Полный текст (4 743 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب لأنه مقتضى التربية ووصف الرب تعالى بالعظمة والحلم وهما صفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز ووصفه بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوي والسفلي، والعرش الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه فعلم القلب ومعرفته بذلك يوجب محبته وإجلاله وتوحيده فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، فإذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور، وإنما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبه حقائقها أشار إليه في زاد المعاد. وقال في الكواكب فإن قلت: هذا ذكر لا دعاء. قلت: هو ذكر يستفتح به الدعاء بكشف كربه وعن سفيان بن عيينة أما علمت أن الله قال: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين.
ومن دعوات الكرب ما رواه أبو داود وصححه ابن حبان عن أبي بكرة رفعه: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت. ومنها الله الله ربي لا أشرك به شيئًا رواه أصحاب السنن إلا الترمذي من حديث أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول الله ﷺ "ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب". ولابن أبي الدنيا كتاب الفرج عند الشدة فائق في معناه.
(وقال وهب): بفتح الواو وسكون الهاء وللمستملي وهيب بضم الواو وفتح الهاء لكن قال أبو ذر الهروي: الصواب وهب يعني بفتح الواو وهو وهب بن جرير بن حازم قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) السدوسي (مثله) أي مثل الحديث السابق، وأشار المؤلّف بهذا التعليق إلى رد قول القائل إن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس شهد عندي رجال مرضيون لأن شعبة ما كان يحدث عن أحد من المدلسين إلا بما يكون ذلك المدلس قد سمعه من شيخه وقد حدث شعبة بهذا الحديث عن قتادة فانتفت ريبة تدليس قتادة في هذا الحديث حيث رواه بالعنعنة، لا سيما وقد أخرجه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن أبا العالية حدثه فصرح بسماعه له منه.
٢٨ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ
(باب التعوّذ) بالله (من جهد البلاء) بفتح الجيم وضمها.
٦٣٤٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِى سُمَىٌّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ
الأَعْدَاءِ. قَالَ سُفْيَانُ: الْحَدِيثُ ثَلَاثٌ زِدْتُ أَنَا وَاحِدَةً لَا أَدْرِى أَيَّتُهُنَّ هِىَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدثني) بالإفراد (سمي) بضم السين وفتح الميم وتشديد التحتية مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: كان رسول الله ﷺ يتعوّذ) تعبدًا وتواضعًا وتعليمًا لأمته (من جهد البلاء) بفتح الموحدة مع المد ويجوز الكسر مع القصر وهو الحالة التي يمتحن بها الإنسان وتشق عليه بحيث يتمنى فيها الموت ويختاره عليها وعن ابن عمر جهد البلاء قلة المال وكثرة العيال (و) من (درك الشقاء) بفتح الدال والراء المهملتين وقد تسكن الراء اللحاق والوصول إلى الشيء والشقاء بالشين المعجمة والقاف الهلاك وقد يطلق على السبب المؤدي إلى الهلاك (و) من (سوء القضاء) ما يسوء الإنسان ويوقعه في المكروه ولفظ السوء ينصرف إلى المقضي عليه دون القضاء وهو كما قال النووي شامل للسوء في الدين والدنيا والبدن والمال والأهل وقد يكون في الخاتمة أسأل الله تعالى العافية وأسأله بوجاهة وجهه الكريم أن يختم لي وللمسلمين بخاتمة الحسنى ويرفعنا إلى المحل الأسنى بمنه وكرمه (و) من (شماتة الأعداء) وهي فرح العدو ببلية تنزل بمن يعاديه.
(قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق: (الحديث) مذكور فيه (ثلاث زدت أنا واحدة) من قبل نفسي (لا أدري أيتهن هي) وقد أخرج الإسماعيلي
стр. 3992
الحديث من طريق ابن أبي عمر عن سفيان فبين فيه أن الخصلة المزيدة هي شماتة الأعداء، ولعل سفيان كان إذا حدث ميزها ثم طال الأمر فطرأ عليه النسيان فحفظ بعض من سمع تعيينها منه قبل أن يطرأ عليه النسيان ثم كان بعد أن خفي عليه تعيينها يذكر كونها مزيدة مع إبهامها.
والحديث أخرجه البخاري أيضًا في القدر ومسلم في الدعوات والنسائي في الاستعاذة.
٢٩ - باب دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى»
(باب دعاء النبي ﷺ ¬) عند موته بقوله (اللهم الرفيق الأعلى) قال في فتح الباري: وتبعه العيني وفي رواية الأكثرين باب بغير ترجمة.
٦٣٤٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِى رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهْوَ صَحِيحٌ: «لَنْ يُقْبَضَ نَبِىٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ». فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِى غُشِىَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى» قُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِى كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهْوَ صَحِيحٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى».
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) نسبه لجده عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء وبعد التحتية الساكنة راء واسم أبيه محمد (قال: حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (الليث) بن سعد إمام المصريين صاحب المكارم العظيمة (قال: حدثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب) أحد الأعلام وسيد التابعين (وعروة بن الزبير) بن العوّام الأسدي المدني ولد في أوائل خلافة عثمان وتوفي سنة أربع وتسعين على الصحيح (في رجال من أهل العلم) أي أخبراه في جملة طائفة أخرى أخبروه أيضًا بذلك أو في حضور طائفة مستمعين له. وقال في الفتح: لم أقف على تعيين أحد منهم صريحًا، وقد روى أصل الحديث المذكور عن عائشة ابن أبي مليكة وذكوان مولى عائشة وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن والقاسم بن محمد، فيحتمل أن يكون الزهري عناهم أو بعضهم (أن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول وهو صحيح):
(لن يقبض نبي قط) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني لم يقبض بلم الجازمة ويقبض بضم أوّله وفتح ثالثه للمفعول فيهما (حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخبر) على صيغة المجهول بين الموت والحياة (فلما نزل به) بفتح النون والزاي في الفرع كأصله حضره الموت (ورأسه) والحال أن رأسه (على فخذي) بالمعجمتين (غشي عليه ساعة ثم أفاق فأشخص) بفتح الهمزة والخاء أي رفع (بصره إلى السقف ثم قال: اللهم الرفيق الأعلى) بنصب الرفيق أي اخترت الرفيق الأعلى وهو اسم جاء على فعيل ومعناه الجماعة كالصديق والخليط. قيل: وهو الذي جاء مبنيًّا في الحديث من قوله: مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وقيل هم المقربون من الملائكة، وقيل ليس الأعلى من الصفات الموضحة فلا يتوهم أن ثمة رفيقًا ليس بأعلى بل هو من الصفات المادحة من باب قوله تعالى: ﴿يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾ [المائدة: ٤٤] قالت عائشة: (قلت إذًا لا يختارنا وعلمت أنه الحديث الذي كان يحدّثنا) به (وهو صحيح) نعني قوله لن يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير (قالت: فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها اللهم الرفيق الأعلى).
والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في الرقاق وسبق في مواضع وأخرجه مسلم في الفضائل.
٣٠ - باب الدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ
(باب) ذكر كراهية (الدعاء بالموت والحياة) إذا كانت الحياة شرًّا للداعي.
٦٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: أَتَيْتُ خَبَّابًا وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعًا، قَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد (عن قيس) أي ابن أبي حازم أنه (قال: أتيت خبابًا) بالخاء المعجمة والموحدة المشددة المفتوحتين وبعد الألف موحدة أخرى ابن الأرتّ (وقد اكتوى سبعًا) لوجع كان
به (قال): وللكشميهني وقال: (لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به) على نفسي.
والحديث مرّ في الطب.
٦٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِى قَيْسٌ قَالَ: أَتَيْتُ خَبَّابًا وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعًا فِى بَطْنِهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ، لَدَعَوْتُ بِهِ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدثني (محمد بن المثنى) العنزي الحافظ قال: (حدّثنا يحيى) القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد أنه (قال: حدثني) بالإفراد (قيس) هو ابن أبي حازم (قال: أتيت خبابًا وقد اكتوى سبعًا في بطنه) لم يقل في الأولى في بطنه، فلذا أورد هذا الحديث أيضًا (فسمعته يقول: لولا أن النبي) وفي نسخة أن رسول الله (¬ ﷺ نهانا أن ندعو بالموت
стр. 3993
لدعوت به).
٦٣٥١ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِى، وَتَوَفَّنِى إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِى».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (ابن سلام) بتخفيف اللام وتشديدها (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (ابن سلام) بتخفيف اللام وتشديدها محمد قال: (أخبرنا إسماعيل ابن علية) بضم العين وفتح اللام والتحتية المشددة هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم البصري (عن عبد العزيز بن صهيب) البناني الأعمى (عن أنس ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) مخاطبًا للصحابة ومن بعدهم من المسلمين عمومًا.
(لا يتمنين) بنون التأكيد الثقيلة (أحد منكم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أحدكم (الموت لضر) أي لأجل مرض أو غيره (نزل به فإن كان) من نزل به الضر (لا بدّ متمنيًّا للموت فليقل أللهم) بقطع الهمزة كهمزة (أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) وقوله لا يتمنّين نهي خرج في صورة النفي للتأكيد وإنما نهى عن ذلك لأنه في معنى التبرم عن قضاء الله في أمر منفعته عائدة على العبد في آخرته نعم لو كان التمني خوف فساد الدين ساغ له ذلك وقوله: فليقل ليس للوجوب لأن الأمر بعد الحظر لا يبقى على حقيقته.
والحديث أخرجه مسلم في الدعوات أيضًا والترمذي في الجنائز والنسائي في الطب: والله أسأل أن يطيل عمري في طاعته، ويلبسني أثواب عافيته، ويقبضني على الإسلام والسنة، من غير
فتنة ولا محنة في طيبة الطيبة، وأن يرد ضالتي، ويصلح لي ديني ودنياي وآخرتي، والحمد لله وصلّى الله على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
٣١ - باب الدُّعَاءِ لِلصِّبْيَانِ بِالْبَرَكَةِ وَمَسْحِ رُءُوسِهِمْ
وَقَالَ أَبُو مُوسَى: وُلِدَ لِى غُلَامٌ وَدَعَا لَهُ النَّبِىُّ ﷺ بِالْبَرَكَةِ.
(باب الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رؤوسهم وقال أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ مما سبق موصولاً في العقيقة (ولد لي غلام) ولأبي ذر عن الكشميهني مولود (ودعا له ﷺ ¬) معطوف على محذوف ذكره في العقيقة ولفظه ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة ودعا له (بالبركة).
٦٣٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنِ الْجَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِى خَالَتِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِى وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِى وَدَعَا لِى بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي قال: (حدّثنا حاتم) بالحاء المهملة وبعد الألف فوقية ابن إسماعيل المدني أبو إسماعيل الحافظ الحارثي مولاهم (عن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة (ابن عبد الرَّحمن) ويدعى الجعيد بن أوس وقد ينسب إلى جده أنه (قال: سمعت السائب بن يزيد) بن سعيد الكندي صحابي صغير له أحاديث قليلة وحج به في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة ﵃ (يقول: ذهبت بي خالتي) لم تسم (إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي) علية بنت شريح (وجع) بفتح الواو وكسر الجيم أي مريض قال: السائب (فمسح) ﷺ (رأسي) بيده (ودعا لى بالبركة).
وهذا من غرض بعض الترجمة.
(ثم توضأ) ﷺ (فشرِبتُ من وضوئه) بفتح الواو من الماء المتقاطر من أعضائه المقدسة (ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتمه) الذي كان يعرف به عند أهل الكتاب (بين كتفيه) بالتثنية إلى جهة كتفه الأيسر (مثل زر الحجلة) بكسر الميم وسكون المثلثة مفعول نظرت وزر بكسر الزاي وتشديد الراء والحجلة بفتح الحاء المهملة والجيم واحدة الحجال بيوت تزين لها عرى وأزرار.
والحديث سبق في باب خاتم النبوّة قبل المبعث وفي باب استعمال وضوء الناس من كتاب الطهارة.
٦٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى عَقِيلٍ، أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ مِنَ السُّوقِ أَوْ إِلَى السُّوقِ فَيَشْتَرِى الطَّعَامَ فَيَلْقَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عُمَرَ فَيَقُولَانِ: أَشْرِكْنَا فَإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ، فَيُشْرِكُهُمْ فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِىَ فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْمَنْزِلِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله أحد الأعلام قال: (حدّثنا سعيد بن أبي أيوب) الخزاعي مولاهم المصري أبو يحيى بن مقلاص (عن أبي عقيل) بفتح العين المهملة وكسر القاف زهرة بن معبد بن عبد الله بن هشام القرشي المصري (أنه كان يخرج به جدّه عبد الله بن هشام) التيميّ من بني تيم بن مرة (من السوق أو إلى السوق) قال الكرماني: من السوق أي من جهة دخول السوق والمعاملة فيه بالشك من الراوي وفي باب الشركة في الطعام
стр. 3994
إلى السوق بالجزم من غير شك (فيشتري الطعام فيلقاه ابن الزبير) عبد الله (وابن عمر) عبد الله (فيقولان) له (أشركنا) بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الراء في الطعام الذي اشتريته (فإن النبي ﷺ قد دعا لك بالبركة) وذلك أن أمه زينب بنت حميد ذهبت به إلى رسول الله ﷺ فمسح رأسه ودعا له كما في رواية الباب المذكور (فيشركهم) بفتح التحتية والراء لأبي ذر وبالضم ثم الكسر لغيره وعبر بالجمع باعتبار أن أقل الجمع اثنان (فربما أصاب) ابن هشام من الربح (الراحلة كما هي) أي بتمامها (فيبعث بها إلى المنزل) ببركة دعوة النبي ﷺ له.
وفي الحديث ما ترجم له من الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رؤوسهم كما في رواية باب الشركة المذكورة وإجابة دعائه ﷺ .
٦٣٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهُوَ الَّذِى مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى وَجْهِهِ وَهْوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي الفقيه قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري المدني (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف المدني أبي محمد أو أبي الحارث مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (محمود بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة الأنصاري الجزري المدني (وهو الذي مج رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ في وجهه وهو غلام) ابن خمس سنين (من) ماء (بئرهم) التي في دارهم وكان فعله لذلك ﷺ للتبريك على عادته الشريفة مع أولاد أصحابه والدعابة معهم لطفًا ورحمة وتشريعًا جزاه الله عنا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته وصلّى عليه وسلم كثيرًا.
والحديث مرّ في العلم وغيره.
٦٣٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيَدْعُو لَهُمْ فَأُتِىَ بِصَبِىٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روّاد العتكي المروزي الحافظ أبو عبد الرَّحمن قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: كان النبي ﷺ يؤتى بالصبيان فيدعو لهم) فأتي بصبي لم يأكل ولم يشرب غير اللبن للتغذي وهو ابن قيس أو الحسن أو الحسين كما فى الأوسط للطبراني (فبال) الصبي (على ثوبه) ﷺ (فدعا بماء فأتبعه إياه) بقطع الهمزة وسكون الفوقية صبه عليه حتى غمره من غير إسالة بدليل قوله (ولم يغسله).
وسبق الحديث في الوضوء.
٦٣٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ مَسَحَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن ثعلبة) بفتح المثلثة والعين المهملة الساكنة الصحابي (ابن صعير) بضم الصاد وفتح العين المهملتين الصحابي أيضًا (وكان رسول الله ﷺ قد مسح عينه) سبق معلقًا في غزوة الفتح من طريق يونس عن الزهري مسح وجهه عام الفتح (أنه رأى سعد بن أبي وقاص يوتر بركعة) واحدة وحمل الطحاوي هذا ومثله على أن الركعة مضمومة إلى الركعتين قبلها ولم يتمسك في دعوى ذلك إلا بالنهي عن البتيراء مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن يوتر بواحدة فردة ليس قبلها شيء، ولا يخفى مطابقة الحديث لما ترجم له والله الموفق.
٣٢ - باب الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -
(باب الصلاة على النبي- ﷺ ¬) الصلاة لغة الدعاء قال: تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادع لهم والدعاء نوعان دعاء عبادة ودعاء مسألة فالعابد داع كالسائل وبهما فسر قوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] فقيل أطيعوني أثبكم، وقيل سلوني أعطكم وقد يستعمل بمعنى الاستغفار ومنه قوله ﵊ إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم فقد فسر في الرواية الأخرى أمرت أن أستغفر لهم وبمعنى القراءة ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ [الإسراء: ١١٠] وإذا علم هذا فليعلم أن الصلاة يختلف حالها بحسب حال المصلي والمصلّى له والمصلّى عليه.
وقد سبق نقل البخاري في تفسير سورة الأحزاب عن أبي العالية أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء له، ورجح القرافي المالكي أن الصلاة من الله المغفرة
стр. 3995
وقال الإمام فخر الدين والآمدي: إنها الرحمة وتعقب بأن الله تعالى غاير بين الصلاة والرحمة في قوله: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ [البقرة: ١٥٧] وقال ابن الأعرابي: الصلاة من الله الرحمة، ومن الآدميين وغيرهم من الملائكة والجن الركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطير والهوام التسبيح قال تعالى: ﴿كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾ [النور: ٤١].
٦٣٥٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِى لَكَ هَدِيَّةً؟ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَقُولُوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا الحكم) بفتح الحاء المهملة والكاف ابن عتيبة بضم العين المهملة وفتح الفوقية وسكون التحتية بعدها موحدة فقيه الكوفة في عصره (قال: سمعت عبد الرَّحمن بن أبي ليلى) بفتح اللامين مقصور الأنصاري عالم الكوفة (قال: لقيني كعب بن عجرة) بضم العين المهملة وسكون الجيم بعدها راء مفتوحة فهاء تأنيث المدني الأنصاري بالحلف من أصحاب الشجرة وعند الطبري من طريق المحاربي عن مالك بن مغول أن ذلك كان وهو يطوف بالبيت الحرام (فقال) لي: (ألا) بالتخفيف وتكون للعرض والتحضيض والفرق بينه وبين العرض أن العرض معه لين بخلاف التحضيض فإنه بحث فقوله هنا ألا (أهدي) بضم الهمزة (لك هدية) عرض والهدية اسم مصدر والمصدر إهداء لأنه من أهدى والهدية ما يتقرب به إلى المهدي إليه توددًا وإكرامًا، وزاد فيه بعضهم من غير قصد نفع عوض دنيوي بل لقصد ثواب الآخرة وأكثر ما يستعمل في الأجسام لا سيما والهدية فيها نقل من مكان إلى آخر وقد يستعمل في المعاني كالعلوم والأدعية مجازًا لما يشتركان فيه من قصد المواددة والتواصل في إيصال ذلك إليه، وفي رواية شبابة وعفان عن شعبة عند الخلعي في فوائده قلت بلى (إن) بكسر الهمزة على الاستئناف ويجوز الفتح بتقدير هي أن فتكون معمولة أو بتقدير فعل أي أهدي لك أن (النبي ﷺ خرج علينا فقلنا: يا رسول الله) عطف على خرج وجملة يا رسول الله معمولة للقول، وقوله قلنا بصيغة الجمع يحتمل أنه أراد نفسه وغيره من الصحابة ممن كان حاضرًا.
قال في الفتح: وقد وقفت من تعيين من باشر السؤال على جماعة منهم أبي بن كعب عند الطبراني وبشير بن سعد والد النعمان في حديث ابن مسعود عند مالك ومسلم وزيد بن خارجة
الأنصاري عند النسائي وطلحة بن عبيد الله عند الطبري، وحديث أبي هريرة عند الشافعي وعبد الرَّحمن بن بشير عند إسماعيل القاضي في كتاب فضل الصلاة فإن ثبت أن السائل كان متعددًا فواضح وإن ثبت أنه كان واحدًا فالحكمة في التعبير بصيغة الجمع الإِشارة إلى أن السؤال لا يختص به بل يريد نفسه ومن يوافقه على ذلك ولا يقال هو من باب التعبير عن البعض بالكل، بل حمله على ظاهره من الجمع هو المعتمد لما ذكر.
وعند البيهقي والخلعي من طريق الأعمش ومسعر ومالك بن مغول عن الحكم عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة لما نزلت ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية قلنا يا رسول الله (قد علمنا كيف نسلم عليك) بما علمتنا من أن نقول السلام عليك أيها النبي وقد أمرنا الله تعالى بالصلاة والسلام عليك في الآية (فكيف نصلي عليك)؟ أي فعلمنا كيف اللفظ اللائق بالصلاة عليك (قال) ﷺ :
(فقولوا) والأمر هنا للوجوب اتفاقًا نعم اختلف هل تتعدد أم لا فقيل في العمر مرة واحدة وقيل في كل تشهد يعقبه سلام قاله الشافعي وفيه مباحث سبقت في سورة الأحزاب وقيل تجب كلما ذكر لحديث رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ وفي كتاب المواهب اللدنية من ذلك ما يكفي ويشفي ولأبي ذر فقال: قولوا (اللهم صل على محمد) قال الحليمي: أي عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، ولما كان البشر عاجزًا عن أن يبلغ قدر الواجب له من ذلك شرع لنا أن نحيل أمر ذلك على الله تعالى بأن نقول: اللهم صل على محمد أي لأنك أنت العليم بما يليق به من ذلك
стр. 3996
(وعلى آل محمد) من حرمت عليه الصدقة (كما صليت على آل إبراهيم) وعند البيهقي من وجه آخر عن آدم بن أبي إياس شيخ المؤلّف على إبراهيم ولم يقل على آل إبراهيم قال: في الفتح والحق أن ذكر محمد وإبراهيم وذكر آل محمد وآل إبراهيم ثابت في أصل الخبر وإنما حفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر (إنك حميد) محمود (مجيد) ماجد وصفان بنيًا للمبالغة (اللهم بارك على محمد) أي أثبت له وأدم له ما أعطيته من التشريف والكرامة وزده من الكمالات ما يليق بك وبه (وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
قال في شرح المشكاة: هذا تذييل للكلام السابق وتقرير له على سبيل العموم أي أنك حميد فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المتكاثرة والآلاء المتعاقبة المتوالية مجيد كريم الإِحسان إلى جميع عبادك الصالحين ومن محامدك وإحسانك أن توجه صلواتك وبركاتك وترحمك على حبيبك نبي الرحمة وآله، وللحافظ أبي الحسن بن المفضل المقدسي جزء جمع فيه طرق حديث عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة.
٦٣٥٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِىُّ عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ
نُصَلِّى؟ قَالَ: قُولُوا «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ».
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي ابن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوّام أبو إسحاق القرشي الأسدي الزبيري المدني والد مصعب بن إبراهيم قال: (حدّثنا ابن أبي حازم) عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة بن دينار المدني (والدراوردي) بفتح الدّال المهملة والراء وبعد الألف واو مفتوحة فراء ساكنة فدال مهملة مكسورة عبد العزيز بن محمد (عن يزيد) من الزيادة بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي (عن عبد الله بن خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة ويعد الألف موحدة أخرى الأنصاري (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ أنه (قال: قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك) أي قد عرفناه (فكيف نصلي) أي عليك (قال):
(قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم) بإسقاط على في آل في الموضعين وإثبات إبراهيم في الموضعين. نعم الذي في اليونينية في قوله: وبارك على محمد وعلى آل محمد بإثبات على بخلاف الحديث الأول فأسقطها في الموضعين، وسبق أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه الآخر فلا حاجة إلى القول بأن ذكر الآل مقحم على رواية الحديث الأول كما لا يخفى.
فإن قلت: لم قال: كما صليت على إبراهيم ولم يقل على موسى؟ أجاب المرجاني: بأن موسى كان التجلي له بالجلال فخرّ موسى صعقًا، والخليل كان التجلي له بالجمال لأن المحبة والخلة من آثار التجلي بالجمال فلذا أمر نبينا ﷺ أن نصلي عليه كما صلّى الله على إبراهيم لنسأل له التجلي بالجمال، وهذا لا يقتضي التسوية بينه وبين الخليل في الوصف الذي هو التجلي بالجمال فإن الحق سبحانه يتجلى بالجمال لشخصين بحسب مقامهما وإن اشتركا في وصف التجلي بالجمال فيتجلى لكل واحد منهما بحسب مقامه عنده ومكانته.
٣٣ - باب هَلْ يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]
هذا (باب) بالتنوين (هل يصلّى) بفتح اللام (على غير النبي ﷺ ¬) من الأنبياء والملائكة والمؤمنين استقلالاً أو تبعًا (وقول الله) ولأبي ذر وقوله (تعالى) لنبيه ﵊ (﴿وصلّ عليهم﴾) أي العطف عليهم بالدعاء لهم (﴿إن صلاتك سكن لهم﴾) (التوبة: ١٠٣] يسكنون إليها وتطمئن قلوبهم بها ولغير أبي ذر صلاتك بالتوحيد وفتح التاء نصب بإن وبها قرأ حفص وحمزة والكسائي قيل وهي أكثر من الصلوات لأن المصدر بلفظه يدل على الكثرة.
٦٣٥٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِى أَوْفَى قَالَ: كَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِىَّ ﷺ بِصَدَقَتِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ» فَأَتَاهُ أَبِى بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِى أَوْفَى».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو بن مرة) الجملي بالجيم أحد الأعلام (عن ابن أبي أوفى) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها فاء مفتوحة مقصورة عبد الله الأسلمي له صحبة أنه (قال: كان إذا أتى رجل النبي ﷺ بصدقته) المفروضة (قال):
(اللهم صل عليه) أي اغفر له وارحمه (فأتاه أبي) أبو أوفى (بصدقته) المفروضة وللحموي والمستملي بصدقة (فقال) ﵊: (اللهم صل على آل أبي أوفى) امتثالاً لقوله تعالى:
стр. 3997
﴿وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣].
وفي حديث قيس بن سعد بن عبادة أن النبي ﷺ رفع يديه وهو يقول: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة" رواه أبو داود والنسائي وسنده جيد، وتمسك بذلك من جوّز الصلاة على غير الأنبياء استقلالاً وهو مقتضى صنيع المصنف -رحمه الله تعالى- لأنه صدّر بالآية ثم بالحديث الدال على الجواز مطلقًا وقال قوم: لا تجوز مطلقًا استقلالاً وتجوز تبعًا فيما ورد به النص أو ألحق به لقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ [النور: ٦٣] لأنه لما علمهم السلام قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولما علمهم الصلاة قصر ذلك عليه وعلى أهل بيته، وقال آخرون: تجوز تبعًا مطلقًا ولا تجوز استقلالاً. وأجابوا عن حديث ابن أبي أوفى ونحوه بأن لله ورسوله أن يخصا من شاءا بما شاءا وليس ذلك لغيرهما وثبت عن ابن عباس اختصاص الصلاة بالنبي ﷺ فعند ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق عثمان بن حكيم عن عكرمة عنه ما أعلم الصلاة تنبغي على أحد من أحد إلا على النبي ﷺ ، وحكي القول به عن مالك وقال: ما تعبدنا به ونحوه عن عمر بن عبد العزيز وعن مالك يكره، وقال القاضي عياض: عامة أهل العلم على الجواز، وقال سفيان: يكره إلا على نبي، ووجدت بخط بعض شيوخ مذهب مالك لا يجوز أن يصلّى إلا على محمد وهذا غير معروف من مذهب مالك وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء وما ينبغي لنا أن نتعدى ما أمرنا به، وعند الترمذي والحاكم من حديث عليّ في الذي يحفظ القرآن وصل عليّ وعلى سائر النبيين، وعند إسماعيل القاضي بسند ضعيف من حديث أبي هريرة رفعه: "صلوا على أنبياء الله". وقال ابن القيم: المختار أن يصلّى على الأنبياء والملائكة وأزواج النبي ﷺ وآله وذريته وأهل الطاعة على سبيل الإجماع ويكره في غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث يصير شعارًا.
٦٣٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ
عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ أَخْبَرَنِى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِىُّ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإِمام (عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه) أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (عن عمرو بن سليم) بفتح العين (الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء وكسر القاف أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أبو حميد) بضم الحاء المهملة مصغرًا عبد الرَّحمن (الساعدي) ﵁ (أنهم) أي الصحابة (قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال):
(قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته) بضم الذال المعجمة نسله وعند عبد الرزاق من طريق ابن طاوس عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن رجل من الصحابة صل على محمد وأهل بيته وأزواجه وذريته (كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم) وآل ثابتة في الموضعين وهم إبراهيم وذريته من إسماعيل وإسحاق كما جزم به غير واحد وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر فهم داخلون والمراد المسلمون منهم بل المتقون دون من عداهم (إنك حميد) محمود بتعجيل النعم (مجيد) ظاهر الكرم بتأجيل النقم، ومناسبة ختم الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله تعالى لنبيه ﷺ وثناؤه عليه والتنويه به وزيادة تقريبه وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد:
واستشكل قوله كما صليت على إبراهيم بأن المقرر أن المشبه دون المشبه به والواقع هنا عكسه لأن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم وآل إبراهيم وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة له أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره. وأجاب الشيخ عز الدّين بن عبد السلام: بأن المشبه أصل الصلاة على النبي ﷺ وآله بالصلاة على إبراهيم وآله أي المجموع بالمجموع ومعظم الأنبياء هم آل إبراهيم اهـ.
وهذا غير متأت في هذه الرواية فإنه اقتصر فيها على إبراهيم فقط دون آله بالنسبة إلى الصلاة، وقد أجيب عن الاستشكال المذكور بأجوبة أخرى: منها أنه تشبيه لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا القدر بالقدر وهذا كما اختاروا في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب
стр. 3998
على الذين من قبلكم﴾ [البقرة: ١٨٣] أن المراد أصل الصيام لا كميته ووقته ومنها أن هذه الصلاة الأمر بها للتكرار بالنسبة إلى كل صلاة في حق كل مصل فإذا اقتصر في حق كل على حصول صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم ﵊ كان الحاصل للنبي ﷺ بالنسبة إلى مجموع الصلوات أضعافًا مضاعفة لا ينتهي إليها الإحصاء، وأورد ابن دقيق العيد هنا سؤالاً فقال: التشبيه حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة والفرد منها فإذن الإِشكال وارد، وأجاب بأن الإشكال إنما يرد على تقدير أن الأمر ليس للتكرار وهو هنا للتكرار بالاتفاق فالمطلوب من
المجموع مقدار ما لا يحصى من الصلوات بالنسبة إلى المقدار الحاصل لإبراهيم عليه صلوات الله وسلامه.
٣٤ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ آذَيْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً»
(باب قول النبي ﷺ من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة).
٦٣٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري المعروف بابن الطبراني كان أبوه من أهل طبرستان قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول):
(اللهم فأيما مؤمن سببته) الفاء جزائية والشرط محذوف يدل عليه السياق أي إن كنت سببت مؤمنًا، وفي مسلم من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه بهذا الإسناد: اللهم إني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه فأيما مؤمن سببته أو جلدته، ومن طريق أبي صالح عن أبي هريرة: اللهم إنما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته، ومن طريق الأعرج عن أبي هريرة مثل رواية ابن أخي ابن شهاب قال: فأي مؤمن آذيته شتمته لعنته جلدته، ومن طريق سالم عن أبي هريرة: اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدًا الحديث وفيه: فأيما مؤمن آذيته، ومن حديث عائشة قالت: دخل على رسول الله ﷺ رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فسبهما ولعنهما فلما خرجا قلت له فقال: "أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو شتمته أو سببته" (فاجعل ذلك) السب أو غيره مما ذكر (له قربة) تقربه بها (إليك يوم القيامة) وفي رواية ابن أخي الزهري: فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة، وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة: فاجعلها له زكاة ورحمة، وفي رواية الأعرج فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة. وفي حديث عائشة فاجعلها له زكاة وأجرًا. وفي حديث أنس عند مسلم أيضًا: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورًا وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة، وقوله ليس لها بأهل أي عندك في باطن أمره لا في ظاهر ما يظهر منه حين دعائي عليه لأنه ﷺ كان متعبدًا بالظواهر وحساب الناس في البواطن إلى الله تعالى. وفي الحديث كمال شفقته على أمته وجميل خلقه ﷺ وجزاه عنا أفضل الجزاء بمنه وكرمه وأماتنا على محبته وسنته.
والحديث أخرجه مسلم في الأدب.
٣٥ - باب التَّعَوُّذِ مِنَ الْفِتَنِ
(باب التعوّذ من الفتن) جمع فتنة وهي اسم للامتحان والاختبار.
٦٣٦٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ الْمَسْأَلَةَ فَغَضِبَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «لَا تَسْأَلُونِى الْيَوْمَ عَنْ شَىْءٍ إِلاَّ بَيَّنْتُهُ لَكُمْ». فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالاً فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِى ثَوْبِهِ يَبْكِى فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالَ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِى؟ قَالَ: «حُذَافَةُ» ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولاً، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا رَأَيْتُ فِى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الْحَائِطِ». وَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ عِنْدَ الْحَدِيثِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا، عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سخبرة الحوضي الأزدي البصري قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁) أنه قال: (سألوا) أي الصحابة (رسول الله) وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي سئل بضم السين مبنيًّا للمفعول رسول الله (¬ ﷺ حتى أحفوه المسألة) بحاء مهملة ساكنة وفتح الفاء وسكون الواو ألحوا عليه فيها (فغضب) ﵊ لتعنتهم وتكلفهم بما لا حاجة لهم به (فصعد) بكسر العين المهملة رقي (المنبر فقال):
(لا تسألوني) بحذف نون الوقاية ولأبي ذر لا تسألونني (اليوم عن شيء) من الغيب (إلا بينته لكم) قال أنس: (فجعلت أنظر يمينًا
стр. 3999
وشمالاً فإذا كل رجل) حاضر من الصحابة (لاف رأسه في ثوبه يبكي) بألف بعد لام ففاء مشددة مرفوعة ولأبي ذر وابن عساكر لافًا بالنصب أي حال كونه لافًا وفي تفسير المائدة من وجه آخر لهم خنين وهو بالخاء المعجمة المفتوحة والنون المكسورة صوت مرتفع من الأنف بالبكاء (فإذا رجل كان إذا لاحى) بالحاء المهملة المفتوحة أي خاصم (الرجال يدعى) بضم التحتية وسكون الدال وفتح العين المهملتين ينسب (لغير أبيه فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال) ﵊ له أبوك (حذافة) بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة المخففة وبعد الألف فاء وعند أحمد عن أبي هريرة فقال عبد الله بن حذافة من أبي يا رسول الله فقال: حذافة بن قيس وقيل الرجل هو خارجة أخو عبد الله والمعروف السابق (ثم أنشأ عمر) بن الخطاب ﵁ لما رأى بوجهه ﷺ من أثر الغضب (فقال): شفقة على المسلمين (رضينا بالله ربا وبالإسلام دينًا وبمحمد- ﷺ رسولاً) قال في الكواكب: أي رضينا بما
عندنا من كتاب الله وسنة نبينا واكتفينا به عن السؤال (نعوذ بالله من الفتن) جمع فتنة (فقال رسول الله- ﷺ : ما رأيت في الخير والشر كاليوم) يومًا مثل هذا اليوم (قط إنه) بكسر الهمزة (صورت) بضم المهملة وكسر الواو المشددة (لي الجنة والنار حتى رأيتهما) رؤيا عين صورتا له ﷺ (وراء الحائط) أي حائط محرابه الشريف كانطباع الصورة في المرآة فرأى جميع ما فيهما لا يقال الانطباع إنما يكون في الأجسام الصقيلة لأن ذلك شرط عادي فيجوز انخراق العادة خصوصًا له ﷺ .
(وكان قتادة) بن دعامة السدوسي (يذكر عند هذا الحديث هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء﴾) قال الخليل وسيبويه وجمهور البصريين: أصله شيآء بهمزتين بينهما ألف وهي فعلاء من لفظ شيء وهمزتها الثانية للتأنيث ولذا لم تنصرف كحمراء وهي مفردة لفظًا جمع معنى ولما استثقلت الهمزتان المجتمعتان قدمت الأولى التي هي لام فجعلت قبل الشين فصار وزنها لفعاء والجملة الشرطية في قوله (﴿إن تبد لكم تسؤكم﴾) [المائدة: ١٠١] صفة لأشياء في محل جر وكذا الشرطية المعطوفة أيضًا والحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الفتن وسبق مختصرًا في كتاب العلم، وأخرجه مسلم في الفضائل.
٣٦ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ
(باب التعوذ من غلبة الرجال) أي قهرهم.
٦٣٦٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَبِى طَلْحَةَ: «الْتَمِسْ لَنَا غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِى»؟ فَخَرَجَ بِى أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِى وَرَاءَهُ فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ حَتَّى أَقْبَلْنَا مِنْ خَيْبَرَ وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَىٍّ، قَدْ حَازَهَا فَكُنْتُ أَرَاهُ يُحَوِّى وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أَوْ كِسَاءٍ ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَنَعَ حَيْسًا فِى نِطَعٍ، ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَدَعَوْتُ رِجَالاً فَأَكَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: «هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِى مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البلخي وسقط ابن سعيد لأبي ذر قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) المدني ابن أبي كثير الأنصاري الزرقي (عن عمرو بن أبي عمرو) بفتح العين فيهما واسم الثاني ميسرة (مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب) بفتح المهملتين بينهما نون ساكنة آخره باء موحدة المخزومي القرشي (أنه سمع أنس بن مالك) ﵁ (يقول: قال
رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ لأبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري زوج أم سليم أم أنس.
(التمس لنا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لي (غلامًا من غلمانكم يخدمني) بالرفع أي هو يخدمني (فخرج بي أبو طلحة) حال كونه (يردفني وراءه) على الدابة (فكنت أخدم رسول الله ﷺ ¬) لما خرج إلى غزوة خيبر (كلما نزل فكنت أسمعه يكثر أن يقول اللهم إني أعوذ بك من الهم و) من (الحزن) بفتح المهملة والزاي وفرق بينهما لأن الهم إنما يكون في الأمر المتوقع والحزن فيما قد وقع (و) من (العجز) بسكون الجيم وأصله التأخر عن الشيء مأخوذ من العجز وهو مؤخر الشيء وللزوم الضعف والقصور عن الإِتيان بالشيء استعمل في مقابلة القدرة واشتهر فيها (والكسل) هو التثاقل عن الشيء مع وجود القدرة عليه والداعية إليه (والبخل) هو ضد الكرم (والجبن) ضد الشجاعة (وضلع الدين) بفتح المعجمة واللام والدين بفتح الدال المهملة ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء لثقله وذلك حيث لا يجد منه وفاء ولا سيما مع المطالبة (وغلبة الرجال) تسلطهم واستيلائهم هرجًا ومرجًا وذلك كغلبة القوّام قاله
стр. 4000
الكرماني وعن بعضهم قهر الرجال هو جور السلطان (فلم أزل أخدمه) ﷺ (حتى أقبلنا من خيبر وأقبل بصفية بنت حيي قد حازها) بالحاء المهملة والزاي بينهما ألف أخذها لنفسه من الغنيمة (فكنت أراه) بفتح الهمزة أنظر إليه (يحوي) بضم التحتية وفتح الحاء المهملة وكسر الواو المشددة بعدها تحتية ساكنة أي يجمع ويدوّر (وراءه بعباءة) هي ضرب من الأكسية (أو كساء) بالمد بالشك من الراوي نحو سنام الراحلة (ثم يردفها) أي صفية (وراءه) وإنما كان يحوّي لها خشية أن تسقط (حتى إذا كنا بالصهباء) بالصاد المهملة والموحدة المفتوحتين بينهما هاء ساكنة ممدودًا اسم موضع وحلت صفية بطهرها من الحيض (صنع حيسًا) بحاء وسين مهملتين بينهما تحتية ساكنة طعامًا من تمر وأقط وسمن (في نطع ثم أرسلني فدعوت رجالاً فأكلوا وكان ذلك بناءه بها) زفافه بصفية (ثم أقبل) إلى المدينة (حتى بدا) ظهر ولأبي ذر حتى إذا بدا (له أُحد) بضم الهمزة والمهملة (قال) ﷺ : (هذا جبيل) بالتصغير ولأبي ذر جبل (يحبنا) حقيقة أو مجازًا أو أهله والمراد بهم أهل المدينة (ونحبه فلما أشرف على المدينة قال: اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة) في حرمة الصيد لا في الجزاء ونحوه ومثل نصب بنزع الخافض (اللهم بارك لهم) لأهل المدينة (في مدهم وصاعهم).
وسبق الحديث في باب من غزا بصبي من كتاب الجهاد.
٣٧ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
(باب التعوّذ من عذاب القبر).
٦٣٦٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ خَالِدٍ بِنْتَ خَالِدٍ قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير بن عيسى قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف مولى آل الزبير (قال: سمعت أم خالد) اسمها أمة بتخفيف الميم (بنت خالد) أي ابن سعيد الأموي الصحابية ولدت بالحبشة (قال) موسى: (ولم أسمع أحدًا سمع من النبي ﷺ غيرها قالت: سمعت النبي ﷺ يتعوّذ) تعليمًا لأمته (من عذاب القبر) العذاب اسم للعقوبة والمصدر التعذيب فهو مضاف إلى الفاعل على طريق المجاز أو الإِضافة من إضافة المظروف إلى ظرفه فهو على تقدير في أي يتعوّذ من عذاب القبر، وفيه إثبات عذاب القبر فالإِيمان به واجب.
باب التَّعَوُّذِ مِنَ البُخْلِ
(باب التعوّذ من البخل) قال الواحدي: البخل في كلام العرب عبارة عن منع الإحسان، وفي الشرع منع الواجب والباب مع تاليه ثابت في رواية أبي ذر عن المستملي ساقط لغيره وهو الوجه لأنه ذكره قريبًا بعد ثلاثة أبواب.
٦٣٦٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ مُصْعَبٍ، قَالَ: كَانَ سَعْدٌ يَأْمُرُ بِخَمْسٍ وَيَذْكُرُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِنَّ «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا -يَعْنِى فِتْنَةَ الدَّجَّالِ- وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا عبد الملك) بن عمير بن سويد بن حارثة الكوفي (عن مصعب) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين ابن سعد بن أبي وقاص (قال: كان سعد) أي ابن أبي وقاص (يأمر) ولأبي ذر عن الكشميهني: يأمرنا (بخمس ويذكرهن عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بهن).
(اللهم إني أعوذ بك من البخل) ضد الكرم وأعوذ لفظه لفظ الخبر ومعناه الدعاء قالوا: وفي ذلك تحقيق الطلب كما قيل في غفر الله لك بلفظ الماضي والباء للإلصاق وهو إلصاق معنوي لأنه لا يلتصق شيء بالله ولا بصفاته لكنه التصاق تخصيص كأنه خص الرب بالاستعاذة. قال الإمام فخر الدين: جاء الحمد لله ولله الحمد وتقديم المعمول يفيد الحصر عند طائفة فما الحكمة في أنه جاء أعوذ بالله ولم يسمع بالله أعوذ لأن الإتيان بلفظ الاستعاذة امتثال الأمر، وقال بعضهم: تقديم المعمول في الكلام تفنن وانبساط والاستعاذة هرب إلى الله وتذلل فقبض عنان الانبساط والتفنن فيه لائق لأنه لا يكون إلا حالة خوف وقبض والحمد حالة شكر وتذكر إحسان ونعم (وأعوذ بك من الجبن) ضد الشجاعة وهي فضيلة قوّة الغضب وانقيادها للعقل (وأعوذ بك أن أرد) بضم الهمزة وفتح الراء والدال المهملة المشدّدة (إلى أرذل العمر) أخسه يعني الهرم والخوف (وأعوذ بك من فتنة الدنيا يعني) بفتنة الدنيا (فتنة الدجال) قال الكرماني: إن قوله يعني فتنة الدجال
стр. 4001
من زيادات
شعبة بن الحجاج ورده في فتح الباري بما في حديث الإِسماعيلي أنه من كلام عبد الملك بن عمير (وأعوذ بك من عذاب القبر) الواقع على الكفار ومن شاء الله من عصاة الموحدين أعاذنا من كل مكروه.
والحديث أخرجه المؤلّف أيضًا والنسائي في الاستعاذة واليوم والليلة.
٦٣٦٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَىَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا لِى: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِى قُبُورِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ وَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ: «صَدَقَتَا إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا» فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِى صَلَاةٍ إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني (عثمان بن أبي شيبة) قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: دخلت عليّ عجوزان) بالتثنية لم يسميا (من عجز يهود المدينة) بضم العين والجيم جمع عجوز كعمود وعُمد ويجمع أيضًا على عجائز، والعجوز المرأة المسنّة ولا يقال عجوزة بهاء التأنيث أو هي لغة رديئة (فقالتا لي: إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم فكذبتهما ولم أنعم) بضم الهمزة وكسر العين بينهما ساكنة نون أي ولم أحسن (أن أصدقهما فخرجتا) من عندي (ودخل عليّ النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن عجوزين) من يهود المدينة دخلتا عليّ (وذكرت له) ما قالتا والراء في ذكرت ساكنة، وعند الإِسماعيلي عن عمران بن موسى عن عثمان بن أبي شيبة دخلتا عليّ فزعمتا أن أهل القبور يعذّبون في قبورهم (فقال) ﷺ :
(صدقتا إنهم) أي أهل القبور المعذّبين (يعذبون عذابًا تسمعه البهائم كلها) والعذاب ليس مسموعًا فالمسموع صوت المعذب أو بعض العذاب مسموع كالضرب قاله الكرماني (فما رأيته) ﵊ (بعد في صلاة إلا تعوّذ) بلفظ الماضي ولأبي ذر عن الكشميهني إلا يتعوّذ (من عذاب القبر) وقوله عجوزان بالتثنية لا ينافي قوله في الحديث المروي في الجنائز أن يهودية دخلت عليها لاحتمال أن إحداهما تكلمت وأقرّتها الأخرى على ذلك فنسبت عائشة القول إليهما مجازًا والإِفراد يحمل على المتكلمة.
٣٨ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ
(باب التعوّذ من فتنة المحيا والممات).
٦٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ
وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا المعتمر قال: سمعت أبي) سليمان بن طرخان (قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: كان نبي الله ﷺ يقول): تشريعًا لأمته وتعليمًا لهم صفة المهم من الأدعية.
(اللهم إني أعوذ بك من العجز) وهو عدم القدرة (والكسل) وهو التثاقل والفتور والتواني عن الأمر (والجبن) ضد الشجاعة، ولأبي ذر زيادة والبخل بدل والجبن (والهرم) وهو أقصى الكبر (وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا) مما يعرض للإنسان في مدة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها وجهالاتها وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت (و) فتنة (الممات) قيل فتنة القبر كسؤال الملكين والمراد من شر ذلك وإلاّ فأصل السؤال واقع لا محالة فلا يدعى برفعه فيكون عذاب القبر مسببًا عن ذلك والسبب غير المسبب، وقيل المراد الفتنة قبيل الموت وأضيفت إلى الموت لقربها منه، وحينئذ تكون فتنة المحيا قبل ذلك، وقيل غير ذلك، والمحيا والممات مصدران بالإِضافة على وزن مفعل ويصلحان للزمان والمكان والمصدر.
والحديث سبق في الجهاد بهذا الإِسناد والمتن.
٣٩ - باب التَّعَوُّذِ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ
(باب التعوّذ من المأثم) بفتح الميم والمثلثة بينهما همزة ساكنة (والمغرم) بفتح الميم والراء بينهما غين معجمة ساكنة.
٦٣٦٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّى خَطَايَاىَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِى مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِى وَبَيْنَ خَطَايَاىَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ».
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين واللام المشددة قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد البصري (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول): تعليمًا لأمته وعبودية منه.
(اللهم إني أعوذ بك من الكسل) وهو الفتور عن الشيء مع القدرة على عمله إيثارًا لراحة البدن على التعب (و) من (الهرم) وهو الزيادة في كبر السن المؤدية إلى ضعف الأعضاء (والمأثم) ما
يوجب الإِثم (والمغرم) أي الذين فيما لا يجوز (ومن فتنة القبر) سؤال منكر ونكير (وعذاب القبر) وهو ما يترتب بعد فتنته على المجرمين فالأول كالمقدمة
стр. 4002
للثاني وعلامة عليه (ومن فتنة النار) هي سؤال الخزنة على سبيل التوبيخ وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير﴾ [الملك: ٨] (وعذاب النارَ) بعد فتنتها (ومن شرّ فتنة الغنى) كالبطر والطغيان وعدم تأدية الزكاة (وأعوذ بك من فتنة الفقر) كأن يحمله الفقر على اكتساب الحرام أو التلفظ بكلمات مؤدية إلى الكفر.
قال في الكواكب: فإن قلت: لِمَ زاد لفظ الشرّ في الغنى ولم يذكره في الفقر ونحوه؟ وأجاب: بأنه تصريح بما فيه من الشر وأن مضرّته أكثر من مضرّة غيره أو تغليظًا على الأغنياء حتى لا يغترّوا بغناهم ولا يغفلوا عن مفاسده أو إيماء إلى أن صورة أخواته لا خير فيها بخلاف صورته فإنها قد تكون خيرًا اهـ.
وتعقبه في الفتح بأن هذا كله غفلة عن الواقع فإن الذي ظهر لي أن لفظة شرّ في الأصل ثابتة في الموضعين، وإنما اختصره بعض الرواة فسيأتي بعد قليل في باب الاستعاذة من أرذل العمر من طريق وكيع وأبي معاوية مفرّقًا عن هشام بسنده هذا بلفظ: وشرّ فتنة الغنى وشر فتنة الفقر، ويأتي بعد أبواب أيضًا إن شاء الله تعالى من رواية سلام بن أبي مطيع عن هشام بإسقاط شر من الموضعين والتقييد في الغنى والفقر لا بدّ منه لأن كلاًّ منهما فيه خير باعتبار فالتقييد في الاستعاذة منه بالشر يخرج ما فيه من الخير سواء قلّ أم أكثر اهـ.
وتعقبه العيني فقال: هذا غفلة منه حيث يدعي اختصار بعض الرواة بغير دليل على ذلك قال: وأما قوله وسيأتي بعد لفظة شر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر فلا يساعده فيما قاله لأن للكرماني أن يقول: يحتمل أن يكون لفظ شر فتنة الفقر مدرجًا من بعض الرواة على أنه لم ينف مجيء لفظ شر في غير الغنى ولا يلزمه هذا لأنه في بيان هذا الموضع الذي وقع هنا خاصة اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في انتقاض الاعتراض: حكاية هذا الكلام أي الذي قاله العيني تغني العارف عن التشاغل بالردّ عليه.
(وأعوذ بك من فتنة المسيح) بفتح الميم وكسر السين آخره حاء مهملتين (الدجال) بتشديد الجيم الأعور الكذاب وهذه الفتنة وإن كانت من جملة فتنة المحيا لكن أعيدت تأكيدًا لعظمها وكثرة شرها أو لكونها تقع في محيا أناس مخصوصين وهم الذين في زمن خروجه وفتنة المحيا عامة لكل أحد فتغايرا (اللهم اغسل عني خطاياي) جمع خطيئة (بماء الثلج) بالمثلثة (والبرد) بفتح الموحدة والراء هو حب الغمام، وفي باب ما يقول بعد التكبير في أوائل صفة الصلاة بالماء والثلج والبرد، وقال التوربشتي: ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بها تبيانًا لأنواع المغفرة التي لا يخلص من الذنوب إلا بها أي طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس والأوصاب ورفع الجنابة
والأحداث. وقال الطيبي: ويمكن أن يقال ذكر الثلج والبرد بعد ذكر الماء المطلوب منهما شمول أنواع الرحمة بعد المغفرة لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة لأن عذاب النار يقابله الرحمة فيكون التركيب من باب قوله متقلدًا سيفًا ورمحًا. أي اغسل خطاياي بالماء أي اغفرها وزد على الغفران شمول الرحمة.
(ونق) بفتح النون وتشديد القاف (قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس) أي الوسخ ونقيت بفتح المثناة الفوقية وهو تأكيد للسابق ومجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها (وباعد) أبعد (بيني وبين خطاياي كما باعدت) أي كتبعيدك (بين المشرق والمغرب) أي حل بيني وبينها حتى لا يبقى لها مني اقتراب الكلية.
وسبق الحديث في صفة الصلاة.
٤٠ - باب الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الْجُبْنِ وَالْكَسَلِ
كُسالى وَكَسالى واحِدٌ.
(باب الاستعاذة من الجبن) بضم الجيم وسكون الموحدة (و) الاستعاذة من (الكسل) بفتح الكاف والمهملة (كسالى) بضم الكاف (وكسالى) بفتحها (واحد) وبالأول قرأ الجمهور وبالآخر قرأ الأعرج وهو لغة تميم وهذا ثابت هنا لأبي ذر وأبي الوقت عن المستملي.
٦٣٦٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ أَبِى عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ».
وبه قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم بينهما معجمة ساكنة
стр. 4003
القطواني الكوفي قال: (حدّثنا سليمان) بن بلال (قال: حدثني) بالإفراد (عمرو بن أبي عمرو) بفتح العين فيهما مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب (قال: سمعت أنسًا) ولأبي ذر أنس بن مالك (قال: كان النبي ﷺ يقول):
(اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن) بفتح الحاء المهملة والزاي (والعجز والكسل) قال الزركشي: قال صاحب تثقيف اللسان: العجز ما لا يستطيعه الإِنسان والكسل أن يترك الشيء ويتراخى عنه وإن كان يستطيعه (و) أعوذ بك من (الجبن) وهو الخور عن تعاطي الحرب ونحوها خوفًا على المهجة (و) أعوذ بك من (البخل) ضد الكرم (و) أعوذ بك من (ضلع الدين) بفتح الضاد المعجمة واللام ثقله (و) من (غلبة الرجال) تسلطهم.
والحديث سبق قريبًا.
٤١ - باب التَّعَوُّذِ مِنَ الْبُخْلِ
الْبُخْلُ وَالْبَخَلُ وَاحِدٌ مِثْلُ الْحُزْنِ وَالْحَزَنِ.
(باب التعوّذ من البخل) بسكون الخاء المعجمة (البخل) بضم الموحدة وسكون المعجمة (والبخل) بفتحهما (واحد) في المعنى وبالثاني قرأ حمزة والكسائي (مثل الحزن) بضم الحاء وسكون الزاي (والحزن) بفتحهما وزنًا وهذا ثابت في رواية المستملي هنا وقد تكرر ذم البخل في الحديث، وصح: خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخُلق، وقال سلمان: إذا مات البخيل قالت الأرض والحفظة: اللهم احجب هذا العبد عن الجنة كما حجب عبادك عما في يده من الدنيا.
٦٣٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِى غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ ﵁ كَانَ يَأْمُرُ بِهَؤُلَاءِ الْخَمْسِ وَيُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (محمد بن المثنى) العنزي قال: (حدثني) بالإفراد (غندر) محمد بن جعفر (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك بن عمير) الكوفي (عن مصعب بن سعد عن) أبيه (سعد بن أبي وقاص ﵁) أنه (كان يأمر بهؤلاء الخمس ويحدثهن) ولأبي ذر عن الكشميهني ويخبر بهن (عن النبي) وهي:
(اللهم إني أعوذ بك من البخل) بأي شيء من الخير سواء كان مالاً أو علمًا (وأعوذ بك من الجبن) ضد الشجاعة (وأعوذ بك أن) ولأبي ذر عن الحموي: من أن (أردّ إلى أرذل العمر) بالذال المعجمة الهرم الشديد (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) سبق قريبًا أنها الدجال وفي إطلاق الدنيا على الدجال إشارة إلى أن فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدنيا (وأعوذ بك من عذاب القبر). من إضافة المظروف إلى ظرفه وسبق.
٤٢ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ
أَرَاذِلُنَا: أَسْقَاطُنَا.
(باب التعوّذ من أرذل العُمُر أراذلنا) في قوله تعالى: (﴿إلا الذين هم أراذلنا﴾ [هود: ٢٧] أي (أسقاطنا) وللمستملي والكشميهني سقاطنا بضم السين وتشديد القاف تقول قوم سقطى وأسقاط وسقّاط والساقط اللئيم في حسبه ونسبه.
٦٣٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ،
وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة المنقري المقعد البصري الحافظ قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد البصري (عن عبد العزيز بن صهيب) البناني الأعمى (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: كان رسول الله ﷺ يتعوّذ) حال كونه (يقول):
(اللهم إني أعوذ بك من الكسل) سقط من أصل اليونينية بك من قوله أعوذ بك من الكسل (وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من الهرم وأعوذ بك من البخل) وليس في هذا الحديث ما ترجم به لكنه كما قال في الفتح أشار بذلك إلى أن المراد بأرذل العمر في حديث سعد بن أبي وقاص السابق في الباب قبله الهرم الذي في هذا الحديث المفسر بالشيخوخة، وضعف القوّة والعقل والفهم وتناقص الأحوال من الخرف وضعف الفكر. قال في شرح المشكاة: المطلوب عند المحققين من العمر التفكّر في آلاء الله ونعمائه تعالى من خلق الموجودات فيقوموا بواجب الشكر بالقلب والجوارح والخرف الفاقد لهما فهو كالشيء الرديء الذي لا ينتفع به فينبغي أن يستعاذ منه.
٤٣ - باب الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الْوَبَاءِ وَالْوَجَعِ
(باب الدعاء برفع الوباء) بفتح الواو والموحدة والمد مرض عام ينشأ عن فساد الهواء وقد يسمى طاعونًا بطريق المجاز. (و) برفع (الوجع) الشامل لكل مرض وهو من عطف العام على الخاص.
٦٣٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ، كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى مُدِّنَا وَصَاعِنَا».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂)
стр. 4004
أنها (قالت: قال النبي):
(اللهم حبّب إلينا المدينة) طيبة وسبب ذلك أنه ﷺ لما قدم المدينة كانت أوبأ أرض الله، ووعك أبو بكر وبلال ﵄ قالت عائشة: دخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك، ويا بلال كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته فيقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بواد وحولي إذخر وجليل
وهل يردن يومًا مياه مجنة … وهل يبدون لي شامة وطفيل
فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: اللهم حبب إلينا المدينة (كما حببت إلينا مكة أو أشد) حبًّا من حبنا لمكة (وانقل حماها إلى الجحفة) بضم الجيم وسكون المهملة ميقات مصر وكانت مسكن يهود فنقلت إليها (اللهم بارك لنا في مدّنا وصاعنا) يريد كثرة الأقوات من الثمار والغلات.
والحديث سبق.
٦٣٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: عَادَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ شَكْوَى أَشْفَيْتُ مِنْهَا عَلَى الْمَوْتِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَ بِى مَا تَرَى مِنَ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِى إِلاَّ ابْنَةٌ لِى وَاحِدَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَىْ مَالِى؟ قَالَ: «لَا» قُلْتُ: فَبِشَطْرِهِ قَالَ: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِى فِى امْرَأَتِكَ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِى قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ، فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ ازْدَدْتَ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِى هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ»، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ. قَالَ سَعْدٌ: رَثَى لَهُ النَّبِىُّ ﷺ مِنْ أَنْ تُوُفِّىَ بِمَكَّةَ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون
العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (قال أخبرنا ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عامر بن سعد أن أباه) سعد بن أبي وقاص (قال: عادني) بالدال المهملة (رسول الله ﷺ حجة الوداع من شكوى) بغير تنوين مرض (أشفيت) بالمعجمة الساكنة وبعد الفاء تحتية ساكنة أشرفت (منه على الموت) ولأبي ذر عن الكشميهني منها أي من الشكوى واتفق أصحاب الزهري على أن ذلك كان في حجة الوداع إلا ابن عيينة فقال: في فتح مكة: أخرجه الترمذي وغيره من طريقه واتفق الحفاظ على أنه وهم فيه. نعم ورد عند أحمد والبزار والطبراني والبخاري في تاريخه وابن سعد من حديث عمرو بن القاري ما يدل لرواية ابن عيينة ويمكن الجمع بينهما بالتعدد مرتين مرة في عام الفتح وأخرى في حجة الوداع (فقلت: يا رسول الله بلغ بي ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني) من أرباب الفروض أو من الأولاد (إلا ابنة) ولأبي ذر بنت (لي واحدة) تكنى أم الحكم الكبرى (أفأتصدق بثلثي مالي)؟ بفتح المثلثة الثانية وسكون التحتية والتعبير بقوله: أفأتصدق يحتمل التنجيز والتعليق بخلاف أفأوصي، لكن المخرج متحد فيحمل على التعليق جمعًا بين الروايتين (قال) ﷺ :
(لا قلت) يا رسول الله (فبشطره)؟ أي فبنصفه (قال) ﷺ (الثلث) كاف وهو (كثير) بالمثلثة (إنك أن تذر) بفتح الهمزة والذال المعجمة أن تدع (ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم) ولأبي ذر عن الكشميهني تدعهم (عالة) بالعين المهملة وتخفيف اللام فقراء (يتكففون) يسألون (الناس)
بأكفهم أو يسألون ما يكف عنهم الجوع (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله) تعالى (إلا أجرت) أي عليها والجملة عطف على قوله: إنك أن تذر وهو علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث كأنه قيل لا تفعل لأنك إن مت وتذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء، وإن عشت وتصدقت بما بقي من الثلث وأنفقت على عيالك يكن خيرًا لك (حتى ما تجعل في في امرأتك) في فمها. قال سعد (قلت يا رسول الله أخلف بعد أصحابي)؟ بضم همزة أخلف وفوقها مدّة في اليونينية (قال) ﵊: (إنك لن تخلف) بفتح اللام المشددة كالسابق بعد أصحابك (فتعمل) نصب عطفًا على سابقه (عملاً) صالحًا (تبتغي به وجه الله) تعالى (إلا ازددت) أي بالعمل الصالح (درجة ورفعة ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام) من المسلمين (ويضر) بفتح الضاد (بك آخرون) من المشركين (اللهم أمض) بقطع الهمزة أي أتمم (لأصحابي هجرتهم) من مكة إلى المدينة (ولا تردهم
стр. 4005
على أعقابهم) بترك هجرتهم. قال إبراهيم بن سعد فيما قال الزهري (لكن البائس) الذي عليه أثر البؤس وهو الفقر والحاجة (سعد بن خولة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو (قال سعد رثى) بفتح الراء والمثلثة بلفظ الماضي أي تحزن وتوجع (له النبي) ولأبي ذر رسول الله (¬ ﷺ من أن توفي) في حجة الوداع (بمكة) التي هاجر منها وحرم ثواب الهجرة. وقوله: قال سعد رثى له النبي ﷺ صريح في وصل قوله: لكن البائس فلا يكون مدرجًا من قول الزهري كما ادّعاه ابن الجوزي وغيره، وفي الحديث جواز إخبار المريض بشدة مرضه وقوّة ألمه إذا لم يقترن به ما يمنع كعدم الرضا وغير ذلك مما لا يخفى.
وسبق الحديث في كتاب الوصايا.
٤٤ - باب الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَفِتْنَةِ النَّارِ
(باب الاستعاذة من أرذل العمر) وسبق قبل بباب باب التعوّذ من أرذل العمر (ومن فتنة الدنيا وفتنة النار) ولأبي ذر عن الكشميهني وعذاب النار بدل قوله وفتنة النار.
٦٣٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَعَوَّذُوا بِكَلِمَاتٍ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه قال: (أخبرنا الحسين) بضم الحاء ابن علي الجعفي الزاهد المشهور (عن زائدة) بن قدامة الكوفي (عن عبد الملك) بن عمير (عن مصعب بن سعد) وثبت ابن سعد لأبي ذر (عن أبيه) سعد بن أبي وقاص أنه (قال: تعوّذوا بكلمات) خمس (كان النبي ﷺ يتعوّذ بهن) عبودية وإرشادًا لأمته:
(اللهم إني أعوذ بك) أستجير وأعتصم وأصله أعوذ بسكون العين فنقلت حركة الواو تخفيفًا إليها (من الجبن) ضد الشجاعة (وأعوذ بك من البخل) ضد الكرم، ولما كان الجود إما بالنفس وإما بالمال ويسمى الأول شجاعة ويقابلها الجبن والثاني سخاوة ويقابلها البخل ولا تجتمع السخاوة والشجاعة إلا في نفس كاملة ولا ينعدمان إلا من متناه في النقص. استعاذ منهما لما لا يخفى (وأعوذ بك من أن أردّ إلى أرذل العمر) إلى أسفله وهو الهرم الشديد حتى لا يعلم ما كان قبل يعلم وهو أسوأ العمر أعاذنا الله من البلايا بمنّه وكرمه (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) وأعظمها فتنة الدجال (و) من (عذاب القبر) ما فيه من الأهوال والشدائد.
٦٣٧٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَغْرَمِ وَالْمَأْثَمِ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَاىَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِى مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِى وَبَيْنَ خَطَايَاىَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن موسى) البلخي المعروف بخت قال: (حدّثنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجرّاح أبو سفيان الرؤاسي أحد الأعلام قال: (حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (أن النبي ﷺ كان يقول):
(اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم) المفسر بأرذل العمر فيما مر (و) أعوذ بك من (المغرم) مصدر وضع موضع الاسم يراد به مغرم الذنوب والمعاصي، وقيل كالغرم وهو الدين ويريد به ما استدين فيما يكرهه الله أو فيما يجوز ثم عجز. قال بعضهم: ما دخل همّ الدين قلبًا إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه فأما دين احتاج إليه وهو قادر على أدائه فلا يستعاذ منه (والمأثم) الأمر الذي يأثم به الإنسان أو هو الإثم نفسه وضعًا للمصدر موضع الاسم (اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار) بسؤال الخزنة على سبيل التوبيخ (وفتنة القبر) سؤال منكر ونكير مع الخوف وهذه ثابتة هنا لأبي ذر ساقطة لغيره (و) من (عذاب القبر) ومن (شر فتنة الغنى) من البطر والطغيان والتفاخر به وصرف المال في المعاصي وما أشبه ذلك (وشر فتنة الفقر) بإثبات لفظ شر، وسبق أن هذه ثابتة في رواية أبي ذر بعد قوله وفتنة النار (ومن شر فتنة المسيح الدجال) سمي مسيحًا لأن إحدى عينيه ممسوحة فعيلاً بمعنى مفعول أو لأنه يمسح الأرض يقطعها في أيام معلومة بمعنى فاعل (اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد) بفتح الموحدة والراء حب الغمام. قال في الكواكب: العادة أنه إذا أريد المبالغة في الغسل يغسل بالماء الحار لا بالبارد. قال الخطابي: هذه أمثال لم يرد بها أعيانها بل التأكيد في التطهير والمبالغة في محوها والثلج والبرد ماءان مقصوران
على الطهارة لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال فكان ضرب المثل بها أوكد في المراد (ونق قلبي من الخطايا كما ينقى) بضم التحتية
стр. 4006
وفتح القاف المشددة مبنيًّا للمفعول (الثوب الأبيض من الدنس) أي الوسخ (وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب).
والحديث سبق قريبًا.
٤٥ - باب الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى
(باب الاستعاذة من فتنة الغنى).
٦٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سَلاَّمُ بْنُ أَبِى مُطِيعٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالَتِهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا سلام بن أبي مطيع) بتشديد اللام الخزاعي البصري (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن خالته) عائشة أم المؤمنين ﵂ (أن النبي ﷺ كان يتعوذ):
(اللهم) معمول لقول مقدر أي يقول: اللهم (إني أعوذ بك من فتنة النار) أي من فتنة تؤدي إلى عذاب النار (ومن عذاب النار وأعوذ بك من فتنة القبر) من فتنة تؤدي إلى عذاب القبر (وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة الغنى) كصرف المال في المعاصي (وأعوذ بك من فتنة الفقر) كالطمع في مال الغير وغير ذلك مما سيذكر في الباب اللاحق (وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) بدل من المسيح أو نعت أو عطف بيان.
٤٦ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ
(باب التعوّذ من فتنة الفقر).
٦٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ قَلْبِى بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِى مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِى وَبَيْنَ خَطَايَاىَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد) بن سلام قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (أبو معاوية) محمد بن خازم بالمعجمتين بينهما ألف قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (هشام بن عروة) سقط لأبي ذر: ابن عروة (عن أبيه عن عائشة ﵂) أنها (قالت: كان النبي ﷺ يقول):
(اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار وفتنة القبر وعذاب القبر وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر) بإثبات لفظة شر في الغنى كما مرّ التنبيه عليه محققًا، والمراد الفقر المدقع لأنه الذي يخاف من فتنته كحسد الغنيّ والتذلل له بما يتدنس به عرضه وينثلم به دينه وتسخطه وعدم رضاه بما قسم الله له إلى غير ذلك مما يذم فاعله ويأثم عليه (اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل قلبي بماء الثلج والبرد ونقّ قلبي في الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والمأثم والمغرم).
٤٧ - باب الدُّعَاءِ بِكَثْرَةِ الْمَالِ مَعَ الْبَرَكَةِ
(باب الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة) ثبت هذا الباب مع ترجمته في رواية المستملي والكشميهني وسقط للحموي، والصواب كما قال الحافظ ابن حجر إثباته.
٦٣٧٨ و ٦٣٧٩ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسٌ خَادِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ». وَعَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة ابن عثمان العبدي مولاهم الحافظ بندار قال: (حدّثنا غندر) بضم المعجمة وسكون النون وفتح المهملة آخره راء محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (عن أنس عن أم سليم) وهي أم أنس ﵃ (أنها قالت: يا رسول الله أنس خادمك ادع الله له. قال) ﷺ :
(اللهم أكثر ماله وولده) فكان أكثر الصحابة أولادًا قاله النووي، وقال ابن قتيبة في المعارف كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذكر لصلبه: أبو بكرة، وأنس، وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعًا وهو المهلب بن أبي صفرة (وبارك له فيما أعطيته) هذا أعم من المال والولد فيتناول العلم والدين، وعند الترمذي بإسناد رجاله ثقات أنه كان له بستان تأتي منه في كل سنة الفاكهة مرتين وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك.
(وعن هشام بن زيد) أي ابن أنس أي بالسند المذكور إلى قتادة فالواو عطف عليه قال: (سمعت أنس بن مالك مثله) أي الحديث السابق، وأخرجه الإِسماعيلي من رواية حجاج بن محمد
عن شعبة عن قتادة عن هشام بن زيد جميعًا عن أنس، ولأبي ذر بمثله بزيادة الموحدة فغندر عن شعبة جعل الحديث من مسند أم سليم، وكذا هو عند الترمذي عن محمد بن بشار عن غندر وقال: حسن صحيح. وكذا عند الإمام أحمد عن حجاج بن محمد، وعن محمد بن جعفر كلاهما عن شعبة، وأخرجه المؤلّف في باب دعوة النبي ﷺ لخادمه بطول العمر من طريق حرمي بن عمارة عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: قالت أمي أم سليم
стр. 4007
فظاهره أنه من مسند أنس وهذا الاختلاف لا يضر فإن أنسًا حضر ذلك.
والحديث سبق قريبًا.
باب الدُّعَاءِ بِكِثْرَةِ الْوَلَدِ مَعَ الْبَرَكَةِ
(باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة) ثبت الباب وما بعده لأبي ذر.
٦٣٨٠ و ٦٣٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ أَنَسٌ خَادِمُكَ ادْعُ اللهُ لَهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو زيد سعيد بن الربيع) الهروي نسبة لبيع الثياب الهروية قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أنه (قال: سمعت أنسًا ﵁ قال: قالت أم سليم) ﵂ أي لرسول الله ﷺ (أنس خادمك ادع الله له قال) ﷺ :
(اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته) فيه دليل لتفضيل الغنى على الفقر. وأجيب: بأنه يختص بدعائه ﷺ وأنه بارك فيه ومتى بارك فيه لم يكن فيه فتنة ولم يحصل بسببه ضرر وفيه استحباب أنه إذا دعا بشيء يتعلق بالدنيا أن يضم إلى دعائه طلب البركة فيه والصيانة.
٤٨ - باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الاِسْتِخَارَةِ
(باب الدعاء عند الاستخارة) أي طلب الخيرة بكسر الخاء وفتح التحتية بوزن العنبة اسم من قولك اختار الله له. وقال في النهاية: الاستخارة طلب الخير في الشيء وهي استفعال من الخير ضد الشر فالمراد طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما.
٦٣٨٢ - حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى الْمَوَالِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِى الأُمُورِ كُلِّهَا، كَالسُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِى فِى دِينِى وَمَعَاشِى وَعَاقِبَةِ أَمْرِى
-أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِى وَآجِلِهِ- فَاقْدُرْهُ لِى، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِى فِى دِينِى وَمَعَاشِى وَعَاقِبَةِ أَمْرِى -أَوْ قَالَ فِى عَاجِلِ أَمْرِى وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّى وَاصْرِفْنِى عَنْهُ وَاقْدُرْ لِىَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِى بِهِ وَيُسَمِّى حَاجَتَهُ».
وبه قال: (حدّثنا مطرف بن عبد الله) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء مشددة بعدها فاء (أبو مصعب) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين الأصم مولى ميمونة بنت الحارث قال: (حدّثنا عبد الرَّحمن بن أبي الموال) بفتح الميم وتخفيف الواو وبعد الألف لام من غير ياء جمع مولى واسمه زيد ويقال زيد جدّ عبد الرَّحمن وأبوه لا يعرف اسمه وثّقه ابن معين وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله التيمي المدني الحافظ (عن جابر ﵁) أنه (قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها) خصّه في بهجة النفوس بغير الواجب والمستحب فلا يستخار في فعلهما والمحرم والمكروه لا يستخار في تركهما فانحصر الأمر في المباح أو المستحب إذا تعارض فيه أمران أيهما يبدأ به أو يقتصر عليه وألحق به في الفتح الواجب والمستحب المخير وفيما إذا كان موسعًا قال: ويتناول العموم العظيم والحقير، فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم (كالسورة) كما يعلمنا السورة (من القرآن) قال في البهجة: التشبيه في تحفظ حروفه وترتيب كلماته ومنع الزيادة والنقص منه والدرس له والمحافظة عليه.
(إذا همّ) فيه حذف تقديره يقول: إذا همّ (بالأمر) قال الشيخ عبد الله بن أبي جمرة: ترتيب الوارد على القلب على مراتب الهمّة ثم اللمة ثم الخطرة ثم النية ثم الإرادة ثم العزيمة فالثلاثة الأول لا يؤاخذ بها بخلاف الثلاثة الآخر فقوله: إذا همّ يشير إلى أول ما يرد على القلب (فليركع ركعتين) أي من غير الفريضة في غير وقت كراهة (ثم يقول) دعاء الاستخارة فيظهر لم إذ ذاك ببركة الصلاة والدعاء ما هو خير بخلاف ما إذا تمكن الأمر عنده وقويت فيه عزيمته وإرادته فإنه يصير له إليه ميل وحب فيخشى أن يخفى عنه وجه الأرشدية لغلبة ميله إليه قال: ويحتمل أن يكون المراد بالهم العزيمة لأن الخاطر لا يثبت فلا يستمر إلا على ما يقصد التصميم على فعله وإلا لو استخار في كل خاطر لاستخار فيما لا يعبأ به فتضيع عليه أوقاته اهـ.
وقوله: فليركع جواب إذا المتضمن معنى الشرط ولذا دخلت فيه الفاء واحترز بقوله في الرواية الأخرى من غير الفريضة عن صلاة الصبح مثلاً، وذكر النووي أنه يقرأ فيهما بسورة الكافرون والإِخلاص، لكن قال الحافظ زين الدين العراقي: لم أقف لذلك على دليل ولعله ألحقهما بركعتي الفجر. قال: ولهما مناسبة بالحال لما فيهما من الإِخلاص والتوحيد والمستخير يحتاج لذلك فقال: ومن المناسب أن يقرأ مثل قوله: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ [القصص: ٦٨] وقوله: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة﴾ [الأحزاب: ٣٦] والأكمل أن يقرأ في كل منهما السورة والآية الأوليين في الأولى
والأخريين في الثانية، وهل يقدم الدعاء على الصلاة الظاهر لا للإتيان بثم
стр. 4008
المقتضية للترتيب في قوله ثم يقول:
(اللهم إني أستخيرك بعلمك) أطلب منك الخيرة (وأستقدرك بقدرتك) أي أطلب منك أن تجعل لي على ذلك قدرة أو أطلب منك أن تقدّره لي إذ المراد بالتقدير التيسير والباء في بعلمك وبقدرتك للتعليل أي لأنك أعلم ولأنك قادر أو للاستعانة كقوله: ﴿بسم الله مجراها﴾ [هود: ٤١] أو للاستعصاف كقوله: ﴿رب بما أنعمت عليّ﴾ [القصص: ١٧] (وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر) إلا بك (وتعلم ولا أعلم) إلا بك فيما فيه خيرتي فالقدرة والعلم لك وحدك وليس للعبد إلا ما قدرته له (وأنت علاّم الغيوب) فيه لف ونشر غير مرتب (اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي) قال في الكواكب فإن قلت: كلمة إن للشك ولا يجوز الشك في كون الله عالمًا؟ وأجاب بأن الشك في أن العلم يتعلق بالخير أو الشر لا في أصل العلم، وفي رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي تعلم هذا الأمر خيرًا لي (في ديني ومعاشي) بالشين المعجمة وفتح الميم حياتي أو ما يعاش فيه، وفي الأوسط للطبراني عن ابن مسعود في ديني ودنياي وعنده من حديث أبي أيوب دنياي وآخرتي (وعاقبة أمري) أو قال: (في عاجل أمري وآجله فاقدره لي) بوصل الهمزة وضم الدال وتكسر أي اجعله مقدورًا لي أو قدره أو يسره (وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري) أو قال: (في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه) حتى لا يبقى قلبي بعد صرفه عني متعلقًا به ثم عمم الطلب بقوله (واقدر لي الخير حيث كان) ثم ختم بقوله (ثم رضني) بتشديد المعجمة لأن رضا الله ورضا العبد متلازمان بل رضا العبد مسبوق برضا الله وهو جماع كل خير واليسير منه خير من الجنان، ولأبي ذر عن الكشميهني ثم أرضني (به) وهو جماع كل خير واليسير منه خير من الجنان، ولأبي ذر عن الكشميهني ثم أرضني (به) بالهمز قبل الراء والذي في اليونينية لأبي ذر عن الكشميهني ورضني أي اجعلني به راضيًا (ويسمي حاجته) أي ينطق بها بعد الدعاء أو يستحضرها بقلبه عند الدعاء أي فليدع مسميًا حاجته فالجملة حالية والشك في قوله أو قال في الموضعين من الراوي. قال في الكواكب: ولا يخرج الداعي به عن العهدة حتى يكون جازمًا بأنه كما قال رسول الله ﷺ حتى يدعو به ثلاث مرات يقول تارة في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري وأخرى في عاجلي وآجلي وثالثة في ديني وعاجلي وآجلي اهـ.
وينبغي أن يفتتح الدعاء ويختمه بالحمد لله والصلاة على رسول الله ﷺ وأن يستخير الله سبعًا، ففي حديث أنس عند ابن السني إذا هممت بأمر فاستخر ربك سبعًا ثم انظر إلى الذي يسبق في قلبك فإن الخير فيه، لكن سنده واهٍ جدًّا، وليشرع في حاجته فإن كان له فيها خيرة يسّر الله له أسبابها وكانت عاقبتها محمودة.
وقد أورد المحاملي في اللباب حديثًا لأبي أيوب الأنصاري في استخارة التزويج عن النبي ﷺ أنه قال: اكتم الخطبة ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم صلّ ما كتب الله لك ثم احمد ربك
ومجّده ثم قل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم إنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب فإن رأيت لي في فلانة وتسميها باسمها خيرًا لي في ديني ودنياي وآخرتي فاقضها لي أو قال: اقدرها لي وإن كان غيرها خيرًا لي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاصرفها عني أي فلانة المسماة وفي نسخة فاقضها لي أو قال: قدّرها واقسمها لي أي غير فلانة.
٤٩ - باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الْوُضُوءِ
(باب الدعاء عند الوضوء).
٦٣٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: دَعَا النَّبِىُّ ﷺ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِى عَامِرٍ» وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (محمد بن العلاء) بفتح العين والمدّ أبو كريب الهمداني الحافظ قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء (عن) جدّه (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ أنه (قال): كما سبق معناه في المغازي لما رمى رجل جشمي أبا عامر يعني عمه في ركبته بسهم فأثبته وأنه قال له: يا ابن أخي اقرئ النبي ﷺ السلام وقل له يستغفر لي ثم مات (دعا النبي ﷺ ¬) حين
стр. 4009
بلغه ذلك (بماء فتوضأ ثم) ولأبي ذر عن الكشميهني فتوضأ به ثم (رفع يديه فقال):
(اللهم اغفر لعبيد) بضم العين وفتح الموحدة (أبي عامر) الأشعري قال أبو موسى: (ورأيت بياض إبطيه) ﷺ (فقال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس) بيان لما قبله لأن الخلق أعمّ والحديث مرّ في غزوة أوطاس وساقه هنا مختصرًا.
٥٠ - باب الدُّعَاءِ إِذَا عَلَا عَقَبَةً
(باب الدعاء إذا علا) صعد الإِنسان (عقبة) بفتح العين والقاف.
٦٣٨٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى مُوسَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِى سَفَرٍ فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» ثُمَّ أَتَى عَلَىَّ وَأَنَا أَقُولُ فِى نَفْسِى لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ
إِلاَّ بِاللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ -أَوْ قَالَ- أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِىَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) أبو أيوب الواشحي الأزدي البصري قاضي مكة (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم أحد الأئمة الأعلام (عن أيوب) السختياني (عن أبي عثمان) عبد الرَّحمن بن مل النهدي (عن أبي موسى) الأشعري (﵁) أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تعيينه (فكنا إذا علونا) شرفًا (كبّرنا) الله تعالى فرفعنا أصواتنا (فقال النبي ﷺ ¬):
(أيها الناس أربعوا) بالوصل وفتح الموحدة (على أنفسكم) أي ارفقوا بها ولا تبالغوا في الجهر (فإنكم لا تدعون أصم) قال الكرماني: ويروى أصمًّا بالألف قال: لعله باعتبار مناسبته لقوله (ولا غائبًا ولكن) بتخفيف النون (تدعون سميعًا بصيرًا) كالتعليل لقوله: لا تدعون أصم، وفي الجهاد إنه معكم إنه سميع قريب. قال أبو موسى: (ثم أتى) ﷺ (عليّ) بتشديد التحتية (وأنا أقول في نفسي لا حول ولا قوّة إلا بالله فقال) لي: (يا عبد الله بن قيس قل لا حول ولا قوّة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة) أو قال: (ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة) بالشك من الراوي.
قال في الكواكب: أي كالكنز في كونه نفيسًا مدخرًا مكنونًا عن أعين الناس. قال في شرح المشكاة: هذا التركيب ليس باستعارة لذكر المشبه وهو الحوقلة والشبه به وهو الكنز ولا التشبيه الصرف لبيان الكنز بقوله من كنوز الجنة، بل هو إدخال الشيء في جنس وجعله أحد أنواعه على التغليب، فالكنز إذًا نوعان. الأول: المتعارف وهو المال الكثير يجعل بعضه فوق بعض ويحفظ، والثاني: غير المتعارف وهو هذه الكلمة الجامعة المكتنزة بالمعاني الإِلهية لما أنها محتوية على التوحيد الخفي لأنه إذا نفيت الحيلة والاستطاعة عما من شأنه ذلك وأثبتت لله على سبيل الحصر بإيجاده واستعانته وتوفيقه لم يخرج شيء من ملكه وملكوته، ومن الدليل على أنها دالة على التوحيد الخفي قوله- ﷺ لأبي موسى: ألا أدلك على كنز مع أنه كان يذكرها في نفسه والدلالة إنما يستقيم على ما لم يكن عليه وهو أنه لم يعلم أنه توحيد خفي وكنز من الكنوز ولأنه لم يقل له ما ذكرته كنز من الكنوز بل صرح بها فقال: (لا حول ولا قوة إلا بالله) تنبيهًا على هذا السر اهـ.
فإن قلت: ما مناسبة الحديث للترجمة فإنه ترجم بالدعاء والذي في الحديث التكبير؟ وأجيب: باحتمال أن يكون أخذه من قوله فيه فإنكم لا تدعون أصم.
٥١ - باب الدُّعَاءِ إِذَا هَبَطَ وَادِيًا. فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁ -
(باب الدعاء إذا هبط) نزل (واديًا فيه) أي في الباب (حديث جابر) الأنصاري (¬﵁¬) السابق في باب التسبيح إذا هبط واديًا من كتاب الجهاد بلفظ: حدّثنا محمد بن يوسف، حدّثنا سفيان بن حصين بن عبد الرَّحمن عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله رضي الله
عنهما قال: كنا إذا صعدنا كبّرنا وإذا نزلنا سبّحنا. هذا آخر الحديث، وحكمة التكبير عند الصعود الاستشعار بكبرياء الله تعالى عندما يقع البصر على الأمكنة العالية، والتسبيح عند الهبوط استنباط من قصة يونس وتسبيحه في بطن الحوت لينجو من بطن الأودية كما نجا يونس من بطن الحوت، وقيل غير ذلك مما ذكرته في الباب المذكور.
وهذا الباب والترجمة وقوله فيه حديث جابر ﵁ ثابتة في رواية المستملي والكشميهني ساقطة لغيرهما.
٥٢ - باب الدُّعَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا، أَوْ رَجَعَ
فِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أََنَسٍ.
(باب الدعاء إذا أراد) الإنسان (سفرًا أو رجع) منه (فيه) أي في الباب (يحيى بن أبي إسحاق) الحضرمي (عن أنس) ﵁ مما وصله في الجهاد في باب ما يقول إذا رجع من الغزو وفيه فلما أشرفنا على المدينة قال: آيبون
стр. 4010
تائبون عابدون لربنا حامدون، وثبت الباب وما بعده إلى هنا في رواية أبي ذر عن الحموي.
٦٣٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإِمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر) سقط لأبي ذر لفظ عبد الله (﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل) رجع (من غزوة أو حج أو عمرة) أو غيرها من الأسفار (يكبّر على كل شرف) بفتح الشين المعجمة والراء بعدها فاء مكان عال (من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول): عقب التكبير وهو على الشرف أو بعده:
(لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون) بمدّ الهمزة أي نحن راجعون إلى الله نحن (تائبون) قاله تعليمًا لأمته أو تواضعًا منه ﵊ نحن (عابدون لربنا حامدون) له وقوله لربنا متعلق بعابدون أو بحامدون أو بهما أو بالثلاثة السابقة أو بالأربعة على طريق التنازع (صدق الله وعده) فيما وعد به من إظهار دينه (ونصر عبده) محمدًا ﷺ (وهزم الأحزاب) الذين تحزّبوا لحربه ﵊ (وحده) أفنى السبب فناء في المسبب. قال تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ [الأنفال: ١٧] ولم يذكر المؤلّف الدعاء إذا أراد سفرًا ولعله يشير إلى نحو ما وقع عند مسلم في رواية علي بن عبد الله
الأزدي عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبّر ثلاثًا ثم قال: "سبحان الذي سخّر لنا هذا" الحديث، وفيه: وإذا رجع قال: (آيبون تائبون) ولا اختصاص للحج والعمرة والغزو عند الجمهور، بل يشرع ذلك في كل سفر.
٥٣ - باب الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ
(باب الدعاء للمتزوّج).
٦٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَأَى النَّبِىُّ ﷺ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ: «مَهْيَمْ أَوْ مَهْ» قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم (عن ثابت) البناني (عن أنس ﵁) أنه (قال: رأى النبي ﷺ على عبد الرَّحمن بن عوف) ﵁ (أثر صفرة) من الطيب الذي استعمله عند الزفاف (فقال) له:
(مهيم) بفتح الميم والتحتية بينهما هاء ساكنة آخره ميم ساكنة على البناء قال ابن السيد: كلمة يمانية يقيمونها مقام حرف الاستفهام والشيء المستفهم عنه وهل هي بسيطة أو مركبة؟ استبعد الثاني بأنه لا يكاد يوجد اسم مركب على أربعة أحرف أي ما شأنك (أو) قال (مه) بفتح الميم وسكون الهاء فما استفهامية قلبت ألفها هاء والشك من الراوي (قال) عبد الرَّحمن (تزوجت امرأة على وزن نواة) اسم لقدر معروف عندهم فسروه بخمسة دراهم (من ذهب) صفة لنواة (فقال) ﷺ له: (بارك الله لك) واللام هنا لام الاختصاص (أولم ولو بشاة) أمر من أولم والوليمة فعيلة من الولم وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان ثم نقلت في الشرع لطعام العرس ولو كان قال ابن دقيق العيد تفيد التقليل أي اصنع وليمة وإن قلّت، وقيل بمعنى التمني.
والحديث سبق في البيع والنكاح وغيرهما.
٦٣٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: هَلَكَ أَبِى وَتَرَكَ سَبْعَ أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا»؟ قُلْتُ: ثَيِّبًا قَالَ: «هَلاَّ جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، أَوْ تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ» قُلْتُ: هَلَكَ أَبِى فَتَرَكَ سَبْعَ أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ قَالَ: «فَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ» لَمْ يَقُلِ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل المشهور بعارم قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم (عن عمرو) بفتح العين بن دينار (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (﵁) وعن أبيه أنه (قال: هلك أبي وترك سبع أو تسع بنات) لم أقف على أسمائهن (فتزوجت امرأة فقال) لي (النبي ﷺ ¬):
(تزوجت يا جابر)؟ استفهام محذوف الأداة (قلت نعم) يا رسول الله (قال) ﵊ (بكرًا) استفهام محذوف الأداة منصوب بتقدير تزوجت؛ ولأبي ذر: أبكرًا (أم) تزوجت (ثيبًا؟ قلت: ثيبًا) كذا في اليونينية بالنصب وفي نسخة بالرفع أي التي تزوجتها ثيب. قال في الفتح: قيل كان الأحسن النصب على نسق الأول أي تزوجت ثيبًا لكن لا يمتنع أن يكون منصوبًا فكتب بغير الألف على تلك اللغة (قال) ﷺ : (هلا) تزوجت (جارية) بكرًا (تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك) كذا في الفرع وقال العيني كابن حجر: أو تضاحكها بالشك من الراوي كذا وجدته في نسخة أخرى معتمدة وهو الذي في اليونينية والتلاعب هل هو من اللعب أو من اللعاب سبق في محله (قلت) يا رسول الله
стр. 4011
(هلك أبي فترك) بالفاء ولأبي ذر وترك (سبع أو تسع بنات فكرهت أن أجيئهن بمثلهن) صغيرة لا تجربة لها بالأمور (فتزوجت امرأة) قد جربت الأمور وعرفتها (تقوم عليهن) وتصلح شأنهن (قال) صلوات الله وسلامه عليه (فبارك الله عليك) دعاء له بالبركة واستعلائها عليه وهي النماء والزيادة يقال: بارك الله لك وفيك وعليك.
فإن قلت: قال لعبد الرَّحمن بارك الله لك ولجابر عليك فهل بينهما فرق؟ أجيب: بأن المراد بالأول اختصاصه بالبركة في زوجته كما مرّ أن اللام فيه للاختصاص والثاني شمول البركة له في جودة عقله حيث قدّم مصلحة أخواته على حظ نفسه فعدل لأجلهن عن تزوّج البكر مع كونها أرفع رتبة للمتزوج الشاب من الثيب غالبًا، ويحتمل أن يكون قوله: فبارك الله عليك خبرًا والفاء سببية أي بسبب تزوجك الثيب لما ذكرت يبارك لك وعليك.
(لم يقل ابن عيينة) سفيان فيما سبق موصولاً في المغازي والنفقات (و) لا (محمد بن مسلم) الطائفي فيما سبق أيضًا في المغازي في روايتهما (عن عمرو) أي ابن دينار عن جابر (بارك الله عليك).
٥٤ - باب مَا يَقُولُ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ
(باب ما يقول) الرجل (إذا أتى أهله) إذا أراد أن يجامع امرأته.
٦٣٨٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِىَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِى ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا».
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدثني بالإفراد (عثمان بن أبي شيبة) أبو الحسن العبسي مولاهم الكوفي الحافظ قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم بن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن سالم) هو ابن أبي الجعد (عن كريب) بضم الكاف آخره موحدة مصغر ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله) يجامع امرأته أو سريته (قال: بسم الله اللهم جنبنا) بالجمع (الشيطان وجنّب الشيطان ما رزقتنا) وأطلق ما على من يعقل لأنها بمعنى شيء كقوله: ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ [آل عمران: ٣٦] (فإنه إن يقدر) بفتح الدال المشددة (بينهما ولد في ذلك) الجماع المقول فيه ذلك (لم يضره شيطان) بإضراره في دينه أو بدنه (أبدًا).
والحديث سبق في باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله من كتاب النكاح.
٥٥ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً» [البقرة: ٢٠١]
(باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾).
٦٣٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ ﴿آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾» [البقرة: ٢٠١].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد البصري (عن عبد العزيز) بن صهيب (عن أنس) ﵁ أنه (قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ ¬):
(اللهم آتنا) وللكشميهني: اللهم ربنا آتنا (﴿في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾) الجار في قوله في الدنيا يتعلق بآتنا أو بمحذوف على أنه حال من حسنة لأنه كان في الأصل صفة لها فلما قدم عليها انتصب حالاً والواو في قوله: وفي الآخرة عاطفة شيئين على شيئين متقدمين، ففي الآخرة عطف على في الدنيا بإعادة العامل وحسنة عطف على حسنة والواو تعطف شيئين فأكثر على شيئين فأكثر تقول: أعلم الله زيدًا عمرًا فاضلاً وبكرًا خالدًا صالحًا. اللهم إلا أن ينوب عن عاملين ففيها خلاف، وتفصيل مذكور في محله، واختلف في الحسنتين فعن الحسن مما أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح: العلم والعبادة في الدنيا، وعنه عند عبد الرزاق: الرزق الطيب والعلم النافع وفي الآخرة الجنة، وعن قتادة: العافية في الدنيا والآخرة، وعن محمد بن كعب القرظي: الزوجة الصالحة من الحسنات، وعن عطية: حسنة الدنيا العلم والعمل به وحسنة الآخرة تيسير الحساب ودخول الجنة ومن عوف قال: من آتاه الله الإسلام والقرآن والأهل والمال والولد فقد آتاه الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقيل: الحسنة في الدنيا الصحة والأمن والكفاية والولد الصالح والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء، وفي الآخرة الفوز بالثواب والخلاص من العقاب ومنشأ
الخلاف كما قال الإمام فخر الدين: إنه لو قيل آتنا في الدنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة لكان ذلك متناولاً لكل الحسنات، لكنه نكرة في محل الإثبات فلا يتناول إلا حسنة واحدة، فلذلك اختلف المفسرون فكل واحد منهم حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة وهذا بناءً منه
стр. 4012
على أن المفرد المعرّف بالألف واللام يعم، وقد اختار في المحصول خلافه.
ثم قال: فإن قيل: أليس لو قيل آتنا الحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة لكان متناولاً لكل الأقسام فلِم ترك ذلك وذكره منكرًا؟ وأجاب بأن قال: إنّا بيّنا أنه ليس للداعي أن يقول: اللهم أعطني كذا وكذا بل يجب أن يقول: اللهم إن كان كذا وكذا مصلحة لي موافقة لقضائك وقدرك فأعطني ذلك فلو قال: اللهم أعطني الحسنة في الدنيا لكان ذلك جزمًا، وقد بيّنّا أن ذلك غير جائز فلما ذكره على سبيل التنكير كان المراد منه حسنة واحدة هي التي توافق قضاءه وقدره فكان ذلك أقرب إلى رعاية الأدب (﴿وقنا عذاب النار﴾) قِنا مما حذفت منه فاؤه ولامه لأنه من وقى يقي وقاية أما حذف فائه فبالحمل على المضارع لوقوع الواو بين ياء وكسرة، وأما حذف لامه فلأن الأمر جارٍ مجرى الفعل المضارع المجزوم وجزمه بحذف حرف العلة فكذلك الأمر منه فوزن قنا عنا، والأصل أوقنا فلما حذفت الفاء استغنى عن همزة الوصل فحذفت، والمعنى احفظنا من عذاب جهنم أو عذاب النار المرأة السوء.
وهذا الحديث سبق في تفسير سورة البقرة.
٥٦ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا
(باب التعوّذ من فتنة الدنيا) سقط لفظ باب لأبي ذر فالتعوّذ رفع.
٦٣٩٠ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِى الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا تُعَلَّمُ الْكِتَابَةُ «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ نُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ».
وبه قال: (حدّثنا فروة بن أبي المغراء) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها راء ممدودًا وفروة بفتح الفاء وسكون الراء أبو القاسم الكندي الكوفي قال: (حدّثنا عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة (ابن) ولأبي ذر هو ابن (حميد) بضم الحاء المهملة مصغرًا الضبي (عن عبد الملك بن عمير) بضم العين المهملة مصغرًا (عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه) سعد بسكون العين (﵁) أنه (قال: كان النبي ﷺ يعلمنا هؤلاء الكلمات) أي الخمس (كما تعلم الكتابة) بضم الفوقية وفتح العين واللام المشددة ولأبي ذر عن الكشميهني الكتاب بإسقاط هاء التأنيث وهي:
(اللهم إني أعوذ بك من البخل) الذي هو ضد الكرم (وأعوذ بك من الجبن) الذي هو ضد الشجاعة (وأعوذ بك أن) ولأبي ذر: من أن (نردّ) بالنون وفي باب الاستعاذة من أرذل العمر من أن أردّ بالهمزة بدل النون (إلى أرذل العمر) وهو الهرم المؤدي إلى الخرف (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) فتنة المسيح الدجال أو أعم (و) من (عذاب القبر).
وسبق الحديث قريبًا في الباب المذكور.
٥٧ - باب تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ
(باب تكرير الدعاء) مرة بعد أخرى لإظهار الفقر والحاجة إلى الرب تعالى وخضوعًا وتذللاً له.
٦٣٩١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنْذِرٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طُبَّ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ قَدْ صَنَعَ الشَّىْءَ وَمَا صَنَعَهُ، وَإِنَّهُ دَعَا رَبَّهُ ثُمَّ قَالَ: «أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِى فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ»؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «جَاءَنِى رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِى، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَىَّ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ قَالَ: فَبِمَاذَا؟ قَالَ: فِى مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِى ذَرْوَانَ وَذَرْوَانُ»، بِئْرٌ فِى بَنِى زُرَيْقٍ. قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ» قَالَتْ: فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهَا عَنِ الْبِئْرِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلاَّ أَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِى اللَّهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا». زَادَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَاللَّيْثُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِىُّ ﷺ فَدَعَا وَدَعَا وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) الحزامي المدني أحد الأعلام قال: (حدّثنا أنس بن عياض) أبو ضمرة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ طبّ) بضم الطاء المهملة وتشديد الموحدة: سحر (حتى إنه ليخيل إليه) مبني للمفعول واللام للتأكيد أي يظهر له من نشاطه وسابق عادته (أنه قد صنع الشيء وما صنعه) أي جامع نساءه وما جامعهن فإذا دنا منهنّ أخذته أخذة السحر فلم يتمكن من ذلك ولم يكن ذلك إلا في أمر زوجاته فلا ضرر فيه على نبوّته إذ هو معصوم (وأنه) ﵊ (دعا ربه) ، وفي كتاب الطب من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة دعا الله ودعاه (ثم قال):
(أشعرت) أعلمت (أن الله) تعالى (أفتاني) ولأبي ذر عن الكشميهني: قد أفتاني (فيما استفيته
فيه فقالت عائشة) ﵂ (فما) بالفاء، ولأبي ذر: وما (ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان) أي ملكان في صفة رجلين (فجلس أحدهما) وهو جبريل (عند رأسي والآخر) وهو ميكائيل (عند رجليّ) بتشديد التحتية على التثنية (فقال أحدهما لصاحبه): وفي الرواية المذكورة فقال الذي عند رأسي للآخر. وعند الحميدي فقال الذي عند رجليّ للذي عند رأسي، قال الحافظ ابن حجر: وكأنها أصوب (ما وجع الرجل)؟ يعني النبي ﷺ (قال: مطبوب) أي مسحور (قال: من طبّه)؟ من سحره (قال)
стр. 4013
سحره (لبيد بن الأعصم) بفتح الهمزة وسكون العين وفتح الصاد المهملتين، وزاد في الرواية المذكورة رجل من بني زريق حليف اليهود وكان منافقًا (قال: فبماذا؟) سحره (قال: في مشط) الآلة المعروفة (ومشاطة) بضم الميم وبالطاء ما يخرج من الشعر بالمشط، وفي رواية ابن جريج عن آل عروة عن عروة في الطب في مشاقة بالقاف (وجف طلعة) بضم الجيم وتشديد الفاء وإضافتها لتاليها وعاء طلع النخل وقيّده في أخرى بذكر (قال: فأين هو؟ قال في ذروان) بالذال المعجمة المفتوحة وسكون الراء (وذروان بئر في بني زريق قالت) عائشة ﵂ (فأتاها رسول الله ﷺ ¬) في أناس من أصحابه فنظر إليها وعليها نخل (ثم رجع إلى عائشة) ﵂ (فقال) لها: (والله لكأن ماءها) يعني البئر (نقاعة الحناء) بضم النون بعدها قاف أي في حمرة لونه (ولكأن نخلها) أي نخل البستان الذي هي فيه (رؤوس الشياطين) في بشاعة منظرها وخبثها، ويحتمل أن يراد برؤوس الشياطين رؤوس الحيات إذ العرب تسمي بعض الحيات شيطانًا (قالت) عائشة ﵂ (فأتى رسول الله ﷺ فأخبرها عن البئر) قالت عائشة (فقلت يا رسول الله فهلا أخرجته) أي الجف (قال) ﵊ (أمّا أنا) بتشديد الميم (فقد شفاني الله) منه (وكرهت أن أثير على الناس شرًّا) باستخراجه فيتعلمونه ويضرون به المسلمين.
(زاد عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي على الحديث المذكور مما وصله في الطب (والليث بن سعد) مما سبق في بدء الخلق كلاهما (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: سحر النبي) ولأبي ذر رسول الله (¬ ﷺ ¬) بضم السين مبنيًّا للمفعول (فدعا ودعا) بتكرير دعا مرتين (وساق الحديث) إلى آخره، ولم يذكر في رواية أنس بن عياض المسوقة في هذا الباب تكرير الدعاء، وفي رواية عبد الله بن نمير عن هشام عند مسلم في هذا الحديث فدعا ثم دعا وبالتكرير تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة.
٥٨ - باب الدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِى جَهْلٍ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: دَعَا النَّبِىُّ ﷺ فِى الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا» حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
(باب الدعاء على المشركين) قيد هذه الترجمة في الجهاد بالهزيمة والزلزلة والتبويب هنا ثابت لأبي ذر عن المستملي.
(وقال ابن مسعود) عبد الله ﵁ مما سبق موصولاً في الاستسقاء (قال النبي ﷺ : اللهم أعني عليهم) على كفار قريش (بسبع) من السنين مقحطة (كسبع يوسف) ﵇ (وقال) ﷺ : مما رواه عنه ابن مسعود ﵁ وسبق موصولاً في آخر كتاب الطهارة في قصة سلى الجزور (اللهم عليك بأبي جهل) دعا عليه بالهلاك.
(وقال ابن عمر) ﵄ مما سبق موصولاً في غزوة أُحد وتفسير سورة آل عمران (دعا النبي ﷺ ¬) في القنوت (في الصلاة اللهم العين فلانًا وفلانًا حتى أنزل الله ولأبي ذر تعالى (﴿ليس لك من الأمر شيء﴾) [آل عمران: ١٢٨] اسم ليس شيء والخبر لك ومن الأمر حال من شيء لأنها صفة متقدمة.
٦٣٩٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِى خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى أَوْفَى ﵄ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الأَحْزَابِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الأَحْزَابَ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (ابن سلام) بتخفيف اللام محمد قال: (أخبرنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجراح (عن ابن أبي خالد) هو إسماعيل واسم أبيه سعيد أو هرمز أو كثير البجلي الأحمسي الكوفي أنه (قال: سمعت ابن أبي أوفى) عبد الله واسم أبي أوفى علقمة وهو بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة وهما صحابيان (﵄ قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب) الذين اجتمعوا يوم الخندق بالهزيمة والزلزلة (فقال):
(اللهم منزل الكتاب سريع الحساب) أي سريعًا فيه أو أن مجيء الحساب سريع (اهزم الأحزاب اهزمهم وزلزلهم) أي اجعل أمرهم مضطربًا متقلقلاً غير ثابت فاستجاب الله تعالى دعاءه عليهم فأرسل عليهم ريحًا وجنودًا لم يروها فهزمهم.
٦٣٩٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِى الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، قَنَتَ اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِى يُوسُفَ».
وبه قال: (حدثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة المخففة البصري قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي ولأبي ذر هشام بن عبد الله (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة)
стр. 4014
بن
عبد الرَّحمن (عن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي ﷺ كان إذا قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت) قبل أن يسجد يقول:
(اللهم أنج) بقطع الهمزة (عياش بن أبي ربيعة) أخا أبي جهل لأمه (اللهم أنج الوليد بن الوليد) بن المغيرة أخا خالد بن الوليد (اللهم أنج سلمة بن هشام) أخا أبي جهل (اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين) عام بعد خاص (اللهم اشدد وطأتك) عقوبتك (على) كفار قريش أولاد (مضر) القبيلة المشهورة التي منها جميع بطون قريش وغيرهم (اللهم اجعلها) أي وطأتك (سنين) مجدبة ولأبي ذر عن المستملي عليهم سنين (كسني يوسف) المذكورة في سورته.
والحديث سبق في النساء وغيرها.
٦٣٩٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِىُّ ﷺ سَرِيَّةً يُقَالُ لَهُمُ: الْقُرَّاءُ فَأُصِيبُوا، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَجَدَ عَلَى شَىْءٍ مَا وَجَدَ عَلَيْهِمْ فَقَنَتَ شَهْرًا فِى صَلَاةِ الْفَجْرِ وَيَقُولُ: «إِنَّ عُصَيَّةَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
وبه قال: (حدّثنا الحسن بن الربيع) البجلي الكوفي قال: (حدّثنا أبو الأحوص) بالحاء والصاد المهملتين سلام بتشديد اللام ابن سليم (عن عاصم) هو ابن سليمان الأحول (عن أنس ﵁) أنه (قال: بعث النبي ﷺ سرية يقال لهم القراء) لأنهم كانوا أكثر دراسة للقرآن من غيرهم وكانوا سبعين إلى أهل نجد ليدعوهم إلى الإسلام فلما نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في جماعة فقتلوهم وهو معنى قوله (فأصيبوا) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (فما رأيت النبي ﷺ وجد) بفتح الواو والجيم حزن (على شيء ما وجد) ما حزن (عليهم فقنت شهرًا في صلاة الفجر) و (يقول):
(إن عصية) بضم العين وفتح الصاد تصغير العصا قبيلة معروفة (عصوا الله) ولأبي ذر عن الكشميهني عصت الله (ورسوله) والحديث سبق في الوتر والمغازي.
٦٣٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ الْيَهُودُ يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُونَ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَفَطِنَتْ عَائِشَةُ إِلَى قَوْلِهِمْ فَقَالَتْ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَهْلاً يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِى الأَمْرِ كُلِّهِ»، فَقَالَتْ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: «أَوَ لَمْ تَسْمَعِى أَنِّى أَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؟ فَأَقُولُ: وَعَلَيْكُمْ».
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني قال (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن
الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: كان) ولأبي ذر عن الكشميهني كانت (اليهود يسلمون على النبي ﷺ يقولون) ولأبي ذر تقول (السام) يعنون الموت (عليك ففطنت عائشة) ﵂ (إلى قولهم فقالت: عليكم السام واللعنة) وفي رواية باب كيف الردّ ففهمتها فقلت: عليكم السام واللعنة (فقال النبي ﷺ ¬):
(مهلاً) بفتح الميم وإسكان الهاء أي رفقًا (يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله فقالت: يا نبي الله أو لم) بفتح الواو (تسمع ما يقولون؟ قال: أو لم تسمعي أردّ) ولأبي ذر: أني أردّ (ذلك عليهم فأقول وعليكم) بواو العطف وإسقاط لفظ السام وسقطت الواو لأبي ذر.
وسبق الحديث في السلام.
٦٣٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَنْصَارِىُّ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَالَ: «مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا، كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ» وَهْىَ صَلَاةُ الْعَصْرِ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي الحافظ قال: (حدّثنا الأنصاري) هو محمد بن عبد الله قاضي البصرة شيخ البخاري روى عنه بالواسطة قال: (حدّثنا هشام بن حسان) الأزدي مولاهم الحافظ قال: (حدّثنا محمد بن سيرين) أبو بكر أحد الأعلام قال: (حدّثنا عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة السلماني بن عمرو، وقيل عبيدة بن قيس الكوفي أحد الأئمة أسلم في حياة النبي ﷺ قال: (حدّثنا علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ يوم الخندق) وهي غزوة الأحزاب (فقال):
(ملأ الله قبورهم) أمواتًا (وبيوتهم) أحياء (نارًا كما شغلونا عن صلاة الوسطى) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عن الصلاة الوسطى (حتى غابت الشمس وهي صلاة العصر) وفي مسلم من رواية أبي أسامة ومن رواية المعتمر بن سليمان، ومن رواية يحيى بن سعيد ثلاثتهم عن هشام: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وأخرج أيضًا من حديث حذيفة مرفوعًا: (شغلونا عن صلاة العصر) وهذا ظاهر في أن قوله وهي صلاة العصر من نفس الحديث، وهو يرد على قوله في الكواكب أنه هنا مدرج في الخبر من قول بعض الرواة على ما لا يخفى، وهشام بن حسان وإن تكلم فيه من قبل حفظه فقد صرح غير واحد
стр. 4015
بأنه ثبت في محمد بن سيرين حتى قال سعيد بن أبي عروبة: ما كان أحد أحفظ عن ابن سيرين من هشام بن حسان. وقال يحيى القطان: هشام بن حسان ثقة في محمد بن سيرين.
والحديث سبق في غزوة الخندق.
٥٩ - باب الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ
(باب الدعاء للمشركين) زاد في الجهاد بالهدى ليتألفهم.
٦٣٩٧ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ، وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ».
وبه قال: (حدّثنا علي) هو ابن عبد الله المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قدم الطفيل بن عمرو) بضم الطاء المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية بعدها لام وعين عمرو مفتوحة الدوسي (على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن دوسًا) بفتح الدال المهملة وسكون الواو بعدها سين مهملة وهي قبيلة أبي هريرة (قد عصت) أي عصت الله (وأبت) امتنعت عن الإِسلام (فادع الله عليها فظنّ الناس أنه) ﷺ (يدعو عليهم فقال):
(اللهم اهد دوسًا) للإسلام (وائت بهم) مسلمين وكان الطفيل قدم مكة وأسلم وقال: يا رسول الله إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فلما قدم على أهله دعا أباه وصاحبته إلى الإسلام فأجاباه ثم دعا دوسًا فأبطأوا عليه فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه قد غلبني على دوس الزنا فادع الله عليهم فقال: "اللهم اهد دوسًا" ثم قال: ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم قال: فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله ﷺ بخيبر فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس، ثم لحقنا برسول الله ﷺ فأسهم لنا مع المسلمين، وقد استشكل قوله باب الدعاء على المشركين وباب الدعاء للمشركين. وأجيب: بأنه باعتبار حالين فالدعاء عليهم لتماديهم على كفرهم وإيذائهم للمسلمين والدعاء لهم بالهداية ليتألفهم للإِسلام، والحديث سبق في الجهاد.
٦٠ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ»
(باب قول النبي ﷺ ¬) عبودية وتعليمًا لأمته (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت).
٦٣٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكَ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ «رَبِّ اغْفِرْ لِى خَطِيئَتِى وَجَهْلِى وَإِسْرَافِى فِى أَمْرِى كُلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى خَطَايَاىَ وَعَمْدِى وَجَهْلِى وَهَزْلِى، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِى اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ» وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَحَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[الحديث ٦٣٩٨ - طرفه
في: ٦٣٩٩].
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدثني (محمد بن بشار) بندار قال: (حدّثنا عبد الملك بن صباح) بفتح المهملة وتشديد الموحدة وبعد الألف حاء مهملة المصري قال أبو حاتم الرازي صالح وهي من ألفاظ التوثيق لكنها في الرتبة الأخيرة عنده فيكتب حديثه للاعتبار وحينئذٍ فليس عبد الملك هذا من شرط الصحيح. وأجيب: بأن اتفاق الشيخين على التخريج له يدل على أنه أرفع رتبة من ذلك لا سيما وقد تابعه معاذ بن معاذ وهو من الإثبات وليس لعبد الملك في الصحيح إلا هذا الموضع قاله في الفتح قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) السبيعي (عن ابن أبي موسى) أبي بردة (عن أبيه) أبي موسى عبد الله بن قيس (عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء):
(رب اغفر لي خطيئتي) ذنبي (وجهلي) ضد العلم (وإسرافي) مجاوزتي الحد (في أمري كله وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي خطاياي) جمع خطيئة (وعمدي) ضد السهو (وجهلي) ضد العلم كما مر (وهزلي) ضد الجد وعطف العمد على الخطأ من عطف الخاص على العام باعتبار أن الخطيئة أعم من التعمد أو من عطف أحد المتقابلين على الآخر بأن تحمل الخطيئة على ما وقع على سبيل الخطأ، وفي مسلم اغفر لي هزلي وجدي. قال في الفتح: وهو أنسب وهو بالكسر ضد الهزل (وكل ذلك عندي) موجود أو ممكن كالتذييل للسابق أي أنا متصف بهذه الأشياء فاغفرها لي قاله ﷺ متواضعًا وهضمًا لنفسه أو عد فوات الكمال وترك الأولى ذنوبًا أو أراد ما كان عن سهو أو ما كان قبل النبوة (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت) وهذان شاملان لجميع ما سبق كقوله (وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم) لمن تشاء من خلقك بتوفيقك إلى رحمتك (وأنت المؤخر) لمن تشاء عن ذلك (وأنت على كل شيء قدير) جملة مؤكدة لمعنى ما قبلها وعلى كل شيء متعلق بقدير وهو فعيل بمعنى فاعل مشتق من القدرة
стр. 4016
وهي القوة والاستطاعة وهل يطلق الشيء على المعدوم والمستحيل خلاف.
والحديث أخرجه مسلم في الدعوات (وقال عبيد الله بن معاذ) بضم العين مصغرًا ومعاذ بضم الميم آخره معجمة العنبري التيمي البصري شيخ المؤلّف (وحدّثنا أبي) معاذ وسقطت الواو لأبي ذر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) السبيعي (عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه) أبي موسى (عن النبي ﷺ ¬) زاد أبو ذر عن الكشميهني هنا بنحوه أي بنحو السابق.
٦٣٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَبِى مُوسَى وَأَبِى بُرْدَةَ أَحْسِبُهُ عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى خَطِيئَتِى وَجَهْلِى وَإِسْرَافِى فِى أَمْرِى، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ
مِنِّى، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى هَزْلِى وَجِدِّى وَخَطَاىَ وَعَمْدِى، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِى».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (محمد بن المثنى) العنزي الزمن قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن عبد المجيد) بفتح الميم بعدها جيم الحنفي البصري قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (أبو إسحاق) هو السبيعي جد إسرائيل (عن أبي بكر بن أبي موسى و) أخيه (أبي بردة) بن أَبي موسى (أحسبه عن) أبيهما (أبي موسى الأشعري) ﵁ وسقط الأشعري لأبي ذر (عن النبي ﷺ أنه كان يدعو):
(اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي هزلي وجدي) بكسر الجيم (وخطئي) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وخطاي بغير همز (وعمدي وكل ذلك) المذكور (عندي) قاله على سبيل التواضع والشكر لربه لما علم أنه قد غفر له.
٦١ - باب الدُّعَاءِ فِى السَّاعَةِ الَّتِى فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ
(باب الدعاء في الساعة التي) ترجى إجابة الدعاء فيها (في يوم الجمعة).
٦٤٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «فِى الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّى يَسْأَلُ خَيْرًا إِلاَّ أَعْطَاهُ» وَقَالَ بِيَدِهِ «قُلْنَا يُقَلِّلُهَا يُزَهِّدُهَا».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم) هو ابن علية قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة ﵁¬) أنه (قال: قال أبو القاسم ﷺ ¬):
(في الجمعة) ولأبي ذر في يوم الجمعة (ساعة لا يوافقها مسلم) أو مسلمة (وهو قائم يصلّي يسأل خيرًا) ثلاثة أحوال متداخلة أو مترادفة ولأبي ذر عن الكشميهني يسأل الله خيرًا (إلا أعطاه) وقيد بالخير ليخرج نحو الدعاء بإثم أو قطيعة رحم (وقال): أي أشار ﵊ (بيده) إلى أنها ساعة لطيفة (قلنا يقللها) أي الساعة (يزهدها) بضم التحتية وفتح الزاي وتشديد الهاء المكسورة تأكيد إذ معناه يقللها أيضًا. واختلف في تعيينها فقيل ساعة الصلاة، وقيل آخر ساعة عند الغروب، وسبق مزيد لذلك في كتاب الجمعة، والحاصل أنه اختلف في ذلك على أكثر من أربعين قولاً كليلة القدر. وفي حديث أبي سلمة عند أحمد وصححه ابن خزيمة أن أبا هريرة ﵁ سأل عن ساعة الجمعة رسول الله ﷺ فقال: "إني كنت أعلمها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر" قال في الفتح: ففي هذا الحديث إشارة إلى أن كل رواية جاء فيها تعيين وقت الساعة المذكورة مرفوعًا وهم فالله أعلم والحكمة في إخفائها استمرار الطاعة في يومها.
والحديث سبق في الصلاة وأخرجه النسائي فيه.
٦٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «يُسْتَجَابُ لَنَا فِى الْيَهُودِ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا»
(باب قول النبي ﷺ يستجاب لنا) الدعاء (في اليهود) لأنا لا ندعو عليهم إلا بالحق (ولا يستجاب لهم فينا) لأنهم يدعون علينا بالظلم.
٦٤٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوُا النَّبِىَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ قَالَ: «وَعَلَيْكُمْ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَهْلاً يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ أَوِ الْفُحْشَ» قَالَتْ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: «أَوَ لَمْ تَسْمَعِى مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِى فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِىَّ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط لأبي ذر ابن سعيد قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي مليكة (عن عائشة ﵂ أن اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا السام) بغير همزة (عليك. قال) ﷺ لهم:
(وعليكم) بواو التشريك أي وعليكم الموت إذ كل أحد يموت أو هي للاستئناف أي عليكم ما تستحقونه من الذم (فقالت عائشة) ﵂ لهم: (السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم فقال رسول الله ﷺ : مهلاً يا عائشة عليك بالرفق) فالزميه (وإياك والعنف) وهو ضد الرفق فاحذريه والعين مثلثة (أو الفحش) بالشك ولأبي ذر والفحش بإسقاط الألف من أو (قالت) يا رسول الله (أو لم تسمع) بفتح الواو (ما قالوا؟ قال) ﵊: (﴿أو لم)
стр. 4017
بفتح الواو أيضًا (تسمعي ما قلت رددت عليهم) قولهم (فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيّ) بتشديد التحتية والحديث سبق في الاستئذان وفي باب الدعاء على المشركين.
٦٣ - باب التَّأْمِينِ
(باب التأمين) وهو قول آمين عقب الدعاء ومعناها اللهم اسمع واستجب. وقال ابن عباس وقتادة: كذلك يكون فهي اسم فعل مبني على الفتح وقيل ليس باسم فعل بل هو من أسماء الله تعالى والتقدير يا آمين، وضعفه أبو البقاء بوجهين. أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن يُبنى على الضم لأنه منادى مفرد معرفة، والثاني: أن أسماء الله تعالى توقيفية ووجه الفارسي قول من جعله اسمًا لله تعالى على معنى أن فيه ضميرًا يعود على الله تعالى لأنه اسم فعل وهو توجيه حسن نقله صاحب المغرب، وفي آمين لغتان المد والقصر فمن الأول قوله:
آمين آمين لا أرضى بواحدة … حتى أبلغها ألفين آمينا
وقال آخر:
يا رب لا تسلبني حبها أبدًا … ويرحم الله عبدًا قال آمينا
ومن الثاني قوله:
تباعد مني فطحل إذ رأيته … أمين فزاد الله ما بيننا بُعدا
وفطحل بفتح الحاء المهملة بينهما طاء مهملة ساكنة اسم رجل، وقيل الممدود اسم أعجمي لأنه بزنة قابيل وهابيل، وقال النووي في تهذيبه، قال عطية العوفي: آمين كلمة عبرانية أو سريانية وليست عربية، وقال جماعة: إن أمين المقصورة لم تجيء عن العرب، والبيت الذي ينشد مقصورًا لا يصح على هذا الوجه، وإنما هو فآمين زاد الله ما بيننا بعدًا وهل يجوز تشديد الميم المشهور أنه خطأ نقله الجوهري، لكنه روي عن الحسن البصري وجعفر الصادق التشديد وهو قول الحسن بن الفضل من أم إذا قصد أي نحن قاصدون نحوك وعند أبي داود من حديث أبي زهير النمري قال: وقف النبي ﷺ على رجل قد ألح في الدعاء فقال: أوجب إن ختم فقيل بأي شيء؟ قال: بآمين فأتاه الرجل فقال: يا فلان اختم بآمين وأبشر، فكان أبو زهير يقول آمين مثل الطابع على الصحيفة فآمين طابع الدعاء وخاتم الله على عباده يدفع به الآفات عنهم، كما أن خاتم الكتاب يمنعه من ظهور ما فيه على غير من كتب إليه وهو الفساد كذلك الختم في الدعاء يمنعه من الفساد الذي هو الخيبة كما في مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: إذا دعا أحدكم لا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم وليعظم الرغبة أي في الإجابة. وقال عبد الرَّحمن بن زيد: آمين كنز من كنوز الجنة وقال غيره: آمين درجة في الجنة تجب لقائلها.
٦٤٠٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِىُّ: حَدَّثَنَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: الزهري) محمد بن مسلم (حدّثناه) أي الحديث (عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ قال):
(فإذا أمّن القارئ) الإِمام في الصلاة أو أعم (فأمّنوا فإن الملائكة تؤمّن فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة) في الصفة كالخشوع أو في الوقت (غفر له ما تقدم من ذنبه) الذي بينه وبين الله تعالى. وفي حديث حبيب بن مسلمة الفهري عند الحاكم سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمّن بعضهم إلا أجابهم الله تعالى".
وحديث الباب سبق في الصلاة.
٦٤ - باب فَضْلِ التَّهْلِيلِ
(باب فضل التهليل) اعلم أن العرب إذا أكثر استعمالهم لكلمتين ضموا بعض حروف إحداهما إلى بعض حروف الأخرى مثل الحوقلة والبسملة فالتهليل مأخوذ من قول لا إله إلا الله يقال: هيلل الرجل وهلل إذا قالها وهي الكلمة العليا التي يدور عليها رحى الإِسلام والقاعدة التي تبنى عليها أركان الدين وانظر إلى العارفين وأرباب القلوب كيف يستأثرونها على سائر الأذكار وما ذاك إلا لما رأوا فيها من الخواص التي لم يجدوها في غيرها.
٦٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ فِى يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُمْسِىَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن
стр. 4018
مالك) الإِمام الأعظم (عن سمي) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحية مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن المخزومي (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(من قال لا إله إلا الله) قيل التقدير لا إله لنا أو في الوجود قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: وهذا أنكره بعض المتكلمين على النحويين بأن نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة فإنها إذا نفيت مقيدة كان دالاًّ على سلب الماهية مع القيد وإذا نفيت غير مقيدة كان نفيًا للحقيقة وإذا انتفت الحقيقة انتفت مع كل قيد أما إذا نفيت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر اهـ.
وقال أبو حيان: لا إله مبني مع لا في موضع رفع على الابتداء وبني الاسم مع لا لتضمنه معنى من أو للتركيب الزجاج هو معرب منصوب بها وعلى البناء فالخبر مقدر قال أبو حيان: واعترض صاحب المنتخب على النحويين في تقديرهم الخبر في لا إله إلا الله وذكر ما ذكره الشيخ تقي الدين قال: وأجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في ري الظمآن فقال: هذا كلام من لا يعرف لسان العرب فإن إله في موضع المبتدأ على قول سيبويه وعند غيره اسم لا، وعلى التقديرين فلا بد من خبر للمبتدأ أو للا فما قاله من الاستغناء عن الإِضمار فاسد، وأما قوله إذا لم يضمر كان نفيًا للإلهية فليس بشيء لأن نفي الماهية هو نفي الوجود لأن الماهية لا تتصور عندنا إلا مع الوجود فلا فرق بين لا ماهية ولا وجود وهذا مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة فإنهم يثبتون الماهية عرية عن الوجود وهو فاسد، وقولهم في كلمة الشهادة إلا الله هو في موضع رفع بدلاً من لا إله ولا يكون خبرًا للا لأن لا لا تعمل في المعارف ولو قلنا إن الخبر للمبتدأ وليس للا فلا يصح أيضًا لما يلزم عليه من تنكير المبتدأ وتعريف الخبر.
قال صاحب المجيد السفاقسي: قد أجاز الشلوبين في تقييد له على المفصل أن الخبر للمبتدأ يكون معرفة وسوغ الابتداء بالنكرة النفي ثم أكد الحصر المستفاد من قوله لا إله إلا الله بقوله: (وحده لا شريك له) مع ما فيه من تكثير حسنات الذاكر فقوله وحده حال مؤكدة وتؤوّل بمنفرد لأن الحال لا تكون معرفة ولا شريك له حال ثانية مؤكدة لمعنى الأولى ولا نافية وشريك مبني مع لا على الفتح وخبر لا متعلق له (له الملك وله الحمد) بضم الميم (وهو على كل شيء قدير) جملة حالية أيضًا ومن منع تعدد الحال جعل لا شريك له حالاً من ضمير وحده المؤول بمنفرد وكذلك له الملك حال من ضمير المجرور في له وما بعد ذلك معطوفات (في يوم مائة مرة كانت له عدل) بفتح العين أي أن مثل ثواب إعتاق (عشر رقاب) بسكون الشين (وكتبت) بالتأنيث وللكشميهني كما في الفتح واليونينية وكتب (له) بالقول المذكور (مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزًا) بكسر الحاء أي حصنًا (من الشيطان يومه ذلك) بنصب يوم على الظرفية (حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء) وفي رواية عبد الله بن يوسف في باب صفة إبليس مما جاء به (إلا رجل عمل أكثر منه) الاستثناء منقطع أي لكن رجل عمل أكثر مما عمل فإنه يزيد عليه أو الاستثناء متصل بتأويل.
٦٤٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِى زَائِدَةَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: مَنْ قَالَ عَشْرًا كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِى زَائِدَةَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ مِثْلَهُ فَقُلْتُ لِلرَّبِيعِ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ فَقَالَ: مِنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ فَأَتَيْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ فَقَالَ: مِنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى، فَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِى لَيْلَى فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ فَقَالَ: مِنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ يُحَدِّثُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ: عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ قَوْلَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ: وَقَالَ آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ، سَمِعْتُ هِلَالَ بْنَ يَسَافٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَوْلَهُ. وَقَالَ الأَعْمَشُ: وَحُصَيْنٌ، عَنْ هِلَالٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَوْلَهُ وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِىُّ، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَالصَّحِيحُ قَوْلُ عَمْرٍو قَالَ الحَافِظُ أَبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ: صَوَابُهُ عُمَرَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ قُلْتُ: وَعَلَى الصَّوَابِ ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيُّ فِي الأَصْلِ كَمَا تَرَاهُ لَا عَمْرٌو.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عبد الملك بن عمرو) بفتح العين أبو عامر العقدي قال: (حدّثنا عمر بن أبي زائدة) بضم العين واسم أبي زائدة خالد أو ميسرة وهو أخو زكريا بن أبي زائدة الهمداني (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي التابعي الصغير
(عن عمرو بن ميمون) بفتح العين الأودي التابعي الكبير المخضرم أنه (قال: من قال عشرًا) أي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل). وعند مسلم كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل صفة رقبة أي حصل له من الثواب ما لو اشترى ولدًا من أولاد إسماعيل ﵊ وأعتقه وإنما خصه لأنه أشرف الناس (قال عمر بن أبي زائدة) بالسند السابق وعمر
стр. 4019
بضم العين، وسقط لأبي ذر ابن أبي زائدة حدثنا أبو إسحاق.
(وحدّثنا عبد الله بن أبي السفر) بفتح المهملة والفاء واسمه سعيد بن محمد الثوري الهمداني الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن ربيع بن خثيم) بضم الخاء وفتح المثلثة بعدها تحتية ساكنة فميم ولأبي ذر عن الربيع بن خثيم (مثله) أي مثل رواية أبي إسحاق (فقلت للربيع) بن خثيم (ممن سمعته فقال: من عمرو بن ميمون) الأودي (فأتيت عمرو بن ميمون فقلت: ممن سمعته؟ فقال: من ابن أبي ليلى) عبد الرَّحمن (فأتيت ابن أبي ليلى فقلت) له: (ممن سمعته؟ فقال: من أبي أيوب) خالد (الأنصاري) الخزرجي (يحدثه عن النبي ﷺ ¬) وحاصله أن عمر بن أبي زائدة أسنده عن شيخين أحدهما أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون موقوفًا والثاني عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي عن الربيع بن خثيم عن عمرو بن ميمون عن ابن أبي ليلى عن أبي أيوب مرفوعًا.
(وقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه) يوسف بن إسحاق (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو السبيعي أنه قال: (حدثني) بالإفراد (عمرو بن ميمون) الأودي (عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب) الأنصاري (قوله عن النبي ﷺ ¬) سقط عن النبي الخ لأبي ذر، وأفادت هذه الرواية التصريح بتحديث عمرو لأبي إسحاق وأفادت أيضًا زيادة ذكر عبد الرَّحمن بن أبي ليلى وأبي أيوب في السند.
(وقال موسى) بن إسماعيل المنقري التبوذكي شيخ المؤلّف مما وصله أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد (عن داود) بن أبي هند دينار القشيري البصري (عن عامر) الشعبي (عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب) خالد الأنصاري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) ولفظ رواية ابن أبي خيثمة كان له من الأجر مثل من أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل.
(وقال إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي البجلي (عن الشعبي) عامر (عن الربيع) بن خثيم (وقوله) أي موقوف قال في الفتح: واقتصار البخاري على هذا القدر يوهم أنه خالف داود في وصله وليس كذلك، وإنما أراد أنه جاء في هذه الطريق عن الربيع من قوله ثم لما سئل عنه وصله قال: وقد وقع لنا ذلك واضحًا في زيادات الزهد لابن المبارك رواية الحسين بن الحسن المروزي قال الحسين: حدّثنا المعتمر بن سليمان سمعت إسماعيل بن أبي خالد يحدث عن عامر الشعبي
سمعت الربيع بن خثيم يقول من قال: لا إله إلا الله فذكره بلفظ فهو عدل أربع رقاب فقلت: عمن ترويه فقال: عن عمرو بن ميمون فلقيت عمرًا فقلت: عمن ترويه فقال: عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى فلقيت عبد الرَّحمن فقلت: عمن ترويه فقال: عن أبي أيوب عن النبي ﷺ .
(وقال آدم) بن أبي إياس شيخ المؤلّف وعند الدارقطني حدّثنا آدم بدل قوله وقال آدم (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا عبد الملك بن ميسرة) الهلالي الكوفي الزراد (سمعت هلال بن يساف) بفتح التحتية والمهملة مخففة وبعد الألف فاء الأشجعي (عن الربيع بن خثيم وعمرو بن ميمون) كلاهما (عن ابن مسعود) عبد الله ﵁ (قوله) أي من قوله موقوفًا عليه، وعند النسائي من رواية محمد بن جعفر عن شعبة بسنده السابق هنا عن ابن مسعود قال: لأن أقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحديث وفيه أحب إليّ من أن أعتق أربع رقاب وزاد من طريق منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن الربيع وحده عن عبد الله بن مسعود بيده الخير وقال: في آخره كان له عدل أربع رقاب من ولد إسماعيل.
(وقال الأعمش) سليمان بن مهران مما وصله النسائي من طريق وكيع عنه (وحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرَّحمن السلمي الكوفي مما وصله محمد بن الفضل في كتاب الدعاء له كلاهما (عن هلال) هو ابن يساف (عن الربيع) بن خثيم (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (قوله) أي من قوله ولفظ الأوّل عند النسائي عن عبد الله بن مسعود
стр. 4020
قال: من قال لا إله إلا الله وفيه كان له عدل أربع رقاب من ولد إسماعيل، ولفظ ابن الفضل قال عبد الله: من قال: أوّل النهار لا إله إلا الله وفيه كنّ له كعدل أربع رقاب محررين من ولد إسماعيل وقد وقع قوله قال عمر بن أبي زائدة وحدّثنا عبد الله بن أبي السفر عقب رواية أبي إسحاق عند غير أبي ذر في جميع الروايات عن الفربري وكذا في رواية إبراهيم بن أبي معقل النسقي عن البخاري وهو الصواب، وأما في رواية أبي ذر فتأخرت بعد رواية الأعمش وحصين فصار ذلك مشكلاً لا يظهر منه وجه الصواب كما قاله في الفتح.
(ورواه) أي الحديث المذكور (أبو محمد الحضرمي) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة ولا يعرف اسمه وكان خادمًا لأبي أيوب، وقال المزي: اسمه أفلح مولى أبي أيوب وقال الدارقطني لا يعرف إلا في هذا الحديث وليس له في الصحيح غيره، وقد وصله أحمد والطبراني من طريق سعيد بن أبي إياس الجريري عن أبي الورد ثمامة بن حزن القشيري عن أبي محمد الحضرمي (عن أبي أيوب) الأنصاري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) وقال فيه: (كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل) وهذا أعني كان كمن الخ ثابت في رواية أبي ذر كما في الفرع وأصله ولفظ رواية الإِمام أحمد والطبراني.
قال أبو أيوب: لما قدم النبي ﷺ المدينة نزل عليّ فقال: "يا أبا أيوب ألا أعلمك"؟ قلت:
بلى يا رسول الله. قال: "ما من عبد يقول إذا أصبح لا إله إلا الله" فذكره "إلا كتب الله له بها عشر حسنات ومحا عنه بها عشر سيئات وإلاّ كن له عند الله عدل عشر رقاب محررين وإلاّ كان في جنة من الشيطان حتى يمسي ولا قالها حين يمسي إلا كان كذلك" قال: فقلت لأبي محمد أنت سمعتها من أبي أيوب؟ قال: الله لسمعته من أبي أيوب.
ورواه الإمام أحمد أيضًا من طريق عبد الله بن يعيش عن أبي أيوب رفعه: "من قال إذا صلّى الصبح لا إله إلا الله" فذكره بلفظ "عشر مرات كن له كعدل أربع رقاب وكتب له بهن عشر حسنات ومحي عنه بهن عشر سيئات ورفع له بهن عشر درجات وكن له حرزًا من الشيطان حتى يمسي وإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك". وسنده حسن قال الحافظ ابن حجر: واختلاف الروايات في عدد الرقاب مع اتحاد المخرج يقتضي الترجيح بينها فالأكثر على ذكر أربعة ويجمع بينه وبين حديث أبي هريرة بذكر عشرة كقولها مائة فيكون مقابل كل عشر مرات رقبة من قبل المضاعفة فيكون لكل مرة بالمضاعفة رقبة وهي مع ذلك لمطلق الرقاب ومع وصف كون الرقبة من ولد إسماعيل يكون مقابل العشرة من غيرهم أربعة منهم لأنهم أشرف من غيرهم من العرب فضلاً عن العجم، وأما ذكر رقبة بالإفراد في حديث أبي أيوب فشاذ والمحفوظ أربعة كما مرّ.
(قال أبو عبد الله) البخاري: (والصحيح قول عمرو) بفتح العين (قال الحافظ أبو ذر الهروي: صوابه عمر) بضم العين (وهو ابن أبي زائدة) وفي اليونينية عقب قول أبي ذر قلت وعلى الصواب ذكره أبو عبد الله البخاري في الأصل أي لما قال قال عمر بن أبي زائدة وحدّثنا عبد الله بن أبي السفر (كما تراه) في محله المذكور (لا عمرو) بفتح العين. قال في فتح الباري: وعند أبي زيد المروزي في روايته الصحيح قول عبد الملك بن عمرو، وقال الدارقطني: الحديث حديث ابن أبي السفر عن الشعبي وهو الذي ضبط الإسناد، ومراد البخاري ترجيح رواية عمر بن أبي زائدة عن أبي إسحاق على رواية غيره عنه، وقوله قال أبو عبد الله الخ ثبت لأبي ذر عن المستملي وهو في الفرع كأصله على هامشه مخرج له في الفرع بعد قوله، وقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه الخ قبل قوله، وقال موسى: حدّثنا وهيب ولم يخرج له في اليونينية.
٦٥ - باب فَضْلِ التَّسْبِيحِ
(باب فضل التسبيح) يعني قول سبحان الله وهو اسم مصدر وهو التسبيح وقيل بل سبحان مصدر لأنه سمع له فعل ثلاثي وهو من الأسماء اللازمة للإضافة وقد يفرد، وإذا أفرد منع الصرف للتعريف وزيادة الألف والنون كقوله:
стр. 4021
أقول لما جاءني فخره … سبحان من علقمة الفاخر
وجاء منونًا كقوله:
سبحانه ثم سبحانا يعود له … وقبلنا سبح الجودي والجمد
فقيل صرف ضرورة وقيل هو بمنزله قبل وبعد أن نوى تعريفه بقي على حاله وإن نكر أعرب منصرفًا.
وهذا البيت يساعد على كونه مصدرًا لا اسم مصدر لوروده منصرفًا، ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا نكرة لا معرفة وهو من الأسماء اللازمة النصب على المصدرية فلا يتصرف والناصب له فعل مقدّر لا يجوز إظهاره، وعن الكسائي أنه منادى تقديره يا سبحانك ومنعه جمهور النحويين وهو مضاف إلى المفعول أي سبحت الله ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل أي نزه الله نفسه والأول هو المشهور ومعناه تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص.
٦٤٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِى يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن سميّ) مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن المخزومي (عن أبي صالح) ذكوان (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(من قال: سبحان الله وبحمده) الواو للحال أي سبحان الله متلبسًا بحمدي له من أجل توفيقه لي للتسبيح (في يوم مائة مرة) متفرقة بعضها أول النهار وبعضها آخره أو متوالية وهو أفضل خصوصًا في أوله (حطت عنه خطاياه) التي بينه وبين الله (وإن كانت مثل زبد البحر). وهذا وأمثاله نحو ما طلعت عليه الشمس كنايات عبّر بها عن الكثرة، وقد يشعر هذا بأن التسبيح أفضل من التهليل من حيث إن عدد زبد البحر أضعاف أضعاف المائة المذكورة في مقابلة التهليل.
وأجيب: بأن ما جعل في مقابلة التهليل من عتق الرقاب يزيد على فضل التسبيح وتكفير الخطايا إذ ورد أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار فحصل بهذا العتق تكفير جميع الخطايا عمومًا بعدما ذكره خصوصًا مع زيادة مائة درجة، ويؤيده حديث: أفضل الذكر التهليل وأنه أفضل ما قاله هو والنبيون من قبله، ولأن التهليل صريح في التوحيد والتسبيح متضمن له ومنطوق سبحان الله تنزيه ومفهومه توحيد ومنطوق لا إله إلا الله توحيد ومفهومه تنزيه، فيكون أفضل من التسبيح لأن التوحيد أصل والتنزيه ينشأ عنه.
والحديث أخرجه الترمذي في الدعوات والنسائي في اليوم والليلة، وابن ماجة في ثواب التسبيح.
٦٤٠٦ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِى الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ،
سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ».
[الحديث ٦٤٠٦ - طرفاه في: ٦٦٨٢، ٧٥٦٣].
وبه قال: (حدّثنا زهير بن حرب) أبو خيثمة النسائي بالنون والمهملة الحافظ نزيل بغداد قال: (حدّثنا ابن فضيل) تصغير فضل محمد الضبي (عن عمارة) بضم المهملة وتخفيف الميم ابن القعقاع (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير البجلي الكوفي (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(كلمتان خفيفتان) أي كلامان من إطلاق الكلمة على الكلام والخفة مستعارة من السهولة (على اللسان ثقيلتان) حقيقة (في الميزان) لأن الأعمال تجسم أو الموزون صحائفها لحديث البطاقة المشهور (حبيبتان) أي محبوبتان (إلى الرحمن) أي يحب قائلهما فيجزل له من مكارمه ما يليق بفضله وخص لفظ الرحمن إشارة إلى بيان سعة رحمته حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل (يسبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده) كذا هنا بتقديم سبحان الله العظيم على سبحان الله وبحمده وكرر التسبيح طلبًا للتأكيد واعتناء بشأنه.
ومباحث هذا الحديث من الإِعراب والبديع والمعاني وغير ذلك من اللطائف والأسرار الشريفة تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وتوفيقه في آخر الكتاب.
والحديث أخرجه أيضًا في الأيمان والنذور وآخر الكتاب ومسلم في الدعوات والترمذي فيه
أيضًا والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجة في ثواب التسبيح.
٦٦ - باب فَضْلِ ذِكْرِ اللَّهِ
(باب فضل ذكر الله باللسان بالأذكار المرغب فيها شرعًا والإكثار منها كالباقيات الصالحات والحوقلة والحسبلة والبسملة والاستغفار وقراءة القرآن، بل هي أفضل والحديث ومدارسة
стр. 4022
العلم ومناظرة العلماء، وهل يشترط استحضار الذاكر لمعنى الذكر أم لا؟ المنقول أنه يؤجر على الذكر باللسان وإن لم يستحضر معناه نعم يشترط أن لا يقصد به غير معناه والأكمل أن يتفق الذكر بالقلب واللسان وأكمل منه استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم المذكور ونفي النقائص عنه تعالى، وقسم بعض العارفين الذكر إلى أقسام سبعة: ذكر العينين بالبكاء، والأذنين بالإصغاء، واللسان بالثناء، واليدين بالعطاء، والبدن بالوفاء، والقلب بالخوف والرجاء، والروح بالتسليم والرضا ذكره في الفتح.
٦٤٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَثَلُ الَّذِى يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِى لَا يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَىِّ وَالْمَيِّتِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني الحافظ قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء (عن) جده (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر) زاد أبو ذر بعد هذه ربه (مثل الحي والميت) بفتح الميم والمثلثة في مثل في الموضعين شبه الذاكر بالحي الذي يزين ظاهره بنور الحياة وإشراقها فيه وبالتصرف التام فيما يريده وباطنه بنور العلم والفهم والإدراك كذلك الذاكر مزين ظاهره بنور العلم والطاعة وباطنه بنور العلم والمعرفة فقلبه مستقر في حظيرة القدس وسره في مخدع الوصل وغير الذاكر عاطل ظاهره وباطل باطنه قاله في شرح المشكاة.
والحديث رواه مسلم عن أبي كريب وهو محمد بن العلاء شيخ البخاري فيه بسنده المذكور بلفظ مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت، وكذا أخرجه الإسماعيلي وابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى عن أبي كريب، فلعل البخاري رواه بالمعنى فإن الذي يوصف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا المسكن فهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال.
٦٤٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِى الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِى؟ قَالُوا: يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِى؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ، مَا رَأَوْكَ قَالَ: فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِى؟ قَالَ: يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قَالَ: يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِى؟ قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ: يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ مِنَ النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْهَا قَالَ: يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّى قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ». رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَرَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط ابن سعيد لأبي ذر قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان (عن أبي صالح) ذكوان (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إن لله ملائكة) زاد الإِسماعيلي وابن حبان ومسلم فضلاً بسكون الضاد وضم الفاء جمع فاضل كنزل ونازل، وقيل بفتح الفاء وسكون الضاد أي زيادة على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق لا وظيفة لهم إلا حلق الذكر، وقيل في ضبطها غير ذلك، وهذه اللفظة ليست في صحيح البخاري هنا في جميع الروايات ولمسلم سيارة فضلاً (يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر) ولمسلم من رواية سهيل يبتغون مجالس الذكر (فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله) (تنادوا هلموا) أي تعالوا (إلى حاجتكم قال: فيحفونهم) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة يطوفون ويدورون حولهم (بأجنحتهم إلى السماء الدنيا) قال المظهري: الباء للتعدية يعني يديرون أجنحتهم حول الذاكرين، وقال الطيبي: الظاهر أنها للاستعانة كما في قولك: كتبت بالقلم لأن حفهم الذي ينتهي إلى السماء إنما يستقيم بواسطة الأجنحة، ولأبي ذر عن الكشميهني: إلى سماء الدنيا (قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم) أي أعلم من الملائكة بحال الذاكرين، ولأبي ذر عن الكشميهني أعلم بهم أي بالذاكرين والجملة حالية. قال في شرح المشكاة: والأحسن أن تكون معترضة أو تتميمًا صيانة عن التوهم وفائدة السؤال مع العلم بالمسؤول التعريض بالملائكة وبقولهم في بني آدم أتجعل فيها من يفسد فيها الخ (ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون) ولأبي ذر قال: تقول أي الملائكة (يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك) يقولون سبحان الله والله أكبر والحمد لله (ويمجدونك) بالجيم وزاد في رواية سهيل ويهللونك وفي حديث البزار عن أنس يعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك (قال: فيقول) (هل رأوني؟ قال: فيقولون لا والله ما رأوك. قال فيقول) تعالى (كيف)؟ ولغير أبي ذر وكيف
стр. 4023
(لو رأوني قال: يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدًا) وزاد أبو ذر عن الكشميهني وتحميدًا (وأكثر لك تسبيحًا) وزاد الإسماعيلي وأشد لك ذكرًا (قال: يقول فما يسألوني)؟ ولأبي ذر فيقول فما يسألونني بزيادة الفاء والنون (قال: يسألونك الجنة. قال: يقول) تعالى (وهل رأوها؟ قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها. قال: يقول) ولأبي ذر فيقول (فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا وأشد لها طلبًا وأعظم فيها رغبة قال) تعالى (فممّ يتعوذّون؟ قال يقولون من النار قال يقول) تعالى (وهل رأوها؟ قال: يقولون لا والله ما) ولأبي ذر لا والله يا رب ما (رأوها. قال: يقول) تعالى (فكيف لو رأوها؟ قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا وأشد لها مخافة) وهذا كله فيه تقريع للملائكة وتنبيه على أن تسبيح بني آدم وتقديسهم أعلى وأشرف من تقديسهم لحصول هذا في عالم الغيب مع وجود الموانع والصوارف وحصول ذلك للملائكة في عالم الشهادة من غير صارف (قال فيقول) تعالى (فأشهدكم أني قد غفرت لهم) زاد في رواية سهيل وأعطيتهم ما سألوا (قال: يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما
جاء لحاجة) وفي رواية سهيل قال: يقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم وزاد قال وله قد غفرت.
قال في شرح المشكاة قوله، إنما مرّ مشكل لأن إنما توجب حصر ما بعدها في آخر الكلام كما تقول إنما يجيء زيد أو إنما زيد يجيء ولم يصرح هنا غير كلمة واحدة، وكذلك قوله وله قد غفرت يقتضي تقديم الظرف على عامله اختصاص الغفران بالمارّ دون غيره وليس كذلك. وأجاب: بأن في التركيب الأول تقديمًا وتأخيرًا أي إنما فلان مر أي ما فعل فلان إلا المرور والجلوس عقبه يعني ما ذكر الله تعالى، ثم قال فإن قلت: لم لم يجعل الضمير في مر بارزًا ليكون الحصر فيه؟ وأجاب: بأنه لو أريد هذا لوجب الإبراز، ولئن سلم لأدى إلى خلاف المقصود وأن المرور منحصر في فلان لا يتعدى إلى غيره وهو خلف، وفي التركيب الثاني الواو للعطف وهو يقتضي معطوفًا عليه أي قد غفرت لهم وله ثم أتبع غفرت تأكيدًا وتقريرًا.
(قال) تعالى (هم المجلساء لا يشقى بهم جليسهم). وسقط لفظ بهم لأبي ذر يعني أن مجالستهم مؤثرة في الجليس ولمسلم هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وتعريف الخبر يدل على الكمال أي هم القوم كل القوم الكاملون فيما هم فيه من السعادة فيكون قوله لا يشقى بهم جليسهم استئنافًا لبيان الموجب، وفي هذه العبارة مبالغة في نفي الشقاء عن جليس الذاكرين، فلو قيل يسعد بهم جليسهم لكان ذلك في غاية الفضل لكن التصريح بنفي الشقاء أبلغ في حصول المقصود رواه أي الحديث المذكور (شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران بسنده المذكور (ولم يرفعه) إلى النبي ﷺ هكذا وصله أحمد (ورواه سهيل) بضم السين وفتح الهاء (عن أبيه) أبي صالح السمان (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) وصله مسلم وأحمد.
٦٧ - باب قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ
(باب) فضل (قول لا حول ولا قوّة إلا بالله) في إعرابه ونحوه مما تكررت فيه لا النافية للجنس مع اسمها الوجوه الخمسة المقررة في كتب العربية فتح الأول، وفي الثاني وهو اسم لا الثانية ثلاثة أوجه: الفتح بناء والنصب والرفع إعرابًا فالفتح على أنه ركب مع لا كالأول والرفع على إهمال لا الثانية أو إعمالها عمل ليس والنصب على العطف على على اسم لا الأولى، وإهمال الثانية ورفع الأول فيمتنع النصب في الثاني ويجوز فيه الفتح بناء بإعمال لا الثانية أو الرفع بإهمالها أو إعمالها عمل ليس فهي خمسة فتح الأول والثاني معًا ورفعهما معًا وفتح الأول ورفع الثاني وعكسه وفتح الأول ونصب الثاني.
٦٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِىُّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ: أَخَذَ النَّبِىُّ ﷺ فِى عَقَبَةٍ أَوْ قَالَ: فِى ثَنِيَّةٍ قَالَ: فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا رَجُلٌ نَادَى فَرَفَعَ صَوْتَهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ قَالَ:
«فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا» ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا مُوسَى أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ»؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا سليمان) بن طرخان (التيمي) البصري (عن أبي عثمان) عبد الرَّحمن بن ملّ النهدي (عن أبي موسى الأشعري) ﵁ أنه (قال: أخذ النبي
стр. 4024
ﷺ ¬) يمشي (في عقبة أو قال: في ثنية) أي عقبة والشك من الراوي في أي اللفظين قال: وسقط لفظ في لأبي ذر (قال) أبو موسى: (فلما علا عليها) على العقبة أو الثنية (رجل نادى فرفع صوته لا إله إلا الله والله أكبر قال) أبو موسى: (ورسول الله ﷺ على بغلته) قال:
(فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا) في إعرابه الوجوه الخمسة في نحو لا حول ولا قوة وزاد في أخرى فإنكم تدعون سميعًا بصيرًا وهو معكم والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته (ثم قال: يا أبا موسى أو) قال: (يا عبد الله) هو اسم أبي موسى (ألا) بالتخفيف (أدلك على كلمة من كنز الجنة)؟ أي كالكنز في كونها ذخيرة نفيسة يتوقع الانتفاع منها قال أبو موسى: (قلت: بلى) يا رسول الله (قال: لا حول ولا قوة إلا بالله).
والحديث سبق في باب الدعاء إذا علا عقبة ويأتي إن شاء الله تعالى بقوة الله ومعونته في كتاب القدر.
٦٨ - باب لِلَّهِ مِائَةُ اسْمٍ غَيْرَ وَاحِدٍ
هذا (باب) بالتنوين (لله مائة اسم غير واحد) بالتذكير ولأبي ذر واحدة بالتأنيث باعتبار معنى التسمية.
٦٤١٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلاَّ وَاحِدًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهْوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظناه) أي الحديث (من أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان وفي رواية الحميدي في مسنده عن سفيان حدّثنا أبو الزناد (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) حال كونه (رواية) أي عن النبي ﷺ ، وعنه الحميدى قال رسول الله ﷺ . وكذا لمسلم عن عمرو الناقد عن سفيان، وللمؤلّف في التوحيد من رواية شعيب عن أبي الزناد بسنده أن رسول الله ﷺ (قال):
(لله) (تسعة وتسعون اسمًا) بالنصب على التمييز وتسعة مبتدأ قدم خبره (مائة) رفع على البدل (إلا واحدًا) بالتذكير، ولأبي ذر إلا واحدة بالتأنيث. قال ابن بطال: ولا يجوز في
العربية، ووجهها ابن مالك باعتبار معنى التسمية أو الصفة أو الكلمة، والحكمة في الإتيان بهذه الجملة بعد السابقة أن يتقرر ذلك في نفس السامع جمعًا بين جهتي الإجمال والتفصيل ودفعًا للتصحيف خطأ لاشتباه تسعة وتسعين بسبعة وسبعين. وقال في فتوح الغيب: قوله مائة إلا واحدًا تأكيد وفذلكة لئلا يزاد على ما ورد كقوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦] (لا يحفظها) لا يقرؤها (أحد) عن ظهر قلبه والحفظ يستلزم التكرار أي تكرار مجموعها وفي الشروط من أحصاها أي ضبطها أو علمها أو قام بحقها وعمل بمقتضاها بأن يعتبر معانيها فيطالب نفسه بما تضمنته من صفات الربوبية وأحكام العبودية فيتخلق بها (إلا دخل الجنة) ذكر الجزاء بلفظ الماضي تحقيقًا لوقوعه وتنبيهًا على أنه وإن لم يقع فهو في حكم الواقع لأنه كائن لا محالة (وهو) تعالى (وتر) بفتح الواو وكسرها أي فرد ومعناه في حق الله تعالى أنه الواحد الذي لا نظير له في ذاته (يحب الوتر) من كل شيء أو كل وتر شرعه وأثاب عليه. وقال التوربشتي: أي يثيب على العمل الذي أتى به وترًا ويقبله من عامله لما فيه من التنبيه على معاني الفردانية قلبًا ولسانًا وإيمانًا وإخلاصًا ثم إنه أدعى إلى معاني التوحيد.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الدعوات أيضًا وكذا الترمذي لكن من حديث ابن عمر وسردها ثم قال: هذا حديث غريب حدّثنا به غير واحد عن صفوان ولا نعرفه إلا من حديث صفوان وهو ثقة، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ولا يعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذه الطريق، وقد روي بإسناد آخر عن أبي هريرة فيه ذكر الأسماء وليس له إسناد صحيح اهـ.
ولم ينفرد به صفوان فأخرجه البيهقي في طريق موسى بن أيوب النصيبي وهو ثقة عن الوليد أيضًا وسرد الترمذي للأسماء معروف محفوظ، وقد أخرج الحديث الطبراني عن أبي زرعة الدمشقي عن صفوان بن صالح فخالف في عدة أسماء فقال: القائم الدائم بدل القابض الباسط والشديد بدل الرشيد والأعلى المحيط مالك يوم الدين بدل الودود المجيد الحكيم، وعند ابن حبان عن الحسن بن سفيان عن صفوان الرافع بدل المانع، وعند ابن خزيمة
стр. 4025
في رواية صفوان أيضًا الحاكم بدل الحكم والقريب بدل الرقيب والمولى بدل الوال والأحد بدل المغني. وعند البيهقي وابن منده من طريق موسى بن أيوب عن الوليد المغيث بالمعجمة والمثلثة بدل المقيت بالقاف والمثناة، ووقع بين رواية زهير عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة عند أبي الشيخ وابن ماجة وابن أبي عاصم والحاكم وبين رواية صفوان عن الوليد مخالفة في ثلاثة وعشرين اسمًا. فليس في رواية زهير الفتاح القهار الحكم العدل الحسيب الجليل المحصي المقتدر المقدم المؤخر البر المنتقم الغني النافع الصبور البديع الغفار الحفيظ الكبير الواسع الأحد مالك الملك ذو الجلال والإكرام، وذكر بدلها الرب الفرد الكافي القاهر المبين بالموحدة الصادق الجميل البادئ بالدال القديم البارّ بتشديد الراء الوفي البرهان الشديد الواقي بالقاف القدير الحافظ العادل العلي العالم الأحد الأبد الوتر ذو القوّة.
ولم يقع في شيء من طرف الحديث سرد الأسماء إلا في رواية الوليد بن مسلم عند الترمذي، وفي رواية زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجة والطريقان يرجعان إلى رواية الأعرج وفيها اختلاف شديد في سرد الأسماء والزيادة والنقص.
ووقع سرد الأسماء أيضًا في طريق ثالثة عند الحاكم في مستدركه وجعفر الفريابي في الذكر من طريق عبد العزيز بن الحصين عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة فذهب إلى الأخير جماعة مستدلين بخلو أكثر الروايات عنه مع الاختلاف والاضطراب. قال البيهقي: ويحتمل أن يكون التعيين وقع من بعض الرواة في الطريقين معًا ولذا وقع الاختلاف الشديد بينهما، ولذا ترك الشيخان تخريج التعيين. وقال الترمذي بعد أن أخرجه من طريق الوليد: هذا حديث غريب حدّثنا به غير واحد عن صفوان ولا نعرفه إلا من حديث صفوان وهو ثقة. وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذه الطريق، وقد روي بإسناد آخر عن أبي هريرة فيه ذكر الأسماء وليس له سند صحيح. وقال الداودي: ولم يثبت أن النبي ﷺ عين الأسماء المذكورة وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في التسعة والتسعين، ففي حديث ابن مسعود عند أحمد وصححه ابن حبان أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به علم الغيب عندك. قال القرطبي: ويدل على عدم الحصر أن أكثرها صفات وصفات الله لا تتناهى وهل الاقتصار على العدد المذكور معقول أو تعبد لا يعقل معناه، وقيل إن أسماءه تعالى مائة استأثر الله تعالى بواحد منها وهو الاسم الأعظم فلم يطلع عليه أحدًا فكأنه قيل مائة لكن واحد منها عند الله وجزم السهيلي بأنها مائة على عدد درج الجنة، والذي يكمل المائة الله. واستدلّ بهذا الحديث على أن الاسم عين المسمى أو غيره وهي مسألة مشهورة سبق القول فيها أول هذا المجموع ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في محله بعون الله.
واختلف هل الأسماء الحسنى توقيفية بمعنى أنه لا يجوز لأحد أن يشتق من الأفعال الثابتة لله اسمًا إلا إذا ورد نص به في الكتاب والسنة؟ فقال الإمام فخر الدين: المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية. وقال القاضي أبو بكر والغزالي الأسماء توقيفية دون الصفات قال: وهذا هو المختار، وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في كتاب مفاتيح الحج ومصابيح النهج: أسماء الله تعالى تؤخذ توقيفًا ويراعى فيها الكتاب والسُّنّة والإجماع فكل اسم ورد في هذه الأصول وجب إطلاقه في وصفه تعالى وما لم يرد فيها لا يجوز إطلاقه في وصفه وإن يصح معناه، وقال الزجاج: لا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يصف به نفسه فيقول يا رحيم لا يا رفيق ويقول يا قوي لا يا جليد، وقال الإمام، قال أصحابنا: كل ما صح معناه جاز إطلاقه عليه فإنه الخالق للأشياء كلها، ولا يجوز أن يقال يا خالق الذئب والقردة
стр. 4026
وورد وعلم آدم الأسماء كلها وعلمك ما لم تكن تعلم ولا يجوز يا معلم قال: ولا يجوز عندي يا محب وقد ورد: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤].
فإن قلت: ما ورد في شرح السنة عن أبي أمية قال: إنه رأى الذي بظهر رسول الله ﷺ فقال: دعني أعالجه فإني طبيب فقال: أنت رفيق والله هو الطبيب هل هو إذن منه ﷺ في تسمية الله تعالى بالطبيب؟ فالجواب: لا لوقوعه مقابلاً لقوله: فإني طبيب مشاكلة وطباقًا للجواب على السؤال كقوله تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة: ١١٦] وهل يجوز تفضيل بعض أسماء الله تعالى على بعض، فمنع من ذلك أبو جعفر الطبري وأبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني لما يؤدي ذلك إلى اعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل وحملوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم العظيم وأن أسماء الله تعالى عظيمة. وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة المراد بها مزيد ثواب الداعي بها، وقيل الأعظم كل اسم دعا العبد ربه به مستغرقًا بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله فإنه يستجاب له، وقيل الاسم الأعظم ما استأثر الله به وأثبته آخرون معينًا، واختلفوا فيه فقيل: هو لفظة هو نقله الفخر الرازي عن بعض أهل الكشف، وقيل: الله، وقيل الله الرحمن الرحيم، وقيل الرحمن الرحيم الحي القيوم، وقيل الحي القيوم، وقيل الحنان المنان بديع السماوات، والأرض ذو الجلال والإكرام رآه رجل مكتوبًا في الكواكب في السماء، وقيل ذو الجلال والإكرام، وقيل الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًّا أحد، وقيل رب رب، وقيل دعوة ذي النون لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقيل هو الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم. نقله الفخر الرازي عن زين العابدين أنه سأل الله أن يعلمه الاسم الأعظم فعلمه في النوم، وقيل هو مخفي في الأسماء الحسنى، وقيل وهو الرابع عشر كلمة التوحيد نقله القاضي عياض اهـ. ملخصًا من الفتح وبالله التوفيق.
٦٩ - باب الْمَوْعِظَةِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ
(باب الموعظة ساعة بعد ساعة) خوف السآمة.
٦٤١١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِى شَقِيقٌ، قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّهِ إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقُلْنَا: أَلَا تَجْلِسُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ وَإِلاَّ جِئْتُ أَنَا فَجَلَسْتُ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِهِ فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا إِنِّى أَخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِى مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِى الأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدثني) بالإفراد (شقيق) أبو وائل بن سلمة (قال: كنا ننتظر عبد الله) يعني ابن مسعود ﵁ (إذ جاء يزيد بن معاوية) العبسي الكوفي التابعي وليس له في الصحيحين ذكر إلا في هذا الموضع (فقلنا) له: (ألا) بالتخفيف (تجلس) يا يزيد (قال: لا ولكن أدخل) منزل ابن مسعود (فأخرج إليكم صاحبكم) عبد الله بن مسعود (وإلاّ) أي وإن لم
أخرجه (جئت أنا فجلست) معكم، وفي مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق فقلنا أعلمه بمكاننا فدخل عليه (فخرج عبد الله) بن مسعود (وهو آخذ بيده) بيد يزيد (فقام علينا فقال): جوابًا لقولهم وددنا أنك لو ذكرتنا كل يوم كما مرّ في العلم (أما) بالتخفيف (إني أخبر) بفتح الهمزة والموحدة (بمكانكم ولكنه يمنعني من الخروج إليكم) للموعظة (أن رسول الله ﷺ كان يتخوّلنا) بالخاء المعجمة يتعهدنا (بالموعظة في الأيام) يعني يذكرنا أيامًا ويتركنا أيامًا (كراهية السآمة علينا) أي أن تقع منا السآمة رفقًا منه ﷺ بنا وحسنًا في التوصل إلى تعليمنا لنأخذ عنه بنشاط فإن التعليم بالتدريج أدعى إلى الثبات وضمن السآمة معنى المشقّة فعداها بعلى والله الموفق.
هذا آخر كتاب الدعاء فرغ منه موّلفه أحمد القسطلاني بعد صلاة العشاء في الليلة المفسر صباحها عن يوم الأربعاء الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وتسعمائة أعانه الله على إتمامه ونفع به والحمد لله وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨١ - كتاب الرقاق
بكسر الراء وبالقافين بينهما ألف جمع رقيق وهو الذي فيه رقة وهي الرحمة ضدّ الغلظة قال
стр. 4027
في الكواكب: أي كتاب الكلمات المرققة للقلوب، ويقال للكثير الحياء رق وجهه أي استحيا. وقال الراغب: متى كانت الرقة في جسم فضدها الصفاقة كثوب صفيق وثوب رقيق، ومتى كانت في نفس فضدها القسوة كرقيق القلب وقاسيه، وعبّر جماعة منهم النسائي في سننه الكبرى بقولهم: كتاب الرقائق وكذا في نسخة معتمدة من رواية النسفيّ عن البخاري والمعنى واحد، وسميت أحاديث الباب بذلك لأن فيها من الوعظ والتنبيه ما يجعل القلب رقيقًا ويحدث فيه الرقة.
١ - باب مَا جَاءَ فِى الرِّقَاقِ وَأَنْ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَةِ
(الصحة والفراغ ولا عيش إلا عيش الآخرة) كذا لأبي ذر عن الحموي وسقط عنده عن الكشميهني والمستملي الصحة والفراغ، ولأبي الوقت كما في الفتح: باب لا عيش إلا عيش الآخرة ولكريمة عن الكشميهني (ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة) وزاد في الفرع كأصله باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة وفيهما أيضًا باب لا عيش إلا عيش الآخرة.
(بسم الله الرحمن الرحيم) وفي الفتح كاليونينية تقديم البسملة على الكتاب.
٦٤١٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ». قَالَ عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) التميمي البلخي كذا للأكثر بالألف في أوله وهو اسم
بلفظ النسب وهو من الطبقة العليا من شيوخ البخاري قال: (أخبرنا عبد الله بن سعيد) بكسر العين (هو) أي سعيد (بن أبي هند) الفزاري مولى سمرة بن جندب (عن أبيه) سعيد بن أبي هند (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(نعمتان) تثنية نعمة وهي الحالة الحسنة وقال الإمام فخر الدين المنفعة المفعولة على جهة الإِحسان إلى الغير وزاد الدارمي من نعم الله (مغبون فيهما) أي في النعمتين (كثير من الناس) رفع بالابتداء وخبره مغبون مقدمًا والجملة خبر نعمتان وهما (الصحة) في البدن (والفراغ) من الشواغل بالمعاش المانع له عن العبادة والغبن بفتح الغين المعجمة وسكون الموحدة النقص في البيع وبتحريكها في الرأي أي ضعف الرأي قال في الكواكب: فكأنه قال هذان الأمران إذا لم يستعملا فيما ينبغي فقد غبن صاحبهما فيهما أي باعهما ببخس لا تحمد عاقبته أو ليس له رأي في ذلك البتة فقد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا للعبادة لاشتغاله بالمعاش وبالعكس، فإذا اجتمع الصحة والفراغ وقصر في نيل الفضائل فذلك الغبن كل الغبن لأن الدنيا سوق الأرباح ومزرعة للآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة مولاه فهو المغبوط ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون لأن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم ولو لم يكن إلا الهرم.
والحديث أخرجه الترمذي في الزهد، والنسائي في الرقائق، وابن ماجة في الرقائق.
(قال عباس) بالموحدة المشددة آخره مهملة ابن عبد العظيم (العنبري) البصري الحافظ أحد شيوخ البخاري (حدّثنا صفوان بن عيسى) الزهري (عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند) ولأبي ذر هو ابن أبي هند (عن أبيه) سعيد السابق أنه (قال: سمعت ابن عباس عن النبي ﷺ مثله) أي مثل الحديث السابق.
ورواه ابن ماجة عن العباس العنبري.
٦٤١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَهْ … فَأَصْلِحِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ»
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة المفتوحتين بندار قال: (حدّثنا غندر) ولأبي ذر محمد بن جعفر بدل قوله غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن معاوية بن قرّة) بن أبي إياس المزني (عن أنس) ﵁ (عن النبي) ولأبي ذر عن المستملي أن النبي (¬ ﷺ قال): عند حفر الخندق متمثلاً يقول ابن رواحة:
(اللهم لا عيش إلا عيش الآخره … فأصلح الأنصار والمهاجره)
بكسر الجيم وسكون الهاء كهاء الآخرة.
٦٤١٤ - حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِىُّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الْخَنْدَقِ وَهْوَ يَحْفِرُ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ وَيَمُرُّ بِنَا فَقَالَ:
اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَهْ … فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
تَابَعَهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (أحمد بن المقدام) بكسر الميم وسكون القاف وبعد الدال المهملة ألف فميم العجلي قال: (حدّثنا الفضيل) بضم الفاء وفتح الضاد مصغرًا (ابن سليمان) النميري بضم النون وفتح الميم بعدها تحتية ساكنة مصغرًا قال: (حدّثنا أبو حازم)
стр. 4028
بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار قال: (حدّثنا سهل بن سعد الساعدي) ﵁ (قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالخندق) ولغير أبي الوقت في الخندق (وهو يحفر) بكسر الفاء فيه (ونحن ننقل التراب) زاد في مناقب الأنصار على أكتادنا وفسر ثم بما بين الكاهل إلى الظهر (ويمر) ﷺ من المرور ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وبصر (بنا فقال):
(اللهم لا عيش إلا عيش الأخره … فاغفر للأنصار والمهاجره)
الرواية الأولى فأصلح الأنصار وهذه فاغفر، وفي أخرى فأكرم، ومطابقته للترجمة ظاهرة وفيه إشارة إلى تحقير عيش الدنيا لما يعرض له من التكدير والتنغيص وسرعة الزوال.
والحديث سبق في مناقب الأنصار.
(تابعه سهل بن سعد عن النبي ﷺ مثله). وهذا ثابت في رواية غير أبي ذر ساقط منها ويحتاج كما قال صاحب التلويح فيما نقله عنه في عمدة الفاري إلى نظر طويل. قال غيره: إنه ليس بموجود في نسخ البخاري قال: فينبغي إسقاطه اهـ.
٢ - باب مَثَلِ الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِى الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠].
(باب مثل الدنيا في الآخرة) الجار والمجرور يتعلق بمحذوف تقديره مثل الدنيا بالنسبة إلى الآخرة وكلمة في بمعنى إلى كقوله تعالى: ﴿فردّوا أيديهم في أفواههم﴾ [إبراهيم: ٩] والخبر
محذوف تقدير كمثل لا شيء وفي حديث المستورد المروي في مسلم مرفوعًا: ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع. قال الطيبي: أي مثل الدنيا في جنب الآخرة وهو تمثيل على سبيل التقريب وإلاّ فأين المناسبة بين المتناهي وغير المتناهي؟
(وقوله تعالى: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب﴾) كعب الصبيان (﴿ولهو﴾) كلهو القيان (﴿وزينة﴾) كزينة النسوان (﴿وتفاخر بينكم﴾) كتفاخر الأقران (﴿وتكاثر﴾) كتكاثر الرهبان (﴿في الأموال والأولاد﴾) أي مباهاة بهما التكاثر ادّعاء الاستكثار (﴿كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرًّا) بعد خضرته (﴿ثم يكون حطامًا﴾) متفتتًا شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى وقوي وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات فبعث عليه العاهة فهاج واصفرّ وصار حطامًا عقوبة لهم على جحودهم كما فعل بالصحابي الجنة وصاحب الجنتين، وقيل الكفار الزراع. وقال العماد بن كثير: أي أعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها ثم يهيج فتراه مصفرًّا ثم يكون حطامًا أي يهيج ذلك الزرع فتراه مصفرًّا بعدما كان أخضر نضرًا ثم يصير يبسًا متحطمًا هكذا الحياة الدنيا تكون أولاً شابّة ثم تكتهل ثم تكون عجوزًا شوهاء، والإِنسان كذلك يكون في أول عمره وعنوان شبابه غضًّا طريًّا لين الأعطاف بهيّ المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه ويفقد بعض قواه ثم يكبر فيصير شيخًا كبيرًا ضعيف القوى قليل الحركة يعجز عن المشي اليسير ولما كان هذا المثل دالاًّ على زوال الدنيا وانقضانها والآخرة كائنة لا محالة حذّر من أمرها ورغّب فيما فيها من الخيرات فقال: (﴿وفي الآخرة عذاب شديد﴾) للكفار (﴿ومغفرة من الله ورضوان﴾) للمؤمنين (﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾) [الحديد: ٢٠] لمن ركن إليها واعتمد عليها قال ذو النون المصري: يا معشر المريدين لا تطلبوا الدنيا وإن طلبتموها فلا تحبوها فإن الزاد منها والمقيل في غيرها وسقط من قوله وزينة الخ في رواية أبي ذر وقال عقب قوله ﴿ولهو﴾ إلى قوله ﴿متاع الغرور﴾.
٦٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِى الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ -أَوْ رَوْحَةٌ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار (عن سهل) بفتح السين ابن سعد الساعدي ﵁ أنه (قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولغدوة) بلام التأكيد (في سبيل الله) شامل للجهاد وغيره (أو روحة) للتنويع لا للشك (خير من الدنيا وما فيها).
٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «كُنْ فِى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»
(باب قول النبي ﷺ : كن في الدنيا كأنك
стр. 4029
غريب أو عابر سبيل) سقط لأبي ذر أو عابر سبيل.
٦٤١٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْمُنْذِرِ الطُّفَاوِىُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِى مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِى فَقَالَ: «كُنْ فِى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرَّحمن أبو المنذر الطفاوي) بضم الطاء المهملة بعدها فاء فألف فواو فتحتية نسبة إلى بني طفاوة أو موضع بالبصرة (عن سليمان الأعمش) سقط سليمان لأبي ذر أنه قال: (حدثني) بالإفراد (مجاهد) هو ابن جبر المفسر (عن عبد الله بن عمر ﵄) سقط عبد الله لأبي ذر أنه (قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي) كسر الكاف والموحدة وتخفيف التحتية مجمع العضد والكتف قال في الفتح: وضبط في بعض الأصول بمنكبي بلفظ التثنية (فقال):
(كن في الدنيا كأنك غريب) قدم بلدًا لا مسكن له فيها يؤويه ولا سكن يسليه خال عن الأهل والعيال والعلائق التي هي سبب الاشتغال عن الخالق ولما شبه الناسك السالك بالغريب الذي ليس له مسكن ترقى وأضرب عنه بقوله (أو عابر سبيل) لأن الغريب قد يسكن في بلاد الغربة ويقيم فيها بخلاف عابر السبيل القاصد للبلد الشاسع وبينه وبينها أودية مردية ومفاوز مهلكة وهو بمرصد من قطاع الطريق فهل له أن يقيم لحظة أو يسكن لمحة، ومن ثم عقبه بقوله:
(وكان ابن عمر) ﵄ (يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء) أي سر دائمًا ولا تفتر عن السير ساعة فإنك إن قصرت في السير انقطعت عن المقصود وهلكت في تلك الأودية هذا معنى المشبه به وأما المشبه فهو قوله (وخذ من) زمن (صحتك لمرضك) وفي رواية ليث بن أبي سليم عن مجاهد عند أحمد والترمذي لسقمك أي سر سيرك القصد في حال صحتك بل لا تقنع به، وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة بحيث يكون ما بك من تلك الزيادة قائمًا مقام ما لعله يفوت حال المرض والضعف أو اشتغل في الصحة بالطاعة بحيث لو حصل تقصير في المرض لانجبر بذلك وفي قوله (ومن حياتك لموتك) إشارة إلى أخذ نصيب الموت وما يحصل فيه من الفتور من السقم يعني لا تقعد في المرض عن السير كل القعود بل ما أمكنك منه فاجتهد فيه حتى تنتهي إلى لقاء الله وما عنده من الفلاح والنجاح وإلاّ
خبت وخسرت، وزاد ليث فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدًا أي هل يقال لك شقي أم سعيد؟ أو هل يقال لك حي أو ميت؟
وفي حديث ابن عباس عند الحاكم أن النبي ﷺ قال لرجل وهو يعظه: "اغتنم خمسًا قبل خمس. شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك" فالعاقل إذا أمسى لا ينتظر الصباح وإذا أصبح لا ينتظر المساء بل يظن أن أجلهُ يدركه قبل ذلك فيعمل ما يلقى نفعه بعد موته ويبادر أيام صحته بالعمل الصالح فإن المرض قد يطرأ فيمنع من العمل فيخشى على من فرط من ذلك أن يصل إلى المعاد بغير زاد فمن لم ينتهز الفرصة يندم وما أحسن قول من قال:
إذا هبت رياحك فاغتنمها … فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها … فما تدري السكون متى يكون
إذا ظفرت يداك فلا تقصر … فإن الدهر عادته يخون
والحديث أخرجه الترمذي.
٤ - باب فِى الأَمَلِ وَطُولِهِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] بِمُزَحْزِحِهِ: بِمُبَاعِدِهِ، وَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] وَقَالَ عَلِىٌّ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ ..
(باب) بالتنوين (في الأمل وطوله) بفتح الهمزة والميم وهو الرجاء فيما تحبه النفس من طول عمر وزيادة غنى يقال أمل خيره يأمله أملاً، وكذلك التأميل ومعناه قريب من التمني، وقيل الفرق بينهما أن الأمل ما تقدم سببه والتمني بخلافه، وقيل الأمل إرادة الشخص تحصيل شيء يمكن حصوله فإذا فاته تمناه والرجاء تعليق القلب بمحبوب ليحصل في المستقبل والفرق بين الرجاء والتمني أن التمني يورث صاحبه الكسل ولا يسلك طريق الجهد والجد وبعكسه صاحب الرجاء فالرجاء محمود والتمني معلول كالأمل إلا للعالم في العلم فلولا طول أمله ما صنف ولا ألّف، وفي الأمل سر لطيف لأنه لولا الأمل ما تهنى أحد بعيش ولا طابت نفسه
стр. 4030
أن يشرع في عمل من أعمال الدنيا، وإنما المذموم منه الاسترسال فيه وعدم الاستعداد لأمر الآخرة.
(وقول الله تعالى) ولأبي ذر وقوله تعالى: (﴿فمن زحزح﴾) بعد (﴿عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾) ظفر بالخير، وقيل فقد حصل له الفوز المطلق، وقيل الفوز نيل المحبوب والبعد عن المكروه
(﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾) [آل عمران: ١٨٥] المتاع ما يتمتع به وينتفع والغرور يجوز أن يكون مصدرًا من قولك غررت فلانًا غرورًا شبه الدنيا بالمتاع الذي يدل به على المستام ويغر حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور، وقرأ عبد الله بفتح الغين وفسّر بالشيطان، ويجوز أن يكون فعولاً بمعنى مفعول أي متاع الغرور أي المخدوع وأصل الغرر الخدع. قال سعيد بن جبير: هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة وأما من طلب متاع الدنيا للآخرة فإنها نعم المتاع، وعن الحسن كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل لها فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله تعالى ما استطاع (بمزحزحه) أي (بمباعده) بكسر العين يعني أن معنى قوله فمن زحزح بوعد وأصل الزحزحة الإِزالة ومن أزيل عن شيء فقد بوعد منه وهذا ثابت هنا لأبي ذر عن المستملي والكشميهني، وسقط لأبي ذر من قوله ﴿وما الحياة الدنيا﴾ إلى قوله ﴿الغرور﴾.
(وقوله) تعالى (﴿ذرهم﴾) أمر إهانة أي اقطع طمعك من ارعوائهم ودع عنك النهي عما هم عليه بالتذكرة والنصيحة وخلهم (﴿يأكلوا ويتمتعوا﴾) بدنياهم فهي خلاقهم ولا خلاف لهم في الآخرة (﴿ويلههم الأمل﴾) يشغلهم الأمل عن الأخذ بحظهم من الإِيمان والطاعة (﴿فسوف يعلمون﴾) [الحجر: ٣] إذا وردوا القيامة وذاقوا وبال صنيعهم وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين وهذا تهديد ووعيد، وقال بعض العلماء: ذرهم تهديد وسوف يعلمون تهديد آخر فمتى يهنأ العيش بين تهديدين والآية نسختها آية القتال، وسقط لأبي ذر ويلههم الخ وقال بعد قوله: ﴿ويتمتعوا﴾ الآية.
(وقال علي) ﵁ من قوله موقوفًا ولأبي ذر: علي بن أبي طالب (ارتحلت الدنيا) حال كونها (مدبرة وارتحلت الآخرة) حال كونها (مقبلة ولكل واحدة منهما) من الآخرة والدنيا ولأبي ذر عن المستملي منها (بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل). قال في الكواكب فإن قلت: اليوم ليس عملاً بل فيه العمل ولا يمكن تقدير في وإلا وجب نصب عمل. وأجاب: بأنه جعله نفس العمل مبالغة كقولهم أبو حنيفة فقه ونهاره صائم (ولا حساب) فيه (وغدًا حساب) بالرفع (ولا عمل) فيه أي فإنه على أن اسم إن ضمير شأن حذف وهو عندهم قليل أو هو على حذف مضاف إما من الأول وإما من الثاني أي فإن حال اليوم عمل ولا حساب، أو فإن اليوم يوم عمل ولا حساب. وهذا رواه ابن المبارك في الزهد من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد وزبيد الأيامي عن رجل من بني عامر وسمي في رواية لابن أبي شيبة مهاجرًا العامري، وكذا في الحلية لأبي نعيم من طريق أبي مريم عن زبيد عن مهاجر بن عمير قال: قال علي: إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة الحديث. وقال بعض الحكماء: مما أخذه من قول عليّ هذا: الدنيا مدبرة والآخرة مقبلة فعجب لمن يقبل على المدبرة ويدبر عن المقبلة.
٦٤١٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ مُنْذِرٍ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: خَطَّ النَّبِىُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِى الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِى فِى الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِى فِى الْوَسَطِ، وَقَالَ: «هَذَا الإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ -أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ- وَهَذَا الَّذِى هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ وَهَذِهِ الْخُطُطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا».
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي الحافظ قال: (أخبرنا يحيى بن سعيد) القطان وسقط لغير أبي ذر: ابن سعيد (عن سفيان) أنه (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) سعيد بن مسروق الثوري (عن منذر) بضم الميم وسكون النون وكسر الذال المعجمة بعدها راء ابن يعلى الثوري الكوفي (عن ربيع بن خثيم) بضم المعجمة وفتح المثلثة وربيع بفتح الراء وكسر الموحدة الثوري (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: خطّ النبي ﷺ خطًّا مربعًا)
следующие страницы →