Полный текст (4 743 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
الله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾) [المائدة: ٩٦] المراد بالبحر جميع المياه.
(وقال عمر) بن الخطاب ﵁ مما وصله المؤلّف في تاريخه وعبد بن حميد (صيده ما اصطيد) بكسر الطاء وتضم كما في اليونينية (وطعامه ما رمى به) ولفظ الموصول فصيده ما صيد وطعامه ما قذف به اهـ.
(وقال أبو بكر) الصديق ﵁ مما وصله ابن أبي شيبة والطحاوي والدارقطني عن ابن عباس ﵄ (الطافي) بغير همز في اليونينية من طفا يطفوا إذا علا الماء ميتًا (حلال. وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله الطبري في قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ قال: (طعامه ميتته إلا ما قذرت منها) بكسر الذال المعجمة، ولأبي ذر عن الكشميهني: منه بالتذكير وليس في الموصول إلا ما قذرت منها، وجميع ما يصاد من البحر ثلاثة أجناس الحيتان وجميع أنواعها حلال والضفادع وجميع أنواعها حرام، واختلف فيما سوى هذين فقال أبو حنيفة حرام وقال الأكثرون: حلال لعموم هذه الآية ﴿وطعامه﴾ في الآية بمعنى الإطعام أي اسم مصدر وتقدير المفعول حينئذٍ محذوفًا أي طعامكم إياه أنفسكم، ويجوز أن يكون الصيد بمعنى المصيد والهاء في طعامه تعود على البحر على هذا أي أحل لكم مصيد البحر وطعام البحر فالطعام على هذا غير الصيد، وعلى هذا ففيه وجوه: أحسنها ما سبق عن عمر وأبي بكر أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته والطعام ما رمى به البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة، ويجوز أن تعود الهاء على الصيد لمعنى المصيد وهو أن يكون طعام بمعنى مطعوم ويدل له قراءة ابن عباس وطعمه بضم الطاء وسكون العين.
وقال ابن عباس فيما وصله ابن أبي شيبة: (والجرّي) بكسر الجيم والراء والتحتية المشدّدتين
وبفتح الجيم والجريت بمثناة فوقية بعد التحتية ضرب من السمك يشبه الحيات وقيل سمك لا قشر له، وقيل نوع عريض الوسط دقيق الطرفين (لا تأكله اليهود ونحن نأكله) لأنه حلال اتفاقًا وهو قول أبي بكر وعمر وابن عباس.
(وقال شريح صاحب النبي ﷺ ¬): بضم الشين المعجمة آخره حاء مهملة مصغرًا، وللأصيلي أبو شريح والصواب إسقاط أبو كما للكافة والمؤلّف في تاريخه وأبي عمر بن عبد البرّ والقاضي عياض في مشارقه، وقال الفربري: وكذا في أصل البخاري وكذا هو عند أبي عليّ الغساني شريح قال: وهو الصواب، والحديث محفوظ لشريح لا لأبي شريح، وفي الصحابة أيضًا أبو شريح الخزاعي أخرج له مسلم، وقال العلاّمة اليونيني مما رأيته في حاشية الفرع في أصل السماع أبو شريح على الوهم كما عند الحافظ أبي محمد الأصيلي ونبهنا شيخنا الحافظ أبو محمد المنذري في حواشيه على كتاب ابن طاهر أنه شريح اسم لا كنية اهـ.
وقال في الإصابة: شريح بن أبي شريح الحجازي. قال البخاري وأبو حاتم: له صحبة، وروى البخاري في تاريخه الكبير من طريق عمرو بن دينار وأبي الزبير سمعًا شريحًا رجلًا أدرك النبي ﷺ يقول: كل شيء في البحر مذبوح وعلقه في الصحيح، ورواه الدارقطني وأبو نعيم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن شريح وكان من أصحاب النبي ﷺ فذكر نحوه مرفوعًا، والمحفوظ عن ابن جريج موقوف أيضًا أشار إلى ذلك أبو نعيم اهـ.
وقول القاضي عياض في مشارقه: وهو شريح بن هانئ أبو هانئ، تعقبه الحافظ ابن حجر كما رأيته بخط شيخنا الحافظ أبي الخير السخاوي بأن الصواب أنه غيره وليس له في البخاري ذكر إلا في هذا الموضع وشريح بن هانئ لأبيه صحبة وأما هو فله إدراك ولم يثبت له سماع ولا لقي، وأما شريح المعلق عنه فقد صرح البخاري بصحبته هـ.
ورأيت في الإصابة شريح بن هانئ أبو المقدام أدرك النبي ﷺ ولم يهاجر إلا بعده وفد أبوه على النبي ﷺ فسأله عن أكبر ولده فقال شريح: فقال: أنت أبو شريح وكان قبل ذلك يكنى أبا الحكم.
وهذا التعليق وصله المؤلّف في تاريخه وابن منده في المعرفة من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار وأبي
стр. 3572
الزبير سمعا شريحًا صاحب النبي ﷺ يقول: (كل شيء في البحر) من دوابه (مذبوح) أي حلال كالمذكى، وأخرجه ابن أبي عاصم في الأطعمة من طريق عمرو بن دينار سمعت شيخًا كبيرًا يحلف بالله ما في البحر دابة إلا قد ذبحها الله لبني آدم، وأخرج الدارقطني من حديث عبد الله بن سرجس بسند فيه ضعف رفعه: إن الله قد ذبح كل ما في البحر لبني آدم.
(وقال عطاء): هو ابن أبي رباح مما وصله ابن منده في كتاب الصحابة (أما الطير فأرى أن يذبحه. وقال ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز مما وصله عبد الرزاق في تفسيره (قلت لعطاء)
أي ابن أبي رباح المذكور (صيد الأنهار و) صيد (قلات السيل) بكسر القاف وتخفيف اللام آخره مثناة فوقية جمع قلت نقرة في صخرة يستنقع فيها الماء ومراده ما ساق السيل من الماء وبقي في الغدير وفيه حيتان (أصيد بحر هو)؟ فيجوز أكله (قال: نعم) يجوز أكله، وسقط لأبي ذر لفظ هو (ثم تلا) عطاء قوله تعالى: (﴿هذا عذب فرات﴾) شديد العذوبة (﴿سائغ شرابه﴾) مريء سهل الانحدار لعذوبته وبه يرتفع شرابه وثبت ﴿سائغ شرابه﴾ لأبي ذر (﴿وهذا ملح أجاج﴾) شديد الملوحة وقيل هو الذي يحرق بملوحته (﴿ومن كل﴾) ومن كل واحد منهما (﴿تأكلون لحمًا طريًّا﴾) [فاطر: ١٢] وهو السمك.
(وركب الحسن) بفتح الحاء ابن علي بن أبي طالب ﵇ ورضي الله عنه وعن أبيه (على سرج) متخذ (من جلود كلاب الماء) لأنها طاهرة يجوز أكلها لدخولها في عموم السمك وكذا ما لم يشبه السمك المشهور كالخنزير والفرس. وفي عجائب المخلوقات أن كلب الماء حيوان يداه أطول من رجليه يلطخ بدنه بالطين ليحسبه التمساح طينًا ثم يدخل جوفه فيقطع أمعاءه ويأكلها ويمزق بطنه.
(وقال الشعبي) عامر بن شراحيل (لو أن أهلي أكلوا الضفادع) جمع ضفدع بكسر أوّله وفتحه وضمه مع كسر ثالثه وفتحه في الأول وكسره في الثاني وفتحه في الثالث (لأطعمتهم) منها.
(ولم ير الحسن) البصري -رحمه الله تعالى- (بالسلحفاة) بضم السين وسكون الحاء المهملتين بينهما لام مفتوحة وبعد الفاء ألف فهاء تأنيث أي لم ير بأكلها (بأسًا) وهذا وصله ابن أبي شيبة، وقال سفيان الثوري: أرجو أن لا يكون بالسرطان بأس وظاهر الآية حجة لمن قال بإباحة جميع حيوانات البحر وكذلك حديث "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وجملة حيوان الماء على قسمين سمك وغيره، فأما السمك فميتته حلال مع اختلاف أنواعها ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب، وعند أبي حنيفة لا يحل إلا أن يموت بسبب من وقوع على حجر أو انحسار ماء عنه فيحل لحديث أبي الزبير عن جابر عند أبي داود: "ما ألقاه البحر أو جزز عنه فكلوه وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه" لكنه مطعون فيه من جهة يحيى بن سليم لسوء حفظه وصحح كونه موقوفًا، وحينئذ فقد عارضه قول أبي بكر وغيره والقياس يقتضي حلّه لأن السمك لو مات في البرّ لأكل بغير تأويل، وأما غير السمك فقسمان: قسم يعيش في البرّ كالضفدع والسرطان والسلحفاة فلا يحل أكله وقسم يعيش في الماء ولا يعيش في البرّ إلا عيش المذبوح فاختلف فيه فقيل: لا يحل منه شيء إلا السمك وهو قول أبي حنيفة، وقيل: إن ميت الكل حلال لأن كلها سمك وإن اختلفت صورتها كالجري وهو قول مالك وظاهر مذهب الشافعي وذهب قوم إلى أن ما له نظير في البرّ يؤكل فميتته من حيوانات البحر حلال وهو كبقر الماء ونحوه وما لا يؤكل نظيره في البر لا تحل ميتته من حيوانات البحر ككلب الماء والخنزير وكذا حمار الوحش، وإن كان له شبه في البر حلال وهو حمار الوحش لأن له شبهًا حرامًا وهو الحمار الأهلي تغليبًا للتحريم، كذا قال في الروضة
وشرح المهذب، والمفتي به حل الجميع إلا السرطان والضفدع والتمساح والسلحفاة لخبث لحمها وللنهي عن قتل الضفدع رواه أبو داود وصححه الحاكم، وقد ذكر الأطباء أن الضفدع نوعان: بري وبحري فالبري يقتل آكله والبحري يضره وكذا يحرم القرش في البحر الملح خلافًا لما
стр. 3573
أفتى به المحب الطبري وأما الدنيلس فقيل إن أصله السرطان، فإن ثبت حرم وإلاّ فيحل لأنه من طعام البحر ولا يعيش إلا فيه ولم يأت على تحريمه دليل وقد قال جبريل بن يختيشوع: إنه ينفع من رطوبة المعدة والاستسقاء.
(وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله البيهقي: (كل) أمر من الأكل (من صيد البحر نصراني أو يهودي أو مجوسي) بالجرّ في الثلاثة وللأصيلي وإن صاده نصراني أو يهودي أو مجوسي برفعها على الفاعلية، وقال الحسن البصري فيما نقله عنه الدميري: رأيت سبعين صحابيًّا يأكلون صيد المجوس ولا يتلجلج في صدورهم شيء من ذلك.
(وقال أبو الدرداء) عويمر بن مالك الأنصاري (في المري) بضم الميم وسكون الراء بعدها تحتية وفي النهاية بتشديد الراء، ولكن جزم النووي بالأول، ونقل الجواليقي في لحن العامة أنهم يحركون الراء والأصل السكون، والذي في القاموس التشديد، وعبارته والمرّي كدرّي أدام كالكامخ وفي الصحاح، والمري الذي يؤتدم به كأنه منسوب إلى المرارة والعامة تخففه قال وأنشدني أبو الغوث:
وأم مثواي لباخية … وعندها المريّ والكامخ
والمري هو أن يجعل في الخمر الملح والسمك ويوضع في الشمس فيتغير عن طعم الخمر فيغلب السمك بما أضيف إليه على ضراوة الخمر ويزيل ما فيه من الشدة مع تأثير الشمس في تخليله والقصد منه هضم الطعام وربما يزاد ما فيه حرافة ليزيد في جلاء المعدة واستدعاء الطعام بحرافته، وكان أبو الدرداء وجماعة من الصحابة يأكلونه وهو رأي من يجوّز تخليل الخمر، وهو قول جماعة، واحتج له أبو الدرداء بقوله: (ذبح الخمر النينان والشمس) بفتح الذال المعجمة والموحدة بصيغة الفعل الماضي، والخمر مفعول مقدم على الفاعل لأن التنازع والكلام كان فيها والعرب تقدّم الأهمّ فالأهم، والنينان والشمس فاعلان له، والنينان بكسر النون الأولى جمع نون كعود وعيدان وهو الحوت، وقال القاضيان البيضاوي وعياض: ويروى ذبح الخمر بسكون الموحدة والرفع مبتدأ أو إضافته لتاليه فيجر. قال في النهاية: استعار الذبح للإحلال كأنه يقول كما أن الذبح يحلّ المذبوح فكذلك هذه الأشياء إذا وضعت في الخمر قامت مقام الذبح فاحتلها، وقال البيضاوي: يريد أنها حلّت بالحوت المطروح فيها وطبخها بالشمس فكان ذلك كالذكاة للحيوان، وقال غيره معنى ذبحتها أبطلت فعلها.
وأخرج الحافظ أبو موسى في جزء أفرده لهذه المسألة بسنده عن عطية بن قيس، قال: مرّ رجل من أصحاب أبي الدرداء ﵁ ورجل يتغذى فدعاه إلى طعامه فقال: وما طعامك؟
قال: خبز ومري وزيت. قال: المري الذي يصنع من الخمر؟ قال: نعم، قال: هو خمر فتواعدا إلى أبي الدرداء ﵁ فسألاه فقال: ذبحت خمرها الشمس والملح والحيتان يقول لا بأس به. وعن ابن وهب سمعت مالكًا يقول: سمعت ابن شهاب سئل عن خمر جعلت في قلة وجعل فيها ملح وأخلاط كثيرة ثم جعلت في الشمس حتى عاد مريًّا يصطبغ به. قال ابن شهاب: شهدت قبيصة بن ذؤيب ينهى أن يجعل الخمر مريًّا إذا أخذ وهو خمر، وعن رجليه مولاة معاوية قالت: حججنا مع عبد الله بن أبي زكريا فأهدى عبد الله بن أبي زكريا لعمر بن عبد العزيز المري الذي يصنع بالخمر فأكل منه، وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: في المري الذي يعمله المشركون من الخمر لا بأس به ذبحه الملح.
فإن قلت: ما وجه إيراد المؤلّف لهذا الأثر هنا في طهارة صيد البحر؟ أجيب: بأنه يريد أن السمك طاهر حلال وإن طهارته وحله يتعدى إلى غيره كالملح حتى يصير الحرام النجس بإضافتها إليه طاهرًا حلالًا، وهذا إنما يتأتى على القول بجواز تخليل الخمر. وقال الحافظ أبو ذر مما رأيته بهامش اليونينية: إذا طرحت النينان في الخمر ذبحته وحركته فصار مريًّا، وكذلك إذا ترك للشمس، وهذا خلاف مذهب الشافعي، والبخاري -رحمه الله تعالى- لم يتحرّ مذهب إمام بعينه بل اعتمد على ما صحّ عنده من الحديث ثم أكده
стр. 3574
بالآثار.
٥٤٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا ﵁ يَقُولُ: غَزَوْنَا جَيْشَ الْخَبَطِ، وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن دينار (أنه سمع جابرًا) الأنصاري (﵁ يقول: غزونا جيش الخبط) بفتح الخاء المعجمة والموحدة بعدها مهملة ورق السلم سمي به لأنهم أكلوه من الجوع وذلك سنة ثمان (وأمر) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول ولابن عساكر وأميرنا (أبو عبيدة) عامر بن عبد الله بن الجراح ولأبي ذر وأمر مبنيًّا للمفعول أيضًا علينا أبو عبيدة بزيادة علينا (فجعنا جوعًا شديدًا فألقى البحر) لنا (حوتًا ميتًا لم ير) بتحتية مضمومة (مثله) بالرفع ولأبي ذر ولم نر بنون مفتوحة مثله بالنصب أي لم نر مثله في الكبر (يقال له العنبر) وهو سمكة بحرية يتخذ من جلدها الأتراس، ويقال للترس عنبر وسمي هذا الحوت بالعنبر لوجوده في جوفه. قال إمامنا الشافعي ﵀: حدّثني بعضهم أنه ركب البحر فوقع إلى جزيرة فنظر إلى شجرة مثل عنق الشاة وإذا ثمرها عنبر قال: فتركناه حتى يكبر ثم نأخذه فهبت ريح فألقته في البحر. قال الشافعي: والسمك ودواب البحر تبتلعه أول ما يقع لأنه لين فإذا ابتلعه قلما تسلم إلا قتلها لفرط الحرارة التي فيه فإذا أخذ الصياد السمكة وجده في بطنها
فيقدر أنه منها وإنما هو ثمر نبت (فأكلنا منه) من الحوت (نصف شهر فأخذ أبو عبيدة) بن الجراح (عظمًا من عظامه فمرّ الراكب تحته).
٥٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: بَعَثَنَا النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَمِائَةِ رَاكِبٍ، وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ فَسُمِّيَ جَيْشَ الْخَبَطِ، وَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ: فَأَكَلْنَا نِصْفَ شَهْرٍ، وَادَّهَنَّا بِوَدَكِهِ حَتَّى صَلَحَتْ أَجْسَامُنَا، قَالَ: فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنَصَبَهُ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ. وَكَانَ فِينَا رَجُلٌ فَلَمَّا اشْتَدَّ الْجُوعُ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (قال: سمعت جابرًا) ﵁ (يقول: بعثنا النبي ﷺ ثلاثمائة راكب) فيهم عمر بن الخطاب ﵁ (وأميرنا أبو عبيدة) بن الجراح (نرصد عير قريش) بكسر العين المهملة إبلًا تحمل طعامًا لهم. وعند ابن سعد أنه ﷺ بعثهم إلى حي من جهينة بالقبلية بفتح القاف والموحدة مما يلي ساحل البحر بينهم وبين المدينة خمس ليال وأنهم انصرفوا ولم يلقوا كيدًا.
واستشكل هذا بما في حديث الباب إذ ظاهره المغايرة. وأجيب: بأنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرًا لقريش ويقصدون حيًّا من جهينة وحينئذ فلا مغايرة بينهما.
(فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط) بفتحتين ورق السلم وفي رواية أبي الزبير عند مسلم: وكنا نضرب بعصينا الخيط ثم نبله بالماء فنأكله (فسمي جيش الخيط وألقى) إلينا (البحر) لما انتهينا إلى ساحله (حوتًا يقال له العنبر) طوله خمسون ذراعًا يقال له بالة، وفي رواية ابن جريج السابقة في هذا الباب حوتًا ميتًا (فأكلنا) منه (نصف شهر). وفي رواية وهب بن كيسان عن جابر في المغازي ثماني عشرة ليلة، وفي رواية أبي الزبير عند مسلم فأقمنا عليه شهرًا ويجمع بين ذلك بأن الذي قال ثماني عشرة ضبط ما لم يضبطه غيره ومن قال: نصف شهر ألغى الكسر وهو ثلاثة أيام، ومن قال شهرًا جبر الكسر وضم بقية المدّة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها، ورجح النووي رواية أبي الزبير لما فيها من الزيادة (وادّهنا بودكه) بفتح الواو والدال المهملة أي شحمه (حتى صلحت) بفتح الصاد واللام (أجسامنا) ولأبي الزبير: فلقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن ونقتطع منه الفدر كالثور والوقب بفتح الواو وسكون القاف بعدها موحدة النقرة التي فيها الحدقة، والفدر بكسر الفاء وسكون الدال جمع فدرة بفتح ثم سكون القطعة من اللحم وغيره. وفي رواية الخولاني عن جابر عند ابن أبي عاصم في الأطعمة وحملنا ما شئنا من قديد وودك في الأسقية والغرائر، وفي رواية أبي الزبير عند المؤلّف في المغازي أنهم ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: كلوا رزقًا أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم فأتاه بعضهم بعضو
منه فأكله وبهذا تتم الدلالة لجواز أكل ميتة البحر من هذا الحديث وإلاّ فمجرد أكل الصحابة منه وهم في حال المجاعة قد يقال إنه للاضطرار، وقد تبين بهذه
стр. 3575
الزيادة أن جهة كونها حلالًا ليست بسبب الاضطرار بل لكونها من صيد البحر ويستفاد منه إباحة ميتة البحر سواء مات بنفسه أو بالاصطياد.
(قال) جابر (فأخذ أبو عبيدة) بن الجراح (ضلعًا) بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام (من أضلاعه) من أضلاع الحوت (فنصبه فمرّ الراكب تحته) وفي المغازي ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ثم أمر برحلة فرحت ثم مرت تحتهما فلم تصبهما وفي أخرى فيها فعمد إلى أطول رجل معه فمرّ تحته (وكان فينا رجل) هو قيس بن سعد بن عبادة (فلما اشتدّ) بنا (الجوع نحر ثلاث جزائر) جمع جزور قال في الفتح: وفيه نظر فإن جزائر جمع جزيرة والجزور إنما يجمع على جُزُر بضمتين فلعله جمع الجمع. وقال في القاموس: والجزور الناقة المجزرة الجمع جزائر وجزر وجزورات (ثم) جاعوا بعد أكلها فنحر (ثلاث جزائر) وكان قيس اشترى الجزر من أعرابي جهني كل جزور بوسق من تمر يوفيه إياه بالمدينة (ثم نهاه أبو عبيدة) عن النحر بسؤال عمر لأبي عبيدة في ذلك.
وبقية قصة قيس مع أبيه لما قدم المدينة أشرت إليها في المغازي مختصرة من حديث رويته في الغيلانيات.
١٣ - باب أَكْلِ الْجَرَادِ
(باب) جواز (أكل الجراد).
قال أهل اللغة فيما نقله الدميري: مشتق من الجرد قالوا: والاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جدًّا وهو بري وبحري وبعضه أصفر وبعضه أبيض وبعضه أحمر وبعضه كبير الجثة وبعضه صغيرها، وإذا أراد أن يبيض التمس لبيضه المواضع الصلدة والصخور الصلبة التي لا يعمل فيه المعول فيضربها بذنبه فتنفرج له ثم يلقي بيضه في ذلك الصدع فيكون له كالأفحوص ويكون حاضنًا له ومربيًّا، وللجرادة ستة أرجل يدان في صدرها وقائمتان في وسطها ورجلان في مؤخرها وطرفًا رجليها منشاران، قال: وفي الجراد خلقة عشرة من جبابرة الحيوان وجه فرس وعينا فيل وعنق ثور وقرنا أيل، وصدر أسد وبطن عقرب وجناحا نسر وفخذا جملا ورجلا نعامة وذنب حية، وليس في الحيوان أكثر إفسادًا لما يقتاته الإنسان من الجراد، وقد أحسن القاضي محيي الذين الشهرزوري في وصف الجراد بذلك حيث قال:
لها فخذا بكر وساقا نعامة … وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم
حبتها أفاعي الرمل بطنًا وأنعمت … عليها جياد الخيل بالرأس والفم
قال الأصمعي: أتيت البادية فإذا أعرابي زرع برًّا له فلما قام على سوقه وجاد بسنبله أتاه رجل جراد فجعل الرجل ينظر إليه ولا يعرف كيف الحيلة فأنشد:
مرّ الجراد على زرعي فقلت له … لا تأكلن ولا تشغل بإفساد
فقام منهم خطيب فوق سنبلة … أنا على سفر لا بد من زاد
ولعابه على الأشجار لا يقع على شيء إلاّ أحرقه.
٥٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، أَوْ سِتًّا كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ. قَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَإِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى سَبْعَ غَزَوَاتٍ.
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي يعفور) بفتح التحتية وسكون المهملة وضم الفاء وبعد الواو راء منصرفًا اسمه وفدان بفتح الواو وسكن الفاء بعدها دال مهملة فألف فنون وقيل وافد هو الأكبر لا الأصغر عبد الرحمن بن عبيد لأن الأصغر كما قال ابن أبي حاتم لم يسمع من ابن أبي أوفى بخلاف الأكبر كما (قال: سمعت ابن أبي أوفى) عبد الله (﵄ قال: غزونا مع النبي ﷺ سبع غزوات أو ستًّا) بالشك. قال في الفتح: من شعبة (كنا نأكل معه) ﷺ (الجراد) وزاد أبو نعيم في الطب ويأكله معنا وقد نقل النووي الإجماع على حل أكل الجراد وخصه ابن العربي بغير جراد الأندلس لما فيه من الضرر المحض. وفي حديث سلمان عند أبي داود أن النبي ﷺ سئل عن الجراد فقل: لا آكله ولا أحرّمه لكن الصواب أنه مرسل، وعن أحمد إذا قتله البرد لم يؤكل وملخص مذهب مالك إن قطعت رأسه حلّ
стр. 3576
وإلاّ فلا. وعند البيهقي من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن مريم ابنة عمران سألت ربها أن يطعمها لحمًا لا دم له فأطعمها الجراد" وفي الحلية في ترجمة يزيد بن ميسرة كان طعام يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام الجراد وقلوب الشجر يعني الذي ينبت في وسطها غضًّا طريًّا قبل أن يقوى وكان يقول: من أنعم منك يا يحيى وطعامك الجراد وقلوب الشجر.
(قال سفيان) الثوري مما وصله الدارمي عن محمد بن يوسف (وأبو عوانة) الوضاح اليشكري فيما وصله مسلم ولأبي ذر وقال أبو عوانة (وإسرائيل) فيما وصله الطبراني (عن أبي يعفور) وفدان (عن ابن أبي أوفى) عبد الله (سبع غزوات) وحمله الحافظ ابن حجر على أن أبا يعفور كان جزم مرة بالسبع ثم شك فجزم بالست إذ هي المتيقن.
١٤ - باب آنِيَةِ الْمَجُوسِ وَالْمَيْتَةِ
(باب) حكم (آنية المجوس) في الاستعمال أكلًا وشربًا (و) حكم (الميتة).
٥٤٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ، أَنَّكَ بِأَرْضِ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلَا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ إِلاَّ أَنْ لَا تَجِدُوا بُدًّا فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ، أَنَّكُمْ بِأَرْضِ صَيْدٍ، فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَكُلْ. وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْهُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك النبيل بن مخلد (عن حيوة بن شريح) بالشين المعجمة أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (ربيعة بن يزيد) من الزيادة (الدمشقي) قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (أبو إدريس) عائذ الله (الخولاني) بالخاء المعجمة قال: (حدّثني) بالإفراد كذلك (أبو ثعلبة الخشني) بالخاء والشين المعجمتين ﵁ (قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إنّا بأرض أهل الكتاب فنأكل في آنيتهم).
استشكل مطابقة الحديث للترجمة إذ ليس فيه ما ذكر ما ترجم به وهو المجوس. وأجاب ابن التين: باحتمال أنه كان يرى أن المجوس أهل كتاب وابن المنير بأنه بناء على أن المحذور منهما واحد وهو عدم توقي النجاسات وابن حجر بأنه أشار إلى ما عند الترمذي من طريق أخرى عن ثعلبة سئل رسول الله ﷺ عن قدور المجوس فقال: (أنقوها غسلًا واطبخوا فيها) وفي لفظ من وجه آخر عن أبي ثعلبة قلت: إنّا نمر بهذا اليهود والنصارى والمجوس فلا نجد غير آنيتهم الحديث. وهذه طريقة أكثر منها البخاري فيما كان سنده فيه مقال يترجم به ثم يورد في الباب ما يؤخذ الحكم منه بطريق الإلحاق انتهى.
قال أبو ثعلبة: (و) إنّا (بأرض صيد أصيد) فيها (بقوسي) بسهمه (وأصيد) فيها (بكلبي المعلم) بفتح اللام المشددة (و) أصيد (بكلبي الذي ليس بمعلم) بفتح اللام المشددة أيضًا (فقال النبي ﷺ ¬):
(أما ما ذكرت أنك) ولأبي ذر وابن عساكر أنكم (بأرض أهل كتاب فلا تأكلوا في آنيتهم) لكونها مستقذرة (إلا أن لا تجدوا أبدًا) بضم الموحدة وتشديد المهملة منوّنة أي فراقًا أو عوضًا منها (فإن لم تجدوا بدًّا) منها (فاغسلوها وكلوا فيها) ولأبي ذر وابن عساكر: فاغسلوا وكلوا والحكم في آنية المجوس كذلك لا يختلف مع الحكم في آنية أهل الكتاب لأن العلة إن كانت لكونهم تحلّ ذبائحهم كأهل الكتاب فلا إشكال أو لا تحل فتكون الآنية التي يطبخون فيها ذبائحهم ويغرفون قد تنجست بملاقاة الميتة فأهل الكتاب كذلك باعتبار أنهم لا يتدينون باجتناب النجاسة وبأنهم يطبخون فيها الخنزير ويضعون فيها الخمر. (وأما ما ذكرت أنكم) ولابن عساكر أنك (بأرض صيد فما
صدت بقوسك فاذكر اسم الله) عليه ندبًا (وكل) فإنه ذكاة له (وما صدت بكلبك المعلّم فاذكر اسم الله) عليه ندبًا (وكُل) فإن أخذ الكلب له ذكاة (وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته) ذبحه (فكله) ولابن عساكر: فكُل فإن لم تدركه فلا تأكل فإنه وقيذ.
٥٤٩٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «عَلَى مَا أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ»؟ قَالُوا: لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، قَالَ: «أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا، وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا». فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ: نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوْ ذَاكَ».
وبه قال: (حدّثني المكي بن إبراهيم) البلخي قال: (حدّثني) بالإفراد (يزيد بن أبي عبيد) الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع) هو ابن عمرو بن الأكوع أنه (قال: لما أمسوا يوم فتحوا خيبر أوقدوا النيران قال النبي ﷺ ¬):
(على ما) بألف بعد الميم ولأبي ذر عن الكشميهني علام (أوقدتم هذه النيران؟ قالوا: لحوم) بالجر أي على لحوم (الحمر الأنسية) بفتح الهمزة والنون وبكسر الهمزة وسكون النون وسقط لفظ الحمر لأبي ذر (قال) ﷺ : (أهريقوا) بهمزة مفتوحة ولأبي ذر: هريقوا (ما فيها واكسروا قدورها) مبالغة في الزجر وسقط قوله: واكسروا قدورها لابن عساكر (فقام رجل من القوم فقال) يا رسول الله: (نهريق ما فيها ونغسلها)؟ استفهام محذوف الأداة (فقال النبي ﷺ : أو ذاك) بسكون الواو إشارة إلى التخيير بين الكسر والغسل وغلظ أولًا حسمًا للمادّة فلما سلموا الحكم وضع عنهم الأصر، والأمر بغسلها حكم بالتنجيس فيستفاد منه تحريم أكلها وهو دال على تحريمها لعينها لا لمعنى خارج، وسقط لغير أبي ذر وابن عساكر فقال النبي ﷺ .
١٥ - باب التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَمَنْ تَرَكَ مُتَعَمِّدًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ نَسِيَ فَلَا بَأْسَ
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وَالنَّاسِي لَا يُسَمَّى فَاسِقًا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]
(باب) حكم (التسمية على الذبيحة و) حكم (من ترك) التسمية حال كونه (متعمدًا) وتقييده بالعمدية مشعر بالتفرقة بين العمد والنسيان ويدل لذلك قوله: (قال ابن عباس) ﵄: (من نسي) التسمية عند الذبح (فلا بأس) يأكل ما ذبح ومفهومه عدم الحل مع العمدية، وهذا وصله الدارقطني، وأخرجه سعيد بن منصور عن ابن عباس فيمن ذبح ونسي التسمية فقال المسلم فيه اسم الله وإن لم يذكر التسمية وسنده صحيح، وهو موقوف وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا.
(وقال الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾) عند الذبح (﴿وإنه﴾) وإن أكله (﴿لفسق﴾) وسقط لأبي ذر ﴿وإنه لفسق﴾ (والناسي لا يسمى فاسقًا) كما هو ظاهر من الآية لأن ذكر الفسق عقبه إن كان عن فعل المكلف وهو إهمال التسمية فلا يدخل الناسي لأنه غير مكلف فلا يكون فعله فسقًا وإن كان عن نفس الذبيحة التي لم يسم عليها وليست مصدرًا فهو منقول من المصدر والذبيحة المتروك التسمية عليها نسيانًا لا يصح تسميتها فسقًا إذ الفعل الذي نقل منه هذا الاسم ليس بفسق، فأما أن نقول لا دليل في الآية على تحريم المنسي فبقي على أصل الإباحة أو نقول فيها دليل من حيث مفهوم تخصيص النهي بما هو فسق فما ليس بفسق ليس بحرام قاله: صاحب الانتصاف من المالكية، وقال في المدارك: وظاهر الآية تحريم متروك التسمية وخصت حالة النسيان بالحديث أو يجعل الناس ذاكرًا تقديرًا ومن أول الآية بالميتة أو بما ذكر غير اسم الله عليه فقد عدل عن ظاهر اللفظ، ولعل المؤلّف أشار إلى الزجر عن الاحتجاج لجواز تلك التسمية بتأويل الآية وحملها على غير ظاهرها حيث قال: (وقوله) تعالى: (﴿وإن الشياطين) قال في اللباب إبليس وجنوده (﴿ليوحون﴾) ليوسوسون (﴿إلى أوليائهم﴾) من المشركين (﴿ليجادلوكم﴾) ليخاصموا محمدًا ﷺ وأصحابه بقولهم ما ذكر اسم الله عليه فلا تأكلوه وما لم يذكر اسم الله عليه فكلوه رواه أبو داود وابن ماجة والطبري بسند صحيح عن ابن عباس (﴿وإن أطعتموهم﴾) في استحلال ما حرمه الله (﴿إنكم لمشركون﴾) [الأنعام: ١٢١] لأن من اتبع غير الله في دينه فقد أشرك وبه من حق المتدين أن لا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه لما في الآية من التشديد العظيم، وقال عكرمة: المراد بالشياطين مردة المجوس ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش وذلك لأنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة أن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال وما يذبحه الله حرام فوقع في نفس ناس من المسلمين شيء من ذلك فأنزل الله هذه الآية.
والحاصل من اختلاف العلماء تحريم تركها عمدًا ونسيانًا وهو قول ابن سيرين والشعبي وطائفة من المتكلمين ورواية عن أحمد لظاهر الآية أو تخصيص التحريم بغير النسيان وهو مذهب الحنفية ومشهور مذهب المالكية والحنابلة لما سبق والإباحة مطلقًا عمدًا أو نسيانًا وهو مذهب الشافعية وروي عن مالك وأحمد محتجين بأن المراد من الآية الميتات وما ذبح على غير اسم الله لقوله تعالى: ﴿وإنه لفسق﴾ والفسق في ذكر غير اسم الله كما قال في آخر السورة: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّمًا﴾ إلى قوله: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله
стр. 3577
به﴾ [الأنعام: ١٤٥] وأجمع المسلمون على أنّه لا يفسق آكل ذبيحة المسلم التارك للتسمية، وأيضًا قوله: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ فإن هذه المناظرة كانت في الميتة كما مرّ، وقال تعالى: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ وهذا مخصوص بما ذبح على اسم النصب يعني لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم إلهية الأوثان لقد رضيتم بإلهيتها وذلك يوجب الشرك. قال إمامنا الشافعي ﵀: فأوّل الآية وإن كان عامًّا بحسب الصيغة إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد
من العموم الخصوص، وقال صاحب فتوح الغيب -رحمه الله تعالى-: والمجادلة هي قولهم لم لا تأكلون ما قتله الله وتأكلون ما قتلتموه أنتم وذلك أنما يصح في الميتة فدخل بقوله: ﴿وإنه لفسق﴾ ما أهل لغير الله فيه. وبقوله: ﴿وإن الشياطين ليوحون﴾ الميتة فتحقق قول الشافعي ﵀ أن النهي مخصوص بما ذبح على النصب أو مات حتف أنفه، واختلف في قوله: ﴿وإنه لفسق﴾ فقيل جملة مستأنفة قالوا ولا يجوز أن تكون منسوقة على سابقتها لأن الأولى طلبية وهذه خبرية، وقيل إنها منسوقة على السابقة ولا يضر تخالفهما وهو مذهب سيبويه، وقيل إنها حالية أي لا تأكلوه والحال أنه فسق.
قال في اللباب: وقد تبجح الرازي بهذا الوجه على الحنفية حيث قلب دليلهم عليهم بهذا الوجه وذلك لأنهم يمنعون من أكل متروك التسمية والشافعية لا يمنعون منه استدلّ الحنفية بظاهر الآية فقال الرازي هذه الجملة حالية ولا يجوز أن تكون معطوفة لتخالفهما طلبًا وخبرًا فتعين أن تكون حالية وإذا كانت حالية كان المعنى لا تأكلوه حال كونه فسقًا ثم هذا الفسق مجمل فسره الله تعالى في موضع آخر فقال: ﴿أو فسقًا أهلّ لغير الله به﴾ يعنى أنه إذا ذكر غير اسم الله على الذبيحة فإنه لا يجوز أكلها لأنه فسق، وقد يجاب بأن يقال سلمنا إن ما أهلّ لغير الله به يكون فسقًا ونحن نقول به ولا يلزم من ذلك أنه إذا لم يذكر اسم الله عليه ولا اسم غيره أن يكون حرامًا وللنزاع فيه مجال من وجوه: منها إنّا لا نسلم امتناع عطف الخبر على الطلب والعكس كما مرّ عن سيبويه، وإن سلم قالوا وللاستناف وما بعدها مستأنف، وإن سلم أيضًا فلا نسلم أن فسقًا في الآية الأخرى مبين للفسق في هذه الآية فإن هذا ليس من باب المجمل والمبين لأن له شروطًا ليس موجودة هنا وسقط قوله ليجادلوكم إلى آخره لأبي ذر.
٥٤٩٨ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَعَجِلُوا فَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَدُفِعَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا». قَالَ: وَقَالَ جَدِّي إِنَّا لَنَرْجُو أَوْ نَخَافُ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَمَّا السِّنُّ عَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي البصريّ قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن سعيد بن مسروق) والد سفيان الثوري (عن عباية بن رفاعة بن رافع) بفتح العين والموحدة المخففة بعدها تحتية ورفاعة بكسر الراء وتخفيف
الفاء وبعد الألف عين مهملة الأنصاري (عن جدّه رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد التحتية جيم، وقال أبو الاحوص عن سعيد عن عباية عن أبيه عن جدّه وتابع أبا الأحوص على زيادته في الإسناد عن أبيه حسان بن إبراهيم الكرمانيّ عن مسعود بن مسروق أخرجه البيهقي من طريقه وكذا رواه ليث بن أبي سليم عن عباية عن أبيه عن جدّه أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة) من الأسماء المركبة تركيب إضافة فيعرب الأوّل بوجوده الإعراب والثاني مجرور على الإضافة كأبي هريرة وزاد سفيان الثوري عن أبيه من تهامة وهو مكان بالقرب من ذات عرق بين الطائف ومكة كما جزم به أبو بكر الحازمي وياقوت ووقع للقابسي أنها الميقات المشهور وكذا ذكره النووي (فأصاب الناس جوع فأصبنا إبلًا وغنمًا) من المغانم (وكان النبي ﷺ ¬) كائنًا (في أُخريات الناس) آخرهم ليصونهم ويحفظهم إذ لو تقدّمهم لخيف أن يقتطع الضعيف منهم وكان بالمؤمنين رحيمًا (فعجلوا) من الجوع الذي كان بهم وذبحوا ما غنموه قبل القسمة (فنصبوا القدور) ووضعوا ما ذبحوه فيها وفي رواية الثوري فأغلوا
стр. 3578
القدور أي أوقدوا النار تحتها حتى غلت (فدفع) بضم الدال مبنيًّا للمفعول أي وصل (إليهم النبي ﷺ ¬) ولأبي ذر هنا إليهم ومقتضاه سقوط إليهم الأولى (فأمر) ﷺ (بالقدور) أن تكفأ (فأكفئت) بضم الهمزة وسكون الكاف. قال ابن فرحون: أي فأمر رجلًا بكفء القدور ولأن أمر يتعدى إلى مفعول به إلى الثاني بالباء ويكون الثاني مصدرًا أو مقدرًا بمصدر تقول أمرتك الخير وأمرتك بالخير وتقول أمرتك بزيد ولا تقول أمرتك زيدًا لأن التقدير أمرتك بإكرام زيد أو بضرب زيد فيحذف المصدر ويقام المضاف إليه مقامه، وكذلك جاء هنا فلا يجوز فأمر القدور إلا بتقدير مضاف أي بكفء القدور فالباء الداخلة على المصدر به حذفه دخلت على القائم مقامه قال: وهذا الذي ظهر لي من التقدير ما وقفت عليه لكن وجدت القواعد تسوق إليه انتهى.
وقوله: فأكفئت أي فقلبت وأفرغ ما فيها أي من المرق كما قاله النووي عقوبة لهم قال: وأما اللحم فلم يتلفوه بل يحمل على أنه جمع وردّ إلى المغنم ولا يظن أنه أمر بإتلافه مع نهيه ﷺ عن إضاعة المال وهذا من مال الغانمين وأيضًا فالجناية بطبخه لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة فإن منهم من لم يطبخ ومنهم المستحقون للخمس. فإن قيل: إنه لم ينقل أنهم حملوا اللحم إلى المغنم قلنا ولم ينقل أنهم أحرقوه أو أتلفوه فيجب تأويله على وفق القواعد انتهى.
لكن في حديث عاصم بن كليب عن أبيه وله صحبة عن رجل من الأنصار قال: أصاب الناس حاجة شديدة وجهد فأصابوا غنمًا فانتهبوها فإن قدورنا لتغلي بها إذ جاء رسول الله ﷺ على فرسه فأكفأ قدورنا بقوسه ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال: "إن النهبة ليست بأحل من الميتة" رواه أبو داود بإسناد جيد على شرط مسلم، وترك تسمية الصحابي لا يضرّ ولا يقال لا يلزم من تتريب اللحم إتلافه لا مكان تداركه بالغسل لأن سياق الحديث يُشعِر بإرادة المبالغة في الزجر عن ذلك وهو كونهم انتهبوا ولم يأخذوا باعتدال فلو كان بصدد أن ينتفع به بعد ذلك لم يكن فيه كبير
زجر لأن الذي يخص الواحد منهم نزر يسير فكان إفسادها عليهم مع تعلق قلوبهم بها وحاجتهم إليها وشهوتهم لها أبلغ في الزجر قاله في الفتح وغيره.
(ثم قسم) ﷺ (فعدل) أي قابل (عشرة) ولأبي ذر عشرًا (من الغنم ببعير) لنفاسة الإبل إذ ذاك أو قلتها وكثرة الغنم أو كانت هزيلة بحيث كان قيمة البعير عشر شياه وحينئذٍ فلا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أن البعير يجزئ عن سبع شياه لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير العتدلين، فالأصل أن البعير لسبعة ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها فيتغير الحكم بحسب ذلك وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك (فند) بفتح الفاء والنون وتشديد الدال فنفر وذهب على وجهه شاردًّا (منها) من الإبل المقسومة (بعير) والفاء عاطفة على السابق (وكان في القوم خيل يسيرة) قال ذلك تمهيدًا لعذرهم في كون البعير الذي ندّ أتعبهم ولم يقدروا على تحصيله (فطلبوه) بفاء العطف والسبب (فأعياهم) فأتعبهم والفاء للعطف على محذوف أي طلبوه ففاتهم ولم يقدروا على تحصيله (فأهوى إليه رجل) لم يقف الحافظ ابن حجر على اسمه أي قصد نحوه ورماه (بسهم فحبسه الله) بالسهم لم جعل إصابة السهم له سببًا في وقوفه فهو خالق الأسباب والمسببات (فقال النبي ﷺ ¬):
(إن لهذه البهائم) جمع بهيمة قال: في القاموس كل ذات أربع قوائم وفي رواية الثوري وشعبة إن لهذه الإبل (أوابد) بفتح الهمزة والواو وكسر الموحدة بعدها دال مهملة أي توحشًا ونفرة من الإنس (كأوابد الوحش) وأوابد لا ينصرف لأنه على صيغة منتهى المجموع والكاف يجوز أن تكون اسمًا صفة لأوابد يكون ما بعد الكاف مضافًا إليه أو الكاف حرف جرّ وتاليه مجرور به أي إن لهذه البهائم أوابد كائنة كأوابد الوحش وإنما انصرف أوابد الثاني لأنه أضيف (فما ندّ)
стр. 3579
نفر واستعصب (عليكم) ولأبي ذر زيادة منها (فاصنعوا به هكذا) أي وكلوه كما عند الطبراني وقوله هكذا الهاء للتنبيه وكذا كلمتان الكاف بمعنى مثل في موضع المفعول وذا مضاف إليه أو الكاف نعت لمصدر محذوف أي فاصنعوا به صنعًا كذا أي مثل ذلك.
(قال) عباية: (وقال جدي): رافع بن خديج وزاد عبد الرزاق عن الثور في روايته يا رسول الله وهذا صورته صورة الإرسال لأن عباية لم يدرك زمان القول (إنا لنرجو أو) قال: (نخاف) بالشك من الراوي (أن نلقى العدو غدًا وليس معنا مدى) بضم الميم وبالدال المهملة مقصورًا مخففًا جمع مدية بسكون الدال سكين تذبح بها ما نغنمه منهم أو نذبح بها ما نأكله لنتقوّى به على العدو إذا لقيناه وسميت المدية فيما قيل لأنها تقطع مدي حياة الحيوان (أفنذبح بالقصب) الفاء عاطفة على ما قبل همزة الاستفهام ومنهم من قدّر المعطوف عليه بعد الهمزة كما مر في قوله أوّل هذا المجموع أو مخرجيّ هم والتقدير هنا أي أتأذن فنذبح بالقصب وقال الكرماني: فإن قلت ما الغرض من ذكر لقاء العدوّ عند السؤال عن الذبح بالقصب قلت غرضه إنّا لو استعملنا السيوف في المذابح لكلّت وعند اللقاء نعجز عن القاتلة بها (فقال) ﷺ مجيبًا بجواب جامع.
(ما أنهر الدم) بسكون النون وبعد الهاء المفتوحة راء مهملة أي أساله وصبه بكثرة وهو مشبه بجري الماء في النهر وما شرطية رفع بالابتداء (وذكر اسم الله عليه) بضم الدال فعل ومفعول لم يسم فاعله وعليه متعلق بذكر وجواب الشرط قوله (فكل) أو ما موصولة رفع بالابتداء وخبرها فكلوا والتقدير ما أنهر الدم فحلال فكلوا واللام في الدم بدل من المضاف إليه أي دم صيد والضمير في فكلوه على الوجهين لا يصح عوده على ما فلا بدّ من رابط يعود على ما من الجملة أو ملابسها فيقدّر محذوف ملابس أي فكلوا مذبوحه أو يقدر مضاف إلى ما أي مذبوح ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه وبه يتمسك من اشترط التسمية لأنه علق الإذن بمجموع الأمرين الأنهار والتسمية والمعلق على شيئين لا يكتفي فيه إلا باجتماعهما وينتفي بانتفاء أحدهما ومبحث ذلك قد مرّ مرارًا (ليس السن والظفر) نصب على الخبرية لليس وقيل على الاستثناء واسمها على الخلاف هل هو ضمير مستتر عائد على البعض المفهوم من الكل السابق أو لفظ بين محذوف تقول جاء القوم ليس زيدًا بمعنى إلا زيدًا وتقديره ليس بعضهم زيدًا ولا يكون بعضهم زيدًا ومؤدّاه مؤدي إلا (وسأخبركم عنه) ولأبي ذر عن الكشميهني وسأحدثكم عنه (أما السن) فإنه (عظم) وكل عظم لا يحل الذبح به فالنتيجة مطوية لدلالة الاستثناء عليها كما قاله البيضاوي، أو كان ﷺ قد قرر عندهم أن الذكاة لا تحل بالعظم فلذا اقتصر على قوله عظم قاله ابن الصلاح وللكشميهني فعظم بزيادة الفاء (وإما الظفر فمدى الحبشة) وهم كفار وقد نهيتم عن التشبه بهم، أو لأن الذبح به تعذيب للحيوان ولا يقع به غالبًا إلا الخنق الذي ليس على صورة الذبح. وفي الحديث منع الذبح بالسن والظفر متصلًا كان أو منفصلًا طاهرًا كان أو متنجسًا وفرق الحنفية بين السن والظفر المتصلين فخصوا المنع بهما وأجازوه بالمنفصلين، وفي المعرفة للبيهقي من رواية حرملة عن الشافعي ﵀ حمل الظفر في هذا الحديث على النوع الذي يدخل في البخور والطيب.
١٦ - باب مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَالأَصْنَامِ
(باب ما ذبح على النصب) بضم النون والصاد حجارة كانت لهم منصوبة حول الكعبة يذبحون عليها الأصنام يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها وقيل هي ما يعبد من دون الله وحينئذٍ فقوله (والأصنام) عطف تفسيري وهي جمع صنم وهو ما اتخذ إلهًا من دون الله.
٥٤٩٩ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ الْمُخْتَارِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، وَذَاكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَحْيُ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلاَّ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ".
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العميّ أبو الهيثم قال: (حدّثنا عبد العزيز يعني ابن المختار)
بالخاء المعجمة البصري الدباغ قال: (أخبرنا موسى بن عقبة) مولى آل الزبير ويقال: مولى أمّ خالد زوج الزبير الإمام في المغازي (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم أنه سمع) أباه (عبد الله) بن عمر بن
стр. 3580
الخطاب ﵄ (يحدّث عن رسول الله ﷺ ، أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل) بضم النون وفتح الفاء وعمرو بفتح العين وزيد هذا والد سعيد بن زيد العدوي أحد العشرة المبشرة بالجنة (بأسفل بلدح) بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الدال آخره حاء مهملتين منصرف ولأبي ذر غير منصرف اسم موضع بالحجاز قريب من مكة (وذاك قبل أن ينزل على رسول الله ﷺ الوحي) وكان زيد في الجاهلية يتعبد على دين إبراهيم ﷺ (فقدم إليه رسول الله ﷺ سفرة فيها لحم) بفتح قاف فقدم والضمير في إليه لزيد ورسول الله ﷺ رفع فاعل أو سفرة مفعول ولأبي ذر عن الكشميهني فقدم بضم القاف مبنيًّا للمفعول إلى رسول الله ﷺ سفرة وجمع بينهما بأن القوم الذين كانوا هناك قدموا السفرة للنبي ﷺ فقدمها النبي ﷺ لزيد (فأبى) فامتنع زيد (أن يأكل منها ثم قال): مخاطبًا للقوم الذين قدموا السفرة للنبي ﷺ (إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا مما) ولابن عساكر إلا ما (ذكر اسم الله عليه) عند ذبحه. قال السهيليّ: إنما قال زيد ذلك برأي منه لا بشرع بلغه فإن الذي في شرع إبراهيم تحريم الميتة لا ما ذبح لغير الله وتعقب بأن الذي في شرع إبراهيم ﵊ تحريم ما ذبح لغير الله تعالى وقد كان عدوّ الأصنام وفي حديث زيد بن حارثة عند أبي يعلى والبزار وغيرهما. قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ يومًا من مكة وهو مردفي فذبحنا شاة على بعض الأنصاب فأنضجناها فلقينا زيد بن عمرو فذكر الحديث مطوّلًا وفيه فقال زيد إني لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه. وقوله ذبحنا شاة على بعض الأنصاب يعني الحجارة التي ليست بأصنام ولا معبودة وإنما هي من آلاف الحجارة التي يذبح عليها.
فإن قلت: هل أكل النبي ﷺ من ذلك؟ أجيب: بأن جعله في سفرة رسول الله ﷺ لا يدل على أنه أكل منه وكم من شيء يوضع في سفرة المسافر مما لم يأكل هو منه وإنما لم ينه ﷺ من معه عن أكله لأنه لم يوح إليه بعد ولم يؤمر بتبليغ شيء تحريمًا ولا تحليلًا، وقد كان ﷺ لا يأكل من ذبائحهم التي يذبحونها لأصنامهم فأما ذبائحهم التي يذبحونها لمآكلهم فلم نجد في الحديث أنه كان يتنزه عنها وقد كان بين ظهرانيهم مقيمًا ولم يذكر أنه كان يتميز عنهم إلا في أكل الميتة، وقد أباح الله تعالى لنا طعام أهل الكتاب والنصارى والمشركون يذبحون ويشركون في ذلك بالله قاله الخطابي.
وهذا الحديث قد سبق مطوّلًا في آخر المناقب في باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل.
١٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ»
(باب قول النبي ﷺ : فليذبح) أضحيته (على اسم الله) تعالى.
٥٥٠٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ
قَالَ: ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُضْحِيَّةً ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا أُنَاسٌ قَدْ ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدْ ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن الأسود بن قيس) العبدي الكوفي (عن جندب بن سفيان) هو جندب بن عبد الله بن سفيان (البجلي) بفتح الموحدة والجيم أنه (قال: ضحينا مع رسول الله ﷺ أضحية) بضم الهمزة وتشديد التحتية ولأبي ذر وابن عساكر أضحاة مفرد الأضحى كالأرطأة والأرطى (ذات يوم) من باب إضافة المسمى إلى اسمه (فإذا أناس) بهمزة مضمومة ولأبي ذر عن الكشميهني فإذا أناس (قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة) أي صلاة العيد (فلما انصرف) من الصلاة (رآهم النبي ﷺ أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة فقال) ﷺ :
(من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله) يحتمل أن يكون المراد الإذن في الذبح أو الأمر بالتسمية عليه ويؤخذ من الحديث أن وقت الأضحية من مضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفات من طلوع الشمس، والأفضل تأخيرها إلى مضيّ ذلك من ارتفاعها كرمح خروجًا من الخلاف.
وهذا الحديث قد سبق
стр. 3581
في الضحايا قبل صلاة العيد.
١٨ - باب مَا أَنْهَرَ الدَّمَ مِنَ الْقَصَبِ وَالْمَرْوَةِ وَالْحَدِيدِ
(باب ما أنهر الدم) أي أساله (من القصب والمروة) حجر أبيض أو الذي يقدح منه النار (والحديد) من ذوات الحد يحل لحديث الطبراني في القصب والمروة لا مثقل كبندقة وعظم كسن وطفر لحديث اذبحوا بكل شيء فري الأوداج ما خلا السن والظفر وغيره من الأحاديث، وألحق بهما باقي العظام نغم ما قتلته الجارحة بظفرها أو نابها حلال.
٥٥٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المقدمي حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ سَمِعَ ابْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُخْبِرُ ابْنَ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَارِيَةً لَهُمْ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا. فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا. فَقَالَ لأَهْلِهِ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، أَوْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْأَلُهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَوْ بَعَثَ إِلَيْهِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَكْلِهَا.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن أبي بكر المقدمي) بفتح الدال المشددة ولفظ المقدمي ثابت في رواية أبي ذر قال: (حدّثنا معتمر) هو ابن سليمان التيمي (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر
стр. 3582
العمري (عن نافع) مولى ابن عمر أنه (سمع ابن كعب بن مالك) عبد الرحمن، وقيل عبد الله وبه جزم المزي في الأطراف والذي رجحه الحافظ ابن حجر الأول
(يخبر ابن عمر) عبد الله (أن أباه أخبره أن جارية لهم) أي أعرف اسمها (كانت ترعى غنمًا بسلع) بفتح السين المهملة وسكون اللام جبل بالمدينة (فأبصرت) أي الجارية (بشاة من غنمها موتًا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي موتها ولغير أبي ذر كما في الفتح فأصيبت شاة بدل فأبصرت بشاة (فكسرت حجرًا فذبحتها) ولأبي ذر عن الكشميهني فذكتها بتشديد الكاف ولأبي ذر كما في الفتح زيادة به ولم يذكرها في الفرع (فقال) أي كعب (لأهله: لا تأكلوا) شيئًا من هذه الشاة (حتى آتي النبي ﷺ فأسأله أو) قال (حتى أرسل إليه من يسأله) بالشك من الراوي (فأتى) كعب (النبي ﷺ أو بعث إليه) من سأله (فأمر النبي ﷺ بأكلها) ولابن عساكر فأمره بأكلها وفيه التنصيص على الذبح بالحجر.
وقد مرّ هذا الحديث في باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت من الوكالة.
٥٥٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ تَرْعَى غَنَمًا لَهُ بِالْجُبَيْلِ الَّذِي بِالسُّوقِ وَهْوَ بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاةٌ، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهَا.
وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل المنقري قال: (حدّثنا جويرية) بن أسماء البصري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن رجل من بني سلمة) بكسر اللام قيل هو ابن لكعب بن مالك (أخبر عبد الله) بن عمر ﵄ (أن جارية لكعب بن مالك) كانت (ترعى غنمًا له بالجبيل) بضم الجيم وفتح الموحدة مصغرًا (الذي بالسوق) المدني (وهو) أي الجبيل (بسلع فأصيبت شاة) من الغنم ولأبي ذر: بشاة بالجار (فكسرت) أي الجارية (حجرًا فذبحتها به) بالحجر وسقط لغير أبي ذر لفظ به (فذكروا للنبي ﷺ ¬) ذلك (فأمرهم بأكلها) وليس الأمر للوجوب بل للإباحة.
٥٥٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رَافِعٍ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لَنَا مُدًى فَقَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ، لَيْسَ الظُّفُرَ وَالسِّنَّ، أَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ، وَأَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَنَدَّ بَعِيرٌ فَحَبَسَهُ فَقَالَ إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا هَكَذَا».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة بفتح الجيم والموحدة واللام الأزدي العتكي مولاهم المروزي (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان (عن شعبة) بن الحجاج (عن سعيد بن مسروق) والد سفيان الثوري (عن عباية بن رافع) بفتح العين المهملة والموحدة المخففة ورافع بألف قبل الفاء هو جدّ عباية وفي الفتح عباية بن رفاعة يعني بألف بعد الفاء وهو والد عباية وفي الفرع وأصله سقوط ابن رافع لأبي ذر (عن جدّه) رافع بن خديج ﵁ (أنه قال: يا رسول الله ﷺ ليس لنا مدى) نذبح بها (فقال) ﷺ :
(ما أنهر الدم وذكر اسم الله) عليه (فكُل) ولأبي ذر: فكلوا (ليس الظفر والسن) بنصبهما خبر ليس (أما الظفر فمدى الحبشة) فلا يشتبه بهم للنهي عن التشبه بالكفار (وأما السن فعظم) هو ينجس بالدم وقد نهيتم عن تنجيسه لأنه زاد إخوانكم من الجن.
(وندّ بعير) هرب ونفر بعير من الإبل التي كان قسمها النبي ﷺ (فحبسه) الله بسبب رجل من القوم رماه بسهم (فقال) ﷺ (إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش) نفرات كنفرات الوحش (فما غلبكم منها فاصنعوا هكذا) ولأبي ذر وابن عساكر به هكذا.
وسبق هذا الحديث قريبًا.
١٩ - باب ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالأَمَةِ
(باب) حكم (ذبيحة المرأة والأمة).
٥٥٠٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُخْبِرُ عَبْدَ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبٍ بِهَذَا.
وبه قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضل المروزي قال: (أخبرنا عبدة) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة ابن سليمان (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمر (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن لكعب بن مالك) عبد الرحمن كما رجحه الحافظ ابن حجر وسقطت لام لكعب لأبي ذر. (عن أبيه) كعب (أن امرأة) وهي جارية له (ذبحت شاة بحجر) له حدّ بحيث أسال الدم (فسئل النبي ﷺ عن ذلك فأمر بأكلها) أي أباحه.
(وقال الليث) بن سعد الإمام مما وصله الإسماعيلي (حدّثنا نافع) مولى ابن عمر (أنه سمع رجلًا من الأنصار) يحتمل أن يكون ابن كعب وإن لم يكن هو فهو مجهول لكن الرواية الأخرى دلت على أن له أصلًا (يخبر عبد الله) بن عمر ﵄ (عن النبي ﷺ أن جارية لكعب بهذا) الحديث السابق.
٥٥٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا، فَأَدْرَكَتْهَا فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «كُلُوهَا».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن رجل من الأنصار عن معاذ بن سعد) بسكون العين (أو سعد بن معاذ) الأنصاري كذا وقع حديثه على الشك وذكره ابن منده وغيره في الصحابة أنه (أخبره أن جارية
لكعب بن مالك كانت ترعى غنمًا) لكعب (بسلع فأصيبت شاة منها) ولأبي ذر بشاة بزيادة الجار (فأدركتها) الجارية الراعية (فذبحتها) ولأبي ذر عن الكشميهني فذكّتها (بحجر فسئل النبي ﷺ ¬) عن ذلك (فقال) لهم:
(كلوها) وفيه دليل لما ترجم له وهو جواز أكل ما ذبحته المرأة سواء كانت حرّة أو أمة كبيرة أو صغيرة طاهرة أو غير طاهرة لأنه ﷺ أكل ما ذبحته ولم يستفصل نص عليه الشافعي، وهو قول الجمهور ونقل محمد بن عبد الحكم كراهته عن مالك، وفي المدوّنة جوازه.
٢٠ - باب لَا يُذَكَّى بِالسِّنِّ وَالْعَظْمِ وَالظُّفُرِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يذكى بالسن والعظم والظفر).
٥٥٠٦ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كُلْ يَعْنِي مَا أَنْهَرَ الدَّمَ إِلاَّ السِّنَّ وَالظُّفُرَ».
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة ابن عقبة قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أبيه) سعيد بن مسروق (عن عباية بن رفاعة عن) جده (رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد التحتية الساكنة جيم ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): أي لي لما سألته يا رسول الله ليس لنا مدى نذبح بها.
(كُل يعني) إذا ذبحت بكل (ما أنهر الدم) كالقصب والحجر (إلا السن والظفر) زاد في غير هذه مما سبق أما السن فعظم وبذلك تحصل المطابقة الكلية بين الحديث والترجمة.
٢١ - باب ذَبِيحَةِ الأَعْرَابِ وَنَحْوِهِمْ
(باب) حكم (ذبيحة الأعراب) وهم ساكنو البادية (و) حكم ذبيحة (نحوهم) بالواو ولأبي ذر عن الكشميهني ونحرهم بالراء بدل الواو فالأول لغير الإبل.
٥٥٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَقَالَ: «سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ». قَالَتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ. تَابَعَهُ عَلِيٌّ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَتَابَعَهُ أَبُو خَالِدٍ وَالطُّفَاوِيُّ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن عبيد الله) بضم العين ابن زيد أبو ثابت مولى العثمان بن عفان القرشي الأموي المدني قال: (حدّثنا أسامة بن حفص المدني) ضعفه الأزدي بلا حجة (عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه عن عائشة ﵂ أن قومًا قالوا للنبي ﷺ وإن قومًا) وللنسائي إن ناسًا من الأعراب (يأتونا) ولأبي ذر وابن عساكر: يأتوننا بزيادة
نون أخرى (باللحم) من البادية (لا ندري أذكر اسم الله عليه) عند الذبح بضم ذال أذكر مبنيًّا للمفعول (أم لا؟ فقال) ﷺ :
(سموا عليه أنتم وكلوه) وهذا ظاهر في عدم وجوب التسمية وليس المراد من قوله ﷺ سموا عليه أنتم إن تسميتهم على الأكل قائمة مقام التسمية الفائتة على الذبح بل طلب الإتيان بالتسمية التي لم تفت وهي التسمية على الأكل. (قالت) عائشة: (وكانوا) أي القوم السائلون (حديثي عهد بالكفر) بإسقاط النون للإضافة وزاد مالك في آخره وذلك في آخر الإسلام وقد تمسك بهذه الزيادة قوم فزعموا إن هذا الجواب كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]. وأجيب: بأن في الحديث نفسه ما يرد ذلك لأنه أمرهم فيه بالتسمية عند الأكل فدلّ على أن الآية كانت نزلت بالأمر بالتسمية عند الأكل وأيضًا فقد اتفقوا على أن الأنعام مكية وأن هذه القصة كانت بالمدينة وأن القوم كانوا من أعراب بادية المدينة. وقال الطيبي: قوله اذكروا اسم الله أنتم وكلوا من أسلوب
стр. 3583
الحكيم كأنه قيل لهم لا تهتموا بذلك ولا تسألوا عنه، والذي يهمكم الآن أن تذكروا اسم الله عليه.
(تابعه) أي تابع أسامة بن حفص (علي) هو ابن المديني (عن الدراوردي) عبد العزيز بن محمد عن هشام بن عروة مرفوعًا كذلك وهذه المتابعة وصلها الإسماعيلي (وتابعه) أي وتابع أسامة أيضًا (أبو خالد) سليمان بن حيان الأحمر فيما وصله المصنف في كتاب التوحيد (و) تابعه أيضًا (الطفاوي) بضم الطاء المهملة بعدها فاء محمد بن عبد الرحمن فيما وصله المؤلّف في البيوع كلاهما مرفوعًا لكن خالفهم مالك فرواه عن هشام عن أبيه مرسلًا لم يذكر عائشة، ووافق مالكًا على إرساله الحمادان وابن عيينة والقطان عن هشام وهو أشبه بالصواب قاله الدارقطني والحكم للواصل إذ زاد عدد من وصل على من أرسل واختلف بقرينة تقوي الوصل كما هنا إذ عروة معروف بالرواية عن عائشة مشهور بالأخذ عنها ففيه إشعار بحفظ من وصله عن هشام دون من أرسله.
٢٢ - باب ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَشُحُومِهَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهِمْ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارِىِّ الْعَرَبِ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُسَمِّي لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَأْكُلْ وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الأَقْلَفِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ
(باب) جواز أكل (ذبائح أهل الكتاب) اليهود والنصارى (و) جواز أكل (شحومها) أي شحوم ذبائح أهل الكتاب (من أهل الحرب) الذين لا يعطون الجزية (وغيرهم) وغير أهل الحرب من الذين يعطون الجزية لأن التذكية لا تقع على بعض أجزاء المذبوح دون بعض وإذا كانت التذكية
سائغة في جميعها دخل الشحم لا محالة وعن مالك وأحمد تحريم ما حرّم على أهل الكتاب كالشحوم.
(وقوله تعالى: ﴿اليوم أحلّ لكم الطيبات﴾) وهي ما ليس بخبيث منها وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنّة أو إجماع أو قياس (﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لهم﴾) أي ذبائحهم لأن سائر الأطعمة لا يختص حلّها بالملة، وسقط لأبي ذر اليوم، وقوله: ﴿وطعام الذين﴾ إلى آخره وبإثبات قوله: ﴿وطعام الذين﴾ إلى آخره يتم الاستدلال إذ لم يخص ذميًّا من حربي ولا لحمًا من شحم وكون الشحوم محرمة عليهم لا يضرنا ذلك لأنها محرمة عليهم لا علينا، والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى ومن دخل في دينهم قبل بعثة نبينا ﷺ ، فأما من دخل دينهم بعد المبعث فلا تحل ذبيحته (﴿وطعامكم حلّ لهم﴾) [المائدة: ٥].
(وقال الزهري) محمد بن مسلم فيما وصله عبد الرزاق (لا بأس بذبيحة نصارى العرب) والذي في اليونينية نصاريّ العرب بكسر الراء وتشديد التحتية وهو مروي عن ابن عباس أيضًا كما في اللباب (وإن سمعته) أي الذمي (يسمي لغير الله) كأن يذبح باسم المسيح (فلا تأكل). وبه قال ابن عمر وهو قول ربيعة، وبه قال إمامنا الشافعي: وعبارته إن كان لهم ذبح يسمون عليه غير اسم الله مثل اسم المسيح لم يحل وإن ذكر المسيح على معنى الصلاة عليه لم يحرم، وحكى البيهقي بحثًا عن الحليمي أن أهل الكتاب إنما يذبحون لله تعالى وهم في أصل دينهم لا يقصدون بعبادتهم إلا الله فإذا كان قصدهم في الأصل ذلك اغتفرت ذبيحتهم ولم يضر قول من قال منهم مثلًا باسم المسيح لأنه يريد بذلك إلا الله وإن كان قد كفر بذلك الاعتقاد، (وإن لم تسمعه) يسمي لغير الله (فقد أحله الله). زاد أبو ذر لك (وعلم كفرهم، ويذكر) بضم أوّله وفتح ثالثه (عن عليّ نحوه) أي نحو ما روي عن الزهري وسياقه بصيغة التمريض يُشعر بأنه لم يصح عنه، بل روي عن عليّ أنه استثنى نصارى بني تغلب، وقال: ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر. قال في اللباب: وبه أخذ الشافعي انتهى. ورواه الشافعي وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن عليّ.
(وقال الحسن) البصري فيما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه (وإبراهيم) النخعي فيما أخرجه أبو بكر الخلال (لا بأس بذبيحة الأقلف) بالقاف ثم الفاء الذي لم يختن لكن أخرج ابن المنذر عن ابن عباس الأقلف لا تؤكل ذبيحته ولا تقبل صلاته ولا شهادته، وقد حكى ابن المنذر الإجماع على جواز ذبيحته لأنه سبحانه أباح ذبائح أهل الكتاب ومنهم من لا يختتن.
(وقال ابن عباس) ﵄ مفسرًا لقوله : ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾
стр. 3584
(طعامهم ذبائحهم) وهذا وصله البيهقي وثبت للمستملي وسقط لغيره.
٥٥٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - رضي
الله عنه - قَالَ: كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ، فَنَزَوْتُ لآخُذَهُ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن حميد بن هلال) العدوي أبي نصر البصري (عن عبد الله بن مغفل) بفتح الغين المعجمة والفاء مشددة (﵁) أنه (قال: كنا محاصرين قصر خيبر فرمى إنسان) أي أعرفه (بجراب) بكسر الجيم (فيه شحم) من شحم يهود (فنزوت) بالفاء والنون والزاي المفتوحات والواو الساكنة بعدها مثناة فوقية أي وثبت ولأبي ذر عن الكشميهني فبدرت أي أسرعت (لآخده فالتفت فإذا النبي ﷺ فاستحييت منه) لكونه اطّلع على حرصي عليه، زاد أبو داود الطيالسي، قال ﷺ : (هو لك) وكأنه عرف شدة حاجته إليه فسوّغ له الاستئثار به وفيه حجة لجواز الشحوم لأنه ﷺ أقرّ ابن مغفل على الانتفاع بما في الجراب وفيه جواز أكل الشحم مما ذبحه أهل الكتاب ولو كانوا أهل حرب.
وهذا الحديث سبق في الخمس في باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب، وزاد هنا الحموي والكشميهني ما سبق قبل للمستملي، وهو قوله، وقال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم.
٢٣ - باب مَا نَدَّ مِنَ الْبَهَائِمِ فَهْوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْشِ. وَأَجَازَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَعْجَزَكَ مِنَ الْبَهَائِمِ مِمَّا فِي يَدَيْكَ فَهْوَ كَالصَّيْدِ وَفِي بَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ مِنْ حَيْثُ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَذَكِّهِ وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ
(باب ما ندّ) أي فرّ وشرد (من البهائم) الإنسية (فهو بمنزلة الوحش) في عقره على أي صفة اتفقت (وأجازه) أي عقر البهائم كالوحش (ابن مسعود) عبد الله مما وصله ابن أبي شيبة بمعناه (وقال ابن عباس) ﵄: (ما أعجزك) ذبحه (من البهائم) الإنسية (مما في يديك) بالتثنية مما كان لك وفي تصرفك فتوحش (فهو كالصيد) في أي شيء منه أصبته فهو ذكاته وهذا وصله ابن أبي شيبة (و) قال ابن عباس أيضًا فيما وصله عبد الرزاق (في بعير تردّى) وقع (في بئر من حيث قدرت عليه فذكّه) بكسر الهاء ولأبي ذر فذكه بكسر الهاء من حيث قدرت بالتقديم والتأخير وإسقاط عليه وكذلك بالتقديم والتأخير لابن عساكر لكن بإثبات لفظ عليه (ورأى ذلك) الحكم المذكور فيما يند (علي) أي ابن أبي طالب فيما وصله ابن أبي شيبة (وابن عمر) بضم العين فيما وصله عبد الرزاق (وعائشة) ﵃ قال في الفتح: لم أقف على أثر عائشة موصولًا، وقال مالك والليث: لا يحل الإنسي إذا توحش إلاّ بتذكيته في حلقه.
٥٥٠٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى. فَقَالَ: «اعْجَلْ -أَوْ أَرِنْ- مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ
وَسَأُحَدِّثُكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ». وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عمرو بن عليّ) بفتح العين ابن بحر البصر الصيرفي قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا سفيان) الثور قال: (حدّثنا أبي) سعيد بن مسروق (عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج) وسقط لأبي ذر وابن عساكر: ابن رافع فيكون منسوبًا لجدّه (عن) جده (رافع بن خديج) أنه (قال: قلت: يا رسول الله إنّا لاقو العدوّ غدًا) جملة في محل معمول القول ولاقو خبر إن وأصل لاقو لاقيون حذفت منه النون للإضافة فصار لاقيو والعرب تعاف الضمة قبلها كسرة فحذفوا الكسرة وألقوا على القاف ضمة الياء فحذفت الياء لسكونها وسكون الواو وغدًا: ظرف زمان وكانوا بذي الحليفة وليست بالميقات كما مرّ (وليست معنا مدى) نذبح بها (فقال) ﷺ لي:
(أعجل) بهمزة مفتوحة وعين مهملة ساكنة وجيم مفتوحة في الفرع كأصله، وقال العيني بكسر الهمزة، وقال في المصابيح: بهمزة وصل تكسر في الابتداء وجيم مفتوحة أمر من العجلة أبي أعجل لا تموت الذبيحة خنقًا (أو أرنِ ما أنهر الدم) بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون النون بوزن أفل فحذفت عين الفعل في الأمر لأنه من أران يرين فالأمر أرن كاطع من أطاع يطيع والمعنى أهلك الذي تذبحه بما يسيل الدم، ولأبي ذر أرن بسكون الراء وكسر النون من باب أفعل والأمر منه أرن بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر النون، والمعنى على هذا انظر ما أنهر الدم إلى الذي تذبحه فما أنهر الدم في موضع نصب على المفعولية. وقال في المصابيح كالتنقيح وعند الأصيلي: أرني بهمزة قطع مفتوحة وراء مكسورة ونون مكسورة بعدها ياء المتكلم، وقيل صوابه أيرن ومعناه خف وأنشط
стр. 3585
وأعجل لئلا تختنق الذبيحة لأنه إذا كان بغير حديد احتاج صاحبه إلى خفة يد في إمرار تلك الآلة على المريء والحلقوم قبل أن تهلك الذبيحة بما ينالها من ألم الضغط وهو من قولهم: أرن يأرن أرنًا إذا نشط فهو آرن والأمر أيرن على وزن احفظ ورجح النووي أن أرن بمعنى أعجل وأنه شك من الراو وضبط أعجل بكسر الجيم يعني أن المراد الذبح بما يسرع القطع ويجري الدم (وذكر اسم الله عليه فكُل ليس السن والظفر) بنصبهما كما مرّ (وسأحدثك) عن ذلك (أما السن فعظم) لا يذبح (وأما الظفر فمدى الحبشة) وهم كفار وقد نهي عن التشبه بالكفار ولأبي ذر عن الكشميهني فمد الحبش بالتذكير.
قال ابن خديج: (وأصبنا نهب إبل) بفتح النون من المغنم ولأبي ذر عن الكشميهني: نهبة إبل بضم النون وبعد الموحدة هاء تأنيث (وغنم فندّ منها بعير فرماه رجل) أي أعرف اسمه (بسهم فحبسه فقال رسول الله ﷺ : إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش) نفرات كنفراتها (فإذا غلبكم منها شيء) بأن توحّش (فافعلوا به هكذا) وكلوه.
وهذا الحديث قد سبق في باب التسمية على الذبيحة.
٢٤ - باب النَّحْرِ وَالذَّبْحِ
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ لَا ذَبْحَ وَلَا مَنْحَرَ إِلاَّ فِي الْمَذْبَحِ وَالْمَنْحَرِ. قُلْتُ: أَيَجْزِي مَا يُذْبَحُ أَنْ أَنْحَرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. ذَكَرَ اللَّهُ ذَبْحَ الْبَقَرَةِ، فَإِنْ ذَبَحْتَ شَيْئًا يُنْحَرُ جَازَ، وَالنَّحْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَالذَّبْحُ قَطْعُ الأَوْدَاجِ. قُلْتُ فَيُخَلِّفُ الأَوْدَاجَ حَتَّى يَقْطَعَ النِّخَاعَ؟ قَالَ: لَا إِخَالُ. وَأَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَهَى عَنِ النَّخْعِ يَقُولُ: يَقْطَعُ مَا دُونَ الْعَظْمِ، ثُمَّ يَدَعُ حَتَّى تَمُوتَ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وَقَالَ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وَقَالَ سَعِيدٌ بْنِ جُبَيرٍ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ: إِذَا قَطَعَ الرَّأْسَ فَلَا بَأْسَ.
(باب النحر) للإبل في اللبة (والذبح) لغيرها في الحلق (وقال ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز فيما وصله عبد الرزاق عن ابن جريج (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (لا ذبح ولا نحر) بلفظ المصدر فيهما وفي الفرع كأصله ولا منحر بميم ونون ساكنة (إلا في المذبح والمنحر) اسما مكان الذبح والنحر لف ونشر مرتب. قال ابن جريج: (قلت) لعطاء (أيجزئ) بفتح التحتية بغير همز (ما يذبح) بضم أوله وفتح ثالثه (أن أنحره؟ قال: نعم ذكر الله) تعالى (ذبح البقرة) في سورتها بقوله: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧] (فإن ذبحت شيئًا آخر ينحر) أو نحرت شيئًا يذبح (جاز) من غير كراهة لأنه لم يرد فيه نهي والخطاب في ذبحت من عطاء لابن جريج (والنحر أحب إليّ) هو من قول عطاء (والذبح قطع الأوداج) جمع ودج بفتح الدال وبالجيم وهو العرق الذي في الأخدع وهما عرقان متقابلان.
واستشكل التعبير بالجمع لأنه ليس لكل بهيمة سوى ودجين. وأجيب: باحتمال أنه أضاف كل ودجين إلى الأنواع كلها أو هو من باب تسمية الجزء باسم الكل ومنه قوله عظيم المناكب وعظيم المشافر. وفي كتب أكثر الحنفية إذا قطع من الأوداج الأربعة ثلاثة حصلت التذكية وهي الحلقوم والمريء وعرق من كل جانب.
قال ابن جريج (قلت) لعطاء (فيخلف) بترك الذابح (الأوداج حتى يقطع النخاع) بكسر النون مصححًا عليه في الفرع كأصله، وقال في المصابيح: بضم النون، وحكى الكسائي فيه عن بعض العرب الكسر وهو الخيط الأبيض الذي في فقار الظهر والرقبة. (قال) عطاء (لا إخال) بكسر الهمزة والهاء المعجمة أي لا أظن وفي نسخة اليونينية لا أخاف. قال ابن جريج: (وأخبرني) بالإفراد ولأبي ذر: فأخبرني بالفاء بدل الواو (نافع) مولى ابن عمر (أن ابن عمر نهى عن النخع) بفتح النون وسكون المعجمة وهو أن ينتهي بالذبح إلى النخاع وهو عظم الرقبة (يقول: يقطع ما
دون العظم ثم يدع) ثم يترك المذبوح (حتى يموت. وقول الله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ وقال: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾) [البقرة: ٧١] وسقط لأبي ذر لفظ وقال: وقال بعد ﴿بقرة﴾ إلى ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ وهذا من بقية الترجمة، وتفسير قول ابن جريج ذكر الله ذبح البقرة وفيه إشارة إلى اختصاص البقر بالذبح.
(وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄ مما وصله سعيد بن منصور والبيهقي (الذكاة في الحلق واللبة) بفتح اللام والموحدة المشددة موضع القلادة من الصدر.
(وقال ابن عمر) ﵄ فيما وصله أبو موسى الزمن من رواية أبي مجلز عنه (وابن عباس) ﵄ مما وصله ابن أبي شيبة بسند صحيح (وأنس) ﵁ مما وصله ابن أبي شيبة (إذا قطع الرأس) مما يذبحه حال الذبح (فلا
стр. 3586
بأس) بأكلها.
٥٥١٠ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ امْرَأَتِي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ.
وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) بن صفوان السلمي الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن هشام بن عروة) بن الزبير أنه (قال) ولابن عساكر: حدّثنا هشام بن عروة قال: (أخبرتني) بالإفراد (فاطمة بنت المنذر امرأتي عن أسماء بنت أبي بكر ﵄) أنها (قالت: نحرنا على عهد النبي ﷺ ¬) في زمنه المعهود (فرسًا فأكلناه).
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الذبائح وكذا النسائي وابن ماجة.
٥٥١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ سَمِعَ عَبْدَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: ذَبَحْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ فَأَكَلْنَاهُ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (إسحاق) بن راهويه أنه (سمع عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن سليمان (عن هشام عن) زوجته (فاطمة) بنت المنذر (عن أسماء) بنت أبي بكر ﵄ أنها (قالت: ذبحنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا ونحن بالمدينة فأكلناه).
٥٥١٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ. تَابَعَهُ وَكِيعٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ فِي النَّحْرِ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن هشام) هو ابن عروة (عن فاطمة بنت المنذر) زوجته (أن أسماء بنت أبي بكر) ﵄ (قالت: نحرنا على عهد رسول الله) أي زمنه ولابن عساكر: النبي (¬ ﷺ فرسًا) يطلق على الذكر والأنثى (فأكلناه)
وفي الأولى والثالثة بلفظ النحر وفي الثانية بلفظ الذبح والاختلاف فيه على هشام فلعله كان يرويه تارة كذا وتارة كذا، وهو يشعر باستواء اللفظين في المعنى وأن كلاًّ منهما يطلق على الآخر مجازًا وحمله بعضهم على التعدد لتغاير النحر والذبح وإن كان الأولى أن النحر في الإبل والذبح في غيرها (تابعه) أي تابع جريرًا (وكيع) هو ابن الجراح فيما وصله أحمد ومسلم (و) تابعه أيضًا (ابن عيينة) سفيان فيما وصله المؤلّف بعد عن الحميدي عنه كلاهما (عن هشام) أي ابن عروة (في النحر).
٢٥ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْمُثْلَةِ وَالْمَصْبُورَةِ وَالْمُجَثَّمَةِ
(باب ما يكره من المثلة) بضم الميم وسكون المثلثة وهي قطع أطراف الحيوان أو بعضها وهو حي (و) باب حكم (المصبورة) بفتح الميم وسكون الصاد المهملة وضم الموحدة الدابة التي تحبس حية لتقتل بالرمي ونحوه (و) حكم (المجثمة) بضم الميم وفتح الجيم والمثلثة المشددة التي تربط وتجعل غرضًا للرمي أو خاصة بالطير فإذا ماتت من ذلك حرّم أكلها لأنها موقوذة.
٥٥١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَنَسٍ عَلَى الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ فَرَأَى غِلْمَانًا أَوْ فِتْيَانًا نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا، فَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن هشام بن زيد) أي ابن أنس بن مالك أنه (قال: دخلت مع) جدي (أنس على الحكم بن أيوب) بن أبي عقيل الثقفي ابن عم الحجاج بن يوسف ونائبه على البصرة وزوج أخته زينب بنت يوسف وكان يضاهي ابن عمه الحجاج في الجور (فرأى غلمانًا أو فتيانًا) بكسر الفاء لم يعرف الحافظ ابن حجر أسماءهم والشك من الراوي (نصبوا دجاجة يرمونها فقال أنس: نهى النبي ﷺ أن تصبّر البهائم) بضم الفوقية وسكون الصاد المهملة وفتح الموحدة أي تحبس لترمى حتى تموت.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الذباح وأبو داود في الأضاحي وابن ماجة.
٥٥١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَغُلَامٌ مِنْ بَنِي يَحْيَى رَابِطٌ دَجَاجَةً يَرْمِيهَا، فَمَشَى إِلَيْهَا ابْنُ عُمَرَ حَتَّى حَلَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا وَبِالْغُلَامِ مَعَهُ فَقَالَ: ازْجُرُوا غُلَامَكُمْ عَنْ أَنْ يَصْبِرَ هَذَا الطَّيْرَ لِلْقَتْلِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (أحمد بن يعقوب) المسعودي الكوفي قال: (حدّثنا إسحاق بن سعيد بن عمرو) بفتح العين وكسرها من سعيد (عن أبيه أنه سمعه يحدث عن
ابن عمر ﵄ أنه دخل إلى يحيى بن سعيد) أي ابن العاص وهو أخو عمرو المعروف بالأشدق ابن سعيد بن العاص والد سعيد بن عمرو راويه عن ابن عمر (وغلام من بني يحيى رابط دجاجة يرميها) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه؛ وكان ليحيى من الأولاد المذكور عثمان وعنبسة وأبان وإسماعيل وسعيد ومحمد وهشام وعمرو (فمشى إليها) إلى الدجاجة (ابن عمر حتى حلّها) بتشديد اللام ولابن عساكر وأبي ذر عن المستملي حملها بزيادة ميم مشددة وليس في اليونينية تشديد على ميم حملها والأولى أنسب لقوله رابط (ثم أقبل بها وبالغلام) الرامي لها (معه فقال: ازجروا غلامكم عن أنس يصبر) ولأبي ذر عن الكشميهني غلمانكم عن أن يصبروا (هذا الطير) يحبسه (للقتل فإني سمعت النبي ﷺ نهى)
стр. 3587
ولأبي ذر عن المستملي والحموي ينهى (أن تصبر) بضم الفوقية وفتح الموحدة أن تحبس (بهيمة أو غيرها للقتل) وأو للتنويع فدخل الطير.
وهذا الحديث من أفراده.
٥٥١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَمَرُّوا بِفِتْيَةٍ أَوْ بِنَفَرٍ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا، فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا. تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنْ شُعْبَةَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل قال: (حدّثنا أبو عوانة) بفتح العين المهملة الوضاح (عن أبي بشر) بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة جعفر بن أبي وحشية (عن سعيد بن جبير) أنه (قال: كنت عند ابن عمر) ﵄ (فأمروا بفتية) بكسر الفاء جمع فتى والفتوة بذل الندى وكفّ الأذى وترك الشكوى واجتناب المحارم واستعمال المكارم (أو) مروا (بنفر) بالشك من الراوي حال كونهم (نصبوا دجاجة) حال كونهم (يرمونها) ليقتلوها (فلما رأوا ابن عمر تفرّقوا عنها. وقال ابن عمر: من فعل هذا) بهذه الدجاجة؟ (إن النبي ﷺ لعن من فعل هذا). بالحيوان، وفي مسلم: لعن من اتّخذ شيئًا فيه الروح غرضًا بمعجمتين واللعن من دلائل التحريم كما لا يخفى.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوَانِ وَقَالَ عَدِيٌّ عَنْ سَعِيدٍ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(تابعه) أي تابع أبا بشر (سليمان) بن حرب لا أبو داود الطيالسي فيما وصله البيهقي (عن شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا المنهال) بكسر الميم ابن عمرو (عن سعيد) أي ابن جبير (عن ابن عمر) ﵄ أنه قال: (لعن النبي ﷺ من مثّل بالحيوان) بتشديد المثلثة أي جعله مثلة (وقال عدي) هو ابن ثابت (عن سعيد) هو ابن جبير (عن ابن عباس) ﵄ (عن النبي ﷺ ¬) فيما رواه مسلم والنسائي بلفظ: لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا.
٥٥١٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ.
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم وسكون النون قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (عدي بن ثابت) الأنصاري الثقة (قال: سمعت عبد الله بن يزيد) الخطمي الأنصاري ﵁ (عن النبي ﷺ أنه نهى عن النهبة) بضم النون وسكون الهاء أخذ مال الغير قهرًا ومنه أخذ مال الغنيمة قبل القسمة اختطافًا بغير تسوية ولأبي ذر وابن عساكر: عن النهبى بغير هاء مقصورًا (و) عن (المثلة).
٢٦ - باب الدَّجَاجِ
(باب) حكم أكل لحم (الدجاج) بتثليث الدال المهملة كما حكاه المنذري في الحاشية وابن مالك وابن معين الدمشقي الواحدة دجاجة والهاء فيه للوحدة كالحمام والحمامة، وسميت بذلك كما قال ابن سيدة: لإقبالها وإدبارها يقال دج القوم يدجون دجًّا ودجيجًا إذا مشوا مشيًا رويدًا في تقارب خطو وقيل: أن يقبلوا ويدبروا ولأبي ذر: باب لحم الدجاج.
٥٥١٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى يَعْنِي الأَشْعَرِىَّ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ دَجَاجًا.
وبه قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن موسى البلخي في قول ابن السكن أو هو ابن جعفر بن أعين أبو زكريا البيكندي فيما جزم به أبو نعيم والكلاباذي قال: (حدّثنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجراح أحد الأعلام (عن سفيان عن أيوب) بن أبي تميمة السختياني الإمام (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي (عن زهدم) بفتح الزاي والدال المهملة بينهما هاء ساكنة ابن مضرب (الجرمي) بفتح الجيم وسكون الراء (عن أبي موسى يعني الأشعري ﵁) سقط لأبي ذر يعني الأشعري أنه (قال: رأيت النبي ﷺ يأكل دجاجًا) فيه دليل حلّه وهو من الطيبات وأكل الفتيّ منه يزيد في العقل والمني ويصفي الصوت.
٥٥١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ فَأُتِيَ بِطَعَامٍ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ أَحْمَرُ فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ، قَالَ: ادْنُ فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ. قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ أَكَلَ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ. فَقَالَ: ادْنُ أُخْبِرْكَ أَوْ أُحَدِّثْكَ، إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، فَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ، وَهْوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ: فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا قَالَ: مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَهْبٍ مِنْ إِبِلٍ، فَقَالَ: أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ؟ قَالَ: فَأَعْطَانَا خَمْسَ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى فَلَبِثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ
اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا اسْتَحْمَلْنَاكَ فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، فَظَنَنَّا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ. فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا».
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله المقعد البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد البصري قال: (حدّثنا أيوب بن أبي تميمة) كيسان السختياني (عن القاسم) بن عاصم الكليني (عن زهدم) بفتح الزاي والدال المهملة بينهما هاء ساكنة ابن مضرب بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها موحدة الجرمي أنه (قال: كنا عند أبي موسى الأشعري وكان بيننا وبين هذا الحي من جرم) بفتح الجيم (إخاء) بكسر الهمزة والمد والحي بالخفض صفة لاسم الإشارة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: بيننا وبينه هذا الحيّ بالرفع، وقال السفاقسي: بالخفض بدلًا من الضمير في بينه ورد بأنه يصير تقدير الكلام أن زهدمًا الجرمي قال: كان بيننا وبين هذا الحي من جرم إخاء، وليس المراد وإنما المراد أن
стр. 3588
أبا موسى وقومه الأشعريين كانوا أهل مودّة وإخاء لقوم زهدم وهم بنو جرم، ورواية الكشميهني السابقة هنا تؤيد ما قاله السفاقسي إلا أن المعنى غير صحيح وفي آخر كتاب التوحيد عن زهدم قال: كان بين هذا الحي من جرم وبين الأشعريين ودّ وإخاء وهذه الرواية هي المعتمدة كما قاله في الفتح. (فأتي) بضم الهمزة أبو موسى (بطعام فيه لحم دجاج وفي القوم رجل جالس أحمر) اللون (فلم يدن من طعامه فقال: ادن) فكُل (فقد رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه) وفي الترمذي من طريق قتادة عن زهدم قال: دخلت على أبي موسى وهو يأكل دجاجًا فقال: ادن فكُل ففيه أن المبهم هو زهدم الراوي أبهم نفسه وقد كان زهدم هذا ينتسب تارة لبني جرم وتارة لبني تيم الله، وجرم قبيلة من قضاعة ينسبون إلى جرم بن زبان بزاي وموحدة ثقيلة ابن عمران بن لحاف بن قضاعة وتيم الله بطن من بني كلب وهم قبيلة من قضاعة أيضًا ينسبون إلى تيم الله بن رفيدة بفاء مصغرًا ابن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة فحلوان عمّ جرم.
قال الرشاطي في الأنساب: وكثيرًا ما ينسبون الرجل إلى أعمامه قاله في الفتح.
(قال) الرجل لأبي موسى معتذرًا عن كونه لم يقرب للأكل (إني رأيته) أي جنس الدجاج (يأكل شيئًا) قذرًا (فقذرته) بكسر المعجمة (فحلفت أن لا آكله) وكأنه ظنه أنه أكثر من أكله بحيث صار من الجلالة فبيّن أنه ليس كذلك (فقال: ادن) أي أقرب (أخبرك) بالجزم جواب الأمر ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إذن أخبرك بكسر الهمزة وفتح الذال المعجمة وسكون النون وأخبرك نصب بإذن (أو أحدثك) شك من الراوي (أني أتيت النبي) ولأبي ذر وابن عساكر رسول الله (¬ ﷺ في نفر من الأشعريين فوافقته وهو غضبان، وهو يقسم نعمًا من نِعم الصدقة فاستحملناه) طلبنا منه إبلًا تحملنا (فحلف أن لا يحملنا فقال):
(ما عند ما أحملكم عليه ثم أتي) بضم الهمزة (رسول الله ﷺ بنهب) من غنيمة (من إبل
فقال) ﷺ : (أين الأشعريون أين الأشعريون)؟ مرتين (قال) أبو موسى (فأعطانا) ﵊ (خمس ذود) نصب على المفعول مضاف لذود وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإبل، واستنكر أبو البقاء في غريبه الإضافة فقال: والصواب تنوين خمس وأن يكون ذود بدلًا من خمس فإنه لو كان بغير تنوين وأضفت لتغير المعنى لأن العدد المضاف غير المضاف إليه فيلزم أن يكون خمس ذود خمسة عشر بعيرًا لأن الإبل الذود ثلاثة انتهى.
وتعقبه في فتح الباري فقال: وما أدري كيف حكم بفساد المعنى إذا كان العدد كذا وليكن عدد الإبل خمسة عشر بعيرًا فما الذي يضر؟ وقد ثبت في بعض طرقه خذ هذين القرينين وهذين القرينين إلى أن عدّ ست مرات، والذي قاله: إنما يتم أن لو جاءت رواية صريحة أنه لم يعطهم سوى خمسة أبعرة، وتعقبه العيني فقال: رده مردود عليه لأن أبا البقاء إنما قال ما قاله في هذه الرواية ولم يقل إن الذي قاله يتأتى في جميع طرق هذا الحديث انتهى.
وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن القصة واحدة والطرق يفسر بعضها بعضًا فلا وجه لردّ رواية الإضافة مع توجيهها بورود بعض طرق الخبر بما يصححها انتهى.
وقال في المصابيح رادًّا على قول أبي البقاء هذا خيال فاسد يلزم عليه أن يكون المأخوذ في قولك أخذت خمسة أسياف خمسة عشر سيفًا لأن أقل الأسياف ثلاثة وهذا عين ما قاله وبطلانه مقطوع به.
(غير الذرى) بضم الغين المعجمة جمع أغر منصوب ويجر والأغر الأبيض والذرى بضم الذال المعجمة مقصورًا جمع ذروة وذروة كل شيء أعلاه والمراد هنا أسنمة الإبل (فلبثنا) مكثنا (غير بعيد، فقلت لأصحابي: نسي رسول الله ﷺ يمينه) الذي حلف لا يحملنا (فوالله لئن تغفلنا رسول الله ﷺ يمينه لا نفلح أبدًا فرجعنا إلى النبي ﷺ فقلنا:
стр. 3589
يا رسول الله إنّا استحملناك) أي طلبنا منك إبلًا تحملنا علينا (فحلفت أن لا تحملنا فظننا أنك نسيت يمينك فقال) صلوات الله وسلامه عليه:
(إن الله هو حملكم إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين) أي محلوف يمين فسماه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه أو على بمعنى الباء وعند النسائي إذا حلفت بيمين لكن قوله (فأرى غيرها خيرًا منها) يدل على الأوّل لأن الضمير لا يصح عوده على اليمين بمعناه الحقيقي والمراد أن يظهر له بالعلم أو غلبة الظن أن غير المحلوف عليه خير منه والمراد بغيره إن كان فعلًا ترك ذلك الفعل وإن ترك شيء فهو ذلك الشيء (إلا أتيت الذي هو خير) من الذي حلفت عليه (وتحللتها) بالكفارة.
وفي الحديث حلّ أكل الدجاج مطلقًا. نعم إذا ظهر تغير لحم الجلالة من دجاج أو نعم وهي التي تأكل العذرة اليابسة أخذًا من الجلة بفتح الجيم بالرائحة والنتن في عرقها وغيره حرم أكلها، وقيل يكره، وصحح النووي الكراهة فإن علفت طاهرًا فطاب لحمها بزوال الرائحة حلّ
الأكل بالذبح من غير كراهة ويجري الخلاف في لبنها وبيضها وعلى الحرمة يكون اللحم نجسًا وهي في حياتها طاهرة والأصل في ذلك حديث ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن أكل الجلالة وشرب ألبانها حتى تعلف أربعين ليلة رواه الدارقطني والبيهقي وقال: ليس بالقوي، وقال الحاكم صحيح الإسناد، ولفظ نهى يصدق بالحرمة والكراهة.
وحديث الباب سبق في باب قدوم الأشعريين.
٢٧ - باب لُحُومِ الْخَيْلِ
(باب) حكم (لحوم الخيل) جماعة الأفراس لا واحد له من لفظه كالقوم أو مفرده خائل وسميت بذلك لاختيالها في المشية ويكفي في شرفها أن الله تعالى أقسم بها في كتابه بقوله: ﴿والعاديات ضبحًا﴾ [العاديات: ١].
٥٥١٩ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلْنَاهُ.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا هشام) هو ابن عروة (عن) زوجته (فاطمة) بنت المنذر (عن أسماء) ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق ﵄ أنها (قالت: نحرنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ ¬) في زمنه ونحن بالمدينة وضمير الفاعل يعود على الذي باشر النحر منهم، وإنما أتى بضمير الجمع لكونه عن رضًا منهم (فأكلناه) زاد الدارقطني: نحن وأهل بيت النبي ﷺ ففيه إشعار بأنه ﷺ اطّلع على ذلك والصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا على عهده ﷺ كان له حكم الرفع على الصحيح، لأن الظاهر اطّلاعه على ذلك وتقريره وإذا كان هذا في مطلق الصحابي فكيف بآل أبي بكر الصديق مع شدّة اختلاطهم به ﵊ وعدم مفارقتهم له.
وهذا الحديث سبق في باب النحر والذبح.
٥٥٢٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بضم الميم وفتح السين والدال الأولى المشدّدة المهملات ابن مسرهد قال: (حدّثنا حماد بن زيد) بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم ابن درهم وسقط لأبي ذر ابن زيد (عن عمرو بن دينار) بفتح العين المكي (عن محمد بن علي) أي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب أبي جعفر الباقر (عن جابر بن عبد الله) ﵃ كذا أدخل حماد بن زيد بين عمرو بن دينار، وبين جابر في هذا الحديث محمد بن علي وأسقطه النسائي والترمذي ووافق حمادًا على إدخال الواسطة ابن جريج لكنه لم يسمه أخرجه أبو داود، وقد قيل إن عمرو بن دينار لم يسمع من جابر
فإن ثبت سماعه منه فتكون رواية حماد من المزيد في متصل الأسانيد وإلاّ فرواية حماد بن زيد هي المتصلة ولئن سلمنا وجود التعارض من كل جهة فللحديث طرق أخرى عن جابر غير هذه فهو صحيح على كل حال (قال: نهى النبي ﷺ ¬) نهي تحريم (يوم) حصار (خيبر عن لحوم الحمر) أي الأهلية (ورخّص في لحوم الخيل) استدلّ به من قال بالتحريم لأن الرخصة استباحة محظور مع قيام المانع، فدلّ على أنه رخص لهم فيها بسبب المخمصة التي أصابتهم بخيبر فلا يدل ذلك على الحل المطلب.
وأجيب: بأن أكثر الروايات جاء بلفظ الإذن وبعضها بالأمر فدلّ على
стр. 3590
أن المراد بقوله رخص إذن وأن الإذن للإباحة العامة لا لخصوص الضرورة، والمشهور عند المالكية التحريم وصححه في المحيط والهداية والذخيرة عن أبي حنيفة وخالفه صاحباه، واستدلال المانعين بلام العلة المفيدة للحصر في قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] الدالة على أنها لم تخلق لغير ما ذكر وبعطف البغال والحمير وهو يقتضي الاشتراك في التحريم وبأنها سيقت للامتنان، فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم، وبأنه لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع الامتنان به من الركوب والزينة.
وأجيب: بأن اللام وإن أفادت التعليل لكنها لا تفيد الحصر في الركوب والزينة إذ ينتفع بالخيل في غيرهما وفي غير الأكل اتفاقًا، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل، وأما دلالة العطف فدلالة اقتران وهي ضعيفة، وأما الامتنان فإنما قصد به غالب ما كان يقع به انتفاعهم بالخيل فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى للزم مثله في الشق الآخر في البقر وغيرها مما أبيح أكله ووقع الامتنان به لمنفعة له أخرى.
وهذا الحديث سبق في غزوة خيبر، وأخرجه مسلم في الذبائح، وأبو داود في الأطعمة، والنسائي في الصيد والوليمة.
٢٨ - باب لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ. فِيهِ عَنْ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب) تحريم أكل (لحوم الحمر الإنسية) بفتحتين، والمشهور بكسر ثم سكون ضد الوحشية (فيه) أي في الباب المذكور (عن سلمة) بن الأكوع، وسقط لفظ "عن" لابن عساكر (عن النبي ﷺ ¬) فيما مرّ موصولًا مطوّلًا في باب غزوة خيبر من المغازي.
٥٥٢١ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَالِمٍ وَنَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ.
وبه قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضل المروزي قال: (أخبرنا عبدة) بن سليمان (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري (عن سالم) هو ابن عمر (ونافع) مولاه (عن ابن عمر رضي الله
عنهما) أنه قال: (نهى النبي ﷺ عن) أكل (لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر) نهي تحريم لنجاستها.
وفي حديث أنس في الصحيحين وغيرهما أنه ﷺ قال: "فإنها رجس" وقيل لأنها لم تخمس أو لكونها جلالة كما في أبي داود، ولا امتناع في تعدد العلل الشرعية على المرجح عند الأصوليين، نعم التعليل بكونها لم تخمّس فيه نظر لأن أكل الطعام والعلف من الغنيمة قبل القسمة جائز لا سيما في المجاعة.
وهذا الحديث قد مرّ في غزوة خيبر.
٥٥٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ. تَابَعَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَالِمٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد بن مسربل الأسدي البصري الحافظ قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بن عمر العمري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (نافع) ولأبي ذر: عن نافع (عن عبد الله) بن عمر ﵄ أنه (قال: نهى النبي ﷺ عن) أكل (لحوم الحمر الأهلية) وهذا هو الذي عليه أكثر أهل العلم وإنما رويت الرخصة فيه عن ابن عباس ﵄ رواه أبو داود في سننه وقد قال الإمام أحمد: كره أكلها خمسة عشر صحابيًّا، وحكى ابن عبد البرّ الإجماع الآن على تحريمها. (تابعة) أي تابع يحيى القطان (ابن المبارك) عبد الله فيما وصله المؤلّف في المغازي (عن عبيد الله) بضم العين العمري (عن نافع) مولى ابن عمر.
(وقال أبو أسامة) حماد بن أسامة: (عن عبيد الله) بضم العين العمري (عن سالم) أي ابن عبد الله بن عمر ﵄ مما وصله أيضًا في المغازي وفصل في روايته بين أكل الثوم والحمر فبين أن النهي عن الثوم من رواية نافع فقط، وأن النهي عن الحمر عن سالم فقط، لكن يحيى القطان حافظ فلعل عبيد الله لم يفصله إلا لأبي أسامة وكان يحدث به عن سالم ونافع معًا مدمجًا فاقتصر بعض الرواة عنه على أحد شيخيه تمسكًا بظاهر الإطلاق قاله في الفتح الباري.
٥٥٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيٍّ ﵃ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ، وَلُحُومِ حُمُرِ الإِنْسِيَّةِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) أبو محمد الدمشقي ثم التنيسي الكلاعي الحافظ قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبد الله والحسن بني محمد بن علي عن أبيهما) محمد (عن علي ﵃¬) أنه (قال: نهى رسول الله ﷺ عن المتعة) وهي النكاح المؤقت كأن ينكح إلى شهر أو إلى قدوم
стр. 3591
زيد وسمي به لأن الغرض منه مجرد التمتع دون التوالد وغيره (عام خيبر ولحوم حمر الإنسية) ولأبي ذر وعن لحوم حمر الأنسية، وقد أفاد الحافظ
عبد العظيم المنذري أن لحوم الحمر الإنسية نسخ مرتين ونكاح المتعة نسخ مرتين ونسخت القبلة مرتين.
٥٥٢٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدثنا حماد) هو ابن زيد (عن عمرو) هو ابن دينار (عن محمد بن علي) أبي جعفر الباقر (عن جابر بن عبد الله) ﵄ أنه (قال: نهى النبي ﷺ يوم خيبر عن) أكل (لحوم الحمر) الأهلية، واختلف أصحابنا في علة تحريمها فقيل لاستخباث العرب لها، وقيل للنص (ورخص في) أكل (لحوم الخيل) واستدل المانعون أيضًا بما روي عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن سلمة عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر والخيل والبغال، وتعقب بأن أهل الحديث يضعفون عكرمة بن عمار لا سيما في يحيى بن أبي كثير. ولئن سلمنا صحة هذه الطريق فقد اختلف على عكرمة فيها، فإن الحديث عند أحمد والترمذي من طريقه ليس فيه للخيل ذكر، وعلى تقدير أن يكون الذي زاده حفظه فالروايات المتنوّعة عن جابر المفصلة بين لحوم الخيل والحمر في الحكم أظهر اتصالًا وأتقن رجالًا وأكثر عددًا.
٥٥٢٥ و ٥٥٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَدِيٌّ عَنِ الْبَرَاءِ وَابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵃ قَالَا: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالمهملات والثانية مشدّدة الأسدي الحافظ قال: (حدّثنا يحيى) القطان (عن شعبة) بن الحجاج أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (عدي) هو ابن ثابت (عن البراء) بن عازب (وابن أبي أوفى) عبد الله واسم أبي أوفى علقمة (﵃) أنهما (قالا: نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر) أي الأهلية.
وهذا الحديث سبق بأطول من هذا في المغازي.
٥٥٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ. تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ، وَعُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وَقَالَ مَالِكٌ وَمَعْمَرٌ وَالْمَاجِشُونُ وَيُونُسُ وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ، عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن راهويه قال: (أخبرنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أن أبا إدريس) عائذ الله بالذال المعجمة الخولاني بالمعجمة
(أخبره أن أبا ثعلبة) جرثوم، وقيل جرهم الخشني الصحابي ﵁ (قال: حرّم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية) ولأبي ذر حمر الأهلية، وللنسائي من وجه آخر عن أبي ثعلبة: غزونا مع النبي ﷺ خيبر والناس جياع فوجدوا حمرًا إنسية فذبحوا منها فأمر النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف فنادى ألا إن لحوم الحمر الإنسية لا تحل. (تابعه) أي تابع صالح بن كيسان (الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة ابن الوليد القاضي الحمصي فيما وصله النسائي من طريق بقية قال: حدّثني الزبيدي (و) تابعه أيضًا (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد فيما وصله أحمد في مسنده (عن ابن شهاب) ولأبي ذر عن الزهري بدل قوله عن ابن شهاب، ولفظ الأول: نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن لحوم الحمر الأهلية، والثاني بلفظ رواية الباب وزاد: ولحم كل ذي ناب من السباع.
(وقال مالك) لإمام الأعظم فيما وصله في الباب اللاحق (و) قال (معمر) بسكون العين بين فتحتين ابن راشد مما وصله الحسن بن سفيان (والماجشون) بكسر الجيم وبالشين المعجمة المضمومة ورفع النون يوسف بن يعقوب بن عبد الله فيما وصله مسلم (ويونس) بن يزيد الأيلي مما وصله الحسن بن سفيان (وابن إسحاق) هو محمد بن إسحاق بن يسار مما وصله إسحاق بن راهويه (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (نهى النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع) ولم يذكر الحمر ويأتي إن شاء الله تعالى مبحث ذلك قريبًا.
٥٥٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُكِلَتِ الْحُمُرُ ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُكِلَتِ الْحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُفْنِيَتِ الْحُمُرُ. فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ، وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (محمد بن سلم) البيكندي الحافظ قال: (أخبرنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد (الثقفي) بالمثلثة والقاف ثم الفاء (عن أيوب) السختياني (عن محمد) أي ابن سيرين (عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ جاءه جاء) بالمد. قال ابن حجر الحافظ: لم أعرف
стр. 3592
اسمه (فقال) يا رسول الله. (أكلت الحمر) بضم الهمزة وكسر تاليها (ثم جاءه) ﷺ (جاء) لم يعرف اسمه أيضًا (فقال) يا رسول الله (أكلت الحمر، ثم جاءه جاء) لم يعرف اسمه أيضًا (فقال: أفنيت الحمر) بضم الهمزة وسكون الفاء لكثرة ما ذبح منها، ويحتمل كما في الفتح أن يكون الجائي في الثلاثة واحد، فإنه قال أوّلًا أُكلت، فإما أنه ﷺ لم يكن سمعه أو لم يؤمر في ذلك بشيء؛ وكذا في الثانية، فلما قال في الثالثة أُفنيت جاء الوحي بالتحريم (فأمر) ﷺ (مناديًا) ينادي به (فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس) نجس فالتحريم لعينها لا لسبب خارجي والمنادي أبو طلحة كما في مسلم أو عبد الرحمن بن عوف كما سبق في رواية النسائي، ويحتمل أن يكون الأول نادى بالنهي مطلقًا، والثاني زاد عليه
أنها رجس. (فأكفئت) بهمزة مضمومة فكاف ساكنة ففاء مكسورة فهمزة مفتوحة، ولأبي ذر عن الكشميهني: فكفئت (القدور) بإسقاط الهمزة قلبت (وإنها لتفور) لتغلي (باللحم).
وهذا الحديث سبق في غزوة خيبر.
٥٥٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ حُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ. وَلَكِنْ أَبَى ذَاكَ الْبَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَرَأَ ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) بن جعفر بن المديني الحافظ قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (قال عمرو) هو ابن دينار (قلت لجابر بن زيد): أبي الشعثاء البصري (يزعمون أن رسول الله ﷺ ¬) أي يقولون (نهى عن) أكل (حمر الأهلية) من إضافة الموصوف إلى صفته (فقال: قد كان يقول ذاك الحكم بن عمرو) بفتح الحاء المهملة والكاف وعمرو بفتح العين (الغفاري) الصحابي (عندنا بالبصرة ولكن أبى) منع (ذاك) ولأبي ذر عن الكشميهني ذلك باللام (البحر) في العلم (ابن عباس) ﵄ (وقرأ) مستدلاًّ للحل قوله تعالى: (﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي﴾) طعامًا (﴿محرمًا﴾) [الأنعام: ١٤٥] الآية. مقتصرًا على ما ذكر فيها، والأكثرون على عدم التخصيص بما ذكر فيها فالمحرّم بنص الكتاب ما فيها، وقد حرمت السُّنّة أشياء غيرها كما تواردت الأخبار بذلك والتنصيص على التحريم مقدّم على عموم التحليل وعلى القياس وما لم يأت فيه نص يرجع فيه إلى الأغلب من عادة العرب، فما يأكله الأغلب منهم فهو حلال وما لا فهو حرام لأن الله تعالى خاطبهم بقوله: ﴿قل أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: ٤] فما استطابوه من حلال، وقوله: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ﴾ أي في ذلك الوقت أو في وحي القرآن، وفيه أن التحريم إنما يثبت بوحي الله وشرعه لا بهوى النفس.
٢٩ - باب أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ
(باب) تحريم (أكل كل ذي ناب من السباع) يعدو به ويتقوّى كأسد ونمر وذئب ودب وفيل وقرد ومخلب من الطير كباز وشاهين وصقر ونسر.
٥٥٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ. تَابَعَهُ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَالْمَاجِشُونُ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) الدمشقي ثم التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي إدريس) عائذ الله (الخولاني عن أبي ثعلبة) جرثوم الخشني (﵁ أن رسول الله ﷺ نهى) نهي تحريم (عن أكل كل ذي ناب من السباع) يتقوى به
ويصول على غيره ويصطاد ويعدو بطبعه غالبًا (تابعه) أي تابع مالكًا (يونس) بن يزيد الأيلي (ومعمر) هو ابن راشد (وابن عيينة) سفيان (والماجشون) أربعتهم (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب، ومتابعة ابن عيينة وصلها المؤلّف في آخر الطب والثلاثة سبق ذكرهم في الباب السابق والنهي للتحريم، ولمسلم: كل ذي ناب من السباع أكله حرام، وله أيضًا عن ابن عباس: نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير والمخلب بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام بعدها موحدة وهو للطير كالظفر لغيره لكنه أشد منه وأغلظ واحد فهو له كالناب للسبع.
٣٠ - باب جُلُودِ الْمَيْتَةِ
(باب) حكم (جلود الميتة) قبل أن تدبغ.
٥٥٣١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: «هَلاَّ اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا»؟ قَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا».
وبه قال: (حدّثنا زهير بن حرب) أبو خيثمة النسائي والد أبي بكر بن أبي خيثمة قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان أنه قال: (حدّثني)
стр. 3593
بالإفراد (ابن شهاب) الزهري (أن عبيد الله بن عبد الله) بضم عسن لأول ابن عتبة بن مسعود (أخبره أن عبد الله بن عباس ﵄) وسقط لابن عساكر لفظ عبد الله (أخبره أن رسول الله ﷺ مرّ بشاة ميتة) بتشديد الياء وتخفف (فقال) ﵊ لمن كانت لهم:
(هلا استمتعتم بإهابها) بكسر الهمزة وتخفيف الهاء. قال في القاموس: ككتاب الجلد دبغ أو لم يدبغ الجمع أهبة وأهب وأهب، ولمسلم من طريق ابن عيينة: هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به (قالوا): يا رسول الله (إنها ميتة) بتشديد التحتية (قال: إنما حرّم) بفتح الحاء المهملة وضم الراء ولأبي ذر حرم بضم ثم كسر مشددًا (أكلها) بفتح الهمزة وفيه تخصيص الكتاب بالسّنّة لأن لفظ القرآن: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣] وهو شامل لجميع أجزائها في كل حال فخصت السنة ذلك بالأكل، واستثنى الشافعية من الميتات جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما لنجاسة عينهما، وأخذ أبو يوسف بعموم الحديث فلم يستثن شيئًا، واستدلّ الزهري برواية الباب على جواز الانتفاع به مطلقًا دبغ أو لم يدبغ لكن صح التقييد بالدبغ من طريق أخرى كما مرّ وبعضهم أخذ بخصوص هذا السبب فقصر الجواز على المأكول لورود الحديث في الشاة، ويتقوّى ذلك من حيث النظر لأن الدباغ لا يزيد في التطهير على الذكاة وغير المأكول لو ذكى لم يطهر بالذكاة عند أكثر، فكذلك الدباغ، وأجاب من عمّم بالتمسك بعموم اللفظ وهو أولى من
خصوص السبب وبعموم الإذن بالمنفعة، ولأن الحيوان الطاهر ينتفع به قبل الموت فكان الدباغ بعد الموت قائمًا مقام الحياة قاله في فتح الباري.
وحكى في التتمة فيما ذكره ابن الرفعة في كفايته وجهًا عن رواية ابن القطان أن جلد الميتة لا ينجس بالموت، وإنما الزهومة التي في الجلد تصيره نجسًا فيؤمر بالدبغ لإزالتها كما يغسل الثوب من النجاسة، ومنع قوم الانتفاع من الميتة بشيء سواء دبغ الجلد أو لم يدبغ لحدث عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل موته: "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" رواه النسائي وأحمد والأربعة وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي وللشافعي وأحمد وأبي داود بشهر، قال الترمذي: كان أحمد يذهب إليه ويقول هو آخر الأمر، وهذا يدل على أن الانتفاع به منسوخ.
وأجاب ابن الرفعة في الكفاية بأن كل حديث نسب إلى كتاب ولم يذكر حامله فهو مرسل ولا حجة عندنا في المرسل. قال ابن حجر وأعله بعضهم بكونه كتابًا وليس بعلّة قادحة، وقيل إن في إسناده اضطرابًا ولذا تركه أحمد بعد أن قال إنه آخر الأمر، ورده ابن حبان بأن ابن عكيم سمع الكتاب يقرأ وسمعه من مشايخ من جهته عن رسول الله ﷺ فلا اضطراب، وقال في الكفاية يحمل على الانتفاع به قبل الدباغ فإن لفظ الإهاب منطبق عليه وبعد الدباغ يطلق عليه أديم وسختيان والدباغ المحصل للطهارة بالشب والقرظ والأشياء الحريفية المنشفة للفضلات المعفنة المانعة من الفساد إذا أصابه الماء والمطيبة لريحه كقشور الرمان والعصفر.
وهذا الحديث مضى في الذكاة.
٥٥٣٢ - حَدَّثَنَا خَطَّابُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِعَنْزٍ مَيْتَةٍ فَقَالَ: «مَا عَلَى أَهْلِهَا لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا».
وبه قال: (حدّثنا خطاب بن عثمان) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة وبعد الألف موحدة الفوزي بفتح الفاء وسكون الواو وكسر الزاي نسبة لقرية من قرى حمص قال: (حدّثنا محمد بن حمير) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وبعد التحتية المفتوحة راء الحمصي (عن ثابت بن عجلان) بفتح العين وسكون الجيم الأنصاري التابعي الحمصي أنه (قال: سمعت سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: مرّ النبي ﷺ بعنز) بالنون والزاي كما في القاموس الأنثى من المعز (ميتة) بتشديد التحتية (فقال):
(ما على أهلها) حرج (لو انتفعوا بإهابها) أي بعد الدبغ كما مرّ. قال الزمخشري في الفائق: سمي إهابًا لأنه أهبة للحي وبناء للحماية على جسده، كما قيل له مسك لإمساكه ما وراءه، وفيه دليل على أنه يطهر
стр. 3594
ظاهره وباطنه بالدباغ حتى يجوز استعماله في الأشياء الرطبة ويجوز الصلاة فيه،
ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره وإذا طهر بالدبغ هل يجوز أكله فيه ثلاثة أوجه أصحها لا يجوز بحال، والثاني يجوز، والثالث يجوز أكل جلد مأكول اللحم لا غيره وهل يظهر الشعر الذي عليه تبعًا للجلد؟ فيه قولان. أصحهما لا يطهر لأن الدباغ لا يؤثر فيه بخلاف الجلد.
ورواة هذا الحديث خطاب ومحمد بن حمير وثابت الثلاثة ليس لهم في البخاري إلا هذا الحديث إلا محمد بن حمير فله حديث آخر مرّ في الهجرة إلى المدينة، وفي كل من الثلاثة مقال لكنهم وثقوا فحديثهم من المتابعات لا من الأصول، والأصل فيه الحديث الذي قبله ويستفاد منه خروج الحديث عن الغرابة قاله في الفتح.
٣١ - باب الْمِسْكِ
(باب) حكم (المسك) بكسر الميم الطيب المعروف القطعة منه مسكة والجمع كعنب وحقيقة المسك دم يجتمع في سرّة الغزال في وقت معلوم من السنة بمنزلة المواد التي تنصب إلى الأعضاء، وهذا السرر جعلها الله تعالى معدنًا للمسك فإذا حصل ذلك الورم مرضت له الظباء إلى أن يتكامل، ويقال: إن أهل التبت يضربون لها أوتاد في البرية تحتك بها لتسقط عندها، وفي مشكل الوسيط لابن الصلاح عن ابن عقيل البغدادي أن النافجة في جوف الظبية كالأنفجة في الجدي وأنه سافر إلى بلاد المشرق حتى حمل هذه الدابة إلى بلاد المغرب لخلف جرى فيها، وعن علي بن مهدي الطبري أحد أئمة أصحابنا أنها تلقيها من جوفها كما تلقي البيضة الدجاجة والمشهور أنها ليست مودعة في جوف الظبية بل هي خارجة ملتحمة في سرّتها، ونقل عن القفال الشاشي أنها تندبغ بما فيها من المسك فتطهر كطهارة المدبوغات وذكر القزويني أن دابة المسك تخرج من الماء كالظباء في وقت معلوم والناس يصيدون منها شيئًا كثيرًا فتذبح فيوجد في سرتها دم وهو المسك لا يوجد له هناك رائحة حتى يحمل إلى غير ذلك الموضع من البلاد. وقال في القاموس: المسك مقوّ للقلب مشجع للسوداويين نافع للخفقان والرياح الغليظة في الأمعاء والسموم والسدد، وفي مسلم من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "المسك أطيب الطيب".
٥٥٣٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي اللَّهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد ولغير أبي الوقت وابن عساكر عن عبد الواحد قال: (حدّثنا عمارة بن القعقاع) بضم العين وتخفيف الميم (عن أبي زرعة) هرم (بن عمرو بن جرير) بفتح الجيم (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ما من مكلوم يكلم) بضم أوله وفتح اللام أي مجروح يجرح (في الله) ولأبي ذر عن
الكشميهني في سبيل الله (إلا جاء يوم القيامة وكلمه) بفتح الكاف وسكون اللام وجرحه (يدمى) بفتح أوله وثالثه من باب علم يعلم أي يسيل منه الدم (اللون لون دم والريح ريح مسك) تشبيه بليغ بحذف أداة التشبيه أي كريح مسك وليس مسكًا حقيقة بخلاف اللون لون دم فإنه لا حاجة فيه لتقدير كاف التشبيه لأنه دم حقيقة.
والحاصل أنه يراد إظهار شرف الشهيد بدلالة جرحه على شهادته مع تغير وصف دمه فإن الدم وضع ريحه أن يكون كريهًا وتغيره أيضًا من النجاسة إلى الطهارة، وفي قوله في الله إشارة إلى أنه لا يدخل من قاتل دون ماله لأنه يقصد صون ماله بداعية طبعه.
وأجيب: بأنه يمكن الإخلاص مع إرادة صون المال بأن لا يمحض القصد بالصون بل يقاتله على ارتكاب المعصية ممتثلًا أمر الشارع بالدفع.
وموضع الترجمة منه قوله: ريح مسك، وقال ابن المنير: وجه استدلال البخاري بهذا الحديث على طهارة المسك وقوع تشبيه دم الشهيد لأنه في سياق التكريم والتعظيم، فلو كان نجسًا لكان من الخبائث ولم يحسن التمثيل به في هذا المقام، وقال الكرماني: وجه مناسبة الباب بالكتاب كون المسك فضلة الظبي وهو مما يصاد.
وهذا الحديث سبق في الجهاد.
٥٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ جَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً. وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بفتح العين والمدّ ابن كريب الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراء
стр. 3595
مصغرًا ابن عبد الله (عن) جدّه (أبي بردة) بضم الباء الموحدة وسكون الراء (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(مَثل جليس الصالح) بإضافة الموصوف إلى صفته ولأبي ذر وابن عساكر الجليس الصالح (و) الجليس (السوء) بفتح السين المهملة (كحامل المسك ونافخ الكير) بكسر الكاف وسكون التحتية قال في القاموس: زق ينفخ فيه الحداد (فحامل المسك إما أن يحذيك) بضم التحتية وسكون الحاء المهملة وكسر الذال المعجمة وبعد التحتية المفتوحة كاف يعطيك ويتحفك منه بشيء هبة (وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق) بضم أوله من أحرق (ثيابك) بناره (وإما أن تجد) منه (ريحًا خبيثة).
وهذا الحديث مضى في باب العطار من البيوع.
٣٢ - باب الأَرْنَبِ
(باب) حل أكل (الأرنب) بفتح الهمزة. قال في القاموس: معروف يكون للذكر والأنثى أولها والخزز أي بمعجمات بوزن عمر للذكر الجمع أرانب وأران.
٥٥٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَخَذْتُهَا فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكَيْهَا، أَوْ قَالَ: بِفَخِذَيْهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهَا.
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن هشام بن زيد عن) جده (أنس ﵁) أنه (قال: أنفجنا) بفتح الهمزة وسكون النون والجيم بينهما فاء مفتوحة وبعد الجيم نون فألف أي أثرنا وأزعجنا (أرنبًا) لنصطاده (ونحن بمرّ الظهران) بفتح الميم وتشديد الراء والظهران بالظاء المعجمة بلفظ التثنية وهو من العلم المضاف والمضاف إليه فيتوجه الأعرابي إلى الأول وهو مرّ والثاني مجرور دائمًا بالإضافة وكونه بالألف أنه على صورة المثنى وليس مثنى حقيقة أو أنه على لزوم المثنى الألف دائمًا وربما سمي باللفظ الأول فقط وهو مرّ، وربما سمي بالثاني وهو الظهران فقط لأن مرّ قرية ذات مياه ونخل وزروع وثمار، والظهران اسم الوادي. قال الدميري: هو حيوان يشبه العناق قصير اليدين طويل الرجلين عكس الزرافة يطأ على مؤخر قدميه يكون عامًا ذكرًا وعامًا أنثى (فسعى القوم) خلفه ليصطادوه (فلغبوا) بفتح اللام وكسر الغين المعجمة وبفتحها أيضًا مصححًا عليه في اليونينية وضم الموحدة ولأبي ذر عن الكشميني فتعبوا بالمثناة الفوقية والعين المهملة بدل اللام والمعجمة وهو معنى الأول (فأخذتها) وفي الهبة فأدركتها فأخذتها ولمسلم فسعيت حتى أدركتها (فجئت بها إلى أبي طلحة) هو زوج أم أنس ﵃ (فذبحها فبعث بوركيها أو قال بفخذيها) بالتثنية فيهما والشك من الراوي (إلى النبي ﷺ ¬) وفي رواية أبي داود أن المبعوث معه ذلك هو أنس (فقبلها) أي الهدية زاد في الهبة وأكل منه وهو مذهب الأئمة الأربعة. وحكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن أبي ليلى الكراهة.
وحديث الباب حجة للجمهور في الإباحة والحديث مرّ في الهبة.
٣٣ - باب الضَّبِّ
(باب) حل أكل (الضب) بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة حيوان بري يشبه الورل ولحمه فيما قيل يذهب العطش.
٥٥٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن مسلم) القسملي البصري قال: (حدّثنا عبد الله بن دينار) المدني مولى ابن عمر (قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول قال النبي ﷺ ¬) وقد سئل عن حكم أكل الضب:
(الضب لست آكله ولا أحرمه) وعند ابن ماجة من حديث خزيمة بن جزء قلت: يا رسول الله ما تقول في الضب؟ فقال: (لا آكله ولا أحرمه) قال: فقلت فإني آكل ما لم تحرمه وسنده ضعيف، وعند مسلم والنسائي من حديث أبي سعيد قال رجل: يا رسول الله إنّا بأرض مضبة فما تأمرنا؟ قال: "ذكر لي أن أمة من بني إسرائيل مسخت فلم يأمر ولم ينه" وفي مسلم "كلوه فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي" فكل هذه الروايات صريحة في الإباحة فيحل أكله بالإجماع ولا يكره عندنا خلافًا لبعض أصحاب أبي حنيفة، وحكى القاضي عياض تحريمه عن قوم، قال النووي: ما أظنه يصح عن أحد.
٥٥٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَقَالُوا: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ يَدَهُ فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: «لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ». قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن
стр. 3596
مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي أمامة بن سهل) الأنصاري قال في الفتح: له رؤية ولأبيه صحبة (عن عبد الله بن عباس ﵄ عن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة) خالته أم المؤمنين ﵂ (فأتي) بضم الهمزة ﷺ (بضب محنوذ) بحاء مهملة ساكنة بعد فتحة ثم نون مضمومة آخره ذال معجمة مشوي بالحجارة المحماة (فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده) أي أمال يده إليه ليأخذه فيأكله (فقال بعض النسوة): هي ميمونة كما عند الطبراني وبقية النسوة لم يسمين (أخبروا رسول الله، ﷺ بما يريد أن يأكل) منه (فقالوا) وفي رواية فقلن (هو ضب يا رسول الله، فرفع يده) الكريمة، قال خالد (فقلت أحرام هو يا رسول الله؟ فقال):
(لا، ولكن لم يكن) موجودًا (بأرض قومي) مكة أصلًا أو لم يكن مشهورًا كثيرًا فيها فلم يأكلوه وفي رواية يزيد بن الأصم عند مسلم هذا لحم لم آكله قط (فأجدني أعافه) أكرهه والفاء للسببية (قال خالد) المذكور ﵁ (فاجتررته) بالجيم الساكنة والراء المكررة أي جررته (فأكلته ورسول الله ﷺ ¬) أي والحال أن رسول الله (¬ ﷺ ينظر) إليّ وهو يدل على حلّه وأصرح منه رواية كلوه فإنه حلال.
وحديث الباب مرّ في الأطعمة.
٣٤ - باب إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ الْجَامِدِ أَوِ الذَّائِبِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقعت الفأرة) بالهمز الساكن واحد الفأر (في السمن الجامد أو الذائب) أو غيره من الأدهان والأعسال ونحوهما هل يفترق الحكم أم لا؟ وفأرة البيوت حيوان مؤذ زائد في الفساد وهي الفويسقة التي أمر النبي ﷺ بقتلها في الحل والحرم. وسميت بذلك لخروجها من حجرها على الناس، وأصل الفسق الجور والخروج عن الاستقامة وسميت بعض الحيوانات فواسق على الاستعارة لخبثهن، وقيل لخروجهن عن الحرمة في الحل والحرم، ولأن الفأرة أبدت جورها الخبيث في قطع حبال سفينة نوح، والفأر عظيم الحيل كثير الأذى يقرض الثياب والكتب ويأكل الحبوب والزرع والمائعات ويرمي فيها بعره ليفسدها وهي تعادي العقرب، فإذا جعلت فأرة وعقربًا في قارورة فإنه يقع بينهما قتال عجيب، لأن العقرب تلدغ الفأرة والفأرة تحتال على أن تقبض إبرتها والعقرب لا تمكنها من ذلك وتضربها، فإن قبضت الفأرة على إبرتها غلبتها وإن ضربتها العقرب كثيرًا أهلكتها، ومن الفأر صنف يحب الدراهم والدنانير يسرقها ويلعب بها وكثيرًا ما يخرجها من بيته ويلعب بها ويرقص عليها ثم يردها إلى بيته واحدًا واحدًا، فإذا أقفر البيت من الأدم لم يألفه الفأر، وقال أنس بن أبي إياس وقفت عجوز على قيس فقالت: أشكو إليك قلة الفأر قال: ما ألطف ما سألت تذكر أن بيتها أقفر من الأدم فأكثر لها يا غلام. نقله الزين عبد الرحمن بن داود القادري الحنبلي في كتابه نزهة الأفكار في خواص الحيوان والنبات والأحجار.
٥٥٣٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُهُ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ». قِيلَ لِسُفْيَانَ فَإِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّثُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: إِلاَّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارًا.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (أنه سمع ابن عباس) ﵄ (يحدّثه) بإثبات هاء الضمير في الفرع كأصله وغيرهما (عن ميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ (أن فأرة وقعت في سمن فماتت) فيه (فسئل النبي ﷺ عنها) أنجست السمن فيمتنع أكله أم لا؟ (فقال):
(ألقوها) بعد استخراجها من السمن (وما حولها) منه (وكلوه) أي السمن الباقي.
وهذا يدل على أن السمن كان جامدًا لأنه لا يمكن طرح ما حولها من المائع الذائب إذ إنه عند الحركة يختلط، وفي مسند إسحاق بن راهويه ومن طريقه ابن حبان إن كان جامدًا فألقوها وما حولها وكلوه وإن كان ذائبًا فلا تقربوه.
وهذه الزيادة في رواية ابن عيينة غريبة كما قاله الحافظ ابن حجر.
قال علي بن المديني شيخ المؤلّف في علله: (قيل لسفيان) بن عيينة (فإن معتمرًا يحدث
стр. 3597
عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة) ﵁ (قال) سفيان بن عيينة (ما سمعت الزهري يقول إلا عن عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله المذكور قبل (عن ابن عباس عن ميمونة) ﵂ (عن النبي ﷺ . ولقد سمعته) أي الحديث (منه) من الزهري (مرارًا) من طريق ميمونة فقط.
وهذا وصله أبو داود عن الحسن بن علي الحلواني، وأحمد بن صالح كلاهما عن عبد الرزاق عن معمر المذكور بإسناده. وعند الإسماعيلي عن جعفر الفريابي عن علي بن المديني قال سفيان: كما سمعناه من الزهري يعيده ويبديه.
وهذا الحديث قد سبق في باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء من كتاب الطهارة.
٥٥٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الدَّابَّةِ تَمُوتُ فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ، وَهْوَ جَامِدٌ أَوْ غَيْرُ جَامِدٍ، الْفَأْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ، ثُمَّ أُكِلَ عَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن الدابة) أي عن حكم الدابة (تموت في الزيت والسمن وهو جامد أو غير جامد) من غير فرق بين السمن وغيره ولا بين الجامد منه والذائب (الفأرة) بدل من الدابة أو عطف بيان لها (أو غيرها) عطف على المجرور هل ينجس الكل أم لا (قال) الزهري (بلغنا أن رسول الله ﷺ أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها) من الفأرة (فطرح ثم أكل) ما بقي من السمن (عن حديث عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود والجار والمجرور يتعلق بقوله بلغنا أي بلغنا عن حديث عبيد الله.
وهذا بلاغ صورته صورة المرسل أو الموقوف لكنه مذكور بالإسناد المرفوع أولًا وآخرًا. قال في الفتح: ولم يظهر لنا هل فيه ميمونة أو لا؟ واستدلّ بهذا الحديث لإحدى الروايتين عن أحمد أن المائع إذا حلت فيه النجاسة لا ينجس إلا بالتغير وهو اختيار البخاري، وقول ابن نافع من المالكية، وفرق الجمهور بين الجامد والمائع عملًا بالتفصيل السابق ولم يرد في طريق صحيح تحديد ما يلقى. نعم أخرج ابن أبي شيبة من مرسل عطاء بن يسار بسند جيد أنه يكون قدر الكف،
واستدلّ بقوله في الرواية المفضلة وإن كان مائعًا فلا تقربوه على أنه لا يجوز الانتفاع به في شيء فيحتاج من أجاز الانتفاع به في غير الأكل كالشافعية أو بيعه كالحنفية إلى الجواب عن الحديث، واحتج المجوّزون بحديث ابن عمر عند البيهقي إن كان السمن مائعًا انتفعوا به ولا تأكلوه، وحديث ابن عمر في فأرة وقعت في زيت استصبحوا به وادهنوا به.
٥٥٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ ﵃ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال (حدّثنا مالك) إمام دار الهجرة (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (عن ابن عباس عن ميمونة ﵃¬) أنها (قالت: سئل النبي ﷺ عن) حكم (فأرة سقطت في سمن) وماتت فيه هل ينجس فلا يؤكل (فقال) ﷺ :
(ألقوها) أي الفأرة (وما حولها) من السمن (وكلوه) أي سائر السمن والمشهور جواز الاستصباح بما حولها لكن يكره وقيل: لا يجوز لقوله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾ [المدثر: ٥].
وكل هذا في غير المساجد أما المساجد فلا يستصبح به فيها جزمًا ويجوز أن يتخذ صابونًا يغسل به ولا يباع، وقال الظاهرية: لا يجوز بيع السمن ولا الانتفاع به ويجوز بيع الزيت والخل والعسل وجميع المائعات، لأن النهي إنما ورد في السمن دون غيره ويحرم أكل جميع أنواع الفأر ويكره أكل سؤره، وكان الزهري يقول: إن أكل سؤره يورث النسيان.
٣٥ - باب الْوَسْمِ وَالْعَلَمِ فِي الصُّورَةِ
(باب) النهي عن (الوسم) بفتح الواو وسكون السين (والعلم) بفتح العين واللام (في الصورة) أي في وجه الحيوان ليتميز عن غيره، وفي بعض النسخ الوشم بالمعجمة وهو بمعنى الذي بالمهملة أو بالمهملة في الوجه وبالمعجمة في سائر الجسد.
٥٥٤١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَمَ الصُّورَةُ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُضْرَبَ. تَابَعَهُ قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا الْعَنْقَزِيُّ عَنْ حَنْظَلَةَ وَقَالَ: تُضْرَبُ الصُّورَةُ.
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن موسى) بن باذام الكوفي (عن حنظلة) بن سفيان الجمحي (عن سالم عن ابن عمر) ﵄ (أنه كره أن تعلم الصورة) بضم المثناة الفوقية
стр. 3598
وسكون العين المهملة وفتح اللام أي تجعل فيها علامة وللكشميهني الصور بفتح الواو بلا هاء بصيغة الجمع وفي مسلم مرّ النبي ﷺ بحمار قد وسم في وجهه فقال: "لعن الله من فعل هذا
لا يسم أحد الوجه ولا يضربن أحد الوجه" وإنما كره لشرف الوجه ولحصول الشين فيه وتغيير خلق الله فلو كان في غيره للتمييز فلا بأس به.
(وقال ابن عمر) ﵄ بالسند السابق: (نهى النبي ﷺ ¬) نهي تحريم (أن تضرب) بضم أوله وفتح ثالثه أي الصورة. فإن قلت: ما الحكمة في تقديم الموقوف على المرفوع؟ أجيب: استدلالًا على الكراهة التي ذكرها لأنه إذا ثبت النهي عن الضرب يكون المنع من الوسم أولى لما لا يخفى. (تابعه) أي تابع عبيد الله بن موسى (قتيبة) بن سعيد في روايته عن حنظلة عن سالم فقال: (حدّثنا العنقزي) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح القاف بعدها زاي مكسورة نسبة إلى بيع العنقز وهو المرزنجوش نبت طيب الريح عمرو بن محمد الكوفي (عن حنظلة) الجمحي أي عن سالم عن أبيه (وقال) منبهًا على ما حذف في الأولى (تضرب الصورة) وللمستملي الصور.
٥٥٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَخٍ لِي يُحَنِّكُهُ وَهْوَ فِي مِرْبَدٍ لَهُ فَرَأَيْتُهُ يَسِمُ شَاةً حَسِبْتُهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا.
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن هشام بن زيد عن) جده (أنس) ﵁ أنه (قال: دخلت على النبي ﷺ بأخ لي) من أمي اسمه عبد الله بن أبي طلحة (يحنكه وهو) ﷺ (في مربد له) بكسر الميم وفتح الموحدة بينهما راء ساكنة موضع الإبل فإطلاقه على موضع الغنم مجاز أو أدخلها عند الإبل (فرأيته يسم) بالسين المهملة يكوي (شاة) من الغنم ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني شاء بالهمزة من غير تأنيث قال شعبة: (حسبته) أي حسبت هشامًا (قال) يسمها (في آذانها) والتصريح بأن القائل حسبته شعبة والضمير فيه لهشام وقع في مسلم، وفي الحديث حجة للجمهور في جواز وسم البهائم بالكي خلافًا للحنفية لتمسكهم بعموم النهي عن التعذيب بالنار وقال بعضهم بالنسخ.
وهذا الحديث أخرجه مسلم وابن ماجة في اللباس وأبو داود في الجهاد.
٣٦ - باب إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ غَنِيمَةً، فَذَبَحَ بَعْضُهُمْ غَنَمًا أَوْ إِبِلًا بِغَيْرِ أَمْرِ أَصْحَابِهِمْ، لَمْ تُؤْكَلْ لِحَدِيثِ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ طَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ فِي ذَبِيحَةِ السَّارِقِ اطْرَحُوهُ
هذا (باب) بالتنوين (إذ أصاب قوم) ولابن عساكر: القوم (غنيمة) بفتح المعجمة من الكفار (فذبح بعضهم) قبل القسمة (غنمًا أو إبلًا بغير أمر أصحابهم لم تؤكل لحديث رافع) هو ابن خديج (عن النبي ﷺ ¬) المذكور موصولًا في باب التسمية على الذبيحة المتضمن لذبحهم من غنم الغنيمة قبل القسمة وأنهم أغلوه في القدور وأنه ﷺ أمر بالقدور فأكفئت عقوبة لهم.
(وقال طاوس) هو ابن كيسان اليماني (وعكرمة) مولى ابن عباس مما وصله عنهما عبد الرزاق
(في ذبيحة السارق اطرحوه) أي مذبوحه فلا تأكلوه لأنه حرام، وظاهره أن مذهبهما عدم جواز ذبح من ليس له ولاية الذبح بملك أو وكالة ونحوهما.
٥٥٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، إِنَّنَا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، فَقَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ سِنٌّ وَلَا ظُفُرٌ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ»، وَتَقَدَّمَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَأَصَابُوا مِنَ الْغَنَائِمِ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي آخِرِ النَّاسِ، فَنَصَبُوا قُدُورًا. فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ، وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ وَعَدَلَ بَعِيرًا بِعَشْرِ شِيَاهٍ، ثُمَّ نَدَّ بَعِيرٌ مِنْ أَوَائِلِ الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ فَقَالَ: «إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ. فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا فَافْعَلُوا مِثْلَ هَذَا».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا أبو الأحوص) بهمزة مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فواو مفتوحة بعدها صاد مهملة سلام الحنفي الكوفي قال: (حدّثنا سعيد بن مسروق) والد سفيان الثوري (عن عباية بن رفاعة) بفتح العين وتخفيف الموحدة (عن أبيه عن جده رافع بن خديج) أنه (قال: قلت للنبي ﷺ : إننا) بنونين ولأبي ذر وابن عساكر: إنّا (نلقى العدوّ غدًا وليس معنا مدى) بضم الميم وتنوين الدال المهملة مخففة جمع مدية سكين ننحر بها ما نغنمه وكأنه استشعر النصر والظفر والغنيمة التي يذبحون منها إما بإخباره ﷺ إياهم بذلك أو بما وقع في نفوسهم من نصرة المسلمين على عادتهم (فقال) ﷺ :
(ما أنهر الدم) أسأله (وذكر اسم الله) عليه (فكلوا) ولأبي ذر عن الكشميهني فكلوه (ما لم يكن) أي المذبوح به (سن ولا ظفر وسأحدثكم عن) علة (ذلك) وحكمته لتتفقهوا (أما السن فعظم) وهو ينجس بدم المذبوح وقد نهيتم عن تنجيس العظام
стр. 3599
في الاستنجاء لكونها زاد إخوانكم من الجن (وأما الظفر فمدى الحبشة) وهم كفار وقد نهيتم عن التشبه بهم والألف واللام في الظفر للجنس، فلذا وصفها بالجمع كقول العرب: أهلك الناس الدرهم البيض والدينار الصفر والحبشة جنس من السودان معروف. وقوله: وسأحدثكم عن ذلك إلى آخره اختلف فيه هل هو مدرج أو مرفوع؟ جزم النووي بأنه مرفوع. وقال ابن القطان: مدرج من قول رافع بن خديج ورجح الحافظ ابن حجر الأول.
(وتقدم سرعان الناس فأصابوا من الغنائم) ولأبي ذر وابن عساكر المغانم (والنبي ﷺ في آخر الناس) سيرًا (فنصبوا قدورًا) فيها لحم مما ذبحوه من الغنيمة (فأمر بها) ﷺ لما رآها أن تكفأ (فأكفئت) أي قلبت وأفرغ ما فيها عقوبة لهم (وقسّم) ﵊ (بينهم) ما غنموه (وعدل بعيرًا) قابله (بعشر شياه) لنفاسة الإبل حينئذ أو عزّتها وكثرة الغنم أو كانت هزيلة بحيث كان قيمة البعير عشر شياه (ثم ندّ) نفر (منها) من الإبل التي قسمت (بعير من أوائل القوم ولم
يكن معهم) مع الذين في الأوائل (خيل) ومع الآخرين قليلة زاد في الرواية السابقة في باب التسمية فطلبوه فأعياهم (فرماه رجل) لم أقف على اسمه (بسهم فحبسه الله) بسبب رميه بأن أصابه فوقف (فقال) ﷺ : (إن لهذه البهائم) من الإبل (أوابد) بالهمزة المفتوحة والواو بعد الألف موحدة فدال مهملة (كأوابد الوحش) أي نفارًا كنفار الوحش (فما فعل منها هذا) الفعل وهو النفار ولم تقدروا عليه (فافعلوا) به (مثل هذا) وكلوه فإنه له ذكاة.
٣٧ - باب إِذَا نَدَّ بَعِيرٌ لِقَوْمٍ، فَرَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَأَرَادَ إِصْلَاحَهُمْ فَهْوَ جَائِزٌ لِخَبَرِ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
هذا (باب) بالتنوين (إذا ندّ) أي نفر هاربًا (بعير) كائن (لقوم فرماه بعضهم بسهم) ليحبسه (فقتله فأراد) بالفاء ولأبي ذر وابن عساكر: وأراد (صلاحهم) أي صلاح القوم أصحاب البعير لا إفساده عليه، ولأبي ذر عن الكشميهني صلاحه بالإفراد أي صلاح البعير وكلاهما بغير همز وفي الفتح إصلاحهم وإصلاحه بالهمزة فيهما ونسب تركها لكريمة والذي في اليونينية إصلاحهم بالهمزة (فهو) أي ذلك الفعل (جائز) أكلًا ولا يلزمه بقتله شيء (لخبر رافع) الآتي (عن النبي ﷺ ¬).
٥٥٤٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنَ الإِبِلِ، قَالَ: فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَكُونُ فِي الْمَغَازِي وَالأَسْفَارِ، فَنُرِيدُ أَنْ نَذْبَحَ فَلَا تَكُونُ مُدًى قَالَ: «أَرِنْ مَا نَهَرَ أَوْ أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ. غَيْرَ السِّنِّ وَالظُّفُرِ. فَإِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ، وَالظُّفُرَ مُدَى الْحَبَشَةِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن سلام) وسقط لفظ محمد لغير أبي ذر قال: (أخبرنا عمر بن عبيد) بضم العين فيهما من غير إضافة الثاني (الطنافسي) بضم الطاء المهملة وبفتحها في اليونينية وكسر الفاء نسبة إلى بيع الطنافس أو اتخاذها بسط لها خمل (عن سعيد بن مسروق) والد سفيان الثوري (عن عباية بن رفاعة) ولابن عساكر ابن رافع فنسبه إلى جده (عن جده رافع بن خديج ﵁) سقط ابن خديج لأبي ذر أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر) بذي الحليفة من تهامة بالقرب من ذات عرق بين الطائف ومكة كما مرّ في باب التسمية (فندّ بعير من الإبل) لقوم (قال: فرماه رجل) أي أعرف اسمه (بسهم فحبسه قال ثم قال) ﷺ : (إن لها) أي الإبل (أوابد كأوابد الوحش) نفرات كنفراتها (فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا) فإنه له ذكاة (قال) رافع (قلت: يا رسول الله إنا نكون في المغازي والأسفار فنريد أن نذبح فلا يكون) معنا (مدى) جمع مدية سكين نذبح بها (قال) ﷺ :
(أرن) بهمزة مفتوحة فراء مكسورة فنون ساكنة أي أهلك الذي تذبحه ولأبي ذر وابن عساكر أرني بكسر الراء وإسكانها وبعد النون تحتية أي انظر (ما أنهر الدم) بالهمزة (أو) قال (نهر) بغير همز والصواب، بالهمز والشك من الراوي ولغير أبي ذر: ما نهر أو ما أنهر الدم (وذكر اسم الله) عليه (فكل غير السن والظفر فإن السن عظم والظفر مدى الحبشة) فيه أن ذبح غير المالك إذا وقع بطريق الإصلاح للمالك خشية أن تفوت عليه النفعة ليس بفاسد قاله ابن المنير.
والحديث قد مرّ
стр. 3600
في باب ما ندّ من البهائم.
٣٨ - باب
أَكْلِ المُضْطَرِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ * وَمَا لَكُمْ أَنْ لَا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فُصِّلَ لَكُمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُهَراقًا وَقَالَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
(باب) جواز (أكل المضطر) من الميتة (لقوله تعالى): ولأبي ذر: إذا أكل المضطر لقول الله تعالى: (﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا﴾) أمر إباحة (﴿من طيبات ما رزقناكم﴾) من مستلذاته أو من حلالاته (﴿واشكروا لله﴾) الذي رزقكموها (﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾) [البقرة: ١٧٢]. إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم.
ثم بيّن المحرم فقال: (﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾) وهي كل ما فارقه الروح من غير ذكاة مما يذبح وإنما لإثبات المذكور ونفي ما عداه أي ما حرم عليكم إلا الميتة (﴿والدم﴾) يعني السائل، وقد حلت الميتتان والدمان لحديث (﴿ولحم الخنزير﴾) يعني الخنزير بجميع أجزائه وخص اللحم لأنه المقصود بالأكل (﴿وما أهل به لغير الله﴾) أي ذبح للأصنام (﴿فمن اضطر﴾) ألجئ (﴿غير﴾) حال أي فأكل غير (﴿باغ﴾) للذة وشهوة (﴿ولا عادٍ﴾) متعد مقدار الحاجة (﴿فلا إثم عليه﴾) [البقرة: ١٧٣] أي فيباح له قدر ما يقع به القوام وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشبع لأن
الإباحة للاضطرار فيتقدر بقدر ما يندفع به الضرر والأصح أنه يلزمه الأكل فإن توقع حلالًا عن قرب لم يجز غير سد الرمق وإن لم يتوقع الحلال فقيل يجوز له الشبع وإلا ظهر سد الرمق فقط إلا أن يخاف تلفًا إن اقتصر عليه فيجب عليه أن يشبع وله أكل آدمي ميت وقتل مرتد وحربي بالغ وأكلهما لأنهما غير معصومين وحدّ الاضطرار أن يصل به الجوع إلى حدّ الإهلاك أو إلى مرض يفضي إليه.
وهذا قول الجمهور. قال سيدي عبد الله بن أبي حمزة نفعني الله ببركاته: الحكمة في ذلك أن في الميتة سمية شديدة فلو أكلها ابتداء لأهلكته فشرع له أن يجوع ليصير في بدنه بالجوع سمية هي أشد من سمية الميتة، فإذا أكل منها حينئذ لا يتضرر. قال في الفتح: وهذا إن ثبت حسن بالغ في الحسن. وسقط قوله: ﴿واشكروا﴾ إلى آخره في رواية أبي ذر، وقال بعد: ﴿ما رزقناكم﴾ إلى ﴿فلا إثم عليه﴾.
(وقال) تعالى: (﴿فمن اضطر﴾) متصل بذكر المحرمات المذكورات قبل أي فمن اضطر إلى الميتة أو إلى غيرها (﴿في مخمصة﴾) مجاعة (﴿غير﴾) حال (﴿متجانف لإثم﴾) مائل إلى إثم أي غير متجاوز سدّ الرمق (﴿فإن الله غفور﴾) لا يؤاخذه بذلك (﴿رحيم﴾) [المائدة: ٣] بإباحة المحظور للمعذور.
(وقوله) بالجر عطفًا على المجرور السابق أو بالرفع على الاستئناف (﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾) دون ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتكم (﴿إن كنتم بآياته مؤمنين * وما لكم ألاّ تأكلوا﴾) ما استفهامية في موضع رفع بالابتداء ولكم الخبر أي وأيّ غرض لكم في أن لا تأكلوا (﴿مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم﴾) بيّن لكم (﴿ما حرم عليكم﴾) مما لم يحرم بقوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾) مما حرم عليكم فإنه حلال لكم في حال الضرورة أي شدّة المجاعة إلى أكله (﴿وإن كثيرًا ليضلون بأهوائهم بغير علم﴾) أي يضلون فيحرّمون ويحللون بأهوائهم وشهواتهم من غير تعلق بشريعة (﴿إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾) [الأنعام: ١١٨، ١١٩] بالمجاوزين من الحق إلى الباطل وسقط من قوله مما ذكر اسم الله عليه إلى آخره لابن عساكر وقال بعد قوله: ﴿تأكلوا﴾ الآية. وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿وما لكم﴾ إلى آخر ﴿بالمعتدين﴾.
(وقوله جل وعلا: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا على طاعم يطعمه﴾) أي آكل يأكله ومحرّمًا نصب صفة لموصوف محذوف حذف لدلالة قوله على طاعم يطعمه أي لا أجد طعامًا محرمًا وعلى طاعم متعلق بمحرمًا ويطعمه في موضع جرّ صفة لطاعم (﴿إلا أن يكون﴾) ذلك المحرم وقدره أبو البقاء ومكّي وغيرهما إلا أن يكون المأكول أو ذلك (﴿ميتة أو دمًا مسفوحًا﴾) صفة لدم والسفح الصب هو ما خرج من الحيوانات وهي أحياء أو من الأوداج عند الذبح فلا يدخل الكبد والطحال لأنهما جامدان وقد جاء الشرع بإباحتهما ولا ما اختلط باللحم من الدم لأنه غير سائل
(﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾) نجس حرام والهاء في فإنه الظاهر عودها على لحم المضاف لخنزير وقال ابن حزم: على خنزير لأنه أقرب مذكور ورجح الأول بأن اللحم هو المحدث عنه والخنزير جاء
стр. 3601
بعرضية الإضافة إليه ألا ترى أنك إذا قلت رأيت غلام زيد فأكرمته أن الهاء تعود على الغلام لأنه المحدث عنه المقصود بالإخبار عنه لا على زيد لأنه غير مقصود، ورجح الثاني بأن التحريم المضاف للخنزير ليس مختصًّا بلحمه بل شحمه وشعره وعظمه كذلك فإذا أعدنا الضمير على خنزير كان كافيًا بهذا المقصود وإذا أعدناه على لحم لم يكن في الآية تعرض لتحريم ما عدا اللحم مما ذكر.
وأجيب: بأنه إنما ذكر اللحم دون غيره وإن كان غيره مقصودًا بالتحريم لأنه أهم ما فيه وأكثر ما يقصد فيه اللحم كغيره من الحيوانات وعلى هذا فلا مفهوم لتخصيص اللحم بالذكر، ولو سلم فإنه يكون من باب مفهوم اللقب وهو ضعيف جدًّا وقوله: فإنه رجس إما على المبالغة بأن جعل نفس الرجس أو على حذف مضاف (﴿أو فسقًا﴾) عطف على المنصوب السابق وقوله: فإنه رجس اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه (﴿أُهلّ لغير الله به﴾) في موضع نصب صفة لفسقًا أي رفع الصوت على ذبحه باسم غير اسم الله وسمي بالفسق لتوغله في باب الفسق (﴿فمن اضطر﴾) فمن دعته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات (﴿غير باغ﴾) على مضطر مثله تارك لمواساته (﴿ولا عاد﴾) متجاوز قدر حاجته من تناوله (﴿فإن ربك غفور رحيم﴾) [الأنعام: ١٤٥] لا يؤاخذه، وسقط لأبي ذر وابن عساكر من قوله: ﴿طاعم﴾ إلى آخره وقالا بعد قوله: ﴿محرمًا﴾ إلى ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾.
(قال ابن عباس): مما وصله الطبري في تفسير ﴿مسفوحًا﴾ أي (مهراقًا. وقال) جل وعلا: (﴿فكلوا مما رزقكم الله﴾) على يدي محمد ﷺ (﴿حلالًا طيبًا﴾) بدلًا عما كنتم تأكلونه حرامًا خبيثًا من الأموال المأخوذة بالغارات والغصوب وخبائث الكسوب (﴿واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة﴾) وهي ما فارقه الروح من غير ذكاة مما يذبح (﴿والدم﴾) السائل (﴿ولحم الخنزير﴾) بجميع أجزائه (﴿وما أهلّ لغير الله به﴾) ذبح للأصنام فذكر عليه غير اسم الله (﴿فمن اضطر غير باغ ولا عادٍ فإن الله غفور رحيم﴾) [النحل: ١١٤، ١١٥] وسقط قوله: ﴿واشكروا﴾ إلى آخر قوله: ﴿لغير الله به﴾ وهذه آية النحل، وثبتت هنا لكريمة، ولم يذكر المؤلّف في هذا الباب حديثًا اكتفاء بالنصوص القرآنية أو بيض له ليجد حديثًا على شرطه فيثبته فيه فلم يجده.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧٣ - كتاب الأضاحي
(كتاب الأضاحي) بفتح الهمزة جمع أضحية بضمها وتكسر مع تخفيف الياء وتشديدها وتحذف فتفتح الضاد وتكسر اسم لما يذبح من النعم تقربًا إلى الله تعالى من يوم العيد إلى آخر أيام التشريق. قال عياض: سميت بذلك لأنها تفعل في الضحى وهو ارتفاع النهار فسميت بزمن فعلها.
١ - باب سُنَّةِ الأُضْحِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هِيَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ
(باب سنّة الأضحية) من إضافة الصفة إلى الموصوف، ولابن عساكر في نسخة الأضحية سنّة. (وقال ابن عمر) ﵄ فيما وصله حماد بن سلمة في مصنفه بسند جيد: (هي سنّة ومعروف) بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه والجمهور أنها سنّة مؤكدة على الكفاية، وفي وجه للشافعية أنها من فروض الكفاية، وقال صاحب الهداية من السادة الحنفية: واجبة على كل مسلم مقيم موسر في يوم الأضحى عن نفسه وعن ولده الصغار، أما الوجوب فقول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وقال الشيخ خليل من المالكية: المشهور أنها سنّة، وقال المرداوي من الحنابلة: وتسن التضحية لمسلم ولو مكاتبًا بإذن سيده إلا النبي ﷺ فكانت واجبة عليه. قال ابن حجر: وأقرب ما يتمسك به للوجوب حديث أبي هريرة رفعه: "من وجد سعة فلم يضحّ فلا يعبرنّ مصلانا" أخرجه ابن ماجة ورجاله ثقات لكنه اختلف في رفعه ووقفه والموقوف أشبه بالصواب قاله الطحاوي وغيره ومع ذلك فليس صريحًا في الإيجاب.
وفي حديث مخنف بن سليم رفعه: "على كل أهل بيت أضحية" أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي ولا حجة فيه لأن الصيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق وقد ذكر معها العتيرة وليست واجبة عند من قال بوجوب الأضحية، وحديث ابن عباس: كتب عليّ النحر ولم يكتب عليكم"
стр. 3602
المروي عند أحمد وأبي يعلى والطبراني والدارقطني الدال على أن الوجوب من الخصائص النبوية ضعيف وتساهل الحاكم فصححه.
٥٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ الأيَامِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، مَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ». فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ وَقَدْ ذَبَحَ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً فَقَالَ: «اذْبَحْهَا وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». قَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ عَامِرٍ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ».
وبه قال: (حدّثنا) بصيغة الجمع ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن بشار) العبدي اللقب ببندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن زبيد الأيامي) بهمزة قبل التحتية المخففة ولأبي ذر وابن عساكر اليامي بإسقاط الهمزة (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن البراء) بن عازب (﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬) يوم عيد الأضحى:
(إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي) صلاة العيد بحذف أن قبل نصلي. قال في الكواكب: هو نحو تسمع بالمعيدي خير من أن تراه في تقدير أن أو تنزيل الفعل منزلة المصدر انتهى. وفي رواية أبي ذر: أن نصلي فلا يحتاج إلى تقدير (ثم نرجع) من المصلى إلى المنزل (فننحر) ما من شأنه أن ينحر ونذبح ما من شأنه أن يذبح من الأضحية (من فعله) أي تأخير النحر عن الصلاة (فقد أصاب سنتنا) طريقتنا (ومن ذبح) أضحيته (قبل) أي قبل الصلاة (فإنما هو) أي المذبوح (لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء) أي ليس من العبادة فلا ثواب فيها بل هي لحم ينتفع به أهله (فقام أبو بردة) بضم الموحدة وسكون الراء هانئ (بن نيار) بكسر النون وتخفيف التحتية البلوي (وقد ذبح) قبل الصلاة (فقال) يا رسول الله (إن عندي جذعة) من المعز (فقال) ﷺ : (اذبحها ولن تجزي) بفتح الفوقية بدون همز (عن أحد بعدك) أي وإنما يجزئ الثني والثنية من المعز وهو ما دخل في السنة الثالثة والطاعن في الثانية هو الجذع والجذعة، ويجزئ الضأن منه. وروى أحمد حديث: ضحّوا بالجذع من الضأن فإنه جائز ولابن ماجة نحوه. واختلف القائلون بإجزاء الجذع من الضأن وهم الجمهور في سنه فقيل ما أكمل سنة ودخل في الثانية وهو الأصح عند الشافعية والأشهر عند أهل اللغة، وقيل: نصف سنة وهو قول الحنفية والحنابلة، وقيل: سبعة أشهر حكاه صاحب الهداية من الحنفية عن الزعفراني، وقيل: ستة أو سبعة حكاه الترمذي عن وكيع وإجزاء جذع المعز خصوصية لأبي بردة. نعم وردت الرخصة لغيره عقبة بن عامر وغيره كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا.
(قال مطرف) هو ابن طريف بالطاء المهملة المفتوحة آخره فاء بوزن عظيم الحارثي بالمثلثة مما
سبق موصولًا في العيدين ويأتي إن شاء الله تعالى (عن عامر) الشعبي (عن البراء) بن عازب ﵁ (قال النبي ﷺ ¬):
(من ذبح بعد الصلاة) أي صلاة العيد (تمّ نسكه وأصاب سنة المسلمين) طريقتهم.
٥٥٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) يعني ابن مسرهد قال: (حدّثنا إسماعيل) ابن علية (عن أيوب) السختياني (عن محمد) يعني ابن سيرين (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: قال النبي) ﷺ .
(من ذبح قبل الصلاة) أي قبل مضي وقت صلاة العيد وما يتعلق بها من الخطبة وإلاّ فوقت الصلاة إلى الزوال (فإنما ذبح) أضحيته ولأبي ذر وابن عساكر يذبح (لنفسه) لحمًا يأكل لا ثواب له فيه (ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين).
وهذا الحديث قد سبق في صلاة العيدين.
٢ - باب قِسْمَةِ الإِمَامِ الأَضَاحِيَّ بَيْنَ النَّاسِ
(باب قسمة الإمام الأضاحي بين الناس) بنفسه أو بأمره.
٥٥٤٧ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ بَعْجَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ضَحَايَا، فَصَارَتْ لِعُقْبَةَ جَذَعَةٌ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَارَتْ جَذَعَةٌ، قَالَ: «ضَحِّ بِهَا».
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة المخففة أبو زيد الزهراني الطفاوي قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير الطائي مولاهم أبي نصر اليماني الثبت لكنه يدلس ويرسل، لكن رواية مسلم من طريق معاوية بن سلام عن يحيى أخبرني بعجة أزالت ما يخشى من تدليسه (عن بعجة) بفتح الموحدة والجيم بينهما عين مهملة ساكنة ابن عبد الله (الجهني) تابعي ليس له في البخاري إلا هذا (عن عقبة بن عامر الجهني) ﵁ أنه (قال: قسم النبي ﷺ بين أصحابه ضحايا) وكان الذي باشر القسمة عقبة بن عامر المذكور كما سيأتي إن شاء
стр. 3603
الله تعالى (فصارت) أي حصلت (لعقبة) بن عامر (جذعة) من المعز. قال عقبة: (فقلت: يا رسول الله صارت جذعة) ولأبي ذر: لي جذعة (قال) ﷺ : (ضحّ بها) ولم يقل ولن تجزي عن أحد بعدك كما قال لأبي بردة.
٣ - باب الأُضْحِيَّةِ لِلْمُسَافِرِ وَالنِّسَاءِ
(باب) حكم (الأضحية للمسافر والنساء).
٥٥٤٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَحَاضَتْ بِسَرِفَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ مَكَّةَ وَهْيَ تَبْكِي، فَقَالَ: «مَا لَكِ أَنَفِسْتِ»؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ». فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا سفيان) هو ابن عيينة ولم يسمع مسدد من سفيان الثوري (عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ (عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها، وحاضت بسرف) بفتح السين المهملة وكسر الراء موضع خارج مكة (قبل أن تدخل مكة وهي) والحال أنها (تبكي فقال) لها ﷺ :
(ما لكِ) تبكين (أنفست)؟ بفتح النون وكسر الفاء وضبطه الأصيلي أنفست بضم النون أي حضت وقيل بالفتح الحيض والضم النفاس (قالت: نعم) نفست (قال) ﵊: يسليها: (إن هذا) الحيض (أمر كتبه الله على بنات آدم) فلست بمختصة به (فاقضي ما يقضي الحاج) فافعلي ما يفعل الحاج من المناسك (غير أن لا تطوفي بالبيت) لأنه كالصلاة لا يصح، إلا بطهارة كاملة نعم قال بصحته بعد انقطاع الدم من غير غسل الحنفية، لكن يجب عليها بدنة عندهم ولا زائدة أي غير أن تطوفي. قالت عائشة (فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قالوا: ضحّى رسول الله ﷺ عن أزواجه) ﵁ (بالبقر) أي بإذنهن لأن تضحية الإنسان عن غيره لا تصح إلا بإذن.
وهذا الحديث قد مرّ في الحيض.
٤ - باب مَا يُشْتَهَى مِنَ اللَّحْمِ يَوْمَ النَّحْرِ
(باب ما يشتهى) بضم أوله وفتح رابعه (من اللحم يوم النحر) وما موصولة أو مصدرية.
٥٥٤٩ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ: «مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ»، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَذَكَرَ جِيرَانَهُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا. ثُمَّ انْكَفَأَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى كَبْشَيْنِ فَذَبَحَهُمَا، وَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَتَوَزَّعُوهَا، أَوْ قَالَ: فَتَجَزَّعُوهَا.
وبه قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضل قال: (أخبرنا ابن علية) إسماعيل بن إبراهيم وعلية أمه (عن أيوب) السختياني (عن ابن سيرين) محمد (عن أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ يوم النحر) لأصحابه:
(من كان) منكم (ذبح) أضحيته (قبل الصلاة فليعد) فإنها ليست نسكًا (فقام رجل) هو أبو بردة بن دينار (فقال: يا رسول الله إن هذا يوم يشتهى فيه اللحم) للالتذاذ به فيه ولأن العادة جرت فيه بكثرة الذبح فالنفس تتشوف له، ولا يقدح فيه قول عمر لجابر بن عبد الله لما رأى معه لحمًا فقال له: ما هذا؟ قال: قرمنا إلى اللحم فقال له: أين تذهب هذه الآية؟ ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ [الأحقاف: ٢٠] لأن يوم النحر مخصوص بأكله. قال الله تعالى: ﴿ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها﴾ [الحج: ٣٤] وبه استدل من قال بوجوب إلى من الأضاحي وهو قول غريب والذي عليه الجمهور أنه من باب الرخصة أو الاستحباب.
(وذكر) أبو بردة (جيرانه) وعند مسلم عن عاصم وإني عجلت فيه نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني وأهل داري (وعندي جذعة) من المعز (خير من شاتي لحم) بالتثنية من المعز (فرخص له) ﷺ (في ذلك) قال أنس: (فلا أدري أبلغت الرخصة من سواه) من الناس (أم لا) فيكون مختصًّا بذلك ولعل أنسًا لم يبلغه قوله ﷺ : لمن تجزي عن أحد بعدك (ثم انكفأ) بالهمز أي مال ورجع (النبي ﷺ ¬) عن مكان الخطبة إلى مكان الذبح (إلى كبشين) تثنية كبش وهو ذكر الضأن (فذبحهما وقام الناس إلى غنيمة) بضم الغين المعجمة وفتح النون مصغرًا (فتوزعوها) بالزاي المعجمة من التوزيع أي تفرقوها (أو قال فتجزعوها) بالجيم والزاي من الجزع أي اقتسموها حصصًا كل واحد حصة من الغنم بغير ذبح وليس المراد أن كل واحد أخذ قطعة من اللحم والشك من الراوي.
والحديث سبق في باب إلى يوم النحر من كتاب العيدين.
٥ - باب مَنْ قَالَ: الأَضْحَى يَوْمَ النَّحْرِ
(باب من قال: الأضحى يوم النحر) فقد دون أيام التشريق ويوم نصب على الظرفية، ولأبي ذر رفع واختصاص النحر باليوم العاشر قول حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وداود الظاهري.
٥٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَي وَشَعْبَانَ. أَيُّ شَهْرٍ هَذَا»؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: «أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ». قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا»، قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: «أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ»؟ قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا»؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ»؟ قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ»، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ. أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلاَّلًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ. أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ». وَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سلام) قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (عبد الوهاب)
стр. 3604
بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن ابن أبي بكرة) عبد الرحمن (عن) أبيه (أبي بكرة) نفيع بن الحارث (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الزمان) ولأبي ذر إن الزمان (قد استدار) استدارة (كهيئته) مثل حالته (يوم خلق الله السماوات والأرض) روي أنهم كانوا ينسئون الحج في كل عامين من شهر إلى شهر آخر ويجعلون الشهر الذي أنسؤوا فيه ملغى فتكون تلك السنة ثلاثة عشر شهرًا ويتركون العام الثاني على ما كان عليه الأول، فلا يزالون كذلك إلى خمس وعشرين سنة، ثم يستدبر حينئذ الشهر الذي بدئ منه، وكانت السنة التي حجّ فيها رسول الله ﷺ حجة الوداع هي السنة التي وصل ذو الحجة إلى موضعه فقال ﷺ في خطبته: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" أي إن الله تعالى قد أدحض أمر النسيء فإن حساب السنة قد استقام ورجع إلى الأصل الموضوع له.
(السنة اثنا عشر شهرًا) تأكيد في إبطال أمر النسيء وأن أحكام الشرع تنبئ على المشهور القمرية المحسوبة بالأهلّة دون الشمسية (منها أربعة حرم) لعظم حرمتها (ثلاث متواليات) حذف التاء من العدد باعتبار أن الشهر الذي هو واحد الأشهر بمعنى الليالي فاعتبر لذلك تأنيثه ولابن عساكر ثلاثة متواليات (ذو القعدة) للقعود فيه عن القتال (وذو الحجة) للحج (والمحرم) لتحريم القتال فيه (و) واحد فرد وهو (رجب مضر) أضيف إليها لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من محافظة سائر العرب ولم يك يستحله أحد من العرب وسمي رجبًا لترجيب العرب إياه (الذي بين جمادى) بضم الجيم وفتح الدال المهملة (وشعبان) ذكره تأكيدًا وإزاحة للريب الحادث فيه من النسيء (أي شهر هذا) قال القاضي البيضاوي: يريد تذكارهم حرمة الشهر وتقريرها في نفوسهم ليبني عليها ما أراد تقريره وقولهم (قلنا: الله ورسوله أعلم)، مراعاة للأدب وتحرزًا عن التقدم بين يدي الله ورسوله وتوقفًا فيما لا يعلم الغرض من السؤال عنه (فسكت) ﷺ (حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس ذا الحجة)؟ ولابن عساكر وأبي ذر عن الحموي والمستملي ذو الحجة (قلنا:
بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس البلدة)؟ بسكون اللام مكة التي جعلها الله تعالى حرمًا، قال التوربشتي: وجه تسميتها بالبلدة وهي تقع على سائر البلدان أنها الجامعة للخير المستحقة أن تسمى بهذا الاسم لتفوّقها سائر مسميات أجناسها تفوّق الكعبة في تسميتها بالبيت سائر مسميات أجناسها حتى كأنها هي المحل المستحق للإقامة به (قلنا: بلى) يا رسول الله (قال) ﵊ (فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت) ﷺ (حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس يوم النحر)؟ الذي ننحر فيه الأضاحي في سائر الأقطار والهدايا بمنى (قلنا: بلى) وتمسك به من خص النحر بيوم العيد ووجهه أنه ﵊ أضاف هذا اليوم إلى جنس النحر لأن اللام هنا جنسية فتعم فلا يبقى نحر إلا في ذلك اليوم، لكن قال القرطبي: التمسك بإضافة النحر إلى اليوم الأول ضعيف مع قوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٨] انتهى.
وأجاب الجمهور بأن المراد النحر الكامل الفضل والألف واللام كثيرًا ما تستعمل للكمال نحو: ولكن البر وإنما الشديد الذي يملك نفسه، ولذا قيل اليوم الأول أفضل الأيام. وقال المالكية: أيام النحر ثلاثة مبدؤها يوم النحر بعد صلاة الإمام وذبحه في المصلى، وعند الشافعية آخر وقتها غروب الشمس من آخر أيام التشريق لحديث في كل أيام التشريق ذبح رواه ابن حبان، وقال أبو حنيفة: وأحمد يومان بعد النحر كقول المالكية.
(قال) ﷺ :
стр. 3605
(فإن دماءكم وأموالكم قال محمد) هو ابن سيرين (وأحسبه) أي وأحسب ابن أبي بكرة (قال) في حديثه (وأعراضكم) قال التوربشتي: أنفسكم وأحسابكم فإن العرض يقال للنسب والحسب. يقال: فلان نقيّ العرض أي بريء أن يعاب، وتعقب بأنه لو كان المراد من الأعراض النفوس لكان تكرارًا لأن ذكر الدماء كاف إذ المراد بها النفوس، وقال الطيبي: الظاهر أن المراد الأخلاق النفسانية فالمراد هنا الأخلاق ثم قال: والتحقيق ما في النهاية أن العرض موضع المدح والذم من الإنسان، ولذا قيل العرض النفس إطلاقًا للمحل على الحال (عليكم حرام كحرمة يومكم هذا) يوم النحر (في بلدكم هذا) مكة (في شهركم هذا) ذي الحجة وسقط لفظ هذا لأبي ذر وابن عساكر (وستلقون ربكم) يوم القيامة (فيسألكم عن أعمالكم) فيجازيكم عليها (ألا) بالتخفيف (فلا ترجعوا بعدي ضلالًا) بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام الأولى جمع ضال (يضرب بعضكم رقاب بعض ألا) بالتخفيف (ليبلغ الشاهد الغائب) ما ذكر (فلعل بعض من يبلغه) بفتح التحتية وسكون الموحدة (أن يكون أوعى) بالواو الساكنة بعد الهمزة المفتوحة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أرعى بالراء بدل الواو (له) للذي ذكر (من بعض من سمعه) مني (وكان) بالواو ولأبي ذر وابن عساكر فكان (محمد) أي ابن سيرين (إذا ذكره) ولأبي ذر عن الكشميهني ذكر بحذف الضمير المنصوب (قال: صدق النبي ﷺ ، ثم قال) النبي ﷺ : (ألا) بتخفيف اللام (هل بلغت ألا هل بلغت) زاد أبو ذر عن المستملي مرتين وهو من الحديث فصل
بينه الراوي وبين ما قبله بقوله وكان محمد إذا ذكره قال: صدق النبي ﷺ .
وهذا الحديث تقدّم في العلم والحج وتفسير براءة مفرقًا.
٦ - باب الأَضْحَى وَالْمَنْحَرِ بِالْمُصَلَّى
(باب) بيان كون (الأضحى والمنحر بالمصلى) موضع صلاة العيد لئلا يذبح أحد قبل الإمام فيذبحوا بعدها بيقين مع ما فيه من تعليمهم صفة الذبح، وفي بعض النسخ والنحر بغير ميم.
٥٥٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَنْحَرُ فِي الْمَنْحَرِ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: يَعْنِي مَنْحَرَ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن أبي بكر المقدمي) بتشديد الدال المهملة المفتوحة بعد القاف، قال: (حدّثنا خالد بن الحارث) الهجيمي بالجيم والميم مصغرًا قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (قال: كان عبد الله) بن عمر بن الخطاب ﵄ (ينحر في المنحر، قال عبيد الله) العمري (يعني منحر النبي ﷺ ¬).
٥٥٥٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن كثير بن فرقد) بالمثلثة وفرقد بفتح الفاء وسكون الراء وفتح القاف بعدها دال مهملة (عن نافع أن ابن عمر ﵄ أخبره قال: كان رسول الله ﷺ يذبح وينحر بالمصلى) بعد أن يصلّي العيد، وهو مذهب مالك؛ أن الإمام يبرز أضحيته للمصلى فيذبح به كما قاله السفاقسي، والحديث الأول موقوف والثاني مرفوع وهو اختلاف على نافع قاله ابن حجر.
٧ - باب فِي أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ.
وَيُذْكَرُ سَمِينَيْنِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ قَالَ: كُنَّا نُسَمِّنُ الأُضْحِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ
هذا (باب) بالتنوين (في أضحية النبي ﷺ ¬) من الضأن (أقرنين) لكل واحد منهما قرنان معتدلان ولأبي ذر وابن عساكر باب ضحية النبي ﷺ إلى آخره (ويذكر) بضم أوله وفتح الكاف في صلة الكبشين (سمينين) أخرجه أبو عوانة بن محمد بن شعبة عن قتادة عن أنس (وقال يحيى بن سعيد) الأنصاري مما وصله أبو نعيم في مستخرجه (سمعت أبا أمامة بن سهل) بسكون الهاء (قال: كنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون) أيضًا.
٥٥٥٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، وَأَنَا أُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ.
[الحديث ٥٥٥٣ - أطرافه في: ٥٥٥٤، ٥٥٥٨، ٥٥٦٤، ٥٥٦٥، ٧٣٩٩].
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) سقط لأبي ذر لفظ ابن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يضحي بكبشين) قال في المصابيح: هذا يدل على أن تلك عادته ﵊ فيكون دليلًا للمالكية على أفضلية الضأن في الضحايا ضرورة أن النبي ﷺ لا يواظب إلا على ما هو لأفضل
стр. 3606
لكن من نظر إلى كثرة اللحم كإمامنا الشافعي قال: الأفضل الإبل ثم البقر، وقد أخرج البيهقي عن ابن عمر: كان النبي ﷺ يضحي بالجزور وأحيانًا وبالكبش إذا لم يجد جزورًا لكن في سنده عبد الله بن نافع وفيه مقال فلو سلم كان نصًّا في موضع النزاع قال أنس: (وأنا أضحي بكبشين) اقتداء به ﷺ .
وهذا الحديث من أفراده.
٥٥٥٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. تَابَعَهُ وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ وَحَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ: عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط ابن سعيد لأبي ذر قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (عن أيوب) السختياني ولأبي ذر حدّثنا أيوب (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي (عن أنس) ﵁ (أن رسول الله ﷺ انكفأ) بالهمزة بعد الفاء رجع (إلى كبشين أقرنين) تثنية أقرن وهو الكبير القرن (أملحين) بالحاء المهملة تثنية أملح وهو الذي يخالط سواده بياض والبياض أكثر، وقال الأصمعي: هو الأغبر، وقال ابن الأعرابي: الأبيض الخالص، وبه تمسك الشافعية في تفضيل الأبيض في الأضحية، أو هو الذي ينظر في سواد ويأكل في سواد ويبرك في سواد أي أن مواضع هذه منه سود وما عدا ذلك أبيض واختار ذلك لحسن منظره وشحمه وطيب لحمه لأنه نوع يتميز عن جنسه (فذبحهما) ﷺ (بيده) الشريفة وفيه أن الذكر في الأضحية أفضل من الأنثى وهو قول أحمد، وحكى الرافعي فيه قوليه عن الشافعي. أحدهما عن نص في البويطي الذكر لأن لحمه أطيب وهذا هو الأصح، والثاني أن الأنثى أولى، وقال الرافعي: وإنما يذكر ذلك في جزاء الصيد عند التقويم والأنثى أكثر قيمة فلا تفدى بالذكر أو أراد الأنثى التي لم تلد وفيه استحباب التضحية بالأقرن وأنه أفضل من الأجم الذي لا قرن له وذبح أضحيته بيده إذا كان يحسن الذبح (تابعه) أي تابع عبد الرحمن (وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خلد البصري في روايته (عن أيوب) السختياني عن أبي قلابة عن أنس وهذه المتابعة ذكرها الإسماعيلي.
(وقال إسماعيل) ابن علية مما يأتي موصولًا قريبًا عند المؤلّف (وحاتم بن وردان) بالحاء المهملة مما وصله مسلم من طريقه (عن أيوب) السختياني (عن ابن سيرين) محمد (عن أنس) ﵁ فخالفا عبد الوهاب الثقفي في شيخ أيوب ووقع في رواية أبي ذر تأخير متابعة وهيب عن قوله وقال إسماعيل، وعند الباقين تقديم متابعة وهيب. قال في الفتح: وهو الصواب لأن وهيبًا إنما رواه عن أيوب عن أبي قلابة متابعًا لعبد الوهاب الثقفي.
٥٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «ضَحِّ أَنْتَ بِهِ».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين الحراني سكن مصر قال: (حدّثنا الليث) بن سعد (عن يزيد) بن أبي حبيب المصري (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله اليزني (عن عقبة بن عامر) الجهني ﵁ (أن النبي ﷺ أعطاه غنمًا) يطلق على الضأن والمعز (يقسمها على صحابته) ﷺ أو صحابة عقبة (ضحايا) من ماله ﵊ أو من الفيء فقسمها (فبقي) منها (عتود) بفتح العين المهملة وضم المثناة الفوقية الخفيفة ما قوي ورعي من أولاد المعز وأتى عليه حول أو العتود الجذع من المعز ابن خمسة أشهر وفي المحكم العتود الجدي الذي استكرش وقيل الذي بلغ السفاد (فذكره) عقبة (للنبي ﷺ فقال) له ﵇:
(ضحّ أنت به) ولأبي ذر: ضح به أنت، وسقط لفظ به لابن عساكر، زاد البيهقي في روايته من طريق يحيى بن بكير عن الليث ولا رخصة لأحد فيها بعدك.
وحديث الباب سبق في الوكالة جهذا الإسناد والمتن، وفي الشركة أيضًا في باب قسمة الغنائم والعدل فيها.
٨ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لأَبِي بُرْدَةَ: «ضَحِّ بِالْجَذَعِ مِنَ الْمَعَزِ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»
(باب قول النبي ﷺ لأبي بردة) بن نيار (ضح بالجذع من المعز ولن تجزي عن أحد بعدك).
٥٥٥٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ عَنْ عَامِرٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: ضَحَّى خَالٌ لِي يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي دَاجِنًا جَذَعَةً مِنَ الْمَعَزِ قَالَ: «اذْبَحْهَا وَلَنْ تَصْلُحَ لِغَيْرِكَ». ثُمَّ قَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ». تَابَعَهُ عُبَيْدَةُ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ. وَتَابَعَهُ وَكِيعٌ
عَنْ حُرَيْثٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وَقَالَ عَاصِمٌ: وَدَاوُدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عِنْدِي عَنَاقُ لَبَنٍ وَقَالَ زُبَيْدٌ وَفِرَاسٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ: عِنْدِي جَذَعَةٌ وَقَالَ أَبُو الأَحْوَصِ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنَاقٌ جَذَعَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنَاقٌ جَذَعٌ، عَنَاقُ لَبَنٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا خالد بن عبد الله) الطحان الواسطي قال: (حدّثنا مطرف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المهملة المشدّدة بعدها فاء ابن طريف الكوفي (عن عامر) الشعبي (عن البراء بن عازب ﵄) سقط لأبي ذر ابن عازب أنه (قال: ضحى
стр. 3607
خال لي يقال له أبو بردة) هانئ بن نيار بكسر النون وتخفيف التحتية ابن عمرو بن عبيد البلوي من حلفاء الأنصار أي ذبح أضحيته (قبل الصلاة) أي صلاة العيد فالألف واللام للعهد (فقال له رسول الله ﷺ ¬):
(شاتك) التي ذبحتها قبل صلاة العيد (شاة لحم) ليست أضحية ولا ثواب فيها، واستشكلت هذه الإضافة بأن الإضافة إما معنوية مقدرة بمن كخاتم حديد أو باللام كغلام زيد أو بفي كضرب اليوم أي ضرب في اليوم، وإما لفظية صفة مضافة إلى معمولها كضارب زيد وحسن الوجه ولا يصح شيء منها في شاة لحم. وأجيب: بأن الإضافة بتقدير محذوف أي شاة طعام لحم أي لا طعام نسك أو ما أشبه ذلك يعني شاة لحم غير نسك فهي مضافة إلى محذوف أقيم المضاف إليه مقامه. (فقال) أبو بردة (يا رسول الله إن عندي داجنًا) بالجيم والنون الذي بألف البيوت لا سن لها معينًا (جذعة) بالجيم والذال المعجمة بالنصب عطف بيان لداجنًا (من المعز) وهو الذي لم يطعن في الثالثة (قال) ﷺ : (اذبحها) عن أضحيتك خصوصية لك (ولن تصلح) أضحية ولأبي ذر وابن عساكر: ولا تصلح (لغيرك ثم قال) ﵊: (من ذبح قبل الصلاة) أي صلاة العيد (فإنما يذبح لنفسه) لحمًا يأكله ليس بنسك (ومن ذبح بعد الصلاة فقد تمّ نسكه وأصاب سنّة المسلمين).
(تابعه) أي تابع مطرفًا (عبيدة) بضم العين مصغرًا ابن معتب بتشديد المثناة الفوقية المكسورة الضبي في روايته (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (و) تابعه أيضًا عن (إبراهيم) النخعي عن البراء وهو منقطع لأن إبراهيم لم يلق أحدًا من الصحابة (وتابعه) أي تابع عبيدة (وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف (عن حريث) بضم الحاء المهملة آخره مثلثة مصغرًا ابن أبي مطر الأسدي الكوفي الحناط بالمهملة والنون (عن الشعبي) وهذا وصله أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الأضاحي من طريق سهل بن عثمان العسكري عن وكيع (وقال عاصم) هو ابن سليمان الأحول مما وصله مسلم (وداود) بن أبي هند مما وصله مسلم أيضًا (عن الشعبي) عامر عن البراء عن النبي ﷺ الحديث وقال فيه: (عندي عناق لبن) بفتح العين المهملة وتخفيف للنون الأنثى من ولد المعز وأضافها إلى اللبن إشارة إلى صغرها وأنها قريبة من الرضاع.
(وقال زبيد): بضم الزاي وفتح الموحدة ابن الحارث اليامي مما وصله المؤلّف أوّل الأضاحي
(وفراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة ابن يحيى الكوفي مما وصله البخاري أيضًا في باب من ذبح قبل الصلاة أعاد (عن الشعبي) عن البراء وقال: (عندي جذعة، وقال أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي الكوفي: (حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر مما وصله المؤلّف من الوجه المذكور عنه عن الشعبي عن البراء في العيدين وقال: (عناق جذعة) بالتنوين فيهما فالثاني عطف بيان. (وقال ابن عون) عبد الله واسم جده أرطبان في روايته عن الشعبي عن البراء مما وصله المؤلّف في الأيمان والنذور (عناق جذع) بتنوينهما (عناق لبن) بالإضافة فالأول كلفظ منصور لكن تلك بتأنيث جذعة والثانية كعاصم.
٥٥٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: ذَبَحَ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أَبْدِلْهَا» قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي إِلاَّ جَذَعَةٌ قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ قَالَ: «اجْعَلْهَا مَكَانَهَا وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: «عَنَاقٌ جَذَعَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا) ولغير أبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن بشار) بالمعجمة المشدّدة بعد الموحدة العبدي قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) هو غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سلمة) بن كهيل (عن أبي جحيفة) بالجيم المضمومة والحاء المهملة المفتوحة وهب بن عبد الله بن مسلم العامري السوائي الصحابي توفي رسول الله ﷺ وهو لم يبلغ الحلم (عن البراء) بن عازب ﵁ أنه (قال: ذبح أبو بردة) بن نيار (قبل الصلاة) أي صلاة العيد (فقال ﷺ ¬):
(أبدلها) بكسر الدال وسكون اللام أي اذبح مكانها أخرى (قال) يا رسوله الله (ليس عندي إلا جذعة، قال شعبة) بن الحجاج (وأحسبه) أي أبا بردة (قال: هي) أي الجذعة (خير من مسنّة) لطيب لحمها ونفعها للأكلين لسمنها ونفاستها، وقال أهل
стр. 3608
اللغة: السن الذي يلقي سنه يكون في ذات الخف في السنة السادسة وفي الظلف والحافر في السنة الثالثة، وقال ابن فارس: إذا دخل ولد الشاة في السنة الثالثة فهو ثني ومسن (قال) ﷺ : (اجعلها) أي الجذعة (مكانها) أي مكان المسنّة خصوصية لك (ولن تجزي) بفتح الفوقية بغير همزة وقال ابن بري: الفقهاء يقولون لا يجزئ بالضم والهمزة في موضع لا يقضي، والصواب الفتح بلا همز ويجوز الضم والهمز بمعنى الكفاية، وفي الأساس للزمخشري بنو تميم تقول: البدنة تجزي عن سبعة بضم أوله، وأهل الحجاز تجزي بفتح أوله وبهما قرئ: ﴿لا تجزي نفس عن نفس﴾ [البقرة: ١٢٣]، ولن حرف نصب لنفي المستقبل وهل هي مركبة أو بسيطة ولا تقتضي تأييد النفي خلافًا للزمخشري أي لن يقتضي (عن أحد بعدك) وظاهره الخصوصية لأبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية، لكن وقع في غير ما حديث التصريح بنظيره لغيره كحديث عقبة السارق وقوله: ولا رخصة فيها لأحد بعدك وفي كل منهما صيغة عموم فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني
فيحتمل صدور ذلك لكل منهما في وقت واحد، أو أن خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، وذكر بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة لكن ليس التصريح بالنفي إلا في قصة أبي بردة في الصحيحين وفي قصة عقبة بن عامر في البيهقي ولم يشاركهما أحد في ذلك، نعم وقعت المشاركة في مطلق الأجزاء لا في خصوص منع الغير لزيد بن خالد. رواه أبو داود وأحمد وصححه ابن حبان ولعويمر بن أشقر رواه ابن حبان في صحيحه وابن ماجة ولسعد بن أبي وقاص رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس، وفي حديث أبي هريرة المروي عند أبي يعلى والحاكم أن رجلًا قال: يا رسول الله هذا جذع من الضأن مهزول وهذا جذع من المعز سمين أو هو خيرهما أفأضحي به؟ قال: "ضحّ به فإن لله الخير" وفي سنده ضعف.
(وقال حاتم بن وردان): بالحاء المهملة أبو صالح البصري فيما وصله مسلم (عن أيوب) السختياني (عن محمد) أي ابن سيرين (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) الحديث. (وقال) فيه (عناق جذعة) بتنوينهما والعطف للبيان.
٩ - باب مَنْ ذَبَحَ الأَضَاحِيَّ بِيَدِهِ
(باب من ذبح الأضاحي بيده).
٥٥٥٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ.
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) سقط لأبي ذر ابن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ أنه (قال: ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين) زاد في الرواية السابقة واللاحقة أقرنين (فرأيته) حال كونه (واضعًا قدمه) الشريفة (على صفاحهما) بكسر الصاد المهملة وجمع وإن كان وضعه ﷺ قدمه إنما كان على صفحتيهما إما باعتبار أن الصفحتين من كل واحد في الحقيقة موضوع عليهما القدم المبارك لأن أحدهما مما يلي الأخرى مما يلي الرجل، أو هو من باب قطعت رؤوس الكبشين، وقال في الفتح: والصفاح الجوانب، والمراد الجانب الواحد من وجه الأضحية وإنما ثنى إشارة إلى أنه فعل ذلك في كلٍّ منهما فهو من إضافة الجمع إلى المثنى بإرادة التوزيع (يسمي) أي واضعًا قدمه على صفاحهما حال كونه يسمي الله تعالى (ويكبّر فذبحهما بيده) ففيه مشروعية ذبح الأضحية بيده وإن كان يحسن ذلك لأن الذبح عبادة والعبادة أفضلها أن يباشرها بنفسه ووضع الرجل على صفحة عنقها اليمنى ليكون أثبت له وأمكن لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تنجسه.
وهذا الحديث رواه مسلم في الذبائح وكذا النسائي ورواه ابن ماجة في الأضاحي.
١٠ - باب مَنْ ذَبَحَ ضَحِيَّةَ غَيْرِهِ. وَأَعَانَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ فِي بَدَنَتِهِ وَأَمَرَ أَبُو مُوسَى بَنَاتِهِ أَنْ يُضَحِّينَ بِأَيْدِيهِنَّ
(باب من ذبح ضحية غيره) بإذنه (وأعان رجل ابن عمر) ﵄ (في) نحر (بدنته) بمنى وهو باركة معقولة وصله عبد الرزاق وإذا كانت الاستعانة مشروعة التحقت بها الاستنابة (وأمر أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (بناته أن يضحين بأيديهن) وصله في المستدرك بلفظ كان يأمر بناته أن يذبحن نسائكن
стр. 3609
بأيديهن اهـ. ومذهب الشافعي أن الأولى للمرأة أن توكل في ذبح أضحيتها، وقوله وأمر إلخ ثابت في رواية الكشميهني والمستملي.
٥٥٥٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَرِفَ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا لَكِ أَنَفِسْتِ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ. غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ». وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ بسرف) بفتح السين المهملة وكسر الراء بعدها فاء موضع قرب مكة قبل أن أدخلها (وأنا أبكي فقال):
(ما لك أنفست)؟ بفتح الهمزة والنون وكسر الفاء وسكون السين المهملة أحضت من النفس وهو الدم وفرقوا بين الحيض والنفاس فقالوا بفتح النون في الحيض وفي الولادة بضمها وحكي الضم فيهما وثبت في روايتنا بالوجهين (قلت: نعم، قال) ﷺ : (هذا أمر كتبه الله على بنات آدم) في حديث ابن مسعود عند عبد الرزاق بإسناد صحيح قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا فكانت المرأة تتشوف للرجل فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد، وحديث الباب شامل لجميع بنات آدم فيتناول الإسرائيليات ومن قبلهن من بنات آدم عام أريد به الخصوص (اقضي ما يقضي الحاج) من المناسك والمراد بالقضاء هنا الأداء أي ما يؤدي الحاج (غير أن لا تطوفي بالبيت) حتى تطهري كاملة بانقطاع الحيض والاغتسال.
(وضحى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر). وفي رواية يونس عن الزهري عند النسائي وأبي داود وغيرهما عن عمرة عن عائشة أن رسول الله ﷺ نحر عن أزواجه بقرة واحدة، لكن قال إسماعيل القاضي: تفرد به يونس وخالفه غيره. ويونس ثقة حافظ وقد تابعه معمر عند النسائي أيضًا ولفظه أصرح من لفظ يونس قال: ما ذبح عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة واستدل بالحديث على أن الإنسان قد يلحقه من عمل غيره ما يحمله عنه بغير أمره ولا علمه، وتعقب باحتمال الاستئذان.
١١ - باب الذَّبْحِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
(باب) وقت (الذبح بعد الصلاة).
٥٥٦٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ يُقَدِّمُهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ». فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. فَقَالَ: «اجْعَلْهَا مَكَانَهَا وَلَنْ تَجْزِيَ أَوْ تُوفِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن المنهال) أبو محمد السلمي الأنماطي البرساني البصري ولأبي ذر ابن منهال قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (زبيد) اليامي (قال: سمعت الشعبي) عامي بن شراحيل (عن البراء ﵁) أنه (قال: سمعت النبي ﷺ يخطب فقال):
(إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي) صلاة العيد وسقط للكشميهني لفظ به (ثم نرجع) من المصلى (فننحر) الأضحية (فمن فعل هذا فقد أصاب سنتنا) أي طريقتنا (ومن نحر) أي قبل الصلاة (فإنما هو لحم يقدمه لأهله ليس من النسك في شيء) ولا ثواب له. (فقال أبو بردة) بن نيار (يا رسول الله ذبحت قبل أن أصلي وعندي جذعة خير من مسنة فقال) ﷺ : (اجعلها مكانها ولن تجزي) بفتح الفوقية بلا همز قال بعضهم وهو الذي في جميع الطرق والروايات وليس المراد بالقضاء هنا معناه الاصطلاحي بل مطلق الفعل (أو) قال: (توفي) بضم الفوقية وسكون الواو (عن أحد بعدك) والشك من الراوي، واختلف في وقت الأضحية فعند الشافعية بعد مضي قدر صلاة العيد وخطبتها من طلوع الشمس يوم النحر سواء صلى أم لا مقيمًا بالأمصار أم لا لقوله ﷺ : "أول ما نبدأ به أن نصلي ثم نرجع فننحر" إلخ. وقوله في الرواية السابقة: من ذبح بعد الصلاة وهو أعم من صلاة الإمام وغيره ولا يشترط فعل الصلاة اتفاقًا لصحة التضحية فدلّ على أن المراد بها وقتها، وعند الحنفية وقتها في حق أهل الأمصار بعد صلاة الإمام وخطبته وفي حق غيرهم بعد طلع الفجر، وعند المالكية بعد فراغ الإمام من الصلاة والخطبة والذبح، وعند الحنابلة لا يجوز قبل صلاة الإمام ويجوز بعدها قبل ذبحه.
١٢ - باب مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ
(باب من ذبح) أضحيته (قبل الصلاة أعاد) الذبح.
٥٥٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ»، فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ
وَذَكَرَ هَنَة مِنْ جِيرَانِهِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَذَرَهُ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا أَدْرِي بَلَغَتِ الرُّخْصَةُ أَمْ لَا. ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ؟ يَعْنِي فَذَبَحَهُمَا، ثُمَّ انْكَفَأَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَذَبَحُوهَا.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم) وهو ابن علية نسبة إلى أمه الأسدي البصري (عن أيوب)
стр. 3610
السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من ذبح) أضحيته (قبل الصلاة فليعد) أي الذبح (فقال رجل) هو أبو بردة يا رسول الله (هذا يوم يشتهى فيه اللحم) لا جرت العادة فيه من كثرة الذبح فتتشوف النفس له وتلتذ بأكله (وذكر هنة) بفتح الهاء والنون المخففة حاجة (من جيرانه) لجيرانه إلى اللحم وفقرهم وثبت قوله هنة لابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني (فكأن النبي ﷺ ¬) بتشديد النون (عذره) بتخفيف الذال المعجمة أي قبل عذره لكنه لم يجعل ذلك كافيًا في مشروعية الأضحية ولذا أمره بالإعادة (وعندي جذعة) من المعز عطف على قول أبي بردة الذي ذكر الراوي عنه أنه ذكر هنة من جيرانه والتقدير هذا يوم يشتهى فيه اللحم ولجيراني حاجة فذبحت قبل الصلاة وعندي جذعة (خير من شاتين) لطيبها سمنًا ونفاسة.
فإن قلت: كيف تكون واحدة خيرًا من أضحيتين بل العكس أولى كما في صورة الإعتاق فإن إعتاق الرقبتين خير من إعتاق واحدة ولو كانت أنفس منهما؟ أجيب: بأن المقصود من الضحايا طيب اللحم وكثرته فشاة سمينة أفضل من هزيلتين، وأما العتق فالمقصود منه التقرب إلى الله تعالى بفك الرقبة فيكون عتق الاثنتين أفضل من عتق الواحدة. نعم إن عرض للواحد وصف يقتضي رفعته على غيره كالعلم وأنواع الفضل المتعدي فذهب بعض المحققين إلى أنه أفضل لعموم نفعه للمسلمين.
(فرخص له النبي ﷺ ¬) في الأضحية بجذعة وسقط قوله النبي إلخ لأبي ذر، وقال أنس: (فلا أدري بلغت الرخصة) أي من سواه من الناس ولأبي ذر أبلغت الرخصة (أم لا، ثم انكفأ) بالهمز أي رجع ﷺ (إلى كبشين يعني فذبحهما) بيده الكريمة (ثم انكفأ) رجع (الناس إلى غنيمة) بضم الغين المعجمة وفتح النون (فذبحوهما).
وهذا الحديث سبق في باب ما يشتهى من اللحم.
٥٥٦٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ سُفْيَانَ الْبَجَلِيَّ قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا الأسود بن قيس) العبدي قال: (سمعت جندب بن سفيان) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها ابن عبد الله بن سفيان (البجلي) بفتح الموحدة والجيم (قال: شهدت النبي ﷺ يوم النحر) يخطب (فقال) ولأبي ذر قال:
(من ذبح قبل أن يصلي) من شرطية موضعها رفع بالابتداء (فليعد مكانها أخرى) الفاء جواب الشرط واللام لام الأمر وأخرى صفة لمحذوف تقديره شاة أخرى وأخرى تأنيث آخر (ومن لم يذبح) قبل الصلاة (فليذبح) قائلًا بسم الله للتبرك أو للوجوب ولم لنفي الزمان الماضي المنقطع من زمان الحال والجواب جاء مستقبلًا على قاعدته ويذبح مجزوم بلم لا بمن لأن لم لا تدخل إلا على الفعل المستقبل ومن تدخل على الماضي، وذهب بعضهم إلى أن التنازع يقع في سائر العوامل والصحيح الأول، وقد استدلّ بهذا الأمر في قوله: (فليعد مكانها أخرى) من قال بوجوب الأضحية وهو معارض بالأدلة الدالة على عدم الوجوب فيحمل الأمر على الندب.
٥٥٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَامِرٍ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا فَلَا يَذْبَحْ حَتَّى يَنْصَرِفَ». فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلْتُ فَقَالَ: «هُوَ شَيْءٌ عَجَّلْتَهُ». قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ آذْبَحُهَا. قَالَ: «نَعَمْ ثُمَّ لَا تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». قَالَ عَامِرٌ: هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتِهِ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح (عن فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة ابن يحيى (عن عامر) الشعبي (عن البراء) بن عازب ﵁ أنه (قال: صلى رسول الله ﷺ ذات يوم فقال):
(من صلى صلاتنا) أي مثل صلاتنا فهو على حذف مضاف نعت لمصدر محذوف (واستقبل قبلتنا فلا يذبح) أضحيته (حتى ينصرف) بتحتية فنون ولأبي ذر ننصرف بنونين يعني ﵊ من صلاة العيد (فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله فعلت) الذبح قبل الصلاة (فقال) ﷺ (هو) أي الذي ذبحته وللكشميهني هذا (شيء عجلته) لأهلك ليس من النسك (قال) أبو بردة يا رسول الله (فإن عندي جذعة) من المعز (هي خير من مسنتين) تثنية مسنة. قال الداودي: التي
следующие страницы →