واهتم لتخلفه من غير عذر وتفكّر فيما يخرج به من سخط الرسول وطفق يتذكر الكذب لذلك فأزاح الله عنه الباطل فأجمع على الصدق. أي جزم به وعقد عليه قصده وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا في رمضان (ضحى) وسقطت هذه اللفظة من كثير من الأصول.
(وكان) ﵊ (قلما يقدم من سفر
стр. 2978
سافره إلا ضحى وكان يبدأ بالمسجد فيركع) فيه (ركعتين) قبل أن يدخل منزله (ونهى النبي ﷺ ¬) أي بعد أن اعترف بين يديه أنه تخلف من غير عذر وقوله ﵊ له قم حتى يقضي الله فيك (عن كلامي وكلام صاحبي) هلال ومرارة لكونهما تخلفا من غير عذر واعترفا كذلك (ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا) وهم الذين اعتذروا إليه وقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى وكانوا بضعة وثمانين رجلاً (فاجتنب الناس كلامنا) أيها الثلاثة قال كعب (فلبثت كذلك حتى طال عليّ الأمر وما من شيء أهم إليّ من أن أموت فلا يصلّي عليّ النبي ﷺ أو يموت رسول الله ﷺ فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليّ) بكسر لام يصلي، وفي نسخة يصلى بفتحها ولأبي ذر عن الكشميهني ولا يسلم عليّ بدل يصلي، وفي نسخة حكاها القاضي عياض عن بعض الرواة ولا يسلمني والمعروف أن فعل السلام إنما يتعدى بعلى وقد يكون اتباعًا ليكلمني.
قال القاضي: أو يرجع إلى قول من فسر السلام بأن معناه إنك مسلم مني. قال في المصابيح: وسقطت ولا يسلمني للأصيلي كذا قال فليحرر (فأنزل الله) (توبتنا على نبيه ﷺ حين بقي الثلث الآخر من الليل) بعد مضي خمسين ليلة من النهي عن كلامهم (ورسول الله ﷺ عند أم سلمة) رضي الله تعالى عنها والواو للحال، (وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النون وتشديد التحتية أي ذات اعتناء ولأبي ذر عن الكشميهني معينة بضم الميم وكسر العين فتحتية ساكنة فنون مفتوحة أي ذات إعانة (في أمري) قال العيني: وليست بمشتقة من العون كما قاله بعضهم يريد الحافظ ابن حجر، وقد رأيت في هامش الفرع مما عزاه لليونينية ورأيته فيها عن عياض معنية يعني بفتح الميم وسكون العين كذا عند الأصيلي ولغيره معينة بضم الميم أي وكسر العين من العون قال والأوّل أليق بالحديث.
(فقال رسول الله ﷺ : يا أم سلمة تيب على كعب، قالت: أفلا) بهمزة الاستفهام (أرسل إليه فأبشره قال: إذًا يحطمكم الناس) بفتح أوّله وكسر ثالثه منصوب بإذا من الحطم بالحاء والطاء المهملتين وهو الدرس وللمستملي والكشميهني يخطفكم بفتح ثالثه والنصب من الخطف بالخاء المعجمة والفاء وهو مجاز عن الازدحام (فيمنعونكم النوم) بإثبات النون بعد الواو وللأصيلي فيمنعوكم بحذفها (سائر الليلة) أي باقيها (حتى إذا صلى رسول الله ﷺ صلاة الفجر آذن) بمد الهمزة أي أعلم (بتوبة الله علينا وكان) ﵊ (إذا استبشر استنار وجهه حتى كأنه قطعة من القمر) شبه به دون الشمس لأنه يملأ الأرض بنوره ويؤنس كل من شاهده ومجمع النور من غير أذى ويتمكن من النظر إليه بخلاف الشمس فإنها تكل البصر فلا يتمكن البصر من رؤيتها بالقطعة مع كثرة ما ورد في كثير من كلام البلغاء من التشبيه بالقمر من غير تقييد، وقد كان كعب قائل هذا من شعراء الصحابة فلا بد في التقييد بذلك من حكمة وما قيل في ذلك من أنه احتراز من السواد الذي في القمر ليس بقوي لأن المراد بتشبيهه ما في القمر من الضياء والاستنارة وهو في تمامه لا يكون فيها أقل مما في القطعة المجردة فكأن التشبيه وقع على بعض
الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر.
(وكنا أيها الثلاثة) بلفظ النداء ومعناه الاختصاص (الذين خلفوا) ولأبي ذر خلفنا (عن الأمر الذي قبل) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول كالسابق (من هؤلاء الذين اعتذروا) ووكّل سرائرهم إلى الله وليس المراد التخلف عن الغزو بل التخلف عن حكم أمثالهم من المتخلفين عن الغزو الذين اعتذروا وقبلوا (حين أنزل الله) (لنا التوبة، فلما ذكر) بالضم (الذين كذبوا رسول الله ﷺ من المتخلفين)
стр. 2979
كذب يتعدى بدون الصلة (فاعتذروا بالباطل ذكروا بشر ما ذكر به أحد قال الله : ﴿يعتذرون إليكم﴾) أي في التخلف (﴿إذا رجعتم إليهم﴾) من الغزو (﴿قل لا تعتذروا﴾) بالمعاذير الكاذبة (﴿لن نؤمن لكم﴾) لن نصدقكم أن لكم عذرًا (﴿قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله﴾) [التوبة: ٩٤] (الآية) يعني إن تبتم وأصلحتم رأى الله عملكم وجازاكم عليه وذكر الرسول لأنه شهيد عليهم ولهم سقط قوله الآية لأبي ذر.
وهذا الحديث قطعة من حديث كعب وقد ذكره المؤلّف تامًّا في المغازي.
١٩ - باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾) الذين صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وأعمالهم وخرجوا إلى الغزو لإخلاص أو الخطاب للمنافقين أي: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ في العلانية اتقوا الله وكونوا مع الذين صدقوا وأخلصوا النية. عن ابن عمر فيما ذكره ابن كثير ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ مع محمد وأصحابه وسقط التبويب لغير أبي ذر.
٤٦٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير ونسبه لجده قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام المجتهد (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن) أباه (عبد الله بن كعب بن مالك) ولأبي ذر عن عبد الله بن كعب بن مالك (وكان) عبد الله (قائد كعب بن مالك) زاد في السابقة من بنيه حين عمي (قال: سمعت كعب بن مالك يحدث) عن خبره (حين تخلف عن قصة تبوك) وإخباره
الرسول ﵊ بالصدق من شأنه بأنه لم يكن له عذر عن التخلف (فوالله ما أعلم أحدًا أبلاه الله) بالموحدة الساكنة أي أنعم الله عليه (في صدق الحديث أحسن مما أبلاني ما تعمدت منذ) بالنون ولأبي ذر مذ (ذكرت ذلك) القول الصدق (لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبًا وأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين﴾) ولأبي ذر زيادة ﴿والأنصار﴾ (إلى قوله ﴿وكونوا مع الصادقين﴾).
٢٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] مِنَ الرَّأْفَةِ
(باب قوله) (﴿لقد جاءكم رسول﴾) يعني محمدًا (﴿من أنفسكم﴾) من جنسكم صفة لرسول أي من صميم العرب وقرأ ابن عباس وأبو العالية وابن محيصن ومحبوب عن أبي عمرو ويعقوب من بعض طرقه وهي قراءته ﷺ وفاطمة وعائشة بفتح الفاء أي من أشرفكم، وقال الزجاج هي مخاطبة لجميع العالم والمعنى: لقد جاءكم رسول من البشر وإنما كان من الجنس لأن الجنس إلى الجنس أميل ثم رتب عليه صفات أخرى لتعداد المنن على المرسل إليهم فقال (﴿عزيز عليه﴾) أي شديد شاق (﴿ما عنتم﴾) عنتكم أي إثمكم وعصيانكم فما مصدرية وهي مبتدأ وعزيز خبر مقدم ويجوز أن يكون ما عنتم فاعلاً بعزيز وعزيز صفة لرسول ويجوز أن تكون ما موصولة أي يعز عليه الذي عنتموه أي عنتم بسببه فحذف العائد على التدريج كقوله:
يسر المرء ما ذهب الليالي … وكان ذهابهن له ذهابا
أي يسره ذهاب الليالي (﴿حريص عليكم﴾) أن تدخلوا الجنة (﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾) [التوبة: ١٢٨] وهي أشد الرحمة ولم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير نبينا ﷺ قاله الحسين بن الفضل وسقط لأبي ذر قوله: ﴿حريص﴾ الخ وقال بعد قوله: ﴿عنتم﴾ الآية.
٤٦٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁، وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلاَّ أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، وَلَا نَتَّهِمُكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ
النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إِلَى آخِرِهَِا. وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، وَاللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وَقَالَ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ. وَقَالَ مُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ، وَتَابَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن السباق) بالسين المهملة والموحدة المشدّدة المفتوحتين وبعد الألف قاف عبيد المدني الثقفي أبو سعيد (أن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ وكان ممن يكتب الوحي) لرسول الله ﷺ (قال: أرسل إليّ أبو بكر) الصديق في خلافته. قال الحافظ أبو الفضل: ولم أقف على اسم الرسول إليه بذلك (مقتل أهل اليمامة) ظرف زمان أي أيام، والمراد
стр. 2980
عقب مقاتلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم مسيلمة الكذاب سنة إحدى عشرة بسبب ادعائه النبوّة وارتداد كثير من العرب وقتل كثير من الصحابة (وعنده عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (فقال) لي (أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ) بسين مهملة ساكنة ففوقية ثم مهملة فراء مشددة مفتوحات أي اشتدّ وكثر (يوم) القتال الواقع في (اليمامة بالناس) قيل قتل بها من المسلمين ألف ومائة وقيل ألف وأربعمائة منهم سبعون جمعوا القرآن أي مجموعهم لا إن كل فرد جمعه (وإني أخشى أن يستحر القتل) أي يكثر (بالقراء في المواطن) التي يقع فيها القتال مع الكفار (فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تجمع) أنت (القرآن) ولأبي ذر: أن يجمع القرآن بضم أوّل يجمع مبنيًا للمفعول (قال أبو بكر: قلت): ولأبي ذر فقلت (لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال) لي (عمر: هو) أي جمع القرآن (والله خير) من تركه وهو ردّ لقوله كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ إنما لم يجمعه رسول الله ﷺ لما كان يترقبه من النسخ (فلم يزل عمر يراجعني فيه) في جمع القرآن (حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر) إذ هو من النصح لله ولرسوله ولكتابه وأذن فيه ﵊ بقوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: (لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن) وغايته جمع ما كان مكتوبًا قبل فلا يتوجه اعتراض الرافضة على الصديق.
(قال زيد بن ثابت): قال أبو بكر ذلك (وعمر عنده جالس لا يتكلم) ولأبي ذر جالس عنده
(فقال) ليس (أبو بكر: إنك) يا زيد (رجل شاب) أشار إلى نشاطه وقوّته فيما يطلب منه وبعده عن النسيان (عاقل) تعي المراد (ولا نتهمك) بكذب ولا نسيان والذي لا يتهم تركن النفس إليه وسقطت الواو لأبي ذر (كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ¬) أي فهو أكثر ممارسة له من غيره فجمع هذه الخصوصيات الأربعة فيه يدل على أنه أولى بذلك ممن لم تجتمع فيه (فتتبع القرآن فاجمعه) وقد كان القرآن كله كتب في العهد النبوي لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور قال زيد: (فوالله لو كلفني) أي أبو بكر (نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن) قال ذلك خوفًا من التقصير في إحصاء ما أمر بجمعه (قلت) للعمرين (كيف تفعلان شيئًا لم يفعله النبي) ولأبي ذر رسول الله (¬ ﷺ ؟ فقال) لي (أبو بكر: هو والله خير فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر) لما في ذلك من المصلحة العامة (فقمت فتتبعت القرآن) حال كوني (أجمعه) مما عندي وعند غيري (من الرقاع) بكسر الراء جمع رقعة من أديم أو ورق أو نحوهما (والأكتاف) بالمثناة الفوقية جمع كتف عظم عريض في أصل كتف الحيوان ينشف ويكتب فيه (والعسب) بضم العين والسين المهملتين آخره موحدة جمع عسيب وهو جريد النخل يكشطون خوصه ويكتبون في طرفه العريض (وصدور الرجال) الذين جمعوا القرآن وحفظوه كاملاً في حياته ﷺ كأبيِّ بن كعب ومعاذ بن جبل فيكون ما في الرقاع والأكتاف وغيرهما تقريرًا على تقرير (حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري) هو ابن ثابت بن الفاكه الخطمي ذو الشهادتين (لم أجدهما) أي الآيتين (مع أحد غيره) كذا بالنصب على كشط في الفرع كأصله وفي فرع آخر غيره بالجر أي لم أجدهما مع غير خزيمة مكتوبتين فالمراد بالنفي نفي وجودهما مكتوبتين لا نفي كونهما محفوظتين.
وعند ابن أبي داود من رواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب فجاء خزيمة بن ثابت فقال: إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما قالوا: وما هما؟ قال: تلقيت من رسول الله ﷺ (﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾) إلى آخر السورة. فقال عثمان:
стр. 2981
وأنا أشهد فأين ترى أن نجعلهما. قال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن.
وعن أبي العالية عن أبي بن كعب عند عبد الله ابن الإمام أنهم جمعوا القرآن في المصاحف في خلافة أبي بكر، وكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم أبي بن كعب: إن رسول الله ﷺ أقرأني بعدها آيتين ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ إلى ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩].
وعند أحمد قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين ﴿لقد جاءكم رسول﴾ إلى عمر بن الخطاب فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري والله إني أشهد لسمعتهما من رسول الله ﷺ ووعيتهما وحفظتهما فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله ﷺ ﴿لقد جاءكم رسول من
أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم﴾ (إلى آخرها) وسقط لأبي ذر: حريص عليكم (وكانت الصحف التي جمُع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر) رضي الله تعالى عنهما.
(تابعه) أي تابع شعيبًا في روايته عن الزهري (عثمان بن عمر) بضم العين وفتح الميم ابن فارس البصري العبدي فيما وصله أحمد وإسحاق في مسنديهما عنه (و) تابعه أيضاً (الليث) بن سعد الإمام فيما وصله المؤلّف في فضائل القرآن وفي التوحيد كلاهما (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري.
(وقال الليث) بن سعد فيما وصله أبو القاسم البغوي في فضائل القرآن (حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن خالد) الفهمي أمير مصر (عن ابن شهاب) الزهري فزاد الليث فيه شيخًا آخر عن الزهري (وقال مع أبي خزيمة الأنصاري) وهو ابن أوس بن أصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار بلفظ الكنية فخالف السابق.
(وقال موسى) بن إسماعيل فيما وصله المؤلّف في فضائل القرآن (عن إبراهيم) بن سعد أنه قال: (حدّثنا ابن شهاب) الزهري وقال: (مع أبي خزيمة) بلفظ الكنية. (وتابعه) أي وتابع موسى بن إسماعيل في روايته عن إبراهيم (يعقوب بن إبراهيم عن أبيه) إبراهيم بن سعد المذكور على قوله أبي خزيمة بالكنية وهذه وصلها أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف وغيره.
(وقال أبو ثابت) محمد بن عبيد الله المدني فيما وصله المؤلّف في الأحكام (حدّثنا إبراهيم) بن سعد المذكور (وقال مع خزيمة أو أبي خزيمة) بالشك والتحقيق كما قال في فتح الباري أن آية التوبة مع أبي خزيمة بالكنية، وآية الأحزاب مع خزيمة.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي في التفسير والنسائي في فضائل القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[١٠] سُورَةُ يُونُسَ
١ - باب
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ [يونس: ٢٤] فَنَبَتَ بِالْمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ وَ ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِىُّ﴾ [يونس: ٦٨] وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢] مُحَمَّدٌ ﷺ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَيْرٌ. يُقَالُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ يَعْنِي هَذِهِ أَعْلَامُ الْقُرْآنِ، وَمِثْلُهُ ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] الْمَعْنَى بِكُمْ ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ دُعَاؤُهُمْ ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ دَنَوْا مِنَ الْهَلَكَةِ ﴿أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] فَاتَّبَعَهُمْ وَأَتْبَعَهُمْ وَاحِدٌ. ﴿عَدْوًا﴾ مِنَ الْعُدْوَانِ،
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: ١١] قَوْلُ الإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ ﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] لأُهْلِكُ مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ وَلأَمَاتَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] مِثْلُهَا حُسْنَى ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ مَغْفِرَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ. ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ الْمُلْكُ.
([١٠] سورة يونس)
مكية وهي مائة وتسع آيات وقدم أبو ذر السورة على البسملة.
(وقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، وفي نسخة باب وقال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عنه (﴿فاختلط﴾) [يونس: ٢٤] زاد أبو ذر والوقت ﴿به نبات الأرض﴾ أي (فنبت بالماء من كل لون) مما يأكل الناس من الحنطة والشعير وسائر حبوب الأرض.
(﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا﴾) حين قالوا الملائكة بنات الله وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى عيسى ابن الله، وسقطت الواو في بعض النسخ موافقة للفظ التنزيل (﴿سبحانه﴾) تنزيهًا له عن اتخاذ الولد (﴿هو الغني﴾) [يونس: ٦٨] عن كل شيء فهو علة للتنزيه عن اتخاذ الولد وسقط وقالوا الخ لأبي ذر وليس فيه حديث مسوق فيحتمل إرادته لتخريج ما يناسب ذلك فبيض له ولم يتيسر له إيراده هنا.
(وقال زيد بن أسلم) أبو أسامة مولى عمر بن الخطاب مما وصله ابن جرير (﴿أن لهم قدم صدق﴾) [يونس: ٢] هو (محمد ﷺ ¬) وأخرج الطبري من طريق الحسن أو قتادة قال محمد شفيع لهم ووصله ابن مردويه من حديث علي ومن حديث أبي سعيد لإسنادين ضعيفين.
(وقال مجاهد): هو ابن جبر فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه قدم صدق
стр. 2982
قال: (خير) ورجحه ابن جرير لقول العرب لفلان قدم صدق في كذا أي قدّم فيه خير أو قدم سوء في كذا إذا قدم فيه شرًا (يقال ﴿تلك آيات﴾) قال أبو عبيدة (يعني هذه أعلام القرآن) وأراد أن معنى تلك هذه (ومثله) من حيث صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة كما أن في الأوّل صرف اسم الإشارة عن الغائب إلى الحاضر (﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾) [يونس: ٢٢] (المعنى بكم) قال في الكشاف: وتبعه البيضاوي واللفظ للأوّل وفائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة المبالغ كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح، وسقط قوله يقال الخ لأبي ذر.
(﴿دعواهم﴾) ولأبي ذر يقال دعواهم قال أبو عبيدة: (دعاؤهم) في الجنة اللهم إنّا نسبحك تسبيحًا.
(﴿أحيط بهم﴾) [يونس: ٢٢] قال أبو عبيدة (دنوا من الهلكة) زاد غيره وسدت عليهم مسالك الخلاص كمن أحاط به العدوّ (﴿أحاطت به خطيئته﴾) [البقرة: ٨١] أي من جميع جوانبه.
(﴿فأتبعهم﴾) بتشديد المثناة الفوقية (وأتبعهم) بفتح الهمزة وسكون الفوقية (واحد) في المعنى والوصل والقطع والتخفيف والتشديد وبه قرأ الحسن يريد قوله تعالى: ﴿فأتبعهم فرعون وجنوده﴾ [يونس: ٩٠].
(﴿عدوًّا﴾) [يونس: ٩٠] يريد قوله تعالى: بغيًا وعدوًّا (من العدوان) أي لأجل البغي والعدوان. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي وعبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه في قوله تعالى: (﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير﴾) [يونس: ١١] هو (قول الإنسان لولده وماله إذا غضب اللهم لا تبارك فيه) وفي الفرع له فيه وليس له في أصله (والعنه ﴿لقضي إليهم أجلهم﴾ [يونس: ١١] (لأهلك من دعي عليه) بضم همزة أهلك ودال دعي مبنيين للمفعول ولأبي ذر لأهلك من دعا عليه بفتحهما (ولأماته) قال في فتوح الغيب (﴿ولو يعجل الله﴾) متضمن معنى نفي التعجيل لأن لو لتعليق ما امتنع بامتناع غيره يعني لم يكن التعجيل ولا قضاء العذاب فيلزم من ذلك حصول المهلة وهذا لطف من الله تعالى بعباده ورحمة. وفي حديث مسلم عن جابر مرفوعًا لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم ففيه النهي عن ذلك.
(﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾) [يونس: ٢٦] قال مجاهد فيما وصله الفريابي وعد أي (مثلها حسنى ﴿وزيادة﴾) أي (مغفرة) ولأبوي الوقت وذر ورضوان (وقال غيره): قيل هو أبو قتادة (النظر إلى وجهه) تعالى. وقد رواه مسلم والترمذي وغيرهما من حديث صهيب مرفوعًا وروي عن الصديق وحذيفة وابن عباس وغيرهم من السلف والخلف.
(﴿الكبرياء﴾) قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وتكون لكما الكبرياء﴾ [يونس: ٧٨] هو (الملك) بضم الميم لأن النبي إذا صدق صارت مقاليد أمته وملكهم إليه.
٢ - باب ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]
﴿نُنَجِّيكَ﴾ [يونس: ٩٢]: نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرْضِ وَهْوَ النَّشَزُ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِع
(﴿وجاوزنا﴾) وفي نسخة: باب وجاوزنا (﴿ببني إسرائيل البحر﴾) بحر القلزم حافظين لهم وكانوا فيما قيل ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدون فيهم ابن عشر سنين لصغره ولا ابن
ستين لكبره (﴿فأتبعهم﴾) أي أدركهم (﴿فرعون وجنوده بغيًا وعدوًّا﴾) عند شروق الشمس وكانوا فيما قيل ألف ألف وستمائة ألف وفيهم مائة ألف حصان أدهم ليس فيها أنثى.
وعن ابن عباس فيما رواه ابن مردويه بسنده كان مع فرعون سبعون قائدًا مع كل قائد سبعون ألفًا وكان فرعون في الدهم وهارون على مقدمة بني إسرائيل وموسى في الساقة فلما قربت مقدمة فرعون منهم قال بنو إسرائيل لموسى: هذا البحر أمامنا إن دخلناه غرقنا وفرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا قال: ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾ فأوحى الله إليه ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾ فضربه ﴿فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ وصار اثني عشر طريقًا لكل سبط واحد، وأمر الله الريح فنشفت أرضه وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك ليرى كل قوم الآخرين لئلا يظنوا أنهم هلكوا وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى فلما رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهمّ بالرجوع وهيهات ولات
стр. 2983
حين مناص نفذ القدر واستجيبت الدعوة وجاء جبريل على فرس أنثى وخاض البحر فلما شم أدهم فرعون ريح فرس جبريل اقتحم وراءه ولم يملك فرعون من أمره شيئًا واقتحمت الخيول خلفه في البحر وميكائيل في ساقتهم يسوقهم ولا يترك أحدًا منهم إلا ألحقه بهم فلما تكاملوا وهمّ أوّلهم بالخروج منه أمر الله القادر القاهر البحر فانطبق عليهم فلم ينج منهم أحد وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم وتراكمت الأمواج فوق فرعون (﴿حتى إذا أدركه الغرق﴾) وغشيته سكرات الموت (﴿قال﴾) وهو كذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها (﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾) [يونس: ٩٠] وما علم اللعين أن التوبة عند المعاينة غير نافعة فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ولذا قال الله تعالى في جواب فرعون ﴿الآن﴾ أي أتؤمن وقت الاضطرار ﴿وقد عصيت قبل﴾ [يونس: ٩٠].
وفي حديث ابن عباس عند أحمد وغيره مرفوعًا: لما قال فرعون ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة. ورواه الترمذي وقال حسن وحال البحر هو طينه الأسود، والمعنى لو رأيتني لرأيت أمرًا عجيبًا يبهت الواصف عن كنهه، فإني لما شاهدت تلك الحالة بهت غضبًا على عدوًا الله لادعائه تلك العظمة فعمدت إلى حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة لسعتها، والحاصل أنه إنما فعل ذلك غضبًا لله وعلمًا منه أنه لا ينفعه الإيمان لا أنه كره إيمانه لأن كراهة الإيمان من الكافر كفر، لكن قال أبو منصور الماتريدي في التأويلات: الرضا بالكفر ليس بكفر مطلقًا إنما يكون كذلك إذا رضي بكفر نفسه لا بكفر غيره، ويؤيده قصة ابن أبي سرح المروية في سنن أبي داود والنسائي لما جاء يوم الفتح بين يدي النبي ﷺ وطلب المبايعة ثلاث مرات وكل ذلك يأبى ثم بايعه ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت عن بيعته فيقتله الحديث.
وقيل إنما قصد فرعون بقوله الخلاص أو لأنه كان لمجرد التعليق كما قال: آمنت به بنو إسرائيل فكأنه قال لا أعرفه فكيف يزول كفره بهذا التقليد، وقد روي أن جبريل استفتاه ما قولك في عبد لرجل نشأ في ماله ونعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه، فكتب يقول الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماه أن يغرق في البحر فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل خطه فعرفه، وسقط لأبي ذر ﴿فأتبعهم﴾ الخ وقال إلى قوله: ﴿وأنا من المسلمين﴾.
(﴿ننجيك﴾) [يونس: ٩٢] بسكون النون وتخفيف الجيم من أنجى وهي قراءة يعقوب وفي نسخة ننجيك بتخفيف الجيم أي (نلقيك على نجوة من الأرض وهو) أي النجوة (النشز) بفتح النون والمعجمة آخره زاي وهو (المكان المرتفع). وقرأ ابن السميقع ننحيك بالحاء المهملة المشدّدة أي نلقيك بناحية مما يلي البحر ليراك بنو إسرائيل. قال كعب: رماه إلى الساحل كأنه ثور.
وروى ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: لما خرج موسى ﵊ وأصحابه قال: من تخلف من قوم فرعون ما غرق فرعون وقومه، ولكنهم في خزائن البحر يتصيدون فأوحى الله تعالى إلى البحر أن الفظ فرعون عريانًا فلفظه عريانًا أصلع أخينس قصيرًا. ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿ببدنك﴾ قال بجسدك. ومن طريق أبي صخر المدني قال: البدن الدرع الذي كان عليه قيل، وكانت له درع من ذهب يعرف بها وكان في أنفسهم أن فرعون أعظم شأنًا من أن يغرق.
٤٦٨٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصُومُوا».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس اليشكري البصري (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: قدم النبي ﷺ المدينة) فأقام بها إلى عاشوراء من السنة
стр. 2984
الثانية (و) إذا (اليهود تصوم عاشوراء) فسألهم (فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون) وفي رواية فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرًا فنحن نصومه (فقال النبي ﷺ لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا).
ومطابقته للترجمة في رواية أنجى الله فيه موسى وأغرق فيه فرعون وقومه كما لا يخفى، وسبق حديث الباب في الصيام بنحوه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[١١]- سورة هُودٍ ﵊
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَصِيبٌ: شَدِيدٌ، لَا جَرَمَ: بَلَى. (وَقَالَ غَيْرُهُ: وَحَاقَ: نَزَلَ، يَحِيقُ: يَنْزِلُ، يَؤُوسٌ، فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَبْتَئِسْ: تَحْزَنْ، يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ شَكٌّ وَافْتِرَاءٌ فِي الحَقِّ، لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ مِنَ اللهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ الأَوَّاهُ الرَّحِيمُ بِالْحَبَشِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَادِئَ الرَّأْيِ مَا ظَهَرَ لَنَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْجُودِيُّ: جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَقْلِعِي: أَمْسِكِي، عَصِيبٌ: شَدِيدٌ، لَا جَرَمَ: بَلَى، وَفَارَ التَّنُّورُ: نَبَعَ الْمَاءُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الأَرْضِ).
[١١]- سورة هُودٍ ﵊
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مائة وثلاث وعشرون آية [بسم الله الرحمن الرحيم] سقطت البسملة لغير أبي ذر.
(قال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى حكاية عن لوط ﵊ حين جاءته الملائكة في صورة غلمان وظن أنهم أناس فخاف عليهم أن يقصدهم قومه فيعجز عن مدافعتهم هذا يوم (﴿عصيب﴾) أي (شديد) وفي قوله: (﴿لا جرم﴾) أي (بلى) أي حقًّا أنهم في الآخرة هم الأخسرون (وقال غيره) في قوله تعالى: (﴿وحاق﴾) أي (نزل) بهم وأصابهم (يحيق) أي (ينزل) وفي قوله تعالى: (﴿إنه ليؤوس﴾ يؤوس فعول من يئست) والمعنى ولئن أذقنا الإنسان حلاوة نعمة يجد لذتها ثم سلبناها منه أنه لقطوع رجاءه من فضل الله لقلة صبره وعدم ثقته به كفور لأن الوصف باليؤوس لا يليق إلا بالكافر فإنه يقع في الياس إذا سلبت نعمته والمسلم يثق بالله أن يعيدها أحسن ما كانت.
(وقال مجاهد) في قوله تعالى: فلا (﴿تبتئس﴾) أي لا (تحزن) وهذا وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد كقوله في قوله تعالى: ﴿ألا أنهم﴾ (﴿يثنون صدروهم﴾ شك وافتراء) بالفاء والذي في أكثر الفروع المقابلة على اليونينية وامتراء (في الحق) بالميم (﴿ليستخفوا منه﴾) [هود: ٥] أي (من الله إن استطاعوا) وهذه الألفاظ المفسرة كلها من البسملة إلى هنا ثابتة في رواية الأبوين ومقدمة عندهما ومؤخرة في رواية غيرهما عن تاليها.
(وقال أبو ميسرة) ضد الميمنة عمرو بن شرحبيل الهمداني التابعي في قوله ﴿إن إبراهيم لأوّاه﴾ (الأوّاه: الرحيم بالحبشية) بالتحتية المشددة والذي في اليونينية بإسقاطها وهذا
ذكره المؤلّف في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء.
(وقال ابن عباس) في قوله تعالى: (﴿بادئ الرأي﴾) أي (ما ظهر لنا) من غير تعمق.
(وقال مجاهد) في قوله جل وعز: ﴿واستوت على (﴿الجوديّ﴾) [هود: ٤٤] (الجوديّ جبل بالجزيرة) التي بين دجلة والفرات قرب الموصل تشامخت الجبال يومئذٍ من الغرق وتطاولت وتواضع هو لله فلم يغرق. وقال قتادة: استوت عليه شهرًا يعني حتى نزلوا منها (وقال الحسن) البصري (﴿إنك لأنت الحليم﴾) باللام (يستهزئون به. وقال ابن عباس ﴿أقلعي﴾ أمسكي) عن المطر (﴿عصيب﴾) أي (شديد) ولأبي ذر وقال ابن عباس عصيب شديد (﴿لا جرم﴾) أي (بلى) (﴿وفار التنور﴾ نبع الماء) فيه وارتفع كالقدر يفور والتنور تنور الخبز وابتداء النبوع منه خارق للعادة وكان في الكوفة في موضع مسجدها أو في الهند وقيل في غيرهما. (وقال عكرمة): التنور (وجه الأرض) وقيل: هو أشرف موضع فيها.
١ - باب
﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] وَقَالَ غَيْرُهُ: وَحَاقَ: نَزَلَ، يَحِيقُ: يَنْزِلُ. يَؤُوسٌ: فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَبْتَئِسْ: تَحْزَنْ، يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ: شَكٌّ وَامْتِرَاءٌ فِي الْحَقِّ، لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ، مِنَ اللَّهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا.
(﴿ألا إنهم يثنون صدورهم﴾) مضارع ثنى يثني ثنيًا أي طوى وانحرف وصدورهم مفعول، والمعنى يحرفون صدورهم ووجوههم عن الحق وقبوله (﴿ليستخفوا منه﴾) اللام متعلقة بيثنون كما قاله الحوفي وغيره والمعنى إنهم يفعلون ثني الصدور لهذه العلة. وقال الزمخشري ومن تبعه: متعلقة بمحذوف تقديره ويريدون ليستخفوا من الله فلا يطلع رسوله والمؤمنين على ازورارهم ونظير اضمار يريدون لعود المعنى إلى إضماره الإضمار في قوله: ﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق﴾ معناه فضرب فانفلق، لكن قال في الدر ليس المعنى الذي يقودنا إلى إضمار الفعل هناك كالمعنى هنا لأن ثم لا بدّ من حذف معطوف عليه يضطر العقل إلى تقديره لأنه ليس من لازم الأمر بالضرب انفلاق البحر
стр. 2985
فلا بدّ أن يتعقل فضرب فانفلق، وأما في هذه فالاستخفاء علة صالحة لثنيهم صدورهم فلا اضطرار بنا إلى إضمار الإرادة. قال في فتوح الغيب: شبهه بقوله (اضرب بعصاك) في مجرد إرادة التقدير ليستقيم المعنى وروي عنه في الحاشية ثني الصدر بمعنى الإعراض إظهار للنفاق فلم يصح أن يتعلق به لام التعليل، فوجب إضمار ما يصح تعلقها به من شيء يستوي معه المعنى فلذلك قدر ويريدون ليستخفوا من الله أي يظهرون النفاق ويريدون مع ذلك أن يستخفوا منه (﴿ألا حين يستغشون ثيابهم﴾) يجعلونها أغشية وأغطية والناصب للظرف مضمر قدره في الكشاف بيريدون أي يريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم كراهة أن يسمعوا القرآن أو الناصب
له قوله (﴿يعلم﴾) أي ألا يعلم (﴿ما يسرون﴾) في قلوبهم (﴿وما يعلنون﴾) بأفواههم فلا تفاوت في علمه بين سرهم وعلنهم (﴿إنه عليم بذات الصدور﴾) [هود: ٥] بأسرار ذوات الصدور.
(وقال غيره): أي غير عكرمة (﴿وحاق﴾) أي (نزل يحيق ينزل بؤوس فعول من يئست) بسكون السين (وقال مجاهد: تبتئس) بفوقيتين مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة أي (تحزن ﴿يثنون صدورهم﴾ شك وامتراء في الحق ﴿ليستخفوا منه﴾) أي (من الله إن استطاعوا).
٤٦٨١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ﴾ [هود: ٥] قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ: أُنَاسٌ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ.
[الحديث ٤٦٨١ - أطرافه في: ٤٦٨٢ - ٤٦٨٣].
وبه قال: (حدّثنا الحسن بن محمد بن صباح) بالصاد المهملة والموحدة المشددة وبعد الألف حاء مهملة الزعفراني قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن محمد الأعور (قال قال ابن جريج) عبد الملك (أخبرني) بالإفراد (محمد بن عباد بن جعفر) المخزومي (أنه سمع ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (يقرأ: (﴿ألا أنهم تثنوني﴾) بفتح الفوقية والنون الأولى بينهما مثلثة ساكنة وبعد الواو الساكنة نون أخرى مكسورة ثم ياء تحتية مضارع اثنوني على وزن افعوعل يفعوعل كاعشوشب يعشوشب من الثني وهو بناء مبالغة لتكرير العين (﴿صدورهم﴾) بالرفع على الفاعلية ولأبي ذر يثنوني بالتحتية بدل الفوقية صدورهم بالنصب (قال) أبي محمد بن عباد (سألته عنها فقال: أناس كانوا يستحيون) من الحياء ولأبي ذر يستخفون من الاستخفاء (أن يتخلوا) أي أن يدخلوا في الخلاء (فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء) بعوراتهم مكشوفات فيميلون صدورهم ويغطون رؤوسهم استخفاء (فنزل ذلك فيهم) ﴿ألا إنهم يثنون صدورهم﴾ [هود: ٥] الآية. إلى آخرها.
٤٦٨٢ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ ﴿أَلَا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ﴾ قُلْتُ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ مَا تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ؟ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ فَيَسْتَحِي أَوْ يَتَخَلَّى فَيَسْتَحِي، فَنَزَلَتْ ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن ابن جريج) عبد الملك (وأخبرني محمد بن عباد بن جعفر) بالواو عطفًا على مقدر أي أخبرني غير محمد بن عباد ومحمد بن عباد (أن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما قرأ: (﴿ألا أنهم تثنوني﴾) بفتح الفوقية والنون الأولى وكسر الثانية كذا في الفرع وأصله وبعدها تحتية (﴿صدورهم﴾) بالرفع ولأبي ذر: يثنون بضم النون الأولى وفتح الثانية وإسقاط
التحتية بعدها صدورهم نصب على المفعولية قال محمد بن عباد (قلت: يا أبا العباس) هي كنية عبد الله بن عباس (ما تثنوني) بفتح النون الأولى وبعد الثانية تحتية (صدورهم) بالرفع (قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحي) وفي نسخة فيستحيي بمثناتين تحتيتين (أو يتخلى فيستحي) من كشف عورته (فنزلت): (﴿ألا إنهم يثنون صدورهم﴾) ولأبي ذر: تثنوني بفتح الفوقية والنون صدورهم رفع.
٤٦٨٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ [هود: ٥] وَقَالَ غَيْرُهُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْتَغْشُونَ: يُغَطُّونَ رُءُوسَهُمْ، سِيءَ بِهِمْ: سَاءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ، وَضَاقَ بِهِمْ: بِأَضْيَافِهِ. بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ: بِسَوَادٍ. إِلَيْهِ أُنِيبُ: أَرْجِعُ.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو) هو ابن دينار (قال: قرأ ابن عباس ﴿إلا أنهم يثنون﴾) بالتحتية المفتوحة وضم النون الأولى وفتح الأخرى من غير تحتية (﴿صدورهم﴾) نصب على المفعولية ولأبي ذر يثنوني بإثبات التحتية بعد النون وضم النون الأولى صدورهم بالنصب والتأنيث مجازي فجاز تذكير الفعل باعتبار تأويل فاعله بالجمع وتأنيثه باعتبار تأويله بالجماعة، وفي بعض الحواشي الموثوق بها وهو في اليونينية قال الحموي يروى عن ابن عباس ثلاثة أوجه. تثنون أي بالفوقية وضم النون الأولى وفتح الثانية وهي قراءة
стр. 2986
الجمهور، ويثنوني أي بالتحتية وضم النون الأولى وبعد الثانية تحتية، وتثنوني أي بالفوقية وفتح النون الأولى وتحتية بعد الثانية (﴿ليستخفوا منه إلا حين يستغشون ثيابهم﴾) [هود: ٥].
(وقال غيره): أي غير عمرو بن دينار فيما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: يستغشون أي (يغطون رؤوسهم) قال الحافظ ابن حجر: وتفسير التغشي بالتغطية متفق عليه وتخصيص ذلك بالرأس يحتاج إلى توقيف وهو مقبول من ابن عباس.
وقوله في قصة لوط: (﴿سيء بهم﴾) أي (ساء ظنه بقومه ﴿وضاق بهم﴾) [هود: ٧٧].
أي (بأضيافه) فالضمير الأول للقوم والثاني للأضياف فاختلف الضميران وأكثرون على اتحادهما كما مرّ قريبًا.
وقوله تعالى للوط: ﴿فأسر بأهلك﴾ (﴿بقطع من الليل﴾) [هود: ٨١] أي (بسواد) وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقال قتادة فيما وصله عبد الرزاق بطائفة من الليل.
(﴿إليه أنيب﴾) ولغير أبي ذر: وقال مجاهد أنيب (أرجع) زاد في نسخة إليه وسقط لغير أبوي ذر والوقت إليه الأولى.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]
(باب قوله) جل وعلا: (﴿وكان عرشه على الماء﴾) [هود: ٧] قبل خلق السماوات والأرض. وعن ابن عباس وكان الماء على متن الريح.
٤٦٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» وَقَالَ: «يَدُ اللَّهِ مَلأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». وَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ». اعْتَرَاكَ: افْتَعَلْتَ مِنْ عَرَوْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ. وَمِنْهُ يَعْرُوهُ، وَاعْتَرَانِي. آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا: أَيْ فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ. عَنِيدٌ وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ. هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ. وَيَقُولُ الأَشْهَادُ وَاحِدُهُ شَاهِدٌ مِثْلُ: صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ. اسْتَعْمَرَكُمْ: جَعَلَكُمْ عُمَّارًا أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهْيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ، نَكِرَهُمْ وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ. حَمِيدٌ مَجِيدٌ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ. مَحْمُودٌ: مِنْ حَمِدَ. سِجِّيلٌ: الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ، سِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ وَاللاَّمُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:
وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً … ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الأَبْطَالُ سِجِّينَا
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر عن رسول الله (¬ ﷺ قال):
(قال الله أََنفق أُنفق عليك) بفتح الهمزة في الأولى وضمها في الثانية وجزم الأول بالأمر والثاني بالجواب. (وقال يد الله ملأى) كناية عن خزائنه التي لا تنفذ بالعطاء أي (لا يغيضها) بفتح التحتية وكسر الغين وبالضاد المعجمتين بينهما تحتية ساكنة أي لا ينقصها (نفقة سحاء الليل والنهار) بنصبهما على الظرفية وسحاء بسين وحاء مشددة مهملتين ممدودًا يقال سح يسح فهو ساح وهي سحاء وهي فعلاء لا أفعل لها كهطلاء، ويروى سحاب بالتنوين على المصدر أي دائمة الصب والهطل بالعطاء ووصفها بالامتلاء لكثرة منافعها فجعلها كالعين التي لا يغيضها الاستقاء ولا ينقصها الامتياح قاله ابن الأثير. ولفظ بيده حكمه حكم سائر المتشابهات تأويلاً وتفويضاً (وقال أرأيتم) أي أخبروني (ما أنفق) أي الذي أنفاقه (منذ) بالنون ولأبي ذر مذ (خلق السماء والأرض فإنه لم يغض) بفتح التحتية وكسر الغين وبالضاد المعجمتين لم ينقص (ما في يده وكان عرشه على الماء وبيده الميزان) كناية عن العدل بين الخلق (يخفض ويرفع) من باب مراعاة النظير أي يخفض من يشاء ويرفع من يشاء ويسمع الرزق على من يشاء ويقتره على من يشاء.
وهذا الحديث أخرجه في التوحيد والنسائي في التفسير ببعضه.
(﴿اعتراك﴾) [هود: ٥٤] من باب (افتعلت) وفي رواية عن الكشميهني أيضًا افتعلك بكاف الخطاب من باب الافتعال. قال العيني: والصواب أن يقال اعترى افتعل فلا يحتاج لكاف الخطاب في الوزن (من عروته أي أصبته). قال الجوهري: عروت الرجل أعروه عروًا إذا ألممت به وأتيته طالبًا فهو معروّ وفلان تعروه الأضياف وتعتر به أي تغشاه (ومنه) أي ومن هذا الأصل قولهم فلان (يعروه) أي يصيبه (واعتراني) أي تغشاني.
(﴿آخذ بناصيتها﴾) [هود: ٥٦] (أي في ملكه) بضم الميم في الفرع وفي اليونينية بكسرها (وسلطانه) فهو مالك لها قادر عليها يصرفها على ما يريد بها وهذا كله من قوله اعتراك إلى هنا ثابت في رواية الكشميهني فقط.
(﴿عنيد﴾) بالياء في قوله: ﴿واتبعوا أمر كل جبار عنيد﴾ [هود: ٥٩]. (وعنود) بالواو (وعاند) بالألف (واحد) قال أبو عبيدة (هو تأكيد التجبر) وقال غيره هو من عند عندًا وعندًا وعنودًا إذا طغى، والمعنى عصوا من دعاهم إلى الإيمان، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفران.
(﴿ويقول الأشهاد﴾) [هود: ١٨] قال أبو عبيدة (واحده شاهد مثل صاحب وأصحاب) وهذا ثابت هنا لأبي ذر فقط وسيأتي بعد إن شاء الله تعالى، والمراد بالأشهاد هنا الملائكة والنبيون والمؤمنون وعن قتادة
стр. 2987
الخلائق وهو أعم وقيل الجوارح.
(﴿استعمركم﴾) [هود: ٦١] (جعلكم عمارًا) يقال (يعمرته الدار فهي عمرى) أي (جعلتها له) ملكًا مدة عمره وهذا تفسير أبي عبيدة وقيل استعمركم فيها أقدركم على عمارتها وأمركم بها.
وقوله: (﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم﴾) [هود: ٧٠] قال أبو عبيدة ﴿نكرهم﴾ أي الثلاثي المجرد (وأنكرهم) الثلاثي المزيد فيه (واستنكرهم) الذي هو من باب الاستفعال كلها (واحد) في المعنى وهو الإنكار، وذلك أن الخليل ﵊ لما جاءه الرسل كلها جبريل ومن معه من الملائكة وجاء بعجل مشوي ورأى أيديهم لا ئصل إليه أنكر ذلك، وخاف أن يريدوا به مكروهًا فقالوا له: لا تخف إنّا ملائكة مرسلة بالعذاب إلى قوم لوط ﵊ وإنما لم نمد أيدينا إليه لأنا لا نأكل.
(﴿حميد مجيد﴾) [هود: ٧٣] (كأنه) أي مجيد على وزن (فعيل من) صيغة (ماجد) والتعبير بكأن فيه شيء فإنه بوزن فعيل من غير شك، وقال القشيري قيل هو بمعنى العظيم الرفيع القدر فهو فعيل بمعنى مفعول وقيل معناه الجزيل العطاء فهو فعيل بمعنى فاعل وحميد أي (محمود) لفعل ما يستحق به الحمد يوصل العبد إلى مراده فلا يبعد أن يرزق الولد في ابان الكبر وهو مأخوذ (من حمد) بفتح الحاء وفي نسخة حمد بضمها مبنيًا للمجهول فهو حامد.
(﴿سجيل﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ [هود: ٨٢] قال أبو عبيدة هو (الشديد الكبير) بالموحدة من الحجارة الصلبة. واستشكله السفاقسي كابن قتيبة بأنه لو
كان معنى السجيل الشديد لما دخلت عليه من وكان يقال حجارة سجيلاً لأنه لا يقال حجارة من شديد. وأجيب: باحتمال حذف الموصوف أي وأرسلنا عليهم حجارة كائنة من شديد كبير أي من حجر قوي شديد صلب (سجيل) باللام (وسجين) بالنون بمعنى واحد (واللام والنون أختان) من حيث إنهما من حروف الزوائد وكل منهما يقلب عن الآخر.
(وقال تميم بن مقبل): العامري العجلاني الشاعر المخضرم مما يشهد لذلك:
(ورجلة) بفتح الراء وسكون الجيم والجر أي ورب رجلة جمع راجل خلاف الفارس (يضربون البيض) بفتح الموحدة في الفرع جمع بيضة وهي الخوذة أي يضربون مواضع البيض وهي الرؤوس، وفي نسخة البيض بكسر الموحدة جمع أبيض وهو السيف أي يضربون بالبيض على نزع الخافض (ضاحية) بالضاد المعجمة أي في وقت الضحوة أو ظاهرة (ضربًا تواصى) بحذف إحدى التاءين إذ أصله تتواصى (به الأبطال) أي الشجعان (سجينًا) بكسر السين وتشديد الجيم وبالنون أي شديدًا.
٣ - باب
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيبًا﴾ [هود: ٨٤] أي إلى أَهْلِ مَدْيَنَ لأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ وَمِثْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ﴿وَاسْأَلِ الْعِيرَ﴾ يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ والعير ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] يَقُولُ: لَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ. وَيُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حَاجَتَهُ ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا وَالظِّهْرِيُّ هَا هُنَا أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ، أَرَاذِلُنَا: سُقَاطُنَا، إِجْرَامِي: هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ أَجْرَمْتُ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: جَرَمْتُ. الْفُلْكُ وَالْفَلَكُ: وَاحِدٌ وَهْيَ السَّفِينَةُ، وَالسُّفُنُ. مُجْرَاهَا: مَدْفَعُهَا وَهْوَ مَصْدَرُ أَجْرَيْتُ، وَأَرْسَيْتُ حَبَسْتُ وَيُقْرَأُ مَرْسَاهَا مِنْ رَسَتْ هِيَ وَمَجْرَاهَا مِنْ جَرَتْ هِيَ وَمُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا مِنْ فُعِلَ بِهَا الرَّاسِيَاتُ ثَابِتَاتٌ.
[الحديث ٤٦٨٤ - أطرافه في: ٥٣٥٢، ٧٤١١، ٧٤١٩، ٧٤٩٦].
((وإلى مدين أخاهم شعيبًا﴾) [هود: ٨٤] أي وأرسلنا (إلى أهل مدين) أخاهم شعيبًا (لأن مدين بلد) بناه مدين فسمى باسمه فهو على حذف مضاف (ومثله) في ذلك (﴿واسأل القرية﴾) [يوسف: ٨٢] أي واسأل العير يعني أهل (القرية والعير) ولأبي ذر وأصحاب العير وكان أهل قرية شعيب مطففين فأمرهم بالتوحيد أولاً لأنه للأصل ثم إن يوفوا حقوق الناس ولا ينقصوهم.
((وراءكم ظهريًا﴾) [هود: ٩٢] يريد قول شعيب لما قال له قومه: ﴿ولولا رهطك لرجمناك﴾ [هود: ٩١] ﴿يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريًا﴾ [هود: ٩٢] (يقول لم تلتفتوا إليه) أي جعلتم أمر الله خلف ظهوركم تعظمون أمر رهطي وتتركون تعظيم الله تعالى ولا تخافونه (ويقال: إذا لم يقض الرجل حاجته) أي حاجة زيد مثلاً (ظهرت بحاجتى) ولأبي ذر لحاجتي باللام بدل
الموحدة كأنه استخف بها (وجعلتني) ولأبي ذر عن الكشميهني وجعلني بإسقاط الفوقية (ظهريًا) أي خلف ظهرك (والظهري: ها هنا أن تأخذ معك دابة أو وعاء تستظهر به) عند الحاجة إن احتجت لكن هذا لا يصح أن يفسر به ما في القرآن فحذف ها هنا كما لأبي ذر أوجه.
(﴿أراذلنا﴾) يريد قول قوم نوح ﵇: ﴿وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا﴾ [هود: ٢٧] أي (سقاطنا) بضم السين وتخفيف القاف وهو الذي في اليونينية وفي بعضها سقاطنا بتشديدها وفي نسخة أسقاطنا أي أخساؤنا وهذا كله من قوله: ﴿وإلى مدين﴾ إلى هنا ثابت للكشميهني فقط وسقط لأبي ذر وقوله أخاهم شعيبًا.
стр. 2988
(﴿إجرامي﴾) يريد قوله: ﴿قل إن افتريته فعليّ إجرامي﴾ (هو مصدر من أجرمت) بالهمزة (وبعضهم يقول): من (جرمت) ثلاثي مجرد والمعنى إني صح أني افتريته فعليّ وبال إجرامي وحيث لم يصح فأنا بريء من نسبة الافتراء إليّ وأم في قوله أم يقولون منقطعة تفيد الإضراب عن النصح فيكون نسبة الافتراء إلى نوح، وذهب بعضهم إلى أنه اعتراض خوطب به النبي ﷺ وسقط لفظ هو الذي بعد إجرامي لأبي ذر.
(﴿الفلك﴾) بضم الفاء وسكون اللام (والفلك واحد) بفتحتين كذا في الفرع وأصله وفي نسخة الفلك والفلك بضم الفاء فيهما وإسكان اللام وفتحها في الثاني، وفي نسخة الفلك والفلك بفتحتين في الأول وبضم ثم سكون في الثاني ورجحه السفاقسي وقال الأول واحد، والثاني جمع مثل أسد وأسد، وفي أخرى الفلك والفلك بضم ثم سكون فيهما جمعًا، وصوبه القاضي عياض والمراد أن الجمع والواحد بلفظ واحد في التنزيل في المفرد ﴿في الفلك المشحون﴾ وفي الجمع ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ (وهي السفينة) في الواحد (والسفن) في الجمع واللفظ وإن كان واحدًا لكنه مختلف بحسب التقدير فضمة فلك للواحد كضمة قفل وضمة فلك للجمع كضمة أُسد.
(﴿مجراها﴾) بضم الميم يريد قوله تعالى: ﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها﴾ [هود: ٤١].
أي (مدفعها) بفتح الميم وفي بعض الأصول موقفها بالواو والقاف والفاء وعزي لرواية القابسي قال الحافظ ابن حجر: وهو تصحيف لم أره في شيء من النسخ وهو فاسد المعنى (وهو) أي مجراها (مصدر أجريت وأرسيت) أي (حبست ويقرأ) بالتحتية، ولأبي ذر: وتقرأ بالفوقية (﴿مرساها﴾) بفتح الميم (من رست هي) أي السفينة أي ركدت واستقرت (ومجراها) بفتح الميم (من جرت هي) وفتح الميمين وهي قراءة المطوّعي عن الأعمش (و) يقرأ أيضًا (مجريها ومرسيها) بضم الميم وياء ساكنة فيهما بدل الألف مع كسر الراء والسين وهي قراءة الحسن، والمعنى الله مجريها ومرسيها وهي مأخوذة (من فعل بها) بكسر ميم من وضم فاء فعل مبنيًا للمفعول ولأبي ذر ومجراها ومرسيها بضم الميمين وهي قراءة الحرمين والبصري والشامي وأبي بكر وقرأ حفص والأخوان بفتح الميم في الأول وضمها في الثاني فالفتح من الثلاثي والضم من الرباعي.
(الراسيات) ولأبي ذر: راسيات (ثابتات) يريد قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿قدور راسيات﴾ [سبأ: ١٣]. وذكره استطرادًا لذكر مرساها.
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وَاحِدُ الأَشْهَادِ شَاهِدٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ
(باب قوله) : (﴿ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾) [هود: ١٨]. وسقط لأبي ذر (﴿على ربهم﴾) الخ وقال الآية. (واحد الأشهاد) ولأبي ذر: واحدة الأشهاد (شاهد) بتاء التأنيث في الفرع والذي في اليونينية واحده بضم الدال والهاء شاهد (مثل صاحب وأصحاب) وقد ثبت ذكر هذا بلفظ: ويقول الأشهاد واحدها شاهد مثل صاحب وأصحاب في رواية أبي ذر في غير هذا الموضع قريبًا.
٤٦٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، وَهِشَامٌ قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: بَيْنَا ابْنُ عُمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، - أَوْ قَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ - سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ وَقَالَ هِشَامٌ: «يَدْنُو الْمُؤْمِنُ - حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا يَقُولُ أَعْرِفُ رَبِّ يَقُولُ: أَعْرِفُ مَرَّتَيْنِ، فَيَقُولُ: سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الآخَرُونَ أَوِ الْكُفَّارُ فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الأَشْهَادِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ». وَقَالَ شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة (وهشام) هو ابن أبي عبد الله الدستوائي (قالا: حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن صفوان بن محرز) بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء آخره زاي أنه (قال: بينا) بغير ميم (ابن عمر) عبد الله (يطوف) بالكعبة (إذ عرض) له (رجل) لم يسم (فقال) له (يا أبا عبد الرحمن أو قال يا ابن عمر) وسقط لأبي ذر لفظ قال (هل سمعت النبي ﷺ في النجوى؟) التي تكون في القيامة بين الله تعالى وبين المؤمنين (فقال): ولأبي ذر قال: (سمعت النبي ﷺ يقول):
(يدنى المؤمن من ربه) بضم الياء وفتح النون من يدني مبنيًا للمفعول أي يقرب منه.
(وقال هشام) الدستوائي: (يدنو المؤمن) بفتح الياء وضم النون أي يقرب من ربه (حتى يضع عليه) ربه (كنفه) بنون مفتوحة أي جانبه والدنو والكنف مجازان والمراد الستر والرحمة (فيقرره بذنوبه) ولأبي ذر فيقرره بنصب الراء يقول له (تعرف ذنب كذا؟ يقول) العبد (أعرف رب يقول
стр. 2989
أعرف مرتين) بحذف أداة النداء من الأولى وهي المنادى في الثانية (فيقول) الله جل وعلا (سترتها)
أي عليك (في الدنيا وأغفرها لك اليوم ثم تطوى صحيفة حسناته) بضم التاء الفوقية وفتح الواو مبنيًا للمفعول من الطيّ ولأبي ذر عن الكشميهني ثم يعطى من الإعطاء مبنيًا للمفعول صحيفة نصب على المفعولية أي يعطى هو صحيفة حسناته (وأما الآخرون) بالمد وفتح الخاء المعجمة (والكفار) بالشك من الراوي (فينادى) بالتحتية وفتح الدال (على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا ربهم) زاد أبو ذر: ألا لعنة الله على الظالمين، وهذا وعيد شديد.
(وقال شيبان) بن عبد الرحمن النحوي مما وصله ابن مردويه (عن قتادة حدّثنا صفوان) أي عن ابن عمر.
وهذا الحديث سبق في المظالم.
٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] الرِّفْدُ: الْمَرْفُودُ: الْعَوْنُ الْمُعِينُ: رَفَدْتُهُ: أَعَنْتُهُ، تَرْكَنُوا: تَمِيلُوا، فَلَوْلَا كَانَ: فَهَلاَّ كَانَ، أُتْرِفُوا: أُهْلِكُوا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ
(باب قوله) : (﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى﴾) وكذلك خبر مقدم وأخذ مبتدأ مؤخر والتقدير ومثل ذلك الأخذ أي أخذ الله الأمم السالفة أخذ ربك وإذا ظرف ناصبة المصدر قبله والمسألة من باب التنازع فإن الأخذ بطلب القرى وأخذ الفعل أيضًا يطلبها فالمسألة من أعمال الثاني للحذف من الأول (﴿وهي ظالمة﴾) جملة حالية (﴿إنّ أخذه أليم شديد﴾) [هود: ١٠٢] وجيع صعب على المأخوذ وفيه تحذير عظيم عن الظلم كفرًا كان أو غيره لغيره أو لنفسه ولكل أهل قرية ظالمة.
(﴿الرفد المرفود﴾) [هود: ٩٩] قال أبو عبيدة (العون المعين) بضم الميم وكسر العين فسر المرفود بالمعين. قال في المصابيح وفيه نظر، وقال البرماوي: والوجه المعان، ثم وجهه كالكرماني بأن يكون الفاعل فيه بمعنى المفعول أو يكون من باب ذي كذا أي عون ذي إعانة وفي نسخة المعان بالألف بدل المعين (رفدته) أي (أعنته).
وقوله تعالى: (﴿ولا﴾ ﴿تركنوا﴾) ﴿إلى الذين ظلموا﴾ [هود: ١١٣] أي لا (تميلوا) إليهم أدنى ميل فإن الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم أو لا ترضوا أعمالهم. روى عبد بن حميد من طريق الربيع بن أنس: لا تركنوا إلى الذين ظلموا لا ترضوا أعمالهم فمن استعان بظالم فكأنه قد رضي بفعله وإذا كان في الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلمًا هذا الوعيد الشديد فما ظنك بالركون إلى الموسومين بالظلم ثم بالميل إليهم كل الميل ثم بالظلم نفسه والانهماك فيه أعاذنا الله من كل مكروه بمنّه وكرمه.
(﴿فلولا كان﴾) [هود: ١١٦] أي (فلا كان) وهي في حرف ابن مسعود رواه عبد الرزاق وسقط من تركنوا إلى هنا لأبي ذر.
(﴿أترفوا﴾) أي (أهلكوا) قال في الفتح: هو تفسير باللازم أي كان الترف سببًا لإهلاكهم.
(وقال ابن عباس: زفير وشهيق) الزفير صوت (شديد و) الشهيق (صوت ضعيف) وقال في الأنوار الزفير إخراج النفس والشهيق ردّه وسقط لأبي ذر قول ابن عباس هذا الخ.
٤٦٨٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» قَالَ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهْيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين بينهما ألف وآخره ميم الضرير قال: (حدّثنا بريد بن أبي بردة) بضم الموحدة وفتح الراء في الأول وضم الموحدة وسكون الراء في الثاني وهو جد بريد واسم أبيه عبد الله بن أبي بردة (عن) جده (أبي بردة) عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إن الله ليملي) اللام للتأكيد ويملي أي يمهل (للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) بضم أوله أي لم يخلصه أبدًا لكثرة ظلمه بالشرك فإن كان مؤمنًا لم يخلصه مدة طويلة بقدر جنايته. (قال) أي أبو موسى (ثم قرأ) ﷺ (﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾).
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأدب والترمذي والنسائي في التفسير وابن ماجه في الفتن.
٦ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]
وَزُلَفًا سَاعَاتٍ: بَعْدَ سَاعَاتٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةُ. الزُّلَفُ مَنْزِلَةٌ: بَعْدَ مَنْزِلَةٍ، وَأَمَّا زُلْفَى فَمَصْدَرٌ مِنَ الْقُرْبَى، ازْدَلَفُوا: اجْتَمَعُوا، أَزْلَفْنَا: جَمَعْنَا
(باب قوله) تعالى: (﴿وأقم الصلاة﴾) المفروضة (﴿طرفي النهار﴾) ظرف لأقم قال في الدر: ويضعف أن يكون ظرفًا للصلاة كأنه قيل أقم الصلاة الواقعة في هذين الوقتين والطرف وإن لم يكن ظرفًا لكنه لما أضيف إلى الظرف أعرب بإعرابه كقوله: أتيت أول النهار وآخره ونصف الليل بنصب هذه كلها على الظرف لما أضيفت إليه وإن كانت ليست
стр. 2990
موضوعة للظرفية (﴿وزلفًا من
الليل﴾) نصب على طرفي فينتصب على الظرف إذ المراد به ساعات الليل القريبة أو على المفعول به نسقًا على الصلاة واختلف في طرفي النهار وزلف الليل فقيل الطرف الأول الصبح والثاني الظهر والعصر والزلف المغرب والعشاء وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول بل على غيرها وقيل الطرفان الصبح والمغرب وقيل غير ذلك وأحسنها الأول (﴿إنّ الحسنات يذهبن السيئات﴾) أي تكفرها (﴿ذلك ذكرى للذاكرين﴾) [هود: ١١٤] عظة لمن يتعظ إذا وعظ.
(﴿وزلفًا﴾): بفتح اللام أي (ساعات بعد ساعات) واحدتها زلفة أي ساعدة ومنزلة (ومنه سميت المزدلفة) أي لمجيء الناس إليها في ساعات من الليل أو لازدلافهم يعني لاقترابهم إلى الله وحصول المنزلة لهم عنده فيها (الزلف منزلة بعد منزلة) فتكون بمعنى المنازل (وأما زلفى فمصدر من القربى) قال الله تعالى: ﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾ [ص: ٢٥] (ازدلفوا) بالدال بعد الزاي أي (اجتمعوا أزلفنا) أي (جمعنا) قال تعالى: ﴿وأزلفنا ثمّ الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٤]. أي جمعنا.
٤٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قَالَ الرَّجُلُ: أَلِىَ هَذِهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) مصغرًا ولغير أبي ذر هو ابن زريع قال: (حدّثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان) عبد الرحمن النهدي (عن ابن مسعود) عبد الله (رضي الله تعالى عنه أن رجلاً) هو أبو اليسر كعب بن عمرو وقيل نبهان التمار وقيل عمرو بن غزية (أصاب من امرأة) من الأنصار كما عند ابن مردويه (قبلة فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له).
وعند مسلم وأصحاب السنن من طريق سماك بن حرب عن إبراهيم النخعي عن علقمة والأسود عن ابن مسعود: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني وجدت امرأة في بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها قبلتها ولزمتها فافعل بي ما شئت.
(فأنزلت عليه) ﷺ والفاء عاطفة على مقدر أي فذكر له فسكت رسول الله ﷺ وصلى الرجل مع النبي ﷺ كما في حديث أنس فأنزل الله: (﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ قال الرجل: ألي هذه؟) بفتح الهمزة للاستفهام أي أهذه الآية بأن صلاتي مذهبة لمعصيتي مختصة بي أو عامة للناس كلهم (قال) ﵊: (لمن عمل بها من أمتي).
واستنبط ابن المنذر منه أنه لا حدّ على من وجد مع أجنبية في لحاف واحد وفيه عدم الحدّ في القبلة ونحوها وسقوط التعزير عمن أتى شيئًا منها وجاء تائبًا نادمًا.
وهذا الحديث قد سبق في باب الصلاة كفارة من المواقيت من كتاب الصلاة.
١٢ - سورة يُوسُفَ ﵊
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَقَالَ فُضَيْلٌ: عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مُتْكًا الأُتْرُجُّ، قَالَ فُضَيْلٌ: الأُتْرُجُّ بِالْحَبَشِيَّةِ: مُتْكًا، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مُتْكًا الأُتْرُجُّ، بِالْحَبَشِيَّةِ: مُتْكًا، كُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: لَذُو عِلْمٍ عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ، وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: صُوَاعٌ مَكُّوكُ الْفَارِسِيِّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفَاهُ، كَانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأَعَاجِمُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُفَنِّدُونِ تُجَهِّلُونِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: غَيَابَةٌ كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا فَهْوَ غَيَابَةٌ، وَالْجُبُّ الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ، بِمُؤْمِنٍ لَنَا: بِمُصَدِّقٍ، أَشُدَّهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي النُّقْصَانِ يُقَالُ: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغُوا أَشُدَّهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاحِدُهَا شَدٌّ. وَالْمُتَّكَأُ مَا اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ وَأَبْطَلَ الَّذِي قَالَ الأُتْرُجُّ: وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الأُتْرُجُّ فَلَمَّا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ الْمُتَّكَأُ مِنْ نَمَارِقَ فَرُّوا إِلَى شَرٍّ مِنْهُ فَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ الْمُتْكُ سَاكِنَةَ التَّاءِ وَإِنَّمَا الْمُتْكُ طَرَفُ الْبَظْرِ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهَا: مَتْكَاءُ وَابْنُ الْمَتْكَاءِ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ أُتْرُجٌّ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمُتَّكَإِ، شَغَفَهَا يُقَالُ: بَلَغَ إِلَى شِغَافِهَا وَهْوَ غِلَافُ قَلْبِهَا وَأَمَّا شَعَفَهَا: فَمِنَ الْمَشْعُوفِ، أَصْبُ: أَمِيلُ، أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ: مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ، وَالضِّغْثُ: مِلْءُ الْيَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ وَمِنْهُ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا لَا مِنْ قَوْلِهِ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَاحِدُهَا: ضِغْثٌ، نَمِيرُ: مِنَ الْمِيرَةِ. وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ: مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ، آوَى إِلَيْهِ: ضَمَّ إِلَيْهِ، السِّقَايَةُ: مِكْيَالٌ. اسْتَيْأَسُوا: يَئِسُوا. وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ: مَعْنَاهُ الرَّجَاءُ، خَلَصُوا نَجِيًّا: اعْتَرَفُوا نَجِيًّا وَالجَمْعُ أَنْجِيَةٌ يَتَنَاجُونَ الوَاحِدُ نَجِيٌّ وَالاثْنَانِ وَالجَمْعُ نَجِيٌّ وَأَنْجِيَةٌ: تَفْتَأُ لَا تَزَالُ ﴿حَرَضًا﴾ مُحْرَضًا يُذِيبُكَ الْهَمُّ ﴿تَحَسَّسُوا﴾ تَخَبَّرُوا ﴿مُزْجَاةٍ﴾ قَلِيلَةٍ ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ عَامَّةٌ مُجَلِّلَةٌ.
([١٢] سورة يُوسُفَ ﵊
مكية وهي مائة إحدى عشرة آية.
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لأبي ذر وسقطت لغيره.
(وقال فضيل): بضم الفاء وفتح المعجمة ابن عياض بن موسى الزاهد المتوفى بمكة سنة سبع وثمانين ومائة مما وصله ابن المنذر ومسدد في مسنده (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي (عن مجاهد) هو ابن جبر المفسر (متكأ) بضم الميم وسكون الفوقية وتنوين الكاف من غير همز وهي قراءة ابن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة والجحدري (الأترج) بضم
الهمزة وسكون الفوقية وضم الراء وتشديد الجيم، ولأبي ذر الأترنج بزيادة نون بعد الراء وتخفيف الجيم لغتان وأنشدوا:
فأهدت متكة لبني أبيها … تخب بها العثمثمة الوقاح
والعثمثمة من النوق الشديدة والذكر عثمثم الأسد والوقاح بالواو المفتوحة والقاف الناقة الصلبة (قال فضيل): هو ابن عياض فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن يمان عنه
стр. 2991
(الأترج) أي بتشديد الجيم وسقط لأبي ذر قال فضيل: الأترج (بـ) ـاللغة (الحبشية متكًا) بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف من غير همز.
(وقال ابن عيينة) سفيان مما وصله في مسنده (عن رجل) لم يسم (عن مجاهد متكًا) بسكون التاء من غير همز كالسابق (كل شيء) ولأبي ذر قال كل شيء (قطع بالسكين) كالأترج وغيره من الفواكه وأنشدوا:
نشرب الإثم بالصواع جهارًا … ونرى المتك بيننا مستعارا
قيل: وهو من متك بمعنى بتك الشيء أي قطعه، فعلى هذا يحتمل أن تكون الميم بدلاً من الباء وهو بدل مطرد في لغة قوم، ويحتمل أن تكون مادة أخرى وافقت هذه.
(وقال قتادة) في قوله تعالى: ﴿وإنه﴾ (﴿لذو علم﴾) [يوسف: ٦٨] وزاد أبو ذر: لما علمناه أي (عامل بما علم) وصله ابن أبي حاتم والضمير في وأنه ليعقوب كما يرشد إليه قوله: ﴿إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها﴾.
(وقال ابن جبير): فيما رواه ابن منده وابن مردويه ولأبي ذر سعيد بن جبير (﴿صواع﴾) ولأبي ذر: صواع الملك (مكوك الفارسي) بفتح الميم وتشديد الكاف الأولى مضمومة مكيال معروف لأهل العراق وهو (الذي يلتقي طرفاه كانت تشرب به الأعاجم) وكان من فضة وزاد ابن إسحاق مرصعًا بالجواهر كان يسقى به الملك ثم جعل صاعًا يكال به.
(وقال ابن عباس): في قوله: ﴿لولا أن﴾ (﴿تفندون﴾) أي (تجهلون) وقال الضحاك: تهرمون فتقولون شيخ كبير قد ذهب عقله. وعند ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ولما فصلت العير﴾ [يوسف: ٩٤] لما خرجت العير هاجت ريح فأتت يعقوب بريح يوسف فقال: ﴿إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون﴾ قال لولا أن تسفهون قال: فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة أيام.
(وقال غيره): أي غير ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وألقوه في غيابة الجب﴾ [يوسف: ١٠] (غيابة) بالرفع (كل شيء) مبتدأ وفي نسخة غيابة بالجر والذي في اليونينية غيابة بالرفع وبالفتح (غيب عنك شيئًا) في محل جر صفة لشيء وشيئًا مفعول غيب (فهو غيابة) خبر المبتدأ أو المبتدأ إذا
تضمن معنى الشرط تدخل الفاء في خبره (والجب) بالجيم (الركية التي لم تطو) قاله أبو عبيدة وسمي به لكونه محفورًا في جبوب الأرض أي ما غلظ منها والغيابة قال الهروي شبه طاق في البئر فويق الماء يغيب ما فيه من العيون. وقال الكلبي: تكون في قعر الجب لأن أسفله واسع ورأسه ضيق فلا يكاد الناظر يرى ما في جوانبه، والألف واللام في الجب للعهد فقيل: هو جب بيت المقدس، وقيل بأرض الأردن، وقيل على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب.
وقوله: ﴿وما أنت﴾ (﴿بمؤمن لنا﴾) أي (بمصدق) لسوء ظنك بنا.
وقوله تعالى: ﴿ولما بلغ﴾ (﴿أشدّه﴾) [يوسف: ٢٢] أي (قبل أن يأخذ في النقصان) وهو ما بين الثلاثين والأربعين وقيل في سن الشباب ومبدؤه قبل بلوغ الحلم (يقال: بلغ أشدّه وبلغوا أشدّهم) أي فيكون أشد في المفرد والجمع بلفظ واحد (وقال بعضهم: واحدها) أي الأشد (شد) بفتح الشين من غير همزة وهو قول سيبويه والكسائي.
(والمتكأ) بتشديد الفوقية وبعد الكاف همزة على قراءة الجمهور اسم مفعول (ما اتكأت عليه لشراب أو لحديث أو لطعام) أي لأجل شراب الخ. (وأبطل) قول (الذي قال): إن المتكأ هو (الأترج) بتشديد الجيم للإدغام، ولأبي ذر الأترنج بالنون للفك. (وليس في كلام العرب الأترج) أي ليس مفسرًا في كلامهم به وهذا أخذه من كلام أبي عبيدة ولفظه وزعم قوم أنه الترنج وهذا أبطل باطل في الأرض اهـ.
وتعقب بما في المحكم حيث قال: المتكأ الأترنج، ونقله الجوهري في صحاحه عن الأخفش، وقال أبو حنيفة الدينوري: بالضم الأترنج وبالفتح السوسن، وعن أبي علي القالي وابن فارس في مجمله نحوه، وعند عبد بن حميد أن ابن عباس كان يقرأ متكأ مخففة ويقول هو الأترج.
(فلما احتج عليهم) بضم التاء أي على القائلين بأنه الأترج، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فيما احتج بالمثناة التحتية بدل اللام (بأنه) ولأبي ذر: بأن (المتكأ) بالتشديد والهمزة (من نمارق) يعني وسائد (فرّوا إلى شرّ منه فقالوا) بالفاء
стр. 2992
ولأبي ذر وقالوا (إنما هو المتك ساكنة التاء) مخففة وساكنة نصب (وإنما المتك) المخفف (طرف البظر) بفتح الموحدة وسكون المعجمة وهو موضع الختان من المرأة (ومن ذلك) اللفظ (قيل لها) أي للمرأة (متكاء وابن المتكاء) بفتح الميم والتخفيف والمد فيهما وهي التي لم تختن ويقال البظراء أيضًا (فإن كان ثمّ) بفتح المثلثة أي هناك (أترج) بتشديد الجيم (فإنه) كان (بعد المتكأ) وقيل المتكأ طعام يحز حزًّا، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد: متكأ طعامًا سماه متكأ لأن أهل الطعام إذا جلسوا يتكئون على الوسائد فسمي الطعام متكأ على الاستعارة، وقيل المتكأ طعام يحتاج إلى أن يقطع بالسكين لأنه متى كان كذلك احتاج الإنسان إلى أن يتكئ عليه عند القطع وقد علم مما مرّ أن المتك المخفف يكون بمعنى الأترج وطرف البظر وأن المشدد ما يتكأ عليه من وسادة وحينئذ فلا تعارض بين النقلين
كما لا يخفى وكان الأولى سياق قوله والمتكأ ما اتكأت عليه عقب قوله متكا كل شيء قطع بالسكين ويشبه أن يكون من ناسخ كغيره مما يقع غير مرتب.
وقوله: (﴿قد﴾ ﴿شغفها﴾) [يوسف: ٣٥] (يقال بلغ إلى شغافها) قال السفاقسي بكسر الشين المعجمة ضبطه المحدثون في كتب اللغة بفتحها، وسقط لفظ (إلى) لأبي ذر وثبت له بلغ (وهو غلاف قلبها) وهو جلدة رقيقة، وزاد القاضي كغيره حتى وصل إلى فؤادها حبًا وقال غيره: أحاط بقلبها مثل إحاطة الشغاف بالقلب يعني أن اشتغالها بحبه صار حجابًا بينها وبين كل ما سوى هذه المحبة فلا يخطر ببالها سواه. (وأما شعفها) بالعين المهملة وهي قراءة الحسن وابن محيصن (فمن المشعوف) وهو الذي أحرق قلبه الحب وهو من شعف البعير إذا هنأه أي طلاه بالقطران فأحرقه، وقد كشف أبو عبيد عن هذا المعنى فقال: الشعف بالمهملة إحراق الحب القلب مع لذة يجدها كما أن البعير إذا طلي بالقطران بلغ منه مثل ذلك ثم يسترجع إليه.
وقوله: (﴿أصب﴾ ﴿إليهن﴾) أي (أميل) إلى إجابتهن زاد أبو ذر صبا مال.
وقوله: (﴿أضغاث أحلام﴾) هي (ما لا تأويل له) وقال قتادة فيما رواه عبد الرزاق هي الأحلام الكاذبة وسقط لأبي ذر أحلام (والضغث) بكسر الضاد وسكون الغين المعجمتين وسقط الواو من قوله والضعث لأبي ذر (ملء اليد من حشيش وما أشبهه) جنسًا واحدًا أو أجناسًا مختلطة وخصه في الكشاف بما جمع من أخلاط النبات فقال وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات، وحزم فاستعيرت لذلك أي استعيرت الأضغاث للتخاليط والأباطيل والجامع الاختلاط من غير تمييز بين جيد ورديء والإضافة في أضغاث أحلام بمعنى من التقدير أضغاث من أحلام (ومنه): ﴿وخذ بيدك ضغثًا﴾ [ص: ٤٤] مما هو ملء الكف من الحشيش وهو من جنس واحد روي أنه أخذ عثكالاً من نخلة (لا من قوله) ﴿أضغاث أحلام﴾ [يوسف: ٤٤] الذي هو بمعنى لا تأويل له (واحدها) أي الأضغاث (ضغث).
وقوله: (﴿نمير﴾) يريد قوله: ﴿هذه بضاعتنا ردّت إلينا ونمير أهلنا﴾ [يوسف: ٦٥] (من الميرة) بكسر الميم وهي الطعام أي نجلب إلى أهلينا الطعام (﴿ونزداد كيل بعير﴾) أي (ما يحمل بعير) بسبب حضور أخينا لأنه كان يكيل لكل رجل حمل بعير وقال مجاهد فيما رواه الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه كيل بعير أي كيل حمار وأيّده ابن خالويه بأن إخوة يوسف كانوا بأرض كنعان ولم يكن بها إبل. قال ابن عادل: وكونه البعير المعروف أصح.
وقوله: (﴿آوى إليه﴾) أي (ضم إليه) أخاه بنيامين على الطعام أو إلى المنزل روي أنه أجلس كل اثنين على مائدة فبقي بنيامين وحده فقال لو كان أخي يوسف حيًّا لأجلست معه؟ فقال يوسف: بقي أخوكم وحيدًا فأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله فلما كان الليل أمر أن ينزل كل اثنين منهم بيتًا وقال هذا لا ثاني له آخذه معي فآواه إليه.
(السقاية) يريد قوله: ﴿فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية﴾ [يوسف: ٧٠] (مكيال) إناء كان يوسف ﵊ يشرب به فجعله مكيالاً لئلا يكتالوا بغيره فيظلموا.
قوله: فلما (﴿استيأسوا﴾) [يوسف: ٨٠] أي (يئسوا) من يوسف وإجابته إياهم وزيادة السين
стр. 2993
والتاء للمبالغة.
قوله: ﴿ولا تيأسوا من روح الله﴾ [يوسف: ٨٧] (معناه الرجاء) وروح الله تعالى بفتح الراء رحمته وتنفيسه وعن قتادة من فضل الله وقيل من فرج الله.
وقوله: (﴿خلصوا نجيًّا﴾) أي (اعترفوا) وللكشميهني اعتزلوا (نجيا) وهو الصواب أي انفردوا وليس معهم أخوهم أو خلا بعضهم إلى بعض يتشاورون ولا يخالطهم غيرهم ونجيًا حال من فاعل خلصوا والنجي يستوي فيه المذكر والمؤنث (والجمع أنجية) بالهمز (يتناجون الواحد نَجيّ والاثنان والجمع نجيّ) إما لأن النجي فعيل بمعنى مفاعل كالعشير والخليط بمعنى المخال والمعاشر كقوله تعالى: ﴿وقربناه نجيًا﴾ [مريم: ٥٢] أي مناجيًا وهذا في الاستعمال يفرد مطلقًا يقال هم خليطك وعشيرك أي مخالطوك ومعاشروك، وإما لأنه صفة على فعيل بمنزلة صديق وبابه يوحد لأنه بمنزلة المصادر كالصهيل والوخيد، وإما لأنه مصدر بمعنى التناجي كما قيل النجوى بمعناه قال تعالى: ﴿وإذ هم نجوى﴾ [الإسراء: ٤٧] وحينئذٍ فيكون فيه التأويلات المذكورة في عدل وبابه (و) قد يجمع فيقال: (أنجية) بالهمزة كما مرّ قال:
إني إذا ما القوم كانوا أنجية
وقال لبيد:
وشهدت أنجية الافاقة عاليًا … كعبي وأرداف الملوك شهود
وكان من حقه إذا جعل وصفًا أن يجمع على أفعلاء كغني وأغنياء وشقي وأشقياء. وقال البغوي النجي يصلح للجماعة كما قال وقربناه نجيًا، وإنما جاز للواحد والجمع لأنه مصدر جعل نعتًا كالعدل ومثله النجوى يكون اسمًا ومصدرًا قال تعالى: ﴿وإذ هم نجوى﴾ أي متناجون وقال: ما يكون من نجوى ثلاثة. وقال في المصدر إنما النجوى من الشيطان. قال في المفاتيح: وأحسن الوجوه أن يقال: إنهم تمحضوا تناجيًا لأن من كمل حصول أمر من الأمور فيه وصف بأنه صار عين ذلك الشيء، فلما أخذوا في التناجي إلى غاية الجد صاروا كأنهم في أنفسهم نفس التناجي وحقيقته وسقط من قوله: استيأسوا يئسوا الخ في رواية أبي ذر عن الحموي وثبت له عن الكشميهني والمستملي.
وقوله تعالى: ﴿تالله﴾ (﴿تفتأ﴾) بالألف صورة الهمزة ولأبي ذر: تفتئوا بالواو وهو جواب القسم على حذف لا وهي ناقصة بمعنى (تزال) ومنه قول الشاعر:
تالله يبقى على الأيام ذو حيد … بمشمخر به الظيان والآس
أي لا يبقى. وقوله:
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا
ويدل على حذفها أنه لو كان مثبتًا لاقترن بلام الابتداء ونون التوكيد عند البصريين أو بأحدهما عند الكوفيين وتقول: والله أحبك تريد لا أحبك وهو من التورية فإن كثيرًا من الناس يتبادر ذهنه إلى إثبات المحبة.
وقوله: ﴿حتى تكون﴾ (﴿حرضًا﴾) أي (محرضًا) بضم الميم وفتح الراء (يذيبك الهم) والمعنى لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تموت من الهم والحرض في الأصل مصدر ولذلك لا يثنى ولا يجمع تقول هو حرض وهم حرض وهي حرض وهن حرض.
(﴿تحسسوا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا﴾ [يوسف: ٨٧] أي (تخبروا) خبرًا من أخبار يوسف وأخيه والتحسس طلب الشيء بالحاسة.
(﴿مزجاة﴾) بالرفع لأبي ذر ولغيره مزجاة بالجر حكاية قوله: ﴿وجئنا ببضاعة مزجاة﴾ [يوسف: ٨٨] أي (قليلة) بالرفع لأبي ذر ولغيره قليلة بالجر وقيل رديئة وقوله تعالى: ﴿أفأمنوا أن تأتيهم﴾ (﴿غاشية﴾) (من عذاب الله) أي عقوبة (عامة مجللة) بفتح الجيم وكسر اللام الأولى مشددة من جلل الشيء إذا عمه صفة لغاشية.
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ [يوسف: ٦]
(باب قوله) جل وعلا خطابًا ليوسف ﵊ (﴿ويتم نعمته عليك﴾) بالنبوّة أو بسعادة الدارين (﴿وعلى آل يعقوب﴾) سائر بنيه بالنبوّة وكرر على ليمكن العطف على الضمير المجرور (﴿كما أتمها على أبويك﴾) جدك وجد أبيك بالرسالة (﴿من قبل﴾) أي من قبلك (﴿إبراهيم وإسحاق﴾) [يوسف: ٦] بدل من أبويك أو عطف بيان وقيل إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة وعلى إسحاق لإخراج يعقوب والأسباط من صلبه وسقط لأبي ذر
стр. 2994
إبراهيم إسحاق وقال بعد قوله من قبل الآية.
٤٦٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَرِيمُ بْنُ الْكَرِيمِ بْنِ الْكَرِيمِ بْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ».
وبه قال: (قال: حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (عبد الله بن محمد) المسندي وفي الفرع كأصله، وقال حدّثنا عبد الله بن محمد بواو العطف قبل قال وعند خلف في الأطراف كما نبه
عليه في الفتح، وقال عبد الله قال الحافظ ابن حجر: والأوّل أولى أي لأن الثاني يقتضي المذاكرة لا التحديث قال: (حدّثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث التنوري (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه) عبد الله (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف) رفع خبر المبتدأ وهو قوله الكريم (ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم). وقد جمع يوسف ﵊ مكارم الأخلاق مع شرف النبوّة وكونه ابنًا لثلاثة أنبياء، وقد وقع قوله الكريم ابن الكريم الخ موزونًا مقفى وهو لا ينافي قوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر﴾ [يس: ٦٩] إذ لم يقع هذا منه ﷺ قصدًا وسقط باب قوله لغير أبي ذر وسقط له إبراهيم إسحاق وقال بعد قوله من قبل الآية.
وسبق الحديث عند المؤلّف في باب الأنبياء.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]
(باب قوله) جل وعز (﴿لقد كان في يوسف وإخوته﴾) قيل: هم يهوذا وروبيل وشمعون ولاوى وربالون ويشجر ودنية ودان ونفتالي وجاد وآشر والسبعة الأوّلون كانوا من ليا بنت خالة يعقوب والأربعة الآخرون من سريتين زلفة وبلهة، فلما توفيت ليا تزوّج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف ولم يقم دليل على نبوّة أخوة يوسف، وذكر بعضهم أنه أوحي إليهم بعد ذلك ولم يذكر مستندًا سوى قوله تعالى: ﴿قولوا آمنًا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ [البقرة: ١٣٦] وهذا لا ينهض أن يكون دليلاً لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب ففيه أنه تعالى أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالاً لأنهم كثيرون، ولكن لم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم بل ظاهر ما في هذه السورة من أحوالهم وأفعالهم يدل على أنهم لم يكونوا أنبياء على ما لا يخفى أي في قصصهم وحديثهم (﴿وآيات﴾) علامات ودلائل على قدرة الله وحكمته في كل شيء ولأبي ذر آية بالتوحيد على إرادة الجنس وهي قراءة ابن كثير (﴿للسائلين﴾) [يوسف: ٧] عن قصتهم أو على نبوّة محمد ﷺ وثبت لفظ باب قوله لأبي ذر عن المستملي وسقط لغيره.
٤٦٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا، عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قَالَ: «أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ» قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ؟ قَالَ: «فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ» قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ؟ قَالَ: «فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا». تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد) هو ابن سلام قال: (أخبرنا عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة وبعد الدال المفتوحة هاء تأنيث ابن سليمان (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا وهو العمري ولغير أبي ذر عبد الله بفتح العين (عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس أكرم؟ قال):
(أكرمهم عند الله أتقاهم) قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] (قالوا ليس عن هذا نسألك؟ قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله) فضيلة خاصة بيوسف ﵊ لم يشركه فيها أحد ولا يلزم من ذلك أن يكون أفضل من غيره مطلقًا (قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: فعن معادن العرب) أي عن أصول العرب التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها (تسألوني) ولأبي ذر: تسألونني بنونين (قالوا: نعم) وإنما جعل الأنساب معادن لما فيها من الاستعدادات المتفاوتة فمنها قابلة لفيض الله تعالى على مراتب المعدنيات ومنها غير قابلة له وشبههم بالمعادن لأنها أوعية للعلوم كما أن المعادن أوعية للجواهر (قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) بضم القاف ولأبي ذر فقهوا بكسرها فالوضيع العالم خير من الشريف الجاهل، ولذا قيد بقوله إذا فقهوا (تابعه) أي تابع عبدة (أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن عبيد الله) بضم العين العمري وهذه المتابعة وصلها المؤلّف في أحاديث الأنبياء.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] سَوَّلَتْ: زَيَّنَتْ
(باب قوله) تعالى: (﴿قال﴾) أي يعقوب لبنيه (﴿بل سوّلت﴾)
стр. 2995
قبل هذه الجملة جملة محذوفة تقديرها لم يأكله الذئب بل سوّلت (﴿لكم أنفسكم أمرًا﴾) في شأنه (﴿فصبر جميل﴾) [يوسف: ١٨] مبتدأ حذف خبره أي صبر جميل أمثل بي أو خبر حذف مبتدؤه أي أمري صبر جميل وروي مرفوعًا الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه فمن بث لم يصبر ويدل له ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦] ودل قوله جميل على أن الصبر قسمان.
جميل وهو أن يعرف أن منزل ذلك البلاء هو الله تعالى المالك الذي لا اعتراض عليه في تصرفه فيستغرق قلبه في هذا المقام ويكون مانعًا له من الشكاية.
وغير الجميل هو الصبر لسائر الأغراض لا لأجل الرضا بقضاء الله سبحانه وثبت قوله فصبر جميل لأبي ذر وقوله باب ولفظ قوله له عن المستملي وسقط لغيره ﴿سوّلت﴾ (زينت) وسهلت قاله ابن عباس.
٤٦٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ» قُلْتُ: إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَجِدُ مَثَلاً إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ [النور: ١١] الْعَشْرَ الآيَاتِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وسقط ابن سعد لأبي ذر (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) الزهري (قال) المؤلّف: (وحدّثنا الحجاج) بن منهال السلمي الأنماطي البصري قال: (حدّثنا عبد الله بن عمر النميري) بضم النون مصغرًا لنمر الحيوان المشهور قال (حدّثنا يونس بن يزيد الأيلي) بفتح الهمزة وسكون التحتية (قال سمعت الزهري) بن شهاب يقول (سمعت عروة بن الزبير) بن العوّام (وسعيد بن المسيب) بفتح التحتية وقد تكسر (وعلقمة بن وقاص) الليثي (وعبيد الله بن عبد الله) بضم العين في الأول ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة (عن حديث عائشة) ﵂ (زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك) مسطح وحمنة وحسان وعبد الله بن أبي وزيد بن رفاعة وغيرهم (ما قالوا) من أبلغ ما يكون من الافتراء والكذب وسقط لأبي ذر ما قالوا (فبرأها الله) تعالى من ذلك بما أنزله في سورة النور قال الزهري (كل حدثني طائفة من الحديث) أي بعضًا منه ولا يضر عدم التعيين إذ كل ثقة حافظ (قال النبي ﷺ ¬) لعائشة بعد أن أفاض الناس في قول أصحاب الإفك كما بسط في غير ما موضع كباب تعديل النساء بعضهن بعضًا وعقب غروة أنمار.
(إن كنت بريئة) مما نسب إليك (فسيبرئك الله) تعالى منه (وإن كنت ألممت بذنب) أي أتيته من غير عادة (فاستغفري الله وتوبي إليه) منه. قالت عائشة: (قلت إني والله لا أجد مثلاً) وفي الشهادات: لا أجد لي ولكم مثلاً (إلا أبا يوسف) يعقوب عليهما الصلاة والسلام إذ قال: (﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾) وكأنها من شدة كربها لم تتذكر اسم يعقوب (وأنزل الله) : (﴿إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم﴾ العشر الآيات) من سورة النور وسقط لغير أبي ذر: ﴿عصبة منكم﴾.
٤٦٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَعِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا وَعَائِشَةُ أَخَذَتْهَا الْحُمَّى فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ» قَالَتْ: نَعَمْ، وَقَعَدَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: مَثَلِي
وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
وبه قال: (حدّثنا موسى) هو ابن إسماعيل المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (مسروق بن الأجدع) بالجيم والدال والعين المهملتين (قال: حدّثتني) بالإفراد أيضًا (أم رومان) بضم الراء وتفتح بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس.
قال الحافظ أبو نعيم: بقيت بعد رسول الله ﷺ دهرًا طويلاً وفيه تأييد لتصريحه بسماع مسروق منها فيكون الحديث متصلاً، وأما قول ابن سعد أنها توفيت سنة ست ونزل النبي ﷺ قبرها، وقول الخطيب أن مسروقًا لم يسمع منها فقال الحافظ ابن حجر: الراجح أن مستند قائل ذلك إنما هو ما روي عن علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف أن أم رومان ماتت سنة ست، وقد نبه البخاري في تاريخيه الأوسط والصغير على أنها رواية ضعيفة فقال في فضل من مات في خلافة عثمان. قال علي بن زيد عن القاسم: ماتت أم رومان في زمن النبي ﷺ سنة ست. قال البخاري: وفيه نظر وحديث مسروق أسند أي أصح إسنادًا، وقد جزم إبراهيم الحربي
стр. 2996
الحافظ بأن مسروقًا إنما سمع من أم رومان في خلافة عمر فقد ظهر أن الذي وقع في الصحيح هو الصواب.
(وهي أم عائشة) رضي الله تعالى عنهما (قالت: بينا) بغير ميم (أنا وعائشة أخذتها الحمى) في أحاديث الأنبياء بينا أنا مع عائشة جالسة إذ ولجت علينا امرأة من الأنصار وهي تقول فعل الله بفلان وفعل بفلان قالت فقلت لم؟ قالت: إنه نمي ذكر الحديث، فقالت عائشة: أي حديث فأخبرتها قالت: فسمعه أبو بكر ﵁ ورسول الله ﷺ قالت: نعم فخرت مغشيًا عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض (فقال النبي ﷺ ¬):
(لعل) الذي حصل لها (في حديث) أي من أجل حديث (تحدث) به في حقها وهو حديث الإفك وتحدث بضم أوّله مبنيًّا للمفعول (قالت) أم رومان (نعم وقعدت عائشة قالت: مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه ﴿بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾) أي صفتي كصفة يعقوب ﵊ حيث صبر صبرًا جميلاً وقال: والله المستعان، وسقط قوله: ﴿بل سوّلت لكم أنفسكم إلى جميل﴾ لغير أبي ذر.
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]
وَقَالَ عِكْرِمَةُ هَيْتَ لَكَ بِالْحَوْرَانِيَّةِ: هَلُمَّ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: تَعَالَهْ
(باب قوله) : (﴿وراودته﴾) امرأة العزيز (﴿التي هو في بيتها﴾) بمصر (﴿عن
نفسه﴾) وذلك أنه كان في غاية الجمال والبهاء والكمال فدعاها ذلك إلى أن طلبت منه برفق ولين قول أن يواقعها والمراودة المصدر والريادة طلب النكاح يقال: راود فلان جاريته على نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل واحد منهما الوطء، وتعد هنا بعن لأنه ضمن معنى خادعته أي خادعته عن نفسه، والمفاعلة هنا من واحد نحو داويت المريض، ويحتمل أن تكون على بابها فإن كلًا منهما كان يطلب من صاحبه شيئًا برفق هي تطلب منه الفعل وهو يطلب منها الترك (﴿وغلقت الأبواب﴾) قيل كانت سبعة والتشديد للتكثير (﴿وقالت هيت لك﴾) [يوسف: ٢٣] ولأبي ذر: هيت بكسر الهاء وهما لغتان.
(وقال عكرمة) مولى ابن عباس: (هيت لك بـ) اللغة (الحورانية) بالحاء المهملة (هلم) وهذا وصله ابن جرير عن عكرمة عن ابن عباس وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكان الكسائي يقول هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز وسقط لك لابن عساكر.
(وقال ابن جبير): سعيد أي (تعاله) بهاء السكت وهذا وصله الطبري وأبو الشيخ من طريقه. وقال السدي: معرّبة من القبطية بمعنى هلم لك، وقال ابن عباس والحسن من السريانية، وقيل من العبرانية والجمهور على أنها عربية، وقال مجاهد هي كلمة حث وإقبال أي أقبل وبادر، ثم هي في بعض اللغات تتعين فعليتها وفي بعضها اسميتها وفي بعضها يجوز الأمران كما ستعرفه من القراءات إن شاء الله تعالى.
٤٦٩٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قَالَتْ: هَيْتَ لَكَ، قَالَ: وَإِنَّمَا نَقْرَؤُهَا كَمَا عُلِّمْنَاهَا، مَثْوَاهُ: مُقَامُهُ، وَأَلْفَيَا: وَجَدَا. أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ: أَلْفَيْنَا، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (أحمد بن سعيد) بكسر العين أبو جعفر الدارمي المروزي قال: (حدّثنا بشر بن عمر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة وعمر بضم العين الأزدي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه وسقط لفظ عبد الله لأبي ذر (قالت: هيت لك) بفتح الهاء والفوقية، ولأبي ذر: هيت بكسر الهاء وضم الفوقية من غير همز فيهما (قال: وإنما نقرؤها) بالنون لأبي ذر ولغيره يقرؤها بالياء (كما علمناها) بضم العين مبنيًّا للمفعول وهذا قد أورده المؤلّف مختصرًا.
وقد أخرجه عبد الرزاق كما قاله الحافظان ابن كثير وابن حجر عن الثوري عن الأعمش بلفظ: إني سمعت القراءة فسمعتهم متقاربين فاقرؤوا كما علمتم وإياكم والتنطع والاختلاف فإنما هو كقول الرجل هلم وتعال ثم قرأ (﴿وقالت هيت لك﴾) فقلت إن ناسًا يقرؤنها هيت لك قال
لأن أقرأها كما علمت أحب إليّ، وكذا أخرجه ابن مردويه من طريق طلحة بن مصرف عن أبي وائل أن ابن مسعود قرأها هيت لك بالفتح ومن طريق سليمان التيمي عن الأعمش بإسناده لكن قال: بالضم، وروى عبد بن حميد من طريق أبي وائل قال: قرأها عبد الله بالفتح فقلت له: إن الناس يقرؤونها بالضم
стр. 2997
فذكره قال في الفتح وهذا أقوى وقراءة ابن مسعود بكسر الهاء وبالضم أو بالفتح بغير همز وروى عبد بن حميد عن أبي وائل أنه كان يقرؤها كذلك لكن بالهمز اهـ.
وفي هذه اللفظة خمس قراءات فنافع وابن ذكوان وأبو جعفر بكسر الهاء وياء ساكنة وتاء مفتوحة، وابن كثير بفتح الهاء وياء ساكنة وتاء مضمومة، وهشام بهاء مكسورة وهمزة ساكنة وتاء مفتوحة أو مضمومة، والباقون بفتح الهاء وياء ساكنة وتاء مفتوحة. وعن ابن محيصن فتح الهاء وسكون الياء وكسر التاء وكسر الهاء والتاء بينهما ياء ساكنة وكسر الهاء وسكون الياء وضم التاء وعن ابن عباس هييت بضم الهاء وكسر الياء بعدها ياء ساكنة ثم تاء مضمومة بوزن حييت فهي أربعة في الشاذ فصارت تسعة فيتعين كونها اسم فعل في غير قراءة ابن عباس بزنة حييت، وفي غير قراءة كسر الهاء سواء كان ذلك بالياء أو بالهمز فمن فتح التاء بناها على الفتح تخفيفًا نحو أين وكيف، ومن ضمها فتشبيهًا بحيث، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين وتتعين فعليتها في قراءة ابن عباس فإنها فيها فعل ماضٍ مبني للمفعول مسند لضمير المتكلم من هيأت الشيء وتحتمل الأمرين في قراءة من كسر الهاء وضم التاء فيحتمل أن تكون فيه اسم فعل بنيت على الضم كحيث وأن تكون فعلاً مسند الضمير المتكلم من هاء الرجل يَهيءُ كجاء يجيء.
وقوله تعالى: أكرمي (﴿مثواه﴾) أي (مقامه) بضم الميم قاله أبو عبيدة.
(﴿وألفيا﴾) أي (وجدا ألفوا آباءهم ألفينا. وعن ابن مسعود) عبد الله مما وصله الحاكم في مستدركه من طريق جرير عن الأعمش في قوله تعالى في سورة الصافات (﴿بل عجبت ويسخرون﴾) [الصافات: ١٢] بضم التاء كما يقرأ هيت بالضم. وعند ابن أبي حاتم من طريق الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه قرأ بل عجبتُ بالرفع وعن سعيد بن جبير بل عجبت الله عجب، وإذا ثبت الرفع فليس لإنكاره معنى بل يحمل على ما يليق به تعالى.
٤٦٩٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَبْطَئُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالإِسْلَامِ قَالَ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ» فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِثْلَ الدُّخَانِ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٥] قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [الدخان: ١٥] وَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ وَمَضَتِ الْبَطْشَةُ.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن
الأعمش) سليمان (عن مسلم) هو ابن صبيح بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة آخره حاء مهملة مصغرًا (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عبد الله) هو ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه) ذكر (أن قريشًا لما أبطؤوا عن النبي) ولأبي ذر على النبي (¬ ﷺ بالإسلام) زاد في الاستسقاء دعا عليهم (قال):
(اللهم اكفنيهم بسبع كسبع يوسف فأصابتهم سنة) بفتح السين أي جدب وقحط (حصّت) بالحاء والصاد المشدّدة المهملتين أي أذهبت (كل شيء حتى أكلوا العظام) زاد في الاستسقاء والميتة (حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها مثل الدخان) من ضعف بصره بسبب الجوع (قال الله) ، وفي الاستسقاء فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك هلكوا فادع الله تعالى فقرأ: (﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٥] (قال الله) : (﴿إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون﴾) [الدخان: ١٥] أي إلى الكفر وفي الاستسقاء في باب دعاء النبي ﷺ اجعلها سنين كسني يوسف يوم تأتي السماء بدخان مبين إلى قوله عائدون وفي سورة الدخان فاستسقى فسقوا فنزلت ﴿إنكم عائدون﴾ فلما أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله : ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون﴾ [الدخان: ١٦] قال عبد الله (﴿أفيكشف﴾) بضم الياء وفتح الشين مبنيًّا (﴿عنهم العذاب يوم القيامة﴾ وقد مضى الدخان) الحاصل بسبب الجوع (ومضت البطشة) الكبرى يوم بدر وعن الحسن البطشة الكبرى يوم القيامة.
ووجه المناسبة بين الحديث والترجمة في قوله: فجاء أبو سفيان، فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله فدعا ففيه أنه عفا عن قومه كما عفا يوسف ﵊ عن امرأة العزيز.
٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٥٠، ٥١] وَحَاشَ وَحَاشَا: تَنْزِيهٌ وَاسْتِثْنَاءٌ: حَصْحَصَ: وَضَحَ
(باب قوله) جل وعلا (﴿فلما جاءه الرسول﴾) رسول الملك ليخرجه من السجن (﴿قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾) أي سله
стр. 2998
عن حقيقة شأنهن ليعلم براءتي عن تلك التهمة وأراد بذلك حسم مادّة الفساد عنه لئلا ينحط قدره عند الملك ولعل معظم غرضه ﵊ أن لا يقع خلل في الدعوة وإظهار النبوّة وقال فاسأله ما بال النسوة ولم يقل فاسأله أن يفتش عن حالهن تهييجًا له على البحث وتحقيق الحال ولم يتعرض لامرأة العزيز مع ما صنعت به كرمًا ومراعاة للأدب وعبر بما التي يسأل بها عن حقيقة الشيء ظاهرًا (﴿إن ربي﴾) العالم بخفيات الأمور (﴿بكيدهن عليم﴾) حين قلن أطع مولاتك أو أن كل واحدة منهن طمعت فيه فلما لم تجد مطلوبها منه طعنت فيه ونسبته إلى القبيح، فرجع الرسول من عند يوسف إلى الملك
فدعا النسوة وامرأة العزيز فلما حضرن (﴿قال﴾) لهن (﴿ما خطبكن﴾) أي ما شأنكن (﴿إذ روادتن يوسف عن نفسه﴾) هل وجدتن منه ميلاً إليكن فنزّهنه، متعجبات من كمال عفته حيث (﴿قلن حاش لله﴾) [يوسف: ٥٠، ٥١] (وحاش) بغير ألف بعد الشين (وحاشا) بها لفظًا (تنزيه) فتكون اسمًا ويدل له قراءة بعضهم حاشا لله بالتنوين (واستثناء) وذهب سيبويه وأكثر البصريين إلى أنها حرف بمنزلة إلا لكنها تجر المستثنى.
وقوله: (﴿حصحص﴾): أي (وضح) الحق بانكشاف ما يغمره وهو معنى قول بعض المفسرين، وقيل ظهر من حص شعره أي استأصل قطعه بحيث ظهرت بشرته وهذا إنما قالته امرأة العزيز لما علمت أن هذه المناظرات والتفحصات إنما وقعت بسببها، وقيل: إن النسوة أقبلن عليها يقررنها وقيل خافت أن يشهدن عليها فاعترفت وهذه شهادة جازمة لما راعى جانبها ولم يذكرها البتة فعرفت أنه ترك ذكرها تعظيمًا لها فكافأته على ذلك فكشفت الغطاء واعترفت أن الذنب كله من جانبها وأنه كان مبرأ عن الكل وسقط باب قوله لغير أبي ذر.
٤٦٩٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ وَنَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لَهُ: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (سعيد بن تليد) بفتح الفوقية وكسر اللام وبعد التحتية الساكنة دال مهملة هو سعيد بكسر العين ابن عيسى بن تليد المصري قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن القاسم) المصري العتقي صاحب الإمام مالك (عن بكر بن مضر) بفتح الموحدة وسكون الكاف ومضر بضم الميم وفتح المعجمة ابن محمد المصري (عن عمرو بن الحارث) بفتح العين ابن يعقوب بن عبد الله مولى قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري المصري الفقيه المقري أحد الأئمة الأعلام (عن يونس بن يزيد) الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب) المخزومي أحد الأعلام (وأبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(يرحم الله لوطاً) هو ابن أخي إبراهيم الخليل وكان ممن آمن وهاجر معه إلى مصر (لقد كان يأوي إلى ركن شديد) يشير إلى قوله تعالى: ﴿قال لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠] (ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف) ولأبي ذر: ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف بضم اللام وسكون الموحدة، وكان قد لبث سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات كما قيل (لأجبت الداعي) لأسرعت إلى الإجابة إلى الخروج من السجن.
قال محيي السنّة إنه ﷺ وصف يوسف ﵊ بالأناة والصبر حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه رسول الملك فعل المذنب حين يعفى عنه مع طول لبثه في السجن، بل قال ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ [يوسف: ٥٠] أراد أن يقيم الحجة في حبسهم إياه ظلمًا فقال ﷺ على سبيل التواضع لا أنه صلوات الله وسلامه عليه كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف ﷺ والتواضع لا يصغر كبيرًا ولا يضع رفيعًا ولا يبطل لذي حق حقًّا لكنه يوجب لصاحبه فضلاً ويكسبه جلالاً وقدرًا (ونحن أحق من إبراهيم) في سورة البقرة وغيرها ونحن أحق بالشك من إبراهيم يعني لو كان الشك متطرقًا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به وقد علمتم أني لم أشك فإبراهيم ﷺ لم يشك (﴿إذ قال له﴾) ربه جل وعلا (﴿أولم تؤمن﴾) بعد قوله: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾
стр. 2999
(﴿قال بلى﴾) آمنت (﴿ولكن﴾) سألتك أن تريني كيف الإحياء (﴿ليطمئن قلبي﴾) [البقرة: ٢٦٠] فلم يكن شك في القدرة على الإحياء، بل أراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين مع مشاهدة الكيفية.
٦ - باب قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠]
(باب قوله) تعالى: (﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾) [يوسف: ١١٠] ليس في الكلام شيء تكون حتى غاية له ولذا اختلف في تقدير شيء يصح تغييته بحتى فقدره الزمخشري وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً فتراخى نصرهم حتى وقدره القرطبي وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً ثم لم نعاقب أمتهم بالعقاب حتى إذا وقدره ابن الجوزي وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً فدعوا قومهم فكذبوهم وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى. قال في اللباب وأحسنها الأول اهـ.
٤٦٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ قَالَ: قُلْتُ أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: كُذِّبُوا، قُلْتُ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ قَالَتْ: أَجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهَا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الآيَةُ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن أويس أبو القاسم القرشي الأويسي المدني الأعرج قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت له) أي لعروة وسقط لفظ له
لأبي ذر: (وهو) أي والحال أنه (يسألها عن قول الله تعالى ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ قال) أي عروة: (قلت) لها: (أكذبوا) بتخفيف المعجمة المكسورة بعد ضم الكاف (أم كذبوا) بتشديدها (قالت عائشة كذبوا) مشددة كما صرح به في الثلاثة في رواية الإسماعيلي تخفيفًا وتشديدًا قال عروة (قلت) لها: (فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن قالت) أي عائشة (أجل) تعني نعم (لعمري لقد استيقنوا بذلك) ولم يظنوا قال عروة (فقلت لها وظنوا أنهم قد كذبوا) بالتخفيف فردت عليه حيث (قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها) وهذا ظاهره أنها أنكرت قراءة التخفيف بناء على أن الضمير للرسل ولعلها لم تبلغها، فقد ثبتت متواترة في قراءة الكوفيين في آخرين ووجهت بأن الضمير في وظنوا عائد على المرسل إليهم لتقدمهم في قوله: كيف كان عاقبة الدين من قبلهم، والضمير أي في أنهم وكذبوا على الرسل أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا أي كذبهم من أرسلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم أو أن الضمائر كلها ترجع إلى المرسل إليهم أي ظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوا من النبوّة فيما يوعدون به من لم يؤمن من العقاب أو كذبهم المرسل إليهم بوعد الإيمان، وقول الكرماني لم تنكر عائشة القراءة وإنما أنكرت التأويل خلاف الظاهر.
قال عروة: (قلت) لها: (فما هذه الآية؟ قالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم) أي وصدقوا الرسل (فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم) فالضمائر كلها على قراءة التشديد عائدة على الرسل أي وظن الرسل أنهم قد كذبهم أممهم فيما جاؤوا به لطول البلاء عليهم (جاءهم نصر الله عند ذلك) وحصلت النجاة لمن تعلقت به مشيئته وهم النبي والمؤمنون والظن هنا بمعنى اليقين أو على حقيقته وهو رجحان أحد الطرفين.
٤٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ فَقُلْتُ لَعَلَّهَا كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (فقلت) أي لعائشة (لعلها كذبوا مخففة قالت معاذ الله نحوه) أي فذكرت نحو حديث صالح بن كيسان، وقد ساقه المؤلّف مختصرًا وأورده أبو نعيم في مستخرجه تامًّا ولفظه عن عروة أنه سأل عائشة فذكره نحو السابقة.
[١٣]- سورة الرَّعْدِ
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾: مَثَلُ الْمُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ كَمَثَلِ الْعَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خَيَالِهِ فِي الْمَاءِ مِنْ بَعِيدٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا
يَقْدِرُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: سَخَّرَ: ذَلَّلَ، ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: مُتَدَانِيَاتٌ ﴿الْمَثُلَاتُ﴾: وَاحِدُهَا مَثُلَةٌ، وَهْيَ الأَشْبَاهُ وَالأَمْثَالُ. وَقَالَ: ﴿إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ [يونس: ١٠٢] بِمِقْدَارٍ: بِقَدَرٍ ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾: مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الأُولَى مِنْهَا الأُخْرَى وَمِنْهُ قِيلَ الْعَقِيبُ يُقَالُ: عَقَّبْتُ فِي إِثْرِهِ. ﴿الْمِحَالُ﴾: الْعُقُوبَةُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾: لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ. ﴿رَابِيًا﴾: مِنْ رَبَا يَرْبُو. ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ﴾: مِثْلُهُ الْمَتَاعُ، مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ. ﴿جُفَاءً﴾: أَجْفَأَتِ الْقِدْرُ: إِذَا غَلَتْ فَعَلَاهَا الزَّبَدُ ثُمَّ تَسْكُنُ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ فَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ. ﴿الْمِهَادُ﴾: الْفِرَاشُ. ﴿يَدْرَءُونَ﴾: يَدْفَعُونَ دَرَأْتُهُ دَفَعْتُهُ. ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أَيْ يَقُولُونَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾: تَوْبَتِى. ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسْ﴾: لَمْ يَتَبَيَّنْ. ﴿قَارِعَةٌ﴾: دَاهِيَةٌ. ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾: أَطَلْتُ مِنَ الْمَلِيِّ وَالْمُلَاوَةُ وَمِنْهُ. ﴿مَلِيًّا﴾: وَيُقَالُ لِلْوَاسِعِ الطَّوِيلِ مِنَ الأَرْضِ مَلًى مِنَ الأَرْضِ. ﴿أَشَقُّ﴾: أَشَدُّ مِنَ الْمَشَقَّةِ. ﴿مُعَقِّبَ﴾: مُغَيِّرٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: طَيِّبُهَا وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ. ﴿صِنْوَانٌ﴾: النَّخْلَتَانِ، أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ. ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: وَحْدَهَا. ﴿بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾: كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَخَبِيثِهِمْ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ. ﴿السَّحَابُ الثِّقَالُ﴾: الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾: يَدْعُو الْمَاءَ بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا. ﴿سَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: تَمْلأُ بَطْنَ وَادٍ. ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾: زَبَدُ السَّيْلِ خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ.
([١٣] سورة الرعد)
مكية في قول ابن عباس ومجاهد وابن جبير مدنية في قول قتادة إلا ﴿ولا يزال الذين كفروا﴾ وعنه من أولها إلى ﴿ولو أن قرآنًا﴾ وهي خمس وأربعون آية.
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(قال ابن عباس): سقطت البسملة لغير أبي ذر وزاد واوًا قبل قال ابن عباس: (﴿كباسط كفيه﴾) يريد قوله تعالى: ﴿له
стр. 3000
دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه﴾ [الرعد: ١٤] أي (مثل المشرك الذي عبد مع الله إلهًا غيره) ولأبي ذر إلهًا آخر غيره (كمثل العطشان الذي ينظر إلى خياله) ولأبي ذر: إلى ظل خياله (في الماء من بعيد وهو يريد أن يتناوله ولا يقدر) أي عليه وهذا وصله ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ويجوز أن يراد بالموصول في قوله والذين يدعون المشركون فالواو في يدعون عائده ومفعوله محذوف وهو الأصنام والواو في لا يستجيبون عائد على مفعول يدعون المحذوف وعاد عليه الضمير كالعقلاء لمعاملتهم إياه معاملتهم، والتقدير والمشركون الذين يدعون الأصنام لا تستجيب لهم الأصنام إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه ولا يقدر أن يجيبه ويبلغ فاه فوجه التشبيه عدم قدره المدعو على تحصيل مراده بل عدم العلم بحال الداعي أو شبهوه في عدم فائدة دعائهم بمن بلغه العطش حتى كربه الموت وكفاه في الماء قد وضعهما لا يبلغان فاه رواه
الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس أو كطالب الماء من البئر بلا دلو ولا رشاء يمدّ يده إليها ليرتفع الماء إليه. رواه الطبري أيضًا من طريق أبي أيوب عن علي.
(وقال غيره) أي غير ابن عباس في قوله تعالى: (﴿سخر﴾) أي (ذلل) الشمس والقمر لما يقصد منهما كتذليل المركوب للراكب أو لنيل منافعهما، وسقط هذا لأبي ذر، وفي اليونينية سخر ذلك بكاف بعد اللام وهي مصلحة في الفرع لامًا هو الذي رأيته في النسخ المعتمدة كنسخة آل ملك.
(﴿متجاورات﴾) ومراده قوله تعالى: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ [الرعد: ٤] أي (متدانيات) في الأوضاع مختلفة باعتبار كونها طيبة وسبخة رخوة وصلبة صالحة للزرع والشجر أو لأحدهما وغير صالحة لشيء مع أن تأثير الشمس وسائر الكواكب فيها على السواء فلم يكن ذلك بسبب الاتصالات الفلكية والحركات الكوكبية وكذلك أشجارها وزروعها مختلفة جنسًا ونوعًا وطعمًا مع أنها تسقى بماء واحد فلا بد من مخصص يخصص كلاًّ منها بخاصية دون أخرى وما ذلك إلا إرادة الفاعل المختار وفي نسخة هنا وقال مجاهد متجاورات طيبها عذبها وخبيثها السباخ هذا وصله أبو بكر بن المنذر من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(﴿المثلات﴾) في قوله: ﴿وقد خلت من قبلهم المثلات﴾ [الرعد: ٦] ولأبي ذر وقال غيره المثلات (واحدها مثلة) بفتح الميم وضم المثلثة كسمرة وسمرات (وهي الأشباه والأمثال) قال أبو عبيدة وعند الطبري من طريق معمر عن قتادة قال: المثلات العقوبات. وقال ابن عباس: العقوبات المستأصلات كمثلة قطع الأذن والأنف ونحوهما وسميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب من المماثلة كقوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠] (وقال) تعالى: (﴿إلا مثل أيام الذين خلوا﴾) [يونس: ١٠٢].
وقوله تعالى: ﴿وكل شيء عنده﴾ (﴿بمقدار﴾) [الرعد: ٨] أي (بقدر) لا يجاوزه ولا ينقص عنه والعندية يحتمل أن يكون المراد بها أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السردية وعند حكماء الإسلام أنه تعالى وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرّكها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية متعينة ومناسبات مخصوصة متقدرة ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم وهي من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة.
وقوله: له (﴿معقبات﴾) ولأبي ذر يقال معقبات أي (ملائكة حفظة) يحفظونه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام من بين يديه ومن خلفه ليلاً ونهارًا (تعقب) في حفظه (الأولى منها الأخرى) فإذا صعدت ملائكة النهار عقبتها ملائكة الليل وبالعكس.
وأخرج الطبري من طريق كنانة العدوي أن عثمان سأل النبي ﷺ عن عدد الملائكة الموكلين بالآدمي فقال: لكل آدمي عشرة بالليل وعشرة
стр. 3001
بالنهار واحد عن يمينه وآخر عن شماله واثنان من بين يديه ومن خلفه واثنان على جبينه وآخر قابض على ناصيته فإن تواضع رفعه وإن تكبر وضعه واثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلا الصلاة على محمد ﷺ والعاشر يحرسه من الحية أن تدخل فاه يعني إذا نام.
(ومنه) أي ومن أصل المعقبات (قيل العقيب) للذي يأتي في أثر الشيء (يقال عقبت) ولأبي ذر قيل العقيب أي عقبت (في أثره) بتشديد القاف في الفرع كأصله وضبطه الدمياطي.
قال الزمخشري: وأصل معقبات متعقبات فأدغمت التاء في القاف كقوله وجاء المعذرون أي المعتذرون ويجوز معقبات بكسر العين وتعقبه أبو حيان فقال هذا وهم فاحش فإن التاء لا تدعم في القاف ولا القاف في التاء لا من كلمة ولا من كلمتين وقد نص التصريفيون على أن القاف والكاف كل منهما يدغم في القاف ولا يدغمان في غيرها ولا يدغم غيرهما فيهما، وأما تشبيهه بقوله تعالى: ﴿وجاء المعذرون﴾ [التوبة: ٩٠] فلا يتعين أن يكون أصله المعتذرون، وأما قوله ويجوز معقبات بكسر العين فهذا لا يجوز لأنه بناه على أن أصله معتقبات فأدغمت التاء في القاف، وقد بينا أن ذلك وهم فاحش والضمير في له يعود على المكررة أي لمن أسر القول ولمن جهر به ولمن استخفى ولمن سرب جماعة من الملائكة يعقب بعضهم بعضًا أو يعود على من الأخيرة وهو قول ابن عباس. قال ابن عطية: فالمعقبات على هذا حرس الرجل الذين يحفظونه. قالوا: والآية على هذا في الرؤساء الكفار، واختاره الطبري في آخرين إلا أن الماوردي ذكر على هذا التأويل أن الكلام نفي والتقدير لا يحفظونه، وهذا ينبغي أن لا يسمع البتة كيف يبرز كلام موجب ويراد به نفي وحذف لا إنما يجوز إذا كان المنفي مضارعًا في جواب قسم نحو تالله تفتأ وقد تقدم تحريره وإنما معنى الكلام كما قال المهدوي يحفظونه من أمر الله في زعمه وظنه اهـ.
ومن إما للسبب أي بسبب أمر الله أو على بابها. قال أبو البقاء: من أمر الله من الجن والإنس وذكر الفراء أنه على التقديم والتأخير أي له معقبات من أمر الله يحفظونه لكن قال في الدر: والأصل عدم ذلك مع الاستغناء عنه وأخرج الطبري من طريق سعيد بن جبير قال حفظهم إياه من أمر الله.
(﴿المحال﴾) يريد قوله: ﴿وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال﴾ [الرعد: ١٣] هو (العقوبة) قاله أبو عبيدة.
(وقوله تعالى: ﴿كباسط كفيه على الماء﴾ [الرعد: ١٤] ليقبض على الماء) فلا يحصل منه على شيء قال:
فأصبحت مما كان بيني وبينها … من الودّ مثل القابض الماء باليد
والمعنى أن الذي يبسط يده إلى الماء ليقبضه كما لا ينتفع به كذلك المشركون الذين يعبدون مع الله آلهة غيره لا ينتفعون بها أبدًا وقد مر قريبًا مزيد لهذا.
وقوله تعالى: ﴿فاحتمل السيل زبدًا﴾ (﴿رابيًا﴾) [الرعد: ١٧] (من ربا يربو) أي إذا زاد وقال الزجاج: طافيًا فوق الماء والزبد وضر الغليان وخبثه أو ما يحمله السيل من غثاء ونحوه.
(﴿أو متاع زبد﴾ مثله المتاع ما تمتعت به) كالأواني وآلات الحرث والحرب.
(﴿جفاء﴾) قال أبو عمرو بن العلاء (أجفأت القدر) ولأبي ذر يقال أجفأت القدر (إذا غلت فعلاها الزبد ثم تسكن فيذهب الزبد بلا منفعة فكذلك يميز الحق من الباطل) وذلك أن هذا الكلام ضربه للحق وأهله الشامل للقرآن وغيره والباطل وحزبه فقوله: ﴿أنزل من السماء ماء﴾ مثل للقرآن والأودية مثل للقولب أي أنزل القرآن فاحتملت منه القلوب على قدر اليقين فالقلب الذي يأخذ منه ما ينتفع به فيحفظه ويتدبره تظهر عليه ثمرته ولا يخفى أن بين القلوب في ذلك تفاوتًا عظيمًا وقوله: ﴿وأما الزبد﴾ فهو مثل الباطل في قلة نفعه وسرعة زواله.
(﴿المهاد﴾) في قوله: ﴿ومأواهم جهنم وبئس المهاد﴾ [الرعد: ١٨] هو (الفراش) وهذا ساقط لأبي ذر ثابت لغيره.
(يدرؤون) في قوله: (﴿ويدرؤون﴾) [الرعد: ٢٢] أي (يدفعون) السيئة بمقابلتها بالحسنة وهذا وصف سيدنا رسول الله ﷺ في التوراة
стр. 3002
فيندرج تحته الدفع بالحسن من الكلام والوصل في مقابلة قطع الأرحام وغيرهما من أخلاق الكرام وتغيير منكرات أفعال اللئام (درأته عني) أي (دفعته) وسقط لغير أبي ذر عني.
(﴿سلام عليكم﴾) يريد قوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ [الرعد: ٢٣] (أي يقولون سلام عليكم) فأضمر القول ها هنا لأن في الكلام دليلاً عليه والقول المضمر حال من فاعل يدخلون أي يدخلون قائلين سلام عليكم بشارة بدوام السلامة.
(﴿وإليه متاب﴾) [الرعد: ٣٥] أي (توبتي). ومرجعي فيثيبني على المشاق أو إليه أتوب عن سالف خطيئتي ولأبي ذر والمتاب إليه توبتي.
وقوله: (﴿أفلم ييأس﴾) [الرعد: ٣١] أي (لم) ولأبي ذر فلم (يتبين) وبها قرأ عليّ وابن عباس وغيرهما وردّه الفرّاء بأنه لم يسمع يئست بمعنى علمت وأجيب: بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ ويدل على ذلك قراءة عليّ وغيره كما مر وقد قال القاسم بن معن وهو من ثقات الكوفيين: هي لغة هوازن وقال ابن الكلبي: هي لغة حيّ من النخع ومنه قول رباح بن عدي:
ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه … وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا
وقول سحيم الرياحي:
أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني … ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم
والمعنى أفلم يعلم المؤمنون أنه لو تعلقت مشيئة الله تعالى على وجه الإلجاء بإيمان الناس جميعًا لآمنوا.
(﴿قارعة﴾) أي (داهية) تقرعهم وتقلقلهم.
(﴿فأمليت﴾) أي (أطلت) للذين كفروا المدة بتأخير العقوبة (من الملي) بفتح الميم وكسر اللام
وتشديد التحتية قال في الصحاح الهويّ من الدهر يقال أقام مليًا من الدهر قال تعالى: ﴿واهجرني مليًا﴾ [مريم: ٤٦] أي طويلاً ومضى مليّ من النهار أي ساعة طويلة (والملاوة) بكسر الميم ولأبي ذر والملاوة بضمها يقال أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حينًا وبرهة (ومنه ﴿مليًّا﴾) كما مر (ويقال للواسع الطويل من الأرض): وهو الصحراء (ملى) بفتح الميم مقصورًا كما في اليونينية وفرعها لأبي ذر وفي أصل اليونينية ملى كذا (من الأرض) وسقط لأبي ذر من الأرض الثاني.
(﴿أشق﴾) أي (أشد من المشقّة) قاله أبو عبيدة.
(﴿معقب﴾ مغير) يريد قوله: ﴿لا معقب لحكمه﴾ [الرعد: ٤١] أي لا مغير لإرادته ولا يعقبه أحد بالرد والإبطال.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿متجاورات﴾ طيبها وخبيثها السباخ) وهذا قد ثبت في نسخة قبل قوله المثلات كما مر.
(﴿صنوان﴾) جمع صنو كقنوان جمع قنو (النخلتان أو أكثر في أصل واحد) وفي الحديث "عم الرجل صنو أبيه" أي يجمعهما أصل واحد (﴿وغير صنوان﴾) النخلة (وحدها ﴿بماء واحد﴾ كصالح بني آدم وخبيثهم) قال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم فقلب يرق فيخشع ويخضع وقلب يسهو ويلهو والكل (أبوهم واحد).
وقوله: (﴿السحاب الثقال﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وينشئ السحاب الثقال﴾ [الرعد: ١٢] أي (الذي فيه الماء) قال: والسحاب اسم جنس والواحد سحابة والثقال جمع ثقيلة لأنك تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال كما تقول امرأة كريمة ونساء كرام وقال عليّ: السحاب غربال الماء.
وقوله تعالى: (﴿كباسط كفيه﴾) زاد أبو ذر إلى الماء أي (يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدًا) إذ لا إشعار له به وهذا وصله الفريابي والطبري من طرق عن مجاهد وهو مثل الذين يدعون آلهة غير الله وسبق هذا في موضعين من هذه السورة (﴿سالت﴾) ولأبي ذر: فسالت (﴿أودية بقدرها﴾ تملأ بطن واد) ولأبي ذر كل واد بحسبه فهذا كبير يسع كثيرًا من الماء وهذا صغير يسع بقدره (﴿زبدًا رابيًا﴾ زبد السيل): ولأبي ذر الزبد زبد السيل ولأبي ذر زبد مثله أي ومما توقدون عليه من الذهب والفضة والحديد وغيرهما زبد مثل زبد الماء هو (خبث الحديد والحلية) وقوله زبد مثله ثابت لأبي ذر وسبق ما في ذلك من البحث قريبًا.
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨] غِيضَ نُقِصَ
(باب قوله ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى﴾) أي الذي تحمله أو حملها
стр. 3003
فعلى الموصولية فالمعنى أنه تعالى يعلم ما تحمله من الولد أهو ذكر أم أنثى وتام أم ناقص وحسن أم قبيح وطويل أم قصير
أو غير ذلك من الأحوال (﴿وما تغيض الأرحام﴾) [الرعد: ٨] (غيض) أي (نقص) بضم النون وكسر القاف سواء كان لازمًا أو متعديًا يقال غاض الماء وغضته أنا والمعنى وما تغيضه الأرحام وما تزداد أي تأخذه زائدًا، والمعنى يعلم ما تنقصه وما تزداده في الجثة والمدة والعدد فإن الرحم قد تشتمل على واحد وعلى اثنين وعلى ثلاثة وأربعة يروى أن شريكًا كان رابع أربعة في بطن أمه، وعن الشافعي أن شيخًا باليمن أخبره أن امرأة ولدت بطونًا في كل بطن خمسة. وعن العوفي عن ابن عباس مما ذكره ابن كثير (وما تغيض الأرحام) يعني السقط وما تزداد يقول وما زاد الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ومن تحمل تسعة أشهر ومنهن من تزيد في الحمل ومنهن من تنقص، وأقصى مدة الحمل أربع سنين عندنا وخمس عند مالك وسنتان عند أبي حنيفة. وقال الضحاك: وضعتني أن في بطنها سنتين وولدتني وقد نبتت ثنيتي انتهى.
وأقول في سنة ثمان وثمانين وثمانمائة غرة يوم السبت مستهل جمادى الأولى ولدت ابنتي زينب وفقها الله تعالى لكل خير وأحسن عواقبها وجعل لها الذرية الصالحة لتسعة أشهر من ابتداء حملها وقد نبتت ثنيتها ثم سقطت بعد نحو سبعة أشهر.
وقال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضها فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهل واستهلاله استنكار لمكانه فإذا قطعت سرته حوّل الله رزقه إلى ثدي أمه حتى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم ثم يصير طفلاً يتناول الشيء بكفّه فيأكل فإذا بلغ قال هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ يقول مكحول: يا ويحك غذاك وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير حتى إذا اشتددت وعقلت قلت هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ ثم قرأ مكحول ﴿يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ [الرعد: ٨] انتهى.
والإسناد إلى الرحم لا يخفى أنه مجازي إذ الفاعل حقيقة هو الله تعالى وكل كائن بقدر معين عند الله تعالى لا يجاوز ولا ينقص عنه.
٤٦٩٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ. وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللَّهُ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) الحزامي بالحاء المهملة والزاي المعجمة قال: (حدّثنا معن) بفتح الميم وسكون العين آخره نون ابن عيسى القزاز بالقاف والزاي المشددة وبعد
الألف زاي أخرى (قال حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) قال أبو مسعود: تفرد به إبراهيم بن المنذر وهو غريب عن مالك. قال في الفتح: قد أخرجه الدارقطني من رواية عبد الله بن إبراهيم بن المنذر وهو غريب عن مالك. قال في الفتح: قد أخرجه الدارقطني من رواية عبد الله بن جعفر البرمكي عن معن ورواه أيضًا من طريق القعنبي عن مالك لكنه اختصره وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق ابن القاسم عن مالك، قال الدارقطني: ورواه أحمد بن أبي طيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر فوهم فيه إسنادًا ومتنًا (أن رسول الله ﷺ قال):
(مفاتيح الغرب) بوزن مصابيح ولأبي ذر مفاتح بوزن مساجد جمع مفتح بفتح الميم أي خزائن الغيب (خمس لا يعلمها إلا الله) ذكر خمسًا لأن كان الغيب لا يتناهى لأن العدد لا ينفي الزائد أو لأنهم كانوا يعتقدون معرفتها (لا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم ما تغيض الأرحام) أي ما تنقصه (إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله) أي إلا عند أمر الله به فيعلم حينئذٍ كالسابق إذا أمر تعالى به (ولا تدري نفس بأي أرض تموت) أي في بلدها أم في غيرها كما لا تدري في أي وقت تموت (ولا يعلم متى تقوم الساعة) أحد (إلا الله) إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه والولي التابع له يأخذ عنه.
وقد سبق شيء من فوائد هذا الحديث في سورة الأنعام، فالتفت إليه كالاستسقاء ويأتي الإلمام بشيء منه إن شاء الله تعالى في آخر سورة لقمان وبالله المستعان.
стр. 3004
[١٤]- سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵊
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَادٍ: دَاعٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ صَدِيدٌ: قَيْحٌ وَدَمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ، يَبْغُونَهَا عِوَجًا: يَلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ: أَعْلَمَكُمْ آذَنَكُمْ. رَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ هَذَا مَثَلٌ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ. مَقَامِي حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. مِنْ وَرَائِهِ: قُدَّامِهِ. لَكُمْ تَبَعًا وَاحِدُهَا تَابِعٌ مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ. بِمُصْرِخِكُمْ: اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ. وَلَا خِلَالَ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالاً وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالٍ. اجْتُثَّتْ: اسْتُؤْصِلَتْ.
[١٤]- سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵊
مكية وهي إحدى وخمسون آية.
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(باب) وسقطت البسملة لغير أبي ذر وكذا باب.
(قال ابن عباس) ﵄ في قوله تعالى في سورة الرعد: (ولكل قوم (﴿هاد﴾) [الرعد: ٧] أي (داع) يدعوهم إلى الصواب ويهديهم إلى الحق والمراد نبي مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم، والظاهر أن وقوع ذلك هنا من ناسخ.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿صديد﴾) من قوله تعالى: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾ [إبراهيم: ١٦] هو (قيح ودم) وقال قتادة هو ما يسيل من لحمه وجلده وفي رواية عنه ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدم وقيل ما يخرج من فروج الزناة وهل الصديد نعت أم لا؟ فقيل نعت لماء وفيه تأويلان: أحدهما: أنه على حذف أداة التشبيه أي ماء مثل صديد وعلى هذا فليس الماء الذي يشربونه صديدًا بل مثله في النتن والغلظ والقذارة كقوله: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل﴾ [الكهف: ٢٩] والثاني: إن الصديد لما كان يشبه الماء أطلق عليه ماء وليس هو بماء حقيقة وعلى هذا فيشربون نفس الصديد المشبه بالماء وإلى كونه صفة ذهب الحوفي وغيره وفيه نظر إذ ليس بمشتق إلا على قول من فسره بأنه صديد بمعنى مصدود أخذه من الصد وكأنه لكراهته مصدود عنه أي يمتنع عنه كل أحد يدل عليه يتجرعه أي يتكلف جرعه وكذا لا يكاد، وسقط وقال مجاهد الخ لأبي ذر.
(وقال ابن عيينة) سفيان مما وصله في تفسيره والطبري أيضًا: (﴿اذكروا نعمة الله عليكم﴾) [المائدة: ٢٠] أي (أيادي الله عندكم وأيامه) أي بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: وآتاكم (﴿من كل ما سألتموه﴾) [إبراهيم: ٣٤] أي (رغبتم إليه فيه) وفي من قولان قيل زائدة في المفعول الثاني، وهذا إنما يأتي على قول الأخفش، وقيل تبعيضية أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه نظرًا لكم ولمصالحكم وعلى هذا فالمفعول محذوف أي وآتاكم شيئًا من كل ما سألتموه وهو رأي سيبويه.
(﴿يبغونها عوجًا) قال مجاهد فيما وصله عبد بن حميد (يلتمسون) ولأبي ذر تبعونها تلتمسون بالفوقية بدل التحتية فيهما (لها عوجًا) أي زيغًا ونكوبًا عن الحق ليقدحوا فيه وأشار بقوله لها إلى الأصل ولكنه حذف الجار وأوصل الفعل والإضلال يكون بالسعي في صدّ الغير وبإلقاء الشك والشبهات في المذهب الحقة ويحاول تقبيح الحق بكل ما يقدر عليه وهذا النهاية.
(﴿وإذ تأذن ربكم﴾) أي (أعلمكم آذنكم) بمدّ الهمزة والمعنى آذن إيذانًا بليغًا لما في تفعل من التكلف وفي رواية أبي ذر كما في فتح الباري أعلمكم ربكم أي إن شكرتم نعمتي من الإنجاء وغيره بالإيمان وصالحات الأعمال لأزيدنكم النعم وإن جحدتموها فإن عذابي بسلبها في الدنيا والنار في العقبى في غاية الشدة.
(﴿ردّوا﴾) يريد قوله تعالى: فردّوا (﴿أيديهم في أفواههم﴾) قال أبو عبيدة (هذا مثل) ومعناه (كفوا عما أمروا به) من الحق ولم يؤمنوا به قال في الفتح وقد تعقبوا كلام أبي عبيدة بأنه لم يسمع
من العرب ردّ يده في فيه إذا ترك الشيء الذي كان يفعله اهـ.
وهذا الذي قاله أبو عبيدة قاله أيضًا الأخفش وأنكره القتيبي ولفظه كما في اللباب لم يسمع أحد يقول ردّ يده إلى فيه إذا ترك ما أمر به. وأجيب: بأن المثبت مقدم على النافي قال في الدر: والضمائر الثلاثة يجوز أن تكون للكفار أي فرد الكفار أيديهم في أفواههم من الغيظ كقوله تعالى: ﴿عضوا عليكم الأنامل من الغيظ﴾ [آل عمران: ١١٩] ففي على بابها من الظرفية أو فردوا أيديهم على أفواههم ضحكًا واستهزاء ففي بمعنى على أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقوا به من قولهم إنّا كفرنا ففي بمعنى إلى وأن يكون الأوّلان للكفار والأخير للرسل أي فرد الكفار أيديهم في أفواه الرسل أي أطبقوا أفواههم يشيرون إليهم بالسكوت.
وقوله: ذلك لمن خاف (﴿مقامي﴾) [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: (حيث يقيمه الله بين يديه)
стр. 3005
يوم القيامة للحساب.
وقوله: (﴿من ورائه﴾) أي من (قدامه) ولأبي ذر قدامه جهنم بنصب ميم قدامه وهذا قول الأكثر وهو من الأضداد وعليه قوله:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب
أي قدامه وقول الآخر:
أليس ورائي إن تراخت منيتي … لزوم العصا تحنى عليها الأضالع
وقيل: بعد موته.
وقوله تعالى: (﴿إنا كنا لكم تبعًا﴾) قال أبو عبيدة: (واحدها تابع مثل غيب وغائب) وخدم وخادم أي يقول الضعفاء للذين استكبروا أي لرؤسائهم الذين استتبعوهم إنّا كنا لكم تبعًا في التكذيب للرسل والإعراض عنهم.
وقوله تعالى: (﴿ما أنا بمصرخكم﴾) يقال: (استصرخني) أي (استغاثني) فكان همزته للسلب أي أزال صراخي (يستصرخه من الصراخ) والمعنى ما أنا بمغيثكم من العذاب وسقط لأبي ذر قوله: بمصرخكم الخ (﴿ولا خلال﴾ مصدر خاللته خلالاً﴾) قال طرفة:
كل خليل كنت خاللته … لا ترك الله له واضحه
(ويجوز أيضًا جمع خلة وخلال) كبرمة وبرام وهذا قاله الأخفش والجمهور على الأوّل والمخاللة المصاحبة.
(﴿اجتثت﴾) من قوله تعالى: ﴿كشجرة: خبيثة اجتثت﴾ [إبراهيم: ٢٦] أي (استؤصلت) وأخذت جثتها بالكلية قال لقيط الأيادي:
هذا الخلاء الذي يجتث أصلكم … فمن رأى مثل ذا آت ومن سمعا
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥]
(باب قوله) تعالى: (﴿كشجرة طيبة﴾) مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان (﴿أصلها ثابت﴾) راسخ في الأرض ضارب بعروقه فيها آمن من الانقطاع والزوال (﴿وفرعها﴾) أعلاها (﴿في السماء﴾) لأن ارتفاع الأغصان يدل على ثبات الأصل ومتى ارتفعت كانت بعيدة عن عفونات الأرض فثمارها نقية طاهرة عن جميع الشوائب (﴿تؤتي أكلها﴾) تعطي ثمرها (﴿كل حين﴾) [إبراهيم: ٢٤، ٢٥] أقته الله تعالى لأثمارها.
وقال الربيع بن أنس: كل حين أي غدوة وعشية لأن ثمر النخل يؤكل أبدًا ليلاً ونهارًا صيفًا وشتاءً إما تمرًا أو رطبًا أو بسرًا كذلك عمل المؤمن يصعد أوّل النهار وآخره وبركة إيمانه لا تنقطع أبدًا بل تتصل إليه في كل وقت والاستفهام في قوله: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلاً﴾ [إبراهيم: ٢٤] للتقرير وفائدته الإيقاظ له أي ألم تعلم والكلمة الطيبة كلمة التوحيد أو كل كلمة حسنة كالحمد والاستغفار والتهليل. وعن ابن عباس هي شجرة في الجنة أصلها ثابت في الأرض وأعلاها في السماء كذلك أصل هذه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق فإذا تكلم بها عرجت ولا تحجب حتى تنتهي إلى الله تعالى قال : ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠] وسقط قوله: باب قوله لغير أبي ذر وله وفرعها الخ وقال بعد قوله ثابت الآية.
٤٦٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ» فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا. قَالَ عُمَرُ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (عبيد بن إسماعيل) القرشي الهباري اسمه عبد الله وعبيد لقب غلب عليه (عن أبي أسامة) حماد بن أسامة (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال):
(أخبروني بشجرة تشبه) ولأبي ذر: شبه (أو كالرجل المسلم) شك من الراوي (لا يتحات) بتشديد الفوقية آخره أي لا يتناثر (ورقها ولا ولا ولا) ذكر ثلاث صفات أخر للشجرة لم يبينها
الراوي واكتفى بذكر كلمة لا ثلاثًا وقد ذكروا في تفسيره ولا ينقطع ثمرها ولا يعدم فيئها ولا يبطل نفعها (تؤتي أكلها كل حين) وقت (قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر) رضي الله تعالى عنهما (لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم) هيبة منهما وتوقيرًا (فلما لم يقولوا) أي الحاضرون، ولأبي ذر عن
стр. 3006
الكشميهني فلم يقولا أي العمران (شيئًا قال رسول الله ﷺ : هي النخلة) والحكمة في تمثيل الإسلام بالشجرة أن الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء عرق راسخ وأصل قائم وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالأبدان (فلما قمنا قلت لعمر يا أبتاه) بسكون الهاء مصححًا عليها في الفرع وأصله وفي غيرهما بضمها (والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة فقال) أي عمر (ما منعك أن تكلم) بحذف إحدى التاءين (قال) أي ابن عمر قلت: (لم أركم تكلمون) بحذف إحدى التاءين أيضًا (فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا. قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إليّ من كذا وكذا) أي من حمر النعم كما في الرواية الأخرى، وقد وضح أن المراد بالشجرة في الآية النخلة لا شجرة الجوز الهندي.
نعم أخرج ابن مردويه من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف في الآية قال: هي شجرة جوز الهند لا تتعطل من ثمرة تحمل كل شهر اهـ.
ونفع النخلة موجود في جميع أجزائها مستمر في جميع أحوالها فمن حين تطلع إلى حين تيبس تؤكل أنواعًا ثم ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في علف الإبل والليف في الحبال وغير ذلك مما لا يخفى.
وقد سبق هذا الحديث في كتاب العلم.
٢ - باب ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾) [إبراهيم: ٢٧] كلمة التوحيد لا إله إلا الله لأنها رسخت في القلب بالدليل أي يديمهم الله عليها كما اطمأنت إليها نفوسهم في الدنيا والجمهور على أنها نزلت في سؤال المكلفين في القبر فيلقن الله المؤمن كلمة الحق عند السؤال فلا يزل وسقط باب لغير أبي ذر.
٤٦٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾.
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج
(قال: أخبرني) بالإفراد (علقمة بن مرثد) بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة الحضرمي أبو الحارث الكوفي (قال: سمعت سعد بن عبيدة) بسكون عين سعد وضمها في عبيدة مصغرًا غير مضاف (عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال):
(المسلم إذا سئل في القبر) أي بعد إعادة روحه إلى جسده عن ربه ودينه ونبيه (يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ فذلك قوله) : (﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾) الذي ثبت بالحجة عندهم (﴿في الحياة الدنيا﴾) قبل الموت كما ثبت في الذين فتنهم أصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير (﴿وفي الآخرة﴾) في القبر بعد إعادة روحه في جسده وسؤال الملكين له، وإنما حصل لهم الثبات في القبر بسبب مواظبتهم في الدنيا على هذا القول، ولا يخفى أن كل شيء كانت المواظبة عليه أكثر كان رسوخه في القلب أتم ثبتنا الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة بمنه وكرمه وقيل في الحياة الدنيا في القبر عند السؤال وفي الآخرة عند البعث إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف فلا يتلعثمون ولا تدهشهم أهوال القيامة.
وهذا الحديث قد سبق في باب ما جاء في عذاب القبر من الجنائز.
٣ - باب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]
أَلَمْ تَعْلَمْ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ ﴿الْبَوَارُ﴾: الْهَلَاكُ بَارَ يَبُورُ بَوْرًا. ﴿قَوْمًا بُورًا﴾: هَالِكِينَ
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط لغير أبي ذر في قوله: (﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾) [إبراهيم: ٢٨] قال أبو عبيدة: (ألم تعلم) ولأبي ذر: ألم تر (كقوله) تعالى: (﴿ألم تر كيف﴾ ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا﴾) إذ الرؤية بالأبصار غير حاصلة إما لتعذرها أو لتعسرها عادة وفي الآية حذف مضاف أي غيروا شكر نعمة الله كفرًا بأن وضعوه مكانه وقول صاحب الأنوار كالكشاف أو بدلوا نفس النعمة كفرًا فإنهم لما كفروها سلبت منهم فصاروا تاركين لها محصلين الكفر بدلها تعقب بأنه ليس بقوي لأنه يقتضي حدوث الكفر حينئذٍ وهم قد كانوا كفارًا من قبل وهذا ظاهر لا خفاء فيه.
(﴿البوار﴾) في قوله تعالى: ﴿وأحلوا قومهم دار البوار﴾ [إبراهيم: ٢٨] هو (الهلاك) قال:
فلم أر مثلهم أبطال حرب … غداة الروع إذ خيف البوار
وأصله من الكساد كما قيل:
كسد حتى فسد، ولما كان الكساد يؤدي إلى الفساد والهلاك أطلق
стр. 3007
عليه البوار والفعل منه (بار يبور بورًا) بفتح الموحدة وسكون الواو (﴿قومًا بورً﴾) أي (هالكين) قاله أبو عبيدة وغيره،
ويحتمل أن يكون بورًا مصدرًا وصف به الجمع وأن يكون جمع بائر في المعنى ومن وقوع البور على الواحد قوله:
يا رسول المليك إن لساني … راتق ما فتقت إذ أنا بور
وثبت قوله قومًا بورًا لأبي ذر.
٤٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] قَالَ: هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن عطاء) هو ابن أبي رباح أنه (سمع ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما يقول في قوله تعالى: (﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ قال: هم كفار أهل مكة) وعند الطبري من طريق أخرى عن ابن عباس أنه سأل عمر عن هذه الآية فقال من هم؟ قال هم الأفجران من بني مخزوم وبني أمية أخوالي وأعمامك فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين والمراد كما في الفتح بعض بني أمية وبني مخزوم فإن بني مخزوم لم يستأصلوا يوم بدر بل المراد بعضهم كأبي جهل من بني مخزوم وأبي سفيان من بني أمية وعنده أيضًا من وجه آخر ضعيف عن ابن عباس هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم. قال الحافظ ابن كثير والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول وإن كان المعنى يعم جميع الكفار فإن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ رحمة للعالمين ونعمة للناس.
وهذا الحديث ذكره في غزوة بدر.
[١٥]- سورة الْحِجْرِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ. لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَعَمْرُكَ: لَعَيْشُكَ، قَوْمٌ مُنْكَرُونَ أَنْكَرَهُمْ لُوطٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كِتَابٌ مَعْلُومٌ: أَجَلٌ. لَوْ مَا تَأْتِينَا: هَلاَّ تَأْتِينَا. شِيَعٌ: أُمَمٌ. وَلِلأَوْلِيَاءِ أَيْضًا شِيَعٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُهْرَعُونَ: مُسْرِعِينِ. لِلْمُتَوَسِّمِينَ: لِلنَّاظِرِينَ. سُكِّرَتْ: غُشِّيَتْ. بُرُوجًا: مَنَازِلَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. لَوَاقِحَ: مَلَاقِحَ مُلْقَحَةً. حَمَإٍ: جَمَاعَةُ حَمْأَةٍ وَهْوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ. وَالْمَسْنُونُ: الْمَصْبُوبِ. تَوْجَلْ: تَخَفْ. دَابِرَ: آخِرَ. لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ: الإِمَامُ كُلُّ مَا ائْتَمَمْتَ وَاهْتَدَيْتَ بِهِ. الصَّيْحَةُ: الْهَلَكَةُ.
[١٥]- سورة الْحِجْرِ
ولأبي ذر عن المستملي تفسير سورة الحجر وهي مكية وآيها تسع وتسعون، وزاد أبو ذر: بسم الله الرحمن الرحيم.
(وقال مجاهد) هو ابن جبر فيما وصله الطبري من طرق عنه في قوله تعالى: هذا (﴿صراط عليّ مستقيم﴾) [الحجر: ٤١] معناه (الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه) لا يعرّج على شيء. وقال الأخفش: عليّ الدلالة علي الصراط المستقيم، وقال غيرهما أي من مر عليه مرّ علي أي على رضواني وكرامتي وقيل علي بمعنى إليّ وهذا إشارة إلى الإخلاص المفيض من المخلصين وقيل إلى انتفاء تزيينه وإغوائه.
وقوله: وإنهما (﴿لبإمام مبين﴾) [الحجر: ٧٩] أي (على الطريق) الواضح والإمام اسم لما يؤتم به. قال الفراء والزجاج: إنما جعل الطريق إمامًا لأنه يؤم ويتبع. قال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده ومبين أي في نفسه أو مبين لغيره لأن الطريق يهدي إلى المقصد وضمير التثنية في وإنهما الأرجح أنه لقريتي قوم لوط وأصحاب الأيكة وهم قوم شعيب لتقدمهما ذكرًا وقوله (لبإمام مبين على الطريق) ثابت لأبي ذر عن المستملي.
(وقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله (﴿لعمرك﴾) معناه (لعيشك) والعمر والعمر بفتح العين وضمها واحد وهما مدة الحياة ولا يستعمل في القسم إلا بالفتح. وفي هذه الآية شرف نبينا محمد ﷺ الله تعالى أقسم بحياته ولم يفعل ذلك لبشر سواه على ما نقل عن ابن عباس، أو الخطاب هنا للوط ﵊. قالت الملائكة له ذلك، والتقدير لعمرك قسمي والقسم بالعمر في القرآن وأشعار العرب وفصيح كلامها في غير موضع، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة فلا يقطع عنها ويضاف لكل شيء، لكن منع بعض أصحاب المعاني فيما ذكره الزهراوي إضافته إلى الله لأنه لا يقال لله تعالى عمر، وإنما هو بقاء أزلي وقد سمع إضافته إلى الله تعالى قال:
إذا رضيت عليّ بنو قشير … لعمر الله أعجبني رضاها
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلم قال لأنه حلف بحياة المقسم وقد ورد ذلك قال النابغة:
لعمري وما عمري عليّ بهين … لقد نطقت بطلاً عليّ الأقارع
стр. 3008
(﴿قوم منكرون﴾ [الحجر: ٦٢] أنكرهم لوط) قيل لأنهم سلموا ولم يكن من عادتهم وقيل لأنهم كانوا على صورة الشباب المرد فخاف هجوم القوم فقال هذه الكلمة يعني تنكركم نفسي وتنفر عنكم فقالت الملائكة ما جئناك بما تنكر بل جئناك بما يسرك ويشفي لك من عدوّك وهو العذاب الذي توعدتهم به فيمترون فيه وسقط قوله لعمرك إلى هنا لأبي ذر إلا في رواية المستملي.
(وقال غيره) غير ابن عباس في قوله تعالى: (﴿إلا ولها كتاب معلوم﴾) [الحجر: ٤] أي (أجل) أي أن الله تعالى لا يهلك أهل قرية إلا ولها أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ أو كتاب مختص به.
(﴿لو ما تأتينا﴾) أي (هلا تأتينا) يا محمد بالملائكة لتصديق دعواك إن كنت صادقًا أو
لتعذيبنا على تكذيبك كما جاءت الأمم السابقة فإنا نصدقك حينئذٍ فقال الله تعالى ما تنزل الملائكة إلا تنزيلاً ملتبسًا بالحق أي الوجه الذي قدرناه واقتضته حكمتنا ولا حكمة في إتيانكم فإنكم لا تزدادون إلا عنادًا وكذا لا حكمة في استئصالكم مع أنه سبقت كلمتنا بإيمان بعضكم أو أولادكم وسقط لفظ تأتينا لأبي ذر.
(﴿شيع﴾) في قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين﴾ [الحجر: ١٠] معناه (أمم)، قاله أبو عبيدة (و) يقال (للأولياء أيضًا شيع). وقال: غيره: شيع جمع شيعة وهي الفرقة المتفقة على طريق ومذهب من شاعه إذا تبعه ومفعول أرسلنا في قوله (ولقد أرسلنا من قبلك) محذوف أي أرسلنا رسلاً من قبلك دل الإرسال عليهم وفيه تسلية للنبي ﷺ حيث نسبوه إلى الجنون أي عادة هؤلاء مع الرسل ذلك.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى في سورة هود: ﴿وجاءه قومه﴾ ﴿يهرعون﴾ [هود: ٧٨] أي (مسرعين) إليه.
وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات﴾ (﴿للمتوسمين﴾) [الحجر: ٧٥] أي (للناظرين) قال ثعلب الواسم الناظر إليك من قرنك إلى قدمك وفيه معنى التثبت الذي هو الأصل في التوسم وقال الزجاج: حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتين في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وعلامته وهو استقصاء وجوه التعرف قال:
أوكلما وردت عكاظ قبيلة … بعثت إليّ عريفها يتوسم
وقال مجاهد: معنى الآية للمتفرسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتل للمتفكّرين، والمراد صيحة العذاب الذي أخذ قوم لوط داخلين في شروق الشمس رفع جبريل ﵊ مدينتهم إلى السماء ثم قلبها وسقط قوله وقال ابن عباس إلى للناظرين لأبي ذر.
وقوله تعالى: ﴿لقالوا إنما﴾ (﴿سكرت﴾) [الحجر: ١٥] بتشديد الكاف أي (غُشيت) بضم الغين وتشديد الشين المكسورة المعجمتين وقيل سدت يعني لو فتحنا على هؤلاء المقترحين بابًا من السماء فظلوا صاعدين إليها مشاهدين لعجائبها أو مشاهدين لصعود الملائكة وهو جواب لقوله: ﴿لو ما تأتينا بالملائكة﴾ لقولوا لشدة عنادهم إنما غشيت أو سدت أبصارنا بالسحر وسقط من قوله وقال مجاهد إلى هنا للحموي والكشميهني.
وقوله: ﴿أرسلنا ولقد جعلنا في السماء﴾ (﴿بُروجًا﴾) [الحجر: ١٦] أي (منازل للشمس والقمر). قال عطية هي قصور في السماء عليها الحرس.
وقوله: ﴿أرسلنا الرياح﴾ (﴿لواقح﴾) [الحجر: ٢٢] أي (ملاقح) و (ملقحة) بفتح القاف وكسرها جمعه لأنه من ألقح يلقح فهو ملقح فحقه ملاقح فحذفت الميم تخفيفًا وهذا قول أبي عبيدة قال الجوهري ولا يقال ملاقح وهو من النوادر وقيل لواقح جمع لاقح يقال لقحت الريح إذا حملت
الماء وقال الأزهري حوامل السحاب كقولك ألقحت الناقة فلقحت إذا حملت الجنين في بطنها فشبهت الريح بها قال:
إذا لقحت حرب عوان مضرة … ضروس تهرّ الناس أنيابها عصل
قال ابن عباس: الرياح لواقح الشجر والسحاب. وقال عبيد بن عمير: يبعث الله الريح المبشرة فتقم الأرض قمًّا ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلّفة فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض
стр. 3009
فتجعله ركامًا ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر، وقال أبو بن بن عياش: لا تقطر قطرة من السماء إلا بعد أن تعمل الرياح الأربعة فيه فالصبا تهيجه والشمال تجمعه والجنوب تذره والدبور تفرقه.
وقوله: من (﴿حمأ﴾) هو (جماعة حمأة) بفتح الحاء وسكون الميم (وهو الطين المتغير) الذي اسودّ من طول مجاورة الماء.
(والمسنون) هو (المصبوب) لييبس كأنه أفرغ الحمأ فصور فيه تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل ثم غيره بعد ذلك طورًا بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه.
لا (﴿توجل﴾) أي لا (تخف) وكان خوفه من توقع مكروه حيث دخلوا بغير إذن في غير وقت الدخول.
(دابر) في قوله: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء﴾ [الحجر: ٦٦] أي (آخر) هؤلاء مقطوع مستأصل يعني يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد.
(﴿لبإمام مبين﴾ [الحجر: ٧٩] قال أبو عبيدة (الإمام كل ما ائتممت واهتديت به) وسبق فيه زيادة حيث ذكر في هذه السورة فالتفت إليه وسقط قوله ﴿لبإمام﴾ إلى هنا للحموي والكشميهني.
(الصيحة) أي أخذتهم (الهلكة) وزاد أبو ذر هنا باب قوله جل وعلا:
١ - باب ﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨]
(﴿إِلا من استرق السمع﴾) [الحجر: ١٨] الاستثناء منقطع أي لكن من استرق السمع أو متصل، والمعنى أنها لم تحفظ منه ومحل الاستثناء على الوجهين نصب ويجوز أن يكون في محل جر بدلاً من كل شيطان أو رفع بالابتداء وخبره الجملة من قوله فاتبعه فيكون منقطعًا واستراقهم اختلاسهم سرًّا (﴿فأتبعه شهاب مبين﴾) شعلة من نار تظهر للناظر على شكل العمود وتطلق للكوكب والسنان لما فيهما من البريق.
٤٧٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ» قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ غَيْرُهُ: صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: لِلَّذِي قَالَ الْحَقَّ: وَهْوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ: وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَيُحْرِقَهُ وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الأَرْضِ وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: حَتَّى تَنْتَهِىَ إِلَى الأَرْضِ فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيَصْدُقُ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ.
وبه قال: (حدّثنا علي من عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) هو ابن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (يبلغ به النبي ﷺ ¬) لم يقل سمعت بدل يبلغ لاحتمال الواسطة أو نسي كيفية التحمل أنه (قال):
(إذا قضى الله الأمر) أي إذا حكم الله بأمر من الأمور (في السماء) ولأبي ذر إذا قضي بضم القاف مبنيًا للمفعول الأمر رفع نائب عن الفاعل (ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا) بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين مصدر بمعنى خاضعين أي منقادين طائعين (لقوله) تعالى (﴿كالسلسلة﴾) أي القول المسموع يشبه صوت وقع السلسلة (على صفوان) بسكون الفاء وهو الحجر الأملس، ولأبي ذر وأبي الوقت والأصيلي وابن عساكر: كأنه سلسلة وللأصيلي أيضًا كأنها وفي حديث ابن مسعود مرفوعًا عند ابن مردويه: (إذا تكلم الله بالوحي يسمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصوفان فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة).
(قال علي) قال الكرماني هو ابن المديني شيخ المؤلّف (وقال غيره) أي غير سفيان بن عيينة ولم يعرف الحافظ ابن حجر هذا الغير (صفوان) بفتح الفاء (ينفذهم) بفتح التحتية وضم الفاء بعدها ذال معجمة (ذلك) القول ولا ضمير في ينفذهم إلى الملائكة أي ينفذ الله القول إليهم (فإذا فزع) أي أزيل الخوف (عن قلوبهم قالوا) أي الملائكة (ماذا قال ربكم: قالوا) أي المقربون من الملائكة كجبريل وميكائيل مجيبين (للذي قال) يسأل قال الله القول (الحق وهو العلي الكبير).
وفي حديث النوّاس بن سمعان عند الطبراني مرفوعًا: "إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا وخروا سجدًا فيكون أوّلهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فينتهي به على الملائكة كلما مر بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا؟ قال الحق فينتهي به حيث أمر".
(فيسمعها) أي تلك الكلمة وهي القول الذي قاله الله (مشرقو السمع) بحذف النون للإضافة (ومسترقو السمع) ولأبي ذر: ومسترق السمع بالإفراد مبتدأ خبره (هكذا واحد فوق آخر
ووصف سفيان) بن عيينة كيفية المستمعين بركوب بعضهم على بعض (بيده وفرج) ولأبي ذر ففرّج بالفاء بدل الواو (بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض) والجملة اعتراض بين قوله فوق آخر وبين قوله (فربما أدرك الشهاب المستمع
стр. 3010
قبل أن يرمي بها) أي بالكلمة (إلى صاحبه) ولأبي ذر يرمى بالبناء للمجهول به بالتذكير (فيحرقه) بالنصب عطفًا على السابق ولأبي ذر فيحرقه بالرفع (وربما لم يدركه) الشهاب (حتى يرمي بها) ولأبي ذر حتى يرمى بها بضم الياء وفتح الميم مبنيًّا للمفعول (إلى الذي يليه إلى الذين هو أسفل) بالرفع (منه) ولأبي ذر: أسفل بالنصب على الظرفية وقوله إلى الذي هو أسفل بدل من سابقه (حتى يلقوها إلى الأرض، وربما قال سفيان) بن عيينة (حتى تنتهي إلى الأرض) جملة اعتراض (فتلقى) بضم التاء مبنيًّا للمفعول أي الكلمة (على فم الساحر) وهو المنجم (فيكذب معها) أي مع تلك الكلمة الملقاة (مائة كذبة) بفتح الكاف وسكون المعجمة (فيصدق) بفتح التحتية وسكون الصاد ولأبي ذر فيصدّق مبنيًا للمفعول الساحر في كذباته (فيقولون) أي السامعون منه: (ألم يخبرنا) الساحر ولأبي ذر عن الكشميهني: ألم يخبرونا أي السحرة فيكون لفظ المفرد في الأوّل للجنس (يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا) كناية عن الخرافات التي أخبر بها الساحر (فوجدناه) أي الخبر الذي أخبر به (حقًّا للكلمة) أي لأجل الكلمة (التي سمعت من السماء).
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف في التفسير أيضًا وفي التوحيد، وأبو داود في الحروف، والترمذي في التفسير، وأخرجه ابن ماجه في السنّة.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ وَزَادَ الْكَاهِنِ، وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ فَقَالَ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ وَقَالَ: عَلَى فَمِ السَّاحِرِ قُلْتُ لِسُفْيَانَ أأنت سمعت عمرًا قال سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْكَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَرْفَعُهُ أَنَّهُ قَرَأَ فُزِّعَ قَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا. قَالَ سُفْيَانُ: وَهْيَ قِرَاءَتُنَا.
[الحديث ٤٧٠١ - طرفاه في: ٤٨٠٠، ٧٤٨١].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو) هو ابن دينار (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن أبي هريرة) ﵁ (إذا قضى الأمر، وزاد) على قوله فم الساحر (والكاهن) وسقط لغير أبي ذر الواو من قوله والكاهن.
(حدثنا سفيان) بن عيينة، ولأبي ذر: حدّثنا علي بن عبد الله أي المديني قال: حدّثنا سفيان (فقال) في حديثه (قال عمرو) هو ابن دينار (سمعت عكرمة) يقول (حدّثنا أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه (قال: إذا قضى الله الأمر وقال على فم الساحر) كالرواية السابقة لكنه في هذه صرح هنا بالتحديث والسماع قال علي بن عبد الله (قلت لسفيان) بن عيينة (أأنت سمعت عمرًا) ثبت لأبي
ذر أأنت سمعت عمرًا وسقط لغيره (قال: سمعت عكرمة. قال: سمعت أبا هريرة) ﵁؟ (قال: نعم) قال علي بن المديني (قلت لسفيان: إن إنسانًا) لم أعرف اسمه (روى عنك عن عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة ويرفعه) أي الحديث أبو هريرة إلى النبي ﷺ (أنه قرأ فزع) بالزاي والعين المهملة ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني فرغ بالراء والغين المعجمة مبنيًّا للمفعول فيهما.
(قال سفيان) بن عيينة (هكذا) بالراء والمعجمة أو بالعكس والظاهر الأول (قرأ عمرو) هو ابن دينار (فلا أدري سمعه هكذا) بالراء (أم لا؟ قال سفيان: وهي) بالراء (قراءتنا) وهي قراءة الحسن أيضًا أي حتى إذا أفنى الله الرجل انتفى بنفسه.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠]
(باب قوله) : (﴿ولقد كذب أصحاب الحجر﴾) وادي ثمود بين المدينة والشأم (﴿المرسلين﴾) [الحجر: ٨٠] صالحًا ومن كذب واحدًا من المرسلين فكأنما كذب الجميع أو صالحًا ومن معه من المؤمنين وسقط قوله: باب قوله لغير أبي ذر.
٤٧٠٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لأَصْحَابِ الْحِجْرِ: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) الحزامي قال: (حدّثنا معن) بفتح الميم وبعد العين المهملة الساكنة نون ابن يحيى القزاز أبو عيسى المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبي عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال لأصحاب الحجر): أي لأصحابه ﵊ الذين قدموا الحجر لما مروا به معه في حال توجههم إلى تبوك:
(لا تدخلوا على هؤلاء القوم) المعذبين في ديارهم (إلاّ أن تكونوا باكين) من الخوف (فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم) أي خشية أن يصيبكم (مثل ما أصابهم) من العذاب لأن من دخل عليهم ولم يبك اعتبارًا بأحوالهم فقد شابههم
стр. 3011
في الإهمال ودل على قساوة قلبه فلا يأمن أن يجرّه ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه مثل ما أصابهم.
وهذا الحديث قد مرّ في باب الصلاة في مواضع الخسف من كتاب الصلاة.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]
(باب قوله) تعالى: (﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني﴾) صيغة جمع واحدة مثناةٍ والمثناة كل شيء
يثنى من قولك ثنيت الشيء ثنيًا أي عطفته وضممت إليه آخر والمراد سبع من الآيات أو من السور أو من الفوائد ليس في اللفظ ما يعين أحدها (﴿والقرآن العظيم﴾) [الحجر: ٨٧]. من عطف العام على الخاص إذ المراد بالسبع إما الفاتحة أو السور الطوال أو من عطف بعض الصفات على بعض أو الواو مقحمة.
٤٧٠٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أُصَلِّي فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟» فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي فَقَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾» [الأنفال: ٢٤] ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ؟» فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَذَكَّرْتُهُ فَقَالَ: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) هو لقب محمد بن جعفر الهذلي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى مصغرًا الأنصاري المدني (عن حفص بن عاصم) هو ابن عمر بن الخطاب (عن أبي سعيد بن المعلى) بضم الميم وفتح العين واللام المشددة اسمه الحارث أو رافع أو أوس الأنصاري أنه (قال: مرّ بي النبي ﷺ ¬) أي في المسجد (وأنا أصلي فدعاني فلم آته) بمد الهمزة (حتى صليت ثم أتيت) بحذف ضمير النصب (فقال):
(ما منعك أن تأتي) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أن تأتيني (فقلت: كنت أصلي فقال: ألم يقل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول﴾) [الأنفال: ٢٤] زاد أبو ذر هنا ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾ فيه وجوب إجابته ﵊ ونص جماعة من الأصحاب على عدم بطلان الصلاة وفيه بحث سبق في البقرة فالتفت إليه (ثم قال) ﵊ وسقطا لأبي ذر (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن) فيه جواز تفضيل بعض القرآن على بعض. واستشكل، وأجيب: بأن التفضيل إنما هو من حيث المعاني لا من حيث الصفة فالمعنى أن ثواب بعضه أعظم من بعض (قبل أن أخرج من المسجد فذهب النبي ﷺ ليخرج) زاد غير أبي ذر من المسجد (فذكرته) بذلك بتشديد الكاف (فقال): هي (﴿الحمد لله رب العالمين﴾) يعني الفاتحة (هي السبع) لأنها سبع آيات بالبسملة (المثاني) لأنها تثنى كل ركعة أو غير ذلك مما مرّ بالبقرة (والقرآن العظيم الذي أوتيته) وسبق الحديث بالبقرة.
٤٧٠٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (سعيد) هو ابن أبي سعيد كيسان (المقبري عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(أم القرآن) مبتدأ خبره (هي السبع المثاني والقرآن العظيم) عطف على أم القرآن لا على السبع المثاني وإفراد الفاتحة بالذكر في الآية مع كونها جزءًا من القرآن يدل على مزيد اختصاصها بالفضيلة.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة والترمذي في التفسير.
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]
﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾: الَّذِينَ حَلَفُوا، وَمِنْهُ لَا أُقْسِمُ أَيْ أُقْسِمُ، وَتُقْرَأُ: لأُقْسِمُ، قَاسَمَهُمَا حَلَفَ لَهُمَا وَلَمْ يَحْلِفَا لَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ تَقَاسَمُوا: تَحَالَفُوا
(قوله) ولأبي ذر باب قوله : (﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾) [الحجر: ٩١] نعت للمقتسمين أو بدل منه أو بيان (﴿المقتسمين﴾) أي (الذين حلفوا) جعله من القسم لا من القسمة أي مثل ما أنزلنا على الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحًا وذلك في قوله تعالى: ﴿قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه﴾ [النمل: ٤٩] وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله. قال في الكشاف: والاقتسام بمعنى التقاسم ولعل المؤلف اعتمد في هذا القول على ما رواه الطبري عن مجاهد أن المراد بقوله المقتسمين قوم صالح الذي تقاسموا على إهلاكه (ومنه) أي من معنى المقتسمين (﴿لا أقسم﴾ أي أقسم) فلا مقحمة (وتقرأ لأقسم) بغير مد وهي قراءة ابن كثير على أن اللام جواب لقسم مقدر تقديره لأنا أقسم أو والله لأنا أقسم. (﴿قاسمهما﴾) ولأبي ذر وقاسمهما أي (حلف لهما) أي حلف إبليس لآدم وحوّاء (ولم يحلفا له) فليس هو من باب المفاعلة.
(وقال مجاهد): فيما أخرجه الفريابي (﴿تقاسموا﴾) بالله لنبيتنه أي (تحالفوا) وقد مرّ والجمهور على أنه من القسمة.
٤٧٠٥ - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولغير أبي ذر: حدّثني بالإفراد
стр. 3012
(يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء مصغرًا ابن بشير بضم الموحدة وفتح المعجمة الواسطي قال: (أخبرنا أبو
بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى: (﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ قال: هم أهل الكتاب جزؤوه) وفي نسخة الذين جزؤوه (أجزاء فآمنوا ببعضه) مما وافق التوراة (وكفروا ببعضه) مما خالفها.
٤٧٠٦ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قَالَ: آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (عبيد الله بن موسى) بضم العين وفتح الموحدة مصغرًا ابن باذام العبسي الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن أبي ظبيان) بفتح الظاء المعجمة وسكون الموحدة حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين مصغرًا ابن جندب المذحجي بفتح الميم وإسكان المعجمة وكسر المهملة وبالجيم (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى: (﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾) [الحجر: ٩٠] (قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض) أي (اليهود والنصارى).
وعن ابن عباس أيضًا المقتسمين الذين اقتسموا طرق مكة يصدّون الناس عن الإيمان برسول الله ﷺ قيل يقرب عددهم من أربعين، وقيل كانوا خمسة. الأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والعاص بن وائل؛ والحارث بن قيس، والوليد بن المغيرة وقيل غير ذلك.
٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] قَالَ سَالِمٌ الْيَقِينُ: الْمَوْتُ
(باب قوله) تعالى: (﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾) [الحجر: ٩٩]. (قال سالم): هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب مما وصله إسحاق بن إبراهيم البستي والفريابي وعبد بن حميد (اليقين) هو (الموت) لأنه أمر متيقن وهو مروي عن ابن عباس أيضًا.
فإن قيل: ما الفائدة في هذا التوقيت مع أن كل واحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات؟ أجيب: بأن المراد واعبد ربك في جميع زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة من العبادات.
وروى جبير بن نفير مرسلاً أن النبي ﷺ قال: "ما أوحي إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إليّ أن سبّح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" رواه البغوي في شرح السنّة وسقط باب قوله لغير أبي ذر كقوله: اليقين من قوله اليقين الموت.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[١٦]- سورة النَّحْلِ
رُوحُ الْقُدُسِ. جِبْرِيلُ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. فِي ضَيْقٍ يُقَالُ: أَمْرٌ ضَيْقٌ، وَضَيِّقٌ مِثْلُ هَيْنٍ وَهَيِّنٍ، وَلَيْنٍ وَلَيِّنٍ، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ: تَتَهَيَّأُ. سُبُلَ رَبِّكَ: ذُلُلاً لَا يَتَوَعَّرُ عَلَيْهَا مَكَانٌ سَلَكَتْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ في تَقَلُّبِهِمْ: اخْتِلَافِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ تَمِيدُ: تَكَفَّأُ. مُفْرَطُونَ: مَنْسِيُّونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ هَذَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ وَذَلِكَ أَنَّ الاِسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَمَعْنَاهَا الاِعْتِصَامُ بِاللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَسِيمُونَ: تَرْعَوْنَ. شَاكِلَتِهِ: نَاحِيَتِهِ. قَصْدُ السَّبِيلِ: الْبَيَانُ. الدِّفْءُ: مَا اسْتَدْفَأْتَ، تُرِيحُونَ بِالْعَشِيِّ، وَتَسْرَحُونَ بِالْغَدَاةِ، بِشِقِّ: يَعْنِي الْمَشَقَّةَ، عَلَى تَخَوُّفٍ: تَنَقُّصٍ، الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً وَهْيَ تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ كَذَلِكَ النَّعَمُ لِلأَنْعَامِ: جَمَاعَةُ النَّعَمِ. أَكْنَانًا وَاحِدُهَا كِنٌّ. مِثْلُ حِمْلٍ وَأَحْمَالٍ، سَرَابِيلَ: قُمُصٌ، تَقِيكُمُ الْحَرَّ. وَأَمَّا سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ. فَإِنَّهَا الدُّرُوعُ، دَخَلاً بَيْنَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ: فَهْوَ دَخَلٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَفَدَةً: مَنْ وَلَدَ الرَّجُلُ. السَّكَرُ مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَتِهَا، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ صَدَقَةَ: أَنْكَاثًا هِيَ خَرْقَاءُ كَانَتْ إِذَا أَبْرَمَتْ غَزْلَهَا نَقَضَتْهُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الْخَيْرِ. وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
([١٦]- سورة النَّحْلِ)
سقطت البسملة لغير أبي ذر.
ولغير أبي ذر باب تفسير سورة النحل. (﴿روح القدس﴾) من ربك هو (جبريل) قاله ابن مسعود فيما رواه ابن أبي حاتم وأضيف جبريل إلى القدس وهو الطهر كما تقول: حاتم الجود وزيد الخير، والمراد الروح المقدس قاله الزمخشري، ثم استشهد المؤلّف لقوله روح القدس جبريل بقوله: (﴿نزل به الروح الأمين﴾) [الشعراء: ١٩٣] وهو يردّ ما رواه الضحاك أن ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف قال: روح القدس الاسم الذي كان عيسى ﵊ يحيي به الموتى.
وقوله: ﴿ولا تك﴾ (﴿في ضيق﴾) (النحل: ٢٧] (يقال أمر ضيق) بسكون التحتية (وضيق) بتشديدها (مثل هين وهين ولين ولين وميت وميت) لغتان وكسر الضاد ابن كثير وفتحها غيره فقيل هما بمعنى في هذا المصدر كالقول والقيل؛ وقيل المفتوح مخفف من ضيق كميت في ميت.
قال في اللباب؛ هذا من الكلام المقلوب لأن الضيق صفة والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون الموصوف حاصلًا في الصفة فكأن المعنى ولا يكون الضيق فيك إلا أن الفائدة في قوله: ﴿ولا تك في ضيق﴾ [النحل: ٢٧] هو أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى.
(قال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: (﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾) [النحل: ٤٨] أي (تتهيأ) كذا نقل والصواب تتميل.
وقوله تعالى: (﴿فاسلكي سبل ربك ذللًا﴾) (النحل: ٦٩] قال مجاهد فيما رواه الطبري (لا يتوعر) بالعين المهملة (عليها مكان سلكته) وذللًا جمع ذلول ويجوز أن يكون حالًا من السبل أي ذللها لها الله تعالى كقوله: ﴿جعل لكم الأرض ذلولًا﴾ [الملك: ١٥] وأن يكون حالًا من فاعل اسلكي أي مطيعة منقادة بمعنى
стр. 3013
أن أهلها ينقلونها من مكان إلى مكان ولها يعسوب إذا وقف وقفت وإذا سار سارت وانتصاب سبل مفعولًا به أي اسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك الطرق التي أفهمك وعلمك في عمل العسل أو على الظرفية أي فاسلكي ما أكلت في سبل ربك أي في مسالكه التي تحيل فيها قدرته النور ونحوه عسلًا.
(وقال ابن عباس): فيما وصله الطبري (﴿في تقلبهم﴾) أي (اختلافهم) وقال غيره في أسفارهم وقال ابن جريج في إقبالهم وإدبارهم.
(وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي (﴿تميد﴾) من قوله: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل: ١٥] أي (تكفأ) بتشديد الفاء وتتحرك وتميل بما عليها من الحيوان فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك. قال الحسن: فيما رواه عبد الرزاق لما خلقت الأرض كانت تميد فقالوا ما هذه بمقرة على ظهرها أحدًا فأصبحوا وقد خلقت الجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال.
وفي حديث أنس مرفوعًا عند الترمذي نحوه.
(﴿مفرطون﴾) قال مجاهد: فيما وصله الطبري (منسيون) فيها.
(وقال غيره): أي غير مجاهد في وقوله تعالى: (﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾) زاد أبو ذر: ﴿من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨]. (هذا مقدم ومؤخر وذلك أن الاستعاذة قبل القراءة).
وهذا قاله أبو عبيدة. وقال ابن عطية: فإذا وصلة بين الكلامين والعرب تستعملها في مثل هذا وتقدير الآية فإذا أخذت في قراءة القرآن فاستعذ.
وقال في الأنوار كالكشاف: أي فإذا أردت قراءة القرآن فأضمر الإرادة. قال الزمخشري:
لأن الفعل يوجد عند القصد والإرادة من غير فاصل وعلى حسبه فكان منه بسبب قوي وملابسة ظاهرة، وهذا مذهب الجمهور من القراء وغيرهم.
قال الشيخ بهاء الدين السبكي: في شرح التلخيص وعليه سؤال وهو أن الإرادة إن أخذت مطلقًا لزم استحباب الاستعاذة بمجرد ذلك وإن أخذت الإرادة بشرط اتصالها بالقراءة استحال تحقق العلم بوقوعها ويمتنع حينئذ استحباب الاستعاذة قبل القراءة.
قال في المصابيح: بقي عليه قسم آخر باختياره يزول الإشكال وذلك أنا لا نأخذ الإرادة مطلقًا ولا نشترط اتصالها بالقراءة وإنما نأخذها مقيدة بأن لا يعن له صارف عن القراءة فلا يلزم حينئذ استحباب الاستعاذة بعد طروء العزم على عدم القراءة ولا يلزم أيضًا استحالة تحقق العلم بوقوعها فزال الإشكال ولله الحمد.
(ومعناها) أي الاستعاذة (الاعتصام بالله) من وساوس الشيطان، والجمهور على أن الأمر بها للاستحباب والخطاب للرسول، والمراد منه الكل لأن الرسول إذا كان محتاجًا للاستعاذة عند القراءة فغيره أولى.
(وقال ابن عباس): فيما وصله الطبري (﴿تسيمون﴾) أي (ترعون) من سامت الماشية أو أسامها صاحبها.
(﴿شاكلته﴾) في سورة الإسراء أي على (ناحيته) ولأبي ذر عن الحموي نيته بدل ناحيته أي التي تشاكل حاله في الهدى والضلال وذكر هذا هنا لعله من ناسخ.
وقوله: وعلى الله (﴿قصد السبيل﴾ البيان). [النحل: ٥] للطريق الموصل إلى الحق رحمة منه وفضلًا.
(الدفء) في قوله تعالى: ﴿لكم فيها دفء﴾ [النحل: ٥] (ما استدفأت) به مما يقي البرد.
(﴿تريحون﴾) تردّونها من مراعيها أو من مراحها. (بالعشي ﴿وتسرحون﴾) تخرجونها (بالغداة) إلى المرعى.
(﴿بشق﴾) الأنفس (يعني المشقّة) والكلفة.
(﴿على تخوف﴾) أي (تنقص) شيئًا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوّفته إذا تنقصته.
وروي بإسناد فيه مجهول عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا. فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوّف التنقص. فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم. قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته:
تخوّف الرحل منها تامكًا قردًّا … كما تخوّف عود النبعة السفن
فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.
وقوله تعالى: ﴿وإن لكم في﴾ (﴿الأنعام لعبرة﴾) [النحل: ٦٦]. (وهي) أي الأنعام (تؤنث وتذكر وكذلك النعم)
стр. 3014
تذكر وتؤنث (الأنعام) هي (جماعة النعم) ولغير أبي ذر وكذلك النعم للأنعام بحرف الجر جماعة النعم ومعنى لعبرة أي دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم وذكر الضمير ووحده هنا في قوله: ﴿نسقيكم مما في بطونه﴾ [النحل: ٦٦] للفظ وأنثه في سورة المؤمنين للمعنى فإن الأنعام اسم جمع ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على أفعال كأخلاق، ومن قال إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فإن اللبن لبعضها دون جميعها أو لواحده أو له على المعنى فإن المراد به الجنس قاله في الأنوار.
(﴿أكنانًا﴾) يشير إلى قوله: ﴿وجعل لكم من الجبال أكنانًا﴾ [النحل: ٨١] (واحدها كن) بكسر الكاف (مثل حمل وأحمال) بكسر الحاء المهملة أي جعل مواضع تسكنون بها من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها، وهذا ثابت لأبي ذر.
(﴿سرابيل﴾) هي (قمص) بضم القاف والميم جمع قميص (﴿تقيكم الحر﴾) أي والبرد وخص الحر بالذكر اكتفاء بأحد الضدين عن الآخر أو لأن وقاية الحر كانت عندهم أهم ولأبي ذر هنا والقانت المطيع قاله ابن مسعود فيما رواه ابن مردويه وفي رواية أبي ذر في نسخة أخرى بعد قوله وقال ابن مسعود الأمة معلم الخير وهي الأولى (وأما ﴿سرابيل تقيكم بأسكم﴾ فإنها الدروع) [النحل: ٨١] والسربال يعم كل ما لبس من قميص أو درع أو جوشن أو غيره.
(﴿دخلًا بينكم﴾) [النحل: ٩٢]. قال أبو عبيدة (كل شيء لم يصح فهو دخل) بفتح الخاء وقيل الدخل والدغل الغش والخيانة وقيل الدخل ما أدخل في الشيء على فساد وقيل أن يظهر الوفاء ويبطن الغدر والنقص.
(قال) ولأبي ذر وقال: (ابن عباس) فيما وصله الطبري بإسناد صحيح في قوله تعالى: (﴿حفدة﴾ من ولد الرجل) أي ولد ولده أو بناته فإن الحافد هو المسرع في الخدمة والبنات يخدمن في البيوت أتم خدمة أو هم البنون أنفسهم والعطف لتغاير الوصفين أي جعل لكم بنين خدمًا وقيل الحفدة الأصهار قال:
فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت … لها حفد مما يعدّ كثير
لكنها نفس عليّ أبية … عيوف لأصهار اللئام قذور
(﴿السكر﴾) في قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا﴾ [النحل: ٦٧] (ما حرم من ثمرتها) أي من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما والسكر مصدر سمي به الخمر يقال: سكر يسكر سكرًا وسكرًا نحو: رشد يرشد رشدًا ورشدًا قال:
وجاؤونا لهم سكر علينا … فأجلى اليوم والسكران صاحي
(والرزق الحسن) في قوله تعالى: ﴿ورزقًا حسنًا﴾ (ما أحل الله) ولأبي ذر ما أحل بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول وحذف الفاعل للعلم به وهو كالتمر والزبيب والدبس والخل والآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر فدالة على كراهتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنّة.
(وقال ابن عيينة): سفيان مما وصله ابن أبي حاتم (عن صدقة) أبي الهذيل لا صدقة ابن الفضل المروزي أي عن السدي كما عند ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿أنكاثًا﴾) قال (هي) امرأة اسمها (خرقاء) كانت بمكة (كانت إذا أبرمت غزلها نفضته).
وفي تفسير مقاتل أن اسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم وعند البلاذري أنها والدة أسد بن عبد العزى بن قصي وأنها بنت سعد بن تميم بن مرّة عند غيره؛ وكان بها وسوسة وأنها اتخذت مغزلًا بقدر ذراع وصنارة مثل الأصبع وفلكة عظيمة على قدرهما، وفي غرر التبيان أنها كان تتغزل هي وجواريها من الغداة إلى نصف النهار ثم تأمرهن بنقض ذلك كله، فهذا كان دأبها، والمعنى أنها لم تكف عن العمل ولا حين عملت كفت عن النقض فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد لا كففتم عن العهد ولا حين عهدتم وفيتم به أنكاثًا نصب على الحال من غزلها أو مفعول ثان لنقضت فإنه بمعنى صيرت.
(وقال ابن مسعود): فيما وصله الحاكم والفريابي (الأمة) من قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [النحل: ١٢٠]. هو (معلم الخير) وفي الكشاف وغيره أنه بمعنى
стр. 3015
مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير أو بمعنى مؤتم به قال في الأنوار: فإن الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ويقتدون بسيرته لقوله: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين.
(والقانت) هو (المطيع) كما فسره به ابن مسعود أو هو القائم بأمر الله.
وسبق ذكر هذا قريبًا وهذا ثابت لأبي ذر.
١ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]
(باب قوله تعالى: ﴿ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر﴾) [النحل: ٧٠] أي أردئه أو تسعون سنة أو ثمانون أو خمس وتسعون أو خمس وثمانون أو خمس وسبعون، وروى ابن مردويه من حديث أنس أنه مائة سنة.
٤٧٠٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الأَعْوَرُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو: «أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور) النحوي البصري (عن شعيب) هو ابن الحبحاب بحاءين مهملتين مفتوحتين
بينهما موحدة ساكنة وبعد الألف موحدة أخرى (عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يدعو):
(أعوذ بك من البخل) أي في حقوق المال (و) من (الكسل) وهو التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه ويكون لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة (و) من (أرذل العمر) أي أخسّه وهو الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان القوّة والعقل وإنما استعاذ منه لأنه من الأدواء التي لا دواء لها. وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: أرذل العمر هو الخرف، والحاصل أن كبر السن ربما يورث نقص العقل وتخابط الرأي وغير ذلك مما يسوء به الحال (و) أعوذ بك من (عذاب القبر) الإضافة هنا إضافة المظروف إلى ظرفه فهو على تقدير في، أي من العذاب في القبر والأحاديث الصحيحة في إثباته متظاهرة فالإيمان به واجب (و) من (فتنة الدجال) في حديث أبي أمامة عند أبي داود وابن ماجة خطبنا رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه: أنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال (و) من (فتنة المحيا والممات) أي زمان الحياة والموت وهو من أوّل النزع وهلم جرا وأصل الفتنة الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره يقال فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتختبر جودته وفتنة المحيا هو ما يعرض للإنسان في مدّة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت وفتنة الممات قيل كسؤال الملكين ونحو ذلك مما يقع في القبر، والمراد من شر سؤالهما وإلاّ فأصل السؤال واقع لا محالة فلا يدعى برفعه فيكون عذاب القبر مسببًا عن ذلك، والسبب غير المسبب. وقيل: المراد الفتنة قبيل الموت وأضيفت إليه لقربها منه، وكان ﷺ يتعوّذ من المذكورات دفعًا عن أمته وتشريعًا لهم ليبين لهم صفة المهم من الأدعية جزاه الله عنا ما هو أهله. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الدعوات.
[١٧]- سورة بَنِي إِسْرَائِيلَ
[١٧]- سورة بَنِي إِسْرَائِيلَ
مكية قيل إلا قوله: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخر ثمان آيات، وهي مائة وعشر آيات، وزاد أبو ذر: بسم الله الرحمن الرحيم وسقطت لغيره.
١ - باب
٤٧٠٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ، وَمَرْيَمَ إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَهُزُّونَ. وَقَالَ غَيْرُهُ نَغَضَتْ سِنُّكَ: أَيْ تَحَرَّكَتْ.
[الحديث ٤٧٠٨ - أطرافه في: ٤٧٣٩، ٤٩٩٤].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد) النخعي الكوفي (قال: سمعت ابن مسعود) عبد الله (﵁ قال): سورة (بني إسرائيل و) سورة (الكهف و) سورة (مريم) وزاد في سورة الأنبياء وفضائل القرآن وطه والأنبياء (إنهن من العتاق الأول) بكسر العين المهملة وتخفيف الفوقية جمع عتيق والعرب تجعل كل شيء بلغ الغاية في الجودة عتيقًا، والأول بضم الهمزة وفتح الواو المخففة والأولية باعتبار حفظها أو باعتبار نزولها لأنها مكيات ومراده تفضيل هذه السور لما يتضمن مفتتح كل منها بأمر غريب وقع في العالم خارق للعادة وهو الإسراء وقصة أصحاب الكهف وقصة مريم قاله الكرماني (وهن من تلادي) بكسر
следующие страницы →