Полный текст (8 298 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
عَنِ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ". وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحيم) الحافظ المعروف بصاعقة قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) بسكون الميم الأزدي ويعرف بابن الكرماني من قدماء شيوخ البخاري حدث عنه بغير واسطة في كتاب الجمعة وحدث عنه هنا وفي الجهاد والصلاة بواسطة قال: (حدّثنا زائدة) بن قدامة الثقفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن مسلم البطين) بفتح الموحدة وكسر المهملة وسكون التحتية ثم نون (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال): ولابن عساكر: أنه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ ¬) لم يسم الرجل (فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر فأقضيه)؟ ولابن عساكر: أفأقضيه (عنها؟ قال): ﵊:
(نعم) اقضه (قال: فدين الله) ولأبي ذر وابن عساكر قال: نعم فدين الله (أحق أن يقضى) أي حق العبد يقضى فحق الله أحق.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم، وأبو داود في الإيمان والنذور، والترمذي في الصوم وكذا النسائي وابن ماجة.
(قال سليمان) بن مهران الأعمش بالإسناد السابق (فقال) ولأبي الوقت: قال بغير فاء (الحكم) بفتحتين ابن عتيبة مصغرًا (وسلمة) بن كهيل مصغرًا الحضرمي الكوفي (ونحن) أي الثلاثة (جميعًا جلوس) جملة اسمية وقعت حالاً (حيث حدث مسلم) البطين (بهذا الحديث قالا): أي الحكم وسلمة (سمعنا مجاهدًا) هو ابن جبر (يذكر هذا) الحديث (عن ابن عباس) ﵄، وحاصل هذا أن الأعمش سمع هذا الحديث من ثلاثة أنفس في مجلس واحد من مسلم البطين أولاً عن سُعيد بن جبير، ثم من الحكم، وسلمة عن مجاهد.
(ويذكر) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (عن أبي خالد) الأحمر ضد الأبيض واسمه سليمان بن حيان بالمثناة التحتية المشددة وآخره نون أنه قال: (حدّثنا الأعمش عن الحكم و) عن (مسلم البطين و) عن (سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير وعطاء) هو ابن أبي رباح (ومجاهد) الثلاثة أعني سعيد بن جبير وعطاء ومجاهدًا (عن ابن عباس) وفيه: أن الأعمش روى عن الشيوخ الثلاثة وكل من الثلاثة عن الثلاثة ويحتمل كما قال في الفتح أن يكون من باب اللف والنشر غير المرتب، فيكون شيخ الحكم عطاء، وشيخ البطين ابن جبير، وشيخ سلمة مجاهدًا. ويؤيده أن النسائي أخرجه من طريق عبد الرحمن بن مغراء عن الأعمش مفصلاً هكذا (قالت امرأة للنبي ﷺ إن أختي ماتت) ووصله الترمذي أيضًا من طريق أبي خالد بلفظ: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين.
стр. 2452
(وقال يحيى) بن سعيد (وأبو معاوية) محمد بن خازم بالمعجمتين مما رواه النسائي وغيره (حدّثنا الأعمش عن مسلم) البطين (عن سعيد) ولابن عساكر زيادة ابن جبير فوافقا زائدة على أن شيخ مسلم البطين فيه سعيد بن جبير (عن ابن عباس) ﵄ أنه قال (قالت امرأة للنبي ﷺ إن أمي ماتت).
(وقال عبيد الله) بضم أوله مصغرًا ابن عمر وبسكون الميم الرقي مما وصله مسلم (عن زيد بن أبي أنيسة) بضم الهمزة وفتح النون وسكون التحتية (عن الحكم) بن عتيبة المذكور (عن سعيد بن جبير) وسقط في رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر ابن جبير (عن ابن عباس) ﵄ أنه قال: (قالت امرأة للنبي ﷺ إن أمي ماتت وعليها صوم نذر) بالإضافة، وقد بين أبو بشر في روايته عند أحمد سبب النذر ولفظه: أن امرأة ركبت البحر فنذرت أن تصوم شهرًا فماتت قبل أن تصوم وهذا ظاهر في أنه غير رمضان.
(وقال أبو حريز): بفتح الحاء المهملة وكسر الراء آخره زاي عبد الله بن الحسين قاضي سجستان مما وصله ابن خزيمة وغيره (حدّثنا) بالجمع ولأبي الوقت: حدثني بالإفراد (عكرمة عن ابن عباس) ﵄ أنه قال: (قالت امرأة للنبي ﷺ ماتت أمي وعليها صوم خمسة عشر يومًا) وهذا الاختلاف من قوله امرأة ورجل وشهر وشهران وخمسة عشر يومًا يحمل على اختلاف وقائع وفيه جواز الصوم عن الميت.
٤٣ - باب مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ؟ وَأَفْطَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ
هذا (باب) بالتنوين (متى يحل فطر الصائم؟.
وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس) من غير مزيد على ذلك وهذا وصله سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة.
١٩٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».
وبالسند قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا هشام بن عروة قال: سمعت أبي) عروة بن الزبير بن العوام (يقول سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه) عمر (﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إذا أقبل الليل من هاهنا)، أي من جهة المشرق (وأدبر النهار من هاهنا)، أي من المغرب
стр. 2453
(وغربت الشمس) قيد بالغروب إشارة إلى اشتراط تحقق الإقبال والإدبار وأنهما بواسطة الغروب لا بسبب آخر فالأمور الثلاثة وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة بل لوجود شيء يغطي الشمس وكذلك إدبار النهار فلذا قيد بالغروب (فقد أفطر الصائم) أي دخل وقت إفطاره أو صار مفطرًا حكمًا لأن الليل ليس ظرفًا للصوم الشرعي. وفي رواية شعبة: فقد حل الإفطار وهي تؤيد التفسير الأول، ورجحه ابن خزيمة وعلل بأن قوله فقد أفطر الصائم لفظه خبر ومعناه الإنشاء أي فليفطر الصائم ثم قال: ولو كان المراد فقد صار مفطرًا كان فطر جميع الصوام واحد ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنى.
وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي في الصوم.
١٩٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْمِ: يَا فُلَانُ قُمْ فَاجْدَحْ لَنَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ. قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ أَمْسَيْتََ قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا. فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ".
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن شاهين (الواسطي) قال: (حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحاوي الواسطي (عن الشيباني) أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان (عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁) أنه (قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر) في شهر رمضان في غزوة الفتح (وهو صائم فلما غربت الشمس) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: فلما غابت الشمس (قال لبعض القوم):
(يا فلان) هو بلال (قم فاجدح لنا) بهمزة وصل وسكون الجيم وفتح الدال وآخره حاء مهملتين أي حرك السويق بالماء أو باللبن (فقال) بلال: (يا رسول الله لو أمسيت) لكنت متمًا للصوم فجواب لو الشرطية محذوف أو هي للتمني (قال) ﵊ يا بلال (أنزل فاجدح لنا) (قال: يا رسول الله فلو أمسيت) بزيادة الفاء (قال) (انزل فاجدح لنا) (قال: إن عليك نهارًا) لعله رأى كثرة الضوء من شدة الصحو فظن أن الشمس لم تغرب أو غطاها نحو جبل أو كان هناك غيم فلم يتحقق الغروب ولو تحققه ما توقف لأنه يكون حينئذٍ معاندًا وإنما توقفه احتياطًا واستكشافًا عن حكم المسألة (قال) ﵊: (أنزل فاجدح لنا) (فنزل فجدح لهم فشرب النبي) ولأبي ذر وابن عساكر: رسول الله (¬ ﷺ ¬) مما جدحه (ثم قال) ﵊: (إذا رأيتم الليل) أي ظلامه (قد أقبل من هاهنا) من جهة المشرق (فقد أفطر الصائم) ولم يذكر هاهنا ما في الأول من الإدبار والغروب فيحتمل أن ينزل على حالين فحيث ذكر ذلك، ففي حال الغيم مثلاً وحيث لم يذكر
стр. 2454
ففي حال الصحو أو كانا في حالة واحدة وحفظ أحد الراويين ما لم يحفظ الآخر. وهذا الحديث سبق في باب الصوم في السفر.
٤٤ - باب يُفْطِرُ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ بِالْمَاءِ أو غَيْرِهِ
هذا (باب) بالتنوين (يفطر) الصائم (بما تيسر عليه بالماء وغيره) وسقط لابن عساكر لفظ عليه وللكشميهني من الماء.
١٩٥٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: "سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، فَنَزَلَ فَجَدَحَ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ. وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال (حدّثنا عبد الواحد) بن زيادة قال (حدّثنا الشيباني) أبو إسحاق ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: الشيباني سليمان فزاد اسمه (قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم) في رمضان (فلما غربت الشمس قال):
(انزل فاجدح لنا) وفي رواية شعبة عن الشيباني عن أحمد فدعا صاحب شرابه بشراب، وهو يؤيد كونه بلالاً فإنه هو المعروف بخدمته ﵊ لا سيما وفي رواية أبي داود بلفظ: يا بلال انزل فاجدح لنا (قال يا رسول الله وأمسيت؟ قال): (أنزل فاجدح لنا) (قال يا رسول الله أن عليك نهارًا قال): (انزل فاجدح لنا) (فنزل) ولأبي الوقت قال فنزل (فجدح) زاد في الباب السابق فشرب النبي ﷺ (ثم قال): (إذا رأيتم الليل يقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم) (وأشار) ﵊ (بإصبعه قبل المشرق) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة المشرق.
ومطابقته للترجمة من جهة أن الجدح تحريك السويق بالماء وهو مشتمل على الماء وغيره، وفي الترمذي وغيره وصححوه: إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التمر فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإنه طهور.
وروى الترمذي وحسنه أنه ﷺ كان يفطر قبل أن يصلّي على رطبات فإن لم يكن على تمرات فإن لم يكن حسا حسوات من ماء وقضيته تقديم الرطب على التمر وهو على الماء والقصد بذلك كما قاله المحب الطبري أن يدخل جوفه أولاً ما مسته النار، ويحتمل أن يراد هذا مع قصد الحلاوة تفاؤلاً قال: ومن كان بمكة سنّ له أن يفطر على ماء زمزم لبركته ولو جمع بينه وبين التمر فحسن اهـ.
стр. 2455
وردّ هذا بأنه مخالف للأخبار وللمعنى الذي شرع الفطر على التمر لأجله وهو حفظ البصر أو أن التمر إذا نزل إلى المعدة فإن وجدها خالية حصل الغذاء وإلا أخرج ما هناك من بقايا الطعام وهذا لا يوجد في ماء زمزم وعن بعضهم الأولى في زماننا أن يفطر على ماء يأخذه بكفّه من النهر ليكون أبعد عن الشبهة. قال في المجموع: وهذا شاذ والمذهب وهو الصواب فطره على تمر ثم ماء.
٤٥ - باب تَعْجِيلِ الإِفْطَارِ
(باب) استحباب (تعجيل الإفطار) للصائم بتحقيق الغروب.
١٩٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ».
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي حازم) بالحاء الجملة والزاي سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) أي إذا تحققوا الغروب بالرؤية أو بإخبار عدلين أو عدل على الأرجح، وما ظرفية أي مدة فعلهم ذلك امتثالاً للسنة واقفين عند حدودها غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدها، وزاد أبو هريرة في حديثه لأن اليهود والنصارى يؤخرون أخرجه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما وتأخير أهل الكتاب له أمد وهو ظهور النجم، وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضًا: لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم، ويكره له أن يؤخره إن قصد ذلك ورأى أن فيه فضيلة وإلا فلا بأس به نقله في المجموع عن نص الأم وعبارته تعجيل الفطر مستحب ولا يكره تأخيره إلا لمن تعمده ورأى أن الفضل فيه، ومقتضاه أن التأخير لا يكره مطلقًا وهو كذلك إذ لا يلزم من كون الشيء مستحبًا أن يكون نقيضه مكروهًا مطلقًا، وخرج بقيد تحقق الغروب ما إذا ظنه فلا يسن له تعجيل الفطر به وما إذا شكه فيحرم به وأما ما يفعله الفلكيون أو بعضهم من التمكين بعد الغروب بدرجة فمخالف للسنة فلذا قل الخير والله يوفقنا إلى سواء السبيل.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة.
١٩٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَصَامَ حَتَّى أَمْسَى، قَالَ لِرَجُلٍ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، قَالَ: لَوِ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسِيَ. قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، إِذَا رَأَيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ".
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله وهو كوفي قال: (حدّثنا أبو
стр. 2456
بكر) هو ابن عياش القارئ (عن سليمان) الشيباني (عن ابن أبي أوفى) عبد الله (﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فصام حتى أمسى) دخل في المساء (قال لرجل):
(أنزل فاجدح لي) (قال: لو انتظرت حتى تمسي قال): (انزل فاجدح لي إذا رأيت الليل) أي ظلامه (قد أقبل من هاهنا) أي من جهة المشرق (فقد أفطر الصائم) خبر بمعنى الأمر أو أفطر حكمًا وإن لم يفطر حسا، فيدل على أنه يستحيل الصوم بالليل شرعًا. قال ابن بزيزة: وقع ببغداد أن رجلاً حلف لا يفطر على حار ولا بارد فأفتى الفقهاء بحنثه إذ لا شيء مما يؤكل أو يشرب إلا وهو حار أو بارد، وأفتى الشيرازي بعدم حنثه فإنه ﷺ جعله مفطرًا بدخول الليل وليس بحار ولا بارد وهذا تعلق باللفظ والأيمان إنما تبنى على المقاصد ومقصود الحالف المطعومات.
٤٦ - باب إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا أفطر) الصائم (في رمضان)، ظانًا غروب الشمس (ثم طلعت الشمس) أي ظهرت هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟
١٩٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: "أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: بُدٌّ مِنْ قَضَاءٍ؟ وَقَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ هِشَامًا يَقُولُ: لَا أَدْرِي أَقْضَوْا أَمْ لَا".
وبالسند قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثي (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام (عن) زوجته وابنة عمه (فاطمة) بنت المنذر (عن أسماء بنت أبي بكر) ولابن عساكر: زيادة الصديق (﵄) أنها (قالت أفطرنا على عهد النبي) ولأبي الوقت: على عهد رسول الله (¬ ﷺ ¬) أي على زمنه وأيام حياته (يوم غيم) بنصب يوم على الظرفية، ولأبي داود وابن خزيمة: في يوم غيم (ثم طلعت الشمس، قيل لهشام): هو ابن عروة المذكور والقائل له هو أبو أسامة كما عند أبي داود وابن أيى شيبة في مصنفه وأحمد في مسنده (فأمروا) من جهة الشارع (بالقضاء؟ قال: بد من قضاء)؟ هل بدّ من قضاء؟ فحرف الاستفهام مقدر، ولأبي ذر لا بدّ من قضاء، وهذا مذهب الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة وعليه أن يمسك بقية النهار لحرمة الوقت ولا كفارة عليه. وحكى في الرعاية من كتب الحنابلة أنه لا قضاء على من جامع يعتقده ليلاً فبان نهارًا لكن الصحيح من مذهبهم، وجزم به الأكثر أنه يجب القضاء والكفارة.
(وقال معمر) بسكون العين المهملة وفتح الميمين ابن راشد مما وصله عبد بن حميد (سمعت هشامًا) أي ابن عروة يقول: (لا أدري أقضوا) ذلك اليوم (أم لا) وقد روى عن مجاهد وعطاء
стр. 2457
وعروة بن الزبير عدم القضاء وجعلوه بمنزلة من أكل ناسيًا وعن عمر يقضي وفي آخر لا رواهما البيهقي وضعفت الثانية النافية، وفي هذا الحديث كما قاله ابن المنير أن المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر فإذا اجتهدوا فأخطأوا فلا حرج عليهم في ذلك وقد أخرجه أبو داود وابن ماجة في الصوم.
٤٧ - باب صَوْمِ الصِّبْيَانِ
وَقَالَ عُمَرَ ﵁ لِنَشْوَانٍ فِي رَمَضَانَ: وَيْلَكَ، وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ. فَضَرَبَهُ.
(باب) حكم (صوم الصبيان) هل يشرع أم لا؟ والمراد الجنس الصادق بالمذكور والإناث، ومذهب الشافعية أنهم يؤمرون به لسبع إذا أطاقوا ويضربون على تركه لعشر قياسًا على الصلاة، ويجب على الوليّ أن يأمرهم به ويضربهم على تركه، لكن نظر بعضهم في القياس بأن الضرب عقوبة فيقتصر فيها على محل ورودها وهو مشهور مذهب المالكية فيفرقون بين الصلاة والصيام فيضربون على الصلاة ولا يكلفون الصيام وهو مذهب المدونة. وعن أحمد في رواية أنه يجب على من بلغ عشر سنين وأطاقه، والصحيح من مذهبه عدم وجوبه عليه وعليه جماهير أصحابه، لكن يؤمر به إذا أطاقه ويضرب عليه ليعتاده قالوا: وحيث قلنا بوجوب الصوم على الصبي فإنه يعصي بالفطر ويلزمه الإمساك والقضاء كالبالغ.
(وقال عمر) بن الخطاب (﵁) فيما وصله سعيد بن منصور والبغوي في الجديات (لنشوان) بفتح النون وسكون الشين المعجمة غير مصروف لأن الاسم يمنع من الصرف للصفة وزيادة الألف والنون بشرط أن لا يكون المؤنث في ذلك بتاء تأنيث نحو: نشوان وعطشان تقول هذا نشوان ورأيت نشوان ومررت بنشوان فتمنعه من الصرف للصفة وزيادة الألف والنون والشرط موجود فيه لأنك لا تقول للمؤنث نشوانة إنما تقول نشوى، لكن حكى الزمخشري في مؤنثه نشوانة وحينئذٍِ فيجوز صرفه، والمعنى قال عمر لرجل سكران (في رمضان: ويلك) بفتح اللام مفعول فعله لازم الحذف أي شربت الخمر (وصبياننا) الصغار (صيام). بالياء، ولغير أبي ذر وابن عساكر: صوّام بضم الصاد وتشديد الواو (فضربه) الحدّ ثمانين سوطًا ثم سيره إلى الشام وهذا من أحسن ما يتعقب به على المالكية لأن أكثر ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها ولا عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر ﵁ مع شدة تحريه ووفور الصحابة في زمانه وقد قال لهذا الرجل كيف وصبياننا صيام.
١٩٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: "أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ. قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ".
стр. 2458
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) قال: (حدّثنا بشر بن المفضل) بالضاد المعجمة المشددة المفتوحة من التفضيل قال: (حدّثنا خالد بن ذكوان) أبو الحسن (عن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية آخره عين مهملة (بنت معوذ) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الواو المكسورة آخره ذال معجمة الأنصارية من المبايعات تحت الشجرة ابن عفراء أنها (قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار) زاد مسلم التي حول المدينة (من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه ومن أصبح صائمًا فليصم) أي فليستمر على صومه (قالت): أي الربيع (فكنا) ولأبي الوقت: كنا (نصومه) أي عاشوراء (بعد ونصوّم صبياننا) زاد مسلم الصغار ونذهب بهم إلى المسجد وهذا تمرين للصبيان على الطاعات وتعويدهم العبادات، وفي حديث رزينة بفتح الراء وكسر الزاي عند ابن خزيمة بإسناد لا بأس به أن النبي ﷺ كان يأمر برضعائه في عاشوراء ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهم أن لا يرضعن إلى الليل وهو يردّ على القرطبي حيث قال في حديث الربيع: هذا أمر فعله النساء بأولادهن ولم يثبت علمه ﵊ بذلك وبعيد أن يأمر بتعذيب صغير بعبادة شاقة اهـ.
ومما يقوى الرد عليه أيضًا أن الصحابي إذا قال فعلنا كذا في عهده ﷺ كان حكمه الرفع لأن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك وتقريرهم عليه مع توفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فما فعلوه إلا بتوقيف.
(ونجعل لهم اللعبة) بضم اللام ما يلعب به (من العهن). الصوف المصبوغ كما سيأتي إن شاء الله قريبًا (فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك) الذي جعلناه من العهن ليلتهي به (حتى يكون عند الإفطار) زاد في رواية ابن عساكر والمستملي قال أي المصنف: العهن الصوف وقد أخرج هذا الحديث مسلم أيضًا في الصوم.
٤٨ - باب الْوِصَالِ، وَمَنْ قَالَ لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ، لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ، وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ
(باب) حكم (الوصال) وهو أن يصوم فرضًا أو نفلاً يومين فأكثر ولا يتناول بالليل مطعومًا عمدًا بلا عذر قاله في شرح المهذّب، وقضيته أن الجماع والاستقاءة وغيرهما من المفطرات لا يخرجه عن الوصال. قال الأسنوي في المهمات: وهو ظاهر من جهة المعنى لأن النهي عن الوصال إنما هو لأجل الضعف والجماع ونحوه يزيده أو لا يمنع حصوله، لكن قال الروياني في البحر: هو أن يستديم جميع أوصاف الصائمين. وقال الجرجاني في الشافي: أن يترك ما أبيح له من غير إفطار. قال الأسنوي أيضًا: وتعبيرهم بصوم يومين يقتضي أن المأمور بالإمساك كتارك النية لا يكون امتناعه بالليل من تعاطي المفطرات وصالاً لأنه ليس بين صومين إلا أن الظاهر أن ذلك جرى على الغالب.
стр. 2459
(و) باب (من قال ليس في الليل صيام) أي ليس محلاً له (لقوله تعالى) ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنه آخر وقته.
وفي حديث أبي سعيد الخير عند الترمذي في جامعه وابن السكن وغيره في الصحابة والدولابي في الكنى مرفوعًا: أن الله لم يكتب الصيام بالليل فمن صام فقد تعنى ولا أجر له. قال ابن منده: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الترمذي: سألت البخاري عن فقال: ما أرى عبادة سمع من أبي سعيد الخير، وعند الإمام أحمد والطبراني وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في تفسيرهما بإسناد صحيح إلى ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه وقال يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى: ﴿وأتموا الصيام إلى الليل﴾ فإذا كان الليل فأفطروا. (ونهى النبي ﷺ ¬) فيما وصله المؤلّف قريبًا من حديث عائشة (عنه) أي عن الوصال (رحمة لهم) أي الأمة (وإبقاء عليهم) أي حفظًا لهم في بقاء أبدانهم على قوّتهم، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن رجل من الصحابة قال: نهى النبي ﷺ عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه.
(و) باب (ما يكره من التعمق) وهو المبالغة في تكلف ما لم يكلف به.
١٩٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُوَاصِلُوا، قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى. أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى».
[الحديث ١٩٦١ - طرفه في: ٧٢٤١].
وبالسند قال (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدثني) بالتوحيد (يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج (قال: حدثني) بالتوحيد أيضًا (قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال) لأصحابه:
(لا تواصلوا) نهي يقتضي الكراهة وهل هي للتنزيه أو للتحريم والأصح عند الشافعية التحريم قال الرافعي: وهو ظاهر نص الشافعي وكرهه مالك. قال الأبيّ: ولو إلى السحر واختار اللخمي جوازه إلى السحر لحديث من واصل فليواصل إلى السحر وقول أشهب من واصل أساء ظاهره التحريم. وقال ابن قدامة في المغني: يكره للتنزيه لا للتحريم ويدل للتحريم قوله في رواية ابن خزيمة من طريق شعبة بهذا الإسناد إياكم والوصال.
(قالوا إنك تواصل)، لم يسم القائلون، وفي رواية أبي هريرة الآتية إن شاء الله تعالى أول الباب اللاحق فقال رجل من المسلمين: وكأن القائل واحد ونسب إلى الجميع لرضاهم به وفيه دليل على استواء المكلفين في الأحكام وأن كل حكم ثبت في حقه ﵊ ثبت في حق أمته إلا ما استثنى فطلبوا الجمع بين قوله في النهي وفعله الدال على الإباحة، فأجابهم باختصاصه به
стр. 2460
حيث (قال) ﵊: (لست) ولابن عساكر: إني لست (كأحد منكم) ولأبي ذر عن الكشميهني: كأحدكم (إني أطعم وأسقى) بضم الهمزة فيها (أو) قال (إني أبيت أطعم وأسقى) حقيقة فيؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صومه وردّ بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً والجمهور على أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال: يعطيني قوّة الآكل والشارب أو أن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب فلا يحس بجوع ولا عطش والفرق بينه وبين الأول أنه على الأول يعطى القوة من غير شبع ولا ريّ بل مع الجوع والظمأ، وعلى الثاني يعطى القوّة مع الشبع والريّ. ورجح الأول فإن الثاني ينافي في حال الصائم ويفوّت المقصود من الصوم والوصال لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها.
١٩٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله-) أصحابه (عن الوصال)، سبق في باب بركة السحور من غير إيجاب من طريق جويرية عن نافع ذكر السبب ولفظه: أن النبي ﷺ واصل فواصل الناس فشق عليهم فنهاهم (قالوا) ولابن عساكر قال قالوا: (إنك تواصل قال):
(إني لست مثلكم)، وفي حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عند مسلم لستم في ذلك مثلي أي لستم على صفتي أو منزلتي من ربي (إني أطعم وأسقى) قال ابن القيم: يحتمل أن يكون المراد ما يغذيه الله تعالى به من معارفه وما يفيضه على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه ونعيمه بحبه قال: ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني ولا سيما الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه.
١٩٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ".
[الحديث ١٩٦٣ - طرفه في: ١٩٦٧].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدثني) بالإفراد (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة الليثي (عن عبد الله بن خباب) بالخاء المعجمة المفتوحة والموحدة المشددة الأنصاري (عن أبي سعيد) الخدري (﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول):
стр. 2461
(لا تواصلوا فأيكم إذا أراد) وسقط لفظ إذا لأبي ذر (أن يواصل فليواصل حتى السحر) بالجر بحتى الجارة التي بمعنى "إلى" وفيه رد على من قال: إن الإمساك بعد الغروب لا يجوز (قالوا فإنك) بالفاء (تواصل يا رسول الله قال):
(إني لست كهيئتكم) أي لست مثل حالتكم وصفتكم في أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله (إني أبيت) حال كوني (لي مطعم) حال كونه (يطعمني و) لي (ساق) حال كونه (يسقين) بحذف الياء في الفرع كالمصحف العثماني في الشعراء. وفي بعض الأصول يسقيني بإثباتها كقراءة يعقوب الحضرمي في الآية حالة الوصل والوقف مراعاة للأصل والحسن البصري في الوصل فقط مراعاة للأصل والرسم.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود من رواية ابن الهاد ولم يخرجه مسلم، ووهم صاحب العمدة فعزاه له وإنما هو من أفراد البخاري كما قاله عبد الحق في الجمع بين الصحيحين وكذا صاحب المنتقى وصاحب الضياء في المختارة بل والحافظ عبد الغني بن سرور في عمدته الكبرى عزا ذلك للبخاري فقط فلعله وقع له في عمدته الصغرى سبق قلم والله أعلم.
١٩٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدٌ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ "رَحْمَةً لَهُمْ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدثني بالإفراد وفي نسخة: أخبرنا (عثمان بن أبي شيبة) أخو أبو بكر بن أبي شيبة (ومحمد) هو ابن سلام (قالا: أخبرنا عبدة) بن سليمان (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة ﵂ قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم)، نصب على التعليل أي لأجل الرحمة، وتمسك به من قال النهي ليس للتحريم كنهيه لهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم، وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير أنه كان يواصل خمسة عشر يومًا، ويأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى أنه ﷺ واصل بأصحابه بعد النهي فلو كان النهي للتحريم لما أقرهم عليه فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة.
وأجيب: بأن قوله رحمة لهم لا يمنع التحريم فإن من رحمته لهم أن حرمه عليهم، وأما مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرًا بل تقريعًا وتنكيلاً فاحتمل ذلك لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم لأنهم إذا باشروه وظهرت لهم حكمة النهي فكان ذلك أدعى إلى قبولهم لما يترتب عليه من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشديد ينافي ذلك. وفرق بعضهم بين من يشق عليه فيحرم ومن لم يشق عليه فيباح.
стр. 2462
(فقالوا: إنك تواصل، قال): (إني لست كهيئتكم إني يطعمني رب ويسقين) بحذف الياء وإثباتها كما مرّ والياء في يطعمني بالضم وفي يسقين بالفتح، والصحيح أن هذا ليس على ظاهره لأنه لو كان على الحقيقة لم يكن مواصلاً، وقيل: إنه كان يؤتى بطعام وشراب في النوم فيستيقظ وهو يجد الريّ والشبع. وقال النووي في شرح المهذّب: معناه محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب والحب البالغ يشغل عنهما وآثر اسم الرب دون اسم الذات المقدسة في قوله: يطعمني ربي دون أن يقول الله لأن التجلي باسم الربوبية أقرب إلى العباد من الألوهية لأنها تجلي عظمة لا طاقة للبشر بها وتجلي الربوبية تجلي رحمة وشفقة وهي أليق بهذا المقام.
(قال أبو عبد الله) البخاري كذا لأبوي ذر والوقت وسقط لغيرهما (لم يذكر عثمان) بن أبي شيبة في الحديث المذكور قوله (رحمة لهم) فدلّ على أنها من رواية محمد بن سلام وحده.
وأخرجه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة جميعًا وفيه رحمة لهم ولم يبين أنها ليست في رواية عثمان، وقد أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان في مسنديهما عن عثمان وليس فيه رحمة لهم.
وأخرجه الجوزقي من طريق محمد بن حاتم عن عثمان وفيه رحمة لهم فيحتمل أن يكون عثمان تارة يذكرها وتارة يحذفها وقد رواها الإسماعيلي عن جعفر الفريابي عن عثمان فجعل ذلك من قول النبي ﷺ ولفظه قالوا: إنك تواصل، قال: (إنما هي رحمة رحمكم الله بها إني لست كهيئتكم) قاله في فتح الباري.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الإيمان ومسلم في الصوم وكذا النسائي.
٤٩ - باب التَّنْكِيلِ لِمَنْ أَكْثَرَ الْوِصَالَ. رَوَاهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب التنكيل) من النكال أي العقوبة من النبي ﷺ (لمن أكثر الوصال). في صومه (رواه) أي التنكيل (أنس عن النبي ﷺ ¬) مما وصله في كتاب التمني.
١٩٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ. فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ. كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا".
[الحديث ١٩٦٥ - أطرافه في: ١٩٦٦، ٦٨٥١، ٧٢٤٢، ٧٢٩٩].
стр. 2463
وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال: حدثني) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر أخبرني بالإفراد فيهما (أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ ¬) أصحابه (عن الوصال في الصوم) فرضًا أو نفلاً (فقال له رجل من المسلمين) لم يسم، وفي رواية عقيل في التعزيز فقال له رجال: (إنك تواصل يا رسول الله) أي ووصلك دال على إباحته فأجابهم ﵊ بأن ذلك من خصائصه حيث قال:
(وأيكم) وفي نسخة: فأيكم (مثلي) استفهام يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد (إني أبيت يطعمني ربي وشقين) بحذف الياء وثبوتها كما سبق تقريره (فلما أبوا) أي امتنعوا (أن ينتهوا عن الوصال) لظنهم أن نهيه ﵊ نهي تنزيه لا تحريم، وللكشميهني كما في الفتح من الوصال بالميم بدل العين (واصل بهم) ﵊ (يومًا ثم يومًا) أي يومين لأجل المصلحة ليبين لهم الحكمة في ذلك (ثم رأوا الهلال فقال) ﵊ (لو تأخر) الشهر (لزدتكم) في الوصال إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التخفيف منه بالترك (كالتنكيل لهم) وفي رواية معمر في التمني كالمنكل لهم ووقع فيها عند المستملي كالمنكر لهم بالراء وسكون النون من الإنكار، وللحموي كالمنكي بتحتية ساكنة قبلها كاف مكسورة خفيفة من الإنكاء والأول هو الذي تضافرت به الروايات خارج هذا الكتاب (حين أبوا) أي امتنعوا (أن ينتهوا) أي عن الانتهاء عن الوصال، وهذا الحديث أخرجه أيضًا النسائي.
١٩٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ، مَرَّتَيْنِ. قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ، فَاكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ».
وبه قال (حدّثنا يحيى) غير منسوب، ولأبي ذر كما في الفتح يحيى بن موسى وهو المعروف بخت قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنغاني (عن معمر) هو ابن راشد (عن همام) بن منبه الصنعاني (أنه سمع أبا هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إياكم والوصال) نصب على التحذير أي احذروا الوصال (مرتين) وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة بلفظ إياكم والوصال ثلاث مرات (قيل إنك تواصل قال): ﵊: (إني أبيت) وفي حديث أنس في باب التمني إني أظل وهو محمول على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ لأن المتحدث عنه هو الإمساك ليلاً لا نهارًا، وأكثر الروايات إنما هو بلفظ: أبيت فكأن بعض الرواة عبر عنها بلفظ أظل نظرًا إلى اشتراكهما في مطلق الكون قال تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا﴾ [النحل: ٥٨] فالمراد به مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل (يطعمني ربي ويسقين) جملة حالية (فاكلفوا) بهمزة وصل وسكون
стр. 2464
الكاف وفتح اللام من كلفت بهذا الأمر أكلف به من باب علم يعلم أن تكلفوا (من العمل ما تطيقون) أي تطيقونه فحذف العائد أي الذي تقدرون عليه ولا تتكلفوا فوق ما تطيقونه فتعجزوا.
٥٠ - باب الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ
(باب) جواز (الوصال إلى السحر) أطلق عليه وصالاً لمشابهته له في الصورة وإلا فحقيقة الوصال أن يمسك جميع الليل كالنهار، لكن يحتاج إلى ثبوت الدعوى بأن الوصال إنما هو حقيقة في إمساك جميع الليل، فقد ورد أنه ﷺ كان يواصل من سحر إلى سحر رواه أحمد وعبد الرزاق عن علي.
١٩٦٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ».
وبالسند قال (حدّثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي ابن محمد بن حمزة بن مصعب بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي الزبيري المدني قال: (حدثني) بالإفراد (ابن أبي حازم) هو عبد العزيز (عن يزيد) بن عبد الله بن الهاد (عن عبد الله بن خباب) بمعجمة وموحدتين الأولى مثقلة المدني من موالي الأنصار وثقه أبو حاتم وغيره (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول).
(لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) بالجر بحتى الجارة وهو قول اللخمي من المالكية ونقل عن أحمد وعبارة الوداوي في تنقيحه ويكره الوصال ولا يكره إلى السحر نصًا وتركه أولى انتهى. وقال به أيضًا ابن خزيمة من الشافعية وطائفة من أهل الحديث (قالوا فإنك تواصل يا رسول الله قال): (لست) ولابن عساكر قال: إني لست (كهيئتكم إني أبيت) حال كوني (لي مطعم) حال كونه (يطعمني و) لي (ساق) حال كونه (يسقين) بفتح أوله وحذف الياء وإثباتها كما تقدم، وهذا لا يعارضه حديث أبي صالح عن أبي هريرة المروي عند ابن خزيمة من طريق عبيدة بن حميد عن الأعمش عنه بلفظ: كان رسول الله ﷺ يواصل إلى السحر ففعل بعض أصحابه ذلك فنهاه الحديث لأن المحفوظ في حديث أبي صالح إطلاق النهي عن الوصال بغير تقييد بالسحر، فرواية عبيدة هذه شاذة. وقد خالفه أبو معاوية وهو أضبط أصحاب الأعمش فلم يذكر ذلك أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية وتابعه عبد الله بن نمير عن الأعمش كما سبق، وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة محفوظة فقد جمع ابن خزيمة بينهما باحتمال أن يكون نهي ﷺ عن الوصال أولاً مطلقًا سواء جميع الليل أو بعضه، وعلى هذا يحمل حديث أبي صالح ثم خص النهي بجميع الليل فأباح الوصال
стр. 2465
إلى السحر، وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد، وقيل يحمل النهي في حديث أبي صالح على كراهة التنزيه، وفي حديث أبي سعيد على ما فوق السحر على كراهة التحريم قاله في الفتح.
ثم شرع المؤلّف في أبواب التطوّع بالصوم فقال:
٥١ - باب مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ
(باب من أقسم) حلف (على أخيه) وكان صائمًا (ليفطر) والحال أنه كان (في) صوم (التطوع ولم ير عليه) أي على هذا المفطر (قضاء) عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه (إذا كان) الإفطار (أوفق له) بالواو في الفرع وغيره. وقال الحافظ ابن حجر: ويروى أرفق بالراء بدل الواو والضمير في له للمقسم عليه أي إذا كان المقسم عليه معذورًا بفطره ومفهومه عدم الجواز ووجوب القضاء على من تعمد بغير سبب ويأتي البحث في هذه المسألة آخر الباب إن شاء الله تعالى. وقال البرماوي كالكرماني: المعنى يفطر إذا كان الإفطار أرفق للمقسم الذي هو صاحب الطعام فإذا متعلقة بما استلزمه قوله لم ير عليه قضاء من جواز إفطاره.
قال الشافعية في باب وليمة العرس ولا تسقط إجابة بصوم فإن شق على الداعي صوم نفل فالفطر أفضل من إتمام الصوم وإن لم يشق عليه فالإتمام أفضل أما صوم الفرض فلا يجوز الخروج منه مضيقًا كان أو موسعًا كالنذر المطلق ولابن عساكر في نسخة إذ كان بسكون الذال يعني حين كان.
١٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. قَالَ: فَأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ. ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ سَلْمَانُ".
[الحديث ١٩٦٨ - طرفه في: ٦١٣٩].
وبالسند قال: (حدثنا محمد بن بشار) بالمعجمة المشددة بعد الموحدة العبدي البصري بندار قال: (حدّثنا جعفر بن عون) المخزومي القرشي قال: (حدّثنا أبو العميس) بضم العين المهملة وفتح الميم وإسكان التحتية آخره سين مهملة اسمه عتبة بن عبد الله بن مسعود (عن عون بن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وإسكان المثناة التحتية وفتح الفاء (عن أبيه) أبي جحيفة وهب بن
стр. 2466
عبد الله السوائي أنه (قال: آخى النبي ﷺ بين سليمان) بن عبد الله الفارسي ويقال له سلمان ابن الإسلام وسلمان الخير أصله من رامهرمز وقيل من أصبهان عاش فيما رواه أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين ثلاثمائة وخمسين سنة ويقال إنه أدرك عيسى ابن مريم، وقيل بل أدرك وصي عيسى وكان أول مشاهده الخندق، وقال ابن عبد البر يقال أنه شهد بدرًا (و) بين (أبي الدرداء)، عويمر أو عامر بن قيس الأنصاري أول مشاهده أحد (فزار سلمان أبا الدرداء) في عهده ﷺ وكان أبو الدرداء غائبًا (فرأى) سلمان (أم الدرداء) هي خيرة بفتح الخاء المعجمة بنت أبي حدرد الأسلمية الصحابية الكبرى وليست أم الدرداء الصغرى المسماة هجيمة (متبذّلة) بضم الميم وفتح المثناة الفوقية والموحدة وكسر المعجمة المشددة أي لابسة ثياب البذلة بكسر الموحدة وسكون المعجمة أي المهنة وزنًا ومعنى أي تاركة للباس الزينة وللكشميهني مبتذلة بميم مضمومة فموحدة ساكنة ففوقية مفتوحة فمعجمة مكسورة.
(فقال) سلمان (لها: ما شأنك)؟ يا أم الدرداء مبتذلة (قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا) وللدارقطني: من وجه آخر عن محمد بن عون في نساء الدنيا وزاد ابن خزيمة يصوم النهار ويقوم الليل، (فجاء أبو الدرداء) زاد الترمذي فرحب بسلمان (فصنع له (طعامًا) وقربه إليه ليأكل (فقال): سلمان لأبي الدرداء (كُل قال): أبو الدرداء (فإني صائم) وفي رواية الترمذي فقال: كُل فإني صائم، وعلى هذا فالقائل أبو الدرداء والمقول له سلمان (قال) سلمان لأبي الدرداء (ما أنا بآكل) من طعامك (حتى تأكل). أراد سلمان أن يصرف أبا الدرداء عن رأيه فيما يصنعه من جهد نفسه في العبادة وغير ذلك مما شكته إليه زوجته (قال: فأكل)، أبو الدرداء معه.
فإن قلت: لم يذكر في هذا الحديث قسمًا من سلمان حتى تقع المطابقة بينه وبين الترجمة حيث قال من أقسم على أخيه؟ قلت أجاب ابن المنير بأنه إما لأنه في طريق آخر وإما لأن القسم في هذا السياق مقدر قبل لفظ ما أنا بآكل كما قدر في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١] وتعقبه في المصابيح بأنه يحتاج إلى إثبات الطريق الذي وقع فيه القسم والاحتمال ليس كافيًا في ذلك، وتقدير قسم هنا تقدير ما لا دليل عليه فلا يصار إليه انتهى.
وقد وقع في رواية البزار عن محمد بن بشار شيخ المؤلّف كما أفاده في الفتح فقال: أقسمت عليك لتفطرن، وكذا رواه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى والدارقطني من طريق علي بن مسلم وغيره والطبراني من طريق أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة والعباس بن عبد العظيم، وابن حبان من طريق أبي خيثمة كلهم عن جعفر بن عون به، فكأن محمد بن بشار لم يذكر هذه الجملة لما حدث به المؤلّف وبلغ المؤلّف ذلك من غيره فاستعمل هذه الزيادة في الترجمة.
(فلما كان الليل) أي أوله (ذهب أبو الدرداء) حال كونه (يقوم) يعني يصلّي. وقد روى الطبراني هذا الحديث من وجه آخر عن محمد بن سيرين مرسلاً فعين الليلة التي بات سلمان فيها عند
стр. 2467
أبي الدرداء ولفظه كان أبو الدرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها. (قال) سلمان له (نم فنام) أبو الدرداء (ثم ذهب يقوم، فقال) له سلمان: (نم فلما كان من آخر الليل) عند السحر (قال) له (سلمان. قم الآن) فقام أبو الدرداء وسلمان وتوضأ (فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا) زاد الترمذي وابن خزيمة وإن لضيفك عليك حقًا (فأعط كل ذي حق حقه). بقطع همزة فأعط وللدارقطني فصم وأفطر ونم وائت أهلك (فأتى) أبو الدرداء (النبى ﷺ فذكر ذلك) الذي قاله سلمان (له) ﵊ (فقال النبي ﷺ ¬):
(صدق سلمان) وللترمذي فأتيا بالتثنية وفيه: أنه لا يجب إتمام صوم التطوع إذا شرع فيه كصلاته واعتكافه لئلا يغير الشروع حكم المشروع فيه ولحديث الترمذي وصححه الحاكم: الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ويقاس بالصوم الصلاة ونحوها، لكن يكره الخروج منه لظاهر قوله: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد ﷺ : ٣٣] وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى إلا بعذر كمساعدة ضيف في أكل إذا عز عليه امتناع مضيفه منه أو عكسه فلا يكره الخروج منه، بل يستحب لحديث الباب مع زيادة الترمذي: وإن لضيفك عليك حقًا أما إذا لم يعز على أحدهما امتناع الآخر من ذلك فالأفضل عدم خروجه منه ذكره في المجموع، وإذا خرج منه قال المتولي: لا يثاب على ما مضى لأن العبادة لم تتم، وحكي عن الشافعي أنه يثاب عليه وهو الوجه إن خرج منه بعذر ويستحب قضاؤه سواء خرج بعذر أو بغيره وهذا مذهب الشافعية والحنابلة والجمهور، وقال المالكية: يجب البقاء في صوم النفل بالفطر إذا كان عمدًا حرامًا فلا قضاء على من أفطر ناسيًا ولا على من أفطر لعذر من مرض أو غيره، فلو شرع في صوم نفل وجب عليه إتمامه وحرم عليه الفطر من غير عذر ولو حلف عليه شخص بالطلاق الثلاث فإنه يحنثه ولا يفطر فإن أفطر وجب عليه القضاء إلا في كوالد وشيخ وإن لم يحلفا.
وفي حكايات أهل الطريق أن بعض الشيوخ حضر دعوة فعرض الطعام على تلميذه فقال: إني على نيّة وأبى أن يأكل فقال له الشيخ: كُلْ وأنا أضمن لك أجر سنة فأبى، فقال الشيخ: دعوه فإنه سقط من عين الله فنسأل الله العافية.
وقال الحنفية يلزمه القضاء مطلقًا أفسد عن قصد أو غير قصد بأن عرض الحيض للصائمة المتطوعة لا خلاف بين أصحابنا في ذلك وإنما اختلاف الرواية في نفس الإفساد هل يباح أو لا؟ ظاهر الرواية لا إلاّ لعذر، ورواية المنتقى يباح بلا عذر، ثم اختلف المشايخ على ظاهر الرواية هل الضيافة عذر أو لا؟ قيل: نعم، وقيل لا، وقيل عذر قبل الزوال لا بعده إلا إذا كان في عدم الفطر بعده عقوق لأحد الوالدين لا غيرهما حتى لو حلف عليه رجل بالطلاق الثلاث لتفطرن لا يفطر لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] وقوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾ [الحديد: ٢٧] الآية سبقت في معرض ذمهم
стр. 2468
على عدم رعاية ما التزموه من القرب التي لم تكتب عليهم والقدر المؤدي عمل كذلك فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النصين فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا عن الإبطال.
وأجيب: بأن المراد لا تحبطوا الطاعات بالكبائر أو بالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها وهذا غير الإبطال الوجب للقضاء، وقد قال ابن المنير من المالكية في الحاشية: ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ إلا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان ونحوه، فمذهب الشافعية في هذه المسألة أظهر.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما ذكرته مما يطول استقصاؤه ولا يخفى على متأمل، وأخرجه المؤلّف في الأدب وكذا الترمذي.
٥٢ - باب صَوْمِ شَعْبَانَ
(باب) فضل (صوم شعبان).
١٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ".
[الحديث ١٩٦٩ - طرفاه في: ١٩٧٠، ٦٤٦٥].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي النضر) بفتح النون وسكون المعجمة سالم بن أبي أمية (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن عائشة ﵂) أنها (قالت) (كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم)، أي ينتهي صومه إلى غاية نقول إنه لا يفطر ويفطر فينتهي إفطاره إلى غاية حتى نقول إنه لا يصوم (فما) بالفاء ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: وما (رأيت رسول الله) ولأبوي ذر والوقت: النبي (¬ ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان) وإنما لم يستكمل شهرًا غير رمضان لئلا يظن وجوبه "وما رأيته صيامًا منه في شعبان" بنصب صيامًا. قال البرماوي كالزركشي وروي بالخفض.
قال السهيلي: وهو وهم كأنه بناه على كتابتها بغير ألف على لغة من يقف على المنصوب المنون بلا ألف فتوهمه مخفوضًا لا سيما وصيغة أفعل تضاف كثيرًا فتوهمها مضافة، ولكن الإضافة هنا ممتنعة قطعًا ووجه تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكون أعمال العباد ترفع فيه ففي النسائي من حديث أسامة قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من المشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم، فبين ﷺ وجه صيامه لشعبان دون غيره من المشهور بقوله: إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما
стр. 2469
فصار مغفولاً عنه، وكثير من الناس من يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس كذلك، وقيل في تخصيصه شعبان غير ذلك.
وحديث الباب أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الصيام.
١٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا. وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ. وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا".
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (أن عائشة ﵂ حدثته قالت): (لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان فإنه كان يصوم شعبان كله)، واستشكل هذا مع قوله في الرواية الأولى وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان.
وأجيب: بأن الرواية الأولى مفسرة لهذه ومبينة بأن المراد بكله غالبه، وقيل كان يصومه في وقت وبعضه في آخر، وقيل كان يصوم تارة من أوّله وتارة من وسطه وتارة من آخره ولا يترك منه شيئًا بلا صيام، لكن في أكثر من سنة كذا قاله غير واحد كالزركشي وتعقبه في المصابيح بأن الثلاثة كلها ضعيفة فأما الأول إطلاق الكل على الأكثر مع الإتيان به توكيدًا غير معهود اهـ.
وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال صام الشهر كله، ويقال قام فلان ليله أجمع ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره. قال الترمذي: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك فالمراد الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال واستبعده أيضًا فقال كل توكيد لإرادة الشمول ورفع أتجوّز من احتمال البعض فتفسيره بالبعض مناف له اهـ.
وتعقبه أيضًا الحافظ زين الدين العراقي بأن في حديث أم سلمة عند الترمذي قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان فعطف رمضان عليه يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه والعطف يقتضي المشاركة فيما عطف عليه وإن مشى ذلك فإنما يمشي على رأي من يقول أن اللفظ الواحد يحمل على حقيقته ومجازه وفيه خلاف لأهل الأصول. قال في عمدة القارئ: ولا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضًا لأن من قال ذلك قاله في اللفظ الواحد وهنا لفظان شعبان ورمضان اهـ.
فلينظر هذا مع قول ابن المبارك أنه جائز في كلام العرب، قال في المصابيح. وأما الثاني فلأن قولها كان يصوم شعبان كله يقتضي تكرار الفعل وأن ذلك عادة له على ما هو المعروف في مثل هذه العبارة اهـ.
стр. 2470
واختلف في دلالة كان على التكرار وصحح ابن الحاجب أنها تقتضيه قال: وهذا استفدناه من قولهم كان حاتم يقري الضيف، وصحح الإمام فخر الدين في المحصول أنها لا تقتضيه لا لغة ولا عرفًا. وقال النووي في شرح مسلم: إنه المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين، وذكر ابن دقيق العيد أنها تقتضيه عرفًا اهـ.
قال في المصابيح: وأما الثالث فلأن أسماء المشهور إذا ذكرت غير مضاف إليها لفظ شهر كان العمل عامًا لجميعها لا تقول سرت المحرم وقد سرت بعضًا منه ولا تقول صمت رمضان وإنما صمت بعضه، فإن أضفت الشهر إليه لم يلزم التعميم هذا مذهب سيبويه وتبعه عليه غير واحد. قال الصفار: ولم يخالف في ذلك إلا الزجاج، ويمكن أن يقال إن قولها وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان لا ينفي صيامه لجميعه، فإن المراد أكثرية صيامه فيه على صيامه في غيره من المشهور التي لم يفرض فيها الصوم وذلك صادق بصومه لكله لأنه إذا صامه جميعه صدق أن الصوم الذي أوقعه فيه أكثر من الصوم الذي أوقعه في غيره ضرورة أنه لم يصم غيره مما عدا رمضان كاملاً.
وأما قولها: لم يستكمل صيام شهر إلا رمضان فيحمل على الحذف أي إلا رمضان وشعبان بدليل قولها في الطريق الأخرى فإنه كان يصوم شعبان كله وحذف المعطوف والعاطف جميعًا ليس بعزيز كلامهم ففي التنزيل ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ [الحديد: ١٠] أي ومن أنفق من بعده وفيه سرابيل تقيكم الحر أي والبرد. قال: ويمكن الجمع بطريق أخرى وهي أن يكون قولها وكان يصوم شعبان كله محمولاً على حذف أداة الاستثناء والمستثنى أي إلا قليلاً منه، ويدل عليه حديث عبد الرزاق بلفظ: ما رأيت رسول الله ﷺ أكثر صيامًا منه في شعبان فإنه كان يصومه كله إلا قليلاً.
فإن قلت: قد ورد في حديث مسلم أن أفضل الصيام بعد رمضان المحرم فكيف أكثر ﵊ منه في شعبان دون المحرم؟ أجيب: باحتمال أنه ﷺ لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر حياته قبل التمكن من صومه أو لعله كان يعرض له فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه.
(وكان) ﵊ (يقول) (خذوا من العمل ما تطيقون) المداومة عليه بلا ضرر (فإن الله) (لا يمل) بفتح الياء التحتية والميم. قال النووي: الملل السآمة وهو بالمعنى المتعاف في حقنا محال في حق الله تعالى فيجب تأويله، فقال المحققون: أي لا يعاملكم معاملة الملل فيقطع عنكم ثوابه وفضله ورحمته (حتى تملوا). بفتح الأول والثاني أي تقطعوا أعمالكم وقال الكرماني هو إطلاق مجازي عن ترك الجزاء وقال بعضهم: معناه لا تتكلفوا حتى تملوا فإن الله ﷻ منزه عن الملالة ولكنكم تملون قبول فيض الرحمة. (وأحب الصلاة إلى النبي ﷺ ¬) ولابن عساكر: وأحب الصلاة إلى الله (ما دووم عليه) بضم الدال وسكون الواو الأولى وكسر الثانية مبنيًا للمفعول من الداومة من باب الفاعلة، وفي نسخة ما ديم مبنيًا للمفعول أيضًا من دام والأول من
стр. 2471
داوم، (وإن قلت وكان إذا صلّى صلاة داوم عليها) وفي الإدامة والمواظبة فوائد منها تخلق النفس واعتيادها ولله در القائل:
هي النفس ما عودتها تتعوّد
والمواظب يتعرض لنفحات الرحمة قال ﵊: إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها.
٥٣ - باب مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِفْطَارِهِ
(باب ما يذكر من صوم النبي ﷺ ¬) التطوّع (وإفطاره) في خلال صومه.
١٩٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "مَا صَامَ النَّبِيُّ ﷺ شَهْرًا كَامِلاً قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يَصُومُ".
وبالسند قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدثني بالإفراد (موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن أبي بشر) جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري (عن سعيد) ولأبي الوقت: سعيد بن جبير (عن ابن عباس ﵄) ولمسلم من طريق عثمان بن حكيم سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب فقال: سمعت ابن عباس (قال) "ما صام النبي ﷺ شهرًا كاملاً قط غير رمضان" هو كقول عائشة لم يستكمل صيام شهر إلا رمضان ويعارضه ظاهر قولها كان يصوم شعبان كله فإما أن يحمل على الأكثرية أو على أنه لم يره يستكمل إلا رمضان فأخبر على حسب اعتقاده (ويصوم) ولمسلم: وكان يصوم (حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم). ومطابقته للترجمة ظاهرة، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه في الصوم.
١٩٧٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا: وَكَانَ لَا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ". وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْمِ ح.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى القرشي العامري الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد (محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير المدني (عن حميد) الطويل (أنه سمع أنسًا ﵁ يقول): (كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه) بفتح همزة أن ونصب يصوم ورفعه لأن أن إما ناصبة ولا نافية وإما مفسرة، ولا ناهية ونظن بنون الجمع كما
стр. 2472
في اليونينية وزاد في فتح الباري يظن بالمثناة التحتية المضمومة وفتح المعجمة مبنيًّا للمفعول وتظن بالمثناة الفوقية على المخاطبة قال: ويؤيده قوله بعد ذلك إلا رأيته فإنه روى بالضم والفتح معًا (ويصوم) من الشهر (حتى نظن أن لا يفطر منه شيئًا: وكان لا تشاء تراه من الليل مصليًا إلا رأيته) أي مصليًا (ولا) تشاء تراه من الليل (نائمًا، إلا رأيته) أي نائمًا يعني أنه كان تارة يقوم من أول الليل وتارة من وسطه وتارة من آخره كما كان يصوم تارة من أو الشهر وتارة من وسطه وتارة من آخره فكان من أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائمًا أو في وقت من أوقات الشهر صائمًا فراقبه المرة بعد المرة فلا بد أن يصادفه قائمًا على وفق ما أراد أن يراه وليس المراد أنه كان يسرد الصوم ولا أنه كان يستوعب الليل قائمًا. وأما قول عائشة وكان إذا صلّى صلاة داوم عليها فالمراد به ما اتخذه راتبًا لا مطلق النافلة فلا تعارض قاله في فتح الباري:
(وقال): وسقطت الواو في رواية أبي الوقت (سليمان) بن حيان الأحمر مما وصله المؤلّف في الباب (عن حميد) الطويل (أنه سأل أنسًا في الصوم).
١٩٧٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مُفْطِرًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مِنَ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ، وَلَا نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد) ولأبي ذر: هو ابن سلام قال: (أخبرنا أبو خالد) سليمان بن حيان (الأحمر) قال: (أخبرنا حميد) الطويل (قال: سألت أنسًا ﵁ عن صيام النبي ﷺ فقال): (ما كنت أحب أن أراه) أي ما كنت أحب رؤيته (من الشهر) حال كونه (صائمًا إلا رأيته) صائمًا (ولا) كنت أحب أن أراه من الشهر حال كونه (مفطرًا إلا رأيته) مفطرًا (ولا) كنت أحب أن أراه (من الليل) حال كونه (قائمًا إلا رأيته) قائمًا (ولا) كنت أحب أن أراه من الليل حال كونه (نائمًا إلا رأيته) نائمًا (ولا مسست) بفتح الميم وكسر السين الأولى على الأفصح وسكون الثانية (خزة) بفتح الخاء والزاي المشددة المعجمتين هو في الأصل اسم دابة ثم سمي الثوب المتخذ من وبره خزا (ولا حريرة) وفي نسخة ولا حرير (ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت) بكسر الميم الأولى. وقول ابن درستويه والعامة يخطئون في فتحها. تعقبه في المصابيح بأنها لغة حكاها الفراء قال: ومضارع المكسور أشم بفتح الشين والآخر أشم بضمها (مِسْكة ولا عبيرة) بالموحدة المكسورة والتحتية الساكنة والعبير طيب معمول من أخلاط ولابن عساكر ولا عنبرة بنون ساكنة فموحدة مفتوحة القطعة من العنبر المعروف (أطيب رائحة من رائحة) وللكشميهني كما في الفتح من ريح (رسول الله ﷺ ¬) فقد كان ﵊ على أكمل الصفات خلقًا وخلقًا فهو كل الكمال وجملة الجمال.
стр. 2473
وفي حديثي الباب أنه ﵊ لم يصم الدهر ولا قام كل الليل ولعله إنما ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على أمته وإن كان قد أعطي من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى فصام وأفطر وقام ونام ليقتدي به العابدون ﷺ كثيرًا.
٥٤ - باب حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ
(باب حق الضيف في الصوم) أي في صوم المضيف.
١٩٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: "دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، يَعْنِي «إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ».
وبه قال (حدّثنا إسحاق) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا هارون بن إسماعيل) الخزاز قال: (حدّثنا علي) وفي نسخة: علي بن المبارك أي الهنائي قال: (حدّثنا يحيى) بن أبي كثير (قال: حدثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ قال: دخل عليّ رسول الله ﷺ فذكر الحديث) هكذا أورده مختصرًا ثم ذكر ما يشهد لما ترجم له فقال (يعني):
(إن لزورك) بفتح الزاي وسكون الواو. قال في التنقيح كالنهاية: وهو في الأصل مصدر وضع موضع الاسم كصوم ونوم بمعنى صائم ونائم وقد يكون اسم جمع له واحد من اللفظ وهو زائر كراكب وركب أي أن لضيفك (عليك حقًا) أي فتفطر لأجله إيناسًا له وبسطًا (وإن لزوجك عليك حقًا) وحقها هنا الوطء فإذا سر الزوج الصوم ووالى قيام الليل ضعف عن حقها قال عبد الله بن عمرو بن العاصي، (فقلت): بالفاء، ولابن عساكر: قلت: (وما صوم داود)؟ في الباب التالي قال: فصم صيام نبي الله داود ﵇ ولا تزد عليه قلت وما كان صيام نبي الله داود؟ (قال): (نصف الدهر) وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا النسائي.
٥٥ - باب حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ
(باب حق الجسم في الصوم) على المتطوّع بأن يرفق به لئلا يضعف فيعجز عن أداء الفرائض.
١٩٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ "قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟
стр. 2474
فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ. فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَىَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇؟ قَالَ: نِصْفَ الدَّهْرِ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ ﷺ ".
وبالسند قال: (حدّثنا ابن مقاتل) ولأبي الوقت: محمد بن مقاتل أي المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال (أخبرني الأوزاعي) بالزاي عبد الرحمن بن عمرو (قال: حدثني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (أبو سلمة بن عبد الرحمن قال حدثني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄) أنه قال (قال لي رسول الله ﷺ ¬):
(يا عبد الله، ألم أخبر) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة مبنيًا للمفعول وهمزة ألم للاستفهام (أنك تصوم النهار وتقوم الليل)؟ أي فيه (فقلت: بلى يا رسول الله) زاد مسلم ولم أرد إلا الخير (قال) (فلا) ولابن عساكر لا (تفعل) زاد بعد بابين فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين (صم وأفطر)، بهمزة قطع (وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا)، بأن ترعاه وترفق به ولا تضره حتى تقعد عن القيام بالفرائض ونحوها وقد ذم الله قومًا أكثروا من العبادة ثم تركوا بقوله تعالى ورهبانية ابتدعوها إلى قوله فما رعوها حق رعايتها (وإن لعينك عليك حقًا) بالإفراد في الفرع ولغير الكشميهني لعينيك بالتثنية (وإن لزوجك عليك حقًا)، في الوطء (وإن لزورك) أي لضيفك (عليك حقًا) في البسط والمؤانسة وغيرهما (وإن بحسبك) بسكون السين المهملة وفي اليونينية بفتحها. قال البرماوي كالزركشي بفتح السين وحكى إسكانها والباء فيه زائدة أي كافيك (أن تصوم كل شهر) في محل رفع خبر أن. قال في المصابيح: وينبغي أن يكون هذا الإعراب متعينًا ويؤخذ منه صحة ما ذهب إليه ابن مالك في قولك بحسبك زيد أن حسبك مبتدأ وزيد خبر وأنه من باب الإخبار بالمعرفة عن النكرة لأن حسبك لا يتعرف بالإضافة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من كل شهر، وله عن الكشميهني في كل شهر (ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر فإذن بالنون في الفرع وأصله وفي غيرهما بالألف منوّنة وعليه الجمهور ورسم المصحف وقال بالأوّل المازني والمبرد، وقال الفراء: إن عملت كتبت بالألف وإلا كتبت بالنون للفرق بينها وبين إذا وتبعه ابن خروف. قال في القاموس: ويحذفون الهمزة فيقولون ذن والأكثر أن تكون جوابًا لأن أو لو ظاهرتين أو مقدرتين والمقدر هنا أن أي أن صمتها فإذا (ذلك صيام الدهر كله) قال الحافظ ابن حجر وغيره: إذا بغير تنوين للمفاجأة. قال العيني: تقديره إن صمت ثلاثة أيام من كل شهر
стр. 2475
فاجأت عشر أمثالها كما في قوله تعالى: ﴿ثم إذا دعاكم﴾ [الروم: ٢٥] الآية تقديره ثم إذا دعاكم فاجأتم الخروج في ذلك الوقت قال عبد الله: (فشددت) على نفسي (فشدد عليّ) بضم الشين مبنيًّا للمفعول (قلت: يا رسول الله إني أجد قوّة) على أكثر من ذلك (قال) ﵊: إن كنت تجد قوّة. (فصم صيام نبي الله داود ﵇ ولا تزد عليه) (قلت وما كان صيام نبي الله داود ﵊؟ قال) ﵊: كان صيامه (نصف) صوم (الدهر) وهو أن يفطر يومًا ويصوم يومًا. (وكان عبد الله) بن عمرو بن العاصي (يقول بعد ما كبر): بكسر الموحدة أي وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه وشق عليه (يا ليتني قبلت رخصة ﷺ ¬) وأخذت بالأخف.
٥٦ - باب صَوْمِ الدَّهْرِ
(باب) بيان حكم (صوم الدهر) هل هو مشروع أم لا؟ ومذهب الشافعية استحبابه لإطلاق الأدلة ولأنه- ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد بيده" أخرجه أحمد والنسائي وابنا خزيمة وحبان والبيهقي أي عنه فلم يدخلها. قال الغزالي: لأنه لما ضيق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرقها بالعبادة فإن خاف ضررًا أو فوت حق كره صومه وهل المراد الواجب أو المندوب؟ قال السبكي: ويتجه أن يقال أنه إن علم أنه يفوّت حقًا واجبًا حرم وإن علم أنه يفوت حقًا مندوبًا أولى من الصيام كره وإن كان يقوم مقامه فلا.
١٩٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: "أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ: فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهْوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ. فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاصي (قال: أخبر رسول الله ﷺ ¬) بضم الهمزة وسكون المعجمة وكسر الموحدة مبنيًا للمفعول ورسول الله رفع نائب عن الفاعل (إني أقول: والله لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ما عشت)، أي مدة حياتي. (فقلت له): ﵊ فيه
стр. 2476
كلام مطويّ تقديره فقال لي ﵊: أنت تقول والله لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ما عشت، ولمسلم: أنت الذي تقول ذلك فقلت له: (قد) ولأبي الوقت: فقد (قلته بأبي أنت وأمي) أي أفديك بهما (قال) ﵊.
(فإنك لا تستطيع ذلك) الذي قلته من صيام النهار وقيام الليل لحصول المشقة وإن لم يتعذر الفعل أو بأن تبلغ من العمر ما يتعذر معه ذلك وعلمه ﵊ بطريق ما أو المراد لا تستطيع ذلك مع القيام ببقية المصالح الشرعية شرعًا (فصم وأفطر)، بهمزة قطع (وقم ونم)، ثم بين ما أجمل فقال (وصم من الشهر ثلاثة أيام) لم يعينها ثم علل وجه كونها ثلاثة بقوله (فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر) استشكل هذا من جهة أن القواعد تقتضي أن المقدر لا يكون كالمحقق وأن الأجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح أو المشقّة في الفعل فكيف يوازي من له حسنة واحدة في كل يوم جميع السنة من له عشر فيه وكيف يتساوى العامل وغيره في الأجر؟ وأجيب: بأن المراد هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل من الفعل فالمثلية لا تقتضي المساواة من كل وجه. نعم يصدق على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازًا قال عبد الله (قلت): يا رسول الله (إني أطيق أفضل من
ذلك) أكثر من صيام ثلاثة أيام من كل شهر (قال): ﵊: (فصم يومًا وأفطر يومين) بالإفراد في الأول والتثنية في الآخر وفي رواية حسين المعلم في الأدب فصم من كل جمعة ثلاثة أيام. وفي رواية أبي المليح الآتية إن شاء الله تعالى في باب صوم داود: أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ قال، قلت يا رسول الله. قال: خمسًا قلت: يا رسول الله. قال: سبعًا. قلت يا رسول الله. قال: تسعًا قلت يا رسول الله قال: إحدى عشرة (قلت إني أطيق أفضل) أكثر (من ذلك قال): (فصم يومًا وأفطر يومًا فذلك صيام داود ﵇ وهو أفضل الصيام) وفي قيام الليل من طريق عمرو بن أوسٍ عن عبد الله بن عمرو أحب الصيام إلى الله صيام داود، وهذا يقتضي ثبوت الأفضلية مطلقًا ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة (فقلت: إني أطيق أفضل) أكثر (من ذلك، فقال النبي ﷺ ¬): (لا) صوم (أفضل من ذلك) فهو يفضل من صوم الدهر كما قاله المتولي وغيره: ويترجج من حيث المعنى بأن صيام الدهر قد يفوّت بعض الحقوق وبأن من اعتاده فإنه لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهارًا ويألف تناوله في الليل بحيث يتجدد له طبع زائد بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنه ينتقل من فطر إلى صوم ومن صوم إلى فطر، وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصوم ويأمن مع ذلك من تفويت الحقوق، وعند سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن ابن مسعود أنه قيل له: إنك لتقل الصيام. فقال: إني أخاف أن يضعفني عن القراءة والقراءة أحب إلي من الصيام، لكن في فتاوى ابن عبد السلام أن صوم الدهر أفضل لأنه أكثر عملاً فيكون أكثر أجرًا وما كان أكثر أجرًا كان أكثر ثوابًا وبذلك جزم الغزالي أولاً وقيده بشرط أن لا يصوم الأيام المنهي عنها وأن لا يرغب عن السنة بأن يجعل الصوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن فالصوم من أفضل الأعمال فالاستكثار منه زيادة في الفضل.
стр. 2477
وقوله في الحديث: لا أفضل من ذلك أي لك وذلك لما علم من حاله ومنتهى قوته وأن ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن الفرائض ويقعد به عن الحقوق والمصالح، ويلتحق به من في معناه. لكن تعقبه ابن دقيق العيد بأن الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد وليس كل ذلك معلومًا لنا ولا مستحضرًا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فمقدار تأثير كل واحدة منها في الحث أو المنع غير محقق لنا فالطريق حينئذ أن نفوّض الأمر إلى صاحب الشرع ونجري على ما دل عليه ظاهر الشرع من قوة الظاهر هنا، وأما زيادة العمل واقتضاء العادة لزيادة الأجر بسببه فيعارضه اقتضاء العادة والجبلة للتقصير في حقوق يعارضها الصوم الدائم ومقادير ذلك الفائت مع أن مقادير الحاصل من الصوم غير معلومه لنا.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: وذلك مثل صيام الدهر.
٥٧ - باب حَقِّ الأَهْلِ فِي الصَّوْمِ، رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب حق الأهل) الأولاد والقرابة (في الصوم رواه) أي حق الأهل (أبو جحيفة) وهب بن عبد الله السوائي فيما سبق في قصة سلمان وأبي الدرداء (عن النبي ﷺ ¬) حيث قال سلمان لأبي الدرداء: وأن لأهلك عليك حقًا، وأقره ﷺ عليه.
١٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَطَاءً أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ يَقُولُ: "بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَىَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي وَلَا تَنَامُ؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا. قَالَ: إِنِّي لأَقْوَى لِذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ﵇ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى. قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ" قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ». مَرَّتَيْنِ.
وبالسند قال (حدّثنا عمرو بن علي) الباهلي الصيرفي الفلاس البصري قال: (أخبرنا) ولابن عساكر: حدّثنا (أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكي قال: (سمعت عطاء) هو ابن أبي رباح المكي (أن أبا العباس) السائب الأعمى (الشاعر) المكي (أخبره أنه سمع عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: بلغ النبي ﷺ ¬) أي من أبيه عمرو بن العاص (إني أُسرد الصوم)، بضم الراء أي أصوم متتابعًا ولا أفطر (وأصلي الليل) كله (فإما أرسل) ﵊ (إليّ وإما لقيته) ﵊ من غير إرسال (فقال):
(ألم أخبر) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة (إنك تصوم ولا تفطر وتصلي)؟ أي الليل (ولا تنام فصم وأفطر) بهمزة قطع (وقم ونم، فإن لعينك) بالإِفراد ولغير السرخسي والكشميهني
стр. 2478
كما في الفتح: لعينيك بالتثنية (عليك حظًا) بالظاء المعجمة بدل القاف أي نصيبًا من النوم (وإن لنفسك وأهلك عليك حظًا) بالظاء المعجمة أيضًا وحق النفس الرفق بها والأهل في الكسب والقيام بنفقتهم ولا يدئب نفسه بحيث يضعف عن القيام بما يجب من ذلك (قال) عبد الله (إني لأقوى لذلك) أي لسرد الصوم دائمًا ولابن عساكر إني لأقوى ذلك كذا في اليونينية بإسقاط حرف الجر وفي نسخة على ذلك (قال): ﵊: (فصم صيام داود ﵇ (قال) عبد الله يا رسول الله (وكيف)؟ أي صيام داود كما في مسلم (قال): ﵊ (كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر) أي لا يهرب (إذا لاقى) العدو أشار به إلى أن الصوم على هذا الوجه لا ينهك البدن بحيث يضعف عن لقاء العدو بل يستعان بفطر يوم على صيام يوم فلا يضعف عن الجهاد وغيره من الحقوق. (قال) عبد الله (من لي بهذه) الخصلة الأخيرة وهي عدم الفرار أي من يتكفل لي بها (يا نبي الله. قال عطاء): هو ابن أبي رباح بالإسناد السابق (لا أدري كيف ذكر) بفتحات (صيام الأبد) أي لا أحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصة إلا أني أحفظ أنه (قال النبي ﷺ ¬): (لا صام من صام الأبد مرتين) استدلّ به من قال بكراهة صوم الدهر لأن قوله: لا صام يحتمل الدعاء ويحتمل الخبر.
قال ابن العربي: إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي ﷺ ، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه ﷺ أنه لم يصم وإذا لم يصم شرعًا فلم يكتب له ثواب لوجوب صدق قوله ﵊ لأنه نفى عنه الصوم وقد نفى عنه الفضل كما تقدم فكيف يطلب الفضل فيما نفاه ﷺ ، وأجيب بأجوبة:
أحدها: أنه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيد والتشريق. قال النووي: وبهذا أجابت عائشة اهـ.
وهو اختيار ابن المنذر وطائفة، وتعقب بأنه ﵊ قال جوابًا لمن سأله عن صوم الدهر لا صام ولا أفطر وهو يؤذن بأنه لا أجر ولا إثم، ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المحرمة يكون قد فعل مستحبًا وحرامًا، وأيضًا فإن الأيام المحرمة مستثناة في الشرع غير قابلة للصوم شرعًا فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض فلم تدخل في السؤال عند من علم بتحريمها ولا يصلح الجواب بقوله: لا صام ولا أفطر لمن لم يعلم بتحريمها قاله في فتح الباري.
الثاني: أنه محمول على من تضرر به أو فوت به حقًا ويؤيده أن النهي كان خطابًا لعبد الله بن عمرو بن العاصي، وقد ذكر مسلم عنه أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرخصة.
الثالث: أن معناه الخبر عن كونه لم يجد من المشقّة ما يجد غيره لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد في صومه مشقة، وتعقبه الطيبي بأنه مخالف لسياق الحديث ألا تراه كيف نهاه أولاً عن صيام الدهر كله ثم حثه على صوم داود ﵊ والأولى أن يكون خبرًا عن أنه لم يمتثل أمر الشرع.
стр. 2479
٥٨ - باب صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ
(باب صوم يوم وإفطار يوم).
١٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَقَالَ اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كلِّ شَهْرٍ، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ، فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: فِي ثَلَاثٍ".
وبالسند قال (حدّثنا محمد بن بشار) بتشديد المعجمة قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن مغيرة) بن مقسم الضبي الكوفي (قال: سمعت مجاهدًا عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال) له:
(صم من الشهر ثلاثة أيام) زاد في باب صيام الدهر وذلك مثل صيام الدهر (قال) إني (أطيق أكثر من ذلك) فما زال حتى قال: (صم يومًا وأفطر يومًا) زاد في الباب المذكور فذلك صيام داود وهو أفضل الصيام (فقال): ﵊ (اقرأ القرآن في كل شهر)، (قال) عبد الله: (إني أطيق أكثر)، من ذلك (فما زال) ﵊ (حتى قال): ﵊ اقرأه (في ثلاث) أي ثلاث ليال.
ولمسلم من طريق أبي سلمة قال عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة قال: فإما ذكر للنبي ﷺ ، وإما أرسل إليّ فأتيته فقال: ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟ فقلت: بلى يا نبي الله الحديث وفيه قال: اقرأ القرآن في كل شهر. قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل عشرين. قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل عشر. قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في سبع ولا تزد. قال في المصابيح: ولهذا منع كثير من العلماء الزيادة على السبع. قال النووي: وقد كان بعضهم يختم في كل شهر وهو أقله وأما أكثره فثمان ختمات في اليوم والليلة على ما بلغنا اهـ.
وفي سنة سبع وستين وثمانمائة رأيت بالقدس الشريف شيخًا يدعى بأبي الطاهر من أصحاب الشيخ ابن رسلان قيل: إنه جاوز العشر في اليوم والليلة فالله أعلم، بل أخبرني شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف المقدسي أمتع الله بحياته عنه أنه يقرأ خمس عشرة ختمة، وفي الصفوة عن منصور بن زاذان أنه كان يختم بين المغرب والعشاء ختمتين ويبلغ في الختمة الثالثة إلى الطواسين.
٥٩ - باب صَوْمِ دَاوُدَ ﵇
(باب صوم داود ﵊ عقبه بسابقه إشارة إلى الاقتداء بداود ﵊ في صوم يوم وإفطار يوم.
стр. 2480
١٩٧٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمَكِّيَّ -وَكَانَ شَاعِرًا، وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ. قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇: كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى».
وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا حبيب بن أبي ثابت) الأسدي الأعور. (قال: سمعت أبا العباس المكي وكان شاعرًا) والشاعر قد يتهم فيما يحدث به لما تقتضيه صناعته من المبالغة في الإطراء (و) لكن هذا (كان لا يتهم في حديثه) مرويه من الحديث وغيره وقد وثقه أحمد وابن معين وغيرهما وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الجهاد وآخر في المغازي وأعادهما في الأدب (قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ قال: قال لي النبي ﷺ ¬):
(إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل)، (فقلت: نعم، قال): ﵊ (إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين) بفتح الهاء والجيم أي غارت وضعف بصرها (ونفهت) بفتح النون وكسر الفاء أي تعبت وكلت (له النفس) وفي رواية النسفيّ كما في الفتح: نثهت بالمثلثة بدل الفاء واستغربها ابن التين، وقال ابن حجر: وكأنها أبدلت من الفاء فإنها تبدل منها كثيرًا. قال العيني: لم يذكر لذلك مثالاً ولا نسبه إلى أحد من أهل العربية ولم يذكر هذا أحد في الحروف التي يبدل بعضها من بعض فإن كان يوجد فربما يوجد في لسان ذي لثغة فلا يبنى عليه شيء اهـ.
قلت: وقد وقع إبدال الثاء بالفاء في قوله تعالى: ﴿فومها﴾ أي ثومها فلا وجه لإنكار ذلك ولأبي الوقت وابن عساكر: نهثت بنون فهاء فمثلثة مفتوحات، وللكشميهني: نهكت بهاء بعد النون ثم كاف بفتحات في بعض الأصول وفي بعضها بكسر الهاء وفي الفرع كشط الضبط. قال في فتح الباري: أي هزلت وضعفت. قال العيني: ولا وجه له إلا إذا ضم النون من نهكته الحمى إذا أضنته اهـ
وقال الأبي: وضبطه بعضهم بضم النون وكسر الهاء وفتح الكاف وهو ظاهر كلام عياض.
وقال في القاموس: نهكه كمنعه نهاكة غلبة والحمى أضنته وهزلته وجهدته كنهكته كفرح نهكًا ونهكًا ونهكة ونهاكة أو النهك المبالغة في كل شيء ونهكه السلطان كسمعه نهكًا ونهكة بالغ في نهكته عقوبته كأنهكه (لا صام من الدهر)، لأن منه العيد والتشريق والصوم فيها حرام قال الخطابي يحتمل أنه دعاء ويحتمل أن لا بمعنى لم نحو فلا صدق ولا صلّى اهـ.
стр. 2481
فهو على هذا التقدير خبر لأن لم تخلص للمضي، وقد تقدم ما فيه من البحث قريبًا في سابق سابقه (صوم ثلاثة أيام) أي من كل شهر (صوم الدهر كله). أي بالتضعيف كما مرّ فإن الحسنة بعشر أمثالها. قال عبد الله (قلت) يا رسول الله (فإني أطيق أكثر من ذلك قال): ﵊ (فصم صوم داود ﵇ كان) ولابن عساكر: وكان (يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى) العدو لأنه يستعين بيوم فطره على يوم صومه فلم يضعفه ذلك عن لقاء عدوه.
١٩٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَلِيحِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي، فَدَخَلَ عَلَىَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ وَصَارَتِ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَقَالَ: أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ … قَالَ: خَمْسًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ … قَالَ: سَبْعًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ … قَالَ: تِسْعًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ … قَالَ: إِحْدَى عَشْرَةَ. ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ ﵇: شَطْرَ الدَّهْرِ، صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا".
وبه قال: (حدّثنا إسحاق الواسطي) ولأبوي ذر والوقت: إسحاق بن شاهين الواسطي قال: (حدّثنا خالد) هو الطحان الواسطي ولأبي ذر وابن عساكر: خالد بن عبد الله (عن خالد) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: زيادة الحذاء (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (قال أخبرني) ولأبي الوقت: حدثني بالإفراد فيهما (أبو المليح) بفتح الميم وكسر اللام وسكون المثناة التحتية آخره حاء مهملة اسمه عامر أو زيد بن أسامة بن عمير الهذلي (قال: دخلت مع أبيك) زيد بن عمرو الجرمي فالخطاب لأبي قلابة (على عبد الله بن عمرو) هو ابن العاصي (فحدّثنا) أي والد أبي قلابة (أن رسول الله ﷺ ¬) بفتح المثلثة (ذكر له صومي) بضم الذال مبنيًّا للمفعول (فدخل عليّ) ﷺ (فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف فجلس على الأرض) تواضعًا وتركًا للاستئثار على عادته الشريفة ﷺ وزاده شرفًا (وصارت الوسادة بيني وبينه فقال): لي.
(أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام) (قال) عبد الله (قلت) لا يكفيني الثلاث من كل شهر (يا رسول الله قال): ﵊: صم (خمسًا) من كل شهر، ولأبي ذر عن الكشميهني: خمسة بالتأنيث على إرادة الأيام والأول على إرادة الليالي وفيه تجوّز (قلت) لا تكفيني الخمسة (يا رسول الله، قال) ﵊ صم (سبعًا) أي من كل شهر ولأبي ذر عن الكشميهني: سبعة بالتأنيث كما مر قال عبد الله: (قلت) لا تكفيني السبعة (يا رسول الله قال): ﵊ صم (تسعًا) من كل شهر وللكشميهني تسعة كما سبق قال عبد الله: (قلت) لا تكفيني (يا رسول الله قال): ﵊ صم: (إحدى عشرة) بكسر الهمزة وسكون الحاء والشين من عشرة وآخره هاء تأنيث وللكشميهني أحد عشر (ثم قال النبي ﷺ ¬) (لا صوم) أي
стр. 2482
لا فضل ولا كمال في صوم التطوّع (فوق صوم داود ﵇: وفيه ما مر من كونه أفضل من صوم الدهر أو الخطاب خاص بعبد الله ويلحق به من في معناه ممن يضعفه عن الفرائض والحقوق (شطر الدهر)، أي: نصفه وهو بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هو شطر الدهر والجر بدل من قوله صوم داود، وهذان الوجهان رواية أبي ذر كما في الفرع ولغيره شطر بالنصب على أنه مفعول فعل مقدّر أي هاك أو خذ أو نحو ذلك (صم يومًا وأفطر يومًا) وفي رواية عمر بن عون: صيام يوم وإفطار يوم ويجوز فيه الأوجه الثلاثة السابقة.
٦٠ - باب صِيَامِ أَيَّامِ الْبِيضِ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ
(باب صيام أيام) الليالي (البيض): وسقط لأبي الوقت وابن عساكر لفظ أيام وفي الفتح أنه رواية الأكثر وإثبات أيام رواية الكشميهني والأول هو الذي في الفرع والبيض صفة لمحذوف وهو الليالي وسميت بذلك لأنها مقمرة لا ظلمة فيها وهي (ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) ليلة البدر وما قبلها وما بعدها يكون القمر فيها من أول الليل إلى آخره، ولأبي ذر عن الكشميهني: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر وهذا باعتبار الأيام والأول باعتبار الليالي ولا يقال البيض صفة للأيام كما لا يخفى.
وأما قوله في الفتح: إن اليوم الكامل هو النهار بليلته وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض فصح قوله الأيام البيض على الوصف فتعقبه في عمدة القاري بأن قوله أن اليوم الكامل هو النهار بليلته غير صحيح لأن اليوم الكامل في اللغة من طلوع الشمس إلى غروبها وفي الشرع من طلوع الفجر الصادق وليس لليلة دخل في حد النهار، وأما قوله ونهارها أبيض فيقتضي أن بياض نهار أيام البيض من بياض الليلة وليس كذلك لأن صيام الأيام كلها بالذات وأيام الشهر كلها بيض فسقط قوله وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام اهـ.
وهذا الذي قاله في الفتح سبقه إليه ابن المنير فقال: وأنكر بعض اللغوين أن يقال الأيام البيض وقال: إنما هي الليالي البيض وإلاّ فالأيام كلها بيض وهذا وهم منه، والحديث يرد عليه أي ما ذكره ابن بطال عن شعبة عن أنس بن سيرين عن عبد الملك بن المنهال عن أبيه قال أمرني النبي ﷺ بالأيام البيض وقال هو صوم الدهر. قال: واليوم اسم يدخل فيه الليل والنهار وما كل يوم أبيض بجملته إلا هذه الأيام فإن نهارها أبيض وليلها أبيض فصارت كلها بيضًا وأظنه سبق إلى وهمه أن اليوم هو النهار خاصة اهـ.
قال في المصابيح: الظاهر أن مثل هذا ليس بوهم فإن اليوم وإن كان عبارة عن الليل والنهار جميعًا لكنه بالنسبة إلى الصوم إنما هو النهار خاصة وعليه فكل يوم يصام هو أبيض لعموم الضوء فيه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس اهـ.
стр. 2483
وقال في الأنصاف: سميت بيضًا لابيضاضها ليلاً بالقمر ونهارًا بالشمس، وقيل لأن الله تعالى تاب فيها على آدم وبيض صحيفته.
١٩٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَىِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما عبد الله بن عمرو المنقري المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سهل التميمي قال: (حدّثنا أبو التياح) بفتح المثناة الفوقية وتشديد التحتية آخره حاء مهملة يزيد بن حميد الضبعي (قال: حدثني) بالإفراد (أبو عثمان) هو عبد الرحمن النهدي (عن أبي هريرة ﵁ قال): (أوصاني خليلي) رسول الله (¬ ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر)، بجر صيام بدل من ثلاث ولم يعين الأيام بل أطلقها.
واستشكلت المطابقة بين الترجمة والحديث، وأجيب: بأن المؤلّف جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث عند النسائي وصححه ابن حبان من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ بأرنب قد شواها فأمرهم أن يأكلوأ وأمسك الأعرابيّ فقال: ما منعك أن تأكل؟ قال: إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر قال: إن كنت صائمًا فصم الغر آي البيض وهذا الحديث اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا بينه وبين الدارقطني.
وفي بعض طرقه عند النسائي إن كنت صائمًا فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وعنده أيضًا من حديث جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر وأيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وإسناده صحيح، وفي رواية أيام البيض بغير واو ففيه استحباب صوم الثلاثة التي أولها الثالث، والمعنى فيه أن الحسنة بعشر أمثالها فصومها كصوم الشهر ومن ثم سن صوم ثلاثة أيام من كل شهر ولو غير أيام البيض كما في البحر وغيره لإطلاق حديث الباب وغيره.
قال السبكي: والحاصل أنه يسن صوم ثلاثة أيام من كل شهر وأن تكون أيام البيض فإن صامها أتى بالسنتين وتترجح البيض بكونها وسط الشهر ووسط الشيء أعدله ولأن الكسوف غالبًا يقع فيها وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع.
وسئل الحسن البصري: لم صام الناس الأيام البيض وأعرابي يسمع؟ فقال الأعرابي: لأنه لا يكون الكسوف إلا فيهن ويحب الله أن لا تكون في السماء آية إلا كان في الأرض عبادة، والاحتياط صوم الثاني عشر مع أيام البيض لأن في الترمذي أنها الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر، ورجح بعضهم صيام الثلاثة في أول كل شهر لأن المرء لا يدري ما يعرض له من الموانع.
стр. 2484
وفي حديث ابن مسعود عند أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة أن النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقال بعضهم: يصوم من أول كل عشرة أيام يومًا. وفي حديث عبد الله بن عمر وعند النسائي: صم من كل عشرة أيام يومًا.
وروى أبو داود والنسائي من حديث حفصة: كان النبي ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى.
وروى الترمذي عن عائشة: كان النبي ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس، وقد جمع البيهقي بين ذلك وبين ما قبله بما في مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ما يبالي من أي الشهر صام قال: فكل من رآه فعل نوعًا ذكره وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت.
وروى أبو داود عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرتي أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الاثنين والخميس، والمعروف من قول مالك كراهة تعيين أيام النفل أو يجعل لنفسه شهرًا أو يومًا يلتزم صومه، وروي عنه كراهة تعمد صيام الأيام البيض وقال: ما كان ببلدنا. وروي عنه أنه كان يصومها وأنه كتب إلى الرشيد يحضه على صومها. قال ابن رشد: وإنما كرهها لسرعة أخذ الاسم بمذهبه فيظن الجاهل وجوبها، والمشهور من مذهبه استحباب ثلاثة أيام من كل شهر وكراهة كونها البيض لأنه كان يفر من التحديد.
وقال الماوردي: ويسن صوم أيام السود الثامن والعشرين وتالييه، وينبغي أيضًا أن يصام معها السابع والعشرون احتياطًا، وخصت أيام البيض وأيام السود بذلك لتعميم ليالي الأولى بالنور وليالي الثانية بالسواد فناسب صوم الأولى شكرًا والثانية لطلب كشف السواد، ولأن الشهر ضيف قد أشرف على الرحيل فناسب تزويده بذلك والحاصل مما سبق أقوال.
أحدها: استحباب ثلاثة أيام من الشهر غير معينة.
الثاني: استحباب الثالث عشر وتالييه وهو مذهب الشافعي وأصحابه وابن حبيب من المالكية وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد.
الثالث: استحباب الثاني عشر وتالييه وهو في الترمذي.
الرابع: استحباب ثلاثة أيام من أوّل الشهر.
الخامس: السبت والأحد والاثنين من أول شهر ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من أوّل الشهر الذي يليه.
السادس: استحبابها في آخر الشهر.
стр. 2485
السابع: أولها الخميس والاثنين والخميس.
الثامن: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى.
التاسع: أن يصوم من أوّل كل عشرة أيام يومًا.
(وركعتي الضحى) عطف على السابق أي: قال أبو هريرة: وأوصاني خليلي ﵊ بصلاة ركعتي الضحى، وزاد أحمد في كل يوم (وأن أوتر) أي وبالوتر (قبل أن أنام) وليست الوصية بذلك خاصة بأبي هريرة، فقد وردت وصيته ﵊ بالثلاث أيضًا لأبي ذر كما عند النسائي، ولأبي الدرداء كما عند مسلم، وقيل في تخصيص الثلاثة بالثلاثة لكونهم فقراء لا مال لهم فوصاهم بما يليق بهم وهو الصوم والصلاة وهما من أشرف العبادات البدنية.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، ورواته الأول بصريون، وأبو عثمان كوفي نزل البصرة، وقد مضى في باب: صلاة الضحى في السفر.
٦١ - باب مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ
(باب من زار قومًا) وهو صائم في التطوّع (فلم يفطر عندهم).
١٩٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ "دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ. ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا. فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي خُوَيْصَةً، قَالَ: مَا هِيَ؟
قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ. فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلاَّ دَعَا لِي بِهِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالاً وَوَلَدًا، وَبَارِكْ لَهُ. فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الأَنْصَارِ مَالاً. وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ".
قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[الحديث ١٩٨٢ - أطرافه في: ٦٣٣٤، ٦٣٤٤، ٦٣٧٨، ٦٣٨٠].
وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري الزمن (قال: حدثني) بالإفراد ولأبي الوقت حدّثنا (خالد هو ابن الحرث) بينه لرفع الإيهام لاشتراك من يسمى خالدًا في الرواية عن حميد الآتي ممن يمكن أن يروي عنه ابن المثنى وخالد هذا هو الهجيمي قال: (حدّثنا حميد) الطويل البصري (عن أنس ﵁) أنه قال: (دخل النبي ﷺ على أم سليم)، والدة أنس المذكور واسمها الغميصاء بالغين المعجمة والصاد المهملة أو الرميصاء بالراء بدل المعجمة وقيل اسمها سهلة. وعند أحمد من طريق حماد عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ دخل على أم حرام وهي خالة أنس لكن في بقية
стр. 2486
الحديث ما يدل على أنهما معًا كانتا مجتمعتين (فأتته) أم سليم (بتمر وسمن) على سبيل الضيافة (قال) ﵊:
(أعيدوا سمنكم في سقائه) بكسر السين ظرف الماء من الجلد وربما جعل فيه السمن والعسل (و) أعيدوا (تمركم في وعائه فإني صائم) (ثم قام إلى ناحية من البيت فصلّى غير المكتوبة).
وفي رواية أحمد عن ابن أبي عدي عن حميد فصلّى ركعتين وصلينا معه (فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله إن لي خويصة) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون المثناة التحتية وتشديد الصاد المهملة تصغير خاصة وهو مما اغتفر فيه التقاء الساكنين أي الذي يختص بخدمتك (قال) ﵊: (ما هي) الخويصة (قالت) هو (خادمك أنس). فادع له دعوة خاصة وصغرته لصغر سنه، وقولها أنس رفع عطف بيان أو بدل، ولأحمد من رواية ثابت المذكورة أن لي خويصة خويدمك أنس ادع الله له قال أنس: (فما ترك خير آخرة ولا) خير (دنيا إلا دعا لي به). قال في الكشاف في قوله تعالى: ﴿إنما صنعوا كيد ساحر﴾ [طه: ٦٩].
فإن قلت: فلم نكر أوّلاً وعرّف ثانيًا؟ قلت: إنما نكر من أجل تنكير المضاف لا من أجل تنكيره في نفسه كقول العجاج:
يوم ترى النفوس ما أعدّت … في سعي دنيا طالما قد مدّت
وفي حديث عمر ﵁: لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة أراد تنكير الأمر كأنه قيل: إنما صنعوا كيد سحري وفي سعي دنيوي وأمر دنيوي وأخروي اهـ.
فتنكير الآخرة هنا القصد به تنكير خير المضاف إليهما أي: ما ترك خيرًا من خيور الآخرة ولا خيرًا من خيور الدنيا إلا دعا لي به، لكن تعقب أبو حيان في البحر الزمخشري بأن قول العجاج في سعي دنيا محمول على الضرورة إذ دنيا تأنيث الأدنى ولا يستعمل تأنيثه إلا بالألف واللام أو بالإضافة. قال: وأما قول عمر فيحتمل أن يكون من تحريف الرواة اهـ.
وعند أحمد من رواية عبيدة بن حميد عن حميد فكان من قوله أي النبي ﷺ "اللهم أرزقه مالاً وولدًا وبارك له" وزاد أبو ذر وابن عساكر ونسبها الحافظ ابن حجر للكشميهني فيه بالتوحيد باعتبار المذكور، ولأحمد فيهم بالجمع اعتبارًا بالمعنى (فإني لمن أكثر الأنصار مالاً) نصب على التمييز، وفاء فإني لتفسير معنى البركة في ماله، واللام في قوله لمن للتأكيد، ولم يذكر الراوي ما دعا له به من خير الآخرة اختصارًا، ويدل له ما رواه ابن سعد بإسناد صحيح عن الجعد عن أنس قال: اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره واغفر ذنبه أو أن لفظ بارك إشارة إلى خير الآخرة أو المال والولد الصالحان من جلة خير الآخرة لأنهما يستلزمانها قاله البرماوي كالكرماني.
стр. 2487
قال أنس: (وحدثتني ابنتي أمينة) بضم الهمزة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية وفتح النون ثم هاء تأنيث تصغير آمنة (أنه دفن) بضم الدال مبنيًا للمفعول من ولدي (لصلبي) أي غير أسباطه وأحفاده (مقدم) مصدر وسمي بالنصب على نزع الخافض أي أن الذي مات من أول أولاده إلى مقدم (حجاج) ولأبي ذر: مقدم الحجاج أي ابن يوسف الثقفي (البصرة) سنة خمس وسبعين وكان عمر أنس إذ ذاك نيفًا وثمانين سنة (بضع وعشرون ومائة) بكسر الموحدة وقد تفتح ما بين الثلاث إلى التسع والبصرة نصب بمقدم بمعنى قدوم ويقدر قلبه زمان قدومه البصرة إذ لو جعل مقدم اسم زمان لم ينصب مفعولاً قاله البرماوي كالكرماني.
ورواة هذا الحديث كلهم بصريون.
وبه قال (حدّثنا) ولأبوي ذر والوقت: قال (ابن أبي مريم) سعيد الجمحي المصري فعلى الأول يكون موصولاً (أخبرنا يحيى) ولأبوي ذر والوقت: يحيى بن أيوب الغافقي المصري (قال: حدثني) بالإفراد (حميد) الطويل أنه (سمع أنسًا ﵁ عن النبي ﷺ ¬). وفائدة ذكر هذه الطريق بيان سماع حميد لهذا الحديث من أنس لما اشتهر من أن حميدًا كان ربما دلس على أنس وقد طرح زائدة حديثه لدخوله في شيء من أمر الخلفاء، وقد اعتنى البخاري في تخريجه لأحاديث حميد بالطرق التي فيها تصريحه بالسماع بذكرها متابعة وتعليقًا وروى له الباقون.
٦٢ - باب الصَّوْمِ من آخِر الشَّهْرِ
(باب الصوم آخر الشهر) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: من آخر الشهر.
١٩٨٣ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ عَنْ غَيْلَانَ، وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . أَنَّهُ سَأَلَهُ -أَوْ سَأَلَ رَجُلاً وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ- فَقَالَ: يَا أَبَا فُلَانٍ أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ قَالَ: يَظُنُّهُ قَالَ يَعْنِي رَمَضَانَ، قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ، لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ثَابِثٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ».
(حدّثنا الصلت بن محمد) أبو همام الخاركي بخاء معجمة قال (حدّثنا مهدي) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدال ابن ميمون المعولي الأزدي بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو البصري (عن غيلان) بالغين المعجمة ابن جرير المعولي الأزدي البصري أيضًا قال المؤلّف: (ح).
(وحدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا مهدي بن ميمون) المعولي قال: (حدّثنا غيلان بن جرير) المعولي (عن مطرف) بضم الميم وكسر الراء مشددة ابن عبد الله بن الخير
стр. 2488
بكسر الشين والخاء المشدّدتين المعجمتين آخره راء العامري (عن عمران بن حصين) أسلم عام خيبر وتوفي سنة اثنتين وخمسين (﵄ عن النبي ﷺ أنه) ﷺ (سأله) أي عمران (أو سأل رجلاً) شك من مطرف وزاد أبو عوانة في مستخرجه من أصحابه (وعمران يسمع) جملة حالية (فقال):
(يا أبا فلان) قال الحافظ ابن حجر كذا في نسخة من رواية أبي ذر بأداة الكنية وللأكثر يا فلان بإسقاطها "أما" بالتخفيف (صمت سرر هذا الشهر) بفتح السين وكسرها وحكى القاضي عياض ضمها وقال: هو جمع سرة ويقال سرار الشهر وسراره بكسر السين وفتحها ذكره ابن السكيت وغيره قيل: والفتح أفصح قاله الفراء، واختلف في تفسيره والمشهور أنه آخر الشهر وهو قول الجمهور من أهل اللغة والغريب والحديث، وسمي بذلك لاستسرار القمر فيها وهي ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين يعني استتاره وهذا موافق لما ترجم له هنا.
واستشكل بقوله ﵊ في حديث أبي هريرة عند الشيخين السابق: لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا من كان يصوم يومًا فليصمه.
وأجيب: بأن الرجل كان معتادًا لصيام سرر الشهر أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقالت طائفة: سرر الشهر أوّله وبه قال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز فيما حكاه أبو داود.
وأجيب: بأنه لا يصح أن يفسر سرر الشهر وسراره بأوّله لأن أوّل الشهر يشتهر فيه الهلال ويرى من أوّل الليل ولذلك سمي الشهر شهرًا لاشتهاره وظهوره عند دخوله فتسمية ليالي الاشتهار ليالي السرار قلب للغة والعرف، وقد أنكر العلماء ما رواه أبو داود عن الأوزاعي منهم الخطابي وقيل: السرر وسطه وحكاه أبو داود أيضًا ورجحه بعضهم، ووجهه بأن السرر جمع سرة وسرة الشيء وسطه وأيدوه بما ورد من استحباب صوم أيام البيض. وفي رواية مسلم من حديث عمران بن حصين المذكور هل صمت من سرة هذا الشهر وفسر بالأيام البيض.
وأجيب: بأن الأظهر أنه الآخر كما قال الأكثر لقوله فإذا أفطرت فصم يومين من سرر هذا الشهر والمشار إليه شعبان ولو كان السرر أوّله أو وسطه لم يفته.
(قال) أبو النعمان (أظنه قال: يعني رمضان)، لم يقل الصلت ذلك لكن روى الجوزقي من طريق أحمد بن يوسف السلمي عن أبي النعمان بدون ذلك قال الحافظ ابن حجر: وهو الصواب. (قال الرجل: لا يا رسول الله) ما صمته (قال) (فإذا أفطرت) أي من رمضان كما في مسلم (فصم يومين) بعد العيد عوضًا عن سرر شعبان (لم يقل الصلت أظنه يعني رمضان قال أبو عبد الله): أي البخاري وسقط ذلك في رواية ابن عساكر، (وقال ثابت) فيما وصله مسلم (عن مطرف) المذكور (عن عمران) بن حصين (عن النبي ﷺ ¬): (من سرر شعبان) وليس هو برمضان كما ظنه أبو النعمان
стр. 2489
ونقل الحميدي عن البخاري أنه قال شعبان أصح، وقال الخطابي ذكر رمضان هنا وهم لأن رمضان يتعين صوم جميعه.
ورواة الحديث الأول بصريون وأضاف رواية أبي النعمان إلى الصلت لما وقع فيها من تصريح مهدي بالتحديث عن غيلان، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
٦٣ - باب صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ
(باب صوم يوم الجمعة، فإذا) بالفاء ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: وإذا (أصبح صائمًا يوم الجمعة فعليه أن يفطر) زاد في رواية أبوي ذر والوقت: يعني إذا لم يصم قبله ولا يريد أن يصوم بعده. قال الحافظ ابن حجر: وهذه الزيادة تشبه أن تكون من الفربري أو ممن دونه فإنها لم تقع في رواية النسفي عن البخاري، ويبعد أن يعبر البخاري عما يقوله بلفظ يعني ولو كان ذلك من كلامه لقال أعني بل كان يستغني عنها أصلاً ورأسًا، واعترضه العيني بأن عدم وقوع الزيادة في رواية النسفيّ لا يستلزم وقوعها من غيره وليس قوله يعني ببعيد فكأنه جعل قوله: وإذا أصبح صائمًا فعليه أن يفطر لغيره بطريق التجريد ثم أوضحه بقوله: يعني فافهم فإنه دقيق اهـ. فليتأمل ما فيه من التكلف.
١٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: "سَأَلْتُ جَابِرًا ﵁: أنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ". زَادَ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ "يَعْنِي أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عبد الحميد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة مصغرًا ولأبي ذر زيادة ابن شيبة وهو ابن عثمان بن طلحة الحجبي (عن محمد بن عباد) بفتح العين وتشديد الموحدة المخزومي (قال: سألت جابرًا) هو ابن عبد الله الأنصاري (﵁) زاد مسلم وغيره وهو يطوف بالبيت (نهى) بحذف همزة الاستفهام ولأبوي ذر والوقت: (أنهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم) زاد مسلم ورب هذا البيت، وللنسائي: ورب الكعبة، وعزاها في العمدة لمسلم فوهم والظاهر أنه نقله بالمعنى قال البخاري: (زاد غير أبي عاصم) النبيل من الشيوخ وهو فيما جزم به البيهقي يحيى بن سعيد القطان (أن ينفرد) يوم الجمعة (بصوم) ولأبوي ذر والوقت: يعني أن ينفرد بصومه والحكمة في كراهة إفراده بالصوم خوف أن يضعف إذا صامه عن الوظائف المطلوبة منه فيه، ومن ثم خصصه البيهقي والماوردي وابن الصباغ والعمراني نقلاً عن مذهب الشافعي بمن يضعف به عن الوظائف
стр. 2490
وتزول الكراهة بجمعه مع غيره، لكن التعليل بأن الصوم يضعف عن الوظائف المطلوبة يوم الجمعة يقتضي أنه لا فرق بين الإفراد والجمع.
وأجاب في شرح المهذّب بأنه إذا جمع الجمعة حصل له بفضيلة صوم غيره ما يجبر ما حصل فيها من النقص، وقيل، الحكمة فيه أنه لا يتشبه باليهود في إفرادهم صوم يوم الاجتماع في معبدهم.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة في الصوم.
١٩٨٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) النخعي الكوفي قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن الحرث بن ثعلبة قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا أبو صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(لا يصومن أحدكم يوم الجمعة) ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي: لا يصوم. وقال الحافظ ابن حجر: للأكثر لا يصوم بلفظ النفي والمراد به النهي وللكشميهني: لا يصومن بلفظ النهي المؤكد (إلا) أن يصوم (يومًا قبله) وهو يوم الخميس (أو) يصوم يومًا (بعده) وهو السبت.
وفي المستدرك من حديث أبي هريرة مرفوعًا يوم الجمعة عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده وقال: صحيح الإسناد إلا أن أبا بشر لم أقف له على اسم فقيل العلة كونه عيدًا كما في الحديث.
وعند ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علّي: من كان منكم متطوّعًا من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب.
وذكر لمسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش: لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده، وله أيضًا من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة: لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم.
وهذه الأحاديث تفيد النهي المطلق في حديث جابر، والزيادة السابقة من تقييد الإطلاق بالإفراد ويؤخذ من الاستثناء الوارد في حديث مسلم جوازه لمن اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كأن اعتاد صوم يوم وفطر يوم فوافق صومه يوم الجمعة فلا كراهة كما في صوم يوم الشك. واستشكل زوال الكراهة بتقدم صوم قبله أو بعده بكراهة صوم يوم عرفة فإن كراهة صومه أو كونه على خلاف الأولى على ما رجحه محققو أصحابنا لا يزول بصوم قبله.
следующие страницы →