Полный текст (8 298 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.
[الحديث ١٨ - أطرافه في: ٣٨٩٢، ٣٨٩٣، ٣٩٩٩، ٤٨٩٤، ٦٧٨٤، ٦٨٠١، ٦٨٧٣، ٧٠٥٥، ٧١٩٩، ٧٢١٣، ٧٤٦٨].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة القرشي (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو إدريس عائذ الله) بالمعجمة وهو اسم علم أي ذو عياذة الله فهو عطف بيان لقوله أبو إدريس (بن عبد الله) الصحابي ابن عمر الخولاني الدمشقي الصحابي، لأن مولده كان عام حُنين، التابعي الكبير من حيث الرواية المتوفى سنة ثمانين، (أن عبادة) بضم العين (ابن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي المتوفى بالرملة سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وقيل: في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين، وله في البخاري تسعة أحاديث (¬﵁ وكان شهد بدرًا) أي وقعتها، فالنصب بقوله شهد وليس مفعولاً فيه، (وهو أحد النقباء) جمع نقيب، وهو الناظر على القوم وضمينهم وعريفهم وكانوا اثني عشر رجلاً (ليلة العقبة) بمنى، أي فيها والواو في وهو كواو وكان هي الداخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، وإفادة أن اتصافه بها أمر ثابت ولا ريب أن كون شهود عبادة بدر أو كونه من النقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن تكون الواوان للحال ولا للعطف، قاله العيني. وهذا ذكره ابن هشام في مغنيه حاكيًا له عن الزمخشري في كشافه، وعبارته في تفسير قوله تعالى في سورة الحجر ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُوم﴾ [الحجر: ٤] جملة واقعة صفة لقرية، والقياس أنه لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُون﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وإنما توسطت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب وجاءني وعليه ثوب انتهى.
وتعقبه ابن مالك في شرح تسهيله بأن ما ذهب إليه من توسط الواو بين الصفة والموصوف فاسد، لأن مذهبه في هذه المسألة لا يعرف من البصريين ولا من الكوفيين معوّل عليه، فوجب أن لا يلتفت إليه. وأيضًا فإنه معلل بما لا يناسب، وذلك لأن الواو تدل على الجمع بين ما قبلها وما بعدها، وأيضًا مستلزم لتغايرهما، وهو ضد لما يراد من التأكيد، فلا يصح أن يقال للعاطف مؤكد.
وأيضًا لو صلحت الواو لتأكيد لصوق الموصوف بالصفة لكان أولى المواضع بها موضعًا لا يصلح للحال، نحو إن رجلاً رأيه سديد لسعيد، فرأيه سديد جملة نعت بها، ولا يجوز اقترانها بالواو ولعدم صلاحيتها للحال، بخلاف ﴿ولها كتاب معلوم﴾ فإنها جملة يصلح في موضعها الحال لأنها بعد نفي.
وتعقبه نجم الدين سعيد على الوجه الأوّل بأن الزمخشري أعرف باللغة مع أنه لا يلزم من عدم العرفان بالمعوّل عليه عدمه، وعلى الثاني أن تغاير الشيئين لا ينافي تلاصقهما، والجملة التي هي صفة لها التصاق بالموصوف، والواو أكدت الالتصاق باعتبار أنها في أصلها للجمع المناسب للإلصاق لا أنها عاطفة، وعلى الثالث أن المراد من الالتصاق ليس الالتصاق اللفظي كما فهمه ابن مالك بل المعنوي، والواو تؤكد الثاني دون الأوّل.
стр. 142
وتعقبه البدر الدماميني بأن قوله أعرف باللغة مجرد دعوى مع أنها لو سلمت لا تصلح لردّ أن هذا المذهب غير معروف لبصري ولا كوفي، وإنما وجه الردّ أن يقال بل هو معروف، ويبيّن من قاله منهم انتهى.
وقد تبع الزمخشري في ذلك أبو البقاء، وقال في الدران في محفوظه أن ابن جني سبق الزمخشري بذلك وقوّاه بآية ﴿إلا لها منذرون﴾ وقراءة ابن أبي عبلة إلا لها كتاب بإسقاط الواو، ويحتمل أن يكون قائل ذلك أبا إدريس فيكون متصلاً إن حمل على أنه سمع ذلك من عبادة أو الزهري، فيكون منقطعًا. والجملة اعتراض بين إن وخبرها الساقط من أصل الرواية هنا، ولعلها سقطت من ناسخ بعده. واستمر بدليل ثبوتها عند المصنف في باب من شهد بدرًا والتقدير هنا أن عبادة بن الصامت أخبر (أن رسول الله ﷺ قال وحوله) بالنصب على الظرفية (عصابة من أصحابه) بكسر العين ما بين العشرة إلى الأربعين، والجملة اسمية حالية وعصابة مبتدأ خبره حوله مقدمًا، ومن أصحابه صفة لعصابة، وأشار الراوي بذلك إلى المبالغة في ضبط الحديث، وأنه عن تحقيق وإتقان، ولذا ذكر أن الراوي شهد بدرًا وأنه أحد النقباء والمراد به التقوية، فإن الرواية تترجح عند المعارضة بفضل الراوي وشرفه. ومقول قوله ﵊.
(بايعوني) أي عاقدوني (على) التوحيد (أن لا تشركوا بالله شيئًا) أي على ترك الإشراك وهو عام، لأنه نكرة في سياق النهي كالنفي، وقدمه على ما بعده لأنه الأصل. (و) على أن (لا تسرقوا) فيه حذف المفعول ليدل على العموم، (ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم) خصّهم بالذكر لأنهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشية الإملاق، أو لأن قتلهم أكثر من قتل غيرهم، وهو الوأد وهو أشنع القتل، أو أنه قتل وقطيعة رحم، فصرف العناية إليه أكثر. (ولا تأتوا) بحذف النون، ولغير الأربعة ولا تأتون (ببهتان) أي بكذب يبهت سامعه أي يدهشه لفظاعته كالرمي بالزنا والفضيحة والعار. وقوله (تفترونه) من الافتراء أي تختلقونه (بين أيديكم وأرجلكم) أي من قبل أنفسكم، فكنى باليد والرجل عن الذات لأن الأفعال بهما، والمعنى لا تأتوا ببهتان من قبل أنفسكم أو أن البهتان ناشئ عما يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل ثم يبرزه بلسانه، والمعنى لا تبهتوا الناس بالمعايب كفاحًا مواجهة، (ولا تعصوا في معروف) وهو ما عرف من الشارع حسنه نهيًا وأمرًا وليد به تطييبًا لقلوبهم، لأنه ﵊ لا يأمر إلا به، وقال البيضاوي في الآية والتقييد بالمعروف مع أن الرسول لا يأمر إلا به للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، وخصّ ما ذكر من المناهي بالذكر دون غيره للاهتمام به (فمن وفى) بالتخفيف، وفي رواية أبي ذر وفي بالتشديد، أي ثبت على العهد (منكم فأجره على الله) فضلاً ووعدًا أي بالجنة، كما وقع التصريح به في الصحيحين من حديث عبادة في رواية الصنابحي. وعبر بلفظ على وبالأجر للمبالغة في تحقق وقوعه، ويتعين حمله على غير ظاهره للأدلة القاطعة على أنه لا يجب على الله شيء، بل الأجر من فضله عليه لما ذكر المبايعة المقتضية لوجود العوضين أثبت الأجر في موضع أحدهما. (ومن أصاب) منكم أيها المؤمنون
стр. 143
(من ذلك شيئًا) غير الشرك، بنصب شيئًا مفعول أصاب الذي هو صلة من الموصول المتضمن معنى الشرط والجاز للتبعيض، (فعوقب) أي به كما رواه أحمد أي بسببه (في الدنيا) أي بأن أقيم عليه الحد، (فهو) أي العقاب (كفارة له) فلا يعاقب عليه في الآخرة، وفي رواية الأربعة فهو كفّارة بحذف له، وقد قيل: إن قتل القاتل حدّ وإرداع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يجز العفو في القاتل، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء أن الحدود كفارات لظاهر الحديث، وفي الترمذي وصححه من حديث عليّ بن أبي طالب مرفوعًا نحو هذا الحديث، وفيه: ومن أصاب ذنبًا فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة.
وشيئًا نكرة تفيد العموم لأنها في سياق الشرط، وقد صرح ابن الحاجب بأنه كالنفي في إفادته، وحينئذ فيشمل إصابة الشرك وغيره، واستشكل بأن المرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون قتله كفّارة.
وأجيب بأن عموم الحديث مخصوص بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] أو المراد به الشرك الأصغر وهو الرياء، وتعقب بأن عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد، وأجيب بأن طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز فهو محتمل وإن كان ضعيفًا، وتعقب بأنه عقب الإصابة بالعقوبة في الدنيا والرياء لا عقوبة فيه، فوضح أن المراد الشرك وأنه مخصوص. وقال قوم بالوقف لحديث أبي هريرة المروي عند البزار والحاكم، وصححه أنه ﷺ قال: لا أدري الحدود كفّارة لأهلها أم لا، وأجيب بأن حديث الباب أصح إسنادًا وبأن حديث أبي هريرة ورد أولاً قبل أن يعلم ﵇، ثم أعلمه الله تعالى آخرًا. وعورض بتأخر إسلام أبي هريرة، وتقدم حديث الباب إذ كان ليلة العقبة الأولى، وأجيب بأن حديث أبي هريرة صحيح سابق على حديث الباب، وأن المبايعة المذكورة لم تكن ليلة العقبة وإنما هي بعد فتح مكة وآية الممتحنة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة. وعورض بأن الحديث رواه الحاكم ولا يخفى تساهله في التصحيح. على أن الدارقطني قال: إن عبد الرزاق تفرد بوصله، وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله، وحينئذ فلا تساوي بينهما. وعلى ذلك فلا يحتاج إلى الجمع والتوفيق بين الحديثين، وبأن عياضًا وغيره جزموا بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة عند البيعة الأولى بمنى، ويؤيده قوله عصابة المفسر بالنقباء الاثني عشر، بل صرح بذلك في رواية النسائي، ولفظه: بايعت رسول الله ﷺ ليلة العقبة في رهط، والرهط ما دون العشرة من الرجال فقط. وقال ابن دريد: وربما جاوز ذلك قليلاً، وهو ضد الكثير وأقله ثلاثة وأكثر القليل اثنان فتضاف للتسعة فالمجموع أحد عشر، فكان المراد من الرهط هنا أحد عشر نقيبًا، ومع عبادة اثنا عشر نقيبًا. وإذا ثبت هذا فقد دلّ قطعًا أن هذه المبايعة كانت ليلة العقبة الأولى لأن الواقعة بعد الفتح كان فيها الرجال والنساء معًا مع العدد الكثير انتهى.
(ومن أصاب من ذلك) المذكور (شيئًا ثم ستره الله) وفي رواية ابن عساكر وعزاها الحافظ ابن حجر لكريمة زيادة عليه (فهو) مفوّض (إلى الله) تعالى (إن شاء عفا عنه) بفضله، (وإن شاء عاقبه) بعدله، (فبايعناه على ذلك). مفهوم هذا يتناول من تاب ومن لم يتب، وأنه لم يتحتم دخوله النار بل
стр. 144
هو إلى مشيئة الله. وقال الجمهور: إن التوبة ترفع المؤاخذة، نعم لا يأمن من مكر الله لأنه لا اطّلاع له على قبول توبته. وقال قوم بالتفرقة بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب.
فإن قلت: ما الحكمة فى عطف الجملة المتضمنة للعقوبة على ما قبلها بالفاء والمتضمنة للستر بثم؟ أجيب باحتمال أنه للتنفير عن مواقعة المعصية، فإن السامع إذا علم أن العقوبة مفاجئة لإصابة المعصية غير متراخية عنها وأن الستر متراخٍ، بعثه ذلك على اجتناب المعصية وتوقيها قاله في المصابيح. ورجال إسناد هذا الحديث كلهم شاميون وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وفيه رواية قاضٍ عن قاضٍ أبو إدريس وعبادة، ورواية من رآه ﵊ عمن رآه، لأن أبا إدريس له رؤية، وأخرجه المؤلف أيضًا في المغازي والأحكام في وفود الأنصار وفي الحدود، ومسلم في الحدود أيضًا، والترمذي والنسائي وألفاظهم مختلفة.
ولما فرغ المصنف من تلويحه بمناقب الأنصار من بذلهم أرواحهم وأموالهم في محبة الرسول ﵊ فرارًا بدينهم من فتن الكفر والضلال، شرع يذكر فضيلة العزلة والفرار من الفتن فقال:
١٢ - باب مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ.
١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ».
[الحديث ١٩ - أطرافه في: ٣٣٠٠، ٣٦٠٠، ٦٤٩٥، ٧٠٨٨].
هذا (باب) بالتنوين (من الدين الفرار من الفتن). ولم يقل من الإيمان لمراعاة لفظ الحديث، ولم يرد الحقيقة لأن الفرار ليس بدين، فالتقدير الفرار من الفتن شعبة من شعب الإيمان كما دل عليه أداة التبعيض.
وبالسند المذكور أوّل هذا الشرح إلى البخاري قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم واللام بينهما مهملة ساكنة ابن قعنب الحارثي البصري ذو الدعوة المجابة أحد رواة الموطأ المتوفى سنة إحدى وعشرين ومائتين، (عن مالك) هو ابن أنس إمام دار الهجرة، (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة) الأنصاري المازني المدني المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائة، (عن أبيه) عبد الله، (عن أبي سعيد) سعد بن مالك بن ستان الخزرجي الأنصاري (الخدري) بضم الخاء وسكون المهملة نسبة إلى خدرة جدّه الأعلى أو بطن المتوفى بالمدينة أربع وستين أو أربع وسبعين، وله في البخاري ستة وستون حديثًا زاد في رواية أبي ذر ﵁، (أنّه قال: قال رسول الله ﷺ ¬).
стр. 145
(يوشك) بكسر المعجمة وفتحها لغة رديئة وهي من أفعال المقاربة أي يقرب (أن يكون خير مال المسلم غنمًا) بالنصب خبر يكون، وفي رواية غير الأصيلي بنصب خير خبرًا مقدمًا ورفع غنم اسمًا مؤخرًا، ولا يضر كونه نكرة لأنه موصوف بجملة يتبع، وجوّز ابن مالك رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدر في يكون ضمير الشأن. قال الفتح: لكن لم تجئ به الرواية، وذكره العيني من غير تنبيه على الرواية فأوهم. والغنم اسم مؤنث موضوع للجنس (يتبع بها) بتشديد المثناة الفوقية افتعال من اتبع اتباعًا، ويجوز إسكانها من تبع بكسر الموحدة يتبع بفتحها أي يتبع بالغنم، (شعف) بمعجمة فمهملة مفتوحتين جمع شعفة بالتحريك وهو بالنصب مفعول يتبع أي رؤوس (الجبال ومواقع) بكسر القاف وهو بالنصب عطف على شعف أي مواضع نزول (القطر) أي المطر أي بطون الأودية والصحارى، حال كونه (يفرّ بدينه) أي يهرب بسببه أو مع دينه (من الفتن) طلبًا لسلامته لا لقصد دنيوي، فالعزلة عند الفتنة ممدوحة إلا لقادر على إزالتها فتجب الخلطة عينًا أو كفاية بحسب الحال والإمكان، واختلف فيها عند عدمها، فمذهب الشافعي تفضيل الصحبة لتعلمة وتعليمه وعبادته وأدبه وتحسين خلقه بحلم واحتمال وتواضع ومعرفة أحكام لازمة، وتكثير سواد المسلمين وعيادة مريضهم وتشييع جنازتهم وحضور الجمعة والجماعات، واختار آخرون العزلة للسلامة المحققة، وليعمل بما علم ويأنس بدوام ذكره، فبالصحبة والعزلة كمال المرء، نعم تجب العزلة لفقيه لا يسلم دينه بالصحبة، وتجب الصحبة لمن عرف الحق فاتبعه والباطل فاجتنبه، وتجب على من جهل ذلك ليعلمه فافهم.
ورجال إسناد هذا الحديث كلهم مدنيون وفيه صحابي ابن صحابي وهو من أفراد البخاري عن مسلم، وقد رواه المؤلف أيضًا في الفتن والرقاق وعلامات النبوّة، وأخرجه أبو داود والنسائي. ولما كان الفرار من الفتن لا يكون إلا على قدر قوّة دين الرجل وهي تدل على قوة المعرفة. شرع بذكر ذلك فقال:
١٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ». وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
(باب قول النبي ﷺ ¬) بالإضافة، وسقط لفظ باب عند الأصيلي، ومقول قوله ﵊ (أنا أعلمكم بالله) لأنه كلما كان الرجل أقوى في دينه كان أقوى في معرفة ربه، وذلك يدل ظاهرًا على قبول الإيمان الزيادة والنقصان، وللأصيلي في غير الفرع وأصله أعرفكم بدل أعلمكم، والفرق بينهما أن المعرفة هي إدراك الجزئي، والعلم إدراك الكلي، (و) باب بيان (أن المعرفة) بفتح الهمزة (فعل القلب) فالإيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه خلافًا للكرامية، والاعتقاد فعل القلب (لقول الله تعالى) ولأبوي الوقت وذر لقوله : ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا
стр. 146
كَسَبَتْ قُلُوبُكُم﴾ [البقرة: ٢٢٥] أي عزمت عليه، ومفهومه المؤاخذة بما يستقر من فعل القلب وهو ما عليه المعظم.
فإن قلت: يعارضه قوله ﷺ (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل) أجيب بأنه محمول على ما إذا لم يستقر لأنه يمكن الانفكاك عنه بخلاف ما يستقر.
٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا».
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا محمد بن سلام) هو بالتخفيف والتشديد كما في فرع اليونينية كهي عن الأصيلي، وصحح الحافظ ابن حجر التخفيف، قال العيني: وبه قطع الجمهور كالخطيب وابن ماكولا، وقول صاحب المطالع إن التشديد عليه الأكثر حمله النووي على أكثر المشايخ فقال: وإنما الذي عليه أكثر العلماء التخفيف قال: وقد روى عنه ذلك نفسه وهو أخبر بأبيه وهو يشير إلى ما رواه سهل بن المتوكل عنه أنه قال: أنا محمد بن سلام بالتخفيف، وقد صنف المنذري جزءًا في ترجيح التشديد، ولكن المعتمد خلافه، حتى قال بعض الحفاظ فيما نقله العيني إن التشديد لحن انتهى. واسم أبيه الفرج السلميّ البخاري زاد في رواية كريمة مما ليس في الفرع وأصله البيكندي بموحدة مكسورة ثم مثناة تحتية ساكنة ثم كاف مفتوحة ثم نون ساكنة نسبة إلى بيكند بلدة على مرحلة من بخارى. وتوفي محمد بن سلام هذا سنة خمس وعشرين ومائتين وهو مما انفرد به البخاري عن الكتب الستة، (قال: أخبرنا) وللأصيلي حدّثنا (عبدة) بسكون الموحدة، قيل هو لقبه واسمه عبد الرحمن بن سليمان بن حاجب الكلابي الكوفي المتوفى بها في جمادى أو رجب سنة سبع أو ثمان وثمانين ومائة، (عن هشام) هو ابن عروة. (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) أم المؤمنين ﵂ أنها (قالت):
(كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم) أي أمر الناس بعمل، (أمرهم من الأعمال بما) وفي رواية أبي الوقت ما (يطيقون) أي يطيقون الدوام عليه، فخير العمل ما دام عليه صاحبه وإن قلّ، ولا يخفى أن الكثرة تؤدي إلى القطع، والقاطع في صورة ناقض العهد، فأمرهم الثانية جواب أوّل للشرط والثاني قوله (قالوا إنّا لسنا كهيئتك) بفتح الهاء، قال الكرماني والهيئة الحالة والصورة، وليس المراد نفي تشبيه ذواتهم بحالته ﵊، فلا بدّ من تأويل في أحد الطرفين، فقيل المراد من هيئتك كمثلك أي كذاتك أو كنفسك، وزيد لفظ الهيئة للتأكيد نحو مثلك لا يبخل أو من لسنا أي ليس حالنا كحالك، فحذف الحال وأقيم المضاف إليه مقامه فاتصل الفعل بالضمير فقيل لسنا كهيئتك (يا رسول الله إن الله) تعالى (قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) أي منه، والمعنى والله أعلم أي
стр. 147
حال بينك وبين الذنوب، فلا تأتيها لأن الغفر الستر، وهو إما بين العبد والذنب وإما بين الذنب وعقوبته، فاللائق بالأنبياء الأوّل وبأممهم الثاني، قاله البرماوي. وقال غيره: المراد منه ترك الأولى والأفضل بالعدول إلى الفاضل وترك الأفضل كأنه ذنب لجلالة قدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
(فيغضب حتى يعرف) بلفظ المضارع والمراد منه الحال، وفي بعض النسخ فغضب حتى عرف (الغضب) بالرفع (في وجهه) الشريف (ثم يقول) بالرفع عطفًا على يغضب: (إن أتقاكم وأعلمكم بالله) (أنا). أتقاكم اسم إن وتاليه عطف عليه والأخير خبرها، كأنهم قالوا أنت مغفور لك لا تحتاج إلى عمل. ومع ذلك تواظب على الأعمال فكيف بنا مع كثرة ذنوبنا، فرد عليهم بقوله أنا أولى بالعمل لأني أتقاكم وأعلمكم، وأشار بالأوّل إلى كماله ﵊ بالقوّة العملية وبالثاني إلى القوّة العلمية.
وقال في المصابيح: فإن قلت: السياق يقتضي تفضيله على المخاطبين فيما ذكر وليس هو منهم قطعًا، وقد فقد شرط استعمال أفعل التفضيل مضافًا، وأجاب: بأنه إنما قصد التفضيل على كلٍّ من سواه مطلقًا لا على المضاف إليه وحده، والإضافة لمجرد التوضيح، فما ذكر من الشرط هنا لاغٍ إذ يجوز في هذا المعنى أن تضيفه إلى جماعة هو أحدهم نحو نبينا ﵊ أفضل قريش، وأن تضيفه إلى جماعة من جنسه، ليس داخلاً فيهم، نحو يوسف أحسن إخوته، وأن تضيفه إلى غير جماعة نحو فلان أعلم بغداد أي أعلم ممن سواه وهو مختص ببغداد لأنها مسكنه أو منشئه اهـ.
وهذا الحديث كما قاله الحافظ ابن حجر من أفراد المصنف وهو من غرائب الصحيح لا أعرفه إلا من هذا الوجه، فهو مشهور عن هشام فرد مطلق من حديثه عن أبيه عن عائشة ورواته كلهم أجلاء ما بين بخاري وكوفي ومدني.
ولما فرغ المصنف من هذا الحديث المتضمن لسؤال الصحابة الرسول ﵊ الإذن لهم في الازدياد من العبادات استلذاذًا لوجدانهم حلاوة الطاعة، شرع يذكر حديث ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان فقال:
١٤ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ
(باب) ذكر كراهة (من كره أن يعود) أي العود (في الكفر كما يكره أن يلقى) أي ككراهة الإلقاء (في النار من الإيمان) أي من شعبه، ولفظ باب ساقط عند الأصيلي، ويجوز تنوين باب وإضافته إلى تاليه، وعلى كل تقدير فمن مبتدأ ومن الإيمان خبره وأن في الموضعين مصدرية وكذا ما ومن موصولة، وكره أن يعود صلتها، وسقط لأبي الوقت من الإيمان.
стр. 148
٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ».
وبالسند إلى البخاري قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) بفتح المهملة وسكون الراء آخره موحدة ابن بجيل بفتح الموحدة وكسر الجيم وسكون المثناة التحتية آخره لام الأزدي الواشحي بكسر الشين المعجمة والحاء المهملة نسبة إلى بطن من الأزد، البصري قاضي مكة المتوفى بالبصرة سنة أربع وعشرين ومائتين، (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) وللأصيلي زيادة ابن مالك كما في فرع اليونينية كهي (¬﵁ عن النبي ﷺ قال): خصال.
(ثلاث) أو ثالث خصال، فعلى الأول ثلاث صفة لمحذوف، وعلى الثاني مبتدأ، وسوّغ الابتدائية إضافته إلى الخصال والجملة اللاحقة خبره، وهي (من كن فيه وجد) أي أصاب (حلاوة الإيمان) باستلذاذه الطاعات فيحتمل في أمر الدين المشقات ويؤثر ذلك على أعراض الدنيا الفانية، وهل هذه الحلاوة محسوسة أو معنوية، قال بكل قوم: ويشهد للأوّل قول بلال: أحد أحد، حين عذب في الله إكراهًا على الكفر، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وعند موته أهله يقولون واكرباه وهو يقول واطرباه غدًا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء وهي حلاوة الإيمان، فالقلب السليم من أمراض الغفلة والهوى يذوق طعم الإيمان ويتنعم به كما يذوق الفم طعم العسل وغيره من ملذوذات الأطعمة ويتنعم بها، ولا يذوق ذلك ويتنعم به إلا (من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) من نفس وولد ووالد وأهل ومال وكل شيء، ومن ثم قال مما ولم يقل ممن ليعمّ من يعقل ومن لم يعقل. (و) كذلك يجد هذه الحلاوة (من أحب عبدًا) وفي الرواية السابقة في باب حلاوة الإيمان أن يحب المرء (لاّ يحبه إلا لله) زاد في رواية أبي ذر كما في فرع اليونينية، (و) كذا (من يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله) أي خلصه الله ونجاه، زاد في رواية ابن عساكر منه (كما يكره أن يلقى في النار)، وفي الرواية السابقة، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار. ومن علامات هذه المحبة نصر دين الإسلام بالقول والفعل والذبّ عن الشريعة المقدسة والتخلّق بأخلاق الرسول ﵊ في الجود والإيثار والحلم والصبر والتواضع وغير ذلك مما ذكرته في أخلاقه العظيمة في كتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، ومن وجدها استلذ الطاعات وتحمل في الدين المشقات، بل ربما يلتذ بكثير من المؤلمات، ولذلك تقرير طويل، فلينظر في كتاب المواهب، والله يهب لمن يشاء ما يشاء. وأنت إذا تأملت الاختلاف بين رواة حديث هذا الباب والسابق ظهر لك بما نبّهت عليه هنا مع النظر في الإسنادين والمتن أنه لا تكرير في سياقه له هنا لا سيما والحديث مشتمل
стр. 149
على ثلاثة أشياء: حلاوة الإيمان المبوّب لها فيما سبق، والمحبة لله، وكراهة الكفر كما يكره أن يلقى في النار. وعليه بوّب. فلله در المؤلف من إمام.
ولما فرغ رحمه الله تعالى من هذا الحديث المتضمن للخصال الثلاث والناس يتفاوتون فيها وبه يحصل التفاضل في العمل، شرع يذكر تفاضل الأعمال فقال:
١٥ - باب تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ
٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا -أَوِ الْحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً»؟
قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو «الْحَيَاةِ». وَقَالَ «خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ».
[الحديث ٢٢ - أطرافه في: ٤٥٨١، ٤٩١٩، ٦٥٦٠، ٦٥٧٤، ٧٤٣٨، ٧٤٣٩].
(باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال) أي التفاضل الحاصل بسبب الأعمال، ولفظ باب ساقط عند الأصيلي.
وبالسند أوّل هذا المجموع إلى المؤلف قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس بن عبد الله الأصبحي المدني ابن أُخت إمام دار الهجرة مالك، وتكلم فيه كأبيه لكن أثنى عليه ابن معين وأحمد، وقد وافقه على رواية هذا الحديث عبد الله بن وهب ومعن بن عيسى عن مالك، وليس هو في الموطأ. قال الدارقطني: هو غريب صحيح، وأخرجه المؤلف أيضًا عن غيره فانجبر اللين الذي فيه، وتوفي إسماعيل هذا في رجب سنة سبع أو ست وعشرين ومائتين. (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الإمام (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة بفتح عين عمرو (المازني) المدني المتوفى سنة أربعين ومائة، (عن أبيه) يحيى (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) بالدال المهملة (¬﵁، عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(يدخل أهل الجنة الجنة) أي فيها، وعبر بالمضارع العاري عن سين الاستقبال المتمحض للحال لتحقق وقوع الإدخال، (و) يدخل (أهل النار النار، ثم) بعد دخولهم فيها (يقول الله تعالى) وفي رواية للملائكة (أخرجوا) بهمزة قطع مفتوحة أمر من الإخراج زاد في رواية الأصيلي من النار (من) أي الذي (كان في قلبه) زيادة على أصل التوحيد (مثقال حبة) ويشهد لهذا قوله أخرجوا من النار من قال لا إله إلاّ الله وعمل من الخير ما يزن كذا أي مقدار حبة حاصلة (من خردل) حاصل (من إيمان) بالتنكير ليفيد التقليل، والقلة هنا باعتبار انتفاء الزيادة على ما يكفي، لا لأن
стр. 150
الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به كافٍ لأنه علم من عرف الشرع أن المراد من الإيمان الحقيقة المعهودة، وفي رواية الأصيلي والحموي والمستملي من الإيمان بالتعريف. ثم إن المراد بقوله حبة من خردل التمثيل، فيكون عيارًا في المعرفة لا في الوزن حقيقة، لأن الإيمان ليس بجسم، فيحصره الوزن والكيل، لكن ما يشكل من المعقول قد يردّ إلى عيار محسوس، ليفهم ويشبه به ليعلم، والتحقيق فيه أن يجعل عمل العبد وهو عرض في جسم على مقدار العمل عنده تعالى، ثم يوزن كما صرّح به في قوله: وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، أو تمثل الأعمال بجواهر فتجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة، أو الموزون الخواتيم. وقد استنبط الغزالي من قوله أخرجوا من النار من كان في قلبه الخ. نجاة من أيقن بالإيمان، وحال بينه وبين النطق به الموت، فقال: وأما من قدر على النطق ولم يفعل حتى مات مع إيقانه بالإيمان بقلبه، فيحتمل أن يكون امتناعه منه بمنزلة امتناعه عن الصلاة، فلا يخلد في النار. ويحتمل خلافه، ورجح غيره الثاني، فيحتاج إلى تأويل قوله في قلبه، فيقدّر فيه محذوف تقديره منضمًّا إلى النطق به مع القدرة عليه، ومنشأ الاحتمالين الخلاف في أن النطق بالإيمان شطر فلا يتم الإيمان إلا به، وهو مذهب جماعة من العلماء، واختاره الإمام شمس الذين وفخر الإسلام، أو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، وهو مذهب جمهور المحققين، وهو اختيار الشيخ أبي منصور، والنصوص معاضدة لذلك قاله المحقق التفتازاني.
(فيخرجون منها) أي من النار حال كونهم (قد اسودوا) أي صاروا سودًا كالحمم من تأثير النار، (فيلقون) بضم المثناة التحتية مبنيًّا للمفعول (في نهر الحيا) بالقصر لكريمة وغيرها أي المطر (أو الحياة) بالمثناة الفوقية آخره، وهو النهر الذي من غمس فيه حيي، (شك مالك) وفي رواية ابن عساكر يشك بالمثناة التحتية أوّله أي في أيهما الرواية، ورواية الأصيلي من غير الفرع الحياء بالمد ولا وجه له، والمعنى على الأولى لأن المراد كل ما تحصل به الحياة، وبالمطر تحصل حياة الزرع بخلاف الثالث، فإن معناه الخجل، ولا يخفى بعده عن المعنى المراد هنا، وجملة شك اعتراض بين قوله فيلقون في نهر الحياة السابق، وبين لاحقه وهو قوله (فينبتون) ثانيًا (كما تنبت الحبة) بكسر المهملة وتشديد الموحدة، أي كنبات برز العشب، فأل للجنس أو للعهد، والمراد البقرة الحمقاة لأنها تنبت سريعًا. (في جانب السيل، ألم تر) لكل من يتأتى منه الرؤية (أنها تخرج) حال كونها (صفراء) تسرّ الناظر، وحال كونها (ملتوية)، أي منعطفة منثنية، وهذا مما يزيد الرياحين حسنًا باهتزازه وتمايله، فالتشبيه من حيث الإسراع والحسن، والمعنى من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرًا متبخترًا كخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متمايلة، وحينئذ فيتعين كون أل في الحبة للجنس فافهم، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في صفة الجنة والنار، حيث أخرج المؤلف هذا الحديث. وقد أخرجه مسلم أيضًا في الإيمان، وهو من عوالي المؤلف على مسلم بدرجة، وأخرجه النسائي أيضًا، وليس هو في الموطأ. وهو هنا قطعة من الحديث الآتي إن شاء الله تعالى بعون الله مع مباحثه.
стр. 151
وبه قال (قال وهيب) بضم أوّله وفتح ثانيه مصغرًا آخره موحدة، ابن خالد بن عجلان الباهلي البصري، (حدّثنا عمرو) بفتح العين ابن يحيى المازني السابق قريبًا (الحياة) بالجر على الحكاية، وهو موافق لمالك في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده، ولم يشك كما شك مالك أيضًا.
(وقال) وهيب أيضًا في روايته مثقال حبة من (خردل من خير) بدل من إيمان، فخالف مالكًا في هذه اللفظة. وهذا التعليق أخرجه المصنف مسندًا في الرقاق عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد به، وسياقه أتم من سياق مالك لكنه قال من خردل من إيمان كرواية مالك، وفي هذا الحديث الرد على المرجئة لما تضمنه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان، وعلى المعتزلة القائلين بأن المعاصي موجبة للخلود في النار.
٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الدِّينَ».
[الحديث ٢٣ - أطرافه في: ٣٦٩١، ٧٠٠٨، ٧٠٠٩].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبيد الله) بالتصغير ابن محمد بن زيد القرشي الأموي المدني مولى عثمان بن عفان، (قال حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحرث بن زهرة التابعي الجليل المدني المتوفى ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومائة، (عن صالح) أبي محمد بن كيسان الغفاري المدني التابعي المتوفى بعد أن بلغ من العمر مائة وستين سنة وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسعين، (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي أمامة) بضم الهمزة أسعد المختلف في صحبته، ولم يصح له سماع المذكور في الصحابة لشرف الرؤية، (ابن سهل)، وللأصيلي وأبي الوقت زيادة ابن حنيف بضم المهملة المتوفى سنة مائة، (أنه سمع أبا سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ حال كونه (يقول قال رسول الله ﷺ ¬):
(بينا) بغير ميم (أنا نائم رأيت الناس)، من الرؤيا الحلمية على الأظهر أو من الرؤية البصرية فتطلب مفعولاً واحدًا وهو الناس، وحينئذ فيكون قوله (يعرضون عليّ) جملة حالية أو علمية من الرأي، وحينئذ فتطلب مفعولين وهما الناس يعرضون عليّ أي يظهرون ليس (وعليهم قمص) بضم الأوّلين جمع قميص والواو للحال (منها) أي من القمص، (ما) أي الذي (يبلغ الثدي) بضم المثلثة وكسر المهملة وتشديد المثناة التحتية جمع ثدي يذكر ويؤنث للمرأة والرجل، والحديث يردّ على من خصّه بها وهو هنا نصب مفعول يبلغ والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو الموصول، وفي رواية أبي ذر الثدي بفتح المثلثة وإسكان الدال (ومنها) أي من القمص، (ما دون ذلك). أي لم يصل للثدي لقصره. (وعرض علي) بضم العين وكسر الراء مبنيًّا للمفعول (عمر بن الخطاب) بالرفع نائب عن
стр. 152
الفاعل ﵁ (وعليه قميص يجره) لطوله، (قالوا) أي الصحابة ولابن عساكر في نسخة قال أي عمر بن الخطاب أو غيره أو السائل أبو بكر الصديق كما يأتي إن شاء الله تعالى في التعبير، (فما أوّلت) فما عبرت (ذلك يا رسول الله، قال) ﷺ أوّلت (الدين) بالنصب معمول أوّلت، ولا يلزم منه أفضلية الفاروق على الصديق، إذ القسمة غير حاصرة، إذ يجوز رابع، وعلى تقدير الحصر فلم يخص الفاروق بالثالث ولم يقصره عليه، ولئن سلمنا التخصيص به فهو معارض بالأحاديث الكثيرة البالغة درجة التواتر المعنوي الدالة على أفضلية الصديق فلا تعارضها الآحاد، ولئن سلمنا التساوي بين الدليلين، لكن إجماع أهل السُّنة والجماعة على أفضليته، وهو قطعي فلا يعارضه ظني. وفي هذا الحديث، التشبيه البليغ وهو تشبيه الدين بالقميص لأنه يستر عورة الإنسان، وكذلك الدين يستره من النار. وفيه الدلالة على التفاضل في الإيمان كما هو مفهوم تأويل القميص، وبالدين مع ما ذكره من أن اللابسين يتفاضلون في لبسه، ورجاله كلهم مدنيون كالسابق، ورواية ثلاثة من التابعين أو تابعيين وصحابيين. وأخرجه المصنف أيضًا في التعبير وفي فضل عمر، ورواه مسلم في الفضائل والترمذي والنسائي.
ولما فرغ المؤلف من بيان تفاضل أهل الإيمان في الأعمال شرع يذكر ما ينقص به الإيمان فقال:
١٦ - باب الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ
هذا (باب) بالتنوين (الحياء) بالمد والرفع مبتدأ خبره (من الإيمان). وحديثه سبق، وفائدة سياقه هنا أنه ذكر الحياء هنا بالتبعية وهنا بالقصد مع فائدة مغايرة الطريق.
٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ -وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ».
[الحديث ٢٤ - طرفه في: ٦١١٨].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي السابق (قال: أخبرنا) وفي رواية الأصيلي حدّثنا (مالك)، ولكريمة وأبي الوقت مالك بن أنس أي إمام دار الهجرة ﵀ (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، (عن سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي التابعي الجليل أحد الفقهاء السبعة بالمدينة في أحد الأقوال، المتوفى سنة ست أو خمس أو ثمان ومائة، (عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄.
(أن رسول الله ﷺ مرَّ) أي اجتاز (على رجل من الأنصار وهو) أي حال كونه (يعظ أخاه) من الدين أو النسب، قال في المقدمة ولم يسميا جميعًا (في) شأن (الحياء) بالمد وهو تغيير وانكسار عند خوف ما يعاب أو يذم. قال الراغب: وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما
стр. 153
يشتهي، فلا يكون كالبهيمة. والوعظ النصح والتخويف والتذكير. وقال الحافظ ابن حجر: والأولى أن يشرح بما عند المؤلف في الأدب المفرد بلفظ يعاتب أخاه في الحياء، يقول إنك تستحي حتى كأنه قد أضرّ بك. قال: ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ، فذكر بعد الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج متّحد، فالظاهر أنه من تصرف الراوي بحسب ما اعتقد أن كل لفظ يقوم مقام الآخر انتهى. وتعقبه العيني بأنه بعيد من حيث اللغة، فإن معنى الوعظ الزجر ومعنى العتب الوجد، يقال: عتب عليه إذا وجد. على أن الروايتين تدلان على معنيين جليين ليس في واحد منهما خفاء حتى يفسر أحدهما بالآخر، وغايته أنه وعظ أخاه في استعمال الحياء وعاتبه عليه والراوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ الوعظ وفي الأخرى بلفظ المعاتبة. وقال التيمي معناه الزجر يعني يزجره ويقول له: لا تستحي، وذلك أنه كان كثير الحياء، وكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه فوعظه أخوه على ذلك.
(فقال) له (رسول الله ﷺ : دعه) أي اتركه على حيائه، (فإن الحياء من الإيمان) لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فسمي إيمانًا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، قاله ابن قتيبة. ومن تبعيضية كقوله في الحديث السابق الحياء شعبة من الإيمان، لا يقال إذا كان الحياء بعض الإيمان فينتفي الإيمان بانتفائه، لأن الحياء من مكملات الإيمان، ونفي الكمال لا يستلزم نفي الحقيقة، والظاهر أن الواعظ كان شاكًّا بل كان منكرًا ولذا وقع التأكيد بأن، ّ ويجوز أن يكون من جهة أن القصة في نفسها مما يجب أن يهتم به ويؤكد عليه، وأن لم يكن ثمة إنكار أو شك.
ورجال هذا الحديث كلهم مدنيون إلا عبد الله. وأخرجه البخاري أيضًا في البرّ والصلة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
١٧ - باب (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)
هذا (باب) بالتنوين والإضافة كما في فرع اليونينية. قال الحافظ ابن حجر والتقدير باب في تفسير قوله وباب تفسير قوله، وعورض بأن المصنف لم يضع الباب لتفسير الآية بل غرضه بيان أمر الإيمان وبيان أن الأعمال من الإيمان مستدلاً على ذلك بالآية والحديث، فباب بمفرده لا يستحق إعرابًا لأنه كتعديد الأسماء من غير تركيب، والإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب. (فإن تابوا) أي المشركون عن شركهم بالإيمان، (وأقاموا) أي أدّوا (الصلاة) في أوقاتها (وآتوا الزكاة) أعطوها تصديقًا لتوبتهم وإيمانهم، (فخلوا) أي أطلقوا (سبيلهم). جواب الشرط في قوله فإن تابوا وفيه كما قال القاضي البيضاوي دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله، ومراد المؤلف بهذا الردّ على المرجئة في قولهم: إن الإيمان غير محتاج إلى الأعمال مع التنبيه على أن الأعمال من الإيمان.
стр. 154
٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) أي ابن عبد الله، ولابن عساكر المسندي بضم الميم وفتح النون، وسبق (قال: حدّثنا أبو روح) بفتح الراء وسكون الواو واسمه (الحرمي) بفتح الحاء والراء المهملتين وكسر الميم وتشديد المثناة التحتية بلفظ النسبة تثبت فيه أل وتحذف، وليس نسبة إلى الحرم كما توهم (ابن عمارة) بضم العين المهملة وتخفيف الميم ابن أبي حفصة نابت بالنون العتكي البصري المتوفى سنة إحدى وثمانين، (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن واقد بن محمد) بالقاف، زاد الأصيلي يعني ابن زيد بن عبد الله بن عمر كما في فرع اليونينية، (قال: سمعت أبي) محمد بن زيد بن عبد الله (يحدث عن ابن عمر) بن الخطاب عبد الله ﵄ فواقد هنا روى عن أبيه عن جد أبيه (أن رسول الله ﷺ قال):
(أمرت) بضم الهمزة لما لم يسمّ فاعله (أن) أي أمرني الله بأن (أقاتل الناس) أي بمقاتلة الناس وهو من العام الذي أريد به الخاص، فالمراد بالناس المشركون من غير أهل الكتاب، ويدل له رواية النسائي بلفظ: أمرت أن أقاتل المشركين أو المراد مقاتلة أهل الكتاب. (حتى) أي إلى أن (يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، و) حتى (يقيموا الصلاة) المفروضة بالمداومة على الإتيان بها بشروطها، (و) حتى (يؤتوا الزكاة) المفروضة أي يعطوها لمستحقيها. والتصديق برسالته ﵊ يتضمن التصديق بكل ما جاء به، وفي حديث أبي هريرة في الجهاد الاقتصار على قوله لا إله إلا الله: فقال الطبري: إنه ﵊ قاله في وقت قتاله للمشركين أهل الأوثان الذين لا يقرون بالتوحيد، وأما حديث الباب ففي أما الكتاب المقرّين بالتوحيد الجاحدين لنبوّته عمومًا وخصوصًا. وأما حدث أنس في أبواب أهل القبلة: وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فيمن دخل الإسلام ولم يعمل الصالحات كترك الجمعة والجماعة فيقاتل حتى يذعن لذلك، (فإذا فعلوا ذلك) أو أعطوا الجزية، وأطلق على القول فعلاً لأنه فعل اللسان أو هو من باب تغليب الاثنين على الواحد، (عصموا) أي حفظوا ومنعوا (مني دماءهم وأموالهم)، فلا تهدر دماؤهم ولا تستباح أموالهم بعد عصمتهم بالإسلام بسبب من الأسباب، (إلاّ بحق الإسلام) من قتل نفس أو حدّ أو غرامة بمتلف أو ترك صلاة، (وحسابهم) بعد ذلك (على الله) في أمر سرائرهم، وأما نحن فإنما نحكم بالظاهر فنعاملهم بمقتضى ظواهر أقوالهم وأفعالهم، أو المعنى هذا القتال وهذه العصمة إنما هما باعتبار أحكام الدنيا المتعلقة بنا، وأما أمور الآخرة من الجنة والنار والثواب والعقاب فمفوّض إلى
стр. 155
الله تعالى، ولفظة على مشعرة بالإيجاب، فظاهره غير مراد، فإما أن يكون المراد وحسابهم إلى الله أو لله، وأنه يجب أن يقع لا أنه تعالى يجب عليه شيء خلافًا للمعتزلة القائلين بوجوب الحساب عقلاً، فمن من باب التشبيه له بالواجب على العباد في أنه لا بدّ من وقوعه، واقتصر على الصلاة والزكاة لكونهما أُمًّا للعبادات البدنية والمالية، ومن ثم كانت الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة الإسلام.
ويؤخذ من هذا الحديث قبول الأعمال الظاهرة والحكم مما يقتضيه الظاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم خلافًا لمن أوجب تعلم الأدلة وترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن. وفيه رواية الأبناء عن الآباء، وفيه التحديث والعنعنة والسماع، وفيه الغرابة مع اتفاق الشيخين على تصحيحه، لأنه تفرّد بروايته شعبة عن واقد قاله ابن حبان، وهو عن شعبة عزيز تفرد بروايته عنه حرمي المذكور وعبد الملك بن الصباح، وهو عزيز عن حرمي تفرد به عنه المسندي وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة وابن حبان والإسماعيلي وغيرهم، وهو غريب عن عبد الملك تفرّد به عنه أبو غسان مالك بن عبد الواحد شيخ مسلم، وليس هو في مسند أحمد على سعته، قاله الحافظ ابن حجر: وأخرجه البخاري أيضًا في الصلاة كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته.
ولما فرغ المؤلف من التنبيه على أن الأعمال من الإيمان ردًّا على المرجئة شرع يذكر أن الإيمان هو العمل ردًّا على المرجئة حيث قالوا إن الإيمان قول بلا عمل فقال:
١٨ - باب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. وَقَالَ ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
(باب) بغير تنوين لإضافته إلى قوله: (من قال إن الإيمان هو العمل لقول الله تعالى) ولأبوي ذر والوقت (وتلك) مبتدأ خبره (الجنة التي أورثتموها) أي صيرت لكم إرثًا فأطلق الإرث مجازًا عن الإعطاء لتحقق الاستحقاق أو المورث الكافر وكان له نصيب منه، ولكن كفره منعه فانتقل منه إلى المؤمن. وقال البيضاوي: شبّه جزاء العمل بالميراث لأنه يخلفه عليه العامل، والإشارة إلى الجنة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُون﴾ [الزخرف: ٧٠]. والجملة صفة للجنة، أو الجنة صفة للمبتدأ الذي هو تلك، والتي أورثتموها صفة أخرى والخبر ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ [الزخرف: ٧٢]. أي تؤمنون. وما مصدرية أي بعملكم أو موصولة أي بالذي كنتم تعملونه، والباء للملابسة أي أورثتموها ملابسة لأعمالكم أي لثواب أعمالكم أو للمقابلة، وهي التي تدخل على الأعواض كاشتريت بألف، ولا تنافي بين ما في الآية وحديث لن يدخل أحد الجنة
стр. 156
بعمله لأن المثبت في الآية الدخول بالعمل المقبول، والمنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عنه والمقبول إنما هو من رحمة الله تعالى، فآلى ذلك إلى أنه لم يقع الدخول إلا برحمته، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في محله بعون الله وقوته وقد أشبعت الكلام عليه في الواهب فليراجع.
(قال عدّة) بكسر العين وتشديد الدال أي عدد (من أهل العلم) كأنس بن مالك فيما رواه الترمذي مرفوعًا بإسناد فيه ضعف، وابن عمر فيما رواه الطبري في تفسيره، والطبراني في الدعاء له، ومجاهد فيما رواه عبد الرزاق في تفسيره (في قوله تعالى) وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت (فوربك) يا محمد (لنسألنهم) أي المقتسمين جواب القسم مؤكدًا باللام (أجمعين) تأكيد للضمير في لنسألنهم مع الشمول في افراد المخصوصين (عما كانوا يعملون عن لا إله إلاّ الله) وفي رواية عن قول لا إله إلا الله وسقط لأبوي ذر والوقت والأصيلي لفظ قول، ولفظ رواية ابن عساكر قال: عن لا إله إلا الله، لكن قال النووي: المعنى لنسألنهم عن أعمالهم كلها التي يتعلق بها التكليف، فقول من خص بلفظ التوحيد دعوى تخصيص بل دليل فلا تقبل انتهى.
ومراده كما قاله صاحب عمدة القاري: أن دعوى التخصيص بلا دليل خارجي لا تقبل، لأن الكلام عامّ في السؤال عن التوحيد وغيره، فدعوى التخصيص بالتوحيد يحتاج إلى دليل خارجي، فإن استدل بحديث الترمذي فقد ضعف من جهة ليث، وليس التعميم في قوله أجمعين حتى يدخل فيه المسلم والكافر لكونه مخاطبًا بالتوحيد قطعًا وبباقي الأعمال على الخلاف، فالمانع من الثاني يقول: إنما يسألون عن التوحيد فقط للاتفاق عليه، وإنما التعميم هنا في قوله ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [الحجر: ٩٣]. فتخصيص ذلك بالتوحيد تحكم، ولا تنافي بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]. لأن في القيامة مواقف مختلفه وأزمنة متطاولة، ففي موقف أو زمان يسألون، وفي آخر لا يسألون أو لا يسألون سؤال استخبار بل سؤال توبيخ لمستحقه.
(وقال) الله تعالى وسقط لغير الأربعة لفظ وقال (لمثل هذا) أي لنيل مثل هذا الفوز العظيم ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُون﴾ [الصافات: ٦١]. أي فليؤمن المؤمنون لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الانصرام، وهذا يدل على أن الإيمان هو العمل كما ذهب إليه المصنف، لكن اللفظ عامّ ودعوى التخصيص بلا رهان لا تقبل. نعم إطلاق العمل على الإيمان صحيح من حيث أن الإيمان هو عمل القلب: لكن لا يلزم من ذلك أن يكون العمل من نفس الإيمان، وغرض البخاري من هذا الباب وغيره إثبات أن العمل من أجزاء الإيمان ردًّا على من يقول: إن العمل لا دخل له في ماهية الإيمان، فحينئذ لا يتم مقصوده على ما لا يخفى وإن كان مراده جواز إطلاق العمل على الإيمان فلا نزاع فيه لأن الإيمان عمل القلب وهو التصديق، وقد سبق البحث في ذلك.
стр. 157
٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ».
[الحديث ٢٦ - طرفه في: ١٥١٩].
وبالسند السابق أول هذا التعليق إلى المؤلف قال رحمه الله تعالى: (حدّثنا أحمد بن يونس) نسبة إلى جده لشهرته به وإنما اسم أبيه عبد الله اليربوعي التميمي الكوفي المتوفى في ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومائتين (و) كذا حدّثنا (موسى بن إسماعيل) المنقري بكسر الميم السابق (قالا) بالتثنية (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف السابق (قال حدثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب) بضم الميم وكسر المثناة التحتية والفتح فيها أشهر وكان يكرهه ابن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي إمام التابعين في الشرع وفقيه الفقهاء المتوفى سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين وهو زوج بنت أَبي هريرة وأبوه وجده صحابيان (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁.
(أن رسول الله ﷺ سئل) بالبناء للمفعول في محل رفع خبر أن وأبهم السائل وهو أبو ذر وحديثه في العتق (أي العمل أفضل)، أي أكثر ثوابًا عند الله تعالى وهو مبتدأ وخبر (قال) ولغير الأربعة وكريمة قال ﷺ هو (إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا) أي أيّ شيء أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله؟ (قال) ﵊ هو (الجهاد في سبيل الله) لإعلاء كلمة الله أفضل لبذله نفسه. (قيل: ثم ماذا) أفضل؟ (قال) عليه الصلاة واالسلام هو (حج مبرور) أي مقبول أي لا يخالطه إثم أو لا رياء فيه، وعلامة القبول أن يكون حاله بعد الرجوع خيرًا مما قبله، وقد وقع هنا الجهاد بعد الإيمان. وفي حديث أبي ذر لم يذكر الحج وذكر العتق، وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة ثم البر ثمّ الجهاد، وفي الحديث السابق ذكر السلامة من اليد واللسان وكلها في الصحيح. وقد أجيب بأن اختلاف الأجوبة في ذلك لاختلاف الأحوال والأشخاص، ومن ثم لم يذكر الصلاة والزكاة والصيام في حديث هذا الباب. وقد يقال: خير الأشياء كذا ولا يراد أنه خير من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص، بل في حال دون حال، وإنما قدم الجهاد على الحج للاحتياج إليه أول الإسلام، وتعريف الجهاد باللام دون الإيمان والحج إما لأن المعرف بلام الجنس كالنكرة في المعنى على أنه وقع في مسند الحرث بن أبي أسامة ثم جهاد بالتنكير هذا من جهة النحو، وأما من جهة المعنى فلأن الإيمان والحج لا يتكرر وجوبهما فنوّنا للإفراد والجهاد قد يتكَرر فعرف والتعريف للكمال. وفي إسناد هذا الحديث أربعة كلهم مدنيون وفيه شيخان للمؤلف والتحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم في الإيمان، والنسائي والترمذي باختلاف بينهم في ألفاظه.
стр. 158
١٩ - باب إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الاِسْتِسْلَامِ أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. فَإِذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾
هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يكن) أي إن لم يكن (الإسلام على الحقيقة) الشرعية (وكان على الاستسلام) أي الانقياد الظاهر فقط والدخول في السلم (أو) كان على (الخوف من القتل) لا ينتفع به في الآخرة فإذا متضمنة معنى الشرط والجزاء محذوف وتقديره نحو ما قدرته (لقوله تعالى) ولأبي ذر والأصيلي : (قالت الأعراب) أهل البدو ولا واحد له من لفظه ومقول قولهم (آمنا) نزلت في نفر من بني أسلم قدموا المدينة في سنة مجدبة وأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله ﷺ : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يريدون الصدقة ويمنون، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ إذ الإيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. فإن الإسلام انقياد ودخول في السلم وإظهار للشهادة لا بالحقيقة، ومن ثم قال تعالى: (قل لم تؤمنوا) لأن كل ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان، وكان نظم الكلام أن يقول لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا إذ لم تؤمنوا ولكن أسلمتم، فعدل عنه إلى هذا النظم ليفيد تكذيب دعواهم. وفي هذه الآية كما قال الإمام أبو بكر بن الطيب حجة على الكرامية ومن وافقهم من المرجئة في قولهم: إن الإيمان إقرار باللسان فقط، ومثل هذه الآية في الدلالة لذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَان﴾ [المجادلة: ٢٢]. ولم يقل كتب في ألسنتهم، ومن أقوى ما يردّ به عليهم الإجماع على كفر المنافقين مع كونهم أظهروا الشهادتين.
(فإذا كان) أي الإسلام (على الحقيقة) الشرعية وهو الذي يرادف الإيمان وينفع عند الله تعالى (فهو على قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. أي لا دين مرضي عنده تعالى سواه، وفتح الكسائي همزة أن على أنه بدل من أنه بدل الكل من الكل إن فسر الإسلام بالإيمان وبدل الاشتمال إن فسر بالشريعة، وقد استدل المؤلف بهذه الآية على أن الإسلام الحقيقي هو الدين، وعلى أن الإسلام والإيمان مترادفان وهو قول جماعة من المحدثين وجمهور المعتزلة والمتكلمين، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِين﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]. فاستثنى المسلمين من المؤمنين، والأصل في الاستثناء كون المستثنى من جنس المستثنى منه فيكون الإسلام هو الإيمان وردّ بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. فلو كان شيئًا واحدًا لزم إثبات شيء ونفيه في حالة واحدة وهو مُحال. وأجيب بأن الإسلام المعتبر في الشرع لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية بمعنى انقياد الظاهر من غير انقياد الباطن كما تقدم قريبًا، ثم استدل المؤلف أيضًا على مذهبه بقوله تعالى:
стр. 159
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ أي غير التوحيد والانقياد لحكم الله تعالى ﴿دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. جواب الشرط. ووجه الدلالة على ترادفهما أن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولاً، فتعين أن يكون عينه لأن الإيمان هو الدين والدين هو الإسلام لقوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) فينتج أن الإيمان هو الإسلام وسقط للكشميهني والحموي من قوله: ومن يبتغ إلخ.
٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ «أَوْ مُسْلِمًا». فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا». ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ «يَا سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ». وَرَوَاهُ يُونُسُ وَصَالِحٌ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
[الحديث طرفه في: ١٤٧٨].
وبسندي الذي قدّمته أول هذا التعليق إلى المؤلف قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي (قال أخبرنا) وللأصيلي حدّثنا (شعيب) هو ابن أبي حمزة الأموي (عن الزهري) محمد بن مسلم (قال أخبرني) بالإفراد (عامر بن سعد بن أبي وقاص) بتشديد القاف وسعد بسكون العين واسم أبي وقاص مالك القرشي المتوفى بالمدينة سنة ثلاث أو أربع ومائة (عن) أبيه (سعد) المذكور أحد العشرة المبشرة بالجنة المتوفى آخرهم بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة سنة سبع وخمسين، وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة ودفن بالبقيع، وله في البخاري عشرون حديثًا (¬﵁¬).
(أن رسول الله ﷺ أعطى رهطاً) من المؤلفة شيئاً من الدنيا لما سألوه كما عند الإسماعيلي ليتألفهم لضعف إيمانهم، والرهط: العدد من الرجال لا امرأة فيهم من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو مما دون العشرة ولا واحد له من لفظه، وجمعه أرهط وأراهط وأرهاط وأراهيط. (وسعد جالس) جملة اسمية وقعت حالاً ولم يقل أنا جالس كما هو الأْصل، بل جرّد من نفسه شخصًا وأخبر عنه ْبالجلوس أو هو من باب الالتفات من التكلم الذي هو مقتضى المقام إلى الغيبة كما هو قول صاحب المفتاح.
قال سعد: (فترك رسول الله ﷺ رجلاً) سأله أيضًا مع كونه أحب إليه ممن أعطى وهو جعيل بن سراقة الضمري المهاجري (هو أعجبهم إليّ) أي أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي، والجملة نصب صفة لرجلاً، وكان السياق يقتضي أن يقول أعجبهم إليه لأنه قال وسعد جالس، بل قال إليَّ على طريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم (فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان) أي أيّ سبب لعدولك عنه إلى غيره؟ ولفظ فلان كناية عن اسم أبهم بعد أن ذكر (فوالله إني لأراه مؤمنًا) بفتح الهمزة أي
стр. 160
أعلمه. وفي رواية أبي ذر وغيره هنا كالزيادة لأراه بضمها بمعنى أظنه وبه جزم القرطبي في المفهم، وعبارته الرواية بضم الهمزة وكذا رواه الإسماعيلي وغيره. ولم يجوزه النووي محتجًا بقوله الآتي، ثم غلبني ما أعلم منه لأنه راجع النبي ﷺ مرارًا فلو لم يكن جازمًا باعتقاده لما كرر المراجعة. وتعقب بأنه لا دلالة فيه على تعين الفتح لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]. أي العلم الذي يمكنكم تحصيله وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنما سماه علمًا إيذانًا بأنه كالعلم في وجوب العمل به كما قاله البيضاوي.
وأجيب بأن قسم سعد وتأكيد كلامه بإن واللام ومراجعته للنبي ﷺ وتكرار نسبة العلم إليه يدل على أنه كان جازمًا باعتقاده (فقال) ﷺ وفي رواية الأصيلي وابن عساكر قال: (أو مسلمًا) بسكون الواو فقط بمعنى الإضراب على قول سعد وليس الإضراب هنا بمعنى إنكار كون الرجل مؤمنًا بل معناه النهي عن القطع بإيمان من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة لأن الباطن لا يطّلع عليه إلا الله فالأولى التعبير بالإسلام الظاهر بل في الحديث إشارة إلى إيمان المذكور وهي قوله لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه قال سعد: (فسكت) سكوتًا (قليلاً ثم غلبني ما) أي الذي (أعلم منه فعدت) أي فرجعت (لمقالتي) مصدر ميمي بمعنى القول أي لقولي وثبت لأبي ذر وابن عساكر فعدت وسقط للأصيلي وأبي الوقت لفظ لمقالتي (فقلت) يا رسول الله (ما لك عن فلان فوالله إني لأراه) باللام وضم الهمزة وكذا رواه ابن عساكر ورواه أبو ذر أراه (مؤمنًا فقال) ﵊ (أو مسلمًا فسكت) سكوتًا (قليلاً) وسقط للحموي قوله فسكت قليلاً (ثم غلبني ما) أي الذي (أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله ﷺ ¬) وليس في رواية الكشميهني إعادة السؤال ثانيًا ولا الجواب عنه وإنما لم يقبل ﵊ قول سعد في جعيل لأنه لم يخرج مخرج الشهادة وإنما هو مدح له وتوسل في الطلب لأجله ولهذا ناقشه في لفظه نعم في الحديث نفسه ما يدل على أنه ﵊ قبل قوله فيه وهو قوله (ثم قال) لمجيب مرشدًا له إلى الحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جعيل مع كونه أحب إليه ممّن أعطاه (يا سعد إني لأعطي الرجل) الضعيف الإيمان العطاء أتألف قلبه به (وغيره أحب إليّ منه) جملة حالية وفي رواية أبي ذر والحموي والمستملي أعجب إلي منه (خشية أن يكبه الله) بفتح المثناة التحتية وضم الكاف ونصب الموحدة بأن أي لأجل خشية كبّ الله إياه أي إلقائه منكوسًا (في النار) لكفره إما بارتداده إن لم يعط، أو لكونه ينسب الرسول ﵊ إلى البخل، وأما من قوي إيمانه فهو أحب إلي فأكله إلى إيمانه ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه ولا سوءًا في اعتقاده، وفيه الكناية لأن الكب في النار من لازم الكفر فأطلق اللازم وأراد الملزوم. وفي الحديث دلالة على جواز الحلف على الظن عند من أجاز ضم همزة أراه، وجواز الشفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم ومراددة الشفيع إذا لم يؤدّ إلى مفسدة، وأن المشفوع إليه لا عتب عليه إذا رد الشفاعة إذا كانت خلاف المصلحة، وأن الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم، وأنه لا يقطع لأحد على التعيين بالجنة إلا العشرة البشرة، وأن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا قرن به الاعتقاد وعليه الإجماع كما مر. واستدل به عياض لعدم ترادف الإيمان والإسلام، ولكنه لا يكون مؤمنًا إلا مسلمًا، وقد
стр. 161
يكون مسلمًا غير مؤمن، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وفيه ثلاثة رواة زهريون مدنيون وثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وأخرجه المؤلف أيضًا في الزكاة ومسلم في الإيمان والزكاة.
قال المؤلف: (ورواه) بواو العطف وللأربعة بإسقاطها أي هذا الحديث أيضًا (يونس) بن يزيد الأيلي (وصالح) يعني ابن كيسان المدني (ومعمر) بفتح الميمين يعني ابن راشد البصري (وابن أخي الزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم المتوفى فيما جزم به النووي في سنة اثنتين وخمسين ومائة.
هؤلاء الأربعة (عن الزهري) محمد بن مسلم بإسناده كما رواه شعيب عنه، فحديث يونس موصول في كتاب الإيمان لعبد الرحمن بن عمر الملقب رسته وهو قريب من سياق الكشميهني ليس فيه إعادة السؤال ولا الجواب عنه. وحديث صالح موصول عند المؤلف في الزكاة. وحديث معمر عند أحمد بن حنبل والحميدي وغيرهما عن عبد الرزاق عنه وقال فيه: أنه أعاد السؤال ثالثًا وحديث ابن أخي الزهري عند مسلم وساق فيه السؤال والجواب ثلاث مرات، والله تعالى أعلم.
٢٠ - باب إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ. وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَار
هذا (باب) بالتنوين (السلام من الإسلام) أي هذا باب بيان أن السلام من شعب الإسلام، وفي رواية غير الأصيلي وأبي ذر وابن عساكر إفشاء السلام من الإسلام وهو بكسر الهمزة أي إذاعة السلام ونشره (وقال عمار) أبو اليقظان بالمعجمة ابن ياسر بن عامر أحد السابقين الأوّلين المقتول بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين مع علي ومقول قوله (ثلاث) أي ثلاث خصال (من جمعهن فقد جمع الإيمان) أي حاز كماله أحدهما: (الإنصاف) وهو العدل (من نفسك) بأن لم تترك لمولاك حقًا واجبًا عليك إلا أذيته ولا شيئًا مما نهيت عنه إلا اجتنبته وسقط لفظ فقد عند الأربعة، (و) الثاني: (بذل السلام) بالمعجمة (للعالم) بفتح اللام أي لك مؤمن عرفته أو لم تعرفه وخرج الكافر بدليل آخر. وفيه حضّ على مكارم الأخلاق والتواضع واستئلاف النفوس، (و) الثالث: (الإنفاق من الإقتار) بكسر الهمزة أي في حالة الفقر وفيه غاية الكرم لأنه إذا أنفق وهو محتاج كان مع التوسع أكثر إنفاقًا، والإنفاق شامل للنفقة على العيال وعلى الضيف والزائر، وهذا الأثر أخرجه أحمد في كتاب الإيمان، والبزار في مسنده، وعبد الرزاق في مصنفه، والطبراني في معجمه الكبير.
٢٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال: حدّثنا اللَّيْثُ عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبِ عنْ أبي الخَيرِ عن عبد اللهِ بنِ عَمْرِو "أنَّ رَجُلاً سَأل رسول اللهِ ﷺ : أيُّ الإسُلامِ خَيرٌ؟ قال: تُطْعِمُ الطعامَ وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لم تَعْرِفْ".
стр. 162
وبالسند إلى المؤلف قال رحمه الله تعالى: (حدّثنا قتيبة) تصغير قتبة بكسر القاف واحدة الأقتاب وهي الأمعاء. قال الصغاني: وبها سمي الرجل قتيبة، وكنيته أبو رجاء واسمه فيما قاله ابن منده علي بن سعيد بن جميل البغلاني نسبة إلى بغلان بفتح الموحدة وسكون المعجمة قرية من قرى بلخ المتوفى سنة أربعين ومائتين (قال: حدّثنا الليث) بن سعد (عن يزيد بن أبي حبيب) المصري (عن أبي الخير) مرثد بفتح الميم والمثلثة (عن عبد الله بن عمرو) يعني ابن العاص ﵄.
(أن رجلاً) هو أبو ذر فيما قيل (سأل رسول الله ﷺ أي) خصال (الإسلام خير. قال) ﵊: (تطعم) الخلق (الطعام وتقرأ) بفتح التاء (السلام على من عرفت ومن لم تعرف) من المسلمين. وهذا الحديث تقدم في باب إطعام الطعام، وأعاده المؤلف هنا كعادته في غيره لما اشتمل عليه وغاير بين شيخيه اللذين حدّثاه عن الليث مراعاة للفائدة الإسنادية وهي تكثير الطرق حيث يحتاج إلى إعادة المتن، فإن عادته أن لا يعيد الحديث في موضعين على صورة واحدة، وقد مرّ أن المؤلف أخرج هذا الحديث في ثلاثة مواضع، وأخرجه مسلم والنسائي.
٢١ - باب كُفْرَانِ الْعَشِيرِ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ. فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -.
هذا (باب) بغير تنوين لإضافته لقوله: (كفران العشير) وهو الزوج كما يدل عليه السياق. قيل له عشير بمعنى معاشر والمعاشرة المخالطة أو الألف واللام للجنس، والكفران من الكفر بالفتح وهو الستر، ومن ثم سمي ضد الإيمان كفرًا لأنه ستر على الحق وهو التوحيد، وأطلق أيضًا على جحد النعم، لكن الأكثرون على تسمية ما يقابل الإيمان كفرًا وعلى جحد النعم كفرانًا، وكما أن الطاعات تسمى إيمانًا كذلك المعاصي تسمى كفرًا، لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد به المخرج عن الملة، ثم إن هذا الكفر يتفاوت في معناه كما أشار إليه المؤلف بقوله: (وكفر دون كفر) كذا للأربعة أي أقرب من كفر، فأخذ أموال الناس بالباطل دون قتل النفس بغير حق، وفي بعض الأصول: وكفر بعد كفر ومعناه كالأول وهو الذي في فرع اليونينية كهي لكنه ضبب عليه، وأثبت على الهامش الأوّل راقمًا عليه علامة أبي ذر والأصيلي وابن عساكر وأصل السميساطي والجمهور على جر وكفر عطفًا على كفران المجرور، ولأبوي ذر والوقت وكفر بالرفع على القطع وخصّ المؤلف كفران العشير من بين أنواع الذنوب، كما قال ابن العربي لدقيقة بديعة وهي قوله ﵊: "لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" فقرن حق الزوج على الزوجة بحق الله تعالى، فإذا كفرت المرأة حق زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية كان ذلك دليلاً على تهاونها بحق الله تعالى. وقال ابن بطال: كفر نعمة الزوج هو كفر نعمة الله لأنها من الله أجراها على يده.
وقال المؤلف ﵀ (فيه) أي يدخل في الباب حديث رواه (أبو سعيد) سعد بن مالك ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) كما أخرجه المؤلف في الحيض وغيره من طريق عياض بن عبد الله
стр. 163
عنه، ولكريمة وغير الأصيلي وأبي ذر فيه عن أبي سعيد ولأبي الوقت زيادة الخدري، أي مروي عن أبي سعيد، ونبّه بذلك على أن للحديث طريقًا غير هذه الطريق التي ساقها هنا، وزاد الأصيلي بعد قوله وسلم كثيرًا.
٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُرِيتُ النَّارَ، فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ. قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ. لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ».
[الحديث ٢٩ - أطرافه في: ٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي المدني (عن مالك) يعني ابن أنس إمام الأئمة (عن زيد بن أسلم) مولى عمر ﵁ المكنى بأبي أسامة المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائة (عن عطاء بن يسار) بمثناة تحتية ومهملة مخففة القاص المدني الهلالي مولى أُم المؤمنين ميمونة المتوفى سنة ثلاث أو أربع ومائة، وقيل: أربع وتسعين (عن ابن عباس) ﵄ (قال):
(قال النبي) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر في نسخة وأبي ذر عن النبي (¬ ﷺ : أريت النار) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول من الرؤية بمعنى أبصرت، وتاء المتكلم هو المفعول الأوّل أقيم مقام الفاعل، والنار هو المفعول الثاني أي أراني الله النار، ولأبي ذر: ورأيت بالواو ثم راء وهمزة مفتوحتين، وللأصيلي فرأيت بالفاء (فإذا أكثر أهلها النساء) برفع أكثر والنساء مبتدأ وخبر، وفي رواية: رأيت النار فرأيت أكثر أهلها النساء بنصب أكثر والنساء مفعولي رأيت، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: رأيت النار بالنصب أكثر بالرفع، وفي رواية أخرى: أريت النار أكثر أهلها النساء بحذف فرأيت، وحينئذ فقوله: أريت بمعنى أعلمت والتاء والنار والنساء مفاعيله الثلاثة وأكثر بدل من النار (يكفرن) بمثناة تحتية مفتوحة أْوّله وهي جملة مستأنفة تدل على السؤال والجواب كأنه جواب سؤال سائل سأل يا رسول الله؟ ولأربعة بكفرهن أي بسبب كفرهن (قيل) يا رسول الله: (أيكفرن بالله؟ قال) ﷺ : (يكفرن العشير) أي الزوج قال للعهد كما سبق أو المعاشر مطلقًا فتكون للجنس (ويكفرن الإحسان) ليس كفران العشير لذاته بل كفران إحسانه، فهذه الجملة كالبيان للسابقة وتوعده على كفران العشير وكفران الإحسان بالنار. قال النووي: يدل على أنهما من الكبائر (لو) وفي رواية الحموي والكشميهني إن (أحسنت إلى إحداهن الدهر) أي مدة عمرك أو الدهر مطلقًا على سبيل الفرض مبالغة في كفرهن وهو نصب على الظرفية، والخطاب في أحسنت غير خاص بل هو عامّ لكل من يتأتى منه أن يكون مخاطبًا فهو على سبيل المجاز، لأن الحقيقة أن يكون المخاطب خاصًّا لكنه جاء على نحو: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِم﴾ [السجدة: ١٢].
فإن قلت: لولا امتناع الشيء لامتناع غيره فكيف صح جعل إن في الرواية الثانية موضعها، أجيب بأن لو هنا بمعنى إن في مجرد الشرطية فقط لا بمعناها الأصلي ومثله كثير أو هو من قبيل:
стр. 164
نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، فالحكم ثابت على النقيضين، والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور، ويسميه البيانيون ترك المعين إلى غير المعين ليعم كل مخاطب.
(ثم رأت منك شيئًا) قليلاً لا يوافق مزاجها أو شيئًا حقيرًا لا يعجبها (قالت ما رأيت منك خيرًا قط) بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة على الأشهر ظرف زمان لاستغراق ما مضى.
وفي هذا الحديث وعظ الرئيس الرؤوس وتحريضه على الطاعة ومراجعة المتعلم العالم والتابع المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه، وجواز إطلاق الكفر على كفر النعمة وجحد الحق وأن المعاصي تنقص الإيمان لأنه جعله كفرًا ولا يخرج إلى الكفر الوجب للخلود في النار، وأن إيمانهنّ يزيد بشكر نعمة العشير، فثبت أن الأعمال من الإيمان. ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون إلا ابن عباس مع أنه أقام بالمدينة وفيه التحديث والعنعنة، وهو طرف من حديث ساقه في صلاة الكسوف تامًّا، وكذا أخرجه في باب من صلى وقدّامه نار، وفي بدء الخلق في ذكر الشمس والقمر، وفي عشرة النساء، وفي العلم. وأخرجه مسلم في العيدين.
٢٢ - باب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلاَّ بِالشِّرْكِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ». وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط عند الأصيلي (المعاصي) كبائرها وصغائرها (من أمر الجاهلية) وهي زمان الفترة قبل الإسلام وسمي بذلك لكثرة الجهالات فيه (ولا يكفر) بفتح المثناة التحتية وسكون الكاف، وفي غير رواية أبي الوقت ولا يكفر بضمها وفتح الكاف وتشديد الفاء المفتوحة (صاحبها بارتكابها) أي لا ينسب إلى الكفر باكتساب المعاصىِ والإتيان بها (إلا بالشرك) أي بارتكابه خلافًا للخوارج القائلين بتكفيره بالكبيرة والمعتزلة القائلين بأنه لا مؤمن ولا كافر، واحترز بالارتكاب عن الاعتقاد. فلو اعتقد حلّ حرام معلوم من الدين بالضرورة كفر قطعًا.
ثم استدل المؤلف لا ذكره فقال: القول النبي ﷺ إنك امرؤ فيك جاهلية) أي إنك في تعييره بأمه على خُلُق من أخلاق الجاهلية ولست جاهلاً محضًا (وقول الله تعالى) ولأبي ذر والأصيلي ولأبي ذر عن الكشميهني، وقال الله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) أي يكفر به ولو بتكذيب نبيه لأن من جحد نبوّة الرسول ﵊ مثلاً فهو كافر ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، فصير ما دون الشرك تحت إمكان المغفرة، فمن مات على التوحيد غير مخلد في النار وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما عساه أن يرتكب.
стр. 165
٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ عَنِ الْمَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ».
[الحديث ٣٠ - طرفاه في: ٢٥٤٥، ٦٠٥٠].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) بالموحدة الأزدي البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن واصل) هو ابن حيان بالمهملة المفتوحة والمثناة التحتية الشددة، ولغير أبوي ذر والوقت عن وأصل الأحدب وللأصيلي هو الأحدب (عن المعرور) بعين مهملة وراءين مهملتين بينهما واو، وليس رواية ابن عساكر زيادة ابن سويد (قال) ولأبي ذر عن الكشميهني وقال (لقيت أبا ذر بالربذة) بالذال المعجمة المفتوحة وتشديد الراء جندب بضم الجيم والدال المهملة وقد تفتح ابن جنادة بضم الجيم الغفاري السابق في الإسلام، الزاهد القائل بحرمة ما زاد من المال على الحاجة، المتوفى بالربذة بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة منزل للحاج العراقي على ثلاث مراحل من المدينة، وله في البخاري أربعة عشر حديثًا (وعليه) أي لقيته حال كونه عليه (حلة) بضم المهملة ولا تكون إلا من ثوبين سميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل على الآخر (وعلى غلامه حلة) أي وحال كون غلامه عليه حلة ففيه ثلاث أحوال، قال في فتح الباري: ولم يسم غلام أبي ذر؛ ويحتمل أن يكون أبا مراوح مولى أبي ذر (فسألته عن ذلك) أي عن تساويهما في لبس الحلة، وسبب السؤال أن العادة جارية بأن ثياب الغلام دون ثياب سيده (فقال) أبو ذر ﵁: (إني ساببت) بموحدتين أي شاتمت (رجلاً فعيّرته بأمه) بالعين المهملة أي نسبته إلى العار، وعند المؤلف في الأدب المفرد: وكانت أمه أعجمية فنلت منها، وفي رواية فقلت له: يا ابن السوداء (فقال ليس النبي ﷺ : يا أبا ذر أعيّرته بأمه)؟ بالاستفهام على وجه الإنكار التوبيخي (إنك امرؤ) بالرفع خبر إن وعين كلمته تابعة للامها في أحوالها الثلاث (فيك جاهلية) بالرفع مبتدأ قدّم خبره، ولعل هذا كان من أبي ذر قبل أن يعرف تحريم ذلك، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده، ولذا قال له ﵊: إنك امرؤ فيك جاهلية، وإلا فأبو ذر من الإيمان بمنزلة عالية، وإنما وبّخه بذلك على عظيم منزلته تحذيرًا له عن معاودة مثل ذلك. وعند الوليد بن مسلم منقطعًا كما ذكره في الفتح أن الرجل المذكور هو بلال المؤذن. وروى البرماوي أنه لما شكاه بلال إلى رسول الله ﷺ قال له: "شتمت بلالاً وعيرته بسواد أُمه "؟ قال: نعم. قال: "حسبت أنه بقي فيك شيء من كبر الجاهلية" فألقى أبو ذر خدّه على التراب ثم قال: لا أرفع خدّي حتى يطأ بلال خذي بقدمه. زاد ابن الملقن فوطئ خدّه اهـ.
ثم قال رسول الله ﷺ -ِ: (إخوانكم) أي في الإسلام أو من جهة أولاد آدم فهو على سبيل المجاز (خولكم) بفتح أوّله المعجم والواو أي خدمكم أو عبيدكم الدين يتخوّلون الأمور أي
стр. 166
يصلحونها وقدّم الخبر على المبتدأ في قولكم إخوانكم خولكم للاهتمام بشأن الأخوة ويجوز أن يكونا خبرين حذف من كل مبتدؤه أي هم إخوانكم هم خولكم وأعربه الزركشي بالنصب أي احفظوا قال: وقال أبو البقاء إنه أجود لكن رواه البخاري في كتاب حسن الخلق هم إخوانكم وهو يرجح تقدير الرفع هم (جعلهم الله تحت أيديكم) مجاز عن القدرة أو الملك أي وأنتم مالكون إياهم (فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس) أي من الذي يأكله ومن الذي يلبسه والمثناة التحتية في فليطعمه وليلبسه مضمومة وفي يلبس مفتوحة، والفاء في فمن عاطفة على مقدّر أي وأنتم مالكون إلى آخر ما مرّ، ويجوز أن تكون سببية كما في (﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّة﴾ [الحج: ٦٣]، ومن للتبعيض، فإذا أطعم عبده مما يقتاته كأن قد أطعمه مما يأكله ولا يلزمه أن يطعمه من كل مأكوله على العموم من الأدم وطيبات العيش، لكن يستحب له ذلك (ولا تكلفوهم ما) أي الذي (يغلبهم) أي تعجز قدرتهم عنه والنهي فيه للتحريم (فإن كلفتموهم) ما يغلبهم (فأعينوهم) ويلحق بالعبد الأجير والخادم والضيف والدابة. وفي الحديث النهي عن سبّ العبيد ومن في معناهم وتعييرهم بآبائهم والحث على الإحسان إليهم والرفق بهم، وأن التفاضل الحقيقي بين المسلمين إنما هو في التقوى، فلا يفيد الشريف النسب نسبه إذا لم يكن من أهل التقوى ويفيد الوضيع النسب بالتقوى. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ [الحجرات: ١٣]، وجواز إطلاق الأخ على الرقيق والمحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي رجاله بصري وواسطي وكوفيان والتحديث والعنعنة، وأخرجه المصنف في العتق والأدب، ومسلم في الإيمان والنذور، وأبو داود والترمذي باختلاف ألفاظ بينهم.
باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فَسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط في رواية الأصيلي ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، أي تقاتلوا والجمع باعتبار المعنى فإن كل طائفة جمع (فأصلحوا بينهما) بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى، وللأصيلي وأبي الوقت اقتتلوا الآية. (فسماهم المؤمنين) ولابن عساكر مؤمنين مع تقاتلهم كذا في رواية الأصيلي وغيره فصل هذه الآية والحديث التالي لها بباب كما ترى، وأما رواية أبي ذر عن مشايخه فأدخل ذلك في الباب السابق بعد قوله ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، لكن سقط حديث أبي بكرة من رواية المستملي.
٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».
[الحديث ٣١ - طرفاه في: ٦٨٧٥، ٧٠٨٣].
стр. 167
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن المبارك) بن عبد الله العيشي بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبالشين المعجمة البصري، المتوفى سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائتين قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم أبو إسماعيل الأزرق الأزدي البصري، المتوفى سنة تسع وسبعين ومائة قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (ويونس) بن عبيد بن دينار البصري، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائة كلاهما (عن الحسن) أبي سعيد بن أبي الحسن الأنصاري البصري المتوفى سنة ست عشرة ومائة (عن الأحنف) من الحنف وهو الاعوجاج في الرجل بالهملة والنون أبي بحر الضحاك (بن قيس) بن معاوية المخضرم، المتوفى بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة ابن الزبير أنه (قال ذهبت لأنصر) أي لأجل أن أنصر (هذا الرجل) هو على بن أبي طالب كما في مسلم من هذا الوجه، وأشار إليه المؤلف في الفتن بلفظ: أريد نصرة ابن عمّ رسول الله ﷺ وكان ذلك يوم الجمل (فلقيني أبو بكرة) نفيع بضم النون وفتح الفاء ابن الحرث بن كلدة بالكاف واللام المفتوحتين. المتوفى بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، وله في البخاري أربعة عشر حديثًا (فقال: أين تريد؟ قلت) وللأصيلي فقلت: أريد مكانًا لأن السؤال عن المكان والجواب بالفعل فيؤوّل بذلك (أنصر) أي لكي أنصر (هذا الرجل.
قال: ارجع فإني سمعت رسول الله ﷺ ¬) حال كونه (يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما) فضرب كل واحد منهما الآخر (فالقاتل والمقتول في النار) إذا كان القاتل منهما بغير تأويل سائغ أما إذا كانا صحابيين فأمرهما عن اجتهاد وظن لإصلاح الدين فالمصيب منهما له أجران والمخطئ أجر، وإنما حمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمين التقيا بسيفيهما حسمًا للمادة، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك وشهد مع علي باقي حروبه، ولا يقال إن قوله فالقاتل والمقتول في النار يشعر بمذهب المعتزلة القائلين بوجوب العقاب للعاصي، لأن المعنى أنهما يستحقان وقد يعفى عنهما أو واحد منهما فلا يدخلان النار كما قال تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] أي جزاؤه وليس بلازم أن يجازى. قال أبو بكرة (فقلت) وللأربعة وكريمة قلت (يا رسول الله هذا القاتل) يستحق النار لكونه ظالمًا (فما بال المقتول) وهو مظلوم؟ (قال) ﷺ : (إنه كان حريصًا على قتل صاحبه) مفهومه أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه، ولا تنافي بين هذا وبين قوله في الحديث الآخر "إذا همّ عبدي بسيئة فلم يعملها فلا تكتبوها عليه" لأن المراد أنه لم يوطن نفسه عليها بل مرت بفكره من غير استقرار، ورجال إسناد هذا الحديث كلهم بصريون وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم: أيوب والحسن والأحنف، واشتمل على التحديث والعنعنة والسماع، وأخرجه المؤلف أيضًا في الفتن، ومسلم وأبو داود والنسائي.
٢٣ - باب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ
هذا (باب) بالتنوين (ظلم دون ظلم) أي بعضه أخف من بعض، وهذه الترجمة لفظ رواية حديث رواه الإمام أحمد من كتاب الإيمان من حديث عطاء.
стр. 168
٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح. قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نفسه؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
[الحديث ٣٢ - أطرافه في: ٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي الباهلي البصري السابق (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (ح) مهملة (قال: وحدّثني) بالإفراد (بشر) كذا في فرع اليونينية كهي، وفي بعض الأصول وهو لكريمة ح. وحدّثني بشر قال في الفتح: فإن كانت -يعني الحاء المفردة- من أصل التصنيف فهي مهملة مأخوذة من التحويل على المختار، وإن كانت مزيدة من بعض الرواة فيحتمل أن تكون مهملة كذلك أو معجمة مأخوذة من البخاري لأنها رمزه، أي قال البخاري: وحدْثني بشر، لكن في بعض الروايات المصححة وحدّثني بواو العطف من غير حاء قبلها، وبشر بكسر الموحدة وسكون المعجمة، وفي رواية ابن عساكر بن خالد أبو محمد العسكري كما في فرع اليونينية كهي المتوفى أبو بشر المذكور سنة ثلاث وخمسين ومائتين (قال: حدّثنا محمد) وفي رواية ابن عساكر محمد بن جعفر كما في الفرع أيضًا كاليونينية الهذلي البصري المعروف بغندر المتوفى فيما قاله أبو داود سنة ثلاث وتسعين ومائة (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش الأسدي الكاهلي الكوفي، ولد يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وعند المؤلف سنة ستين المتوفى سنة ثمان ومائة (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي أبي عمران الكوفي الفقيه الثقة، وكان يرسل كثيرًا، المتوفى وهو مُختَفٍ من الحجاج سنة ست وتسعين وهو من الخامسة (عن علقمة) بن قيس بن عبد الله، المتوفى سنة اثنتين وستين، وقيل: وسبعين (عن عبد الله) بن مسعود ﵁.
(قال لما نزلت) زاد الأصيلي قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون﴾ [الأنعام: ٨٢] وقوله: بظلم أي عظيم أي لم يخلطوه بشرك إذ لا أعظم من الشرك، وقد ورد التصريح بذلك عند المؤلف من طريق حفص بن غياث عن الأعمش ولفظه: قلنا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون بل لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك ألم تسمعوا إلى قول لقمان فذكر الآية الآتية، لكن منع التيمي تصوّر خلط الإيمان بالشرك وحمله على عدم حصول الصفتين لهم كفر متأخر عن إيمان متقدّم. أي: لم يرتدوا أو المراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا أي لم ينافقوا وهذا أوجه. (قال أصحاب رسول الله) وللأصيليّ النبي (¬ ﷺ أينا لم يظلم نفسه) مبتدأ وخبر والجملة مقول القول (فأنزل الله) ولأبي ذر والأصيلي، فأنزل الله عقب ذلك (إن الشرك لظلم عظيم) إنما حملوه على العموم لأن قوله بظلم نكرة في سياق النفي، لكن عمومها هنا بحسب الظاهر. قال المحققون: إن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم
стр. 169
ويقوّيه نحو: من في قوله: ما جاءني من رجل أفاد تنصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر كما فهمه الصحابة من هذه الآية، وبيّن لهم النبي ﷺ أن ظاهره غير مراد، بل هو من العام الذي أريد به الخاص، والمراد بالظلم أعلى أنواعه وهو الشرك، وإنما فهموا حصر الأمن والاهتداء فيمن لم يلبس إيمانه حتى ينتفيا عمن لبس من تقديم لهم على الأمن في قوله لهم الأمن أي: لهم لا لغيرهم ومن تقديم وهم على مهتدون. وفي الحديث أن المعاصي لا تسمى شركًا وأن من لم يشرك بالله شيئاًً فله الأمن وهو مهتدٍ. لا يقال: إن العاصي قد يعذب فما هذا الأمن والاهتداء الذي حصل له؟ لأنه أجيب بأنه آمن من التخليد في النار مهتدِ إلى طريق الجنة انتهى.
وفيه أيضًا: أن درجات الظلم تتفاوت كما ترجم له، وأن العامّ يطلق ويراد به الخاصّ، فحمل الصحابة ذلك على جميع أنواع الظلم، فبين الله تعالى أن المراد نوع منه، وأن المفسر يقضي على المجمل، وأن النكرة في سياق النفي تعم، وأن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفع التعارض.
وفي إسناده رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض وهم: الأعمش عن شيخه إبراهيم النخعي عن خاله علقمة بن قيس والثلاثة كوفيون فقهاء، وهذا أحد ما قيل فيه إنه أصح الأسانيد، وأمن تدليس الأعمش بما وقع عند المؤلف فيما مرّ في رواية حفص بن غياث عنه حدّثنا إبراهيم، وفيه التحديث بصورة الجمع والإفراد والعنعنة، وأخرج متنه المؤلف أيضًا في باب أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفي التفسير، ومسلم في الإيمان والترمذي.
ولما فرغ المؤلف من بيان مراتب الكفر والظلم وأنها متفاوتة عقبه بأن النفاق كذلك فقال:
٢٤ - باب عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ
هذا (باب علامات المنافق) جمع علامة وهي ما يستدل به على الشيء، وعدل عن التعبير بآيات المنافق المناسب للحديث المسوق هنا للعلامات موافقة لما ورد في صحيح أبي عوانة، ولفظ باب ساقط عند الأصيلي، والجمع في العلامات رواية الأربعة. والنفاق لغة مخالفة الظاهر للباطن فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت مراتبه، ولفظ المنافق من باب المفاعلة وأصلها أن تكون بين اثنين لكنها هنا من باب خادع وطارق.
٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».
[الحديث ٣٣ - أطرافه في: ٢٦٨٢، ٢٧٤٩، ٦٠٩٥].
стр. 170
وبالسند إلى المصنف قال: (حدّثنا سليمان أبو الربيع) بن داود الزهراني العتكي المتوفى بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين (قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر) هو ابن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم المدني قارئ أهل المدينة الثقة الثبت وهو من الثامنة المتوفى ببغداد سنة ثمانين ومائة (قال: حدّثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل) الأصبحي التيمي المدني من الرابعة المتوفى بعد الأربعين (عن أبيه) مالك جدّ إمام الأئمة المتوفى سنة اثنتي عشرة ومائة (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(آية المنافق) أي علامته واللام للجنس وكان القياس جمع المبتدأ الذي هو آية ليطابق الخبر الذي هو (ثلاث) وأجيب: بأن الثلاث اسم جمع ولفظه مفرد على أن التقدير آية المنافق معدودة بالثلاث.
وقال الحافظ ابن حجر: الإفراد على إرادة الجنس أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث. قال: والأوّل أليق بصنيع المؤلف ولهذا ترجم بالجمع انتهى. وتعقبه العلامة العيني فقال: كيف يراد الجنس والتاء فيها تمنع ذلك لأن التاء فيها كالتاء في تمرة، فالآية والآي كالتمرة والتمر. قال: وقوله إنما تحصل باجتماع الثلاث يشعر بأنه إذا وجد فيه واحد من الثلاث لا يطلق عليه منافق وليس كذلك بل يطلق عليه اسم المنافق، غير أنه إذا وجد فيه الثلاث كلها يكون منافقًا كاملاً. وأجيب بأنه مفرد مضاف فيعم كأنه قال: آياته ثلاث.
(إذا حدّث) في كل شيء (كذب) أي أخبر عنه بخلاف ما هو به قاصدًا للكذب (وإذا وعد) بالخير في المستقبل (أخلف) فلم يَفِ وهو من عطف الخاص على العامّ، لأن الوعد نوع من التحديث وكان داخلاً في قوله: وإذا حدّث ولكنه أفرده بالذكر معطوفًا تنبيهًا على زيادة قبحه.
فإن قلت: الخاص إذا عطف على العامّ لا يخرج من تحت العامّ وحينئذ تكون الآية اثنتين لا ثلاثًا. أجيب: بأن لازم الوعد الذي هو الإخلاف الذي قد يكون فعلاً ولازم التحديث الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلاً متغايرًا فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايران وخلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أما لو كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم يوجد منه صورة النفاق. وفي حديث الطبراني ما يشهد له حيث قال: إذا وعد وهو يحدّث نفسه أنه يخلف، وكذا قال في باقي الخصال. وإسناده لا بأس به وهو عند الترمذي وأبي داود مختصرًا بلفظ: إذا وعد الرجل أخاه ومن نيّته أن يَفِي له فلم يَفِ فلا إثم عليه وهذا في الوعد بالخير، أما الشر فيستحب إخلافه وقد يجب.
(و) الثالثة من الخصال (إذا ائتمن) على صيغة المجهول من الائتمان أمانة (خان) بأن تصرف فيها على خلاف الشرع. ووجه الاقتصار على هذا الثلاث أنها منبّهة على ما عداها إذ أصل عمل الديانة منحصر في ثلاث: القول والفعل والنية، فنبّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النيّة بالخلف، وحينئذ فلا يعارض هذا الحديث بما وقع في الآتي بلفظ: أربع من كنّ فيه، وفيه: وإذا عاهد غدر إذ هو معنى قوله: وإذا ائتمن خان لأن الغدر خيانة.
стр. 171
فإن قلت: إذا وجدت هذه الخصال في مسلم فهل يكون منافقًا؟ أجيب: بأنها خصال نفاق لا نفاق فهو على سبيل المجاز أو المراد نفاق العمل لا نفاق الكفر أو مراده من اتصف بها وكانت له ديدنًا وعادة، ويدل عليه التعبير بإذا المفيدة لتكرار الفعل أو هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا أو مراده الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأن الظاهر غير مراد أو الحديث وارد في رجل معين وكان منافقًا ولم يصرح ﵊ به على عادته الشريفة في كونه لا يواجههم بصريح القول بل يشير إشارة كقوله: ما بال أقوام ونحوه، أو المراد المنافقون الذين كانوا في الزمن النبوي. ورجال إسناد هذا الحديث كلهم مدنيون إلا أبا الربيع، وفيهم تابعي عن تابعي، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في الوصايا والشهادات والأدب، ومسلم في الإيمان والترمذي والنسائي.
٣٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ.
[الحديث ٣٤ - طرفاه في: ٢٤٥٩، ٣١٧٨].
وبه قال المؤلف: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية وفتح المهملة (ابن عقبة) بضم المهملة وسكون القاف وفتح الموحدة ابن محمد أبو عامر السوائي الكوفي المختلف في توثيقه من جهة كونه سمع من سفيان الثوري صغيرًا، فلم يضبط فهو حجة إلا فيما رواه عنه، لكن احتجاج البخاري به في غير موضع كافٍ. وقول أحمد إنه ثقة لا بأس به لكن كثير الغلط معارض بقول أبي حاتم لم أرَ من المحدّثين من يحفظ ويأتي بالحديث على لفظ واحد ولا يغيره سوى قبيصة وأبي نعيم اهـ. وتوفي في المحرم سنة ثلاث عشرة. وقال النووي: سنة خمس عشرة ومائتين.
(قال: حدّثنا سفيان) بتثليث سينه ابن سعيد بن منصور أبو عبد الله الثوري أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، المتوفى سنة ستين ومائة بالبصرة متواريًا من سلطانها وكان يدلس (عن الأعمش) سليمان (عن عبد الله بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء الهمداني بسكون الميم الكوفي التابعي الخارفي بالخاء المعجمة وبالراء والفاء، المتوفى سنة مائة (عن مسروق) يعني ابن الأجدع بالجيم والمهملتين ابن مالك الهمداني الكوفي الحضرمي المتفق على جلالته، المتوفى سنة ثلاث أو اثنتين وستين (عن عبد الله بن عمرو) يعني ابن العاصي ﵄ (أن النبي ﷺ قال):
(أربع) أي أربع خصال أو خصال أربع مبتدأ خبره (من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا) أي في هذه الخصال فقط لا في غيرها أو شديد الشبه بالمنافقين، ووصفه بالخلوص يؤيد قول من قال: إن المراد بالنفاق العملي لا الإيماني أو النفاق العرفي لا الشرعي، لأن الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم
стр. 172
الكفر الملقي في الدرك الأسفل من النار. (ومن كانت فيه خصلة منهن كانت) وللأصيلي في نسخة كان (فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) حتى يتركها (إذا ائتمن) شيئاً (خان) فيه (وإذا حدّث كذب) في كل ما حدّث به (وإذا عاهد) عهدًا (غدر) أي ترك الوفاء بما عاهد عليه (وإذا خاصم فجر) في خصومته أي مال عن الحق وقال الباطل، وقد تحصل من الحديثين خمس خصال الثلاثة السابقة في الأوّل والغدر فى المعاهدة والفجور في الخصومة فهي متغايرة باعتبار تغاير الأوصاف واللوازم، ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف ما في الباطن إما في الماليات وهو ما إذا ائتمن، وإما في غيرها وهو إما في حالة الكدورة فهو إذا خاصم، وإما في حالة الصفاء فهو إما مؤكد باليمين فهو إذا عاهد أو لا فهو إما بالنظر إلى المستقبل فهو إذا وعد، وإما بالنظر إلى الحال فهو إذا حدّث، لكن هذه الخمسة في الحقيقة ترجع إلى الثلاث لأن الغدر في العهد منطوٍ تحت الخيانة في الأمانة، والفجور في الخصومة داخل تحت الكذب في الحديث. ورجال هذا الحديث كلهم كوفيون إلا الصحابي على أنه قد دخل الكوفة أيضًا، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض والتحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلف أيضًا في الجزية، ومسلم في الإيمان وأصحاب السنن.
ثم قال المؤلف (تابعه) أي تابع سفيان الثوري (شعبة) بن الحجاج في رواية هذا الحديث (عن الأعمش) وقد وصل المؤلف هذه المتابعة في كتاب المظالم، ومراده بالمتابعة هنا كون الحديث مرويًّا من طريق أخرى عن الأعمش، والمتابعة هنا ناقصة لكونها ذكرت في وسط الإسناد لا في أوّله.
ولما ذكر المؤلف كتاب الإيمان الجامع لبيان باب السلام من الإسلام وأردفه بخمسة أبواب استطرادًا لما فيها من المناسبة وضمنها علامات النفاق رجع إلى ذكر علامات الإيمان فقال:
٢٥ - باب قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط في رواية الأصيلي (قيام ليلة القدر من الإيمان) أي من شعبه.
٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
[الحديث ٣٥ - أطرافه في: ٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤].
"وبالسند المذكور أوّلاً إلى المصنف قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع البهراني بفتح الموحدة الحمصي الثقة الثبت من العاشرة. يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (قال: حدّثنا أبو الزناد) بالنون عبد الله بن ذكوان القرشي (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
стр. 173
(من يقم ليلة القدر) للطاعة (إيمانًا) أي تصديقًا بأنه حق وطاعة (واحتسابًا) لوجهه تعالى لا للرياء ونحوه ونصبًا على المفعول له، وجوّز أبو البقاء فيما حكاه البرماوي أن يكونا على الحال مصدرًا بمعنى الوصف أي مؤمنًا محتسبًا (غفر له ما تقدم من ذنبه) أي غير الحقوق الآدمية، لأن الإجماع قائم على أنها لا تسقط إلا برضاهم، وفيه الدلالة على جعل الأعمال إيمانًا لأنه جعل القيام إيمانًا وليلة نصب مفعول به لا فيه، وجملة غفر له جواب الشرط. وقد وقع ماضيًا، وفعل الشرط مضارعًا، وفي ذلك نزاع بين النحاة والأكثرون على المنع، واستدل القائلون بالجواز بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ﴾ [الشعراء: ٤] لأن قوله فظلت بلفظ الماضي وهو تابع للجواب. وتابع الجواب جواب، وإنما عبّر بالمضارع في الشرط في قيام ليلة القدر، وبالماضي في قيام رمضان وصيامه في البابين اللاحقين لأن قيام رمضان وصيامه محقّقًا الوقوع فجاءا بلفظ يدل عليه بخلاف قيام ليلة القدر فإنه غير متيقن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل وقاله الكرماني. وقال غيره: استعمل لفظ الماضي في الجزاء مع أن المغفرة في زمن الاستقبال إشارة إلى تحقق وقوعه على حد قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّه﴾ [النحل: ١] وقد روى النسائي الحديث عن محمد بن علي بن ميمون عن أبي اليمان شيخ المصنف بلفظ "من يقم ليلة القدر يغفر له" فلم يغاير بين الشرط والجزاء. قال في الفتح: فظهر أنه من تصرف الرواة فلا يستدل به للقول بجواز التغاير في الشرط والجزاء. وعند أبي نعيم في مستخرجه "لا يقوم أحدكم ليلة القدر فيوافقها إيمانًا واحتسابًاً إلا غفر له". وقوله: فيوافقها زيادة بيان وإلاّ فالجزاء مرتب على قيام ليلة القدر ولا يصدق قيامها إلا على من يوافقها. وقوله: يقم بفتح الياء من قام يقوم وقع هنا متعدّيًا، ويدل له حديث الشيخين مرفوعًاً "من قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
ومن لطائف إسناد هذا الحديث ما قيل إن أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد عن الأعرج عنه، وأخرجه المؤلف أيضًا في الصيام مطوّلاً، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي ومالك في موطئه.
ولما كان التماس ليلة القدر يستدعي محافظة زائدة ومجاهدة تامة ومع ذلك فقد يوافقها وقد لا يوافقها، وكان هذا المجاهد يلتمس الشهادة ويقصد إعلاء كلمة الله تعالى ناسب أن يعقب المؤلف هذا الباب بفضل الجهاد استطرادًا فقال:
٢٦ - باب الْجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ
هذا (باب) بالتنوين (الجهاد من الإيمان) أي شعبة من شعبه أو أنه كالأبواب السابقة في أن الأعمال أيمان لأنه لما كان الإيمان هو المخرج له في سبيله تعالى كان الخروج أيمانًا تسمية للشيء باسم سببه، والجهاد قتال الكفار لإعلاء كلمة الله، ولفظ باب ساقط في رواية الأصيلي.
стр. 174
٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ -لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي- أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ. وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ».
[الحديث ٣٦ - أطرافه في: ٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣].
وبالسند إلى البخاري قال: (حدّثنا حرمي بن حفص) أي ابن عمر العتكي بفتح المهملة والمثناة الفوقية نسبة إلى العتيك بن الأسد القسملي بفتح القاف وسكون المهملة، وفتح الميم نسبة إلى قسملة وهو معاوية بن عمرو أو إلى القساملة قبيلة من الأزد البصري ثقة من كبار العاشرة، وانفرد به المؤلف عن مسلم، وتوفي سنة ثلاث أو ست وعشرين ومائتين، (قال: حدّثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي نسبة إلى عبد القيس البصري الثقفي نسبة إلى ثقيف، المتوفى سنة سبع وسبعين ومائة (قال حدّثنا عمارة) بضم العين المهملة ابن القعقاع بن شبرمة الكوفي الضبي نسبة إلى ضبة بن أدّ بن طابخة (قال حدّثنا أبو زرعة) هرم أو عبد الرحمن أو عمرو أو عبد الله (بن عمرو) وفي رواية غير أبي ذر والأصيلي بزيادة (ابن جرير) البجلي بفتح الموحدة والجيم نسبة إلى بجيلة بنت صعب (قال: سمعت أبا هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ أنه قال):
(انتدب الله) بنون ساكنة ومثناة فوقية مفتوحة ودال مهملة كذلك في آخره بموحدة. وقال الحافظ ابن حجر في رواية الأصيلي: هنا ائتدب بمثناة تحتية مهموزة بدل النون من المأدبة وهو تصحيف وقد وجّهوه بتكلف، لكن إطباق الرواة على خلافه مع اتحاد المخرّج كاف في تخطئته انتهى.
وعزاها القاضي عياض لرواية القابسي، وأما رواية انتدب بالنون فهو من ندبت فلانًا لكذا فانتدب أي أجاب إليه. وفي القاموس وندبه إلى الأمر دعاه وحثّه أو معناه تكفل، كما رواه المؤلف في أواخر الجهاد أو سارع بثوابه وحسن جزائه، وللأصيلي وكريمة انتدب الله (لمن خرج في سبيله) حال كونه (لا يخرجه إيمان) وفي رواية إلا الإيمان (بي وتصديق برسلي) بالرفع فيهما فاعل لا يخرجه والاستثناء مفرغ، وإنما عدل عن به الذي هو الأصل إلى بي للالتفات من الغيبة إلى التكلم، وقول ابن مالك في التوضيح كان الأليق إيمان به ولكنه على تقدير حال محذوف أي قائلاً لا يخرجه إلا إيمان بي، ولا يخرجه مقول القول لأن صاحب الحال على هذا التقدير هو الله. ردّه ابن المرحل فقال: أساء في قوله كان الأليق، وإنما هو من باب الالتفات ولا حاجة إلى تقدير حال لأن حذف الحال لا يجوز حكاه الزركشي وغيره.
وقال في المصابيح: ما ذكره من عدم جواز حذف الحال ممنوع، فقد ذكر ابن مالك من شواهده هنا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾
стр. 175
[البقرة: ١٢٧] أي قائلين. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] أي قائلين سلام عليكم. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْء﴾ [غافر: ٧] أي قائلين. قال ابن المرحل: وإنما هو من باب الالتفات، وقال الزركشي: الأليق أن يقال عدل عن ضمير الغيبة إلى الحضور يعني أن الالتفات يوهم الجسمية فلا يطلق في كلام الله تعالى، وهذا خلاف ما أطبق عليه علماء البيان. وذكر الكرماني قوله: أو تصديق برسلي بلفظ أو واستشكله لأنه لا بدّ من الأمرين الإيمان بالله والتصديق برسله. وأجاب بما معناه أن أو بمعنى الواو أو أن الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله وتصديق رسله مستلزم للإيمان بالله. وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه لم يثبت في شيء من الروايات بلفظ أو اهـ.
نعم. وجدته في أصل فرع اليونينية كهي أو بالألف قبل الواو وعلى الألف لا س علامة سقوط الألف عند من رقم له بالسين وهو ابن عساكر الدمشقي، ومقتضاه ثبوتها عند غيره فليتأمل مع كلام ابن حجر، وفوق الواو جزمة سوداء ونصبة بالحمرة، وكذا وجدته أيضًا بالألف في متن البخاري من النسخة التي وقفت عليها من تنقيح الزركشي، وكذا في نسخة كريمة، وعند الإسماعيلي كمسلم إلا إيمانًا بالنصب مفعول له أي لا يخرجه المخرج إلا الإيمان والتصديق.
(أن أرجعه) بفتح الهمزة من رجع وأن مصدرية والأصل بأن أرجعه أي يرجعه إلى بلده، وفي نسخة كريمة وقف الآثار أرجعه بهمزة مضمومة ظاهرها أنها كانت نصبة فأصلحتها ضمة (بما نال من أجر) أي بالذي أصابه من النيل وهو العطاء من أجر فقط إن لم يغنموا (أو) أجر مع (غنيمة) إن غنموا أو أن أو بمعنى الواو كما رواه أبو داود بالواو بغير ألف، وعبَّر بالماضي موضع المضارع في قوله: نال لتحقق وعده تعالى (أو) أن (أدخله الجنة) عند دخول المقربين بلا حساب ولا مؤاخذة بذنوب إذ تكفرها الشهادة أو عند موته لقوله: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ [آل عمران: ١٦٩] (ولولا أن أشق) أي لولا المشقة (على أمتي ما قعدت خلف) بالنصب على الظرفية أي ما قعدت بعد (سرية) بل كنت أخرج معها بنفسي لعظم أجرها ولولا امتناعية وأن مصدرية في موضع رفع بالابتداء وما قعدت جواب لولا وأصله لما فحذفت اللام، والمعنى امتنع عدم القعود وهو القيام لوجود المشقة وسبب المشقة صعوبة تخلفهم بعده ولا قدرة لهم على المسير معه لضيق حالهم، قال ذلك ﷺ شفقة على أمته جزاه الله عنا أفضل الجزاء. (ولوددت) عطفًا على ما قعدت واللام للتأكيد أو جواب قسم محذوف أي: والله لوددت أي أحببت (أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أُقتل) بضم الهمزة في كلّ من أحيا وأقتل وهي خمسة ألفاظ. وفي رواية الأصيلي أن أقتل بدل أني، ولأبي ذر فأقتل ثم أحيا فأقتل كذا في اليونينية وختم بقوله ثم أقتل، والقرار إنما هو على حالة الحياة لأن المراد الشهادة فختم الحال عليها أو الاحياء للجزاء من المعلوم فلا حاجة إلى ودادته لأنه ضروري الوقوع، وثم للتراخي في الرتبة أحسن من حملها على تراخي الزمان لأن المتمنى حصول مرتبة بعد مرتبة إلى الانتهاء إلى الفردوس الأعلى.
стр. 176
فإن قلت: تمنّيه ﵊ أن يقتل يقتضي تمني وقوع زيادة الكفر لغيره وهو ممنوع للقواعد. أجيب: بأن مراده ﵊ حصول ثواب الشهادة لا تمنّي المعصية للقاتل.
وفي الحديث استحباب طلب القتل في سبيل الله وفضل الجهاد، ورجاله ما بين بصري وكوفي خالٍ عن العنعنة وليس فيها إلا التحديث والسماع، وأخرجه المؤلف أيضًا في الجهاد، وكذا مسلم والنسائي.
٢٧ - باب تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ
هذا (باب) بالتنوين (تطوّع قيام رمضان) بالطاعة في لياليه (من الإيمان) أي من شعبه والتطوع تفعل ومعناه التكلف بالطاعة، والمراد هنا التنفل وهو رفع بالابتداء مضاف لتاليه، ورمضان ممنوع من الصرف للعلمية والألف والنون، وفي نسخة بفرع اليونينية باب تطوع قيام رمضان بغير تنوين مضافًا للاحقه، وفي رواية أبي ذر قيام شهر رمضان ولفظ باب ساقط في رواية الأصيلي.
٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وبالسند إلى البخاري قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس المدني الأصبحي (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) يعني ابن أنس إمام الأئمة وهو خاله (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة أبو إبراهيم القرشي المدني الزهري الثقة وهو من الثانية وأمه أم كلثوم بنت عقبة أخت عثمان بن عفان لأمه المتوفى بالمدينة سنة خمس وتسعين. قال العيني وقيل سنة خمس ومائة. قال الحافظ ابن حجر في التقريب: بل هو الصحيح (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(من قام) بالطاعة صلاة التراويح أو غيرها من الطاعات في ليالي (رمضان) حال كون قيامه (إيمانًا) أي مؤمنًا بالله مصدقًا به (و) حال كونه (احتسابًا) أي محتسبًا والمعنى مصدقًا ومريدًا به وجه الله تعالى بخلوص نيّته (غفر له ما تقدم من ذنبه) من الصغائر، وفي فضل الله وسعة كرمه ما يؤذن بغفران الكبائر أيضًا وهو ظاهر السياق، لكنهم أجمعوا على التخصيص بالصغائر كنظائره من إطلاق الغفران في أحاديث لما وقع من التقييد في بعضها بما اجتنبت الكبائر وهي لا تسقط إلا بالتوبة أو الحد. وأجيب عن استشكال مجيء الغفران في قيام رمضان وفي صومه وليلة القدر وكفّارة صوم يوم عرفة سنتين وعاشوراء سنة وما بين الرمضانين إلى غير ذلك مما ورد به الحديث فإنها إذا كفرت بواحد فما الذي يكفره الآخر بأن كلاًّ يكفر الصغائر، فإذا لم توجد بأن كفرها واحد مما ذكر أو غفرت بالتوبة أو لم تفعل للتوفيق المنعم به رفع له بعمله ذلك درجات وكتب له به حسنات أو خفَّف عنه بعض الكبائر كما ذهب إليه بعضهم وفضل الله واسع. ورواة هذا الحديث كلهم أئمة أجلاء
стр. 177
مدنيون، وفيه التحديث بصيغة الإفراد والجمع والعنعنة، وأخرجه المؤلف في الصيام أيضًا، ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والموطأ وغيرهم.
٢٨ - باب صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط عند الأصيلي (صوم رمضان) حال كونه (احتسابًا) أي محتسبًا (من الإيمان) ولم يقل إيمانًا للاختصار أو لاستلزام الاحتساب الإيمان.
٣٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وبالسند إلى المؤلف قال ﵀: (حدّثنا ابن سلام) بالتخفيف على الصحيح وهو رواية ابن عساكر البيكندي وفي رواية للأصيلي وابن عساكر محمد بن سلام (قال: أخبرنا) وللأصيلي وكريمة حدّثنا (محمد بن فضيل) بضم الفاء وفتح المعجمة ابن غزوان الضبي مولاهم الكوفي المتوفى سنة تسع وخمسين ومائة (قال: حدّثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري قاضي المدينة (عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من صام رمضان) كله عند القدرة عليه أو بعضه عند عجزه ونيّته الصوم لولا المانع حال كون صيامه (إيمانًاً و) حال كونه (احتسابًا) أي مؤمنًا محتسبًا بأن يكون مصدقًا به راغبًا في ثوابه طيب النفس به غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه (غفر له ما تقدم من ذنبه) الصغائر تخصيصًا للعامّ بدليل آخر كما سبق ورمضان نصب على الظرفية وأتى باحتسابًاً بعد إيمانًا مع أن كلاًّ منهما يلزم الآخر للتوكيد، ويأتي ما في البابين من المباحث في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى.
ولما تضمن ما ذكره من الأحاديث الترغيب في القيام والصيام والجهاد أراد أن يبيّن أن الأولى للعامل بذلك أن لا يجهد نفسه بحيث يعجز بل يعمل بتلطف وتدريج ليدوم عمله ولا ينقطع فقال:
٢٩ - باب الدِّينُ يُسْرٌ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ»
هذا (باب) بالتنوين وسقط لفظ باب للأصيلي (الدين) أي دين الإسلام بالنسبة إلى سائر الأديان (يسر) أي ذو يسر (وقول النبي ﷺ ¬) بجر قول، وفي فرع اليونينية وقول بالرفع فقط على القطع (أحب) خصال (الدين) المعهود وهو دين الإسلام (إلى الله) الملّة (الحنيفية) أي المائلة عن الباطل إلى الحق (السمحة) أي السهلة الإبراهيمية وأحب الدين مبتدأ خبره الحنيفية المخالفة لأديان بني إسرائيل وما يتكلفه أحبارهم من الشدائد، وأحب بمعنى محبوب لا بمعنى محب، وإنما أخبر عنه
стр. 178
وهو مذكر بمؤنث وهو الحنيفية لغلبة الاسمية عليها لأنها علم على الدين أو لأن أفعل التفضيل المضاف لقصد الزيادة على ما أُضيف إليه يجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له. وهذا التعليق أسنده ابن أبي شيبة فيما قاله الزركشي والبخاري في الأدب المفرد، وأحمد بن حنبل فيما قاله الحافظ ابن حجر وغيره، وإنما استعمله المؤلف في الترجمة لأنه ليس على شرطه ومقصوده: أن الدين نبع على الأعمال لأن الذي يتّصف بالعسر واليسر إنما هو الأعمال دون التصديق.
٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».
[الحديث ٣٩ - أطرافه في: ٥٦٧٣، ٦٤٦٣، ٧٢٣٥].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد السلام بن مطهر) بالطاء المهملة والهاء المشددة المفتوحتين ابن حسام الأزدي البصري المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا عمر بن علي) يعني ابن عطاء وعين عمر مضمومة المقدمي البصري وكان يدلس تدليسًا شديدًا يقول: حدّثنا وسمعت ثم يسكت ثم يقول هشام بن عروة الأعمش وتوفي سنة تسعين ومائة (عن معن بن محمد) بفتح الميم وسكون العين المهملة واسم جده معن أيضًا (الغفاري) بكسر الغين المعجمة نسبة إلى غفار الحجازي.
فإن قلت: ما حكم حديث رواية عمر بن علي المدلس بالعنعنة عن معن؟ أجيب: بأنها محمولة على ثبوت سماعه من جهة أخرى كجميع ما في الصحيحين عن المدلسين انتهى.
(عن سعيد بن أبي سعيد) واسمه كيسان (المقبري) بفتح الميم وضم الموحدة نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورًا بها المدني أبي سعد بسكون العين المتوفى بعد اختلاطه بأربع سنين سنة خمس وعشرين ومائة وكان سماع معن عن سعيد قبل اختلاطه وإلاّ لما أخرجه المؤلف (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إن الدين يسر) أي ذو يسر. قال العيني: وذلك لأن الالتئام بين الموضوع والمحمول شرط، وفي مثل هذا لا يكون إلا بالتأويل أو هو اليسر نفسه كقول بعضهم في النبي- ﷺ : إنه عين الرحمة مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] كأنه لكثرة الرحمة المودعة فيه صار نفسها، والتأكيد بأن فيه ردّ على منكر يسر هذا الدين فإما أن يكون المخاطب منكرًا أو على تقدير تنزيله منزلته أو على تقدير المنكرين غير المخاطبين أو لكون القصة مما يهتم بها (ولن يشادّ هذا) كذا في اليونينية بغير رقم (الدين) وللأصيلي ولن يشادّ الدين (أحد) بالشين المعجمة وإدغام سابق المثلين في لاحقه من المشادّة وهي المغالبة أي لا يتعمق أحد في الدين ويترك الرفق (إلا غلبه) الدين وعجز وانقطع عن عمله كله أو بعضه، ويشادّ منصوب بلن والدين نصب بإضمار الفاعل أي لن يشادّ الدين أحد، ورواه كذلك ابن السكن، وكذا هو في بعض روايات الأصيلي كما نبهوا عليه
стр. 179
ووجدته في فرع اليونينية، وحكى صاحب المطالع: أن أكثر الروايات برفع الدين على أن يشادّ مبني لما لم يسمّ فاعله وتعقبه النووي بأن أكثر الروايات بالنصب، وجمع بينهما الحافظ ابن حجر بالنسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ولابن عساكر: ولن يشادّ إلا غلبه، وله أيضًا ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه (فسدّدوا) بالمهملة من السداد وهو التوسط في العمل أي الزموا السداد من غير إفراط ولا تفريط (وقاربوا) في العبادة وهو بالموحدة أي إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه (وأبشروا) بقطع الهمزة من الإبشار، وفي لغة بضم الشين من البشرى بمعنى الإبشار أي أبشروا بالثواب على العمل، وأبهم المبشر به للتنبيه على تعظيمه وتفخيمه وسقط لغير أبي ذر لفظ وأبشروا (واستعينوا) من الإعانة (بالغدوة) سير أول النهار إلى الزوال أو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس كالغداة والغدية (والروحة) اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، وضبطهما الحافظ ابن حجر كالزركشي والكرماني بفتح أولهما، وكذا البرماويّ وهو الذي في فرع اليونينية، وضبطه العيني بضم أول الغدوة وفتح أول الثاني. قلت: وكذا ضبطه ابن الأثير وعبارته: والغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، ثم عطف على السابق قوله: (وشيء) أي واستعينوا بشيء (من الدلجة) بضم الدال المهملة وإسكان اللام سير آخر الليل أو الليل كله، ومن ثم عبر بالتبعيض ولأن عمل الليل أشرف من عمل النهار وفي هذا استعارة الغدوة والروحة وشيء من الدلجة لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة، فإن هذه الأوقات أطيب أوقات المسافر فكأنه ﷺ خاطب مسافرًا إلى مقصده فنبّهه على أوقات نشاطه لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة وحسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة، ورواة هذا الحديث ما بين مدنيّ وبصري وفيه التحديث والعنعنة، وأخرج المؤلف طرفًا منه في الرقاق وأخرجه النسائي.
ولما كانت الصلوات الخمس أفضل طاعات البدن وهي تقام في هذه الأوقات الثلاث، فالصبح في الغدوة، والظهر والعصر في الروحة، والعشاءان في جزء الدلجة عند من يقول إنها سير الليل كله عقب المصنف هذا الباب بذكر الصلاة من الإيمان فقال:
٣٠ - باب الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ
هذا (باب) بالتنوين (الصلاة من الإيمان) أي شعبة من شعبه مبتدأ وخبر ويجوز إضافة الباب إلى الجملة ولفظ باب ساقط عند الأصيلي (وقول الله تعالى) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وقول بالرفع عطفًا على لفظ الصلاة والجر عطفًا على المضاف إليه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بالخطاب، وكان المقام يقتضي الغيبة، لكنه قصد تعميم الحكم للأمة الأحياء والأموات فذكر الأحياء المخاطبين تغليبًا لهم على غيرهم، وفسر البخاري الإيمان بقوله: (يعني صلاتكم) بمكة (عند البيت)
стр. 180
الحرام إلى بيت المقدس. قال في الفتح: قد وقع التنصيص على هذا التفسير من الوجه الذي أخرج منه المصنف حيث الباب؛ وروى النسائي والطيالسي فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] صلاتكم إلى بيت المقدس، وعلى هذا فقول المصنف عند البيت مشكل مع أنه ثابت عنه في جميع الروايات ولا اختصاص بذلك لكونه عند البيت، وقد قيل: إنه تصحيف والصواب يعني صلاتكم لغير البيت قال الحافظ ابن حجر وعندي أنه لا تصحيف فيه بل هو صواب ومقاصد البخاري دقيقة وبيان ذلك أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان ﷺ توجه إليها للصلاة وهو بمكة فقال ابن عباس وغيره إلى بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس وأطلق آخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس وقال آخرون كان يصلي إلى الكعبة فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين والأول أصح لأنه يجمع بين القولين وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس فكان البخاري رحمه الله تعالى أراد الإشارة إلى الجزم بالأصح من أن الصلاة لما كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس واقتصر على ذلك اكتفاة بالأولوية لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع فأحرى أن لا تضيع إذا بعدوا عنه والله أعلم.
٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا -كَمَا هُمْ- قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.
قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
[الحديث ٤٠ - أطرافه في: ٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢، ٧٢٥٢].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين ابن فروخ الحنظلي الحراني نزيل مصر المتوفى سنة تسع وعشرين ومائتين وليس هو عمر بالضم والفتح وإن وقع في رواية القابسي عن عبدوس عن أبي زيد المروزي وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني فقد قالوا إنه تصحيف (قال) أي عمرو (حدّثنا زهير) بضم أوّله وفتح ثانيه ابن معاوية بن حديج بضم الحاء وفتح الدال الهملتين آخره جيم الجعدي الكوفي المتوفى سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين ومائة (قال حدّثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي التابعي الجليل المتوفى سنة ست أو سبع أو ثمان أو تسع
следующие страницы →