← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبِ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَتَنَقَّبِ الْمُحْرِمَةُ. وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يزيد) من الزيادة المقري مولى آل عمر قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثنا نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قام رجل) لم يسم (فقال: يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي ﷺ ¬): (لا تلبسوا القميص) بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت: القمص بضم القاف والميم بالجمع (ولا السراويلات) جمع سراويل غير منصرف قيل لأنه منقول عن الجمع بصيغة مفاعيل وأن واحده سروالة، وقيل لأنه أعجمي على أن ابن الحاجب حكى أن من العرب من يصرفه وهي مؤنثة عند الجمهور (ولا العمائم) جمع عمامة سميت بذلك لأنها تعم جميع الرأس بالتغطية (ولا البرانس) جمع برنس بضم الباء والنون قلنسوة طويلة كان النساك في صدر الإسلام يلبسونها، وزاد في باب: ما لا يلبس المحرم من الثياب ولا الخفاف (إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين وليقطع) أي الخفين (أسفل من الكعبين) وهما العظمان الناتئان عند ملتقى الساق والقدم، وهذا قول مالك والشافعي. وذهب المتأخرون من الحنفية إلى التفرقة بين الكعب في غسل القدمين في الوضوء والكعب المذكور في قطع الخفين للمحرم وأن المراد بالكعب هنا المفصل الذي في القدم عند معقد الشراك دون الناتئ وأنكره الأصمعي ولا فدية عليه وقال الحنفية: عليه الفدية. وقال الحنابلة: لا يقطعهما ولا فدية عليه، واحتجوا بحديث ابن عباس الآتي إن شاء الله تعالى في الباب الآتي بعد هذا الباب ولفظه: من لم يجد النعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزار فليلبس سراويل. وأجيب: بأنه مطلق. وحديث الباب مقيد فيحمل المطلق على المقيد لأن الزيادة من الثقة مقبولة، وقد وقع السؤال عما يلبس المحرم؟ وأجيب: بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز وإنما عدل عن الجواب المطابق إلى هذا الجواب لأنه أخصر فإن ما يحرم أقل وأضبط مما يحل، أو لأن السؤال كان من حقه أن يكون عما لا يلبس لأن الحكم العارض المحتاج إلى البيان هو الحرمة، وأما جواز ما يلبس فثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب فلذلك أتى بالجواب على وفقه تنبيهًا على ذلك. والحاصل أنه نبه بالقميص والسراويل على جميع ما في معناهما وهو ما كان مخيطًا أو معمولاً على قدر البدن أو العضو كالجوشن والران والتبان وغيرها وبالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس مخيطًا كان أو غيره حتى العصابة فإنها حرام ونبه بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس وغيره، وهذا الحكم خاص بالرجال بدليل توجيه الخطاب نحوهم. (ولا تلبسوا) في حال الإحرام (شيئًا مسّه زعفران ولا الورس) ولا ما في معناهما مما يقصد به رائحته غالبًا كالمسك والعود والورد فيحرم مع وجوب الفدية بالتطيب ولو كان أخشم في ملبوسه

стр. 2312

ولو نعلاً أو بدنه ولو باطنًا بنحو أكل قياسًا على الملبوس المذكور في الحديث لا ما يقصد به الأكل أو التداوي وإن كان له رائحة طيبة كالتفاح والأترج والقرنفل والدارصيني وسائر الأبازير الطيبة كالفلفل والمصطكي فلا تجب فيه الفدية لأنه إنما يقصد منه الأكل أو التداوي كما مرّ، ولا ما ينبت بنفسه وإن كان له رائحة طيبة كالشيح والقيصوم والخزامى لأنه لا يعد طيبًا وإلا لاستنبت وتعهد كالورد ولا بالعصفر والحناء وإن كان لهما رائحة طيبة لأنه إنما يقصد منه لونه، وتجب الفدية في النرجس والريحان الفارسي وهو الضيمران بفتح المعجمة وضم الميم كما ضبطه النووي قال في المهمات: لكنه لغة قليلة، والمعروف المجزوم به في الصحاح أن الضومران بالواو وفتح الميم وهو نبت بري. وقال ابن يونس: المرسين. وقوله: ولا الورس بفتح الواو وسكون الراء آخره مهملة أشهر طيب في بلاد اليمن، والحكمة في تحريم الطيب البعد عن التنعم وملاذ الدنيا ولأنه أحد دواعي الجماع وهذا الحكم المذكور يعم الرجل والمرأة. (ولا تنتقب المرأة) بنون ساكنة بعد تاء المضارعة وكسر القاف وجزم الفعل على النهي فيكسر لالتقاء الساكنين، ويجوز رفعه على أنه خبر عن حكم الله لأنه جواب عن السؤال عن ذلك. وللكشميهني: ولا تتنقب بمثناتين فوقيتين مفتوحتين والقاف المشددة المرأة (المحرمة ولا تلبس القفازين) تثنية قفاز بضم القاف وتشديد الفاء بوزن رمان في القاموس شيء يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد أو ضرب من الحلي لليدين والرجلين، وقال غيره هو ما تلبسه المرأة في يديها فيغطي أصابعها وكفيها عند معاناة الشيء في غزل ونحوه. وروى أحمد وأبو داود والحاكم من طريق ابن إسحاق حدثني نافع عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ في إحرامهن عن القفازين وما مس الورس والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب فيباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر مخيطًا كان أو غيره إلا وجهها فإنه حرام كذا ستر الكفّين بقفازين أو واحدهما بأحدهما لأن القفازين ملبوس عضو ليس بعورة فأشبه خف الرجل ويجوز سترهما بغيرهما ككم. وخرقة لفتها عليهما للحاجة إليه ومشقة الاحتراز عنه. نعم، يعفى عما تستره من الوجه احتياطًا للرأس إذ لا يمكن استيعاب ستره إلا بستر قدر يسير مما يليه من الوجه والمحافظة على ستره بكماله لكونه عورة أولى من المحافظة على كشف ذلك القدر من الوجه، ويؤخذ من هذا التعليل أن الأمة لا تستر ذلك لأن رأسها ليس بعورة، لكن قال في المجموع ما ذكر في إحرام المرأة ولبسها لم يفرقوا فيه بين الحرة والأمة وهو المذهب، وللمرأة أن ترخي على وجهها ثوبًا متجافيًا عنه بخشبة أو نحوها، فإن أصاب الثوب وجهها بلا اختيار فرفعته فورًا فلا فدية وإلا وجبت مع الإثم. (تابعه) أي تابع الليث (موسى بن عقبة) المدني الأسدي فيما وصله النسائي وأبو داود مرفوعًا (وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة) ابن أخي موسى السابق مما وصله علي بن محمد المصري في فوائده من رواية الحافظ السلفي (وجويرية) ابن أسماء مما وصله أبو يعلى الموصلي (وابن إسحاق) محمد مما

стр. 2313

وصله أحمد والحاكم مرفوعًا (في) ذكر (النقاب) وهو الخمار الذي تشدّه المرأة على الأنف أو تحت المحاجر، فإن قرب من العين حتى لا تبدو أجفانها فهو الوصواص بفتح الواو وسكون الصاد المهملة الأولى، فإن نزل إلى طرف الأنف فهو اللفام بكسر اللام وبالفاء، فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة منه شيء فهو اللثام بالمثلثة (والقفازين) وظاهره اختصاص ذلك بالمرأة، ولكن الرجل في القفاز مثلها لكونه في معنى الخف فإن كلاًّ منهما محيط بجزء من البدن، وأما النقاب فلا يحرم على الرجل من جهة الإحرام لأنه لا يحرم عليه تغطية وجهه. (وقال عبيد الله) بضم العين وفتح الموحدة مصغر ابن عمر العمري مما وصله إسحاق بن راهويه في مسنده وابن خزيمة (ولا ورس) فوافق الأربعة المذكورين في رواية الحديث المذكور عن نافع حيث جعل الحديث إلى قوله ولا ورس مرفوعًا، ثم خالفهم ففصل بقية الحديث فجعله من قول ابن عمر أدرجه في الحديث فقال: (وكان يقول: لا تتنقب المحرمة ولا تلبس القفازين) بالجزم على النهي في تتنقب وتلبس والكسر لالتقاء الساكنين ويجوز رفعهما على الخبر كما مر وتتنقب بمثناتين فوقيتين من التفعل. (وقال مالك) الإمام الأعظم مما هو في موطئه (عن نافع عن ابن عمر) ﵄: (لا تتنقب المحرمة). (وتابعه) أي تابع مالكًا (ليث بن أبي سليم) بضم المهملة وفتح اللام ابن زنيم القرشي الكوفي في وقفه وفيه تقوية لعبيد الله العمري وظهر الإدراج في رواية غيره. وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث لورود النهي عن النقاب والقفاز مفردًا وللابتداء بالنهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة المذكورة فيما سبق من رواية أحمد وأبي داود والحاكم وقال في الاقتراح دعوى الإدراج في أول المتن ضعيفة. وأجيب: بأن الثقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قدّمت ولا سيما إن كان حافظًا خصوصًا إن كان أحفظ والأمر هنا كذلك فإن عبيد الله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه وقد فصل الموضوع من الموقوف، وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى فكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولى قاله في فتح الباري ونحوه في شرح الترمذي للحافظ زين الدين العراقي. ١٨٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "اغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوهُ وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ". وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو

стр. 2314

ابن المعتمر (عن الحكم) بن عتيبة (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: وقصت) بالقاف والصاد المهملة المفتوحتين فعل ماض (برجل محرم) أي كسرت رقبته (ناقته) فاعل وقصت (فقتلته) وكان ذلك عند الصخرات من عرفات ولم يعرف اسم الرجل المذكور (فأتي) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (به) أي بالرجل (رسول الله ﷺ ¬) برفع رسول نائب عن الفاعل (فقال): (اغسلوه وكفنوه ولا تغطوا رأسه ولا تقربوه طيبًا) بضم المثناة الفوقية وتشديد الراء المكسورة (فإنه يبعث) يوم القيامة حال كونه (يهل) بضم أوله أي يرفع صوته بالتلبية على هيئته التي مات عليها فهو باق على إحرامه وهذا عام في كل محرم. وقال الحنفية والمالكية: ينقطع الإحرام بالموت ويفعل به ما يفعل بالحي، وأجابوا عن هذه القصة بأنها واقعة عين لا عموم فيها لأنه علل ذلك بقوله: فإنه يبعث ملبيًا وهذا الأمر لا يتحقق وجوده في غيره فيكون خاصًّا بذلك الرجل ولو استمر بقاؤه على إحرامه لأمر بقضاء بقية مناسكه ولو أريد التعميم في كل محرم لقال فإن الحرم كما قال: إن الشهيد يبعث وجرحه يثعب دمًا. وأجيب: بأن الأصل أن كل ما ثبت لواحد في زمنه ﵊ يثبت لغيره حتى يظهر التخصيص، وقد اختلف في الصائم يموت هل يبطل صومه بالموت حتى يجب قضاء ذلك اليوم عنه أو لا يبطل. وهذا الحديث قد سبق في باب الكفن في ثوبين وفي الحنوط للميت، وفي باب المحرم يموت بعرفة، وفي باب سنة الحرم إذا مات. ١٤ - باب الاِغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ بِالْحَكِّ بَأْسًا. (باب الاغتسال للمحرم) لأجل التطهر من الجنابة أو التنظيف. (وقال ابن عباس ﵄): مما وصله الدارقطني والبيهقي (يدخل الحمام) وعن مالك إن دخله فتدلك وأنقى الوسخ فعليه الفدية. وقال المالكية: ويكره له غسل يديه بالأشنان عند وضوئه من الطعام كان في الأشنان طيب أو لم يكن لأنه ينقي البشرة وكان مالك يرخص للمحرم أن يغسل يديه بالدقيق والأشنان غير المطيب ويكره له صب الماء على رأسه من حرّ يجده، وقال الشافعية: يجوز له غسل رأسه بالسدر ونحوه في حمام وغيره من غير نتف شعره، (ولم ير ابن عمر وعائشة) ﵃ (بالحك) لجلد المحرم إذا أكله (بأسًا) إذا لم يحصل منه نتف شعر وأثر ابن عمر وصله البيهقي والآخر وصله مالك، ومناسبة ذلك لما ترجم له من حيث أن في الحك من إزالة الأذى ما في الغسل.

стр. 2315

١٨٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ أَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ. وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ". وبالسند قال (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام دار الهجرة (عن زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر المدني (عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين) بضم الحاء وفتح النون الأولى مولى العباس بن عبد المطلب المدني (عن أبيه) عبد الله بن حنين المتوفى فى أول خلافة يزيد بن عبد الملك في أوائل المائة الثانية (أن عبد الله بن العباس) بالألف واللام (والمسور بن مخرمة) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو وبالراء مخرمة بفتح الميم والراء بينهما خاء معجمة ساكنة ابن نوفل القرشي له ولأبيه صحبة (اختلفا بالأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحدة موضع قريب من مكة أي اختلفا وهما نازلان بالأبواء (فقال عبد الله بن عباس): بإسقاط أل (يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه) قال عبد الله بن حنين (فأرسلني عبد الله بن العباس) بإثبات أل (إلى أبي أيوب) خالد بن زيد (الأنصاري) ﵁ (فوجدته يغتسل بين القرنين) أي بين قرني البئر وهما جانبا البناء الذي على رأس البئر يجعل عليهما خشبة تعلق بها البكرة (وهو يستر بثوب فسلمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن العباس) بإثبات أل (أسألك) ولأبي ذر: يسألك (كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم) لم يقل عبد الله بن حنين هل كان يغسل رأسه ليوافق اختلافهما بل سأل عن الكيفية لاحتمال أن يكون لما رآه يغتسل وهو محرم فهم من ذلك الجواب، ثم أحب أن لا يرجع إلا بفائدة أخرى فسأله عن الكيفية قاله في فتح الباري. (فوضع أبو أيوب يده على الثوب) الذي ستر به (فطأطأه) أي خفض الثوب وأزاله عن رأسه (حتى بدا لى) بغير همز أي ظهر لي (رأسه ثم قال: لإنسان) لم يسم (يصب عليه فصب على رأسه ثم حرك رأسّه بيديه) بالتثنية (فأقبل بهما وأدبر) فيه جواز ذلك شعر المحرم بيده إذا أمن تناثره (وقال) أبو أيوب: (هكذا رأيته ﷺ يفعل) فيه الجواب والبيان بالفعل وهو أبلغ من القول، وزاد ابن عيينة فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا أي لا أجادلك. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحج وكذا النسائي وابن ماجة.

стр. 2316

١٥ - باب لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ (باب) حكم (لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين) أي هل يقطع أسفلهما أم لا؟. ١٨٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو بن دينار) قال: (سمعت جابر بن زيد) الأزدي اليحمدي قال: (سمعت ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات) في حجة الوداع (من لم يجد النعلين فليلبس الخفين) بعد أن يقطع أسفل من الكعبين وهما العظمان الناتئان عند ملتقى الساق والقدم وهذا قول مالك والشافعي. وذهب المتأخرون من الحنفية إلى التفرقة بين الكعب في غسل القدمين في الوضوء والكعب المذكور في قطع الخفين للمحرم، وأن المراد بالكعب هنا المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك دون الناتئ وأنكره الأصمعي، ولكن قال الحافظ الزين العراقي: أنه أقرب إلى عدم الإحاطة على القدم ولا يحتاج القول به إلى مخالفة اللغة بل يوجد ذلك في بعض ألفاظ ابن عمر، ففي رواية الليث عن نافع عنه: فليلبس الخفين أسفل من الكعبين، فقوله: ما أسفل بدل من الخفين فيكون اللبس لهما أسفل من الكعبين والقطع من الكعب فما فوق. وفي رواية مالك عن نافع عنه مما سبق وليقطعهما أسفل من الكعبين فليس فيه ما يدل على كون القطع مقتصرًا على ما دون الكعبين بل يزاد مع الأسفل ما يخرج القدم عن كونه مستورًا بإحاطة الخف عليه ولا حاجة حينئذٍ إلى مخالفة ما جزم به أهل اللغة اهـ. وهل إذا لبسه والحالة هذه تلزمه الفدية قال الشافعية: لا تلزمه، وقال الحنفية: عليه الفدية، وقال الحنابلة: لا يقطعهما لأنه إضاعة مال ولا فدية عليه. قال المرداوي في الإنصاف: وهذا هو المذهب نص عليه أحمد في رواية الجماعة وعليه الأصحاب وهو من المفردات وعنه إن لم يقطع إلى دون الكعبين فعليه الفدية. وقال الخطابي: العجب من الإمام أحمد في هذا يعني في قوله بعدم القطع لأنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه. قال الزركشي الحنبلي: العجب كل العجب من الخطابي في توهمه عن أحمد مخالفة السنة أو خفاءها، وقد قال المروزي احتججت على أبي عبد الله بقول ابن عمر عن النبي ﷺ وليقطع أسفل الكعبين فقال: هذا حديث وذاك حديث فقد اطلع على السنة وإنما نظر نظرًا لا ينظره إلا الفقهاء المتبصرون وهذا يدل على غاية من الفقه والنظر اهـ. واشترط الجمهور قطع الخف حملاً للمطلق على المقيد في حديث ابن عمر السابق، وقد ورد في بعض طرق حديث ابن عباس الصحيحة موافقته لحديث ابن عمر في قطع الخفين رواه النسائي شي سننه قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا أيوب عن عمرو عن

стр. 2317

جابر بن زيد عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "إذا لم يجد إزارًا فليلبس السراويل وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين وقطعهما أسفل من الكعبين"، وهذا إسناد صحيح، وإسماعيل بن مسعود وثقه أبو حاتم وغيره والزيادة من الثقة مقبولة على الصحيح. وأما احتجاج أحمد بأن حديث ابن عباس ناسخ لحديث ابن عمر المصرح بقطعهما. فلو سلمنا تأخر حديث ابن عباس وخلوّه عن الأمر بقطع الخفين لا يلزم منه الحكم بالنسخ مع إمكان الجمع وحمل المطلق على المقيد متعين، وقد قال ابن قدامة الحنبلي: الأولى قطعهما عملاً بالحديث الصحيح وخروجًا من الخلاف اهـ. وقد سبق أنه روي عن أحمد أنه قال: إن لم يقطع إلى دون الكعبين فعليه الفدية. (ومن لم يجد إزارًا) هو ما يشد في الوسط (فليلبس سراويل) ولأبي ذر: السراويل بالتعريف (للمحرم) بلام البيان كهي في نحو هيت لك وسقيا لك أي هذا الحكم للمحرم، ولأبي الوقت عن الكشميهني: المحرم بالألف بدل اللام والرفع فاعل فليلبس وسراويل مفعول. ١٨٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: "سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسِ الْقَمِيصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ". وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين الزهري القرشي المدني كان على قضاء بغداد قال: (حدّثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سالم عن أبيه عبد الله) بن عمر (﵁) وعن أبيه أنه قال: (سئل رسول الله ﷺ ¬) بضم سين سئل مبنيًّا للمفعول ولم يسم السائل (ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال): ﷺ مجيبًا له بما لا يلبس لأنه محصور بخلاف ما يلبس إذ الأصل الإباحة وفيه تنبيه على أنه كان ينبغي السؤال عما لا يلبس، وأن المعتبر في الجواب ما يحصل المقصود وإن لم يطابق السؤال صريحًا فقال: (لا يلبس القميص) بالإفراد، ولأبي ذر عن الكشميهني: القمص (ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرنس) بالإفراد في الثالث وهو بضم الموحدة والنون (ولا) يلبس (ثوبًا مسه زعفران) مفرد زعافر كترجمان وتراجم (ولا ورس) بفتح الواو وسكون الراء آخره سين مهملة نبت يصبغ به أصفر ومنه الثياب الورسية أي المصبوغة به، وقيل إن الكركم عروقه وليس ذكرهما للتقييد بل لأنهما الغالب فيما يصبغ للزينة والترفه فيلحق بهما ما في معناهما واختلف في ذلك المعنى فقيل لأنه طيب فيحرم كل طيب، وبه قال: الجمهور. وقيل: مطلق الصبغ. نعم يكره تنزيهًا المصبوغ ولو

стр. 2318

بنيلة أو مغرة للنهي عنه رواه مالك موقوفًا على ابن عمر بإسناد صحيح ومحله فيما صبغ بغير زعفران أو عصفر وإنما كرهوا هنا المصبوغ بغيرهما خلاف ما قالوه في باب ما يجوز لبسه أنه يحرم لبس ما صبغ بهما لأن المحرم أشعث أغبر فلا يناسبه المصبوغ مطلقًا، لكن قيده الماوردي والروياني بما صبغ بعد النسخ. (وإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين) قيد في حديث ابن عمر وأطلق في حديث ابن عباس قال الشافعي ﵀: فقبلنا زيادة ابن عمر ﵄ في القطع كما قبلنا زيادة ابن عباس ﵄ في لبس السراويل إذا لم يجد إزارًا وكلاهما حافظ صادق وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئًا لم يروه الآخر وإنما عزب عنه أو شك فيه فلم يروه أو سكت عنه أو أداه فلم يرو عنه لبعض هذه المعاني. ١٦ - باب إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يجد) الذي يريد الإحرام (الإزار) يشده في وسطه (فليلبس السراويل) حينئذٍ. ١٨٤٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ". وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا عمرو بن دينار عن جابر بن زيد) اليحمدي (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: خطبنا النبي ﷺ بعرفات) بالجمع علم على موضع الوقوف وإنما جمع وإن كان الموضع واحدًا باعتبار بقاعه فإن كلاًّ منها يسمى عرفة، وقال الفرّاء: لا واحد له، وقول الناس نزلنا عرفة شبيه بمولد فليس بعربي (فقال): (من لم يجد الإزار) يشدّه في وسطه عند إرادته الإحرام (فليلبس السراويل) من غير أن يفتقه، وهذا مذهب الشافعي كقول أحمد، وقال الحنفية: إن لبسه ولم يفتقه يجب عليه دم لأن لبس المخيط من محظور الإحرام والعذر لا يسقط حرمته فيجب عليه الجزاء كما وجب في الحلق لدفع الأذى، وقال المالكية: ومن لم يجد إزارًا فلبس سراويل فعليه الفدية، وكأن حديث ابن عباس هذا لم يبلغ مالكًا ففي الموطأ أنه سئل عنه فقال: لم أسمع بهذا الحديث. (ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين) أي وليقطعهما كما في السابقة. ١٧ - باب لُبْسِ السِّلَاحِ لِلْمُحْرِمِ وَقَالَ عِكْرِمَةُ إِذَا خَشِيَ الْعَدُوَّ لَبِسَ السِّلَاحَ وَافْتَدَى. وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ فِي الْفِدْيَةِ.

стр. 2319

(باب) جواز (لبس السلاح للمحرم) إذا احتاج إليه. (وقال عكرمة): مولى ابن عباس مما لم يقف الحافظ ابن حجر على وصله (إذا خشي) المحرم (العدوّ لبس السلاح وافتدى) أي أعطى الفدية قال البخاري: (ولم يتابع) بضم أوله وفتح الموحدة أي لم يتابع عكرمة (عليه في) وجوب (الفدية) وهو يقتضي أنه توبع على جواز لبس السلاح عند الخشية. ١٨٤٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ "اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ: لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلَاحًا إِلاَّ فِي الْقِرَابِ". وبالسند قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن موسى العبسي مولاهم الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني (عن البراء) بن عازب (﵁) أنه قال: (اعتمر النبي) ولأبي ذر والوقت: رسول الله (¬ ﷺ ¬) عمرة القضية (في ذي القعدة) سنة سبع من الهجرة (فأبى أهل مكة أن يدعوه) بفتح الدال أي يتركوه ﵊ (يدخل مكة حتى قاضاهم) في عمرة الحديبية من القضاء بمعنى الفصل والحكم (لا يدخل مكة سلاحًا) بضم الياء من الإدخال وسلاحًا نصب على المفعولية، ولأبوي ذر والوقت: لا يدخل مكة سلاح بفتح الياء من يدخل وسلاح بالرفع بيدخل (إلا في القراب) بكسر القاف ليكون علمًا وإمارة للسلم إذ كان دخولهم صلحًا. وقد أورد المؤلّف هذا الحديث هنا مختصرًا وساقه بتمامه في كتاب الصلح عن عبيد الله بن موسى بإسناده هذا، وكذا أخرجه الترمذي، ومطابقته للترجمة في قوله لا يدخل مكة سلاحًا لأنه لو كان حمل السلاح غير جائز مطلقًا عند الضرورة وغيرها ما قاضى أهل مكة عليه. ١٨ - باب دُخُولِ الْحَرَمِ وَمَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالإِهْلَالِ لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْحَطَّابِينَ وَغَيْرِهِمْ (باب) جواز (دخول) أرض (الحرم و) دخول (مكة) من عطف الخاص على العام (بغير إحرام) لمن لم يرد الحج أو العمرة (ودخل ابن عمر) فيما وصله مالك في الموطأ مكة لما جاءه بقديد خبر الفتنة وكان خرج منها فرجع إليها حلالاً ولم يذكر المفعول. قال المؤلّف: (وإنما أمر النبي ﷺ بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة) وأشار به إلى أن من دخل مكة غير مريد للحج والعمرة فلا شيء عليه وهو مذهب الشافعية لقوله في حديث ابن عباس ممن أراد الحج والعمرة والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب، (ولم يذكر) ﵊ ولأبي الوقت: ولم يذكره بضمير المفعول أي لم يذكر الإحرام (للحطابين) الذين يجلبون الحطب إلى مكة

стр. 2320

للبيع (وغيرهم) بالجر عطفًا على السابق المجرور باللام، ولأبي ذر: الحطابين وغيرهم بالنصب عطفًا على المفعول السابق، والمراد بالغير من يتكرر دخوله كالحشاشين والسقائين. ١٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ". وبالسند قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم القصاب قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء مصغرًا ابن خالد قال: (حدّثنا ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه عن ابن عباس ﵄¬) (أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة) مفعول وقت والحليفة بضم الحاء المهملة وفتح اللام أصله تصغيرًا لحلفة واحدة الحلفاء وهو النبات المعروف وهو موضع بينه وبين المدينة ستة أميال كما رجحه النووي (ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم) بفتح التحتية واللامين وسكون الميم الأولى، ولأبوي ذر والوقت: ألملم بهمزة بدل التحتية وهو الأصل (هن لهنّ ولكل آت أتى عليهن من غيرهم) بضمير المذكرين في هذا الأخير والمؤنثات في الثلاثة السابقة، وفي باب مهل أهل مكة في أوائل كتاب الحج من غيرهنّ بضمير المؤنثات فالأول والثالث والرابع للمواقيت والثاني لأهلها وكان حقه أن يكون للمذكرين، وأجاب ابن مالك بأنه عدل إلى ضمير المؤنثات لقصد التشاكل (من) ولأبي ذر عن الكشميهني: ممن (أراد الحج والعمرة) الواو بمعنى أو أو المراد إراداتهما معًا على جهة القران (فمن كان دون ذلك) المذكور (فمن حيث أنشأ) أي النسك (حتى) ينشئ (أهل مكة) حجهم (من مكة) أما العمرة فمن أدنى الحل لقصة عائشة. ١٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ". [الحديث ١٨٤٦ - أطرافه في: ٣٠٤٤، ٤٢٨٦، ٥٨٠٨]. وبه قال (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح) مكة (وعلى رأسه المغفر) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس أو رفرف البيضة أو ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة، ولا تعارض بينه وبين رواية مسلم من حديث جابر، وعليه عمامة سوداء، فإنه يحتمل أن يكون المغفر فوق العمامة السوداء وقاية لرأسه المكرم من صدأ الحديد أو هي فوق المغفر فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متأهبًا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه غير محرم أو كان أوّل دخوله على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة بعد

стр. 2321

ذلك فحكى كل منهما ما رآه، وستر الرأس يدل على أنه دخل غير محرم، لكن قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون محرمًا وغطى رأسه لعذر تعقب بتصريح جابر وغيره بأنه لم يكن محرمًا. واستشكل في المجموع ذلك لأن مذهب الشافعي أن مكة فتحت صلحًا خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنها فتحت عنوة وحينئذ فلا خوف، ثم أجاب بأنه ﵊ صالح أبا سفيان وكان لا يأمن غدر أهل مكة فدخلها صلحًا متأهبًا للقتال إن غدروا (فلما نزعه) أي فلما نزع ﵊ المغفر (جاء رجل) ولأبي ذر عن الكشميهني: جاءه رجل وهو أبو برزة نضلة بن عبيد الأسلمي كما جزم به الفاكهاني في شرح العمدة والكرماني. قال البرماوي: وكذا ذكره ابن طاهر وغيره وقيل سعيد بن حريث، (فقال) يا رسول الله (إن من ابن خطل) بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة بعدها لام وكان اسمه في الجاهلية عبد العزى، فلما أسلم سمي عبد الله وليس اسمه هلالاً بل هو اسم أخيه واسم خطل عبد مناف، وخطل لقب له لأن أحد لحييه كان أنقص من الآخر فظهر أنه مصروف وهو من بني تيم بن فهر بن غالب ومقول قول الرجل هو قوله (متعلق بأستار الكعبة ئقال): ﵊: (اقتلوه) فقتله أبو برزة وشاركه فيه سعيد بن حريث، وقيل القاتل له سعيد بن ذؤيب، وقيل الزبير بن العوّام وكان قتله بين المقام وزمزم. واستدلّ به القاضي عياض في الشفاء وغيره من المالكية على قتل من آذى النبي ﷺ أو تنقصه ولا تقبل له توبة لأن ابن خطل كان يقول الشعر يهجو به النبي ﷺ ويأمر جاريتيه أن تغنيا به، ولا دلالة في ذلك أصلاً لأنه إنما قتل ولم يستتب للكفر والزيادة فيه بالأذى مع ما اجتمع فيه من موجبات القتل ولأنه اتخذ الأذى ديدنًا فلم يتحتم أن سبب قتله الذم فلا يقاس عليه من فرط منه فرطة وقلنا بكفره بها وتاب ورجع إلى الإسلام فالفرق واضح. وفي كتابي المواهب اللدنية بالمنح المحمدية مزيد بحث لذلك وإنما أمر ﵊ بقتل ابن خطل لأنه كان مسلمًا، فبعثه رسول الله ﷺ مصدقًا وبعث معه رجلاً من الأنصار وكان معه مولى يخدمه وكان مسلمًا فنزل منزلاً فأمر المولى أن يذبح تيسًا ويصنع له طعامًا ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركًا، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ فكان ممن أهدر دمه يوم الفتح. قال الخطابي: قتله بما جناه في الإسلام. وقال ابن عبد البر: قودا من دم المسلم الذي قتله ثم ارتد، واستدلّ بقصته على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأول الحديث بأنه كان في الساعة التي أبيحت له. وأجاب أصحابنا بأنه إنما أبيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها وقتل ابن خطل بعد ذلك. وتعقب بما سبق أن الساعة التي أحلت له ما بين أوّل النهار ودخول وقت العصر وقتل ابن

стр. 2322

خطل كان قبل ذلك قطعًا لأنه قيد في الحديث بأنه كان عند نزع المغفر وذلك عند استقراره بمكة، وحينئذ فلا يستقيم الجواب المذكور. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في اللباس والجهاد والمغازي، ومسلم في المناسك، وأبو داود والترمذي وابن ماجة في الجهاد، والنسائي في الحج. وهذا الحديث قد عد من إفراد مالك تفرد بقوله: وعلى رأسه المغفر كما تفرد بحديث السفر قطعة من العذاب قاله ابن الصلاح وغيره. وتعقبه الزين العراقي بأنه ورد من طريق ابن أخي الزهري ومعمر وأبن أويس والأوزاعي فالأولى عند البزار، والثانية عند ابن عدي وفوائد ابن المقري، والثالثة عند ابن سعد وأبي عوانة، والرابعة ذكرها المزني وهي في فوائد تمام. وزاد الحافظ ابن حجر طريق عقيل في معجم ابن جميع، ويونس بن يزيد في الإرشاد للخليلي، وابن أبي حفصة في الرواة عن مالك للخطيب، وابن عيينة في مسند أبي يعلى، وأسامة بن زيد في تاريخ نيسابور، وابن أبي ذئب في الحلية، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي الموالي في إفراد الدارقطني، وعبد الرحمن ومحمد ابني عبد العزيز الأنصاريين في فوائد عبد الله بن إسحاق الخراساني، وابن إسحاق في مسند مالك لابن عدي، وصالح بن الأخضر ذكره أبو ذر الهروي عقب حديث ابن قزعة عن مالك الخرج عند البخاري في المغازي وبحر السقاء ذكره جعفر الأندلسي في تخريجه للجيزي بالجيم والزاي، لكن ليس في طرقه على شرط الصحيح إلا طريق مالك وأقربها ابن أخي الزهري، ويليها رواية ابن أويس فيحمل قول من قال انفرد به مالك أي بشرط الصحة وقول من قال توبع أي في الجملة. ١٩ - باب إِذَا أَحْرَمَ جَاهِلاً وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ جَاهِلاً أَوْ نَاسِيًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. هذا (باب) بالتنوين (إذا أحرم) شخص حال كونه (جاهلاً) بأحكام الإحرام (وعليه قميص) جملة حالية. (وقال عطاء) هو ابن أبي رباح مما وصله: (إذا تطيب) المحرم (أو لبس) مخيطًا أو محيطًا حال كونه (جاهلاً) للحكم (أو ناسيًا) للإحرام (فلا كفارة عليه). ١٨٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ فِيهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ أَوْ نَحْوُهُ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِي: تُحِبُّ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ أَنْ تَرَاهُ؟ فَنَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ".

стр. 2323

وبالسند قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى بن دينار العوذي الأزدي البصري قال: (حدثنا عطاء) هو ابن أبي رباح المكي (قال: حدثني) بالإفراد (صفوان بن يعلى عن أبيه) يعلى بن أمية، ويقال ابن منية وهي أمه أخت عتبة بن غزوان (قال): ولأبي ذر: حدثني صفوان بن يعلى بن أمية قال: فزاد لفظ ابن أمية وأسقط لفظ عن أبيه، وجزم الحافظ ابن حجر بأنه تصحيف صحف عن فصارت ابن وأبيه فصار أمية قال: وليست لصفوان صحبة ولا رؤية، فالصواب رواية غير أبي ذر حدثني صفوان بن يعلى عن أبيه قال: (كنت مع رسول الله) ولأبوي ذر والوقت: وابن عساكر مع النبي (¬ ﷺ ¬) زاد في الموطأ: وهو بحنين وفي رواية البخاري بالجعرانة (فأتاه رجل) لم يسم (عليه جبة) جملة اسمية في موضع رفع صفة لرجل (أثر صفرة) ولأبي الوقت في نسخة: وأثر صفرة بالواو، ولأبي ذر: فيه أثر صفرة أي في الرجل، ويروى وعليها أثر صفرة أي على الجبة (أو نحوه) قال يعلى: (كان) وفي نسخة وكان (عمر) بن الخطاب ﵁ (يقول لي تحب) أي أتحب فحذف همزة الاستفهام (إذا نزل عليه) زاده الله شرفًا لديه (الوحي أن تراه) أن مصدرية في موضع نصب مفعول تحب (فنزل عليه) أي الوحي (ثم سري) بضم السين وكسر الراء المشدّدة أي كشف (عنه) شيئًا بعد شيء (فقال): ﵊ للرجل: (اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك) من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والحلق والاحتراز عن محظورات الإحرام في الحج كلبس المخيط وغيره وفيه إشعار بأن الرجل كان عالمًا بصفة الحج دون العمرة زاد في باب: يفعل في العمرة ما يفعل في الحج قبل قوله اصنع اخلع عنك الجبة واغسل أثر الخلوق عنك وأنق الصفرة وفيه دليل على أن من أحرم في قميص أو جبة لا تمزق عليه كما يقول الشعبي، بل أن نزعه في الحال أي من رأسه وإن أدى إلى الإحاطة برأسه فلا شيء عليه. نعم إن كانت الجبة مفرجة جميعها مزررة كالقباء والفرجية وأراد المحرم نزعها فهل له نزعها من رأسه مع إمكان حل الأزرار بحيث لا تحيط بالرأس محل نظر. وفي الحديث أيضًا أن المحرم إذ لبس أو تطيب ناسيًا أو جاهلاً فلا فدية عليه لأن السائل كان قريب العهد بالإسلام ولم يأمره بالفدية والناسي في معنى الجاهل وبه قال الشافعي. وأما ما كان من باب الإتلافات من المحظورات كالحلق وقتل الصيد فلا فرق بين العامد والناسي والجاهل في لزوم الفدية قاله البغوي في شرح السنة. وقال المالكية: فعل العمد والسهو والضرورة والجهل سواء في الفدية إلا في حرج عام كما لو ألقت الريح عليه الطيب فإنه في هذا وشبهه لا فدية عليه لكن إن تراخى في إزالته لزمته. وأجاب ابن المنير من المالكية في حاشيته عن هذا الحديث: بأن الوقت الذي أحرم فيه الرجل في الجبة كان قبل نزول الحكم قال: ولهذا انتظر النبي ﷺ الوحي. قال: ولا خلاف أن التكليف لا

стр. 2324

يتوجه على المكلف قبل نزول الحكم فلهذا لم يؤمر الرجل بفدية عما مضى بخلاف من لبس الآن جهلاً فإنه جهل حكمًا استقر وقصر في علم كان عليه أن يتعلمه لكونه مكلفًا به وقد تمكن من تعلمه. ١٨٤٨ - وَعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ -يَعْنِي فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ- فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ . [الحديث ١٨٤٨ - أطرافه في: ٢٢٦٥، ٢٩٧٣، ٤٤١٧، ٦٨٩٣]. (وعض رجل) هو يعلى بن أمية كما في مسلم (يد رجل) ولمسلم أيضًا من رواية صفوان بن يعلى أن أجيرًا ليعلى بن أمية عض رجل ذراعه فجذبها فتعين أن المعضوض أجير يعلى وأن العاض يعلى، ولا ينافيه قوله في الصحيحين كان لي أجير فقاتل إنسانًا لأنه يجوز أن يكني عن نفسه ولا يبين للسامعين أنه العاض كما قالت عائشة ﵂ قبل النبي ﷺ امرأة من نسائه فقال لها الراوي ومن هي إلا أنت فضحكت (يعني فانتزع ثنيته) واحدة الثنايا من السن (فأبطله النبي ﷺ ¬) أي جعله هدرًا لا دية فيه لأنه جذبها دفعًا للصائل. زاد في الدّية يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك، وهذا حديث آخر ومسألة مستقلة بذاتها كما يأتي ذلك إن شاء الله تعالى بعونه وكرمه في باب: إذا عض رجلاً فوقعت ثناياه من أبواب الدّية. ووجه تعلقه بهذا الباب كونه من تتمة الحديث فهو مذكور بالتبعية، وحديث الباب سبق في مواضع، وخرجه أيضًا في الحج وفضائل القرآن والمغازي ومسلم في الحج وكذا أبو داود والترمذي والنسائي. ٢٠ - باب الْمُحْرِمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ بَقِيَّةُ الْحَجِّ (باب) حكم (المحرم) حال كونه (يموت بعرفة ولم يأمر النبي ﷺ أن يؤدى عنه) أي عن المحرم الذي مات بعرفة (بقية الحج) كرمي الجمار والحلق وطواف الإفاضة لأن أثر إحرامه باق لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، وإنما لم يأمر النبي ﷺ بأن يؤدى عنه بقية الحج لأنه مات قبل التمكن من أداء بقيته فهو غير مخاطب به كمن شرع في صلاة مفروضة أول وقتها فمات في أثنائها فإنه لا تبعة عليه فيها إجماعًا. ١٨٤٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ فَأَقْعَصَتْهُ- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ -أَوْ قَالَ ثَوْبَيْهِ- وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي".

стр. 2325

وبالسند قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي الأزدي قاضي مكة قال: (حدّثنا حماد بن زيد) هو ابن درهم الجهضمي الأزدي (عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: بينا) بغير ميم (رجل) لم يسم (واقف مع النبي ﷺ بعرفة) بلفظ الإفراد في حجة الوداع (إذ وقع عن راحلته فوقصته) بفتح الفاء والواو والقاف المخففة والصاد المهملة - (أو قال فأقعصته) - بهمزة مفتوحة بعد الفاء فقاف ساكنة فعين فصاد مهملتين مفتوحتين وهما بمعنى أي كسرت راحلته عنقه والشك من الراوي، (فقال النبي ﷺ ¬): (اغسلوه بماء وسدر وكفنونه في ثوبين -أو قال:- ثوبيه) بالشك من الراوي (ولا تخمروا) بالخاء المعجمة أي لا تغطوا (رأسه ولا تحنطوه) أي لا تجعلوا فيه حنوطًا وهي أخلاط من طيب من كافور وذريرة قصب ونحوه. قال الخطابي: استبقى له شعائر الإحرام من كشف الرأس واجتناب الطيب تكرمة له كما استبقى للشهيد شعار الطاعة التي تقرب بها إلى الله تعالى في جهاد أعدائه فيدفن بدمه وثيابه (فإن الله يبعثه يوم القيامة) حال كونه (يلبي) هو إيماء إلى العلة. ١٨٥٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ فَأَوْقَصَتْهُ- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تَمَسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا". وبه قال (حدّثنا سليمان بن حرب) قال: (حدّثنا حماد) ولأبي الوقت: حماد بن زيد (عن أيوب) السختياني (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵃ قال: بينا رجل) بغير ميم (واقف مع النبي ﷺ بعرفة) بلفظ المفرد (إذ وقع عن راحلته فوقصته -أو قال- فأوقصته) شك من الراوي في أن المادة هل هي من الثلاثي أو من الرباعي، وسبق تفسيره، ولكن نسبة الوقص للراحلة إن كان بسبب الوقوع فمجاز، وإن كان من الراحلة بعد الوقوع حركة أثرت الكسر بفعلها فحقيقة (فقال النبي ﷺ ¬): (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيبًا) بضم المثناة الفوقية وكسر الميم من الإمساس، ولغير أبي ذر: ولا تمسوه بفتح المثناة والميم من المس (ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا) نصب على الحال والفرق بينه وبين قوله في السابقة يلبي أن الفعل يدل على التجدد والاسم على الثبوت. ٢١ - باب سُنَّةِ الْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ (باب سنة المحرم) في كيفية الغسل والتكفين وغيره (إذا مات) وهو محرم.

стр. 2326

١٨٥١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا". وبالسند قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير بضم الموحدة وفتح المعجمة مصغرين السلمي الواسطي قال: (أخبرنا أبو بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن إياس اليشكري البصري (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً كان مع النبي ﷺ ¬) في حجة الوداع بعرفة (فوقصته ناقته وهو محرم) جملة اسمية (فمات: فقال رسول الله ﷺ ¬): (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه) اللذين كان محرمًا فيهما (ولا تمسوه بطيب) بفتح الفوقية والميم، ولأبي ذر: ولا تمسوه بضمها وكسر الميم (ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) بصفة الملبين بنسكه الذي مات فيه من حج أو عمرة أو هما معًا وهذا القدر كاف في التعليل للحكم السابق، ثم بعد ذلك لا يمتنع أن يأتي يوم القيامة ملبيًا مع ذلك أي قائلاً لبيك اللهم لبيك. ٢٢ - باب الْحَجِّ وَالنُّذُورِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَالرَّجُلُ يَحُجُّ عَنِ الْمَرْأَةِ (باب) حكم (الحج والنذور) بلفظ الجمع وللنسفي فيما قاله في الفتح والنذر (عن الميت و) حكم (الرجل) وفي الفرع والرجل بالرفع على الاستئناف (يحج عن المرأة) وكان ينبغي أن يقول والمرأة تحج عن المرأة ليطابق حديث الباب. وأجاب الزركشي: بأنه استنبط ذلك من قوله اقضوا الله فإنه خاطبها بخطاب دخل فيه الرجال والنساء، فللرجل أن يحج عن المرأة ولها أن تحج عنه، وأما قول الحافظ ابن حجر في قوله: والرجل يحج عن المرأة نظر لأن لفظ الحديث أن امرأة سألت عن نذر كان على أبيها فكان حق الترجمة أن يقول: والمرأة تحج عن الرجل ثم قال: والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى رواية شعبة عن أبي بشر في هذا الحديث إنه قال فيه: أتى رجل النبي ﷺ ، فقال: إن أختي نذرت أن تحج الحديث وفيه: فاقض الله فهو أحق بالقضاء فلا يخفى ما فيه، فهنا حديث الباب إنما هو أن امرأة من جهينة قالت: إن أمي وكيف يقال بالطابقة بين ترجمة وحديث مذكور في باب آخر، والأصل أن المطابقة إنما تكون بين الترجمة وحديث الباب فليتأمل. ١٨٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ". [الحديث ١٨٥٢ - طرفاه في: ٦٦٩٩، ٧٣١٥].

стр. 2327

وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف التبوذكي بفتح المثناة وضم الموحدة وسكون الواو وفتح المعجمة قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن أبي بشر) جعفر بن إياس (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من جهينة) هي امرأة سنان بن سلمة الجهني كما في النسائي، ولأحمد سنان بن عبد الله وهو أصح، وفي الطبراني أنها عمته قاله الحافظ ابن حجر في المقدمة. وقال في الفتح: ما في النسائي لا يفسر به المبهم في حديث الباب لأن في حديث الباب أن المرأة سألت بنفسها، وفي النسائي أن زوجها سأل لها، ويمكن الجمع بأن نسبة السؤال إليها مجازية، وإنما الذي تولى لها السؤال زوجها، لكن في حرف الغين المعجمة من الصحابيات لابن منده عن ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه أن غاثية بالغين المعجمة وبعد الألف مثلثة، وقيل نون وقبل الهاء مثناة تحتية سألت عن نذر أمها وجزم ابن طاهر في المبهمات بأنه اسم الجهنية المذكورة في حديث الباب، لكن قال الذهبي أرسله عطاء ولا يثبت. (جاءت إلى النبي ﷺ فقالت): يا رسول الله (إن أمي) لم تسم (نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟) الفاء الداخلة عليها همزة الاستفهام الاستخباري عطف على محذوف أي أيصح مني أن أكون نائبة عنها فأحج عنها (قال) ﵊. (نعم حجي عنها) ولأبي الوقت قال: حجي فأسقط نعم، وفيه دليل على أن من مات وفي ذمته حق لله تعالى من حج أو كفارة أو نذر فإنه يجب قضاؤه (أرأيت) بكسر التاء أي أخبريني (لو كان على أمك دين) لمخلوق (كنت قاضية) ذلك الدين عنها، وللحموي والمستملي: قاضيته بضمير المفعول (اقضوا الله) أي حق الله (فالله أحق بالوفاء) من غيره. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الاعتصام والنذور والنسائي في الحج. ٢٣ - باب الْحَجِّ عَمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ الثُّبُوتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ. (باب) حكم (الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة) لمرض أو غيره ككبر أو زمانة. ١٨٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّ امْرَأَةً … ح. وبالسند قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن ابن شهاب) الزهري (عن سليمان بن يسار) بالسين المهملة المخففة (عن ابن عباس) عبد الله (عن الفضل بن عباس) أخيه وكان أكبر ولد أبيه (﵃ أن امرأة) كذا رواه ابن جريج وتابعه معمر وخالفهما مالك، وأكثر الرواة عن الزهري فلم يقولوا فيه عن الفضل وروى ابن

стр. 2328

ماجة من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس أخبرني حصين بن عوف ﷺ الخثعمي. قال الترمذي: سألت محمدًا يعني البخاري عن هذا فقال أصح شيء فيه ما روى ابن عباس عن الفضل قال: فيحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة اهـ. وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردف رسول الله ﷺ حينئذ وكان ابن عباس قد تقدم من المزدلفة إلى منى مع الضعفة، فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهد في تلك الحالة ولم يسق المؤلّف لفظ رواية ابن جريج على عادته. وبقيتها أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أبي أدركه الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يركب البعير أفأحج عنه قال: "حجي عنه" أخرجه أبو مسلم الكجي عن أبي عاصم شيخ المؤلّف فيه، ثم انتقل المؤلّف إلى إسناد عبد العزيز بن أبي سلمة وساق الحديث على لفظه فقال (ح) لتحويل السند. ١٨٥٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ". (حدّثنا) ولأبي الوقت: وحدّثنا بواو العطف (موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة) الماجشون بكسر الجيم وبعدها شين معجمة مضمومة ونسبه لجده واسم أبيه عبد الله المدني نزيل بغداد قال: (حدّثنا ابن شهاب) الزهري (عن سليمان بن يسار عن ابن عباس ﵄) وقع عند الترمذي وأحمد وابنه عبد الله من حديث عليّ ما يدل على أن السؤال وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي وأن العباس كان حاضرًا فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضًا كان معه فحمله تارة عن أخيه الفضل وتارة شاهده (قال: جاءت امرأة) لم تسم (من خثعم) بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة وفتح العين المهملة غير مصروف للعلمية والتأنيث باعتبار القبيلة لا العلمية والوزن وهي قبيلة مشهورة (عام حجة الوداع) وفي الاستئذان من رواية شعبة يوم النحر (قال: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي) لم يسم أيضًا (شيخًا كبيرًا) نصب على الاختصاص وقال الطيبي حال قال العيني وفيه نظر (لا) ولأبي الوقت: ما (يستطيع أن يستوي على الراحلة) يجوز أن يكون حالاً وأن يكون صفة (فهل يقضي) بفتح أوّله وكسر ثالثه أي يجزي أو يكفي (عنه أن أحج عنه قال): ﵊: (نعم) يقضي عته وهذا موضع الترجمة ثم إن الاستطاعة المتوقف عليها الوجوب تكون تارة بالنفس وتارة بالغير، فالأولى تتعلق بخمسة أمور: الأول والثاني: الزاد والراحلة لتفسير السبيل في الآية بهما في حديث الحاكم وقال صحيح على شرطهما. والثالث: الطريق فيشترط الأمن فيه ولو

стр. 2329

ظنًا، والرابع: البدن فيشترط أن يثبت على المركوب ولو في محمل أو كسفينة بلا مشقة شديدة فلو لم يثبت عليه أصلاً أو ثبت عليه في محمل أو كسفينة بمشقة شديدة لمرض أو غيره لم يجب عليه النسك بنفسه لعدم استطاعته بخلاف من انتفت عنه المشقّة فيما ذكر فيجب عليه النسك. وأما الاستطاعة بالغير فالعاجز عن الحج أو العمرة ولو قضاء أو نذرًا يكون بالموت تارة وعن الركوب إلا بمشقة شديدة لكبر أو زمانة أخرى فإنه يحج عنه لأنه مستطيع بغيره لأن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل المال. وقال المالكية: وإن استناب العاجز في الفرض أو الصحيح في النفل كره له ذلك قال سند والمذهب كراهتها للصحيح في التطوع وإن وقع صحت الإجارة، واختلف في العاجز هل تجوز استنابته وهو مروي عن مالك أو تكره وهو المشهور أو يفرق بين الولد فيجوز منه وبين غيره فلا يجوز وهو قول ابن وهب وأبي مصعب. ٢٤ - باب حَجِّ الْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ (باب حج المرأة عن الرجل). ١٨٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمٍ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن سليمان بن يسار) الهلالي (عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان الفضل) ابن عباس (رديف النبي ﷺ ¬) زاد شعيب في روايته على عجز راحلته (فجاءت امرأة) لم تسم (من خثعم) بغير صرف وفي الفرع مصروف منون (فجعل الفضل) بن العباس وكان غلامًا جميلاً (ينظر إليها وتنظر) الخثعمية (إليه فجعل) بالفاء ولأبي الوقت وجعل (النبي ﷺ يصرف وجه الفضل) إلى الشق الآخر الذي ليس فيه المرأة خشية الافتتان (فقالت): أي الخثعمية يا رسول الله (إن فريضة الله) أي في الحج كما في حديث الباب السابق (أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة) لا يثبت صفة بعد صفة أو من الأحوال المتداخلة أو شيخًا بدل لكونه موصوفًا أي: وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ كبير أو حصل له المال في هذا الحال والأول أوجه قاله في شرح المشكاة (أفأحج عنه)؟ أي: أيصح أن أنوب عنه فأحج عنه؟ (قال) عديه الصلاة والسلام: (نعم) أي حجي عنه وفيه دليل على أنه يجوز للمرأة أن تحج عن الرجل خلافًا لمن زعم أنه لا

стр. 2330

يجوز معللاً بأن المرأة تلبس في الإِحرام ما لا يلبسه الرجل فلا يحج عنه إلا رجل مثله (وذلك) أي ما ذكر (في حجة الوداع) بمنى. ٢٥ - باب حَجِّ الصِّبْيَانِ (باب حج الصبيان). ١٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: "بَعَثَنِي -أَوْ قَدَّمَنِي- النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ". وبالسند قال: (حدثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل عارم بالعين والراء المهملتين السدوسي قال: (حدّثنا حماد بن زيد عن عبيد الله بن أبي يزيد) بتصغير عبد ويزيد من الزيادة المكي (قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول): (بعثني أو قدّمني) بالشك من الراوي (النبي ﷺ في الثقل) بفتح المثلثة والقاف آلات السفر ومتاعه (من جمع) بفتح الجيم وسكون الميم أي من المزدلفة (بليل). ووجه المطابقة بين الحديث والترجمة أن ابن عباس كان دون البلوغ ولذا أردفه المؤلّف بحديثه الآخر المصرح فيه بأنه كان قارب الاحتلام فقال: ١٨٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أَقْبَلْتُ -وَقَدْ نَاهَزْتُ الْحُلُمَ- أَسِيرُ عَلَى أَتَانٍ لِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى، حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا فَرَتَعَتْ، فَصَفَفْتُ مَعَ النَّاسِ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ "بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ". (حدّثنا إسحاق) بن منصور الكوسج المروزي قال: (أخبرنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري قال: (حدثنا ابن أخي ابن شهاب) محمد بن عبد الله (عن عمه) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري قال: (أخبرني) بالإفراد (عبيد الله بن عتبة بن مسعود) بصغير عبد الأول وعتبة بضم العين وسكون المثناة الفوقية (أنَ عبد الله بن عباس ﵄ قال): (أقبلت وقد ناهزت) بالنون والهاء المفتوحتين وبينهما ألف وبعد الهاء زاي ساكنة أي قاربت (الحلم) بضمتين أي البلوغ بالاحتلام حال كوني: (أسير على أتان لي) هي الأنثى من الحمر (ورسول الله ﷺ قائم يصلّي بمنى) الواو في ورسول الله للحال وعلى أتان متعلق بقوله أسير (حتى سرت بين يدي بعض الصف الأول) وهو مجاز عن القدّام لأن الصف لا يدله (ثم نزلت عنها) أي عن الأتان (فرتعت) أكلت من نبات الأرض (فصففت مع الناس) في كتاب العلم فدخلت في الصف الأول (وراء رسول الله ﷺ ¬).

стр. 2331

(وقال يونس): بن يزيد الأيلي مما وصله مسلم (عن ابن شهاب: بمنى في حجة الوداع) وهذا موضع الترجمة كما لا يخفى. ١٨٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ". وبه قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن يونس) المستملي الرقي قال: (حدّثنا حاتم بن إسماعيل) بالحاء المهملة الكوفي سكن المدينة (عن محمد بن يوسف) الكندي المدني الأعرج (عن السائب بن يزيد) الكندي، ويقال الأسدي وهو جد محمد بن يوسف لأمه (قال: حج بي) بضم الحاء مبنيًا للمفعول، وقال ابن سعد عن الواقدي عن حاتم: حجت بي أمي، وعند الفاكهي من وجه آخر عن محمد بن يوسف عن السائب حج بي أبي وجمع بأنه حج معهما (مع رسول الله) ولأبي الوقت: مع النبي (¬ ﷺ وأنا ابن سبع سنين) وزاد الترمذي عن قتيبة عن حاتم في حجة الوداع. ١٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ ". [الحديث ١٨٥٩ - طرفاه في: ٦٧١٢، ٧٣٣٠]. وبالسند قال: (حدّثنا عمرو بن زرارة) بفتح العين وسكون الميم وزرارة بضم الزاي وفتح الراء المكررة بينهما ألف ابن واقد الكلابي النيسابوري قال: (أخبرنا القاسم بن مالك) المزني الكوفي (عن الجعيد بن عبد الرحمن) بضم الجيم وفتح العين مصغرًا ابن أوس الكندي (قال: سمعت عمر بن عبد العزيز) رحمة الله عليه (يقول للسائب بن يزيد وكان قد) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: وكان السائب قد (حج به في ثقل النبي ﷺ ¬) بضم الحاء مبنيًا للمفعول زاد الإسماعيلي وأنا غلام ولم يذكر المؤلّف مقول عمر ولا جواب السائل لأن غرضه الإعلام بأن السائب حج به وهو صغير، وكأنه كان سأله عن قدر المدّ كما في الكفارات عن عثمان بن أبي شيبة عن القاسم بن مالك بهذا الإسناد. كان الصاع على عهد رسول الله ﷺ مدًّا وثلثًا بمدّكم اليوم فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز. واعلم أن الحج لا يجب على الصبي لكن يصح منه ويكون له تطوّعًا لحديث مسلم عن ابن عباس قال: رفعت امرأة صبيًا لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر، ثم إن كان الصبي مميزًا أحرم بإذن وليه فإن أحرم بغير إذنه لم يصح في الأصح، وإن لم يكن مميزًا أحرم عنه وليه سواء كان الولي حلالاً أم محرمًا، وسواء كان حجه عن نفسه أم لا؟. وكيفية إحرامه أن يقول: أحرمت عنه أو جعلته محرمًا ومتى صار محرمًا فعل ما قدر عليه بنفسه ويفعل الولي به ما عجز عنه من غسل وتجرد عن مخيط ولبس إزار ورداء فإن قدر على الطواف وإلاّ

стр. 2332

طيف به، والسعي كالطواف ويركع عنه ركعتي الإحرام والطواف إن لم يكن مميزًا وإلا صلاهما بنفسه، ويشترط أن يحضره المواقف فيحضره وجوبًا في الواجبات وندبًا في المندوبات كعرفة والمزدلفة والمشعر الحرام سواء كان الصبي مميزًا أو غير مميز لإمكان فعلها منه ولا يغني حضورها عنه، وإن قدر على الرمي وجوبًا وإلا استحب للولي أن يضع الحجر في يده ويأخذها ويرمي بها عنه بعد رميه عن نفسه، ولو بلغ الصبي في أثناء الحج ولو بعد وقوف، فأدرك الوقوف أجزأه عن فرضه لأنه أدرك معظم العبادة فصار كما لو أدرك الركوع بخلاف ما إذا لم يدرك الوقوف، ولكن يعيد السعي وجوبًا بعد الطواف إن كان سعى بعد طواف القدوم قبل بلوغه ويمنع الصبي المحرم من محظورات الإحرام فلو تطيب مثلاً عامدًا وجبت الفدية في مال الولي ولو جامع في حجه فسد وقضى ولو في الصبا كالبالغ المتطوّع بجامع صحة إحرام كل منهما فيعتبر فيه لفساد حجه ما يعتبر في البالغ من كونه عامدًا عالمًا بالتحريم مجامعًا قبل التحللين، وإذا قضى فإن كان قد بلغ في الفاسد قبل فوات الوقوف أجزأه قضاؤه عن حجة الإسلام ولو حال الوقوف أو بعده انصرف القضاء إليها أيضًا ولزم القضاء من قابل، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرام الصبي ولا يلزمه شيء بفعل شيء من محظورات الإحرام وإنما حج به على جهة التدريب اهـ. وهذا نقله النووي وسبقه إليه الخطابي وهذا فيه نظر إذ لا أعلم أحدًا من أئمة مذهب الإمام أبي حنيفة نص على ذلك، بل قال شمس الأئمة السرخسي فيما نقله عنه الزيلعي في شرح الكنز أحرم الصبي بنفسه وهو يعقل، أو أحرم عنه أبوه صار محرمًا. وقال في الكنز: فلو أحرم الصبي أو العبد فبلغ أو عتق فمضى لم يجز عن فرضه لأن إحرامه انعقد لأداء النفل فلا ينقلب للفرض. وقال في عمدة المفتي: حسنات الصبي له ولأبويه أجر التعليم والإرشاد. ٢٦ - باب حَجِّ النِّسَاءِ (باب) صفة (حج النساء). ١٨٦٠ - وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: "أَذِنَ عُمَرُ ﵁ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ". قال المؤلّف بالسند السابق: (وقال لي أحمد بن محمد) بن الوليد الأزرقي المكي، وفي هامش الفرع وأصله: هو الأزرقي وعلى ذلك علامة السقوط من غير عزو: (حدّثنا إبراهيم عن أبيه) سعد (عن جده) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف والضمير في جده لإبراهيم لا لأبيه (أذِن عمر) أي ابن الخطاب (﵁ لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها) وكان ﵁ متوقفًا في ذلك اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ [الأحزاب: ٣٣] وكان يرى تحريم السفر عليهن أوّلاً،

стр. 2333

ئم ظهر له الجواز فأذن لهن في آخر خلافته فخرجن إلا زينب وسودة لحديث أبي داود وأحمد من طريق واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أن النبي ﷺ قال لنسائه في حجة الوداع: هذه ثم ظهور الحصر. زاد ابن سعد من حديث أبي هريرة فكن نساء النبي ﷺ يحججن لا زينب وسودة فقالا: لا تحرّكنا دابة بعد رسول الله ﷺ وإسناد حديث أبي واقد صحيح. (فبعث) عمر ﵁ (معهن) في خدمتهن (عثمان بن عفان وعبد الرحمن) زاد ابن عساكر: ابن عوف، وكان معهن نسوة ثقات فقمن مقام المحرم أو أن كل الرجال محرم لهن، وزاد عبدان في هذا الحديث عند البيهقي فنادى الناس عثمان أن لا يدنو منهن أحد ولا ينظر إليهن إلا مدّ البصر وهن في الهوادج على الإبل وأنزلهن صدر الشعب، ونزل عثمان وعبد الرحمن بذنبه فلم يصعد إليهن أحد. وقد رواه المؤلّف مختصرًا. وقوله: أذن عمر ظاهره أنه من رواية إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن عمر وإدراكه لذلك ممكن لأن عمره إذ ذاك كان أكثر من عشر سنين، وقد أثبت سماعه من عمر يعقوب بن شبة وغيره، قاله في فتح الباري. ١٨٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَغْزُوا وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: لَكُنَّ أَحْسَنُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين المهملة وتشديد الدال المهملة الأولى الأسدي البصري قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي البصري قال: (حدّثنا حبيب بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم القصاب الحماني بكسر المهملة الكوفي (قال: حدثتنا عائشة بنت طلحة) بن عبيد الله التيمية وكانت فائقة الجمال (عن عائشة أم المؤمنين ﵂) أنها (قالت قلت يا رسول الله ألا نغزو) أي نقصد الجهاد (ونجاهد) نبذل المقدور في القتال، (معكم) أو الغزو والجهاد مترادفان، فيكون ذكر الجهاد بعد الغزو للتأكيد كذا في الفرع، وفي له: نغزو أو نجاهد بأو بدل الواو وعليه شرح البرماوي كالكرماني وغيره، وقال الحافظ ابن حجر هذا شك من الراوي وهو مسدد شيخ البخاري. وقد رواه أبو كامل عن أبي عوانة شيخ مسدد بلفظ ألا نغزو معكم أخرجه الإسماعيلي، وأغرب الكرماني فقال: ليس الغزو والجهاد بمعنى واحد فإن الغزو القصد للقتال والجهاد بذل النفس في القتال. قال: أو ذكر الثاني تأكيدًا للأوّل اهـ. وكان ظن أن الألف تتعلق بنغزو فشرح على أن الجهاد معطوف على الغزو بالواو أو جعل أو بمعنى الواو اهـ. فليتأمل.

стр. 2334

فإن الذي وجدته في ثلاثة أصول معتمدة ألا نغزو أو نجاهد بألف واحدة بين الواوين وهي ألف الجمع، والواو التالية لها واو الجمع بلا ريب، فالكرماني اعتمد على الأصل المعتمد، وقد قال في القاموس: الجهاد بالكسر القتال مع العدو، ثم قال غزاه غزوًا أراده وطلبه وقصده كاغتزاه والعدو سار إلى قتالهم وانتهابهم، ففرق بين الجهاد والغزو كما فرق الكرماني، وبالجملة فيحتمل أن يكون فيها روايتان واو العطف أو أو للشك والعلم عند الله تعالى (فقال) ﵊: (لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور) بضم الكاف وتشديد النون بلام الجر الداخلة على ضمير المخاطبات وهو ظرف مستقر خبر أحسن وأجمله عطف عليه والحج بدل من أحسن وحج مبرور خبر مبتدأ محذوف أي هو حج مبرور أو بدل من البدل، ويجوز لكن بفتح اللام وكسر الكاف مع زيادة ألف قبل الكاف وتشديد النون للاستدراك وأحسن نصب بها وهذا في الفرع كأصله، وعزاه صاحب الفتح في باب: فضل الحج المبرور للحموي، وقال التيمي: لكن بتخفيف النون وسكونها وأحسن مبتدأ والحج خبره، (فقالت عائشة: فلا أدع الحج) أي ألا أتركه (بعد إذ سمعت هذا) الفضل (من رسول الله ﷺ ¬). وهذا الحديث سبق في باب فضل الحج المبرور في أوائل كتاب الحج. ١٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ، فَقَالَ: اخْرُجْ مَعَهَا". [الحديث ١٨٦٢ - أطرافه في: ٣٠٠٦، ٣٠٦١، ٥٢٣٣]. وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد بن زيد عن عمرو) هو ابن دينار (عن أبي معبد) بفتح الميم وسكون العين وفتح الموحدة نافذ بفاء ومعجمة المكي (مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (لا تسافر المرأة) شابة أو عجوزًا سفرًا قليلاً أو كثيرًا للحج أو غيره (إلا مع ذي محرم) بنسب أو غيره وفي الرواية الآتية إن شاء الله تعالى في هذا الباب ليس معها زوج أو ذو محرم لتأمن على نفسها (ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم) لها فيه حرمة اختلاء الأجنبي مع المرأة. (فقال رجل) لم يسمّ (يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا)؟ لم يسم الغزوة وفي الجهاد إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا أي كتبت نفسي في أسماء من عين لتلك الغزوة (وامرأتي تريد الحج فقال) ﵊: (أخرج معها) إلى الحج، واستدلّ به الحنابلة على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض إذا استكملت شروط الحج وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخي، وأخذ بعضهم بظاهره فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال

стр. 2335

أحمد. والمشهور عند الشافعية أنه لا يلزمه فلو امتنع إلا بالأجرة لزمها وفيه كما قال النووي تقديم الأهم فالأهم عند المعارضة فرجح الحج لأن الغزو يقوم فيه غيره مقامه بخلاف الحج معها، وقد أخرج المؤلّف هذا الحديث أيضًا في الجهاد والنكاح ومسلم في الحج. ١٨٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ: مَا مَنَعَكِ مِنَ الْحَجِّ؟ قَالَتْ: أَبُو فُلَانٍ -تَعْنِي زَوْجَهَا- كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا. قَالَ: فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي" رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ". وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وبه قال: (حدثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روّاد المروزي قال: (أخبرنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا قال: (أخبرنا حبيب المعلم) بفتح العين وكسر اللام المشدّدة ابن قريبة بضم القاف وفتح الموحدة مصغرًا (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن ابن عباس ﵄ قال لما رجع النبي ﷺ من حجته) إلى المدينة (قال لأم سنان الأنصارية) وفي عمرة رمضان قال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها، وقد سبق هناك أن الناسي ابن جريج لا عطاء لأنه سماها هنا كما ترى، ويحتمل كما سبق أنه كان ناسيًا لما حدث به ابن جريج وذاكرًا لما حدث حبيبًا. (ما منعك من الحج) معنا (قالت) أم سنان: يا رسول الله (أبو فلان) أي أبو سنان (تعني زوجها) أبا سنان، وفي عمرة رمضان قالت: كان لنا ناضح، ولمسلم ناضحان وفي اليونينية كان له ناضحان ملحقة (حج على أحدهما و) الناضح (الآخر يسقي أرضًا لنا قال) ﵊: (فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي) يعني في الثواب وليس المراد أن العمرة تقضي بها فرض الحج وإن كان ظاهره يشعر بذلك بل هو من باب المبالغة وإلحاق الناقص بالكامل للترغيب فيه ولأبي ذر تقضي حجة أو حجة معي بالشك. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: ما منعك من الحج فإن فيه دلالة على أن النساء يحججن والترجمة في حج النساء. (رواه) أي الحديث المذكور (ابن جريج) محمد الملك بن عبد العزيز فيما سبق موصولاً في عمرة رمضان (عن عطاء سمعت ابن عباس) ﵄ (عن النبي ﷺ ¬) فيه تقوية طريق حبيب المعلم وتصريح عطاء سماعه من ابن عباس. (وقال عبيد الله): بضم العين مصغرًا ابن عمرو الرقي مما وصله ابن ماجة (عن عبد الكريم) بن مالك الجزري (عن عطاء عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري ﵁ (عن

стр. 2336

النبي ﷺ ¬). وتمامه عند ابن ماجة أنه قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة". قال الحافظ ابن حجر: وأراد البخاري بهذا بيان الاختلاف فيه على عطاء وقد وافق ابن أبي ليلى ويعقوب بن عطاء حبيبًا وابن جريج فتبين شذوذ رواية عبد الكريم وشذ معقل الجزري أيضًا فقال عن عطاء عن أم سليم وصنيع البخاري يقتضي ترجيح رواية ابن جريج، ويومئ إلى أن رواية عبد الكريم ليست مطرحة لاحتمال أن يكون لعطاء فيه شيخان، ويؤيد ذلك أن رواية عبد الكريم خالية عن القصة مقتصرة على المتن وهو قوله عمرة في رمضان تعدل حجة كما مرّ. ١٨٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ قَالَ: "سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -أَوْ قَالَ يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي: أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ. وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ وَالأَضْحَى. وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى". وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي بمعجمة ثم مهملة البصري قاضي مكة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك بن عمير) بضم العين وفتح الميم حليف بني عدي الكوفي ويقال له الفرسي بفتح الفاء والراء ثم مهملة نسبة إلى فرس له سابق (عن قزعة) بفتح القاف والزاي والمهملة (مولى زياد) بتخفيف التحتية (قال: سمعت أبا سعيد) الخدري ﵁ (وقد غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة قال): (أربع) من الحكمة (سمعتهن من رسول الله ﷺ -أو قال يحدثهن-) بالشك، وللكشميهني: أخذتهن بالخاء والذال المعجمتين من الأخذ أي حملتهن (عن النبي ﷺ فأعجبنني) الأربع وهي بسكون الموحدة وفتح النون الأولى وكسر الثانية بصيغة الجمع للمؤنث (وآنقنني) بفتح الهمزة المدودة والنون وسكون القاف بصيغة جمع المؤنث الماضي أي أعجبنني وهو من عطف الشيء على مرادفه نحو: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦] أو أفرحنني وأسررنني. قال في القاموس: الآنق محركة الفرح والسرور. (أن لا تسافر امرأة) بنصب تسافر في الفرع وغيره، وقال البرماوي كالكرماني بالرفع لا غير لأن أن هذه المفسرة لا الناصبة وهذا فيه شيء فإن قوله بالرفع لا غير إن أراد به الرواية فغير مسلم وإن أراد به من جهة العربية فكذلك، فقد قال ابن هشام في المغني: إذ أولى أن الصالحة للتفسير مضارع معه لا نحو أشرت إليه أن لا يفعل جاز رفعه على تقدير لا نافية وجزمه على تقديرها ناهية، وعليهما فأن مفسرة ونصبه على تقديره لا نافية وأن مصدرية (مسيرة يومين). وفي حديث ابن عمر

стр. 2337

التقييد بثلاثة أيام، وفي حديث أبي هريرة في الصلاة بيوم وليلة، وفي حديث عائشة السابق أطلق السفر وقد أخذ أكثر العلماء بالطلق لاختلاف التقييدات. قال النووي: ليس المراد من التحديد ظاهره بل كل ما يسمى سفرًا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه. وقال ابن دقيق العيد: وقد حملوا الاختلاف على حسب اختلاف السائلين والمواطن وأنه متعلق بأقل ما يقع عليه اسم السفر، وعلى هذا يتناول السفر الطويل والقصير ولا يتوقف امتناع سفر المرأة على مسافة القصر خلافًا للحنفية، وحجتهم أن المنع المقيد بالثلاث متحقق وما عداه مشكوك فيه فيؤخذ بالمتيقن. وتعقب بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها فإنه مشكوك فيه، ومن قواعد الحنفية تقديم الخبر العام على الخاص وترك حمل المطلق على المقيد وقد خالفوا ذلك هنا. وقال صاحب العدة في شرح العمدة: وليس هذا من المطلق والمقيد الذي وردت فيه قيود متعددة وإنما هو من العام لأنه نكرة في سياق النفي فيكون من العام الذي ذكرت بعض أفراده فلا تخصيص بذلك على الراجح في الأصول. (ليس معها زوجها أو ذو محرم) ولأبي ذر في بعض النسخ: أو ذو محرم محرم بفتح الميم في الأول وتخفيف الراء وضمها في الثاني مع تشديد الراء، ولفظ امرأة عام يشمل الشابة والعجوز، لكن خص أبو الوليد الباجي المنع بغير العجوز التي لا تشتهى، أما هي فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم. وتعقب بأن المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة وقد قالوا لكل ساقطة لاقطة. وأجيب: بأنه ما لنا لاقطة لهذه الساقطة ولو وجد خرجت عن فرض المسألة لأنها تكون حينئذ مشتهاة في الجملة وليس الكلام فيها إنما الكلام فيمن لا تشتهى أصلاً ورأسًا، ولا نسلم أن من هي بهذه المثابة مظنة الطمع والميل إليها بوجه. قال ابن دقيق العيد: والذي قاله الباجي تخصيص العموم بالنظر إلى المعنى، وقد اختار الشافعي أن المرأة تسافر في الأمن ولا تحتاج لأحد بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة قال: وهذا مخالف لظاهر الحديث اهـ. وهذا الذي قاله من جواز سفرها وحدها نقله الكرابيسي، ولكن المشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات ولا يشترط أن يخرج معهن محرم أو زوج لإحداهن لانقطاع

стр. 2338

الأطماع باجتماعهن ولها أن تخرج مع الواحدة لفرض الحج على الصحيح في شرحي المهذّب ومسلم، ولو سافرت لنحو زيارة وتجارة لم يجز مع النسوة لأنه سفر غير واجب. قال في المجموع: والخنثى المشكل يشترط في حقه من المحرم ما يشترط في المرأة ولم يشترطوا في الزوج والمحرم كونهما ثقتين وهو في الزوج واضح وأما في المحرم فسببه كما في المهمات أن الوازع الطبيعي أقوى من الشرعي وكالمحرم عبدها الأمين صرح به المرعشي وابن أبي الصيف، والمحرم أيضًا عام فيشمل محرم النسب كأبيها وابنها وأخيها ومحرم الرضاع ومحرم المصاهرة كأبي زوجها وابن زوجها، واستثنى بعضهم وهو منقول عن مالك ابن الزوج فقال: يكره سفرها معه لغلبة الفساد في الناس بعد العصر الأول ولأن كثيرًا من الناس لا ينزل زوجة الأب في النفرة عنها منزلة محارم النسب، والمرأة فتنة إلا فيما جبل الله النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب. قال ابن دقيق العيد: والحديث عام فإن عني بالكراهة التحريم فهو مخالف لظاهر الحديث وإن عني كراهة التنزيه فهو أقرب، واختلفوا هل المحرم وما ذكر معه شرط في وجوب الحج عليها أو شرط في التمكن فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذمة، والذين ذهبوا إلى الأول استدلوا بهذا الحديث فإن سفرها للحج من جملة الأسفار الداخلة تحت الحديث فتمتنع إلا مع المحرم، والذين قالوا بالثاني جوّزوا سفرها مع رفقة مأمونين إلى الحج رجالاً أو نساء كما مر وهو مذهب الشافعية والمالكية والأول مذهب الحنفية والحنابلة. قال الشيخ تقي الدين: وهذه المسألة تتعلق بالنصين إذا تعارضا وكان كل منهما عامًّا من وجه خاصًّا من وجه فإن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] يدخل تحته الرجال والنساء فيقتضي ذلك أنه إذا وجدت الاستطاعة المتفق عليها أن يجب عليها الحج، وقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة" الحديث خاص بالنساء عام في الأسفار فيدخل فيه الحج، فمن أخرجه عنه خص الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث، فإذا قيل به وأخرج عنه لفظ الحج لقوله تعالى (﴿ولله على الناس حج البيت) قال المخالف بل يعمل بقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ فتدخل المرأة فيه ويخرج سفر الحج عن النهي فيقوم في كل واحد من النصين عموم وخصوص ويحتاج إلى الترجيح من خارج. قال: وذكر بعض الظاهرية أنه يذهب إلى دليل من خارج وهو قوله عن "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" ولا يتجه ذلك فإنه عام في المساجد فيمكن أن يخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر في الخروج إليه بحديث النهي اهـ. وقال المرداوي من الحنابلة: المحرم من شرائط الوجوب كالاستطاعة وغيرها وعليه أكثر الأصحاب، ونقله الجماعة عن الإمام أحمد وهو ظاهر لكلام الخرقي وقدمه في المحرر والفروع والحاويين والرعايتين وجزم به في المنهاج والإفادات قال ابن منجا في شرحه هذا المذهب وهو من المفردات، وعنه أن المحرم من شرائط لزوم الحج وجزم به في الوجيز وأطلقه الزركشي اهـ.

стр. 2339

وفائدة الخلاف تظهر في وجوب الإِيصاء به. "و" الثانية من الأربعة (لا صوم يومين) صوم اسم لا ويومين خبره أي لا صوم في هذين اليومين ويجوز أن يكون صوم مضافًا إلى يومين والتقدير لا صوم يومين ثابت أو مشروع يوم عيد (الفطر والأضحى) بفتح الهمزة. "و" الثالثة: (لا صلاة بعد صلاتين بعد) صلاة (العصر حتى تغرب الشمس وبعد) صلاة (الصبح حتى تطلع الشمس و). الرابعة: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام) بمكة ومسجد بالجر بدل من سابقه (ومسجدي) بطيبة (ومسجد الأقصى) إلا بعد عن المسجد الحرام في المسافة أو عن الأقذار وهو مسجد بيت المقدس. ٢٧ - باب مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى الْكَعْبَةِ (باب من نذر المشي إلى الكعبة) هل يجب عليه الوفاء بذلك أم لا؟. ١٨٦٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ. وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ". [الحديث ١٨٦٥ - طرفه في: ٦٧٠١]. وبه قال: (حدّثنا ابن سلام) بتخفيف اللام، ولأبوي ذر والوقت: محمد بن سلام قال: (أخبرنا الفزاري) بفتح الفاء والزاي المخففة وبالراء هو مروان بن معاوية كما جزم به أصحاب الأطراف والمستخرجات (عن حميد الطويل قال: حدثني) بالإفراد (ثابت) البناني (عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى شيخًا) قيل: هو أبو إسرائيل نقله مغلطاي عن الخطيب، لكن قال في فتح الباري: إنه ليس في كتاب الخطيب، وقيل اسمه قيس، وقيل قيصر (يهادى) بضم التحتية وفتح الدال المهملة مبنيًا للمفعول (بين ابنيه) لم يسميا أي يمشي بينهما معتمدًا عليهما (فقال): ﵊: (ما بال هذا)؟ أي يمشي هكذا (قالوا): وفي مسلم من حديث أبي هريرة قال ابناه: يا رسول الله (نذر أن يمشي) أي نذر المشي إلى الكعبة (قال): ﵊ (إن الله) (عن تعذيب هذا نفسه لغني. أمره) ولأبي ذر عن الكشميهني: وأمره بالواو (أن يركب) أن مصدرية أي أمره بالركوب وإنما لم يأمره بالوفاء بالنذر إما لأن الحج راكبًا أفضل من الحج ماشيًا فنذر المشي يقتضي التزام ترك الأفضل فلا يجب الوفاء به أو لكونه عجز عن الوفاء بنذره وهذا هو الأظهر قاله في الفتح.

стр. 2340

١٨٦٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: "نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ ﷺ : لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ". قَالَ: وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ. حدّثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن يحيى بن أيوب عن يزيد عن أبي الخير عن عقبة .. فذكر الحديث. وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي الفراء قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) بن عبد الرحمن (أن ابن جريج) عبد الملك (أخبرهم قال أخبرني) بالإفراد (سعيد بن أبي أيوب) الخزاعي (أن يزيد بن أبي حبيب) من الزيادة واسم أبي حبيب سويد (أخبره أن أبا الخير) هو مرثد بن عبد الله (حدثه عن عقبة بن عامر) الجهني ﵁ أنه (قال: نذرت أختي) هي أم حبان بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة بنت عامر الأنصاري كما قاله المنذري والقطب القسطلاني والحلبي كما نقلوه عن ابن ماكولا. وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: لا يعرف اسم أخت عقبة هذا وما نسبه هؤلاء لابن ماكولا وهم فإنه إنما نقله عن ابن سعد وابن سعد، إنما ذكر في طبقات النساء أم حبان بنت عامر بن نابي بنون وموحدة ابن زيد بن حرام بمهملتين الأنصارية وأنه شهد بدرًا وهو مغاير للجهني (أن تمشي إلى بيت الله) الحرام، ولأحمد وأصحاب السنن من طريق عبد الله بن مالك عن عقبة بن عامر الجهني: أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة (وأمرتني أن أستفتي لها النبي ﷺ فاستفتيته) ولأبوي ذر والوقت: فاستفتيت النبي ﷺ ، وزاد الطبراني: أنه شكا إليه ضعفها (فقال ﷺ ¬): (لتمش) مجزوم بحذف حرف العلة، ولأبي ذر: لتمشي (ولتركب) بسكون اللام وجزم الباء، وفي رواية عبد الله بن مالك: مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام، وفي رواية عكرمة عن ابن عباش عند أبي داود: فلتركب ولتهد بدنة. (قال): يزيد بن أبي حبيب (وكان أبو الخير) مرثد بن عبد الله (لا يفارق عقبة) بن عامر الجهني والمراد بذلك بيان سماع أبي الخير له من عقبة. وبالسند قال: (حدّثنا) وفي بعض الأصول وهو لأبوي ذر والوقت قال أبو عبد الله أي البخاري: حدّثنا (أبو عاصم) النبيل الضحاك (عن ابن جريج عن يحيى بن أيوب) أبي العباس الغافقي المصري (عن يزيد) بن أبي حبيب (عن أبي الخير) مرثد (عن عقبة) الجهني (فذكر الحديث) فأشار المؤلّف بهذا إلى أن لابن جريج فيه شيخين وهما: يحيى بن أيوب، وسعيد بن أبي أيوب. وقد اختلف فيما إذا نذر أن يحج ماشيًا هل يلزمه المشي بناء على أن المشي أفضل من الركوب؟ قال الرافعي: وهو الأظهر، وقال النووي الصواب أن الركوب أفضل وإن كان الأظهر لزوم المشي بالنذر

стр. 2341

لأنه مقصود، ثم إن صرح الناذر بأنه يمشي من حيث سكنه لزمه المشي من مسكنه وإن أطلق فمن حيث أحرم ولو قبل الميقات ونهاية المشي فراغه من التحللين، فلو فاته الحج لزمه المشي في قضائه لا في تحلله في سنة الفوات لخروجه بالفوات عن أجزائه عن النذر ولا في المضي في فاسده لو أفسده، ولو ترك المشي لعذر أو غيره أجزأه مع لزوم الدم فيهما والإثم في الثاني ولو نذر الحج حافيًا لم ينعقد نذر الحفاء لأنه ليس بقربة فله لبس النعلين وكالحج في ذلكَ العمرة. وقال أبو حنيفة: من نذر المشي إلى بيت الله تعالى فعجز عنه فإنه يمشي ما استطاع فإذا عجز ركب وأهدى شاة، وكذا إن ركب وهو غير عاجز. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النذور وكذا أبو داود.

стр. 2342

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة ١ - باب حَرَمِ الْمَدِينَةِ (باب) بيان فضل (حرم المدينة) النبوية التي اختارها الله تعالى لخيرته وصفوته من خلقه وجعلها دار هجرته وتربته، ولأبي ذر عن الحموي: بسم الله الرحمن الرحيم فضل المدينة، وفي رواية عنه أيضًا فضائل المدينة بالجمع باب حرم المدينة، وفي رواية أبي علي الشبويّ مما ذكره في الفتح باب ما جاء في حرم المدينة. ١٨٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَحْوَلُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ. مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». [الحديث ١٨٦٧ - طرفه في: ٧٣٠٦]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا ثابت بن يزيد) بالمثلثة ويزيد من الزيادة الأحول البصري قال: (حدّثنا عاصم أبو عبد الرحمن) بن سليمان (الأحول عن أنس) هو ابن مالك (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (المدينة حرم) محرمة لا تنتهك حرمتها (من كذا إلى كذا) بفتح الكاف والذال معجمة كناية عن اسمي مكانين. وفي حديث علي الآتي إن شاء الله تعالى في هذا الباب ما بين عائر إلى كذا وهو جبل المدينة، واتفقت الروايات التي في البخاري كلها على إبهام الثاني. وفي حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطبراني ما بين ﷺ إلى أحد؟ وفي مسلم إلى ثور، لكن قال أبو عبيد: أهل المدينة لا يعرفون جبلاً عندهم يقال له ثور وإنما ثور بمكة، وقيل إن

стр. 2343

البخاري إنما أبهمه عمدًا لما وقع عنده أنه وهم، لكن قال صاحب القاموس: ثور جبل بمكة وجبل بالمدينة، ومنه الحديث الصحيح "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور" وأما قول أبي عبيد بن سلام وغيره من أكابر الأعلام: أن هذا تصحيف والصواب إلى أحد لأن ثورًا إنما هو بمكة فغير جيد لما أخبرني الشجاع اليعلي الشيخ الزاهد عن الحافظ أبي محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد جانحًا إلى ورائه جبلاً صغيرًا يقال له ثور، وتكرر سؤالي عنه طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض فكل أخبر أن اسمه ثور، ولما كتب إليّ الشيخ عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة قال: إن خلف أحد عن شماله جبلاً صغيرًا مدورًا يسمى ثورًا يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلف ونحو ذلك قاله صاحب تحقيق النصرة. (لا يقطع شجرها) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، وفي رواية يزيد بن هارون لا يختلى خلاها، وفي مسلم من حديث جابر لا يقطع عضاها ولا يصاد صيدها، وفي رواية أبي داود بإسناد صحيح لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ففي ذلك أنه يحرم صيد المدينة وشجرها كما في حرم مكة، لكن لا ضمان في ذلك لأن حرم المدينة ليس محلاً للنسك بخلاف حرم مكة. وقال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف: ليس للمدينة حرم كما لمكة فلا يمنع أحد من أخذ صيدها وقطع شجرها. وأجابوا عن هذا الحديث بأنه ﷺ إنما أراد بقوله ذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها. (ولا يحدث فيها حدث) مبني للمفعول كسابقه أي لا يعمل فيها عمل مخالف للكتاب والسنة (من أحدث) أي فيها (حدثًا) مخالفًا لما جاء به الرسول ﵊، وزاد شعبة فيه عن عاصم عند أبي عوانة أو آوى محدثًا. قال الحافظ ابن حجر: وهي زيادة صحيحة إلا أن عاصمًا لم يسمعها من أنس، (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) وعيد شديد لكن المراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه لا كلعن الكافر المبعد عن رحمة الله كل الإبعاد. وهذا الحديث من الرباعيات، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الاعتصام ومسلم في المناسك. ١٨٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي. فَقَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ. فَأَمَرَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ". وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين وبينهما مهملة ساكنة عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد العنبري البصري (عن أبي التياح) بفتح المثناة الفوقية والتحتية المشددتين آخره مهملة يزيد بن حميد الضبعي (عن أنس) هو ابن مالك (﵁) أنه (قال): (قدم النبي ﷺ المدينة) يوم الجمعة لاثنتي عشرة من ربيع الأول في قول ابن الكلبي، وفي مسلم كالبخاري في الصلاة أنه قام في قباء قبل أن يدخل المدينة أربع عشرة ليلة

стр. 2344

وأسس مسجد قباء ثم رحل إلى المدينة (وأمر) ولأبوي ذر والوقت: فأمر (ببناء المسجد) بها (فقال): (يا بني النجار) وهم أخواله ﵊ (ثأمنوني) بالمثلثة وكسر الميم أي بايعوني بالثمن وفي الصلاة ثامنوني بحائطكم أي ببستانكم وحذف ذلك هنا والمخاطب بهذا من يستحق الحائط وكان فيما قيل لسهل وسهيل يتيمين في حجر أسعد بن زرارة (فقالوا): اليتيمان ووليهما ولأبي الوقت قالوا: (لا نطلب ثمنه إلا إلى الله) أي منه تعالى زاد أهل السير فأبى رسول الله ﷺ حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير وأمر أبا بكر أن يعطي ذلك، وزاد في الصلاة أنه كان في الحائط قبور المشركين وخرب "فأمر" ﷺ "بقبور المشركين فنبشت" وبالعظام فغيبت "ثم بالخرب" بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء خربة كذا في اليونينية وفي الفرع بفتح الخاء وكسر الراء "فسويت وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد" أي في جهتها وإنما قطع ﵊ الشجر لأنه كان في أول الهجرة، وحديث التحريم إنما كان بعد رجوعه ﷺ من خيبر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الجهاد والمغازي أو أن النهي عنه مقصور على القطع الذي يحصل به الإفساد، فأما من يقصد الإصلاح فلا أو النهي إنما يتوجه إلى ما أنبته الله من الشجر مما لا صنع للآدمي فيه كما حمل عليه النهي عن قطع شجر مكة، وعلى هذا يحمل قطعه ﵊ وجعله قبلة المسجد ففيه تخصيص النهي عن قطع الشجر بما لا ينبته الآدميون، كما أن الحديث السابق التصريح بكون المدينة حرمًا، وهذا الحديث مضى في الصلاة ويأتي بتمامه إن شاء الله تعالى في المغازي. ١٨٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ "حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَىِ الْمَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي. قَالَ: وَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَنِي حَارِثَةَ فَقَالَ: أَرَاكُمْ يَا بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الْحَرَمِ. ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَالَ: بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ". [الحديث ١٨٦٩ - طرفه في: ١٨٧٣]. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد (أخي) عبد الحميد بن عبد الله (عن سليمان) بن بلال (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا العمري ولأبي ذر زيادة ابن عمر (عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال): (حرم) بضم الحاء وكسر الراء أي حرم الله ولأبي ذر عن المستملي حرم بفتحتين مرفوع خبر مقدم والمبتدأ (ما بين لابتي المدينة على لساني) بتخفيف الموحدة تثنية لابة وهي الحرة الأرض ذات الحجارة السود والمدينة ما بين حرتين عظيمتين: إحداهما شرقية والأخرى غربية، ووقع عند أحمد من حديث جابر "وأنا أحرم ما بين حرتيها". وزعم بعض الحنفية أن الحديث مضطرب لأنه وقع في رواية "ما بين جبليها" وفي رواية "ما بين لابتيها". وأجيب: بأن الجمع واضح وبمثل هذا لا تردّ الأحاديث الصحيحة، ولو تعذر الجمع أمكن الترجيح ولا ريب أن رواية لابتيها أرجح لتوارد الرواة عليها ورواة جبليها لا تنافيها فيكون عند كل

стр. 2345

لابة جبل أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال وجبليها من جهة المشرق والمغرب، وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا تضر. وزاد مسلم في بعض طرقه وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حمى، وعند أبي داود من حديث عدي بن زيد قال: حمى رسول الله ﷺ من كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا، وفي هذا بيان ما أجمل من حدم حرم المدينة. (قال): أي أبو هريرة (وأتى النبي ﷺ بني حارثة) بالمهملة والمثلثة بطن من الأوس وكانوا إذ ذاك غربي مشهد حمزة زاد الإسماعيلي وهي في سند الحرة أي في الجانب المرتفع منها (فقال): ﵊، ولأبي الوقت: وقال: (أراكم) بفتح الهمزة في الفرع وغيره (يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم) جزم بما غلب على ظنه (ثم التفت) ﷺ فرآهم داخلين في المحرم (فقال: بل أنتم فيه) فرجع عن الظن إلى اليقين واستنبط منه المهلب أن للعالم أن يعول على غلبة الظن ثم ينظر فيصحح النظر. ١٨٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "مَا عِنْدَنَا شَىْءٌ إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ. وَقَالَ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ. وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ". قال أبو عبدِ اللهِ: عَدْلٌ فِداءٌ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة الملقب ببندار قال: (حدّثنا عبد الرحمن) بن مهدي العنبري قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) بن يزيد بن شريك (التيمي عن أبيه) يزيد (عن علي ﵁) أنه (قال: ما عندنا شيء) أي مكتوب من أحكام الشريعة أو المنفي شيء اختصوا به عن الناس (إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ﷺ ¬) وسبب قول علي ﵁ هذا يظهر بما رويناه في مسند أحمد من طريق قتادة عن أبي حسان الأعرج أن عليًّا كان يأمر بالأمر فيقال له قد فعلناه فيقول صدق الله ورسوله فقال له الأشتر: هذا الذي تقول شيء عهده إليك رسول الله ﷺ . قال: ما عهد إلي شيئًا خاصًا دون الناس إلا شيئًا سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة فإذا فيها. (المدينة حرم) محرمة (ما بين عائر) بالعين المهملة والألف مهموز آخره راء جبل بالمدينة (إلى كذا) في مسلم إلى ثور وتقدم ما فيه قريبًا (من أحدث فيها حدثًا) مخالفًا للكتاب والسنة (أو آوى

стр. 2346

محدثًا) بمد همزة آوى على الأفصح في المتعدي وعكسه في اللازم وكسر دال محدثًا أي من نصر جانيًا وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه ويجوز فتح الدال ومعناه الأمر المبتدع نفسه وإذا رضي بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكرها عليه فقد آواه (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (صرف ولا عدل). قال في القاموس: الصرف في الحديث التوبة والعدل الفدية أو هو النافلة والعدل الفريضة أو بالعكس أو هو الوزن والعدل الكيل أو هو الاكتساب والعدل الفدية أو الحيلة ومنه: ﴿فما يستطيعون صرفًا ولا نصرًا﴾ [الفرقان: ١٩] معناه فما يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم العذاب اهـ. وقال البيضاوي: الصرف الشفاعة والعدل الفدية. وقال عياض: معناه لا يقبل منه قبول رضا وإن قبل منه قبول جزاء، وقد يكون معنى الفدية لا يجد في القيامة فداء يفتدى به بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله على من يشاء منهم بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما في الصحيح. (وقال: ذمة المسلمين واحدة) أي أمانهم صحيح سواء صدر من واحد أو أكثر شريف أو وضيع، فإذا أمن الكافر واحد منهم بشروطه المعروفة في كتب الفقه لم يكن لأحد نقضه (فمن أخفر مسلمًا) بهمزة مفتوحة فمعجمة ساكنة ففاء ثم راء أي نقض عهد السلم أو ذمامه (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن تولى قومًا) أي اتخذهم أولياء (بغير إذن مواليه) ليس بشرط لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه، وإنما هو إيراد الكلام على ما هو الغالب أو المراد موالاة الحلف فإذا أراد الانتقال عنه لا ينتقل إلا بإذن، وبالجملة فإن أريد ولاء الحلف فهو سائغ وإن أريد ولاء العتق فلا مفهوم له وإنما هو للتنبيه على المانع وهو إبطال حق الموالي (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل). قال النووي: وفي هذا الحديث إبطال ما يزعمه الشيعة ويفترونه من قوله أن عليًا ﵁ أوصي إليه بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين، وأنه ﷺ خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم فهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة وفيه دليل على جواز كتابة العلم. (قال أبو عبد الله) البخاري: (عدل) أي (فداء) وهذا تفسير الأصمعي، وسقط قوله قال أبو عبد الله الخ في غير رواية أبي ذر عن المستملي. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة وثلاثة من التابعين في نسق واحد ورواته كلهم كوفيون إلا شيخه وشيخ شيخه فبصريان.

стр. 2347

٢ - باب فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ (باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس) أي شرارهم، وسقط لابن عساكر وأنها تنفي الناس. ١٨٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهْيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك الإمام) عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: سمعت أبا الحباب) بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة الأولى (سعيد بن يسار) بالمهملة المخففة (يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول، قال رسول الله ﷺ ¬): (أمرت بقرية) بضم الهمزة أي أمرني ربي بالهجرة إلى قرية (تأكل القرى) أي تغلبها وتظهر عليها يعني أن أهلها تغلب أهل سائر البلاد فتفتح منها يقال: أكلنا بني فلان أي غلبناهم وظهرنا عليهم فإن الغالب المستولي على الشيء كالمفني له إفناء الآكل إياه، وفي موطأ ابن وهب قلت لمالك: ما تأكل القرى؟ قال: تفتح القرى. وقال ابن المنير في الحاشية، قال السهيلي في التوراة يقول الله: يا طابة يا مسكينة إني سأرفع أجاجيرك على أجاجير القرى وهو قريب من قوله: أمرت بقرية تأكل القرى لأنها إذا علت عليها علوّ الغلبة أكلتها، أو يكون المراد يأكل فضلها الفضائل أي يغلب فضلها الفضائل حتى إذا قيست بفضلها تلاشت بالنسبة إليها فهو المراد بأكل. وقد جاء في مكة أنها أم القرى كما جاء في المدينة تأكل القرى، لكن المذكور للمدينة أبلغ من المذكور لمكة لأن المأمومة لا يمحى بوجودها وجود ما هي أمّ له، لكن يكون حق الأم أظهر. وأما قوله: تأكل القرى فمعناه أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عد ما، وما يضمحل له الفضائل أعظم وأفضل مما تبقى معه الفضائل اهـ. وهو ينزع إلى تفضيل المدينة على مكة. قال المهلب: لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام فصار الجميع في صحائف أهلها. وأجيب: بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة فالفضل ثابت للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين. وقد استنبط ابن أبي جمرة من قوله ﵊: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة التساوي بين فضل مكة والمدينة ومباحث التفضيل بين الموضعين مشهورة. وقال الأبيّ من المالكية واختار ابن رشد وشيخنا أبو عبد الله أي ابن عرفة تفضيل مكة. واحتج ابن رشد لذلك بأن الله تعالى جعل بها قبلة الصلاة وكعبة الحج وبأنه تعالى جعل لها مزية بتحريم الله تعالى إياها أن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، وأجمع أهل العلم على وجوب الجزاء على من صاد بحرمها ولم

стр. 2348

يجمعوا على وجوبه على من صاد بالمدينة ومن دخله كان آمنًا ولم يقل أحد بذلك في المدينة، وكان الذنب في حرم مكة أغلظ منه في حرم المدينة فكان ذلك دليلاً على فضلها عليها. قال: ولا حجة في الأحاديث المرغبة في سكنى المدينة على فضلها عليها قال: ولا دليل في قوله أمرت بقرية تأكل القرى لأنه إنما أخبر أنه أمر بالهجرة إلى قرية تفتح منها البلاد. (يقولون) أي بعض المنافقين للمدينة (يثرب) يسمونها باسم واحد من العمالقة نزلها وقيل يثرب بن قانئة من ولد ارم بن سام بن نوح وهو اسم كان لموضع منها سميت كلها به، وكرهه ﷺ لأنه من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة أو من الثرب وهو الفساد وكلاهما قبيح، وقد كان ﵊ يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح ولذا بدله بطابة والمدينة ولذلك قال: يقولون ذلك (وهي المدينة) أي الكاملة على الإطلاق كالبيت للكعبة والنجم للثريا فهو اسمها الحقيق بها لأن التركيب يدل على التفخيم كقول الشاعر: هم القوم كل القوم يا أم خالد. أي: هي المستحقة لأنه تتخذ دار إقامة، وأما تسميتها في القرآن بيثرب فإنما هو حكاية عن المنافقين. وروى أحمد عن البراء بن عازب رفعه من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة هي طابة. روى عمر بن شبة عن أبي أيوب أن رسول الله ﷺ نهى أن يقال للمدينة يثرب، ولهذا قال عيسى بن دينار من المالكية: من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة، لكن في الصحيحين في حديث الهجرة فإذا هي يثرب وفي رواية لا أراها إلا يثرب وقد يجاب بأنه قبل النهي. (تنفي) المدينة (الناس) أي الخبيث الرديء منهم في زمنه ﵊ أو زمن الدجال (كما ينفي الكير) بكسر الكاف وسكون التحتية. قال في القاموس زق ينفخ فيه المداد وأما المبني من الطين فكور (خبث الحديد) بفتح الخاء المعجمة والموحدة ونصب المثلثة على المفعولية أي: وسخه الذي تخرجه النار أي أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل بن تميزه عن القلوب الصادقة وتخرجه كما تميز النار رديء الحديد من جيده، ونسب التمييز للكير لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار التي وقع التمييز بها، وقد خرج من المدينة بعد الوفاة النبوية معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة ثم عليّ وطلحة والزبير وعمار وآخرون وهم من أطيب الخلق فدلّ على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الحج وكذا النسائي فيه وفي التفسير. ٣ - باب الْمَدِينَةُ طَابَةُ (باب المدينة) بالإضافة من أسمائها (طابة) وفي نسخة باب التنوين المدينة طابة، ولأبي ذر:

стр. 2349

طابة بالتنوين وأصل طابة فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها أي من أسمائها طابة وليس فيه ما يدل على أنها لا تسمى بغير ذلك ولها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى فمن أسمائها: طيبة كهيبة وطيبة كصيبة وطائب ككاتب فهذه الثلاثة مع طابة كشامة أخوات لفظًا ومعنى مختلفات صيغة ومبنى وذلك لطيب رائحتها وأمورها كلها ولطهارتها من الشرك وحلول الطيب بها، صلوات الله وسلامه عليه ولطيب العيش بها ولكونها تنفي خبثها وتنصع طيبها ولله در الأشبيلي حيث قال: لتربة المدينة نفحة ليس كما عهد من الطيب. بل هو عجب من الأعاجيب. وقال بعضهم مما ذكره في الفتح وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا يكاد يجدها في غيرها اهـ. ومن أسمائها بيت الرسول ﷺ قال الله تعالى: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ [الأنفال: ٥] أي من المدينة لاختصاصها به اختصاص البيت بساكنه. والحرم لتحريمها كما مرّ. والحبيبة لحبه ﷺ لها ودعائه به. وحرم الرسول ﵊ لأنه الذي حرمها. وفي الطبراني بسند رجاله ثقات حرم إبراهيم مكة وحرمي المدينة. وحسنة قال الله تعالى: ﴿لنبوّئنهم في الدنيا حسنة﴾ [النحل: ٤١] أي مباهة حسنة وهي المدينة. ودار الأبرار. ودار الأخيار، لأنها دار المختار والمهاجرين والأنصار وتنفي شرارها ومن أقام بها منهم فليست له في الحقيقة بدار، وربما نقل منها بعد الاقبار. ودار الإيمان. ودار السنة. ودار السلامة. ودار الفتح. ودار الهجرة فمنها فتحت سائر الأمصار، وإليها هجرة السيد المختار، ومنها انتشرت السنة في الأقطار.

стр. 2350

والشافية لحديث، أترابها شفاء من كل داء وذكر ابن مسدي الاستشفاء بتعليق أسمائها على المحموم. وقبة الإسلام لحديث المدينة قبة الإسلام. والمؤمنة لتصديقها بالله حقيقة لخلقه قابلية ذلك فيها كما في تسبيح الحصى أو مجاز لاتصاف أهلها به وانتشاره منها وفي خبر: والذي نفسي بيده أن تربتها المؤمنة، وفي آخر أنها المكتوبة في التوراة مؤمنة. ومباركة لأن الله تعالى بارك فيها بدعائه ﷺ لها وحلوله فيها. والمختارة لأن الله تعالى اختارها للمختار من خلقه. والمحفوظة لحفظها من الطاعون والدجال وغيرهما. ومدخل صدق. والمرزوقة أي المرزوق أهلها. والمسكينة نقل عن التوراة كما مرّ وروي مرفوعًا إن الله تعالى قال للمدينة: يا طيبة يا طابة يا مسكينة لا تقبلي الكفور أرفع أجاجيرك على أجاجير القرى والمسكنة الخضوع والخشوع خلقه الله فيها أو هي مسكن الخاشعين أسأل الله العظيم بوجاهة وجهه الوجيه ونبيه النبيه عليه أفضل الصلاة والسلام أن يجعلني من ساكنيها المقربين حيًا وميتًا إنه جابر المنكسرين وواصل المنقطعين. ومنها المقدسة لتنزهها عن الشرك وكونها تنفي الذنوب. وأكالة القرى لغلبتها الجميع فضلاً وتسلطها عليها وافتتاحها بأيدي أهلها فغنموها وأكلوها. وروى الزبير في أخبار المدينة من طريق عبد العزيز الدراوردي أنه قال: بلغني أن للمدينة في التوراة أربعين اسمًا. ١٨٧٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ ﵁: "أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: هَذِهِ طَابَةُ". وبالسند قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) البجلي الكوفي قال: (حدّثنا سليمان) بن بلال التيمي القرشي (قال: حدثني) بالإفراد (عمرو بن يحيى) بفتح العين ابن عمارة الأنصاري المدني (عن عباس بن سهل بن سعد) بالموحدة والمهملة في الأول وفتح المهملة وسكون الهاء في الثاني وسكون العين في الثالث الساعدي (عن أبي حميد) بضم الحاء عبد الرحمن الساعدي (﵁) أنه قال: (أقبلنا مع النبي ﷺ من) غزوة (تبوك) سنة تسع من الهجرة (حتى أشرفنا على المدينة فقال) ﷺ :
следующие страницы →