← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بن سلمة بن كهيل، وهو ضعيف باتفاق الحفاظ، ولذا قال النووي: لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الآخر من حيث السُّنّة. لكن قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: من أحاديث الأحكام، حديث أبي هريرة: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه، أقوى من حديث وائل: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه. لأن لحديث أبي هريرة شاهدًا من حديث ابن عمر، صححه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقًا موقوفًا اهـ. ومراده بذلك قوله هنا، وقال نافع إلخ، فإن قلت: ما وجه مطابقة هذا الأثر للترجمة؟ أجيب: من جهة اشتمالها عليه لأنها في الهوي بالتكبير إلى السجود، فالهوي فعل، والتكبير قول. فكما أن أبي هريرة الآتي، إن شاء الله تعالى في هذا الباب يدل على القول، كذلك أثر ابن عمر هذا يدل على الفعل، والحاصل أن للهوي إلى السجود صفتين: صفة قولية، وأخرى فعلية. فأثر ابن عمر أشار إلى الصفة الفعلية، وحديث أبي هريرة إليهما معًا. ٨٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الاِثْنَتَيْنِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا". وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: حدّثنا) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر أخبرنا (شعيب) أي ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة) ﵁: (كان يكبر) أي حين استخلفه مروان على المدينة، كما عند النسائي (في كل صلاة من المكتوبة وغيرها من رمضان وغيره) وسقط وغيره في بعضها (فيكبر حين يقول) للإحرام (ثم يكبر حين يركع) أي: حين يشرع في الانتقال إلى الركوع، ويحده حتى يصل إلى حد الراكعين، ثم يشرع في تسبيح الركوع، (ثم يقول: سمع الله لمن حمده) في الرفع، من الركوع، ويمدّه حتى ينتصب قائمًا (ثم يقول: ربنا ولك الحمد) بالواو في الاعتدال (قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر، حين يهوي ساجدًا) بفتح المثناة التحتية وسكون الهاء وكسر الواو، ولأبي ذر يهوي بضمها، أي يبتدئ به من حين الشروع في الهوي بعد الاعتدال، حتى يضع جبهته على الأرض، ثم يشرع في تسبيح السجود (ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود) حتى يجلس، ثم يشرع في دعاء الجلوس (ثم يكبر حين يسجد) الثانية (ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في) الركعتين (الاثنتين) يشرع فيه من حين ابتداء القيام إلى الثالثة بعد التشهد الأول، (ويفعل ذلك) المذكور من التكبير وغيره (في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف) منها: (والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله ﷺ ، إن كانت) بكسر همزة إن المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، واسم ْكان قوله (هذه) أي الصلاة التي صليتها (لصلاته) ﵊، خبر كان واللام للتأكيد، (حتى فارق الدنيا) ﷺ . ٨٠٤ - قَالَا: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ- يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ". (قالا) أي: أبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن المذكوران بالإسناد السابق إليهما: (وقال: أبو هريرة ﵁: وكان رسول الله ﷺ حين يرفع رأسه) من الركوع (يقول) (سمع الله لمن حمده) وفي الاعتدال: (ربنا ولك الحمد) بالواو فيجمع بينهما (يدعو) خبر آخر لكان، أو عطف بدون حرف العطف اختصارًا، وهو جائز معروف في اللغة، وقال العيني: الأوجه أن يكون حالاً من ضمير يقول أي يقول حال كونه يدعو (لرجال) من المسلمين، واللام تتعلق بيدعو (فيسميهم بأسمائهم). استدلّ به وبما يأتي علي أن تسمية الرجال بأسمائهم فيما يدعى لهم وعليهم لا تفسد الصلاة. (فيقول) ﵊: (اللهم أنج الوليد بن الوليد) بن المغيرة المخزومي، أخا خالد بن الوليد، وهمزة أنج قطع مفتوحة مجزوم بالطلب، وكسر لالتقاء الساكنين (و) أنج (سلمة بن هشام) بفتح اللام، أخا أبي جهل بن هشام (و) أنج (عياش بن أبي ربيعة) أخا أبي جهل لأمه، وعياش بفتح العين وتشديد المثناة التحتية، وكل هؤلاء الذين دعا لهم ﵊ نجوا من أسر الكفار ببركة دعائه ﵊ (و) أنج (المستضعفين

стр. 632

من المؤمنين) من باب عطف العام على الخاص. ثم يقول ﷺ (اللهم اشدد) بهمزة وصل، وقول العيني: بضم الهمزة محمول على الابتداء بها (وطأتك) بفتح الواو وسكون الطاء وفتح الهمزة، من الوطء. وهو شدة الاعتماد على الرجل، والمراد اشدد بأسك أو عقوبتك (على) كفار قريش أولاد (مضر) فالمراد القبيلة، ومضر بميم مضمومة وضاد معجمة غير منصرف، وهو ابن نزار بن معد بن عدنان (واجعلها) قال الزركشي: الضمير للوطأة أو للأيام وإن لم يسبق له ذكر لما دل عليه المفعول الثاني الذي هو سنين. قال في المصابيح: ولا مانع من أن يجعل عائدًا على السنين لا إلى الأيام التي دلّت عليها سنين، وقد نصوا على جواز عود الضمير على المتأخر لفظًا ورتبةً إذا كان مخبرًا عنه بخبر يفسره، مثل ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن﴾ من هذا القبيل. انتهى. أي واجعل السنين (عليهم سنين) جمع سنة، والمراد بها هنا زمن القحط (كسني يوسف) الصديق ﵇ السبع الشداد في القحط، وامتداد زمان المحنة والبلاء، وبلوغ غاية الجهد والضراء، وأسقط نون سنين للإضافة جريًا على اللغة الغالبة فيه. وهي إجراؤه مجرى جمع المذكر السالم، لكنه شاذ لكونه غير عاقل، ولتغيير مفرده بكسر أوّله. ولهذا أعربه بعضهم بحركات على النون، كالمفرد كقوله: دعاني من نجد فإن سنينه … لعبن بنا شيبًا وشيَّبننا مُردا وليس قوله: سنين عند أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر كما في الفرع وأصله. (وأهل المشرق يومئذٍ من مضر مخالفون له) ﵊. ورواة هذا الحديث ما بين حمصي ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود والنسائي في الصلاة. ٨٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ مِنْ فَرَسٍ- فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا وَقَعَدْنَا. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: صَلَّيْنَا قُعُودًا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا جَاءَ بِهِ مَعْمَرٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ لَقَدْ حَفِظَ. كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ وَلَكَ الْحَمْدُ، حَفِظْتُ مِنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ. فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَأَنَا عِنْدَهُ: فَجُحِشَ سَاقُهُ الأَيْمَنُ". وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني البصري (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (غير مرة) تأكيد لروايته (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: سمعت أنس بن مالك) ﵁ (يقول: سقط رسول الله ﷺ عن فرس وربما قال سفيان) بن عيينة: (من) بدل عن، وللأصيلي: وربما قال من (فرس) فأسقط لفظ سفيان، (فجحش) بضم الجيم وكسر الحاء آخره شين معجمة، أي خدش (شقه الأيمن، فدخلنا عليه) حال كوننا (نعوده، فحضرت الصلاة، فصلّى بنا) ﵊ حال كونه (قاعدًا، وقعدنا) بالواو، وللأصيلي: فقعدنا. (وقال سفيان) بن عيينة (مرة: صلينا قعودًا) مصدر أو جمع قاعدًا (فلما قضى) ﵊ (الصلاة) أي فرغ منها، (قال) ﵊: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) بالواو، أي بعد قوله: سمع الله لمن حمده (وإذا سجد فاسجدوا). (كذا) ولغير أبي ذر والأصيلي: قال سفيان، أي لعلي المديني مستفهمًا له بهمزة مقدرة قبل قوله: كذا (جاء به معمر) بفتح الميمين، ابن راشد البصري، قال عليّ: (قلت: نعم) جاء به معمر. كذا قال الحافظ ابن حجر، كأن مستند عليّ في ذلك رواية عبد الرزاق عن معمر، فإنه من مشايخه بخلاف معمر فإنه لم يدركه، وإنما يروي عنه بواسطة وكلام الكرماني يوهم خلاف ذلك. انتهى. قلت: بل صرّح به البرماوي حيث قال: فابن المديني كما يرويه عن سفيان، عن الزهري، يرويه عن معمر عن الزهري. وما قاله الحافظ يردّه. (قال) سفيان: والله (لقد حفظ) معمر عن الزهري حفظًا صحيحًا متقنًا. (كذا قال الزهري) أي: كما قال معمر: (ولك الحمد) بالواو وفيه إشارة إلى أن بعض أصحاب الزهري لم يذكر الواو. وأراد سفيان بهذا الاستفهام تقرير روايته برواية معمر له، وفيه تحسين حفظه. قال سفيان بن عيينة (حفظت) ولابن عساكر: وحفظت أي: من الزهري أنه قال: فجحش (من شقه الأيمن، فلما خرجنا من عند) ابن شهاب (الزهري، قال ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أنا عنده) أي عند الزهري: فقال: (فجحش ساقه الأيمن) بلفظ: الساق بدل الشق، فهو عطف على مقدّر، أو جملة حالية من فاعل قال مقدّرًا. أي: قال الزهري وأنا عنده: ويحتمل أن يكون هذا مقول سفيان لا مقول ابن

стр. 633

جريج والضمير حينئذٍ راجع للزهري. قاله البرماوي كالكرماني. قال في فتح الباري: وهذا أقرب إلى الصواب، ومقول ابن جريج هو: فجحش إلخ … ورواة هذا الحديث ما بين بصري ومكي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والسماع، وسبق في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به، والله أعلم. ١٢٩ - باب فَضْلِ السُّجُودِ ٨٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا "أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلاَّ الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ، وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ -وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ- مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ. فَيُعْطِي اللَّهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا، سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: لَا، وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ. فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ فَيَقُولُ اللَّهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَضْحَكُ اللَّهُ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى. حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ : مِن كَذَا وَكَذَا -أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ- حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: - إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ قَوْلَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ» ". [الحديث ٨٠٦ - طرفاه في: ٦٥٧٣، ٧٤٣٧]. (باب فضل السجود). وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) أي ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة) ﵁ (أخبرهما أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى) أي نبصر (ربنا يوم القيامة؟ قال) ﵊: (هل تمارون) بضم التاء والراء، من المماراة، وهي: المجادلة وللأصيلي: تمارون، بفتح التاء والراء، وأصله. تتمارون حذفت إحدى التاءين. أي هل تشكون (في) رؤية (القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب)؟ (قالوا: لا يا رسول الله. قال): (فهل تمارون) بضم التاء والراء أو بفتحهما (في الشمس) ولأبي ذر والأصيلي: في رؤية الشمس (ليس دونها سحاب) (قالوا: لا. قال): وللأصيلي: قالوا: لا يا رسول الله. قال. (فإنكم ترونه) تعالى (كذلك) بلا مرية ظاهرًا جليًّا ينكشف تعالى لعباده بحيث تكون نسبة ذلك الانكشاف إلى ذاته المخصوصة، كنسبة الإبصار إلى هذه المبصرات المادّية، لكنه يكون مجرّدًا عن ارتسام صورة المرئي، وعن اتصال الشعاع بالمرئي، وعن المحاذاة، والجهة، والمكان لأنها وإن كانت أمورًا رزمة للرؤية عادة، فالعقل يجوّز ذلك بدونها، (ويحشر الناس يوم القيامة فيقول): الله تعالى، أو: فيقول القائل (من كان يعبد شيئًا فليتبع) بتشديد المثناة الفوقية وكسر الموحدة، ولأبوي ذر والوقت: فليتبعه، بضمير المفعول مع التشديد والكسر، أو التخفيف مع الفتح، وهو الذي في اليونينية لا غير (فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت) جمع طاغوت، الشيطان أو الصنم، أو كل رأس في الضلال أو كل ما عبد من دون الله، وصدّ عن عبادة الله، أو الساحر، أو الكاهن، أو مردة أهل الكتاب، فعلوت من الطغيان، قلب عينه ولامه (وتبقى هذه الأمة) المحمدية (فيها منافقوها) يستترون بها كما كانوا في الدنيا، واتبعوهم لما انكشفت لهما الحقيقة لعلهم ينتفعون بذلك، حتى ﴿ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ (فيأتيهم الله أي يظهر لهم في غير صورته، أي: في غير صفته التي يعرفونها من الصفات التي تبعدهم بها عن الدنيا امتحانًا منه، ليقع التمييز بينهم وبين غيرهم ممن يعبد غيره تعالى، (فيقول: أنا ربكم) فيستعيذون بالله منه لم يظهر لهم بالصفات التي يعرفونها بل بما استأثر بعلمه تعالى، لأن معهم منافقين لا يستحقون الرؤية، وهم من ربهم محجوبون، (فيقولون: هذا مكاننا) بالرفع خبر المبتدأ الذي هو اسم الإشارة (حتى يأتينا) يظهر لنا (ربنا، فإذا جاء) ظهر (ربنا عرفناه، فيأتيهم الله) ، أي: يظهر متجليًّا بصفاته المعروفة عندهم، وقد تميز المؤمن من المنافق (فيقول: أنا ربكم) فإذا رأوا ذلك عرفوه به تعالى (فيقولون: أنت ربنا). ويحتمل أن يكون الأوّل قول المنافقين، والثاني قول المؤمنين. وقيل: الآتي في الأوّل ملك، ورجحه عياض أي: يأتيهم ملك الله، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعورض بأن الملك معصوم، فكيف يقول: أنا ربكم. وأجيب: بأنّا لا نسلم عصمته من هذه الصغيرة، وردّ بأنه يلزم منه أن يكون قول فرعون: أنا ربكم من الصغائر، فالصواب ما سبق. (فيدعوهم) ربهم، (فيضرب) بالفاء وضم الياء وفتح الراء مبنيًّا للمفعول، ولأبوي ذر والوقت وذر والأصيلي وابن عساكر: ويضرب (الصراط بين ظهراني جهنم) بفتح الظاء وسكون الهاء وفتح النون، أي ظهري، فزيدت الألف والنون للمبالغة، أي على وسط جهنم (فأكون أوّل من يجوز) بالواو، وفي بعض النسخ: يجيز، بالياء مع ضم أوّله، وهي لغة في: جاز. يقال: جاز بمعنى، أي: يقطع مسافة الصراط. (من الرسل) عليهم الصلاة والسلام

стр. 634

(بأمته، ولا يتكلم) لشدّة الهول (يومئذ) أي حال الإجازة على الصراط (أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ) على الصراط: (اللهم سلّم سلّم) شفقة منهم على الخلق ورحمة (وفي جهنم كلاليب) جمع كلوب، بفتح الكاف وضم اللام (مثل شوك السعدان) بفتح أوّله، نبت له شوك من جيد مراعي الإبل، يضرب به المثل فيقال: مرعى ولا كالسعدان. (هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم) رأيناه (قال: فإنها) أي الكلاليب (مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله) تعالى، (تخطف) بفتح الطاء في الأفصح، وقد تكسر، وللكشميهني: فتختطف بالفاء في أوّله وفوقية بعد الخاء وكسر الطاء، أي تأخذ (الناس) بسرعة (بأعمالهم) أي بسبب أعمالهم السيئة، أو على حسب أعمالهم، أو بقدرها (فمنهم من يوبق) بموحدة، مبنيًّا للمفعول، أي: يهلك (بعمله) وقال الطبري: يوثق بالمثلثة، من الوثاق، (ومنهم من يخردل) بخاء معجمة ودال مهمة، وعن عبيد بالذال المعجمة، أي يقطع صغارًا كالخردل، والمعنى: أنه تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي إلى النار، وللأصيلي: بالجيم، من الجردلة، بمعنى: الإشراف على الهلاك (ثم ينجو، حتى إذا أراد الله) (رحمة من أراد من أهل النار) أي الداخلين فيها وهم المؤمنون الخلص، إذ الكافر لا ينجو منها أبدًا، (أمر الله الملائكة أن يخرجوا) منها (من كان يعبد الله) وحده، (فيخرجونهم) منها، (ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله) (على النار أن تأكل أثر السجود) أي موضع أثره، وهي الأعضاء السبعة، أو الجهة خاصة لحديث، إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم، رواه مسلم: وهذا موضع الترجمة. واستشهد له ابن بطال بحديث: أقرب ما يكون العبد إذا سجد، وهو واضح. وقال الله تعالى ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩]. وقال بعضهم: إن الله تعالى يباهي بالساجدين من عبيده ملائكته المقرّبين. يقول لهم: يا ملائكتي أنا قربتكم ابتداءً، وجعلتكم من خواص ملائكتي، وهذا عبدي جعلت بينه وبين القربة حجبًا كثيرة، وموانع عظيمة مِن أغراض نفسية، وشهوات حسيّة، وتدبير أهل ومال وأهوال، فقطع كل ذلك وجاهد حتى سجد واقترب، فكان من المقربين. قال: ولعن الله إبليس لإبائه عن السجود لعنة أبلسه بها وآيسه من رحمته إلى يوم القيامة. اهـ. وعورض بأن السجود الذي أمر به إبليس لا تعلم هيئته ولا تقتضي اللعنة اختصاص السجود بالهيئة العرفية، وأيضًا فإبليس إنما استوجب اللعنة بكفره حيث جحد ما نص الله عليه من فضل آدم، فجنح إلى قياس فاسد يعارض به النص، ويكذبه، ولعنه الله. قاله ابن المنير: (فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار) أي: فكل أعضاء ابن آدم تأكلها النار (إلا أثر السجود) أي: مواضع أثره (فيخرجون من النار قد امتحشوا) بالمثناة الفوقية والمهملة المفتوحتين والشين المعجمة، بالبناء للفاعل، وفي بعض النسخ: امتحشوا، بضم المثناة وكسر الحاء، بالبناء للمفعول. أي: احترقوا واسودّوا. (فيصب عليهم) بضم المثناة مبنيًّا للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله: (ماء الحياة) الذي من شرب منه أو صب عليه لم يمت أبدًا، (فينبتون كما تنبت الحبة) بكسر الحاء المهملة. بزور الصحراء مما ليس بقوت (في حميل السيل) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم، ما جاء به من طين ونحوه. شبه به لأنه أسرع في الإنبات (ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد)، الإسناد فيه مجازي، لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فالمراد إتمام الحكم بين العباد بالثواب والعقاب، (ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة) حال كونه (مقبلاً بوجهه قبل النار) بكسر القاف وفتح الموحدة: أي: جهتها. ولغير أبوي ذر والوقت وابن عساكر: مقبل بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مقبل (فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار) وللحموي والمستملي: من النار (قد) ولأبي ذر: فقد (قشبني) بقاف فشين معجمة مخففة فموحدة مفتوحات، والذي في اللغة بتشديدة الشين، أي سمني وأهلكني (ريحها)، وكل مسموم قشيب، أي: صار

стр. 635

ريحها كالسم في أنفي (وأحرقني ذكاؤها) بفتح الذال المعجمة والمد، وهو الذي في فرع اليونينية. قال النووي، وهو الذي وقع في جميع الروايات، أي: أحرقني لهبها واشتعالها وشدة وهجها، ولأبي ذر، مما في هامش الفرع، وصحح عليه: ذكاها بالفتح والقصر. قال النووي: وهو الأشهر في اللغة، وذكر جماعة أنهما لغتان. اهـ. وعورض بأن ذكا النار مقصور يكتب بالألف، لأنه من الواو من قولهم: ذكت النار تذكو ذكوًا، فأما ذكاء بالمدّ فلم يأت عنهم في النار، وإنما جاء في الفهم. (فيقول) الله تعالى: (هل عسيت) بفتح السين وكسرها، وهي لغة مع تاء الفاعل مطلقًا، ومع نا، ومع نون الإناث، نحو: عسينا وعسين، وهي لغة الحجاز، لكن قول الفراء: لست أستحبها لأنها شاذة يأبى كونها حجازية. وأجيب بأن المراد بكونها شاذة أي: قليلة بالنسبة إلى الفتح، وإن ثبتت فعند أقلهم جمعًا بين القولين. (إن فعل ذلك) الصرف الذي يدل عليه قوله الآتي، إن شاء الله تعالى: الصرف وجهي عن النار. والهمزة من أن مكسورة حرف شرط، وفعل بضم الفاء وكسر العين، مبنيًّا للمفعول، (بك أن تسأل) بفتح همزة أن الخفيفة، وتاليها نصب بها (غير ذلك) بالنصب بتسأل. (فيقول) الرجل: (لا، و) حق (عزتك) لا أسأل غيره، (فيعطي الله) أي الرجل (ما يشاء) بياء المضارعة، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: ما شاء، (من عهد) يمين (وميثاق، فيصرف الله) تعالى (وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها) أي: حسنها ونضارتها، وهذه الجملة بدل من جملة: أقبل على الجنة (سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب قدّمني عند باب الجنة. فيقول الله) . (له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق) اسم ليس ضمير الشأن، ولأبي ذر والأصيلي: والمواثيق (أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب) أعطيت العهود، لكن كرمك يطمعني (لا أكون أشقى خلقك). قال الكرماني: أي لا أكون كافرًا، وللكشميهني: لا أكونن. وقال السفاقسي: المعنى: إن أنت أبقيتني على هذه الحالة ولا تدخلني الجنة، لأكونن أشقى خلقك الذين دخلوها. والألف زائدة في: لا أكون. (فيقول) الله: (فما عسيت) بكسر السين وفتحها. (إن أعطيت ذلك): التقديم إلى باب الجنة (أن لا تسأل غيره). بكسر همزة إن الأولى: شرطية، وفتح الثانية: مصدرية وضم همزة أعطيت، ولا زائدة كهي في ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ [الحديد: ١٢٩] أو أصلية. وما في قوله: فما عسيت نافية، ونفي النفي إثبات، أي: عسيت أن تسأل غيره. وأن لا تسأل خبر عسى وذلك: مفعول ثان لأعطيت، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: أن تسأل، بإسقاط لا. فما استفهامية، وإنما قال الله تعالى ذلك، وهو عالم كان وما يكون، إظهارًا لا عهد من بني آدم من نقض العهد، وأنهم أحق بأن لهم ذلك، فمعنى عسى راجع للمخاطب لا إلى الله تعالى. (فيقول) الرجل (لا و) حق (عزتك لا أسأل) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: لا أسالك، (غير ذلك فيعطي) الرجل (ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه) الله (إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها) بفاء العطف على بلغ، كقوله (وما فيها من النضرة) بالضاد المعجمة الساكنة، أي البهجة (والسرور) تحير، (فيسكت ما شاء الله أن يسكت)، بالفاء التفسيرية، وأن مصدرية أي: ما شاء الله سكوته حياءً من ربه، وهو تعالى يحب سؤاله لأنه يحب صوته، فيباسطه بقوله: لعلك إن أعطيت هذا تسأل غيره؟ وهذه حالة المقصر، فكيف حالة المطيع. وليس نقض هذا العبد عهده جهلاً منه، ولا قلة مبالاة، بل علمًا منه أن نقض هذا العهد أولى من الوفاء، لأن سؤاله ربه أولى من إبرار قسمه. قال ﵊: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير. وجواب إذا محذوف وتقديره نحو: تحير كما مر. (فيقول: يا رب أدخلني الجنة. فيقول الله) : (ويحك) نصب بفعل محذوف، وهي كلمة رحمة، كما أن ويلك كلمة عذاب (يا ابن آدم ما أغدرك!) صيغة تعجب من الغدر، وهو ترك الوفاء (أليس قد أعطيت العهد والميثاق) بفتح

стр. 636

الهمزة والطاء مبنيًّا للفاعل وللكشميهني العهود والمواثيق (أن لا تسأل غير الذي أعطيت)؟ بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك. فيضحك الله منه) أي من فعل هذا الرجل، وليس في رواية الأصيلي لفظ: منه. والمراد من الضحك هنا لازمه، وهو كتاب الرضا وإرادة الخير كسائر الإسنادات في مثله مما يستحيل على الباري تعالى، فإن المراد لوازمها (ثم يأذن له) الله تعالى (في دخول الجنة. فليقول له: تمنّ، فيتمنى. حتى إذا انقطع) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني: انقطعت (أمنيته قال الله له: (زاد من كذا وكذا) أي: من أمانيك التي كانت لك قبل أن أذكرك بها، ولابن عساكر: تمنّ، بدل: زد (أقبل يذكره ربه الأماني بدل من قوله: قال الله زد (حتى إذا انتهت به الأماني) بتشديد الياء، جمع أمنية (قال الله تعالى) له: (لك ذلك) الذي سألته من الأماني (ومثله معه) جملة حالية من المبتدأ والخبر. (قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة ﵄: إن رسول الله ﷺ قال): (قال الله) عز وجل (لك ذلك وعشرة أمثاله) أي: أمثال ما سألت. (قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله ﷺ إلاّ قوله): (لك ذلك ومثله معه) وللحموي والمستملي: لم أحفظه بضمير المفعول. (قال أبو سعيد الخدري: إني سمعته يقول): (ذلك لك) وللكشميهني لك ذلك (وعشرة أمثاله). ولا تنافي بين الروايتين، فإن الظاهر أن هذا كان أوّلاً، ثم تكرم الله فأخبر به ﵊ ولم يسمعه أبو هريرة. ورواة هذا الحديث الستة ما بين حمصي ومدني، وفيه ثلاثة من التابعين، والتحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في صفة الجنة ومسلم في الإيمان. ١٣٠ - باب يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ هذا (باب) بالتنوين (يبدي) بضم المثناة التحتية وسكون الموحدة، أي يظهر الرجل المصلي (ضبعيه) بفتح الضاد المعجمة وسكون الموحدة، تثنية ضبع، أي وسط عضديه أو اللحمتين تحت إبطيه (ويجافي) أي: يباعد بطنه عن فخذيه (في السجود) وخرج بالرجل المرأة والخنثى فلا يجافيان بل يضمان بعضهما إلى بعض، لأنه أستر لها وأحوط له. ٨٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ". وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ. وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) ولأبي ذر: يحيى بن عبد الله بن بكير (قال: حدّثني) بالإفراد. وللأصيلي: حدّثنا (بكر بن مضر) بفتح الموحدة وسكون الكاف في الأوّل، وضم الميم وفتح المعجمة غير منصرف في الثاني (عن جعفر) هو ابن ربيعة (عن ابن هرمز) عبد الرحمن الأعرج (عن عبد الله بن مالك ابن بحينة) صفة لعبد الله لأنها أمه لا لمالك، فيكتب ابن بالألف وتنوين مالك: (أن النبي ﷺ كان إذا صلّى فرج بين يديه) بتشديد الراء، أي نحَّى كل يد عن الجنب الذي يليها (حتى يبدو بياض إبطيه) لأنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان. وفي حديث ميمونة المروي في مسلم: كان ﷺ يجافي يديه فلو أن بهيمة أرادت أن تمرّ لمرّت. وفي حديث عائشة مما روي في مسلمًا أيضًا: كان النبي ﷺ ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وفي حديت البراء عند مسلم أيضًا، رفعه: إذا سجدت فضع كفّيك وارفع مرفقيك، وظاهرهما الوجوب. وقول الحافظ ابن حجر أن حديث أبي هريرة عند أبي داود: شكا أصحاب النبي ﷺ له مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: استعينوا بالركب، أي بوضع المرفقين على الركبتين، كما فسره ابن عجلان أحد رواته، وترجم له أبو داود بالرخصة في ترك التفريج يدل على الاستحباب فيه نظر، لأن ظاهره الرخصة مع وجود العذر، وهو المشقّة عليهم. لكن في مصنف ابن أبي شيبة، عن ابن عون قال: قلت لمحمد: الرجل يسجد إذا اعتمد بمرفقيه على ركبتيه؟ قال: ما أعلم به بأسًا، وكان ابن عمر يضم يديه إلى جنبيه إذا سجد، وسأله رجل: أأضع مرفقيّ على فخذي إذا سجدت؟ فقال: اسجد كيف تيسر عليك. وقال الشافعي في الأم: يسن للرجل أن يجافي مرفقيه عن جنبيه ويرفع بطنه عن فخذيه. (وقال الليث) بن سعد: (حدّثني جعفر بن

стр. 637

ربيعة، نحوه) وصله مسلم بلفظ: كان إذا سجد فرج يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه. ١٣١ - باب يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ. قَالَهُ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -. هذا (باب) بالتنوين (يستقبل) المصلي حال سجوده (بأطراف رجليه القبلة)، وللأصيلي وأبي ذر: باب يستقبل القبلة بأطراف رجليه، بأن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما، وعقبيه مرتفعتين، فيستقبل بظهور قدميه القبلة، ومن ثم ندب ضم الأصابع في السجود لأنها لو تفرقت انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة، (قاله) أي الاستقبال المذكور (أبو حميد)، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: الساعدي، (عن النبي ﷺ ¬). وهذا الباب والذي قبله ثبتا في الفرع كأصله وفي كثير من الأصول، وسقطا في بعضهما. قال الكرماني: لأنهما ذكرا مرة قبل باب: فضل استقبال القبلة، وتعقب بأنه لم يذكر هناك إلا قوله: باب يبدي ضبعيه ويجافي جنبيه في السجود. وأما الباب الثاني فلم يذكر هناك ترجمة، فلهذا كان الصواب إثباتهما. ١٣٢ - باب إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يتم) الصلي (السجود) ولأبي ذر سجوده. ٨٠٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ "رَأَى رَجُلاً لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ. فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ. قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ". وبه قال: (حدّثنا الصلت بن محمد) البصري الخاركي، نسبة إلى خارك، بالخاء المعجمة والراء، من سواحل البصرة (قال: حدّثنا مهدي) الأزدي، وللأصيلي: مهدي بن ميمون، (عن واصل) الأحدب (عن أبي وائل) بالهمز: شقيق بن سلمة، (عن حذيفة) بن اليمان ﵁ (أنه رأى رجلاً) حال كونه (لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته) أي أدّاها (قال له حذيفة: ما صليت) نفى الصلاة عنه لأن الكل ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء إتمام الركوع والسجود مستلزم لانتفائهما المستلزم لانتفاء الصلاة. (قال) أبو وائل: (وأحسبه) بالواو أي حذيفة ولأبي ذر: فأحسبه (قال: ولو) بواو قبل اللام، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي: لو (مت)، وللحموي والمستملي: لمت (على غير سُنة محمد ﷺ ¬) أي طريقته. ١٣٣ - باب السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ (باب السجود على سبعة أعظم). ٨٠٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا، وَلَا ثَوْبًا: الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ". [الحديث ٨٠٩ - أطرافه في: ٨١٠، ٨١٢، ٨١٥، ٨١٦]. وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وبالصاد المهملة، ابن عقبة بن عامر الكوفي (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (عن عمرو بن دينار عن طاوس) هو ابن كيسان (عن ابن عباس) ﵄: (أمر النبي) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول، أي أمر الله النبي، وهو يقتضي الوجوب، وعرف ابن عباس هذا بإخباره ﵊ له أو لغيره، ولابن عساكر أنه قال: أمر النبي (¬ ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء)، عبر في الترجمة بسبعة أعظم، فسمى كل واحد عظمًا باعتبار الجملة. وإن اشتمل كل واحد على عظام، ويجوز أن يكون من باب تسمية الجملة باسم بعضها، نعم. وقع في رواية الأصيلي هنا: على سبعة أعظم (ولا يكف) أي ولا يضم ولا يجمع (شعرًا) لرأسه (ولا ثوبًا) بيديه عند الركوع والسجود في الصلاة، وهذا ظاهر الحديث وإليه مال الداودي. وردّه القاضي عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصلاة أو خارجها، والنهي هنا محمول على التنزيه، والحكمة فيه أن الشعر والثوب يسجد معه، أو أنه إذا رفع شعره أو ثوبه عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر. وقوله: يكف بضم الكاف والفعل منصوب عطفًا على المنصوب السابق، وهو أن يسجد، أي أمره الله أن يسجد، وأن لا يكفه وهذا هو الذي في الفرع، ويجوز رفعه على أن الجملة مستأنفة، وهي معترضة بين المجمل، وهو قوله: سبعة أعضاء، والفسر وهو قوله: (الجبهة) بالكسر عطف بيان لقوله: سبعة أعضاء، وكذا ما بعدها عطف عليها، وهو قوله: (واليدين) أي، وباطن الكفّين (والركبيتن و) أطراف أصابع (الرجلين). فلو أخلّ المصلي بواحد من هذه السبعة بطلت صلاته. نعم، في السجود على اليدين والركبتين والرجلين قولان عند الشافعية، صحح الرافعي الاستحباب فلا يجب، لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها، كالجبهة ولا يجب الإيماء، فلا يجب وضعها. واستدلّ له بعضهم بحديث المسيء صلاته حيث قال فيه: ويمكن جبهته. وأجيب بأن غايته أنه مفهوم لقب، والمنطوق مقدم عليه، وليس هو

стр. 638

من باب تخصيص العموم. وصحح النووي الوجوب لحديث الباب وهو مذهب أحمد وإسحاق، ويكفي وضع جزء من كل واحد منها. والاعتبار في اليدين بباطن الكفّين سواء الأصابع والراحة، وفي الرجلين ببطون الأصابع، ولا يجب كشف شيء منها إلا الجبهة. نعم: يسن كشف اليدين والقدمين لأن في سترهما منافاة للتواضع، ويكره كشف الركبتين لما يحذر من كشف العورة، فإن قلت: ما الحكمة في عدم وجوب كشف القدمين؟ أجيب: بأن الشارع وقت المسح على الخف بمدة يقع فيها الصلاة بالخف، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخف المقتضي لنقض الطهارة، فتبطل الصلاة. وعورض بأن المخالف له أن يقول يخص لابس الخف لأجل الرخصة. ٨١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا». وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) هو ابن دينار (عن طاوس) هو ابن كيسان (عن ابن عباس) أيضًا، ﵄ (عن النبي ﷺ قال) (أمرنا) بضم الهمزة أي: أنا وأمتي (أن نسجد على سبعة أعظم) أي أعضاء كما في الرواية الأخرى (ولا نكف ثوبًا ولا شعرًا) بنصب نكف ورفعها كما مرّ. ٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قال: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ -وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ". وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني، بالإفراد، وللأصيلي: أخبرنا، بالجمع (إسرائيل) بن يونس (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله بفتح العين فيهما، الكوفي (عن عبد الله بن يزيد الخطمي) بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة وكسر الميم، وسقط لفظ: الخطمي في رواية أبي ذر والأصيلي (قال: حدّثنا البراء بن عازب، وهو غير كذوب قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ ، فإذا قال): (سمع الله لمن حمده لم يحن) بفتح الياء وكسر النون وضمها أي لم يقوّس (أحد منا) ولابن عساكر: أحدنا (ظَهره حتى يضع النبي ﷺ جبهته) الشريفة (على الأرض). هذا موضع الترجمة، وخص الجبهة بالذكر لأنها أدخل في الوجوب من بقية الأعضاء السبعة ولذا لم يختلف في وجوب السجود بها. واختلف في غيرها من بقية الأعضاء وليس فيه ما ينفي الزيادة في غيره، أو أن العادة وضع الجبهة إنما هو بالاستعانة بالستة الأعضاء الأخرى غالبًا. ١٣٤ - باب السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ (باب السجود على الأنف). وسقط للاّصيلي الباب والترجمة. ٨١٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ- وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ. وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ». وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي البصري، ولابن عساكر: العلى بزيادة أل (قال: حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد الباهلي البصري (عن عبد الله بن طاوس عن أبيه) طاوس (عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ ¬): (أمرت) بضم الهمزة (أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة) أي: أسجد على الجبهة، حال كون السجود على سبعة أعظم، فلفظ على الثانية متعلق بمحذوف كما مرّ، والأولى متعلقة بأمرت. (وأشار) ﵊ (بيده على أنفه) كأنه ضمن أشار معنى: أمرّ بتشديد الراء، فلذا عدّاه بعلى دون: إلى. ووقع في بعض الأصول من رواية كريمة هنا بلفظ: إلى بدل: على وعند النسائي من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس قال: ووضع يده على جبهته، وأمرّها على أنفه، وقال: هذا واحد أي أنهم كالعضو الواحد، لأن عظم الجبهة هو الذي منه عظم الأنف، والألزم أن تكون الأعضاء ثمانية وعورض بأنه يلزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف، كما يكتفي بالسجود على بعض الجبهة. وأجيب: بأن الحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد، فذاك في التسمية والعبارة لا في الحكم الذي دلّ عليه الأمر وعند أبي حنيفة يجزئ أن يسجد عليه دون جبهته، وعند الشافعية والمالكية والأكثرين: يجزئ على بعض الجبهة. ويستحب على الأنف. قال الخطابي: لأنه إنما ذكر بالإشارة فكان مندوبًا، والجبهة هي الواقعة في صريح اللفظ فلو ترك السجود على الأنف جاز ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز. وقال أبو حنيفة، وابن القاسم: له أن يقتصر على أيّهما شاء. وقال الحنابلة وابن حبيب: يجب عليهما الظاهر، الحديث. وأجيب: بأن ظاهره أنهما في حكم عضو واحد كما مرّ، وقوله: وأشار بيده إلى آخره جملة معترضة بين المعطوف عليه، وهو: الجبهة، والمعطوف وهو قوله: (واليدين)

стр. 639

أي باطن الكفّين (والركبتين وأطراف) أصابع (القدمين، ولا نكفت الثياب و) لا (الشعر) بفتح النون وسكون الكاف وكسر الفاء آخره مثناة فوقية والنصب، وهو بمعنى: الكف في السابقة، ومنه ﴿ألم نجعل الأرض كفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] أي كافتة. اسم لما يكفت، أي: يضم ويجمع. ١٣٥ - باب السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ وَالسُّجُودِ عَلَى الطِّينِ (باب السجود على الأنف) حال كونه (في الطين) كذا للأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذر عن الحموي والكشميهني، زاد المستملي: والسجود على الطين، والأول أحسن لئلا يلزم التكرار. ٨١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقُلْتُ أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ؟ فَخَرَجَ. فَقَالَ: "قُلْتُ حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. قَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَرْجِعْ فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ. وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ". وبه قال (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي (قال: حدّثنا همام) هو: ابن يحيى (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (قال: انطلقت إلى أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ (فقلت،: ألا تخرج بنا إلى النخل) وللأصيلي: ألا تخرج إلى النخل، حال كوننا (نتحدث) بالجزم، في الفرع ولأبي ذر نتحدث، بالرفع (فخرج، فقال): ولأبي ذر والأصيلي: قال (قلت) وللأصيلي، وأبي الوقت فقلت: (حدّثني ما سمعت من النبي ﷺ في ليلة القدر، قال: اعتكف رسول الله) وللأصيلي النبي (¬ ﷺ عشر الأُول) بضم الهمزة وتخفيف الواو، بإضافة العشر لتاليه، وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر وأبي الوقت: العشر الأُول، وفي بعض النسخ كما في المصابيح: اعتكف رسول الله ﷺ الأوّل، بغير موصوف، والهمزة مفتوحة (من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل) ﵊ (فقال: إن الذي تطلب) هو (أمامك) بفتح الميم الثانية أي قدامك. (فاعتكف العشر الأوسط) كذا في أكثر الروايات، والمراد بالعشر: الليالي، وكان من حقها أن توصف بلفظ التأنيث، ووصفت بالمذكر على إرادة الوقت، أو الزمان، أو التقدير الثلث، كأنه قال: ليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر (فاعتكفنا) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: واعتكفنا (معه فأتاه جبريل) ﵊ (فقال) له: (إن الذي تطلب) هو (أمامك قام) كذا لأبي ذر، وللأصيلي: فقام، وفي رواية: ثم قام (النبي ﷺ ¬) حال كونه (خطيبًا صبيحة عشرين) نصب على الظرفية، أي في صبيحة عشرين (من رمضان، فقال) ﵊: (من اعتكف مع النبي ﷺ ¬) أي معي، فهو من باب الالتفات من التكلم للغيبة، (فليرجع) إلى الاعتكاف (فإني أُريت) بهمزة مضمومة قبل الراء على البناء لغير معين من الرؤيا، أي أعلمت، أو من الرؤية. وللحموي والمستملي: فإني رأيت، أي: أبصرت (ليلة القدر) وإنما رأى علامتها، وهي السجود في الماء والطين (وإني نسيتها) بضم النون وتشديد السين المهملة المكسورة، وفي بعض النسخ: أنسيتها، بهمزة مضمومة. ففي الروايتين أنه نسيها بواسطة، ولأبي ذر: نسيتها بفتح النون وتخفيف السين: أي نسيتها من غير واسطة، والمراد أنه نسي علم تعيينها في تلك السنة (وأنها في العشر الأواخر في وتر) جمع آخره، قال في المصابيح وهذا جارٍ على القياس، قال ابن الحاجب: ولا يقال هنا جمع لأخرى لعدم دلالتها على التأخير الوجودي، وهو مراد وفيه بحث. اهـ. (وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء). (وكان سقف المسجد جريد النخل وما نرى في السماءِ شيئًا) من السحاب (فجاءت قزعة) بفتح القاف والزاي المعجمة والعين المهملة وقد تسكن الزاي، قطعة من سحاب رقيقة (فأمطرنا) بضم الهمزة وكسر الطاء (فصلّى بنا النبي ﷺ ، حتى رأيت أثر الطين والماء) ولابن عساكر: أثر الماء والطين (على جبهة رسول الله) وللأصيلي: على جبهة النبي (¬ ﷺ وأرنبته) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح النون والموحدة، طرف أنفه. وحمله الجمهور على الأثر الخفيف، لكن يعكر عليه قوله في بعض طرقه: ووجهه ممتلئ طينًا وماءً. وأجاب النووي بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة، وقول الخطابي فيه دلالة على وجوب السجود على الجبهة والأنف، ولولا ذلك لصانهما عن لثق الطين. تعقبه ابن المنير بأن الفعل

стр. 640

لا يدل على الوجوب، فلعله أخذنا بالأكمل وأخذه من قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي معارض بأن المندوب في أفعال الصلاة أكثر من الواجب، فعارض الغالب ذلك الأصل. اهـ. وكان ما ذكر من أثر الطين والماء (تصديق رؤياه) ﵊ وتأويلها. وضبطه البرماوي والعيني كالكرماني بالرفع بتقدير: هو. وفي الفرع وأصله، بالنصب فقط. وزاد في رواية ابن عساكر: قال أبو عبد الله، أي المؤلّف، كان الحميدي، أي شيخه، يحتج بهذا الحديث، يقول: لا يمسح المساجد جبهته من أَثر الأرض. وأخرج المؤلّف الحديث في الصلاة والصوم والاعتكاف، ومسلم في الصوم، وأبو داود في الصلاة، والنسائي في الاعتكاف، وابن ماجة في الصوم. ١٣٦ - باب عَقْدِ الثِّيَابِ وَشَدِّهَا وَمَنْ ضَمَّ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِذَا خَافَ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ (باب عقد الثياب وشدها) عند الصلاة. (ومن ضم إليه ثوبه) من المصلين (إذا خاف) وللأصيلي: مخافة (أن تنكشف عورته) أي خوف انكشاف عورته وهو في الصلاة، وهذا يومئ إلى أن النهي الوارد عن كفّ الثياب في الصلاة محمول على حالة غير الاضطرار. ٨١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: "كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا". وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة (قال: أخبرنا سفيان) الثوري (عن أبي حازم) بالحاء المهملة، سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الساعدي (قال: كان الناس يصلون مع النبي ﷺ وهم عاقدو) بالرفع خبر المبتدأ مضاف إلى (أزرهم) بضم الهمزة والزاي: وبسكونها في اليونينية وكسر الراء، جمع إزار. وسقطت نون عاقدون للإضافة. وللحموي والمستملي: عاقدي بالياء نصبًا على الحال. أي وهم مؤتزرون حال كونهم عاقدي أزرهم، فسدّ مسدَّ الخبر، أو خبر كان محذوفة، أي: هم كانوا عاقدي أزرهم (من الصغر) أي من أجل صغر أزرهم (على رقابهم، فقيل للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا) أي جالسين نهاهنّ أن يرفعن رؤوسهن قبل الرجال خوف أن يقع بصرهنّ على عوراتهم. ١٣٧ - باب لَا يَكُفُّ شَعَرًا هذا (باب) بالتنوين (لاّ يكف) بضم الفاء، كذا في فرع اليونينية، كهي وهو الذي ضبطه الحافظ ابن حجر في روايته، قال: وهو الراجح، ويجوز الفتح. وقال الدماميني والبرماوي: بفتح الفاء عند المحدثين وضمها عند المحققين من النحاة، وكذا لا يكف ثوبه في الصلاة أي في الترجمة الآتية. والمعنى: لا يضم المصلي (شعرًا) من رأسه في صلاته. ٨١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا يَكُفَّ ثَوْبَهُ وَلَا شَعَرَهُ". وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي (قال: حدّثنا حماد وهو ابن زيد) وللأصيلي وابن عساكر: حماد بن زيد، ولأبي ذر هو ابن زيد (عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس) ﵄ (قال: أمر النبي ﷺ ¬) بضم الهمزة وكسر الميم (أن يسجد على سبعة أعظم): الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين، (ولا يكف ثوبه ولا شعره) الذي في رأسه. ومناسبة هذه الترجمة لأحكام السجود من جهة أن الشعر يسجد مع الرأس إذا لم يكف أو يلف، وجاء في حكمة النهي عن ذلك أن غرزة الشعر يقعد فيها الشيطان حالة الصلاة، كما سنن أبي داود بإسناد جيد مرفوعًا. ١٣٨ - باب لَا يَكُفُّ ثَوْبَهُ فِي الصَّلَاةِ ٨١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا». هذا (باب) بالتنوين (لا يكف) بالضم أو النصب المصلي، (ثوبه في الصلاة). وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي، وسقط لفظ: إسماعيل عند ابن عساكر (قال: حدّثنا أبو عوانة) الواضح اليشكري (عن عمرو) هو ابن دينار (عن طاوس عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال): (أُمرت) بضم الهمزة (أن أسجد على سبعة) ولابن عساكر: أعظم (لا أكف شعرًا) من رأسي (ولا ثوبًا). ١٣٩ - باب التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ (باب التسبيح والدعاء في السجود). ٨١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) القطان (عن سفيان) الثوري (قال: حدّثني) بالإفراد (منصور) ولأبي ذر والأصيلي: منصور بن المعتمر (عن مسلم) زاد الأصيلي: هو ابن صبيح، أي بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة آخره مهملة أبي الضحى، بضم الضاد المعجمة والقصر (عن مسروق، عن عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهمّ ربنا وبحمدك اللهمّ اغفر لي). (يتأول القرآن) أي يفعل ما أمر به فيه، أي في قوله تعالى:

стр. 641

﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ [النصر: ٣] أي سبح بنفس الحمد لما تضمنه الحمد من معنى التسبيح الذي هو التنزيه لاقتضاء الحمد نسبة الأفعال المحمود عليها إلى الله تعالى. فعلى هذا يكفي في امتثال الأمر الاقتصار على الحمد أو المراد فسبح ملتبسًا بالحمد. فلا يمتثل حتى يجمعهما وهو الظاهر. وفي رواية الأعمش عن أبي الضحى كما في التفسير عند المؤلّف: ما صلّى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلا يقول فيها، الحديث. وهو يقتضي مواظبته ﵊ على ذلك. واستدلّ به على جواز الدعاء في الركوع والسجود والتسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله، ﵊، المروي في مسلم وأبي داود والنسائي أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء. لكن يحتمل أن يكون أمر في السجود بتكثير الدعاء لإشارة قوله: فاجتهدوا فيه في الدعاء. والذي وقع في الركوع من قوله: اللهم اغفر لي، ليس بكثير، فلا يعارض ما أمر به في السجود، وفيه تقديم الثناء على الدعاء. ١٤٠ - باب الْمُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (باب المكث بين السجدتين) ولأبي ذر عن الحموي بين السجود. ٨١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ "أَنَّ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ قَالَ لأَصْحَابِهِ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -قَالَ وَذَاكَ فِي غَيْرِ حِينِ صَلَاةٍ- فَقَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ هُنَيَّةً، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً -فَصَلَّى صَلَاةَ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ شَيْخِنَا هَذَا- قَالَ أَيُّوبُ: كَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ، كَانَ يَقْعُدُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ". وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) السدوسي (قال: حدّثنا حماد) ولأبي ذر والأصيلي: حماد بن زيد (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (أن مالك بن الحويرث) بضم الحاء المهملة وفتح الواو آخره مثلثة (قال لأصحابه: ألا أنبئكم صلاة رسول الله) وللأصيلي: صلاة النبي (¬ ﷺ ¬). الإنباء يتعدى بنفسه، قال تعالى ﴿من أنبأك هذا﴾ وبالباء قال تعالى: ﴿قل أؤنبئكم بخير من ذلكم﴾ [آل عمران: ١٥] (قال) أبو قلابة (وذاك) أي الإنباء الذي دل عليه: أنبئكم (في غير حين صلاة) من الصلوات المفروضة. (فقام) أي: مالك، فأحرم بالصلاة (ثم ركع فكبر ثم رفع رأسه) من الركوع (فقام هنية) بضم الهاء وفتح النون وتشديد المثناة التحتية أي قليلاً (ثم سجد، ثم رفع رأسه هنية) هذا موضع الترجمة، لأنه يقتضي الجلوس بين السجدتين قدر الاعتدال. قال أبو قلابة: (فصلّى صلاة عمرو بن سلمة) بكسر اللام (شيخنا هذا) بالجر عطف بيان لعمرو والمجرور بالإضافة، أي: كصلاته. (قال أيوب) السختياني بالسند المسوق إليه: (كان) أي الشيخ المذكور (يفعل شيئًا لم أرهم يفعلونه، كان يقعد) أي يجلس آخر (الثالثة و) (الرابعة) ذا في الفرع، والرابعة بغير ألف، وعزاها ابن التين لأبي ذر، وقال وأراه غير صحيح. اهـ. ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي مما في الفرع وأصله أو الرابعة، بالشك من الراوي أيّهما قال: والمتردّد فيه واحد، لأن المراد بدء الرابعة، لأن الذي بعدها جلوس التشهد وذلك انتهاء الثالث. وفيه استحباب جلسة الاستراحة، وبه قال الشافعي وإن خالفه الأكثر. ٨١٩ - قَالَ: "فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: «لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ، صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». (قال) ابن الحويرث: أسلمنا أو أرسلنا قومنا (فأتينا النبي ﷺ ، قأقمنا عنده) زاد في رواية ابن عساكر: شهرًا (فقال) ﵊: (لو) أي إذا، أو إن (رجعتم إلى أهليكم) بسكون الهاء. ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي: أهاليكم بفتح الهاء ثم ألف بعدها (صلوا صلاة كذا، في حين كذا، صلوا) وللأصيلي وابن عساكر: وصلوا، لزيادة واو قبل الصاد (صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم). ٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: "كَانَ سُجُودُ النَّبِيِّ ﷺ وَرُكُوعُهُ وَقُعُودُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحيم) المعروف بصاعقة (قال: حدّثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري) بضم الزاي وفتح الموحدة وبالراء بعد المثناة التحتية (قال: حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون المهملة، ابن كدام (عن الحكم) بفتح الحاء والكاف، ابن عتيبة الكوفي (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء) بن عازب أنه (قال كان سجود النبي ﷺ اسم كان وتاليه معطوف عليه، وهو قوله: (وركوعه وقعوده بين السجدتين) أي: كان زمان سجوده وركوعه وجلوسه بين السجدتين (قريبًا من السواء) بالمدّ أي المساواة. قال الخطابي: هذا أكمل صفة صلاة الجماعة، وأما الرجل وحده فله أن يطيل في الركوع والسجود أضعاف ما يطيل بين السجدتين وبين الركوع والسجدة. ٨٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "إِنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي بِنَا -قَالَ ثَابِتٌ: كَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ- كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ". وبه

стр. 642

قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي (قال: حدّثنا حماد بن زيد) هو ابن درهم (عن ثابت) البناني (عن أنس) ﵁، ولأبي ذر والأصيلي زيادة: ابن مالك (قال: إني لا آلو) بمدّ الهمزة وضم اللام، أي: لا أقصر (أن أصلي بكم كما رأيت النبي ﷺ يصلّي بنا قال ثابت: كان أنس) ولأبي ذر والأصيلي: كان أنس بن مالك (يصنع شيئًا في صلاته لم أركم تصنعونه) في صلاتكم (كان إذا رفع رأسه من الركوع قام) فيمكث معتدلاً (حتى يقول القائل: قد نسي) بفتح النون (و) يمكث جالسًا (بين السجدتين، حتى يقول القائل: قد نسي) أي من طول قيامه. قال في فتح الباري: وفيه إشعار بأن من خاطبهم ثابت كانوا لا يطيلون بين السجدتين، ولكن السُّنّة إذا ثبتت لا يبالي من تمسك بها مخالفة من خالفها. ١٤١ - باب لَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَوَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا. هذا (باب) بالتنوين (لا يفترش) بالرفع في الفرع كأصله على النفي، وهو بمعنى النهي، ويجوز الجزم على النهي، أي: لا يبسط المصلي (ذراعيه) أي ساعديه على الأرض، ويتكئ عليهما (في السجود وقال أبو حميد) الساعدي، في حديثه الآتي مطوّلاً إن شاء الله تعالى بعد ثلاثة أبواب: (سجد النبي ﷺ ، ووضع يديه) على الأرض حال كونه (غير مفترش) بأن وضع كفّيه على الأرض وأقل ساعديه غير واضعهما على الأرض (ولا قابضهما) بأن ضمهما إليه غير مجافيهما عن جنبيه، وتسميه الفقهاء بالتخوية. ٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ». وبالسند السابق أوّل الكتاب قال المؤلّف: (حدّثنا محمد بن بشار) بموحدة مفتوحة فمعجمة مشددة ويقال له بندار (قال: حدّثنا محمد بن جعفر) المعروف بغندر (قال: حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) ﵁، صرّح في الترمذي بسماع قتادة له من أنس (عن النبي ﷺ ، قال): (اعتدلوا) أي: توسطوا بين الافتراش والقبض (في السجود، ولا يبسط)، بمثناة تحتية فموحدة ساكنة من غير نون ولا مثناة فوقية (أحدكم ذراعيه) فينبسط (انبساط الكلب) بنون ساكنة فموحدة مكسورة. كذا في رواية ابن عساكر في الكلمتين. وللأكثرين: ولا ينبسط بنون ساكنة بعد المثناة التحتية فموحدة مفتوحة، من باب: ينفعل، انبساط الكلب، بتسكين النون وكسر الموحدة، كرواية ابن عساكر. وللحموي: ولا يبتسط بموحدة ساكنة بعد المثناة التحتية، فمثناة فوقية مفتوحة من غير نون، من باب: يفتعل، ابتساط الكلب، بموحدة ساكنة فمثناة مكسورة من غير نون. والحكمة فيه أنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى، فإن المنبسط يشبه الكسالى، ويشعر حاله بالتهاون، لكن لو تركه صحّت صلاته. نعم، يكون مسيئًا مرتكبًا لنهي التنزيه والله أعلم. والحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. ١٤٢ - باب مَنِ اسْتَوَى قَاعِدًا فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ نَهَضَ (باب من استوى قاعدًا) للاستراحة (في وتر) أي في الركعة الأولى أو الثالثة (من صلاته، ثم نهض) قائمًا. ٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ اللَّيْثِيُّ "أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا". وبه قال: (حدّثنا محمد بن الصباح) بفتح المهملة وتشديد الموحدة، الدولابي (قال: أخبرنا هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، ابن بشير، بفتح الموحدة (قال: أخبرنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد (قال: أخبرنا) وفي رواية لأبي ذر: أخبرني (مالك بن الحويرث الليثي، أنه رأى النبى ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض) إلى القيام (حتى يستوي قاعدًا) للاستراحة. وبذلك أخذ الشافعي، وطائفة من أهل الحديث، ولم يستحبها الأئمة الثلاثة كالأكثر. واحتج الطحاوي له بخلو حديث أبي حميد عنها، فإنه ساقه بلفظ: قام ولم يتورك، وكذا أخرجه أبو داود. وأجابوا عن حديث ابن الحويرث: بأنه، ﵊، كانت به علّة فقعد لأجلها، لا أن ذلك من سُنّة الصلاة، ولو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص. وأجيب: بأن الأصل عدم العلة، وأما الترك فلبيان الجواز على أنه لم تتفق الرواة عن أبي حميد على نفيها، بل أخرج أبو داود أيضًا من وجه آخر عنه إثباتها، وبأنها جلسة خفيفة جدًّا، فاستغنى فيها

стр. 643

بالتكبير المشروع للقيام. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بغدادي، وهو شيخ المؤلّف، وما بين واسطي وبصري، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في الصلاة. ١٤٣ - باب كَيْفَ يَعْتَمِدُ عَلَى الأَرْضِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ هذا (باب) بالتنوين (كيف يعتمد) المصلي (على الأرض إذا قام من الركعة) أي: أي ركعة كانت، وللمستملي والكشميهني: من الركعتين، أي: الأولى والثالثة. ٨٢٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: "جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِنَا هَذَا فَقَالَ: إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي. قَالَ أَيُّوبُ: فَقُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ وَكَيْفَ كَانَتْ صَلَاتُهُ؟ قَالَ: مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا -يَعْنِي عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ- قَالَ أَيُّوبُ: وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ". وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي (قال: حدّثنا) ولابن عساكر: أخبرنا (وهيب) بضم الواو، مصغرًا، ابن خالد (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (قال: جاءنا مالك بن الحويرث، فصلّى بنا في مسجدنا هذا، فقال) ولابن عساكر: قال: (إني لأصلي بكم، وما أريد الصلاة، ولكن) بغير نون الوقاية، وللأصيلي وأبي ذر والحموي والمستملي: ولكنني، بإثباتها، ولابن عساكر: لكن بحذف الواو والياء، (أريد أن أريكم كيف رأيت النبي) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: رأيت رسول الله (¬ ﷺ يصلّي). (قال أيوب) السختياني: (فقلت لأبي قلابة: وكيف كانت صلاته؟ قال): كانت (مثل صلاة شيخنا هذا، يعني عمرو بن سلمة). بكسر اللام (قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير) أي يكبر عند كل انتقال غير الاعتدال، ولا ينقص من تكبيرات الانتقالات شيئًا، أو كان يمدّه من أوّل الانتقال إلى آخره (وإذا) بالواو، ويروى: فإذا (رفع رأسه عن السجدة الثانية) وللمستملي والكشميهني: في، بدل عن، ولأبى ذر في بعض نسخه من السجدة (جلس واعتمد على الأرض) بباطن كفّيه، كما يعتمد الشيخ العاجن إذا عجن الخمير (ثم قام). ١٤٤ - باب يُكَبِّرُ وَهْوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُكَبِّرُ فِي نَهْضَتِهِ هذا (باب) بالتنوين (يكبر) المصلي (وهو ينهض من السجدتين) أي: عند ابتداء القيام من التشهد الأوّل إلى الركعة الثالثة كغيره. فالمراد بالسجدتين: الركعتان الأوليان، لأن السجدة تطلق على الركعة من باب إطلاق الجزء على الكل. (وكان ابن الزبير) عبد الله، مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح (يكبر في) أوّل (نهضته) من السجدتين. ٨٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: "صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ، فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ وَحِينَ سَجَدَ وَحِينَ رَفَعَ وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ". وبه قال: (حدّثنا يحيى بن صالح) أبو زكريا الواحظي الحمصي، (قال: حدّثنا فليح بن سليمان) بضم الفاء وفتح اللام، واسمه عبد الملك، وفليح لقبه، فغلب على اسمه وشهر به (عن سعيد بن الحرث) بكسر العين، ابن المعلى الأنصاري المدني (قال: صلّى لنا أبو سعيد) سعد بن مالك الخدري. ﵁، بالمدينة لما غاب أبو هريرة، وكان يصلّي بالناس في إمارة مروان على المدينة، وكان مروان وغيره من بني أمية يسرّون بالتكبير (فجهر) أبو سعيد (بالتكبير) زاد الإسماعيلي: حين افتتح وحين ركع وحين سجد، (حين رفع رأسه من السجود وحين سجد وحين رفع) زاد الأصيلي: رأسه (وحين قام من الركعتين) زاد الإسماعيلي: فلما انصرف قيل له: قد اختلف الناس على صلاتك، فقام عند المنبر فقال: إني والله ما أبالي اختلفت صلاتكم أو لم تختلف، (وقال هكذا رأيت النبي ﷺ ¬) يصلّي. قال في الفتح: والذي يظهر أن الاختلاف بينهم كان في الجهر بالتكبير والإسرار به، وفيه أن التكبير للقيام يكون مقارنًا للفعل، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لمالك، حيث قال: يكبر بعد الاستواء، وكأن شبهه بأوّل الصلاة من حيث أنها فرضت ركعتين، ثم زيدت الرباعية فيكون افتتاح المزيد كافتتاح المزيد عليه. كذا قاله بعض أتباعه. لكن كان ينبغي أن يستحب رفع اليدين، حينئذٍ، لتكمل المناسبة، ولا قائل به منهم. اهـ. ورواة هذا الحديث ما بين حمصي ومدنيين، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وتفرد به المؤلّف عن أصحاب الكتب الستة. ٨٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ صَلَاةً خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي فَقَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ -أَوْ قَالَ- لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ". وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي (قال: حدّثنا حماد بن زيد، قال: حدّثنا غيلان بن جرير) بفتح الغين المعجمة وسكون المثناة التحتية في الأوّل، وفتح الجيم في الثاني، (عن مطرف) هو ابن عبد الله بن الشخير العامرى (قال: صليت أنا وعمران) ابن حصين (صلاة) من الصلوات (خلف علي بن أبي طالب) ﵁ بالبصرة (فكان

стр. 644

إذا سجد كبر، وإذا رفع) رأسه من السجود (كبر، إذا نهض من الركعتين) الأوليين بعد التشهد (كبر) عند ابتداء القيام وهذا موضع الترجمة. (فلما سلم) أي: عليّ بن أبي طالب ﵁، (أخذ عمران) بن حصين (بيدي) بكسر الدال (فقال: لقد صلّى بنا هذا) يعني علي بن أبي طالب (صلاة محمد ﷺ ¬) أي مثل صلاته، (أو قال: لقد ذكرني) بتشديد الكاف (هذا صلاة محمد ﷺ ¬) شك مطرف. ١٤٥ - باب سُنَّةِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ وَكَانَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَجْلِسُ فِي صَلَاتِهَا جِلْسَةَ الرَّجُلِ، وَكَانَتْ فَقِيهَةً (باب سنة الجلوس) أي هيئته (في التشهد) كالافتراش مثلاً أو مراده نفس الجلوس، على أن يكون المقصود بالسُّنَّة الطريقة الشاملة للواجب والمندوب. (وكانت أم الدرداء)، مما وصله المؤلّف في تاريخه الصغير من طريق مكحول، (تجلس في صلاتها جلسة الرجل) بكسر الجيم، لأن المراد الهيئة، أي كما يجلس الرجل، بأن تنصب الرجل اليمنى، وتفرش اليسرى، قال مكحول (وكانت) أي: أم الدرداء (فقيهة). وكذا وصله ابن أبي شيبة لكنه لم يقل: كانت فقيهة، فجزم مغلطاي وابن الملقن بأنه من قول البخاري، كأنهما لم يقفا على رواية تاريخ المؤلّف، وجزم الحافظ ابن حجر بأنه من كلام مكحول لرواية التاريخ، ومسند الفريايي، فإنه أخرجه فيه كذلك تمامًا، وبأن أم الدرداء، هذه هي الصغرى، هجيمة التابعية، لا الكبرى: خيرة بنت أبي حدرد الصحابية، لأن مكحولاً لم يدرك الكبرى، وإنما أدرك الصغرى، وأما استدلال العيني على أنها الكبرى بقوله: وكانت فقيهة، فليس بشيء كما لا يخفى. ٨٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ "أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا جَلَسَ، فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ: إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِيَ الْيُسْرَى، فَقُلْتُ: إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ رِجْلَىَّ لَا تَحْمِلَانِي". وبالسند السابق إلى المصنف قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) إمام دار الهجرة (عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن عبد الله بن عبد الله أنه أخبره) صريح في أن عبد الرحمن بن القاسم أخذه عن عبد الله، فيحمل ما رواه الإسماعيلي عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عبد الله، على أن عبد الرحمن أخذه عن أبيه عن عبد الله، ثم أخذه عنه بغير واسطة، (أنه كان يرى) أباه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (¬﵄، يتربع في الصلاة، إذا جلس) للتشهد. (ففعلته) أي التربع (وأنا يومئذٍ حديث السن، فنهاني) عنه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (وقال) بالواو، ولأبي ذر في نسخة له، وهي رواية أبي الوقت قال بإسقاطها، ولابن عساكر: فقال: (إنما سُنّة الصلاة) أي: التي سنّها النبي ﷺ (أن تنصب رجلك اليمني) أي لا تلصقها بالأرض (وتثني) بفتح أوّله أي تعطف رجلك (اليسرى). وفي رواية يحيى بن سعيد عند مالك في موطئه: أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى وثنى اليسرى وجلس على وركه اليسرى، ولم يجلس على قدمه، فبيّن في رواية القاسم الإجمال الذي في رواية ابنه، لأنه لم يبيّن ما يصنع بعد أن يثني اليسرى، هل يجلس فوقها أو يتورك. قال عبد الله: (فقلت: إنك تفعل ذلك) أي التربع. (فقال: إن رجليّ) بتشديد الياء، تثنية رجل، ولأبي الوقت وابن عساكر: إن رجلاي بالألف على إجراء المثنى مجرى المقصور كقوله: إن أباها أو أباها. أو أن: أن بمعنى نعم، ثم استأنف فقال: رجلاي (لا تحملاني) بتخفيف النون، ولأبي ذر، لا تحملاني بتشديدها. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي. ٨٢٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ. وَحَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: "أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ" وَسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، وَيَزِيدُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَلْحَلَةَ، وَابْنُ حَلْحَلَةَ مِنَ ابْنِ عَطَاءٍ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ "كُلُّ فَقَارٍ". وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ "كُلُّ فَقَارٍ". وبه قال: (حدّثنا، يحيى بن بكير) المصري (قال: حدّثنا الليث) بن سعد المصري أيضًا (عن خالد) هو ابن يزيد الجمحي المصري (عن سعيد) الليثي المدني، زاد أبو ذر. هو ابن أبي هلال (عن محمد بن عمرو بن حلحلة) بفتح العين، وكذا الحاءين المهملتين وسكون اللام الأولى الديلي المدني (عن محمد بن عمرو بن عطاء) بفتح العين قبل الميم الساكنة القرشي العامري المدني. (وحدّثنا) بالواو، وفي بعض الأصول قبله: ح للتحويل إلى سند آخر، ولابن عساكر قال: حدّثني، بحذف الواو والإفراد، أي: قال يحيى بن بكير: حدّثني أو حدّثنا (الليث) بن سعد (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد المصري (ويزيد بن محمد) القرشي كلاهما (عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن

стр. 645

محمد بن عمرو بن عطاء أنه) أي ابن عطاء (كان جالسًا مع نفر) كذا لكريمة بلفظ مع، ولغيرها، وعزاه في الفرع لأبي ذر والأصيلي: في نفر، اسم جمع يقع على الرجال خاصة، ما بين الثلاثة إلى العشرة، وفي سنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة أنهم كانوا عشرة (من أصحاب النبي) ولأبي الوقت: من أصحاب رسول الله، أي: حال كونهم من أصحابه (¬ ﷺ ¬) منهم أبو قتادة بن ربعي، وأبو أسيد الساعدي، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبو هريرة ﵃، (فذكرنا صلاة النبي ﷺ ، فقال أبو حميد) عبد الرحمن أو المنذر (الساعدي) الأنصاري، ﵁: (أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله) وللأصيلي: لصلاة النبي (¬ ﷺ ¬). زاد في رواية أبي داود: قالوا فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا، ولا أقدمنا له صحبة، وللطحاوي. قالوا: من أين؟ قال: رقبت ذلك منه حتى حفظت صلاته. (رأيته) ﵊ (إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه) ولأبي ذر، حذو منكبيه، زاد ابن إسحاق: ثم قرأ بعض القرآن (وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره) بالصاد المهملة، أي أماله في استواء من رقبته، ومتن ظهره من غير تقويس، (فإذا رفع رأسه استوى) قائمًا معتدلاً (حتى يعود كل فقار مكانه) بفتح الفاء والقاف جمع فقارة، واستعمل الفقار للواحد تجوّزًا، وفي المطالع، ونسب للأصيلي كسر الفاء. وحكي عن الأصيلي أيضًا: كل قفار، بتقديم القاف، وهو تصحيف لأنه جمع قفر وهو المفازة، ولا معنى له هنا. والفقار بتقديم الفاء ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب، قاله في المحكم: وهو ما بين كل مفصلين. وقال صاعد: وهن أربع وعشرون، سبع في العنق، وخمس في الصلب، واثنتا عشرة في أطراف الأضلاع وقال الأصمعي: خمس وعشرون. وفي رواية الأصيلي: حتى يعود كل فقار إلى مكانه (فإذا سجد وضع يديه) حال كونه (غير مفترش) ساعديه، وغير حامل بطنه على شيء من فخذيه (ولا قابضهما) أي: ولا قابض يديه. وهو أن يضمهما إليه. وفي رواية فليح بن سليمان: ونحى يديه عن جنبيه، ووضع يديه حذو منكبيه، (واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين) الأوليين للتشهد (جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى) وهذا هو الافتراش. (وإذا جلس في الركعة الآخرة) للتشهد الآخر (قدّم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته)، وهذا هو التورك، وفيه دليل للشافعية في: أن جلوس التشهد الأخير مغاير لغيره. وحديث ابن عمر المطلق محمول على هذا الحديث المقيد، نعم. في حديث عبد الله بن دينار المروي في الموطأ التصريح بأن جلوس ابن عمر المذكور كان في التشهد الأخير. وعند الحنفية يفترش في الكل، وعند المالكية يتورك في الكل، والمشهور وعن أحمد اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان. فإن قلت: ما الحكمة في أخذ الشافعية بالتغاير في الجلوس الأوّل والثاني؟ أجيب: لأنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأول تعقبه الحركة بخلاف الثاني، ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به. ورواة هذا الحديث ما بين مصريين بالميم ومدنيين، وفيه إرداف الرواية النازلة بالعالية، ويزيد ابن محمد من أفراد المؤلّف، والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. قال المؤلّف مفيدًا: إن العنعنة الواقعة في هذا الحديث بمنزلة السماع. (وسمع الليث) بن سعد (يزيد بن أبي حبيب) وسقط للأصيلي واو: وسمع، (ويزيد بن محمد بن عمرو بن حلحلة) وللأصيلي: ويزيد بن محمد، محمد بن حلحلة، ولأبي ذر: ويزيد محمدًا وللأصيلي أيضًا: ويزيد سمع من محمد بن حلحلة. (وابن حلحلة) سمع (من ابن عطاء) وقد سقط ذلك أعني من قوله: سمع إلى آخر قوله ابن عطاء، عند ابن عساكر. (وقال) بواو العطف، ولغير أبي ذر وابن عساكر: قال (أبو صالح) كاتب الليث، وليس هو: أبو صالح عبد الغفار البكري، مما وصله الطبراني، (عن الليث) بإسناده الثاني السابق، عن يزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن محمد:

стр. 646

(كل فقار) بغير إضافة إلى ضمير وتقديم الفاء على القاف، كما فى الفرع، وقال الحافظ ابن حجر: ضبط في روايتنا بتقديم القاف على الفاء، وكذا للأصيلي. اهـ. وقد قالوا: إنها تصحيف كما مر، وعند الباقين كرواية يحيى بن بكير يعني بتقديم الفاء، لكن ذكر صاحب المطالع أنهم كسروا الفاء. (وقال ابن المبارك) عبد الله، مما وصله الفريابي في صفة الصلاة له، والجوزقيّ في جمعه، وإبراهيم الحربي في غريبه: (عن يحيى بن أيوب، قال: حدّثني) بالإفراد (يزيد بن أبي حبيب أن محمد بن عمرو حدّثه)، ولأبي ذر: أن محمد بن عمرو بن حلحلة حدّثه: (كل فقار) بتقديم الفاء من غير ضمير أيضًا، وللكشميهني وحده: كل فقاره، بهاء الضمير كما في الفرع. أي: حتى يعود جميع عظام ظهره أو فقاره، بهاء التأنيث، أي: حتى تعود كل عظمة من عظام الظهر مكانها. ١٤٦ - باب مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَاجِبًا لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَرْجِعْ (باب من لم ير التشهد الأوّل) في الجلسة الأولى من الرباعية والثلاثية (واجبًا). والتشهد: تفعل من تشهد، سمي بذلك لاشتماله على النطق بشهادة الحق، تغليبًا له على بقية أذكاره لشرفها، وهو من باب إطلاق اسم البعض على الكل. وقد استدلّ المؤلّف لما ترجم له بقوله: (لأن النبي ﷺ قام من الركعتين ولم يرجع) إلى التشهد، ولو كان واجبًا لرجع إليه لما سبحوا به، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا. ٨٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ مَوْلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -وَقَالَ مَرَّةً: مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ- أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ وَهْوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ! فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ". [الحديث ٨٢٩ - أطرافه في: ٨٣٠، ١٢٢٤، ١٢٢٥، ١٢٣٠، ٦٦٧٠]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا) وللأصيلي: حدّثنا (شعيب) هو ابن أبي حمزة، دينار (عن) ابن شهاب محمد بن مسلم (الزهري قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج (مولى بني عبد المطلب) نسبه لجد مواليه الأعلى (- قال) الزهري (مرة، مولى ربيعة بن الحرث-) بن عبد المطلب، فنسبه لمولاه الحقيقي، فلا منافاة بينهما: (إن عبد الله بن بحينة) بضم الموحدة وفتح المهملة، اسم أمه، (وهو) أي ابن بحينة (من أزد شنوأة) بفتح الهمزة وسكون الزاي بعدها دال مهملة في الأولى، وفتح الشين وضم النون وفتح الهمزة في الثانية، بوزن فعولة، قبيلة مشهورة (وهو) أي ابن بحينة أيضًا (حليف لبني عبد مناف) بالحاء المهملة، لأن جدّه حالف المطلب بن عبد المناف (وكان من أصحاب النبي ﷺ ¬) هو مقول التابعي الراوي عنه، (أن النبي ﷺ ، صلّى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين) إلى الثالثة حال كونه (لم يجلس) للتشهد، ولابن عساكر، ولم يجلس، بالواو. وفي مسلم، بالفاء (فقام الناس معه) زاد الضحاك بن عثمان، عن الأعرج فيما رواه ابن خزيمة: فسبحوا به، فمضى (حتى إذا قضى الصلاة) أي فرغ منها (وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس) جملة حالية (فسجد سجدتين) للسهو بعد التشهد (قبل أن يسلم، ثم سلم) فيه ندبية التشهد الأول، لأنه لو كان واجبًا لرجع وتداركه. وهذا مذهب الجمهور، خلافًا لأحمد حيث قال: يجب، لأنه ﵊ فعله وداوم عليه، وجبره بالسجود حين نسيه، وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي. وتعقب: بأن جبره بالسجود، دليل عليه لا له، لأن الواجب لا يجبر بذلك، كالركوع وغيره. وممّن قال بالوجوب أيضًا: إسحاق، وهو قول للشافعي، ورواية عند الحنفية. وفي الحديث مباحث تأتي إن شاء الله تعالى في السهو. ورواته ما بين حمصي ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة والسهو والنذور، ومسلم والنسائي وابن ماجة في الصلاة والله المعين. ١٤٧ - باب التَّشَهُّدِ فِي الأُولَى (باب) مشروعية (التشهد في) الجلسة (الأولى) من الثلاثية والرباعية. ٨٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ. فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ". وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين، وسقط في رواية ابن عساكر لفظ: ابن سعيد (قال: حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا (بكر) بفتح الموحدة وسكون الكاف، وفي بعضها: بكر بن مضر (عن جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل المصري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن عبد الله بن مالك ابن بحينة) بتنوين مالك، وكتابة ابن بعده بألف، وإعرابه إعراب عبد الله، لأن بحينة اسم أمه (قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فقام وعليه جلوس) للتشهد الأوّل، (فلما كان في آخر

стр. 647

صلاته سجد سجدتين) للسهو (وهو جالس) قبل أن يسلم وبعد أن تشهد. قيل وفيه إشعار بالوجوب حيث قال: فقام وعليه جلوس، وفيه نظر. ١٤٨ - باب التَّشَهُّدِ فِي الآخِرَةِ (باب) وجوب (التشهد في) الجلسة (الآخرة). ٨٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ -فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". [الحديث ٨٣١ - أطرافه في: ٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق بن سلمة) هو أبو وائل (قال: قال عبد الله) بن مسعود ﵁ (كنّا إذا صلَّينا خلف النبيّ) ولأبي ذر والأصيلي: خلف رسول الله (¬ ﷺ ¬) في رواية أبي داود عن مسدد: إذا جلسنا، (قلنا): السلام على الله من عباده، (السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان) زاد في رواية عبدِ الله بن نمير عن الأعمش عند ابن ماجة: يعنون الملائكة. والأظهر كما قاله أبو عبد الله الأبّي، أن هذا كان استحسانًا منهم، وأنه ﵊ لم يسمعه إلاّ حين أنكره عليهم. قال: ووجه الإنكار عدم استقامة المعنى، لأنه عكس ما يجب أن يقال، كما يأتي قريبًا إن شاء الله. وقوله: كنا، ليس من قبيل المرفوع، حتى يكون منسوخًا بقوله: إن الله هو السلام لأن النسخ إنما يكون فيما يصح معناه، وليس تكرر ذلك منهم مظنة سماعه له منهم، لأنه في التشهد، والتشهد سرّ. (فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال): ظاهره أنه ﵊ كلمهم في أثناء الصلاة، لكن في رواية حفص بن غياث، أنه بعد الفراغ من الصلاة ولفظه: فلما انصرف النبي ﷺ من الصلاة، قال: (إن الله هو السلام) أي أنه اسم من أسمائه تعالى، ومعناه السالم من سمات الحدوث، أو المسلم عباده من المهالك، أو المسلم عباده في الجنة أو أن كل سلام ورحمة له ومنه وهو مالكهما ومعطيهما، فكيف يدعى له بهما وهو المدعو؟ وقال ابن الأنباري: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة، وغناه سبحانه عنها، (فإذا صلّى أحدكم) قال ابن رشيد: أي أتمّ صلاته، لكن تعذر الحمل على الحقيقة لأن التشهد لا يكون بعد السلام، فلما تعين المجاز كان حمله على آخر جزء من الصلاة أولى لأنه الأقرب إلى الحقيقة. وقال العيني: أي إذا أتم صلاته بالجلوس في آخرها، فليقل وفي رواية حفص بن غياث فإذا جلس أحدكم في الصلاة (فليقل) بصيغة الأمر المقتضية للوجوب، وفي حديث ابن مسعود عند الدارقطني بإسناد صحيح: وكنا لا ندري ما نقول قبل أن يفرض علينا التشهد (التحيات لله) جمع تحية وهو السلام أو البقاء، أو الملك، أو السلامة من الآفات، أو العظمة أي أنواع التعظيم له، وجمع لأن الملوك كان كل واحد منهم يحييه أصحابه بتحية مخصوصة، فقيل: جميعها لله وهو المستحق لها حقيقة، (والصلوات) أي الخمس واجبة لله، لا يجوز أن يقصد بها غيره، أو هو إخبار عن قصد إخلاصنا له تعالى، أو العبادات كلها، أو الرحمة، لأنه المتفضل بها (والطيبات) التي يصلح أن يثني على الله بها دون ما لا يليق به، أو ذكر الله أو الأقوال الصالحة. أو التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية، والطيبات: العبادات المالية. وأتى بالصلوات والطيبات منسوقًا بالواو لعطفه على التحيات، أو أن الصلوات مبتدأ خبره محذوف والطيبات معطوف عليها، فالأولى عطف الجملة على الجملة والثانية عطف المفرد على الجملة، قاله البيضاوي. وقال ابن مالك: إذا جعلت التحيات مبتدأ، أو لم تكن صفة لموصوف محذوف، كان قولك: والصلوات، مبتدأ، لئلا يعطف نعت على منعوته، فيكون من باب عطف الجمل بعضها على بعض، وكل جملة مستقلة بفائدتها. وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو. وقال العيني: كل واحد من الصلوات والطيبات مبتدأ حذف خبره، أي الصلوات لله، والطيبات لله، فالجملتان معطوفتان على الأولى وهي: التحيات لله .. (السلام) أي: السلامة من المكاره، أو السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء، أو الذي سلمه الله عليك ليلة المعراج (عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته). فأل للعهد التقريري، أو المراد حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد عمّن يصدر، وعلى من ينزل، فتكون أل للجنس أو هي للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]. وأصل سلام عليك:

стр. 648

سلمت سلامًا، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره. وإنما قال: عليك، فعدل عن الغيبة إلى الخطاب مع أن لفظ الغيبة يقتضيه السياق لأنه إتباع لفظ الرسول بعينه حين علم الحاضرين من أصحابه وأمرهم أن يفردوه بالسلام عليه لشرفه ومزيد حقه. (السلام) الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء (علينا) يريد به المصلي نفسه والحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة (وعلى عباد الله الصالحين) القائمين بما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد، وهو عموم بعد خصوص. وجوّز النووي، ﵀، حذف اللام من السلام في الموضعين، قال: والإثبات أفضل وهو الموجود في روايات الصحيحين. اهـ. وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم. (فإنكم إذا قلتموها) أي قوله: وعلى عباد الله الصالحين (أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض) جملة اعتراض بين قوله: الصالحين وتاليها الآتي، فائدة الإتيان بها الاهتمام بها لكونه أنكر عليهم عدّ الملائكة واحدًا واحدًا، ولا يمكن استيفاؤهم. وفيه أن الجمع المحلى بالألف واللام للعموم، وأن له صيغًا، وهذه منها. قال ابن دقيق العيد: وهو مقطوع به عندنا في لسان العرب، وتصرفات ألفاظ الكتاب والسُّنّة. اهـ وفيه خلاف عند أهل الأصول. (أشهد أن لا إله إلاّ الله) زاد ابن أبي شيبة: وحده لا شريك له. وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) بالإضافة إلى الضمير. وفي حديث ابن عباس عند مسلم وأصحاب السُّنن: وأشهد أن محمدًا رسول الله بالإضافة إلى الظاهر وهو الذي رجّحه الشيخان الرافعي والنووي، وأن الإضافة للضمير لا تكفي. لكن المختار أنه يجوز: ورسوله. لما ثبت في مسلم، رواه البخاري هنا. وحديث التشهد روي عن جماعة من الصحابة منهم: ابن مسعود ﵁، رواه المؤلّف والباقون، ولفظ مسلم: علمني رسول الله ﷺ التشهد، كفى بين كفيه، كما يعلمنا السورة من القرآن، فقال: "إذا قعد أحدكم فليقل: إلخ. وزاد في غير الترمذي وابن ماجة: "وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به"، واختاره أبو حنيفة وأحمد والجمهور لأنه أصح ما في الباب، واتفق عليه الشيخان قال النووي: إنه أشدها صحة باتفاق المحدثين، وروي من نيف وعشرين طريقًا وثبتت فيه الواو بين الجملتين، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلاً بخلاف غيرها من الروايات، فإنها ساقطة وسقوطها يصيرها صفة لما قبلها، ولأن السلام فيه معرّف وفي غيره منكر، والمعرّف أعمّ. ومنهم ابن عباس عند الجماعة إلا البخاري ولفظه: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، وكان يقول: "التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله". واختاره الإمام الشافعي، ﵀، لزيادة لفظ: المباركات فيه. وهي موافقة لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. وأجيب: بأن الزيادة مختلف فيها، وحديث ابن مسعود متفق عليه. ومنهم عمر بن الخطاب ﵁، رواه الطحاوي عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه سمع عمر بن الخطاب يعلم الناس التشهد على المنبر، وهو يقول: "التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". واختاره ابن مالك. لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد، فدلّ على تفضيله وتعقب بأنه موقوف، فلا يلحق بالمرفوع. وأجيب بأن ابن مردويه رواه في كتاب التشهد مرفوعًا. ومنهم ابن عمر، عند أبي داود والطبراني في الكبير. ومنهم عائشة عند البيهقي. ومنهم جابر بن عبد الله عند النسائي، وابن ماجة، والترمذي في العلل، ولفظه كان

стр. 649

رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: "بسم الله، وبالله، التحيات لله … إلخ". وصححه الحاكم، لكن ضعفه البخاري والترمذي والنسائي والبيهقي، كما قاله النووي في الخلاصة. ومنهم أبو سعيد الخدري عند الطحاوي. ومنهم أبو موسى الأشعري عند مسلم، وأبي داود، والنسائي. ومنهم سلمان الفارسي عند البزار. ومذهب الشافعي أن التشهد الأول سنة، والثاني واجب، وقال أبو حنيفة ومالك: سنتان. وقال أحمد: الأول واجب يجبر تركه بالسجود، والثاني ركن تبطل الصلاة بتركه. ورواة حديث الباب ما بين حمصي ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة وكذا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ١٤٩ - باب الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ (باب الدعاء) بعد التشهد (قبل السلام) وللأصيلي: قبل التسليم. ٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ». [الحديث ٨٣٢ - أطرافه في: ٨٣٣، ٢٣٩٧، ٦٣٦٨، ٦٣٧٥، ٦٣٧٦، ٦٣٧٧، ٧١٢٩]. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) أي ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرنا عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ ¬) سقط قوله: زوج النبي إلخ. ولأبي ذر وابن عساكر: أنها (أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يدعو في) آخر (الصلاة) بعد التشهد قبل السلام، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعًا: إذا تشهد أحدكم فليقل: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) بفتح الميم وكسر السين مخففة. وقيده بالدجال ليمتاز عن عيسى ابن مريم ﵇، والدجل الخلط. وسمي به لكثرة خلطه الباطل بالحق، أو من دجل: كذب والدجال: الكذاب. وبالمسيح، لأن إحدى عينيه ممسوحة، فعيل بمعنى مفعول، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في أيام معدودة، فهو بمعنى فاعل، أو لأن الخير مسح منه فهو مسيح الضلال. (وأعوذ بك من فتنة المحيا) ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان، أي: الابتلاء بالدنيا والشهوات والجهالات، (وفتنة الممات) ما يفتتن به عند الموت في أمر الخاتمة، أعاذنا الله من ذلك، أضيفت إليه لقربها منه. أو فتنة القبر، ولا تكرار مع قوله أولاً عذاب القبر، لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب. (اللهم إني أعوذ بك من المأثم) أي ما يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه، وضعًا للمصدر موضع الاسم (و) أعوذ بك من (المغرم) أي الدَّين، فيما لا يجوز أو فيما يجوز، ثم يعجز عن أدائه. فأما دين احتاجه وهو قادر على أدائه فلا استعاذة منه، والأول حق الله، والثاني حق العباد. (فقال له) أي للنبي ﷺ (قائل) في رواية النسائي من طريق معمر عن الزهري أن السائل عائشة، ولفظها: فقلت: يا رسول الله (ما أكثر) بفتح الراء على التعجب (ما تستعيذ من المغرم)؟ في محل نصب به، أي: ما أكثر استعاذتك من المغرم (فقال) ﵊: (إن الرجل إذا غرم) بكسر الراء، وجواب قوله: (حدث فكذب) بأن يحتج بشيء في وفاء ما عليه ولم يقم به، فيصير كاذبًا. وذال كذب مخففة وهو عطف على حدث. (ووعد فأخلف). كأن قال لصاحب الدين: أوفيك دينك في يوم كذا، ولم يوف، فيصير مخلفًا لوعده. والكذب وخلف الوعد من صفات المنافقين. وللحموي والمستملي: وإذا وعد أخلف. وهذا الدعاء صدر منه ﵊ على سبيل التعليم لأمته، وإلاّ فهو ﵊ معصوم من ذلك، أو أنه سلك به طريق التواضع، وإظهار العبودية، وإلزام خوف الله تعالى، والافتقار إليه ولا يمنع تكرار الطلب مع تحقّق الإجابة لأن ذلك يحصل الحسنات، ويرفع الدرجات. وزاد أبو ذر عن المستملي، هنا: قال محمد بن يوسف بن مطر الفربري: يحكى عن المؤلّف أنه قال: سمعت خلف بن عامر الهمذاني يقول في المسيح، بفتح الميم وتخفيف السين، والمسيح مشدد مع كسر الميم ليس بينهما فرق، وهما واحد في اللفظ، أحدهما عيسى ابن مريم ﵇، والآخر الدجال لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين، لكن إذا أريد الدجال قيد به كما مر. وقال أبو داود في السُّنن: المسيح مثقل. هو الدجال، ومخفف: عيسى ﵇، وحكي عن بعضهم أن الدجال مسيخ بالخاء المعجمة، لكن نسب إلى التصحيف. وفي الحديث: التحديث بالجمع والإخبار ورواية تابعي عن

стр. 650

تابعي عن صحابية ورواته ما بين حمصي ومدني، وأخرجه المؤلّف في الاستقراض، ومسلم في الصلاة وكذا أبو داود والنسائي. ٨٣٣ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ". (و) بالسند السابق إلى شعيب (عن الزهري) محمد بن مسلم (قال: أخبرني) بالإفراد (عن عروة أن عائشة) ولأبي ذر والأصيلي: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة (¬﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يستعيذ في) آخر (صلاته من فتنة الدجال). ساقه هنا مختصرًا، وفي السابق مطولاً، ليفيد أن الزهري رواه كذلك مع زيادة ذكر السماع عن عائشة ﵂. فإن قلت: كيف استعاذ من فتنة الدجال مع تحقق عدم إدراكه. أجيب: بأن فائدته تعليم أمته، لأن ينتشر خبره بين الأمة جيلاً بعد جيل بأنه: كذاب، مبطل، ساعٍ على وجه الأرض بالفساد، حتى لا يلتبس كفره عند خروجه من يدركه. ٨٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو "عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». [الحديث ٨٣٤ - طرفاه في: ٦٣٢٦، ٧٣٨٨]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين (قال: حدّثنا الليث) بن سعد (عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير) مرثد بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة، آخره دال مهملة ابن عبد الله اليزني (عن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاصي (عن أبي بكر الصديق، ﵁، أنه قال لرسول الله ﷺ علمني دعاء أدعو به في صلاتي) أي: في آخرها بعد التشهد الأخير: قبل السلام. وقال الفاكهاني: الأولى أن يدعو به في السجود وبعد التشهد، لأن قوله: في صلاتي يعم جميعها. وتعقب بأنه: لا دليل له على دعوى الأولوية، بل الدليل الصريح عامّ في أنه بعد التشهد قبل السلام، (قال) له ﵊: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي) بارتكاب ما يوجب العقوبة (ظلمًا كثيرًا) بالمثلثة، ولأبي ذر في نسخة: كبيرًا بالموحدة، وسقط لأبي ذر لفظ: نفسي "ولا يغفر الذنوب إلاَّ أنت". إقرار بالوحدانية واستجلاب للمغفرة. "فاغفر لي مغفرة" عظيمة لا يدرك كنهها "من عندك" تتفضل بها علي، لا تسبب لي فيها بعمل ولا غيره، "وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". في هاتين الصفتين مقابلة حسنة، فالغفور مقابل لقوله: اغفر لي. والرحيم مقابل لقوله: ارحمني. قال في الكواكب: وهذا الدعاء من جوامع الكلم إذ فيه الاعتراف بغاية التقصير، وهو كونه ظالمًا ظلمًا كثيرًا وطلب غاية الإنعام التي هي المغفرة والرحمة، فالأول عبارة عن الزحزحة عن النار، والثاني إدخال الجنة. وهذا هو الفوز العظيم، اللهم اجعلنا من الفائزين بكرمك يا أكرم الأكرمين. ورواة هذا الحديث سوى طرفيه مصريون، وفيه تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي، والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: الدعوات، وكذا مسلم والترمذي وابن ماجة، وأخرجه النسائي في الصلاة، وزاد أبو ذر في نسخة عنه هنا: بسم الله الرحمن الرحيم، وهي ساقطة عند الكل. ١٥٠ - باب مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ (باب ما يتخير) بضم أوّله للمفعول (من الدعاء بعد) فراغه من (التشهد) قبل السلام (وليس بواجب). ٨٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ الأَعْمَشِ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ! فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ -أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو». وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) القطان (عن الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدّثني) بالإفراد (شفيق) هو أبو وائل (عن عبد الله) بن مسعود وضي الله عنه (قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ : (لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام) أي فكيف يدعى له به. وهو مالكه، وإليه يعود، لأنّه المرجوع إليه بالمسائل عن المعاني المذكورة. وسقط لفظ: في الصلاة، لابن عساكر (ولكن قولوا: التحيات لله) وللأصيلي وابن عساكر: ولكن التحيات له (والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) بكاف الخطاب في قوله عليك. وكان السياق يقتضي أن يقول: السلام على النبي فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي، وأجيب عنه بما مرّ قريبًا. وقال الطيبي: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات، أذن لهم بالدخول في حرم الحي الذي لا يموت، فقرّت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة

стр. 651

وبركة متابعته، فالتفتوا، فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وهذا على طريقة أهل العرفان. قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى: وقد ورد في بعض طرق ابن مسعود ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﵊، فيقال بلفظ الخطاب، وأما بعده فبلفظ الغيبة. ففي الاستئذان من صحيح البخاري، من طريق أبي معمر عن ابن مسعود، بعد أن ساق حديث التشهد، قال: وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام، يعني على النبي ﷺ كذا في البخاري وأخرجه أبو عوانة في صحيحه، والسراج، والجوزقيّ، وأبو نعيم الأصبهاني، والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم، شيخ البخاري، فيه بلفظ: فلما قبض قلنا: السلام على النبي، بحذف لفظ: يعني. قال السبكي في شرح المنهاج، بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده: إن صح هذا عن الصحابة دلّ على أن الخطاب في السلام بعد النبي ﷺ غير واجب، فيقال السلام على النبي. اهـ. قال في فتح الباري: قد صح بلا ريب، وقد وجدت له متابعًا قويًا. قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون، والنبي ﷺ حي: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي، وهذا إسناد صحيح. (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنكم إذا قلتم، أصاب) ولابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذر عن الكشميهني: إذا قلتم ذلك أصاب (كل عبد) صالح (في السماء أو) قال (بين السماء والأرض- أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ثم يتخير)، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: ثم ليتخير (من الدعاء أعجبه إليه فيدعو). زاد مسدد في رواية أبي داود: فيدعو به، وللنسائي فليدع به. وهذا موضع الترجمة. وهو مع الترجمة يشير إلى أن الدعاء السابق في الباب الذي قبله لا يجب، وإن كان ورد بصيغة الأمر. ثم إن المنفي في قوله في الترجمة: وليس بواجب، يحتمل أن يكون الدعاء. أي: لا يجب دعاء مخصوص. وإن كان التخيير مأمورًا به، ويحتمل أن يكون المنفي التخيير، ويحمل الأمر الوارد به على الندب، ويحتاج إلى دليل. قال ابن رشيد: ليس التخيير في آحاد الشيء بدالٍّ على عدم وجوبه، فقد يكون أصل الشيء واجبًا ويقع التخيير في وصفه. وقال ابن المنير: ثم ليتخير، وإن كان بصيغة الأمر لكنها كثيرًا ما ترد للندب. اهـ. ثم إن قوله: ثم ليتخير من الدعاء أعجبه، شامل لكل دعاء مأثور وغيره مما يتعلق بالآخرة، كقوله: اللهم أدخلني الجنة. أو الدنيا، مما يشبه كرم الناس كقوله: اللهم ارزقني زوجة جميلة ودراهم جزيلة، وبذلك أخذ الشافعية والمالكية ما لم يكن إثمًا. وقصره الحنفية على ما يناسب المأثور فقط، مما لا يشبه كلام الناس، محتجين بقوله ﵊: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس". ولنا قوله، ﵊: "سلوا الله حوائجكم حتى الشسع لنعالكم، والملح لقدوركم". نعم استثنى بعض الشافعية ما يقبح من أمر الدنيا، قال في الفتح: فإن أراد الفاحش من اللفظ فمحتمل، وإلاّ فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرمة مطلقًا لا يجوز. اهـ. وهذا الاستثناء ذكره أبو عبد الله الأبي وعبارته: واستثنى بعض الشافعية من مصالح الدنيا ما فيه سوء أدب، كقوله: اللهم أعطني امرأة جميلة، هنها كذا، ثم يذكر أوصاف أعضائها. اهـ. وقال ابن المنير: الدعاء بأمور الدنيا في الصلاة، خطر، وذلك أنه قد تلتبس عليه الدنيا الجائزة بالمحظورة، فيدعو بالمحظورة، فيكون عاصيًا متكلمًا في الصلاة، فتبطل صلاته، وهو لا يشعر، ألا ترى أن العامّة، يلتبس عليها الحق بالباطل، فلو حكم حاكم على عامي بحق فظنه باطلاً، فدعا على الحاكم باطلاً بطلت صلاته، وتمييز الحظوظ الجائزة من المحرمة عسر جدًّا، فالصواب أن لا يدعو بدنياه إلاّ على تثبت من الجواز. اهـ. ١٥١ - باب مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ حَتَّى صَلَّى قَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ: رأيتُ الحُمَيديَّ يحتجُّ بهذا الحديثِ أن لا يمسَحَ الجبهةَ في الصلاةِ. (باب من لم يمسح جبهته وأنفه) من الماء والطين وهو في الصلاة (حتى صلّى). (قال أبو عبد الله) البخاري (رأيت الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي (يحتج بهذا الحديث) الآتي: (أن لا يمسح) المصلي (الجبهة) والأنف وهو (في الصلاة). وفي اليونينية، بهامشها، وهذا ثابت عند الأربعة هنا، وهو في الأصول

стр. 652

ثابت. ٨٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: "سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ". وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (قال سألت أبا سعيد الخدري) ﵁ أي عن ليلة القدر (فقال رأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته) بعد المسح أو ترك المسح ناسيًا أو عامدًا لتصديق رؤياه ليراه الناس فيستدلوا على عين تلك الليلة ويحتمل أن يكون لم يشعر به أو تركه عمدًا لبيان الجواز أو لأن ترك المسح أولى لأن المسح عمل وإن كان قليلاً ومن ثم وكّل المؤلّف الأمر فيه إلى نظر المجتهد هل يوافق الحميدي المستدل أو يخالفه أشار إليه ابن المنير. ١٥٢ - باب التَّسْلِيمِ (باب التسليم) في آخر الصلاة. ٨٣٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأُرَى -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ مُكْثَهُ لِكَىْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ الْقَوْمِ. [الحديث ٨٣٧ - طرفاه في: ٨٤٩، ٨٥٠]. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (قال: حدّثنا) ابن شهاب (الزهري عن هند بنت الحرث) التابعية (أن أم سلمة) أم المؤمنين (¬﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم) من الصلاة (قام النساء حين يقضي) ولابن عساكر: حتى يقضي أي يتم (تسليمه) ويفرغ منه (ومكث يسيرًا قبل أن يقوم، قال ابن شهاب) الزهري: (فأرى) بضم الهمزة أي أظن (والله أعلم أن مكثه) ﵊ يسيرًا كان (لكي ينفذ النساء) بفتح المثناة التحتية وضم الفاء آخره ذال معجمة، أي: يخرجن (قبل أن يدركهن) بنون النسوة، ولأبي ذر في نسخة: قبل أن يدركهم (من انصرف من القوم) المصلين. وموضع الترجمة قوله: كان إذا سلم. ويمكن أن يستنبط الفرضية من التعبير بلفظ: كان، المشعر بتحقق مواظبته ﵊، وهو مذهب الجمهور، فلا يصح التحلل من الصلاة، إلا به، لأنه ركن. وفي حديث علي بن أبي طالب، عند أبي داود، بسند حسن مرفوعًا: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم. وهو يحصل بالأولى، أما الثانية فسُنّة. وقال الحنفية، يجب الخروج من الصلاة به، ولا نفرضه، لقوله ﵊: "إذا قعد الإمام في آخر صلاته، ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته". قالوا وما استدلّ به الشافعية لا يدل على الفرضية، لأنه خبر الواحد بل يدل على الوجوب، وقد قلنا به: اهـ. وهذا جارٍ على قاعدتهم. وقال المرداوي من الحنابلة في مقنعه: يسلم مرتبًا معرّفًا وجوبًا مبتدئًا عن يمينه جهرًا مسرًّا به عن يساره. اهـ. ولم يذكر في هذا الحديث التسليمتين، لكن رواهما مسلم من حديث ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، بل ذكرهما الطحاوي من حديث ثلاثة عشر صحابيًّا، وزاد غيره سبعة، وبذلك أخذ الإمام الشافعي، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد. وقال المالكية: السلام واحدة، واستدلّ له بحديث عائشة المروي في السُّنن: أنه ﷺ ، كان يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم. يرفع بها صوته حتى يوقظنا بها. وأجيب: بأنه حديث معلول، كما ذكره العقيلي، وابن عبد البر، وبأنه في قيام الليل. والذين رووا عنه التسليمتين رووا ما شهدوا في الفرض والنفل، وحديث عائشة ليس صريحًا في الاقتصار على تسليمة واحدة، بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة يوقظهم بها، ولم تنفِ الأخرى، بل سكتت عنها، وليس سكوتها عنها مقدمًا على رواية من حفظها وضَبَطَها وهم أكثر عددًا، وأحاديثهم أصح. فرع من المجموع، قال الشافعي والأصحاب: إذا اقتصر الإمام على تسليمة، سنّ للمأموم تسليمتان، لأنه خرج عن المتابعة بالأولى، بخلاف التشهد الأوّل، لو تركه الإمام لزم المأموم تركه، لأن المتابعة واجبة عليه قبل السلام. ١٥٣ - باب يُسَلِّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الإِمَامُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَسْتَحِبُّ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ أَنْ يُسَلِّمَ مَنْ خَلْفَهُ. هذا (باب) بالتنوين (يسلم) المأموم (حين يسلم الإمام) وهذه الترجمة لفظ حديث الباب، ومقتضاه مقارنة سلام المأموم لسلام الإمام، وهو جائز كبقية الأركان، إلا تكبيرة الإحرام، لأنه لا يصير في صلاة حتى يفرغ منها. فلا يربط صلاته بمن ليس في صلاة. وكأن المؤلّف أشار إلى أنه يندب أن لا يتأخر المأموم في سلامه بعد الإمام متشاغلاً بدعاء وغيره. واستدلّ له بقوله: (وكان ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄¬) مما وصله ابن أبي شيبة عنه لكن بمعناه (يستحب إذا سلم الإمام) من

стр. 653

صلاته (أن يسلم من خلفه) من المقتدين، ونبّه العيني على أنّ: إذا، ليست شرطية، بل لمجرّد الظرفية. ٨٣٨ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عِتْبَانَ قَالَ: "صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ". وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا حبّان بن موسى) بكسر الحاء المهملة، المروزي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي (قال: أخبرنا معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين ساكنة، ابن راشد البصري (عن) ابن شهاب (الزهري) محمد بن مسلم (عن محمود بن الربيع) الأنصاري الصحابي، ولأبوي ذر والوقت: عن محمود، هو ابن الربيع. وسقط قوله: ابن الربيع، عند ابن عساكر (عن عتبان) بكسر العين وسكون المثناة الفوقية، الأنصاري الأعمى، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي زيادة: ابن مالك أنه (قال: صلّينا مع النبي ﷺ فسلمنا حين سلم) أي معه بحيث كان ابتداء سلامهم بعد ابتداء سلامه، وقبل فراغه منه. وجوّز الزين بن المنير أن يكون المراد أن ابتداءهم بعد إتمامه، والحديث قد سبق مطوّلاً. ١٥٤ - باب مَنْ لَمْ يَرَ رَدَّ السَّلَامِ عَلَى الإِمَامِ، وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ (باب من لم يردّ السلام) من المأمومين (على الإمام) بتسليمة ثالثة بين التسليمتين (واكتفى بتسليمة الصلاة) وهو التسليمتان، خلافًا لمن استحب ذلك من المالكية. ٨٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ وَزَعَمَ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كَانَ فِي دَارِهِمْ. وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزدي المروزي (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك (قال: أخبرنا عمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (محمود بن الربيع، وزعم) المراد به هنا: الخبر المحقق، لأنه اللائق بالمقام، لأن محمودًا موثق عند الزهري، فقوله عنده محقق (أنه عقل) بفتح القاف، أي: فهم (رسول الله ﷺ وعقل مجة) نصب بعقل (مجها من دلو) جملة في محل نصب على أنها صفة لمجة، ومِنْ: بيانية (كان) أي الدلو (في دارهم). ولأبوي ذر والوقت: كانت، أي: من بئر كانت في دارهم. ٨٤٠ - قَالَ سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ -ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ- قَالَ: "كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فََلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا. فَقَالَ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَغَدَا عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ". (قال: سمعت عتبان بن مالك الأنصاري -ثم أحد بني سالم-) بنصب أحد عطفًا على الأنصاري المنصوب، صفة لعتبان المنصوب بسمعت. وجوّز الكرماني أن يكون أحد عطفًا على عتبان، يعني: سمعت عتبان وسمعت أحد بني سالم أيضًا، فيكون السماع من اثنين. ثم فسر المبهم: بالحصين بن محمد الأنصاري. وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأن الأصل عدم التقدير في إدخال سمعت بين: ثم واحد. وبأنه يلزم منه أن يكون الحصين بن محمد هو صاحب القصة المذكورة، أو أنها تعدّدت له ولعتبان، وليس كذلك. فإن الحصين المذكور لا صحبة له. اهـ. وتعقبه العيني بأن الملازمة ممنوعة، لأن كون الحصين غير صحابي لا يقتضي الملازمة التي ذكرها، لأنه يحتمل أن يكون الحصين سمع ذلك من صحابي آخر، والراوي طوى ذكره اكتفاء بذكر عتبان. اهـ. فليتأمل. (قال) أي عتبان: (كنت أصلي لقومي بني سالم، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت) له: (إني أنكرت بصري، وأن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي) بحاء مهملة مضمومة، أي: تكون حائلة تصدّني عن الوصول إلى مسجد قومي، (فلوددت) أي فوالله لوددت (أنك جئت فصليت في بيتي مكانًا أتخذه) بالرفع والجزم، لوقوعه جواب التمنّي المستفاد من وددت، وفي غير رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: حتى أتخذه (مسجدًا. فقال) ﵊: (أفعل) ذلك (إن شاء الله) تعالى. قال عتبان: (فغدا عليّ رسول الله ﷺ . وأبو بكر) الصدّيق ﵁ (معه، بعدما اشتد النهار) أي: ارتفعت الشمس (فاستأذن النبي ﷺ ¬) في الدخول لبيتي (فأذنت له) فدخل (فلم يجلس حتى قال): (أين تحب أن أصلي من بيتك؟ فأشار إليه من المكان الذي أحب أن يصلّي فيه) فيه التفات، إذ ظاهر السياق يقتضي أن يقول: فأشرت. أو الذي أشار هو النبي ﷺ ، إلى المكان الذي هو محبوب لعتبان أن يصلّي فيه. قال العيني: وفيه إظهار معجزة له ﵊، حيث أشار إلى المكان الذي كان مراد عتبان صلاته ﵊ فيه. اهـ. ويحتمل أن تكون مِن للتبعيض، ولا ينافي ما في الرواية فأشرت لاحتمال أن كلاًّ منهما أشار معًا، أو متقدّمًا

стр. 654

أو متأخرًا. (فقام) ﵊ (فصففنا) بالفاء فصاد مهملة ثم فاءين. وللأصيلي: وصففنا (خلفه، ثم سلم، وسلمنا حين سلم). هذا موضع الترجمة، وظاهره أنهم سلموا نظير سلامه. وسلامه: إما واحدة وهي التي يتحلّل بها من الصلاة، وإما هي وأخرى معها، فيحتاج من استحب تسليمة ثالثة على الإمام بين التسليمتين إلى دليل خاص. قال التيمي، فيما نقله البرماوي: كان مشيخة مسجد المهاجرين يسلمون واحدة. ولا يردون على الإمام، ومسجد الأنصار تسليمتين. وقال مالك: يسلم المأموم عن يمينه، ثم يرد على الإمام. ومن قال بتسليمتين من أهل الكوفة يجعلون التسليمة الثانية ردًّا على الإمام. اهـ. وقال شيخ المالكية خليل، في مختصره: وردّ مقتدٍ على إمامه، ثم يساوره، وبه أحد، وجهر بتسليمة التحليل فقط. قال شارحه: أما سلام التحليل فيستوي فيه الإمام والمأموم والفذ، ويسنّ للمأموم أن يزيد عليه تسليمتين إن كان على يساره أحد، أولاهما يردها على إمامه، والثانية على مَن على يساره، ومن السنن الجهر بتسليمة التحليل فقط، قال مالك ﵀، ويخفي تسليمة الرد. ١٥٥ - باب الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ (باب الذكر بعد) الفراغ من (الصلاة) المكتوبة. ٨٤١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ -حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ- كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ". [الحديث ٨٤١ - طرفه في: ٨٤٢]. وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر (قال: حدَّثنا) ولابن عساكر: أخبرنا (عبد الرزاق) بن همام (قال: أخبرنا ابن جريج) بضم الجيم أوّله وفتح الراء، عبد الملك بن عبد العزيز، (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين، ابن دينار (إن أبا معبد) بفتح الميم وسكون العين وفتح الموحدة آخره دال مهملة، اسمه نافذ (مولى ابن عباس، أخبره أن ابن عباس، ﵄، أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من) الصلاة (المكتوبة كان على عهد النبي) ولأبي ذر في نسخة، وأبي الوقت: على رسول الله (¬ ﷺ ¬) أي: على زمانه، فله حكم الرفع. وحمل الشافعي، ﵀، فيما حكاه النووي، ﵀، هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتًا يسيرًا لأجل تعليم صفة الذكر لا أنهم داوموا على الجهر به، والمختار أن الإمام والمأموم يخفيان الذكر إلا إن احتيج إلى التعليم. (و) بالإسناد السابق كما عند مسلم، عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق به (قال ابن عباس) ﵄، وسقط: واو "وقال" للأصيلي: (كنت أعلم) أي أظن (إذا انصرفوا بذلك) أي: أتعلم وقت انصرافهم برفع الصوت (إذا سمعته) أي الذكر. وظاهره أن ابن عباس لم يكن يحضر الصلاة في الجماعة في بعض الأوقات لصغره، أو كان حاضرًا لكنه في آخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه بالتكبير. قال الشيخ تقي الدين: ويؤخذ منه أنه لم يكن هناك مبلغ جهير الصوت يسمع من بعد. اهـ. وسقط للأصيلي قوله: وقال ابن عباس، ﵄. ٨٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ". وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني، وسقط لفظ: ابن عبد الله عند الأصيلي، (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا عمرو) بفتح العين، ابن دينار، كذا للأبوين وابن عساكر والأصيلي، بثبوت عمرو، وسقط في بعض النسخ، ولا بدّ من ثبوته، وللأصيلي: عن عمرو، بدل: حدّثنا (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو معبد) مولى ابن عباس (عن ابن عباس، ﵄، قال: كنت أعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ بالتكبير) أي بعد الصلاة وفي السابقة بالذكر، وهو أعمّ من التكبير، والتكبير أخص. أو هذا مفسر للسابق. (قال عليّ): هو ابن المديني، وفي رواية المستملي والكشميهني: وقال، بالواو، وللأصيلي: حدّثنا عليّ، بدل: قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (قال: كان أبو معبد أصدق موالي ابن عباس)، ﵄، التفضيل فيه باعتبار إفراد الخبر، وإلاّ فنفس الصدق لا يتفاوت. (قال عليّ: واسمه نافذ) بالنون وكسر الفاء آخره معجمة. وزاد مسلم: قال عمرو، يعني: ابن دينار ذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدّثك بهذا. قال عمرو: وقد أخبرنيه قبل ذلك، وهذه مسألة معروفة عند أهل علم الحديث، وهي إنكار الأصل تحديث الفرع، وصورتها أن يروي ثقة عن ثقة حديثًا، فيكذبه المروي عنه.

стр. 655

وفي ذلك تفصيل، لأنه إما أن يجزم بتكذيبه له أم لا. وإذا جزم، فتارة يصرّح بالتكذيب، وتارة لم يصرّح به، فإن لم يجزم بتكذيبه كان قال: لا أذكره، فاتفقوا على قبوله، لأن الفرع ثقة والأصل لم يطعن فيه، وإن جزم وصرّح بتكذيبه، فاتفقوا على ردّه، لأن جزم الفرع بكون الأصل حدّثه يستلزم تكذيبه للأصل في دعواه أنه كذب عليه، وليس قبول قول أحدهما أولى من الآخر، وإن جزم ولم يصرّح بالتكذيب، كقول معبد: لم أحدّثك بهذا، فسوى ابن الصلاح، تبعًا للخطيب، بينهما أيضًا، وهو الذي مشى عليه الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح النخبة. لكن قال في فتح الباري: إن الراجح عند الحدّثين القبول، وتمسك بصنيع مسلم حيث أخرج حديث عمرو بن دينار هذا مع قول أبي معبد لعمرو: لم أحدثك به. فإن دل على أن مسلمًا كان يرى صحة الحديث، ولو أنكره راويه. إذا كان الناقل عنه ثقة، ويعضده تصحيح البخاري أيضًا، وكأنهم حملوا الشيخ على النسيان. ويؤيده قول الشافعي، ﵀، في هذا الحديث بعينه، كأنه نسي بعد أن حدّثه، لكن إلحاق هذه الألفاظ بالصورة الثانية أظهر، ولعل تصحيح هذا الحديث بخصوصه لمرجحٍ اقتضاه تحسينًا للظن بالشيخين، لاسيما وقد قيل، كما أشار إليه الإمام فخر الدين في المحصول: إن الردّ إنما هو عند التساوي، فلو رجح أحدهما عمل به. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الحديث من أمثلة هذا، مع أنه قد حكي عن الجمهور من الفقهاء في هذه الصورة القبول، وعن بعض الحنفية، ورواية عن أحمد: الرد قياسًا على الشاهد، وبالجملة فظاهر صنيع ابن حجر اتفاق المحدّثين على الردّ على صورة التصريح بالكذب، وقصر الخلاف على هذه، وفيه نظر. فإن الخلاف موجود، فمن متوقفٍ، ومن قائل بالقبول مطلقًا، وهو اختيار ابن السبكي تبعًا لأبي المظفر بن السمعاني، وقال به أبو الحسين بن القطان وإن كان الآمدي والهندي حكيا الاتفاق على الردّ من غير تفصيل وهو مما يساعد ظاهر صنيع الحافظ ابن حجر في الصورة الثانية وينازع في الثالثة. ويجاب بأن الاتفاق في الثانية والخلاف في الثالثة إنما هو بالنظر للمحدثين خاصة وهذه الجملة من قوله قال علي إلى آخرها ثابتة في أوّل الحديث اللاحق عند الأصيلي وفي آخره عند الثلاثة الأبوين وابن عساكر. ٨٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سُمَىٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: "ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ: يُصَلُّونَ مَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ. قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِأَمْرٍ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ، إِلاَّ مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ: تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا: فَقَالَ بَعْضُنَا نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ. فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: تَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ". [الحديث ٨٤٣ - طرفه في: ٦٣٢٩]. وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا محمد بن أبي بكر) بن عليّ بن عطاء بن مقدّم المقدّمي البصري (قال: حدّثنا معتمر) هو ابن سليمان بن طرخان البصري، ولابن عساكر: المعتمر (عن عبيد الله) بضم العين، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني، (عن سميّ) بضم السين المهملة وفتح الميم، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة، ﵁، قال: جاء الفقراء) فيهم أبو ذر كما عند أبي داود، وأبو الدرداء كما عند النسائي (إلى النبي ﷺ ، فقالوا: ذهب أهل الدثور) بضم الدال المهملة والمثلثة، جمع: دثر، بفتح الدال وسكون المثلثة (من الأموال) بيان للدثور وتأكيد له، لأن الدثور يجيء بمعنى المال الكثير، وبمعنى الكثير من كل شيء (بالدرجات العلا) في الجنة، أو المراد: علوّ القدر عنده تعالى (وبالنعيم المقيم) الدائم المستحق بالصدقة، (يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم)، زاد في حديث أبي الدرداء، عند النسائي في: اليوم والليلة: ويذكرون كما نذكر وللبزار من حديث ابن عمر: وصدّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا (ولهم فضل الأموال) بالإضافة، ولأبي ذر عن الكشميهني: ولهم فضل من أموال، وللأصيلي: فضل الأموال (يحجون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون) في رواية ابن عجلان عن سميّ عند مسلم: ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. (قال) ﵊، وللأصيلي وأبي ذر: فقال: (ألا أحدّثكم بما) أي بشيء (إن أخذتم أدركتم) بذلك الشيء، وضبب في اليونينية على قوله: أحدثكم، ولأبي ذر في نسخة، والأصيلي: ألا أحدثكم بأمرٍِ إن أخذتم به أدركتم (من سبقكم) من أهل الأموال في الدرجات العلا، والجملة في موضع نصب مفعول أدركتم، وسقط قوله: بماء في أكثر الرويات. وكذا قوله: به، وقد فسر الساقط في الرواية الأخرى، وسقط

стр. 656

أيضًا قوله: من سبقكم، في رواية الأصيلي. والسبقية المذكورة رجح ابن دقيق العيد أن تكون معنوية، وجوّز غيره أن تكون حسية، قال الحافظ: والأوّل أولى. اهـ. (ولم يدرككم أحد بعدكم) لا من أصحاب الأموال ولا من غيرهم، (وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه) بفتح النون مع الإفراد، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: بين ظهرانيهم، أي: من أنتم بينهم (إلا مَن عمل) من الأغنياء (مثله) فلستم خيرًا. لأن هذا هو نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه، وانتقاء خيرية المخاطبين بالنسبة إلى من عمر مثل عملهم صادق بمساواتهم لهم في الخيرية، وبها يجُاب عن استشكال ثبوت الأفضلية في خير مع التساوي في العمل الفهوم من قوله: أدركتم، وهو أحسن من التأويل: بإلا مَن عمل مثله. وزاد: بغيره من فعل البر، أشار إليه البدر الدماميني، لكن لا يمتنع أن يفوق الذكر مع سهولته الأعمال الشاقّة الصعبة من الجهاد، ونحوه، وإن ورد: أفضل العبادات أحمزها، لأن في الإخلاص في الذكر من المشقّة، ولا سيما الحمد في حال الفقر، ما يصير به أعظم الأعمال. وأيضًا فلا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقّة، في كل حال، فإن ثواب كلمة الشهادتين مع سهولتها، أكثر من العبادات الشاقة. وإذا قلنا إن الاستثناء يعود على كل من السابق والمدرك، كما هو قاعدة الشافعي، ﵀، في أن الاستثناء المتعقب للجمل عائد على كلها، يلزم قطعًا أن يكون الأغنياء أفضل: إذ معناه: إن أخذتم أدركتم إلا مَن عمل مثله فإنكم لا تدركون. (تسبّحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة) أي مكتوبة. وعند المصنف في الدعوات: دبر كل صلاة، ورواية: خلف، مفسرة لرواية: دبر، وللفريابي من حديث أبي ذر: إثر كل صلاة، أي: تقولون كل واحد من الثلاثة (ثلاثًا وثلاثين) فالمجموع لكل فرد فرد، والأفعال الثلاثة تنازعت في الظرف، وهو: خلف، و: في ثلاثًا وثلاثين، وهو مفعول مطلق، وقيل المراد المجموع للجميع. فإذا وزع كان لكل واحد من الثلاثة أحد عشر، ويبدأ بالتسبيح لأنه يتضمن نفي النقائص عنه تعالى، ثم ثنى بالتحميد لأنه يتضمن إثبات الكمال له، إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم ثلث بالكبير إذ لا يلزم من نفي النقائص. وإثبات الكمال نفي أن يكون هناك كبير آخر. وقد وقع في رواية ابن عجلان تقديم التكبير على التحميد، ومثله لأبي داود من حديث أم حكيم، وله في حديث أبي هريرة: يكبر ويحمد ويسبح، وهذا الاختلاف يدل على أن لا ترتيب فيه، ويستأنس له بقوله في حديث: "الباقيات الصالحات لا يضرك بأيّهنّ بدأت". لكن ترتيب حديث الباب الموافق لأكثر الأحاديث أولى لما مر. قال سميّ: (فاختلفنا بيننا) أي: أنا وبعض أهلي، هل كل واحد ثلاثًا وثلاثين أو المجموع (فقال بعضنا: نسبح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين ونكبر أربعًا وثلاثين)، قال سميّ: (فرجعت إليه) أي، أبي صالح. والقائل أربعًا وثلاثين بعض أهل سميّ، أو القائل، فاختلفنا، أبو هريرة. والضمير في: فرجعت له، وفي إليه، للنبي ﷺ ، والخلاف بين الصحابة وهم القائلون: أربعًا وثلاثين، كما هو ظاهر الحديث، لكن الأول أقرب لوروده في مسلم، ولفظه: قال سميّ: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث. فقال: وهمت. فذكر كلامه، قال: فرجعت إلى أبي صالح، إلا أن مسلمًا لم يوصل هذه الزيادة. (فقال) النبي ﷺ ، أو أبو صالح (تقول): (سبحان الله والحمد لله، والله أكبر، حتى يكون) العدد (منهن كلهن ثلاثًا وثلاثين). وهل العدد للجميع أو المجموع؟. ورواية ابن عجلان ظاهرها أن العدد للجميع، ورجحه بعضهم للإتيان فيه بواو العطف. والمختار أن الإفراد أولى لتميزه باحتياجه إلى العدد، وله على كل حركة لذلك، سواء كان بأصابعه أو بغيرها ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث، ثم إن الأفضل الإتيان بهذا الذكر متتابعًا في الوقت الذي عين فيه، وهل إذا زيد على العدد المنصوص عليه من الشارع يحصل ذلك الثواب المترتب عليه أم لا؟ قال بعضهم: لا يحصل، لأن لتلك الأعداد حكمة وخاصية، وإن خفيت علينا، لأن كلام الشارع لا يخلو عن حكم، فربما يفوت بمجاوزة ذلك العدد

стр. 657

والمعتمد الحصول لأنه قد أتى بالمقدار الذي رتب على الإتيان به ذلك الثواب، فلا تكون الزيادة مزيلة له بعد حصوله بذلك العدد، أشار إليه الحافظ زين الدين العراقي. وقد اختلفت الروايات في عدد هذه الأذكار الثلاثة. ففي حديث أبي هريرة، ثلاثًا وثلاثين، كما مرّ. وعند النسائي من حديث زيد بن ثابت خمسًا وعشرين، ويزيدون فيها: لا إله إلاّ الله خمسًا وعشرين وعند البزار من حديث ابن عمر: إحدى عشرة، وعند الترمذي والنسائي من حديث أن: عشرًا، وفي حديث أن في بعض طرقه: ستًا، وفي بعض طرقه أيضًا مرة واحدة. وعند الطبراني، في الكبير، من حديث زميل الجهني، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى الصبح قال: وهو ثان رجليه: "سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله إنه كان توّابًا" سبعين مرة، ثم يقول: "سبعين بسبعمائة". الحديث. وعند النسائي، في اليوم والليلة، من حديث أبى هريرة مرفوعًا: "من سبح دبر كل صلاة مكتوبة مائة، وكبّر مائة وحمد مائة، غفرت له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر". وهذا الاختلاف يحتمل أن يكون صدر في أوقات متعددة، أو هو وارد على سبيل التخيير، أو بختلف باختلاف الأحوال. وقد زاد مسلم في رواية ابن عجلان عن سميّ، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، فقالوا مثله. فقال رسول الله ﷺ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤]. قال المهلب: في حديث أبي هريرة: "فضل الغني" نصًّا لا تأويلاً إذا استوت أعمالهم المفروضة، فللغني حينئذ من فضل عمل البر ما لا سبيل للفقير إليه، وتعقبه ابن المنير بأن الفضل المذكور فيه خارج عن محل الخلاف، إذ لا يختلفون في أن الفقير لم يبلغ فضل الصدقة، وكيف يختلفون فيه وهو لم يفعل الصدقة، وإنما الخلاف إذا قابلنا مزية الفقير بثواب الصبر على مصيبة شظف العيش، ورضاه بذلك، بمزية الغني بثواب الصدقات، أيهما أكثر ثوابًا اهـ. ويأتي إن شاء الله تعالى مباحث هذه المسألة في: كتاب الأطعمة. ورواة حديث الباب ما بين بصري ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم أيضًا: في الصلاة، والنسائي: في اليوم والليلة. ٨٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: "أَمْلَى عَلَىَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ -فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ". وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِهَذَا وَعَنِ الْحَكَمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ وَرَّادٍ بِهَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْجَدُّ غِنًى. [الحديث ٨٤٤ - أطرافه في: ١٤٧٧، ٢٤٠٨، ٥٩٧٥، ٦٣٣٠، ٦٤٧٣، ٦٦١٥، ٧٢٩٢]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (عن عبد الملك بن عمير) بضم العين وفتح الميم (عن وراد) بفتح الواو وتشديد الراء آخره دال مهملة (كاتب المغيرة) بالإضافة، ولأبي ذر: كاتب للمغيرة (بن شعبة قال: أملى عليّ المغيرة بن شعبة) سقط: ابن شعبة في رواية أبي ذر والأصيلي، (-في كتاب إلى معاوية-) وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قبل معاوية، وكان السبب في ذلك أن معاوية كتب إليه اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، فكتب إليه (أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة) بضم الدال والموحدة وقد تسكن، أي: عقب كل صلاة (مكتوبة). (لا إله إلا الله) بالرفع على الخبرية للا، أو على البدلية من الضمير المستتر في الخبر المقدّر، أو من اسم: لا، باعتبار محله قبل دخولها، أو أن إلا بمعنى: غير، أي: لا إله إلاّ الله في الوجود، لأنّا لو حملنا: إلا، على الاستثناء لم تكن الكلمة توحيدًا محضًا. وعورض: بأنه على تأويل: إلاّ، بغير، يصير المعنى نفي: إله، مغاير له، ولا يلزم من نفي مغاير الشيء إثباته هنا، فيعود الإشكال. وأجيب بأن إثبات: الإله كان متفقًا عليه بين العقلاء، إلاّ أنهم كانوا يثبتون الشركاء والأنداد، فكان المقصود بهذه الكلمة نفي ذلك، وإثبات الإله من لوازم المعقول، سلمنا: أن لا إله إلا الله، دلّت على نفي سائر الآلهة، وعلى إثبات الإلهية لله تعالى، إلاّ أنها بوضع الشرع، لا بمفهوم أصل اللغة. اهـ. وقد يجوز النصب على الاستثناء أو الصفة لاسم: لا إذا كانت بمعنى غير، لكن المسموع الرفع. قال البيضاوي في آية ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي غير الله وصف: بإلاَّ، لما تعذر الاستثناء لعدم شمول ما قبلها لما بعدها ودلالته على ملازمة الفساد لكون الآلهة فيهما دونه. والمراد ملازمته لكونها مطلقًا أو معه، حملاً لها على غير، كما استثنى: بغير، حملاً لها عليها. ولا يجوز الرفع على البدل لأنه متفرع على الاستثناء، ومشروط بأن يكون في كلام

стр. 658

غير موجب. وقد أشبعنا القول في مباحث ذلك في أوّل كتاب الإيمان عند قوله: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله". ثم اعلم أنه: لا خلاف أن في قولك: قام القوم إلا زيدًا، مخرجًا، ومخرجًا منه، وأن المخرج ما بعد إلا، والمخرج منه ما قبلها. ولكن قبل إلاّ شيئان: القيام والحكم به. والقاعدة أن ما خرج من نقيض دخل في النقيض الآخر. واختلفوا هل زيد مخرج من القيام أو من الحكم به؟ والذي عليه محققو النحاة والفقهاء: أنه مخرج من القيام، فيدخل في عدم القيام، فهو غير قائم، وقيل: مخرج من الحكم بالقيام فيدخل في عدم الحكم، فهو غير محكوم عليه، وهو قول قوم من الكوفيين، ووافقهم الحنفية. فعندنا: أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي. وعندهم: أن المستثنى غير محكوم عليه بشيء ومن حجج الجمهور الاتفاق على حصول التوحيد بقوّلنا: لا إله إلا الله. وذلك إنما يتمشى على قوّلنا: أن المستثنى محكوم عليه، لا على قولهم: إنه مسكوت عنه. فافهمه. قاله ابن هشام: (وحده) بالنصب على الحال أي: لا إله منفردًا وحده (لا شريك له) عقلاً ونقلاً. أما أوّلاً: فلأن وجود إلهين محُال، إذ لو فرضنا وجودهما لكان كلٍّ منهما قادرًا على كل المقدورات، فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريك زيد والآخر تسكينه، فإما أن يقع المرادان، وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدين، أو لا يقع واحد منهما، وهو محال لأن المانع من وجود مراد كل واحد منهما حصول مراد الآخر ولا يمتنع وجود مراد هذا إلاّ عند وجود مراد الآخر وبالعكس، فلو امتنعا معًا لوجدا معًا وذلك محال، لوجهين: الأول: أنه لما كان كل واحد منهما قادرًا على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر، بل يستويان في القدرة، فيستحيل أن يصير مراد أحدهما أولى بالوقوع من الآخر، إذ يلزم ترجيح أحد المتساوين من غير مرجح، وهذا محال. الثاني: أنه إن وقع مراد أحدهما دون الآخر، فالذي يحصل مراد إله قادر، والذي لا يحصل مراده عاجز، فلا يكون إله قادر، والذي لا يحصل مراده عاجز، فلا يكون إلهًا. وأما ثانيًا: فلقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ﴾ [النحل: ٥١] ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾ [الحديد: ٣]. والأوّل: هو الفرد السابق وذلك يقتضي أن لا شريك له وهو تأكيد لقوله: وحده، لأن المتّصف بالوحدانية لا شريك له. (له الملك) بضم الميم أي: أصناف المخلوقات، (وله الحمد) زاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة: يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير (وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت) أي الذي أعطيت (ولا معطي لما منعت) أي: الذي منعته. وزاد في مسند عبد بن حميد من رواية معمر؛ عن عبد الملك بن عمير، بهذا الإسناد: "ولا رادّ لما قضيت". وقد أجاز البغداديون، كما نبّه عليه صاحب المصابيح، ترك تنوين الاسم المطوّل، فأجازوا: لا طالع جبلاً، أجروه في ذلك مجرى المضاف، كما أجرى مجراه في الإعراب. قال ابن هشام: وعلى ذلك يتخرج الحديث، وتبعه الزركشي في تعليق العمدة، قال الدماميني: بل يتخرج الحديث على قول البصريين أيضًا، بأن يجعل مانع اسم: لا، مفردًّا مبنيًّا معها، إما لتركيبه معها تركيب خمسة عشر، وإما لتضمنه معنى من الاستغراقية، على الخلاف المعروف في المسألة. والخبر محذوف، أي: لا مانع مانع لما أعطيت، واللام للتقوية. فلك أن تقول: تتعلق، ولك أن تقول: لا تتعلق. وكذا القول في: ولا معطي لما منعت، وجوز الحذف ذكر مثل المحذوف، وحسنه دفع التكرار، فظهر بذلك أن التنوين على رأي البصريين ممتنع، ولعل السرّ في العدول عن تنوينه إرادة التنصيص على الاستغراق، ومع التنوين يكون الاستغراق ظاهرًا لا نصًّا. فإن قلت: إذا نون الاسم كان مطولاً، ولا، عاملة، وقد تقرر أنها عند العمل ناصّة على الاستغراق. قلت: خص بعضهم الاستغراق بحالة البناء من جهة تضمن معنى: من الاستغراقية، ولو سلّم ما قلته لم يعين عملها في هذا الاسم المنصوب حتى يكون النص على الاستغراق حاصلاً، لاحتمال أن يكون منصوبًا بفعل محذوف، أي لا نجد ولا نرى مانعًا ولا معطيًا، فعدل إلى البناء لسلامته من هذا الاحتمال. اهـ. (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) بفتح الجيم

стр. 659

فيهما أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح. فمن، في: ملك بمعنى البدل، كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أي: بدل الآخرة. (وقال شعبة) مما وصله السراج في سنده، والطبراني: في الدعاء، وابن حبّان (عن عبد الملك) في رواية أبي ذر، والأصيلي زيادة: ابن عمير (بهذا) الحديث السابق، أي: رواه عنه كما رواه سفيان عنه (و) قال شعبة، أيضًا (عن الحكم) بن عتيبة، مما وصله السراج والطبراني وابن حبان، وثبتت واو: وعن الحكم لابن عساكر (عن القاسم بن مخيمرة) بضم الميم وفتح المعجمة وسكون المثناة وكسر الميم بعدها مفتوحة، (عن وراد بهذا) الحديث أيضًا، ولفظه كلفظ عبد الملك بن عمير، إلا أنهم قالوا فيه: كان إذا قضى صلاته وسلم قال: إلخ (وقال الحسن) البصري، مما وصله ابن أبي حاتم، من طريق أبي رجاء، وعبد بن حميد من طريق سليمان التيمي، كلاهما عن الحسن، أنه قال في قوله تعالى ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٣] (جدُّ غنى) بالرفع بلا تنوين على سبيل الحكاية، مبتدأ خبره غنى، أي: الجد تفسيره غنى، ولكريمة: الجد غنى، وسقط هذا الأثر في رواية الأصيلي وابن عساكر، وتعليق الحكم مؤخر عن تعليق الحسن في رواية أبي ذر، ومقدّم عليه في رواية كريمة، وهو الأصوب. لأن قوله: عن الحكم، معطوف على قوله: عن عبد الملك، وقوله: قال الحسن: جد غنى، معترض بين المعطوف والمعطوف عليه. ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيون إلا محمد بن يوسف، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الاعتصام، والرقاق، والقدر والدعوات، ومسلم وأبو داود والنسائي في: الصلاة. ١٥٦ - باب يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ هذا (باب) بالتنوين (يستقبل الإمام الناس) بوجهه (إذا سلم) من الصلاة. ٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ". [الحديث ٨٤٥ - أطرافه في: ١١٤٣، ١٣٨٦، ٢٠٨٥، ٢٧٩١، ٣٢٣٦، ٣٣٥٤، ٤٦٧٤، ٦٠٩٦، ٧٠٤٧]. وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثني موسى بن إسماعيل) التبوذكي، (قال: حدّثنا جرير بن حازم) بالحاء المهملة والزاي (قال: حدّثنا أبو رجاء) بتخفيف الجيم ممدودًا، عمران بن تميم العطاردي (عن سمرة بن جندب) بضم الميم وضم الدال المهملة وفتحها، ﵁ (قال: كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة) أي فرغ منها (أقبل علينا بوجهه) الشريف. ابن المنير: استدبار الإمام للمأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفّع على المأمومين. اهـ. وقيل: الحكمة فيه تعريف الداخل بأن الصلاة انقضت، إذ لو استمر على حاله لأوهم أنه في التشهد مثلاً. ٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ -عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ- فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ: فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ". [الحديث ٨٤٦ - أطرافه في: ١٠٣٨، ٤١٤٧، ٧٥٠٣]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي، وللأصيلي: قال عبد الله بن مسلمة (عن مالك) إمام دار الهجرة (عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) بتصغير العبد في الأوّل، وضم العين وإسكان المثناة الفوقية في الثالث (عن زيد بن خالد الجهني، أنه قال: صلّى لنا) أي لأجلنا (رسول الله) وللأصيلي وأبي ذر: صلّى لنا النبي (¬ ﷺ صلاة الصبح بالحديبية) بحاء مضمومة ودال مفتوحة مهملة مخففة الياء عند بعض المحققين، وهو الذي في الفرع، مشددة عند أكثر المحدثين. موضع على نحو مرحلة من مكة، سمي ببئر هناك، وبه كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة سنة ست من الهجرة. (على أثر سماءٍ كانت) بضمير التأنيث، عائد إلى سماء، وإثر بكسر الهمزة وإسكان المثلثة في الفرع، ويجوز فتحهما، أي: على أثر مطر كانت (من الليلة) ولأبي ذر من الليل (فلما انصرف) ﵊ من الصلاة (أقبل على الناس) بوجهه الشريف (فقال) لهم: (هل تدرون ماذا قال ربكم) استفهام على سبيل التنبيه. (قالوا: الله ورسوله أعلم) بما قال. (قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) الكفر الحقيقي، لأنه قابله بالإيمان حقيقة. لأنه أعتقد ما يفضي إلى الكفر، وهو اعتقاد أن الفعل للكوكب. وأما من اعتقد أن الله هو خالقه ومخترعه، وهذا ميقات له وعلامة بالعادة، فلا يكفر. أو المراد كفر النعمة لإضافة الغيث إلى الكوكب. قال الزركشي: والإضافة في عبادي للتغليب وليست للتشريف، كهي في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] لأن الكافر ليس من أهله. وتعقبه في المصابيح فقال: التغليب على

стр. 660

خلاف الأصل، ولِمَ لا يجوز أن تكون الإضافة لمجرد الملك. (فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب) بالتنوين، وللأربعة: مؤمن، بغير تنوين. وثبت قوله: لأبي ذر وسقطت لغيره، وسقطت واو: وكافر، لابن عساكر وأبي ذر: (وأما من قال: بنوء كذا وكذا) بفتح النون وسكون الواو في آخر همزة، أي: بكوكب كذا وكذا، سمى نجوم منازل القمر أنواء، وسمي نوءًا لأنه ينوء طالعًا عند مغيب مقابله بناحية المغرب. وقال ابن الصلاح: النوء ليس نفس الكوكب، بل مصدر ناء النجم إذا سقط وقيل: نهض وطلع، وبيانه أن ثمانية وعشرين نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة وهي المعروفة بمنازل القمر، يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة نجم منها في المغرب مع طلوع مقابله في المشرق، فكانوا ينسبون المطر للغارب، وقال الأصمعي: للطالع، فتسمية النجم نوءًا تسمية للفاعل بالمصدر. وللكشميهني: مطرنا بنوء كذا وكذا، (فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب). وسقطت الواو لأبوي ذر والوقت وابن عساكر، وقد أجاز العلماء أن يقال: مطرنا في نوء كذا. ٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ سَمِعَ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله) أي ابن منير، كما في رواية أبي ذر وابن عساكر، بصيغة اسم الفاعل من أثار، وللأصيلي وأبي الوقت: أبي المنير بالألف واللام، لأن الاسم إذا كان في الأصل صفة يجوز فيه الوجهان، أنه (سمع يزيد) زاد الأصيلي وأبو ذر: ابن هارون (قال: أخبرنا حميد) بضم الحاء وفتح الميم (عن أنس) وللأصيلي زيادة: ابن مالك (قال: أخر رسول الله) ولأبى ذر والأصيلي: النبي (¬ ﷺ الصلاة ذات ليلة) من باب إضافة المسمى إلى اسمه، أو لفظة: ذات، مقحمة (إلى شطر الليل) الأول (ثم خرج علينا، فلما صلّى) أي فرغ من الصلاة (أقبل علينا بوجهه) الشريف (فقال): (إن الناس) الغير الحاضرين في المسجد (قد صلوا ورقدوا، وإنكم لن) بالنون (تزالوا في) ثواب (صلاة ما انتظرتم الصلاة) أي: مدة انتظارها. ١٥٧ - باب مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلاَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ (باب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام) من الصلاة. ٨٤٨ - وَقَالَ لَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: "كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ، وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ. وَلَمْ يَصِحَّ". وبالسند إلى المؤلّف قال: (وقال لنا آدم) بن أبي إياس. وعادة المؤلّف أن يستعمل هذا اللفظ في المذاكرة، وهي أحطّ رتبة، وعلى ذلك مشى الكرماني، وتبعه البرماوي والعيني، قال في الفتح: وليس بمطّرد، فقد وجدت كثيرًا مما قال فيه ذلك قد أخرجه في تصانيف أخرى بصيغة التحديث، وإنما عبّر بذلك ليغاير بينه وبين المرفوع كما عرفته بالاستقرار من صنيعه، وتعقبه العيني بأنه: لا يلزم من كونه وجده … إلخ. أن يكون المؤلّف أسند هذا الأثر في تصنيف آخر بصيغة التحديث. اهـ. (حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا (شعبة) بن الحجاج (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (قال: كان ابن عمر) بن الخطاب (يصلّي) النفل (في مكانه الذي صلّى فيه الفريضة)، ولأبي ذر عن الحموي فريضة. ورواه ابن أبي شيبة من وجه آخر، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلّي سبحته مكانه. (وفعله) أي: صلاة النفل في موضع الفرض، (القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵃، وهذا وصله ابن أبي شيبة. (ويذكر) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول، مما وصله أبو داود، وابن ماجة لكن بمعناه، (عن أبي هريرة رفعه) بفتحات في الفرع، أي: إلى رسول الله ﷺ ، وفي غير الفرع: رفعه، بفتح فسكون فضم، مصدر مضاف للفاعل، مرفوع نائبًا عن الفاعل في يذكر، ومفعوله جملة (لا يتطوع الإمام) بضم العين أو مجزوم بلا، وكسر لالتقاء الساكنين (في مكانه) الذي صلّى فيه الفريضة. (ولم يصح). ولابن عساكر: ولا يصح هذا التعليق لضعف إسناده واضطرابه، تفرد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف واختلف عليه فيه. وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا أيضًا مما رواه أبو داود بإسناد منقطع بلفظ: لا يصلّى الإمام في الموضع الذي صلّى فيه حتى يتحوّل عن مكانه. ولابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي، قال: من السُّنّة أن لا يتطوّع الإمام حتى يتحوّل عن مكانه. وكأن المعنى في كراهة ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة على الداخل. ٨٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَنُرَى -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- لِكَىْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ". وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) أي هشام بن عبد الملك

стр. 661

كما في رواية أبوي الوقت وذر (قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين (قال: حدّثنا) ابن شهاب (الزهري عن هند بنت الحرث) بالمثلثة، التابعية، بالصرف وعدمه في هند لكون علم أنثى على ثلاثة أحرف، ساكن في الوسط ليس أعجميًّا، ولا منقولاً من مذكر لمؤنث، لكن المنع أولى، (عن أم سلمة) ﵂، (أن النبي كان إذا سلم) من الصلاة (يمكث في مكانه) الذي صلّى فيه (يسيرًا). (قال ابن شهاب) الزهري بالإسناد المذكور: (فنرى) بضم النون أي فنظن (والله أعلم) أن مكثه ﵊ في مكانه كان (لكي ينفذ) بفتح أوّله وضم ثالثه والذال معجمة، أي: يخرج (من ينصرف من النساء) قبل أن يدركهن من ينصرف من الرجال، ومقتضى هذا أن المأمومين إذا كانوا رجالاً فقط أنه لا يستحب هذا المكث. ٨٥٠ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ -وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا- قَالَتْ: "كَانَ يُسَلِّمُ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ". وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ الْفِرَاسِيَّةُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ الْفِرَاسِيَّةُ. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ الْحَارِثِ الْقُرَشِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ -وَكَانَتْ تَحْتَ مَعْبَدِ بْنِ الْمِقْدَادِ وَهْوَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ- وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ الْقُرَشِيَّةُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ الْفِرَاسِيَّةِ. وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ حَدَّثَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ". (وقال ابن أبي مريم) مما وصله في الزهريات: (أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرني) بالإفراد ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: حدّثني (جعفر بن ربيعة، أن ابن شهاب) الزهري (كتب إليه، قال: حدّثتني هند بنت) ولأبوي ذر والوقت ابنة (الحرث الفراسية) بكسر الفاء وتخفيف الراء وكسر السين المهملة وتشديد المثناة التحتية، نسبة إلى بني فراس، بطن من كنانة (عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، وكانت من صواحباتها) هو من جمع الجمع المكسر جمع سلامة وهو مسموع في هذه اللفظة (قالت: كان) النبي ﷺ (يسلم، فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ ¬). أفادت هذه الرواية الإشارة إلى أقل مقدار كان يمكثه ﵊. (وقال ابن وهب) عبد الله، مما وصله النسائي عن محمد بن سلمة عنه (عن يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري: (أخبرتني هند الفراسية) وفي رواية: القرشية، بالقاف والشين المعجمة من غير ألف. (وقال عثمان بن عمر) مما سيأتي موصولاً، إن شاء الله تعالى بعد أربعة أبواب. (أخبرنا يونس) بن يزيد (عن) ابن شهاب (الزهري، حدّثتني هند الفراسية) ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: القرشية، بالقاف والشين المعجمة. (وقال) محمد بن الوليد (الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة، مما وصله الطبراني في مسند الشاميين، من طريق عبد الله بن سالم، عنه: (أخبرني) بالإفراد: ابن شهاب (الزهري أن هند بنت الحرث) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: أن هندًا (القرشية) بالقاف والشين المعجمة من غير ألف، نسبة لقريش، ومراد المؤلّف بذلك التنبيه على أنه اختلف في نسبة هند، ولا مغايرة بين النسبتين، لأن كنانة جماع قرشي (أخبرته وكانت تحت معبد ابن المقداد) بفتح الميم وسكون العين وفتح الموحدة في الأوّل، وكسر الميم في الثاني، ابن الأسود الكندي المدني الصحابي (وهو) أي معبد (حليف بني زهرة) بحاء مهملة مفتوحة (وكانت) هند (تدخل على أزواج النبي ﷺ ¬) ورضي عنهن. (وقال شعيب) هو ابن حمزة، مما وصله في الزهريات (عن الزهري) أنه قال: (حدّثتني هند القرشية) بالقاف والشين المعجمة. (وقال ابن أبي عتيق) بفتح العين، هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، مما وصله في الزهريات أيضًا (عن الزهري، عن هند الفراسية) بالفاء والسين المهملة. (وقال الليث) بن سعد (حدّثني) بالإفراد (يحيى بن سعيد) بكسر العين، الأنصاري، أنه (حدّثه عن ابن شهاب) ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: حدّثه ابن شهاب، (عن امرأة)، وللكشميهني: أن امرأة (من قريش) هي هند بنت الحرث المذكورة (حدّثته عن النبي ﷺ ¬) وهذا غير موصول لأن هندًا تابعية. وفي قوله: امرأة من قريش، الرد على من زعم أن قوله: القرشية بالقاف والشين المعجمة، تصحيف من الفراسية بالفاء والسين المهملة. قال في الفتح: واستنبط من مجموع الأدلة أن للإمام أحوالاً، لأن الصلاة إما أن تكون مما يتنفل بعدها أو لا. فإن كان الأوّل، فاختلف: هل يتشاغل قبل التنفل بالذكر المأثور ثم يتنفل؟ وبذلك أخذ الأكثرون لحديث معاوية. وعند الحنفية:

стр. 662

يكره له المكث قاعدًا يشتغل بالدعاء، والصلاة على النبي ﷺ ، والتسبيح قبل أن يصلّي السُّنّة. لأن القيام إلى السُّنّة بعد أداء الفريضة أفضل من الدعاء والتسبيح والصلاة، ولأن الصلاة مشتقة من المواصلة، وبكثرة الصلاة يصل العبد إلى مقصوده هـ. من المحيط. وأما الصلاة التي لا يتنفل بعدها: كالعصر، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعين له مكان، بل إن شاؤوا انصرفوا وذكروا، وإن شاؤوا مكثوا وذكروا. وعلى الثاني: إن كان للإمام عادة أن يعلمهم أو يعظهم فيستحب أن يقبل عليهم جميعًا، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور، فهل يقبل عليهم جميعًا أو ينتقل فيجعل يمينه من قبل المأمومين ويساره من قبل القبلة ويدعو؟ جزم بالثاني أكثر الشافعية. ويحتمل أنه إن قصر زمن ذلك يستمر مستقبلاً للقبلة من أجل أنها أليق بالدعاء. ويحمل الأوّل على ما لو أطال الذكر والدعاء. اهـ. والله الموفق. ١٥٨ - باب مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكَرَ حَاجَةً فَتَخَطَّاهُمْ (باب من صلّى بالناس فذكر حاجة فتخاطهم) بعد أن سلم وترك المكث. ٨٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ قَالَ: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ". [الحديث ٨٥١ - أطرافه في: ١٢٢١، ١٤٣٠، ٦٢٧٥]. وبالسند إلى المؤلّف، قال: (حدّثنا محمد بن عبيد) بضم العين، العلاف، ولابن عساكر: ابن ميمون (قال: حدّثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي، كان يغزو سنة ويحج أخرى توفي سنة سبع وثمانين ومائة، (عن عمر بن سعيد) بضم العين وفتح الميم في الأوّل. وكسر العين في الثاني، ابن أبي حسن النوفلي المكي (قال: أخبرني ابن أبي مليكة) بضم الميم (عن عقبة) بن الحرث النوفلي، أبي سروعة، بكسر السين وفتحها (قال: صلّيت وراء النبي ﷺ بالمدينة، العصر، فسلم ثم قام) كذا للكشميهني، وفي رواية الحموي والمستملي: فسلم فقام، حال كونه (مسرعًا؛ فتخطى) بغير همز، أي تجاوز (رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه). فيه أن للإمام أن ينصرف متى شاء، وأن التخطي لما لا غنى عنه مباح، وأن من وجب عليه فرض فالأفضل مبادرته إليه. (ففزع الناس) بكسر الزاي: أي خافوا (من سرعته) وكانت هذه عادتهم، إذا رأوا منه ﵊، غير ما يعهدونه، خشية أن ينزل فيهم شيء فيسوءهم، (فخرج) ﷺ من الحجرة (عليهم) ولابن عساكر، إليهم (فرأى أنهم عجبوا) وللكشميهني: أنهم قد عجبوا (من سرعته، فقال) ﵊: (ذكرت) بفتح الذال والكاف، أو بالضم والكسر، وأنا في الصلاة (شيئًا من تبر) بكسر المثناة شيئًا من ذهب أو فضة غير مضوغ، أو من ذهب فقط. وفي رواية أبي عاصم: تبرًا من الصدقة (عندنا، فكرهت أن يحبسني) أي: يشغلني التفكّر فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى (فأمرت بقسمته) بكسر القاف والمثناة الفوقية بعد الميم، ولأبي ذر وابن عساكر: بقسمة القاف من غير مثناة، وفي رواية أبي عاصم: فقسمته. ويؤخذ منه أن عروض الذكر في الصلاة في أجنبي عنها من وجوه الخير، وإنشاء العزم في أثنائها على الأمور المحمودة، لا يفسدها، ولا يقدح في كمالها. واستنبط منه ابن بطال: أن تأخر الصدقة يحبس صاحبها يوم القيامة في الموقف. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفي ومكّي، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده، وأخرجه أيضًا في الصلاة والزكاة والاستئذان، والنسائي في الصلاة. ١٥٩ - باب الاِنْفِتَالِ وَالاِنْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَكَانَ أَنَسٌ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَيَعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى -أَوْ مَنْ يَعْمِدُ- الاِنْفِتَالَ عَنْ يَمِينِهِ. (باب الانفتال) لاستقبال المأمومين (والانصراف) لحاجته (عن اليمين والشمال) أي عن يمين المصلي وعن شماله، فالألف واللام عوض عن المضاف إليه. (وكان أنس) ولأبي ذر: أنس بن مالك، مما وصله مسدد في مسنده الكبير، من طريق سعيد عن قتادة، قال: كان أنس (ينفتل) أي ينصرف (عن يمينه وعن يساره، ويعيب على من يتوخى) بالخاء المعجمة المشددة، أي يقصد ويتحرى (-أو من يعمد- الانفتال عن يمينه) بفتح المثناة التحتية وسكون العين وكسر الميم، شك من الراوي. وفي رواية أبي ذر: أو من تعمد، بفتح المثناة الفوقية والعين والميم المشدّدة، ولابن عساكر والأصيلي: أو يعمد، بفتح المثناة التحتية وسكون العين وكسر الميم مع إسقاط: من. فإن قلت: هذا يخالف ما في مسلم من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن

стр. 663

السدي، قال: أنسًا كيف أنصرف إذا صليت، عن يميني أو عن يساري؟ قال: أمّا أنا، فأكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه. أجيب بأن أنسًا إنما عاب من يعتقد تحتّم ذلك ووجوبه، وأما إذا استوى الأمران، فجهة اليمين أولى، لأنه ﵊: كان أكثر انصرافه لجهة اليمين، كما سيأتي في الحديث الآتي، إن شاء الله تعالى، ويجب التيامن في شأنه كله. ٨٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلاَّ عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ". وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (قال: حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (شعبة) بن الحجاج، (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن عمارة بن عمير) بضم العين فيهما، (عن الأسود) بن يزيد النخعي (قال: قال عبد الله) بن مسعود، ﵁: (لا يجعل) وللكشميهني: لا يجعلن، بنون التوكيد، (أحدكم للشيطان شيئًا) ولمسلم: جزءًا (من صلاته يرى) بفتح أوّله، أي: يعتقد، ويجوز الضم أي: يظن (أن حقًّا عليه أن لا ينصرف إلاّ عن يمينه) بيان لما قبله، وهو الجعل أو استئناف بياني. كأنه قيل: كيف يجعل للشيطان شيئًا من صلاته؟ فقال: يرى أن حقًّا عليه إلى آخره. وقوله: أن لا ينصرف، في موضع رفع خبر أن، واستشكل بأنه معرفة، إذ تقديره عدم الانصراف، فكيف يكون اسمها نكرة وهو معرفة؟ وأجيب: بأن النكرة المخصوصة كالمعرفة، أو من باب القلب، أي: يرى أن عدم الانصراف حق عليه. قاله البرماوي تبعًا للكرماني. وتعقبه العيني فقال: هذا تعسف، والظاهر أن المعنى: يرى واجبًا عليه عدم الانصراف إلا عن يمينه والله (لقد رأيت النبي ﷺ كثيرًا) حال كونه (ينصرف عن يساره). واستنبط ابن المنير منه: أن المندوب ربما انقلب مكروهًا إذا خيف على الناس أن يرفعوه عن رتبته، لأن التيامن مستحب. لكن لما خشي ابن مسعود أن يعتقد وجوبه، أشار إلى كراهته. قال أبو عبيدة لمن انصرف عن يساره: هذا أصاب السُّنّة، يريد والله أعلم، حيث لم يلزم التيامن على أنه سُنّة مؤكدة أو واجب، وإلا فما يظن أن التياسر سُنّة حتى يكون التيامن بدعة، إنما البدعة في رفع التيامن عن رتبته. قاله في المصابيح. ورواة هذا الحديث ما بين كوفي وواسطي وبصري، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وثلاثة من التابعين، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة: في الصلاة. والله أعلم. ١٦٠ - باب مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّىِّء وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ الْبَصَلَ مِنَ الْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا». (باب ما جاء في) أكل (الثوم النيء) بنون مكسورة فمثناة تحتية فهمزة ممدودة، وقد تدغم، وهو مجرور، صفة لسابقه المضموم المثلثة، أي غير النضيج (و) ما جاء في أكل (البصل والكراث) بضم الكاف وتشديد الراء آخره مثلثة. (وقول النبي ﷺ ¬) بجرّ لام القول عطفًا على المجرور السابق، ومقول قوله ﵊ (من أكل الثوم أو البصل) أي: النيء (من الجوع، أو غيره) كالأكل للتشهّي، والتأدّم بالخبز (فلا يقربن مسجدنا) بنون التأكيد المشددة. وليس هذا لفظ حديث، بل هو من تفقه المصنف، وتجويزه لذكر الحديث بالمعنى. والتقييد: بالجوع أو غيره، مأخوذ من كلام الصحابي في بعض طرق حديث جابر، المروي في مسلم، ولفظه: نهى رسول الله ﷺ عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة، فأكلنا منه … الحديث. والحاجة تشمل الجوع وغيره. وأصرح منه ما في حديث أبي سعيد: ثم بعد أن فتحت خيبر فوقعنا في هذه البقلة والناس جياع … الحديث. ٨٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يَعْنِي الثُّومَ- فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا". [الحديث ٨٥٣ - أطرافه في: ٤٢١٥، ٤٢١٧، ٤٢١٨، ٥٥٢١، ٥٥٢٢]. وبالسند إلى البخاري ﵀ قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين، ابن عمر العمري (قال: حدّثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄، أن النبي ﷺ قال، في غزوة خيبر) سنة سبع من الهجرة: (من أكل من هذه الشجرة) (يعني الثوم) يحتمل أن يكون القائل: يعني، هو عبيد الله العمري، كما قاله الحافظ ابن حجر ﵀ (فلا يقربن مسجدنا) بنون التأكيد المشددة أي: المكان الذي أعدّه ليصلّي فيه مدة إقامته بخيبر، أو المراد بالمسجد: الجنس، والإضافة إلى المسلمين

стр. 664

ويدل له رواية أحمد عن يحيى القطان فيه بلفظ: فلا يقربن المساجد: وحكم رحبة المسجد حكمه لأنها منه، ولذا كان ﵊ إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج مَن وجدت منه إلى البقيع، كما ثبت في مسلم عن عمر ﵁، ويلحق بالثوم كل ذي ريح كريه. وألحق بعضهم به من بفيه بخر، أو لجرحه رائحة، وكالمجذوم والأبرص، وأصحاب الصنائع الكريهة: كالسماك، وتاجر الكتان، والغزل. وعورض بأن آكل الثوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع، بخلاف: الأبخر والمجذوم، فكيف يلحق المضطر بالمختار. اهـ. وزاد مسلم من رواية ابن نمير عن عبيد الله: حتى ذهب ريحها. وسمى الثوم بالشجرة، والشجرة ما كان على ساق له وما لا ساق له يسمى نجمًا. كما أن اسم كلٍّ منهما قد يطلق على الآخر، ونطق أفصح الفصحاء من أقوى الدلائل. ٨٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يُرِيدُ الثُّومَ- فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا». قُلْتُ: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَعْنِي إِلاَّ نِيئَهُ. وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: إِلاَّ نَتْنَهُ. [الحديث ٨٥٤ - أطرافه في: ٨٥٥، ٥٤٥٢، ٧٣٥٩]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) أي: ابن اليمان الجعفي المسندي المتوفى سنة تسع وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل، شيخ المؤلّف، وربما روى عنه بواسطة كما هنا (قال: أخبرنا ابن جريج) عبد الملك (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح (قال: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (قال: قال النبي ﷺ ¬): (من كل من هذه الشجرة) (يريد الثوم) يحتمل أن يكون الذي فسر هو ابن جريج كما قاله الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى. (فلا يغشانا) بألف بعد الشين المعجمة إجراء للمعتل مجرى الصحيح، كقوله: إذا العجوز غضبت فطلق … ولا ترضاها ولا تملق أو الألف من إشباع فتحية يغشنا، أو خبر بمعنى النهي، أي: فلا يأتنا (في مساجدنا) وللحموي والمستملي: مسجدنا، بالإفراد. قال عطاء (قلت) لجابر: (ما يعني به) أي: بالثوم أنضيجًا أم نيًّا؟ (قال) جابر: (ما أراه) بضم الهمزة أي: ما أظنه ﵊ (يعني) أي يقصد (إلا نيئه) بكسر النون مع الهمزة والمد، كما في الفرع وأصله وجزم الكرماني بأن السائل عطاء. والمسؤول جابر، وتبعه البرماوي، والعيني. وقال الحافظ ابن حجر: أظن السائل ابن جريج والمسؤول عطاء. وفي مصنف عبد الرزاق ما يرشد إلى ذلك. اهـ. ومقتضى قوله: إلا نيئه، أنه لا يكره المطبوخ. وفي حديث عليّ، المروي عند أبي داود، قال: نهى عن أكل الثوم إلا مطبوخًا. وفي حديث معاوية بن قرة، عن أبيه أنه ﷺ نهى عن هاتين الشجرتين، وقال: "من أكلهما فلا يقربن مسجدنا". وقال: "إن كنتم لا بدّ آكليهما فأميتوهما طبخًا". (وقال مخلد بن يزيد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة ويزيد من الزيادة، والحراني المتوفى سنة ثلاث وتسعين ومائة، يروي (عن ابن جريج) عبد الملك: (إلا نتنه) بفتح النون وسكون المثناة الفوقية بعدها نون أخرى. أي: قال بدل نيئه، نتنه. وهو الرائحة الكريهة. ونقل ابن التين عن مالك أنه قال: الفجل إن كان يظهر ريحه فهو كالثوم، وقيده القاضي عياض بالجشاء: ونص في الطبراني الصغير، في حديث أبي الزبير عن جابر: على الفجل، لكن في إسناده يحيى بن راشد وهو ضعيف. وقد وقع حديث جابر هذا مقدمًا على سابقه في بعض الأصول، وعلى أولهما في فرع اليونينية، كهي، علامة التقديم والتأخير، ورمز أبي ذر وعليه شرح العيني. ورواة حديث جابر هذا ما بين بخاري وبصري ومكّي وشيخ المؤلّف المسندي من أفراده، وفيه التحديث والإخبار والسماع والقول، وأخرجه مسلم والنسائي: في الصلاة، والترمذي في الأطعمة. ٨٥٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا -أَوْ قَالَ- فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ قَالَ: قَرِّبُوهَا -إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ- فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ: كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي". وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ ابْنُ وَهْبٍ "أُتِيَ بِبَدْرٍ" قَالَ ابنُ وَهبٍ: يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خُضَرَاتٌ. وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ وَأَبُو صَفْوَانَ عَنْ يُونُسَ قِصَّةَ الْقِدْرِ، فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أَوْ فِي الْحَدِيثِ. وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء، المصري (قال: حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري أيضًا (عن يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (زعم عطاء) هو ابن أبي رباح أي: قال: لأن المراد بالزعم هنا القول المحقق وللأصيلي: عن عطاء (أن جابر بن عبد الله) الأنصاري (زعم أن النبي ﷺ قال) (من أكل ثومًا أو بصلاً فليعتزلنا) (أو قال: فليعتزل)

стр. 665

ولابن عساكر أو فليعتزل (مسجدنا) شك من الزهري - (وليقعد) بواو العطف، ولأبي ذر: أو ليقعد (في بيته). بالشك. وهو أخص من الاعتزال لأنه أعمّ من أن يكون في البيت أو غيره. وبه قال المؤلّف (و) حدّثنا سعيد بن عفير بإسناده (أن النبي ﷺ ¬) أي: لما قَدِمَ المدينة من مكة، ونزل في بيت أبي أيوب الأنصاري (أتي) من عند أبي أيوب (بقدر) بضم الهمزة وكسر القاف، ما يطبخ فيه الطعام (فيه خضرات) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، ولأبي ذر، وعزاها القاضي عياض وابن قرقول للأصيلي: خضرات، بضم الخاء وفتح الضاد، جمع خضرة (من بقول) أي مطبوخة، (فوجد لها ريحًا) لأن الرائحة لم تمت منها بالطبخ، فكأنها نيئة (فسأل، فأخبر) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي أُخبر النبي ﷺ (بما فيها) أي القدر (من البقول فقال) وفي رواية قال: (قربوها) أي القدر أو الخضرات أو البقول مشيرًا (إلى بعض أصحابه كان معه)، هو أبو أيوب الأنصاري. استدلّ في فتح الباري لكونه أبا أيوب بحديث مسلم، في قصة نزوله ﵊ عليه، قال: وكان يقدم للنبي ﷺ طعامًا، فإذا جيء به إليه، أي بعد أن يأكل النبي ﷺ منه، سأل عن موضع أصابع النبي ﷺ ، فصنع ذلك مرة، فقيل له: لم يأكل، وكان الطعام فيه ثوم، فقال: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا، ولكن أكرهه" اهـ. أو هو وغيره حديث أم أيوب المروي عند ابني خزيمة وحبان. قالت: نزل علينا رسول الله ﷺ فتكلفنا له طعامًا فيه بعض البقول … الحديث. وفيه: قال: كلوا، فإني لست كأحد منكم، فهذا أمر بالأكل للجماعة. (فلما رآه) أي فلما رأى النبي ﷺ أبا أيوب أو غيره (كره أكلها قال) ولأبي ذر والأصيلي فقال: (كل فإني أناجي مَن لا تناجي) أي من الملائكة. وعند ابني خزيمة وحبان، من وجه آخر: أن رسول الله ﷺ أرسل إليه بطعام من خضرة فيه بصل أو كراث، فلم ير فيه أثر رسول الله ﷺ ، فأبى أن يأكل. فقال له: ما منعك أن تأكل؟ فقال: لم أر أثر يدك قال: أستحيي من ملائكة الله، وليس بمحرم. وعندهما أيضًا: إني أخاف أن أُوذي صاحبيّ. ورواة هذا الحديث ما بين مصري بالميم ومكّي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه البخاري في الاعتصام، ومسلم في الصلاة، وأبو داود في الأطعمة، والنسائي في الوليمة. (وقال أحمد بن صالح) المصري، شيخ المؤلّف من أفراده، يروي (عن ابن وهب) عبد الله: (أتي) بضم الهمزة (ببدر) بفتح الموحدة وسكون الدال آخره راء، فخالف سعيد ابن عفير شيخه المذكور في لفظة قدر بالقاف فقط، وشاركه في سائر الحديث عن ابن وهب بإسناده المذكور. وقد رواه المؤلّف في الاعتصام: (قال ابن وهب) في تفسير بدر: (يعني طبقًا) شبّهه بالبدر، وهو القمر عند كماله لاستدارته (فيه خضرات) أي من بقول، وظاهره أن البقول كانت فيه نيئة، لكن لا مانع من كونها كانت مطبوخة. وقد رجح جماعة من الشرّاح رواية أحمد بن صالح هذه، لكن ابن وهب فسر البدر بالطبق، فدل على أنه حدث به كذلك. والذي يظهر أن رواية القدر أصح لما تقدم من حديث أبي أيوب وأم أيوب جميعًا، فإن فيه التصريح بالطعام. (ولم يذكر الليث) بن سعد فيما وصله الذهلي في الزهريات (وأبو صفوان) عبد الله بن سعيد الأموي، فيما وصله المؤلّف: في الأطعمة، عن علي بن المديني عنه، (عن يونس) بن يزيد عن عطاء عن جابر (قصة القدر) بل اقتصر على الحديث الأوّل. قال المؤلّف أو شيخه: سعيد بن عفير، أو ابن وهب، وبالأوّل جزم ابن حجر ﵀. (فلا أدري هو من قول الزهري) مدرجًا (أو) هو مروي (في الحديث) المذكور. وفي متن الفرع كأصله بعد قوله: وقال أحمد بن صالح، بعد حديث يونس، عن ابن شهاب، وهو يثبت قول يونس: هذا لفظه، وعليه علامة السقوط عند أبوي ذر والوقت، والأصيلي وابن عساكر، وبالهامش مكتوب: ظع. عن ابن شهاب ثبتت، وبالهامش أيضًا بقية قوله: وقال أحمد بن صالح إلى آخر قوله: أو في الحديث خرج له من آخر قوله ابن صالح. وقال تلو ذلك: هذا

стр. 666

المكتوب جميعه في هامش اليونينية في هذا الموضع وليس عليه رقم. اهـ. وقد ثبت أيضًا في الفرع: كهو، قوله: وقال أحمد بن صالح إلى آخر قوله: أو في الحديث في الهامش بعد قوله: وقال مخلد بن يزيد عن ابن جريج، إلا نتنه. وقال في آخره: هذا مكتوب في اليونينية في المتن في هذا الوضع، ومكتوب إلى جانبه: يؤخر إلى بعد قوله: من لا تناجي عند: هـ. ص. ش. ظ. صحـ. وسيأتي بعد مكتوبًا في هذه النسخة على ما ذكر: أنه عند أصحاب هذه العلامات فليعلم. اهـ. ٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: "سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسًا: مَا سَمِعْتَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا -أَوْ- لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا». [الحديث ٨٥٦ - طرفه في: ٥٤٥١]. وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله، المقعد البصري (قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد العنبري البصري (عن عبد العزيز) بن صهيب البناني البصري (قال: سأل رجل)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: لم أعرف اسمه (أنسًا) ولأبي ذر والأصيلي: أنس بن مالك: (ما سمعت نبي الله ﷺ يقول في الثوم) بفتح تاء سمعت على الخطاب، وما استفهامية، ولأبي ذر: يذكر، وللأصيلي وأبي الوقت: يقول في الثوم؟ (فقال) أنس (قال النبي ﷺ ¬): (من أكل من هذه الشجرة) أي الثوم (فلا يقربنا) بفتح الراء والموحدة وبنون التأكيد المشددة (ولا يصلّين معنا) عطف عليه بنون التأكيد المشددة أيضًا، وعين معنا تسكن وتفتح، أي: مصاحبًا لنا. وليس فيه تقييد النهي بالمسجد. فيستدل بعمومه على إلحاق حكم الجامع بالمساجد، كمصلي العيد، والجنائز، ومكان الوليمة. لكن قد علّل المنع في الحديث بترك أدّى الملائكة، وترك أدّى المسلمين. فإن كان كلٌّ منهما جزء علة اختص النهي بالمساجد، وما في معناها وهذا هو الأظهر. وإلاَّ فيعمّ النهي كل مجمع. كالأسواق، ويؤيد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: "من أكل من هذه الشجرة شيئًا فلا يقربنا في المسجد". قال ابن العربي ذكر الصفة في الحكم يدل على التعليل بها، ومن ثم رد على الماوردي حيث قال: لو أن جماعة مسجد أكلوا كلهم ما له رائحة كريهة لم يمنعوا منه، بخلاف ما إذا أكل بعضهم، لأن المنع لم يختص بهم، بل بهم وبالملائكة. وعلى هذا يتناول المنع من تناول شيئًا من ذلك. ودخل المسجد مطلقًا، وإن كان وحده، قاله في فتح الباري. ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه التحديث والعنعنة والسؤال والقول، وأخرجه البخاري أيضًا في الأطعمة، ومسلم في الصلاة. ١٦١ - باب وُضُوءِ الصِّبْيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْغَسْلُ وَالطُّهُورُ؟ وَحُضُورِهِمِ الْجَمَاعَةَ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجَنَائِزَ وَصُفُوفِهِمْ (باب وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطهور) بضم الطاء، وهو من عطف العامّ على الخاص، وضم غين الغسل لأبي ذر. (وحضورهم الجماعة) بجر حضور عطفًا على وضوء، ونصب جماعة بالمصدر المضاف إلى فاعله (والعيدين) عطف عليه (والجنائز) كذلك (وصفوفهم) بالجر عطفًا على وضوء. فإن قلت: وصفوفهم، يلزم منه أن تكون للصبيان صفوف تخصّهم، وليس في الباب ما يدل له. أجيب: بأن المراد بصفوفهم: وقوفهم في الصف مع غيرهم. ٨٥٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيَّ قَالَ: "سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّهُمْ وَصَفُّوا عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ حَدَّثَكَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ". [الحديث ٨٥٧ - أطرافه في: ١٢٤٧، ١٣١٩، ١٣٢١، ١٣٢٢، ١٣٢٦، ١٣٣٦، ١٣٤٠]. وبالسند إلى المؤلّف قال رحمه الله تعالى: (حدّثنا ابن المثنى) ولأبي ذر: حدّثنا محمد بن المثنى أي ابن عبد الله الأنصاري البصري (قال: حدّثني) بالإفراد، وللأربعة: حدّثنا (غندر) محمد بن جعفر البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت سلمان) بن أبي سليمان. فيروز (الشيباني قال: سمعت) عامرًا (الشعبي قال: أخبرني) بالإفراد (من مرّ) من الصحابة ممّن لم يسم، وجهالة الصحابي غير قادحة في الإسناد (مع النبي ﷺ على قبر منبوذ) بفتح الميم وسكون النون وضم الموحدة آخره معجمة مع التنوين، نعتًا لسابقه، أي: قبر منفرد في ناحية عن القبور، ولأبي ذر: قبر منبوذ بإضافة قبر إلى منبوذ أي: قبر لقيط، أي: قبر ولد مطروح. (فأمهم) ﵊ في الصلاة عليه (وصفوا عليه) أي على القبر، والصاد مفتوحة والفاء مضمومة، ولأبي ذر عن الكشميهني: وصفوا خلفه. قال الشيباني: (فقلت): (يا أبا عمرو) بفتح العين (من حدّثك) بهذا؟ (فقال) وللأربعة: قال، أي حدّثني (ابن عباس) ﵄. والغرض منه أن ابن عباس حضر صلاة الجماعة، ولم يكن إذ ذاك بالغًا. فهو مطابق للجزء الثالث. وللجزء السادس في قوله: وصفوفهم. وكذا في الأول لأنه لم يكن يصلّي إلاّ بوضوء. ورواة هذا الحديث ما بين بصري وواسطي

стр. 667

وكوفي، وفيه تابعى عن تابعي، والتحديث والإخبار والسماع والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: الجنائز، وكذا مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. ٨٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». [الحديث ٨٥٨ - أطرافه في: ٨٧٩، ٨٨٠، ٨٩٥، ٢٦٦٥]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني البصري (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثني) بالإفراد (صفوان بن سليم) بضم السين المهملة، المقول فيه: إن جبهته تعبت من كثرة السجود، (عن عطاء بن يسار) الهلالي، مولى أم المؤمنين ميمونة (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ (عن النبي ﷺ ، قال): (الغسل يوم الجمعة واجب) أي كالواجب في التوكيد (عن كل محتلم) أي بالغ. فوقت إيجاب الغسل على الصبي بلوغه، وهو مطابق للجزء من الترجمة، وهو قوله: ومتى يجب عليه الغسل. ورواة هذا الحديث ما بين بصري ومكّي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا: في الصلاة، وفي الشهادات، وكذا مسلم، وأخرجه أبو داود في الطهارة، والنسائي وابن ماجة في الصلاة. ٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا -يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ جِدًّا- ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ. فَأَتَاهُ الْمُنَادِي يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: "إِنَّ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ" ثُمَّ قَرَأَ: "إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني، وسقط ابن عبد الله في رواية أبي ذر (قال: أخبرنا) وللأربعة: هـ ظ ص ش: حدّثنا (سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو: ابن دينار (قال: أخبرني) بالإفراد (كريب) بضم الكاف وفتح الراء، مولى ابن عباس (عن ابن عباس، ﵄، قال: بتّ عند خالتي) أم المؤمنين (ميمونة) ﵂ (ليلة، فنام النبي ﷺ ، فلما كان في بعض الليل، قام رسول الله ﷺ ، فتوضأ من شن) بفتح المعجمة: قربة خلقة (معلق) بالتذكير على معنى الجلد أو السقاء، (وضوءًا خفيفًا يخففه عمرو) أي ابن دينار (ويقلله جدًّا). من باب الكمّ، بخلاف: يخففه فإنه من باب الكيف، وهذا هو الفارق، وهو مدرج من ابن عيينة (كم قام) ﵊ (يصلّي، فقمت فتوضأت نحوًا مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، فحوّلني فجعلني عن يمينه، ثم صلّى ما شاء الله، ثم اضطجع فنام حتى نفخ فأتاه المنادي) ولأبي ذر عن الكشميهني في نسخة: فأتاه المؤذن (يأذنه) بكسر الذال، ولأبي ذر: يأذنه، بفتحها مع الأول وسكون الهمز فيهما، وللأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت في نسخة: يؤذنه، بضم أوّله وسكون الهمزة، بلفظ المضارع من غير فاء، أي: يعلمه. وللكشميهني: فآذنه، بفاء فهمزة مفتوحة ممدودة فذال مفتوحة، أي: أعلمه (بالصلاة، فقام معه) أي مع المؤذن أو مع الإيذان (إلى الصلاة، فصلّى ولم يتوضأ). قال سفيان: (قلنا) ولابن عساكر: فقلنا: (لعمرو) هو ابن دينار: (إن ناسًا يقولون: إن النبي ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه). (قال عمرو: سمعت عبيد بن عمير) بضم العين فيهما (يقول: إن رؤيا الأنبياء وحي) وسقط لفظ: إن، عند الأربعة (ثم قرأ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]) يستدل بها لما ذكر، لأنها لو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم ﵊ الإقدام على ذبح ولده فإن ذلك حرام. ومطابقته للجزء الأول من الترجمة من قوله: فتوضأت نحوًا مما يتوضأ. وكان إذ ذاك صغيرًا، وصلّى معه ﷺ ، فأقره على ذلك بأن حوّله فجعله عن يمينه. ولم يبيّن المؤلّف ﵀ في الترجمة ما حكم وضوء الصبي هل هو واجب أو مندوب؟ لأنه لو قال: مندوب، لاقتضى صحة الصلاة بغير وضوء، ولو قال: واجب، لاقتضى أن الصبي يعاقب على تركه، فسكت عن ذلك ليسلم من الاعتراض. وأما حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جدّه مرفوعًا: "علّموا الصبي الصلاة ابن سبع واضربوه عليها ابن عشر". فهو وإن اقتضى تعيين وقت الوضوء لتوقف الصلاة على الوضوء، فلم يقل بظاهره إلا بعض أهل العلم. قالوا: تجب الصلاة على الصبي للأمر بضربه على تركها. وهذه صفة الوجوب. وبه قال أحمد، ﵀، في رواية: وحكى البندنيجي أن الشافعي ﵀ أومأ إليه. وذهب الجمهور إلى أنها لا تجب عليه إلاّ بالبلوغ. وقالوا: الأمر بضربه للتدريب. ٨٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ "أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَالَ: قُومُوا فَلأُصَلِّيَ بِكُمْ. فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِثَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْيَتِيمُ مَعِي وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ". وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك) ﵁، (أن

стр. 668

جدّتها مليكة) بضم الميم وفتح اللام وسكون المثناة التحتية، والضمير في جدته عائد إلى إسحاق، لأنها أم أنس (دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه) ﵊ (فقال) وفي نسخة: ثم قال: (قوموا فلأصلي بكم) بلام مكسورة وفتح الياء، على أنها لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، إما على زيادة الفاء على رأي الأخفش، واللام متعلقة بقوموا. أو أن: أن والفعل، في تأويل المصدر واللام، ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، أي قوموا فقيامكم لصلاتي بكم. ويجوز تسكين الياء على أن اللام لام كي، وأسكنت الياء تخفيفًا، وهي لغة مشهورة. ومنه قراءة الحسن ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾. ويحتمل أن تكون لام الأمر، وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح، كقراءة قنبل: ﴿إنه من يتقي ويصبر﴾. (فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبث، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ ، واليتيم معي) برفع اليتيم عطفًا على الضمير المرفوع المتصل بلا فصل، واسمه: ضميرة، بضم الضاد المعجمة وسكون المثناة التحتية وبالراء، ابن سعد الحميري (والعجوز) أم سليم (من ورائنا) بكسر ميم: مِن على الأشهر على أنها حجارة، وجوّز الفتح على أنها موصولة. (فصلّى بنا) ﵊ (ركعتين). مطابقته للجزء الأخير من الترجمة في قوله: واليتيم معي، أي في الصف. لأن اليتيم دالّ على الصبي إذ لا يتم بعد الاحتلام. ٨٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: "أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَىَّ أَحَدٌ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بضم العين في الأول والثالث، وسكون المثناة الفوقية، (عن ابن عباس، ﵄، أنه قال: أقبلت) حال كوني (راكبًا على حمار أتان) بفتح الهمزة والمثناة الفوقية، أي أنثى الحمير، ولا يقال: أتانة، بخلاف: حمارة، وهو بالجر، بدل من حمار (وأنا يومئذٍ قد ناهزت) بالزاي، أي: قاربت (الاحتلام) أي: البلوغ. فليس المراد: خصوص الحلم وهو الذي يراه النائم من الماء، (ورسول الله ﷺ يصلّي بالناس بمنى) بالصرف والياء، في الفرع. قال النووي ﵀: والأجود صرفه وكتابته بالألف لا بالياء. (إلى جدار) سترة بالكلية (فمررت بين يدي بعض الصف) الواحد أو المراد الجنس، أي بعض الصفوف (فنزلت وأرسلت الأتان ترتع) بضم العين أي: تسرع المشي، أو تأكل (ودخلت في الصف، فلم ينكر) بكسر الكاف (ذلك) الفعل (عليّ أحد) لا النبي، ﷺ ، ولا أحد من أصحابه الحاضرين. ولأبي ذر: عليّ ذلك أحد. ومطابقته للترجمة في الجزء الأول منها في الوضوء، والثالث في حضور الصبيان الجماعة، والسادس في قوله: وصفوفهم. فإن ابن عباس كان في ذلك الوقت صغيرًا وحضر الجماعة، ودخل في صفهم، وصلّى معهم ولم يكن صلّى إلاّ بوضوء. ٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: "أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ … ". وَقَالَ عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: قَدْ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي غَيْرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ". وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن) ابن شهال (الزهري) ولغير أبي ذر عن المستملي: عن ابن شهاب الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير: أن عائشة) ﵂ (قالت: أعتم النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ ¬). (وقال عياش) بالمثناة التحتية والشين المعجمة: (حدّثنا عبد الأعلى قال: حدّثنا) ولابن عساكر: أخبرنا (معمر) هو ابن راشد (عن) ابن شهاب (الزهري، عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂، قالت: أعتم رسول الله ﷺ ¬) أي: أخّر حتى اشتدت عتمة الليل، أي: ظلمته (في العشاء، حتى) أي: إلى أن (ناداه عمر) بن الخطاب، ولأبي ذر عن الكشميهني: حتى نادى عمر: (قد نام النساء والصبيان) أي الحاضرون للصلاة مع الجماعة، (فخرج رسول الله ﷺ ¬) إليهم من الحجرة (فقال): (إنه ليس أحد من أهل الأرض يصلّي هذه الصلاة) العشاء (غيركم) بالرفع والنصب، كقوله: ما جاءني أحد غير زيد. (ولم يكن أحد يومئذ يصلي غير أهل المدينة) بنصب غير، ولأبي ذر وابن عساكر: غير، بالرفع وتوجيهها كالسابقة. ولابن عساكر: ولم يكن يومئذ فأسقط، لفظ أحد. ومطابقته للترجمة ظاهرة

стр. 669

من قوله: قد نام النساء والصبيان الحاضرون. ٨٦٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ رَجُلٌ: شَهِدْتَ الْخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ -يَعْنِي مِنْ صِغَرِهِ- أَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُهْوِي بِيَدِهَا إِلَى حَلْقِهَا تُلْقِي فِي ثَوْبِ بِلَالٍ، ثُمَّ أَتَى هُوَ وَبِلَالٌ الْبَيْتَ". وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم، ابن بحر البصرى الصيرفي (قال: حدّثنا يحيى) القطان (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (قال: حدّثني) بالإفراد، وفي بعضها: حدّثنا (عبد الرحمن بن عابس) بألف بعد العين المهملة ثم موحدة مكسورة فسين مهملة (سمعت) وللأصيلي: قال سمعت (ابن عباس ﵄، قال) وللأربعة: وقال (له رجل) لم يسم، أو هو الراوي: (شهدت الخروج) إلى مصلّى العيد (مع رسول الله ﷺ ¬)؟ بالخطاب في شهدت. والاستفهام مقدر، أي: أحضرت خروج النساء معه ﵊؟ (قال: نعم) شهدته (ولولا مكاني منه) أي: ولولا قربي منه ﵊ (ما شهدته) قال الراوي: (يعني من صغره أتى) ﵊ (العلم) بفتح العين واللام، الراية أو العلامة أو المنار (الذي عند دار كثير بن الصلت) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام آخره مثناة فوقية، ابن معد يكرب الكندي (ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهنّ وذكرهنّ) بتشديد الكاف، من التذكير (وأمرهن أن يتصدقن) لأنهن أكثر أهل النار، أو: أن الوقت كان وقت حاجة، والمواساة والصدقة كانت يومئذ أفضل وجوه البر (فجعلت المرأة تهوي) بضم أوله من الرباعي، وبفتحها من الثلاثي أي: تومئ (بيدها إلى حلقها) بفتح الحاء واللام وبكسر الحاء أيضًا، الخاتم لا فصّ له، أو القرط، وللأصيلي: إلى حلقها بسكون اللام مع فتح الحاء، أي المحل الذي تعلق فيه (تلقي) من الإلقاء أي: ترمي (في ثوب بلال) الخاتم والقرط (ثم أتى) ﵊ (هو وبلال البيت) ولأبي الوقت: إلى البيت. ومطابقته للجزء الأول من الترجمة في قوله: ما شهدته يعني من صغره. ورواة هذا الحديث ما بين كوفي وبصري، وفيه التحديث والسماع والقول، وأخرجه البخاري أيضًا في العيدين والاعتصام، وأبو داود والنسائي في الصلاة. والحديث الأول يأتي: في كتاب الجنائز، والثاني في الجمعة، والثالث في الوتر، والرابع. . . . . . . . . (١). ١٦٢ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ وَالْغَلَسِ (باب) حكم (خروج النساء) الشواب وغيرهنّ (إلى المساجد) للصلاة (بالليل والغلس) بفتح الغين المعجمة واللام، بقية ظلمة الليل، والجار والمجرور متعلق بالخروج. ٨٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعَتَمَةِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ غَيْرُكُمْ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ. وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلاَّ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ". وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، قالت: أعمّ رسول الله ﷺ بالعتمة) بفتحات، أي: أبطأ بصلاة العشاء وأخّرها (حتى ناداه عمر) بن الخطاب ﵁: (نام النساء والصبيان) الحاضرون في المسجد، (فخرج النبي ﷺ فقال): (ما ينتظرها) أي صلاة العشاء (أحد غيركم) بالنصب والرفع (من أهل الأرض) (ولا يصلّى) بالمثناة التحتية المضمومة وفتح الصاد واللام، ولأبي ذر والأصيلي: ولا تصلّى بمثناة فوقية أي العشاء (يومئذ إلاّ بالمدينة، وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول) بالجر، صفة لثلث لا الليل. واستشكل إضافة: بين، إلى غير متعدد، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: فيما بين أن يغيب الشفق وثلث الليل، بالواو ولا بإلى. وأجيب: بأن المضاف إليه الدال على التعدّد محذوف والتقدير: فيما بين أزمنة الغيبوبة إلى الثلث الأول. ومطابقة الترجمة للحديث في قوله: نام النساء. وقيده: بالليل لينبّه على أن حكم النهار خلاف. . . . . (٢). . . . . المطلق في نحو قوله في حديث: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله. على المقيد هنا بالليل، وبنى المؤلّف الترجمة عليه. وهل شهودهنّ للجماعة مندوب أو مباح فقط؟ قال محمد بن جرير الطبري إطلاق الخروج لهن إلى المساجد إباحة لا ندب ولا فرض، وفرق بعضهم بين الشابة والعجوز وفيه إباحة خروج النساء لمصالحهنّ، لكن فرق بعض المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها. وأجيب بأنها إذا كانت مستترة غير متزينة ولا متعطرة حصل الأمن عليها، ولا سيما إذا كان ذلك بالليل. وقال أبو حنيفة ﵀: أكره للنساء شهود الجمعة، وأرخص للعجوز أن تشهد العشاء والفجر، وأما غيرهما من الصلوات فلا. وقال أبو يوسف ﵀: لا بأس أن

стр. 670

تخرج العجائز في الكل، وأكره للشابة. ٨٦٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ». تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [الحديث ٨٦٥ - أطرافه في: ٨٧٣، ٨٩٩، ٩٠٠، ٥٢٣٨]. وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغرًا، العبسي الكوفي (عن حنظلة) بن أبي سفيان الأسود الجمحي، من مكة (عن سالم بن عبد الله) بن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄، عن النبي ﷺ ، قال): (إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد) للعبادة (فأذنوا لهن) أي: إذا أمنت المفسدة منهنّ وعليهنّ، وذلك هو الأغلب في ذلك الزمان، بخلاف زماننا هذا الكثير الفساد والمفسدين. وهل الأمر للأزواج أمر ندب أو وجوب؟ حمله البيهقي على الندب لحديث: "وصلاتكن في دوركن أفضل من صلاتكن في مسجد الجماعة"، وقيده بالليل لكونه: "أستر لكن". لم يذكر أكثر الرواة عن حنظلة قوله: بالليل، وكذا رواه بقيد الليل مسلم وغيره، والزيادة من الثقة مقبولة. ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين كوفي ومكّي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم في الصلاة. (تابعه) أي تابع عبيد الله بن موسى (شعبة) بن الحجاح فيما وصله أحمد في مسنده (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن مجاهد عن ابن عمر) بن الخطاب (عن النبي ﷺ ¬). ١٦٣ - باب انْتِظَارِ النَّاسِ قِيَامَ الإِمَامِ الْعَالِمِ زاد في رواية كريمة هنا: باب انتظار الناس قيام الإمام العالم، وليس ذلك بمعتمد، إذ لا تعلق لذلك بهذا الموضع. وقد تقدم ذلك في الإمامة بمعناه، وهو ثابت في الفرع لكن عليه علامة السقوط عند الأربعة: ظ ص ش. ٨٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا "أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي (قال: حدّثنا عثمان بن عمر) بضم العين، ابن فارس البصري (قال: أخبرنا يونس) بن يزيد (عن) ابن شهاب (الزهري قال: حدّثتني هند بنت الحرث) بالمثلثة (أن أم سلمة زوج النبي ﷺ أخبرتها أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كنّ إذا سلمن من) الصلاة (المكتوبة قمن، وثبت) عطف على: فمن، أي: كن إذا سلمن ثبت (رسول الله ﷺ ¬) في مكانه بعد قيامهنّ (و) ثبت أيضًا (من صلّى) معه ﵊ (من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ ، قام الرجال). مطابقته للترجمة من حيث أن النساء كن يخرجن إلى المساجد، وهو أعم من أن يكون بالليل أو بالنهار. ٨٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك ح) للتحويل من سند إلى آخر. (وحدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن يحيى بن سعيد) بكسر العين (عن عمرة بنت عبد الرحمن) بفتح العين وسكون الميم (عن عائشة) ﵂ (قالت: إن كان رسول الله ﷺ ¬) بكسر الهمزة وتخفيف الوزن، وهي المخففة من الثقيلة (ليصلّي الصبح) بفتح اللام الأولى، وهي الفارقة عند البصريين بين النافية والمخففة، والكوفيون يجعلونها بمعنى: إلا، وإن: نافية (فينصرف النساء) حال كونهن (متلفعات) بكسر الفاء المشددة وبالعين المهملة المفتوحة، والفاع ما يغطي الوجه ويلتحف به، أي: متلحفات (بمروطهنّ) بضم الميم جمع مرط بكسرها، وهو كساه من صوف أو خز يؤتزر به (ما يعرفن من الغلس) أنساء هنّ أم رجال. ومطابقته للترجمة من حيث خروج النساء إلى المساجد بالليل. ٨٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي لأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن مسكين) بكسر الميم وسكون المهملة وكسر الكاف، وزاد الأصيلي: يعني ابن نميل بنون مضمومة وميم مفتوحة اليماني نزيل بغداد (قال: حدّثنا بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، التنيسي البجلي، دمشقي الأصل، ولأبي ذر: بشر بن بكر (قال: أخبرنا) ولأبي ذر وابن عساكر: حدّثنا (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (قال: حدَّثني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري عن أبيه) أبي قتادة ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوّز) أي: فأخفف (في صلاتي كراهية) بالنصب على التعليل أي: لأجل، ولأبي ذر، عن الكشميهني: مخافة (أن أشق على أمه). فيه دلالة على حضور النساء إلى المساجد مع النبي
следующие страницы →