← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

١٢٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ "تُوُفِّيَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَنَا: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَآذَنَّنا، فَنَزَعَ مِنْ حِقْوِهِ إِزَارَهُ وَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن حماد) العنبري البصري، قال: (أخبرنا ابن عون) عبد الله البصري (عن محمد) بن سيرين (عن أم عطية) نسيبة، ﵂ (قالت) ولأبي ذر، قال: (توفيت بنت النبي) ولأبي ذر، وابن عساكر: ابنة النبي، بالألف فى الأول، وللأصيلى: بنت رسول الله (¬ ﷺ ، فقال: لنا): (اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن) ذلك. (فإذا فرغتن) من غسلها (فآذنني) اعلمنني. اجتمع ثلاث نونات: لام الفعل، ونون النسوة، ونون الوقاية. فأدغمت الأولى في الثانية. (فآذناه) أعلمناه (فنزع من حقوه) معقد الإزار منه (إزاره). واستعمال الحقو هنا على الحقيقة وفي السابق على المجاز. وقول الزركشي: إن هذا مجاز، والسابق حقيقة وهم، لأنه في أصل الوضع لمعقد الإزار من الجسد، إلا أن يدعي أن استعماله في الإزار حقيقة عرفية. (وقال: أشعرنها) بقطع الهمزة (إياه) أي: اجعلنه مما يلي جسدها، والدثار ما فوقه. ١٣ - باب يَجْعَلُ الْكَافُورَ فِي آخِرِهِ هذا (باب) بالتنوين (يجعل الكافور) ولغير أبي ذر: يجعل، بفتح أوله، الكافور نصب (في آخره) أي: آخر الغسل. ١٢٥٨ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ "تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ". وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵄ بِنَحْوِهِ. وبالسند قال: (حدّثنا حامد بن عمر) بضم العين، ابن حفص الثقفي البكراوي البصري قاضي كرمان، قال: (حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو: ابن سيرين (عن أم عطية) الأنصارية (قالت):

стр. 1612

(توفيت إحدى بنات النبي، ﷺ ¬)، هي: زينب على المشهور كما مر (فخرج، فقال) ولأبي ذر، فخرج النبي ﷺ ، فقال، أي لأم عطية ومن معها من النسوة: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن) ذلك. فوّض ذلك لآرائهن، بحسب المصلحة والحاجة، لا بحسب التشهي، فإن ذلك زيادة غير محتاج إليها، فهو من قبيل الإسراف كما في ماء الطهارة. (بماء وسدر) يتعلق: باغسلنها (واجعلن في) الغسلة (الآخرة كافورًا) بأن يجعل في ماء، ويصب على الميت في آخر غسله. هذا ظاهر الحديث. وقيل: إذا كمل غسله طيب بالكافور قبل التكفين، ويكره تركه كما نص عليه في الأم، وليكن بحيث لا يفحش الغير به إن لم يكن صلبًا .. والحكمة فيه التطيب للمصلين والملائكة، وتقوية البدن ودفعه الهوامّ، وردع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إلى الميت لشدة برده. ومن ثم جعل في الآخرة، إذ لو كان في غيرها لأذهبه الماء. وقوله: (أو شيئًا من كافور) شك من الراوي أي: اللفظين قال ﵊. وهل يقوم غير الكافور، كالمسك، مقامه عند عدمه أم لا؟ نعم، أجازه أكثرهم، وأمر به علي في حنوطه، وقال: هو من فضل حنوط النبي، ﷺ . (فإذا فرغتن) من غسلها (فآذنني) أعلمنني. (قالت) أم عطية: (فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه) بفتح الحاء وتكسر، إزاره (فقال: أشعرنها إياه) اجعلنه ملاصقًا لبشرتها. (و) بالإسناد السابق (عن أيوب) السختياني (عن حفصة) بنت سيرين (عن أم عطية) الأنصارية (¬﵂ بنحوه) أي بنحو الحديث الأول. ١٢٥٩ - وَقَالَتْ: إِنَّهُ قَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ». قَالَتْ حَفْصَةُ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ "وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ". (وقالت) بالواو، وللأصيلي: قالت (إنه قال): (اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا أو أكثر من ذلك، إن رأيتن) ذلك. (قالت حفصة: قالت أم عطية وجعلنا رأسها) أي شعرها رأسها، فهو من مجاز المجاورة (ثلاثة قرون) أي: ضفائر. فإن قلت: ما وجه إدخال هذه الترجمة المتعلقة بالغسل، بين ترجمتين متعلقتين بالكفن؟

стр. 1613

أجيب: بأن العرف تقديم ما يحتاج إليه الميت قبل الشروع في غسله، أو قبل الفراغ منه، ومن جملة ذلك الحنوط. ١٤ - باب نَقْضِ شَعَرِ الْمَرْأَةِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُنْقَضَ شَعَرُ الْمَيِّتِ (باب نقض شعر) رأس (المرأة) الميتة عند الغسل، والتقييد بالمرأة كأنه جرى على الغالب، وإلا فظاهر أن الرجل، إذ كان له شعر طويل، كذلك. (وقال ابن سيرين) محمد، مما وصله سعيد بن منصور، من طريق أيوب عنه: (لا بأس أن) ولأبي الوقت في غير اليونينية: بأن (ينقض شعر الميت) ذكرًا كان أو أنثى، ولابن عساكر، وأبي ذر: شعر المرأة. ١٢٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَيُّوبُ وَسَمِعْتُ حَفْصَةَ بِنْتَ سِيرِينَ قَالَتْ: حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ "أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، نَقَضْنَهُ ثُمَّ غَسَلْنَهُ ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ". وبالسند قال: (حدّثنا أحمد) غير منسوب، وقال ابن شبويه، عن الفربري: هو أحمد بن صالح (قال: حدّثنا عبد الله بن وهب) المصري، ولأبي ذر، والأصيلي: حدّثنا ابن وهب، قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال أيوب) بن أبي تميمة السختياني (وسمعت حفصة بنت سيرين) أي: قال أيوب: سمعت … كذا. وسمعت حفصة، فالعطف على مقدّر (قالت حدَّثتنا أم عطية، ﵂¬). (أنهن) هي ومن معها من النساء اللاتي باشرن غسل بنت رسول الله ﷺ ، (جعلن رأس) أي: شعر رأس (بنت) ولأبي الوقت: ابنة (رسول الله) ولأبوي: ذر، والوقت: النبي (¬ ﷺ ، ثلاثة قرون) أي: ضفائر. وكأن سائلاً قال: كيف جعلنه ثلاثة قرون؟ فقالت أم عطية: "نقضنه" أي شعر رأسها، لأجل إيصال الماء إلى أصوله، وتنظيفه من الأوساخ (ثم غسلنه) أي: الشعر (ثم جعلنه) بعد الغسل (ثلاثة قرون) لينضم ويجتمع ولا ينتشر. ١٥ - باب كَيْفَ الإِشْعَارُ لِلْمَيِّتِ؟ وَقَالَ الْحَسَنُ: الْخِرْقَةُ الْخَامِسَةُ يُشُدُّ بِهَا الْفَخِذَيْنِ وَالْوَرِكَيْنِ تَحْتَ الدِّرْعِ. هذا (باب) بالتنوين (كيف الإشعار للميت؟) والشعار: ما يلي الجسد، والدثار ما فوقه.

стр. 1614

(وقال الحسن) البصري، مما وصله ابن أبي شيبة نحوه، كما قاله في الفتح: (الخرقة والخامسة) من أكفان المرأة الخمسة (يشد) الغاسل، وفي اليونينية بالفوقية (بها الفخذين والوركين) بنصبهما على المفعولية، والفاعل الضمير في: يشد، المقدر بالغاسل. وللأصيلي، وأبي الوقت: يشد بضم أوّله مبنيًا للمفعول، الفخذان والوركان برفعهما مفعولان نابا عن الفاعل. (تحت الدرع) بكسر الدال وهو: القميص. ١٢٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ "جَاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂-امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ اللاَّتِي بَايَعْنَ- قَدِمَتِ الْبِصْرَةَ تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكْهُ، فَحَدَّثَتْنَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَا أَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ". وَلَا أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ. وَزَعَمَ أَنَّ الإِشْعَارَ الْفُفْنَهَا فِيهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَأْمُرُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُشْعَرَ وَلَا تُؤْزَرَ. وبالسند قال: (حدّثنا أحمد) غير منسوب، ولابن شبويه، عن الفربري أحمد بن صالح، قال: (حدّثنا عبد الله بن وهب) ولأبي ذر: حدّثنا ابن وهب، قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك (أن أيوب) السختياني (أخبره قال: سمعت ابن سيرين) محمدًا (يقول): (جاءت أم عطية، ﵂ -امرأة من الأنصار) برفع امرأة عطف بيان (من اللاتي بايعهن-) زاد في رواية أبوي: ذر، والوقت، وابن عساكر في نسخة: النبي، ﷺ . (قدمت البصرة) بدل: من جاءت حال كونها (تبادر ابنًا لها) أي: تسارع المجيء لأجله (فلم تدركه) إما لأنه مات، أو خرج من البصرة (فحدثتنا) أي أم عطية (قالت: دخل علينا النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ ، ونحن نغسل ابنته، فقال): (اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، وإن رأيتن ذلك، بماء وسدر) الجار يتعلق: باغسلنها (واجعلن في) الغسلة (الآخرة كافورًا. فإذا فرغتن فآذنني قالت) أم عطية: (فلما فرغنا، ألقى إلينا حقوه) بفتح الحاء وقد تكسر إزاره. (فقال: أشعرنها إياه) بقطع همزة أشعرنها أي اجعلنه شعارًا لها. قال أيوب: (ولم يزد) أي: ابن سيرين، وللأصيلي: ولم تزد، بالمثناة الفوقية، أي: أم عطية (على ذلك) بخلاف حفصة أخته، فإنها زادت في روايتها عن أم عطية أشياء منها البداءة بميامنها ومواضع الوضوء. قال أيوب: (ولا أدري أي بناته) ﵊ كانت المغسولة فأي: مبتدأ محذوف الخبر، ولا ينافي هذا تسمية الآخر لها بزينب، لأنه علم ما لم يعلمه أيوب.

стр. 1615

(وزعم) أي: أيوب (أن الإشعار) في قوله في الحديث: أشعرنها، معناه (الففنها فيه). قال أيوب (وكذلك كان ابن سيرين) محمد، وكان أعلم التابعين بعلم الموتى (يأمر بالمرأة أن تشعر) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، أي: تلف (ولا تؤزر) بضم التاء وسكون الهمزة وفتح الراء، مبنيًّا للمفعول، أيضًا: أي: لا يجعل الشعار عليها مثل الإزار، لأن الإزار لا يعم البدن، بخلاف الشعار، ولأبي ذر: ولا تأزر بفتح المثناة والهمزة وتشديد الزاي من التأزر. ١٦ - باب هَلْ يُجْعَلُ شَعَرُ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ هذا (باب) بالتنوين (يجعل) بضم أوله مبنيًّا للمفعول، ولغير الأربعة: هل يجعل (شعر) رأس (المرأة ثلاثة قرون) أي: ضفائر. ١٢٦٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "ضَفَرْنَا شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ " -تَعْنِي ثَلَاثَةَ قُرُونٍ- وَقَالَ وَكِيعٌ قَالَ سُفْيَانُ "نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا". وبالسند قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة، ابن عقبة السوائي العامري الكوفي، قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن هشام) هو: ابن حسان (عن أم الهذيل) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة، حفصة بنت سيرين (عن أم عطية، ﵂. قالت): (ضفرنا) بضاد معجمة ساقطة خفيفة الفاء (شعر) رأس (بنت النبي ﷺ ¬) زينب أي: نسجناه عريضًا (-تعني) أم عطية (ثلاثة قرون-) أي: ذوائب. (وقال) بالواو، والأصيلي: قال: (وكيع، قال سفيان) الثوري، وللأربعة: عن سفيان أي: بهذا الأسناد السابق: (ناصيتها) ذؤابتها (وقرنيها) أي: جانبي رأسها ذؤابتين. زاد الإسماعيلي: ثم ألقيناه خلفها. وفيه: ضفر شعر الميت خلافًا لمن منعه، فقال ابن القاسم: لا أعرف الضفر، أي: لم يعرف فعل أم عطية حتى يكون سنة، بل يلف. وعن الحنفية: يرسل خلفها، وعلى وجهها مفرقًا. قالوا: وهذا قول صحابي، والشافعي لا يرى قوله حجة، وكذا فعله. وأم عطية أخبرت بذلك عن فعلهن، ولم تخبر به عن النبي ﷺ . وأجيب: بأن الأصل أن لا يفعل بالميت شيء من القرب إلا بإذن من الشارع، وقال النووي: الظاهر اطلاعه، ﵊، على ذلك وتقريره له. اهـ. وهو عجيب.

стр. 1616

ففي صحيح ابن حبان: أن النبي، ﷺ ، أمر بذلك ولفظه: واجعلن لها ثلاثة قرون. وترجم عليه ذكر البيان، بأن أم عطية: إنما مشطت قرونها بأمر النبي ﷺ لا من تلقاء نفسها. ١٧ [١٨] (١) - باب يُلْقَى شَعَرُ الْمَرْأَةِ خَلْفَهَا هذا (باب) بالتنوين (يلقى شعر المرأة خلفها) وفي رواية الأصيلي. وأبي الوقت: يجعل. وزاد الحموي ثلاثة قرون. ١٢٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ حَدَّثَتْنَا حَفْصَةُ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا". وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد، قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) بكسر العين (عن هشام بن حسان) بالصرف، وعدمه الأزدي البصري (قال: حدّثنا حفصة) بنت سيرين، (عن أم عطية) نسيبة (¬﵂، قالت): (توفيت إحدى بنات النبي، ﷺ ،) زينب أو أم كلثوم، والأول هو المشهور (فأتانا النبي، ﷺ ، فقال) ﵊: (اغسلنها بالسدر) والماء (وترًا ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك) بحسب الحاجة، (واجعلن في) الغسلة (الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور) بالشك من الراوي (فإذا فرغتن) من غسلها (فآذنني) بالمد وكسر الذال وتشديد النون، أي: أعلمنني. (فلما فرغنا آذناه، فالقى إلينا حقوه) بفتح الحاء المهملة وكسرها (فضفرنا شعرها ثلاثة قرون) أي: ذوائب (وألقيناها) بالواو، أي: الذوائب. وللأربعة: فألقيناها (خلفها). وقال الحنفية: ضفيرتان على صدرها فوق الدرع. ولما فرغ المصنف من بيان أحكام الغسل، شرع في بيان أحكام الكفن فقال:

стр. 1617

١٩ - باب الثِّيَابِ الْبِيضِ لِلْكَفَنِ (باب الثياب البيض للكفن). ١٢٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت "إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". [الحديث ١٢٦٤ - أطرافه في: ١٢٧١، ١٢٧٢، ١٢٧٣، ١٣٨٧]. وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي المجاور بمكة (قال: أخبرنا عبد الله) وللأصيلي عبد الله بن المبارك (قال: أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة، ﵂، قالت): (إن رسول الله، ﷺ كفن في ثلاثة أثواب يمانية) بتخفيف الياء، نسبة إلى اليمن، (بيض سحولية) بفتح السين وتشديد المثناة التحتية، نسبة إلى السحول، وهو القصَّار، لأنه يسحلها أي: يغسلها، أو: إلى سحول، قرية باليمن وقيل، بالضم: اسم لقرية أيضًا (من كرسف) بضم أوله وثالثه أي: قطن. وصحح الترمذي والحاكم، من حديث ابن عباس مرفوعًا: "البسوا ثياب البياض، فإنها أطيب وأطهر، وكفنوا فيها موتاكم". وفي مسلم: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه". قال النووي: المراد بإحسان الكفن بياضه ونظافته. قال البغوي: وثوب القطن أولى. وقال الترمذي: وتكفينه، ﷺ ، في ثلاثة أثواب بيض أصح ما ورد في كفنه. (ليس فيهن) أي: في الثلاثة الأثواب، ولأبوي: ذر، والوقت، والأصيلي: ليس فيها (قميص ولا عمامة) أي: ليس موجودًا أصلاً، بل هي الثلاثة فقط. قال النووي، وهو ما فسره به الشافعي، والجمهور، وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الأحاديث: وهو أكمل الكفن للذكر، ويحتمل أن تكون الثلاثة الأثواب خارجة عن القميص والعمامة، فيكون ذلك خمسة. وهو تفسير مالك، ومثله قوله تعالى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] يحتمل بلا عمد أصلاً أو بعمد غير مرئية لهم. ومذهب الشافعي جواز زيادة القميص، والعمامة على الثلاثة من غير استحباب، وقال الحنابلة: إنه مكروه.

стр. 1618

ورواة الحديث ما بين: مروزي ومدني، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في: باب الكفن بغير قميص، وفي: باب الكفن بلا عمامة. ومسلم، وأبو داود، والنسائي وابن ماجة. ٢٠ - باب الْكَفَنِ فِي ثَوْبَيْنِ (باب) جواز (الكفن في ثوبين) فالثلاثة ليست واجبة، بل الواجب لغير المحرم ثوب واحد ساتر لكل البدن، وعلى هذا جرى الإمام أحمد، والغزالي، وجمهور الخراسانيين. وقال النووي في مناسكه إنه المذهب الصحيح. وصحح في بقية كتبه ما عزاه للنص، والجمهور أن أقله سائر العورة فقط، كالحي. ولحديث مصعب الآتي إن شاء الله تعالى، في باب: إذا لم يوجد إلا ثوب واحد. وعلى القول بذلك يختلف قدر الواجب بذكورة الميت وأنوثيته، فيجب في المرأة ما يستر بدنها إلا وجهها وكفيها، حرة كانت أو أمة، لزوال الرق بالموت، كما ذكره في كتاب الإيمان. ويأتي مزيد لذلك، إن شاء الله تعالى، عند شرح حديث مصعب. ١٢٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا". [الحديث ١٢٦٥ - أطرافه في: ١٢٦٦، ١٢٦٧، ١٢٦٨، ١٨٣٩، ١٨٤٩، ١٨٥٠، ١٨٥١]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي، المعروف بعارم قال: (حدَّثنا حماد) وللأصيلي: حماد بن زيد (عن أيوب) السختياني (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال): (بينما) بالميم، وأصله: بين زيدت فيه الألف، والميم ظرف زمان مضاف إلى جملة (رجل) لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمه (واقف بعرفة) للحج عند الصخرات، وليس المراد خصوص الوقوف المقابل للقعود، لأنه كان راكبًا ناقته، ففيه إطلاق لفظ الواقف على الراكب (إذ وقع عن راحلته) ناقته التي صلحت للرحل، والجملة جواب: بينما (فوقصته -أو قال فأوقصته) شك الراوي، والمعروف عند أهل اللغة بدون الهمزة، فالثاني شاذ، أي: كسرت عنقه. والضمير المرفوع في وقصته للراحلة، والمنصوب للرجل (قال) وللأصيلي، وابن عساكر: فقال (النبي، ﷺ ¬): (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين) غير الذي عليه، فيستدل به على إبدال ثياب المحرم.

стр. 1619

قال في الفتح: وليس بشيء لأنه سيأتي، إن شاء الله تعالى في الحج، بلفظ: في ثوبيه. وللنسائي، من طريق يونس بن نافع، عن عمرو بن دينار: في ثوبيه اللذين أحرم فيهما، وإنما لم يزده ثالثًا، تكرمة له كما في الشهيد، حيث قال: زملوهم بدمائهم. وقال النووي في المجموع لأنه لم يكن له مال غيرهما. (ولا تحنطوه) بتشديد النون المكسورة أي: لا تجعلوا في شيء من غسلاته، أو: في كفنه حنوطًا (ولا تخمروا) بالخاء المعجمة، أي: لا تغطوا (رأسه) بل أبقوا له أثر إحرامه من منع ستر رأسه، إن كان رجلاً، ووجهه وكفيه إن كان امرأة، ومن منع المخيط وأخذ ظفره وشعره (فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) أي: بصفة الملبين بنسكه الذي مات فيه من حج أو عمرة، أو هما قائلاً: لبيك اللهم لبيك. قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام، وهو مذهب الشافعي ﵀. وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة، رحمهما الله تعالى، وهو مقتضى القياس لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف، وهو الحياة. لكن اتبع الشافعي الحديث، وهو مقدم على القياس، وغاية ما اعتذر به عن الحديث، ما قيل: إن النبي ﷺ علل هذا الحكم في هذا الإحرام بعلة لا يعلم وجودها في غيره، وهو أنه: يبعث يوم القيامة ملبيًا. وهذا الأمر لا يعلم وجوده في غير هذا المحرم لغير النبي، ﷺ ، والحكم إنما يعم في غير محل النص بعموم علته، أو غيرها: ولا يرى أن هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام، فتعم كل محرم. اهـ. ٢١ - باب الْحَنُوطِ لِلْمَيِّتِ (باب الحنوط للميت) بفتح الحاء وضم النون، ويقال: الحناط بالكسر. قال الأزهري: ويدخل فيه الكافور، وذريرة القصب، والصندل الأحمر، والأبيض. وقال غيره: الحنوط ما يخلط من الطيب للموتى خاصة، ولا يقال، لطيب الأحياء: حنوط. ١٢٦٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَأَقْصَعَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا".

стр. 1620

وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد، قال: (حدّثنا حماد) هو: ابن زيد (عن أيوب) السختياني (عن سعيد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة (عن ابن عباس ﵄ قال): (بينما) بالميم (رجل واقف مع رسول الله، ﷺ ، بعرفة) عند الصخرات، وجواب بينما، قوله: (إذ وقع من راحلته فأقصعته) بصاد فعين مهملتين (أو قال: فأقعصته) بتقديم العين على الصاد، أي: قتلته سريعًا (فقال رسول الله ﷺ ¬): (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين). قال القاضي عياض: أكثر الروايات، ثوبيه بالهاء. وقال النووي في شرح مسلم: فيه جواز التكفين في ثوبين، والأفضل ثلاثة (ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه). بذلك أخذ الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة: يفعل به ما يفعل بالحلال، لحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث". فعبادة الإحرام انقطعت عنه. قال ابن دقيق العيد، كما مر وهو مقتضى القياس. لكن الحديث بعد أن ثبت يقدم على القياس، وقال بعض المالكية: حديث المحرم هذا خاص به، ويدل عليه قوله: (فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا) فأعاد الضمير عليه، ولم يقل: فإن المحرم. وحينئذٍ فلا يتعدى حكمه إلى غيره إلا بدليل. وجوابه ما قاله ابن دقيق العيد: إن العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام، فتعم كل محرم. اهـ. ومطابقته للترجمة بطريق المفهوم من منع الحنوط للمحرم. ٢٢ - باب كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ؟ هذا (باب) بالتنوين (كيف يكفن المحرم) إذا مات؟ وسقط الباب وقاله لابن عساكر. ١٢٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّ رَجُلاً وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا". وبالسند قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي، قال: (أخبرنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشية (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄¬):

стр. 1621

(أن رجلاً وقصه بعيره) أي: كسر عنقه، فمات. لكن نسبته للبعير مجاز إن كان مات من الوقعة عنه، وإن أثرت ذلك فيه بفعلها فحقيقة، (ونحن مع النبي، ﷺ ، وهو) أي الرجل الموقوص (محرم) بالحج عند الصخرات بعرفة، و: والواو في: ونحن، وفي: وهو، للحال (فقال النبي ﷺ ¬): (اغسلوه بماء وسدر) فيه إباحة غسل المحرم الحي بالسدر، خلافًا لمن كرهه له (وكفنوه في ثوبين) فليس الوتر في الكفن شرطًا في الصحة كما مر، وفي رواية: ثوبيه بالهاء، وفيه استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأنه لا يكفن في المخيط، وإحدى الروايتين مفسرة للأخرى. (ولا تمسوه طينًا) بضم الفوقية وكسر الميم من أمس (ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبدًا) بدال مهملة بدل المثناة التحتية. كذا للأكثرين، وفي رواية المستملي: ملبيًا والتلبيد: جمع شعر الرأس بصمغ، أو غيره، ليلتصق شعره فلا يشعث في الإحرام. لكن أنكر القاضي عياض هذه الرواية، وقال: الصواب ملبيًا بدليل رواية يلبي. فارتفع الإشكال، وليس للتلبيد هنا معنى. قال الزركشي، وكذا رواه البخاري في كتاب الحج: فإنه يبعث يهل. اهـ. وكل هذا لا ينافي رواية ملبدًا إن صحت، لأنه حكاية حاله عند موته. اهـ. يعني أن الله يبعثه على هيئته التي مات عليها. ١٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو وَأَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: "كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَ أَيُّوبُ: فَوَقَصَتْهُ -وَقَالَ عَمْرٌو: فَأَقْصَعَتْهُ- فَمَاتَ، فَقَالَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - قَالَ أَيُّوبُ: يُلَبِّي، وَقَالَ عَمْرٌو: مُلَبِّيًا". وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد، قال: (حدّثنا حماد بن زيد) هو: ابن درهم الجهضمي البصري (عن عمرو) هو: ابن دينار (وأيوب) السختياني كلاهما (عن سعيد بن جبير) الأسدي، مولاهم، الكوفي (عن ابن عباس ﵄، قال): (كان رجل واقف) بالرفع، صفة لرجل، لأن كان تامة. ولأبي ذر: واقفًا، بالنصب على أنها ناقصة، (مع النبي، ﷺ ، بعرفة) عند الصخرات (فوقع عن راحلته. قال أيوب) السختياني في روايته: (فوقصته) بالقاف بعد الواو من الوقص، وهو كسر العنق، كما مر (-وقال عمرو) بفتح العين: ابن دينار (فأقصعته-) بتقديم الصاد على العين، ولأبي ذر عن الكشميهني: فأقعصته، بتقديم العين (فمات، فقال):

стр. 1622

(اغسلوه بماءٍ وسدرٍ وكفنوه في ثوبين) بالنون (ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة). (قال أيوب) السختياني في روايته (يلبي) بصيغة المضارع المبني للفاعل. (وقال عمرو) بن دينار: (ملبيًا) على صيغة اسم الفاعل منصوب على الحال، والفرق بينهما أن الفعل يدل على التجدد، والاسم يدل على الثبوت. ٢٣ - باب الْكَفَنِ فِي الْقَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ (باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف) زاد المستملي: ومن كفن بغير قميص، بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الفاء، من: يكف في الموضعين أي: خيطت حاشيته أو لم تخط، لأن الكف خياطة الحاشية. وضبطه بعضهم بفتح الياء وضم الكاف وتشديد الفاء، وصوبه ابن رشيد أي: يتبرك بإلباس قميص الصالح للميت، سواء كان يكف عن الميت العذاب أو لا يكلف. وضبطه آخر بفتح الياء وسكون الكاف وكسر الفاء، وجزم المهلب: بأنه الصواب، وأن الياء سقطت من الكاتب. قال ابن بطال: فالمراد طويلاً كان القميص أو قصيرًا، والأول أولى. وفي الخلافيات للبيهقي، من طريق ابن عون. قال: كان محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحي مكففًا مزرّرًا. ١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ. فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ فَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ. فَآذَنَهُ. فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ قَالَ الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. [الحديث ١٢٦٩ - أطرافه في: ٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٥٧٩٦]. وبالسند قال: (حدَّثنا مسدد) أي: ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بضم العين، ابن عمر العمري (قال: حدَّثني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر) بضم العين (¬﵄¬):

стр. 1623

(أن عبد الله بن أبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية، ابن سلول، رأس المنافقين (لما توفي) في ذي القعدة، سنة تسع، منصرف رسول الله ﷺ من تبوك، وكانت مدة مرضه عشرين ليلة، ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوال. (جاء ابنه) عبد الله. وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم (إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا رسول الله) وسقط قوله: يا رسول الله عند أبي ذر، (أعطني قميصك أكفنه فيه) بالجزم جواب الأمر. والضمير لعبد الله بن أبي (وصّلِّ عليه واستغفر له). ووقع عند الطبري، من طريق الشعبي: لما احتضر عبد الله جاء ابنه إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا نبيّ الله إن أبي احتضر، فأحب أن تحضره وتصلِّي عليه؛ وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النبي، ﷺ ، أن يحضر عنده، لا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، فأخرج عبد الرزاق، عن معمر، والطبري من طريق سعيد، كلاهما، عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أبي إلى النبي، ﷺ ، فلما دخل عليه قال: أهلكك حب يهود؟. قال: يا رسول الله! إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني. ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه. قال في الفتح: وهذا مرسل مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبراني، من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة عن ابن عباس: لما مرض عبد الله بن أبي، جاءه النبي، ﷺ ، فقال: امنن عليّ، فكفني في قميصك وصلِّ عليّ. قال الحافظ ابن حجر: وكأنه أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبي، ﷺ ، عليه. وقد وقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك بما سيأتي إن شاء الله تعالى، قال: وهذا من أحسن الأجوبة، فيما يتعلق بهذه القصة. (فأعطاه النبي، ﷺ ، قميصه) أي: أعطى النبي، ﷺ قميصه لولده إكرامًا للولد، أو مكافأة لأبيه عبد الله بن أبي، لأنه لما أسر العباس ببدر، ولم يجدوا له قميصًا يصلح له، وكان رجلاً طويلاً، فألبسه قميصه، فكافأه، ﷺ ، بذلك كي لا يكون لمنافق عليه يد لم يكافئه عليها، أو: لأنه ما سئل شيئًا قط، فقال: لا، أو: إن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. وأما قول المهلب: رجا أن يكون معتقد لبعض ما كان يظهر من الإسلام، فينفعه الله بذلك. فتعقبه ابن المنير، فقال: هذه هفوة ظاهرة، وذلك أن الإسلام لا يتبعض، والعقيدة شيء واحد، لأن بعض معلوماتها شرط في البعض، والإخلال ببعضها إخلال بجملتها، وقد أنكر الله تعالى على من آمن بالبعض وكفر بالبعض، كما أنكر على من كفر بالكل. اهـ.

стр. 1624

(فقال) ﵊: (آذني) بالمد وكسر الذال المعجمة، أي: أعلمني (أصلي عليه) بعدم الجزم على الاستئناف وبه جوابًا للأمر. (فآذنه) أعلمه (فلما أراد) ﵊ (أن يصلّي عليه، جذبه عمر) بن الخطاب (¬﵁¬) بثوبه (فقال: أليس الله نهاك أن تصلي) أي: عن الصلاة (على المنافقين) وفهم ذلك عمر ﵁ من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] لم يتقدم نهي عن الصلاة على المنافقين، بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث، فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وفي تفسير سورة براءة، من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر، فقال: تصلي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ (فقال) ﵊: (أنا بين خيرتين) بخاء معجمة مكسورة ومثناة تحتية مفتوحة تثنية خيرة كعنبة أي أنا مخير بين الأمرين الاستغفار وعدمه (قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾) قال البيضاوي: يريد التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم، كما نص عليه بقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فقال ﵊: لأزيدن على السبعين، ففهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل (فصلّى) ﵊ (عليه) أي: على عبد الله بن أبي (فنزلت) آية: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾) [التوبة: ٨٤]. لأن الصلاة دعاء للميت واستغفار له. وهو ممنوع في حق الكافر، وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه، ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة بالقميص كان مخلاًّ بالكرم، ولأنه كان مكافأة لإلباسه العباس قميصه، كما مر. وزاد أبو ذر في روايته: ولا تقم على قبره، أي: ولا تقف على قبره للدفن أو الزيارة، واستشكل تخييره ﵊ بين الاستغفار لهم وعدمه، مع قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]. الآية، فإن هذه الآية نزلت بعد موت أبي طالب حين قال: والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، وهو متقدم على الآية التي فهم منها التخيير. وأجيب: بأن المنهي عنه في هذه الآية استغفار مرجو الإجابة، حتى لا يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم، كما في أبي طالب، بخلاف استغفاره للمنافقين، فإنه استغفار لسان قصد به تطييب قلوبهم. اهـ. وفي الحديث أنه تحرم الصلاة على الكافر، ذمي وغيره، نعم، يجب دفن الذمي وتكفينه، وفاء بذمته، كما يجب إطعامه وكسوته حيًّا. وفي معناه: المعاهد والمؤمن بخلاف الحربي، والمرتد، والزنديق. فلا يجب تكفينهم ولا دفنهم، بل يجوز إغراء الكلاب عليهم إذ لا حرمة لهم. وقد ثبت أمره ﵊، بإلقاء قتلى بدر في القليب بهيئتهم، ولا يجب غسل الكافر لأنه ليس من أهل التطهير، ولكنه يجوز، وقريبه الكافر أحق به.

стр. 1625

وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في: اللباس والتفسير، ومسلم في: اللباس، وفي: التوبة، والترمذي في: التفسير، وكذا النسائي فيه، وفي: الجنائز، وابن ماجة فيه. ١٢٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا ﵁ قَالَ: "أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ". [الحديث ١٢٧٠ - أطرافه في: ١٣٥٠، ٣٠٠٨، ٥٧٩٥]. وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد النهدي الكوفي، قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن عمرو) بفتح العين هو: ابن دينار (سمع جابرًا) هو: ابن عبد الله الأنصاري (¬﵁ قَالَ): (أتى النبي ﷺ ، عبد الله بن أبي) جملة من فعل وفاعل ومفعول (بعدما دفن) دلي في حفرته، وكان أهله خشوا على النبي، ﷺ المشقّة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصوله ﵊، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته، فأمرهم بإخراجه (فأخرجه) منها (فنفث فيه) أي: في جلده (من ريقه، وألبسه قميصه) إنجازًا لوعده في تكفينه في قميصه، كما في حديث ابن عمر. لكن استشكل هذا مع قول ابنه في حديث ابن عمر، يا رسول الله، أعطني قميصك أكفنه فيه، فأعطاه قميصه. وأجيب بأن معنى قوله: فأعطاه أي: أنعم له بذلك، فأطلق على العدة اسم العطية مجازًا لتحقق وقوعها، وقيل: أعطاه ﵊ أحد قميصيه، أولاً، ثم لما حضر أعطاه الثاني، بسؤال ولده. وفي الإكليل للحاكم ما يؤيد ذلك. ٢٤ - باب الْكَفَنِ بِغَيْرِ قَمِيصٍ (باب الكفن بغير قميص) هذه الترجمة ثابتة للأكثرين، وسقطت للمستملي، لكنه زادها في التي قبلها عقب قوله: أو لا يكف. فقال: ومن كفن بغير فميص، كما بينته. ١٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "كُفِّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ سَحُولَ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين، قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن هشام عن) أبيه (عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة ﵁ قالت):

стр. 1626

(كفن النبي، ﷺ ، في ثلاثة أثواب سحول) كذا مضافًا، والذي في اليونينية: أثواب، بالخفض من غير تنوين، سحول، بفتح اللام. ولأبي ذر: أثواب سحول، وهو بضم السين فيهما، جمع: سحل، وهو الثوب الأبيض النقي، أو: بالفتح نسبة إلى سحول قرية باليمن. وقوله: (كرسف) بضم الكاف والسين بينهما راء ساكنة، عطف بيان لسحول، أي: ثلاثة أثواب بيض نقية من قطن (ليس فيها قميص ولا عمامة) يحتمل نفي وجودهما بالكلية، ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود، أي: الثلاثة خارجة عن: القميص والعمامة. والأول أظهر، وبه قال الشافعي وبالثاني قال المالكية. نعم، يجوز التقميص عند الشافعي من غير استحباب، لأن ابن عمر كفن ابنًا له في خمسة أثواب: قميص، وعمامة، وثلاثة لفائف. رواه البيهقي. قال في المهذّب وشرحه: والأفضل أن لا يكون في الكفن قميص ولا عمامة، فإن كان لم يكره، لكنه خلاف الأولى لخبر عائشة السابق اهـ. ١٢٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد، قال: (حدّثنا يحيى، عن هشام، حدّثني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة ﵂ أن رسول الله، ﷺ ، كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة). ٢٥ - باب الْكَفَنِ وَلَا عِمَامَةٌ (باب الكفن ولا عمامة) وللحموي والكشميهني: بلا عمامة، بالموحدة بدل الواو، ولأبي ذر، عن المستملي: الكفن في الثياب البيض، والرواية الأولى أولى، وإن كان الحديث شاملاً لهذه، لئلا تتكرر الترجمة من غير فائدة. ١٢٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس، عبد الله الأصبحي (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رسول الله، ﷺ ، كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية) في طبقات ابن سعد، عن الشعبي إزار ورداء ولفافة. (ليس فيها قميص ولا عمامة).

стр. 1627

٢٦ - باب الْكَفَنِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَقَتَادَةُ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: الْحَنُوطُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يُبْدَأُ بِالْكَفَنِ، ثُمَّ بِالدَّيْنِ، ثُمَّ بِا لْوَصِيَّةِ، وَقَالَ سُفْيَانُ: أَجْرُ الْقَبْرِ وَالْغَسْلِ هُوَ مِنَ الْكَفَنِ هذا (باب) بالتنوين (الكفن من جميع المال) أي من رأسه، لا من الثلث. وهو قول خلاس، وقال طاوس: من الثلث إن قل المال، وهو مقدم وجوبًا على الدّيون اللازمة للميت، لحديث مصعب بن عمير، لما قتل يوم أُحد، ولم يوجد ما يكفن فيه إلا برده، فأمر ﵊ بتكفينه فيه، ولم يسأل. ولا يبعد من حال من ليس له إلا بردة أن يكون عليه دين. نعم، يقدم حق تعلق بعين المال: كالزكاة، والمرهون، والعبد الجاني المتعلق برقبته مال، أو قود، وعفى على مال، والمبيع إذا مات المشتري مفلسًا. (وبه) أي: بأن الكفن من جميع المال (قال عطاء) هو: ابن أبي رباح، مما وصله الدارمي من طريق ابن المبارك، عن ابن جريج عنه (والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (وعمرو بن دينار، وقتاد) بن دعامة. (وقال: عمرو بن دينار) مما هو جميعه عند عبد الرزاق: (الحنوط من جميع المال) أي: لا من الثلث. (وقال إبراهيم) النخعي، مما وصله الدارمي: (يبدأ بالكفن) أي: ومؤونة التجهيز (ثم بالدين) اللازم له: لله، أو لآدمي لأنه أحوط للميت، (ثم بالوصية) ثم ما بقي للورثة. وأما تقديم الوصية عليه ذكرًا في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. فلكونها قربة، والدين مذموم غالبًا، ولكونها مشابهة للإرث من جهة أخذها بلا عوض وشاقة على الورثة. والذين نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فقدمت عليه بعثًا على وجوب إخراجها، والمسارعة إليه. ولهذا عطف بأو للتسوية بينهما في الوجوب عليهم، وليفيد تأخر الإرث عن أحدهما، كما يفيد تأخره عنهما بمفهوم الأولى. (وقال سفيان) الثوري مما وصله الدارمي: (أجر) حفر (القبر و) أجر (الغسل هو من الكفن) أي: من حكم الكفن في كونة من رأس المال لا من الثلث. ١٢٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ يَوْمًا بِطَعَامِهِ، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ -وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي- فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ -أَوْ رَجُلٌ آخَرُ- خَيْرٌ مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ

стр. 1628

بُرْدَةٌ. لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا. ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي". [الحديث ١٢٧٤ - طرفاه في: ١٢٧٥، ٤٠٤٥]. وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن محمد المكي) الأزرقي على الصحيح، ويقال: الزرقي صاحب تاريخ مكة، قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد عن) أبيه (سعد) هو: ابن إبراهيم (عن أبيه) إبراهيم بن عبد الرحمن (قال: أتي) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (عبد الرحمن) بالرفع نائب عن الفاعل (ابن عوف، ﵁، يومًا بطعامه) بالضمير الراجع إليه، وكان صائمًا (فقال: قتل) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (مصعب بن عمير) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين، مرفوع نائب عن الفاعل، وعمير بضم العين مصغرًا القرشي العبدري، قال عبد الرحمن بن عوف (-وكان-) مصعب (خيرًا مني) قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه (فلم يوجد له ما يكفن فيه إلاّ برده) بالضمير العائد على مصعب. قال الحافظ ابن حجر: وهو رواية الأكثر قال: ولأبي ذر عن الكشميهني: إلا بردة، بلفظ واحد البرود. اهـ. والذي في الفرع، عن الكشميهني بالضمير، والبرد نمرة كالمئزر. وهذا موضع الترجمة، لأن ظاهره أنه لم يوجد ما يملكه إلا البردة المذكورة. (وقتل حمزة) بن عبد المطلب في غزوة أُحد (-أو رجل آخر-) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة). وللكشميهني كما في الفرع وأصله: إلاّ برده، بالضمير الراجع إليه. قال عبد الرحمن بن عوف: (لقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا) يعني: أصبنا ما كتب لنا من الطيبات في دنيانا، فلم يبق لنا بعد استيفاء حظنا شيء منها. والمراد بالحظ الاستمتاع والتنعم الذي يشغل الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، حتى يعكف همته على استيفاء اللذات. أما من تمتع بنعم الله، ورزقه الذي خلقه تعالى لعباده، ليتقوى بذلك على دراية العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشكر فهو عن ذلك بمعزل. (ثم جعل) عبد الرحمن (يبكي) خوفًا من تخلفه عن اللحاق بالدرجات العلى. وشيخ المؤلّف من أفراده، والثلاثة البقية مدنيون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا المؤلّف في: الجنائز، والمغازي. ٢٧ - باب إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يوجد) للميت (إلاّ ثوب واحد) اقتصر عليه. ١٢٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ

стр. 1629

إِبْرَاهِيمَ "أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ أُتِيَ بِطَعَامٍ -وَكَانَ صَائِمًا- فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ -وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي- كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ. وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ -وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي- ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ -أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا- وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا. ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ". وبالسند قال: (حدّثنا ابن مقاتل) محمد المروزي، المجاور بمكة. ولأبي ذر: محمد بن مقاتل، قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي، قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن إبراهيم) بسكون العين (عن أبيه إبراهيم). (أن) أباه (عبد الرحمن بن عوف، ﵁، أتي بطعام) بإسقاط هاء الضمير (-وكان) عبد الرحمن يومئذ (صائمًا- فقال: قتل مصعب بن عمير -وهو خير مني- كفن في بردة) ولأبي ذر، عن الحموي والمستملي: في برده بالضمير الراجع إلى مصعب (إن غُطي) بضم الغين مبنيًّا للمفعول (رأسه) بالرفع نائب عن الفاعل، (بدت) ظهرت (رجلاه وإن غطي رجلاه بدا) ظهر (رأسه). قال المهلب وابن بطال: وإنما استحب أن يكفن في هذه البردة لكونه قتل فيها. قال ابن حجر: وفي هذا الجزم نظر، بل الظاهر أنه لم يوجد له غيرها كما هو مقتضى الترجمة. (وأراه) بضم الهمزة، أي: أظنه (قال: وقتل حمزة) عم النبي ﷺ (-وهو خير مني-) وروى الحاكم في مستدركه، من حديث أنس: أن حمزة كفن أيضًا كذلك. (ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا-) شك من الراوي (وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا) يعني: خفنا أن ندخل في زمرة من قيل في حقه ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]. يعني: من كانت العاجلة همه، ولم يرد غيرها، تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد. وقيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع ما يهواه. (ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) في وقت الإفطار. ٢٨ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إِلاَّ مَا يُوَارِي رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى رَأْسَهُ هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يجد) من يتولى أمر الميت (كفنًا إلا ما يواري) يستر (رأسه) مع بقية جسده (أو) يستر (قدميه) مع بقية جسده (غطى) ولأبي ذر: غطي، بضم المعجمة (به) أي: بذلك الكفن (رأسه).

стр. 1630

١٢٧٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ حَدَّثَنَا خَبَّابٌ ﵁ قَالَ "هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ: فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا. قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلاَّ بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ. فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ". [الحديث ١٢٧٦ - أطرافه في: ٣٨٩٧، ٣٩١٣، ٣٩١٤، ٤٠٤٧، ٤٠٨٢، ٦٤٣٢، ٦٤٤٨]. وبالسند قال: (حدّثنا عمر بن حفص) بضم عين عمر، قال: (حدَّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران، قال: (حدّثنا شقيق) أبو وائل بن سلمة، قال: (حدّثنا خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، بينهما ألف، ابن الأرت، بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية (¬﵁ قال): (هاجرنا مع النبي، ﷺ ¬)، حال كوننا (نلتمس وجه الله) أي ذاته، لا الدنيا. والمراد بالمعية الاشتراك في حكم الهجرة إذ لم يكن معه ﵊ إلا أبو بكر وعامر بن فهيرة (فوقع أجرنا على الله) وفي رواية: وجب أجرنا على الله. أي: وجوبًا شرعيًّا أي: بما وجب بوعده الصدق، لا عقليًّا إذ لا يجب على الله شيء (فمنا من مات لم يكل من أجره) من الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح (شيئًا) بل قصر نفسه عن شهواتها لينالها متوفرة في الآخرة (منهم: مصعب بن عمير) بضم العين وفتح الميم: ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، يجتمع مع النبي ﷺ وفي قصي (ومنا من أينعت) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية وفتح النون أي: أدركت ونضجت (له ثمرته) ولأبي ذر: ثمرة (فهو يَهدِبها) بفتح المثناة التحتية وسكون الهاء وتثليث الدال، أي: يجنيها. وعبر بالمضارع ليفيد استمرار الحال الماضية والآتية استحضارًا له في مشاهدة السامع. (قتل) أي: مصعب (يوم أُحد) قتله عبد الله بن قميئة، والجملة استئنافية (فلم نجد له ما نكفنه) زاد أبو ذر: به (إلاّ بردة، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا) بها (رجليه خرج رأسه) لقصرها، (فأمر النبي، ﷺ ، أن نغطي رأسه) بطرف البردة (وأن نجعل على رجليه من الإذخر) بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة والراء، نبت حجازي طيب الرائحة. وفي الحديث من الفوائد: أن الواجب من الكفن ما يستر العورة، قال في المجموع، واحتمال أنه لم يكن له غير النمرة مدفوع بأنه بعيد ممن خرج للقتال، وبأنه لو سلم ذلك لوجب تتميمه من بيت المال، ثم من المسلمين. اهـ. وقد يقال: أمرهم بتتميمه بالإذخر. وهوَ ساتر، ويجاب: بأن التكفين به لا يكفي إلاّ عند

стр. 1631

تعذر التكفين بالثوب، كما صرح به الجرجاني، لما فيه من الإزراء بالميت، على أنه ورد في أكثر طرق الحديث أنه قتل يوم أُحد، ولم يخلف إلاّ نمرة. وبالجملة، فالأصح أن أقل الكفن ساتر العورة. لكن استشكل الأسنوي الاقتصار على ساتر العورة، بما في النفقات، من أنه لا يحل الاقتصار في كسوة العبد على ساتر العورة، وإن لم يتأذ بحر أو برد، لأنه تحقير وإذلال، فامتناعه في الميت الحر أولى. وأجيب عنه: بأنه لا أولوية، بل ولا تساوي. إذ للغرماء منع الزيادة على الثوب الواحد، والحر المفلس يبقى له ما يجمله لاحتياجه إلى التجمل للصلاة، وبين الناس، ولأن الميت يستر بالتراب عاجلاً بخلاف العبد. والأولى أن يجاب: بأنه لا فرق بين المسألتين إذ عدم الجواز في تلك ليس لكونه حقًا لله تعالى في الستر، بل لكونه حقًا للعبد. حتى إذا أسقطه جاز. وفي الحديث أيضًا بيان فضيلة مصعب بن عمير، وأنه ممن لم ينقص له من ثواب الآخرة شيء. ٢٩ - باب مَنِ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ (باب من استعد الكفن) أي: أعده، وليست السين للطلب (في زمن النبي ﷺ ، فلم ينكر عليه) بفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، كذا في الفرع وأصله، وفي نسخة: فلم ينكر بكسرها على أن فاعل الإنكار النبي ﷺ . ١٢٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ ﵁ "أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا. أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي، فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ: اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا. قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لأَلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ". [الحديث ١٢٧٧ - أطرافه في: ٢٠٩٣، ٥٨١٠، ٦٠٣٦]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (قال: حدّثنا ابن أبي حازم) عبد العزيز (عن أبيه) أبي حازم، سلمة بن دينار الأعرج القاص، من عباد أهل المدينة وزهادهم (عن سهل) هو: ابن سعد الساعدي (¬﵁¬): (أن امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (جاءت النبي، ﷺ ، ببردة منسوجة فيها حاشيتها) رفع بقوله منسوجة، واسم المفعول يعمل عمل فعله، كاسم الفاعل أي: أنها لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية، أو أنها جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس بعد.

стр. 1632

قال سهل:- (أتدرون) بهمزة الاستفهام، ولأبوي ذر، والوقت: تدرون بإسقاطها (ما البردة؟ قالوا: الشملة. قال) سهل: (نعم) هي، وفي تفسيره بها تجوّز لأن البردة كساء، والشملة ما يشتمل به، فهي أعم. لكن لما كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها. (قالت) أي: المرأة للنبي، ﷺ : (نسجتها) أي: البردة (بيدي) حقيقة أو مجازًا (فجئت لأكسوكها فأخذها النبي ﷺ ¬) حال كونه (محتاجًا إليها) وعرف ذلك بقرينة حال، أو تقدم قول صريح (فخرج) ﵊ (إلينا وإنها إزاره) وفي رواية هشام بن عمار، عن عبد العزيز عند ابن ماجة: فخرج إلينا فيها. وعند الطبراني من رواية هشام بن سعد عن أبي حازم: فاتزر بها ثم خرج (فحسنها) أي نسبها إلى الحسن، وللمصنف في اللباس، من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، فجسها بالجيم من غير نون (فلان) هو عبد الرحمن بن عوف كما في الطبراني، فيما ذكره المحب الطبري في الأحكام له، لكن قال صاحب الفتح إنه لم يره في المعجم الكبير، ولا في مسند سهل، ولا عبد الرحمن، أو: هو سعد بن أبي وقاص، أو: هو أعرابي كما في الطبراني من طريق زمعة بن صالح عن أبي حازم، لكن زمعة ضعيف. (فقال: اكسنيها ما أحسنها) بالنصب على التعجب. (وقال القوم: ما أحسنت) نفي للإحسان (لبسها النبي ﷺ ¬) حال كونه (محتاجًا إليها) وفي نسخة عند أبي ذر: محتاج، بالرفع بتقدير: هو (ثم سألته) إياها (وعلمت أنه لا يرد) سائلاً بل يعطيه، ما يطلبه (قال: إني والله ما سألته) ﵊ (لألبسها) أي: لأجل أن ألبسها، وفي نسخة لألبسه، وهو الذي في الفرع وأصله (إنما سألته) إياها (لتكون كفني، قال سهل: فكانت كفنه). وعند الطبراني من طريق هشام بن سعد، قال سهل: فقلت للرجل: لم سألته وقد رأيت حاجته إليها؟ فقال: رأيت ما رأيتم، ولكني أردت أن أخبأها حتى أكفن فيها، فأفاد أن المعاتب له من الصحابة سهل بن سعد، وفي رواية أبي غسان، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي، ﷺ ، وفيه التبرك بآثار الصالحين، وجواز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة إليه. لكن، قال أصحابنا: لا يندب أن يعدّ لنفسه كفنًا لئلا يحاسب على اتخاذه أي: لا على اكتسابه، لأن ذلك مختصًّا بالكفن، بل سائر أمواله كذلك، ولأن تكفينه من ماله واجب، وهو يحاسب عليه بكل حال، إلاّ أن يكون من جهة حل، وأثر ذي صلاح، فحسن إعداده كما هنا، لكن لا يجب تكفينه فيه، كما اقتضاه كلام القاضي أبي الطيب وغيره، بل للوارث إبداله لأنه ينتقل للوارث، فلا يجب عليه ذلك. ولو أعدّ له قبرًا يدفن فيه فينبغي أنه لا يكره، لأنه للاعتبار بخلاف الكفن، قاله الزركشي. ورواة الحديث الأربعة مدنيون إلا عبد الله بن مسلمة، سكن البصرة. وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه ابن ماجة في: اللباس.

стр. 1633

٣٠ - باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ (باب) حكم (اتباع النساء الجنائز) بالجمع، ولأبي ذر: الجنازة. ١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا". وبالسند قال: (حدّثنا قبيصة بن عقبة) بفتح القاف في الأول وضم العين وإسكان القاف في الثاني، السوائي العامري الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن خالد) ولأبي ذر: عن خالد الحذاء (عن أم الهذيل) بضم الهاء وفتح المعجمة، حفصة بنت سيرين (عن أم عطية) نسيبة (¬﵂ قالت) ولأبي ذر: أنها قالت: (نهينا) بضم النون وكسر الهاء، وعند الإسماعيلي من رواية يزيد بن أبي حكيم، عن الثوري بهذا الإسناد، ورواه ابن شاهين بسند صحيح: نهانا رسول الله (عن اتباع الجنائز) نهي تنزيه لا تحريم، بدليل قولها: (ولم يُعزم علينا) بضم الياء وفتح الزاي مبنيًّا للمفعول، أي: نهيًا غير متحتم، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم، وهذا قول الجمهور، ورخص فيه مالك، وكرهه للشابة .. وقال أبو حنيفة: لا ينبغي. واستدلّ للجواز بما رواه ابن أبي شيبة، من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة، ﵁: أن رسول الله ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر ﵁ امرأة، فصاح بها، فقال: دعها يا عمر … الحديث، وأخرجه ابن ماجة من هذا الوجه، ومن طريق أخرى برجال ثقات. وأما ما رواه ابن ماجة أيضًا، وغيره، مما يدل على التحريم فضعيف، ولو صح حمل على ما يتضمن حرامًا. فائدة: روى الطبري من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أم عطية، قالت: لما دخل رسول الله ﷺ جمع النساء في بيت، ثم بعث إلينا عمر، فقال: إني رسول الله ﷺ إليكن؛ بعثني لأبايعكن على أن: لا تسرقن وفي آخره وأمرنا أن نخرج في العيد العواتق، ونهانا أن نخرج في جنازة. قال في الفتح: وهذا يدل على أن رواية أم عطية الأولى من مرسل الصحابة. ٣١ - باب حد الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا (باب حد المرأة) من مصدر الثلاثي، ولأبي ذر: إحداد المرأة. (على) ميت (غير زوجها) ثلاثة

стр. 1634

أيام، لما يغلب عليها من لوعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد من غير وجوب سواء كان الميت قريبًا أو أجنبيًّا، وهو لغة المنع، واصطلاحًا ترك التزين بالصبوغ من اللباس والخضاب والتطيب، والمشهور أنه بالحاء المهملة، ويروى الإجداد بالجيم من جددت الشيء قطعته لأنها انقطعت عن الزينة وما كانت عليه. ١٢٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: "تُوُفِّيَ ابْنٌ لأُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقَالَتْ: نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلاَّ بِزَوْجٍ". وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) قال (حدّثنا بشر بن المفضل) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة، ابن لاحق، قال: (حدّثنا سلمة بن علقمة) التيمي (عن محمد بن سيرين قال): (توفي ابن لأم عطية) نسيبة (¬﵂، فلما كان اليوم الثالث) ولأبي ذر، عن الحموي والكشميهني: يوم الثالث، بإضافة الصفة إلى الموصوف (دعت بصفرة) بطيب فيه صفرة (فتمسحت به، وقالت: نهينا) ورواه أيوب، مما أخرجه عبد الرزاق، والطبراني، عن ابن سيرين، عن أم عطية، بلفظ: قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول، … فذكر معناه (أن نحد) على ميت (أكثر من ثلاث) بلياليها، ونحد: بضم أوله وكسر ثانيه من الرباعي، وأن، مصدرية. وحكي فتح أوله وكسر ثانيه وضمه من الثلاثي، ولم يعرف الأصمعي إلا الأول (إلا بزوج) أي: بسببه وللكشميهني: إلا لزوج، باللام بدل الموحدة، وفي العدد من طريقه: إلا على زوج، وكلها بمعنى السببية. ورواته بصريون، وفيه التحديث والعنعنة والقول. ١٢٨٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قال حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: "لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَّامِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ بِصُفْرَةٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". [الحديث ١٢٨٠ - أطرافه في: ١٢٨١، ٥٣٣٤، ٥٣٣٩، ٥٣٤٥]. وبه قال: (حدّثنا الحميدي) بضم الحاء وفتح الميم، عبد الله بن الزبير القرشي، قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاصي الأموي (قال: أخبرني) بالإفراد (حميد بن نافع) بضم الحاء، أبو أفلح، بالفاء والحاء المهملة (عن زينب ابنة) ولأبي ذر: بنت (أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد المخزومية، ربيبة النبي، ﷺ ، أمها أم المؤمنين: أم سلمة (قالت):

стр. 1635

(لما جاء نعي) بسكون العين وتخفيف المثناة، ولأبي ذر: نعي: بكسر العين وتشديد المثناة، أي خبر موت (أبي سفيان) صخر بن حرب (من الشام). قال في الفتح: فيه نظر، لأن أبا سفيان مات بالمدينة بلا اختلاف بين العلماء، بالاخبار، والجمهور على أنه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث، قال: ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك إلا في رواية سفيان بن عيينة هذه، وأظنها وهمًا. وعند ابن أبي شيبة، عن حميد بن نافع؛ جاء نعي لأخي أم حبيبة، أو حميم لها … الحديث، فلا مانع من التعدد. (دعت) بنت أبي سفيان (أم حبيبة) رملة: أم المؤمنين (¬﵂ بصفرة) نوع من الطيب فيه صفرة (في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها) هما جانبا الوجه فوق الذقن إلى ما تحت الأذن (وذراعيها، وقالت: إني كنت عن هذا لغنية) فيه إدخال لام الابتداء على خبر كان الواقعة خبرًا لإن (لولا أني سمعت النبي، ﷺ ، يقول): (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) نفي بمعنى النهي على سبيل التأكيد (أن تحد) بضم أوّله وكسر ثانيه (على ميت فوق ثلاث) أي: ثلاث ليال، كما جاء مصرحًا به في رواية. والوصف بالإيمان فيه إشعار بالتعليل، فإن من آمن بالله ولقائه لا يجترئ على مثله من العظائم (إلا على زوج، فإنها تحد عليه) وجوبًا للإجماع على إرادته (أربعة أشهر وعشرًا) من الأيام بلياليها، سواء في ذلك الصغيرة والكبيرة، والمدخول بها وذات الإقراء وغيرهما، وكذا الذمية. وتقييد المرأة في الحديث بالإيمان بالله واليوم الآخر جرى على الغالب، فإن الذمية كذلك، ومثلها فيما يظهر: المعاهدة والمستأمنة. وهذا مذهب الشافعية، والجمهور. وقال أبو حنيفة، وغيره من الكوفيين، وأبو ثور، وبعض المالكية: لا يجب على الزوجة الكتابية، بل يختص بالمسلمة، لقوله: تؤمن … الخ، وقد خالف أبو حنيفة قاعدته هنا في إنكاره المفاهيم، وكذا التقييد بأربعة أشهر وعشر، خرج على غالب المعتدات وإلاّ فالحامل بالوضع وعليها الإحداد سواء قصرت المدة أو طالت. ورواته الثلاثة الأول مكيون، والرابع مدني، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول. ١٢٨١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: "دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس، قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) بفتح الحاء وسكون الزاي وعمرو، بفتح العين (عن

стр. 1636

حميد بن نافع) هو: أبو أفلح (عن زينب بنت أبي سلمة) أنها (أخبرته، قالت): (دخلت على أم حبيبة، زوج النبي، ﷺ ¬) أي: لما بلغها موت أبيها أبي سفيان، كما مر. (فقالت: سمعت النبي، ﷺ يقول): (لا يحل لامرأة) كبيرة أو صغيرة (تؤمن بالله واليوم الآخر) هو من خطاب التهييج، لأن المؤمن هو الذي ينتفع بخطاب الشارع وينقاد له، فهذا الوصف لتأكيد التحريم لما يقتضيه سياقه، ومفهومه أن خلافه مناف للإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] فإنه يقتضي تأكيد أمر التوكل بربطه بالإيمان، وقوله (تحد) بحذف أن الناصبة ورفع الفعل، مثل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. (على ميت فوق ثلاث) من الليالي (إلا على زوج) أي: فإنها تحد عليه (بأربعة أشهر وعشرًا). فالظرف متعلق بمحذوف في المستثنى دل عليه الفعل المذكور في المستثنى منه، والاستثناء متصل، إن جعل بيانًا لقوله: فوق ثلاث، فيكون المعنى: لا يحل لامرأة أن تحد أربعة أشهر وعشرًا على ميت إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرًا. وإن جعل معمولاً لتحد مضمرًا، فيكون منقطعًا أي: لكن تحد على ميت زوج أربعة أشهر وعشرًا. ١٢٨٢ - ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ، ثُمَّ قَالَتْ: مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". [الحديث ١٢٨٢ - طرفه في: ٥٣٣٥]. قالت زينب بنت أبي سلمة: (ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها) يحتمل، على بعد: أن يكون هو عبيد الله، بالتصغير، الذي مات كافرًا بالحبشة بعد أن أسلم، ولا مانع، أن يحزن المرء على قريبه الكافر، ولا سيما إذا تذكر سوء مصيره. أو هو: أخ لها من أمها، أو: من الرضاع، وليس هو أخوها عبد الله بفتح العين، لأنه استشهد بأُحد، وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدًّا، ولا أخوها: أبو أحمد عبد، بغير إضافة، لأنه مات بعد أخته زينب بسنة، كما جزم به ابن إسحاق وغيره. وقد استشكل التعبير: بثم، المقتضية للعطف على التراخي والتشريك في الحكم والترتيب، في قولها: ثم دخلت على زينب. إذ مقتضاه أن تكون قصة زينب هذه بعد قصة أم حبيبة، وهو غير صحيح، لأن زينب ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين على الصحيح. وأجيب: بأن في دلالة: ثم، على الترتيب خلافًا، ولئن سلمنا ضعف الخلاف، فإن ثم هنا

стр. 1637

لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم، وذلك كما تقول: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب، أي: ثم أخبرك بأن الذي صنعته أمس أعجب. (فدعت) أي: زينب بنت جحش (بطيب فمست) زاد أبو ذر: به، أي: شيئًا من جسدها (ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ ، على المنبر) زاد أبو ذر: يقول: (لا يحل لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد) بحذف أن والرفع (على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا) وهذا الحديث هو العمدة في وجوب الإحداد على الزوج الميت، ولا خلاف فيه في الجملة، وإن اختلف في بعض فروعه. واستشكل بأن مفهومه: إلا على زوج فإنه يحل لها الإحداد، فأين الوجوب؟ وأجيب: بأن الإجماع على الوجوب، فاكتفي به، وأيضًا فإن في حديث أم عطية النهي الصريح عن الكحل، وعن لبس ثوب مصبوغ، وعن الطيب. فلعله سند الإجماع. وفي حديث أم سلمة عند النسائي، وأبي داود، قالت: قال النبي، ﷺ : لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفر من الثياب … الحديث. وظاهره أنه مجزوم على النهي. وفي رواية لأبي داود: لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرًا فهذا أمر بلفظ الخبر إذ ليس المراد معنى الخبر، فهو على حد قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والمراد به الأمر اتفاقًا والله أعلم. ٣٢ - باب زِيَارَةِ الْقُبُورِ (باب) مشروعية (زيارة القبور) وسقط الباب والترجمة لابن عساكر. ١٢٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي. قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ. فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَتَتْ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى". وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس، قال (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا ثابت) البناني (عن أنس بن مالك، ﵁، قال): (مر النبي، ﷺ ، بامرأة تبكي عند قبر) زاد في رواية يحيى بن أبي كثير، عند عبد الرزاق: فسمع منها ما يكره، أي: من نوح أو غيره، ولم تعرف المرأة ولا صاحب القبر، لكن في رواية

стр. 1638

لمسلم ما يشعر بأنه ولدها، ولفظه تبكي على صبي لها، وصرح به في مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور، ولفظه قد أصيبت بولدها. (فقال) لها يا أمة الله. (اتقي الله واصبري) قال الطيبي: أي: خافي غضب الله إن لم تصبري ولا تجزعي، ليحصل لك الثواب. (قالت: إليك عني) أي: تنح وابعد، فهو من أسماء الأفعال: (فإنك لم تصب بمصيبتي) بضم المثناة الفوقية، وفتح الصاد في تصب مبنيًّا للمفعول، وعند المصنف في الأحكام، من وجه آخر عن شعبة: فإنك خلو من مصيبتي، بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام، خاطبته بذلك (و) الحال أنها (لم تعرفه) إذ لو عرفته لم تخاطبه بهذا الخطاب. (فقيل لها:) وللحموي، وللمستملي: لم تصب بمصيبتي فقيل لها (إنه النبي ﷺ ¬) وعند المؤلّف في الأحكام: فأمر بها رجل، فقال لها: إنه رسول الله ﷺ ، وفي رواية أبي يعلى، من حديث أبي هريرة قال: فهل تعرفينه، قالت له: لا. وللطبراني في الأوسط، من طريق عطية، عن أنس: إن الذي سألها هو الفضل بن العباس، وزاد مسلم في رواية له: فأخذها مثل الموت، أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله ﷺ وإنما اشتبه عليها ﷺ لأنه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء. (فأتت) باب (النبي ﷺ ، فلم تجد عنده بوابين) يمنعون الناس من الدخول عليه، وفي رواية الأحكام بوابًا بالإفراد. فإن قلت: ما فائدة هذه الجملة؟ أجاب شارح المسماة. بأنه لما قيل لها إنه النبي، ﷺ استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها، فتصورت أنه مثل الملوك له حاجب أو بوّاب يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصوّرته. (فقالت) معتذرة عما سبق منها، حيث قالت: إليك عني: (لم أعرفك) فاعذرني من تلك الردة وخشونتها (فقال) لها ﵊: (إنما الصبر) الكامل (عند الصدمة الأولى) الواردة على القلب، أي: دعي الاعتذار فإن من شيمتي أن لا أغضب إلا لله، وانظري، إلى تفويتك من نفسك الجزيل من الثواب بالجزع، وعدم الصبر أوّل فجأة المصيبة، فاغتفر لها ﵊ تلك الجفوة لصدورها منها في حال مصيبتها، وعدم معرفتها به، وبين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب عليه الثواب بخلاف ما بعد ذلك، فإنه على طول الأيام يسلو. كما يقع لكثير من أهل المصائب، بخلاف أوّل وقوع المصيبة، فإنه يصدم القلب بغتة

стр. 1639

وقد قيل: إن المرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حسن نيته، وجميل صبره. ومبحث ذلك يأتي إن شاء الله تعالى، في موضعه. فإن قلت: من أين تؤخذ مطابقة الحديث للترجمة؟ أجيب: من حيث أنه ﷺ ، لم ينه المرأة المذكورة عن زيارة قبر ميتها، وإنما أمرها بالصبر والتقوى، لما رأى من جزعها، فدلّ على الجواز، واستدلّ به على زيارة القبور، سواء كان الزائر رجلاً أو امرأة، وسواء كان المزور مسلمًا أو كافرًا لعدم الاستفصال في ذلك. قال النووي: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب الحاوي، أي: الماوردي: لا تجوز زيارة قبر الكافر وهو غلط. اهـ. وحجة الماوردي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وفي الاستدلال بذلك نظر لا يخفى. وبالجملة: فتستحب زيارة قبور المسلمين للرجال، لحديث مسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة". وسئل مالك عن زيارة القبور فقال: قد كان نهى عنه، ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرًا لم أبي بذلك بأسًا. وعن طاوس: كانوا يستحبون أن لا يتفرقوا عن الميت سبعة أيام، لأنهم يفتنون ويحاسبون في قبورهم، سبعة أيام. وتكره للنساء لجزعهن، وأما حديث أبي هريرة المروي عند الترمذي، وقال حسن صحيح: "لعن الله زوّارات القبور"، فمحمول على ما إذا كانت زيارتهن للتعديد والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن، قال القرطبي: وحمل بعضهم حديث الترمذي في المنع على من تكثر الزيارة لأن زوارات للمبالغة. اهـ. ولو قيل بالحرمة في حقهن، في هذا الزمان، لا سيما نساء مصر، لما بعد لما في خروجهن من الفساد، ولا يكره لهن زيارة قبر النبي ﷺ ، بل تندب وينبغي كما قال ابن الرفعة، والقمولي، أن تكون قبور سائر الأنبياء والأولياء كذلك. وفي الحديث: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه في: الجنائز، والأحكام ومسلم في: الجنائز، وكذا أبو داود، والترمذي والنسائي. ٣٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ» لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

стр. 1640

فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ ﴿ولَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ -ذُنُوبًا- ﴿إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ﴾ وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ الْبُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا» وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ. (باب قول النبي، ﷺ ¬) فيما وصله المؤلّف في الباب عن ابن عباس عن عمر. (يعذب الميت ببعض بكاء أهله) المتضمن للنوح المنهي عنه (عليه) وليس المراد مع العين لجوازه، وإنما المراد البكاء الذي يتبعه الندب والنوح، فإن ذلك إذا اجتمع سمي بكاء. قال الخليل: من قصر البكاء ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مدّه ذهب به إلى معنى الصوت، وقيده بالبعضية تنبيهًا على أن حديث ابن عمر المطلق محمول على حديث ابن عباس عن عمر الآتي كل منهما إن شاء الله تعالى في هذا الباب. (إذا كان) الميت في حال حياته راضيًا بذلك، بأن يكون (النوح من سنته) بضم السين وتشديد النون، أي من طريقته وعادته. وأما قول الزركشي هذا منه أي: من المؤلّف، حمل للنهي عن ذلك، أي: أنه يوصي بذلك، فيعذب بفعل نفسه، فتعقبه صاحب مصابيح الجامع: بأن الظاهر أن البخاري لا يعني الوصية، وإنما يعني العادة. وعليه يدل قوله: من سنته، إذ السنة الطريقة والسيرة يعني: إذا كان الميت قد عود أهله أن يبكوا على من يفقدونه في حياته وينوحوا عليه بما لا يجوز. وأقرّهم على ذلك، فهو داخل في الوعيد، وإن لم يوص. فإن أوصى فهو أشد انتهى. وليس قوله: إذا كان النوح من سنته من المرفوع، بل هو من كلام المؤلّف، قاله تفقهًا (لقول الله تعالى): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (﴿قُوا أَنفُسَكُمْ﴾) بترك المعاصي الشاملة للنوح وغيره (﴿وأهليكم نارًا﴾) [التحريم: ٦] بالنصح والتأديب لهم، فمن علم أن لأهله عادة بفعل منكر من نوح أو غيره، وأهمل نهيهم عنه، فما وقى أهله ولا نفسه من النار. (وقال النبي ﷺ ¬) مما تقدّم موصولاً في حديث ابن عمر في الجمعة: (كلكم راع ومسؤول عن رعيته). فمن ناح ما رعى نفسه ولا رعيته الذين هم أهله لأنهم يقتدون به في سنته. (فإذا لم يكن من سنته) النوح، كمن لا شعور عنده، بأنهم يفعلون شيئًا من ذلك، أو أدّى ما عليه بأن نهاهم (فهو كما قالت عائشة، ﵂¬) مستدلة لما أنكرت على عمر، ﵁، حديثه المرفوع الآتي إن شاء الله تعالى قريبًا: "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه" بقوله تعالى: (﴿ولا تزر﴾) سقطت الواو، من: ولا تزر لغير أبي ذر، لا تحمل (﴿وازرة﴾) نفس آثمة (﴿وزر﴾)

стр. 1641

نفس (﴿أخرى﴾) [الأنعام: ١٦٤ والإسراء: ١٥ وفاطر: ١٨ والزمر: ٧] والجملة جواب إذا المتضمنة معنى الشرط، والحاصل أنه: إذا لم يكن من سنته، فلا شيء عليه، كقول عائشة. فالكاف للتشبيه، وما مصدرية، أي: كقول عائشة. (وهو) أي: ما استدلت به عائشة من قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (كقوله: ﴿وإن تدع مثقلة -ذنوبًا- إلى حملها﴾) وليست: ذنوبًا، من التلاوة، وإنما هو في تفسير مجاهد، فنقله المصنف عنه؛ والمعنى: وإن تدع نفس أثقلتها أوزارها أحدًا من الآحاد إلى أن يحمل بعض ما عليها (﴿ولا يحمل منه﴾) أي: من وزره (﴿شيء﴾) [فاطر: ١٨] وأما قوله تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣] ففي الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكل ذلك أوزارهم ليس فيها شيء من أوزار غيرهم، وهذه الجملة من قوله، وهو كقوله: ﴿وإن تدع مثقلة﴾ وقعت في رواية أبي ذر وحده، كما أفاده في الفتح. ثم عطف المؤلّف على أول الترجمة قوله: (وما يرخص من البكاء) في المصيبة (من غير نوح). وهو حديث أخرجه ابن أبي شيبة، والطبراني، وصححه الحاكم. لكن ليس على شرط المؤلّف، ولذا اكتفى بالإشارة إليه، واستغنى عنه بأحاديث الباب الدالة على مقتضاه. (وقال النبي، ﷺ ¬) مما وصله المؤلّف في: الدّيات وغيرها، من جملة حديث لابن مسعود: (لا تقتل نفس ظلمًا) أي: من حيث الظلم (إلا كان على ابن آدم الأول) قابيل الذي قتل هابيل ظلمًا وحسدًا (كفل) أي: نصيب (من دمها). (وذلك) أي: كون الكفل على ابن آدم الأول (لأنه أول من سن القتل) ظلمًا، أي فكذلك من كانت طريقته النوح على الميت، لأنه سنّ النياحة في أهله، وفيه الرد على القائل بتخصيص التعذيب بمن يباشر الذنب بقوله أو فعله، لا بمن كان سببًا فيه، ولا يخفى سقوطه. ١٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: "أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ: إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ، فَأْتِنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا. فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ. فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ -قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ: كَأَنَّهَا شَنٌّ- فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ". [الحديث ١٢٨٤ - أطرافه في: ٥٦٥٥، ٦٦٠٢، ٦٦٥٥، ٧٣٧٧، ٧٤٤٨]. وبالسند قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين وإسكان الموحدة، عبد الله بن عثمان (ومحمد) هو:

стр. 1642

ابن مقاتل (قالا: أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا عاصم بن سليمان) الأحول (عن أبي عثمان) عبد الرحمن النهدي (قال: حدّثني) بالإفراد (أسامة بن زيد ﵄، قال): (أرسلت ابنة) ولأبي ذر: بنت (النبي، ﷺ ¬) زينب، كما عند ابن أبي شيبة وابن بشكوال (إليه: إن ابنًا لي قبض) أي: في حال القبض، ومعالجة الروح فأطلق القبض مجازًا باعتبار أنه في حالة كحالة النزع. قيل: الابن المذكور هو علي بن أبي العاص بن الربيع، واستشكل بأنه عاش حتى ناهز الحلم وأن النبي ﷺ ، أردفه على راحلته يوم الفتح، فلا يقال فيه صبي عرفًا. أو هو عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنته ﷺ ، لما رواه البلاذري في الأنساب: أنه لما توفي، وضعه النبي ﷺ في حجره، وقال: إنما يرحم الله من عباده الرحماء. أو: هو، محسن، لما روى البزار في مسنده عن أبي هريرة، قال: ثقل ابن لفاطمة ﵂، فبعثت إلى النبي ﷺ ، فذكر نحو حديث الباب، ولا ريب أنه مات صغيرًا. أو: هي أمامة بنت زينب لأبي العاص بن الربيع لما عند أحمد، عن أبي معاوية بسند البخاري. وصوّبه الحافظ ابن حجر، وأجاب عما استشكل من قوله: قبض، مع كون أمامة عاشت بعد النبي ﷺ حتى تزوّجها علي بن أبي طالب، وقتل عنها: بأن الظاهر أن الله أكرم نبيه ﵊، لما سلم لأمر ربه، وصبر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة بأن عافى ابنة ابنته، فخلصت من تلك الشدة، وعاشت تلك المدّة. وقال العيني: الصواب قول من قال: ابني، أي: بالتذكير، لا ابنتي: بالتأنيث. كما نص عليه في حديث الباب. وجمع البرماوي بين ذلك باحتمال تعدّد الواقعة في بنت واحدة أو بنتين، أرسلت زينب في عليّ أو أمامة، أو رقية في عبد الله بن عثمان، أو فاطمة في ابنها محسن بن علي (فأْتنا. فأرسل) ﵊ (يقرئ) عليها¬ (السلام) بضم الياء من يقرئ (ويقول): (إن لله ما أخذ، وله ما أعطى) أي: الذي أراد أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، وقدّم الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخرًا في الواقع، لأن المقام يقتضيه. ولفظ: ما، في الموضعين مصدرية أي: إن لله الأخذ والإعطاء أو موصولة، والعائد محذوف وكذا الصلة (١) للدلالة على العموم، فيدخل فيه أخذ الولد وإعطاءه وغيرهما.

стр. 1643

(وكل عنده) أي: وكل من الأخذ والإعطاء عند الله، أي: في علمه (بأجل مسمى) مقدّر ومؤجل، (فلتصبر ولتحتسب) أي: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليحسب لها ذلك من عملها الصالح. (فأرسلت إليه) ﷺ حال كونها (تقسم عليه ليأتينها، فقام) ووقع في رواية عبد الرحمن بن عوف أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة (ومعه) بإثبات واو الحال، وللحموي والمستملي: معه (سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال) آخرون ذكر منهم في غير هذه الرواية: عبادة بن الصامت، وأسامة، راوي الحديث، فمشوا إلى أن دخلوا بيتها، (فرفع إلى رسول الله، ﷺ ، الصبي) أو: الصبية، ورفع بالراء، وفي رواية حماد: دفع، بالدال. وبين شعبة في روايته أنه وضع في حجره ﵊، (ونفسه تتقعقع) بتاءين في أوّله، أي تضطرب وتتحرك، أي: كلما صار إلى حالة لم يلبث أن ينتقل إلى أخرى لقربه من الموت، والجملة اسمية حالية - (قال: حسبته أنه قال: كأنها شنّ-) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، قربة خلقة يابسة، وجزم به في رواية حماد، ولفظه: ونفسه تتقعقع كأنها في شن (ففاضت) ولأبي ذر: وفاضت (عيناه) ﷺ بالبكاء وهذا موضع الترجمة، لأن البكاء العاري عن النوح لا يؤاخذ به الباكي، ولا الميت. (فقال سعد) هو: ابن عبادة المذكور: (يا رسول الله! ما هذا؟) وفي رواية عبد الواحد، قال سعد بن عبادة: تبكي؟ وزاد أبو نعيم في مستخرجه: وتنهى عن البكاء؟ (فقال) ﵊: (هذه) الدمعة التي تراها من حزن القلب بغير تعمد ولا استدعاء لا مؤاخذة عليها (رحمة جعلها الله) تعالى (في قلوب عباده، وإنما) بالواو، ولأبي ذر، فإنما (يرحم الله من عباده الرحماء) نصب على أن، ما، في قوله: وإنما، كافة، ورفع على أنها موصولة، أي: إن الذين يرحمهم الله من عباده الرحماء، جمع رحيم من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمته تعالى تختص بمن اتصف بالرحمة، وتحقق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة. لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمرو، وعند أبي داود وغيره: الراحمون يرحمهم الرحمن، والراحمون: جمع راحم، فيدخل فيه كل من فيه أدنى رحمة. فإن قلت: ما الحكمة في إسناد فعل الرحمة في حديث الباب إلى الله، وإسناده في حديث أبي داود المذكور إلى الرحمن؟. أجاب الخوييّ، بما حاصله: أن لفظ الجلالة دال على العظمة، وقد عرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فلما ذكرها ناسب ذكر من كثرت رحمته وعظمت، ليكون الكلام جاريًا على نسق التعظيم بخلاف الحديث الآخر، فإن لفظ الرحمن دال على العفو، فناسب أن يذكر معه كل ذي رحمة، وإن قلَّت. ورواة الحديث الثلاثة الأول مروزيون، وعاصم وأبو عثمان بصريان، وفيه: التحديث

стр. 1644

والإخبار والقول، وأخرجه أيضًا في: الطب، والنذور، والتوحيد، ومسلم في: الجنائز، وكذا أبو داود، والنسائي، وابن ماجة. ١٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قال حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قال حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، قَالَ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، قَالَ فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا. قَالَ: فَانْزِلْ. قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا". [الحديث ١٢٨٥ - طرفه في: ١٣٤٢]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي (قال: حدّثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو العقدي، (قال: حدّثنا فليح بن سليمان) الخزاعي (عن هلال بن عليّ) العامري (عن أنس بن مالك ﵁، قال): (شهدنا بنتًا لرسول الله) أي: جنازتها، وكانت سنة تسع، ولأبي ذر: بنتًا للنبي (¬ ﷺ ¬) هي: أم كلثوم زوج عثمان بن عفان، ﵁، لا رقية، لأنها توفيت والنبي، ﷺ ، ببدر فلم يشهد جنازتها (قال: ورسول الله، ﷺ ¬) جملة وقعت حالاً (جالس على) جانب (القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان) بفتح الميم، وهذا موضع الترجمة كما لا يخفى (قال: فقال) ﵊: (هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟) بقاف ثم فاء، وزاد ابن المبارك عن فليح، أراه يعني: الذنب. ذكره المصنف تعليقًا في باب: من يدخل قبر المرأة. ووصله الإسماعيلي، وقيل: لم يجامع تلك الليلة، وبه جزم ابن حزم. وفي رواية ثابت عن أنس عند المؤلّف في التاريخ الأوسط: لا يدخل القبر أحد قارف الليلة، فتنحى عثمان. (فقال أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري: (أنا) لم أقارف الليلة، قيل: والسر في إيثار أبي طلحة على عثمان أن عثمان قد جامع بعض جواريه تلك الليلة، فتلطف النبي ﷺ في منعه من النزول في قبر زوجته، حيث لم يعجبه أنه اشتغل عنها تلك الليلة بذلك، لكن يحتمل أنه طال مرضها، واحتاج عثمان إلى الوقاع، ولم يكن يظن أنها تموت تلك الليلة، وليس في الخبر ما يقتضي أنه واقع بعد موتها، بل ولا حين احتضارها. (قال) ﵊ لأبي طلحة (فانزل) بالفاء (قال: فنزل في قبرها). وفي الحديث: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: الجنائز. ١٢٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: "تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا -أَوْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى

стр. 1645

جَنْبِي- فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمَرَ ﵄ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". وبه قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين وسكون الموحدة، عبد الله بن عثمان، قال: (حدّثنا عبد الله) بن المبارك، قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة) بتصغير عبد الثاني، كمليكة، واسمه زهير، (قال): (توفيت ابنة لعثمان ﵁ بمكة) هي: أم أبان، كما صرح به في مسلم (وجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر) بن الخطاب (وابن عباس ﵃، وإني لجالس بينهما) أي: بين ابن عمر وابن عباس (-أو قال: جلست إلى أحدهما) شك ابن جريج (ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي-) زاد مسلم من طريق أيوب، عن ابن أبي مليكة: فإذا صوت من الدار، وعند الحميدي، من رواية عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة: فبكى النساء. (فقال عبد الله بن عمر، ﵄، لعمرو بن عثمان) أخيها: (ألا تنهى) النساء (عن البكاء؟ فإن رسول الله ﷺ قال): (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) فأرسلها مرسلة، ولمسلم عن عمرة بنت عبد الرحمن، سمعت عائشة، وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه … الحديث، أي: سواء كان الباكي من أهل الميت أم لا، فليس الحكم مختصًّا بأهله، وقوله: ببكاء أهله، خرج مخرج الغالب، لأن المعروف أنه إنما يبكي على الميت أهله، ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر هذا، عند ابن أبي شيبة: من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة، فيحمل المطلق في حديث الباب على هذا المقيد. ١٢٨٧ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ ﵁ مِنْ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ. قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي. فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَاأَخَاهُ وَاصَاحِبَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَىَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"؟. [الحديث ١٢٨٧ - طرفاه في: ١٢٩٠، ١٢٩٢]. (فقال ابن عباس، ﵄: قد كان عمر) بن الخطاب (¬﵁، يقول، بعض ذلك، ثم حدّث) أي ابن عباس (فقال):

стр. 1646

(صدرت مع عمر، ﵁، من مكة) قافلاً من حجة (حتى إذا كنا بالبيداء) بفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية، مفازة بين مكة والمدينة (إذا هو بركب) أصحاب إبل عشرة، فما فوقها مسافرين فاجأوه (تحت ظل سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم، شجرة عظيمة من العضاه (فقال: اذهب فانظر مَن هؤلاء الركب؟ قال: فنظرت فإذا صهيب) بضم الصاد ابن سنان بن قاسط بالقاف، وكان من السابقين الأوّلين المعذبين في الله (فأخبرته) أي: أخبرت عمر بذلك (فقال: ادعه لي، فرجعت إلى صهيب، فقلت) له: (ارتحل فالحق) بكسر الحاء المهملة في الأول وفتحها في الثاني، أمر من: اللحوق (فأمير المؤمنين) كذا لأبي ذر، عن الكشميهني: بالموحدة قبل الهمزة، ولغيره: فالحق أمير المؤمنين، فلحق به. حتى دخلنا المدينة (فلما أصيب عمر) ﵁ بالجراحة التي مات بها، وكان ذلك عقب حجه المذكور (دخل صهيب) حال كونه (يبكي) حال كونه (يقول: وا أخاه، وا صاحباه) بألف الندبة فيهما لتطويل مدّ الصوت، وليست علامة إعراب في الأسماء الستة، والهاء للسكت لا ضمير، لكن الشرط في المندوب أن يكون معروفًا، فيقدّر أن الأخوة والصاحبية كانا معلومين معروفين حتى يصح وقوعهما للندبة، (فقال عمر، ﵁: يا صهيب أتبكي عليّ) بهمزة الاستفهام الإنكاري (وقد قال رسول الله ﷺ ¬): (إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه؟) قيده ببعض البكاء فحمل على ما فيه نياحة جميعًا بين الأحاديث. ١٢٨٨ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ "فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: يَرْحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللَّهُ ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ شَيْئًا". [الحديث ١٢٨٨ - طرفاه في: ١٢٨٩، ٣٩٧٨]. (وقال ابن عباس، ﵄: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، ﵂، فقالت: يرحم الله عمر) قال الطيبي: هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فاستغربت من عمر ذلك القول، فجعلت قولها: يرحم الله عمر تمهيدًا ودفعًا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ. والله ما حدّث رسول الله، ﷺ : (إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه) يحتمل أن يكون جزمهما بذلك، لكونها سمعت صريحًا من النبي، ﷺ اختصاص العذاب بالكافر، أو فهمت ذلك من القرائن (لكن) بإسقاط الواو، ولأبي ذر: ولكن (رسول الله، ﷺ ¬) بإسكان نون لكن، فرسول الله مرفوع وبتشديدها فهو منصوب (قال):

стр. 1647

(إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه، وقالت: حسبكم القرآن) أي: كافيكم أيها المؤمنون قوله تعالى في القرآن (﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾) [الأنعام: ١٦٤ والإسراء: ١٥ وفاطر: ١٨ والزمر: ٧] أي: لا تؤاخذ نفس بذنب غيرها. (قال ابن عباس ﵄، عند ذلك والله ﴿هو أضحك وأبكى﴾ [النجم: ٤٣] تقرير لنفي ما ذهب إليه ابن عمر من أن الميت يعذب ببكاء أهله، وذلك أن بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله، يظهرها فيه، فلا أثر لها في ذلك فعند ذلك سكت ابن عمر. كما (قال ابن أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر، ﵄، شيئًا). بعد ذلك، لكن قال الزين بن المنير: سكوته لا يدل على الإذعان، فلعله كره المجادلة. وقال القرطبي ليس سكوته لشك طرأ له بعدما صرح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلاً للتأويل، ولم يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم تتعين الحاجة حينيذٍ. وقال الخطابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيل بالظن، وقد رواه عمر وابنه، وليس فيما حكت عائشة ما يرفع روايتهما. لجواز أن يكون الخبران صحيحين معًا، ولا منافاة بينهما. فالميت إنما تلزمه العقوبة بما تقدم من وصيته إليهم به وقت حياته، وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وهو موجود في أشعارهم كقول طرفة بن العبد: إذا مت فانعيني بما أنا أهله … وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد وعلى ذلك حمل الجمهور قوله: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، كما مر، وبه قال المزني، وإبراهيم الحربي وآخرون من الشافعية، وغيرهم، فإذا لم يوص به الميت لم يعذب. قال الرافعي: ولك أن تقول: ذنب الميت الأمر بذلك، فلا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه وأجيب: بأن الذنب على السبب يعظم بوجود المسبب، وشاهده حديث: "من سن سنة سيئة" .... وقيل: التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به، كما روى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعًا: "الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكسباه، جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسبها؟ ". وقال الشيخ أبو حامد: الأصح أنه محمول على الكافر. وغيره من أصحاب الذنوب. ١٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ "إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا".

стр. 1648

وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي، قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه) أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (عن عمرة بنت عبد الرحمن) الأنصارية (أنها أخبرته: أنها سمعت عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ ، تقول): أي لما قيل لها: إن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، كذا في الموطأ ومسلم (إنما مر رسول الله على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال): (إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها) بكفرها، في حال بكاء أهلها، لا بسبب البكاء. ١٢٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ ﵁ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَاأَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ"؟. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن خليل) الخزاز بزاءين معجمتين، الكوفي، قال المؤلّف: جاءنا نعيه سنة خمس وعشرين ومائتين، قال: (حدثنا عليّ بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء، قال: (حدّثنا أبو إسحاق) سليمان (وهو الشيباني) بفتح الشين المعجمة (عن أبي بردة) الحرث (عن أبيه) أبي موسى، عبد الله بن قيس الأشعري (قال): (لما أصيب عمر، ﵁¬) بالجراحة التي مات منها (جعل صهيب) ﵁ يبكي و (يقول: وا أخاه) بألف الندبة، وهاء السكت ساكنة في اليونينية (فقال عمر) منكرًا عليه بكاءه، لرفعه صوته بقوله: وا أخاه، خوفًا من استصحابه ذلك، أو زيادته عليه بعد موته: (أما علمت أن النبي، ﷺ ، قال): (إن الميت ليعذب ببكاء الحي؟) أي: المقابل للميت، أو المراد بالحي: القبيلة وتكون اللام فيه بدلاً من الضمير، والتقدير: يعذب ببكاء حيه، أي: قبيلته، فيوافق قوله في الرواية الأخرى: ببكاء أهله عليه … وهو صريح في أن الحكم ليس خاصًّا بالكافر، وظاهره أن صهيبًا سمع الحديث من النبي، ﷺ ، وكأنه نسيه، حتى ذكره به عمر ﵄. ورواته كلهم مدنيون، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم في: الجنائز. ٣٤ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَقَالَ عُمَرُ ﵁: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ، مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ.

стр. 1649

(باب ما يكره) كراهة تحريم (من النياحة على الميت) و: من، لبيان الجنس، والنياحة، رفع الصوت بالندب قاله في المجموع وقيده غيره بالكلام المسجع. (وقال عمر) بن الخطاب (¬﵁¬) لما مات خالد بن الوليد، ﵁، سنة إحدى وعشرين بحمص، أو ببعض قراها، أو بالمدينة. واجتمع نسوة المغيرة يبكين عليه، فقيل لعمر ﵁: أرسل إليهن فانههن. فقال: (دعهن يبكين على أبي سليمان) هي: كنية خالد (ما لم يكن نقع) بفتح النون وسكون القاف آخره عين مهملة (أو لقلقة) بلامين وقافين. وهذا الأثر وصله المؤلّف في تاريخه الأوسط من طريق الأعمش عن شقيق. قال المؤلّف، كالفراء: (والنقع: التراب) أي: يوضع (على الرأس، واللقلقة الصوت) المرتفع. وقال الإسماعيلي: النقع هنا الصوت العالي، واللقلقة حكاية ترديد صوت النوّاحة، وحكى سعيد بن منصور: أن النقع شق الجيوب، وحكي في مصابيح الجامع، عن الأكثرين: أن النقع رفع الصوت بالبكاء. قال الزركشي: والتحقيق أنه مشترك، يطلق على الصوت وعلى الغبار. ولا يبعد أن يكونا مرادين. يعني في قوله: ما لم يكن نقع أو لقلقة. لكن حمله على وضع التراب أولى، لأنه قرن به اللقلقة، وهي الصوت، فحمل اللفظ على معنيين أولى من معنى واحد. ١٢٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال حدّثنا سعيد بن عبيد) بكسر العين في الأول وضمها في الثاني مصغرًا غير مضاف، هو: أبو الهذيل الطائي (عن علي بن ربيعة) بفتح الراء، الوالبي، بالموحدة، الأسدي (عن المغيرة) بن شعبة. (¬﵁ قال: سمعت النبي، ﷺ ، يقول): (إن كذبًا عليّ) بفتح الكاف وكسر الذال المعجمة (ليس ككذب على أحد) غيري. قال ابن حجر: معناه أن الكذب على الغير قد ألف واستسهل خطبه، وليس الكذب عليه بالغًا مبلغ ذلك في السهولة، وإذا كان دونه في السهولة، فهو أشهد منه في الإثم، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من أورد أن الذي يدخل عليه الكاف أتم، والله أعلم. فإني (من كذب عليّ متعمدًا فبيتبوّأ) فليتخذ (مقعده) مسكنه (من النار) فهو أشد في الإثم من الكذب على غيره، لكونه مقتضيًا شرعًا عامًا باقيًا إلى يوم القيامة.

стр. 1650

(سمعت النبي ﷺ يقول: من نيح عليه) بكسر النون وسكون التحتية وفتح الحاء، مبنيًّا للمفعول من الماضي. (يعذب) بضم أوله، مبنيًّا للمفعول مجزوم. فمن شرطية وفيه استعمال الشرط بلفظ الماضي، والجزاء بلفظ المضارع، ويروى: يعذب بالرفع، وهو الذي في اليونينية، فمن موصولة أو شرطية على تقدير: فإنه يعذب، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من يُنح. بضم أوله وفتح النون وجزم المهملة، وللكشميهني: من يناح، بضم أوله وبعد النون ألف على أن من موصولة (بما نيح عليه) بإدخال حرف الجر على: ما، فهي مصدرية غير ظرفية، أي: بالنياحة عليه، والنون مكسورة عند الجميع. قال في الفتح: ولبعضهم: ما نيح، بغير موحدة على أن: ما ظرفية، قال العيني: ما في هذه الرواية للمدة، أي: يعذب مدة النوح عليه، ولا يقال: ما ظرفية. وفي تقديم المغيرة قبل تحديثه بتحريم النوح: أن الكذب عليه ﷺ أشد من الكذب على غيره، إشارة إلى أن الوعيد على ذلك يمنعه أن يخبر عنه بما لم يقل. ورواته الأربعة: كوفيون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول والسماع، وأخرجه مسلم في: الجنائز، وكذا الترمذي. ١٢٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. وَقَالَ آدَمُ عَنْ شُعْبَةَ «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ عَلَيْهِ». وبه قال: (حدّثنا عبدان، قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان بن جبلة، بالجيم والموحدة المفتوحتين (عن شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر) بضم العين (عن أبيه) عمر (¬﵄، عن النبي، ﷺ ، قال): (الميت يعذب في قبره بما نيح عليه) بكسر النون وسكون التحتية وفتح المهملة وزيادة لفظه في قبره. (تابعه) أي تابع عبدان (عبد الأعلى) بن حماد، مما وصله أبو يعلى في مسنده، قال (حدّثنا يزيد بن زريع) الأوّل من الزيادة والثاني تصغير زرع (قال حدّثنا سعيد) هو: ابن أبي عروبة قال: (حدّثنا قتادة) يعني: عن سعيد بن المسيب. (وقال آدم) بن أبي إياس (عن شعبة) بإسناد حديث الباب، لكن بغير لفظ متنه، وهو قوله: "الميت يعذب ببكاء الحي عليه" وقد تفرد آدم بهذا اللفظ.
следующие страницы →