← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

تابعي عن تابعي عن صحابة والتحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالإفراد والعنعنة، وأخرجه ابن ماجة في الطهارة. ١٠ - باب الاِعْتِكَافِ لِلْمُسْتَحَاضَةِ (باب) حكم (الاعتكاف) في المسجد (للمستحاضة) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي باب اعتكاف المستحاضة. ٣٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ. وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ الْعُصْفُرِ فَقَالَتْ: كَأَنَّ هَذَا شَىْءٌ كَانَتْ فُلَانَةُ تَجِدُهُ. [الحديث ٣٠٩ - أطرافه في: ٣١٠، ٣١١، ٢٠٣٧]. وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن شاهين بكسر الهاء ولابن عساكر حدّثني إسحاق الواسطي (قال: حدّثنا) وللأصيلي وابن عساكر أخبرنا (خالد بن عبد الله) الطحان الواسطي المتصدّق بزنة نفسه ثلاث مرات فضة (عن خالد) هو ابن مهران الحذاء بالمهملة ثم المعجمة المثقلة (عن عكرمة) بن عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا ثبتت عنه بدعة، واحتج به البخاري وأصحاب السُّنن وأثنى عليه غير واحد من أهل عصره وهلمّ جرّا، (عن عائشة) ﵂: (أن النبي- ﷺ اعتكف معه) في مسجده (بعض نسائه) هي سودة بنت زمعة أو رملة أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأسنده الحافظ ابن حجر لحاشية نسخة صحيحة من أصل أبي ذر رآها. وقيل: هي زينب بنت جحش الأسدية، وعورض بأن زينب لم تكن استحيضت إنما المستحاضة أختها حمنة، وإنكار ابن الجوزي على المؤلف قوله بعض نسائه وأوّله بالنساء المتعلقات به وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب. ردّه الحافظ ابن حجر بقوله في الرواية الثانية: امرأة من أزواجه، وفي الثالثة بعض أمهات المؤمنين، ومن المستبعد أن يعتكف معه ﵊ غير زوجاته، ثم رجح أنها أم سلمة بحديث في سنن سعيد بن منصور، ولفظه: إن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة، وربما جعلت الطست تحتها وحينئذ فسلمت رواية المؤلف من المعارض ولله الحمد. (وهي مستحاضة) حال كونها (ترى الدم) وأتي بتاء التأنيث في المستحاضة وإن كانت الاستحاضة من خصائص النساء للإشعار بأن الاستحاضة حاصلة لها بالفعل لا بالقوّة (فربما وضعت الطست) بفتح الطاء (تحتها من الدم) أي لأجله: قال خالد بن مهران: (وزعم عكرمة) عطف على معنى العنعنة أي حدّثني عكرمة كذا وزعم (أن عائشة رأت ماء العصفر) هو زهر القرطم (فقالت: كأن) بتشديد النون بعد الهمزة (هذا) أي الأصفر (شيء كانت فلانة تجده) في زمان استحاضتها، وفلانة غير منصرف كناية عن علم امرأة وهي المرأة التي ذكرتها قبل على الاختلاف السابق. واستنبط منه جواز اعتكاف المستحاضة عند أمن تلويث المسجد كدائم الحدث. ورواته الخمسة ما بين واسطي وبصري ومدني وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف هنا وفي الصوم وكذا أبو داود وابن ماجة والنسائي في الاعتكاف. ٣١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهْيَ تُصَلِّي. وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بضم القاف ابن سعيد (قال: حدّثنا يزيد بن زريع عن خالد) الحذاء (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن عائشة) ﵂ (قالت): (اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة) مستحاضة (من أزواجه) هذا يردّ على ابن الجوزي اعتراضه على رواية المؤلف بعض نسائه كما سبق قريبًا (فكانت ترى الدم) الأحمر (والصفرة) كناية عن الاستحاضة (والطست تحتها) جملة حالية بالواو وفي بعض الأصول سقوطها (وهي تصلي) جملة حالية أيضًا فيه جواز صلاتها كاعتكافها لكن مع عدم التلويث فيهما. ٣١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ. وبه قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد (قال: حدّثنا معتمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية ابن سليمان بن طرخان البصري (عن خالد) الحذاء (عن عكرمة عن عائشة). (أن بعض أمهات المؤمنين) إحدى المذكورات ﵅ (اعتكفت وهي مستحاضة). ١١ - باب هَلْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ؟ هذا (باب) بالتنوين (هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه). ٣١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ مَا كَانَ لإِحْدَانَا إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ فَإِذَا أَصَابَهُ شَىْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا إبراهيم بن نافع) بالنون والفاء المخزومي أوثق شيخ بمكة (عن ابن أبي نجيح) عبد الله واسم أبي نجيح يسار ضد اليمين (عن مجاهد قالت) ولابن عساكر قال: قالت (عائشة) ﵂: (ما كان لإحدانا) أي من أمهات المؤمنين (إلا ثوب واحد تحيض فيه) النفي عام لكلهن لأنه نكرة في سياق النفي، لأنه لو كان

стр. 352

لواحدة ثوب لم يصدق النفي ويجمع بين هذا وبين حديث أم سلمة السابق في باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها الدال على أنه كان لها ثوب مختص بالحيض أن حديث عائشة هذا محمول على ما كان في أوّل الأمر، وحديث أم سلمة محمول على ما كان بعد اتساع الحال، ويحتمل أن يكون مراد عائشة بقولها: ثوب واحد مختص بالحيض وليس في سياقها ما ينفي أن يكون لها غيره في زمن الطهر فيوافق حديث أم سلمة قاله في فتح الباري، (فإذا أصابه) أي الثوب (شيء من دم) وللأصيلي من الدم (قالت) أي بلته (بريقها فقصعته) بالقاف والصاد والعين المهملتين كذا في الفرع، وعزاها الحافظ ابن حجر لرواية أبي داود. ومفهومه أنها ليست للبخاري، والمعنى فدلكته وعالجته، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر فمصعته بالميم وهي في هامش فرع اليونينية أي: حكته (بظفرها) بإسكان الفاء في الفرع، ويجوز ضمها. ووجه مطابقة هذه الترجمة من حيث أن من لم يكن لها إلا ثوب واحد تحيض فيه معلوم أنها تصلي فيه، إذا غسلته بعد الانقطاع، وليس هذا مخالفًا لما تقدم فهو من باب حمل المطلق على المقيد، أو لأن هذا الدم الذي مصعته قليل معفو عنه لا يجب عليها غسله، فلذا لم يذكر أنها غسلته بالماء، وأما الكثير فصح عنها أنها كانت تغسله قاله البيهقي، لكن يبقى النظر في مخالطة الدم بريقها فقد قالوا فيه حينئذ بعدم العفو وليس فيه أنها صلّت فيه، فلا يكون فيه حجة لمن أجاز إزالة النجاسة بغير الماء، وإنما أزالت الدم بريقها ليذهب أثره ولم تقصد تطهيره. فقد سبق بباب عنها ذكر الغسل بعد القرص. ورواة هذا الحديث خمسة وفيه التحديث والعنعنة والقول. ١٢ - باب الطِّيبِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ (باب) استحباب (الطيب للمرأة) غير المحرمة (عند غسلها من المحيض) وكذا من النفاس تطييبًا للمحل بل يكره تركه بلا عذر كما صرّح به في المجموع وغيره، ولأبي ذر من الحيض بغير ميم. ٣١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلَ وَلَا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ. وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ. قَالَ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [الحديث ٣١٣ - أطرافه في: ١٢٧٨، ١٢٧٩، ٥٣٤٠، ٥٣٤١، ٥٣٤٢، ٥٣٤٣]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) الحجبي البصري (قال: حدّثنا حماد بن زيد عن أيوب) السختياني (عن حفصة) بنت سيرين زاد في رواية المستملي وكريمة، قال أبو عبد الله أي البخاري: أو هشام بن حسان بالصرف وتركه من الحسن أو الحسن عن حفصة فكأنه شك في شيخ حماد أهو أيوب السختياني أو هشام بن حسان، وليس ذلك عند بقية الرواة ولا عند أصحاب الأطراف، (عن أم عطية) نسيبة بضم النون وفتح السين مصغرًا بنت الحرث كانت تمرّض المرضى وتداوي الجرحى وتغسل الموتى. لها في البخاري خمسة أحاديث ﵂ (قالت): (كنا ننهى) بضم النون الأولى وفاعل النهي النبي ﷺ (أن تحد) أي المرأة وفي الفرع أن نحد بضم الأول مع كسر المهملة فيهما من الإحداد أي تمنع من الزينة (على ميت فوق ثلاث) يعني به الليالي مع أيامها (إلا على زوج) دخل بها أو لم يدخل صغيرة كانت أو كبيرة حرة أو أمة، نعم عند أبي حنيفة لا إحداد على صغيرة ولا أمة، وفي رواية المستملي والحموي إلا على زوجها، فالأولى وافقة للفظ نحدّ بالنون والثانية موافقة لرواية تحد بالغيبة أو توجه الثانية أيضًا على رواية النون بأن الضمير يعود على الواحدة المندرجة في قولها: كنا ننهى أي كل واحدة منهن تنهى أن تحدّ فوق ثلاث إلا على زوجها (أربعة أشهر وعشرًا) يعني عشر ليالٍ إذ لو أريد به الأيام لقيل عشرة بالتاء. قال البيضاوي في تفسير أربعة أشهر وعشرًا وتأنيث العشر باعتبار الليالي لأنها غرر المشهور والأيام، ولذلك لا يستعملون التذكير في مثله قط ذهابًا إلى الأيام حتى إنهم يقولون صمت عشرًا، ويشهد له قوله: إن لبثتم إلا عشرًا ثم أن لبثتم إلا يومًا، ولعل المقتضي لهذا التقدير أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرًا ولأربعة إن كان أنثى، واعتبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر استظهارًا إذ ربما تضعف حركته في المبادئ فلا تحس بها. (ولا نكتحل) بالنصب وهو الذي في فرع اليونينية فقط عطفًا على المنصوب السابق كذا قرّروه، ولكن ردّه البدر الدماميني بأنه يلزم من عطفه عليه فساد المعنى لأن تقديره: كنا ننهى أن لا نكتحل نعم يصح العطف عليه على تقدير أن لا زائدة أكد بها في النهي معنى النفي، ورواية

стр. 353

الرفع هي الأحسن على ما لا يخفى. (ولا نتطيب ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب) بفتح العين وسكون الصد المهملتين في آخره موحدة برود يمانية يعصب غزلها أي يجمع ثم يصبغ ثم ينسج، (وقد رخص لنا) التطيب بالتبخر (عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها) لدفع رائحة الدم لما تستقبله من الصلاة (في نبذة) بضم النون وفتحها وسكون الموحدة وبالذال المعجمة أي في قطعة يسيرة (من كست أظفار) كذا في هذه الرواية بضم الكاف وسكون المهملة، وفي كتاب الطيب للمفضل بن سلمة القسط والكسط والكست ثلاث لغات وهو من طيب الأعراب، وسماه ابن البيطار راسنا والأظفار ضرب من العطر على شكل ظفر الإنسان يوضع في البخور، وقال ابن التين: صوابه قسط ظفار أي بغير همز نسبة إلى ظفار مدينة بساحل البحر يجلب إليها القسط الهندي، وحكي في ضبط ظفار عدم الصرف والبناء كقطام وهو العود الذي يتبخر به. (وكنا ننهى عن اتباع الجنائز) يأتي البحث فيه في محله إن شاء الله تعالى. ورواة هذا الحديث بصريون وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف هنا وفي الطلاق وكذا مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. (قال: ورواه) أي الحديث المذكور وللأصيلي وابن عساكر: قال أبو عبد الله أي المؤلف وفي رواية لابن عساكر روى، ولأبوي ذر والوقت: وروى (هشام بن حسان) الذكور مما سيأتي موصولاً عند المؤلف في كتاب الطلاق إن شاء تعالى (عن حفصة) بنت سيرين (عن أم عطية) رضي الله عن (عن النبي ﷺ ¬)، ولم يقع هذا التعليق في رواية المستملي وفائدة ذكره الدلالة على أن الحديث السابق من قبيل المرفوع. ١٣ - باب دَلْكِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ الْمَحِيض وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ وَتَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ بِهَا أَثَرَ الدَّمِِ (باب) بيان استحباب (دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض) مصدر كالجيء والمبيت، (و) بيان (كيف تغتسل و) كيف (تأخذ فرصة) بتثليث الفاء وسكون الراء وفتح الصاد المهملة كما حكاه ابن سعيده قطعة من قطن أو صوف أو خرقة (ممسكة) بتشديد السين وفتح الكاف (فتتبع) بلفظ الغائبة مضارع التفعل وحذف إحدى التاءات الثلاث، وفي الفرع فتتبع بتشديد التاء الثانية وتخفيف الموحدة المكسورة، ولأبي ذر تتبع بسكون التاء الثانية وفتح الموحدة (بها) أي الفرصة (أثر الدم). ٣١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا». قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: تَطَهَّرِي بِهَا. قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، تَطَهَّرِي، فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَىَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. [الحديث ٣١٤ - طرفاه في: ٣١٥، ٧٣٥٧]. وبه قال: (حدّثنا يحيى) أي ابن موسى البلخي الختي بفتح الخاء المعجمة وتشديد المثناة الفوقية فيما جزم به ابن السكن في روايته عن الفربري، وتوفي سنة أربعين ومائتين، أو يحيى بن جعفر البيكندي كما وجد في بعض النسخ (قال: حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن منصور ابن صفية) نسبه إليها لشهرتها واسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة (عن أمه) صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، ووقع التصريح بالسطع في جميع السند في مسند الحميدي (عن عائشة) ﵂. (أن امرأة) من الأنصار كما في حديث الباب التالي لهذا أو هي أسماء بنت شكل كما في مسلم، لكن قال الدمياطي: إنه تصحيف، وإنما هو سكن بالسين المهملة والنون نسبة إلى جدها، وجزم تبعًا للخطيب في مبهماته إنها أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية خطيبة النساء، وصوّبه بعض المتأخرين بأنه ليس في الأنصار من اسمه شكل، وتعقب بجواز تعدد الواقعة. ويؤيده تفريق ابن منده بين الترجمين، وبأن ابن طاهر وأبا موسى المديني وأبا علي الجياني جزموا بما في مسلم، ورواة ابن أبي شيبة وأبو نعيم كذلك فسلم مسلم من الوهم والتصحيف. (سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض) أي الحيض (فأمرها) ﷺ (كيف تغتسل) أي بأن قال كما رواه مسلم بمعناه تطهري فأحسني الطهور ثم صبي على رأسك فادلكيه دلكًا شديدًا حتى يبلغ شؤون رأسك أي أصوله ثم صبي الماء عليك. (قال: خذي فرصة) بتثليث الفاء قطعة، وقيل بفتح القاف والصاد المهملة أي شيئًا يسيرًا مثل الفرصة بطرف الأصبعين، وقال ابن قتيبة: إنما هو بالقاف والضاد المعجمة أي قطعة، والرواية ثابتة بالفاء والصاد المهملة ولا مجال للرأي في مثله، والمعنى صحيح بنقل أئمة اللغة (من مسك) بكسر الميم دم الغزال، وروي

стр. 354

بفتحها. قال القاضي عياض: وهي رواية الأكثرين وهو الجلد أي خذي قطعة وتحملي بها لمسح القبل، واحتجّ بأنهم كانوا في ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، ورجح النووي الكسر. (فتطهري) أي تنظفي (بها) أي بالفرصة. (قالت) أسماء: (كيف أتطهر بها؟ قال) ﵊: (سبحان الله) متعجبًا من خفاء ذلك عليها (تطهري) ولابن عساكر تطهري بها قالت: كيف؟ قال: سبحان الله تطهري بها. قالت عائشة ﵂: (فاجتبذتها إلي) بتقديم الموحدة على الذال المعجمة، وفي رواية فاجتذبتها بتأخيرها (فقلت) لها (تتبعي بها) أي بالفرصة (أثر الدم) أي في الفرج، واستنبط منه أن العَالم يكني بالجواب في الأمور المستورة، وأن المرأة تسأل عن أمر دينها، وتكرير الجواب لإفهام السائل، وأن للطالب الحاذق تفهيم السائل قول الشيخ وهو يسمع، وفيه الدلالة على حسن خلق الرسول ﷺ وعظيم حلمه وحيائه، ووجه المطابقة بينه وبين الترجمة من جهة تضمنه طريق مسلم التي سبق ذكرها بالمعنى المصرّحة بكيفية الاغتسال والدلك المسكوت عنه في رواية المؤلف، ولم يخرجها لأنها ليست على شرطه لكونها من رواية إبراهيم بن مهاجر عن صفية. ورواة حديث هذا الباب ما بين بلخي ومكي وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف في الطهارة والاعتصام، وكذا مسلم والنسائي. ١٤ - باب غُسْلِ الْمَحِيضِ (باب غسل) المرأة من (المحيض) بفتح الغين وضمها كما في الفرع. ٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قال: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ الْمَحِيضِ؟ قَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا» ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ أَوْ قَالَ: تَوَضَّئِي بِهَا. فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا مسلم) زاد الأصيلي ابن إبراهيم (قال: حدّثنا وهيب) تصغير وهب ابن خالد (قال: حدّثنا منصور) هو ابن عبد الرحمن (عن أمه) صفية بنت شيبة (عن عائشة) ﵂. (أن امرأة من الأنصار) هي أسماء بنت شكل (قالت للنبي ﷺ : كيف أغتسل من المحيض؟ قال) ﵊: (خذي) أي بعد إيصال الماء لشعرك وبشرتك (فرصة ممسكة) بضم الميم الأولى وفتح الثانية ثم مهملة مشددة مفتوحة أي قطعة من صوف أو قطن مطيبة بالمسك (فتوضئي) الوضوء اللغوي وهو التنظيف، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: وتوضئي وفي رواية فتوضئي بها قال لها ذلك (ثلاثًا) أي ثلاث مرات. قالت عائشة: (ثم إن النبي- ﷺ استحيا فأعرض) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر وأعرض (بوجهه) الكريم (أو قال) شك من عائشة (توضئي بها) ولابن عساكر وقال: فزاد في هذه كالرواية السابقة لفظة بها أي بالفرصة. قالت عائشة: (فأخذتها فجذبتها فأخبرتها بما يريد النبي ﷺ ¬) من التتبع وإزالة الرائحة الكريهة. والمطابقة بين الحديث والترجمة على رواية فتح غين غسل وتفسير المحيض باسم المكان ظاهرة، وعلى رواية ضم الغين والمحيض بمعنى الحيض فالإضافة بمعنى اللام الاختصاصية لأنه ذكر لها خاصة هذا الغسل. ١٥ - باب امْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ (باب امتشاط المرأة) أي تسريح شعر رأسها (عند غسلها) بفتح الغين وضمها (من المحيض) أي الحيض. ٣١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ. فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ». فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ، مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (قال: حدّثنا إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني نزيل بغداد (قال: حدّثنا ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (أن عائشة) ﵂ (قالت): (أهللت) أي أحرمت ورفعت صوتي بالتلبية (مع رسول الله) وللأصيلي مع النبي (¬ ﷺ في حجة الوداع، فكنت ممن تمتع ولم يسق الهدي) بفتح الهاء وسكون المهملة وتخفيف الياء أو كسر المهملة مع تشديد الياء اسم لما يهدى بمكة من الأنعام، وفيه التفات من المتكلم إلى الغائب، لأن الأصل أن تقول ممن تمتعت لكن ذكر باعتبار لفظ من (فزعمت أنها حاضت ولم تطهر) من حيضها (حتى دخلت ليلة عرفة) فيه دلالة على أن حيضها كان ثلاثة أيام خاصة لأن دخوله ﵊ مكة كان في الخامس من الحجة، فحاضت يومئذٍ فطهرت يوم عرفة، ويدل على أنها حاضت يومئذٍ قوله ﵊ في باب كيف تهلّ الحائض بالحج والعمرة من أحرم بعمرة الحديث. قالت: فحضت ففيه دليل على أن

стр. 355

حيضها كان يوم القدوم إلى مكة. قالت: فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة قاله البدر. (فقالت) وللأصيلي وابن عساكر قالت: (يا رسول الله هذه ليلة عرفة) وفي بعض النسخ هذا ليلة عرفة. قال البدر أي هذا الوقت، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي يوم عرفة (وإنما كنت تمتعت بعمرة) أي وأنا حائض وفيه تصريح بما تضمنه التمتع لأنه إحرام بعمرة في أشهر الحج ممن على مسافة القصر من الحرم ثم يحج من سنته (فقال لها رسول الله ﷺ : انقضي رأسك) بضم القاف أي حلّي شعرك (وامتشطي وأمسكي) بهمزة قطع (عن عمرتك) أي اتركي العمل في العمرة وإتمامها، فليس المراد الخروج منها فإن الحج والعمرة لا يخرج منهما إلا بالتحلل وحينئذٍ فتكون قارنة، ويؤيده قوله ﵊: "يكفيك طوافك لحجك وعمرتك" ولا يلزم من نقض الرأس والامتشاط إبطالها لجوازهما عندنا حال الإحرام، لكن يكرهان خوف نتف الشعر، وقد حملوا فعلها ذلك على أنه كان برأسها أذى، وقيل: المراد أبطلي عمرتك، ويؤيده قولها في العمرة وأرجع بحجة واحدة وقولها ترجع صواحبي بحج وعمرة وأرجع أنا بالحج، وقوله ﵊ "هذه مكان عمرتك" قالت عائشة: (ففعلت) النقض والامتشاط والإمساك (فلما قضيت) أي أدّيت (الحج) بعد إحرامي به (أمر) ﷺ أخي (عبد الرحمن) بن أبي بكر الصديق ﵁ (ليلة الحصبة) بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين وفتح الموحدة التي نزلوا فيها بالمحصب موضع بين مكة ومنى يبيتون فيه إذا نفروا منها (فأعمرني) أي اعتمر بي (من التنعيم) موضع على فرسخ من مكة فيه مسجد عائشة (مكان عمرتي التي نسكت) من النسك أي التي أحرمت بها وأردت أوّلاً حصولها منفردة غير مندرجة ومنعني الحيض، وفي رواية أبي زيد المروزي أي سكت بلفظ التكلم من السكوت أي التي تركت أعمالها وسكت عنها، وللقابسي شكت بالشين المعجمة والتخفيف والضمير فيه راجع إلى عائشة على سبيل الالتفات من التكلم للغيبة أو المعنى شكت العمرة من الحيض وإطلاق الشكاية عليها كناية عن اختلالها وعدم بقاء استقلالها، وإنما أمرها بالعمرة بعد الفراغ وهي قد كانت حصلت لها مندرجة مع الحج لقصدها عمرة منفردة كما حصل لسائر أزواجه ﵊ حيث اعتمرن بعد الفراغ من حجهنّ المفرد عمرة منفردة عن حجهن حرصًا منها على كثرة العبادة. وتمام مباحث الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الحج بعون الله وقوّته. ورواته الخمسة ما بين بصري ومدني وفيه التحديث والعنعنة. ١٦ - باب نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمَحِيضِ (باب) حكم (نقض المرأة شعرها) أي شعر رأسها (عند غسل المحيض) هل هو واجب أم لا ولابن عساكر باب من رأى نقض المرأة الخ. ٣١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ». فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «دَعِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِحَجٍّ». فَفَعَلْتُ. حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي أَخِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي. قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ. وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) الهباري بفتح الهاء وتشديد الموحدة الكوفي، المتوفى سنة خمسين ومائتين (قال: حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي (عن هشام) أي ابن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة) ﵂ (قالت): (خرجنا) من المدينة مكملين ذا القعدة (موافين) وفي رواية موافقين (لهلال ذي الحجة) كذا شرحه بعضهم والأولى أن يكون معنى موافين مشرفين. يقال: أوفى على كذا إذا أشرف عليه ولا يلزم منه الدخول فيه. وقال النووي: أي مقاربين لاستهلاله لأن خروجه ﵊ كان لخمس ليال بقين من ذي القعدة يوم السبت. (فقال) ولأبوي ذر والوقت قال (رسول الله ﷺ من أحب أن يهلل) بلامين وللأصيلي وابن عساكر يهل بلام مشددة أي يحرم (بعمرة فليهلل) بعمرة (فإني لولا أني أهديت) أي سقت الهدي (لأهللت) كذا في رواية الحموي وكريمة ولأبوي الوقت وذر والأصيلي لأحللت (بعمرة) ليس فيه دلالة على أن التمتع أفضل من الإفراد لأنه ﵊، إنما قال ذلك لأجل فسخ الحج إلى العمرة الذي هو خاص بهم في تلك السنة المخالفة تحريم الجاهلية العمرة في أشهر الحج لا التمتع الذي فيه الخلاف وقاله ليطيب قلوب

стр. 356

أصحابه إذ كانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحج إليها لإرادتهم موافقة ﵊ أي ما يمنعني من موافقتكم فيما أمرتكم به إلا سوقي الهدي، ولولاه لوافقتكم، وإنما كان الهدي علة لانتفاء الإحرام بالعمرة لأن صاحب الهدي لا يجوز له التحلل حتى ينحره ولا ينحره إلا يوم النحر، والمتمتع يتحلل من عمرته قبله فيتنافيان. (فأهلَّ بعضهم بعمرة وأهلَّ بعضهم بحج) قالت عائشة: (وكنت أنا ممن أهل بعمرة فأدركني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت) ذلك (إلى النبي ﷺ فقال: دعي عمرتك) أي أفعالها وارفضيها (وانقضي رأسك) أي شعرها (وامتشطي وأهلّي بحج) أي مع عمرتك أو مكانها (ففعلت) ذلك كله (حتى إذا كان ليلة الحصبة) بفتح الحاء وسكون الصاد وليلة بالرفع على أن كان تامة أي وجدت وبالنصب على أنها ناقصة واسمها الوقت (أرسل) ﵊ (معي أخي عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق ﵃ (فخرجت) معه (إلى التنعيم فأهللت بعمرة) منه (مكان عمرتي) التي تركتها. لا يقال ليس في الحديث دلالة على الترجمة لأن أمرها بنقض الشعر كان للإهلال وهي حائض لا عند غسلها لأنا نقول: إن نقض شعرها إن كان لغسل الإحرام وهو سُنّة فلغسل الحيض أولى لأنه فرض، وقد كان ابن عمر يقول بوجوبه، وبه قال الحسن وطاوس في الحائض دون الجنب، وبه قال أحمد لكن رجح جماعة من أصحابه الاستحباب فيهما، واستدل الجمهور على عدم وجوب النقض بحديث أم سلمة: إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: "لا". رواه مسلم، وقد حملوا حديث عائشة على الاستحباب جمعًا بين الروايتين. نعم إن لم يصل الماء إلا بالنقض وجب. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفي ومدني وفيه التحديث والعنعنة. (قال هشام) أي ابن عروة (ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة). استشكل النووي نفي الثلاثة بأن القارن والمتمتع عليه الدم، وأجابب القاضي عياض بأنها لم تكن قارنة ولا متمتعة لأنها أحرمت بالحج ثم نوت فسخه في عمرة، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت إلى حجها لتعذّر أفعال العمرة وكانت ترفضها بالوقوف فأمرها بتعجيل الرفض، فلما أكملت الحج اعتمرت عمرة مبتدأة وعورض بقولها: وكنت أنا ممن أهل بعمرة، وقولها ولم أهلَّ إلا بعمرة. وأجيب: بأن هشامًا لما لم يبلغه ذلك أخبر بنفيه ولا يلزم منه نفيه فى نفس الأمر، بل روى جابر أنه ﵊ أهدى عن عائشة بقرة فافهم. ١٧ - باب مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ (باب مخلقة وغير مخلقة) أي مسوّاة لا نقص فيها ولا عيب وغير مسوّاة أو تامّة أو ساقطة أو مصوّرة وغير مصوّرة، وللأصيلي قول الله : ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] قال ابن المنير: أدخل المؤلف هذه الترجمة في أبواب الحيض لينبّه بها على أن دم الحامل ليس بحيض، لأن الحمل إن تم فإن الرحم مشغول به، وما ينفصل عنه من دم إنما هو رشح غذائه أو فضلته أو نحو ذلك فليس بحيض، وإن لم يتم وكانت المضغة غير مخلقة مجها الرحم مضعة مائعة حكمها حكم الولد، فكيف يكون حكم الولد حيضًا؟ انتهى. وهذا مذهب الكوفيين وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل والأوزاعي والثوري، وذهب الإمام الشافعي في الجديد إلى أنها تحيض، وعن مالك روايتان، وما ادّعاه ابن المنير كغيره من أنه رشح غذاء الولد الخ يحتاج إلى دليل، وأما ما ورد في ذلك من خبر أو أثر نحو قول علي بن أبي طالب ﵁: إن الله رفع الحيض وجعل الدم رزقًا للولد مما تغيض الأرحام. رواه ابن شاهين، وقول ابن عباس مما رواه ابن شاهين أيضًا فقال الحافظ ابن حجر: لا يثبت لأن هذا دم بصفات الحيض في زمن إمكانه فله حكم دم الحيض، وأقوى حججهم أن استبراء الأمة اعتبر بالحيض لتحقيق براءة الرحم من الحمل، فلو كانت الحامل تحيض لم تتم البراءة بالحيض. ٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ، وَالأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا حماد) هو ابن زيد البصري (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن أبي بكر) بن أنس بن مالك الأنصاري (عن أنس بن مالك) ﵁ (عن النبي ﷺ قال): (إن الله وكّل) بالتشديد. قال

стр. 357

الحافظ ابن حجر: وفي روايتنا بالتخفيف من وكله بكذا إذا استكفاه وصرف أمره إليه (بالرحم ملكًا يقول) عند وقوع النطفة التماسًا لإتمام الخلقة، أو الدعاء بإقامة الصورة الكاملة عليها أو الاستعلام أو نحو ذلك فليس في ذلك فائدة الخبر ولا لازمة لأن الله تعالى عالم الكل فهو على نحو قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] قالتها تحسّرًا وتحزّنًا إلى ربها (يا رب) بحذف ياء المتكلم هذه (نطفة) قال ابن الأثير: هي الماء القليل الكثير، والمراد بها هنا المني، وللقابسي نطفة بالنصب على إضمار فعل أي خلقت يا رب نطفة أو صارت نطفة (يا رب) هذه (علقة) قطعة من الدم جامدة (يا رب) هذه (مضغة) قطعة من اللحم وهي في الأصل قدر ما يمضع، ويجوز نصب الاسمين عطفًا على السابق المنصوب بالفعل المقدر بين قول الملك يا رب نطفة وقوله علقة أربعون يومًا كقوله: يا رب مضغة لا في وقت واحد وإلاّ تكون النطفة علقة مضغة في ساعة واحدة ولا يخفى ما فيه، (فإذا أراد) الله (أن يقضي) وللأصيلي فإذا أراد الله أن يقضي أي يتم (خلقه) أي ما في الرحم من النطفة التي صارت علقة ثم مضغة، وهذا هو المراد بقوله: ﴿مخلقة وغير مخلقة﴾ وقد علم بالضرورة أنه لم يرد خلقه تكون غير مخلقة وهذا وجه مناسبة الحديث للترجمة، وقد صرّح بذلك في حديث رواه الطبراني بإسناد صحيح من حديث ابن مسعود قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكًا فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال غير مخلقة مجها الرحم دمًا. (قال) الملك (أذكر) هو (أم أُنثى) أو التقدير أهو ذكر أم أنثى؟ وسوّغ الابتداء به وإن كان نكرة لتخصيصه بثبوت أحد الأمرين إذ السؤال فيه عن التعيين، وللأصيلي أذكر أم أنثى بتقدير أتخلق ذكرًا أم أُنثى؟ (شقي) أي أعاصٍ لك هو (أم سعيد) مطيع وحذف أداة الاستفهام لدلالة السابق وللأصيلي شقيًّا أم سعيدًا؟ (فما الرزق) أي الذي ينتفع به؟ (و) ما (الأجل) أي وقت الموت أو مدة الحياة إلى الموت لأنه يطلق على المدة وعلى غايتها، وفي رواية أبي ذر: وما الأجل بزيادة ما كما وقع في الشرح (فيكتب) على صيغة المجهول أي المذكور، والكتابة إما حقيقة أو مجاز عن التقدير، وللأصيلي قال: فيكتب (في بطن أمه) ظرف لقوله يكتب أو أن الشخص مكتوب عليه في ذلك الظرف، وقد روي أنها تكتب على جبهته. ورواة هذا الحديث الأربعة بصريون، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا فى خلق آدم وفي القدر ومسلم فيه. ١٨ - باب كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؟ (باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة) ليس مراده الكيفية التي يراد بها الصفة بل بيان صحة إهلال الحائض. ٣١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ. فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ. وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ». قَالَتْ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلاَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ وَأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف (قال: حدّثنا الليث) بن سعد (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة) ﵂ (قالت): (خرجنا مع النبي) وللأصيلي رسول الله (¬ ﷺ ¬) من المدينة (في حجة الوداع) لخمس بقين من ذي القعدة سنة عشر من الهجرة (فمنا من أهلَّ) أي أحرم (بعمرة ومنا من أهلَّ بحج) وفي رواية أبي ذر عن المستملي بحجة (فقدمنا مكة فقال رسول الله ﷺ : من أحرم بعمرة ولم يهدِ) بضم المثناة التحتية من الإهداء (فليحلل) بكسر اللام من الثلاثي أي قبل يوم النحر حتى يحرم بالحج، (ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى يحل) بفتح المثناة وكسر الحاء والضم في لام الأولى والفتح في لام الأخرى (بنحر هديه) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر حتى يحل نحر هديه أي يوم العيد لكونه أدخل الحج فيصير قارنًا ولا يكون متمتعًا فلا يحل، وأما توقفه على دخول يوم النحر مع إمكان التحلل بعد نصف ليلته فليس التحلل الكلي، أما التحلل الكلي المبيح للجماع فهو في يوم النحر، (ومن أهلَّ بحج) مفردًا ولأبي ذر وعزاها في الفتح للمستملي والحموي ومن أهلَّ بحجة (فليتم حجه) سواء كان معه هدي أم لا. (قالت) عائشة ﵂: (فحضت) أي بسرف (فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة) برفع يوم لأن كان تامة (ولم أهلل) بضم الهمزة وكسر اللام الأولى

стр. 358

(إلا بعمرة فأمرني النبي ﷺ أن أنقض) شعر (رأسي و) أن (أمتشط و) أن (أهلَّ) بضم الهمزة (بحج و) أن (أترك العمرة) أي أعمالها أو أبطلها (ففعلت ذلك) كله (حتى قضيت حجي) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي حجتي (فبعث) ﷺ (معي) أخي (عبد الرحمن بن أبي بكر) وللأصيلي زيادة الصديق، (وأمرني) ﵊، ولأبوي ذر والوقت: فأمرني بالفاء (أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم). ورواة هذا الحديث الستة ما بين مصري وايلّي ومدنيّ، وأخرجه مسلم في المناسك، ويأتي ما فيه من البحث في الحج إن شاء الله تعالى بعونه وقوّته. ١٩ - باب إِقْبَالِ الْمَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ. وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ فَقَالَتْ: مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا. وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ. (باب إقبال المحيض وإدباره وكن نساء) بالرفع بدل من ضمير كن على لغة أكلوني البراغيث، وفائدة ذكره بعد أن علم من لفظ كنّ إشارة إلى التنويع والتنوين يدل عليه أي كان ذلك من بعضهن لا من كلهن (يبعثن إلى عائشة) ﵂ (بالدرجة) بكسر الدال وفتح الراء والجيم جمع درج بالضم ثمّ السكون، وبضم أوّله وسكون ثانيه في قول ابن قرقول، وبه ضبطه ابن عبد البرّ في الموطأ، وعند الباجي بفتح الأوّلين ونوزع قيه وهي وعاء أو خرقة (فيها الكرسف) بضم الكاف وإسكان الراء وضم السين آخره فاء أي القطن (فيه) أي في القطن (الصفرة) الحاصلة من أثر دم الحيض بعد وضع ذلك في الفرج لاختبار الطهر، وإنما اختير القطن لبياضه ولأنه ينشف الرطوبة فيظهر فيه من آثار الدم ما لم يظهر في غيره. (فتقول) عائشة لهن: (لا تعجلن حتى ترين) بسكون اللام والمثناة التحتية (القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة) بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة ماء أبيض يكون آخر الحيض يتبين به نقاء الرحم تشبيهًا بالجص وهو النورة، ومنه قصص داره أي جصصها. وقال الهروي: معناه أن يخرج ما تحتشي به الحائض نقيًا كالقصة كأنه ذهب إلى الجفوف. قال القاضي عياض: وبينهما عند النساء وأهل المعرفة فرق بيِّن انتهى. قال في الصابيح وسببه أن الجفوف عدم والقصة وجود والوجود أبلغ دلالة، وكيف لا والرحم قد يجف في أثناء الحيض، وقد تنظف الحائض فيجف رحمها ساعة، والقصة لا تكون إلا طهرًا انتهى. وفيه دلالة على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض. وهذا الأثر رواه مالك في الموطأ من حديث علقمة بن أبي علقمة المدني عن أمه مرجانة مولاة عائشة، وقد علم أن إقبال المحيض يكون بالدفعة من الدم وإدباره بالقصة أو بالجفاف. (وبلغ ابنة) ولابن عساكر بنت (زيد بن ثابت) هي أم كلثوم زوج سالم بن عبد الله بن عمر أو أختها أم سعد والأول اختاره الحافظ ابن حجر (أن نساء) من الصحابيات (يدعون بالمصابيح) أي يطلبنها (من جوف الليل ينظرن إلى) ما يدل على (الطهر فقالت: ما كان النساء يصنعن هذا وعابت عليهن) ذلك لكون الليل لا يتبين فيه البياض الخالص من غيره، فيحسبن أنهم طهرن وليس كذلك فيصلين قبل الطهر. ٣٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن هشام) أي ابن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂. (أن فاطمة بنت أبي حبيش) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة آخره معجمة (كانت تستحاض) بضم التاء مبنيًّا للمفعول (فسألت النبي ﷺ فقال ذلك) بكسر الكاف (عرق) بكسر العين وسكون الراء يسمى العاذل (ليست بالحيضة) بفتح الحاء وقد تكسر (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) لا يقتضي تكرار الاغتسال لكل صلاة بل يكفي غسل واحد، لا يقال إنه معارض باغتسال أم حبيبة لكل صلاة لأنه أجيب بأنه إما لأنها كانت ممن يجب عليه ذلك لاحتمال الانقطاع عند كل صلاة، أو كانت متطوعة به وبهذا نص الشافعي. ٢٠ - باب لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ وَقَالَ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "تَدَعُ الصَّلَاةَ". هذا (باب) بالتنوين (لا تقضي الحائض الصلاة. وقال جابر) ولأبوي ذر والوقت جابر بن عبد الله مما رواه المؤلف في الأحكام بالمعنى (وأبو سعيد) الخدري ﵁ مما رواه أيضًا بالمعنى في ترك الحائض الصوم (عن النبي ﷺ تدع) الحائض (الصلاة) وترك الصلاة يستلزم عدم قضائها لأن

стр. 359

الشارع أمر بالترك ومتروكه لا يجب فعله فلا يجب قضاؤه. ٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ. أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (قال: حدّثنا همام) بالتشديد ابن يحيى بن دينار العوذي، المتوفى سنة ثلاث وستين ومائة (قال: حدّثنا قتادة) الأكمه المفسر (قال: حدّثتني) بالتأنيث والإفراد (معاذة) بضم الميم وفتح العين المهملة والذال المعجمة بنت عبد الله العدوية. (أن امرأة) أبهمها همام وهي معاذة نفسها (قالت لعائشة) ﵂ (أتجزي) بفتح الهمزة والمثناة الفوقية وكسر الزاي آخره مثناة تحتية من غير همز أي أتقضي (إحدانا صلاتها) التي لم تصلها زمن الحيض وصلاتها نصب على المفعولية (إذا طهرت) بفتح الطاء وضم الهاء؟ (فقالت) عائشة (أحرورية أنت) بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى المخففة نسبة إلى حروراء قرية بقرب الكوفة كان أوّل اجتماع الخوارج بها أي أخارجية أنت لأن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة زمن الحيض وهو خلاف الإجماع، فالهمزة للاستفهام الإنكاري، وزاد في رواية مسلم عن عاصم عن معاذة فقلت، لا ولكني أسال سؤالاً لمجرد طلب العلم لا للتعنت. فقالت عائشة: (كنا) وللأصيلي قد كنا (نحيض مع النبي ﷺ ¬) أي مع وجوده أو عهده أي فكان يطلع على حالنا في الترك (فلا) وللأصيلي ولا (يأمرنا به) أي بالقضاء لأن التقدير على ترك الواجب غير جائز (أو قالت) أي معاذة (فلا نفعله) وفرق بين الصلاة والصوم بتكررها فلم يجب قضاؤها للحرج بخلافه وخطابها بقضائه بأمر جديد لا بكونها خوطبت به أوّلاً. نعم استثنى من نفي قضاء الصلاة ركعتا الطواف. ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه التحديث بالإفراد والجمع وأخرجه الستة. ٢١ - باب النَّوْمِ مَعَ الْحَائِضِ وَهْيَ فِي ثِيَابِهَا (باب النوم مع الحائض وهي) أي والحال أنها (في ثيابها) المعدة لحيضها. ٣٢٢ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنُفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ. قَالَتْ: وَحَدَّثَتْنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ. وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ. وبالسند قال: (حدّثنا سعد بن حفص) بسكون العين الكوفي الطلحي المعروف بالضخم (قال: حدّثنا شيبان) النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) عبد الله أو إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (عن زينب ابنه) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر بنت (أبي سلمة) بفتح اللام أنها (حدّثته أن أم سلمة) هند ﵂ (قالت): (حضت وأنا مع النبي) وللأصيلي مع رسول الله (¬ ﷺ في الخميلة) أي القطيفة (فانسللت فخرجت منها فأخذت ثياب حيضتي) بكسر الحاء (فلبستها فقال ليس رسول الله ﷺ : أنفست) بضم النون وكسر الفاء كما في الفرع. (قلت: نعم) نفست (فدعاني فأدخلني معه في الخميلة) هي الخميلة الأولى لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة تكون عين الأولى. (قالت) أي زينب مما هو داخل تحت الإسناد الأول: (وحدّثتني) عطف على قالت الأولى أو عطف جملة كما في ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: ٣٥] أي وليسكن زوجك (أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم وكنت) أي وحدّثتني أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم وبقولها: كنت (أغتسل أنا والنبي) وللأصيلي ورسول الله (¬ ﷺ ¬) بالرفع على ما في الفرع عطفًا على الضمير أو بالنصب مفعولاً معه أي أغتسل معه (من إناء واحد من الجنابة) ومن في قوله من إناء ومن الجنابة يتعلقان بقوله أغتسل، ولا يمتنع هذا لأنها في الأوّل من عين وهو الإناء، وفي الثاني من معنى وهو الجنابة، وإنما الممتنع إذا كان الابتداء من شيئين هما من جنس واحد كزمانين نحو: رأيته من شهر من سنة، أو مكانين نحو: خرجت من البصرة من الكوفة. ٢٢ - باب مَنِ اتَّخَذَ ثِيَابَ الْحَيْضِ سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ (باب من أخذ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر من اتخذ وللكشميهني مما ذكره في فتح الباري من أعدّ بالعين من الإعداد أي من أخذ أو اتخذ أو أعدّ من النساء (ثياب الحيض سوى ثياب الطهر). ٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةً فِي خَمِيلَةٍ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ: أَنُفِسْتِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ. وبالسند قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة أبو زيد الزهراني البصري (قال: حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن

стр. 360

زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة) أم المؤمنين ﵂ (قالت): (بينا أنا مع النبي) وللأصيلي رسول الله (¬ ﷺ ¬) حال كوني (مضطجعة في خميلة) ولأبي الوقت في الخميلة (حضت فانسللت) منها (فأخذت ثياب حيضتي) بكسر الحاء كما في الفرع ولا تعارض بين هذا وبين قولها في الحديث السابق ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد لأنه باعتبار وقتين حالة الإقتار وحالة السعة، أو المراد خرق الحيضة وحفاظها فكنت بالثياب تجملاً وتأدّبًا (فقال) ﵊: (أنفست) بضم النون كما في الفرع عن ضبط الأصيلي، لكن قال الهروي يقال ألا في الولادة بضم النون وفتحها، وإذا حاضت نفست بالفتح فقط ونحوه لابن الأنباري (فقلت) ولابن عساكر قلت (نعم) نفست (فدعاني) ﵊ (فاضطجعت معه في الخميلة). ٢٣ - باب شُهُودِ الْحَائِضِ الْعِيدَيْنِ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى (باب شهود الحائض) أي حضورها يوم (العيدين ودعوة المسلمين) كالاستسقاء (ويعتزلن) أي حال كونهن يعتزلن، ولابن عساكر واعتزالهن (المصلى) تنزيهًا وصيانة واحترازًا عن مخالطة الرجال من غير حاجة ولا صلاة، وإنما يحرم لأنه ليس مسجدًا وجمع الضمير مع رجوعه لمفرد لإرادة الجنس كما في سامرًا تهرجون. ٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا -وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَىْ عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ- قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيَّ ﷺ : أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ». فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَتْ: بِأَبِي نَعَمْ -وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلاَّ قَالَتْ "بِأَبِي"- سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «تَخْرُجُ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ -أَوِ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ- وَالْحُيَّضُ، وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى». قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ "الْحُيَّضُ"؟ فَقَالَتْ: أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا؟. [الحديث ٣٢٤ - أطرافه في: ٣٥١، ٩٧١، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١، ١٦٥٢]. وبالسند قال: (حدّثنا محمد) ولأبي ذر كما في الفتح وابن عساكر كما في الفرع محمد بن سلام، ولكريمة هو ابن سلام وهو بتخفيف اللام البيكندي (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي عن الكشميهني حدّثنا (عبد الوهاب) الثقفي (عن أيوب) السختياني (عن حفصة) بنت سيرين الأنصارية البصرية أخت محمد بن سيرين أنها (قالت): (كنا نمنع عواتقنا) جمع عاتق وهي من بلغت الحلم أو قاربته واستحقت التزويج فعتقت عن قهر أبويها أو الكريمة على أهلها أو التي عتقت من الصبا والاستعانة بها في مهنة أهلها (يخرجن) إلى المصلى (في العيدين فقدمت امرأة) لم تسم (فنزلت قصر بني خلف) كان بالبصرة منسوب إلى خلف جدّ طلحة بن عبد الله بن خلف وهو طلحة الطلحات (فحدثت عن أختها) قيل هي أم عطية وقيل غيرها، (وكان زوج أختها) لم يسم أيضًا (غزا مع النبي) وللأصيلي مع رسول الله (¬ ﷺ ثنتي عشرة) زاد الأصيلي غزوة، قالت المرأة: (وكانت أُختي معه) أي مع زوجها أو مع الرسول ﷺ (في ست) أي ست غزوات، وفي الطبراني أنها غزت معه سبعًا (قالت) أي الأخت لا المرأة (كنا) بلفظ الجمع لبيان فائدة حضور النساء الغزوات على سبيل العموم (نداوي الكلمى) بفتح الكاف وسكون اللام وفتح الميم أي الجرحى (ونقوم على المرضى فسألت أختي النبي- ﷺ أعلى إحدانا بأس) أي حرج وإثم (إذا) وللأصيلي إن (لم يكن لها جلباب) بكسر الجيم وسكون اللام وبموحدتين بينهما ألف أي خمار واسع كالملحفة تغطي به المرأة رأسها وظهرها أو القميص (أن لا تخرج) أي لئلا تخرج وأن مصدرية أي لعدم خروجها إلى المصلى للعيد. (قال) ﵊: (لتلبسها) بالجزم وفاعله (صاحبتها) وفي رواية: فتلبسها بالرفع وبالفاء بدل اللام (من جلبابها) أي لتعرها من ثيابها ما لا تحتاج المعيرة إليه، أو تشركها في لبس الثوب الذي عليها وهو مبني على أن الثوب يكون واسعًا وفيه نظر، أو هو على سبيل المبالغة أي يخرجن، ولو كانت اثنتان في ثوب واحد. (ولتشهد الخير) أي ولتحضر مجالس الخير كسماع الحديث والعلم وعيادة المريض ونحو ذلك. (ودعوة المسلمين) كالاجتماع لصلاة الاستسقاء، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: ودعوة المؤمنين. قالت حفصة: (فلما قدمت أم عطية) نسيبة بنت الحرث أو بنت كعب (سألتها أسمعت النبي ﷺ ¬) يقول المذكور؟ (قالت: بأبي) بهمزة وموحدة مكسورة ثم مثناة تحتية ساكنة، ولأبي ذر عن الكشميهني بيبي بقلب الهمزة ياء، ونسبها الحافظ ابن حجر لرواية عبدوس، وللأصيلي بأبا بفتح الموحدة وإبدال ياء المتكلم ألفًا، وفيها رابعة بيبا بقلب الهمزة ياء وفتح الموحدة أي فديته أو هو مفدي بأبي، وحذف المتعلق تخفيفًا

стр. 361

لكثرة الاستعمال، وفي الطبراني بأبي هو وأمي (نعم) سمعته (وكانت لا تذكره) أي النبي ﷺ (إلا قالت بأبي) أي أفديه أو مفدي بأبي (سمعته) حال كونه (يقول تخرج) أي لتخرج (العوائق) فهو خبر متضمن للأمر لأن أخبار الشارع عن الحكم الشرعي متضمن للطلب لكنه هنا للندب لدليل آخر، (وذوات الخدور) بواوي العطف والجمع، ولأبي ذر ذوات بغير واو العطف وإثبات واو الجمع صفة للعوائق، ولأبي ذر عن الكشميهني والأصيلي ذات الخدور بغير عطف مع الإفراد والخدور بضم الخاء المعجمة والدال المهملة جمع خدور وهو السّتر في جانب البيت أو البيت نفسه، (والعواتق ذوات الخدور) على الشك ولأبي ذر عن الكشميهني والأصيلي ذات الخدر بغير واو فيهما. (والحيض) بضم الحاء وتشديد الياء جمع حائض وهو معطوف على العواتق (وليشهدن) ولابن عساكر يشهدن (الخير) عطف على تخرج المتضمن للأمر كما سبق أي: لتخرج العواتق ويشهدن الخير، (ودعوة المؤمنين ويعتزل الحيض المصلى) أي فيكن فيمن يدعو ويؤمن رجاء بركة المشهد الكريم، ويعتزل بضم اللام خبر بمعنى الأمر كما في السابق، وخص أصحابنا من هذا العموم غير ذات الهيئات والمستحسنات، أما هن فيمنعن لأن المفسدة إذ ذاك كانت مأمونة بخلافها الآن، وقد قالت عائشة في الصحيح لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل، وبه قال مالك وأبو يوسف. (قالت حفصة فقلت) لأم عطية (الحيض) بهمزة ممدودة على الاستفهام التعجبي من اخبارها بشهود الحيض (فقالت) أم عطية (أليس) الحائض (تشهد) وأسم ليس ضمير الشأن وللكشميهني أليست بتاء التأنيث وللأصيلي أليس يشهدن بنون الجمع أي الحيض (عرفة) أي يومها (وكذا وكذا) أي نحو المزدلفة ومنى وصلاة الاستسقاء. ورواة هذا الحديث بين بخاري وبصري ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول والسؤال والسماع، وأخرجه المؤلف أيضًا في العيدين والحج، ومسلم في العيدين، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة في الصلاة. ٢٤ - باب إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَمَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ فِي الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ فِيمَا يُمْكِنُ مِنَ الْحَيْضِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ، أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثًا فِي شَهْرٍ. صُدِّقَتْ. وَقَالَ عَطَاءٌ أَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَالَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ سَأَلْتُ ابْنَ سِيرِينَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ قَالَ النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. هذا (باب) بالتنوين في بيان حكم الحائض (إذا حاضت في شهر) واحد (ثلاث حيض) بكسر الحاء وفتح المثناة التحتية جمع حيضة (و) بيان (ما يصدق النساء) بضم الياء وتشديد الدال المفتوحة (في) مدة (الحيض) ومدة (الحمل) ولابن عساكر والحبل بالباء الموحدة المفتوحة (وفيما) بالفاء ولابن عساكر وما (يمكن من الحيض) أي من تكراره، والجار والمجرور متعلق بيصدّق فإذا لم يمكن لم تصدق (لقول الله تعالى) وللأصيلي (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) [البقرة: ٢٢٨] قال القاضي: من الولد والحيض استعجالاً في العدة وإبطالاً لحق الرجعة، وفيه دليل على أن قولها مقبول في ذلك، زاد الأصيلي (إن كن يؤمن) (ويذكر) بضم أوّله (عن علي) هو ابن أبي طالب (و) عن (شريح) بالشين المعجمة والحاء المهملة ابن الحرث بالمثلثة أي الكوفي أدرك الرسول ﵊ ولم يلقه استقضاه عمر بن الخطاب، وتوفي سنة ثمان وتسعين. وهذا التعليق وصله الدارمي بإسناد رجاله ثقات عن الشعبي قال: جاءت امرأة إلى عليّ بن أبي طالب ﵁ تخاصم زوجها طلقها فقالت: حضت في شهر ثلاث حيض، فقال عليّ لشريح اقضِ بينهما. قال: يا أمير المؤمنين وأنت هاهنا؟ قال: اقضِ بينهما، قال: (إن جاءت) ولكريمة إن امرأة جاءت (ببينة من بطانة أهلها) بكسر الموحدة أي من خواصها (ممن يرضى دينه) وأمانته بأن يكون عدلاً يزعم (أنها حاضت في شهر) ولابن عساكر في كل شهر (ثلاثًا صدّقت) وفي رواية الدارمي أنها حاضت ثلاث حيض تطهر عند كل قرء وتصلي جاز لها وإلاّ فلا قال في ﵁: قالون، قال، وقالون بلسان الروم أحسنت وليس عنده لفظة ببينة وطريق علم الشاهد بذلك مع أنه أمر باطني القرائن والعلامات، بل ذلك ما يشاهده النساء فهو

стр. 362

ظاهر بالنسبة لهن (وقال عطاء) هو ابن أبي رباح مما وصله عبد الرزاق عن ابن جريح عنه: (أقراؤها) جمع قرء بضم القاف وفتحها في زمن العدّة (ما كانت) قبل العدّة، فلو ادّعت في زمن الطلاق أقراء معدودة في مدة معينة في شهر مثلاً معتادة لما ادّعته فإذًا، وإن ادّعت في العدّة ما يخالف ما قبلها لم يقبل، (وبه) أي بما قال عطاء (قال إبراهيم) النخعي فيما وصله عبد الرزاق أيضًا. (وقال عطاء) هو ابن أبي رباح مما وصله الدارمي أيضًا (الحيض يوم إلى خمس عشرة) فاليوم مع ليلته والخمسة عشر أكثره، ولابن عساكر وأبي ذر إلى خمسة عشر. (وقال معتمر) هو ابن سليمان العابد، كان يصلي الليل كله بوضوء العشاء (عن أبيه) سليمان بن طرخان مما وصله الدارمي أيضًا (سألت) ولأبي ذر والأصيلي قال سألت: (ابن سيرين) محمد (عن المرأة ترى الدم بعد قرئها) أي طهرها لا حيضها بقرينة رؤية الدم (بخمسة أيام. قال: النساء أعلم بذلك). ٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ. أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي». وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن أبي رجاء) بفتح الراء وتخفيف الجميم مع المد عبد الله بن أيوب الهرويّ حنفي النسب، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (قال: حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (قال: سمعت هشام بن عروة، قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) ﵂. (أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت) وفي بعض الأصول فقالت بالفاء التفسيرية: (إني أستحاض) بضم الهمزة (فلا أطهر أفأدع) أي أترك (الصلاة: فقال) ﵊: (لا) تدعيها (إن ذلك) بكسر الكاف (عرق) أي دم عرق وهو يسمى العاذل بالذال المعجمة، (ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي). ومعنى الاستدراك لا تتركي الصلاة كل الأوقات، لكن اتركيها في مقدار العادة. ومناسبة الحديث للترجمة في قوله: قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها فيوكل ذلك إلى أمانتها وردّها إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وفيه دلالة على أن فاطمة كانت معتادة، واختلف في أقل الحيض وأقل الطهر فقال الشافعي: القرء الطهر وأقله خمسة عشر يومًا وأقل الحيض يوم وليلة، فلا تنقضي عدّتها في أقل من اثنين وثلاثين يومًا ولحظتين بأن تطلق وبقي من الطهر لحظة وتحيض يومًا وليلة، وتطهر خمسة عشرة يومًا ثم ستة عشر كذلك، ولا بدّ من الطعن في الحيضة الثالثة للتحقق، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقل الطهر وأقل الحيض معًا، فأقل ما تنقضي به العدة عنده ستون يومًا، وعند مالك: لا حدّ لأقل الحيض ولا لأقل الطهر إلا بما بيّنته النساء. ورواة هذا الحديث ما بين هرويّ وكوفي ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والسماع. ٢٥ - باب الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ (باب الصفرة والكدرة) تراهما المرأة (في غير أيام الحيض). ٣٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا. وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد قال: حدّثنا إسماعيل) بن علية (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أم عطية قالت): (كنا) أي في زمن النبي ﷺ مع علمه وتقريره، ولأبي ذر عن أم عطية كنا (لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا) أي من الحيض إذا كان في غير زمن الحيض أما فيه فهو مر الحيض تبعًا، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والليث وأبو حنيفة ومحمد والشافعي وأحمد، وأما الإمام مالك فيرى أنها حيض مطلقًا، وأورد عليه حديث أم عطية هذا. ورواة هذا الحديث خمسة، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة. ٢٦ - باب عِرْقِ الاِسْتِحَاضَةِ (باب عرق الاستحاضة) بكسر العين وسكون الراء المسمى بالعاذل. ٣٢٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَعَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ «هَذَا عِرْقٌ». فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وبالسند قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي بالحاء المهملة المكسورة والزاي المخففة (قال: حدّثنا معن) هو ابن عيسى القزاز (قال: حدّثني) بالإفراد وللأصيلي حدّثنا (ابن أبي ذئب) بكسر الذال المعجمة محمد بن عبد الرحمن (عن ابن شهاب) الزهريّ (عن عروة) بن الزبير (وعن عمرة) عطف على عروة أي ابن شهاب يرويه عنها أيضًا وهي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصاري، المتوفاة سنة ثمان وتسعين، ولأبي الوقت وابن

стр. 363

عساكر عن عروة عن عمرة بحذف الواو فيكون من رواية عروة عن عمرة والمحفوظ إثبات الواو (عن عائشة زوج النبي ﷺ ¬). (أن أُم حبيبة) بنت جحش زوج عبد الرحمن بن عوف أُخت زينب أُم المؤمنين (استحيضت سبع سنين) جمع سنة شذوذًا لأن شرط جمع السلامة أن يكون مفرده مذكرًا عاقلاً ويكون مفتوح الأوّل وهذا ليس كذلك، (فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فأمرها أن) أي بأن (تغتسل) أي بالاغتسال (فقال: هذا عرق فكانت تغتسل لكل صلاة) وأمرها بالاغتسال مطلق فلا يدل على التكرار، وإنما كانت تغتسل لكل صلاة تطوّعًا كما نص عليه الشافعي، واليه ذهب الجمهور قالوا: لا يجب على المستحاضة الغسل كل صلاة إلا المتحيرة، لكن يجب عليها الوضوء، وما في مسلم من قوله: فأمرها بالغسل لكل صلاة طعن في النقاد لأن الإثبات من أصحاب الزهري لم يذكروها. نعم ثبتت في سنن أبي داود فيحمل على الندب جمعًا بين الروايتين، وقد عدّ المنذري المستحاضات في عهده ﷺ خمسًا: حمنة بنت جحش، وأم حبيبة بنت جحش، وفاطمة بنت أبي حبيش، وسهلة بنت سهيل القرشية العامرية، وسودة بنت زمعة. ورواة هذا الحديث السبعة مدنيون، وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلم والترمذيْ والنسائي وأبو داود في الطهارة. ٢٧ - باب الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ (باب) حكم (المرأة) التي (تحيض بعد) طواف (الإفاضة) أي هل تمنع من طواف الوداع أم لا. ٣٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَىٍّ قَدْ حَاضَتْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ». فَقَالُوا بَلَى. قَالَ «فَاخْرُجِي». وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا) وللأصيلي حدّثنا (مالك) الإمام (عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المدني الأنصاري (عن أبيه) أبي بكر (عن عمرة بنت عبد الرحمن) المذكورة في الباب السابق (عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت لرسول الله ﷺ ¬): (يا رسول الله إن صفية بنت حييّ) بضم الحاء وفتح المثناة الأولى المخففة وتشديد الثانية ابن أخطب بالخاء المعجمة النضرية بالضاد المعجمة زوج النبي ﷺ ، المتوفاة ﵂ سنة ستين في خلافة معاوية أو ست ثلاثين في خلافة عليّ ﵄ (قد حاضت. قال رسول الله ﷺ : لعلها تحبسنا) عن الخروج من مكة إلى المدينة حتى تطهر وتطوف بالبيت. (ألم تكن طافت معكنّ) طواف الركن، ولغير أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: ألم تكن أفاضت أي طافت طواف الإفاضة وهو طواف الركن، (فقالوا) بالفاء، ولابن عساكر قالوا: أي الناس أو الحاضرون هناك وفيهم الرجال (بلى) طافت معنا الإفاضة. (قال) ﵊: (فاخرجي) لأن طواف الوداع ساقط بالحيض، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب أي: قال لصفية مخاطبًا لها أخرجي، أو خاطب عائشة لأنها المخبرة له أي أخرجي فإنها توافقك. أو قال لعائشة قولي لها أخرجي، وللأصيلي وابن عساكر كما في الفرع، وفي الفتح عن المستملي والكشميهني فأخرجن وهو مناسب للسياق. ورواة الحديث الستة مدنيون إلا شيخ المؤلف، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم والنسائي في الحج والنسائي في الطهارة أيضًا. ٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ. [الحديث ٣٢٩ - طرفاه في: ١٧٥٥]. وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وتشديد اللام المفتوحة البصري المتوفى سنة تسع عشرة ومائتين (قال: حدّثنا وهيب) بضم الواو تصغير وهب بن خالد (عن عبد الله بن طاوس) المتوفى سنة اثنتين وثلاثين ومائة (عن أبيه) طاوس بن كيسان اليماني الحميري من أبناء الفرس، المتوفى سنة بضع عشرة ومائة (عن ابن عباس) ﵄ (قال): (رخص للحائض) بضم الراء مبنيًّا للمفعول (أن تنفر) بفتح أوّله وكسر ثالثه وقد يضم أي رخص لها النفور وهو الرجوع من مكة إلى وطنها (إذا حاضت) من غير أن تطوف للوداع. ٣٣٠ - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ تَنْفِرُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لَهُنَّ. [الحديث ٣٣٠ - طرفه في: ١٧٦١]. قال طاوس: (وكان ابن عمر) بن الخطاب ﵄ (يقول في أوّل أمره إنها لا تنفر) أي لا ترجع حتى تطوف طواف الوداع، (ثم سمعته يقول: تنفر) أي

стр. 364

ولا تطوف رجع عن فتواه الأولى الصادرة عن اجتهاده حيث بلغه (إن رسول الله ﷺ رخص لهنّ) الرجوع من غير طواف وداع وإنما جمع، وإن كان المراد الحائض نظرًا إلى الجنس. ٢٨ - باب إِذَا رَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَوْ سَاعَةً، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتْ، الصَّلَاةُ أَعْظَم. هذا (باب) بالتنوين (إذا رأت المستحاضة الطهر) بأن انقطع دمها (قال ابن عباس) مما وصله ابن أبي شيبة والدارمي (تغتسل) أي المستحاضة (وتصلي) إذا رأت الطهر (ولو) كان الطهر (ساعة و) عن ابن عباس أيضًا مما وصله عبد الرزاق أن المستحاضة (يأتيها زوجها) ولأبي داود من وجه آخر صحيح عن عكرمة قال: كانت أم حبيبة تستحاض فكان زوجها يغشاها، وبه قال أكثر العلماء لأنه ليس من الأذى الذي يمنع الصوم والصلاة فوجب أن لا يمنع الوطء (إذا صلت) جملة ابتدائية لا تعلق لها سابقها أي المستحاضة إذا أرادت تغتسل وتصلي، أو التقدير إذا صلت تغتسل فعلى الأول يكون الجواب مقدّمًا وهو رأي كوفي، وعلى الثاني محذوفًا وهو رأي بصري (الصلاة أعظم) من الجماع فإذا جاز لها الصلاة فالجماع بطريق الأولى، وكأنه جواب عن مقدر كأنه قيل: كيف تأتي المستحاضة زوجها فقال: الصلاة الخ. ٣٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَنْ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي نسبة إلى جدّه لشهرته به (عن زهير) بن معاوية الجعفي الكوفي (قال: حدّثنا هشام) ولأبوي ذر والوقت هشام بن عروة (عن) أبيه (عروة عن عائشة) ﵂ (قالت): (قال النبي) وللأصيلي، قال رسول الله ﷺ : (إذا أقبلت الحيضة) بفتح الحاء (فدعي) أي اتركي (الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) هذا مختصر من حديث فاطمة بنت حبيش، ومثله بالمخروم وتقدمت مباحثه في باب الاستحاضة. ٢٩ - باب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا (باب الصلاة على النفساء) بضم النون وفتح الفاء مع المد مفرد وجمعه نفاس فليس قياسًا لا في المفرد ولا في الجمع، إذ ليس في الكلام فعلاء يجمع على فعال إلا نفساء وعشراء، والنفساء هي الحديثة العهد بالولادة (وسنّتها) أي سُنة الصلاة عليها. ٣٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَامَ وَسَطَهَا. [الحديث ٣٣٢ - طرفاه في: ١٣٣١]. وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن أبي سريج) بضم السين المهملة وآخره جيم الصباح بتشديد الموحدة الرازي، قيل: نسبه المؤلف إلى جدّه لشهرته به واسم أبيه عمر (قال: أخبرنا) ولابن عساكر حدّثنا (شبابة) بفتح الشين المعجمة وتخفيف الموحدتين ابن سوار بفتح المهملة وتشديد الواو وآخره راء الفزاري بفتح الفاء وتخفيف الزاي (قال: أخبرنا) وللأصيلي حدّثنا (شعبة) بن الحجاج (عن حسين المعلم) بكسر اللام المشدّدة المكتب (عن ابن بريدة) وللأصيلي عن عبد الله بن بريدة بضم الموحدة وفتح الراء ابن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين الأسلمي المروزي التابعي، (عن سمرة بن جندب) بضم الجيم وفتح الدال وضمها ابن هلال الفزاري، المتوفى سنة تسع وخمسين (أن امرأة) هي أُم كعب كما في مسلم (ماتت في) أي بسبب (بطن) أي ولادة بطن، فالمراد النفاس (فصلى عليها النبي ﷺ فقام وسطها) أي محاذيًا لوسطها بتحريك السين على أنه اسم وبتسكينها على أنه ظرف، وللكشميهني فقام عند وسطها. ورواة هذا الحديث ما بين رازي ومدني وبصري ومروزي، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلف في الجنائز وكذا مسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٣٥ - باب هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة وهو ساقط للأصيلي. ٣٣٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ - اسْمُهُ الْوَضَّاحُ - مِنْ كِتَابِهِ قَالَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لَا تُصَلِّي، وَهْيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ. [الحديث ٣٣٣ - أطرافه في: ٣٧٩، ٣٨١، ٥١٧، ٥١٨]. وبالسند قال: (حدّثنا الحسن) بفتح الحاء المهملة (ابن مدرك) بضم الميم من الإدراك السدوسي البصري (قال: حدّثنا يحيى بن حماد) الشيباني، المتوفى سنة خمس عشرة ومائتين (قال: أخبرنا أبو عوانة) بفتح العين ولغير أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر اسمه الوضاح (من كتابه) أشار بذلك إلى ما قاله أحمد إذا حدّث من كتابه فهو أثبت، وإذا حدّث من غيره فربما وهم (قال: أخبرنا) ولأبي ذر عن الكشميهني حدّثنا (سليمان) بن أبي سليمان (الشيباني عن عبد الله بن شدّاد) هو ابن الهاد، وأمه سلمى بنت أبي عميس أخت ميمونة لأمها (قال):

стр. 365

(سمعت خالتي ميمونة زوج النبي ﷺ أنها) أي ميمونة (كانت تكون) إحداهما زائدة كقوله: وجيران لنا كانوا كرام فلفظة كانوا زائدة وكرام بالجر صفة لجيران أو في كان ضمير القصة وهو اسمها حائضًا وخبرها حائضًا، أو تكون هنا بمعنى تصير ولابن عساكر أنها تكون (حائضًا لا تصلي وهي مفترشة) أي منبسطة على الأرض (بحذاء) بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة والد أي إزاء (مسجد) بكسر الجيم أي موضع سجود (رسول الله- ﷺ ¬) من بيته لا مسجده المعهود كذا قرروه، وتعقبه في المصابيح بأن المنقول عن سيبويه أنه إذا أريد موضع السجود قيل مسجد بالفتح فقط. (وهو) أي النبي ﷺ (يصلي على خمرته) بضم الخاء المعجمة وسكون الميم سجادة صغيرة من خوص سميت بذلك لسترها الوجه والكفّين من حرّ الأرض وبردها، ومنه الخمار (إذا سجد) ﵊ (أصابني بعض ثوب) هذا حكاية لفظها، وإلا فالأصل أن تقول أصابها. والجملة حالية، واستنبط منه عدم نجاسة الحائض والتواضع والمسكنة في الصلاة بخلاف صلاة المتكبرين على سجاجيد غالية الأثمان مختلفة الألوان. ورواة هذا الحديث الستة ما بين بصري وكوفي ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلف في الصلاة وكذا مسلم وأبو داود وابن ماجة ولله الحمد. بسم الله الوحمن الوحيم ٧ - كتاب التيمم ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لكريمة بتقديم البسملة على تاليها لحديث كل أمر ذي بال، ولأبي ذر تأخيرها بعد اللاحق كتأخيرها عن تراجم سور التنزيل، وسقطت من رواية الأصيلي (كتاب) بيان أحكام (التيمم) ولغير أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر باب التيمم وهو لغة القصد. يقال: تيممت فلانًا ويممته وتأممته وأممته أي قصدته. وشرعًا مسح الوجه واليدين فقط بالتراب، وإن كان الحدث أكبر وهو من خصوصيات هذه الأمة وهو رخصة. وقيل: عزيمة، وبه جزم الشيخ أبو حامد ونزل فرضه سنة خمس أو ست (قول الله تعالى) بلا واو مع الرفع مبتدأ خبره ما بعده، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي بدل قوله تعالى، وللأصيلي وابن عساكر وقول الله بواو العطف على كتاب التيمم أو باب التيمم أي وفي بيان قول الله تعالى: (فلم تجدوا ماء) قال البيضاوي: فلم تتمكنوا من استعماله إذ الممنوع منه كالمفقود ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] أي فتعمدوا شيئًا من وجه الأرض طاهرًا، ولذلك قالت الحنفية: لو ضرب المتيمم يده على حجر صند ومسح أجزأه وقال أصحابنا الشافعية: لا بدّ من أن يعلق باليد شيء من التراب لقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ أي من بعضه، وجعل من لابتداء الغاية تعسف إذ لا يفهم من نحو ذلك إلا التبعيض، ووقع في رواية النسفيّ وعبدوس والمستملي والحموي (فإن لم تجدوا) قال الحافظ أبو ذر عند القراءة عليه التنزيل فلم تجدوا، ورواية الكتاب فإن لم تجدوا. قال عياض في المشارق: وهذا هو الصواب، ووقع في رواية الأصيلي (فلم تجدوا ماء فتيمموا) الآية وفي رواية أبي ذر إلى (وأيديكم) لم يقل منه وزيادتها لكريمة والشبوي وهي تعين آية المائدة دون النساء. ١ - باب ٣٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ. [الحديث ٣٣٤ - أطرافه في: ٣٣٦، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٨٣، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٢٥٠، ٥٨٨٢، ٦٨٤٤، ٦٨٤٥]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن أبيه) القاسم (عن عائشة زوج النبي ﷺ ¬) ﵂ (قالت): (خرجنا مع رسول الله) ولابن عساكر النبي (¬ ﷺ في بعض أسفاره) وهو غزوة بني المصطلق كما قاله ابنا سعد وحبان، وجزم به ابن عبد البر في الاستذكار وكانت سنة ست كما ذكره المؤلف عن ابن إسحاق، أو خمس كما قاله ابن سعد، ورجحه أبو عبد الله الحاكم في الإكليل، وفي هذه الغزوة كانت قصة الإفك، وقال الداودي: وكانت قصة التيمم في غزوة الفتح ثم تردد في ذلك (حتى إذا كنا بالبيداء) بفتح الموحدة والمدّ أدنى إلى مكة من ذي الحليفة (أو بذات الجيش) بفتح الجيم وسكون المثناة التحتية آخره شين معجمة

стр. 366

موضعان بين مكة والمدينة والشك من أحد الرواة عن عائشة، وقيل: منها واستبعد والذي في غير هذا الحديث أنه كان بذات الجيش كحديث عمار بن ياسر ﵁ عند أبي داود والنسائي بإسناد جيد، قال: عرّس رسول الله ﷺ بذات الجيش ومعه عائشة زوجه فانقطع عقدها الحديث، ولم يشك بينه وبين البيداء (انقطع عقد لي) بكسر العين وسكون القاف أي قلادة لي كان ثمنها اثني عشر درهمًا، والإضافة في قولها ليس باعتبار حيازتها اللعقد واستيلائها لمنفعته لا أنه ملك لها بدليل ما في الباب اللاحق أنها استعارت من أسماء قلادة (فأقام رسول الله ﷺ على التماسه) أي لأجل طلب العقد (وأقام الناس معه وليسوا على ماء) ولغير أبي ذر: وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فالجملة الأخيرة وهي وليس معهم ماء ساقطة عند أبي ذر هنا فقط (فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق) ﵁ (فقالوا) له (ألا ترى إلى ما صنعت عائشة) بإثبات ألف الاستفهام الداخلة على لا وعند الحموي لا ترى بسقوطها (أقامت برسول الله ﷺ والناس) بالجر (وليسوا على ماء وليس معهم ماء) أسند الفعل إليها لأنه كان بسببها (فجاء أبو بكر) ﵁ (ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي) بالذال المعجمة (قد نام فقال: حبست رسول الله ﷺ و) حبست (الناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء فقالت عائشة) ﵂: (فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول) فقال: حبست الناس في قلادة وفي كل مرة تكونين عناء (وجعل يطعنني بيده في خاصرتي) بضم العين وقد تفتح أو الفتح للقول كالطعن في النسب والضم للرمح، وقيل: كلاهما بالضم ولم تقل عائشة فعاتبني أبي بل أنزلته منزلة الأجنبي لأن منزلة الأبوّة تقتضي الحنوّ وما وقع من العتاب بالقول والتأديب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر (فلا) وللأصيلي فما (يمنعني من التحرك إلاّ مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقال رسول الله ﷺ حين أصبح) دخل في الصباح، وعند المؤلف في فضل أبي بكر فقام حتى أصبح (على غير ماء) متعلق بقام وأصبح فتنازعا فيه (فأنزل الله آية التيمم) التي بالمائدة، ووقع عند الحميدي في الحديث وفيه فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُم﴾ الآية إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] ولى يقل آية الوضوء وإن كان مبدوءًا به في الآية لأن الطارئ في ذلك الوقت حكم التيمم والوضوء كان مقررًّا يدل عليه وليس معهم ماء (فتيمموا) بلفظ الماضي أي تيمم الناس لأجل الآية، أو هو أمر على ما هو لفظ القرآن ذكره بيانًا أو بدلاً عن آية التيمم أي أنزله الله فتيمموا (فقال) وفي رواية قال (أسيد بن الحضير) بضم الهمزة في الأوّل مصغر أسد وبضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة في الآخر الأوسي الأنصاري الأشهلي أحد النقباء ليلة العقبة الثانية، المتوفى بالمدينة سنة عشرين (ما هي) أي البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التيمم (بأول بركتكم يا آل أبي بكر) بل هي مسبوقة بغيرها من البركات، وفي رواية عمرو بن الحرث: لقد بارك الله للناس فيكم، وفي تفسير إسحاق البستي من طريق ابن أبي مليكة أن النبي ﷺ قال: "ما أعظم بركة قلادتك" (قالت) عائشة ﵂: (فبعثنا) أي أثرنا (البعير الذي كنت) راكبة (عليه) حالة السير مع أسيد بن حضير (فأصبنا) ولابن عساكر فوجدنا (العقد تحته). وللمؤلف من هذا الوجه في فضل عائشة فبعث ناس من أصحابه في طلبها أي القلادة. وفي الباب التالي لهذا الباب فبعث ﵊ رجلاً فوجدها، ولأبي داود فبعث أسيد بن حضير وناسًا معه وجمع بينها بأن أسيدًا كان رأس من بعث فلذلك سمي في بعض الروايات وكأنم لم يجدوا العقد أوّلاً، فلما رجعوا ونزلت آية التيمم وأرادوا الرحيل وأثاروا البعير وجده أسيد بن حضير. وقال النووي: يحتمل أن يكون فاعل وجدها النبي ﷺ . واستنبط من الحديث جواز تأديب ابنته ولو كانت مزوجة كبيرة وغير ذلك مما لا يخفى. ورواته

стр. 367

الخمسة مدنيون إلا الأوّل وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في النكاح والتفسير والمحاربين ومسلم والنسائي في الطهارة. ٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ح قَالَ وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ - هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ الْفَقِيرُ - قَالَ أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الَْغنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً». [الحديث ٣٣٥ - طرفاه في: ٤٣٨، ٣١٢٢]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وتخفيف النون زاد الأصيلي وهو العوفي بفتح العين المهملة والواو وكسر القاف الباهلي البصري (قال: حدّثنا) وفي رواية أخبرنا (هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة وسكون المثناة التحتية ابن بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة الواسطي، المتوفى سنة ثلاث وثمانين ومائة (ح) مهملة للتحويل كما مرّ. (قال) أي البخاري (وحدّثني) بالإفراد وللأصيلي، وحدّثنا (سعيد بن النضر) بفتح النون وسكون المعجمة أبو عثمان البغدادي (قال أخبرنا هشيم) الذكور (قال: أخبرنا سيار) بفتح السين المهملة وتشديد المثناة التحتية آخره راء ابن أبي سيار وردان الواسطي (قال: حدّثنا يزيد) من الزيادة في غير رواية أبي ذر والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر كما في الفرع هو ابن صهيب (الفقير) لأنه كان يشكو فقار ظهره الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة (قال: أخبرنا) وفي رواية حدّثنا (جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵁ (أن النبي ﷺ قال): (أعطيت) بضم الهمزة (خمسًا) أي خمس خضال، وعند مسلم من حديث أبي هريرة "فضلت على الأنبياء بست" ولعله اطلع أوّلاً على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي، وإلاّ فخصوصياته ﵊ كثيرة والتنصيص على عدد لا يدل على نفي ما عداه، وقد استوفيت من الخصائص جملة كافية مع مباحث وافية في كتابي الواهب اللدنية بالمنح المحمدية ولله الحمد. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أحمد أنه ﷺ قال ذلك عام غزوة تبوك (لم يعطهن أحد) من الأنبياء (قبلي) زاد في حديث ابن عباس لا أقولهن فخرًا وظاهر الحديث أن كل واحد من الخمس لم يكن لأحد قبله وهو كذلك (نصرت) بضم النون وكسر الصاد (بالرعب) بضم الراء الخوف يقذف في قلوب أعدائي (مسيرة شهر) جعل الغاية شهرًا لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه، (وجعلت لي الأرض) كلها (مسجدًا) بكسر الجيم موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون آخر أو هو مجاز عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه إذ المسجد حقيقة عرفية في المكان المبني للصلاة، فلما جازت الصلاة في الأرض كلها كانت كالمسجد في ذلك فأطلق عليها اسمه. فإن قلت: أيّ داع إلى العدول عن حمله على حقيقته اللغوية وهي موضع السجود؟ أجاب في المصابيح بأنه إن بني على قول سبيويه أنه إذا أريد به موضع السجود قيل مسجد بالفتح فقط فواضح، وإن جوز الكسر فيه فالظاهر أن الخصوصية هي كون الأرض محلاً لإيقاع الصلاة بجملتها لا لإيقاع السجود فقط، فإنه لم ينقل عن الأمم الماضية أنها كانت تخص السجود بموضع دون موضع اهـ. نعم نقل ذلك في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، وكان من قبل إنما يصلون في كنائسهم وهذا نص في موضع النزاع فتثبت الخصوصية، ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب، وفيه لم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه وعموم ذكر الأرض في حديث الباب مخصوص بما نهى الشارع عن الصلاة فيه، ففي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" ورواه أبو داود وقال الترمذي حديث فيه اضطراب، ولذا ضعّفه غيره، وفي حديث ابن عمر عند الترمذي وابن ماجة: نهى النبيب ﷺ أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله . قال الترمذي إسناده ليس بالقوي: وقد تكلم في زيد بن جبير فمن قبل حفظه. (و) جعلت ليس الأرض (طهورًا) بفتح الطاء على المشهور واحتج به مالك وأبو حنيفة على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض لكن في حديث حذيفة عند مسلم، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء وهو خاص فيحمل العام عليه فتختص الطهورية

стр. 368

بالتراب وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى عنه، ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية التيمم بالتراب فقال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره. وأجيب بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ التراب ورواه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث علي عند أحمد والبيهقي بإسناد حسن وجعل التراب لي طهورًا. (فأيما رجل) كائن (من أمتي أدركته الصلاة) جملة في موضع جر صفة لرجل وأي مبتدأ معنى الشرط زيد عليها ما لزيادة التعميم ورجل مضاف إليه، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقي: فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة فلم يجد ماء وجد الأرض طهورًاً ومسجدًا، وعند أحمد فعنده طهوره ومسجده، (فليصل) خبر المبتدأ أي بعد أن يتيمم أو حيث أدركته الصلاة، (وأحلت لي الغنائم) جمع غنيمة وهي ما حصل من الكفار بقهر، وللكشميهني كمسلم المغانم بميم قبل الغين (ولم تحل لأحد قبلي) لأن منهم من لم يؤذن له في الجهاد أصلاً، فلم يكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه لكن كانت الغنيمة حرامًا عليهم بل تجيء نار تحرقها. (وأعطيت الشفاعة) العظمى أو لخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان أو التي لأهل الصغائر والكبائر أو من ليس له عمل صالح إلا التوحيد، أو لرفع الدرجات في الجنة، أو في إدخال قوم الجنة بلا حساب، (وكان النبي) غيري (يبعث إلى قومه) المبعوث إليهم (خاصة وبعثت إلى الناس عامة) قومي وغيرهم من العرب والعجم والأسود والأحمر وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: وأرسلت إلى الخلق كافة وهي أصرح الروايات وأشملها وهي مؤيدة لمن ذهب إلى إرساله ﵊ إلى الملائكة كظاهر آية الفرقان ليكون للعالمين نذيرًا. ورواة هذا الحديث الستة ما بين بصري وواسطي وبغدادي وكوفي، وفيه التحديث والتحويل من سند إلى آخر، وأخرجه أيضًا في الصلاة ببعضه وكذا مسلم والنسائي في الطهارة والصلاة. ٢ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا (باب إذا لم يجد ماء) للطهارة (ولا ترابًا) للتيمم بأن كان في سفينة لا يصل إلى الماء أو مسجونًا بكنيف نجسة أرضه وجداره هل يصلي أم لا. ٣٣٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً، فَوَجَدَهَا فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا. وبالسند قال: (حدّثنا زكريا بن يحيى) هو ابن صالح اللؤلؤي البلخي، المتوفى سنة ثلاثين ومائتين كما مال إليه الغساني والكلاباذي، أو هو زكريا بن يحيى بن عمر الطائي الكوفي أبو السكين بضم المهملة وفتح الكاف المتوفى سنة إحدى وخمسين ومائتين (قال: حدّثنا عبد الله بن نمير) بضم النون الكوفي (قال: حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂. (أنها استعارت من) أختها (أسماء) ذات النطاقين (قلادة) بكسر القاف (فهلكت) أي ضاعت (فبعث رسول الله ﷺ رجلاً) هو أسيد بن حضير (فوجدها) أي القلادة ولا منافاة بينه وبين قوله في الرواية السابقة، فأصبنا العقد تحت البعير لأن لفظ أصبنا عام شامل لعائشة وللرجل، فإذا وجد الرجل بعد رجوعه صدق قوله أصبنا أو أن النبي -صى الله عليه وسلم- هو الذي وجده بعد ما بعث، (فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلّوا) أي بغير وضوء كما صرح به مسلم كالبخاري في سورة النساء في فضل عائشة، واستدل به على أن فاقد الطهورين يصلي على حاله وهو وجه المطابقة بين الترجمة والحديث، فكأن المصنف نزل فقد مشروعية التيمم منزلة فقد التراب بعد مشروعية التيمم فكأنه يقول: حكمهم في عدم المطهر الذي هو الماء خاصة كحكمنا في عدم المطهرين الماء والتراب، ففيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورين لأنهم صلوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم الشارع ﵊، وبهذا قال الشافعي وأحمد وجمهور المحدثين وأكثر أصحاب مالك، لكن اختلفوا في وجوب الإعادة فنص الشافعي في الجديد على وجوبها إذا وجد أحد الطهورين، وصححه أكثر أصحابه محتجين بأنه عذر نادر فلم تسقط الإعادة، وفي القديم أقوال: أحدها: يندب له الفعل، والثاني يحرم ويعيد وجوبًا عليهما، والثالث يجب ولا يعيد، حكاه في أصل الروضة، واختاره في شرح المهذب لأنه أذى وظيفة الوقت، وإنما يجب القضاء بأمر جديد ولم

стр. 369

يثبت فيه شيء وهو المشهور عن أحمد، وبه قال المزني وسحنون وابن المنذر ولحديث الباب، إذ لو كانت واجبة لبينها لهم النبي ﷺ ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وأجيب: بأن الإعادة ليست على الفور، ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وقال مالك وأبو حنيفة، تحرم الصلاة لكونه محدثًا وتجب الإعادة، لكن الذي شهره الشيخ خليل من المالكية سقوط الأداء في الوقت وسقوط قضائها بعد خروجه. (فشكوا ذلك) بفتح الكاف المخففة (إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله) (آية التيمم) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ آية المائدة إلى آخرها. (فقال أسيد بن حضير لعائشة) ﵂: (جزاك الله خيرًاً فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرًا) بكسر الكاف فيهما خطابًا للمؤنث، لكنه ضبب على ذلك في الفرع ونسبه لرواية أبي ذر وابن عساكر. ورواة هذا الحديث ما بين كوفي ومدني وفيه التحديث والعنعنة. ٣ - باب التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ، وَخَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الْمَرِيضِ عِنْدَهُ الْمَاءُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ يَتَيَمَّمُ وَأَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ، فَحَضَرَتِ الْعَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ. (باب) حكم (التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء) أصلاً أو كان موجودًا لكنه لا يقدر على تحصيله كما إذا وجده في بئر وليس عنده آلة الاستقاء أو حال بينه وبينه عدو أو سبع (وخاف) وللأصيلي فخاف (فوت) وقت (الصلاة) تيمم (وبه) أي بتيمم الحاضر الخائف فوت الوقت عند فقد الماء (قال عطاء) هو ابن أبي رباح فيما وصله ابن أبي شيبة في مصنفه، وبه قال الشافعي لكن مع القضاء لندرة فقد الماء في الحضر بخلاف السفر. وفي شرح الطحاوي من الحنفية: التيمم في الحضر لا يجوز إلا في ثلاث: إذا خاف فوت الجنازة إن توضأ، أو فوت صلاة العيد، أو خاف الجنب من البرد بسبب الاغتسال. (وقال الحسن) البصري مما وصله القاضي إسماعيل في الأحكام من وجه صحيح (في المريض عنده الماء ولا يجد من يناوله) الماء ويعينه على استعماله (يتيمم)، بل عند الشافعية يتيمم إذا خاف من الماء محذورًا وإن وجد معينًا ولا يجب عليه القضاء، وفي رواية تيمم بصيغة الماضي. (وأقبل ابن عمر) بن الخطاب ومعه نافع مما وصله في الموطأ (من أرضه بالجر) بضم الجيم والراء وقد تسكن ما تجرفه السيول وتأكله من الأرض، والمراد به هنا موضع قريب من المدينة على ثلاثة أميال منها إلى جهة الشام. وقال ابن إسحاق: على فرسخ كانوا يعسكرون به إذا أرادوا الغزو (فحضرت العصر) أي صلاتها (بمربد النعم) بفتح الميم كما في الفرع. ورواه السفاقسي والجمهور على كسرها، وهو الموافق للغة وبسكون الراء وفتح الموحدة آخره مهملة موضع تحبس فيه الإبل والغنم وهو هنا على ميلين من المدينة، (فصلى) أي بعد أن تيمم كما في رواية مالك وغيره، وللشافعي ثم صلى العصر (ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة) عن الأفق، (فلم يعد) أي الصلاة. وهذا يدل على أن ابن عمر كان يرى جواز التيمم للحاضر لأن السفر القصير في حكم الحضر، وظاهره أن ابن عمر لم يراعِ خروج الوقت لأنه دخل المدينة والشمس مرتفعة، لكن يحتمل أنه ظن أنه لا يصل إلا بعد الغروب أو تيمم لا عن حدث، وإنما أراد تجديد الوضوء فلم يجد الماء، فاقتصر على التيمم بدل الوضوء. وقد ذهب مالك إلى عدم وجوب الإعادة على من تيمم في الحضر، وأوجبها الشافعي لندور ذلك: وعن أبي يوسف وزفر: لا يصلي إلا أن يجد الماء ولو خرج الوقت. فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الترجمة وهذا؟ أجيب: من كونه تيمم في الحضر لأن السفر القصير في حكم الحضر كما مرّ وإن كان المؤلف لم يذكر التيمم، لكن قال العيني: الظاهر أن حذفه من الناسخ واستمر الأمر عليه. ٣٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ. وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير نسبة لجده لشهرته به المخزومي المصري (قال: حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل الكندي المصري، وفي رواية الإسماعيلي. حدّثني جعفر (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ولابن عساكر كما في الفرع عن حميد الأعرج وهو ابن قيس المكي أبو صفوان القاري من السادسة، توفي سنة ثلاثين أو بعدها (قال): (سمعت عميرًا) بضم العين مصغرًا ابن عبد الله الهاشمي (مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن

стр. 370

يسار) بفتح المثناة التحتية والسين المهملة (مولى ميمونة زوج النبي- ﷺ -حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث) بالمثلثة، وجهيم بضم الجيم وفتح الهاء بالتصغير عبد الله (ابن الصمة) بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم ابن عمرو بن عتيك الخزرجي (الأنصاري، فقال أبو جهيم) وللأصيلي وأبي الوقت أبو الجهيم ولابن عساكر فقال الأنصاري: (أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل) بالجيم والميم المفتوحتين موضع بقرب المدينة أي من جهة الموضع الذي يعرف ببئر الجمل، (فلقيه رجل) هو أبو الجهيم الراوي كما صرّح به الشافعي في روايته، (فسلم عليه فلم يردّ عليه النبي ﷺ ¬) بالحركات الثلاث في دال يرد الكسر لأنه الأصل والفتح لأنه أخف، وهو الذي في الفرع وغيره والضم لاتباع الراء (حتى أقبل على الجدار) الذي هناك وكان مباحًا فحتّه بعصًا ثم ضرب يده على الحائط (فمسح بوجهه ويديه) وللأصيلي وأبي الوقت: وبيديه بزيادة الموحدة، وللدارقطني وغيره ومسح وجهه وذراعيه، (ثم ردَّ عليه) أي على الرجل (السلام) زاد في رواية الطبراني في الأوسط، وقال: إنه لم يمنعني أن أردّ عليك إلا أني كنت على غير طهر أي أنه كره أن يذكر الله على غير طهارة. قال ابن الجوزي: لأن السلام من أسماء الله تعالى لكنه منسوخ بآية الوضوء، أو بحديث عائشة كان ﵊ يذكر الله على كل أحيانه، قال النووي: والحديث محمول على أنه ﵇ كان عادمًا للماء حال التيمم لامتناع التيمم مع القدرة سواء كان لفرض أو نفل. قال في الفتح: وهو مقتضى صنيع البخاري، لكن تعقب استدلاله به على جواز التيمم في الحضر بأنه ورد على سبب وهو إرادة ذكر الله فلم يرد به استباحة الصلاة. وأجيب: بأنه لما تيمم في الحضر لردّ السلام مع جوازه بدون الطهارة، فمن خشي فوات الصلاة في الحضر جاز له التيمم بطريق الأولى، واستدل به على جواز التيمم على الحجر لأن حيطان المدينة مبنية بحجارة سود. وأجيب: بأن الغالب وجود الغبار على الجدار، ولا سيما وقد ثبت أنه ﵊ حتّ الجدار بالعصا ثم تيمم كما في رواية الشافعي، فيحمل المطلق على المقيد. ورواة هذا الحديث السبعة ما بين مدنيين ومصريين، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الطهارة. ٤ - باب الْمُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا هذا (باب) بالتنوين (المتيمم هل ينفخ فيهما) أي في يديه بعدما يضرب بهما الصعيد وللأربعة باب هل ينفخ فيهما. ٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا». فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. [الحديث ٣٣٨ - أطرافه في: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧]. وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا الحكم) بفتح الحاء والكاف ابن عتيبة بضم العين وفتح المثناة الفوقية وسكون التحتية وفتح الموحدة (عن ذر) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء ابن عبد الله الهمداني بسكون الميم (عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالزاي المفتوحة مقصورًا وسعيد بكسر العين (عن أبيه) عبد الرحمن الصحابي الخزاعي الكوفي (قال): (جاء رجل) وفي رواية الطبراني من أهل البادية (إلى عمر بن الخطاب) ﵁ (فقال: إني أجنبت) يفتح الهمزة أي صرت جنبًا (فلم أصب الماء) بضم الهمزة من الإصابة أي لم أجده (فقال عمار بن ياسر) العنسي بالنون الساكنة وكان من السابقين الأوّلين وهو وأبوه شهد المشاهد كلها. وقال ﵊: "إن عمارًا ملئ إيمانًا" أخرجه الترمذي، واستأذن عليه فقال: "مرحبًا بالطيب المطيب" وقال: "من عادى عمارًا عاداه الله ومن أبغض عمارًا أبغضه الله" له في البخاري أربعة أحاديث منها قوله هنا (لعمر بن الخطاب) ﵁ يا أمير المؤمنين (أما تذكر أنا) وللأصيلي إذا (كنا في سفر) ولمسلم في سرية وزاد فأجنبنا (أنا وأنت) تفسير لضمير الجمع في كنا وهمزة أم للاستفهام وكلمة ما للنفي وموضع أنا كنا نصب مفعول تذكر، (فاما أنت فلم تصل) أي لأنه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت أو لاعتقاد أن التيمم عن الحدث الأصغر لا الأكبر وعمار قاسه عليه. (وأما أنا فتمعكت) أي تمرّغت في التراب كأنه لما رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء رأى أن التيمم

стр. 371

عن الغسل يقع على هيئة الغسل، (فصليت فذكرت ذلك للنبي ﷺ ¬) ولغير أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر فذكرته للنبي بإسقاط لفظ ذلك (فقال النبي- ﷺ ¬) وللأصيلي فقال ﷺ : (إنما كان يكفيك هكذا) بالكاف بعد الهاء وللحموي والمستملي هذا (فضرب النبي ﷺ بكفّيه) ولأبي ذر فضرب بكفّيه (الأرض) وللأصيلي في الأرض (ونفخ فيهما) نفخًا تخفيفًا للتراب، وهو محمول على أنه كان كثيرًا، (ثم مسح بهما وجهه وكفّيه) إلى الرسغين. وهذا مذهب أحمد فلا يجب عنده المسح إلى المرفقين ولا الضربة الثانية للكفين، واستشكل بأن ما يمسح به وجهه يصير مستعملاً، فكيف يمسح به كفّيه؟ وأجيب بأنه يمكن أن يمسح الوجه ببعض والكفّين بباقيهما، والمشهور عند المالكية وجوب ضربتين والمسح إلى المرفقين، واختلف عندهم إذا قتصر على الرسغين وصلى، فالمشهور أنه يعيد في الوقت، ومذهب أبي حنيفة والشافعي، وصححه النووي ﵀ وجوب ضربة لمسح وجهه وأخرى ليديه والمسح إلى المرفقين قياسًا على الوضوء لحديث أبي داود أنه ﷺ تيمم بضربتين مسح بإحداهما وجهه، وروى الحاكم والدارقطني، عن أبي عمر، وعن النبي ﷺ قال: "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" وإلى هنا بمعنى مع والقياس على الوضوء دليل على أن المراد بقوله في حديث عمار وكفيه أي إلى المرفقين، وصحح الرافعي الاكتفاء بضربة لحديث الباب، والأوّل أصح مذهبًا، والثاني أصح دليلاً، وأما حديث الدارقطني والحاكم "التيمم ضربتان" الخ فالصواب وقفه على ابن عمر، وأما حديث أبي داود فليس بالقوي، وقضية حديث عمار الاكتفاء بمسح الوجه والكفين وهو قول قديم. قال في المجموع: وهو وإن كان مرجوحًا عند الأصحاب فهو القوي في الدليل كما قال الخطابي: الاقتصار على الكفين أصح في الرواية، ووجوب الذراعين أشبه بالأصول وأصح في القياس، ولو كان التراب ناعمًا كفى وضع اليد عليه من غير ضرب. وفي الحديث: إن مسح الوجه واليدين بدل في الجنابة عن كل البدن، وإنما لم يأمره بالإعادة لأنه عمل أكثر مما كان يجب عليه في التيمم. ورواة هذا الحديث الثمانية ما بين خراساني وكوفي، وفيه التحديث والعنعنة والقول وثلاثة من الصحابة، وأخرجه المؤلف ﵀ في الطهارة وكذا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٥ - باب التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ هذا (باب) بالتنوين (التيمم للوجه والكفّين) التيمم للوجه مبتدأ والكفين عطف على الوجه والخبر محذوف قدّره الحافظ ابن حجر بقوله هو الواجب المجزئ والعيني: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفّين. قال: ثم نقدّر بعد ذلك لفظ جوازًا يعني من حيث الجواز أو نقدّر وجوبًا يعني من حيث الوجوب. قال: والتقييد بالوجوب لا يفهم منه لأنه أعم من ذلك اهـ. وقد عقد المؤلف ﵀ للضربة الواحدة بابًا يأتي إن شاء الله تعالى فليتأمل مع قول العيني ضربة واحدة. ٣٣٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَمَّارٌ بِهَذَا، وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وَقَالَ النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ ذَرًّا يَقُولُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ الْحَكَمُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَمَّارٌ. وبالسند قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن منهال بكسر الميم (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر حدّثنا (شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بن عتيبة الفقيه الكوفي وللأصيلي وكريمة أخبرني بالإفراد الحكم (عن ذر) بفتح الذال المعجمة ابن عبد الله الهمداني (عن سعيد بن عبد الرحمن) وللحموي والمستملي عن ابن عبد الرحمن (بن أبزى) بفتح الهمزة والزاي المعجمة بينهما موحدة ساكنة (عن أبيه) عبد الرحمن (قال عمار بهذا) إشارة إلى سياق المتن السابق من رواية آدم عن شعبة لكن ليس في رواية حجاج هذه قصة عمر قال حجاج (وضرب شعبة) بن الحجاج (بيديه الأرض ثم أدناهما) أي قرّبهما (من فيه) كناية عن النفخ وفيه إشارة إلى أنه كان نفخًا خفيفًا (ثم مسح وجهه) ولأبوي ذر والوقت ثم مسح بهما وجهه (وكفيه) أي إلى الرسغين أو إلى المرفقين. (وقال النضر) بالنون والضاد المعجمة ابن شميل مما وصله مسلم (أخبرنا شعبة) هو ابن الحجاج المذكور (عن الحكم) بن عتيبة (قال): (سمعت ذرًّا يقول) في السابقة عن ذر فصرح في هذه

стр. 372

بالسماع (عن ابن عبد الرحمن بن أبزى. قال الحكم) بن عتيبة المذكور: (وقد سمعته من ابن عبد الرحمن عن أبيه) عبد الرحمن، ولابن عساكر من ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، وأفادت هذه أن الحكم سمعه من شيخ شيخه سعيد بن عبد الرحمن، قال في الفتح: والظاهر أنه سمعه من ذر عن سعيد ثم لقي سعيدًا فأخذه عنه، وكأنه سماعه له من ذر كان أتقن، ولهذا أكثر ما يجيء في الروايات بإثباته اهـ. (قال) عبد الرحمن بن أبزى (قال عمار) أي ابن ياسر زاد في غير الفرع "الصعيد الطيب" أي التراب الطاهر "وضوء المسلم يكفيه" أي يجزيه "من الماء" عند عدمه. قال الشافعي: الصعيد لا يقع إلا على تراب له غبار، وفي معناه الرمل إذا ارتفع له غبار فيكفي التيمم به إذا لم يلصق بالعضو بخلاف ما لا غبار له أو له غبار لكنه يلصق بالعضو. ٣٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا، وَقَالَ تَفَلَ فِيهِمَا. وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي بمعجمة ثم مهملة البصري قاضي مكة (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بن عتيبة (عن ذر) ولأبي ذر والأصيلي سمعت ذرًّا (عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه). (أنه شهد) أي حضر (عمر) بن الخطاب ﵁. (وقال له عمار) هو ابن ياسر (كنا في سرية فأجنبنا) أي صرنا جنبًا الحديث السابق. (وقال) مكان نفخ فيهما (تفل فيهما) أي في يديه، قال الجوهري: والتفل شبيه بالبزاق وهو أقل منه أوله البزاق ثم التفل ثم النفث ثم النفخ. ٣٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ تَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ «يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة (قال: أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن عبد الرحمن) ولابن عساكر زيادة ابن أبزى، ولأبي ذر عن الكشميهني والأصيلي وأبي الوقت عن أبيه بدل قوله عن عبد الرحمن (قال): (قال عمار لعمر) ﵄ (تمعكت) أي تمرّغت (فأتيت النبي ﷺ ¬) فذكرت ذلك له، (فقال: يكفيك) أي لكل فريضة واحدة تيممت لها وما شئت من النوافل أو في كل الصلوات فرضها ونفلها (الوجه) بالرفع على الفاعلية (والكفّان) عطف عليه كذا في رواية الأصيلي وابن عساكر، ولأبي ذر وكريمة كما في فتح الباري الوجه والكفّين بالنصب فيهما أي تمسح الوجه والكفّين، ولغيرهم الوجه بالرفع على الفاعلية والكفين بالنصب على أنه مفعول معه أي يكفيك الوجه مع الكفين قيل: وروي الوجه والكفّين بالجر فيهما، ووجهه ابن مالك في التوضيح بوجهين أحدهما: أن الأصل يكفيك مسح الوجه فحذف المضاف وبقي المجرور به على ما كان عليه. والثاني أن تكون الكاف من يكفيك حرفًا زائدًا كما في (ليس كمثله شيء) وتعقبه الدماميني فقال يدفعه كتابة الكاف متصلة بالفعل اهـ. أي بقوله: يكفي والظاهر ثبوت الجر رواية فإنه ثابت مع بفية الأوجه السابقة في نسخة الفرع المقابلة على نسخة الحافظ شرف اليونيني الذي عوّل الناس عليه في ضبط روايات البخاري، حتى أن سيبويه عصره الجمال ابن مالك حضره عند سماع البخاري عليه، فكان إذا مرّ من الألفاظ ما يتراءى مخالفته لقوانين اللسان العربي سأله عنه فإن أجاب أنه كذلك أخذ ابن مالك في توجيهه، ومن ثم جمع كتابه التوضيح، ومعنى الحديث يكفيك مسح الوجه والكفّين في التيمم، ومفهومه أن ما زاد على الكفين ليس بفرض، وإليه ذهب الإمام أحمد كما مرّ، وحكي عن الشافعي في القديم وهو القوي من جهة الدليل، وأما القياس على الوضوء فجوابه أنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد الاعتبار. وأجيب إن حديث عمار هذا لا يصلح الاحتجاج به لاضطرابه حيث روى والكفّين، وفي رواية أخرى والكوعين، وفي أخرى لأبي داود ويديه إلى نصف الذراع، وفي أخرى له والذراعين إلى نصف الساعد ولم يبلغ المرفقين، وفي أخرى له إلى المرفقين، وفي أخرى له أيضًا والنسائي وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط وهذه الزيادة على تسليم صحتها لو ثبت بالأمر دلّت على النسخ ولزم قبولها، لكن إنما وردت بالفعل فتحمل على الأكمل، وقد قال الحافظ ابن حجر: إن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه، ووقفه والراجح

стр. 373

عدم رفعه، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال، وأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به، ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفّين كون عمار كان يفتي به بعد النبي ﷺ ، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابي المجتهد اهـ. وتعقب في قوله: لم يصح منها سوى حديث أبي الجهيم الخ بحديث جابر عند الدارقطني مرفوعًا "التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين" وأخرجه البيهقي أيضًا والحاكم وقال: هذا إسناد صحيح، وقال الذهبي أيضًا: إسناده صحيح ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته. ٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ شَهِدْتُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي البصري (عن شعبة) بن الحجاج (عن الحكم عن ذر عن ابن عبد الرحمن) ولأبي ذر عن الكشميهني زيادة ابن أبزى (عن عبد الرحمن قال): (شهدت) أي حضرت (عمر) بن الخطاب ﵁ (فقال) بفاء العطف ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر قال (له عمار وساق الحديث) الذكور قريبًا قال للعهد. ٣٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَمَّارٌ فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة (قال: حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال): (قال عمار فضرب النبي ﷺ بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه) وقد أخرج المؤلف هذا الحديث في هذا الباب من رواية ستة أنفس، وبينه وبين شعبة بن الحجاج في هذه الطريق الأخيرة اثنان، وفي الطرق الخمسة السابقة واحد ولم يسقه تامًّا من رواية واحد منهم، ولم يذكر جواب عمر ﵁ وليس ذلك من المؤلف، فقد أخرجه البيهقي من طريق آدم كذلك. نعم ذكر جوابه مسلم من طريق يحيى بن سعيد والنسائي من طريق حجاج بن محمد كلاهما عن شعبة ولفظهما فقال: لا تصل. زاد السراج: حتى تجد الماء، وهذا مذهب مشهور عن عمر وافقه عليه ابن مسعود، وجرت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن مسعود تأتي إن شاء الله تعالى في باب التيمم ضربة. ٦ - باب الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ وَقَالَ الْحَسَنُ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيَمُّمِ بِهَا. هذا (باب) بالتنوين (الصعيد الطيب) مبتدأ وصفته والخبر قوله (وضوء المسلم يكفيه عن الماء) أي يغنيه عند عدمه حقيقة أو حكمًا، وقد روى أصحاب السنن نحوه مع زيادة وإن لم يجد الماء عشر سنين، وصححه الترمذي وابن حبان والدارقطني. (وقال الحسن) البصري مما هو موصول عند عبد الرزاق بنحوه (يجزئه) بضم المثناة التحتية مهموزًا أي يكفيه (التيمم ما لم يحدث) أي مدّة عدم الحدث، وهو عند سعيد بن منصور بلفظ: التيمم بمنزلة الوضوء إذا تيممت فأنت على وضوء حتى تحدث، وفي مصنف حماد بن سلمة عن يونس عن عبيد عن الحسن قال: يصلي الصلوات كلها بتيمم واحد مثل الوضوء ما لم يحدث وهو مذهب الحنفية لترتبه على الوضوء فله حكمه. وقال الأئمة الثلاثة: لا يصلي إلا فرضًا واحدًا لأنه طهارة ضرورة بخلاف الوضوء، وقد صح فيما قاله البيهقي عن ابن عمر إيجاب التيمم لكل فريضة. قال: ولا نعلم له مخالفًا من الصحابة. نعم روى ابن المنذر عن ابن عباس أنه لا يجب والنذر كالفرض، والأصح صحة جنائز مع فرض لشبه صلاة الجنازة بالنفل في جواز الترك وتعينها عند انفراد المكلف عارض، وقد أبيح عند الجمهور بالتيمم الواحد النوافل مع الفريضة إلا أن مالكًا اشترط تقدم الفريضة. (وأُمّ ابن عباس) ﵄ (وهو متيمم) من كان متوضئًا وهذا وصله البيهقي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والجمهور خلافًا للأوزاعي. قال: لضعف طهارته. نعم لا تصح ممن تلزمه الإعادة كمقيم تيمم لعدم الماء عند الشافعية. (وقال يحيى بن سعيد) الأنصاري: (لا بأس بالصلاة على السبخة) بالمهملة والموحدة والخاء المعجمة المفتوحات الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت (و) كذا (التيمم بها) احتج ابن خزيمة لذلك بحديث عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: "رأيت دار هجرتكم سبخة ذات نخل" يعني المدينة

стр. 374

قال: وقد سمى النبي ﷺ المدينة طيبة، فدل على أن السبخة داخلة في الطيب ولم يخالف في ذلك إلا إسحاق بن راهويه. ٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلاَّ حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ - يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ - ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ، وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلاً جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ لِصَوْتِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ قَالَ «لَا ضَيْرَ - أَوْ لَا يَضِيرُ - ارْتَحِلُوا». فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ، فَدَعَا بِالْوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ «مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ». قَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ فَنَزَلَ، فَدَعَا فُلَانًا - كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ - وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ «اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ». فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ - أَوْ سَطِيحَتَيْنِ - مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ قَالَتْ عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَنَفَرُنَا خُلُوفًا. قَالَا لَهَا انْطَلِقِي إِذًا. قَالَتْ إِلَى أَيْنَ قَالَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَتِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ قَالَا هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي. فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ قَالَ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ - أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ - وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا. فَسَقَى مَنْ شَاءَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ قَالَ «اذْهَبْ، فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ». وَهْيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «اجْمَعُوا لَهَا». فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا قَالَ لَهَا «تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا». فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ قَالُوا مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ قَالَتِ الْعَجَبُ، لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ. وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ - تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ - أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ. قال أبو عبد لله: صبأ خرج من دين إلى غيره. وقال أبو العالية: الصابئين - وفي نسخة الصابئون -فرقة من أهل الكتاب يقروون الزبور. [الحديث ٣٤٤ - طرفاه في: ٣٤٨، ٣٥٧١]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) ولأبي ذر كما في الفتح مسدد بن مسرهد (قال: حدّثني) بالإفراد وللأصيلي وابن عساكر حدّثنا (يحيى بن سعيد) القطان (قال: حدّثنا عوف) بالفاء هو الأعرابي (قال: حدّثنا أبو رجاء) بفتح الراء وتخفيف الجيم وبالمد عمران بن ملحان بكسر الميم وسكون اللام والحاء المهملة العطاردي، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وأسلم بعد الفتح، وتوفي سنة بضع ومائة (عن عمران) بن حصين الخزاعي قاضي البصرة، قال أبو عمر: كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم يقول عنه أهل البصرة أنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى اكتوى، وتوفي سنة اثنتين وخمسين، وله في البخاري اثنا عشر حديثًا (قال): (كنا في سفر) أي عند رجوعهم من خيبر كما في مسلم أو في الحديبية كما رواه أبو داود أو في طريق مكة كما في الموطأ من حديث زيد بن أسلم مرسلاً أو بطريق تبوك كما رواه عبد الرزاق مرسلاً (مع النبي ﷺ وإنا أسرينا). قال الجوهري: تقول سريت وأسريت بمعنى إذا سرت ليلاً (حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعة) أي نمنا نومة (ولا وقعة أحلى عند المسافر منها) أي من الوقعة في آخر الليل، وكلمة لا النفي الجن ووقعة اسمها وأحلى صفة للوقعة وخبر لا محذوف أو أحلى الخبر (فما) ولابن عساكر وما (أيقظنا) من نومنا (إلا حرّ الشمس وكان) ولأبي ذر والأصيلي فكان (أوّل من استيقظ فلان) اسم كان وأوّل بالنصب خبرها مقدمًا، أو فلان بدل من أوّل على أنه اسم كان التامة بمعنى وجد المستغنية عن الخبر، وقول الزركشي: ومن نكرة موصوفة فيكون أوّل أيضًا نكرة لإضافته إلى النكرة أي أوّل رجل استيقظ تعقبه البدر الدماميني بأنه لا يتعين لجواز كونها موصولة أي: وكان أوّل الذين استيقظوا وأعاد الضمير بالإفراد رعاية للفظ من اهـ. وفلان المستيقظ أوّلاً هو أبو بكر الصديق (ثم فلان) يحتمل أن يكون عمران الراوي لأن ظاهر سياقه أنه شاهد ذلك ولا يمكنه مشاهدته إلا بعد استيقاظه، قال في المصابيح: والأولى أن يجعل هذا من عطف الجمل أي ثم استيقظ فلان إذ ترتبهم في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأوّلية، ولا يمتنع أن يكون من عطف المفردات ويكون الاجتماع في الأوّلية باعتبار البعض لا الكل أي أن جماعة استيقظوا على الترتيب وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكن هذا لا يتأق على رأي الزركشي لأنه قال: أي أوّل رجل فإذا جعل هذا من قبيل عطف المفردات لازم الإخبار عن جماعة بأنهم أول رجل استيقظ وهو باطل، (ثم فلان) يحتمل أيضًا أن يكون من شارك عمران في رؤية هذه القصة المعينة وهو ذو مخبر كما في الطبراني (يسميهم) أي المستيقظين (أبو رجاء) العطاردي (فنسي عوف) أي الأعرابي (ثم عمر بن الخطاب) ﵁ (الرابع) بالرفع صفة لعمر المرفوع عطفًا على ثم فلان أو بالنصب خبر كان. أي ثم كان عمر بن الخطاب الرابع من المستيقظين وأيقظ الناس بعضهم بعضًا، (وكان النبي ﷺ إذا نام لم يوقظ) بضم المثناة التحتية وفتح القاف مبنيًّا للمفعول مع الإفراد، وللأربعة لم نوقظه بنون المتكلم وكسر القاف، والضمير المنصوب للنبي ﷺ (حتى يكون هو يستيقظ لأنّا لا ندري ما يحدث له) بفتح المثناة وضم الدال من الحدوث (في نومه) أي من الوحي وكانوا يخافون انقطاعه بالإيقاظ، (فلما استيقظ عمر) ﵁ (ورأى ما أصاب الناس) من نومهم عن صلاة الصبح حتى خرج وقتها وهم على غير ماء، وجواب لما محذوف تقدير فلما استيقظ كبّر، (وكان) أيما عمر (رجلاً جليدًا) بفتح الجيم وكسر اللام من الجلادة وهي الصلابة (فكبّر ورفع صوته بالتكبير فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته) بالموحدة أي بسبب صوته، وللأربعة لصوته باللام أي لأجل صوته (النبي -صَلَّى اللَّهُ

стр. 375

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) وإنما استعمل التكبير لسلوك طريق الأدب والجمع بين المصلحتين: إحداهما الذكر والأخرى الاستيقاظ، وخصّ التكبير لأنه الأصل في الدعاء إلى الصلاة، واستشكل هذا مع قوله ﵊ "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي".- وأجيب: بأن القلب إنما يدرك الحسيات اتعلقة به كالألم ونحوه، ولا يدرك ما يتعلق بالعين لأنها نائمة والقلب يقظان. (فلما استيقظ) ﵊ (شكوا إليه الذي أصابهم) مما ذكر (قال) ولابن عساكر فقال بالفاء تأنيسًا لقلوبهم لما عرض لها من الأسف على خروج الصلاة عن وقتها (لا ضير أو لا يضير) أي لا ضرر يقال: ضاره يضوره ويضيره والشك من عوف كما صرّح به البيهقي (ارتحلوا) بصيغة أمر للجماعة المخاطبين من الصحابة. (فارتحل) أي النبي ﷺ ومن معه ولأبي ذر وابن عساكر فارتحلوا أي عقب أمره ﵊ بذلك، وكان السبب في الارتحال من ذلك الوضع حضور الشيطان فيه كما في مسلم (فسار) ﵊ ومن معه (غير بعيد: ثم نزل) بمن معه (فدعا بالوضوء) بفتح الواو (فتوضأ) ﷺ وأصحابه (ونودي بالصلاة) أي أذن بها كما عند مسلم والمؤلف في آخر المواقيت، (فصلى بالناس فلما انفتل) أي انصرف (من صلاته إذا هو برجل) لم يسم أو هو خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري أخو رفاعة لكن وهموا قائله (معتزل) أي منفرد عن الناس (لم يصل مع القوم. قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال) يا رسول الله (أصابتني جنابة ولا ماء) أي موجود بالكلية وماء بفتح الهمزة، وقول ابن حجر أي معي. تعقبه العيني بأن كلمة لا لنفي جنس الماء وعدم الماء معه لا يستلزم عدمه عند غيره، فحينئذ لا يستقيم نفي جنس الماء، ويحتمل أن تكون لا هنا بمعنى ليس فيرتفع الماء حينئذ، ويكون المعنى ليس ماء عندي، وقال ابن دقيق العين: حذف الخبر في قوله: ولا ماء أي موجود عندي، وفي حذف الخبر بسط لعذره لما فيه من عموم النفي كأنه نفى وجود الماء بالكلية بحيث لو وجد بسبب أو سعي أو غير ذلك لحصله فإذا نفى وجوده مطلقًا كان أبلغ في النفي وأعذر له. (قال) ﵊ (عليك بالصعيد) المذكور في الآية الكريمة (فتيمموا صعيدًا طيبًا) وفي رواية سلم بن زرير عند مسلم فأمره أن يتيمم بالصعيد (فإنه يكفيك) لإباحة صلاة الفرض الواحد مع النوافل أو للصلاة مطلقًا ما لم تحدث، (ثم سار النبي ﷺ فاشتكى إليه) وإلى الله صلاته وسلامه عليه (الناس من العطش فنزل) ﵊ (فدعا فلانًا) هو عمران بن حصين كما دلّ عليه رواية سلم بن زرير عند مسلم (كان يسمّيه أبو رجاء) العطاردي (نسيه) ولابن عساكر ونسيه (عوف) الأعراي (ودعا عليًّا) هو ابن أبي طالب (فقال) ﵊ لهما: (اذهبا فابتغيا) بالمثناة الفوقية بعد الموحدة من الابتغاء، وللأصيلي فابغيا وهو من الثلاثي وهمزته همزة وصل أي فاطلبا (الماء فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين) تثنية مزادة بفتح الميم والزاي الرواية أو القربة الكبيرة، وسميت بذلك لأنه يزاد فيها جلدًا آخر من غيرها (أو) بين (سطيحتين) تثنية سطيحة بفتح السين وكسر الطاء المهملتين بمعنى المزادة أو وعاء من جلدين سطح أحدهما على الآخر، والشك من الراوي وهو عوف (من ماء على بعير لها) سقط من ماء عند ابن عساكر (فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس) بالبناء على الكسر عند الحجازيين ويعرب غير منصرف للعلمية والعدل عند تيمم فتفتح سينه إذا كان ظرفًا، ويحتمل أن يكون عهدي مبتدأ وبالماء متعلق به وأمس ظرف له. وقوله: (هذه الساعة) بدل من أمس بدل بعض من كل أي: مثل هذه الساعة، والخبر محذوف أي حاصل ونحوه أو هذه الساعة ظرف، قال ابن مالك: أصله في مثل هذه الساعة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وجوّز أبو البقاء أن يكون أمس خبر عهدي لأن المصدر يخبر عنه بظرف الزمان، وعلى هذا تضم سين أمس على لغة تيمم. وجوّز في المصابيح أن يكون بالماء خبر عهدي وأمس ظرف لعامل هذا الخبر أي عهدي متلبس بالماء في أمس، ولم

стр. 376

يجعل الظرف متعلقًا بعهدي كما مرّ قال: لأني جعلت بالماء خبرًا، فلو علّق الظرف بالعهد مع كونه مصدرًا لزم الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته وهذا باطل اهـ. (ونفرنا) أي رجالنا (خلوفَا) بضم الخاء المعجمة واللام المخففة والنصب كما في رواية المستملي والحموي على الحال السادّة مسدّ الخبر قاله الزركشي والبدر الدماميني وابن حجر أي متروكون خلوفَا مثل (ونحن عصبة) [يوسف: ٨] بالنمب، وتعقبه العيني فقال: ما الخبر هنا حتى يسدّ الحال مسدّه. قال: والأوجه ما قاله الكرماني إنه منصوب بكان المقدّرة، وللأصيلي خلوف بالرفع خبر المبتدأ أي غيب، أو خرج رجالهم للاستقاء وخلفوا النساء أو غابوا وخلفوهن. (قالا لها: انطلقي إذا قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ ، قالت: الذي يقال له الصابئ) بالهمزة من صبأ أي خرج من دين إلى آخر، ويروى بتسهيله ياء من صبا يصبي أي المائل. (قالا: هو الذي تعنين) أي تريدين وفيه تخلص حسن لأنهما لو قالا: لا لفات المقصود، ولو قالا: نعم لكان فيه تقرير لكونه ﵊ صائبًا، فتخلصا بهذا اللفظ وأشار إلى ذاته الشريفة لا إلى تسميتها (فانطلقي) معنا إليه (فجاءا) أي عليّ وعمران (بها إلى النبي) ولأبوي ذر والوقت إلى رسول الله (¬ ﷺ وحدّثاه الحديث) الذي كان بينهما وبينها، (قال) عمران بن الحصين (فاستنزلوها عن بعيرها) أي طلبوا منها النزول عنه وجمع باعتبار غليّ وعمران ومن تبعهما ممن يعينهما، (ودعا النبي ﷺ ¬) بعد أن أحضروها بين يديه (بإناء ففرّغ فيه) ﵊ من التفريغ، وللكشميهني فأفرغ من الإفراغ (من أفواه المزادتين) جمع في موضع التثنية على حد (فقد صغت قلوبكما) [التحريم: ٤] (أو السطيحتين) أي أفرغ من أفواههما والشك من الراوي (وأوكأ) أي ربط (أفواههما وأطلق) أي فتح (العزالي) بفتح المهلمة والزاي وكسر اللام، ويجوز فتحها وفتح الياء جمع عزلاء بإسكان الزاي والمدّ أي فم المزادتين الأسفل وهي عروتها التي يخرج منها الماء بسعة، ولكل مزادة عزلاً وإن من أسفلها، (ونودي في الناس اسقوا) بهمزة وصل من سقى فتكسر أو قطع من أسقى فتفتح أي اسقوا غيرهم كالدواب، (واستقوا فسقى من سقى) ولابن عساكر فسقى من شاء، (واستقى من شاء) فرق بينه وبين سقى لأنه لنفسه وسقى لغيره من ماشية ونحوه، واستقى قيل بمعنى سقى، وقيل إنما يقال سقيته لنفسه واستقيته لماشيته، (وكان آخر ذلك) بنصب آخر خبر كان مقدمًا والتالي اسمها وهو قوله (أن) مصدرية (أعطى الذي أصابته الجنابة) وكان معتزلاً (إناء من ماء) ويجوز رفع آخر على أنّ أن أعطى الخبر، قال أبو البقاء: والأوّل أقوى لأن أن والفعل أعرف من انفعل المفرد، وقد قرئ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا بالوجهين (قال) أي النبي ﷺ للذي أصابته الجنابة: (اذهب فأفرغه عليك) بهمزة القطع فأفرغه (وهي) أي والحال أن المرأة (قائمة تنظر إلى ما يفعل) بالبناء للمجهول (بمائها) قيل: إنما أخذوها واستجازوا أخذ مائها لأنها كنت كافرة حربية، وعلى تقدير أن يكون لها عهد فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عوض، وإلا فنفس الشارع تفدى بكل شيء على سبيل الوجوب، (وايم الله) بوصل الهمزة والرفع مبتدأ خبره محذوف أي قسمي (لقد أقلع) بضم الهمزة أي كف (عنها وأنه ليخيل إلينا أنها أشد ملاءة) بكسر الميم وسكون اللام وبعدها همزة ثم تاء تأنيث أي امتلاء (منها حين ابتدأ فيها) وهذا من أعظم آياته وباهر دلائل نبوّته حيث توضؤوا وشربوا وسقوا واغتسل الجنب، بل في رواية سلم بن زرير أنهم ملؤوا كل قربة كانت معهم مما سقط من الغزالي، وبقيت المزادتان مملوءتين بل تخيل الصحابة أن ماء هنا أكثر مما كان أولاً (فقال النبي ﷺ ¬) لأصحابه: (اجمعوا لها) لعله تطييبًا لخاطرها في مقابلة حبسها في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها وما نالها من مخافتها أخذ مائها لا أنه عوض عما أخذ من الماء، (فجمعوا لها من بين)

стр. 377

وفي رواية ما بين (عجوة) تمر أجود تمر المدينة (ودقيقة وسويقة) بفتح أوّلهما، ولكريمة ودقيقة وسويقة بضمها مصغرين (حتى جمعوا لها طعامًا) زاد أحمد في روايته كثيرًا، والطعام في اللغة ما يؤكل، قال الجوهري: وربما خص الطعام بالبرّ (فجعلوه) أي الذي جمعوه ولأبي ذر فجعلوها أي الأنواع المجموعة (في ثوب وحملوها) أي المرأة (على بعيرها ووضعوا الثوب) بما فيه (بين يديها) أي قدّامها على البعير (قال لها) رسول الله ﷺ ، وللأصيلي قالوا لها أي الصحابة بأمره ﷺ (تعلمين) بفتح التاء وسكون العين وتخفيف اللام أي اعلمي (ما رزئنا) بفتح الراء وكسر الزاي وقد تفتح وبعدها همزة ساكنة أي ما نقصنا (من مائك شيئًا) أي فجميع ما أخذناه من الماء مما زاده الله وأوجده، ويؤيده قوله: (ولكن الله هو الذي أسقانا) بالهمزة ولأبي عساكر سقانا، (فأتت أهلها وقد احتبست عنهم، قالوا) أي أهلها ولأبوي ذر والوقت فقالوا (ما) وللأصيلي فقالوا لها: ما (حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب) أي حبسني العجب (لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي) ولأبي ذر إلى هذا الرجل الذي (يقال له الصابئ ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه) عبّر بمن البيانية، وكان الناسب التعبير بفي بدل من على أن حروف الجر قد ينوب بعضها عن بعض، (وقالت) أي أشارت (بإصبعيها الوسطى والسبابة) لأنه يشار بهما عند المخاصمة والسب وهي السبحة لأنها يشار بها إلى التوحيد والتنزيه (فرفعتهما إلى السماء تعني) المرأة (السماء والأرض أو إنه لرسول الله) ﷺ (حقًا) هذا منها ليس بإيمان للشك لكنها أخذت في النظر فأعقبها الحق فآمنت بعد ذلك، (فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون) وللأصيلي بعد يغيرون بضم الياء من أغار. ويجوز فتحها من غار وهو قليل (على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي منه) بكسر الصاد وسكون الراء النفر ينزلون بأهليهم على الماء أو أبيات من الناس مجتمعة، وإنما لم يغيروا عليهم وهم كفرة للطمع في إسلامهم بسببها أو لرعاية ذمامها، (فقالت) أي المرأة (يومًا لقومها: ما أرى) بفتح الهمزة بمعنى أعلم أي الذي أعتقد (أن هؤلاء القوم) بفتح همزة أن مع تشديد النون (يدعونكم) بفتح الدال من الإغارة (عمدًا) لا جهلاً ولا نسيانًا ولا خوفًا منكم، بل مراعاة لما سبق بيني وبينهم، وفي رواية الأكثرين: ما أرى هؤلاء بفتح همزة أرى وإسقاط أن، والأول رواية أبي ذر ولابن عساكر: ما أرى بضم الهمزة أي أظن أن هؤلاء بكسر الهمزة كذا في الفرع، وللأصيلي وابن عساكر ما أدري أن بالدال بعد الألف وأن بفتح الهمزة والتشديد وهي في موضع المفعول، والمعنى ما أدري ترك هؤلاء إياكم عمدًا لماذا هو؟ وقال أبو البقاء: الجيد أن يكون أن هؤلاء بالكسر على الإهمال والاستئناف، ولا بفتح على إعمال أدري فيه لأنها قد عملت بطريق الظاهر، ولكون مفعول أدري محذوفًا، والمعنى ما أدري لماذا تمتنعون من الإسلام أن المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا مع القدرة (فهل لكم) رغبة (في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام). ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا في علامات النبوّة ومسلم في الصلاة، وزاد في رواية المستملي هنا مما ليس في الفرع. (قال أبو عبد الله) أي المؤلف في تفسير (صبأ) أي (خرج من دين إلى غيره). (وقال أبو العالية): رفيع بن مهران الرياحي مما وصله ابن أبي حاتم في تفسيره: (الصابئين) هم (فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور). وقال البيضاوي: والصابين قوم بين النصارى والمجوس، وقيل أصل دينهم دين نوح، وقيل: هم عبدة الملائكة، وقيل: عبدة الكواكب، وأورده المؤلف هنا ليبيّن الفرق بين الصابئ المروي في الحديث، والصابئ المنسوب لهذه الطائفة. ٧ - باب إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوِ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ، تَيَمَّمَ وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّف. هذا (باب) بالتنوين (إذا خاف الجنب على نفسه المرض) المتلف وغيره كزيادته أو نحو ذلك كشين فاحش في عضو طاهر، (أو الموت) من استعماله الماء، (أو خاف العطش) لحيوان محترم من نفسه

стр. 378

أو رفيقه ولو في المستقبل (تيمم) وللأصيلي وابن عساكر يتيمم أي مع وجود الماء. (ويذكر) مما وصله الدارقطني (أن عمرو بن العاصي) بن وائل بن هشام القرشي السهمي أمير مصر أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان، وكان لا يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حياء منه، وله في البخاريّ ثلاثة أحاديث ﵁ (أجنب في ليلة باردة) في غزوة ذات السلاسل (فتيمم) وصلى بأصحابه الصبح (وتلا) بالواو وللأصيلي فتلا: (ولا تقتلوا أنفسكم) أي بإلقائها إلى التهلكة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] (فذكر) بضم الذال (للنبيّ) وللأصيلي فذكر ذلك أي عمرو للنبي (¬ ﷺ فلم يعنف) أي عمرًا وحذف المفعول للعلم به، قال الحافظ ابن حجر وللكشميهني فلم- يعنفه بضمير المفعول، وعزاها في الفرع لابن عساكر أي لم يلمه رسول الله ﷺ وعدم التعنيف تقرير، فيكون حجة على تيمم الجنب، وقد روى هذا التعليق أيضًا أبو داود والحاكم، لكن من غير ذكر التيمم. نعم ذكر أبو داود أن الأوزاعي روى عن حسان بن عطية هذه القصة فقال فيها فتيمم، وعلقه المؤلف بصيغة التمريض لكونه اختصره، ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو ولم يذكر التيمم ولم يقل عمرو الآية وهو جنب وإن أوهمه ظاهر السياق، وإنما تلاها بعد رجوعه للنبي ﷺ كما يدل عليه سياق حديث أبي داود، ولفظه: فقال أي النبي ﷺ "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب"؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول (ولا تقتلوا أنفسكم) الآية. وفي الحديث جواز صلاة المتيمم بالمتوضئ لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك. ٣٤٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ غُنْدَرٌ - عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ لَا يُصَلِّي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا، كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ الْبَرْدَ قَالَ هَكَذَا - يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى - قَالَ قُلْتُ فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ قَالَ إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ. وبالسند قال: (حدّثنا بشر بن خالد) العسكري الفرائضي (قال: حدّثنا محمد) أي ابن جعفر البصري (هو غندر) وسقط ذلك عند الأصيلي (عن شعبة) بن الحجاج، وللأصيلي حدّثنا، ولابن عساكر أخبرنا شعبة (عن سليمان) الأعمش (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (قال): (قال أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (لعبد الله بن مسعود) ﵄ (إذا لم يجد) الجنب (الماء لا يصلي) كذا لكريمة بصيغة الغائب يجد ويصلي فيهما وللأصيلي وغيره: إذا لم تجد الماء لا تصلي بالخطاب فيهما فأبو موسى يخاطب عبد الله، (قال عبد الله) بن مسعود زاد في رواية ابن عساكر نعم، أي لا يصلي (لو رخصت لهم في هذا) أي في جواز التيمم للجنب (كان) ولابن عساكر: وكان (إذا وجد أحدهم البرد قال هكذا) قال أبو موسى مفسرًا قول ابن مسعود (يعني تيمم وصلى قال) أبو موسى (قلت فأين قول عمار) بن ياسر (لعمر) بن الخطاب ﵁ أي قوله السابق كنا في سفر فأجنبت فتمعكت الخ (قال) أي ابن مسعود ﵁ (إني) وفي رواية فإني (لم أر عمر قنع) بكسر النون (بقول عمار) بن ياسر، وإنما لم يقنع عمر بقول عمار لأنه كان حاضرًا معه في تلك السفرة ولم يذكر القصة فارتاب ذلك. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول. ٣٤٦ - ٣٤٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ، مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «كَانَ يَكْفِيكَ» قَالَ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِك؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ. فَقَالَ إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ. فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا قَالَ نَعَمْ. [الحديث ٣٤٦ - أطرافه في: ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٧]. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) بضم العين (قال: حدّثنا أبي) حفص بن غياث (عن الأعمش) سليمان بن مهران ولغير أبوي ذر والوقت حدّثنا الأعمش (قال: سمعت شقيق بن سلمة) هو أبو وائل (قال): (كنت عند عبد الله) بن مسعود (وأبي موسى) الأشعري ﵄ (فقال له) أي لابن مسعود (أبو موسى: أرأيت) أي أخبرني (يا أبا عبد الرحمن) هي كنية ابن مسعود (إذا أجنب) الرجل (فلم يجد ماء كيف يصنع)؟ ولابن عساكر: فلم يجد الماء، وفي رواية: إذا أجنبت فلم تجد الماء كيف تصنع بتاء الخطاب في الثلاثة؟ (فقال عبد الله: لا يصلي حتى) أي لا يصلي الرجل إلى أن (يجد الماء)، وللأصيلي حتى تجد بتاء الخطاب وسقط عنده، وابن عساكر لفظة الماء فاقتصرا على حتى تجد (فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي ﷺ كان يكفيك) أي مسح الوجه والكفّين؟ (قال) ابن مسعود: (ألم تر عمر لم يقنع بذلك) زاد في رواية أبي ذر عن المستملي

стр. 379

والأصيلي وابن عساكر منه أي من عمار (فقال أبو موسى) له (فدعنا) أي اتركنا (من قول عمار) واقطع النظر عنه، (كيف تصنع بهذه الآية) أي قوله تعالى: (فلم يجدوا ماء فتيمموا) فانتقل في المحاجّة من دليل إلى آخر مما فيه الخلاف إلى ما عليه الاتفاق تعجيلاً لقطع خصمه وإفحامه، (فما درى) أي فلم يعرف (عبد الله) بن مسعود (ما يقول) في توجيه الآية على وفق فتواه، واستشكل ما ذهب إليه ابن مسعود كعمر ﵄ من إبطال هذه الرخصة مع ما فيها من إسقاط الصلاة عمن خوطب بها وهو مأمور بها، وأجيب: بأنهما إنما تأوّلا الملامسة في الآية، وهي قوله تعالى (أو لامستم النساء) [المائدة: ٦] على مماسة البشرتين من غير جماع، إذ لو أراد الجماع لكان فيه مخالفة الآية صريحة لأنه تعالى قال: (وإن كنتم جنبًا فاطهروا) أي اغتسلوا ثم قال: (أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) فجعل التيمم به بدلاً عن الوضوء، فلا يدل على جواز التيمم للجنب، ولعل مجلس المناظرة بين أبي موسى وابن مسعود ما كان يقتضي تطويل المناظرة، وإلاّ فكان لابن مسعود أن يجيب أبا موسى بأن الملامسة في الآية المراد بها تلاقي البشرتين بلا جماع كما مرّ والحاصل أن عمر وابن مسعود ﵄ لا يريان تيمم الجنب لآية (وإن كنتم جنبًا فاطهروا) وآية (ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) [النساء: ٤٣] (فقال) أي ابن مسعود (إنّا لو رخصنا لهم في هذا) أي في التيمم للجنب (لأوشك) بفتح الهمزة أي قرب وأسرع (إذا برد على أحدهم الماء) بفتح الراء وضمها كذا ضبطه في الفرع كأصله، لكن قال الجوهري الفتح أشهر (أن يدعه ويتيمم). قال الأعمش: (فقلت لشقيق) أبي وائل (فإنما كره عبد الله) بن مسعود التيمم للجنب (لهذا) أي لأجل احتمال أن يتيمم للبرد (قال) شقيق ولأبوي ذر والوقت فقال: (نعم) كرهه لذلك. ٨ - باب التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ (باب التيمم) حال كونه (ضربة) واحدة كذا للكشميهني بإضافة باب لتاليه. فإن قلت: ليس هذا من الصور الثلاث التي يقع فيها الحال من المضاف إليه وهي أن يكون المضاف جزءًا من المضاف إليه أو كجزئه أو عاملاً في الحال؟ أجيب: بأن المعنى باب شرح التيمم، فالتيمم بحسب الأصل مضاف إلى ما يصلح عمله في الحال فهو من الصور الثلاث قاله الدماميني، وفي رواية الأكثرين باب التنوين خبر مبتدأ محذوف التيمم مبتدأ ضربة خبره. ٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ. قُلْتُ وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا» - فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ وَزَادَ يَعْلَى عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا». وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً. وبالسند قال: (حدّثنا محمد) وفي غير رواية الأصيلي محمد بن سلام بتخفيف اللام وتشديدها كما في الفرع البيكندي (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي حدّثنا (أبو معاوية) محمد بن خازم بالمعجمتين الضرير (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق) أي أبي وائل بن سلمة (قال): (كنت جالسًا مع عبد الله) بن مسعود (وأبي موسى الأشعري) ﵄ (فقال له أبو موسى) تقول (لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهرًا أما كان يتيمم ويصلي)؟ كذا لكريمة والأصيلي بالهمز كما قاله الحافظ ابن حجر، وما نافية على أصلها، والهمزة إما للتقرير المخرج عن معنى الاستفهام الذي هو المانع من وقوعه جزاء للشرط، وإما مقحمة فوجودها كالعدم، وإمّا للاستفهام، وعليه فهو جواب لو لكن يقدر في الأولين القول قبل لو كما مرّ، وفي الثالث قبل أما كان أي: لو أن رجلاً أجنب يقال في حقه أما يتيمم، ويجوز على هذا أن يكون جواب لو هو قوله: (فكيف تصنعون) أي مع قولكم لا يتيمم (بهذه الآية) التي (في سورة المائدة) وفي رواية الأكثرين ما كان بإسقاط الهمزة، ولمسلم كيف تصنع بالصلاة؟ وفي رواية قال أي أبو موسى: فكيف؟ وللأصيلي كما في الفتح فما تصنعون بهذه في سورة المائدة؟ وفي الفرع علامة للكشميهني على بهذه وعلى الآية. (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا) وللأصيلي زاد في الفرع وأبي ذر: فإن لم تجدوا وهو مغاير للتلاوة، وقد قيل: إنه كذلك كان في نسخة أبي ذر ثم أصلحه على وفق التلاوة، وهو يؤيد ما في الفرع كما مرّ، وإنما عيّن سورة المائدة لكونها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساء لتقديم حكم الوضوء في المائدة، ولأنها آخر

стр. 380

السور نزولاً (فقال عبد الله) بن مسعود: (لو رخص لهم في هذا لأوشكوا) بفتح الهمزة أي لأسرعوا (إذا برد) بفتح الراء وضمها (عليهم الماء أن يتيمموا) أي يقصدوا (الصعيد) وللأصيلي بالصعيد، قال الأعمش (قلت) لشقيق (وإنما) بالواو ولأبي ذر والأصيلي فإنما (كرهتم هذا) أي تيمم الجنب (لذا) أي لأجل تيمم صاحب البرد، وفي رواية حفص بن عمر السابقة فقلت لشقيق فإنما كره عبد الله لهذا. (قال) أي شقيق (ئعم) وهو يرد على البرماوي كالكرماني حيث قال في حديث هذا الباب قلت وهو قول شقيق (فقال) بالفاء، ولابن عساكر قال (أبو موسى ألم تسمع قول عمار لعمر) بن الخطاب ﵄؟ (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة) أي في سرية فذهبت (فأجنبت فلم) بالفاء ولأبي الوقت ولم (أجد الماء فتمرغت في الصعيد) وفي رواية في التراب (كما تمرغ الدابة) برفع الغين وحذف إحدى التاءين تخفيفًا كتلظى والكاف للتشبيه وموضعها مع مجرورها نصب على الحال، وأعربها أبو البقاء في قوله تعالى: (كما آمن الناس) [البقرة: ١٣] نعتًا لمصدر محذوف فيقدر تمرّغًا كتمرّغ الدابة، ومذهب سيبويه في هذا كله النصب على الحال من المصدر الفهوم من الفعل المتقدم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتّساع، فيكون التقدير: فتمرغت على هذه الحالة، ولا يكون عنده نعتًا لمصدر محذوف لأنه يؤدي إلى حذف الموصوف في غير المواضع المستثناة. قال عمار: (فدكرت ذلك للنبي- ﷺ فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع) بالتراب (هكذا فضرب) بالفاء وللأربعة وضرب (بكفه) بالإفراد وللأصيلي بكفّيه (ضربة) واحدة (على الأرض) وفي غير هذه الطريق ضربتان، وهو الذي رجحه النووي وقال: إنه الأصح المنصوص كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، (ثم نفضها) تخفيفًا للتراب (ثم مسح بها) أي بالضربة (ظهر كفّه) اليمنى (بشماله أو) مسح (ظهر شماله بكفه) اليمنى بالشك في جميع الروايات. نعم هو في رواية أبي داود من طريق معاوية من غير شك، (ثم مسح بهما) أي بكفيه، ولأبي الوقت وابن عساكر بها أي بالضربة (وجهه) فيه الاكتفاء بضربة واحدة، وتقديم مسح الكف على الوجه والاكتفاء بظهر كف واحدة وعدم مسح الذراعين ومسح الوجه بالتراب المستعمل في الكفّ، ولا يخفى ما في ذلك كله. وقد تعسف الكرماني فأجاب بأن الضربة الواحدة لأحد ظهري الكف، والتقدير: ثم ضرب ضربة أخرى ثم مسح بما لديه للإجماع على عدم الاكتفاء بمسح إحدى اليدين، فيكون السح الأول ليس لكونه من التيمم بل فعله ﵊ خارجًا عنه لتخفيف التراب اهـ. وتعقب بأن حديث عمار لم يزد فيه على ضربة، والأصل عدم التقدير، وقد قال به ابن المنذر ونقله عن جمهور العلماء، وإليه ذهب الرافعي وهو مذهب أحمد، وقال النووي: الأصح المنصوص وجوب ضربتين، وأما عدم الترتيب فيتجه على مذهب الحنفية، أما عند الشافعية فواجب نعم لا يشترط ترتيب نقل التراب للعضو في الأصح، بل يستحب لأنه وسيلة، فلو ضرب بيديه دفعة واحدة ومسح بيمينه وجهه وبيساره يمينه جاز لأن الفرض المسح والنقل وسيلة، وقد روى أصحاب السنن أنه ﵊ تيمم فمسح وجهه وذراعيه، والذراع اسم للساعد إلى المرفق. وعن القديم إلى الكوعين لحديث عمار هذا قال في المجموع: وهو الأقوى دليلاً، وفي الكفاية تعيين ترجيحه، وذكر في المحرر كيفية التيمم وجزم في الروضة باستحبابها، فإذا مسح اليمنى وضع بطون أصابع يساره غير الإبهام على ظهور أصابع يمينه غير الإبهام بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسحة اليسرى ولا تحازي مسحة اليمنى أطراف أنامل اليسرى ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع ضم أطراف أصابعه على حرف الذراع ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفّه إلى بطن الذراع ويمرها عليه وإبهامه مرفوعة، فإذا بلغ الكوع أمرّها على إبهام اليمنى ثم يمسح اليسار باليمنى كذلك، ثم يمسح إحدى

стр. 381

الراحتين بالأخرى ويخلل أصابعهما ولم تثبت هذه الكيفية في السنة بل في الكفاية عن الأم أنه يعكس فيجعل بطن راحتيه معًا إلى فوق، ثم يمر الماسحة وهي من تحت لأنه أحفظ للتراب. (فقال) بالفاء ولأبوي ذر والوقت والأصيلي قال (عبد الله) بن مسعود (ألم تر عمر) بن الخطاب، ولكريمة والأصيلي وهو في متن الفرع من غير عزو أفلم تر عمر (لم يقنع بقول عمار) وعند مسلم من رواية عبد الرحمن بن أبزى: اتق الله يا عمار أي فيما ترويه وتثبت فلعلك نسبت أو اشتبه عليك فإني كنت معك ولا أتذكر شيئًا من هذا (وزاد) بالواو ولأبوي ذر والوقت زاد (يعلى) بن عبيد الطنافسي الحنفي الكوفي مما وصله أحمد وغيره (عن الأعمش عن شقيق قال): (كنت مع عبد الله) بن مسعود (وأبي موسى) الأشعري (فقال أبو موسى) لعبد الله: (ألم تسمع قول عمار لعمر وإن رسول الله) وللأصيلي إن النبي (¬ ﷺ بعثني أنا وأنت) لا يقال كان الوجه بعثني إياي وإياك لأن أنا ضمير رفع، فكيف وقع تأكيد للضمير المنصوب والمعطوف في حكم المعطوف عليه لأن الضمائر تتقارض فيحمل بعضها على بعض وتجري بينها المناوبة، (فأجنبت فتمعكت بالصعيد فأتينا رسول الله) وللأصيلي النبي (¬ ﷺ فأخبرناه فقال: وإنما كان يكفيك هكذا). وللكشميهني هذا (ومسح وجهه وكفيه) مسحة (واحدة) أو ضربة واحدة وهو المناسب لقول المؤلف في الترجمة باب التيمم ضربة. ٩ - باب هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة، ولفظ باب ساقط عند الأصيلي فيكون داخلاً في الترجمة السابقة. ٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَوْفٌ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ «يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». وبه قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك (قال: أخبرنا عوف) الأعرابي (عن أبي رجاء) عمران بن ملحان العطاردي (قال): (حدّثنا عمران بن حصبن الخزاعي) ﵁ (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً) أي منفردًا عن الناس (لم يصل في القوم فقال) ﵊: (يا فلان ما منعك) هو كناية عن علم المذكر فيحتمل أن يكون ﷺ خاطبه باسمه، وكنى عنه الراوي لنسيان اسمه أو لغير ذلك ولابن عساكر ما يمنعك؟ (أن تصلي في القوم) مفعول ثانٍ لمنع أو على إسقاط الخافض أي من أن تصلي ففي محله المذهبان المشهوران هل هو نصب أو جر؟ (فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء) بالفتح كما مر والمراد عموم النفي إظهارًا لتمام العذر، فكأنه نفي وجود الماء بالكلية. (قال) ﵊: (عليك بالصعيد) المذكور في التنزيل. قال ابن عباس: المراد به التراب ولما صح وترابها طهور تعلق الحكم به، (فإنه يكفيك). فإن قلت: ما المطابقة بين الترجمة وبين هذا على رواية الأصيلي المسقطة للفظ باب؟ أجيب: بأنه لم يقيد بضربة ولا غيرها وأقله ضربة واحدة، فيدخل في الترجمة من ثم. وفي هذا الحديث التحديث والإخبار والعنعنة وهو مختصر من الحديث السابق في باب الصعيد الطيب. ولما فرغ المؤلف من ذكر أحكام الطهارة التي هي من شروط الصلاة شرع في بيان الصلاة التي هي المشروطة فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٨ - كتاب الصلاة (بسم الله الرحمن الرحيم) وهي ساقطة عند ابن عساكر. هذا (كتاب الصلاة) أو خذ كتاب الصلاة واشتقاقها من الصلي وهو عرض خشبة معوجّة على نار لتقويمها وبالطبع عوج، فالمصلّي من وهج السطوة بتقويم اعوجاجه ثم يتحقق معراجه، ومن اصطلى بنار الصلاة وزال عوجه لا يدخل النار وهي صلة بين العبد وربّه تعالى، وجامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما والتوجّه إلى الكعبة والعكوف على العبادة وإظهار الخشوع بالجوارح وإخلاص النيّة بالقلب ومجاهدة الشيطان ومناجاة الحق وقراءة القرآن والنطق بالشهادتين وكفّ النفس عن الأطيبين وشرع المناجاة فيها سرًّا وجهرًا ليجمع للعبد فيها ذكر السر وذكر العلانية، فالمصلّي في صلاته يذكر الله في ملأ الملائكة ومَن حضر من الموجودين السامعين وهو ما يجهر به من القراءة فيها قال الله في الحديث الثابت عنه: إن

стр. 382

ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وقد يريد بذلك الملائكة المقربين والكروبيين خاصة الذين اختصّهم لحضرته، فلهذا الفضل شرع لهم في الصلاة الجهر بالقراءة والسرّ وهي لغة الدعاء بخير قال الله تعالى: ﴿وصلِّ عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادع لهم وشرعًا أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. ١ - باب كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلواتُ فِي الإِسْرَاءِ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ: يَأْمُرُنَا -يَعْنِي النَّبِيَّ- ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ. (باب كيف فرضت الصلاة) وللكشميهني والمستملي كيف فرضت الصلوات (في) ليلة (الإسراء) بجسده وروحه ﵊ يقظة إلى السماوات، وقد اختلفوا مع اتفاقهم على أن فريضة الصلوات كانت ليلة الإسراء في وقته، فقيل: قبل الهجرة بسنة وعليه الأكثرون أو وخمسة أشهر أو ثلاثة أو قبلها بثلاث سنين، وقال الحربي: في سابع عشر ربيع الآخر، وكذا قال النووي في فتاويه، لكن قال في شرح مسلم: ربيع الأول، وقيل: سابع عشر رجب، واختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي. (وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله المؤلف أوائل الكتاب: (حدّثني) بالإفراد (أبو سفيان) صخر بن حرب (في حديث هرقل) الطويل (فقال) أبو سفيان (يأمرنا يعني النبي ﷺ بالصلاة والصدق والعفاف) وقد أخرجه المؤلّف في أربعة عشر موضعًا، وأخرجه مسلم وأصحاب السُّنن الأربعة إلاّ ابن ماجة. ٣٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ . فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ. وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ. فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ، فَفَتَحَ». قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِإِدْرِيسَ قَالَ: "مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ. ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا مُوسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ». قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَاجَعني فَوَضَعَ شَطْرَهَا. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا. فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ. فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا. فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهْيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ. ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ». [الحديث ٣٤٩ - طرفاه في: ١٦٣٦، ٣٣٤٢]. وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة (قال: حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك) وسقط لفظ ابن مالك لابن عساكر (قال): (كان أبو ذر) ﵁ (يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: فرج) بضم الفاء وكسر الراء أي فتح (عن سقف بيتي) أضافه لنفسه لأن الإضافة تكون بأدنى ملابسه وإلاّ فهو بيت أُم هانئ كما ثبت (وأنا بمكة) جملة حالية اسمية (فنزل جبريل) ﵇ من الوضع المفروج في السقف مبالغة في المفاجأة (ففرج) بفتحات أي شق (صدري) ولأبي ذر عن صدري (ثم غسله بماء زمزم) وإنما اختاره عن غيره من المياه لفضله على غيره من المياه أو لأنه يقوّي القلب، (ثم جاء بطست) بفتح الطاء وسكون السين المهملة وهي مؤنثة وتُذكّر على معنى الإناء (من ذهب) لا يقال فيه استعمال آنية الذهب لأنّا نقول إن ذلك كان قبل التحريم لأنه إنما وقع بالمدينة (ممتلئ) بالجرّ صفة لطست وذكر على معنى الإناء (حكمةً وإيمانًا) بالنصب فيهما على التمييز أي شيئًا يحصل بملابسته الحكمة والإيمان، فأطلقا عليه تسمية للشيء باسم مسبّبه أو هو تمثيل لينكشف بالمحسوس ما هو معقول كمجيء الموت فى هيئة كبش أملح والحكمة كما قاله النووي عبارة عن العلم المتّصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى المصحوبة بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصدّ عن اتباع الهوى والباطل، وقيل: هي النبوّة، وقيل: هي الفهم عن الله تعالى. (فأفرغه) أي ما في الطست (في صدري ثم أطبقه) أي الصدر الشريف فختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء، فجمع الله تعالى له أجزاء النبوّة وختمها فهو خاتم النبيين وختم عليه فلم يجد عدوّه سبيلاً إليه لأن الشيء المختوم عليه محروس، وإنما فعل به ذلك ليتقوّى على استجلاء الأسماء الحسنى والثبوت في المقام الأسنى كما وقع له ذلك أيضًا في حال صباه لينشأ على أكمل الأخلاق وعند المبعث ليتلقّى الوحي بقلب قوي. قال ﵇: (ثم أخذ بيدي) جبريل (فعرج) أي صعد (بي إلى السماء الدنيا) ولأبي ذرّ عن الكشميهني وابن عساكر به على الالتفات أو التجريد جرّد من نفسه شخصًا وأشار إليه (فلما جئت إلى السماء الدنيا) وبينها وبين الأرض خمسمائة عام كما بين كل سماءين إلى السابعة وسقط لفظ الدنيا عند الأربعة. (قال جبريل لخازن السماء) الدنيا: (افتح) أي بابها، أو في رواية شريك عند المؤلّف فضرب بابًا من أبوابها. (قال) الخازن: (مَن هذا) الذي يقرع الباب، (قال: جبريل) ولغير أبي ذر قال: هذا جبريل لم يقال أنا للنهي عنه (قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ ، فقال: أرسل إليه) للعروج به وليس السؤال

стр. 383

عن أصل رسالته لاشتهارها في الملكوت، ولأبي ذر أأرسل إليه بهمزتين الأولى للاستفهام وهي مفتوحة والأخرى للتعدية وهي مضمومة، وللكشميهني كما في الفتح أو أرسل بواو مفتوحة بين الهمزتين، وفي رواية شريك قال أو قد بعث إليه (قال) جبريل: (نعم) أرسل إليه (فلما فتح) الخازن (علونا السماء الدنيا) ضمير الجمع فيه يدلّ على أنه كان معهما ملائكة آخرون ولعله كان كلما عديا سماء تشيعهما الملائكة حتى يصلا إلى سماء أخرى والدنيا صفة السماء في موضع نصب، (فإذا) بالفاء وللأصيلي وابن عساكر إذا (رجل قاعد على يمينه أسودة) أشخاص جمع سواد كأزمنة جمع زمان (وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (يمينه ضحك وإذا نظر قبل) أي جهة (يساره بكى) وللأربعة شماله، (فقال) أي الرجل القاعد: (مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح) أي أصبت رحبًا لا ضيقًا وهي كلمة تُقال عند تأنيس القادم ولم يقل أحد مرحبًا بالنبي الصادق لأن الصلاح شامل لسائر الخصال المحمودة الممدوحة من الصدق وغيره، فقد جمع بين صلاح الأنبياء كأنه قال: مرحبًا بالنبي التامّ في نبوّته والابن البارّ في نبوّته. (قلت لجبريل) ﵇: (مَن هذا؟ قال: هذا آدم) ﵇ (وهذه الأسودة) التي (عن يمينه وشماله نسم بنيه) بفتح النون والسين المهملة جمع نسمة وهي نفس الروح أي أرواح بنيه، (فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار). يحتمل أن النار كانت في جهة شماله ويكشف له عنها حتى ينظر إليهم لا أنها في السماء لأن أرواحهم في سجين الأرض السابعة، كما أن الجنة فوق السماء السابعة في جهة يمينه كذلك، (فإذا نظر عن يمينه قبل شماله بكى. حتى عرج بي) جبريل ولابن عساكر به (إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح. فقال له خازنها مثل ما قال الأول ففتح). (قال) وفي رواية فقال (أنس) (فذكر) أبو ذر (أنه) أي النبي ﷺ (وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم ولم يثبت) من الاثبات (كيف منازلهم) أي لم يعين أبو ذر لكل نبي سماء (غير أنه ذر أنه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة) نعم في حديث أنس عن مالك بن صعصعة عند الشيخين أنه وجد آدم في السماء الدنيا كما مرّ وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم وفيه بحث يأتي في بابه إن شاء الله تعالى. (قال أنس): ظاهره أن أنسًا لم يسمع من أبي ذر هذه القطعة الآتية وهي (فلما مرّ جبريل بالنبي ﷺ ¬) أي مصاحبًا بالنبي (بإدريس) ﵇ يتعلق الجار والمجرور في الموضعين بمرّ إلا أن الباء الأولى للمصاحبة كما مرّ والثانية للإلصاق أو بمعنى على. (قال) إدريس: (مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح) لم يقل والابن كآدم لأنه لم يكن من آبائه ﷺ ، (فقلت: مَن هذا) يا جبريل؟ (قال) وللأصيلي فقال: (هذا إدريس) ﵇ قال ﵇: (ثم مررت بموسى) ﵇ (فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح) سقط قوله والأخ الصالح في رواية الأربعة كما في الفرع قال ﵇. (قلت) وفي رواية فقلت: (مَن هذا) يا جبريل؟ (قال هذا موسى. ثم مررت بعيسى فقال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح) قال ﵇: (قلت) وفي رواية فقلت: (مَن هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا عيسى) وسقطت لفظة هذا عند أبي ذر، وليست ثم هنا على بابها في الترتيب إلاّ أن قيل بتعدّد المعراج لأن الروايات قد اتفقت على أن المرور به كان قبل المرور بموسى. قال ﵇: (ثم مررت بإبراهيم) ﵇ (فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت: مَن هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا إبراهيم ﷺ ¬). (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (فأخبرني) بالإفراد (ابن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي أبو بكر بن محمد بن عمرو بن

стр. 384

حزم الأنصاري قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، المتوفّى سنة عشرين ومائة عن أربع وثمانين سنة (أن ابن عباس وأبا حبة) بفتح المهملة وتشديد الموحدة على المشهور البدري (الأنصاري) وعند القابسي وأبا حبة بمثناة تحتية وغلط، ورواية أبي بكر بن حزم عن أبي حبة منقطعة لأنه استشهد بأُحُد قبل مولد أبي بكر بدهر، بل قبل مولد أبيه محمد أيضًا، ففي هذه الرواية وهم لأنه إما أن يُراد بابن حزم أبو بكر أو أبوه محمد، فالأول لم يدرك أبا حبة والثاني لم يدركه الزهري إلاّ أن يقال أن أبا بكر رواه عنه مرسلاً إذ قال إن ولم يقل سمعت ولا أخبرني وحينئذ فلا وهم، واختلف في اسم أبي حبة بالموحدة فقيل: عامر بن عبد عمرو بن عمير بن ثابت، وقيل: مالك، وأنكر الواحدي أن يكون في البدريين مَن يكنّى أبا حبّة بالموحدة، قال في الإصابة: وروى عنه أيضًا عمّار بن أبي عمّار وحديثه عنه في مسند ابن أبي شيبة وأحمد، وصحّحه الحاكم وصرّح بسماعه منه، وعلى هذا فهو غير الذي ذكر ابن إسحاق أنه استشهد بأُحد، وله في الطبراني آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه وسنده قوي إلاّ أن عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، قال ابن حزم: (كانا) أي ابن عباس وأبو حبّة (يقولان): (قال النبي ﷺ : ثم عرج بي) بفتحات أو بضم الأول وكسر الثاني (حتى ظهرت) أي علوت (لمستوى) بواو مفتوحة أي موضع مشرف يستوي عليه وهو المصعد واللام فيه للعلّة أي علت لاستعلاء مستوى، وفي بعض الأصول بمستوى بموحدة بدل اللام (أسمع فيه صريف الأقلام) أي تصويتها حالة كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى مما تنسخه من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله أن يكتب لما أراد الله تعالى من أمره وتدبيره، والله تعالى غنيّ عن الاستذكار بتدوين الكتب إذ علمه محيط بكل شيء. (قال ابن حزم) عن شيخه، (و) قال (أنس بن مالك) عن أبي ذر قال الحافظ ابن حجر: كذا جزم أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون مرسلاً من جهة ابن حزم ومن رواية أنس بلا واسطة. (قال النبى ﷺ : ففرض الله) زاد الأصيلي (على أمتي خمسين صلاة) أي في كل يوم وليلة كما عند مسلم من حديث ثابت عن أنس، لكن بلفظ ففرض الله عليّ، وذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على أمته وبالعكس إلاّ ما يستثنى من خصائصه، (فرجعت بذلك حتى مررت على موسى) ﵊ (فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال) موسى: (فارجع إلى ربك) أي إلى الموضع الذي ناجيته فيه (فإن أمتك لا تطيق ذلك) سقطت لفظة ذلك في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر (فراجعني) وللأربعة وعزاها في الفتح للكشميهني فراجعت والمعنى واحد (فوضع) أي ربي (شطرها) وفي رواية مالك بن صعصعة فوضع عني عشرًا وفي رواية ثابت فحط عني خمسًا وزاد فيها أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، قال الحافظ ابن حجر: وهي زيادة معتمدة يتعيّن حمل ما في الروايات عليها، (فرجعت إلى موسى قلت) وللأصيلي فقلت: (وضع شطرها: فقال) ولأبي ذر والوقت قال: (راجع ربك) وفي رواية راجع إلى ربك (فإن أمتك لا تطيق) ذلك (فراجعت) ربي ولابن عساكر فرجعت (فوضع) عني (شطرها) فيه شيء على تفسير الشطر بالنصف، لأنه يلزم منه أن يكون وضع اثنتي عشرة صلاة ونصف صلاة وهو باطل فتفسيره بجزء منها أولى وأحسن منه الحمل على ما زاده ثابت خمسًا خمسًا كما مرّ، (فرجعت إليه) أي إلى موسى (فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعته) تعالى (فقال) جلّ وعلا: (هي خمس) بحسب الفعل (وهي خمسون) بحسب الثواب قال تعالى: ﴿مَن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولأبي ذر عن المستملي، ونسبها في الفتح لغير أبي ذر هنّ خمس وهنّ خمسون، واستدلّ به على عدم فرضية ما زاد على الخمس كالوتر وفيه جواز النسخ قبل الفعل خلافًا للمعتزلة. قال ابن المنير: لكن الكل متّفقون على أن النسخ لا يتصوّر قبل البلاغ، وقد جاء به حديث الإسراء فأشكل على الطائفتين. وتعقب بأن الخلاف مأثور نص عليه ابن دقيق

стр. 385

العيد في شرح العمدة وغيره. نعم هو نسخ بالنسبة إلى النبي ﷺ لأنه كلف بذلك قطعًا، ثم نسخ بعد أن بلغه وقبل أن يفعل فالنسخ في حقه صحيح التصوير. (لا يبدل القول) بمساواة ثواب الخمس الخمسين (لديّ) أو لا يبدّل القضاء المبرم لا المعلق الذي يمحو الله منه ما يشاء ويثبت ما يشاء، وأما مراجعته ﵊ ربه في ذلك فللعلم بأن الأمر الأوّل ليس على وجه القطع والإبرام. قال ﵊: (فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك) وللأصيلي ارجع إلى ربك (فقلت) ولأبي ذر قلت (استحييت) وللأصيلي قد استحييت (من ربي) وجه استحيائه أنه لو سأل الرفع بعد الخمس لكان كأنه قد سأل رفع الخمس بعينها، ولا سيما وقد سمع قوله تعالى: ﴿لا يبدّل القول لديّ﴾ [ق: ٢٩]. (ثم انطلق بي) بفتح الطاء واللام وفي بعض النسخ إسقاط بي والاقتصار ثم انطلق (حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى) وللأربعة إلى السدرة المنتهى وهي في أعلى السماوات، وفي مسلم أنها في السادسة، فيحتمل أن أصلها فيها ومعظمها في السابعة، وسمّيت بالمنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلاّ رسول الله ﷺ ، أو لأنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها أو تنتهي إليها أرواح الشهداء أو أرواح المؤمنين فتصلي عليهم الملائكة المقرّبون، (وغشيها ألوان لا أدري ما هي ثم أُدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ) بحاء مهملة فموحدة وبعد الألف مثناة تحتية ثم لام كذا هنا في جميع الروايات، وضبب عليها في اليونينية ثم ضرب على التضبيب وصحّح على لفظ حبائل ثلاث مرات. قيل: معناه أن فيها عقودًا وقلائد من اللؤلؤ، وردّ بأن الحبائل إنما تكون جمع حبالة أو حبيلة، وذكر غير واحد من الأئمة أنه تصحيف وإنما هي جنابذ كما عند المؤلّف في أحاديث الأنبياء بالجيم والنون وبعد الألف موحدة ثم معجمة جمع جنبذة وهي القبة، (وإذا ترابها المسك) أي تراب الجنة رائحته كرائحة المسك. ورواة هذا الحديث الستّة ما بين مصري ومدني وفيه رواية صحابي عن صحابي والتحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف في الحج مختصرًا وفي بدء الخلق وفي الأنبياء وباب وكلم الله موسى تكليمًا، ومسلم في الإيمان، والترمذي في التفسير، والنسائي في الصلاة. ٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ. [الحديث ٣٥٠ - طرفاه في ١٠٩٠، ٣٩٣٥]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس إمام الأئمة (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة أُم المؤمنين) ﵂ (قالت): (فرض الله) أي قدّر الله (الصلاة) الرباعية (حين فرضها) حال كونها (ركعتين ركعتين) بالتكرير لإفادة عموم التثنية لكل صلاة (في الحضر والسفر) زاد ابن إسحاق قال: حدّثني صالح بن كيسان بهذا الإسناد إلاّ المغرب فإنها ثلاث أخرجه أحمد، (فأقرّت صلاة السفر) ركعتين ركعتين (وزيد في صلاة الحضر) لمّا قدِمَ ﵊ المدينة ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الصبح لطول القراءة فيها وصلاة المغرب لأنها وتر النهار رواه ابنا خزيمة وحبّان والبيهقي، وقد تمسك بظاهره الحنفية على أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة، فلا يجوز الإتمام إذ ظاهر قولها أقرّت يقتضيه. وأُجيب: بأنه على سبيل الاجتهاد، وهو أيضًا معارض بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند مسلم: فرضت الصلاة في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين. وفيه نظر يأتي إن شاء الله تعالى في أبواب القصر، وبأن عائشة أتمّت في السفر، والعبرة عندهم برأي الصحابي لا بمرويه أن تؤول الزيادة في قولها: وزيد في صلاة الحضر في عدد الصلوات حتى بلغت خمسًا لا في عدد الركعات، ويكون قولها: فرضت الصلاة ركعتين أي قبل الإسراء فإنها كانت قبل الإسراء صلاة قبل المغرب وصلاة قبل طلوع الشمس، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وسبّح بحمد ربك بالعشي والإبكار﴾ [غافر: ٤٠] ودليلنا كمالك وأحمد قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جُناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١] لأن نفي الجناح لا يدلّ على العزيمة، والقصر يُنبئ عن تمام سابق. وقوله عليه الصلاة والسلام: (صدقة تصدّق الله بها عليكم). رواه مسلم. فالمفروض الأربع إلاّ أنه رخص بأداء ركعتين. وقال الحنفية

стр. 386

المفروض ركعتان فقط، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أتمّ المسافر يكون الشفع الثاني عندنا فرضًا وعندهم نفلاً. لنا إن الوقت سبب للأربع والسفر سبب للقصر فيختار أيهما شاء، ولهم قول ابن عباس ﵄: إن الله فرض عليكم على لسان نبيّه ﵊ والصلاة (للمقيم أربعة وللمسافر ركعتين) ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في محله في باب التقصير. ورواة هذا الحديث ما بين مصري ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وهو من مراسيل عائشة وهو حجّة. ٢ - باب وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ». فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذًى، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. (باب وجوب الصلاة في الثياب) بالجمع على حدّ قولهم: فلان يركب الخيول ويلبس البرود، والمراد ستر العورة، وهو عند الحنفية والشافعية كعامّة الفقهاء وأهل الحديث شرط في صحة الصلاة. نعم الحنفية لا يشترطون الستر عن نفسه، فلو كان محلول الجيب فنظر إلى عورته لا تفسد صلاته، وقال بهرام من المالكية: اختلف هل ستر العورة شرط في الصلاة أم لا؟ فعند ابن عطاء الله: أنه شرط فيها ومن واجباتها مع العلم والقدرة على المعروف من الذهب، وفي القبس المشهور: أنه ليس من شروطها وقال التونسي: هو فرض في نفسه لا من فروضها، وقال إسماعيل وابن بكير والشيخ أبو بكر: هو من سُننها، وفي تهذيب الطالب والمقدمات وتبصرة ابن محرز: اختلف هل ذلك فرض أو سُنة اهـ. (و) بيان معنى (قول الله تعالى) وللأصيلي وابن عساكر ﴿خذوا زينتكم﴾ أي ثيابكم لمواراة عوراتكم ﴿عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] لطواف أو صلاة، وفيه دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة، ففي الأوّل إطلاق اسم الحال على المحل، وفي الثاني إطلاق اسم المحل على الحال بوجود الاتصال الذاتي بين الحال والمحل، وهذا لأن أخذ الزينة نفسها وهي عرض محُال فأُريد محلها وهو الثوب مجازًا، لا يقال سبب نزولها أنهم كانوا يطوفون عُراة، ويقولون لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها فنزلت، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا عامّ لأنه قال: ﴿عند كل مسجد﴾ ولم يقل المسجد الحرام فيؤخذ بعمومه (ومَن صلّى ملتحفًا في ثوب واحد) كذا ثبت للمستملي وحده قوله، ومَن صلّى إلخ ساقط عند الأربعة من طريق الحموي والكشميهني. (ويذكر) بضم أوّله وفتح ثالثه (عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ قال: يزرّه) بالمثناة التحتية المفتوحة وتشديد الراء المضمومة أي بأن يجمع بين طرفيه كي لا ترى عورته، وللأصيلي تزره بالمثناة الفوقية، وفي رواية يزرّ بحذف الضمير، (ولو) لم يكن ذلك إلاّ بأن يزره (يشوكه) ويستمسك بها فليفعل، وهذا وصله المؤلّف في تاريخه وأبو داود وابنا خزيمة وحبّان من طريق الدراوردي عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عن سلمة بن الأكوع قلت: يا رسول الله إني رجل أتصيد أفأصلّي في القميص الواحد؟ قال: (نعم زرّه ولو بشوكة) هذا لفظ ابن حبّان. ورواه المؤلف عن إسماعيل بن أبي أُويس عن أبيه عن موسى بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة فزاد في الإسناد رجلاً، ورواه أيضًا عن مالك بن إسماعيل عن عطاف بن خالد قال: حدّثنا موسى بن إبراهيم قال: حدّثنا سلمة فصرّح بالتحديث عن موسى وسلمة، فاحتمل أن تكون رواية ابن أبي أُويس من المزيد في متصل الأسانيد، أو كان التصريح في رواية عطاف وهما فهذا وجه قول المؤلّف (في) وللأربعة وفي (إسناده نظر) أو هو من جهة أن موسى هو ابن محمد التيمي المطعون فيه كما قاله ابن القطّان، وتبعه البرماوي وغيره، لكن ردّه الحافظ ابن حجر بأنه نسب في رواية البخاري وغيره مخزوميًا وهو غير التيمي بلا تردّد. نعم وقع عند الطحاوي موسى بن محمد بن إبراهيم، فإن كان محفوظًا فيحتمل على بُعد أن يكونا جميعًا رويا الحديث، وحمله عنهما الدراوردي وإلاّ فذكر محمد فيه شاذّ اهـ. من الفتح. وحينئذ فمَن صلىّ في ثوب واسع الجيب وهو القدر الذي يدخل فيه الرأس ترى عورته من جيبه في ركوع أو سجود فليزره أو يشدّ وسطه، (ومن) أي وباب من (صلّى في الثوب الذي يجامع فيه) امرأته أو أمته (ما لم يرَ فيه أذًى) أي نجاسة وللمستملي والحموي ما لم يرَ أذًى بإسقاط فيه، (وأمر النبي ﷺ ¬) فيما رواه أبو هريرة في بعث عليّ في

стр. 387

حجة أبي بكر مما وصله المؤلف قريبًا لكن بغير تصريح بالأمر (أن لا يطوف بالبيت) الحرام (عريان) وإذا منع التعرّي في الطواف فالصلاة أولى إذ يشترط فيها ما يشترط فيه وزيادة. ٣٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلاَّهُنَّ. قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ: لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا. وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ: صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ. وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي (قال: حدّثنا يزيد بن إبراهيم) التستري، المتوفى سنة إحدى وستين ومائة (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أُم عطية) نسيبة بنت كعب ﵂ (قالت): (أُمرنا) بضم الهمزة وكسر الميم أي أمرنا رسول الله ﷺ كما عند مسلم (أن نخرج الحُيَّض) بضم النون وكسر الراء في الأولى وضم المهملة وتشديد المثناة التحتية في الأخرى جمع حائض (يوم العيدين) وللكشميهني والمستملي يوم العيد بالإفراد (و) أن نخرج (ذوات الخدور) بالدال المهملة أي صواحبات الستور (فيشهدن) كلهنّ (جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزل الحيض) منهنّ (عن مصلاّهنّ) أي عن مصلّى النساء اللاتي لسن بحيض، وللمستملي مصلاّهم باليم بدل النون على التغليل، وللكشميهني عن المصلّى بضم الميم وفتح اللام موضع الصلاة. (قالت امرأة: يا رسول الله إحدانا) أي بعضنا مبتدأ خبره قوله (ليس بها جلباب) بكسر الجيم محلفة أي كيف تشهد ولا جلباب لها وذلك بعد نزول الحجاب؟ (قال) ﵊: (لتلبسها) بالجزم (صاحبتها من جلبابها) أي بأن تعيرها جلبابًا من جلابيبها، ووجه مطابقته للترجمة من جهة تأكيد الأمر باللبس حتى بالعارية للخروج إلى صلاة العيد فللصلاة أولى، وإذا وجب ستر العورة للنساء فللرجل كذلك. وهل ستر العورة واجب مطلقًا في الصلاة وغيرها؟ نعم هو واجب مطلقًا عند الشافعية. ورواة هذا الحديث كلهم بصريون. (وقال عبد الله بن رجاء) بالجيم والمدّ الغداني بضم المعجمة وتخفيف المهملة وبعد الألف نون أي مما وصله الطبراني في الكبير. قال ابن حجر: ووقع عند الأصيلي في عرضه على أبي زيد بمكة حدّثنا عبد الله بن رجاء اهـ. ولابن عساكر قال محمد أي المؤلف، وقال عبد الله بن رجاء: (حدّثنا عمران) القطان (قال: حدّثنا محمد بن سيرين، قال: حدّثنا أُم عطية) نسيبة فيه تصريح ابن سيرين بتحديث أُم عطية له، وهو يردّ على مَن زعم أن ابن سيرين إنما سمعه من أُخته حفصة عن أُم عطية قالت (سمعت النبي ﷺ بهذا) الحديث السابق. ٣ - باب عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى الْقَفَا فِي الصَّلَاةِ (باب) حكم (عقد) المصليّ (الإزار على القفا) بالقصر أي إزاره على قفاه وهو مؤخر عنقه، والحال أنه داخل (في الصلاة، وقال أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج الزاهد المدني مما وصله المؤلف في باب الثوب إذا كان ضيفًا (عن سهل) الأنصاري، المتوفى سنة إحدى وتسعين آخر مَن مات من الصحابة بالمدينة، وللأصيلي عن سهل بن سعد (صلّوا) أي الصحابة (مع النبي ﷺ ¬) حال كونهم (عاقدي أزرهم) بضم الهمزة وسكون الزاي جمع إزار وهو الملحفة (على عواتقهم) فكان أحدهم يعقد إزاره في قفاه، وللكشميهني عاقدو أزرهم بالواو، وحينئذ فيكون خبر مبتدأ محذوف أي صلّوا وهم عاقدوا أزرهم. ٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ. قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ. وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ [الحديث ٣٥٢ - أطرافه في: ٣٥٣، ٣٦١، ٣٧٠]. وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) نسبه إلى جدّه لشهرته به، وإلاَّ فأبوه عبد الله، وتوفي بالكوفة سنة سبع وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا عاصم بن محمد) أي ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ (قال: حدّثني) بالإفراد (واقد بن محمد) بالقاف المكسورة والدال المهملة القرشي العدوي المدني أخو عاصم بن محمد الراوي عنه، (عن محمد بن المنكدر) التابعي المشهور (قال): (صلىّ جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (في إزار قد عقده من قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة (قفاه وثيابه موضوعة على المشجب) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الجيم عيدان تضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها توضع عليها الثياب وغيرها والجملة اسمية حالية. (قال) وللأربعة فقال (له قائل) هو عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت كما في مسلم (تصلّي في إزار واحد) بهمزة الإنكار المحذوفة (فقال) جابر: (إنما صنعت ذلك) باللام قبل الكاف وللحموي والكشميهني ذاك بإسقاطها، وللمستملي بدلها هذا أي الذي فعله من

стр. 388

صلاته وإزاره معقود على قفاه وثيابه موضوعة على المشجب (ليراني أحمق) بالرفع غير منصرف أي جاهل. (مثلك) فينكر عليّ بجهله فأظهر له جوازه ليقتدي به الجاهل ابتداء، ومثلك بالرفع صفة أحمق لأنها وإن أُضيفت إلى معرفة لا تتعرّف لتوغلها في الإبهام إلاّ إذا أُضيفت لما اشتهر بالمماثلة وهنا ليس كذلك فلذا وقعت صفة للنكرة وهي أحمق. (وأيّنا كان له ثوبان) استفهام يفيد النفي وغرضه أن الفعل كان مقرّرًا (على عهد النبي) وللأصيلي على عهد رسول الله (¬ ﷺ ¬). وحينئذ فلا ينكر، وقد كان الخلاف في منع جواز الصلاة في الثوب الواحد قديمًا، فعن ابن مسعود قال: لا تصليّ في ثوب واحد وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض. ورواه ابن أبي شيبة وعامّة الفقهاء على خلافه. ورواة هذا الحديث ما بين كوفي ومدني، وفي رواية الأخ عن أخيه وهما عاصم وواقد وتابعي عن تابعي وهما واقد ومحمد بن المنكدر، وفيه التحديث والعنعنة والقول. ٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ. وبه قال: (حدّثنا مطرف) بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء الهملتين وفي آخره فاء (أبو مصعب) بضم الميم وفتح العين ابن عبد الله بن سليمان الأصم المدني صاحب مالك الإمام (قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الموالي) بفتح الميم على وزن الجواري، وفي الفرع الموالِ بغير ياء (عن محمد بن المنكدر قال) (رأيت جابر بن عبد الله يصلّي في ثوب واحد. وقال: رأيت النبي ﷺ يصلّي في ثوب) أي واحد، وهذا أوقع في النفس وأصرح في الرفع من الطريق السابق، وسقط عند الأصيلي لفظ ابن عبد الله. ٤ - باب الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: الْمُلْتَحِفُ الْمُتَوَشِّحُ، وَهْوَ الْمُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهْوَ الاِشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. قَالَ: وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: "الْتَحَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَوْبٍ وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ". (باب) حكم (الصلاة في الثوب الواحد) حال كون الصليّ (ملتحفًا) أي متغطيًا به. (قال) وللأصيلي. وقال (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (في حديثه) الذي رواه في الالتحاف مما وصله ابن أبي شيبة في مصنفه عنه عن سالم عن ابن عمر، أو المراد وصله أحمد عنه عن أبي هريرة: (الملتحف المتوشّح وهو المخالف بين طرفيه) أي الثوب (على عاتقيه وهو الاشتمال على منكبيه) أي منكبي التوشّح. قال ابن السكّيت: هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى ثم يعقد طرفيهما على صدره. (قال) أي المؤلّف وهذه ساقطة عند أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر. (قالت) وللأربعة وقالت (أُم هانئ) بالنون والهمزة فاختة بنت أبي طالب: (التحف النبي ﷺ بثوب وخالف) وللأصيلي في ثوب، ولأبي ذر عن الكشميهني بثوب له وخالف (بين طرفيه على عاتقيه) وصله المؤلّف في هذا الباب لكنه لم يقل فيه وخالد. نعم ثبت في مسلم من وجه آخر عن أبي مرّة عنها، وفائدة هذه المخالفة في الثوب كما قال ابن بطّال أن لا ينظر المصلّي إلى عورة نفسه إذا ركع أو أن لا يسقط عند الركوع والسجود. ٣٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. [الحديث ٣٥٤ - طرفاه في: ٣٥٥، ٣٥٦]. وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن موسى) العبسي مولاهم الكوفي (قال: حدّثنا) وفي رواية ابن عساكر أخبرنا (هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عمر بن أبي سلمة) بفتح اللام وضمّ العين من عمر، واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي ربيب النبي ﷺ وأُمه أُم المؤمنين أُم سلمة، ولد بالحبشة في السنة الثانية، المتوفّى بالمدينة سنة ثلاث وثمانين، ووهم مَن قال أنه قتل بوقعة الجمل نعم شهدها وتوفي بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان، له في البخاري حديثان: (أن النبي ﷺ صلّى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه). ورواة هذا الحديث ما بين كوفي ومدني وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي وهو سند عالٍ جدًّا، وله حكم الثلاثيات وإن لم يكن على صورتها لأن أعلى ما يقع للمؤلّف يكون بينه وبين الصحابي فيه اثنان، فإن كان الصحابي يرويه عن النبي ﷺ فصورة الثلاثي وإن كان عن صحابي آخر فلا، لكنه من حيث العلوّ واحد لصدق أن بينه وبين الصحابي اثنين، وبالجملة فهو من العلوّ النسبي. ٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى. قال: حدّثنا يحيى) القطان (قال: حدّثنا هشام)

стр. 389

عن أبيه عروة بن الزبير (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) عروة (عن عمر بن أبي سلمة) بضم العين. (أنه رأى النبي ﷺ يصلّي في ثوب واحد في بيت أُمّ سلمة) أُم المؤمنين ظرف ليصلّي (قد ألقى طرفيه) أي طرفي ثوبه (على عاتقيه ﷺ ¬). إنما أورد المؤلّف هذا الحديث وإن كان أنزل من السابق بدرجة لما وقع فيه من تصريح هشام عن أبيه بأن عمر أخبره، وفي السابق وقع بالعنعنة وتصريح الصحابي بأنه شاهد النبي ﷺ يفعل ما نقل أوْلاً بالصورة المحتملة مع تعيين المكان، وزيادة كون طرفي الثوب على عاتقيه ﷺ . ٣٥٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلاً بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. وبه قال: (حدّثنا عبيد) بضم العين مصغرًا من غير إضافة (ابن إسماعيل) الهباري بفتح الهاء وتشديد الموحدة الكوفي (قال: حدّثنا) ولابن عساكر أخبرنا (أبو أسامة) بضم الهمزة حماد بن أسامة (عن هشام) هو ابن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (أن عمر بن أبي سلمة) بضمّ العين (أخبره قال): (رأيت رسول الله) وللأصيلي رأيت النبي (¬ ﷺ يصلّي في ثوب واحد) حال كونه (مشتملاً به) وللمستملى والحموي مشتمل بالجرّ على المجاورة قاله ابن حجر وغيره كالزركشي، وتعقّبه البدر الدماميني فقال: الأولى أن يجعل صفة لثوب ثم أورد سؤالاً فقال: فإن قلت: لو كان لبرز الضمير لجريان الصفة على غير مَن هي له. وأجاب: بأن الكوفيين قاطبة لا يُوجِبون إبرازه عند أمن اللّبس، ووافقهم ابن مالك ومذهبهم في المسألة أقوى واللبس في الحديث مُنتَفٍ اهـ. ولأبي ذر مشتمل بالرفع خبر مبتدأ محذوف (في بيت أُم سلمة) حال كونه (واضعًا طرفيه) بالتثنية أي الثوب (على عاتقيه) صلوات الله وسلامه عليه وفي بيت ظرف ليصلّي أو للاشتمال أولهما، وفي هذه الطريق النازلة السند أيضًا تصريح هشام عن أبيه بأن عمر أخبره، وفي السابقتين العنعنة وزيادة لفظ الاشتمال. ٣٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ. قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟. فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أُويس) بضم الهمزة وفتح الواو مصغرًّا (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) وفي غير رواية ابن عساكر مالك بن أنس إمام دار الهجرة (عن أبي النضر) بفتح النون وسكون المعجمة سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين في الأوّل والثاني، المتوفّى سنة تسع وعشرين ومائة (أن أبا مرّة) بضمّ الميم وتشديد الراء يزيد (مولى أُم هانئ) بالهمزة فاختة (بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أُم هانئ بنت أبي طالب) ﵂ حال كونها (تقول): (ذهبت إلى رسول الله) وللأصيلي إلى النبي (¬ ﷺ عام الفتح) في رمضان سنة ثمان (فوجدته) حال كونه (يغتسل وفاطمة ابنته) ﵂ (تستره) جملة حالية أيضًا (قالت) أم هانئ: (فسلّمت عليه، فقال) ﵊ (مَن هذه؟) قالت: أُم هانئ (فقلت أنا) وللأصيلي قلت (أم هانئ بنت أبي طالب فقال) ﵊ (مرحبًا بأُم هانئ) بباء الجرّ ولابن عساكر مرحبًا يا أم هانئ بيا النداء أي لقيت رحبًا وسعةً يا أُم هانئ (فلما فرغ) ﵊ (من غسله) بضم الغين (قام فصلّى ثماني ركعات) حال كونه (ملتحفًا في ثوب واحد) بكسر نون ثماني وفتح الياء مفعول فصلّى، ولابن عساكر ثمان بفتح النون من غير ياء (فلما انصرف) ﵊ من صلاته (قلت: يا رسول الله زعم) أي قال أو ادّعى (ابن أُمي) عليّ بن أبي طالب وهي شقيقته أُمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم، لكن خصّت الأُم لكونها آكد في القرابة، ولأنها بصدد الشكاية في إخفار ذمتها فذكرت ما بعثها على الشكوى حيث أُصيبت من محل يقتضي أنها لا تصاب منه لما جرت العادة أن الأخوّة من جهة الأمُ أشدّ في اقتضاء الحنان والرعاية من غيرها. نعم في رواية الحموي زعم ابن أبي (أنه قاتل رجلاً) أي عازم على مقاتلة رجل (قد أجرته) بالراء أي أمنته هو (فلان بن هبيرة) بالرفع بتقدير هو كما مرَّ أو بالنصب بدلاً من رجلاً أو من الضمير المنصوب، وهبيرة بضم الهاء وفتح الموحدة ابن أبي وهب بن عمرو المخزومي زوج أُم هانئ ولدت منه أولادًا منهم هانئ الذي كنيت

стр. 390

به هرب من مكة عام الفتح لما أسلمت هي ولم يزل مشركًا حتى مات، وترك عندها ولدها منه جعدة وهو ممّن له رؤية ولم تصحّ له صحبة، وابنه المذكور هنا يحتمل أن يكون جعدة هذا، ويحتمل أن يكون من غير أُم هانئ، ونسي الراوي اسمه، لكن قال ابن الجوزي: إن كان المراد بفلان ابنها فهو جعدة، وردّه ابن عبد البرّ وغيره لصغر سنّه إذ ذاك المقتضي لعدم مقاتلته، وحينئذ فلا يحتاج إلى الأمان وبأن عليًّا لا يقصد قتل ابن أُخته فكونه من غيرها أرجح، وجزم ابن هشام في تهذيب السيرة بأن اللذين أجارتهما أُم هانئ هما الحرث بن هشام وزهير بن أبي أُمية المخزوميان، وعند الأزرقي عبد الله بن أبي ربيعة بدل زهير، قال في الفتح: والذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفًا كأنه كان فيه فلان ابن عمّ هبيرة فسقط لفظ عمّ أو كان فيه فلان قريب هبيرة، فتغيّر لفظ قريب بلفظ ابن وكلٌّ من: الحرث بن هشام، وزهير بن أبي أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة يصحّ وصفه بأنه ابن عمّ هبيرة وقريبه لكون الجميع من بني مخزوم. (فقال رسول الله) وللأصيلي النبي (¬ ﷺ : قد أجرنا مَن أجرت) أي أمّنّا مَن أمّنت (يا أُم هانئ) فلا لعليّ قتله (قالت أُم هانئ: وذاك) وللأصيلي وذلك باللام أي صلاته الثمان ركعات (ضحى) أي وقت ضحى أو صلاة ضحى، ويؤيّدها ما في رواية ابن شاهين قالت أُم هانئ: يا رسول الله ما هذه الصلاة؟ قال: الضحى. ورواة هذا الحديث مدنيون، وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإخبار والسّماع والقول. ٣٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ»؟ [الحديث ٣٥٨ - طرفه في: ٣٦٥]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة) ﵁. (أن سائلاً) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه لكن ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفيّ في كتابه المبسوط أنه ثوبان (سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في ثوب واحد) ولأبي الوقت في الثوب الواحد بالتعريف (فقال رسول الله ﷺ : أو لكلكم) أي أأنت سائل عن مثل هذا الظاهر ولكلكم (ثوبان) فهو استفهام إنكاري إبطالي. قال الخطابي: لفظه استخبار ومعناه الإخبار عمّا هم عليه من قلّة الثياب، ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، لأنه إذا لم يكن لكلٍّ ثوبان والصلاة لازمة، فكيف لم يعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد الساتر للعورة جائزة، وهذا مذهب الجمهور من الصحابة كابن عباس وعليّ ومعاوية وأنس بن مالك وخالد بن الوليد وأبي هريرة وعائشة وأُم هانئ، ومن التابعين الحسن البصري وابن سيرين والشعبي وابن المسيب وعطاء وأبو حنيفة، ومن الفقهاء أبو يوسف ومحمد والشافعي ومالك وأحمد في رواية وإسحاق بن راهويه. ٥ - باب إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلَى عَاتِقَيْهِ هذا (باب) بالتنوين (إذا صلّى في الثوب الواحد فليجعل) بعضه (على عاتقيه) بالتثنية، ولابن عساكر على عاتقه وهو ما بين المنكبين إلى أصل العنق. ٣٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَىْءٌ». [الحديث ٣٥٩ - طرفه في: ٣٦٠]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد بفتح الميم البصري النبيل (عن مالك) هو ابن أنس الأصبحي (عن أبي الزناد) بالزاي المكسورة والنون (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج عن أبي هريرة) ﵁ (قال): (قال النبي) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي رسول الله (¬ ﷺ : لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد) حال كونه (ليس على عاتقيه) بالتثنية، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر على عاتقه (شيء). زاد مسلم من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد منه شيء، ولا نافية ويصلّي بإثبات الياء وهو خبر بمعنى النهي، وقال ابن الأثير: كذا في الصحيحين بإثبات الياء، وذلك لا يجوز لأنّ حذفها علامة الجزم بلا الناهية، فإن صحّت الرواية فتحمل على أن لا نافية اهـ. وقد صحّت الرواية بذلك فلا وجه للتردّد، وقد رواه الدارقطني في غرائب مالك لا يصلِّ بغير ياء، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء عن مالك بلفظ: لا يصلين بزيادة نون التوكيد، وهو عند الإسماعيلي بلفظ: نهى رسول الله ﷺ والنهي المذكور ليس محمولاً على التحريم، فقد ثبت أنه ﷺ صلّى في ثوب واحد كان أحد طرفيه على بعض نسائه وهي
следующие страницы →