Полный текст (4 743 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
بها بخلاف ما إذا أراد بها غيره أو أطلق لأنها لما أطلقت عليهما سواء أشبهت الكنايات وبصفته الذاتية كعظمته وعزته وكبريائه وكلامه ومشيئته وعلمه وقدرته وحقه إلا أن يريد بالحق العبادات أو بعلمه وقدرته المعلوم والمقدور وظاهر قوله فليحلف بالله الإذن في الحلف، ولكن قال الشافعية: يكره لقوله تعالى ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٤] إلا في طاعة من فعل واجب أو مندوب وترك حرام أو مكروه فطاعة، وفي دعوى عند حاكم، وفي حاجة كتوكيد كلام كقوله ﷺ : "فوالله لا يمل الله حتى تملوا" أو تعظيم أمر كقوله: "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا" فلا يكره فيهما.
٦٦٤٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمٌ قَالَ ابْنُ عُمَرَ سَمِعْتُ عُمَرَ: يَقُولُ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَوْ أَثَرَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ يَأْثُرُ عِلْمًا. تَابَعَهُ عُقَيْلٌ وَالزُّبَيْدِىُّ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ عُمَرَ.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء مولى الأنصار المصري قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: قال سالم) هو ابن عبد الله بن عمر (قال ابن عمر: سمعت عمر) ﵁ (يقول: قال لي رسول الله ﷺ ¬):
(إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) جملة ينهاكم في محل رفع خبر إن وأن مصدرية في محل نصب أو جرّ بتقدير حرف الجر أي ينهاكم عن أن تحلفوا الأوّل للخليل والكسائي والثاني لسيبويه وحكم غير الآباء من سائر الخلق كحكم الآباء في النهي، وفي حديث ابن عمر عند الترمذي
وقال حسن وصححه الحاكم أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة. فقال: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" والتعبير بذلك للمبالغة في الزجر والتغليظ وهل النهي للتحريم أو التنزيه المشهور عند المالكية الكراهة وعند الحنابلة التحريم وجمهور الشافعية أنه للتنزيه. وقال إمام الحرمين: الذهب القطع بالكراهة. وقال غيره بالتفصيل فإن اعتقد فيه من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به وكفر بذلك الاعتقاد أما إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك ولا تنعقد يمينه.
(قال عمر) ﵁: (فوالله ما حلفت بها) أي بأبي (منذ سمعت النبي ﷺ ¬) ومنذ ظرف مضاف إلى الجملة بتقدير زمان أي ما حلفت بها منذ زمن سماعي للنهي عنها حال كوني (ذاكرًا) أي عامدًا (ولا آثرًا) بهمزة ممدودة فمثلثة مكسورة أي حاكيًا عن غيري أي ما حلفت بها ولا حكيت ذلك عن غيري واستشكل هذا التفسير لتصدير الكلام بحلفت والحاكي عن غيره لا يسمى حالفًا. وأجيب: باحتمال أن يكون العامل فيه محذوفًا أي ولا ذكرتها آثرًا عن غيري أن يكون ضمن حلفت معنى تكلمت أو معناه يرجع إلى معنى التفاخر بالآباء والإكرام لهم فكأنه قال: ما حلفت بآبائي ذاكرًا لمآثرهم.
(قال مجاهد) فيما وصله الفريابي في تفسيره عن ورقاء عن ابن أبي نجيح في تفسير قوله تعالى (﴿أو أثارة من علم﴾) [الأحقاف: ٤] وفي نسخة أو أثرة بإسقاط الألف بعد المثلثة وفي هامش الفرع كأصله قرئ بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما أي (يأثر علمًا) بضم المثلثة واختلف في معنى هذه اللفظة ومحصل ما ذكر في ذلك ثلاثة أقوال أحدها البقية والأصل أثرت الشيء آثره أثارة كأنها بقية تستخرج فتثار الثاني من الأثر وهو الرواية الثالث من الأثر وهي العلامة (تابعه) أي تابع يونس (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد مما رواه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم (والزبيدي) محمد بن الوليد مما وصله النسائي (وإسحاق) بن يحيى (الكلبي) الحمصي مما هو في مشيخته المروية من طريق أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان الثلاثة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (وقال ابن عيينة) سفيان مما وصله الحميدي في مسنده (ومعمر) هو ابن راشد مما وصله أبو داود كلاهما (عن الزهري عن سالم عن ابن عمر) أنه (سمع النبي ﷺ عمر).
وفي هذا الحديث الزجر عن الحلف بغير الله، وإنما خص في حديث ابن عمر بالآباء لوروده على سببه المذكور
стр. 4167
أو خص لكونه كان غالبًا عليهم لقوله في الرواية الأخرى: وكانت قريش تحلف بآبائها، ويدل على التعميم قوله: من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله فلو حلف بغيره تعالى سواء كان المحلوف به يستحق التعظيم كالأنبياء والملائكة والعلماء والصلحاء والملوك والآباء والكعبة أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد أو يستحق التحقير والإِذلال كالشياطين والأصنام لم تنعقد يمينه. قال الطبري: من حلف بالكعبة أو آدم أو جبريل ونحو ذلك لم تنعقد يمينه ولزمه الاستغفار لإقدامه على ما نهي عنه ولا كفارة في ذلك نعم استثنى بعض الحنابلة من ذلك الحلف
بنبينا محمد ﷺ فقال: تنعقد به اليمين وتجب الكفارة بالحنث به لأنه ﷺ أحد ركني الشهادة الذي لا تتم إلا به، ولله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه كالليل والنهار ليعجب بها المخلوقين ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم ولدلالتها على خالقها، وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق قال:
ويقبح من سواك الشيء عندي … وتفعله فيحسن منك ذاك
٦٦٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ : «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن مسلم) القسملي قال: (قال: حدّثنا عبد الله بن دينار) أنه (قال: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول): ولأبي ذر قال (قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تحلفوا بآبائكم) قال المهلب: كانت العرب في الجاهلية تحلف بآبائهم وآلهتهم فأراد الله تعالى أن ينسخ من قلوبهم وألسنتهم ذكر كل شيء سواه ويبقي ذكره تعالى لأنه الحق المعبود.
٦٦٤٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِىِّ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَىِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ فَكُنَّا عِنْدَ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِى فَدَعَاهُ إِلَى الطَّعَامِ فَقَالَ: إِنِّى رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ فَقَالَ: قُمْ فَلأُحَدِّثَنَّكَ عَنْ ذَاكَ، إِنِّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِى مَا أَحْمِلُكُمْ»، فَأُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: «أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ»؟
فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا أَتَيْنَاكَ لِتَحْمِلَنَا فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، وَمَا عِنْدَكَ مَا تَحْمِلُنَا، فَقَالَ: «إِنِّى لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف وفتح الموحدة عبد الله بن زيد الجرمي (والقاسم) بن عاصم (التيمي) البصري كلاهما (عن زهدم) بفتح الزاي وسكون الهاء بعدها دال مهملة مفتوحة ثم ميم بوزن جعفر بن مضرب الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء أبي مسلم البصري أنه (قال: كان بين هذا الحي من جرم) بفتح الجيم وسكون الراء قبيلة من قضاعة (وبين الأشعريين ودّ) بضم الواو وتشديد المهملة محبة (وإخاء) بكسر الهمزة وتخفيف المعجمة والمدّ (فكنا عند أبي
موسى الأشعري) ﵁ (فقرب إليه طعام فيه لحم دجاج) ليأكل منه (وعنده رجل من بني تيم الله أحمر) اللون (كأنه من الموالي) وتيم بفتح الفوقية وسكون التحتية حي من بني بكر وثبت لفظ بني لأبي ذر عن الحموي والمستملي (فدعاه) أبو موسى (إلى الطعام فقال: إني رأيته) يعني جنس الدجاج (يأكل شيئًا) قذرًا (قذرته) بكسر الذال المعجمة أي كرهت أكله (فحلفت أن لا آكله) وفي الترمذي عن قتادة عن زهدم قال: "دخلت على أبي موسى وهو يأكل دجاجًا فقال: ادن فكل فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكله"، ففيه أن الرجل المبهم هو زهدم نفسه (فقال) له أبو موسى (قم فلأحدثنك) بنون التوكيد أي فوالله لأحدثنك (عن ذاك) ولأبي ذر عن ذلك باللام (إني أتيت رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ في نفر) جماعة من الرجال ما بين الثلاثة إلى العشرة (من الأشعرين نستحمله) نطلب منه إبلاً تحملنا وأثقالنا (فقال) ﷺ :
(والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم) زاد أبو ذر عليه (فأتي رسول الله ﷺ ¬) بضم الهمزة فأتي (بنهب إبل) إضافة نهب لتاليه أي من غنيمة (فسأل) ﷺ (عنا فقال أين النفر الأشعريون) فحضرنا (فأمر لنا بخمس ذود) بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة مجرور بالإضافة من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر (غر الذرى) بضم الذال المعجمة وفتح الراء والغر بالغين المعجمة المضمومة وتشديد الراء بيض الأسنمة (فلما انطلقنا) من عنده بها (قلنا ما صنعنا حلف رسول الله ﷺ لا يحملنا) وللكشميهني أن لا يحملنا (وما عنده ما يحملنا ثم حملنا) بفتحات (تغفلنا) بسكون اللام (رسول الله -صَلَّى اللَّهُ
стр. 4168
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يمينه) أي طلبنا غفلته في يمينه الذي حلف لا يحملنا (والله لا نفلح أبدًا فرجعنا إليه) ﷺ (فقلنا له) يا رسول الله وسقط لأبي ذر لفظ له (إنا أتيناك لتحملنا فحلفت أن لا تحملنا وما عندك ما تحملنا فقال: إني لست أنا حملتكم ولكن الله حملكم والله لا أحلف على يمين) على محلوف يمين (فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير) من الذي حلفت عليه (وتحللتها) بالكفارة.
قال في المصابيح: الظاهر أنه ﷺ لم يحلف على عدم حملانهم مطلقًا لأن مكارم أخلاقه ورأفته ورحمته بالمؤمنين تأبى ذلك، والذي يظهر لي أن قوله: وما عندي ما أحملكم جملة حالية من فاعل الفعل المنفي بلا أو مفعوله أي لا أحملكم في حالة عدم وجداني لشيء أحملكم عليه أي: أنه لا يتكلف حملهم بقرض أو غيره لما رآه من المصلحة المقتضية لذلك فحمله لهم على ما جاءه من مال الله لا يكون مقتضيًا لحنث فيكون قوله: إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها إلى آخره تأسيس قاعدة في الأيمان لا أنه ذكر ذلك لبيان أنه حنث في يمينه وأنه يكفرها اهـ. وفيه بحث يأتي إن شاء الله تعالى في باب اليمين فيما لا يملك.
ومطابقة الحديث للترجمة قال الكرماني: من حيث إنه ﷺ حلف في هذه القصة مرتين أوّلاً عند الغضب ومرة عند الرضا ولم يحلف إلا بالله، فدلّ على أن الحلف إنما هو بالله على الحالتين وستكون لنا عودة إن شاء الله تعالى بعون الله إلى بقية مباحث هذا الحديث في كفارات الأيمان وغيرها.
٥ - باب لَا يُحْلَفُ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يحلف) بضم أوّله وفتح ثالثه (باللات) بتشديد اللام (والعزى) بضم العين المهملة وتشديد الزاي المفتوحة (ولا يحلف بالطواغيت) بالمثناة الفوقية جمع طاغوت صنم، وقيل شيطان وأصله طغيوت قدمت الياء على الغين فصار طيغوت ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها وانتاح ما قبلها، والألف واللام في اللات زائدة لازمة فأما قوله إلى لاتها فحذفت للإِضافة، وهي هي والعزى علمان بالوضع أو صفتان غالبتان خلاف ويترتب على ذلك جواز حذف أل وعدمه. فإن قلنا: إنهما ليسا وصفين في الأصل فلا تحذف منهما أل، وإن قلنا إنهما صفتان وأن أل للمح الصفة جاز، وبالتقديرين فأل زائدة. واختلف في تاء اللات فقيل أصل وأصله من لات يليت فألفها عن ياء، وقيل زائدة وهي من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها أو يلتوون أي يعتكفون عليها، وأصلها لوية فحذفت لامها فألفها على هذا من واو وهو اسم صنم كان لثقيف بالطائف، وقيل بعكاظ والعزى فعلى من العز وهي تأنيث الأعز كالفضلى والأفضل وهو اسم صنم، وقيل شجرة كانت تعبد فبعث ﷺ إليها خالد بن الوليد فقطعها فجعل يضربها بالفأس ويقول:
يا عز كفرانك لا سبحانك … إني رأيت الله قد أهانك
٦٦٥٠ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِى حَلِفِهِ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا هشام بن يوسف) أبو عبد الرَّحمن قاضي صنعاء قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن حميد بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبى ﷺ ¬) أنه (قال):
(من حلف) بغير الله (فقال في حلفه) بكسر اللام (باللات والعزى) بموحدة في الأولى وواو في الثانية، ولأبي ذر: بواو بدل الموحدة أي في الأولى كيمين المشركين (فليقل لا إله إلا الله) قال في شرح المشارق: لأن الحلف إنما هو بالله فإذا حلف باللات والعزى فقد ساوى الكفار في ذلك فأمر أن يتدارك ذلك بكلمة التوحيد كذا في بعض الشروح، ومقتضاه أنه يكفر بذلك وهو كذلك إن كان حلفه به لكونه معبودًا ويكون الأمر للوجوب وإن كان لغير ذلك كما يقول الرجل وحياتك لأفعلن كذا، فأمره ﷺ إنما يكون لشبهه بمن يعبدهما وهل يكفر بذلك فيباح دمه وتبين امرأته ويبطل حجه فيه كلام اهـ.
(ومن قال لصاحبه تعال) بفتح اللام (أقامرك) بالجزم جواب الأمر
стр. 4169
(فليتصدق) ندبًا بشيء تكفيرًا للخطيئة التي قالها ودعا إليها لأنه وافق الكفار في لعبهم ويتأكد ذلك في حق من لعب بطريق الأولى.
والحديث سبق في تفسير سورة النجم بلفظ الأسناذ والمتن وسبق أيضًا في الأدب والاستئذان.
٦ - باب مَنْ حَلَفَ عَلَى الشَّىْءِ وَإِنْ لَمْ يُحَلَّفْ
(باب من حلف على الشيء) يفعله أو لا يفعله حلف على ذلك (وإن لم يحلف) بضم التحتية وفتح اللام المشددة مبنيًّا للمجهول.
٦٦٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَانَ يَلْبَسُهُ فَيَجْعَلُ فَصَّهُ فِى بَاطِنِ كَفِّهِ، فَصَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ: «إِنِّى كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتِمَ وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ» فَرَمَى بِهِ ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا» فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) عبد الله ﵄ (أن رسول الله ﷺ اصطنع) أي أمر أن يصنع له (خاتمًا من ذهب وكان يلبسه فيجعل) ولأبي ذر فجعل (فصه) بفتح الفاء أفصح وبالصاد المهملة (في باطن كفه فصنع الناس) زاد أبو ذر عن الكشميهني خواتيم أي من ذهب (ثم إنه) ﷺ (جلس على المنبر فنزعه) جملة جلس في موضع خبر إن وجملة نزعه معطوفة على التي قبلها (فقال): عطف أو في موضع الحال أي جلس وقد قال: فيكون قوله قبل جلوسه أو مع جلوسه ومعمول القول:
(إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من داخل) أي من داخل كفي (فرمى) ﷺ (به) بالخاتم ولم يستعمله (ثم قال: والله لا ألبسه أبدًا) لأنه حرم يومئذٍ (فنبذ الناس) فطرحوا (خواتيمهم) وأراد ﷺ بحلفه تأكيد الكراهة في نفوس أصحابه وغيرهم ممن بعدهم. وقال المهلب: إنما كان ﷺ يحلف في تضاعيف كلامه وكثير من فتواه متبرعًا بذلك لنسخ ما كانت عليه الجاهلية في الحلف بآبائهم وآلهتهم ليعرفهم أن لا محلوف به سوى الله تعالى، وليتدربوا على ذلك حتى ينسوا ما كانوا عليه من الحلف بغيره تعالى. وقال ابن المنير: مقصود الترجمة أن يخرج مثل هذا من قوله تعالى ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ [الأحقاف: ٤] يعني على أحد التأويلات فيها لئلا يتخيل أن الحالف قبل أن يستحلف يرتكب النهي فأشار إلى أن النهي يختص بما ليس فيه قصد صحيح كتأكيد الحكم كالذى ورد في حديث الباب في منع لبس خاتم الذهب اهـ. وإطلاق
بعض الشافعية كراهية الحلف من غير استحلاف فيما لم يكن طاعة ينبغي أن يقال فيما لم يكن مصلحة بدل قوله طاعة كما لا يخفى.
والحديث سبق في كتاب اللباس.
٧ - باب مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى مِلَّةِ الإِسْلَامِ
وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى الْكُفْرِ.
(باب من حلف بملة) بكسر الميم وتشديد اللام دين وشريعة (سوى الإسلام) ولغير أبي ذر سوى ملة الإسلام كاليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة وأهل الأديان والدهرية والمعطلة وعبدة الشياطين والملائكة هل يكفر الحالف بذلك أم لا؟
(وقال النبي ﷺ ¬) في الحديث السابق قبل: (من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ولم ينسبه) ﷺ (إلى الكفر) لأنه اقتصر على الأمر بقوله: لا إله إلا الله ولو كان ذلك يقتضي الكفر لأمره بتمام الشهادتين.
٦٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ، فَهْوَ كَقَتْلِهِ».
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة العمي أبو الهيثم الحافظ أخو بهز قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد البصري (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف وتخفيف اللام وبالموحدة عبد الله بن زيد الجرمي (عن ثابت بن الضحاك) الأنصاري وهو ممن بايع تحت الشجرة ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(من حلف بغير ملة الإسلام) كان يقول إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو من النبي ﷺ ، ولمسلم: من حلف على يمين بملة غير الإسلام وعلى بمعنى الباء أو التقدير من حلف على شيء بيمين فحذف المجرور وعدى الفعل بعلى بعد حذف الباء وفي كتاب الجنائز من البخاري من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة: من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا وجواب الشرط قوله (فهو كما قال) وهو مبتدأ، وكما قال في موضع الخبر أي فهو كائن كما قال وظاهره أنه يكفر بذلك، ويحتمل أن يكون المراد التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم كأنه قال: فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال والتحقيق أنه لا تنعقد يمينه ولا يكفر
стр. 4170
إن قصد تبعيد نفسه عن الفعل أو أطلق كما اقتضاه كلام النووي في الأذكار وليقل لا إله إلا الله ويستغفر ولا كفارة عليه، وهل يحرم ذلك عليه أو يكره تنزيهًا؟ المشهور الثاني وإن قصد الرضا
بذلك إذا فعله فهو كافر في الحال، وقوله: كاذبًا متعمدًا يستفاد منه أن الحالف المتعمد إن كان مطمئن القلب بالإِيمان وهو كاذب في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه لم يكفر وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملة لكونها حقًّا كفر، وإن قاله لمجرد التعظيم لها باعتبار ما كان قبل النسخ فلا يكفر.
(ومن قتل نفسه بشيء) ولمسلم بحديدة (عذب به) بذلك الذي قتل نفسه به (في نار جهنم) قال الشيخ تقي الدين: وهو من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية وفيه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم لأن نفسه ليست له ملكًا مطلقًا بل هي لله فلا يتصرف فيها إلا فيما أذن فيه (ولعن المؤمن) بأن يدعو عليه باللعن (كقتله) في التحريم أو العقاب، وأبدى الشيخ تقي الدين في ذلك سؤالاً وهو أن يقال إما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا أو في أحكام الآخرة لا سبيل إلى الأول لأن قتله يوجب القصاص ولعنه لا يوجب ذلك، وأما أحكام الآخرة فإما أن يراد التساوي في الإثم أو في العقاب وكلاهما مشكل لأن الإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعن وكذلك العقاب يتفاوت بحسب تفاوت الجرائم. وقال المازري فيما نقله عنه القاضي عياض: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم وهو تشبيه واقع لأن اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف. قال القاضي عياض: وقيل لعنه يقتضي قصد إخراجه من المسلمين ومنعهم منافعه وتكثير عددهم به كما لو قتله وقيل لعنه يقتضي قطع منافعه الأخروية عنه وبعده بإجابة لعنه وهو كمن قتل في الدنيا وقطعت منافعه فيها وقيل معناه استواؤهما في التحريم.
قال في المصابيح: هذا يحتاج إلى تخليص ونظر فأما ما حكاه عن المازري من أن الظاهر من الحديث تشبيهه في الإِثم وكذلك ما حكاه من أن معناه استواؤهما في التحريم، فهذا يحتمل أمرين. أحدهما: أن يقع التشبيه والاستواء في أصل التحريم والإثم، والثاني: أن يقع في مقدار الإثم، فأما الأول فلا ينبغي أن يحمل عليه لأن كل معصية قلت أو عظمت فهي مشابهة ومساوية للقتل في أصل التحريم ولا يبقى في الحديث كبير فائدة مع أن المفهوم منه تعظيم أمر اللعنة بتشبيهها بالقتل، وأما الثاني فقد بيّنا ما فيه من الإِشكال وهو التفاوت في المفسدة بين إزهاق الروح وبين الأذى باللعنة.
وأما ما حكاه المازري من أن اللعنة قطع الرحمة والموت قطع التصرف فالكلام عليه من وجهين. أحدهما: بأن نقول اللعنة قد تطلق على نفس الإبعاد الذي هو فعل الله وعلى هذا يقع في التشبيه، والثاني أن تطلق اللعنة على فعل اللاعن وهو طلبه لذلك الإبعاد فقوله لعنه الله مثلاً ليس بقطع عن الرحمة بنفسه ما لم تتصل به إجابة، فيكون حينئذٍ سببًا إلى قطع التصرف ويكون نظيره التسبب إلى القتل غير أنهما يفترقان في أن التسبب إلى القتل بمباشرة مقدمات تفضي إلى الموت بمطرد العادة فلو كانت مباشرة اللعنة مفضية إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائمًا لاستوى اللعن مع مباشرة مقدمات القتل أو زاد عليها، وبهذا يتبين لك الإيراد على ما حكاه القاضي من أن لعنه له
يقتضي قصد إخراجه عن جماعة المسلمين كما لو قتله فإن قصد إخراجه لا يستلزم إخراجه كما تستلزم مقدمات القتل، وكذلك أيضًا ما حكاه من أن لعنه يقتضي قطع منافعه الأخروية عنه إنما يحصل ذلك بإجابة الدعوة، وقد لا يجاب في كثير من الأوقات فلا يحصل انقطاعه عن منافعه كما يحصل بقتله ولا استواء القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدمات القتل المفضية إليه في مطرد العادة، والذي يمكن أن يقرر به ظاهر الحديث في استوائهما في الإِثم أنا نقول لا نسلم أن مفسدة اللعنة مجرد أذاه بل فيها مع ذلك تعريضه لإجابة الدعوة فيه بموافقة ساعة لا يسأل الله فيها شيئًا
стр. 4171
إلا أعطاه كما دل عليه الحديث من قوله ﵊ "لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أموالكم ولا تدعوا على أولادكم لا توافقون ساعة" الحديث: وإذا كان عرّضه باللعنة لذلك ووقعت الإجابة وإبعاده من رحمة الله كان ذلك أعظم من قتله لأن القتل تفويت الحياة الفانية قطعًا والإبعاد من رحمة الله أعظم ضررًا بما لا يحصى، وقد يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال مساويًا أو مقاربًا لأخفهما على سبيل التحقيق ومقادير المصالح والمفاسد وأعدادهما أمر لا سبيل للبشر إلى الاطّلاع على حقائقه اهـ.
وزاد في الأدب من البخاري من طريق علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ولمسلم ومن حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة (ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله).
٨ - باب لَا يَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَهَلْ يَقُولُ أَنَا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ؟
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يقول) الشخص في كلامه (ما شاء الله وشئت) بفتح التاء في الفرع كأصله وفي غيرهما بضمها على صيغة المتكلم من الماضي وإنما منع من ذلك لأن فيه تشريكًا في مشيئة الله تعالى وهي منفردة بالله بالحقيقة وإذا نسبت لغيره فبطريق المجاز، وفي حديث النسائي وابن ماجة من رواية يزيد بن الأصم عن ابن عباس رفعه: "إذا حلف أحدكم فلا يقل ما شاء الله وشئت ولكن يقول: ما شاء الله ثم شئت" قال الخطابي: أرشدهم ﷺ إلى الأدب في تقديم مشيئة الله على مشيئة من سواه واختارها بثم التي هي للنسق والتراخي بخلاف الواو التي هي للاشتراك (وهل يقول) الشخص (أنا بالله ثم بك) نعم يجوز لأن ثم اقتضت سبقية مشيئة الله على مشيئة غيره.
٦٦٥٣ - وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى عَمْرَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ مَلَكًا فَأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: تَقَطَّعَتْ بِى الْحِبَالُ فَلَا بَلَاغَ لِى إِلاَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
(وقال عمرو بن عاصم): بفتح العين وسكون الميم مما وصله في ذكر بني إسرائيل فقال: حدّثنا أحمد بن إسحاق حدّثنا عمرو بن عاصم قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العوذي قال: (حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) اسمه زيد الأنصاري وثبت ابن أبي طلحة لغير أبي ذر قال: (حدّثنا عبد الرَّحمن بن أبي عمرة) بفتح العين المهملة وسكون الميم واسمه عمرو الأنصاري قاضي أهل المدينة (أن أبا هريرة) ﵁ (حدثه أنه سمع النبي ﷺ يقول):
(إن ثلاثة في بني إسرائيل) أبرص وأقرع وأعمى لم يسموا (أراد الله) (أن يبتليهم) أي يختبرهم (فبعث إليهم ملكًا فأتى الأبرص) الذي ابيض جسده بعد مسح الملك فذهب عنه البرص وأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا وإبلاً أو بقرًا (فقال) له: إني رجل مسكين (تقطعت بي الحبال) بحاء مهملة مكسورة ثم موحدة مخففة جمع حبل أي الأسباب التي يقطعها في طلب الرزق ولأبي ذر عن الكشميهني الجبال بالجيم وهو تصحيف (فلا بلاغ) فلا كفاية (لي إلا بالله) الذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال (ثم بك فذكر الحديث) السابق بتمامه. وقال المهلب: إنما أراد البخاري أن قوله ما شاء الله ثم شئت جائزًا استدلالاً بقوله أنا بالله ثم بك، وأخرج عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي أنه كان لا يرى بأسًا أن يقول: ما شاء الله ثم شئت، وكان يقول أعوذ بالله وبك ويجيز أعوذ بالله ثم بك.
٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّى بِالَّذِى أَخْطَأْتُ فِى الرُّؤْيَا قَالَ: «لَا تُقْسِمْ».
هذا (باب قول الله تعالى ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ [الأنعام: ١٠٩] أي حلف المنافقون بالله وهو جهد اليمين لأنهم بذلوا فيها مجهودهم وجهد يمينه مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها. وعن ابن عباس ﵄: من قال بالله فقد جهد بيمينه، وأصل أقسم جهد اليمين أقسم يجهد اليمين جهدًا فحذف الفعل وقدم المصدر فوضع موضعه مضافًا إلى المفعول كقوله: ﴿فضرب الرقاب﴾ [محمد ﷺ : ٤] وحكم هذا المنصوب حكم الحال كأنه قال: جاهدين أيمانهم.
(وقال ابن عباس) مما وصله المؤلّف مطوّلاً في كتاب التعبير بلفظ: إن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الليلة في المنام عكة تنظف من السمن والعسل الحديث، وفيه تعبير أبي بكر
стр. 4172
لها، وقوله للنبي ﷺ فأخبرني يا رسول الله أصبت أم أخطأت؟ فقال: أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا (قال أبو بكر) الصديق ﵁: (فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت في) تعبير (الرؤيا) أي يشدّد في اليونينية نون لتحدثني (قال) ﷺ (لا تقسم) وقوله هنا في الرؤيا من كلام البخاري إشارة إلى ما اختصره من الحديث، والغرض منه قوله: لا تقسم إشارة إلى الردّ على من
قال إن من قال: أقسمت انعقد يمينًا وقد أمر ﷺ بإبرار المقسم، فلو كانت أقسمت يمينًا لأبرّ أبا بكر حين قالها. وقال في الكواكب: إنما يندب إبرار المقسم عند عدم المانع فكان له ﷺ مانع منه وقيل كان في بيان مفاسد كما يأتي إن شاء الله تعالى في التعبير بمعونة الله تعالى. وقال الشافعية: لو قال أقسمت أو أقسم أو حلفت أو أحلف بالله لأفعلن كذا فهو يمين لأنه عرف الشرع قال تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ [الأنعام: ١٠٩] إلا إن نوى خبرًا ماضيًا في صيغة الماضي أو مستقبلاً في المضارع فلا يكون يمينًا لاحتمال ما نواه، وأما قوله لغيره: أقسم عليك بالله أو أسألك بالله لتفعلن كذا فيمين إن أراد يمين نفسه فيسن للمخاطب إبراره فيها بخلاف ما إذا لم يردها ويحمل على الشفاعة في فعله.
٦٦٥٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ.
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وبعد التحتية الساكنة صاد مهملة ابن عقبة العامري السوائي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أشعث) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة بعدها مثلثة ابن أبي الشعثاء سليم بن الأسود الكوفي (عن معاوية بن سويد) بضم السين المهملة وفتح الواو (ابن مقرن) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء مشددة بعدها نون الكوفي وسقط ابن مقرن لأبي ذر (عن البراء) بن عازب ﵁ (عن النبي ﷺ ح).
قال البخاري: (وحدثني) بالإفراد (محمد بن بشار) الملقب ببندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أشعث عن معاوية بن سويد بن مقرن من البراء ﵁) أنه (قال: أمرنا النبي ﷺ بإبرار المقسم) بكسر السين وضم الميم في الفرع اسم فاعل أي بفعل ما أراده الحالف ليصير بذلك بارًّا، وقيل السين مفتوحة أي الأقسام والمصدر قد يأتي للمفعول مثل أدخلته مدخلاً بمعنى الإِدخال.
وهذا طرف من حديث أورده البخاري في اللباس والاستئذان والجنائز والمظالم والطب والنذور والنكاح والأشربة.
٦٦٥٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أُسَامَةَ أَنَّ ابْنَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعْدٌ وَأُبَىٌّ: إِنَّ ابْنِى قَدِ احْتُضِرَ فَاشْهَدْنَا، فَأَرْسَلَ يَقْرَأُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَتَحْتَسِبْ» فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ فَلَمَّا قَعَدَ رُفِعَ إِلَيْهِ فَأَقْعَدَهُ فِى حَجْرِهِ وَنَفْسُ الصَّبِىِّ تَقَعْقَعُ فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هَذَا رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِى قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا) ولأبي ذر أخبرني بالإفراد (عاصم الأحول) بن سليمان أبو عبد الرَّحمن البصري الحافظ قال: (سمعت أبا عثمان) عبد الرَّحمن النهدي (يحدث عن أسامة) بن زيد ﵄ (أن ابنة) اسمها زينب، ولأبي ذر عن الكشميهني أن بنتا (لرسول الله ﷺ أرسلت إليه ومع رسول الله ﷺ أسامة بن زيد) وسقط لأبي ذر: ابن زيد وكان الأصل أن يقول وأنا معه لكنه من باب التجريد (وسعد) بسكون العين ابن عبادة الخزرجي (وأبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية ابن كعب الأنصاري، وفي نسخة الحافظ أبي ذر وأبي بفتح الهمزة وكسر الموحدة مضافًا إلى ياء المتكلم أو أبي بضم الهمزة وفتح الموحدة على الشك والصواب الثاني من غير شك (إن ابني) هو علي بن أبي العاص بن الربيع أو عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنته ﷺ أو هو محسن ابن فاطمة الزهراء أو هي أمامة بنت زينب لأبي العاص بن الربيع ومبحث ذلك سبق في الجنائز (قد احتضر) بضم الفوقية أي حضره الموت وسقط لفظ قد لأبي ذر (فاشهدنا) بهمزة وصل وفتح الهاء (فأرسل) ﷺ (يقرأ) بفتح الياء عليها (السلام ويقول):
(إن لله ما أخذ) أي الذي أراد أن يأخذه (وما أعطى وكل شيء عنده مسمى) أي مؤجل مقدر (فلتصبر وتحتسب) أي تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها ليحتسب لها ذلك من عملها الصالح
стр. 4173
(فأرسلت إليه تقسم عليه) ليأتينها (فقام) ﷺ (وقمنا معه فلما قعد رفع إليه) الصبي أو الصبية (فأقعده) ﷺ (في حجره ونفس الصبي) أو الصبية (تقعقع) بحذف إحدى التاءين أي تضطرب وتتحرك (ففاضت عينا رسول الله ﷺ ¬) بالبكاء (فقال سعد) أي ابن عبادة (ما هذا) البكاء (يا رسول الله) وأنت تنهى عنه وهو استفهام عن الحكمة لا إنكار (قال) ﷺ (هذا) البكاء ولأبي ذر هذه الدمعة (رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده وإنما يرحم الله) (من عباده الرحماء) نصب على أن ما كافة.
والحديث سبق في الجنائز.
٦٦٥٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ تَمَسُّهُ النَّارُ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (مالك) إمام دار الهجرة (عن ابن شهاب) الزهري (عن ابن المسيب) سعيد (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد) زاد في الجنائز من حديث أنس لم يبلغوا الحنث (تمسه النار إلا تحلة القسم) بفتح الفوقية وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام المفتوحة أي تحليلها قال في الكواكب: والمراد بالقسم ما هو مقدر في قوله تعالى ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١] أي والله ما منكم والمستثنى منه تمسه لأنه في حكم البدل من لا يموت فكأنه قال: لا تمس النار من مات له ثلاثة إلا بقدر الورود.
والحديث مرّ في الجنائز.
٦٦٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِى غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ وَأَهْلِ النَّارِ كُلُّ جَوَّاظٍ عُتُلٍّ مُسْتَكْبِرٍ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن معبد بن خالد) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة الجدلي القيسي الكوفي القاص أنه قال: (سمعت حارثة بن وهب) بالحاء المهملة والمثلثة الخزاعي ﵁ (قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(ألا) بالتخفيف (أدلكم على أهل الجنة) هم (كل ضعيف) فقير (متضعف) بكسر العين أي متواضع وبالفتح ضبطها الدمياطي. وقال النووي: إنه رواية الأكثرين أي يستضعفه الناس ويحتقرونه لضعف حاله في الدنيا ولم يضبطه في اليونينية ولا في الفرع وكتب فوقه كذا، وفي علوم الحديث للحاكم عن ابن خزيمة أنه سئل عن المراد بالضعيف هنا فقال: الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة في اليوم عشرين مرة إلى خمسين مرة (لو أقسم على الله لأبرّه) أي لو حلف على شيء أن يقطع طمعًا في كرم الله بإبراره لأبره وأوقعه لأجله (وأهل النار) هم (كل جوّاظ) بفتح الجيم والواو المشددة وبعد الألف ظاء معجمة الكثير اللحم الغليظ الرقبة المختال في مشيته (عتل) بضم العين المهملة والفوقية وتشديد اللام فظ غليظ أو شديد الخصومة أو المجموع المنوع (مستكبر) عن الحق.
والحديث سبق في تفسير سورة ن من التفسير.
١٠ - باب إِذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَوْ شَهِدْتُ بِاللَّهِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا قال) الشخص: (أشهد بالله أو شهدت بالله) لأفعلن كذا أو لا أفعل كذا هل يكون يمينًا نعم هو يمين عند الحنفية والحنابلة ولو لم يقل بالله لقوله تعالى ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله﴾ [المنافقون: ١] ثم قال تعالى: ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾ [المجادلة: ١٦] فدلّ على أنهم استعملوا ذلك في اليمين وعند الشافعية إذا لم يرد بالمضارع الوعد
بالحلف وبالماضي الإخبار عن حلف ماض فإن أراد ذلك لم يكن يمينًا فإن لم يذكر الله تعالى يعني اسمه أو صفته فليس بيمين لفقد المحلوف به وأجيب عن آية المنافقين بأنها ليست صريحة لاحتمال أن يكونوا حلفوا مع ذلك.
٦٦٥٨ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ أَىُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «قَرْنِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِئُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانَ أَصْحَابُنَا يَنْهَوْنَا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ أَنْ نَحْلِفَ بِالشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ.
وبه قال: (حدّثنا سعد بن حفص) بسكون العين أبو محمد الطلحي الكوفي قال: (حدّثنا شيبان) بفتح المعجمة ابن عبد الرَّحمن النحوي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة السلماني (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: سئل النبي ﷺ ¬) بضم السين وكسر الهمزة ولم يعين السائل (أي الناس خير؟ قال) أهل:
(قرني) الذين أنا فيهم (ثم) أهل القرن (الذين يلونهم ثم) أهل القرن (الذين يلونهم) مرتين (ثم يجيء قوم
стр. 4174
تسبق شهادة أحدهم) برفع شهادة على الفاعلية (يمينه) نصب على المفعولية (و) تسبق (يمينه) رفع (شهادته) نصب قال القاضي البيضاوي: أي يحرصون على الشهادات مشغوفين بترويجها يحلفون على ما يشهدون به فتارة يحلفون قبل أن يأتوا بالشهادة وتارة يعكسون، ويحتمل أن يكون مثلاً في سرعة الشهادة واليمين وحرص الرجل عليهما والتسرع فيهما حتى لا يدري بأيهما يبتدئ وكأنهما يتسابقان لقلة مبالاته بالدين وقال الطحاوي: أي يكثرون الإيمان في كل شيء حتى يصير لهم عادة فيحلف أحدهم حيث لا يراد منه اليمين ومن قبل أن يستحلف، وقال بعضهم أي يحلف على تصديق شهادته، وقال النووي: واحتج به المالكية في رد شهادة من حلف معها والجمهور على أنها لا ترد.
والحديث مضى في الشهادات والرقاق.
(قال إبراهيم) النخعي بالسند السابق: (وكان أصحابنا) أي مشايخنا (ينهونا) ولأبي ذر ينهوننا بنونين بعد الواو (ونحن غلمان) وفي الفضائل ونحن صغار (أن نحلف بالشهادة والعهد) أي عن أن يقول أحدنا أشهد بالله أو عليّ عهد الله ما كان كذا حتى لا يكون ذلك لهم عادة فيحلفون في كل ما يصلح وما لا يصلح.
١١ - باب عَهْدِ اللَّهِ
(باب عهد الله أي قول الشخص عليّ عهد الله لأفعلن كذا.
٦٦٥٩ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَنْصُورٍ
عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ -أَوْ قَالَ- أَخِيهِ لَقِىَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة ابن عثمان أبو بكر العبدي مولاهم الحافظ بندار قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) محمد واسم أبي عدي إبراهيم البصري (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (ومنصور) هو ابن المعتمر كلاهما (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من حلف على يمين) على محلوف يمين ويحتمل أن تكون على بمعنى الباء كقوله تعالى: ﴿حقيق علي﴾ [الأعراف: ١٠٥] بتشديد الياء (كاذبة) صفة ليمين (ليقتطع) ليؤخذ (بها مال رجل مسلم) أو ذمي أو معاهد ونحوه أو امرأة (أو قال: أخيه) في الإسلام أو البشرية والشك من الراوي بغير حق بل بمجرد يمينه المحكوم بها في ظاهر الشرع وجواب من قوله (لقي الله) (وهو عليه غضبان) لا ينصرف للصفة وزيادة الألف والنون وهو اسم فاعل من غضب يقال رجل غضبان وامرأة غضبى وغضابى، والغضب من المخلوقين هو شيء يداخل قلوبهم ويكون محمودًا كالغضب لله ومذمومًا وهو ما يكون لغير الله، وإطلاقه على الله يحتمل أن يراد به آثاره ولوازمه كالعذاب فيكون من صفات الأفعال أو هو على إرادة الانتقام فيكون من صفات الذات (أنزل الله) (تصديقه ﴿إن الذين يشترون بعهد الله﴾) [الأعراف: ٧٧] المصدر مضاف إلى الفاعل أي بما عهد الله إليهم أو إلى المعول أي إن الذين يستبدلون بما عاهدوا عليه من الأيمان.
٦٦٦٠ - قَالَ سُلَيْمَانُ فِى حَدِيثِهِ فَمَرَّ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ؟، قَالُوا لَهُ: فَقَالَ الأَشْعَثُ: نَزَلَتْ فِىَّ وَفِى صَاحِبٍ لِى فِى بِئْرٍ كَانَتْ بَيْنَنَا.
(قال سليمان) بن مهران الأعمش (في حديثه: فأمر الأشعث بن قيس) الكندي وعبد الله يحدثهم (قال: ما يحدثكم عبد الله) بن مسعود (قالوا له): كان يحدّثنا بكذا وكذا (فقال الأشعث نزلت فيّ) بتشديد الياء هذه الآية (وفي صاحب لي في بئر كانت بيننا) وفي حديث الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ ، وفي مسلم في أرض باليمن ولا يمتنع أن تكون المخاصمة في المجموع فمرة ذكرت الأرض لأن البئر داخلة فيها ومرة ذكرت البئر هي المقصودة لسقي الأرض.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله بعهد الله فمن حلف بالعهد حنث لزمته كفارة عند مالك والكوفيين وأحمد، وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا إن نواه قاله ابن المنذر.
والحديث سبق في كتاب الشرب في باب الخصومة في البئر.
١٢ - باب الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِى عَنِ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا» وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ» وَقَالَ أَيُّوبُ: «وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِى، عَنْ بَرَكَتِكَ».
(باب الحلف بعزة الله) (وصفاته) كالخالق والسميع والبصير والعليم (وكلماته) ولأبي ذر وكلامه كالقرآن أو بما أنزل الله وفيه عطف العام على الخاص والخاص على العام لأن الصفات أعم من العزة والكلام والإيمان تنقسم إلى صريح
стр. 4175
وكناية ومتردد بينهما وهو الصفات وهل تلتحق الكناية بالصريح فلا تحتاج إلى قصد أم لا والراجح أن صفات الذات منها ما يلتحق بالصريح فلا تنفع معها التورية إذا تعلق به حق آدمي وصفات الفعل تلتحق بالكناية فعزة الله من صفات الذات وكذا جلاله وعظمته.
(وقال ابن عباس) مما وصله المؤلّف في التوحيد (كان النبي ﷺ يقول أعوذ بعزتك) استدل به على الحلف بعزة الله لأنه وإن كان بلفظ الدعاء لكنه لا يستعاذ إلا بالله أو بصفة من صفاته كذا قال في الفتح. وقال ابن المنير في حاشيته أعوذ بعزتك دعاء وليس بقسم ولكنه لما كان المقرر أنه يستعاذ إلا بالقديم ثبت بهذا أن العزة من الصفات القديمة لا من صفات العل فتنعقد اليمين بها.
(وقال أبو هريرة) مما سبق في صفات الحشر من كتاب الرقاق (عن النبي ﷺ يبقى رجل بين الجنة والنار فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار لا وعزتك لا أسألك غيرها) ذكره ﷺ مقررًا له فيكون حجة في الحلف به.
(وقال أبو سعيد) الخدري ﵁ (قال النبي ﷺ قال الله) (لك ذلك وعشرة أمثاله وقال أيوب) النبي ﷺ (وعزتك لا غنى لي عن بركتك) بكسر المعجمة وفتح النون مقصورًا أي لا استغناء أو لا بد ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لا غناء بفتح الغين المعجمة والمد والأول أولى لأن معنى الممدود الكفاية يقال ما عند فلان غناء أي لا يغتنى به.
٦٦٦١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ». رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال (حدّثنا شيبان) بفتح الشين المعجمة والموحدة بينهما تحتية ساكنة ابن عبد الرَّحمن النحوي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) ﵁ وسقط ابن مالك لأبي ذر أنه قال: (قال النبي ﷺ ¬):
(لا تزال جهنم تقول) بلسان القال مستفهمة (هل من مزيد) في أي لا أسع غير ما امتلأت به أو هل من زيادة فأزاد (حتى يضع رب العزة) جل وعلا (فيها قدمه) هو من المتشابه وقيل فيه هم الذين قدمهم الله لها من شرار خلقه فهم قدم الله للنار كما أن المسلمين قدمه للجنة، والقدم كل ما قدمت من غير أو شر وتقدمت لفلان فيه قدم أي تقدم من خير أو شر، وقيل وضع القدم على الشيء مثل للردع والقمع فكأنه قال: يأتيها أمر الله فيكفها من طلب المزيد، وقيل أراد به تسكين فورتها كما يقال للأمر تريد إبطاله وضعته تحت قدمي (فتقول) جهنم إذا وضع فيها قدمه (قط قط) بسكون الطاءين وكسرهما مع التخفيف فيهما والتكرار للتأكيد أي حسب حسب قد اكتفيت (وعزتك ويزوى) بضم التحتية وسكون الزاي وفتح الواو يجمع ويقبض (بعضها إلى بعض رواه) أي الحديث (شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر العسقلاني: وأصله روايته في تفسير سورة ق، وأشار بذلك إلى أن الرواية الموصولة عن أنس بالعنعنة لكن شعبة ما كان يأخذ عن شيوخه الذين ذكر عنهم التدليس إلا ما صرحوا فيه بالتحديث.
والحديث أخرجه مسلم في صفة النار والترمذي في التفسير والنسائي في النعوت.
١٣ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ: لَعَمْرُ اللَّهِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَعَمْرُكَ لَعَيْشُكَ.
(باب قول الرجل لعمر الله) لأفعلن كذا لعمرك مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا ومثله لأيمن الله ولأفعلنّ جواب القسم وتقديره لعمرك قسمي أو يميني والعمر والعمر بالفتح والضم هو البقاء إلا أنهم التزموا الفتح في القسم. قال الزجاج لأنه أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمري ولعمرك وله أحكام منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء لزم فيه الرفع بالابتداء وحذف خبره لسدّ جواب القسم مسدّه، ومنها أنه يصير صريحًا في القسم أي يتعين فيه بخلاف غيره نحو عهد الله وميثاقه، ومنها أنه يلزم فتح عينه فإن لم يقترن به لام الابتداء جاز نصبه بفعل مقدر نحو عمر الله لأفعلن ويجوز حينئذٍ في الجلالة الشريفة وجهان النصب والرفع فالنصب على أنه مصدر مضاف لفاعله وفي ذلك معنيان. أحدهما: أن الأصل أسألك بتعميرك الله أي بوصفك الله تعالى بالبقاء ثم حذف زوائد
стр. 4176
المصدر، والثاني أن المعنى عبادتك الله والعمر العبادة وأما الرفع فعلى أنه مضاف لمفعوله قال الفارسي معناه عمرك الله تعميرًا وجاز أيضًا ضم عينه وينشد بالوجهين قوله:
أيها المنكح الثريا سهيلاً … عمرك الله كيف يلتقيان
ويجوز دخول باء الجر نحو بعمرك لأفعلن قال:
رقي بعمركم لا تهجرينا … ومنينا المنى ثم امطلينا
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة فلا يقطع عنها وزعم بعضهم أنه لا يضاف إلى الله تعالى وقد سمعت قال الشاعر:
إذا رضيت عليّ بنو قشير … لعمر الله أعجبني رضاها
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلم لأنه حلف بحياة المقسم وقد ورد ذلك قال النابغة:
لعمري وما عمري عليّ بهين … لقد نطقت بطلاً عليَّ الأقارع
وقد اختلف هل تنعقد بها اليمين فعن المالكية والحنفية تنعقد لأن بقاء الله من صفات ذاته. وعن مالك لا يعجبني اليمين بذلك، وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلا بالنية لأنه يطلق على العلم وعلى الحق وقد يراد بالعلم المعلوم وبالحق ما أوجبه الله وعن أحمد في الراجح كالشافعي. وأجيب عن الآية بأن لله أن يقسم من خلقه بما يشاء وليس ذلك لهم لثبوت النهي عن الحلف بغير الله.
(قال ابن عباس) ﵄ مما وصله ابن أبي حاتم (لعمرك) أي (لعيشك) والحياة والعيش واحد.
٦٦٦٢ - حَدَّثَنَا الأُوَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ح وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِىَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ وَكُلٌّ حَدَّثَنِى طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ.
وبه قال: (حدّثنا الأويسي) بضم الهمزة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر السين المهملة بعدها تحتية مشددة عبد العزيز المدني قال: (حدّثنا إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (ح) لتحويل السند قال البخاري:
(وحدّثنا حجاج بن منهال) الأنماطي قال: (حدّثنا عبد الله بن عمر النميري) بضم النون وفتح الميم مصغرًا قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (قال: سمعت الزهري قال: سمعت عروة بن الزبير) بن العوّام (وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص) الليثي (وعبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الأربعة يحدثون (عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك) بكسر الهمزة (ما قالوا فبرأها الله) تعالى بما أنزله في سورة النور (وكل) من الأربعة عروة ومن بعده (حدثني) بالإفراد (طائفة) قطعة (من الحديث) زاد أبو ذر عن الكشميهني وفيه أي في الحديث المروي طويلاً في المغازي (فقام النبي ﷺ فاستعذر) طلب من يعذره (من عبد الله بن
أبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة ابن سلول أي من ينصف منه (فقام أسيد بن حضير) بالتصغير فيهما (فقال لسعد بن عبادة) سيد الخزرج: (لعمر الله لنقتلنه) بالنون المفتوحة وسكون القاف ولام التأكيد والنون المشدّدة.
والحديث سبق في المغازي والتفسير والغرض منه قول أسيد لعمر الله لنقتلنه.
١٤ - باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى في سورة البقرة (﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾) ما يجري على اللسان من غير قصد للحلف نحو لا والله وبلى والله (﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾) يعاقبلم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس، وتمسك الشافعي ﵀ بهذا النص على وجوب الكفارة في اليمين الغموس لأن كسب القلب العزم والقصد فذكر المؤاخذة بكسب القلب. وقال: في آية المائدة ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩] وعقد اليمين محتمل لأن يكون المراد منه عقد القلب به ولأن يكون المراد به العقد الذي يضاده الحل فلما ذكر هنا قوله ﴿بما كسبت قلوبكم﴾ علمنا أن المراد من ذلك العقد هو عقد القلب، وأيضًا ذكر
стр. 4177
المؤاخذة هنا ولم يبين تلك المؤاخذة ما هي وبينها في آية المائدة بقوله (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) فكفارته فبين أن المؤاخذة هي الكفارة فكل مؤاخذة من هاتين الآيتين مجملة من وجه مبينة من وجه آخر فصارت كل واحدة منهما مفسرة للأخرى من وجه وحصل من كل واحدة منهما أن كل يمين ذكرت على سبيل الجدّ وربط القلب بها، فالكفارة فيها ويمين الغموس كذلك كانت الكفارة واجبة فيها (﴿والله غفور حليم﴾) [البقرة: ٢٢٥] حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم، وسقط لأبي ذر من قوله (ولكن) الخ وقال الآية:
٦٦٦٣ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ [البقرة: ٢٢٥] قَالَ: قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِى قَوْلِهِ لَا وَاللَّهِ بَلَى وَاللَّهِ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (محمد بن المثنى) العنزي الحافظ قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام) أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها قالت في قوله تعالى (﴿لا يؤاخذكم الله باللغو﴾) [البقرة: ٢٢٥] زاد أبو ذر فى أيمانكم (قال: قالت أنزلت في قوله لا والله وبلى والله) وبه تمسك الشافعي أيضًا لكونها شهدت التنزيل فهي أعلم من غيرها بالمراد وقد جزمت بأنها نزلت في قول لا والله وبلى والله، وقد صرح برفعه عن عائشة في حديثها المروي في سنن أبي داود من طريق إبراهيم الصائغ عن
عطاء عنها أن رسول الله ﷺ قال: "لغو اليمين هو كلام الرجل في يمين كلا والله وبلى والله". وأشار أبو داود إلى أنه اختلف على عطاء وعلى إبراهيم في رفعه ووقفه.
١٥ - باب إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِى الأَيْمَانِ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]
وَقَالَ ﴿لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا حنث) بكسر النون وبالمثلثة الحالف حال كونه (ناسيًا في الأيمان) هل تجب عليه الكفارة أو لا (وقول الله تعالى ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾) [الأحزاب: ٥] أي لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهي وسقطت الواو لأبي ذر (وقال) تعالى: (﴿لا تؤاخذني بما نسيت﴾) [الكهف: ٧٣] بالذي نسيته أو بنسياني ولا مؤاخذة على الناسي.
٦٦٦٤ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ».
وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) السلمي بضم السين قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين ابن كدام بكسر الكاف وتخفيف المهملة قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا زرارة بن أوفى) بضم الزاي وتخفيف الراء وأوفى بالفاء وفتح الهمزة العامري قاضي البصرة (عن أبي هريرة) ﵁ (يرفعه) إلى النبي ﷺ وسبق في العتق من رواية سفيان من مسعر بلفظ عن النبي ﷺ بدل قوله هنا يرفعه (قال):
(إن الله) (تجاوز لأمتي عما وسوست أو) قال (حدثت به أنفسها) بالنصب للأكثر وبالرفع لبعضهم أي بغير اختيارها كقوله تعالى: ﴿ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ [ق: ١٦] (ما لم تعمل به) بالذي وسوست أو حدّثت (أو تكلم) بفتح الميم بلفظ الماضي. وقال الكرماني، وتبعه العيني بالجزم قال: وأراد أن الوجود الذهني لا أثره له وإنما الاعتبار بالوجود القولي في القوليات والعملي في العمليات.
فإن قلت: ليس في الحديث ذكر النسيان الذي ترجم به. أجيب: بأن مراد البخاري إلحاق ما يترتب على النسيان بالتجاوز لأنه من متعلقات عمل القلب، وظاهر الحديث أن المراد بالعمل عمل الجوارح لأن المفهوم من لفظ ما لم تعمل يشعر بأن كل شيء في الصدر لا يؤاخذ به سواء توطن أو لم يتوطن، وفي الحديث إشارة إلى عظم قدر الأمة المحمدية لأجل نبيها لقوله: تجاوز لأمتي واختصاصها بذلك.
والحديث سبق في الطلاق والعتاق.
٦٦٦٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَوْ مُحَمَّدٌ عَنْهُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِى عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ يَوْمَئِذٍ فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَىْءٍ إِلاَّ قَالَ: افْعَلْ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن الهيثم) بفتح الهاء والمثلثة المؤذن البصري (أو) حدّثنا (محمد) هو ابن يحيى الذهلي (عنه) عن عثمان بن الهيثم وكل من عثمان بن الهيثم ومحمد الذهلي شيخ البخاري وكذا وقع مثل هذا في باب الذريرة أواخر كتاب اللباس (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال: سمعت ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (يقول: حدثني) بالإفراد (عيسى بن طلحة) بن عبيد الله بضم العين التيمي (أن عبد الله بن عمرو بن العاص) ﵄ (حدّثه أن النبي ﷺ بينما) بالميم (هو يخطب يوم النحر) بمنى على ناقته (إذ قام إليه
стр. 4178
رجل) لم يسم (فقال: كنت أحسب يا رسول الله كذا وكذا قبل كذا وكذا) أي حلقت قبل أن أنحر نحرت قبل أن أرمي كما في مسلم من رواية يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج (ثم قام آخر فقال: يا رسول الله كنت أحسب كذا وكذا لهؤلاء) لأجل هؤلاء (الثلاث) الحلق والنحر والرمي (فقال النبي ﷺ ¬) لكل من الرجلين (افعل ولا حرج) لا إثم ولا فدية في التقديم والتأخير (لهن) لأجل هؤلاء الثلاث (كلهن يومئذٍ فما سئل) ﷺ (يومئذٍ عن شيء) من الرمي والنحر والحلق قدم ولا أخر (إلا قال افعل افعل) كذا بالتكرار مرتين لأبي ذر عن الحموي وسقط الثاني لغيره أي افعل ذلك التقديم والتأخير (ولا حرج) عليك مطلقًا.
والحديث سبق في العلم بلفظ: إن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال: "اذبح ولا حرج" فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال: (ارم ولا حرج) وكذا هو في باب الفتيا على الدابة عند الجمرة من كتاب الحج.
٦٦٦٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِىِّ ﷺ زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ قَالَ: «لَا حَرَجَ» قَالَ آخَرُ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ: «لَا حَرَجَ» قَالَ آخَرُ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ قَالَ: «لَا حَرَجَ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس الحافظ أبو عبد الله اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا أبو بكر) ولأبي ذر أبو بكر بن عياش بالمثناة التحتية والشين المعجمة ابن سالم الأزدي الكوفي المقرئ الحناط بالحاء المهملة والنون المشدّدة مشهور بكنيته والأصح أنها
اسمه ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح (عن عبد العزيز بن رفيع) بضم الراء وفتح الفاء بعدها تحتية ساكنة فعين مهملة أبي عبد الله الأسدي المكي سكن الكوفة (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال رجل) أي يسم (للنبي ﷺ زرت) أي طفت طواف الزيارة (قبل أن أرمي) الجمرة (قال) ﵊:
(لا حرج) لا إثم عليك (قال آخر) لم يسم: (حلقت) شعر رأسي (قبل أن أذبح) هديي (قال لا حرج) عليك (قال آخر) ثالث لم يسم (ذبحت) هديي (قبل أن أرمي) الجمرة (قال: لا حرج) عليك.
والحديث سبق بالحج.
٦٦٦٧ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يُصَلِّى وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَجَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ سَلَّمَ فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» قَالَ فِى الثَّالِثَةِ: فَأَعْلِمْنِى قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، وَاقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِىَ وَتَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِىَ قَائِمًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِى صَلَاتِكَ كُلِّهَا».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق بن منصور) أبو يعقوب الكوسج المروزي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن عمر) العمري (عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رجلاً) اسمه خلاد بن رافع (دخل المسجد يصلّي) ولأبي ذر عن الكشميهني فصلّى بالفاء بدل التحتية (ورسول الله ﷺ في ناحية المسجد فجاء) الرجل (فسلم عليه) ﷺ (فقال له) بعدما ردّ عليه¬ السلام:
(ارجع صل فإنك لم تصل) نفي للحقيقة الشرعية ولا شك في انتفائها بانتفاء ركن أو شرط منها وفي رواية أعد صلاتك (فرجع) الرجل (فصلّى ثم سلم) عليه ﷺ (فقال) له (وعليك) السلام (ارجع فصل فإنك لم تصل) فرجع فصلّى ثم (قال) الرجل (في الثالثة فأعلمني) بقطع الهمزة ولأبي ذر عن الكشميهني في الثانية أو الثالثة فأعلمني أي يا رسول الله (قال) ﵊: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء) بهمزة قطع مفتوحة (ثم استقبل القبلة فكبر) تكبيرة الإحرام (واقرأ بما تيسر معك من القرآن) ما موصولة ومعك متعلق بتيسر أو بحال من القرآن ومن تبعيضية ويبعد أن يتعلق من القرآن باقرأ لأنه لا يجب عليه ولا يستحب له أن يقرأ جميع ما تيسر له من القرآن
ولأحمد وابن حبان ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت (ثم اركع حتى) إلى أن (تطمئن) أي تسكن حال كونك (راكعًا ثم ارفع رأسك حتى تعتدل) حال كونك (قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن) حال كونك (ساجدًا ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن) حال كونك (جالساً ثم اسجد حتى تطمئن) حال كونك (ساجدًا ثم ارفع حتى تستوي) حال كونك (قائمًا ثم افعل ذلك) المذكور من التكبير وما بعده (في صلاتك كلها) فرضًا ونفلاً على اختلاف أوقاتها وأسمائها أو أكد الصلاة بكل لأنها أركان
стр. 4179
متعددة.
والحديث سبق في باب وجوب القراءة للإمام والمأموم وليس فيه مطابقة لما ترجم له هنا نعم في باب وجوب القراءة والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فبذا تحصل المطابقة، وأورد المصنف هذه الرواية هنا العارية عن هذه الزيادة تشحيذًا للأذهان -رحمه الله تعالى- ما أدق نظره.
٦٦٦٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِى الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ هَزِيمَةً تُعْرَفُ فِيهِمْ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ أَىْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِىَ وَأُخْرَاهُمْ فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ فَقَالَ: أَبِى أَبِى قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا انْحَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ، قَالَ عُرْوَةُ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِى حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةٌ حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ.
وبه قال: (حدّثنا فروة بن أبي المغراء) بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والمغراء بفتح الميم وسكون الغين المعجمة والراء ممدود الكندي الكوفي قال: (حدّثنا علي بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء القرشي الكوفي (عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه عن عائشة ﵂) أنها (قالت: هزم) بضم الهاء وكسر الزاي (المشركون يوم) وقعة (أُحُد هزيمة تعرف فيهم فصرخ إبليس) يخاطب المسلمين (أي عباد الله) احذروا (أخراكم) الذين من ورائكم فاقتلوهم أراد أن يقتل المسلمون بعضهم بعضًا ولأبي ذر: آخركم (فرجعت أولاهم) لقتال أخراهم ظانين أنهم من المشركين (فاجتلدت) بالجيم فاقتتلت (هي وأخراهم فنظر حذيفة بن اليمان فإذا هو بأبيه) اليمان يقتله المسلمون يظنونه من المشركين (فقال) حذيفة لهم: هذا (أبي) هذا (أبي) لا تقتلوه (قالت) عائشة: (فوالله ما انحجزوا) بالنون الساكنة والحاء المهملة والجيم المفتوحتين والزاي المضمومة كذا في اليونينية وفي غيرها ما احتجزوا بفوقية بين الحاء والجيم من غير نون أي ما انفصلوا عنه (حتى قتلوه) وعند ابن إسحاق: وأما اليمان فاختلفت أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه فقال حذيفة: قتلتم أبي، قالوا: والله ما عرفناه (فقال حذيفة) معتذرًا عنهم: (غفر الله لكم. قال عروة) بن الزبير: (فوالله ما زالت في حذيفة منها) من قتلة أبيه (بقية حتى لقي الله) أي بقية من حزن وتحسر من قتل أبيه كذا قرره الكرماني، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بقية خير بالإضافة إلى خير الساقطة من الرواية الأخرى أي: استمر الخير فيه من الدعاء والاستغفار لقاتل أبيه، واعترض في الفتح على الكرماني في تفسيره بقية بالحزن والتحسر فقال: إنه وهم سبقه غيره إليه، وإن الصواب أن المراد أنه حصل له خير بقوله للمسلمين الذين قتلوا أباه خطأ غفر الله
لكم فاستمر ذلك الخير فيه إلى أن مات، وتعقبه العيني قال: إن نسبة الكرماني إلى الوهم وهم لأن الكرماني إنما فسره على رواية الكشميهني والأقرب فيها ما فسره لأنه تحسر على قتل أبيه على يد المسلمين غاية التحسر. وأجاب في انتقاض الاعتراض بأنه لم ينكر أنه تحسر وإنما تفسير خير بالتحسر.
قيل مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن النبي ﷺ لم ينكر على الذين قتلوا اليمان لجهلهم فجعل الجهل هنا كالنسيان فمن ثم ناسب دخول الحديث هنا مع أنه فيه اليمين وهو قول حذيفة فوالله.
والحديث سبق في باب ذكر حذيفة من آخر المناقب.
٦٦٦٩ - حَدَّثَنِى يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنِى عَوْفٌ، عَنْ خِلَاسٍ وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهْوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدثني) بالإفراد (عوف) بفتح العين المهملة وسكون الواو بعدها فاء الأعرابي (عن خلاس) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وبعد الألف سين مهملة ابن عمرو الهجري (ومحمد) هو ابن سيرين كلاهما (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(من أكل) حال كونه (ناسيًا وهو) أي والحال أنه (صائم فليتم صومه) الفاء جواب الشرط واللام لام الأمر وهي بعد الواو والفاء ساكنة ويتم من أتم مضاعف الآخر مفتوح ويجوز كسره على التقاء الساكنين وتسميته صومًا والأصل الحقيقة الشرعية دليل على عدم القضاء (فإنما أطعمه الله) (وسقاه) فليس له مدخل بوجه بخلاف المعتمد وفيه دلالة على عدم تكليف الناسي.
ومرّ الحديث في باب الصائم إذا أكل أو شرب من كتاب الصوم.
٦٦٧٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِىُّ ﷺ فَقَامَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ فَمَضَى فِى صَلَاتِهِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ انْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ وَسَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَسَلَّمَ.
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية عبد الرَّحمن العسقلاني الخراساني الأصل قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب)
стр. 4180
محمد بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن أبي ذئب (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن عبد الله ابن بحينة) بضم
الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها نون فهاء تأنيث اسم أمه واسم أبيه مالك بن القشب بكسر القاف وسكون الشين المعجمة بعدها موحدة الأزدي حليف بني المطلب ﵁ أنه (قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ ¬) الظهر (فقام في الركعتين الأوليين قبل أن يجلس) معطوف على صلّى وفي في قوله في الركعتين بمعنى من كقوله:
ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال.
ويحتمل أن تكون على بابها أي قام في جلوس الركعتين قبل أن يتمهما والأوليين بضم الهمزة وسكون الواو وتحتيتين (فمضى) ﷺ (في صلاته فلما قضى صلاته) أي قارب ذلك وإلا فالتسليمة الأولى من نفس الصلاة عند الجمهور وكذا الثانية على المرجح عندنا وقرينة المجاز قوله (انتظر الناس تسليمه فكبّر وسجد) بالواو ولأبي ذر فسجد بالفاء للسهو (قبل أن يسلم ثم رفع رأسه) من السجود (ثم كبّر وسجد) ثانيًا (ثم رفع رأسه) من السجود (وسلم).
ومطابقة الحديث من حيث أن فيه ترك القعدة الأولى ناسيًا.
والحديث مرّ في سجود السهو من أواخر كتاب الصلاة.
٦٦٧١ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا قَالَ مَنْصُورٌ: لَا أَدْرِى إِبْرَاهِيمُ وَهِمَ أَمْ عَلْقَمَةُ، قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ»؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: «هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لِمَنْ لَا يَدْرِى زَادَ فِى صَلَاتِهِ أَمْ نَقَصَ فَيَتَحَرَّى الصَّوَابَ فَيُتِمُّ مَا بَقِىَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه أنه (سمع عبد العزيز بن عبد الصمد) العمي بفتح العين المهملة وتشديد الميم المكسورة وسقط لفظ أنه اختصارًا على عادتهم قال: (حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن ابن مسعود) عبد الله (﵁ أن نبي الله ﷺ صلّى بهم صلاة الظهر فزاد أو نقص منها. قال منصور) هو ابن المعتمر المذكور (لا أدري إبراهيم) النخعي (وهم) بفتح الواو وكسر الهاء أي غلط وسها في الزيادة والنقصان (أم علقمة) بن قيس وهم وجزم في رواية جرير عن منصور المذكورة في أبواب القبلة بأن إبراهيم هو الذي تردد ولفظه قال: قال إبراهيم لا أدري زاد أو نقص (قال: قيل) له لما سلم (يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت) بهمزة الاستفهام الإخباري (قال) ﷺ :
(وما ذاك قالوا: صليت كذا وكذا) كناية عما وقع إما زائد على المعهود أو ناقص منه (قال)
ابن مسعود: (فسجد بهم سجدتين) لما تذكر أنه نسي (ثم قال) ﵊: (هاتان السجدتان لمن لا يدري زاد في صلاته أم نقص فيتحرى) بإثبات الياء خطًّا ولأبي ذر فيتحر (الصواب) بإسقاطها أي يجتهد في تحقيق الحق بأن يأخذ بالأقل (فيتم) بضم الميم مشددة ولأبي ذر مفتوحة ولأبي الوقت ثم يتم (ما بقي) عليه (ثم يسجد سجدتين) للسهو ندبًا.
قيل والمطابقة بين الحديث والترجمة من قوله: أنسيت ولا يخفى ما فيه وقيل ذكر هذا الحديث استطرادًا بعد الحديث السابق. وقال في الكواكب بعد قوله وهم: أي في الزيادة والنقصان لفظ أقصرت صريح في أنه نقص ولكنه وهم من الراوي، والصواب ما تقدم في الصلاة بلفظ أحدث في الصلاة شيء قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا الخ وقال في باب سجود السهو عن أبي هريرة: أنه ﷺ انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت قال: ويحتمل أن يجاب بأن المراد من القصر لازمه وهو التغيير فكأنه قال: أغيرت الصلاة عن وضعها.
والحديث سبق في باب التوجه نحو القبلة وفي باب سجود السهو.
٦٦٧٢ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ قَالَ: «كَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا».
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو بن دينار) بفتح العين قال: (حدثني) بالإفراد (سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس) ﵄ (فقال: حدّثنا أبي بن كعب) حذف مقول سعيد بن جبير وهو ثابت في تفسير سورة الكهف وغيرها بلفظ قلت لابن عباس إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل فقال ابن عباس: كذب
стр. 4181
عدوّ الله حدثني أبي بن كعب (أنه سمع رسول الله ﷺ قال): كذا لأبي ذر عن الحموي والمستملي وله عن الكشميهني يقول:
(لا تؤاخذني) فيه حذف أيضًا كثير يطول ذكره وتقديره يقول في تفسير قوله تعالى (﴿لا تؤاخدني بما نسيت﴾) أي من وصيتك (﴿ولا ترهقني من أمري عسر﴾) [الكهف: ٧٣] لا تضايقني بهذا القدر فتعسر مصاحبتك (قال): ولأبي ذر فقال: أي النبي ﷺ (كانت الأولى من موسى نسيانًا) أي عند إنكار خرق السفينة كان ناسيًا لما شرط عليه الخضر في قوله: ﴿فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا﴾ [الكهف: ٧٠] وإنما أخذه بالنسيان مع عدم المؤاخذة به شرعًا عملاً بعموم شرطه فلما اعتذر بالنسيان علم أنه خارج بحكم الشرع من عموم الشرط وبهذا التقرير يتجه إيراد هذا الحديث في هذه الترجمة قاله في فتح الباري.
٦٦٧٣ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَتَبَ إِلَىَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ قَالَ: قَالَ: الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ لَهُمْ فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ
أَنْ يَرْجِعَ لِيَأْكُلَ ضَيْفُهُمْ، فَذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِى عَنَاقٌ جَذَعٌ عَنَاقُ لَبَنٍ، هِىَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَىْ لَحْمٍ، فَكَانَ ابْنُ عَوْنٍ يَقِفُ فِى هَذَا الْمَكَانِ عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِىِّ، وَيُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَقِفُ فِى هَذَا الْمَكَانِ وَيَقُولُ: لَا أَدْرِى أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ غَيْرَهُ أَمْ لَا. رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(قال أبو عبد الله) البخاري بالسند السابق إليه وسقط ذلك لأبي ذر (كتب إليّ) بتشديد الياء (محمد بن بشار) بالشين المعجمة المشددة المعروف ببندار، ولأبي ذر: كتب إليّ من محمد بن بشار فزاد لفظة من، وقد أورده بصيغة المكاتبة ولعله لم يسمع منه هذا الحديث فرواه عنه بالمكاتبة وقد أخرج أصل الحديث من عدة طرق أخرى موصولة كما تقدم في العيدين وغيره ولم يقع له صيغة المكاتبة في صحيحه الجامع عن أحد من مشايخه إلا في هذا الموضع نعم أخرج بصيغة المكاتبة كثيرًا من رواية التابعي عن الصحابي ومن رواية غير التابعي عن التابعي ونحو ذلك، وقد ذكرت حكم المكاتبة ومبحثها في الفصل الثالث من مقدمة هذا الشرح، وقد أخرج الحديث أبو نعيم من رواية الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن بشار بندار قال: (حدّثنا معاذ بن معاذ) التميمي العنبري الحافظ قاضي البصرة قال: (حدّثنا ابن عون) بفتح العين المهملة وسكون الواو محمد (عن الشعبي) عامر بن شراحيل أنه (قال: قال البراء بن عازب) ﵄ (وكان عندهم ضيف لهم) بإثبات الواو قبل كان وعند الإِسماعيلي بإسقاطها (فأمر أهله أن يذبحوا قبل أن يرجع) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قبل أن يرجعهم بفتح الياء أي قبل أن يرجع إليهم وظاهره أن ذلك وقع للبراء لكن المشهور أن ذلك لخاله أبي بردة بن نيار كما في الأضاحي من طريق زبيد عن الشعبي عن البراء قال في الكواكب: أبو بردة هو خاله وكانوا أهل بيت واحد فتارة نسب إلى نفسه وأخرى إلى خاله (ليأكل ضيفهم فذبحوا قبل الصلاة) أي قبل صلاة العيد (فذكروا ذلك) الذبح قبل الصلاة (للنبي ﷺ فأمره أن يعيد الذبح فقال: يا رسول الله عندي عناق) بفتح العين المهملة وتخفيف النون أنثى من أولاد المعز (جذع) بفتح الجيم والمعجمة طعنت في السنة الثالثة صفة لعناق (عناق لبن) بالإضافة بدل من عناق الأول (هي خير من شاتي لحم) بالتثنية زاد في رواية فرخص له في ذلك وفي رواية الإِسماعيلي قال البراء: يا رسول الله وهذا صريح في أن القصة وقعت للبراء. قال ابن حجر: فلولا اتحاد المخرج لأمكن التعدد، لكن القصة متحدة والسند متحد من رواية الشعبي عن البراء والاختلاف من الرواة عن الشعبي فكأنه وقع في هذه الرواية اختصار وحذف، ويحتمل أن يكون البراء شارك خاله في سؤال النبي ﷺ عن القصة فنسبت كلها إليه تجوّزًا (وكان ابن عون) محمد الراوي (يقف في هذا المكان عن حديث الشعبي) عامر (ويحدث عن محمد بن سيرين بمثل هذا الحديث ويقف في هذا المكان) أي يترك تكملته (ويقول): ولأبي ذر فيقول (لا أدري أبلغت الرخصة) وهي قوله ﷺ ضح بالعناق
الذي عندك (غيره أم لا لله)؟ أي غير البراء (رواه أيوب) السختياني (عن ابن سيرين) محمد (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬).
وهذا وصله المؤلّف في أوائل الأضاحي ومطابقة الحديث للترجمة لم أفقهها والله الموفق.
٦٦٧٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ عِيدٍ، ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ ذَبَحَ فَلْيُبَدِّلْ مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي البصري قاضي مكة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
стр. 4182
الأسود بن قيس) العبدي الكوفي أنه (قال: سمعت جندبًا) بضم الجيم وفتح الدال المهملة وبالباء الموحدة ابن عبد الله البجلي ﵁ أنه (قال: شهدت النبي ﷺ يوم عيد) أي عيد الأضحى (ثم خطب ثم قال):
(من ذبح) أي قبل الصلاة (فليبدل مكانها) بضم التحتية وفتح الموحدة وتشديد الدال كذا في اليونينية وفي نسخة فليبدل بسكون الموحدة وتخفيف الدال أي فليذبح غيرها (ومن لم يكن ذبح) قبل الصلاة (فليذبح) بعدها (باسم الله) وهذا ثابت في رواية أبي ذر.
ومناسبة الحديث والذي قبله للترجمة قال الكرماني وتبعه العيني وابن حجر الإشارة إلى التسوية بين الجاهل بالحكم والناسي في وقت الذبح فليتأمل.
١٦ - باب الْيَمِينِ الْغَمُوسِ
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ، عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ النحل: ٩٤] دَخَلاً مَكْرًا وَخِيَانَةً.
(باب) حكم (اليمين الغموس) بفتح الغين المعجمة وضم الميم وبعد الواو الساكنة سين مهملة فعول بمعنى فاعل لأنها تغمس صاحبها في الإِثم ثم في النار وقول الله تعالى في سورة النحل: (﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم﴾) دخلاً مفعول ثان لتتخذوا والدخل الفساد والدغل وقال: الواحدي الغش والخيانة وقيل ما أدخل في الشيء على فساد (﴿فتزل قدم﴾) أي فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام (﴿بعد ثبوتها وتذوقوا السوء﴾) في الدنيا (﴿بما صددتم﴾) بصدودكم (﴿عن سبيل الله﴾) وخروجكم عن الدين (﴿ولكم عذاب عظيم﴾) [النحل: ٩٤] في الآخرة قال في الكشاف: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف فأقدام كثيرة. قال أبو حيان: الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو مجموع وتارة يلحظ فيه اعتبار كل فرد فرد فإذا لوحظ فيه المجموع كان الإِسناد معتبرًا فيه الجمعية، إذا لوحظ فيه كل فرد فرد كان الإسناد مطابقًا للفظ الجمع كثيرًا فيجمع ما أسند إليه ومطابقًا لكل فرد
فرد فيفرد كقوله تعالى ﴿وأعتدت لهن متكأ وآتت﴾ [يوسف: ٣١] أفرد متكأ لما كان لوحظ في قوله لهن معنى لكل واحدة، ولو جاء مرادًا به الجمعية أو على الكثير في الوجه الثاني لجمع المتكأ وعلى هذا المعنى يحمل قول الشاعر:
فإني رأيت الضامرين متاعهم … يموت ويفنى فارضخي من وعائيا
أي: رأيت كل ضامر ولذلك أفرد الضمير في يموت ويفنى ولما كان المعنى لا يتخذ كل واحد واحد منكم جاء فتزل قدم مراعاة لهذا المعنى، ثم قال: وتذوقوا السوء مراعاة للمجموع أو للفظ الجمع على الوجه الكثير إذا قلنا إن الإسناد لكل فرد فرد فتكون الآية قد تعرضت للنهي عن اتخاذ الإيمان دخلاً باعتبار المجموع وباعتبار كل فرد فرد ودل على ذلك بإفراد قدم وبجمع الضمير في تذوقوا وتعقبه تلميذه شهاب الدين السمين فقال بهذا التقرير الذي ذكره يفوت المعنى الجزل الذي اقتنصه الزمخشري من تنكير قدم وإفرادها وأما البيت المذكور فإن النحويين خرجوه على أن المعنى يموت من ثم ومن ذكر فأفرد الضمير لذلك لا لما ذكر اهـ.
ولم يذكر في غير رواية أبي ذر الآية كلها بل إلى قوله بعد ثبوتها كذا في الفرع وأصله وقال في الفتح وساق في رواية كريمة إلى عظيم (دخلاً) قال قتادة أي: (مكرًا وخيانة) أخرجه عبد الرزاق ومناسبة الآية لليمين الغموس ورود الوعيد على من حلف كاذبًا متعمدًا.
٦٦٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا فِرَاسٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ»
[الحديث ٦٦٧٥ - طرفاه في: ٦٨٧٠ و ٦٩٢٠].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) أبو الحسن المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (النضر) بالضاد المعجمة الساكنة ابن شميل بضم الشين المعجمة قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة ابن يحيى المكتب (قال: سمعت الشعبي) عامرًا يحدث (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الكبائر) جمع كبيرة وهي ما توعد عليها (الإشراك بالله) باتخاذ إله غيره (وعقوق الوالدين) بعصيان أمرهما وترك خدمتهما (وقتل النفس) التي حرم الله إلا بالحق (واليمين الغموس) بأن يحلف على الماضي متعمدًا للكذب كأن يقول: والله ما فعلت كذا أو فعلت كذا نفيًا وإثباتًا وهو يعلم أنه ما فعله أو فعله أو الغموس
стр. 4183
أن يحلف كاذبًا ليذهب بمال أحد ويأتي إن شاء الله تعالى عدّ الكبائر ومباحثها في كتاب الحدود بعون الله تعالى.
والحديث أخرجه أيضًا في الدّيات واستتابة المرتدين والترمذي في التفسير والنسائي فيه وفي القصاص والمحاربة.
١٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٩٥] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل: ٩١].
(باب قول الله تعالى) في سورة آل عمران: (﴿إن الذين يشترون﴾) يستبدلون (﴿بعهد الله﴾) بما عاهدون عليه من الأيمان بالرسول (﴿وأيمانهم﴾) وبما حلفوا به من قولهم لنؤمنن به ولننصرنه (﴿ثمنًا قليلاً﴾) متاع الدنيا (﴿أولئك لا خلاق لهم﴾) لا نصيب لهم (﴿في الآخرة﴾) ونعيمها وهذا مشروط بالإجماع بعدم التوبة فإن تاب سقط الوعيد (﴿ولا يكلمهم الله﴾) كلامًا يسرهم (﴿ولا ينظر إليهم يوم القيامة﴾) نظر رحمة ولا ينيلهم خيرًا وليس المراد منه النظر بتقليب الحدقة إلى المرئي تعالى الله عن ذلك (﴿ولا يزكيهم﴾) ولا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة أو لا يثني عليهم كما يثني على أوليائه كثناء المزكي للشاهد والتزكية من الله قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٤] وقد تكون بغير واسطة إما في الدنيا كما قال تعالى ﴿التائبون العابدون﴾ [التوبة: ١١٢] وأما في الآخرة كما قال تعالى ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ [يس: ٥٨].
ثم لما بين تعالى حرمانهم مما ذكر من الثواب بين كونهم في العقاب فقال: (﴿ولهم عذاب أليم﴾) [آل عمران: ٧٧] مؤلم كذا في رواية كريمة سياق الآية إلى آخرها وقال في رواية أبي ذر: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم﴾ الآية. واستفيد من الآية أن العهد غير اليمين لعطف العهد عليه.
(وقوله) ولأبي ذر وقول الله تعالى (جل ذكره ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾) فعلة بمعنى المفعولة كالقبضة والغرفة أي لا تجعلوه معرضًا للحلف من قولهم فلان عرضة لكذا أي معرّض. قال كعب:
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت … عرضتها طامس الأعلام مجهول
وقال حسان:
هم الأنصار عرضتها اللقاء
وهما بمعنى معرّض لكذا أو اسم لما تعرضه على الشيء فيكون من عرض العود على الإناء
فيعترض دونه ويصير حاجزًا ومانعًا، والمعنى على هذا النهي أن يحلفوا بالله على أنهم لا يبرون ولا يتقون ويقولون لا نقدر نفعل ذلك لأجل حلفنا أو من العرضة وهي القوّة والشدة يقال جمل عرضة للسفر أي قويّ عليه وقال الزبير:
فهذي لأيام الحروب وهذه … للهوى وهذي عرضة لارتحالنا
أي قوّة وعدة أي لا تجعلوا اليمين بالله قوّة لأنفسكم في الامتناع من البر وقوله (﴿أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾) عطف بيان لأيمانكم أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإِصلاح بين الناس واللام تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخًا، ويجوز أن تكون اللام تعليلية ويتعلق أن تبروا بالفعل أو بالعرضة أي ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم عرضة لأن تبروا وفي ذلك نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به، وذلك لأنه من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له يقول الرجل: قد جعلتني عرضة للومك. قال الشاعر:
ولا تجعليني عرضة للوائم
وقد ذم الله من أكثر الحلف بقوله ﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ وقال تعالى ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ [المائدة: ٨٩] وكان الخلف يمدحون بالإقلال من الحلف والحكمة في الأمر بتقليل الإيمان أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع فلا يؤمن من إقدامه على الإيمان الكاذبة فيختل ما هو الغرض الأصلي من اليمين، وأيضًا كلما كان الإنسان أكثر تعظيمًا لله تعالى كان أكمل في العبودية ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعظم وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية (﴿والله سميع﴾) لأيمانكم (﴿عليم﴾) [البقرة: ٢٢٤] بنياتكم، وسقط لأبي ذر من قوله (أن تبروا) إلى آخر الآية.
(وقوله جل
стр. 4184
ذكره ﴿ولا تشتروا بعهد الله ثمنًا قليلاً﴾) عرضًا من الدنيا يسيرًا (﴿إن ما عند الله﴾) من ثواب الآخرة (﴿هو خير لكم إن كنتم تعلمون﴾) [النحل: ٩٥] وقوله تعالى: (﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾) هي البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ((ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها﴾) بعد توثيقها باسم الله (﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً﴾) [النحل: ٩١] شاهدًا ورقيبًا، وفي رواية أبي ذر ﴿ولا تشتروا بعهد الله ثمنًا قليلاً﴾ إلى قوله ﴿ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً﴾ قال في الفتح: وسقط ذلك لجميعهم ووقع فيه تقديم وتأخير والصواب قوله ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً﴾ إلى قوله ﴿ولا تشتروا بعهد الله ثمنًا قليلاً﴾ ووقع في رواية النسفيّ بعد قوله ﴿عرضة لأيمانكم﴾ ما نصه وقوله ﴿ولا تشتروا يعده الله ثمنًا قليلاً﴾ الآية وقوله ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ الآية.
٦٦٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِىَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن الأعمش) سليمان الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله بن مسعود ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من حلف على) موجب (يمين صبر) بإضافة يمين لصبر مصححًا عليها في الفرع كأصله لما بينهما من الملابسة والأكثر على تنوين يمين فيكون صبر صفة له مصدر بمعنى المفعول أي مصبورة كما في الرواية الأخرى على يمين مصبورة فيكون على التجوّز بوصف اليمين بذلك لأن اليمين الصبر هي التي يلزم الحاكم الخصم بها والمصبور في الحقيقة الحالف لا اليمين، أو المراد أن الحالف هو الذي صبر نفسه وحبسها على هذا الأمر العظيم الذي لا يصبر أحد عليه فالحالف هو الصابر واليمين مصبورة أي مصبور عليها. وزاد المؤلّف في الأشخاص من رواية أبي معاوية وفي الشرب من رواية أبي حمزة كلاهما عن الأعمش هو فيها فاجر لكن رواية أبي معاوية هو عليها فاجر وكأن فيها حذفًا تقديره هو في الإقدام عليها كاذب حال كونه (يقتطع بها) بسبب اليمين (مال امرئ مسلم) أو ذمي ونحوه وفي صحيح مسلم حق امرئ مسلم بيمينه (لقي الله وهو عليه غضبان) جواب من وغضبان لا ينصرف لزيادة الألف والنون أي فيعامله معاملة المغضوب عليه فيعذبه (أنزل الله) (تصديق ذلك) ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانكم ثمنًا قليلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] (إلى آخر الآية) ليس في رواية أبي ذر إلى آخر الآية. وفي مسلم والترمذي: عن أبي وائل عن عبد الله من طريق جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين مرفوعًا: "من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه" الحديث. ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ ، وظاهره أن الآية نزلت قبل وسبق في تفسير سورة آل عمران أنها نزلت فيمن أقام سلعته بعد العصر فحلف كاذبًا فيحتمل أنها نزلت في الأمرين معًا.
٦٦٧٧ - فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فِىَّ أُنْزِلَتْ كَانَتْ لِى بِئْرٌ فِى أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِى فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ» قُلْتُ: إِذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ».
(فدخل الأشعث بن قيس) المكان الذي كانوا به (فقال: ما حدثكم أبو عبد الرَّحمن) عبد الله بن مسعود (فقالوا) ولأبي ذر قالوا (كذا وكذا. قال) الأشعث (في) بتشديد التحتية
(أنزلت) هذه الآية (كانت) وللحموي والمستملي كان (لي بئر في أرض ابن عم لي) اسمه معدان وقيل جرير بن الأسود الكندي ولقبه الجفشيش بفتح الجيم وسكون الفاء وبالشينين المعجمتين بينهما تحتية ساكنة، وفي رواية أبي معاوية كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني ولا تضاد بين قوله ابن عم لي وقوله من اليهود لأن جماعة من أهل اليمن كانوا تهودوا وقد ذكر أنه أسلم فيقال إنما وصفه الأشعث بذلك باعتبار ما كان عليه أولاً (فأتيت رسول الله ﷺ ¬) أي فادعيت عليه (فقال) لي ﷺ :
(بينتك أو يمينه) بالرفع فيهما إما فاعل بفعل مقدر أي تحضر بينتك تشهد لك أو فحقك يمينه فيمينه خبر مبتدأ محذوف أو لك يمينه فيكون مبتدأ والخبر في الجار والمجرور، ويحتمل أن يكون بينتك خبر مبتدأ محذوف أي الواجب بينتك أو يمينه إن لم يكن لك بيّنة. قال الأشعث: (فقلت: إذًا يحلف عليها)
стр. 4185
على البئر (يا رسول الله) وإذا حرف جواب ينصب الفعل المضارع بشروط ثلاثة: أن يكون أوّلاً فلا يعتمد ما بعدها على ما قبلها كما تقول في جواب من قال: أزورك إذًا أكرمك بالنصب فإن اعتمد ما بعدها على ما قبلها رفعت نحو قولك: أنا إذًا أكرمك. الثاني: أن يكون مستقلاً فلو كان حالاً وجب الرفع نحو قولك لمن قال: جاء الحاج إذًا أفرح تريد الحالة التي أنت فيها. الثالث: أن لا يفصل بينهما وبين الفعل بفاصل ما عدا القسم والنداء ولا، فإن دخل عليها حرف عطف جاز في الفعل الرفع والنصب والرفع أكثر نحو قوله تعالى: (﴿وإذًا لا يلبثون خلافك إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٧٦] والفعل هنا في الحديث إن أريد به الحال فهو مرفوع وإن أريد به الاستقبال فهو منصوب وكلاهما في الفرع كأصله والرفع رواية غير أبي ذر وفي رواية أبي معاوية إذن يحلف ويذهب بمالي، وفي رواية أبي معاوية قال: ألك بيّنة؟ فقلت: لا فقال لليهودي احلف وفي رواية أي حمزة فقال لي: شهودك؟ قلت: ما لي شهود. قال: فيمينه، وفي رواية أي وائل من طريق ولده علقمة فانطلق ليحلف (فقال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين صبر) بالإضافة أو بالتنوين كما مر (وهو) أي والحال أنه (فيها فاجر) أي كاذب وقيد به ليخرج الجاهل والناسي والمكره (يقتطع بها) أي بسبب يمينه (مال امرئ مسلم) ويقتطع يفتعل من القطع كأنه قطعه عن صاحبه أو أخذ قطعة من ماله بالحلف المذكور (لقي الله) تعالى (يوم القيامة وهو عليه غضبان).
وفي الحديث سماع الحاكم الدعوى فيما لم يره إذا وصف وحدد وعرفه المتداعيان لكن لم يقع في الحديث تصريح بوصف ولا تحديد، فاستدلّ به القرطبي على أن الوصف والتحديد ليسا بلازمين لذاتهما بل يكفى في صحة الدعوى تمييز المدعى به تمييزًا ينضبط به. قال في الفتح: ولا يلزم من ترك ذكر التحديد والوصف في الحديث أن لا يكون ذلك وقع ولا يستدل بسكوت الراوي عنه بأنه لم يقع بل يطالب من جعل ذلك شرطًا بدليله فإذا ثبت حمل على أنه ذكر في الحديث ولم ينقله الراوي.
وسبق كثير من فوائد هذا الحديث في الشرب والأشخاص ويأتي في الأحكام إن شاء الله تعالى.
١٨ - باب الْيَمِينِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَفِى الْمَعْصِيَةِ، وَفِى الْغَضَبِ
(باب) حكم (اليمين فيما لا يملك) الحالف (و) اليمين (في المعصية و) اليمين (في) حالة (الغضب) وسقط لأبي ذر لفظة في.
٦٦٧٨ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: أَرْسَلَنِى أَصْحَابِى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَىْءٍ» وَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: «انْطَلِقْ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ أَوْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن العلاء) بفتح العين المهملة والمد ابن كريب أبو كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراء ابن عبد الله (عن) جده (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر أو الحارث (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ أنه (قال: أرسلني أصحابي) الأشعريون (إلى النبي ﷺ ¬) عند إرادة غزوة تبوك (أسأله الحملان) بضم الحاء المهملة وسكون الميم أي أن يحملنا على إبل (فقال):
(والله لا أحملكم على شيء) زاد في باب الكفارة وما عندي ما أحملكم وكذا هو في باب لا تحلفوا بآبائكم كما سبق (ووافقته) ﵊ (وهو غضبان) وفي غزوة تبوك وهو غضبان ولا أشعر ورجعت حزينًا من منع النبي ﷺ ومن مخافة أن يكون النبي ﷺ وجد في نفسه في فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي ﷺ فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالاً أي عبد الله بن قيس فأجبته فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك (فلما أتيته) ﷺ (قال: انطلق إلى أصحابك فقل) لهم (إن الله) (أو إن رسول الله ﷺ يحملكم) وفي غزوة تبوك فلما أتيتيه قال: خذ هذين القرينين وهذين القرينين لستة أبعرة ابتاعهن حينئذٍ من سعد فانطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله أو إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء الأبعرة الحديث بتمامه في المغازي بالسند المذكور هنا، وقد فهم ابن بطال
стр. 4186
-رحمه الله تعالى- عن البخاري أنه نحا بهذه الترجمة لجهة تعليق الطلاق قبل ملك العصمة أو الحرية قبل ملك الرقبة ونحو ذلك كأن حلف على أن لا يهب أو لا يتصدق أو لا يعتق، وهو في هذه الحالة لا يملك شيئًا من ذلك، ثم حصل له فوهب أو تصدق أو أعتق فعند جماعة الفقهاء تلزمه الكفارة كما في قصة الأشعريين، ولو حلف أن لا يهب أو لا يتصدق ما دام معدمًا وجعل العدم علة لامتناعه من ذلك، ثم حصل له مال بعد ذلك لم تلزمه كفارة إن وهب أو تصدق لأنه إنما أوقع يمينه على حالة العدم لا على حالة الوجود ولو
حلف أن يعتق ما لا يملكه إن ملكه في المستقبل فقال مالك: إن عين أحدًا أو قبيلة أو جنسًا لزمه العتق وإن قال كل مملوك أملكه أبدًا حر لم يلزمه عتق وكذلك في الطلاق إن عين قبيلة أو بلدة أو صفة ما لزمه الحنث وإن لم يعين لم يلزمه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلزمه الطلاق والعتق عمم أو خصص وقال الشافعي لا يلزمه لا ما خص ولا ما عم.
ويأتي مزيد بحث لهذا الحديث إن شاء الله تعالى في آخر هذا الباب بعون الله تعالى.
٦٦٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ح. وَحَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِىُّ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِىَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا كُلٌّ حَدَّثَنِى طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور: ١١] الْعَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا فِى بَرَاءَتِى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِى قَالَ لِعَائِشَةَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِى الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢] الآيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّى لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِى فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِى كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا عَنْهُ أَبَدًا.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن عبد الله الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن صالح) أي ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (ح) لتحويل السند قال البخاري بالسند السابق أول هذا المجموع إليه.
(وحدّثنا الحجاج) بن منهال قال: (حدّثنا عبد الله بن عمر النميري) بضم النون وفتح الميم قال: (حدّثنا يونس بن يزيد الأيلي) بفتح الهمزة وسكون التحتية وكسر اللام نسبة إلى مدينة إيلة على ساحل بحر القلزم (قال: سمعت الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: سمعت عروة بن الزبير) بن العوّام (وسعيد بن المسيب) المخزومي (وعلقمة بن وقاص) الليث (وعبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون الفوقية ابن مسعود الفقيه الأعمى (عن حديث عائشة) ﵂ (زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله) (مما قالوا) بما أنزله في التنزيل (كل) من الأربعة (حدثني) بالإفراد (طائفة من الحديث) قطعة منه (فأنزل الله) (﴿إن الذين جاؤوا بالإفك﴾) [النور: ١١] والإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء والمراد ما أفك به على عائشة ﵂، والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين واعصوصبوا اجتمعوا وقوله منكم أي من المسلمين (العشر الآيات كلها في براءتي. فقال أبو بكر الصديق) ﵁ (وكان ينفق على مسطح لقرابته منه) وكان ابن خالته (والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا) سقط أبدًا لغير أبي ذر (بعد الذي قال لعائشة) عن عائشة من الإفك (فأنزل
الله) (﴿ولا يأتل﴾) ولا يحلف من ائتلى إذا حلف افتعال من الألية (﴿وأولو الفضل منكم﴾) في الدين (﴿والسعة﴾) في الدنيا (﴿أن يؤتوا﴾) أي لا يؤتوا (﴿أولي القربى﴾) [النور: ٢٢] (الآية) كذا رأيته في الفرع وفي القربى وفي هامشه ما نصه في اليونينية مكتوب القربة وليس عليها تمريض ولا ضبة ومضبوطة بفتح التاء المنقلبة عن الهاء فالله أعلم أنه سهو فليحرّر اهـ. قلت وكذا رأيته في اليونينية وهذا مخالف للتلاوة وفي كثير من الأصول القربى كالتنزيل وهو الصواب (قال أبو بكر) ﵁: (بل والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفقـ) ـها (عليه وقال: والله لا أنزعها عنه أبدًا).
وهذا موضع الترجمة لأن الصديق ﵁ كان حالفًا على ترك طاعة فنهي عن الاستمرار على ما حلف عليه فيكون النهي عن الحلف على فعل المعصية أولى، والظاهر من حاله عند الحلف أن يكون قد غضب على مسطح من أجل خوضه في الإفك.
٦٦٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا».
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين وسكون العين بينهما عبد الله بن عمرو المقعد التميمي المنقري مولاهم البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن القاسم) بن عاصم
стр. 4187
التميمي ويقال الكليني بنون بعد التحتية (عن زهدم) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة ابن مضرب الجرمي أنه (قال: كنا عند أبي موسى الأشعري) ﵁ (فقال أتيت رسول الله ﷺ في نفر من الأشعريين فوافقته) بالقاف بعد الفاء (وهو غضبان فاستحملناه) طلبنا أن يحملنا وأثقالنا على إبل لغزوة تجوك (فحلف) ﷺ (أن لا يحملنا ثم قال) أي بعد أن أتي بنهب إبل من غنيمة وأمر لهم بخمس ذود وانطلقوا فقالوا: تغفلنا رسول الله ﷺ يمينه ورجعوا إليه وذكروا له ذلك وقال: إني لست أنا أحملكم ولكن الله حملكم (والله إن شاء الله لا أحلف على يمين) أي محلوف يمين (فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير) من الذي حلفت عليه (وتحللتها) بالكفارة وقوله وهو غضبان مطابق لبعض الترجمة ووافق أنه حلف على شيء ليس عنده. وقال ابن المنير: لم يذكر البخاري في الباب ما يناسب ترجمة اليمين على المعصية إلا أن يريد يمين أبي بكر على قطيعة مسطح وليست بقطيعة، بل هي عقوبة له على ما ارتكبه من المعصية بالقذف، ولكن يمكن أن يكون حلف على خلاف الأولى فإذا نهى عن ذلك حتى أحنث نفسه وفعل ما فعل على تركه فمن حلف على المعصية يكون أولى قال: ولهذا يقضى بحنث من حلف على معصية من قبل أن يفعلها فالحديث مطابق للترجمة. قال ابن بطال: لأنه ﷺ حلف حين لم يملك ظهرًا يحملهم عليه فلما طرأ الملك حملهم. قال ابن المنير: وفهم ابن بطال عن
البخاري أنه نحا لجهة تعليق الطلاق قبل ملك العصمة أو الحرية قبل ملك الرقبة، والظاهر من قصد البخاري غير هذا وهو: أن النبي ﷺ حلف أن لا يحملهم فلما حملهم وراجعوه في يمينه قال: ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم فبين أن يمينه إنما انعقدت فيما يملكه فلو حملهم على ما يملكه لحنث وكفر ولكنه حملهم على ما لا يملك ملكًا خاصًّا وهو مال الله، وبهذا لا يكون ﵊ قد حنث في يمينه.
وأما قوله في عقب ذلك: لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها فتأسيس قاعدة مبتدأة كأنه يقول ولو كنت حلفت ثم رأيت ترك ما حلفت عليه خيرًا منه لأحنثت نفسي وكفرت عن يميني. قال: وهم إنما سألوه ظنًّا أنه يملك حملانًا فحلف لا يحملهم على شيء يملكه لكونه كان حينئذٍ لا يملك شيئًا من ذلك قال: ولا خلاف أن من حلف على شيء وليس في ملكه أنه لا يفعل فعلاً معلقًا بذلك الشيء مثل قوله: والله لئن ركبت هذا البعير لأفعلن ذا لبعير لا يملكه فلو ملكه وربه حنث وليس هذا من تعليق اليمين على الملك ولو قال: والله لا وهبتك هذا الطعام وهو لغيره فملكه فوهبه له فإنه يحنث ولا يجري فيه الخلاف الذي جرى في تعليق الطلاق على الملك، وإن كان ظاهر ترجمة البخاري أن من حلف على ما لا يملك مطلقًا نوى أو لم ينو ثم ملكه لم يلزمه اليمين اهـ.
قال في فتح الباري: وليس ما قاله ابن بطال ببعيد بل هو أظهر أي مما قاله ابن المنير، وذلك أن الصحابة الذين سألوا الحملان فهموا أنه حلف، وأنه فعل خلاف ما حلف أنه لا يفعله فلذلك لما أمر لهم بالحملان بعد قالوا: تغفلنا رسول الله ﷺ يمينه وظنوا أنه نسي حلفه الماضي فأجابه بأنه لم ينس ولكن الذي فعله خير مما حلف عليه، وأنه إذا حلف فرأى خيرًا من يمينه فعل الذي حلف أن لا يفعله وكفر عن يمينه والله الموفق.
١٩ - باب إِذَا قَالَ وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ الْيَوْمَ فَصَلَّى أَوْ قَرَأَ أَوْ سَبَّحَ أَوْ كَبَّرَ أَوْ حَمِدَ أَوْ هَلَّلَ فَهْوَ عَلَى نِيَّتِهِ
وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: كَتَبَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ: «تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ»، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «كَلِمَةُ التَّقْوَى لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا قال) شخص (والله لا أتكلم اليوم) مثلاً (فصلّى) فرضًا أو نفلاً (أو قرأ) القرآن (أو سبح أو كبر أو حمد أو هلّل) قال: لا إله إلا الله (فهو على نيته) فإن قصد الكلام العرفي لا يحنث وإن قصد التعميم حنث فإن لم ينو فالجمهور على عدم الحنث. قال في الروضة: حلف لا يتكلم حنث بترديد الشعر على نفسه لأن الشعر كلام ولا يحنث بالتسبيح والتهليل والدعاء على الصحيح لأن اسم الكلام عند الإطلاق ينصرف إلى كلام الآدميين في
محاوراتهم، وقيل يحنث لأنه يباح للجنب فهو كسائر الكلام
стр. 4188
ولا يحنث بقراءة القرآن. وقال القفال في شرح التلخيص: لو قرأ التوراة الموجودة اليوم لم يحنث لأنا نشك في أن الذي قرأه مبدل أم لا. اهـ.
وعن الحنفية يحنث، وقال ابن المنير: معنى قول البخاري فهو على نيته أي العرفية. قال: ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يحنث بذلك إلا إن نوى إدخاله في نيته فيؤخذ منه حكم الإطلاق قال: ومن فروع المسألة لو حلف لا كلمت زيدًا ولا سلمت عليه فصلّى خلفه فسلم الإمام فسلم المأموم التسليمة التي يخرج بها من الصلاة فلا يحنث بها جزمًا بخلاف التسليمة التي يرد بها على الإمام فلا يحنث أيضًا لأنها ليست مما ينويه الناس عرفًا وفيه الخلاف اهـ.
وقال النووي: ولو صلّى الحالف خلف المحلوف عليه فسبح لسهوه أو فتح عليه القراءة لم يحنث ولو قرأ آية فهم المحلوف عليه سنها مقصوده فإن قصد القراءة لم يحنث وإلاّ فيحنث.
(وقال النبي ﷺ فضل الكلام أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) أخرجه النسائي موصولاً من حديث أبي هريرة وغرض البخاري من سياق هذا التعليق بيان أن الأذكار ونحوها كلام فيحنث بها.
(وقال أبو سفيان) صخر بن حرب مما سبق موصولاً في حديث هرقل في أوائل الصحيح (كتب النبي ﷺ إلى هرقل: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) لفظ كلمة من باب إطلاق البعض على الكل. (وقال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد من طريق منصور بن المعتمر عنه موقوفًا (كلمة التقوى لا إله إلا الله) فسماها كلمة مع اشتمالها على كلمات.
٦٦٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «قُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب عن أبيه) المسيب بن حزن بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المخزومي أنه (قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فقال) له:
(قل لا إله إلا الله كلمة) بالنصب من موضع لا إله إلا الله ويجوز الرفع بتقدير هو (أحاج) بضم الهمزة وفتح الحاء المهملة وبعد الألف جيم مشددة أصله أحاجج أي أظهر (لك بها) الحجة (عند الله) يوم القيامة فيه أيضًا إطلاق الكلمة على الكلام.
والحديث سبق في قصة أبي طالب في آخر فضائل الصحابة.
٦٦٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِى الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني قال: (حدّثنا محمد بن فضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة ابن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي الضبي مولاهم أبو عبد الرَّحمن الكوفي قال: (حدّثنا عمارة بن القعقاع) بضم العين المهملة وتخفيف الميم والقعقاع بقافين مفتوحتين وعينين مهملتين أولاهما ساكنة ابن شبرمة بضم الشين المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة الضبي بالمعجمة والموحدة المشددة الكوفي (عن أبي زرعة) هرم البجلي (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(كلمتان خفيفتان على اللسان) للين حروفهما (ثقيلتان في الميزان) حقيقة إذ الأعمال عند أهل السنة تجسم حينئذٍ وفيه تحريض وتعريض بأن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفس ثقيلة وهذه خفيفة سهلة عليها مع أنها تثقل في الميزان ثقل غيرها من التكاليف فلا تتركوها (حبيبتان إلى الرَّحمن) محبوبتان أي يحب قائلهما فيجزل له من الثواب ما يليق بكرمه (سبحان الله وبحمده) أي أنزه الله تعالى تنزيهًا عما لا يليق به متلبسًا بحمدي له من أجل توفيقه لي للسبيح (سبحان الله العظيم) ذكر أوّلاً لفظ الجلالة الذي هو اسم للذات المقدسة الجامعة لجميع الصفات العليا والأسماء الحسنى، ثم وصفه بالعظيم الذي هو شامل لسلب ما لا يليق به وإثبات ما يليق به إذ العظمة المطلفة الكاملة مستلزمة لعدم الشريك والتجسم ونحوه وللعلم بكل المعلومات والقدرة على كل المقدورات إلى غير ذلك، وإلاّ لم يكن عظيمًا مطلقًا وكرر التسبيح للإشعار بتنزيهه على الإطلاق وتأتي بقية مباحث ذلك إن شاء الله تعالى
стр. 4189
في آخر الكتاب بعون الله ومنه وكرمه.
وسبق الحديث في كتاب الدعوات.
٦٦٨٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَلِمَةً وَقُلْتُ أُخْرَى: «مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ النَّارَ» وَقُلْتُ أُخْرَى: «مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة المنقري البصري التبوذكي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن شقيق) بفتح الشين وكسر القاف أبي وائل بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ كلمة وقلت) أنا (أخرى) قال ﷺ : (من مات يجعل الله ندًّا) بكسر النون وتشديد الدال المهملة مثلاً ونظيرًا وشريكًا (أدخل النار) بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة أي وخلد فيها (وقلت) أنا كلمة
(أخرى من مات لا يجعل لله فإذا أدخل الجنة) وإن دخل النار لذنب فدخوله الجنة محقق لا بدّ منه، وإنما قال: ابن مسعود ذلك لأنه إذا انتفى الشرك انتفى دخول النار بسببه.
والحديث سبق في الجنائز فيه كالسابق إطلاق الكلمة على بالكلام.
٢٠ - باب مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ شَهْرًا، وَكَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ
(باب) حكم (من حلف أن لا يدخل على أهله) زوجته أو أعم (شهرًا) وهو في أوّل جزء منه (وكان الشهر تسعًا وعشرين) ثم دخل فإنه لا يحنث اتفاقًا فإن كان حلفه في أثناء الشهر ونقص هل يجب تلفيق الشهر ثلاثين أو يكتفي بتسع وعشرين الجمهور على الأول.
٦٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ فَأَقَامَ فِى مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى بن عمرو بن أويس قال: (حدّثنا سليمان بن بلال) المدني (عن حميد) الطويل البصري مولى طلحة الطلحات (عن أنس) ﵁ أنه (قال: آلى) بمد الهمزة المفتوحة وفتح اللام مخففة (رسول الله ﷺ من نسائه) أي حلف لا يدخل عليهن شهرًا (وكانت انفكت رجله) الكريمة (فأقام في مشربة) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء بعدها موحدة مفتوحة غرفة (تسعًا وعشرين ليلة) بأيامها (ثم نزل) ﵊ من المشربة، وفي حديث أم سلمة في الصوم فلما مضى تسعة وعشرون يومًا غدا وهو بالمعجمة أي ذهب أول النهار (فقالوا): وفي مسلم فقالت عائشة: (يا رسول الله آليت) أي حلفت أن لا تدخل علينا (شهرًا فقال):
(إن الشهر يكون تسعًا وعشرين) يومًا.
والحديث سبق في الصوم والإيلاء.
٢١ - باب إِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ نَبِيذًا فَشَرِبَ طِلَاءً أَوْ سَكَرًا أَوْ عَصِيرًا لَمْ يَحْنَثْ فِى قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَهُ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا حلف) شخص (أن لا يشرب نبيذًا) بالذال المعجمة متخذًا من تمر أو زبيب أو نحوهما بأن وضع عليه ماء وترك حتى خرجت حلاوته أسكر أم لا (فشرب طلاء) بكسر الطاء المهملة وتخفيف اللام وبالمد ولأبي ذر عن الكشميهني الطلاء بالتعريف ما طبخ من عصير العنب زاد الحنفية وذهب ثلثه فإن ذهب نصفه فهو المنصف وإن
طبخ أدنى طبخ فهو الباذق (أو) شرب (سكرًا) بفتح المهملة والكاف خمرًا معتصرًا من العنب هكذا رواه الإثبات ومنهم من يرويه بضم السين وسكون الكاف يريد حالة السكر فيجعلون التحريم للسكر لا لنفس المسكر فيبيحون قليله الذي لا يسكر والمشهور الأول (أو) شرب (عصيرًا) ما عصر من العنب (لم يحنث في قول بعض الناس) أي أبي حنيفة وأصحابه (وليست) بالفوقية بعد السين ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وليس (هذه) المذكورات الطلاء والسكر والعصير (بأنبذة عنده) عند أبي حنيفة وأصحابه لأن النبيذ في الحقيقة ما نبذ في الماء ونقع فيه ومنه سمي المنبوذ منبوذًا لأنه نبذ أي طرح واعترضه العيني بأنه يحتاج إلى دليل ظاهر أن هذا نقل عن أبي حنيفة، ولئن سلمنا ذلك فمعناه أن كل واحد من الثلاثة يسمى باسم خاص كما مرّ، وإن كان يطلق عليها اسم النبيذ في الأصل.
٦٦٨٥ - حَدَّثَنِى عَلِىٌّ سَمِعَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِى حَازِمٍ، أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ أَعْرَسَ فَدَعَا النَّبِىَّ ﷺ لِعُرْسِهِ فَكَانَتِ الْعَرُوسُ خَادِمَهُمْ فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: هَلْ تَدْرُونَ مَا سَقَتْهُ؟ قَالَ: أَنْقَعَتْ لَهُ تَمْرًا فِى تَوْرٍ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَيْهِ فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (علي) هو ابن عبد الله المديني أنه (سمع عبد العزيز بن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي يقول (أخبرني) بالإفراد (أبي) حازم سلمة بن دينار الأعرج (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين فيهما الساعدي الأنصاري (أن أبا أسيد) بضم الهمزة وفتح السين مالك بن ربيعة الساعدي البدري (صاحب النبي ﷺ ¬) قال إنه (أعرس) بهمزة مفتوحة وسكون المهملة وبعد الراء سين مهملة أيضًا أي
стр. 4190
لما اتخذ عروسًا ولأبي ذر عن الكشميهني عرّس بتشديد الراء من غير همز (فدعا النبي ﷺ ¬) أي وأصحابه (لعرس فكانت العروس) أي الزوجة (خادمهم) بغير مثناة فوقية يطلق على الذكر والأنثى والعروس هي أم أسيد بنت وهب بن سلامة (فقال سهل) الساعدي (للقوم) الذين حدثهم: (هل تدرون ما سقته) ﷺ ولأبي ذر عن الكشميهني ماذا سقته (قال: أنقعت له تمرًا في تور) بفتح المثناة الفوقية إناء من صفر أو حجر (من الليل حتى أصبح عليه فسقته) ﷺ (إياه) أي نقيع التمر وفيه الرد على بعض الناس لأنه يقتضي تسمية ما قرب عهده بالانتباذ نبيذًا، وإن خلّ شربه فالنقيع في حكم النبيذ الذي لم يبلغ السكر والعصير من العنب الذي بلغ حد السكر في معنى نبيذ التمر الذي بلغ حد السكر، والحاصل أن كل شيء يسمى في العرف نبيذًا يحنث به إلا أن ينوي شيئًا بعينه فيختص به والطلاء يطلق على المطبوخ من عصير العنب، وهذا قد ينعقد فيكون دبسًا وربًا فلا يسمى نبيذًا أصلاً وقد يستمر مائعًا ويسكر كثيره فيسمى في العرف نبيذًا، وكذلك السكر يطلق على العصير قبل أن يتخمر.
والحديث سبق في باب الانتباذ من الأشربة.
٦٦٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَتْ شَنًّا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا إسماعيل عن أبي خالد) سعد أو هرمز البجلي (عن الشعبي) عامر (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ عن سودة) بنت زمعة بن قيس (زوج النبي ﷺ ¬) أنها (قالت: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها) بفتح الميم وسكون السين المهملة جلدها (ثم ما زلنا ننبذ) ننقع (فيه) التمر (حتى صارت) ولأبي ذر صار (شنًّا) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون قربة خلقة ولم يكونوا ينبذون إلا ما يحل شربه ومع ذلك كان يطلق عليه اسم النبيذ.
والحديث من إفراده.
٢٢ - باب إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ فَأَكَلَ تَمْرًا بِخُبْزٍ، وَمَا يَكُونُ مِنَ الأُدْمِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا حلف) شخص (أن لا يأتدم فأكل تمرًا بخبز) هل يكون مؤتدمًا فيحنث أم لا (و) باب (ما يكون منه الأدم) بضم الهمزة وسكون المهملة ولغير أبي الوقت من الأدم.
٦٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ بِهَذَا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) أبو أحمد البخاري البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عبد الرَّحمن بن عابس) بموحدة مكسورة وسين مهملة (عن أبيه) عابس بن ربيعة النخعي (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز برّ مأدوم) مأكول بالأدم (ثلاثة أيام) متوالية (حتى لحق بالله) أي توفي ﷺ .
قال في الكواكب: فإن قلت: كيف دل الحديث على الترجمة؟ وأجاب: بأنه لما كان التمر غالب الأوقات موجودًا في بيت رسول الله ﷺ وكانوا شباعى منه علم أنه ليس أكل الخبز به ائتدامًا أو ذكر هذا الحديث في هذا الباب بأدنى ملابسة وهو لفظ المأدوم ولم يذكر غيره لأنه لم يجد حديثًا على شرطه يدل على الترجمة أو يكون من جملة تصرفات النقلة على الوجه الذي ذكروه فهي ثلاثة. وتعقبه في الفتح: بأن الثالث بعيد جدًّا والأول مباين لمراد البخاري والثاني هو المراد لكن
بأن ينضم إليه ما ذكره ابن المنير وهو أنه قال: مقصود البخاري الرد على من زعم أنه لا يقال ائتدم إلا إذا أكل بما اصطبع أي بالصاد والطاء المهملتين والموحدة والغين المعجمة أي ائتدم به قال: ومناسبته لحديث عائشة أن المعلوم أنها أرادت نفي الأدام مطلقًا بقرينة ما هو معروف من شظف عيشهم فدخل فيه التمر وغيره، وتعقبه العيني فقال: لم يبين أي في الفتح المراد ما هو والحديث لا يدل أصلاً على رد الزاعم بهذا لأن لفظ مأدوم أعم من أن يكون الأدام فيه ما يصطبغ به أو لا يصطبغ به.
والحديث مرّ في الأطعمة بأتم من هذا.
(وقال ابن كثير) محمد أبو عبد الله العبدي البصري شيخ المؤلّف (أخبرنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا عبد الرَّحمن عن أبيه) عابس (أنه قال لعائشة) ﵂: (بهذا). وأشار المؤلّف بهذا الحديث
стр. 4191
إلى أن عابسًا لقي عائشة وسألها لرفع ما يتوهم في العنعنة في الطريق التي قبلها من الانقطاع.
٦٦٨٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَىْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْنِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبْتُ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَأَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ» فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: «قُومُوا» فَانْطَلَقُوا وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَتِ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِىَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ حَتَّى دَخَلَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلُمِّى يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ» فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلاً.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد (عن مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع) عمه (أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: قال أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (لأم سليم) زوجته أم أنس (لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع) وفي مسلم فوجدته قد عصب بطنه بعصابة فسألت بعض أصحابه فقالوا من الجوع (فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم فأخرجت أقراصًا من شعير ثم أخذت خمارًا) بكسر الخاء المعجمة أي نصيفًا
(لها فلفت الخبز ببعضه) ببعض الخمار (ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ فذهبت) بالخبز (فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم فقال) لي (رسول الله ﷺ ¬):
(أأرسلك أبو طلحة) بهمزة الاستفهام الاستخاري (فقلت نعم فقال رسول الله ﷺ لمن معه قوموا فانطلقوا) ولأبي الوقت قال أي أن فانطلقوا (وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته) بمجيئهم (فقال أبو طلحة) لأمي (يا أم سليم: قد جاء رسول الله ﷺ وليس) ولأبي ذر عن الكشميهني والناس وليس (عندنا من الطعام ما نطعمهم) أي قدر ما يكفيهم (فقالت) أم سليم (الله ورسوله أعلم) بقدر الطعام فهو أعلم بالمصلحة ولو لم يعلم بالمصلحة ما فعل ذلك (فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه حتى دخلا) على أم سليم (فقال رسول الله ﷺ ¬) لها: (هلمي) بفتح الهاء وضم اللام وكسر الميم مشددة هات (يا أم سليم ما عندك فأتت بذلك الخبز) الذي كانت أرسلته مع أنس (قال) أنس: (فأمر رسول الله ﷺ بذلك الخبز ففت) بفتح الفاء الأولى وضم الثانية وتشديد الفوقية (وعصرت أم سليم عكة لها) من جلد فيها سمن (فآدمته) بمد الهمزة المفتوحة جعلته إدامًا للمفتوت بأن خلطت ما حصل من السمن بالخبز المفتوت (ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول) وعند أحمد قال: بسم الله اللهم أعظم فيه البركة (ثم قال) لأبي طلحة (ائذن لعشرة) أي من أصحابه بالدخول لأن الإناء الذي فيه الطعام لا يتحلق عليه أكثر من عشرة إلا بعسر وضرر (فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: ائنذن لعشرة فأذن لهم فأكل القوم) ولأبي ذر فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: (ائذن لعشرة) فأكل القوم (كلهم وشبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً) بالشك من الراوي وعند مسلم من رواية سعد بن سعيد ثم أخذ ما بقي فجمعه ثم دعا فيه بالبركة فعاد كما كان، ولا يخفى أن المراد من الحديث هنا قوله فأمر بالخبز ففت وعصرت أم سليم عكة لها فآدمته. وفي حديث أبي داود والترمذي بسند حسن عن يوسف بن عبد الله بن سلام رأيت النبي ﷺ أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة وقال: هذه إدام هذه. قال ابن المنير: قصة أم سليم هذه ظاهرة المناسبة لأن السمن اليسير الذي فضل في قعر العكة لا تصطبغ به الأقراص التي فتتها وإنما غايته أن يصير في الخبز من طعم السمن فأشبه ما إذا خالط التمر عند الأكل ويؤخذ منه أن كل شيء يسمى عند الإطلاق إدامًا فإن الحالف أن لا يأتدم يحنث إذا أكله مع الخبز وهذا قول الجمهور.
والحديث علم من أعلام النبوّة وفيه منقبة لأم سليم وسبق في علامات النبوّة.
٢٣ - باب النِّيَّةِ فِى الأَيْمَانِ
(باب النية في الأيمان) بفتح الهمزة لا بالكسر.
٦٦٨٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (قال: سمعت يحيى بن سعيد) الأنصاري (يقول: أخبرني) بالتوحيد (محمد بن إبراهيم) التيمي (أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
стр. 4192
(إنما الأعمال بالنية) بالإفراد وأفردها لأن المصدر المفرد يقوم مقام الجمع، وإنما يجمع لاختلاف الأنواع وأصلها نوية فقلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء بعدها وجملة إنما في محل مفعول بالقول وجملة سمعت مثلها ليقول وسمع من الأفعال الصوتية إن تعلق بالأصوات تعدى إلى مفعول واحد وإن تعلق بالذوات تعدى إلى اثنين. الثاني: جملة مصدرة بفعل مضارع من الأفعال الصوتية هذا اختيار الفارسي ومن وافقه، واختار ابن مالك ومن وافقه أن تكون الجملة الفعلية في محل حال إن كان المتقدم معرفة كما وقع هنا أو صفة إن كان المتقدم نكرة قالوا: ولا يجوز سمعت زيدًا يضرب أخاك وإن تعدى إلى ذات لعدم المسموع نعم قد يجوز بتقدير سمعت صوت ضرب زيد وقد الممت بشيء من هذا المبحث أوّل الكتاب وذكرته هنا لبعد العهد به والألف واللام في الأعمال للعهد أي العبادات المفتقرة إلى نيّة فيخرج من ذلك نحو إزالة النجاسة والتروكات كلها والأعمال مبتدأ بتقدير مضاف أي إنما صحة الأعمال والخبر والاستقرار الذي يتعلق به حرف الجرّ والباء في بالنية للتسبب أي إنما الأعمال ثابت ثوابها بسبب النيات، ويحتمل أن تكون للإلصاق لأن كل عمل تلتصق به نيته (وإنما لامرئ) رجل أو امرأة (ما نوى) وفي رواية لكل امرئ، وما موصولة بمعنى الذي وجملة نوى صلة لا محل لها والعائد ضمير مفعول محذوف تقديره ما نواه وإنما حذف لأنه ضمير منصوب متصل بالفعل ليس في الصلة ضمير غيره، ويجوز أن تكون ما موصوفة فيكون التقدير وإنما لامرئ جزاء شيء نواه فترجع الصلة صفة والعائد على حاله، ويجوز أن تكون مصدرية حرفًا على المختار فلا تحتاج إلى عائد على الصحيح والتقدير لكل امرئ جزاء نيته والفاعل المقدر في نوى ضمير مرفوع متصل مستتر تقديره لكل امرئ الذي نواه هو.
(فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) ولأبي ذر: وإلى رسوله من شرطية موضعها رفع بالابتداء وبنيت لتضمنها معنى حرف الشرط وخبرها في فعلها وقيل في جوابها وقيل حيث كان الضمير العائد وقيل في فعلها وجوابها معًا وكان ناقصة اسمها هجرته أي في تبين أو ظهر في الوجود أن هجرته لله وإلى لانتهاء الغاية أي إلى رضا الله ورسوله (فهجرته إلى الله ورسوله) ولأبي ذر وإلى رسوله الفاء سببية وهي جواب الشرط وجواب الشرط إذا كان جملة اسمية فلا بد من الفاء أو إذا كقوله تعالى ﴿وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون﴾ [الروم: ٣٦] وقاعدة
الشرط وجوابه اختلافهما فيكون الجزاء غير الشرط نحو من أطاع أثيب ومن عصى عوقب ووقع هنا جملة الشرط هي جملة الجزاء بعينها فهي بمثابة قولك من أكل أكل ومن شرب شرب وذلك غير مفيد لأنه من تحصيل الحاصل. وأجيب: بأنه وإن اتحدا في اللفظ لم يتحدا في المعنى، والتقدير فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله قصدًا فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا قال ابن مالك من ذلك قوله ﷺ في حديث حذيفة ولو مت مت على غير الفطرة وجاز ذلك لتوقف الفائدة على الفضلة ومنه قوله تعالى ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ [الإسراء: ٧] فلولا قوله في الأوّل على غير الفطرة وفي الثاني لأنفسكم ما صح ولم يكن في الكلام فائدة.
(ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) فهجرته جواب الشرط ولم يقل فهجرته إلى دنيا كما قال في الشرط والجزاء الأوّل إشارة إلى تحقير الدنيا. قال في الفتح: ومناسبة ذكر الحديث هنا أن اليمين من جملة الأعمال فيستدل به على تخصيص الألفاظ بالنية زمانًا ومكانًا وإن لم يكن في اللفظ ما يقتضي ذلك فمن حلف أن لا يدخل دار زيد في شهر أو سنة مثلاً أو حلف أن لا يكلم زيدًا مثلاً، وأراد في منزله دون غيره فلا يحنث إذا دخل بعد شهر أو سنة في الأولى ولا إذا كلمه في دار أخرى في الثانية ولو أحلفه الحاكم على حق ادّعى عليه به انعقدت يمينه على ما نواه الحاكم ولا تنفعه التورية اتفاقًا فإن حلف بغير استحلاف حاكم نفعته التورية لكنه إن
стр. 4193
أبطل بها حق غيره أثم وإن لم يحنث ولو حلف بالطلاق نفعته التورية وإن حلفه الحاكم لأن الحاكم ليس له أن يحلفه بذلك قاله النووي والحديث سبق في مواضع.
ولما فرغ من ذكر الإيمان شرع يذكر أبواب النذور فقال:
٢٤ - باب إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا أهدى) شخص (ماله) أي تصدق به (على وجه النذر والتوبة) بالمثناة الفوقية والموحدة المفتوحتين بينهما واو ساكنة وللكشميهني والقربة بالقاف المضمومة والراء الساكنة بدل الفوقية والواو والجواب محذوف تقديره هل ينفذ ذلك إذا أنجزه أو علقه والنذر بالذال المعجمة هو لغة الوعد بشرط أو التزام ما ليس بلازم أو الوعد بخير أو شر وشرعًا التزام قربة لم تتعين وأركانه صيغة ومنذور وناذر وشرطه في الناذر إسلام واختيار ونفوذ تصرف فيما ينذره فيصح من السكران لا من الكافر لعدم أهليته للقربة ولا من مكره ولا ممن لا ينفذ تصرفه. وفي الصيغة لفظ يشعر بالالتزام كلّله عليّ كذا أو عليّ كذا كعتق وصوم وصلاة فلا يصح إلا بالنية كسائر العقود، وفي النذور كونه قربة لم تتعين نفلاً كانت أو فرض كفاية لم يتعين كعتق وعبادة فلو نذر غير القربة من واجب عيني كصلاة الظهر مثلاً أو معصية كشرب خمر أو مكروه صوم الدهر لمن خاف به الضرر أو فوت حق أو مباح كقيام وقعود سواء نذر فعله أو تركه لم يصح نذره ولم يلزمه بمخالفته كفارة والنذر ضربان نذر لجاج وهو التمادي في الخصومة ويسمى نذر اللجاج
والغضب بأن يمنع نفسه أو غيرها من شيء أو يحث عليه أو يحقق خبرًا غضبًا بالتزام قربة كإن كلمته أو إن لم أكلمه أو إن لم يكن الأمر كما قلته فعليَّ كذا، وفيه عند وجود الصفة ما التزمه أو كفارة يمين ونذر تبرر بأن يلتزم قربة بلا تعليق كعليّ كذا، وكقول من شفي من مرضه لله عليّ كذا لما أنعم الله عليّ من شفائي من مرضي أو يتعلق بحدوث نعمة أو ذهاب نقمة كإن شفى الله مريضي فعليّ كذا فيلزمه ذلك حالاً إن لم يعلقه أو عند وجود الصفة إن علقه.
٦٦٩٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِىَ - قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِى حَدِيثِهِ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فَقَالَ فِى آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِى أَنِّى أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِى صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) المصري المعروف بابن الطبراني كان أبوه من طبرستان قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك) الأنصاري أبو الخطاب المدني ولأبي ذر كما في اليونينية أخبرني عبد الرَّحمن بن عبد الله عن عبد الله بن كعب بن مالك (وكان) عبد الله (قائد كعب) أبيه (من) بين (بنيه حين عمي) وكان بنوه أربعة عبد الله وعبد الرَّحمن ومحمد وعبيد الله (قال: سمعت) أبي (كعب بن مالك في حديثه) الطويل في قصة تخلفه عن غزوة تبوك السوق هنا مختصرًا (﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾) [التوبة: ١١٨] (فقال في آخر حديثه إنّ من) شكر (توبتي أن أنخلع) أي أن أعرى (من مالي) كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه (صدقة إلى الله ورسوله) إلى بمعنى اللام أي صدقة خالصة لله ورسوله أو تتعلق بصفة مقدّرة أي صدقة واصلة إلى الله أي إلى ثوابه وجزائه وإلى رسوله أي إلى رضاه وحكمه وتصرفه (فقال النبي ﷺ ¬):
(امسك) بكسر المهملة (عليك بعض مالك فهو خير لك) فى سنن أبي داود من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى الله وإلى رسوله صدقة قال: لا. قلت فثلثه قال: نعم والضمير عائد على المصدر المستفاد من أمسك أي إمساكك بعض مالك خير لك من أن تتضرر بالفقر والفاء في فهو جواب شرط مقدّر أي أن تمسك فهو خير لك.
واستشكل إيراد هذا الحديث في النذور لأن كعبًا لم يصرح بلفظ النذر ولا بمعناه والانخلاع الذي ذكره ليس بظاهر في صدور النذر منه، وإنما الظاهر أنه يؤكد أمر توبته بالتصدق بجميع ماله شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليه. وأجيب: بأن المناسبة للترجمة أن معنى الترجمة أن من أهدى أو تصدق بجميع ماله إذا تاب من ذنب أو إذا نذر هل ينفذ ذلك إذ أنجزه أو علقه. وقصة
كعب هذه منطبقة على التنجيز لكنه لم يصدر منه تنجيز وإنما استشار
стр. 4194
فأشير عليه فإمساك البعض، واختلف في هذه المسألة فقيل يلزمه الثلث إذا نذر التصدق بجميع ماله، وقيل يلزمه جميع ماله، وقيل إن علقه بصفة فالقياس إخراجه كله قاله أبو حنيفة، وقال إن كان نذر تبرر كإن شفى الله مريضي لزمه كله وإن كان لجاجًا وغضبًا فهو بالخيار بين أن يفي بذلك كله أو يكفر كفارة يمين وهو قول الشافعي.
٢٥ - باب إِذَا حَرَّمَ طَعَامَهُ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢] وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧].
هذا (باب) بالتنوين (إذا حرم) شخص (طعامه) ولأبي ذر طعامًا كأن يقول طعام كذا حرام عليّ أو نذرت لله أو لله عليّ أن لا آكل كذا أو لا أشرب كذا وهذا من نذر اللجاج والراجح عدم الانعقاد إلا أن قرنه بحلف فيلزمه كفارة يمين.
(وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾) من شرب العسل أو مارية القبطية (﴿تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم﴾) قال في فتوح الغيب. تبتغي إما تفسير لتحرم أو حال أو استئناف والفرق أنه على التفسير ابتغاء مرضاتهنّ عين التحريم ويكون هو المنكر وإنما ذكر التحريم للإبهام تفخيمًا وتهويلاً فإن ابتغاء مرضاتهنّ عين التحريم ويكون هو المنكر وإنما ذكر التحريم للإبهام تفخيمًا وتهويلاً فإن ابتغاء مرضاتهن من أعظم الشؤون وعلى الحال الإنكار وارد على المجموع دفعة واحدة، ويكون هذا التقييد مثل التقييد في قوله ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾ [آل عمران: ١٣٠] وعلى الاستئناف لا يكون الثاني عين الأول لأنه سؤال عن كيفية التحريم كأنه لما قيل له ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ قال: كيف أحرّم؟ فأجيب تبتغي مرضاة أزواجك وفيه تكرير الإنكار والتفسير الأول يعني التفسير هو التفسير لما جمع من التفخيم والتعظيم ولذلك أردفه بقوله: (﴿والله غفور رحيم﴾) جبرانًا له. فإن قلت: تحريم ما أحل الله غير ممكن فكيف قال لم تحرم ما يحل الله لك؟ أجيب بأن المراد بهذا التحريم هو الامتناع من الانتفاع لا اعتقاد كونه حرامًا بعدما أحله الله (﴿قد فرض الله لكم﴾) أي بين الله لكم (﴿تحلة أيمانكم﴾) [التحريم: ١، ٢] بالكفاءة أو شرع لكم الاستثناء في أيمانكم وذلك أن يقول إن شاء الله عقبها حتى لا يحنث وسقط لأبي ذر من قوله ﴿والله غفور رحيم﴾ الخ.
(وقوله) تعالى: (﴿لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم﴾) [المائدة: ٨٧] ما طاب ولذ من الحلال أي لا تمنعوا أنفسكم كمنع التحريم أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدًا منكم وتقشفًا.
٦٦٩١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِىُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إِنِّى أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ» فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤] لِقَوْلِهِ «بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً». وَقَالَ لِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامٍ «وَلَنْ أَعُودَ لَهُ وَقَدْ حَلَفْتُ فَلَا تُخْبِرِى بِذَلِكَ أَحَدًا».
وبه قال: (حدّثنا الحسن بن محمد) أي ابن الصباح الزعفراني قال: (حدّثنا الحجاج بن محمد) المصيصي (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال: زعم عطاء) هو ابن أبي رباح (أنه سمع عبيد بن عمير) بالتصغير فيهما الليثي (يقول: سمعت عائشة) ﵂ (تزعم أن النبي ﷺ كان يمكث عند) أم المؤمنين (زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً فتواصيت أنا وحفصة) أم المؤمنين بنت عمر (أن أيتنا) ولأبي ذر أن بتخفيف النون أيتنا بالرفع (دخل عليها النبي ﷺ فلتقل) له (إني أجد منك ريح مغافير) بفتح الميم والغين المعجمة وبعد الألف فاء مكسورة فتحتية ساكنة فراء صمغ له رائحة كريهة ينضجه شجر يسمى العرفط (أكلت مغافير) استفهام محذوف الأداة (فدخل على إحداهما) قال ابن حجر: لم أقف على تعيينها ويحتمل أن تكون حفصة (فقالت ذلك له) أي إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير (فقال) ﵊:
(لا) ما أكلت مغافير وكان يكره الرائحة الخبيثة (بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له فنزلت ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ ﴿إن تتوبا إلى الله﴾) [التحريم: ١ - ٤] خطاب (لعائشة وحفصة) على طريق الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما وجواب الشرط محذوف والتقدير إن تتوبا إلى الله فهو الواجب (﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه﴾) حفصة (﴿حديثًا﴾) [التحريم: ٣] سقط قوله حديثًا من اليونينية وثبت في غيرها (لقوله) ﵊ (بل شربت عسلاً) أي الحديث المسر كان ذلك القول قال البخاري بالسند إليه:
(وقال لي إبراهيم بن موسى): أبو إسحاق الرازي الصغير وسبق في التفسير بلفظ حدّثنا إبراهيم بن موسى (عن هشام) أي ابن يوسف عن ابن جريج بالسند المذكور إلى قوله: (ولن أعود له) للشرب فزاد قوله (وقد حلفت)
стр. 4195
على عدم شرب العسل (فلا تخبري بذلك أحدًا).
وسبق الحديث في الطلاق بعين هذا الإسناد والمتن.
٢٦ - باب الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].
(باب) حكم (الوفاء بالنذر) أي فعله (وقوله) تعالى (﴿يوفون بالنذر﴾ [الإنسان: ٧٠] أي بما أوجبوا على أنفسهم مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى ويؤخذ منه أن الوفاء بالنذر قربة للثناء على فاعله لكنه مخصوص بنذر التبرر.
٦٦٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ؟ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ الْبَخِيلِ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن صالح) الوحاظي بضم الواو وفتح الحاء المهملة المخففة وبعد الألف ظاء معجمة مكسورة قال: (حدّثنا فليح بن سليمان) بضم الفاء وفتح اللام آخره حاء مهملة قال (حدّثنا سعيد بن الحارث) الأنصاري قاضي المدينة (أنه سمع ابن عمر ﵄ يقول: أو لم ينهوا عن النذر) بضم التحتية وفتح الهاء وفيه حذف ذكره الحاكم في المستدرك من طريق المعافى بن سليمان، والإسماعيلي من طريق أبي عامر العقدي ومن طريق أبي داود واللفظ له قالا: حدّثنا فليح عن سعيد بن الحارث قال: كنت عند ابن عمر فأتاه مسعود بن عمرو أحد بني عمرو بن كعب فقال: يا أبا عبد الرَّحمن إن ابني كان مع عمر بن عبيد الله بن معمر بأرض فارس فوقع فيها وباء وطاعون شديد فجعلت على نفسي لئن الله سلم ابني ليمشين إلى بيت الله تعالى فقدم علينا وهو مريض ثم مات فما تقول؟ فقال ابن عمر: أو لم تنهوا عن النذر ثم قال: (إن النبي ﷺ قال):
(إن النذر لا يقدم شيئًا) من قدر الله ومشيئته (ولا يؤخر) بحذف ضمير النصب أي لا يؤخره (وإنما يستخرج بالنذر من البخيل) أي لا يأتي بهذه القربة تطوعًا ابتداء بل مقابلة لشفاء المريض ونحوه ذكره النووي وغيره، والحديث من أفراده.
٦٦٩٣ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».
وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) بن صفوان الكوفي سكن مكة قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن المعتمر أنه قال: (أخبرنا عبد الله بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء
الخارفي بالخاء المعجمة والراء والفاء الهمداني بسكون الميم الكوفي (عن عبد الله بن عمر) ﵄ أنه قال: (نهى النبي ﷺ عن النذر) أي عن عقد النذر (وقال):
(إنه لا يرد شيئًا) تعليل للنهي وصرح في هذا الحديث بالنهي بخلاف السابق وهل النهي للتحريم على الأصل أو لا فمنهم من تأوّله على الكراهة لأنه لو كان المراد به التحريم لبطل حكمه وسقط لزوم الوفاء به لأنه بالنهي للتحريم يصير معصية ولا يلزم وأيضًا فلو كان كذلك ما أمر الله أن يوفى به، ولأحمد به فاعله لكنه ورد النهي عنه تعظيمًا لشأنه لئلا يستهان به فيفرط في الوفاء به، وحمله القرطبي على التحريم في حق من يخاف عليه أن يعتقد أن النذر يوجب ذلك الغرض أو أن الله تعالى يفعله لذلك قال: والأول يقارب الكفر، والثاني خطأ صراح وأما من لا يعتقد ذلك فهو محمول على التنزيه فيكون مكروهًا وهو ما نص عليه الشافعي، لكن قال القاضي حسين والمتولي والغزالي والرافعي: إنه قربة لقوله تعالى ﴿وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر﴾ [البقرة: ٢٧] الآية. ولأنه وسيلة إلى القربة فيكون قربة.
قال في الفتح: وذهب أكثر الشافعية ونقله أبو علي السنجي عن نص الشافعي إلى أنه مكروه لثبوت النهي عنه، وكذا نقل عن المالكية وجزم به عنهم ابن دقيق العيد، وأشار ابن العربي إلى الخلاف عنهم والجزم عن الشافعية بالكراهة قال: واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة لأنه لم يقصد به خالص القربة وإنما قصد أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ضررًا بما التزم وجزم الحنابلة بالكراهة وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم وتوقف بعضهم في صحتها انتهى.
والذي رأيته في شرح مختصر الشيخ خليل للشيخ بهرام المالكي: إن النذر المطلق وهو الذي يوجبه الإنسان على نفسه ابتداء شكرًا له تعالى مندوب قال ابن رشد: وهو مذهب مالك، وأما المكرر وهو ما إذا نذر صوم كل خميس أو كل اثنين أو نحو ذلك فمكروه قال في المدونة: مخافة التفريط في الوفاء به واختلف في النذر المعلق في شرط كقوله إن شفى الله مريضي أو نجاني من كذا أو رزقني كذا فعليّ المشي إلى مكة أو صدقة كذا أو نحو
стр. 4196
ذلك هل هو مكروه، وإليه ذهب الباجي وابن شاس وغيرهما أو لا وإليه ذهب صاحب البيان انتهى.
وفرق بغضهم بين نذر اللجاج والغضب فحمل النهي الوارد عليه وبين نذر التبرر إذ هو كما مرّ وسيلة إلى طاعة وإذا كانت وسيلة الطاعة فيشكل القول بالكراهة على ما لا يخفى، ويحتمل أن يكون سبب ذلك أن الناذر لما لم يبذل القربة إلا بشرط أن يفعل له ما يريد صار كالمعارضة التي تقدح في نيّة المتقرب ويشير إلى هذا التأويل قوله إنه لا يرد شيئًا (ولكنه يستخرج به) أي بالنذر (من البخيل ما لم يكن يريد أن يخرجه).
والحديث مضى في القدر.
٦٦٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا يَأْتِى ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَىْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ فَيُؤْتِى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِى عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(لا يأتي ابن آدم النذر بشيء) بنصب ابن على المفعولية والنذر بالرفع على الفاعلية (لم يكن قدر له) بضم القاف مبنيًّا للمفعول والجملة صفة لقوله بشيء وفي نسخة بغير الفرع وعليها شرح في فتح الباري وهو في اليونينية لأبي ذر لم أكن قدرته قال: وهذا من الأحاديث القدسية لكن سقط منه التصريح بنسبته إلى الله تعالى (ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له) بضم القاف وكسر المهملة المشددة مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر قدرته له (فيستخرج الله به) بالنذر (من البخيل) فيه التفات على رواية لم أكن قدرته إذ كان نسق الكلام أن يقال فأستخرج به ليوافق قوله قدرته (فيؤتي) بكسر المثناة الفوقية، ولأبي ذر: فيؤتيني وله عن الحموي والمستملي يؤتيني بحذف الفاء وله أيضًا عن الكشميهني يؤتني بحذف الياء للجزم بدل من قوله يكن المجزوم بلم أي يعطني (عليه) أي على ذلك الأمر الذي بسببه نذر كالشفاء (ما لم يكن يؤتى) يعطي (عليه من قبل) أي من قبل النذر.
٢٧ - باب إِثْمِ مَنْ لَا يَفِى بِالنَّذْرِ
(باب إثم من لا يفي بالنذر) قال في الفتح وسقط لغير أبي ذر لفظ إثم:
٦٦٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِى أَبُو جَمْرَةَ، حَدَّثَنَا زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِى ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ: «ثُمَّ يَجِئُ قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (عن يحيى) القطان ولأبي ذر عن يحيى بن سعيد (عن شعبة) بن الحجاج أنه قال: (حدثني) بالإفراد (أبو جمرة) بالجيم والراء المفتوحة بينهما ميم ساكنة نصر بن عمران قال: (حدّثنا زهدم بن مضرب) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة بعدها ميم ومضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة بعدها موحدة (قال: سمعت عمران بن حصين) الخزاعي أسلم مع أبي هريرة وكانت الملائكة تسلم عليه ﵁ (يحدّث عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(خيركم) أهل (قرني) الذين أنا فيهم وهم الصحابة (ثم الذين يلونهم) وهم التابعون (ثم الدين يلونهم) وهم أتباع التابعين (قال عمران) بن حصين ﵁: (لا أدري ذكر) ﵊ (ثنتين أو ثلاثًا) ولأبي ذر اثنتين أو ثلاثة (بعد قرنه ثم يجيء قوم ينذرون) بفتح أوّله وكسر المعجمة وضمها (ولا يفون) بفتح التحتية بالنذر ولأبي ذر عن الكشميهني يوفون بضم أوّله وواو قبل الفاء (ويخونون ولا يؤتمنون) لأنهم يخونون خيانة ظاهرة بحيث لا يأمنهم أحد بعد ذلك (ويشهدون ولا يستشهدون) أي يتحملون الشهادة بدون التحميل أو يؤدّونها بدون الطلب (ويظهر فيهم السمن) بكسر المهملة وفتح الميم يتكثرون بما ليس فيهم من الشرف أو يجمعون الأموال أو يغفلون عن أمر الدين أو هو على حقيقته في معناه لكن إذا كان مكتسبًا لا خلقيًّا.
والحديث سبق في الشهادات وفضائل الصحابة والرقاق.
٢٨ - باب النَّذْرِ فِى الطَّاعَةِ ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]
(باب) حكم (النذر في الطاعة) وقوله تعالى (﴿وما أنفقتم من نفقة﴾) في سبيل الله أو في سبيل الشيطان (﴿أو نذرتم من نذر﴾) في طاعة الله أو معصيته (﴿فإن الله يعلمه﴾) لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه. والجملة جواب الشرط إن كانت ما شرطية أو زائدة في الخبر إن كانت موصولة ووحد الضمير في قوله يعلمه والسابق شيئان النفقة والنذر لأن العطف بأو وهي لأحد الشيئين تقول زيد أو عمرو
стр. 4197
أكرمته ولا يجوز كرمتهما بل يجوز أن تراعي الأول نحو زيد أو هند منطلق أو الثاني نحو زيد أو هند منطلقة، والآية من هذا ولا يجوز أن تقول منطلقان (﴿وما للظالمين﴾) الذين يمنعون الصدقات أو ينفقون أموالهم في المعاصي أو ينذرون في المعاصي أو لا يفون بالنذور (﴿من أنصار﴾) [البقرة: ٢٧٠] من ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه وسقط لأبي ذر قوله ﴿فإن الله يعلمه﴾ إلى آخر الآية.
٦٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ».
[الحديث ٦٦٩٦ - طرفه في ٦٧٠٠].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا مالك) إمام دار الهجرة (عن طلحة بن عبد الملك) الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتية (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ (عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من نذر أن يطيع الله) كأن يصلّي الظهر مثلاً في أول وقته أو يصوم نفلاً كيوم الخميس ونحوه من المستحب من العبادات البدنية والمالية (فليطعه) بالجزم جواب الشرط والأمر
للوجوب ومقتضاه أن المستحب ينقلب بالنذر واجبًا ويتقيد بما قيده به الناذر (ومن نذر أن يعصيه) ولأبي ذر: أن يعصي الله كشرب الخمر (فلا يعصه) والمعنى من نذر طاعة الله وجب عليه الوفاء بنذره ومن نذر أن يعصيه حرم عليه الوفاء بنذره لأن النذر مفهومه الشرعي إيجاب المباح وهو إنما يتحقق في الطاعات، وأما المعاصي فليس فيها شيء مباح حتى يجب بالنذر فلا يتحقق فيها النذر.
والحديث أخرجه أبو داود في النذر وكذا الترمذي والنسائي وأخرجه ابن ماجة في الكفارات.
٢٩ - باب إِذَا نَذَرَ أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ إِنْسَانًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا نذر) شخص (أو حلف أن لا يكلم إنسانًا في الجاهلية) قبل الإسلام (ثم أسلم) الناذر هل يجب عليه الوفاء أو لا؟
٦٦٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى نَذَرْتُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا عبيد الله بن عمر) بضم العين فيهما العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر أن) أباه (عمر) ﵄ (قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية) أي الحال التي كنت عليها قبل الإِسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين وغير ذلك (أن أعتكف) أي الاعتكاف (ليلة) لا يعارضه رواية يوفما لأن اليوم يطلق على مطلق الزمان ليلاً كان أو نهارًا أو أن النذر كان ليوم وليلة، ولكن يكتفى بذكر أحدهما عن ذكر الآخر فرواية يوم أي بليلته ورواية ليلة أي مع يومها، فعلى الأول يكون حجة على من شرط الصوم في الاعتكاف لأن الليل ليس محلاًّ للصوم (في المسجد الحرام) حول الكعبة ولم يكن إذ ذاك جدار يحوط عليها (قال) ﷺ له:
(أوف بنذرك) بفتح الهمزة وهذا تمسك به من قال بصحة نذر الكافر ومن منع وهو الصحيح يحمل الحديث على أنه ﷺ لم يأمره بالاعتكاف إلا تشبيهًا بما نذر لا عين ما نذر وتسميته بالنذر من مجاز التشبيه أو من مجاز الحذف.
والحديث سبق في آخر الاعتكاف وسبق في غزوة حنين تعيين زمن سؤال عمر ولفظه لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف وفي فرض الخمس قال عمر: فلم أعتكف حتى كان بعد حنين.
٣٠ - باب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ
وَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلَاةً بِقُبَاءٍ فَقَالَ: صَلِّى عَنْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ.
(باب) حكم (من مات وعليه نذر) هل يقضى عنه أم لا (وأمر ابن عمر) ﵄ (امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء) بالصرف (فقال) لها: (صلي عنها. وقال ابن عباس) ﵄ (نحوه) أي نحو قول ابن عمر مما وصله مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمته أنها حدثته عن جدته أنها كانت جعلت على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء فماتت ولم تقضه فأتى عبد الله بن عباس ابنتها أن تمشي عنها. وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال مرة عن ابن عباس قال: إذا مات وعليه نذر قضى عنه وليه، ومن طريق عون بن عبد الله بن عتبة أن امرأة نذرت أن تعتكف عشرة أيام فماتت ولم تعتكف فقال ابن عباس: اعتكفي عن أمك، لكن في الموطأ قال مالك: إنه بلغه أن ابن عمر كان يقول: لا يصلّي أحد عن أحد
стр. 4198
ولا يصوم أحد عن أحد، وأخرج النسائي نحوه عن ابن عباس وجمع بأن الإِثبات في حق من مات والنفي في حق الحيّ.
٦٦٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الأَنْصَارِىَّ اسْتَفْتَى النَّبِىَّ ﷺ فِى نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) ولأبي ذر زيادة ابن عتبة (أن عبد الله بن عباس) ﵄ (أخبره أن سعد بن عبادة الأنصاري) ﵁ (استفتى النبي ﷺ في نذر كان على أمه) عمرة (فتوفيت قبل أن تقضيه) والنذر المذكور قيل كان صيامًا وقيل كان عتقًا وقيل صدقة وقيل نذرًا مطلقًا أو كان معينًا عند سعد (فأفتاه) ﷺ (أن يقضيه عنها) قال الزهري (فكانت سنة بعد) أي صار قضاء الوارث ما على الموروث طريقة شرعية وهو أعم من أن يكون وجوبًا أو ندبًا كذا قاله في الفتح تبعًا للكواكب. قال العيني: معنى التركيب ليس كذلك وإنما معناه فكانت فتوى النبي ﷺ سنة يعمل بها بعد إفتائه ﷺ بذلك، والضمير في كانت يرجع إلى الفتوى بدليل قوله فأفتاه وهو من قبيل قوله ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨] أي فإن العدل يدل عليه قوله اعدلوا والجمهور على أن من مات وعليه نذر ماليّ أنه يجب قضاؤه من رأس ماله وإن لم يوص إلا إن وقع النذر في مرض الموت فيكون من الثلث، ويحتمل أن يكون سعد قضى نذر أمه من تركتها إن كان ماليًا أو تبرع به.
والحديث يأتي في الحيل أيضًا إن شاء الله تعالى.
٦٦٩٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِى نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ»؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَاقْضِ اللَّهَ فَهْوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري أنه (قال: سمعت سعيد بن جبير) يحدث (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: أتى رجل) هو عقبة بن عامر الجهني ﵁ (النبي ﷺ فقال له): يا رسول الله (إن أختي) لم تسم (نذرت) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قد نذرت (أن تحج وإنها ماتت) ولم تف بنذرها (فقال النبي ﷺ ¬):
(لو كان عليها دين) لمخلوق (أكنت قاضيه)؟ عنها (قال: نعم قال: فاقض الله) حقه (فهو أحق بالقضاء). من الخلق وسبق في باب الحج عن الميت بلفظ أنّ امرأة قالت إن أمي نذرت الخ ولا منافاة لاحتمال وقوع الأمرين معًا كما قاله الكرماني وسبق ذلك في الباب المذكور.
٣١ - باب النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَفِى مَعْصِيَةٍ
(باب) حكم (النذر فيما لا يملك) الناذر (و) حكم النذر (في معصية) ولأبي ذر عن المستملي ولا في معصية.
٦٧٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد البصري (عن مالك) الإمام (عن طلحة بن عند الملك) الأيلي (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: قال النبي ﷺ ¬):
(من نذر أن يطيع الله) (فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه). فيه دليل على أن من نذر طاعة يلزمه الوفاء به ولا يلزمه الكفارة فلو نذر صوم العيد لا يجب عليه شيء ولو نذر نحر ولده فباطل وإليه ذهب مالك والشافعي فأما إذا نذر مطلقًا كان قال: علي نذر ولم يسم شيئًا فعليه كفارة اليمين وكذا إن نذر شيئًا لم يطقه.
ومطابقة الحديث للترجمة في الجزء الثاني لا في الأول، وقبل يؤخذ وسبق الحديث قريبًا.
٦٧٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ». وَرَآهُ يَمْشِى بَيْنَ ابْنَيْهِ. وَقَالَ الْفَزَارِىُّ: عَنْ حُمَيْدٍ حَدَّثَنِى ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن حميد) الطويل البصري (عن ثابت) البناني ولأبي ذر حدثني بالإفراد ثابت (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال) لشيخ قيل هو أبو إسرائيل كما نقله مغلطاي عن الخطيب:
(إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه ورآه يمشي بين ابنيه) لم يسميا قال: ما بال هذا قالوا: نذر أن يمشي فأمره أن يركب لعجزه عن المشي (وقال الفزاري): بفتح الفاء والزاي المخففة وبعد الألف راء مكسورة مروان بن معاوية مما وصله في الحج (عن حميد) الطويل أنه قال: (حدثني) بالإفراد (ثابت) البناني (عن أنس) ﵁ وأشار بهذا إلى أن
стр. 4199
حميدًا صرح بالتحديث كما في رواية أبي ذر في الطريق الأولى.
٦٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَطَعَهُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) النبيل (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن سليمان) بن أبي مسلم (الأحول) المكي (عن طاوس) هو ابن كيسان الإمام أبو عبد الرَّحمن اليماني من أبناء الفرس (عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ رأى رجلاً يطوف بالكعبة) وآخر يقوله (بزمام أو غيره) أو غير زمام (فقطعه) والشك من الراوي.
٦٧٠٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّ وَهْوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ يَقُودُ إِنْسَانًا بِخِزَامَةٍ فِى أَنْفِهِ فَقَطَعَهَا النَّبِىُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ.
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف (أن ابن جريج) عبد الملك (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (سليمان الأحول أن طاوسًا أخبره عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مرّ وهو) أي والحال أنه (يطوف بالكعبة بإنسان) حال كونه (يقود إنسانًا بخزامة في أنفه) بكسر الخاء المعجمة وفتح الزاي المخففة حلقة من شعر أو وبر تجعل في الحاجز الذي بين منخري البعير يشدّ بها الزمام ليسهل انقياده إذا كان صعبًا ولم يسم واحد من الإنسانين المذكورين، ويحتمل أن يكونا بشرًّا وابنه طلقًا كما في الطبراني كما سبق في باب الكلام في الطواف من الحج (فقطعها) أي الخزامة (النبي ﷺ بيده ثم أمره) أي القائد (أن يقوده بيده).
فإن قلت: ما المطابقة بين هذا الحديث والترجمة؟ أجيب: بأن في رواية النسائي من وجه آخر عن ابن جريج التصريح بأنه نذر ذلك.
والحديث سبق في الحج وذكره هنا من وجهين الأول بعلوّ والثاني بنزول كما ترى.
٦٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة المنقري قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: بينا) بغير ميم (النبي ﷺ يخطب) أي يوم الجمعة كما عند الخطيب في المبهمات وجواب بينا قوله (إذا هو برجل قائم) زاد أبو داود في الشمس (فسأل) ﷺ (عنه) أي عن اسمه أو عن حاله (فقالوا): هو (أبو إسرائيل) قيل اسمه قشير بقاف وشين معجمة مصغر، وقيل يسير بتحتية ثم مهملة مصغر أيضًا وقيل قيصر بقاف وصاد مهملة باسم ملك الروم وقيل بالسين المهملة مصغر أيضًا وقيل بغير راء في آخره. وزاد الخطيب في مبهماته فقال: إنه رجل من قريش وقال ابن الأثير في الصحابة كغيره أنه أنصاري. قال في الفتح: والأوّل أولى يعني كونه قرشيًّا ولا يشاركه أحد من الصحابة في كنيته (نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل) من الشمس (ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ ¬):
(مره) أي مر أبا إسرائيل ولأبي داود مروه (فليتكلم وليستظل) من الشمس (وليقعد وليتم صومه) لأنه قربة بخلاف البواقي والظاهر أنه ﷺ علم منه أن الصوم لا يشق عليه.
والحديث أخرجه أبو داود في الأيمان وابن ماجة في الكفارات.
(قال عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة عن النبي ﷺ ¬) مرسلاً لم يذكر ابن عباس. قال في الفتح: تمسك بهذا من يرى أن الثقات إذا اختلفوا في الوصل والإرسال يرجح قول من وصل لما معه من زيادة العلم إلا أن وهيبًا وعبد الوهاب ثقتان، وقد وصله وهيب وأرسله عبد الوهاب وصححه البخاري مع ذلك، والذي عرفناه بالاستقراء من صنيع البخاري أنه لا يعمل في هذه الصورة بقاعدة مطردة بل يدور مع الترجيح إلا إن استووا فيقدم الوصل، والواقع هنا أن من وصله أكثر ممن أرسله. قال الإسماعيلي: وصله مع وهيب عاصم بن هلال والحسن بن أبي جعفر وأرسله مع عبد الوهاب خالد الواسطي. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وخالد متقن وفي عاصم والحسن مقال فيستوي الطرفان فيرجح
الوصل، وقد جاء الحديث المذكور من وجه آخر فازداد قوّة أخرجه عبد الرزاق عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي إسرائيل.
٣٢ - باب مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامًا فَوَافَقَ النَّحْرَ أَوِ الْفِطْرَ
(باب) حكم (من نذر أن يصوم أيامًا) معينة (فوافق النحر أو الفطر) هل يجوز له الصيام أو البدل أو الكفارة.
٦٧٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا حَكِيمُ بْنُ أَبِى حُرَّةَ الأَسْلَمِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ لَا يَأْتِىَ عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلاَّ صَامَ فَوَافَقَ يَوْمَ أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ يَوْمَ الأَضْحَى وَالْفِطْرِ، وَلَا يَرَى صِيَامَهُمَا.
وبه قال:
стр. 4200
(حدّثنا محمد بن أبي بكر) بن علي بن عطاء بن مقدم (المقدمي) بضم الميم وفتح القاف والدال المهملة المشددة الثقفي مولاهم البصري قال: (حدّثنا فضيل بن سليمان) النميري بالنون مصغرًا أبو سليمان البصري قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) مولى آل الزبير قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (حكيم بن أبي حرة) بضم الحاء المهملة وفتح الراء المشددة (الأسلمي) المدني وأبو حرة لا يعرف اسمه وليس له في البخاري إلا هذا الحديث أورده متابعة لزياد بن جبير في الطريق التي بعد (أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄) حال كونه (سئل) بضم السين وكسر الهمزة مبنيًّا للمفعول لم يسم السائل فيحتمل أن يكون رجلاً وأن يكون امرأة (عن رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم إلا صام فوافق يوم أضحى) بفتح الهمزة (أو فطر) تحتمل أو الشك أو التقسيم (فقال) ابن عمر ﵄: (﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾) [الأحزاب: ٢١] قدوة (لم يكن) رسول الله ﷺ (يصوم يوم الأضحى و) لا يوم (الفطر ولا يرى) ﷺ (صيامهما). وقال في الكواكب قوله: ولا نرى بلفظ المتكلم فيكون من جملة مقول عبد الله أي المخبر به عنه ﷺ وفي بعضها يرى بلفظ الغائب وفاعله عبد الله وقائله حكيم. قال الحافظ ابن حجر: وقع في رواية يوسف بن يعقوب القاضي بلفظ لم يكن رسول الله ﷺ يصوم يوم الأضحى ولا يوم الفطر ولا يأمر بصيامهما فتعين الاحتمال الأول يعني أنه من مقول ابن عمر اهـ.
وقد أجمعوا على أنه لا يجوز صوم يوم عيد الفطر ولا عيد النحر لا تطوّعًا ولا نذرًا ولو نذر لم ينعقد نذره عند الجمهور وعند الحنابلة روايتان في وجوب القضاء. وقال أبو حنيفة: لو أقدم فصام وقع ذلك عن نذره.
٦٧٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثَلَاثَاءَ، أَوْ أَرْبِعَاءَ مَا عِشْتُ فَوَافَقْتُ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنُهِينَا أَنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ مِثْلَهُ، لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي أحد الأعلام قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي وفتح الراء آخره عين مهملة مصغرًا البصري (عن يونس) بن عبيد أحد أئمة البصرة (عن زياد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة ابن حية بالتحتية المشددة ابن مسعود بن معتب البصري أنه (قال: كنت مع ابن عمر) ﵄ (فسأله رجل) أي يسم (فقال: نذرت أن أصوم كل يوم ثلاثاء أو أربعاء ما عشت) بكسر الموحدة في أربعاء والمدّ مع الهمزة لا ينصرف كسابقه لألف التأنيث فيهما كحمراء ويجمعان على ثلاثاوات وأربعاوات ويوم بغير تنوين لإضافته لما بعده (فوافقت هذا اليوم يوم النحر فقال) ابن عمر: (أمر الله) (بوفاء النذر) حيث قال تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩] (ونهينا) بضم النون وكسر الهاء (أن نصوم) هذا اليوم (يوم النحر) وفي باب صوم يوم النحر من كتاب الصيام: ونهى النبي ﷺ عن صوم هذا اليوم (فأعاد عليه) أي فأعاد الرجل السؤال على ابن عمر (فقال مثله) أي مثل القول الأول (لا يزيد عليه) ورعًا منه حيث توقف في الجزم بأحد الجوابين لتعارض الدليلين عنده لكن سياق الكلام يقتضي ترجيحه للمنع.
وبقية مبحث ذلك سبقت في الصيام من الباب المذكور.
٣٣ - باب هَلْ يَدْخُلُ فِى الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ الأَرْضُ وَالْغَنَمُ وَالزُّرُوعُ وَالأَمْتِعَةُ؟
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ عُمَرُ: لِلنَّبِىِّ ﷺ أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ، أَنْفَسَ مِنْهُ. قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِلنَّبِىِّ ﷺ : أَحَبُّ أَمْوَالِى إِلَىَّ بَيْرُحَاءَ لِحَائِطٍ لَهُ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ.
هذا (باب) بالتنوين (هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض والغنم والزروع) بلفظ الجمع، ولأبي ذر: والزرع (والأمتعة).
(وقال ابن عمر، قال عمر) ﵁ فيما وصله المؤلّف في الوصايا (للنبي ﷺ أصبت أرضًا) وكان بها نخل، وعند أحمد من رواية أيوب أن عمر أصاب من يهود بني حارثة أرضًا يقال لها ثمغ بفتح المثلثة وسكون الميم بعدها غين معجمة أرض تلقاء المدينة (لم أصب مالاً قط أنفس) أجود (منه) والنفيس الجيد المغتبط به وسمي نفيسًا لأنه يأخذ بالنفس وفيه إطلاق المال على الأرض فيطلق على كل متمول كما هو المعروف من كلام العرب قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾
[النساء: ٥] فلم يخص شيئًا دون شيء وقال بعضهم: هو العين كالذهب والفضة وقيل غير ذلك (قال) النبي ﷺ لعمر بعد أن قال له فكيف تأمرني به كما في الوصايا: (إن شئت حبست) بالتخفيف وفي اليونينية بالتشديد أي
стр. 4201
وقفت (أصلها وتصدقت بها) أي بثمرها.
(وقال أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري ﵁ مما وصله أيضًا في الوصايا (للنبي: ﷺ أحب أموالي إليّ) بتشديد الياء (بيرحاء) بفتح الموحدة وسكون التحتية وضم الراء وفتحها بالصرف، ولأبي ذر بعدمه وفيها لغات أخرى كثيرة سبقت في الزكاة وهذا الاسم (لحائط له) فاللام للتبيين كهي في نحو: (هيت لك﴾ [يوسف: ٢٣] والحائط البستان (مستقبلة المسجد) أنث باعتبار البقعة.
٦٧٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِىِّ، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً إِلاَّ الأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ، فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِى الضُّبَيْبِ يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى وَادِى الْقُرَى، حَتَّى إِذَا كَانَ بِوَادِى الْقُرَى بَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلاً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَهْمٌ عَائِرٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَلاَّ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِى أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا» فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ النَّاسُ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (مالك) إمام الأئمة (عن ثور بن زيد) بالمثلثة (الديلي) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية (عن أبي الغيث) سالم (مولى ابن مطيع) بضم الميم وكسر الطاء المهملة بعدها تحتية ساكنة فعين مهملة (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر) أي يحضر أبو هريرة غزوة خيبر إلا بعد الفتح (فلم نغنم ذهبًا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع) كذا في الفرع وأصله وغيرهما مما وقفت عليه من الأصول المعتمدة والثياب بإثبات الواو كالذي بعده. وقال في الفتح: إلاّ الأموال المتاع والثياب كذا للأكثر أي بحذف الواو من المتاع قال ولابن القاسم والقعنبي والمتاع بالعطف قال وقال بعضهم في تنزيل ذلك على لغة دوس أي القائلين أن المال غير العين كالعروض والثياب نظر لأنه استثنى الأموال من الذهب والفضة فدلّ على أنه منها إلا أن يكون منقطعًا فتكون إلا بمعنى لكن كذا قال الحافظ ابن حجر، والذي يظهر أن الاستثناء من الغنيمة التي في قوله: فلم نغنم فنفى أن يكونوا غنموا وأثبت أنهم غنموا المال فدلّ على أن المال عنده غير العين وهو المطلوب (فأهدى رجل من بني الضبيب) بضاد مضمومة معجمة وباءين موحدتين أولاهما مفتوحة بينهما تحتية ساكنة (يقال له رفاعة بن زيد) بكسر الراء وتخفيف الفاء ابن وهب الجذامي ثم الضبيبي ممن وفد على
رسول الله ﷺ (لرسول الله ﷺ غلامًا يقال له مدعم) بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملتين وكان أسود (فوجه رسول الله ﷺ ¬) بفتح واو فوجه، وقال العيني كالكرماني بالبناء للمجهول، وفي غزوة خيبر من المغازي ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ (إلى وادي القرى) بضم القاف وفتح الراء مقصورًا موضع بقرب المدينة (حتى إذا كان بوادي القرى بينما) بميم بلا فاء (مدعم يحط رحلاً لرسول الله ﷺ إذا سهم عائر) بالعين المهملة وبعد الألف همزة فراء لا يدرى راميه فأصابه (فقتله فقال الناس: هنيئًا له الجنة) وفي المغازي هنيئًا له الشهادة (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(كلاًّ والذي نفسي بيده إن الشملة) بفتح الشين المعجمة وسكون الميم الكساء (التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم) وإنما غلّها (لتشتعل) بنفسها (عليه نارًا) تعذيبًا له لغلوله أو أنها سبب لعذابه في النار (فلما سمع ذلك الناس جاء رجل) أي أعرف اسمه (بشراك أو شراكين) بكسر الشين فيهما سير أو سيرين يكونان على ظهر القدم عند لبس النعل (إلى النبي ﷺ فقال) ﵊: (شراك من نار أو شراكان من نار).
والحديث مرّ في المغازي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان
١ - باب وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] وَمَا أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ. مَا كَانَ فِى الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِىُّ ﷺ كَعْبًا فِى الْفِدْيَةِ.
(باب كفارات الأيمان) سقط لأبي ذر لفظ باب وثبت للكشميهني والحموي كتاب الخ ولأبي ذر عن المستملي كتاب الكفارات جمع كفارة من الكفر وهو الستر لأنها تستر الذنب ومنه الكافر لأنه يستر الحق ويسمى الليل كافرًا لأنه يستر الأشياء عن العيون (وقول الله تعالى: ﴿فكفارته﴾) أي فكفارة معقود الأيمان (﴿إطعام عشرة مساكين﴾) [المائدة: ٨٩] بإعطاء كل مسكين مدًّا من جنس الفطرة أو مسمى كسوة مما يعتاد لبسه كمقنعة ومنديل أو إعتاق رقبة مؤمنة فإن عجز عن كلٍّ من الثلاثة لزمه صوم ثلاثة أيام ولو مفرقة (وما أمر النبي ﷺ ¬) بن كعب بن عجرة كما في الحديث اللاحق (حين نزلت: ﴿فدية من صيام﴾) أي إذا حلق رأسه وهو محرم فعليه
стр. 4202
صيام ثلاثة أيام (﴿أو صدقة﴾) على ستة مساكين نصف صاع من بر (﴿أو نسك) [البقرة: ١٩٦] شاة مصدر أو جمع نسيكة.
(ويذكر عن ابن عباس) ﵄ فيما وصله سفيان الثوري في تفسيره عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس (وعطاء) هو ابن أبي رباح مما وصله الطبري أيضًا من طريق ابن جريج (وعكرمة) مولى ابن عباس مما وصله الطبري أيضًا من طريق داود بن أبي هند عنه (ما كان في القرآن أو أو) بفتح الهمزة وسكون الواو فيهما نحو قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ (فصاحبه بالخيار وقد خير النبي ﷺ كعبًا في الفدية) على ما يأتي إن شاء الله تعالى الآن.
٦٧٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُهُ، يَعْنِى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: «ادْنُ» فَدَنَوْتُ فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «﴿فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾». [البقرة: ١٩٦] وَأَخْبَرَنِى ابْنُ عَوْنٍ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ، وَالْمَسَاكِينُ سِتَّةٌ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا أبو شهاب) عبد ربه بن نافع الأصغر الحناط بالمهملة والنون الأسدي ويقال له الهذلي البصري (عن ابن عون) بفتح العين المهملة وسكون الواو عبد الله واسم جده ارطبان الأنصاري (عن مجاهد) أي ابن جبر (عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى) بفتح اللامين الأنصاري المدني ثم الكوفي (عن كعب بن عجرة) بضم العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء ﵁ أنه (قال: أتيته يعني النبي ﷺ فقال):
(ادن) أي اقرب (فدنوت فقال: أيؤذيك) ولأبي ذر أتؤذيك بالفوقية بدل التحتية (هوامّك) بتشديد الميم للساكنين جمع هامة بالتشديد تطلق على كل ما يدب من الحيوان كالقمل وشبهه وكان القمل يتناثر على وجهه (قلت) ولأبي ذر قلت: (نعم. قال): احلق رأسك وعليك (﴿فدية﴾) مرفوع مبتدأ خبره محذوف أي عليك فدية أو خبر مبتدأ محذوف أي فالواجب عليك فدية (﴿من صيام أو صدقة أو نسك﴾).
قال أبو شهاب بالسند الأول: (وأخبرني) بالإفراد (ابن عون) عبد الله (عن أيوب) السختاني أنه (قال: الصيام ثلاثة أيام والنسك شاة والمساكين ستة) إي إطعام ستة مساكين قال ابن بطال: وإنما ذكر البخاري حديث كعب هنا من أجل التخيير فإنها وردت في كفارة اليمين كما وردت في كفارة الأذى. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون البخاري أدخل حديث كعب هنا موافقة لمن قال إن الإطعام نصف صاع في الكفارة كالفدية فنبه على حمل المطلق على المقيد لأن النبي ﷺ نص في الفدية على أنها نصف صاع ولم يثبت عنه نص في قدر طعام الكفارة وهذا من أنصاف البخاري لأنه كثيرًا ما يخالف الكوفيين إلا أن يظهر الحق معهم. اهـ.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن فيه التخيير كما في كفارة الأيمان.
والحديث سبق في الحج.
٢ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهْوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢] مَتَى تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْغَنِىِّ وَالْفَقِيرِ؟.
(باب قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾) ما تحللونها به وهو الكفارة (﴿والله مولاكم﴾) سيدكم ومتولي أموركم وقيل مولاكم أولى بكم من أنفسكم فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم (﴿وهو العليم﴾) ما يصلحكم فيشرعه لكم (﴿الحكيم﴾) [التحريم: ٢] فيما أحل وحرم.
(متى تجب الكفارة على الغني والفقير) ولأبي ذر باب متى تجب الكفارة على الغني والفقير، وقول الله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ إلى قوله ﴿العليم الحكيم﴾.
٦٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ فِيهِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ قَالَ: «مَا شَأْنُكَ»؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِى فِى رَمَضَانَ قَالَ: «تَسْتَطِيعُ تُعْتِقُ رَقَبَةً»؟ قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «اجْلِسْ» فَجَلَسَ فَأُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ قَالَ: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ» قَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَضَحِكَ النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ: «أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم (قال) سفيان بن عيينة (سمعته من فيه) أي من فم الزهري أي ليس معنعنًا موهمًا للتدليس (عن حميد بن عبد الرَّحمن) بن عوف الزهري (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: جاء رجل) قيل هو سلمة بن صخر البياضي (إلى النبي ﷺ فقال: هلكت) أي فعلت ما هو سبب لهلاكي (قال ﷺ له):
(ما) ولأبي ذر: وما (شأنك قال: وقعت على امرأتي في رمضان) أي وطئتها كما في حديث آخر (قال) ﷺ له (تستطيع تعتق) بضم الفوقية ولأبي ذر عن الكشميهني أن تعتق (رقبة قال: لا) أستطيع (قال) ﷺ (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال: لا) أستطيع (قال) عليه الصلاة
стр. 4203
والسلام (فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا قال: لا، قال) ﷺ له (أجلس فجلس فأتي النبي ﷺ بعرق) بفتح العين المهملة والراء (فيه تمر والعرق المكتل الضخم) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الفوقية يسع خمسة عشر صافعا (قال) ﷺ له (خذ هذا) العرق بتمره (فتصدق به) بالتمر (قال) أتصدق به (على) شخص (أفقر منا) ولأبي ذر مني (فضحك النبي ﷺ حتى بدت) ظهرت (نواجذه) بالذال المعجمة آخر الأسنان أو هي الأضراس تعجبًا من حاله ثم (قال) ﷺ (اطعمه عيالك).
وفي الحديث أن كفارة الوقاع مرتبة إعتاق ثم صوم ثم إطعام وتجب نيتها بأن ينوي الإعتاق، وكذا باقيها عن الكفارة لتتميز عن غيرها كنذر فلا يكفي الإعتاق الواجب عليه مثلاً وإن
لم يكن عليه غيرها، ومراد البخاري كما قال ابن المنير التنبيه على أن الكفارة إنما تجب بالحنث كما أن كفارة المواقع في نهار رمضان إنما كانت باقتحام الذنب، وأشار إلى أن الفقير لا يسقط عنه إيجاب الكفارة لأن النبي ﷺ علم فقره وأعطاه مع ذلك ما يكفر به كما لو أعطى الفقير ما يقضي به دينه قال: ولعله كما نبه على احتجاج الكوفيين بالفدية نبه هنا على ما احتج به من خالفهم من إلحاقها بكفارة المواقع وأنها مدّ لكل مسكين. اهـ.
ومذهب الشافعي أن له تقديم الكفارة بلا صوم على أحد سببيها لأنه حق مالي تعلق بسببين فجاز تقديمها على أحدهما كالزكاة فتقدم على الحنث ولو كان حرامًا كالحنث بترك واجب أو فعل حرام وعلى عود في ظهار كأن ظاهر من رجعية ثم كفر ثم راجعها وكأن طلق رجعيًّا عقب ظهاره ثم كفر ثم راجع، وأما الصوم فلا يقدم لأنه عبادة بدنية فلا تقدم على وقت وجوبها بغير حاجة كصوم رمضان.
والحديث سبق في الصوم.
٣ - باب مَنْ أَعَانَ الْمُعْسِرَ فِى الْكَفَّارَةِ
(باب من أعان المعسر في الكفارة) الواجبة عليه.
٦٧١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ»؟ قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِى فِى رَمَضَانَ قَالَ: «تَجِدُ رَقَبَةً»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِعَرَقٍ، وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: «اذْهَبْ بِهَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ» قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن محبوب) البصري قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي قال: (حدّثنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن حميد بن عبد الرَّحمن) بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: جاء رجل) اسمه كما سبق سلمة بن صخر أو هو سلمان بن صخر أو هما واقعتان سبق ذلك في الصيام (إلى رسول الله) ولأبي ذر إلى النبي (¬ ﷺ فقال: هلكت) وفي بعض الطرق أهلكت (فقال) ﷺ له:
(وما ذاك)؟ الذي أهلكك (قال: وقعت بأهلي) جامعت امرأتي (في) نهار (رمضان. قال) ﵊: (تجد رقبة) تعتقها استفهام محذوف الأداة والمراد الوجود الشرعي فيدخل فيه القدرة بالشراء (قال: لا) أجد (قال هل) ولأبي ذر فهل (تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟
قال: لا) وعند البزار من رواية إسحاق وهل لقيت ما لقيت إلا من الصوم (قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا) وهل هذه الخصال على الترتيب أو التخيير؟ قال البيضاوي: رتب الثاني بالفاء على فقد الأول ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني فدلّ على عدم التخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السؤال فتنزل منزلة الشرط وقال مالك: بالتخيير (قال: فجاء رجل من الأنصار) لم أقف على اسمه (بعرق والعرق) بفتح العين المهملة والراء آخره قاف (المكتل) بكسر الميم وفتح الفوقية بينهما كاف ساكنة (فيه تمر فقال) ﵊ له (اذهب بهذا) التمر (فتصدق به قال) ولأبي ذر عن الكشميهني فقال (على) ولأبي ذر أعلى أي أتصدق به على أحد (أحوج منا يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما بين لابتها أهل بيت أحوج منا) ولابتيها بغير همز تثنية لابة يريد الحرتين أرضًا ذات حجارة سود والمدينة بينهما وزاد في الرواية السابقة قريبًا فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه (ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك) بقطع همزة فأطعمه أي أطعم ما في المكتل من التمر من تلزمك نفقته أو زوجك أو مطلق أقاربك.
стр. 4204
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة فكما جاز إعانة المعسر بالكفارة عن وقاعه في نهار رمضان كذلك يجوز إعانة المعسر بالكفارة عن يمينه إذا حنث فيه، وقد قيل إن هذا الحديث استنبط منه بعضهم ألف مسألة وأكثر.
٤ - باب يُعْطِى فِى الْكَفَّارَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا
هذا (باب) بالتنوين (يعطي) الشخص الذي وجبت عليه الكفارة (في الكفارة) إذا كانت عن يمين (عشرة مساكين) كما في القرآن (قريبًا كان) المسكين (أو بعيدًا) فالتذكير في قريبًا وبعيدًا باعتبار لفظ مسكين ولذا قال: كان دون كانت ولا كانوا أو لأن فعيلاً يستوي فيه التذكير والتأنيث كما في قوله: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٦].
٦٧١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ قَالَ: «وَمَا شَأْنُكَ»؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِى فِى رَمَضَانَ قَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قَالَ: لَا أَجِدُ، فَأُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ» فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَفْقَرُ مِنَّا، ثُمَّ قَالَ: «خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن حميد) بالتصغير ابن عبد الرَّحمن (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: جاء رجل) من بني بياضة اسمه سلمة بن صخر أو أعرابي (إلى النبي ﷺ فقال) يا رسول الله
(هلكت) وفي رواية عائشة في الصوم أنه احترق وأطلق ذلك لاعتقاده أن مرتكب الإثم يعذب بالنار فهو مجاز عن العصيان (قال) ﷺ :
(وما شأنك؟ قال: وقعت على امرأتي) جامعتها (في) نهار (رمضان. قال): ولأبي ذر فقال (هل تجد ما تعتق)؟ بضم الفوقية (رقبة قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا) سقط قوله قال فهل إلى آخره (قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا أجد) قال أبو هريرة: (فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر فقال خد هذا) التمر (فتصدق به) على ستين مسكينًا (فقال: أعلى) أي أتصدق به على أحد (أفقر منا ما بين لابتيها) حرتي المدينة (أفقر منا. ثم قال) ﷺ (خذه) أي التمر (فأطعمه أهلك).
قال ابن المنير: ليس في الحديث إلا قوله اطعمه أهلك لكن إذا جاز إعطاء الأقرباء فالبعداء أجوز وقاس كفارة اليمين على كفارة الجماع في الصيام في إجازة الصرف إلى الأقرباء اهـ. وهو على رأي من حمل قوله أطعمه أهلك على أنه في الكفارة، وأما من حمله على أنه أعطاه التمر المذكور في الحديث لينفقه على أهله وتستمر الكفارة في ذمته إلى أن يحصل له اليسار فلا يتجه الإلحاق وكذا على قول من يقول بالإسقاط عن المعسر مطلقًا قاله في الفتح، وفي رواية ابن إسحاق خذها وكلها وأنفقها على عيالك أي لا عن الكفارة بل هي تمليك مطلق بالنسبة إليه وإلى عياله وكان ذلك من مال الصدقة وأما حديث عليّ فكله أنت وعيالك فقد كفر الله عنك فضعيف لا يحتج به، وقد ورد الأمر بالقضاء كما في حديث عند البيهقي.
٥ - باب صَاعِ الْمَدِينَةِ وَمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وَبَرَكَتِهِ وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ
(باب) بيان (صاع المدينة) الذي يجب الإخراج به في الواجبات لأن التشريع وقع أولاً على ذلك (و) بيان (مد النبي ﷺ وبركته) أي المد أو كل منهما أو المراد بركته ﷺ في دعائه حيث دعا: اللهم بارك لهم في مكيالهم ومدّهم وصاعهم. (وما توارث أهل المدينة من ذلك قرنًا بعد قرن).
٦٧١٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِىُّ، حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ فِى زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة واسمه إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي قال: (حدّثنا القاسم بن مالك المزني) بضم الميم وفتح الزاي وكسر النون قال: (حدّثنا الجعيد بن عبد الرَّحمن) بضم الجيم وفتح العين المهملة بعدها تحتية ساكنة فدال مهملة
الكندي (عن السائب بن يزيد) الكندي ويقال الليثي ويقال الأزدي المدني أنه (قال: كان الصاع على عهد النبي ﷺ مدًّا وثلثًا بمدكم اليوم فزيد فيه) في الصاع (في زمن عمر بن عبد العزيز) قال ابن بطال: فيما نقله في الفتح: هذا يدل على أن مدهم حين حدّث به السائب كان أربعة أرطال فإذا زيد عليه ثلثه وهو رطل وثلث قام منه خمسة أرطال وثلث وهو الصاع بدليل أن مدّه ﷺ رطل وثلث وصاعه أربعة أمداد، ثم قال: وأما مقدار ما زيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز فلا نعلمه وإنما الحديث يدل على أن مدّهم ثلاثة أمداد بمدّه اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: ومن لازم ما قال
стр. 4205
أن يكون صاعهم ستة عشر رطلاً لكنه لعله لم يعلم مقدار الرطل عندهم إذ ذاك اهـ.
والمدّ كما مرّ رطل وثلث بالبغدادي وهو مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وحينئذ فيكون الصاع ستمائة درهم وخمسة وثمانين وخمسة أسباع درهم كما صححه النووي، وعند أبي حنيفة أن الصاع ثمانية أرطال لنا ما نقل الخلف عن السلف بالمدينة وهم أعرف بمثل ذلك كما قال مالك مستدلاًّ به على أبي يوسف في مناظرته له بحضرة الرشيد فرجع أبو يوسف في ذلك إليه.
والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في الاعتصام، وأخرجه النسائي في الزكاة.
٦٧١٣ - حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْجَارُودِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ وَهْوَ سَلْمٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِى زَكَاةَ رَمَضَانَ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ الْمُدِّ الأَوَّلِ وَفِى كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ: قَالَ لَنَا مَالِكٌ: مُدُّنَا أَعْظَمُ مِنْ مُدِّكُمْ، وَلَا نَرَى الْفَضْلَ إِلاَّ فِى مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ لِى مَالِكٌ: لَوْ جَاءَكُمْ أَمِيرٌ فَضَرَبَ مُدًّا أَصْغَرَ مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ بِأَىِّ شَىْءٍ كُنْتُمْ تُعْطُونَ؟ قُلْتُ: كُنَّا نُعْطِى بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَفَلَا تَرَى أَنَّ الأَمْرَ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ؟.
وبه قال: (حدّثنا منذر بن الوليد الجارودي) بالجيم قال: (حدّثنا أبو قتيبة وهو سلم) بفتح السين المهملة وسكون اللام الشعيري بفتح المعجمة وكسر المهملة البصري أصله من خراسان قال: (حدّثنا مالك) إمام الأئمة ابن أنس الأصبحي (عن نافع) مولى ابن عمر أنه (قال: كان ابن عمر) ﵁ (يعطي زكاة رمضان) أي صدقة الفطر منه (بمدّ النبي ﷺ ¬) وهو رطل وثلث بالبغدادي وهو مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم كما مرّ (المد الأول) بالجر صفة لازمة لمدّ النبي ﷺ وأراد نافع بذلك أنه كان لا يعطي بالمد الذي أحدثه هشام وهو أكبر من مدّ النبي ﷺ بثلثي مدّ إذ مدّ هشام رطلان والصاع منه ثمانية أرطال (وفي كفارة اليمين بمدّ النبي ﷺ ¬) لم يكن للنبي ﷺ إلا مدّ واحد.
(وقال أبو قتيبة): سلم المذكور بالسند السابق (قال لنا مالك) الإمام: (مدنا) المدني وإن كان دون مد هشام في القدر فإنه (أعظم من مدكم) في البركة الحاصلة فيه بدعاء النبي ﷺ (ولا نرى
الفضل إلا في مدّ النبي ﷺ ¬) وإن كان مد هشام أفضل بحسب الوزن قال أبو قتيبة سلم أيضًا (وقال لي مالك) الإمام: (لو جاءكم أمير فضرب مدًّا أصغر من مد النبي ﷺ بأي شيء كنتم تعطون)؟ الفطرة والكفارة قال أبو قتيبة: (قلت) له: (كنا نعطي) ذلك (بمد النبي ﷺ قال) مالك: (أفلا ترى أن الأمر إنما يعود إلى مد النبي ﷺ ¬) لأنه إذا تعارضت الأمداد الثلاثة الأوّل والحادث وهو الهشامي وهو زائد عليه والثالث المفروض وقوعه وإن لم يقع وهو دون الأوّل كان الرجوع إلى الأوّل أولى لأنه الذي تحققت شرعيته لنقل أهل المدينة له قرنًا بعد قرن وجيلاً بعد جيل وقد رجع أبو يوسف بمثل هذا إلى قول مالك كما مرّ.
والحديث من أفراده وهو غريب ما رواه عن مالك إلا أبو قتيبة ولا عنه إلا المندر.
٦٧١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِى مِكْيَالِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي الحافظ قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(اللهم بارك لهم) أي أهل المدينة (في مكيالهم وصاعهم ومدهم) البركة بمعنى النماء والزيادة قال الإمام أبو زكريا النووي الظاهر أن المراد البركة في نفس المكيل بالمدينة بحيث يكفي المد فيها من لا يكفيه في غيرها. قلت: وقد رأيت من ذلك في سنة خمس وتسعين وثمانمائة العجب العجاب فالله تعالى لوجهه الكريم يردني إليها ردًّا جميلاً ويجعل وفاتي بها على الكتاب والسنّة في عافية بلا محنة ويعتق رقبتي من النار بمنه وكرمه.
٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٩٨] وَأَىُّ الرِّقَابِ أَزْكَى؟
هذا (باب قول الله تعالى) في آية كفارة اليمين من سورة المائدة (﴿أو تحرير رقبة﴾) [المائدة: ٨٩] قال الحنفية: مؤمنة أو كافرة لإطلاق النص إلا في كفارة القتل فإن الله قيد الرقبة فيها بالإيمان وشرط الشافعي ﵀ الإيمان لجميع الكفارات مثل كفارة القتل والظهار والجماع في نهار رمضان حملاً للمطلق على المقيد كما أن الله تعالى قيد الشهادة بالعدالة في موضع فقال ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] وأطلق في موضع فقال: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثم العدالة شرط في جميعها حملاً للمطلق على المقيد كذلك هذا (وأي الرقاب أزكى) فيه إيماء إلى حديث أبي ذر السابق في أوائل
следующие страницы →