Полный текст (4 743 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
اسم بقعة فلا يصرف التأنيث والعلمية أي يأتي مسجد قباء حال كونه (ماشيًا) مرة (وراكبًا) أخرى وفي باب من أتى مسجد قباء من أواخر الصلاة يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا وللكشميهني راكبًا ماشيًا بالتقديم والتأخير. قال المهلب: المراد معاينة النبي ﷺ ماشيًا وراكبًا في قصده مسجد قباء وهو مشهد من مشاهده ﷺ وليس ذلك بغير المدينة.
والحديث مضى في أواخر الصلاة في ثلاثة أبواب متوالية أوّلها باب مسجد قباء.
٧٣٢٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ادْفِنِّى مَعَ صَوَاحِبِى وَلَا تَدْفِنِّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِى الْبَيْتِ فَإِنِّى أَكْرَهُ أَنْ أُزَكَّى.
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) الهباري قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت لعبد الله بن الزبير) بن العوام ابن أسماء أخت عائشة (ادفني) إذا مت (مع صواحبي) بالتخفيف أمهات المؤمنين ﵅ بالبقيع (ولا تدفني) بفتح الفوقية وكسر الفاء وتشديد النون (مع النبي ﷺ في البيت) في حجرتي التي دفن فيها النبي ﷺ وصاحباه (فإني أكره أن أُزكى) بضم الهمزة وفتح الزاي والكاف المشددة كرهت أن يثنى عليها بما ليس فيها بل بمجرد كونها مدفونة عنده ﷺ وصاحبيه دون سائر أمهات المؤمنين فيظن أنها خصّت بذلك دونهن لمعنى فيها ليس فيهن، وهذا منها غاية في التواضع.
٧٣٢٨ - وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ ائْذَنِى لِى أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَىَّ فَقَالَتْ: إِى وَاللَّهِ، قَالَ: وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا أُوثِرُهُمْ بِأَحَدٍ أَبَدًا.
(وعن هشام) بالسند السابق مما وصله الإسماعيلي من وجه آخر (عن أبيه) عروة (أن عمر) بن الخطاب ﵁ (أرسل إلى عائشة) ﵂ قال الحافظ ابن حجر هذا صورته الإرسال لأن عروة لم يدرك زمن إرسال عمر إلى عائشة لكنه محمول على أنه حمله عن عائشة فيكون موصولاً (ائذني لي أن أدفن) بضم الهمزة وفتح الفاء (مع صاحبي) النبي ﷺ وأبي بكر (فقالت: إي) بكسر الهمزة وسكون التحتية (والله) حرف جواب بمعنى نعم ولا تقع إلا مع القسم (قال) عروة بن الزبير: (وكان الرجل إذا أرسل إليها من الصحابة) يسألها أن يدفن معهم وجواب الشرط قوله (قالت: لا والله لا أوثرهم) بالمثلثة (بأحد أبدًا) أي لا أتبعهم بدفن أحد. وقال ابن قرقول: هو من باب القلب أي لا أوثر بهم أحدًا ويحتمل أن يكون لا أثيرهم بأحد أي لا أنبشهم لدفن أحد والباء بمعنى اللام، واستشكله السفاقسي بقولها في قصة عمر لأوثرنه على نفسي وأجاب باحتمال أن يكون الذي آثرته به المكان الذي دفن فيه من وراء قبر أبيها بقرب النبي ﷺ وذلك لا ينفي وجود مكان آخر في الحجرة. والحديث من أفراده.
٧٣٢٩ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ فَيَأْتِى الْعَوَالِىَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.
وَزَادَ اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ وَبُعْدُ الْعَوَالِى أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ.
وبه قال: (حدّثنا أيوب بن سليمان) أبو بلال قال: (حدّثنا أبو بكر بن أبي أويس) واسم أبي بكر عبد الحميد وأبي أويس عبد الله الأصبحي الأعشى (عن سليمان بن بلال) أبي محمد مولى الصديق (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف المدني أنه قال (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك) ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان يصلّي العصر فيأتي العوالي) بفتح العين والواو المخففة جمع عالية أي المرتفع من قرى المدينة من جهة نجد (والشمس مرتفعة) أي والحال أن الشمس مرتفعة. (وزاد الليث) بن سعد الإمام فيما وصله البيهقي (عن يونس) بن يزيد الأيلي (وبعد العوالي) بضم الموحدة وسكون العين (أربعة أميال أو ثلاثة) والأميال جمع ميل وهو ثلث الفرسخ، وقيل هو مد البصر والشك من الراوي.
ومطابقة الحديث للترجمة قيل من قوله فيأتي العوالي لأن إتيانه إلى العوالي يدل على أن العوالي من جملة مشاهده في المدينة.
٧٣٣٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ الْجُعَيْدِ سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ وَقَدْ زِيدَ فِيهِ.
سَمِعَ القَاسِمُ بْنُ مالِكٍ الجُعَيْدَ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن زرارة) بفتح العين في الأول وضم الزاي وتكرير الراء بينهما ألف الكلابي النيسابوري قال: (حدّثنا القاسم بن مالك) أبو جعفر المزني الكوفي (عن الجعيد) بضم الجيم وفتح العين مصغرًا وقد يستعمل مكبرًا ابن عبد الرحمن بن أويس الكندي المدني أنه قال: (سمعت السائب بن يزيد) الكندي له ولأبيه صحبة ﵄ (يقول: كان الصاع) جمعه أصوع بوزن أفلس. قال الجوهري: إن
стр. 4587
شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة اهـ. ويقال فيه ايضًا آصع على القلب أي تحويل العين إلى ما قبل الفاء مع قلب الواو همزة فيجتمع همزتان فتبدل الثانية ألفًا لوقوعها ساكنة بعد همزة مفتوحة وكان (على عهد النبي ﷺ -مدًّا وثلثًا) نصب خبر كان وللأصيلي وابن عساكر مد وثلث بالرفع على طريق من يكتب المنصوب بغير ألف. وقال في الكواكب: أو يكون في كان ضمير الشأن فيرتفع على الخبر (بمدّكم اليوم) وكان الصاع في زمنه ﷺ أربعة أمداد والمد رطل وثلث رطل عراقي (وقد زيد فيه) أي في الصاع زمن عمر بن عبد العزيز حتى صار مدًّا وثلث مد من الأمداد العمرية (سمع القاسم بنُ مالك الجعيد) يشير إلى ما سبق في كفارة الأيمان عن عثمان بن أبي شيبة عن القاسم حدّثنا الجعيد، وفي رواية زياد بن أيوب عن القاسم بن مالك قال أخبرنا الجعيد أخرجه الإسماعيلي وقوله سمع إلى آخره ثابت لأبوي ذر والوقت فقط.
ومناسبة الحديث للترجمة كما في الفتح أن الصاع مما اجتمع عليه أهل الحرمين بعد العهد النبوي واستمر فلما زاد بنو أمية في الصاع لم يتركوا اعتبار الصاع النبوي فيما ورد فيه التقدير بالصاع من زكاة الفطر وغيرها، بل استمروا على اعتباره في ذلك وإن استعملوا الصاع الزائد في شيء غير ما وقع التقدير فيه بالصاع كما نبه عليه مالك ورجع إليه أبو يوسف في القصة المشهورة.
والحديث سبق في الكفارات وأخرجه النسائي.
٧٣٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِى مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِى صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ». يَعْنِى أَهْلَ الْمَدِينَةِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(اللهم بارك) زد (لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم ومدهم. يعني) ﷺ (أهل المدينة) قال القاضي عياض: ويحتمل أن تكون هذه البركة دينية وهو ما يتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكوات والكفارات فيكون بمعنى البقاء لها البقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها وأن تكون دنيوية من تكثير المال والقدر بها حتى يكفي منها ما لا يكفي من غيرها أو ترجع
البركة إلى التصرف بها في التجارة وأرباحها وإلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وأثمارها أو لاتساع عيش أهلها بعد ضيقه لما فتح الله عليهم ووسع من فضله لهم بتمليك البلاد والخصب والريف بالشام والعراق وغيرهما حتى أكثر الحمل إلى المدينة، وفي هذا كله ظهور إجابة دعوته ﷺ وقبولها اهـ.
ورجح النووي كونها في نفس المكيل بالمدينة بحيث يكفي المدّ فيها من لا يكفيه في غيرها. وقال الطيبي: ولعل الظاهر هو قول القاضي أو لاتساع عيش أهلها إلى آخره لأنه ﷺ قال: وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ودعاء إبراهيم هو قوله: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ [إبراهيم: ٣٧] يعني وارزقهم من الثمرات بأن تجلب إليهم من البلاد لعلهم يشكرون النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات في وادٍ ليس فيه لحم ولا شجر ولا ماء، لا جرم أن الله أجاب دعوته فجعله حرفًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنه، ولعمري إن دعاء حبيب الله ﷺ استجيب لها وضاعف خيرها على خيرها بأن جلب إليها في زمن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم من مشارق الأرض ومغاربها من كنوز كسرى وقيصر وخاقان ما لا يحصى ولا يحصر، وفي آخر الأمر يأرز الدين إليها من أقاصي الأراضي وشاسع البلاد وينصر هذا التأويل قوله في حديث أبي هريرة: أمرت بقرية تأكل القرى ومكة أيضًا من مأكولها اهـ.
ومطابقة الحديث للترجمة كالذي قبله كما لا يخفى وسبق في البيوع والكفارات وأخرجه مسلم والنسائي.
٧٣٣٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ عِنْدَ الْمَسْجِدِ.
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) أبو إسحاق القرشي الخزامي المدني قال: (حدّثنا أبو ضمرة) أنس بن عياض المدني قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) صاحب المغازي (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) ﵄ (أن اليهود) من خيبر
стр. 4588
وذكر الطبري وغيره كما مر في المحاربين أن منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسعد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم (جاؤوا إلى النبي) وسقط لفظ إلى لأبي ذر عن المستملي فالتالي منصوب (¬ ﷺ برجل) لم يسم (وامرأة) اسمها بسرة بضم الموحدة وسكون المهملة (زنيا) وكانا محصنين (فأمر) ﷺ (بهما) بالزانيين (فرجما قريبًا من حيث توضع الجنائز) بضم الفوقية وفتح الضاد المعجمة بينهما واو ساكنة ولأبي ذر عن المستملي حيث موضع الجنائز بميم مفتوحة بدل الفوقية والجنائز جر بالإضافة (عند المسجد) النبوي.
ومطابقته للترجمة في قوله حيث توضع الجنائز إذ هي من المشاهد الكريمة المصرح بها في قوله ومصلّى النبي ﷺ .
وسبق الحديث بأتم من هذا في المحاربين في باب أحكام أهل الذمة.
٧٣٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا».
تَابَعَهُ سَهْلٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِى أُحُدٍ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) إمام دار الهجرة ابن أنس الأصبحي (عن عمرو) بفتح العين ابن أبي عمرو ميسرة (مولى المطلب) المدني أبي عثمان (عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ طلع) أي بدا (له أُحد) الجبل المشهور عند رجوعه من حنين سنة ست أو سبع (فقال):
(هذا) مشيرًا إلى أُحد (جبل يحبنا) حقيقة بأن يخلق الله تعالى فيه الإدراك والمحبة (ونحبه) إذ جزاء المحبة المحبة وقيل إنه محمول على المجاز أي يحبنا أهله ونحب أهله وهم الأنصار، أو المراد نحب أُحدًا بأهله لأنه في أرض من نحب والأولى كما في شرح السُّنّة إجراؤه على ظاهره، ولا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة وهذا هو المختار الذي لا محيد عنه على أنه يحتمل أنه أراد بالجبل أرض المدينة كلها، وخص الجبل بالذكر لأنه أوّل ما يبدو من أعلامها لقوله أوّلاً في الحديث طلع له أُحُد وقوله ثانيًا: (اللهم إن إبراهيم) خليلك (حرم مكة) بتحريمك لها على لسانه (وإني أحرم ما بين لابتيها) أي لابتي المدينة تثنية لابة وهي الحرة إذ المدينة بين حرتين إلى معنى الأول يلمح قول بلال:
وهل يبدون لي شامة وطفيل
وليس المتمنى ظهور هذين الجبلين بل لأنهما من أعلام مكة.
والحديث مرّ في الجهاد في باب فضل الخدمة في الغزو وفي أحاديث الأنبياء وآخر غزوة أُحُد.
(تابعه) أي تابع أنس بن مالك (سهل) بفتح السين المهملة ابن سعد (عن النبي ﷺ في) قوله (أُحُد) جبل يحبنا ونحبه لا في قوله اللهم إن إبراهيم إلى آخره.
وسبق هذا معلمًا عن سليمان بلفظ. وقال سليمان عن سعد بن سعيد عن عُمارة بن غزية عن عباس عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: (أحُد جبل يحبنا ونحبه) وعباس هو ابن سهل بن سعد المذكور.
٧٣٣٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ جِدَارِ الْمَسْجِدِ مِمَّا يَلِى الْقِبْلَةَ وَبَيْنَ الْمِنْبَرِ مَمَرُّ الشَّاةِ.
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم البصري قال: (حدّثنا أبو غسان) بالغين المعجمة المفتوحة والسين المهملة المشدّدة محمد بن مطرف قال: (حدّثني) بالإفراد (أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج (عن سهل) بفتح السين ابن سعد الساعدي ﵁ (أنه كان بين جدار المسجد) النبوي (مما يلي القبلة وبين المنبر ممرّ الشاة). أي موضع مرورها وهو بالرفع على أن كان تامة أو ممر اسم كانت بتقدير نحو قدر والظرف الخبر، وفي باب قدركم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة أوائل كتاب الصلاة. عن سهل قال: كان بين مصلّى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر شاة.
٧٣٣٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِى عَلَى حَوْضِى».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن بحر بن كثير بالنون والزاي أبو حفص الباهلي الفلاس الصيرفي البصري قال: (حدّثني عبد الرحمن بن مهدي) بفتح الميم وكسر الدال بينهما هاء ساكنة ابن حسان الحافظ أبو سعيد البصري اللؤلؤي قال: (حدّثنا مالك) الإمام الأعظم (عن خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى الأنصاري المدني (عن حفص بن عاصم) أي ابن عمر بن الخطاب (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ
стр. 4589
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ما بين بيتي) أي قبري وهو في منزله (ومنبري روضة من رياض الجنة) مقتطعة منها كالحجر الأسود أو تنقل إليها كالجذع الذي حنّ إليه صلوات الله وسلامه عليه أو هو مجاز بأن يكون من إطلاق المسبب على السبب لأن ملازمة ذلك المكان للعبادة سبب في نيل الجنة وفيه نظر سبق في آخر الحج (ومنبري على حوضي) أي يوضع بعينه يوم القيامة عليه والقدرة صالحة لذلك.
وسبق مزيد لذلك في الحج، ومطابقته هنا ظاهرة والمراد بحوضه نهر الكوثر الكائن داخل الجنة لا حوضه الذي خارجها المستمد من الكوثر أو أن له هناك منبرًا على حوضه يدعو الناس عليه إليه.
٧٣٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَابَقَ النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَ الْخَيْلِ فَأُرْسِلَتِ الَّتِى ضُمِّرَتْ مِنْهَا وَأَمَدُهَا إِلَى الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَالَّتِى لَمْ تُضَمَّرْ أَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِى زُرَيْقٍ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا جويرية) بضم الجيم ابن أسماء البصري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله) بن عمر ﵄ أنه (قال: سابق النبي ﷺ بين الخيل فأرسلت) الخيل (التي ضمرت) بضم الضاد المعجمة وتشديد الميم مكسورة وأرسلت بضم الهمزة والتضمير هو أن تعلف الفرس حتى تسمن ثم ترد إلى القوت وذلك في أربعين يومًا. وقال الخطابي: تضمير الخيل أن يظاهر عليها بالعلف مدة ثم تغشى بالجلال ولا تعلف إلا قوتًا حتى تعرق فتذهب كثرة لحمها، ولأبي ذر عن الكشميهني: فأرسل بفتح الهمزة أي فأرسل النبي ﷺ الخيل التي ضمرت (منها) من الخيول (وأمدها) بفتح الهمزة والميم المخففة غايتها (إلى الحفياء) بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها تحتية مهموز ممدود موضع بينه وبين المدينة خمسة أميال أو ستة، وسقطت (إلى) لأبي ذر فالحفياء رفع (إلى ثنية الوداع) بفتح الواو (والتي لم تضمر أمدها) غايتها (ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق) من الأنصار وزيد في المسافة للمضمرة لقوّتها وقصر منها لما لم يضمر لقصورها عن شأو ذات التضمير ليكون عدلاً بين النوعين وكله إعداد للقوّة في إعزاز كلمة الله امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم﴾ [الأنفال: ٦٠] (وإن عبد الله) بن عمر ﵄ (كان فيمن سابق) قال المهلب: فيما نقله عنه ابن بطال في حديث سهل في مقدار ما بين الجدار والمنبر سُنّة متّبعة في موضع المنبر ليدخل إليه من ذلك الموضع، ومسافة ما بين الحفياء، والثنية لمسابقة الخيل سُنّة متّبعة أي يكون ذلك سُنّة متّبعة وأمدًا للخيل المضمرة عند السباق.
والحديث سبق في الصلاة في باب هل يقال مسجد بني فلان وسقط لأبي ذر من قوله وأمدها إلى آخره وثبت لغيره.
٧٣٣٧ - : حَدّثَنَت قُتَيْبَةُ، عَنْ لَيْث، عَنْ نافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ح.
وَحَدَّثَنِى إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى وَابْنُ إِدْرِيسَ، وَابْنُ أَبِى غَنِيَّةَ، عَنْ أَبِى حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد (عن ليث) هو ابن سعد الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) عبد الله بهذا وهذا الطريق كما قال في فتح الباري يتعلق بالمسابقة فهو متابعة لرواية جويرية بن أسماء السابقة عن نافع (ح) للتحويل قال المؤلّف.
(وحدّثني) بالواو والإفراد ولأبي ذر: حدّثنا بسقوط الواو وبالجمع (إسحاق) هو ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه كما جزم به أبو نعيم والكلاباذي وغيرهما قال: (أخبرنا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي (وابن إدريس) هو عبد الله بن إدريس بن يزيد الكوفي (وابن أبي غنية) بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد التحتية المفتوحة هو يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الكوفي الأصبهاني الأصل ثلاثتهم (عن أبي حيان) بفتح الحاء
المهملة والتحتية المشدّدة وبعد الألف نون يحيى بن سعيد بن حيان التيمي تيم الرباب (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: سمعت عمر) بن الخطاب (على منبر النبي ﷺ ¬):
وسبق تمامه في الأشربة في باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل الحديث ففي سياق المؤلّف له هنا فيه إجحاف في الاختصار، ولذا استشكل سياقه مع سابقه بعض الشراح فظن أن سياق حديث قتيبة السابق لهذا الحديث الذي هو حديث ابن عمر عن عمر المختصر من حديث الأشربة هذا. قال في الفتح: وهو غلط فاحش
стр. 4590
فإن حديث عمر من أفراد الشعبي عن ابن عمر عن عمر، وسبب هذا الغلط ما ذكرته من المبالغة في الاختصار فلو قال بعد قوله في حديث قتيبة بعد قوله عن ابن عمر بهذا كما ذكرته لارتفع الإشكال كذا قرره في الفتح فليتأمل، فإن ظاهر التحويل يُشعِر بأن السابق للاحق وإن لم يكن بلفظه على ما هي عادة المؤلّف وغيره. وقال العيني بعد إيراده لذلك أخرجه من طريقين أحدهما عن قتيبة والآخر عن إسحاق، وقد سقط قوله حدّثنا قتيبة إلى قوله حدّثني إسحاق لغير كريمة وثبت لها.
٧٣٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَطَبَنَا عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (السائب بن يزيد) الصحابيّ ﵁ أنه (سمع عثمان بن عفان) ﵁ حال كونه (خطيبًا) وفي رواية خطبنا بنون المتكلم مع غيره بلفظ الماضي وهو الذي في اليونينية أي خطبنا عثمان (على منبر النبي ﷺ ¬).
وهذا حديث أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال من وجه آخر عن الزهري فزاد فيه يقول هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤدّه.
٧٣٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يُوضَعُ لِى وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا الْمِرْكَنُ فَنَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعًا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشدّدة أبو بكر العبدي مولاهم الحافظ بندار قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي بالسين المهملة البصري قال: (حدّثنا هشام بن حسان) القردوسي بضم القاف والدال المهملة بينهما راء ساكنة وبسين مهملة مكسورة الأزدي مولاهم الحافظ (أن هشام بن عروة حدّثه عن أبيه) عروة بن الزبير (أن عائشة) ﵂ (قالت: كان) ولأبي ذر قد كان (يوضع لي ولرسول الله ﷺ هذا المركن) بكسر الميم وفتح
الكاف بينهما راء ساكنة بعدها نون الإجانة التي يغسل فيها الثياب قاله الكرماني وغيره، وقال الخليل: شبه تور من أدم، وقال غيره شبه حوض من نحاس. قال في الفتح: وأبعد من فسره بالإجانة بكسر الهمزة وتشديد الجيم ثم نون لأنه فسر الغريب بمثله والإجانة هي القصرية بكسر القاف. قال العيني متعقبًا، قال ابن الأثير: المركن الإجانة التي يغسل فيها الثياب والميم زائدة وكذا فسره الأصمعي (فنشرع فيه جميعًا) أي نتناول منه بغير إناء.
وسبق في باب غسل الرجل مع امرأته من كتاب الغسل قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من قدح يقال له الفرق. قال ابن بطال فيما حكاه في الفتح فيه سُنّة متّبعة لبيان مقدار ما يكفي الزوج والمرأة إذا اغتسلا.
٧٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَالَفَ النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَ الأَنْصَارِ وَقُرَيْشٍ فِى دَارِى الَّتِى بِالْمَدِينَةِ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال (حدّثنا عباد بن عباد) بفتح العين والموحدة المشددة فيهما ابن حبيب بن المهلب المهلبي أبو معاوية من علماء البصرة قال (حدّثنا عاصم الأحول) بن سليمان أبو عبد الرحمن البصري الحافظ (عن أنس) ﵁ أنه (قال: حالف) بالحاء المهملة وباللام المفتوحة بعدها فاء أي عاقد (النبي ﷺ بين الأنصار) من الأوس والخزرج (وقريش) من المهاجرين على التناصر والتعاضد (في داري التي بالمدينة). وهذا موضع الترجمة وهو آخر هذا الحديث والتالي حديث آخر وهو قوله:
٧٣٤١ - وَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِى سُلَيْمٍ.
(وقنت) ﵊ (شهرًا) بعد الركوع (يدعو على أحياء) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة (من بني سليم). بضم السين وفتح اللام لأنهم غدروا بالقراء وقتلوهم وكانوا سبعين من أهل الصفة يتفقرون العلم ويتعلمون القرآن وكانوا ردءًا للمسلمين إذا نزلت بهم نازلة وكانوا حقًّا عمار المسجد وليوث الملاحم ولم ينج منهم إلا كعب بن زيد الأنصاري من بني النجار فإنه تخلص وبه رمق فعاش حتى استشهد يوم الخندق وكان ذلك في السنة الرابعة. وفي رواية بالمغازي قنت شهرًا في صلاة الصبح يدعو على أحياء من أحياء العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، وساق المؤلّف هنا حديثين اختصرهما وسبق كلٌّ منهما بأتم مما ذكره هنا.
٧٣٤٢ - حَدَّثَنِى أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالَ لِى انْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ فَأَسْقِيَكَ فِى قَدَحٍ شَرِبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتُصَلِّى فِى مَسْجِدٍ صَلَّى فِيهِ النَّبِىُّ ﷺ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَسَقَانِى سَوِيقًا وَأَطْعَمَنِى تَمْرًا وَصَلَّيْتُ فِى مَسْجِدِهِ.
وبه قال: (حدّثني) ولأبي ذر بالجمع (أبو كريب) بضم الكاف محمد بن العلاء قال: (حدّثنا أبو أسامة) بضم الهمزة حماد بن أسامة
стр. 4591
قال: (حدّثنا بريد) بضم الموحدة وفتح الراء ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (عن أبي بردة) بضم الموحدة عامر أو الحارث أنه (قال: قدمت المدينة) طيبة (فلقيني عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام وعند عبد الرزاق من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه قال: أرسلني أبي إلى عبد الله بن سلام لأتعلم منه فسألني من أنت فأخبرته فرحب بي. (فقال لي: انطلق إلى المنزل) أي انطلق معي إلى منزلي فأل بدل من المضاف إليه (فأسقيك) بالنصب (في قدح شرب فيه رسول الله ﷺ وتصلي في مسجد صلّى فيه النبي ﷺ ، فانطلقت معه) إلى منزله (فسقاني) ولأبي ذر فأسقاني بهمزة مفتوحة بعد الفاء (سويقًا وأطعمني تمرًا وصليت في مسجده) وفي المناقب فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا وتدخل في بيت بالتنكير للتعظيم لدخول رسول الله ﷺ فيه.
٧٣٤٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ حَدَّثَنِى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِى النَّبِىُّ ﷺ قَالَ أَتَانِى اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّى وَهْوَ بِالْعَقِيقِ أَنْ صَلِّ فِى هَذَا الْوَادِى الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ. وَقَالَ هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِىٌّ عُمْرَةٌ فِى حَجَّةٍ.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن الربيع) بكسر العين أبو زيد الهروي نسبة لبيع الثياب الهروية قال: (حدّثنا علي بن المبارك) الهنائي (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة الإمام أبي نصر اليمامي الطائي مولاهم أحد الأعلام أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) ﵄ ولأبي ذر قال حدّثني بالإفراد ابن عباس (أن عمر) بن الخطاب (﵁ حدّثه قال: حدّثني) بالإفراد (النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(أتاني الليلة آتٍ من ربي) ملك أو هو جبريل (وهو بالعقيق) وادٍ بظاهر المدينة (أن صل) سُنّة الإحرام (في هذا الوادي المبارك وقل عمرة وحجة) فيه أنه كان قارنًا وروي بالنصب بفعل مقدّر نحو نويت أو أردت عمرة وحجة.
وسبق الحديث في أوائل الحج.
(وقال هارون بن إسماعيل) أبو الحسن الخزاز بالمعجمات البصري مما وصله عبد بن حميد في مسنده وعمر بن شبة في أخبار المدينة كلاهما عنه (حدّثنا علي) هو ابن المبارك فقال في روايته (عمرة في حجة). أي مدرجة في حجة فخالف سعيد بن الربع في قوله عمرة وحجة بواو العطف.
٧٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَقَّتَ النَّبِىُّ ﷺ قَرْنًا: لأَهْلِ نَجْدٍ وَالْجُحْفَةَ لأَهْلِ الشَّأْمِ وَذَا الْحُلَيْفَةِ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ: قَالَ سَمِعْتُ هَذَا مِنَ
النَّبِيِّ ﷺ وَبَلَغَنِى أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ» وَذُكِرَ الْعِرَاقُ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ.
وبه قال: (حدّثنا محمد يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عبد الله بن دينار) المدني (عن ابن عمر) ﵄ أنه قال: (وقت النبي ﷺ ¬) بتشديد القاف أي جعل حدًّا يحرم منه ولا يتجاوز أو من الوقت على بابه يعني أنه علق الإحرام بالوقت الذي يكون الشخص فيه في هذه الأماكن فعين (قرنًا) بفتح القاف وسكون الراء وهو على مرحلتين من مكة (لأهل نجد) بفتح النون وسكون الجيم بعدها دال مهملة وهو ما ارتفع والمراد هنا ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق (و) عين (الجحفة) بالجيم المضمومة والحاء المهملة الساكنة بعدها فاء قرية على خمس أو ست مراحل من مكة (لأهل الشام) زاد النسائي ومصر (وذا الحليفة) بضم الحاء المهملة وبالفاء مصغرًا مكان بينه وبين مكة مئتا ميل غير ميلين وبين المدينة ستة أميال (لأهل المدينة) النبوية فأل في المدينة للغلبة كالعقبة لعقبة أيلة والبيت للكعبة (قال) ابن عمر (سمعت هذا من النبي ﷺ ، وبلغني أن النبي ﷺ قال: ولأهل اليمن يلملم) بفتح اللامين والتحتية وسكون الميم الأولى جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة والياء فيه بدل من همزة ولا يقدح فيه قوله بلغني إذ هو عمن لم يعرف لأنه إنما يروى عن صحابي وهم عدول (وذكر العراق) بضم الذال مبنيًّا للمجهول (فقال) ابن عمر: (لم يكن عراق يومئذٍ) أي لم يكن أهل العراق في ذلك الوقت مسلمين حتى يوقت لهم ﵊ ميقاتًا.
وسبق الحديث في أوائل الحج.
٧٣٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أُرِىَ وَهْوَ فِى مُعَرَّسِهِ بِذِى الْحُلَيْفَةِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن المبارك) العيشي بالتحتية والمعجمة الطفاوي البصري قال: (حدّثنا الفضيل، بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة ابن سليمان النميري قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) مولى آل الزبير الإمام في المغازي قال: (حدّثني) بالإفراد (سالم بن عبد الله عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄ (عن النبي ﷺ أنه أُري) بضم الهمزة وكسر الراء (وهو في معرّسه) بضم الميم وفتح العين المهملة والراء
стр. 4592
المشددة منزله الذي كان فيه آخر الليل (بذي الحليفة) في المنام (فقيل) بالفاء، ولأبي ذر عن الكشميهني وقيل (له) ﵊: (إنك ببطحاء مباركة). والحديث سبق في أوائل الحج.
ومطابقته للترجمة ظاهرة لمن تأملها والله الموفق والمعين ومراده من سياق أحاديث هذا الباب تقديم أهل المدينة في العلم على غيرهم في العصر النبوي، ثم بعده قبل تفرق الصحابة في
الأمصار ولا سبيل إلى التعميم كما لا يخفى والله تعالى يعين على الإتمام ويمنّ بالإخلاص والنفع أستودعه تعالى ذلك فإنه لا يخيب ودائعه وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
١٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]
(باب في قول الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨]) اسم ليس شيء والخبر لك ومن الأمر حال من شيء لأنه صفة مقدمة أو يتوب عليهم عطف على ليقطع طرفًا من الذين كفروا أو يكبتهم وليس لك من الأمر شيء اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه.
٧٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ فِى صَلَاةِ الْفَجْرِ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فِى الأَخِيرَةِ». ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا». فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن محمد) السمسار المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سالم) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب ﵄ (أنه سمع النبي ﷺ يقول في صلاة الفجر) حال كونه (رفع) ولأبي ذر ورفع (رأسه من الركوع قال): قال في الكواكب فإن قلت: أين مقول يقول؟ وأجاب: بأن جعله كالفعل اللازم أي يفعل القول ويحققه أو هو محذوف اهـ.
وأجاب في الفتح باحتمال أن يكون بمعنى قائلاً ولفظ قال: المذكور زائد، ويؤيده أنه وقع في تفسير سورة آل عمران من رواية حبان بن موسى بلفظ: أنه سمع رسول الله ﷺ من الركوع في الركعة الأخيرة من صلاة الفجر يقول: "اللهم" وتعقبه العيني بأنه احتمال لا يمنع السؤال لأنه وإن كان حالاً فلا بدّ له من مقول ودعواه زيادة قال غير صحيحة لأنه واقع في محله.
(اللهم ربنا ولك الحمد) بإثبات الواو (في) الركعة (الأخيرة) ولأبي ذر الآخرة بإسقاط التحتية وقوله في الكواكب وتبعه في اللامع فإن قلت: ما وجه التخصيص بالآخرة وله الحمد في الدنيا أيضًا؟ قلت: نعيم الآخرة أشرف فالحمد عليه هو الحمد حقيقة، أو المراد بالآخرة العاقبة أي مآل كل الحمود إليك تعقبه في الفتح بأنه ظن أن قوله في الآخرة متعلق بالجملة وأنه بقية الذكر قاله ﷺ في الاعتدال وليس هو من كلامه ﷺ ، بل هو من كلام ابن عمر ﵄ قال ثم ينظر في جمعه الحمد على حمود (ثم قال: اللهم العن فلانًا وفلانًا) بالتكرار مرتين يريد
صفوان بن أمية وسهيل بن عمير والحارث بن هشام، وقول الكرماني فلانًا وفلانًا يعني رعلاً وذكوان وهم منه، وإنما المراد ناس بأعيانهم كما ذكر لا القبائل (فأنزل الله : ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾) أي إن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا (﴿أو يعذبهم﴾) إن أصرّوا على الكفر ليس لك من أمرهم شيء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم وعن الفراء أو بمعنى حتى وعن ابن عيسى إلا أن قولك لألزمنك أو تعطيني حقي أي ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى فيهم، وقيل: أراد أن يدعو جمليهم فنهاه الله تعالى لعلمه أن فيهم من يؤمن (﴿فإنهم ظالمون﴾ [آل عمران: ١٢٨]) مستحقون للتعذيب.
قال ابن بطال دخول هذه الترجمة في كتاب الاعتصام من جهة دعائه ﷺ على المذكورين لكونهم لم يذعنوا للإيمان ليعتصموا به من اللعنة، والحديث سبق في تفسير سورة آل عمران، ومطابقته لما ترجم له هنا واضحة.
١٨ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٤]
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
(باب قوله تعالى): وسقط لأبي ذر قوله تعالى: (﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾ [الكهف: ٥٤]) جدلاً تمييز أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدال إن فصلتها واحدًا بعد واحد خصومة ومماراة بالباطل يعني أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شيء (وقوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ [العنكبوت: ٤٦])
стр. 4593
بالخصلة التي هي أحسن وهي مقابلة الخشونة باللين والغضب بالكظم كما قال: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ [فصلت: ٣٤] إلا الذين ظلموا منهم فأفرطوا في الاعتداء والعناد ولم يقبلوا النصح ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة، وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله ﷺ أو الذين أثبتوا الولد والشريك، وقالوا: ﴿يد الله مغلولة﴾ [المائدة: ٦٤] أو معناه لا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدّين للجزية إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فمجادلتهم بالسيف، والآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين وعلى جواز تعلم علم الكلام الذي به تتحقق المجادلة.
٧٣٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ ح.
حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِىٍّ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ قَالَ إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ﵍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ أَلَا تُصَلُّونَ فَقَالَ عَلِىٌّ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ: وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعَهُ وَهْوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٤]. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ مَا أَتَاكَ لَيْلاً فَهْوَ طَارِقٌ، وَيُقَالُ الطَّارِقُ: النَّجْمُ، وَالثَّاقِبُ: الْمُضِئُ. يُقَالُ: أَثْقِبْ نَارَكَ لِلْمُوقِدِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) بضم المعجمة وفتح المهملة ابن أبي حمزة الحافظ أبو بشر الحمصي مولى بني أمية (عن الزهري) محمد بن مسلم أبي بكر أحد الأعلام (ح) مهملة للتحويل من سند إلى آخر قال البخاري: (حدّثني) بالإفراد بغير واو ولأبي ذر وحدّثني (محمد بن سلام) بالتخفيف البيكندي الحافظ قال: (أخبرنا عتاب بن بشير) بفتح العين والفوقية المشددة وبعد الألف موحدة وبشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة الجزري بالجيم والزاي ثم الراء المكسورة (عن إسحاق) بن راشد الجزري أيضًا ولفظ الحديث له (عن الزهري) أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (علي بن حسين) بضم الحاء وفتح السين المهملتين ابن علي بن أبي طالب (أن) أباه (حسين بن علي ﵄ أخبره أن) أباه (علي بن أبي طالب ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ ¬) بنصب فاطمة عطفًا على الضمير المنصوب في طرقه أي أتاهما ليلاً (فقال لهم): لعليّ وفاطمة ومن معهما يحضهم.
(ألا) بالتخفيف وفتح الهمزة (تصلون) وفي رواية شعيب بن أبي حمزة في التهجد فقال لهما: ألا تصليان بالتثنية (فقال علي فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله) استعارة لقدرته (فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا) بفتح المثلثة فيهما أن يوقظنا للصلاة أيقظنا (فانصرف رسول الله ﷺ ¬) مدبرًا (حين قال له) عليّ (ذلك ولم يرجع إليه شيئًا) أي لم يجبه بشيء. وفيه التفات وفي رواية شعيب فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إليّ شيئًا (ثم سمعه وهو مدبر) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر الموحدة مول ظهره ولأبي ذرّ وهو منصرف حال كونه (يضرب فخذه) بكسر الخاء وفتح الذال المعجمتين تعجبًا من سرعة جوابه (وهو) أي والحال أنه (يقول: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾) ويؤخذ من الحديث أن عليًّا ترك فعل الأولى وإن كان ما احتج به متجهًا، ومن ثم تلا النبي ﷺ الآية، ولم يلزمه مع ذلك بالقيام إلى الصلاة ولو كان امتثل وقام لكان أولى، وفيه أن الإنسان جبل على الدفاع عن نفسه بالقول والفعل، ويحتمل أن يكون عليّ امتثل ذلك إذ ليس في القصة تصريح بأن عليًّا امتنع، وإنما أجاب على ما ذكر اعتذارًا عن ترك القيام لغلبة النوم ولا يمتنع أنه صلّى عقب هذه المراجعة إذ ليس في الحديث ما ينفيه وفيه مشروعية التذكير للغافل لأن الغفلة من طبع البشر.
(قال أبو عبد الله) المؤلّف ﵀. (يقال ما أتاك ليلاً فهو طارق) لاحتياجه إلى دق الباب
وسقط قال أبو عبد الله الخ لغير أبي ذر (ويقال: الطارق النجم والثاقب المضيء) لثقبه الظلام بضوئه (يقال: اثقب) بكسر القاف وجزم الموحدة فعل أمر (نارك للموقد) بكسر القاف الذي يوقد النار يشير إلى قوله تعالى: ﴿والسماء والطارق﴾ [الطارق: ١] الخ. فأقسم بالسماء لعظم قدرها في أعين الخلق لكونها معدن الرزق ومسكن الملائكة وفيها الجنة وبالطارق، والمراد جنس النجوم أو جنس الشهب التي يرمي بها لعظم منفعتها ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل كما يقال للآتي ليلاً طارق.
٧٣٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ بَيْنَا نَحْنُ فِى الْمَسْجِدِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ». فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا». فَقَالُوا: بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ذَلِكَ أُرِيدُ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا». فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ذَلِكَ أُرِيدُ». ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد أبو الحارث الإمام مولى بني فهم (عن سعيد) بكسر العين المقبري (عن أبيه) أبي سعيد كيسان (عن أبي هريرة) ﵁ أنه
стр. 4594
قال: (بينا) بغير ميم (نحن في المسجد خرج رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ فقال):
(انطلقوا إلى يهود. فخرجنا معه) ﵊ (حتى جئنا بيت المدراس) بكسر الميم وسكون الدال المهملة وهو الذي يدرس فيه عالمهم التوراة (فقام النبي ﷺ فناداهم فقال: يا معشر يهود أسلموا) بكسر اللام (تسلموا) بفتحها الأول من الإسلام والثاني من السلامة (فقالوا: بلغت) الرسالة ولأبي ذر قد بلغت (يا أبا القاسم) ولم يذعنوا لطاعته (قال: فقال لهم رسول الله ﷺ : ذلك) أي إقراركم بالتبليغ (أريد) بضم الهمزة وكسر الراء أقصد وسقط لأبي ذر قوله لهم رسول الله إلى آخر التصلية: (أسلموا تسلموا. فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله ﷺ : ذلك أريد. ثم قالها) قال رسول الله ﷺ المقالة المذكورة المرة (الثالثة) وكرر للمبالغة في التبليغ ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥] (فقال) ﵊ لهم: (اعلموا أنما الأرض لله ورسوله) بفتح همزة أنما ولأبي ذر ولرسوله (وإني أريد أن أجليكم) بضم الهمزة وسكون الجيم وكسر اللام أطردكم (من هذه الأرض فمن وجد منكم بماله) الباء للبدلية أي بدل ماله (شيئًا فليبعه) جواب من أي من كان له شيء مما لا يمكن نقله فليبعه (وإلاّ) أي وإن لا تفعلوا ما قلت لكم (فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله) يورثها للمسلمين.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة وسبق في الجزية من كتاب الجهاد.
١٩ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
وَمَا أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ
(باب قول الله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]) خيارًا، وقيل للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية قال حبيب:
كانت هي الوسط المحميّ فاكتنفت … بها الحوادث حتى أصبحت طرفا
أو عدولاً لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض أي: ﴿جعلناكم أمة وسطًا﴾ بين الغلوّ والتقصير فإنكم لم تغلوا غلوّ النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا، وسقط لفظ قوله تعالى لأبي ذر (وما أمر النبي ﷺ ¬) أمته (بلزوم الجماعة وهم أهل العلم). المجتهدون.
٧٣٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ شُهُودُكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ». ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ -قَالَ عَدْلاً- ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) أبو يعقوب الكوسج المروزي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا) ولأبي ذر قال أي قال أبو أسامة قال: (الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا أبو صالح) ذكوان الزيات (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(يجاء بنوح) ﵇ بضم التحتية وفتح الجيم وفي تفسير سورة البقرة يدعى نوح (يوم القيامة فيقال له: هل بلغت)؟ رسالتي إلى قومك (فيقول: نعم يا رب) بلغتها (فتُسأل أمته) بضم الفوقية من فتسأل (هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقول) ﵎ له ولأبوي الوقت وذر فيقال (من شهودك)؟ الذين يشهدون لك أنك بلغتهم (فيقول) نوح يشهد لي (محمد وأمته فيجاء بكم) ولأبوي الوقت وذر فقال رسول الله ﷺ فيجاء بكم (فتشهدون) أنه بلغهم (ثم
قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ -قال) في تفسير وسطًا أي (عدلاً) ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ ولأبي ذر عدلاً إلى قوله: (﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾) واللام في لتكونوا لام كي فتفيد العلية أو هي لام الصيرورة وأتى بشهداء الذي هو جمع شهيد ليدل على المبالغة دون شهيد وشهود جمعي شاهد وفي على قولان إنها على بابها وهو الظاهر أو بمعنى اللام بمعنى إنكم تنقلون إليهم ما علمتموه من الوحي والدين كما نقله الرسول ﷺ (﴿ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]) عطف على لتكونوا أي يزكيكم ويعلم بعدالتكم والشهادة قد تكون بلا مشاهدة كالشهادة بالتسامع في الأشياء المعروفة ولما كان الشهيد كالرقيب جيء بكلمة الاستعلاء، والاستدلال بالآية على أن الإجماع حجة لأن الله تعالى وصف الأمة بالعدالة والعدل هو المستحق للشهادة
стр. 4595
وقبولها فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله.
والحديث سبق في تفسير سورة البقرة وأحاديث الأنبياء.
قال إسحاق بن منصور: (وعن جعفر بن عون) بفتح العين وبعد الواو الساكنة نون المخزومي القرشي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (الأعمش) سليمان (عن أبي صالح) ذكوان (عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ بهذا). الحديث. وحاصله أن إسحاق بن منصور شيخ البخاري روى هذا الحديث عن أبي أسامة بلفظ التحديث وعن جعفر بن عون بالعنعنة.
٢٠ - باب إِذَا اجْتَهَدَ الْعَامِلُ -أَوِ الْحَاكِمُ- فَأَخْطَأَ خِلَافَ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ»
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا اجتهد العامل) بتقديم الميم على اللام أي عامل الزكاة ونحوه ولأبي ذر عن الكشميهني العالم بتأخيرها أي المفتي (أو الحاكم فأخطأ خلاف) شرع (الرسول) صلوات الله وسلامه عليه أي مخالفًا لحكم سنته في أخذ واجب الزكاة أو في قضائه وأو للتنويع (من غير علم) أي لم يتعمد المخالفة وإنما خالف خطأ (فحكمه مردود) لا يعمل به (لقول النبي ﷺ : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وصله مسلم وكذا سبق في الصلح لكن بلفظ آخر.
واستشكل قوله فأخطأ خلاف الرسول لأن ظاهره مُنافٍ للمراد لأن من أخطأ خلاف الرسول لا يذم بخلاف من أخطأ وفاقه، ولذا قال في الكواكب وفي الترجمة نوع تعجرف. وأجاب في الفتح: بأن الكلام تمّ عند قوله فأخطأ وهو متعلق بقوله اجتهد وقوله خلاف الرسول أي فقال خلاف الرسول وحذف. قال في الكلام كثير فأي عجرفة في هذا. قال: ووقع في حاشية نسخة الدمياطي بخطه الصواب في الترجمة فأخطأ بخلاف الرسول. قال في الفتح: وليس
دعوى حذف الباء برافع للإشكال بل إن سلك طريق التغيير فلعل اللام متأخرة ويكون الأصل خالف بدل خلاف وتعقبه العيني بأن تقديره بقوله قال خلاف الرسول يكون عطفًا على أخطأ. فيؤدي إلى نفي المقصود الذي ذكرناه الآن اهـ. وسقط لغير أبي ذر عليه من قوله عليه أمرنا.
٧٣٥٠ و ٧٣٥١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَخِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَخَا بَنِى عَدِىٍّ الأَنْصَارِىَّ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا»؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَشْتَرِى الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْعِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلاً بِمِثْلٍ -أَوْ بِيعُوا هَذَا- وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (عن أخيه) أبي بكر واسمه عبد الحميد بتقديم المهملة على الميم (عن سليمان بن بلال عن عبد المجيد) بتقديم الميم على الجيم (ابن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني بضم سين سهيل وفتح هائه كذا في الفرع وغيره من النسخ المقابلة على اليونينية وفرعها في نسخة عن أخيه عن سليمان بن بلال عن عبد المجيد الخ. قال في الفتح: وذكر أبو علي الجياني أن سليمان سقط من أصل الفربري فيما ذكر أبو زيد قال: والصواب إثباته فإنه لا يتصل السند إلا به وقد ثبت كذلك في رواية إبراهيم بن معقل النسفيّ قال: وكذلك لم يكن في كتاب ابن السكن ولا عند أبي أحمد الجرجاني. قال الحافظ ابن حجر: وهو ثابت عندنا في النسخة المعتمدة من رواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة عن الفربري، وكذا في سائر النسخ التي اتصلت لنا عن الفربري فكأنها سقطت من نسخة أبي زيد فظن سقوطها من أصل شيخه، وقد جزم أبو نعيم في مستخرجه بأن البخاري أخرجه عن إسماعيل عن أخيه عن سليمان وهو يرويه عن أبي أحمد الجرجاني عن الفربري وأما رواية ابن السكن، فلم أقف عليها اهـ. (أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث أن أبا سعيد الخدري وأبا هريرة) ﵄ (حدّثناه أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي) أي واحدًا منهم اسمه سواد بن غزية بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتية (الأنصاري واستعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب) بفتح الجيم وكسر النون وبعد التحتية الساكنة موحدة نوع من التمر أجود تمورهم (فقال له رسول الله ﷺ ¬):
(أكل تمر خير هكذا. قال): ولأبي الوقت فقال: (لا والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع) من الجنيب (بالصاعين من الجمع) بفتح الجيم وسكون الميم تمر رديء (فقال رسول الله ﷺ : لا تفعلوا) ذلك (ولكن مثلاً بمثل) بسكون المثلثة فيهما (أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا) وفي مسلم هو الربا فردّوه
стр. 4596
ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا هذا (وكذلك الميزان) يعني كل ما يوزن فيباع وزنًا بوزن من غير تفاضل فحكمه حكم المكيلات.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الصحابي اجتهد فيما فعل فرده النبي ﷺ ونهاه عما فعل وعذره لاجتهاده.
والحديث سبق في البيوع في باب إذا أراد بيع التمر بتمر خير منه.
٢١ - باب أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ
(باب أجر الحاكم إذا اجتهد) في حكمه (فأصاب أو أخطأ) فهو مأجور.
٧٣٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرئُ المَكِّيُّ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يزيد) من الزيادة (المقرئ) بالهمز (المكي) وسقط المقرئ والمكي لغير أبي ذر قال: (حدّثنا حيوة) بفتح الحاء المهملة وبعد التحتية الساكنة واو مفتوحة فهاء تأنيث (ابن شريح) بضم المعجمة وفتح الراء وبعد التحتية الساكنة مهملة وثبت ابن شريح لأبي ذر وسقط لغيره وابن شريح هذا هو التجيبي فقيه مصر وزاهدها ومحدثها له أحوال وكرامات قال: (حدّثني) بالإفراد (يزيد بن عبد الله بن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي (عن محمد بن إبراهيم بن الحارث) التميمي المدني التابعي ولأبيه صحبة (عن بسر بن سعيد) بكسر العين وبسر بضم الموحدة وسكون السين المهملة المدني العابد مولى ابن الحضرمي (عن أن قيس مولى عمرو بن العاص) قال في الفتح، قاله البخاري: لا يعرف اسمه وتبعه الحاكم أبو أحمد وجزم ابن يونس في تاريخ مصر بأنه عبد الرحمن بن ثابت وهو أعرف بالمصريين من غيره ونقل عن محمد بن سحنون أنه سمى أباه الحكم وخطأه في ذلك، وحكى الدمياطي أن اسمه سعد وعزاه لمسلم في الكنى. قال الحافظ ابن حجر: وقد راجعت نسخًا في الكنى لمسلم فلم أر ذلك فيها وما لأبي قيس في البخاري إلا هذا الحديث (عن عمرو بن العاص) ﵁ (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول):
(إذا حكم الحاكم فاجتهد) أي إذا أراد الحاكم أن يحكم فعند ذلك يجتهد لأن الحكم متأخر عن الاجتهاد فلا يجوز الحكم قبل الاجتهاد اتفاقًا، ويحتمل كما في الفتح أن تكون الفاء في قوله فاجتهد تفسيرية لا تعقيبية (ثم أصاب) بأن وافق ما في نفس الأمر من حكم الله (فله أجران) أجر الاجتهاد وأجر الإصابة (وإذا حكم فاجتهد) أراد أن يحكم فاجتهد (ثم أخطأ) بأن وقع ذلك بغير حكم الله (فله أجر) واحد وهو أجر الاجتهاد فقط. (قال) يزيد بن عبد الله بن الهاد الراوي
(فحدّثت بهذا الحديث أبا بكر بن عمرو بن حزم) بفتح العين والحاء المهملتين ونسبه في هذه الرواية لجده وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (فقال: هكذا حدّثني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أبي هريرة) بمثل حديث عمرو بن العاص. (وقال عبد العزيز بن المطلب) بن عبد الله بن حنطب المخزومي قاضي المدينة وليس له في البخاري سوى هذا الموضع المعلق (عن عبد الله بن أبي بكر) أي ابن محمد بن حزم قاضي المدينة أيضًا (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن النبي ﷺ مثله). فخالف أباه في روايته عن أبي سلمة وأرسل الحديث الذي وصله لأن أبا سلمة تابعي.
قال في الفتح: وقد وجدت ليزيد بن الهاد فيه متابعًا عند عبد الرزاق وأبي عوانة من طريقه عن معمر عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري عن أبي بكر بن محمد عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكر الحديث مثله بغير قصة وفيه فله أجران اثنان.
وفي الحديث دليل على أن الحق عند الله واحد وكل واقعة لله تعالى فيها حكم فمن وجده أصاب ومن فقده أخطأ، وفيه أن المجتهد يخطئ ويصيب والمسألة مقررة في أصول الفقه فقال أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني وأبو يوسف ومحمد وابن سريج المسألة التي لا قاطع فيها من مسائل الفقه كل مجتهد فيها مصيب. وقال الأشعري والقاضي أبو بكر: حكم الله فيها تابع لظن المجتهد فما ظنه فيها من الحكم فهو حكم الله في حقه وحق مقلده، وقال أبو يوسف ومحمد وابن سريج في أصح الروايات عنه مقالة تسمى بالأشبه، وهي أن في كل حادثة ما لو حكم الله لم يحكم إلا به. وقال في المنخول: وهذا حكم على الغيب، ثم هؤلاء القائلون بالأشبه يعبرون عنه بأن المجتهد مصيب في اجتهاده مخطئ في الحكم أي
стр. 4597
إذا صادف خلاف ما لو حكم لم يحكم إلا به وربما قالوا يخطئ انتهاء لا ابتداء هذا آخر تفاريع القول بأن كل مجتهد مصيب. وقال الجمهور: وهو الصحيح المصيب واحد، وقال ابن السمعاني في القواطع: إنه ظاهر مذهب الشافعي ومن حكى عنه غيره فقد أخطأ ولله تعالى في كل واقعة حكم سابق على اجتهاد المجتهدين وفكر الناظرين، ثم اختلفوا أعليه دليل أم هو كدفين يصيبه من شاء الله تعالى ويخطئه من شاءه، والصحيح أن عليه أمارة. واختلف القائلون بأن عليه أمارة في أن المجتهد هل هو مكلف بإصابة الحق أو لا لأن الإصابة ليست في وسعه والصحيح الأول لإمكانها ثم اختلفوا فيما إذا أخطأ الحق هل يأثم والصحيح لا يأثم بل له أجر لبذله وسعه في طلبه. وقال النبي ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد". وقيل: يأثم لعدم إصابته المكلف بها. وأما المسألة التي يكون فيها قاطع من نص أو إجماع واختلف فيها لعدم الوقوف عليه فالمصيب فيها واحد بالإجماع وإن دق مسلك ذلك القاطع وقيل على الخلاف فيما لا قاطع فيها وهو غريب ثم إذا أخطأه نظر فإن لم يقصر وبذل المجهود في طلبه ولكن تعذر عليه الوصول إليه فهل يأثم فيه مذهبان، وأصحهما المنع والثاني نعم ومتى قصر المجتهد في اجتهاده أثم وفاقًا لتركه الواجب عليه من بذله وسعه فيه.
٢٢ - باب الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ ظَاهِرَةً وَمَا كَانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُورِ الإِسْلَامِ
(باب الحجة على من قال إن أحكام النبي ﷺ كانت ظاهرة) للناس لا تخفى إلا على النادر (وما كان يغيب بعضهم) عطف على مقول القول وكلمة ما نافية أو عطف على الحجة فما موصولة، لكن قال في الفتح إن ظاهر السياق يأبى كونها نافية أي بعض الصحابة (عن مشاهد النبي ﷺ ¬) بفتح ميم مشاهد (وأمور الإسلام) قالوا والترجمة معقودة لبيان أن كثيرًا من أكابر الصحابة كان يغيب عن بعض ما يقوله النبي ﷺ أو يفعله من الأفعال التكليفية فيستمر على ما كان اطلع عليه هو إما على المنسوخ لعدم اطّلاعه على ناسخه، وإما على البراءة الأصلية. وقال ابن بطال: أراد الرد على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن التواتر شرط في قبول الخبر وقولهم مردود بما صح إن الصحابة كان يأخذ بعضهم عن بعض ويرجع بعضهم إلى ما رواه غيره وانعقد الإجماع على القول بالعمل بإخبار الآحاد.
٧٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِى عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى عَلَى عُمَرَ فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولاً فَرَجَعَ فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ائْذَنُوا لَهُ؟ فَدُعِىَ لَهُ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، قَالَ: فَأْتِنِى عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ لأَفْعَلَنَّ بِكَ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ إِلاَّ أَصَاغِرُنَا، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ فَقَالَ: قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: خَفِىَ عَلَىَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَلْهَانِى الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح (عن عبيد بن عمير) بضم العين فيهما الليثي المكي أنه (قال: استأذن أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (على عمر) بن الخطاب ﵁ أي ثلاثًا (فكأنه وجده مشغولاً فرجع فقال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس) يريد أبا موسى (ائذنوا له) في الدخول (فدعي له) بضم الدال وكسر العين فحضر عنده (فقال) له (ما حملك على ما صنعت)؟ من الرجوع (فقال) أبو موسى (إنّا كنا نؤمر) بضم النون وفتح الميم من قبل النبي ﷺ (بهذا) أي بالرجوع إذا استأذنا ثلاثًا ولم يؤذن لنا (قال) عمر: (فائتني على هذا ببينة) على ما ذكرته (أو لأفعلن بك، فانطلق) أبو موسى (إلى مجلس من الأنصار) فسألهم عن ذلك (فقالوا) أي أبيّ والأنصار (لا يشهد إلا أصاغرنا) بألف بعد الصاد ولأبي ذر عن الكشميهني لا يشهد لك إلا أصغرنا (فقام أبو سعيد الخدري) ﵁ وكان أصغر القوم معه (فقال) لعمر: (قد كنا نؤمر بهذا) أي نرجع إذا استأذنا ولم يؤذن لنا (فقال عمر: خفي عليّ) بتشديد التحتية (هذا من أمر النبي ﷺ ألهاني) شغلنى (الصفق بالأسواق). وهو
ضرب اليد على اليد عند البيع، وليس قول عمر ذلك ردًّا لخبر الواحد بل احتياطًا وإلا فقد قبل عمر حديث عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس وحديثه في الطاعون، وحديث عمرو بن حزم في التسوية بين الأصابع في الدّية.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن عمر لما خفي عليه أمر الاستئذان رجع إلى قول أبي
стр. 4598
موسى فدلّ على أنه يعمل بخبر الواحد، وأن بعض السنن كان يخفى على بعض الصحابة وأن الشاهد يبلغ الغائب ما شهده وأن الغائب يقبله ممن حدّثه به ويعتمده ويعمل به، لا يقال طلب عمر البيّنة يدل على أنه لا يحتج بخبر الواحد لأنه مع انضمام أي سعيد إليه لا يصير متواترًا كما لا يخفى.
والحديث سبق في الاستئذان في باب التسليم والاستئذان.
٧٣٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِى الزُّهْرِىُّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الأَعْرَجِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ إِنِّى كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِى، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ: «مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِىَ مَقَالَتِى ثُمَّ يَقْبِضْهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّى»؟ فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَىَّ فَوَالَّذِى بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
وبه قال: (حدّثنا علي) هو ابن عبد الله المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثني) بالإفراد (الزهري) محمد بن مسلم (أنه سمع من الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (يقول: أخبرني) بالإفراد (أبو هريرة) ﵁ (قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة) تقولون إن أبا هريرة (يكثر الحديث على رسول الله ﷺ والله الموعد) يوم القيامة يظهر أنكم على الحق في الإنكار أو أني عليه في الإكثار والجملة معترضة، ولا بدّ في التركيب من تأويل لأن مفعلاً للمكان أو الزمان أو المصدر ولا يصح هنا إطلاق شيء منها فلا بد من إضمار أو تجوّز يدل عليه المقام قاله البرماوي الكرماني (إني كنت امرأً مسكينًا) من مساكين الصفة (ألزم) بفتح الهمزة والزاي واللام بينهما ساكنة (رسول الله ﷺ على ملء بطني) مقتنعًا بالقوت فلم يكن لي غيبة عنه يعني أنه كان لا ينقطع عنه خشية أن يفوته القوت (وكان المهاجرون يشغلهم الصفق) البيع (بالأسواق) ويشغلهم بفتح ياء المضارعة والغين المعجمة من الثلاثي وعبر بالصفق عن التبايع لأنهم كانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكف أمارة لانبرام البيع فإذا تصافقت الأكف انتقلت الأملاك واستقرّت كل يد منهما على ما صار لكل واحد منهما من ملك صاحبه (وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم) في الزراعة زاد في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا (فشهدت من رسول الله ﷺ ذات يوم وقال):
(من يبسط) بلفظ المضارع مجزومًا ولأبي ذر عن الكشميهني من بسط بلفظ الماضي (رداءه) وفي المزارعة ثوبه (حتى أقضي مقالتي) زاد في المزارعة هذه (ثم يقبضه) بالرفع وفي اليونينية بالجزم وفي المزارعة ثم يجمعه (فلن ينس) بغير تحتية بعد السين مصلحة في الفرع على كشط. قال السفاقسي: إنه وقع كذلك بالنون وبالجزم في الرواية وذكر أن القزاز نقل عن بعض العرب من يجزم بلن اهـ. وفي بعض النسخ المعتمدة فلن ينسى بإثباتها خطأ وهو الذي في اليونينية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فلم بحرف الجزم بدل حرف النصب ينس (شيئًا سمعه مني) قال أبو هريرة (فبسطت بردة كانت عليّ) بتشديد الياء (فو) الله (الذي بعثه) إلى الخلق (بالحق ما نسيت شيئًا سمعته منه). بعد أن جمعتها إلى صدري.
ومباحث الحديث سبقت غير مرة ومطابقته للترجمة من جهة كون أبي هريرة أخبر عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله ما غاب عنه كثير من الصحابة ولما بلغهم ما سمعه قبلوه وعملوا به فدل على قبول خبر الواحد والعمل به وفيه رد على مشترطي التواتر وإنه كان يعزب على المتقدم في الصحبة الشريفة الواسع العلم ما يعلمه غيره مما سمعه منه ﷺ أو اطلع عليه فمن ذلك حديث أبي بكر الصدّيق مع جلالة قدره حيث لم يعلم النص في الجدّة حتى أخبره محمد بن مسلمة والمغيرة بالنص فيها، وهو في الموطأ وحديث عمر في الاستئذان المذكور في هذا الباب إلى غير ذلك مما في تتبعه طول يخرج عن الاختصار.
وفي حديث البراء بسند صحيح ليس كلنا كان يسمع الحديث من النبي ﷺ كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لا يكذبون فيحدث الشاهد الغائب والله الموفق والمعين.
٢٣ - باب مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةً لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ
(باب من رأى ترك النكير) بفتح النون وكسر الكاف أي الإنكار (من النبي ﷺ ¬) لما يفعل بحضرته أو يقال ويطلع عليه (حجة) لأنه لا يقرّ أحدًا على باطل سواء استبشر به مع ذلك أم لا لكن دلالته مع الاستبشار أقوى، وقد تمسك الشافعي في القيافة واعتبارها في النسب بكِلا الأمرين
стр. 4599
الاستبشار وعدم الإنكار في قصة المدلجي، وسواء كان المسكوت عنه ممن يغريه الإنكار أو لا كافرًا كان أو منافقًا والقول باستثناء من يزيده الإنكار إغراء حكاه ابن السمعاني عن المعتزلة بناء على أنه لا يجب إنكاره عليه للإغراء. قال: والأظهر أنه يجب إنكاره عليه ليزول توهم الإباحة والقول باستثناء ما إذا كان الفاعل كافرًا أو منافقًا قول إمام الحرمين بناء على أن الكافر غير مكلف بالفروع، ولأن المنافق كافر في الباطن والقول بالاقتصار على الكافر ذهب إليه الماوردي وهو أظهر لأنه أهل للانقياد في الجملة وكما يدل للجواز للفاعل فكذا لغيره لأن حكمه على الواحد حكمه على الجماعة. وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى اختصاصه بمن قرر ولا يتعدى إلى غيره فإن
التقرير لا صيغة له. نعم والصحيح أنه يعم سائر المكلفين لأنه في حكم الخطاب وخطاب الواحد خطاب للجميع (لا من غير الرسول) ﷺ لعدم عصمته، فسكوته لا يدل على الجواز لأنه قد لا يتبين له حينئذٍ وجه الصواب. قال في المصابيح: وفيه نظر لأنه إذا أفتى واحد في مسألة تكليفية وعرف به أهل الإجماع وسكتوا عليه ولم ينكره أحد ومضى قدر مهلة النظر في تلك الحادثة عادة وكان ذلك القول المسكوت عليه واقعًا في محل الاجتهاد، فالصحيح أنه حجة وهل هو إجماع أو لا؟ فيه خلاف. قالوا: والخلاف لفظي وعلى الجملة قد تصوّرنا في بعض الصور أن ترك النكير من غير النبي ﷺ حجة.
٧٣٥٥ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصَّائِدِ الدَّجَّالُ قُلْتُ: تَحْلِفُ بِاللَّهِ قَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِىُّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا حماد بن حميد) بالتصغير قال في الفتح هو خراساني فيما ذكره أبو عبد الله بن منده في رجال البخاري، وقال محمد بن إسماعيل بن محمد بن خلفون: حماد بن حميد العسقلاني روى عن عبيد الله بن معاذ روى عنه البخاري في الاعتصام، وقال أبو أحمد بن عدي حماد بن حميد لا يعرف عن عبيد الله بن معاذ، وقال ابن أبي حاتم: حماد بن حميد العسقلاني روى عن ضمرة وبشر بن بكر بن سويد وروّاد سمع منه أي ببيت المقدس في رحلته الثانية، وروى عنه. وسئل أي عنه فقال: شيخ. قال محمد بن إسماعيل روى عنه البخاري في الجامع في باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة. قال محمد بن إسماعيل: لم يجر لحماد ذكر في النسخة عن النسفيّ إنما عنده. وقال عبيد الله بن معاذ وليس قبله حماد بن حميد اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر وقد زعم أبو الوليد الباجي في رجال البخاري أنه هو الذي روى عنه البخاري هنا وهو بعيد قال: (حدّثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن معاذ) قال: (حدّثنا أبي) معاذ بن حسان بن نصر بن حسان العنبري البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن إبراهيم) بسكون العين ابن عبد الرحمن بن عوف (عن محمد بن المنكدر) أنه (قال: رأيت جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵁ (يحلف) أي شاهدته حين حلف (بالله أن ابن الصائد) بألف بعد الصاد بوزن الظالم ولأبي ذر ابن الصياد واسمه صاف (الدجال) قال ابن المنكدر (قلت) له: (تحلف بالله قال) جابر: (إني سمعت عمر) بن الخطاب ﵁ (يحلف) أي بالله (على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ ¬).
استشكل هذا مع ما سبق في الجنائز من أن عمر ﵁ قال للنبي- ﷺ دعني أضرب عنقه فقال: إن يكن هو فلن تسلط عليه إذ هو صريح في أنه تردد في أمره، وحينئذٍ فلا يدل
سكوته على إنكاره عند حلف عمر على أنه هو وقد تقرر أن شرط العمل بالتقرير أن لا يعارضه التصريح بخلافه فمن قال أو فعل بحضرته ﷺ شيئًا فأقره دلّ ذلك على الجواز، فلو قال ﷺ أو فعل خلاف ذلك دل على نسخ ذلك التقرير إلا دليل الخصوصية، وعند أبي داود بسند صحيح عن موسى بن عقبة عن نافع قال كان ابن عمر يقول والله ما أشك أن المسيح الدجال هو ابن صياد. وأجاب ابن بطال عن التردّد: بأنه كان قبل أن يعلمه الله بأنه هو الدجال فلما أعلمه لم ينكر على عمر حلفه، وبأن العرب قد تخرج الكلام مخرج الشك وإن لم يكن في الخبر شك فيكون ذلك
стр. 4600
من تلطفه ﷺ لعمر في صرفه عن قتله.
وقال ابن دقيق العيد في أوائل شرح الإلمام: إذا أخبر شخص بحضرة النبي- ﷺ عن أمر ليس فيه حكم شرعي فهل يكون سكوته ﷺ دليلاً على مطابقة ما في الواقع كما وقع لعمر في حلفه على أن ابن صياد هو الدجال فلم ينكر عليه، فهل يدل عدم إنكاره على أن ابن صياد هو الدجال كما فهمه جابر حتى صار يحلف عليه ويستند إلى حلف عمر أو لا يدل؟ فيه نظر. قال: والأقرب عندي أنه لا يدل لأن مأخذ المسألة ومناطها هو العصمة من التقرير على الباطل وذلك يتوقف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحة إلا أن يدعي مدّعٍ أنه يكفي في وجوب البيان عدم تحقق الصحة فيحتاج إلى دليل وهو عاجر عنه. نعم التقرير يسوّغ الحلف على ذلك على غلبة الظن لعدم توقف ذلك على العلم اهـ.
قال في الفتح: ولا يلزم من عدم تحقق البطلان أن يكون السكوت مستوي الطرفين، بل يجوز أن يكون المحلوف عليه من قسم خلاف الأولى.
وقال في المصابيح: وقد يقال هذا محمول على أنه لم ينكره إنكار من نفى كونه الدجال بدليل أنه أيضًا لم يسكت على ذلك بل أشار إلى أنه متردّد، ففي الصحيحين أنه قال لعمر: إن يكن هو فلن تسلط عليه فتردّد في أمره فلما حلف عمر على ذلك صار حالفًا على غلبة ظنه والبيان قد تقدم من النبي ﷺ ، ثم هذا سكوت عن حلف على أمر غيب لا على حكم شرعي ولعل مسألة السكوت والتقرير مختصة بالأحكام الشرعية لا الأمور الغيبية اهـ.
وقال البيهقي: ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ على حلف عمر، فيحتمل أن يكون النبي ﷺ كان متوقفًا في أمره ثم جاءه التثبت من الله بأنه غيره على ما تقتضيه قصة تميم الداري وبه تمسك من جزم بأن الدجال غير ابن صياد وتكون الصفة التي في ابن صياد وافقت ما في الدجال، والحاصل أنه إن وقع الشك في أنه الدجال الذي يقتله عيسى ابن مريم ﵉ فلم يقع الشك في أنه أحد الدجالين الكذابين الذين أنذر بهم النبي ﷺ في قوله: إن بين يدي الساعة دجالين كذابين، وقصة تميم الداري أخرجها مسلم من حديث فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ خطب فذكر أن تميمًا الداري ركب في سفينة مع ثلاثين رجلاً من قومه فلعب بهم الموج شهرًا ثم نزلوا في جزيرة فلقيتهم دابة كثيرة الشعر فقالت لهم: أنا الجساسة ودلتهم على رجل في
الدير قال: فانطلقنا سراعًا فدخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا وأشد وثاقًا مجموعة يداه إلى عنقه بالحديد فقلنا: ويلك من أنت فذكر الحديث وفيه أنه سألهم عن نبي الأميين هل بعث وأنه قال إن يطيعوه فهو خير لهم وأنه سألهم عن بحيرة طبرية وأنه قال لهم إني مخبركم عني أنا المسيح وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، ففيه كما قال البيهقي أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وعند مسلم من طريق داود بن أبي هند عن أبي بصرة عن أبي سعيد قال: صحبني ابن صياد إلى مكة فقال لي: ما قد لقيت من الناس يزعمون أني الدجال ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه لا يولد له"؟! قلت: بلى. قال: فإنه قد ولد لي. قال: أوَلست سمعته يقول: "لا يدخل المدينة ولا مكة"؟! قلت: بلى. قال: قد ولدت بالمدينة وها أنا أريد مكة.
وقال الخطابي اختلف السلف في أمر ابن صياد بعد كبره فروي عنه أنه تاب عن ذلك القول ومات بالمدينة وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس، وقيل لهم اشهدوا لكن يعكر على هذا ما عند أبي داود بسند صحيح عن جابر قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرّة وبسند حسن قيل إنه مات. وفي الحديث جواز الحلف بما يغلب على الظن.
والحديث أخرجه مسلم في الفتن وأبو داود في الملاحم.
٢٤ - باب الأَحْكَامِ الَّتِى تُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ وَكَيْفَ مَعْنَى الدِّلَالَةِ وَتَفْسِيرِهَا؟
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِىُّ ﷺ أَمْرَ الْخَيْلِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ سُئِلَ عَنِ الْحُمُرِ فَدَلَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وَسُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنِ الضَّبِّ فَقَالَ: «لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ». وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ ﷺ الضَّبُّ فَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ.
(باب) بيان (الأحكام التي تعرف بالدلائل) ولأبي ذر عن الكشميهني بالدليل بالإفراد والدليل ما يرشد إلى المطلوب ويلزم من العلم به العلم بوجود المدلول
стр. 4601
والمراد بالأدلة الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس والاستدلال. وقال إمام الحرمين والغزالي. ثلاثة فقط فأسقطا القياس والاستدلال فالإمام بناه على أن الأدلة لا تتناول إلا القطعي والغزالي خص الأدلة بالثمرة للأحكام فلهذا كانت ثلاثة وجعل القياس من طرق الاستثمار فإنه دلالة من حيث معقول اللفظ كلما أن العموم والخصوص دلالة من حيث صيغته (وكيف معنى الدلالة) بتثليث الدال وهي في عرف الشرع الإرشاد إلى أن حكم الشيء الخاص الذي لم يرد فيه نص داخل تحت حكم دليل آخر بطريق العموم (وتفسيرها) أي تبيينها وهو تعليم المأمور كيفية ما أمر به كتعليم عائشة ﵂ للمرأة السائلة التوضؤ بالفرصة.
(وقد أخبر النبي ﷺ ¬) في أول أحاديث هذا الباب (أمر الخيل وغيرها، ثم سئل عن الحمر) بضمتين (فدلهم على قوله تعالى: (﴿فمن﴾) بالفاء ولأبي ذر من (﴿يعمل مثقال ذرة خيرًا يره﴾
[الزلزلة: ٧]) إذ فيه إشارة إلى أن حكم الحمر وغيرها مندرج في العموم المستفاد منه (وسئل النبي ﷺ ¬) كما في ثالث أحاديث هذا الباب (عن الضب) أيحل أكله (فقال: لا آكله ولا أحرمه. وأُكل على مائدة النبي ﷺ الضب فاستدل ابن عباس بأنه ليس بحرام) لأنه ﷺ لا يقرّ على باطل.
٧٣٥٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّذِى لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَطَالَ فِى مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِى طِيَلِهَا ذَلِكَ الْمَرْجِ وَالرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِىَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ وَهِىَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَجْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِى رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهْىَ لَهُ سِتْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً فَهِىَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ». وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىَّ فِيهَا إِلاَّ هَذِهِ الآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ
стр. 4602
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) الفقيه العدوي مولى عمر المدني (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر) بكسر الواو وسكون الزاي إثم (فأما الرجل الذي) هي (له أجر فرجل ربطها) للجهاد (في سبيل الله فأطال) في الحبل الذي ربطها به حتى تسرح للرعي ولأبي ذر عن الكشميهني فأطال لها (في مرج) بفتح الميم وبعد الراء الساكنة جيم موضع كلأ (أو روضة) بالشك من الراوي (فما أصابت) أي ما أكلت وشربت ومشت (في طيلها) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية في حبلها المربوطة به (ذلك المرج) ولأبي ذر والأصيلي من المرج (والروضة) ولأبي ذر أو الروضة (كان له) أي لصاحبها (حسنات) يوم القيامة (ولو أنها قطعت طيلها) حبلها المذكور (فاستنت) بفتح الفوقية والنون المشددة عدت بمرج ونشاط (شرفًا أو شرفين) بفتح الشين المعجمة والراء فيهما شوطًا أو شوطين (كانت آثارها) بمد الهمزة وبالمثلثة في الأرض بحوافرها عند خطواتها (وأرواثها حسنات له) يوم القيامة (ولو أنها مرت بنهر) بفتح الهاء وتسكن (فشربت منه) بغير قصد صاحبها (ولم يرد أن يسقي به) أي يسقيه والباء زائدة وللأصيلي أن تسقى بضم الفوقية وفتح القاف (كان ذلك) أي ذلك الشرب وإرادته (حسنات له وهي لذلك الرجل أجر ورجل ربطها تغنّيًا) بفتح الفوقية والمعجمة وكسر النون المشدّدة أي يستغني بها عن الناس والنصب على التعليل (وتعففًا) يتعفف بها عن الافتقار إليهم بما يعمل عليها ويكسبه على ظهرها (ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها) سقط لفظ لا لأبي ذر واستدلّ به الحنفية في
إيجاب الزكاة في الخيل وقال غيرهم أي يؤدي زكاة تجارتها وظهورها بأن يركب عليها في سبيل الله (فهي له ستر) تقيه من الفاقة (ورجل ربطها فخرًا) لأجل الفخر (ورياء) أي إظهارًا للطاعة والباطن بخلافه (فهي على ذلك وزر) إثم.
(وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر) هل لها حكم الخيل؟ ويحتمل أن يكون السائل صعصعة بن معاوية عم الفرزدق لحديث النسائي في التفسير وصححه الحاكم عنه بلفظ قدمت على النبي ﷺ فسمعته يقول: ﴿من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره﴾ [الزلزلة: ٧] إلى آخر السورة. قال: ما أبالي أن لا أستمع غيرها حسبي حسبي (قال: ما أنزل الله عليّ فيها إلا هذه الآية الفاذة) بالفاء وبعد الألف ذال معجمة مشدّدة القليلة المثل المنفردة في معناها (الجامعة) لكل خير وشر (﴿فمن﴾) بالفاء ولأبي ذر من (﴿يعمل مثقال ذرة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]). قال ابن مسعود: هذه أحكم آية في القرآن وأصدق، واتفق العلماء على عموم هذه الآية القائلون بالعموم ومن لم يقل به. وقال كعب الأحبار: لقد أنزل الله تعالى إلى محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾.
والحديث سبق في الجهاد وعلامات النبوة والتفسير.
٧٣٥٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِىَّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن جعفر البيكندي كما جزم به الكلاباذي والبيهقي أو هو ابن موسى البلخي قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكلي الحافظ الفقيه الحجة (عن منصور ابن صفية) اسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن عبد الدار العبدري الحجبي المكي ثقة أخطأ ابن حزم في تضعيفه (عن أمه) صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية لها رؤية وحديث عن عائشة وغيرها من الصحابة وفي البخاري التصريح بسماعها من النبي ﷺ أنكر الدارقطني إدراكها (عن عائشة) ﵂ (أن امرأة) اسمها أسماء بنت شكل بفتح المعجمة والكاف بعدها لام (سألت النبي ﷺ ¬) قال المؤلّف.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَتْنِى أُمِّى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِىَّ ﷺ عَنِ الْحَيْضِ كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنْهُ؟ قَالَ: «تَأْخُذِينَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِينَ بِهَا». قَالَتْ: كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «تَوَضَّئِى». قَالَتْ: كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «تَوَضَّئِينَ بِهَا». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَرَفْتُ الَّذِى يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَذَبْتُهَا إِلَىَّ فَعَلَّمْتُهَا.
(حدّثنا) ولأبي ذر: وحدّثنا (محمد هو ابن عقبة) بضم العين وسكون القاف الشيباني الكوفي يكنى أبا عبد الله فيما جزم به الكلاباذي وهو من قدماء شيوخ البخاري ولفظ الحديث له، وسقط لأبي ذر هو فقط قال: (حدّثنا الفضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة (ابن سليمان) بضم السين وفتح اللام (النميري) بضم النون وفتح الميم أبو سليمان البصري قال: (حدّثنا منصور بن عبد الرحمن بن شيبة) قال الحافظ ابن حجر: وقع هنا منصور بن عبد الرحمن بن شيبة وشيبة إنما هو جد منصور لأمه لأن أمه صفية بنت شيبة بن عثمان بن طلحة الحجبي وعلى هذا فيكتب ابن شيبة بالألف وبالرفع كإعراب منصور لأنه صفته لا إعراب عبد الرحمن فهو نسبة إلى أبي أمه والذي في اليونينية بكسر النون فقط صفة لسابقه قال: (حدّثتني) بالإفراد (أمي) صفية بنت شيبة (عن عائشة ﵂ أن امرأة) هي أسماء كما مرّ قريبًا (سألت النبي ﷺ ¬) ولأبي الوقت رسول الله (¬ ﷺ عن الحيض كيف نغتسل منه)؟ بنون مفتوحة وكسر السين ولأبي ذر يغتسل بتحتية مضمومة بدل النون وفتح السين وفي نسخة بالمثناة الفوقية المفتوحة (قال):
(تأخذين) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي تأخذي بحذف النون والأول هو الصواب (فرصة) بتثليث الفاء وسكون الراء وبالصاد المهملة قطعة من قطن (ممسكة) مطيبة بالمسك (فتوضئين بها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فتوضئي بها بحذف النون أي وضوًا لغويًّا أي تنظفي بها (قالت: كيف أتوضأ بها يا رسول الله؟ قال) ولأبي ذر فقال (النبي ﷺ : توضئين) ليس هنا بها (قالت: كيف أتوضأ بها يا رسول الله؟ قال): ولأبي ذر فقال (النبي ﷺ : توضئين) وللكشميهني توضئي بها (بها. قالت عائشة) ﵂ (فعرفت الذي يريد رسول الله ﷺ ¬) بقوله توضئي بها (فجذبتها) بالذال المعجمة (إليّ) بتشديد الياء (فعلمتها).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله توضئي بها فإنه وقع بيانه للسائلة بها فهمته عائشة ﵂ وأقرها- ﷺ على ذلك لأن السائلة لم تكن تعرف أن تتبع الدم بالفرصة يسمى توضؤًا فلما فهمت عائشة غرضه بيّنت للسائلة ما خفي عليها من ذلك فالمجمل يوقف على بيانه من القرائن وتختلف الأفهام في إدراكه.
وسبق هذا الحديث في الطهارة بلفظ سفيان بن عيينة.
٧٣٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سَمْنًا وَأَقِطًا وَأَضُبًّا، فَدَعَا بِهِنَّ النَّبِىُّ ﷺ فَأُكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ فَتَرَكَهُنَّ النَّبِىُّ ﷺ كَالْمُتَقَذِّرِ لَهُ، وَلَوْ كُنَّ حَرَامًا مَا أُكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ وَلَا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية (عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم
أحد الأعلام (عن ابن عباس) ﵄ (أن أم حفيد) بضم الحاء المهملة وفتح الفاء وبعد التحتية الساكنة دال مهملة هزيلة بضم الهاء وفتح الزاي
стр. 4603
مصغر هزلة (بنت الحارث بن حزن) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي بعدها نون الهلالية أخت ميمونة أم المؤمنين وخالة ابن عباس (أهدت النبي ﷺ سمنًا وإقطًا) لبنًا مجمدًا (وأَضُبًّا) بهمزة مفتوحة فصاد معجمة مضمومة جمع ضب وللكشميهني وضبًّا بفتح الضاد بلفظ الإفراد (فدعا بهن) أو به (النبي ﷺ فأكلن) أو فأكل (على مائدته فتركهن) أو تركه (النبي ﷺ كالمتقذر له) بالقاف والذال المعجمة المشددة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لهن (ولو كن) أي الأضب (حرامًا ما أكلن) ولأبي ذر عن الكشميهني ولو كان أي الضب حرامًا ما أكل (على مائدته ولا أمر بأكلهن) أو بأكله. ومطابقته ظاهرة.
٧٣٥٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى عَطَاءُ بْنُ أَبِى رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً، فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِى بَيْتِهِ». وَإِنَّهُ أُتِىَ بِبَدْرٍ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِى طَبَقًا فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ عَنْهَا، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ فَقَالَ: قَرِّبُوهَا فَقَرَّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ: «كُلْ فَإِنِّى أُنَاجِى مَنْ لَا تُنَاجِى». وَقَالَ ابْنُ عُفَيْرٍ: عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ وَأَبُو صَفْوَانَ، عَنْ يُونُسَ قِصَّةَ الْقِدْرِ، فَلَا أَدْرِى هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِىِّ أَوْ فِى الْحَدِيثِ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر بن الطبراني المصري الحافظ قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن سلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء والموحدة المخففة (من جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(مَن أكل ثومًا) بضم المثلثة (أو بصلاً فليعتزلنا) جواب الشرط أي فليعتزل الحضور عندنا والصلاة معنا (أو ليعتزل مسجدنا) عامّ في جميع المساجد ويؤيده الرواية الأخرى مساجدنا بلفظ الجمع فيكون لفظ الإفراد للجنس أو هو خاص بمسجده ﷺ لكونه مهبط الملك بالوحي (وليقعد) ولأبي ذر عن الكشميهني: أو ليقعد (في بيته) فلا يحضر المساجد والجماعات وليصل في بيته فإن ذلك عذر له عن التخلف (وإنه) بكسر الهمزة (أتي) بضم الهمزة ﵊ (ببدر) بفتح الموحدة وسكون الدال المهملة بعدها راء (قال ابن وهب) عبد الله (يعني طبقًا فيه) بقول (خضرات) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين وسمي الطبق بدرًا لاستدارته كاستدارة القمر وللأصيلي خضرات بضم الخاء وفتح الضاد وهو مبتدأ مسوّغهُ تقدم الخبر في المجرور والجملة في محل الصفة لبدر، وهو مسوّغ ثانٍ والخضرات جمع خضرة العشب الناعم (من يقول فوجد) بفتحات أصاب (لها ريحًا) كريهة كالبصل والثوم والفجل (فسأل عنها) بفتح السين والفاء سببية أي
بسبب ما وجد من الريح سأل وفاعل سأل ضمير النبي ﷺ (فأخبر) بضم الهمزة وكسر الموحدة مبنيًّا للمجهول والمفعول الذي لم يسم فاعله ضمير النبي ﷺ وهو هنا يتعدى إلى الثالث بحرف الجر وهو قوله (بما فيها من البقول) وما موصول والعائد ضمير الاستقرار وضمير فيها يعود على الخضرات أي أخبر بما اختلط فيها وتكون في مجازًا في الظرف (فقال) ﵊ (قربوها) أي إلى فلان ففيه حذف (فقربوها إلى بعض أصحابه كان معه) ﷺ وهذا منقول بالمعنى لأن لفظه ﵊ قربوها لأبي أيوب فكان الراوي لم يحفظه فكنى عنه وعلى تقدير أن لا يكون عينه ففيه التفات لأن الأصل أن يقول إلى بعض أصحابي وقوله كان معه من كلام الراوي (فلما رآه كره أكلها) بفتح الهمزة وفاعل رآه يعود على النبي ﷺ وضمير المفعول على الذي قرّب إليه وضمير كره يعود على الرجل وجملة كله في محل الحال من مفعول رأى لأن الرؤية بصرية وجواب لما قوله (قال) أي النبي ﷺ للرجل (كل فإني أناجي من لا تناجي) من الملائكة.
(وقال) وسقط الواو لأبي ذر (ابن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء وهو سعيد بن كثير بن عفير شيخ المؤلّف (عن ابن وهب) عبد الله (بقدر) بكسر القاف وسكون الدال المهملة (فيه خضرات) بفتح الخاء وكسر الضاد وللأصيلي خضرات بضم ثم فتح بدل من ببدر (ولم يذكر الليث) بن سعد الإمام فيما وصله الذهلي في الزهريات (وأبو صفوان) عبد الله بن سعيد الأموي فيما وصله في الأطعمة في روايتهما (عن يونس) بن يزيد الأيلي (قصة القدر فلا أدري هو من قول الزهري) محمد بن مسلم
стр. 4604
مدرجًا (أو) هو مروي (في الحديث) وقد بالغ بعضهم فقال: إن لفظة القدر بالقاف تصحيف وسبب ذلك استشكال القدر فإنه يُشعِر بأنه مطبوخ وقد ورد الإذن بأكلها مطبوخة، ويمكن الجواب بأن ما في القدر قديمات بالطبخ حتى تذهب رائحته الكريهة أصلاً، وقد لا ينتهي به إلى ذلك فتحمل هذه الرواية الصحيحة على الحالة الثانية بل يجوز أن يكون قد جعل في القدر على نية أن يطبخ ثم اتفق أن أُتي به قبل الطبخ لكن أمره بالتقريب لبعض أصحابه ببعد هذا الاحتمال ولكن مع هذه الاحتمالات لا يبقى إشكال يُفضي إلى جعله مصحفًا أو ضعيفًا.
والحديث سبق في الصلاة في باب ما جاء في أكل الثوم النّيء.
٧٣٦٠ - حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى وَعَمِّى قَالَا: حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ أَبِيهِ أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ أَبَاهُ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَتْهُ فِى شَىْءٍ، فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ أَجِدْكَ قَالَ: «إِنْ لَمْ تَجِدِينِى فَأْتِى أَبَا بَكْرٍ».
زَادَ الْحُمَيْدِىُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ كَأَنَّهَا تَعْنِى الْمَوْتَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن سعد بن إبراهيم) بن سعد بسكون
العين فيهما ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو الفضل البغدادي قاضي أصبهان قال: (حدّثنا أبي) سعد (وعمي) يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (قالا) أي قال كلٌّ منهما (حدّثنا أبي) إبراهيم (عن أبيه) سعد قال (أخبرني) بالإفراد (محمد بن جبير أن أباه جبير بن مطعم) القرشي النوفلي (أخبره أن امرأة من الأنصار) أي تسمّ وسقط من اليونينية والملكية لفظ من الأنصار (أتت رسول الله ﷺ فكلمته في شيء) يعطيها (فأمرها بأمر) وفي مناقب أبي بكر فأمرها أن ترجع إليه (فقالت: أرأيت) أي أخبرني (يا رسول الله إن لم أجدك. قال) ﵊:
(إن لم تجديني فائتي أبا بكر) الصديق ﵁ (زاد الحميدي) عبد الله بن الزبير على الحديث السابق ولأبى ذر زاد لنا الحميدي (عن إبراهيم بن سعد) المذكور بالسند المذكور (كأنها تعني) بقولها إن لم أجدك (الموت) أي إن جئت فوجدتك قد من ماذا أفعل؟ قال في الكواكب: ومناسبة هذا الحديث للترجمة أنه يستدل به على خلافة أبي بكر لكن بطريق الإشارة لا التصريح.
والحديث سبق في مناقب أبي بكر.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٥ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، عَنْ شَىْءٍ»
(بسم الله الرحمن الرحيم).
سقطت البسملة لأبي ذر.
(باب قول النبي ﷺ : لا تسألوا أهل الكتاب) اليهود والنصارى (عن شيء) مما يتعلق بالشرائع لأن شرعنا غير محتاج لشيء فإذا لم يوجد فيه نص ففي النظر والاستدلال غنى عن سؤالهم. نعم لا يدخل في النهي سؤالهم عن الأخبار المصدقة لشرعنا والأخبار عن الأمم السالفة وكذا سؤال من آمن منهم.
٧٣٦١ - وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يُحَدِّثُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ كَعْبَ الأَحْبَارِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ
стр. 4605
الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ، عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الْكَذِبَ.
(وقال أبو اليمان) شيخ المؤلّف الحكم بن نافع ولم يقل حدّثنا أبو اليمان إما لكونه أخذه عنه مذاكرة أو لكونه أثرًا موقوفًا. نعم أخرجه الإسماعيلي عن عبد الله بن العباس الطيالسي عن البخاري قال: حدّثنا أبو اليمان ومن هذا الوجه أخرجه أبو نعيم. قال في الفتح: فظهر أنه مسموع له وترجح الاحتمال الثاني وكذا هو في التاريخ الصغير للمؤلّف قال: حدّثنا أبو اليمان قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد
(حميد بن عبد الرحمن) بضم الحاء مصغرًا ابن عوف أنه (سمع معاوية) بن أبي سفيان (يحدّث رهطًا من قريش بالمدينة) لما حج في خلافته وقال ابن حجر: لم أقف على تعيين الرهط.
(وذكر كعب الأحبار) بن ماتع بالفوقية بعدها عين مهملة ابن عمرو بن قيس من آل ذي رعين وقيل ذي الكلاع الحميري وكان يهوديًّا عالمًا بكتبهم أسلم في عهد عمر أو أبي بكر أو في عهده ﷺ وتأخرت هجرته والأول أشهر (فقال) أبي معاوية (إن كان) كعب (من أصدق هؤلاء المحدّثين الذين يحدّثون عن أهل الكتاب) ممن هو نظير كعب ممن كان من أهل الكتاب وأسلم (وإن كنّا مع ذلك لنبلو) بالنون لنختبر (عليه الكذب) الضمير المخفوض بعلى يعود على كعب الأحبار يعني أنه يخطئ فيما يقوله في بعض الأحيان ولم يرد أنه كان كذابًا كذا ذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقيل إن الهاء في عليه راجعة إلى الكتاب من قوله: إن كان من أصدق هؤلاء المحدّثين الذين يحدّثون عن أهل الكتاب، وذلك لأن كتبهم قد بدلت وحرّفت وليس عائدًا على كعب. قال القاضي عياض: وعندي أنه يصح عوده على كعب أو على حديثه وإن لم يقصد الكذب أو يتعمده كعب إذ لا يشترط في الكذب عند أهل السُّنّة التعمد بل هو إخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه وليس في هذا تجريح لكعب بالكذب، وقال ابن الجوزي: يعني أن الكذب فيما يخبر به عن أهل الكتاب لا منه فالأخبار التي يحكيها عن القوم يكون في بعضها كذب فأما كعب الأحبار فهو من خيار الأحبار، وأخرج ابن سعد من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير قال: قال معاوية إلا أن كعب الأحبار أحد العلماء إن كان عنده لعلم كالثمار وإن كنا فيه لمفرّطين.
٧٣٦٢ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾» الآيَةَ [العنكبوت: ٤٦].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر بالجمع (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة ابن عثمان أبو بكر العبدي مولاهم الحافظ بندار قال: (حدّثنا عثمان بن عمر) بضم العين ابن فارس العبدي البصري أصله من بخارى قال: (أخبرنا علي بن المبارك) الهنائي بضم الهاء وتخفيف النون ممدودًا (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة الطائي مولاهم (عن ابن سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: كان أهل الكتاب) اليهود (يقرؤون التوراة بالعبرانية) بكسر العين المهملة وسكون الموحدة (ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ﷺ ¬)
(لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) إذا كان ما يخبرونكم به محتملاً لئلا يكون في نفس الأمر صدقًا فتكذبوه أو كذبًا فتصدقوه فتقعوا في الحرج (وقولوا) أيها المؤمنون: (﴿آمنا بالله وما
أنزل إلينا﴾) القرآن (﴿وما أنزل إليكم﴾ [العنكبوت: ٤٦] الآية).
والحديث سبق في باب قوله قولوا آمنا من تفسير البقرة سندًا ومتنًا.
٧٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَىْءٍ وَكِتَابُكُمُ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْدَثُ تَقْرَؤُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ وَغَيَّرُوهُ، وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ وَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ، لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلاً يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم الزهري قال: (أخبرنا ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) ابن عتبة بن مسعود وثبت قوله ابن عبد الله لأبي ذر وسقط لغيره (أن ابن عباس ﵄ قال: كيف تسألون أهل الكتاب) من اليهود والنصارى والاستفهام إنكاري (عن شيء) من الشرائع (وكتابكم) القرآن (الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث) أقرب نزولاً إليكم من عند الله فالحدوث بالنسبة إلى المنزل إليهم وهو في نفسه قديم (تقرؤونه محضًا) خالص (لم يشب) بضم أوله وفتح المعجمة لم يخلط فلا يتطرق إليه تحريف ولا تبديل بخلاف التوراة والإنجيل (وقد حدّثكم) في كتابه (أن أهل الكتاب) من اليهود وغيرهم (بدّلوا كتاب الله) التوراة (وغيّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلاً إلا) بالتخفيف (ينهاكم ما جاءكم من العلم) بالكتاب والسُّنّة (عن مسألتهم) بفتح الميم وسكون السين ولأبي ذر عن الكشميهني مساءلتهم بضم الميم وفتح السين بعدها ألف. (لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم) فأنتم بالطريق الأولى أن لا تسألوهم.
والحديث سبق في الشهادات.
٢٦ - باب كَرَاهِيَةِ الْخِلَافِ
(باب كراهية الخلاف) في الأحكام الشرعية أو أعمّ من ذلك ولأبي ذر الاختلاف، وهذا الباب عند أبي ذر بعد باب نهي النبي ﷺ عن التحريم وقبل هذا الباب المذكور باب قول الله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: ٣٨] وقال في الفتح: وسقطت هذه الترجمة لابن بطال فصار حديثها من جملة باب النهي على التحريم.
٧٣٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ سَلاَّمِ بْنِ أَبِى مُطِيعٍ، عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ»، قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: سَمِعَ عَبْدُ الرَّحمَنِ سَلامًا.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن راهويه كما جزم به الكلاباذي قال: (أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدال المهملة (عن سلام بن أبي مطيع) بتشديد اللام الخزاعي (عن أبي عمران) عبد الملك بنَ حبيب (الجوني) بفتح الجيم وسكون الواو بعدها نون فتحتية نسبة لأحد أجداده الجون بن عوف (عن جندب بن عبد الله البجلي) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(اقرؤوا القرآن ما ائتلفت) ما اجتمعت (قلوبكم)
стр. 4606
عليه (فإذا اختلفتم) في فهم معانيه (فقوموا عنه) لئلا يتمادى بكم الخلاف إلى الشر.
وسبق الحديث في فضائل القرآن وأخرجه مسلم في النذور والنسائي في فضائل القرآن.
(قال أبو عبد الله) البخاري (سمع عبد الرحمن) بن مهدي (سلامًا) أي ابن مطيع وأشار بهذا إلى ما سبق في آخر فضائل القرآن وهذا ثبت في رواية المستملي.
٧٣٦٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِىُّ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ». وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هَارُونَ الأَعْوَرِ حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ، عَنْ جُنْدَبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن راهويه قال: (أخبرنا عبد الصمد) بن عبد الوارث قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى البصري قال: (حدّثنا أبو عمران) عبد الملك (الجوني عن جندب بن عبد الله) سقط لأبي ذر ابن عبد الله (أن رسول الله ﷺ قال):
(اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه) أي اقرؤوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف بأن عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق فاتركوا القراءة وتمسكوا بالمحكم للإلفة وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة قاله في الفتح فيما سبق مع غيره في آخر فضائل القرآن وأوردته هنا لبعد العهد به.
(قال أبو عبد الله) البخاري كذا ثبت في رواية أبي ذر وهو ساقط لغيره (وقال يزيد بن هارون) بن زاذان أبو خالد الواسطي (عن هارون) بن موسى الأزدي العتكي مولاهم البصري النحوي (الأعور) قال: (حدّثنا أبو عمران) الجوني (عن جندب) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) وهذا التعليق وصله الدارمي.
٧٣٦٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُضِرَ النَّبِىُّ ﷺ قَالَ: وَفِى الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - قَالَ: «هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ». قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ غَلَبَهُ
الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا، لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا قَالَ عُمَرُ فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالاِخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قُومُوا عَنِّى».
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف (عن معمر) بسكون العين ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: لما حضر النبي ﷺ ¬) بضم الحاء المهملة وكسر الضاد المعجمة أي حضره الموت (قال: وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب) ﵁ (قال) ﵊:
(هلم) أي تعالوا (أكتب لكم) بالجزم جواب الأمر (كتابًا لن تضلوا بعده) زاد أبو ذر عن الحموي أبدًا (قال عمر) ﵁: (إن النبي ﷺ غلبه الوجع و) الحال (عندكم القرآن فحسبنا) كافينا (كتاب الله) فلا نكلفه ﵊ ما يشق عليه في هذه الحالة من إملاء الكتاب (واختلف أهل البيت واختصموا) بسبب ذلك (فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله كتابًا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر) أن النبي ﷺ غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله (فلما أكثروا اللغط) بالغين المعجمة الصوت بذلك (والاختلاف عند النبي ﷺ قال) لهم: (قوموا عني) زاد في العلم ولا ينبغي عندي التنازع (قال عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عتبة (فكان ابن عباس) ﵄ (يقول إن الرزية كل الرزية) أي أن المصيبة كل المصيبة (ما حال) أي الذي حجز (بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم) بيان لقوله ما حال، وقد كان عمر ﵁ أفقه من ابن عباس لاكتفائه بالقرآن وفي تركه ﵊ الإنكار على عمر ﵁ دليل على استصوابه.
والحديث سبق في باب كتابة العلم من كتاب العلم وفي المغازي، وأخرجه مسلم في باب الوصايا والنسائي في العلم.
٢٧ - باب نَهْىِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى التَّحْرِيمِ إِلاَّ مَا تُعْرَفُ إِبَاحَتُهُ
وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ نَحْوَ قَوْلِهِ حِينَ أَحَلُّوا أَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ وَقَالَ جَابِرٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ،
وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَازَةِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.
(باب نهي) بسكون الهاء وإضافة باب (النبي ﷺ ¬) الصادر منه محمول (على التحريم) وهو
حقيقة فيه وفي نسخة باب بالتنوين نهي النبي بفتح الهاء ورفع النبي على الفاعلية وفي الفرع كأصله عن الترحيم بالنون بدل على والذي شرحه العيني كالحافظ ابن حجر على على باللام (إلا ما نعرف إباحته) بدلالة السياق عليه أو قرينة الحال أو إقامة الدليل (وكذلك أمره) ﵊ تحرم مخالفته لوجوب امتثاله ما لم يقم دليل على إرادة
стр. 4607
الندب أو غيره (نحو قوله) ﵊ (حين أحلوا) في حجة الوداع لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة وتحللوا من العمرة (أصيبوا من النساء) أي جامعوهن (وقال جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري ﵁ وسقطت الواو لأبي ذر (ولم يعزم) أي لم يوجب ﷺ (عليهم) أن يجامعوهن (ولكن أحلهن لهم) فالأمر فيه للإباحة وهذا وصله الإسماعيلي (وقالت أم عطية) نسيبة (نهينا) بضم النون أي نهانا النبي ﷺ (عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) بضم التحتية وفتح الزاي أي ولم يوجب علينا- ﷺ .
وهذا سبق موصولاً في الجنائز.
٧٣٦٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البُرْسانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِى أُنَاسٍ مَعَهُ، قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الْحَجِّ خَالِصًا لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ أَنْ نَحِلَّ وَقَالَ: «أَحِلُّوا وَأَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ». قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ فَبَلَغَهُ أَنَّا نَقُولُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلاَّ خَمْسٌ، أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا فَنَأْتِى عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَذْىَ قَالَ: وَيَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَحَرَّكَهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّى أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِى لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، فَحِلُّوا فَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ». فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) الحنظلي البلخي الحافظ (عن ابن جريج) عبد الملك (قال عطاء) هو ابن أبي رباح (قال جابر) هو ابن عبد الله.
(قال أبو عبد الله) المؤلّف (وقال محمد بن بكر) بفتح الموحدة وسكون الكاف (البرساني) بضم الموحدة وسكون الراء وبالسين المهملة وبعد الألف نون مكسورة نسبة إلى برسان بطن من الأزد وثبت البرساني لأبي ذر وسقطت لغيره (حدّثنا ابن جريج) عبد الملك ولأبي ذر عن ابن جريج أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح قال (سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄ (في أناس معه) كان القياس أن يقول معي لكنه التفات (قال: أهللنا أصحاب رسول الله ﷺ في الحج) أصحاب بالنصب على الاختصاص (خالصًا ليس معه عمرة) هو محمول على ما كانوا ابتدؤوا به ثم أذن لهم بإدخال العمرة على الحج وفسخ الحج إلى العمرة فصاروا على ثلاثة أنحاء كما قالت عائشة ﵂ منا من أهل بجج ومنا من أهل بعمرة
ومنا من جمع (قال عطاء) بالسند السابق (قال جابر فقدم النبي ﷺ ¬) مكة (صبح رابعة مضت من ذي الحجة فلما قدمنا أمرنا النبي ﷺ ¬) بفتح راء أمرنا (أن نحل) بفتح النون وكسر الحاء المهملة أي بالإحلال (وقال):
(أحلوا) من إحرامكم (وأصيبوا من النساء) أذن في الجماع (قال عطاء) بالسند السابق (قال جابر) ﵁ (ولم يعزم عليهم) أي يوجب عليهم جماعهن (ولكن أحلهن لهم فبلغه) ﷺ (إنا نقول لما) بالتشديد (لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس) من الليالي أوّلها ليلة الأحد وآخرها ليلة الخميس لأن توجههم من مكة كان عشية الأربعاء فباتوا ليلة الخميس بمنى ودخلوا عرفة يوم الخميس (أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة نقطر مذاكيرنا) جمع ذكر على غير قياس (المذي) بالذال المعجمة الساكنة، ولأبي ذر عن المستملي: المني (قال) عطاء بالسند السابق (ويقول جابر بيده هكذا وحركها) أي أمالها قال الكرماني هذه الإشارة لكيفية التقطير (فقام رسول الله ﷺ ¬) زاد حماد بن زيد خطيبًا (فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا هديي لحللت كما تحلون) بفتح الفوقية وكسر الحاء المهملة (فحلوا) بكسر الحاء أمر من حل (فلو استقبلت من أمري ما استدبرت) أي لو علمت في أول الأمر ما علمت آخر أو هو جواز العمرة في أشهر الحج (ما أهديت. فحللنا وسمعنا وأطعنا).
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن أمره ﵊ بإصابة النساء لم يكن على الوجوب ولهذا قال لم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم.
وسبق الحديث بالحج.
٧٣٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِىُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ» قَالَ فِى الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً.
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين عبد الله بن عمرو المقعد البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد (عن الحسين) بضم الحاء ابن ذكوان المعلم (عن ابن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء عبيد الله الأسلمي قاضي مروانه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله) بن مغفل بالغين المعجمة المفتوحة والفاء المفتوحة المشددة (المزني) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(صلوا قبل صلاة المغرب. قال في الثالثة لمن شاء كراهية) أي لأجل كراهية (أن يتخذها الناس سُنّة) طريقة لازمة لا يجوز تركها وفيه إشارة إلى أن الأمر حقيقة في الوجوب فلذلك
стр. 4608
أردفه بما يدل على التخيير بين الفعل والترك فكان ذلك صارفًا للحمل على الوجوب.
وهذا الباب بعد الباب التالي لهذا ويليه باب كراهية الخلاف.
والحديث سبق في الصلاة في باب كم بين الأذان والإقامة.
٢٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَشَاوَرَ النَّبِىُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِى الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوجَ، فَلَمَّا لَبِسَ لأْمَتَهُ وَعَزَمَ قَالُوا: أَقِمْ، فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْعَزْمِ وَقَالَ: «لَا يَنْبَغِى لِنَبِىٍّ يَلْبَسُ لأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ». وَشَاوَرَ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ فِيمَا رَمَى أَهْلُ الإِفْكِ عَائِشَةَ، فَسَمِعَ مِنْهُمَا حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فَجَلَدَ الرَّامِينَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ، وَلَكِنْ حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَكَانَتِ الأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَشِيرُونَ الأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى الأُمُورِ الْمُبَاحَةِ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا، فَإِذَا وَضَحَ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْدُ عُمَرُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَشُورَةٍ إِذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولاً كَانُوا أَوْ شُبَّانًا وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ .
(باب قول الله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الثورى: ٣٨]) أي ذو شورى يعني لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه وقوله تعالى: (﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: ٥٩]) استظهارًا برأيهم وتطييبًا لنفوسهم وتمهيدًا لسُنّة المشاورة للأمة (وإن المشاورة قبل العزم) على الشيء (و) قبل (التبيين) وهو وضوح المقصود (لقوله تعالى: ﴿فإذا عزمت﴾) فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى (﴿فتوكل على الله﴾ [آل عمران: ١٥٩]) في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك (فإذا عزم الرسول ﷺ ¬) بعد المشورة على شيء وشرع فيه (لم يكن لبشر التقدّم على الله ورسوله) للنهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] (وشاور النبي ﷺ أصحابه يوم أُحُد في المقام والخروج) بضم الميم (فرأوا له الخروج فلما لبس لامته) بغير همزة في الفرع كأصله وفي غيرهما بهمزة ساكنة بعد اللام أي درعه (وعزم) على الخروج والقتال وندموا (قالوا) له يا رسول الله (قم) بفتح الهمزة وكسر القاف بالمدينة ولا تخرج منها إليهم (فلم يمل إليهم) فيما قالوه (بعد العزم) لأنه يناقض التوكل الذي أمره الله به (وقال: لا ينبغي لنبي يلبس لامته فيضعها حتى يحكم الله) بينه وبين عدوه.
وهذا وصله الطبراني بمعناه من حديث ابن عباس.
(وشاور) ﷺ (عليًّا) أي ابن أبي طالب (وأسامة) بن زيد (فيما رمى به أهل الإفك) ولأبي ذر عن الكشميهني رمى أهل الإفك به (عائشة) ﵂ (فسمع منهما) ما قالاه ولم يعمل بجميعه فأما عليّ فأومأ إلى الفراق بقوله والنساء سواها كثير وأما أسامة فقال إنه لا يعلم عنها إلا الخير فلم يعمل ﵊ بما أومأ إليه عليّ من المفارقة وعمل بقوله واسأل الجارية فسألها وعمل بقول أسامة في عدم المفارقة ولكنه أذن لها في التوجه إلى بيت أبيها (حتى نزل القرآن فجلد الرامين) بصيغة الجمع وسمي في رواية أبي داود منهم مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ولم يقع في شيء من طرق حديث الإفك في الصحيحين أنه جلد الرامين نعم رواه أحمد وأصحاب السنن من حديث عائشة (ولم يلتفت إلى تنازعهم) أي إلى تنازع علي وأسامة ومن وافقهما وفي الطبراني عن ابن عمر في قصة الإفك، وبعث رسول الله ﷺ إلى علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وبريرة. قال في الفتح: فكأنه أشار بصيغة الجمع في قوله تنازعهم إلى ضم بريرة إلى علي وأسامة لكن استشكل بأن ظاهر سياق الحديث الصحيح أنها لم تكن حاضرة. وأجيب بأن المراد بالتنازع اختلاف قول المذكورين عندما سألتهم واستشارتهم وهو أعم من أن يكونوا مجتمعين أو مفترقين (ولكن حكم بما أمره الله وكانت الأئمة) من الصحابة والتابعين فمن بعدهم (بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها) إذا لم يكن فيها نص بحكم معين وكانت على أصل الإباحة والتقييد بالأمناء صفة موضحة لأن غير المؤتمن لا يستشار ولا يلتفت لقوله (فإذا وضح الكتاب) القرآن (أو السُّنّة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء) ولأبي ذر عن الكشميهني اقتدوا.
(بالنبي ﷺ ، ورأى أبو بكر) الصديق ﵁ (قتال من منع الزكاة فقال عمر) ﵁: (كيف تقاتل)؟ زاد أبو ذر الناس (وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت) أي أمرني الله (أن أقاتل الناس) المشركين عبدة الأوثان دون أهل الكتاب (حتى) أي إلى أن (يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله) مع محمد رسول الله ﷺ (عصموا) أي حفظوا (مني دماءهم وأموالهم) فلا تهدر دماؤهم ولا تستباح أموالهم بعد عصمتهم بالإسلام بسبب من الأسباب (إلا بحقها) من قتل نفس أو حدّ أو غرامة متلف زاد أبو ذر هنا وحسابهم أي بعد ذلك على الله أي في أمر سرائرهم وإنما قيل دون
стр. 4609
أهل الكتاب لأنهم إذا أعطوا الجزية سقط عنهم القتال وثبتت لهم العصمة فيكون ذلك تقييدًا للمطلق (فقال أبو بكر) ﵁ (والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله ﷺ ثم تابعه بعد عمر) ﵁ على ذلك (فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة) وللكشميهني إلى مشورته (إذ) بسكون المعجمة (كان عنده حكم رسول الله ﷺ في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه) بالجر عطفًا على المجرور السابق.
(وقال) ولغير أبي ذر قال (النبي ﷺ ¬) فيما وصله المؤلّف من حديث ابن عباس في كتاب
المحاربين (من بدّل دينه فاقتلوه. وكان القراء أصحاب مشورة عمر) بفتح الميم وضم المعجمة وسكون الواو (كهولاً كانوا أو شبانًا) هذا طرف عن حديث وقع موصولاً في التفسير (وكان) أي عمر (وقافًا) بتشديد القاف أي كثير الوقوف (عند كتاب الله كذا وقع في التفسير موصولاً.
٧٣٦٩ - حَدَّثَنَا الأُوَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِى عُرْوَةُ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْىُ يَسْأَلُهُمَا، وَهْوَ يَسْتَشِيرُهُمَا فِى فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ بِالَّذِى يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَأَمَّا عَلِىٌّ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ فَقَالَ: «هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَىْءٍ يَرِيبُكِ»؟ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَمْرًا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِى الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِى مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِى أَذَاهُ فِى أَهْلِى وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِى إِلاَّ خَيْرًا». فَذَكَرَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ: وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ. عَنْ هِشَامٍ.
وبه قال: (حدّثنا الأويسي) ولأبي ذر الأويسي عبد العزيز بن عبد الله قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وثبت ابن سعد لأبي ذر وسقط لغيره (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عروة) بن الزبير بن العوّام (وابن المسيب) سعيد (وعلقمة بن وقاص وعبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أربعتهم (عن عائشة ﵂ حين قال لها أهل الإفك) زاد أبو ذر ما قالوا (قالت: ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب) ﵁ (وأسامة بن زيد ﵄ حين استلبث الوحي) تأخر وأبطأ (يسألهما وهو يستشيرهما في فراق أهله) يعني عائشة ولم تقل في فراقي لكراهتها التصريح بإضافة الفراق إليها (فأما أسامة فأشار) على رسول الله ﷺ (بالذي يعلم من براءة أهله) مما نسبوه إليها فقال كما في الشهادات أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلا خيرًا (وأما علي) ﵁ (فقال) يا رسول الله (لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير) بصيغة التذكير للكل على إرادة الجنس، وإنما قال ذلك لما رأى عند النبي ﷺ عن الغم والقلق لأجل ذلك (وسل الجارية) بريرة (تصدقك) بالجزم على الجزاء أي إن أردت تعجيل الراحة فطلقها وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر فدعا ﷺ بريرة (فقال) لها:
(هل رأيت من شيء يريبك) بفتح أوله يعني عن جنس ما قيل فيها (قالت ما رأيت أمرًا أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام) ولأبي ذر عن الكشميهني فتنام (عن عجين أهلها) لأن
الحديث السن يغلب عليه النوم ويكثر عليه (فتأتي الداجن) بالدال المهملة والجيم الشاة التي تألف البيوت (فتأكله فقام) النبي ﷺ (على المنبر) خطيبًا (فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني) بكسر الذال المعجمة من يقوم بعذري إن كافأته على قبيح فعله ولا يلومني (من رجل بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على) ولأبي ذر عن الكشميهني في (أهلي إلاَّ خيرًا. فذكر براءة عائشة) ﵂.
وهذا الحديث سبق بأطول من هذا في مواضع في الشهادات والتفسير والأيمان والنذور وغيرها. (وقال أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام) هو ابن عروة قال المؤلّف.
٧٣٧٠ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِىُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «مَا تُشِيرُونَ عَلَىَّ فِى قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِى، مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُّ»، وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالأَمْرِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْذَنُ لِى أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِى فَأَذِنَ لَهَا، وَأَرْسَلَ مَعَهَا الْغُلَامَ وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: سُبْحَانَكَ ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].
(حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر وحدّثني بالواو (محمد بن حرب) النشائي بالنون والشين المعجمة الخفيفة قال: (حدّثنا يحيى بن أبي زكريا الغساني) بغين معجمة مفتوحة وسين مهملة مشددة وبعد الألف نون وفي أصل أبي ذر كما ذكره في حاشية الفرع كأصله العشاني بالعين المهملة والشين المعجمة وصحح عليه وكتب نسخة الغساني بالغين المعجمة والسين المهملة قال الحافظ ابن حجر والذي بالعين المهملة ثم المعجمة تصحيف شنيع (عن هشام) هو ابن عروة (عن) أبيه (عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ خطب الناس فحمد الله) تعالى (وأثنى عليه) بما هو أهله (وقال):
стр. 4610
(ما تشيرون علي) بتشديد الياء (في قوم يسبون أهلي ما علمت عليهم من سوء قط. وعن عروة) بن الزبير بالسند السابق أنه (قال: لما أخبرت عائشة) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول وسكون الفوقية (بالأمر) الذي قاله أهل الإفك (قالت: يا رسول الله أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي فأذن لها وأرسل معها الغلام. وقال رجل من الأنصار): هو أبو أيوب خالد الأنصاري كما عند ابن إسحاق، وأخرجه الحاكم من طريقه (سبحانك ﴿ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم﴾). وسبح تعجبًا ممن يقول ذلك فهو تنزيه لله تعالى من أن تكون حرمة نبيه فاجرة وقوله وقال أبو أسامة هو تعليق، وقوله وحدّثني محمد بن حرب طريق موصول والله أعلم.
هذا آخر كتاب الاعتصام نجز سادس عشر ربيع الأول سنة ٩١٦، ولما فرغ المؤلف من مسائل أصول الفقه شرع في مسائل أصول الكلام وما يتعلق به وبه ختم الكتاب وكانت الأولى تقديم أصول الكلام لأنه الأصل والأساس والكل مبني عليه لكنه من باب الترقي إرادة لختم الكتاب بالأشرف فقال.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٧ - كتاب التوحيد
ثبتت البسملة لأبي ذر وسقطت لغيره.
(كتاب التوحيد) هو مصدر وحّد يوحّد ومعنى وحّدت الله اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه. وقال الجنيد، التوحيد إفراد القدم من الحدث وهو بمعنى الحدوث والحدوث يقال للحدوث الذاتي وهو كون الشيء مسبوقًا بغيره، والزماني وهو كونه مسبوقًا بالعدم، والإضافي وهو ما يكون وجوده أقل من وجود آخر فيما مضى، وهو تعالى منزّه عنه بالمعاني الثلاثة وهو من الاعتبارات العقلية التي لا وجود لها في الخارج، وفي رواية المستملي كما: في الفرع كتاب الردّ على الجهمية بفتح الجيم وسكون الهاء وبعد الميم تحتية مشدّدة وهم طوائف ينسبون إلى جهم بن صفوان من أهل الكوفة والرد على غيرهم أي القدرية، وأما الخوارج فسبق ما يتعلق بهم في كتاب الفتن وكذا الرافضة في كتاب الأحكام وهؤلاء الفرق الأربعة رؤوس المبتدعة وقال الحافظ ابن حجر وتبعه العيني بعد قوله كتاب التوحيد وزاد المستملي الرد على الجهمية.
١ - باب مَا جَاءَ فِى دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ ﵎
(باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ وفي نسخة وهو الشهادة بأن الله واحد ومعنى أنه تعالى واحد كما قاله بعضهم نفي التقسيم لذاته ونفي التشبيه عن حقه وصفاته ونفي الشريك معه في أفعاله ومصنوعاته فلا تشبه ذاته الذوات ولا صفته الصفات ولا فعل لغيره حتى يكون شريكًا له في فعله أو عديلاً له، وهذا هو الذي تضمنته سورة الإخلاص من كونه واحدًا صمدًا إلى آخرها فالحق سبحانه مخالف لمخلوقاته كلها مخالفة مطلقة.
٧٣٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِىٍّ، عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك النبيل قال: (حدّثنا زكريا بن إسحاق) المكي (عن يحيى بن عبد الله) ولأبي ذر عن يحيى بن محمد بن عبد الله (بن صيفي) بالصاد المهملة مولى عمرو بن عثمان بن عفان المكي ونسبه في الأولى لجده (عن أبي معبد) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة نافذ بالنون والفاء والمعجمة (عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن). قال البخاري.
٧٣٧٢ - وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِىٍّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ النَّبِىُّ ﷺ مُعَاذًا نَحْوَ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلُّوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِى أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ».
(وحدّثني) بالإفراد (عبد الله بن أبي الأسود) هو عبد الله بن معاذ بن محمد بن أبي الأسود واسمه حميد البصري قال: (حدّثنا الفضل بن العلاء) بفتح العين ممدودًا الكوفي قال: (حدّثنا إسماعيل بن أمية) الأموي (عن يحيى بن عبد الله) ولأبي ذر وأبي الوقت والأصيلي عن يحيى بن محمد بن عبد الله (بن صيفي أنه سمع أبا معبد) نافذًا (مولى ابن عباس) ﵄ (يقول: سمعت ابن عباس يقول) ولأبي ذر قال (لما بعث النبي ﷺ معاذًا نحو اليمن) ولأبي ذر معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن أي إلى جهة أهل اليمن وهو من إطلاق الكل وإرادة البعض لأن بعثه كان إلى بعضهم لا إلى جميعهم قال له:
(إنك تقدم) بفتح الدال (على قوم من أهل الكتاب) هم اليهود (فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى) أي
стр. 4611
إلى توحيده وما مصدرية (فإذا عرفوا ذلك) أي التوحيد (فأخبرهم أن الله فرض) ولأبي ذر إن الله قد فرض (عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي زكاة في أموالهم (تؤخذ من غنيهم) بالإفراد (فترد على فقيرهم) بالإفراد أيضًا (فإذا أقروا بذلك) صدقوا به وآمنوا (فخذ منهم) زكاة أموالهم (وتوق) اجتنب (كرائم أموال الناس) خيار مواشيهم أن تأخذها في الزكاة والكريمة الشاة الغزيرة اللبن.
وفي الحديث دليل لمن قال أول واجب المعرفة كإمام الحرمين واستدلّ بأنه لا يتأتى الإتيان بشيء من المأمورات على قصد الامتثال ولا الانكفاف عن شيء من المنهيات على قصد الإنزجار إلا بعد معرفة الآمر الناهي، واعترض عليه بأن المعرفة لا تتأتى إلا بالنظر والاستدلال وهي مقدمة الواجب فتجب فيكون أول واجب النظر وقال الزركشي اختلف في التقليد في ذلك على مذاهب.
أحدها: وهو قول الجمهور المنع لجماع على وجوب المعرفة وبقوله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله فأمر بالعلم بالوحدانية والتقليد لا يفيد العلم وقد ذم الله تعالى التقليد في الأصول وحث عليه في الفروع فقال في الأصول: ﴿إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون﴾ [الزخرف: ٢٢] وحث على السؤال في الفروع بقوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [الأنبياء: ٧].
والثاني: الجواز لإجماع السلف على قبول كلمتي الشهادة من الناطق بهما ولم يقل أحد له هل نظرت أو تبصرت بدليل.
والثالث: يجب التقليد وإن النظر والبحث فيه حرام والقائل بهذا المذهب طائفتان طائفة ينفون النظر ويقولون إذا كان المطلوب في هذا العلم والنظر لا يفضي إليه فالاشتغال به حرام وطائفة يعترفون بالنظر لكن يقولون: ربما أوقع النظر في هذا في الشبه فيكون ذلك سبب الضلال لنهيهم عن علم الكلام والاشتغال به ولا شك أن منعهم منه ليس هو لأنه ممنوع مطلقًا كيف وقد قطع أصحابه بأنه من فروض الكفايات وإنما منعوا منه لمن لا يكون له قدم في مسالك التحقيق فيؤدي إلى الارتياب والشك نحو الكفر وذكر البيهقي في شعب الإيمان هذا قال: وكيف يكون العلم الذي يتوصل به إلى معرفة الله وعلم صفاته ومعرفة رسله والفرق بين النبي الصادق والمتنبي مذمومًا أو مرغوبًا عنه، ولكنهم لإشفاقهم على الضعفة أن لا يبلغوا ما يريدون منه فيضلوا نهوا عن الاشتغال به. ونقل عن الأشعري أن إيمان المقلد لا يصح وأنه يقول بتكفير العوام وأنكره الأستاذ أبو القاسم القشيري وقال: هذا كذب وزور من تلبيسات الكرامية على العوام والظن بجميع عوام المسلمين أنهم مصدقون بالله تعالى. وقال أبو منصور في المقنع: أجمع أصحابنا على أن العوام مؤمنون عارفون بالله تعالى وأنهم حشو الجنة للإخبار والإجماع فيه، لكن منهم من قال: لا بد من نظر عقلي في العقائد وقد حصل لهم منه القدر الكافي فإن فطرهم جبلت على توحيد الصانع وقدمه وحدوث الموجودات وإن عجزوا عن التعبير عنه على اصطلاح المتكلمين فالعلم بالعبارة علم زائد لا يلزمهم وقد كان النبي ﷺ يكتفي من الأعرابي بالتصديق مع العلم بقصورهم عن معرفة النظر بالأدلة.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة وسبق أول الزكاة.
٧٣٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «يَا مُعَاذُ أَتَدْرِى مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ»؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِى مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ» قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشدّدة بندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين
عثمان بن عاصم الأسدي (والأشعث بن سليم) بضم السين المهملة هو الأشعث بن أبي الشعثاء المحارب أنهما (سمعا الأسود بن هلال) المحاربي الكوفي (عن معاذ بن جبل) ﵁ أنه (قال: قال النبي) ولأبي ذر رسول الله (¬ ﷺ ¬):
(يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال) معاذ: قلت: (الله ورسوله أعلم. قال) رسول الله ﷺ : (أن يعبدوهُ) بأن يطيعوه ويجتنبوا معاصيه (ولا يشركوا به
стр. 4612
شيئًا) عطف على السابق لأنه تمام التوحيد والجملة حالية أي يعبدوه في حال عدم الإشراك به ثم قال ﷺ : (أتدري) يا معاذ (ما حقهم عليه) ما حق العباد على الله وهو من باب المشاكلة كقوله تعالى: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤] أو المراد الحق الثابت أو الواجب الشرعي بإخباره تعالى عنه أو كالواجب في تحقق وجوبه (قال) معاذ: (الله ورسوله أعلم. قال) ﷺ : (أن لا يعذبهم) إذا اجتنبوا الكبائر والمناهي وأتوا بالمأمورات.
والحديث سبق في الرقاق وغيره، وأخرجه مسلم في الإيمان.
٧٣٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الصمد: ١] يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ».
زَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ أَخْبَرَنِى أَخِى قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام بن أنس الأصبحي (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه) عبد الله (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ (أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ يرددها) يكررها ويعيدها واسم الرجل القارئ قتادة بن النعمان رواه ابن وهب عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أبي الهيثم عن أبي سعيد (فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر له ذلك) ولأبي ذر فذكر ذلك له (وكأن) بالواو والهمزة وتشديد النون ولأبي ذر عن الكشميهني فكأن بالفاء (الرجل) الذي سمع (يتقالها) بالقاف وتشديد اللام يعدّها قليلة (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(والذي نفسي بيده إنها) أي ﴿قل هو الله أحد﴾ ولأبي ذر فإنها (لتعدل ثلث القرآن) لأن القرآن على ثلاثة أنحاء قصص وأحكام وصفات لله ، و ﴿قل هو الله أحد﴾ متمحضة للتوحيد والصفات فهي ثلثه وفيه دليل على شرف علم التوحيد، وكيف لا والعلم يشرف بشرف المعلوم ومعلوم هذا العلم هو الله وصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله (زاد إسماعيل بن جعفر) الأنصاري (عن مالك) الإمام (عن عبد الرحمن عن أبيه) عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي صعصعة (عن أبي سعيد) الخدري ﵁ أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أخي) لأمي (قتادة بن النعمان عن النبي ﷺ ¬) وهذا سبق في فضل ﴿قل هو الله أحد﴾ من فضائل القرآن.
٧٣٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ أَبِى هِلَالٍ أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ فِى حَجْرِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِى صَلَاتِهِ فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: «سَلُوهُ لأَىِّ شَىْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ»؟ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ».
وبه قال: (حدّثنا محمد) كذا غير منسوب في الفرع كأصله قال خلف في الأطراف أحسبه محمد بن يحيى الذهلي قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر بن الطبراني الحافظ المصري قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري قال: (حدّثنا عمرو) بفتح العين ابن الحارث المصري (عن ابن أبي هلال) سعيد (أن أبا الرجال) بكسر الراء وتخفيف الجيم (محمد بن عبد الرحمن) الأنصاري مشهور بكنيته وكان له عشرة أولاد رجال (حدّثه عن أمه عمرة) بفتح العين المهملة وسكون الميم (بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية (وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ عن عائشة) ﵁ (أن النبي ﷺ بعث رجلاً على سرية) أميرًا عليها وهو متعلق ببعث، ولا يصح أن يتعلق بصفة لرجل لفساد المعنى ولا بحال لأن رجلاً نكرة ولم يقل في سرية لأن على تفيد معنى الاستعلاء والرجل قيل هو كلثوم بن الهدم. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لأنهم ذكروا أنه مات في أول الهجرة قبل نزول القتال قال: ورأيت بخط الرشيد العطار كلثوم بن زهدم وعزاه لصفوة الصفوة لابن طاهر، ويقال قتادة بن النعمان وهو غلط وانتقال من الذي قبله إلى هذا (وكان يقرأ لأصحابه في صلاته) ولأبي ذر في صلاتهم أي التي يصلّيها بهم (فيختم) قراءته (بـ ﴿قل هو الله أحد﴾) السورة إلى آخرها. وهذا يُشعِر بأنه كان يقرأ بغيرها معها في ركعة واحدة فيكون دليلاً على جواز الجمع بين السورتين غير الفاتحة في ركعة أو المراد أنه كان من عادته أن يقرأها بعد الفاتحة (فلما رجعوا) من السرية (ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه) لِمَ تختم بقل هو الله أحد؟ (فقال) الرجل: أختم بها (لأنها صفة الرحمن) لأن فيها أسماءه وصفاته وأسماؤه مشتقة
стр. 4613
من صفاته (وأنا أحب أن أقرأ بها) فجاؤوا فأخبروا النبي ﷺ (فقال النبي ﷺ ¬):
(أخبروه أن الله) تعالى (يحبه) لمحبته قراءتها ومحبة الله تعالى لعباده إرادة الإثابة لهم.
والحديث سبق في باب الجمع بين السورتين في الركعة من كتاب الصلاة، وأخرجه مسلم في الصلاة والنسائي فيه وفي اليوم والليلة.
٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]
(باب قول الله ﵎: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾) أي سموا بهذا الاسم أو بهذا قال البيضاوي المراد بالتسوية بين اللفظتين هو أنهما يطلقان على ذات واحدة وإن اختلف اعتبار إطلاقهما، والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود هذا إذا كان ردًا لقول المشركين أي حين سمعوه ﷺ يقول: يا الله يا رحمن فقالوا إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهًا آخر، وعلى أن يكون ردًّا لليهود أي حيث قالوا لما سمعوه أيضًا يقول يا الله يا رحمن إنك لتقلّ ذكر الرحمن وقد أكثره الله تعالى في التوراة، فالمعنى أنهما سيان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود وهو أجوب لقوله: (﴿أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠]) وأو للتخيير والتنوين في أيًّا عوض عن المضاف إليه وما صلة لتأكيد ما في أيٍّ من الإبهام والضمير في قوله له للمسمى لأن التسمية له لا للاسم، وكان أصل الكلام أيًّا ما تدعوا فهو حسن فوضع موضعه فله الأسماء الحسنى للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه، وكونها حسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام اهـ.
قال الطيبي: إنما كان أجوب لأن اعتراض اليهود كان تعيير للمسلمين على ترجيح أحد الاسمين على الآخر واعتراض المشركين كان تعييبرًا على الجمع بين اللفظين فقوله: أيًّا ما تدعوا مطابق للردّ على اليهود لأن المعنى أيّ الاسمين دعوتموه فهو حسن وهو لا ينطبق على اعتراض المشركين، والجواب هذا مسلم إذا كان أو للتخيير فلم يمنع أن تكون للإباحة كما في قوله: جالس الحسن أو ابن سيرين، فحينئذ يكون أجوب وتقريبه قل سموا ذاته المقدسة بالله أو بالرحمن فهما سيان في استصواب التسمية بهما فبأيهما سميته فأنت مصيب وإن سميته بهما فأنت أصوب لأن له الأسماء الحسنى وقد أمرنا أن ندعو بها في قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠] فجواب الشرط الأول قوله فأنت مصيب، ودل على الشرط الثاني وجوابه قوله: ﴿فله الأسماء الحسنى﴾ وحينئذ فالآية فن من فنون الإيجاز الذي هو حلية التنزيل وقوله: ﴿فله الأسماء الحسنى﴾ هو من باب الإطناب فظهر بهذا أن الإباحة أنسب من التخيير لأن أبا جهل حضر الجمع بين الاسمين فردّ بإباحة أن يجمع بين أسماء تعني فكيف يمنع من الجمع بين الاسمين وقد أبيح الجمع بين الأسماء المتكاثرة على أن الجواب بالتخيير في الردّ على أهل الكتاب غير مطابق لأنهم اعترضوا بالترجيح، وأجيب بالتسوية لأن أو تقتضيها وكان الجواب العتيد أن يقال إنما رجحنا الله على الرحمن في الذكر لأنه جامع لجميع صفات الكمال بخلاف الرحمن ويساعد ما ذكرنا من أن الكلام مع المشركين قوله تعالى: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليّ من الذل﴾ [الإسراء: ١١١] لأنه مناسب أن يكون تسجيلاً للردّ على المشركين.
٧٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ وَأَبِى ظَبْيَانَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ».
وبه قال: (حدّثنا محمد) ولأبي ذر محمد بن سلام بتخفيف اللام وتشديدها قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن زيد بن وهب) الهمداني الكوفي (وأبي ظبيان) بفتح الظاء المعجمة وسكون الموحدة حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن جندب الكوفي كلاهما (عن جرير بن عبد الله) البجلي ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا يرحم الله) في الآخرة (من لا يرحم الناس) من مؤمن وكافر ويرحم بفتح أوله في الموضعين.
ومطابقته للترجمة ظاهرة، وسبق الحديث في الأدب وأخرجه مسلم في الفضائل.
٧٣٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ يَدْعُوهُ إِلَى ابْنِهَا فِى الْمَوْتِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «ارْجِعْ فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»، فَأَعَادَتِ الرَّسُولَ أَنَّهَا أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ ، وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَدُفِعَ الصَّبِىُّ إِلَيْهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِى شَنٍّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ قَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِى قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل قال: (حدّثنا حماد بن زيد) بفتح الحاء والميم المشددة ابن
стр. 4614
درهم الأزدي أحد الأعلام (عن عاصم الأحول) بن سليمان (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن ملّ (النهدي) بفتح النون وسكون الهاء (عن أسامة بن زيد) الحبّ ابن الحِب ﵁ أنه (قال: كنا عند النبي ﷺ إذ جاءه رسول إحدى بناته) زينب (يدعوه) أي الرسول ولأبي ذر: تدعوه بالفوقية بدل التحتية أي تدعوه زينب على لسان رسولها (إلى ابنها) وهو (في) حالة (الموت) من معالجة الروح (فقال النبي ﷺ ¬):
(ارجع) زاد أبو ذر إليها وسقط له لفظ النبي والتصلية (فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى) أي الذي أراد أن يأخذه هو الذي أعطاه فإن أخذه أخذ ما هو له ولفظ ما فيهما مصدرية أي أن لله الأخذ والإعطاء أو موصولة والعائد محذوف وكذا الصلة (وكل شيء) من الأخذ والإعطاء وغيرهما (عنده) في علمه (بأجل مسمى) مقدّر (فمرها فلتصبر ولتحتسب) أي تنوي بصبرها طلب الثواب منه تعالى ليحسب ذلك من عملها الصالح (فأعادت الرسول) إليه ﷺ (أنها أقسمت) ولأبي
ذر عن الحموي والمستملي قد أقسمت أي عليه (ليأتينها، فقام النبي ﷺ وقام سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل) زاد في الجنائز وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت ورجال (فدفع الصبي إليه) بالفاء والدال المهملة المضمومة، وللكشميهني فرفع بالراء بدل الدال، وللحموي والمستملي ورفع بالواو بدل الفاء (ونفسه تقعقع) بحذف إحدى التاءين تخفيفًا أي تضطرب وتتحرك والقعقعة حكاية حركة لشيء يسمع له صوت كالسلاح (كأنها) أي نفسه (في شنّ) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون قربة خلقة يابسة (ففاضت) بالبكاء (عيناه) في (فقال له سعد) أي ابن عبادة المذكور (يا رسول الله ما هذا) البكاء وأنت تنهى عنه؟ وثبت ما هذا لأبي ذر (قال): (هل له رحمة) أي الدمعة التي نراها من حزن القلب بغير تعمد ولا استدعاء لا مؤاخذة فيها فهي أثر الرحمة التي (جعلها الله) تعالى (في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) وليس من باب الجزع وقلة الصبر. والرحماء جمع رحيم من صيغ المبالغة وهو أحد الأمثلة الخمسة فعول وفعال ومفعال وفعل وفعيل وزاد بعضهم فيها فعيلاً كسكير وجاء فعيل بمعنى مفعول. قال المتلمس:
فأما إذا عضت بك الحرب عضّة … فإنك عطوف عليك رحيم
والرحمة لغة الرقة والانعطاف ومنه اشتقاق الرحم وهي البطن لانعطافها على الجنين، فعلى هذا يكون وصفه تعالى بالرحمة مجازًا عن إنعامه تعالى على عباده كالملك إذا عطف على رعيته أصابهم خيره وتكون على هذا التقدير صفة فعل لا صفة ذات، وقيل: الرحمة إرادة الخير لمن أراد الله به ذلك ووصفه بها على هذا القول حقيقة وحينئذ صفة ذات، وهذا القول هو الظاهر. وقيل: الرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة وتارة في الإحسان المجرد، وإذا وصف بها الباري تعالى فليس يراد بها إلا الإحسان المجرد دون الرقة، وعلى هذا روي الرحمة من الله إنعام وإفضال، ومن الآدميين رقة وتعطف، وأما ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الرحمن الرحيم اسمان رقيقان أحدهما أرفق من الآخر فلا يثبت لأنه من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه والكلبي متروك الحديث.
ونقل البيهقي عن الحسين بن الفضل البجلي أنه نسب راوي حديث ابن عباس إلى التصحيف وقال: إنما هو الرفيق بالفاء أي فهما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر وقوّاه البيهقي بالحديث المروي في مسلم عن عائشة ﵂ مرفوعًا: إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف، واختلف هل الرحمن الرحيم بمعنى واحد؟ فقيل بمعنى واحد كندمان ونديم فيكون الجمع بينهما تأكيدًا، وقيل لكل واحد منهما فائدة غير فائدة الآخر وذلك بالنسبة إلى تغاير تعلقهما إذ يقال: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة
стр. 4615
لأن رحمته في الدنيا تعم المؤمن والكافر وفي الآخرة تخص المؤمن، وقيل: الرحمن أبلغ إذ لا يطلق إلا على الله سبحانه، وعلى هذا فالقياس أن يترقى إلى الأبلغ فيقول رحيم رحمن.
قال صاحب التقريب: إنما قدم أعلى الوصفين والقياس تقديم أدناهما كجواد فياض لأن
ذلك القياس فيما كان الثاني من جنس الأول وفيه زيادة الرحمن يتناول جلائل النعم وأصولها، والرحيم دقائقها وفروعها فلم يكن في الثاني زيادة على الأول فكأنه جنس آخر فيقال لما ثبت أن الرحمن أبلغ من الرحيم في تأدية معنى الرحمة المترقي من الرحيم إليه لأن معنى الترقي هو أن يذكر معنى ثم يردف بما هو أبلغ منه.
وقال صاحب الإيجاز والانتصاف: الرحمن أبلغ لأنه كالعلم إذ كان لا يوصف به غير الله فكأنه الموصوف وهو أقدم، إذ الأصل في نعم الله أن تكون عظيمة فالبداءة بما يدل على عظمها أولى هذا أحسن الأقوال يعني أن هذا الأسلوب ليس من باب الترقي بل هو من باب التتميم وهو تقييد الكلام بتابع يفيد مبالغة، وذلك أنه تعالى لما ذكر ما دلّ على جلائل النعم وعظائمها أراد المبالغة والاستيعاب فتمم بما دل على دقائقها وروادفها ليدل به على أنه مولى النعم كلها ظواهرها وبواطنها جلائلها ودقائقها فلو قصد الترقي لفاتت المبالغة المذكورة، ومن شرط التتميم الأخذ بما هو أعلى في الشيء ثم بما هو أحط منه ليستوعب جميع ما يدخل تحت ذلك الشيء لأنهم لا يعدلون عن الأصل والقياس إلا لتوخي نكتة، وقيل: إنه من باب التكميل وهو أن يؤتى بكلام في فن فيرى أنه ناقص فيه فيكمل بآخر فإنه تعالى لما قال الرحمن توهم أن جلائل النعم منه وأن الدقائق لا يجوز أن تنسب إليه لحقارتها فكمل بالرحيم، ويؤيده ما في حديث الترمذي عن أنس مرفوعًا: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع" وزاد حتى يسأل الملح.
وحديث الباب سبق في الجنائز.
٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]
(باب قول الله تعالى:) أنا الرزاق ولأبوي الوقت وذر والأصيلي (﴿وإن الله هو الرزاق﴾) أي الذي يرزق كل ما يفتقر إلى الرزق وفيه إيماء باستغنائه عنه وقرئ: إني أنا الرزاق وهو موافق للرواية الأولى (﴿ذو القوة المتين﴾ [الذاريات: ٥٨]) الشديد القوّة والمتين بالرفع صفة لذو وقرأ الأعمش بالجر صفة للقوّة على تأويل الاقتدار.
٧٣٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِى حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِىِّ، عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن سعيد بن جبير) ولأبي ذر هو ابن جبير (عن أبي عبد الرحمن) بن حبيب بفتح الموحدة وتشديد التحتية (السلمي)
الكوني المقرئ ولأبيه صحبة (عن أبي موسى الأشعري) ﵁ (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(ما أحد أصبر) ولأبي ذر بالرفع أفعل تفضيل من الصبر وهو حبس النفس على المكروه والله تعالى منزه عن ذلك فالمراد لازمه وهو ترك المعاجلة والعقوبة (على أذى سمعه من الله يدّعون) بتشديد الدال (له) أي ينسبون إليه (الولد) واستشكل بأن الله تعالى منزه عن الأذى. وأجيب: بأن المراد أذى يلحق أنبياءه إذ في إثبات الولد إيذاء للنبي ﷺ لأنه تكذيب له وإنكار لمقالته (ثم يعافيهم) من العلل والبليات والمكروهات (ويرزقهم) ما ينتفعون به من الأقوات وغيرها مقابلة للسيئات بالحسنات والرزاق خالق الأرزاق والأسباب التي يتمتع بها، والرزق هو المنتفع به وكل ما ينتفع به فهو رزقه سواء كان مباحًا أو محظورًا والرزق نوعان محسوس ومعقول، ولذا قال بعض المحققين: الرزاق من رزق الأشباح فوائد لطفه والأرواح عوائد كشفه. وقال القرطبي: الرزق في ألسنة المحدّثين السماع يقال: رزق يعنون به سماع الحديث قال: وهو صحيح انتهى.
وحظ العارف منه أن يتحقق معناه ليتيقن أنه لا يستحقه إلا الله فلا ينتظر الرزق ولا يتوقعه إلا منه فيكل أمره إليه ولا يتوكل فيه إلا عليه، ويجعل يده خزانة ربه ولسانه وصلة بين الله وبين الناس في وصول الأرزاق الروحانية والجسمانية إليهم
стр. 4616
بالإرشاد والتعليم وصرف المال ودعاء الخير وغير ذلك لينال حظًّا من هذه الصفة. قال القشيري أبو القاسم: من عرف أن الله هو الرزاق أفرده بالقصد إليه وتقرب إليه بدوام التوكل عليه أرسل الشبلي إلى غني أن ابعث إلينا شيئًا من دنياك فكتب إليه سل دنياك من مولاك، فكتب إليه الشبلي الدنيا حقيرة وأنت حقير وإنما أطلب الحقير من الحقير ولا أطلب من مولاي غير مولاي، فسمت همته العلية أن لا يطلب من الله تعالى الأشياء الخسيسة.
ومناسبة الآية للحديث اشتماله على صفتي الرزق والقوة الدالة على القدرة، أما الرزق فمن قوله ويرزقهم، وأما القوة فمن قوله اصبر فإن فيه إشارة إلى القدرة على الإحسان إليهم مع إساءتهم بخلاف طبع البشر فإنه لا يقدر على الإحسان إلى المسيء إلا من جهة تكليفه ذلك شرعًا قاله ابن المنير.
وسبق الحديث في الأدب في باب الصبر على الأذى.
٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] وَ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] وَ ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وَ ﴿مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧].
قَالَ يَحْيَى الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا وَالْبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا.
(باب قول الله تعالى: ﴿عالم الغيب﴾) خبر مبتدأ محذوف أي هو عالم الغيب (﴿فلا يظهر﴾) فلا يطلع (﴿على غيبه أحدًا﴾ [الجن: ٢٦]) من خلقه إلا من ارتضى من رسول أي إلا رسولاً قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له فإنه يطلعه على غيبه ما شاء ومن رسول بيان لمن ارتضى. قال في الكشاف: وفي هذه الآية إبطال الكرامات لأن الذين تضاف إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب اهـ.
وأجيب: بأن قوله على غيبه لفظ مفرد ليس فيه صيغة العموم فيكفي أن يقال: إن الله لا يظهر على غيب واحد من غيوبه أحدًا إلا الرسل فيحمل على وقت وقوع القيامة فكيف وقد ذكرها عقب قوله أقريب أم بعيد ما توعدون؟ وتعقب بأنه ضعيف لأن الرسل أيضًا لم يظهروا على ذلك.
وقال البيضاوي: جوابه تخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون من غير واسطة وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون تلقيًا عن الملائكة كاطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء.
وقال الطيبي: الأقرب تخصيص الاطلاع بالضعف والخفاء فإن اطلاع الله الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم على الغيب أمكن وأقوى من إطلاعه الأولياء يدل على حرف الاستعلاء في قوله: على غيبه فضمن يظهر معنى يطلع أي فلا يظهر الله على غيبه إظهارًا تامًّا وكشفًا جليًّا إلا من ارتضى من رسول، فإن الله تعالى إذا أراد أن يطلع النبي ﷺ الغيب يوحي إليه أو يرسل إليه الملك. وأما كرامات الأولياء فهي من قبيل التلويحات واللمحات أو من جنس إجابة دعوة وصدق فراسة فإن كشف الأولياء غير تام كالأنبياء.
(و) باب قول الله تعالى: (﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤]) أي وقت قيامها (و) قوله تعالى: (﴿أنزله بعلمه﴾ [النساء: ١٦٦]) أي أنزله وهو عالم بأنك أهل بإنزاله إليك وأنك مبلغه أو أنزله بما علم من مصالح العباد وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصفات فإنه أثبت لنفسه العلم وقوله تعالى: (﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ [فاطر: ١١]) هو في موضع الحال أي إلا معلومة له، وقوله تعالى: (﴿إليه يردّ علم الساعة﴾ [فصلت: ٤٧]) أي علم قيامها يردّ إليه أي يجب على المسؤول أن يقول الله أعلم بذلك.
(قال يحيى بن زياد): الفراء المشهور في كتاب معاني القرآن له (الظاهر على كل شيء علمًا والباطن على كل شيء علمًا) وقال غيره: الظاهر الجلي وجوده بآياته الباهرة في أرضه وسمائه والباطن المحتجب كنه ذاته عن نظر العقل بحجب كبريائه، وقيل الظاهر بالقدرة والباطن عن الفكرة، وقيل الظاهر بلا اقتراب والباطن بلا احتجاب. وقال الشيخ أبو حامد: اعلم أنه إنما خفي مع ظهوره لشدة ظهوره وظهوره سبب بطونه ونوره هو حجاب نوره، وقيل: الظاهر بنعمته
والباطن برحمته. وقيل: الظاهر بما يفيض عليك من العطاء والنعماء، والباطن بما يدفع عنك من البلاء. وقيل: الظاهر لقوم فلذلك وحّدوه والباطن عن قوم فلذلك جحدوه.
٧٣٧٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِى غَدٍ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِى الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللَّهُ».
وبه قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) القطواني الكوفي قال: (حدّثنا سليمان بن بلال) أبو محمد مولى الصديق قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن دينار) المدني مولى ابن عمر (عن ابن عمر
стр. 4617
﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله) أي أنه تعالى يعلم ما غاب عن العباد من الثواب والعقاب والآجال والأحوال جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في المخازن المستوثق منها بالإغلاق والإقفال، ومن علم مفاتيحها وكيفية فتحها توصل إليها فأراد أنه المتوصل إلى المغيبات المحيط علمه بها لا يتوصل إليها غيره فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته، وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها والحكمة في كونها خمسًا الإشارة إلى حصر العوالم فيها فأشار إلى ما يزيد في النفس وينقص بقوله: (لا يعلم ما تغيض الأرحام إلاَّ الله) أي ما تنقصه يقال غاض الماء وغضته أنا وما تزداد أي ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة وعدد فإنها تشتمل على واحد واثنين وثلاثة وأربعة، أو جسد الولد فإنه يكون تامًّا ومخدجًا أو مدة الولادة فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى أربع عند الشافعي، وإلى سنتين عند الحنفية، وإلى خمس عند مالك، وخص الرحم بالذكر لكون أكثر يعرفونها بالعادة، ومع ذلك نفى أن يعرف أحد حقيقتها نعم إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى أشقيًا أو سعيدًا علم به الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء الله من خلقه.
وأشار إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث بقوله: (ولا يعلم ما في غد) من خير وشر وغيرهما (إلاّ الله) وعبّر بلفظ غد لأن حقيقته أقرب الأزمنة وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه فما بعده أحرى.
وأشار إلى العالم العلوي بقوله: (ولا يعلم متى يأتي المطر) ليلاً أو نهارًا (أحد إلا الله) نعم إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون به ومن شاء الله من خلقه.
وأشار إلى العالم السفلي بقوله: (ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت إلا الله) أي أين تموت، وربما أقامت بأرض وضربت أوتادها. وقالت: لا أبرح منها فترمي بها مرامي القدر حتى تموت
في مكان لم يخطر ببالها كما روي أن ملك الموت مرّ على سليمان بن داود ﵉ فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل: من هذا؟ فقال: ملك الموت. فقال: كأنه يريدني فمرّ الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل فقال ملك الموت: كان دوام نظري تعجبًا منه إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك.
وفي الطبراني الكبير عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "ما جعل الله منية عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة وإنما جعل العلم لله والدراية للعبد" لأن في الدراية معنى الحيلة، والمعنى أنها أي النفس لا تعرف وإن أعملت حيلتها ما يختص بها ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان من معرفة ما عداهما أبعد، وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيب والموت فإنه يقول بالقياس والنظر في المطالع وما يدرك بالدليل لا يكون غيبًا على أنه مجرد الظن والظن غير العلم والله تعالى أعلم.
وأشار إلى علوم الآخرة بقوله: (ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله) فلا يعلم ذلك نبي مرسل ولا ملك مقرّب.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، والحديث سبق في آخر الاستسقاء.
٧٣٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ، وَهْوَ يَقُولُ: (لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي الضبي مولاهم محدّث قيسارية قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن إسماعيل) بن أبي خالد البجلي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل أحد الأعلام قال: أدركت خمسمائة من الصحابة وما كتبت سوداء في بيضاء ولا حدّثت بحديث إلا حفظته (عن مسروق) أي ابن الأجدع (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: من حدّثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه) ليلة المعراج (فقد كذب) قالته رأيًا باجتهادها لقوله: (وهو) أي الله تعالى (يقول) في سورة الأنعام: (﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]) وأجاب المثبتون بأن معنى الآية لا تحيط به الأبصار أو لا تدركه الأبصار وإنما يدركه المبصرون أو لا تدركه في الدنيا لضعف تركيبها في الدنيا فإذا كان في الآخرة خلق الله تعالى فيهم قوة يقدرون بها على الرؤية،
стр. 4618
وفي كتابي المواهب من مباحث ذلك ما يكفي.
(ومن حدّثك أنه يعلم الغيب فقد كذب) والضمير في أنه يعلم للنبي ﷺ لعطفه على قوله: من حدثك أن محمدًا وصرح به فيما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد ربه بن سعد عن داود عن أبي هند عن الشعبي بلفظ: أعظم الفرية على الله من قال إن محمدًا رأى ربه وأن
محمدًا كتم شيئًا من الوحي وأن محمدًا يعلم ما في غد (وهو) تعالى (يقول: (لا يعلم الغيب إلا الله)) والآية ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥] وجاز مثل ذلك لأنه ليس الغرض القراءة ولا نقلها وقول الداودي ما أظن قوله في هذا الطريق من حدّثك أن محمدًا يعلم الغيب محفوظًا وما أحد يدعي أن رسول الله ﷺ كان يعلم من الغيب إلا ما علمه الله متعقب بأن بعض من لم يرسخ في الإيمان كان يظن ذلك حتى كان يرى أن صحة النبوة تستلزم اطلاع النبي جميع المغيبات، ففي مغازي ابن إسحاق أن ناقته ﷺ ضلت فقال ابن الصليت بالصاد المهملة آخره مثناة بوزن عظيم: يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته فقال النبي ﷺ : إن رجلاً يقول كذا وكذا وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها وهي في شعب كذا قد حبستها شجرة فذهبوا فجاؤوا بها فأعلم ﷺ أنه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، والغرض من الباب إثبات صفة العلم وفيه ردّ على المعتزلة حيث قالوا: إنه عالم بلا علم.
قال العبري: وكتبهم شاهدة بتعليل عالمية الله تعالى بالعلم كما يقول به أهل السُّنَّة لكن النزاع في أن ذلك العلم المعلل به هل هو عين الذات كما يقول المعتزلة أو لا كما يقول أهل السُّنّة ثم إن علمه تعالى شامل لكل معلوم جزئيات وكليات قال تعالى: ﴿أحاط بكل شيء علمًا﴾ [الطلاق: ١٢] أي علمه أحاط بالمعلومات كلها. وقال تعالى: ﴿عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة﴾ [سبأ: ٣] الآية. وأطبق المسلمون على أنه تعالى يعلم دبيب النملة السوداء في الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأن معلوماته لا تدخل تحت العلة والإحصاء وعلمه محيط بها جملة وتفصيلاً، وكيف لا وهو خالقها ألا يعلم من خلق، وضلت الفلاسفة حيث زعموا أنه يعلم الجزئيات على الوجه الكلي لا الجزئي.
وحديث الباب سبق في التفسير.
٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]
(باب قول الله تعالى: ﴿السلام﴾) سقط لفظ باب لغير أبي ذر، والسلام هو مصدر نعت به. والمعنى ذو السلامة من النقائص والبراءة من العيوب والفرق بينه وبين القدوس أن القدوس يدل على براءة الشيء من نقص تقتضيه ذاته فإن القدس طهارة الشيء في نفسه، والسلام يدل على نزاهته عن نقص يعتريه لعروض آفة أو صدور فعل، وقيل معنى السلام مالك تسليم العباد من المخاوف والمهالك فيرجع إلى القدرة فيكون من صفات الذات، وقيل ذو السلام على المؤمنين في الجنان كما قال تعالى: ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ [يس: ٥٨] فيكون مرجعه إلى الكلام القديم ووظيفة العارف أن يتخلق به بحيث يسلم قبله عن الحقد والحسد وإرادة الشر وقصد الخيانة وجوارحه عن ارتكاب المحظورات واقتراف الآثام (﴿المؤمن﴾ [الحشر: ٢٣]) هو الذي آمن أولياءه عذابه يقال آمنه يؤمنه فهو مؤمن وقيل المصدق لرسله بإظهار معجزته عليهم ومصدق المؤمنين ما
وعدهم من الثواب ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب، وقال مجاهد: المؤمن الذي وجد نفسه بقوله: شهد الله أنه لا إله إلا الله.
٧٣٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كُنَّا نُصَلِّى خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي قال: (حدّثنا زهير) بضم الزاي مصغرًا ابن معاوية الجعفي قال: (حدّثنا مغيرة) بن المقسم بكسر الميم قال: (حدّثنا شقيق بن سلمة) أبو وائل الأسدي الكوفي المخضرم (قال: قال عبد الله) بن مسعود ﵁ (كنا نصلي خلف النبي ﷺ فنقول) في التشهد (السلام على الله) أي من عباده كما في الرواية الأخرى (فقال) لنا (النبى ﷺ ¬) لما فرغ من الصلاة:
(إن الله هو السلام) فأنكر التسليم على الله، وبين أن ذلك عكس ما يجب أن يقال فإن كل سلام ورحمة له ومنه فهو
стр. 4619
مالكها ومعطيها. وقال ابن الأنباري: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة وغناه عنها (ولكن قولوا التحيات لله) جمع تحية وهي تفعلة من الحياة بمعنى الإحياء والتبقية واللام في لله للاختصاص أو المراد كل ما تعظّم به الملوك له فاللام للاستحقاق (والصلوات) المعهودات في الشرع واجبة (والطيبات) ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله أو ذكر الله مستحق لله (السلام عليك) مبتدأ حذف خبره أي السلام عليك موجود (أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) إنما أعاد حرف الجر ليصح العطف على الضمير المجرور والصالحين نعت لعباد، والصالح هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) معطوف على سابقه ورسوله فعول بمعنى مرسل وفعول بمعنى مفعل قليل. قال ابن عطية: العرب تجري رسول مجرى المصدر فتصف به الجمع والواحد والمؤنث، ومنه قوله تعالى: ﴿أنا رسول ربك﴾ [مريم: ١٩].
والحديث سبق في الصلاة بأتم من هذا.
٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]
فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب قول الله تعالى) وسقط لغير أبي ذر لفظ باب (﴿ملك الناس﴾ [الناس: ٢]) الملك معناه ذو الملك، وهو إذا كان عبارة عن التصرف في الأشياء بالخلق والإبداع والإماتة والأحياء كان من
أسماء الأفعال كالخالق، وعن بعض المحققين الملك الحق هو الغني مطلقًا في ذاته وفي صفاته عن كل ما سواه ويحتاج إليه كل ما سواه إما بواسطة أو بغير واسطة فهو بتقدير منفرد وبتدبير متوحد ليس لأمره مردّ ولا لحكمه ردّ، أما العبد فإنه محتاج في الوجود إلى الغير والاحتياج مما ينافي الملك، فلا يمكن أن يكون له ملك مطلق والملك يختص عرفًا بمن يسوس ذوي العقول ويدبر أمورهم فلذلك تقول ملك الناس، ولا يقال ملك الأشياء ووظيفة العارف من هذا الاسم أن يعلم أنه هو المستغني على الإطلاق عن كل شيء وما عداه مفتقر إليه في وجوده وبقائه مسخر لحكمه وقضائه فيستغني عن الناس رأسًا ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه ويتخلق به بالاستغناء عن الغير.
قال في الكشاف، فإن قلت: هلا اكتفى بإظهار المضاف إليه مرة واحدة؟ قلت: لأن عطف البيان للبيان فكان مظنّة للإظهار فلهذا كرر لفظ الناس، لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس وأنهم أشرف المخلوقات. وقال الإمام فخر الدين: وإنما بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل نعمه وإلى أن رباه وأعطاه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو مالك فثنّى بذكر الملك، ولما علم أن العبادة لازمة له وعرف أنه معبود مستحق لتلك العبادة عرفه بأنه إله فلهذا ختم به.
(فيه) أي في هذا الباب (ابن عمر) أي حديثه (عن النبي ﷺ ¬). مما وصله في باب قول الله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥] الآتي إن شاء الله تعالى بعد اثني عشر بابًا بلفظ: إن الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك.
٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِى السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ»؟ وَقَالَ شُعَيْبٌ وَالزُّبَيْدِىُّ وَابْنُ مُسَافِرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر الطبري المصري الحافظ قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلى (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد) زاد أبو ذر هو ابن المسيب (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أي أنه (قال):
(يقبض الله الأرض) بأن يجمعها حتى تصير شيئًا واحدًا ويبيدها (يوم القيامة ويطوي السماء) يفنيها (بيمينه) بقدرته (ثم يقول) ﷻ (أنا الملك) أي ذو الملك على الإطلاق فلا ملك لغيره في الدارين (أي ملوك الأرض). وفي الحديث إثباث اليمين صفة لله تعالى من صفات ذاته وليست جارحة خلافًا للمجسمة.
وسبق في باب يقبض الله الأرض من الرقاق.
(وقال شعيب) هو ابن أبي حمزة فيما وصله الدارمي (والزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة محمد بن الوليد مما وصله ابن خزيمة (وابن مسافر) عبد الرحمن بن عوف مما سبق موصولاً في تفسير سورة الزمر (وإسحاق بن يحيى) الكلبي فيما وصله الذهلي في الزهريات أربعتهم
стр. 4620
(عن الزهري عن أبي سلمة). وفيه أنه اختلف على ابن شهاب الزهري في شيخه فقال يونس بن سعيد بن المسيب، وقال الآخرون أبو سلمة. وكلٌّ منهما يرويه عن أبي هريرة. ونقل ابن خزيمة عن محمد بن يحيى الذهلي أن الطريقين محفوظان. قال في الفتح: وصنيع البخاري يقتضي ذلك وإن كان الذي تقتضيه القواعد ترجيح رواية شعيب لكثرة من تابعه، لكن يونس كان من خواص الزهري الملازمين له، وزاد أبو ذر بعد قوله عن أبي سلمة مثله أي مثل الحديث السابق.
٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَهْوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]. وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ.
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «تَقُولُ جَهَنَّمُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ».
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِى عَنِ النَّارِ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». وَقَالَ أَيُّوبُ: «وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِى عَنْ بَرَكَتِكَ».
(باب قول الله تعالى: ﴿وهو العزيز﴾) الغالب من قولهم عزّ إذا غلب ومرجعه إلى القدرة المتعالية عن المعارضة فمعناه مركب من وصف حقيقي ونعت تنزيهي وقيل القوي الشديد من قولهم عز يعز إذا قوي واشتد منه قوله تعالى: ﴿فعززنا بثالث﴾ [يس: ١٤] وقيل عديم المثل فيكون من أسماء التنزيه، وقيل هو الذي تتعذر الإحاطة بوصفه ويعسر الوصول إليه، وقيل العزيز من ضلت العقول في بحار عظمته وحارت الألباب دون إدراك نعته وكلّت الألسن عن استيفاء مدح جلاله ووصف جماله وحظ العارف منه أن يعز نفسه فلا يستهينها بالمطامع الدنيئة ولا يدنسها بالسؤال من الناس والافتقار إليهم (﴿الحكيم﴾ [العنكبوت: ٤٢]) ذو العلم القديم المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء ولا شبهة وأنه أتقن الأشياء كلها فالحكمة صفة من صفات الذات يظهرها الفعل وتعبر عنها المحكمات وتشهد لها العقول بما شاهدته في الموجودات كغيرها من صفات الحق، فتأمل ذلك في مسالك أفعاله ومجاري تدبيره وترتيب ملكه وملكوته وقيام الأمر كله به، وتطلب آثار ذلك في خلقه في السماوات والأرض وما فيهن ما بينهن من أفلاك ونجوم وشمس وقمر وتدبير ذلك وتقديره بأمر محكم مع دؤوب اختلاف الليل والنهار وتقلبهما وإيلاج كل واحد منهما
في قرينه وتكويرهما بعضهما على بعض وما يحدثه عن ذلك من العجائب المبدعات والآيات البينات بإحكام متناسق وحكم مستمرة الوجود إلى غير ذلك من سائر أفعاله المتقنة وبدائعه المحكمة، ممّا يكلّ دونه النظر وينحسر دونه البصر ويزيد على القول ويربو على الوصف ولا يدرك كنهه العقول ولا يحيط به سوى اللوح المحفوظ، وأول موضع وقع فيه وهو العزيز الحكيم في سورة إبراهيم. وأما مطلق العزيز الحكيم فأول ما وقع في البقرة في دعاء إبراهيم لأهل مكة.
قال في اللباب: والعزيز هو الغالب الذي لا يغلب والحكيم هو العليم الذي لا يجهل شيئًا وهما بهذين التفسيرين صفة للذات وإن أريد بالعزيز أفعال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأريد بالحكمة أفعال الحكمة لم يكونا من صفات الذات بل من صفات الفعل والفرق بينهما أن صفات الذات أزلية وصفات الفعل ليست كذلك.
وقوله تعالى: (﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾) [الصافات: ١٨] من الولد والصاحبة والشريك وثبت لأبي ذر والأصيلي عما يصفون، وأضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل ذو العزة كما تقول صاحب صدق لاختصاصه بالصدق ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد إلا وهو ربها ومالكها كقوله: ﴿تعز من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦] وقوله تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله﴾ [المنافقون: ٨]) أي ولله المنعة والقوة ولمن أعز من رسوله والمؤمنين، وعزة كل واحد بقدر علو مرتبته فعزة الرسول بما خصّه الله به من الخصائص التي لا تحصى، والبراهين التي لا تستقصى، وعزة المؤمنين بما ورثوه من العلم النبوي وهم في ذلك متفاوتون بقدر ميراثهم من ذلك العلم والهداية للخلق إلى الحق، والعزيز من لا تناله أيدي الشياطين ولا تبلغه رعونات الشهوات فتذلل هداك الله لعزته وتضاءل لعظمته، وتضرّع إليه في خلواتك عساه يهب لك عزًّا لا ذلّ يصحبه وشرفًا لا ضعة تتخلله ثم تذلل لأوليائه وأهل طاعته وتعزّز على كل جبار عنيد (ومن حلف بعزة الله وصفاته). والعزة تحتمل كما قال ابن بطال: أن تكون صفة ذات بمعنى القدرة والعظمة فيحنث وأن تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته فلا يحنث. نعم إذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين وللمستملي
стр. 4621
وسلطانه بدل قوله وصفاته.
(وقال أنس) ﵁ في حديث موصول سبق في تفسير سورة ق (قال النبي ﷺ : تقول جهنم) تنطق كإنطاق الجوارح (قط قط) بفتح القاف وكسر الطاء أو سكونها فيهما أي حسب (وعزتك) مجرور بواو القسم.
(وقال أبو هريرة) في حديث سبق موصولاً في الرقاق (عن النبي ﷺ ¬) أنه قال (يبقى رجل) اسمه جهينة (بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة فيقول: رب) ولأبي ذر يا رب (اصرف وجهي عن النار) زاد في أواخر الرقاق فيقول لعلك إن أعطيتك أن تسأل غيره فيقول (لا وعزتك لا أسألك غيرها) أي غير هذه المسألة.
(قال أبو سعيد) الخدري (إن رسول الله ﷺ قال: قال الله لك ذلك وعشرة أمثاله)
فيه أن أبا سعيد وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور إلا في قوله عشرة أمثاله فإن في حديث أبي هريرة كما في الرقاق فيقول الله هذا لك ومثله معه، وسبق مبحثه والله الموفق.
(وقال أيوب) صلوات الله وسلامه عليه فيما سبق موصولاً في الغسل من كتاب الطهارة وغيره لما خرّ عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى (وعزتك لا غنى بي عن بركتك) بكسر الغين المعجمة وفتح النون مقصورًا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لا غناء بالهمز ممدودًا الكفاية، وفي اليونينية عناء بغير نقطة على العين مع المدّ وفي الفرع التنكزي عناء بزيادة عين تحتها علامة الإهمال، وفي آخر غناء بالمعجمة فليحرر.
٧٣٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو المقعد المنقري البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان التميمي مولاهم البصري التنوري الحافظ قال: (حدّثنا حسين المعلم) بن ذكوان البصري قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة ابن الحصيب الأسلمي أبو سهل المروزي قاضيها (عن يحيى بن يعمر) بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه البصري نزيل مرو وقاضيها (عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ كان يقول):
(أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت) بلفظ الغائب وفي رواية اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحيّ الذي لا يموت (والجن والإنس يموتون) وكلمة تضلني الزائدة في هذه الرواية متعلقة بأعوذ أي من أن تضلني وكلمة التوحيد معترضة لتأكيد العزة واستغنى عن ذكر عائد الموصول لأن نقش المخاطب هو المرجوع إليه وبه يحصل الارتباط وكذلك المتكلم نحو:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة
ولا يقال إن مفهوم قوله والجن والإنس يموتون لأنه مفهوم لقب ولا اعتبار به.
والحديث أخرجه مسلم في الدعاء والنسائي في النعوت.
٧٣٨٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِىٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُلْقَى فِى النَّارِ».
وَقَالَ لِى خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ مُعْتَمِرٍ سَمِعْتُ أَبِى عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ
فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ قَدْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي الأسود) هو عبد الله بن محمد بن الأسود أبو بكر البصري الحافظ قال: (حدّثنا حرمي) بفتح الحاء المهملة والراء وكسر الميم بعدها ياء النسبة ابن عمارة بضم العين وتخفيف الميم ابن أبي حفصة نابت بنون وموحدة ثم مثناة العتكي مولاهم قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(يلقى) بضم أوله وفتح ثالثه بينهما لام ساكنة ولأبي ذر لا يزال يلقى (في النار).
قال المؤلف: (وقال خليفة) بن خياط (حدّثنا يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين ابن أبي عروبة (عن قتادة عن أنس) ﵁ (وعن معتمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية ابن سليمان التيمي وهو معطوف على قوله حدّثنا يزيد بن زريع فهو موصول أي، وقال لي خليفة أيضًا عن معتمر وبهذا جزم أصحاب الأطراف أنه قال: (سمعت أبي) سليمان (عن قتادة عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يزال يلقى فيها) أي العصاة في النار (و) هي (تقول هل من مزيد) مصدر كالمجيد أي أنها تقول بعد امتلائها هل من مزيد أي هل بقي فيّ موضع لم يمتلئ يعني قد امتلأت أو أنها تستزيد
стр. 4622
وفيها موضع للمزيد وإسناد القول إليها حقيقة بأن يخلق الله فيها القول أو مجاز (حتى يضع فيها رب العالمين قدمه) أي من قدمه لها من أهل العذاب أو ثمة مخلوق اسمه القدم أو المراد تذليلها كتذليل من يوضع تحت الرجل والعرب تضع الأمثال بالأعضاء ولا تريد أعيانها (فينزوي) بالنون والزاي فيجتمع وينقبض (بعضها إلى بعض ثم تقول: قد قد) بفتح القاف وسكون الدال وتكسر فيهما أي حسبي حسبي قد اكتفيت (بعزتك وكرمك ولا تزال الجنة تفضل) عن الداخلين فيها ولأبي ذر عن المستملي بفضل بموحدة بدل الفوقية وفتح الفاء وسكون الضاد (حتى ينشئ الله لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة) الذي بقي منها.
وقد ساق المؤلف هذا الحديث هنا من ثلاثة طرق عن قتادة وسبق لفظ شعبة في تفسير سورة ق وساقه هنا على لفظ خليفة ويستنبط منه مشروعية الحلف بكرم الله كما في الحلف بعزة الله.
ومطابقة الحديث ظاهرة.
٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]
(باب قول الله تعالى): وسقط باب لغير أبي ذر (﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض
بالحق﴾ [الأنعام: ٧٣]) أي بكلمة الحق وهي قول كن وقال ابن عادل في لبابه قيل الباء بمعنى اللام أي إظهارًا للحق لأنه جعل صنعه دليلاً على وحدانيته فهو نظير قوله تعالى: ﴿ما خلقت هذا باطلاً﴾ [آل عمران: ١٩١] اهـ.
وهذا نقله السفاقسي عن الداودي، وتعقب بأن النحاة ذكروا للباء أربعة عشر معنى ليس منها أنها تأتي بمعنى اللام والحق في الأسماء الحسنى معناه كما قاله أبو الحكم عبد السلام بن برجان الواجب الوجود بالبقاء الدائم والدوام المتوالي الجامع للخير والمجد والمحامد كلها والثناء الحسن والأسماء الحسنى والصفات العلى. قال: ومعنى قولنا واجب الوجود أنه اضطر جميع الموجودات إلى معرفة وجوده وألزمها إيجاده إياها قال تعالى: وقد ذكر دلائله واستشهاده ببيناته ذلك بأن الله هو الحق، وإنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، فأوجب عن واجب وجوده أنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن وجود كل ذي وجود عن وجوده ثم قال: ﴿وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢] أي لا وجود له إذ ليس له في الوجود وجود البتة فاستحال لذلك وجوده، فالموجودات من حيث إنها ممكنة لا وجود لها في حد ذاتها ولا ثبوت لها من قبل أنفسها وإياه عنى الشاعر بقوله:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل … وكل نعيم لا محالة زائل
ولما أظهر جملة المخلوقات التي خلقها بالحق وللحق. قال: خلق الله السماوات والأرض بالحق فظهر الحق بعضه لبعض، ودل عليه به فالله تعالى هو الحق المبين وجوده الحق، وقوله الحق وقدرته الحق وعلمه الحق وإرادته الحق وصفاته العلى الحق وأسماؤه كلها الحق، وأوجد فعله الحق بكلمته الحق، فالحق بوجوب وجوده وعموم حقيقته قد ملأ أركان الوجود كلها وشمل نواحي العلم وأطبق على أقطار التفكير فلم يكن للباطل من الوجود نصيب.
٧٣٨٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِى لَا إِلَهَ لِى غَيْرُكَ».
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف ابن عقبة السوائي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري عن ابن جريج) عبد الملك (عن سليمان) بن مسلم الأحول (عن طاوس) الإمام أبي عبد الرحمن بن كيسان وقيل اسمه ذكوان (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان النبي ﷺ يدعو من الليل) أي إذا تهجد من الليل.
(اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن). وفي رواية قيام وفي أخرى قيوم وهي من أبنية المبالغة والقيم معناه القائم بأمور الخلق ومدبرهم ومدبر العالم في جميع أحواله والقيوم هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره ويقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود الشيء ولا دوام وجوده إلا به. وقال التوربشتي: معناه أنت الذي تقوم بحفظهما وحفظ من أحاطتا به واشتملتا عليه وقال ومن تغليبًا للعقلاء على غيرهم، ولأبي ذر: وما فيهن (لك الحمد أنت نور السماوات والأرض) أي ذو نور السماوات ونور الأرض وأضاف النور إليهما للدلالة على سعة إشراقه
стр. 4623
وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض وجاز أن يراد أهل السماوات والأرض وأنهم يستضيؤون به (قولك الحق) أي مدلوله ثابت (ووعدك الحق) الثابت المتحقق وجوده فلا يدخله خلف ولا شك وعطف الوعد على القول وهو قول فهو من عطف الخاص على العام (ولقاؤك حق) أي رؤيتك في الدار الآخرة حيث لا مانع (والجنة حق والنار حق) كلٌّ منهما موجود (والساعة حق) قيامها (اللهم لك أسلمت) انقدت لأمرك ونهيك (وبك آمنت) صدقت بك وبما أنزلت (وعليك توكلت) أي فوّضت أموري كلها (وإليك أنبت) رجعت مقبلاً بقلبي عليك (ولك) أي بما آتيتني من البراهين والحجج (خاصمت) من خاصمني من الكفار (وإليك حاكمت) كل من أبى قبول ما أرسلتني به (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت) وسقط لفظ ما الثانية في رواية أبي ذر (وأسررت وأعلنت) بغير ما فيهما وقاله تواضعًا أو تعليقًا لنا (أنت إلهي لا إله لي غيرك).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله أنت رب السماوات والأرض أي أنت مالكهما وخالقهما.
والحديث سبق في صلاة الليل وفي الدعوات.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا وَقَالَ: أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ.
وبه قال: (حدّثنا ثابت بن محمد) العابد الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (بهذا) السند والمتن المذكورين (وقال: أنت الحق) أي المتحقق وجوده (وقولك الحق) وهذا يأتي إن شاء الله تعالى في قوله باب قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة﴾ [القيامة: ٢٢].
٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]
وَقَالَ الأَعْمَشُ عَنْ تَمِيمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١].
(باب) بالتنوين (﴿وكان الله سميعًا بصيرا﴾ [النساء: ١٣٤]) ولغير أبي ذر قول الله تعالى بالرفع ﴿وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ وقد علم بالضرورة من الدين، وثبت في الكتاب والسُّنّة بحيث
لا يمكن إنكاره ولا تأويله أن الباري تعالى حي سميع بصير وانعقد إجماع أهل الأديان بل جميع العقلاء على ذلك، وقد يستدل على الحياة بأنه عالم قادر وكل عالم قادر حي بالضرورة وعلى السمع والبصر بأن كل حي يصح كونه سميعًا بصيرًا وكل ما يصح للواجب من الكمالات يثبت بالعقل لبراءته عن أن يكون له ذلك بالقوة والإمكان وعلى الكل بأنها صفات كمال قطعًا، والخلو عن صفات الكمال في حق من يصح اتصافه بها نقص وهو على الله تعالى مُحال. قال تعالى: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: ٨٣] وقد ألزم ﵇ أباه الحجة بقوله: ﴿لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر﴾ [مريم: ٤٢] فأفاد أن عدمهما نقص لا يليق بالمعبود ولا يلزم من قدمهما قدم المسموعات والمبصرات كما لا يلزم من قدم العلم قدم المعلومات لأنها صفات قديمة يحدث لها تعلقات بالحوادث، ولا يقال إن معنى سميع وبصير عليم لأنه يلزم منه كما قال ابن بطال التسوية بين الأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها والأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتًا ولا يسمعها، فقد صح أن كونه سميعًا بصيرًا يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا وكونه سميعًا بصيرًا يتضمن أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر كما تضمن كونه عليمًا أنه يعلم بعلم، وقد أطلق تعالى على نفسه الكريمة هذه الأسماء خطابًا لمن هو من أهل اللغة، والمفهوم في اللغة من عليم ذات له علم بل يستحيل عندهم عليم بلا علم كاستحالته بلا معلوم فلا يجوز صرفه عنه إلا لقاطع عقلي يوجب نفيه.
وقد أجيب عن قول المعتزلي بأن السمع ينشأ عن وصول الهواء المسموع إلى العصب المفروش في أصل الصماخ والله منزّه عن الجوارح بأن ذلك عادة أجراها الله تعالى فيمن يكون حيًّا فيخلقه الله عند وصول الهواء إلى المحل المذكور، والله تعالى يسمع المسموعات بدون الوسائط، وكذا يرى المرئيات بدون المقابلة وخروج الشعاع فذاته تعالى مع كونه حيًّا موجودًا لا تشبه الذوات فكذلك صفات ذاته لا تشبه الصفات فيسمع ويبصر بلا جارحة حدقة وأذن بمرأى منه خفاء الهواجس وبمسمع منه صوت أرجل النمل على الصخرة الملساء وحظ العبد من هذين الاسمين أن يتحقق أنه بمسمع من الله ومرأى منه فلا يستهين باطّلاعه عليه ونظره إليه ويراقب مجامع أحواله من مقاله وأفعاله قيل إذا عصيت مولاك فاعص في موضع لا يراك.
(وقال الأعمش) سليمان بن مهران فيما وصله أحمد والنسائي (عن تميم) أي ابن
стр. 4624
سلمة الكوفي (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات) أي أدرك سمعه الأصوات وليس المراد من الوسع ما يفهم من ظاهره لأن الوصف بذلك يؤدي إلى القول بالتجسيم فيجب صرفه عن ظاهره إلى ما يقتضي الدليل صحته (فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١]) كذا اختصره، وتمامه كما عند أحمد بعد قوله الأصوات: لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله ﷺ تكلمه في جانب البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله الآية.
وعند ابن ماجة وابن أبي حاتم أن عائشة قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء إني أسمع كلام خولة ويخفى عليّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول له: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية.
٧٣٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِى سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا فَقَالَ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا». ثُمَّ أَتَى عَلَىَّ وَأَنَا أَقُولُ فِى نَفْسِى لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ فَقَالَ لِى: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ -أَوْ قَالَ- أَلَا أَدُلُّكَ بِهِ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم (عن أيوب) السختياني (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن ملّ النهدي (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تعيينه (فكنا إذا علونا) شرفًا (كبرنا) الله تعالى نقول الله أكبر نرفع أصواتنا بذلك (فقال) النبي ﷺ لنا:
(اْربعوا) بوصل الهمزة وفتح الموحدة وقال السفاقسي رويناه بكسرها (على أنفسكم) أي ارفقوا بها لا تبالغوا في رفع أصواتكم أو لا تعجلوا (فإنكم لا تدعون) بسكون الدال (أصم ولا غائبًا) ولم يقل ولا أعمى حتى يناسب أصم لأن الأعمى غائب عن الإحساس بالمبصر والغائب كالأعمى في عدم رؤيته ذلك المبصر فنفى لازمه ليكون أبلغ وأعم قاله في الكواكب (تدعون) وفي الدعوات لكن تدعون (سميعًا بصيرًا قريبًا) وهذا كالتعليل لقوله لا تدعون أصم قال أبو موسى (ثم أتى) ﷺ (عليَّ) بالتشديد (وأنا أقول في نفسي لا حول ولا قوّة إلا بالله فقال لي يا عبد الله بن قيس قل: لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة). أي كالكنز في نفساته (أو قال: ألا أدلك به). أي ببقية الخبر والشك من الراوي.
والحديث سبق في باب الدعاء إذا علا عقبة من كتاب الدعوات بهذا الإسناد والمتن.
٧٣٨٧ و ٧٣٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِى الْخَيْرِ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَالَ لِلنَّبِىِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِى دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِى صَلَاتِى قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ فَاغْفِرْ لِى مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) بن يحيى بن سعيد الجعفي أبو سعيد الكوفي نزيل مصر قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرني) بالإفراد
(عمرو) بفتح العين ابن الحارث البصري (عن يزيد) من الزيادة ابن أبي حبيب سوي (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله بفتح الميم والمثلثة أنه (سمع عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاصي (أن أبا بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ : يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال) ﷺ :
(اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا) بالمثلثة على المشهور من الرواية ووقع بالموحدة للقابسي أي بملابستها ما يوجب عقوبتها (ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي من عندك مغفرة) عظيمة وفائدة قوله من عندك الدلالة على التعظيم أيضًا لأن عظمة المعطي تستلزم عظمة العطاء (إنك أنت الغفور الرحيم).
ومناسبة الحديث للترجمة كما أشار إليه ابن بطال أن دعاء أبي بكر بما علمه النبي ﷺ يقتضي أن الله تعالى يسمع لدعائه ويجازيه عليه، وقال آخر: حديث أبي بكر ﵁ ليس مطابقًا للترجمة إذ ليس فيه ذكر صفتي السمع والبصر لكنه ذكر لازمها من جهة أن فائدة الدعاء إجابة الداعي لمطلوبه والدعاء في الصلاة يطلب فيه الإسرار، فلولا أن سمعه تعالى يتعلق بالسر كما يتعلق بالجهر لما حصلت فائدة الدعاء. وقال في الكواكب: لما كان بعض الذنوب مما يسمع وبعضها مما يبصر لم يقع مغفرة إلا بعد الإسماع والإبصار حكاه في فتح الباري.
والحديث سبق في باب الدعاء قبل السلام من كتاب الصلاة، وفي كتاب الدعوات.
٧٣٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَادَانِى قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ».
стр. 4625
وبه قال: (حدّثني عبد الله بن يوسف) التنسي قال: (أخبرنا ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (حدّثني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أن عائشة ﵂ حدّثته) فقالت (قال النبي ﷺ ¬):
(إن جبريل ﵇ ناداني) لما رجعت من الطائف ولم يقبل قومي ما دعوتهم إليه من التوحيد (قال إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك) أي جوابهم لك وردهم عليك وعدم قبولهم الإسلام.
والحديث سبق بأتم من هذا في بدء الخلق.
١٠ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ [الأنعام: ٦٥]
(باب قول الله تعالى: ﴿قل هو القادر﴾ [الأنعام: ٦٥]) بالذات والمقتدر على جميع الممكنات وما عداه فإنما يقدر بإقداره على بعض الأشياء في بعض الأحوال فحقيق به أنه لا يقال إنه قادر
إلا مقيدًا أو على قصد التقييد قال الشيخ أبو القاسم القشيري ومن عرف أنه قادر على الكمال خشي سطوات عقوبته عند ارتكاب مخالفته وأمّل لطائف رحمته وزوائد نعمته عند سؤال حاجته لا بوسيلة طاعته لكن بكرمه ومنته، ولأبي ذر باب قوله: ﴿قل هو القادر﴾ وفي نسخة سقوط الباب فالتالي رفع.
٧٣٩٠ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى الْمَوَالِى قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِىُّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الاِسْتِخَارَةَ فِى الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ، ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ خَيْرًا لِى فِى عَاجِلِ أَمْرِى وَآجِلِهِ، قَالَ -أَوْ فِى دِينِى وَمَعَاشِى وَعَاقِبَةِ أَمْرِى- فَاقْدُرْهُ لِى وَيَسِّرْهُ لِى ثُمَّ بَارِكْ لِى فِيهِ، اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِى فِى دِينِى وَمَعَاشِى، وَعَاقِبَةِ أَمْرِى -أَوْ قَالَ فِى عَاجِلِ أَمْرِى وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْنِى عَنْهُ وَاقْدُرْ لِىَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِى بِهِ».
وبه قال: (حدّثني) ولأبي ذر: بالجمع (إبراهيم بن المنذر) الحزامي المدني قال: (حدّثنا معن بن عيسى) بفتح الميم وسكون العين المهملة المدني القزاز الإمام أبو يحيى قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن أبي الموالي) واسمه زيد وقيل أبو الموالي جده مولى آل عليّ (قال: سمعت محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي المدني الحافظ (يحدّث عبد الله بن الحسن) بن الحسن بفتح الحاء فيهما ابن علي بن أبي طالب وليس له ذكر في البخاري إلا في هذا الموضع (يقول: أخبرني) بالإفراد (جابر بن عبد الله السلمي) بفتح السين واللام الأنصاري ﵁ (قال: كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها) أي في المباحات والمستحبات أو في وقت فعل الواجب الموسع (كما يعلم) ولأبي ذر كما يعلمهم (السورة من القرآن يقول) صلوات الله وسلامه عليه:
(إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة) في غير وقت الكراهة وقال الطيبي قوله من غير الفريضة بعد قوله كما يعلمنا السورة من القرآن يدل على الاعتناء التام البالغ حده بالصلاة والدعاء وأنهما تلوان للفريضة والقرآن (ثم ليقل) بعد الصلاة أو في أثنائها في السجود أو بعد التشهد (اللهم إني أستخيرك بعلمك) استفعال من الخير ضد الشر أي أطلب منك الخيرة (وأستقدرك بقدرتك) أطلب منك أن تجعل لي عليه قدرة والباء فيهما للاستعانة أي إني أطلب خيرك مستعينًا بعلمك فإني لا أعلم فيمَ خيرتي وأطلب منك القدرة فإني لا حول لي ولا قوّة إلا بك أو للاستعطاف أي اللهم إني أطلب منك الخير بعلمك الشامل للخيرات وأطلب منك القدرة
بحق تقديرك المقدورات أن تيسرهما عليّ فيكون كقوله تعالى: ﴿قال رب بما أنعمت عليّ﴾ [القصص: ١٧] (وأسألك من فضلك) وفي الدعوات زيادة العظيم (فإنك تقدر ولا أقدر) إلا بك (وتعلم) ما فيه الخيرة لي (ولا أعلم) ذلك (وأنت علام الغيوب اللهم فإن كنت تعلم) بالفاء في فإن كنت تعلم (هذا الأمر) وفي الدعوات أن هذا الأمر (ثم يسميه) بالتحتية والفوقية (بعينه) أي بأن ينطق به أو يستحضره بقلبه (خيرًا لي) نصب مفعول ثاني لتعلم (في عاجل أمري وآجله قال) الراوي: (أو) قال (في ديني ومعاشي) حياتي أو ما يعاش فيه (وعاقبة أمري فاقدره لي) بضم الدال أي أنجزه لي (ويسره لي ثم بارك لي فيه. اللهم إن) ولأبي ذر عن الكشميهني وإن (كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفني عنه) حتى لا يبقى لي تعلق به (واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به) بتشديد الضاد المعجمة أي اجعلني بذلك راضيًا فلا أندم على طلبه ولا على وقوعه والشك في الموضعين من الراوي.
وسبق الحديث في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى من كتاب التهجد وفي كتاب الدعوات، والله الموفق وبه المستعان.
١١ - باب مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠].
(باب مقلب القلوب. وقول الله تعالى) ولغير أبي ذر
следующие страницы →