Полный текст (8 298 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
تَخْتِمَ الآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَىْءٍ عَلَى الْخَيْرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ".
[الحديث ٢٣١١ - طرفاه في: ٣٢٧٥، ٥٠١٠].
(وقال عثمان بن الهيثم) بفتح الهاء والمثلثة بينهما تحتية ساكنة آخره ميم (أبو عمرو) المؤذن وقد ساقه المؤلّف من غير أن يصرح بالتحديث، وكذا ذكره في قصة إبليس وفضائل القرآن لكن مختصرًا ووصله النسائي والإسماعيلي وأبو نعيم من طرق إلى عثمان هذا قال: (حدّثنا عوف) بالفاء ابن أبي جميلة بالجيم المفتوحة الأعرابي العبدي البصري رمي بالقدر والتشيع لكن احتج به الجماعة وهو من صغار التابعين (عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: وكّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة) الفطر من (رمضان فأتاني آتٍ) كقاضٍ (فجعل يحثو) بحاء مهملة ومثلثة أي يأخذ بكفّيه (من الطعام). وفي رواية أبي المتوكل عن أبي هريرة عند النسائي أنه كان على تمر الصدقة فوجد أثر كفّ قد أخذ منه، ولابن الضريس من هذا الوجه فإذا التمر قد أخذ منه ملء كفّ (فأخذته) أي الذي حثا من الطعام، وزاد في رواية أبي المتوكل أن أبا هريرة شكا إلى رسول الله ﷺ أوّلاً فقال له: إن أردت أن تأخذه فقل سبحان من سخرك لمحمد. قال فقلتها فإذا أنا به قائم بين يدي فأخذته (وقلت والله لأرفعنّك) من رفع الخصم إلى الحاكم أي لأذهبن بك (إلى رسول الله ﷺ ¬) ليحكم عليك بقطع اليد لأنك سارق، وسقط قوله: والله في رواية أبي ذر (قال: إني محتاج) لما آخذه (وعليّ عيال) أي نفقة عيال أو "عليّ" بمعنى "لي" وفي رواية أبي المتوكل فقال إنما أخذته لأهل بيت فقراء من الجن (ولي) وللكشميهني وبي بالموحدة بدل اللام (حاجة شديدة. قال) أبو هريرة (فخلّيت عنه فأصبحت فقال النبي ﷺ ¬) لما أتيته:
(يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة)؟ سمي أسيرًا لأنه كان ربطه بسير لأن عادة العرب يربطون الأسير بالقدّ. قال الداودي: وفيه اطّلاعه ﷺ على المغيبات وفي حديث معاذ بن جبل عند الطبراني أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ فأعلمه بذلك (قال) أبو هريرة (قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله قال) ﷺ : (أما) بالتخفيف حرف استفتاح (إنه) بكسر الهمزة وفتحها في اليونينية والفتح على جعل أما بمعنى حقًّا (قد كذبك) بتخفيف الذال في قوله إنه محتاج (وسيعود) إلى الأخذ (فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ إنه سيعود فرصدته) أي ترقبته (فجاء) ولأبي ذر عن الحموي فجعل بدل فجاء (يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ
стр. 2837
قال: دعني فإني محتاج) للأخذ (وعليّ عيال لا أعود فرحمته فخلّيت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ ¬) بإثبات لي هنا وإسقاطها في السابق والتعبير بالنبي بدل الرسول:
(يا أبا هريرة ما فعل أسيرك)؟ سقط هنا قوله في السابق البارحة (قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله قال) ﵊ (أما أنه) بالتخفيف وكسر الهمزة وفتحها (قد كذبك وسيعود) لم يقال هنا فعرفت أنه سيعود الخ (فرصدته) المرة (الثالثة فجاء) ولأبي ذر عن الحموي: فجعل (يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات أنك) بفتح الهمزة (تزعم لا تعود) صفة لثلاث مرات على أن كل مرة موصوفة بهذا القول الباطل ولأبي ذر إنك بكسر الهمزة وفي نسخة مقروءة على الميدومي إنك تزعم أنك لا تعود (ثم تعود. قال: دعني) وفي رواية أبي المتوكل: خل عني (أعلمك) بالجزم (كلمات) نصب بالكسرة (ينفعك الله بها) بجزم ينفعك. قال الطيبي: وهو مطلق لم يعلم منه أي النفع فيحمل على المقيد في حديث علي عن رسول الله ﷺ من قرأها يعني آية الكرسي حين يأخذ مضجعه آمنه الله تعالى على داره ودار جاره وأهل دويرات حوله رواه البيهقي في شعب الإيمان انتهى.
وفي رواية أبي المتوكل إذا قلتهن لم يقربك ذكر ولا أنثى من الجن (قلت: ما هو) أي الكلام وللحموي والمستملي ما هن أي الكلمات (قال: إذا أويت) أتيت (إلى فراشك) للنوم وأخذت مضجعك (فاقرأ آية الكرسي (لا إله إلاّ هو الحيّ القيوم﴾ حتى تختم الآية) [البقرة: ٢٥٥] زاد معاذ بن جبل في روايته عند الطبراني وخاتمة سورة البقرة آمن الرسول إلى آخرها (فإنك لن يزال عليك من الله) أي من عند الله أو من جهة أمر الله أو من قدرته أو من بأس الله ونقمته (حافظ) يحفظك (ولا يقربنك) بفتح الراء والموحدة ونون التوكيد الثقيلة كذا في اليونينية وفي غيرها ولا يقربك بإسقاط النون ونصب الموحدة عطفًا على السابق المنصوب بلن (شيطان) وفي نسخة الشيطان (حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ ¬):
(ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت) ولأبي الوقت: فقلت (يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال) ﵊ (ما هي) الكلمات (قلت) ولأبي الوقت قال بدل قلت (قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أوّلها حتى تختم) زاد أبو ذر: الآية (﴿الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم﴾) [البقرة: ٢٥٥] (وقال لي لمن يزال) وللكشميهني: لم يزل (عليك من الله حافظ) وسقط قوله لي من رواية أبي ذر (ولا يقربك شيطان) بفتح الراء والموحدة ولأبي ذر: ولا يقربك بضم الموحدة من غير نون فيهما كذا في الفرع وأصله. قال البرماوي كالكرماني بعد أن ذكرا فتح الراء والموحدة وأصله يقربنك بالنون المؤكدة. قال في المصابيح: لا أدري ما دعاه إلى ارتكاب مثل هذا الأمر الضعيف مع ظهور الصواب في خلافه وذلك أنه قال فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فعندنا فعل منصوب بلن وهو قوله يزال والآخر من يقربك منصوب بالعطف على المنصوب المتقدم ولا زائدة لتأكيد النفي مثلها في قولك: لمن يقوم زيد ولا
стр. 2838
يضحك وأجريناهاعلى طريقتهم في إطلاق الزيادة على لا هذه وإن كان التحقيق أنها ليست بزائدة دائمًا ألا ترى أنه إذا قيل ما جاءني زيد وعمرو، احتمل نفي مجيء كلٍّ منهما على كل حال ونفي اجتماعهما في المجيء فإذا جيء بلا كان الكلام نصًّا في المعنى الأول. نعم هي زائدة في مثل قولك لا يستوي زيد ولا عمرو انتهى.
ولأبي ذر: ولا يقربك الشيطان (حتى تصبح وكانوا) أي الصحابة (أحرص شيء على) تعلم (الخير) وفعله وكان الأصل أن يقول وكنا لكنه على طريق الالتفات وقيل هو مدرج من كلام بعض رواته، وبالجملة فهو مسوق للاعتذار عن تخلية سبيله بعد المرة الثالثة حرصًا على تعلّم ما ينفع (فقال النبي ﷺ أما إنه) بالتخفيف وفتح الهمزة وكسرها كما مرّ (قد صدقك) بتخفيف الدال في نفع آية الكرسي، ولما أثبت له الصدق أوهم المدح فاستدركه بصيغة تفيد المبالغة في الذم بقوله (وهو كذوب) وفي حديث معاذ بن جبل صدق الخبيث وهو كذوب (تعلم من تخاطب منذ) بالنون، وللحموي والمستملي: مذ (ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟ قال لا) أعلم (قال) ﵊: (ذاك شيطان) من الشياطين. قال في شرح المشكاة ونكر لفظ الشيطان بعد سبق ذكره منكرًا في قوله: لا يقربك شيطان ليؤذن بأن الثاني غير الأوّل، وأن الأول مطلق شائع في جنسه، والثاني فرد من أفراد ذلك الجنس، فلو عرف لأوهم المقصود لأنه إما أن يشار إلى السابق أو إلى المعروف والمشهور بين الناس وكلاهما غير مراد، وكان من الظاهر أن يقال شيطانًا بالنصب لأن السؤال في قوله من تخاطب عن المفعول فعدل إلى الجملة الاسمية وشخصه باسم الإشارة لمزيد التعيين ودوام الاحتراز عن كيده ومكره.
فإن قلت: قد سبق في الصلاة أنه ﷺ قال: "إن شيطانًا تفلت عليّ البارحة" الحديث. وفيه "ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بسارية". وفي حديث الباب أن أبا هريرة أمسك الشيطان الذي رآه. أجيب: باحتمال أن الذي همّ به النبي ﷺ أن يوثقه رأس الشياطين الذي يلزم من التمكن منه التمكن من الشياطين فيضاهي حينئذٍ سليمان في تسخيرهم، والمراد بالشيطان في حديث أبي هريرة هذا شيطانه بخصوصه أو غيره في الجملة فلا يلزم من تمكه منه استتباع غيره من الشياطين في ذلك التمكّن أو الشيطان الذي همّ به النبي ﷺ تبدّى له في صفته التي خلق عليها، وكذلك كانوا في خدمة سليمان ﵊ على هيئتهم، والذي تبدّى لأبي هريرة في حديث الباب كان على هيئة الآدميين فلم يكن في إمساكه مضاهاة لملك سليمان، وقد وقع لأُبيّ بن كعب عند النسائي وأبي أيوب الأنصاري عند الترمذي وأبي أسيد الأنصاري عند الطبراني وزيد بن ثابت عند ابن أبي الدنيا قصص في ذلك إلاّ أنه ليس فيها ما يشبه قصة أبي هريرة إلا قصة معاذ وهو محمول على التعدّد.
وموضع الترجمة قوله: فخليت سبيله لأن أبا هريرة ترك الرجل الذي حثا الطعام لما شكا
стр. 2839
الحاجة فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فأجازه. قال الزركشي كغيره: وفيه نظر لأن أبا هريرة لم يكن وكيلاً بالعطاء بل بالحفظ خاصة.
قال في المصابيح: النظر ساقط لأن المقصود انطباق الترجمة على الحديث وهي كذلك لأن أبا هريرة وإن لم يكن وكيلاً في الإعطاء فهو وكيل في الجملة ضرورة أنه وكيل بحفظ الزكاة وقد ترك مما وكل بحفظه شيئًا، وأجاز ﵊ فعله فقد طابقته الترجمة قطعًا نعم في أخذ إقراض الوكيل إلى أجل مسمى من هذا الحديث نظر، وقد قرر بعضهم وجه الأخذ بأن أبا هريرة لما ترك السارق الذي حثا من الطعام كان ذلك الأجل ولا يخفى ما في ذلك من التكلف والضعف.
١١ - باب إِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ
هذا (باب) بالتنوين (إذا باع الوكيل شيئًا) مما وكل فيه بيعًا (فاسدًا فبيعه مردود) يعني يُردّ.
٢٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - هُوَ ابْنُ سَلاَّمٍ - عَنْ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: "جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِيطْعِمَ النَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ".
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن راهويه كما جزم به أبو نعيم أو ابن منصور كما جزم به أبو علي الجياني لأن مسلمًا أخرج هذا الحديث بعينه عن إسحاق بن منصور، لكن قال في الفتح وليس ذلك بلازم قال: (حدّثنا يحيى بن صالح) الوحاظي قال: (حدّثنا معاوية هو ابن سلام) بتشديد اللام (عن يحيى) بن أبي كثير أنه (قال: سمعت عقبة بن عبد الغافر) العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذال المعجمة (أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ قال جاء بلال) المؤذن (إلى النبي ﷺ بتمر برنيّ) بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر النون وتشديد التحتية. قال في الصحاح: ضرب من التمر. قال الراجز:
المطعمان اللحم بالعشج … وبالغداة فلق البرنجّ
فأبدل من الياء جيمًا، وزاد في المحكم أنه أصفر مدوّر وهو أجود التمر، وفي مسند أحمد مرفوعًا: خير تمركم البرني يذهب الداء (فقال له النبي ﷺ ¬):
(من أين هذا) التمر البرني (قال بلال: كان عندنا) وللحموي والمستملي: عندي (تمر رديّ) بتشديد المثناة التحتية في الفرع وأصله وفي غيره رديء بالهمزة على وزن فعيل على الأصل من ردؤ الشيء يردؤ رداءة فهو رديء أي فاسد وأردأته أفسدته قاله الجوهري فخفف بقلب الهمزة ياء
стр. 2840
لانكسار ما قبلها وأدغمت الياء في الياء فصار رديّ بتشديد الياء كما مرّ (فبعت منه صاعين بصاع ليطعم) بلال (النبي ﷺ ¬) كذا في الفرع وأصله ليطعم بضم المثناة التحتية وكسر العين، وفي بعض الأصول لنطعم بالنون بدل التحتية والنبي نصب على الروايتين على المفعولية. قال العيني كابن حجر: وهذه رواية أبي ذر وغيره ليطعم بفتح التحتية والعين من طعم يطعم والنبي رفع به، وقول البرماوي كالكرماني: وفي بعضها المطعم بالميم أي مفتوحة كالعين والنبي خفض بالإضافة لم أقف عليه في شيء من نسخ البخاري. نعم هو في صحيح مسلم كذلك. (فقال النبي ﷺ عند ذلك) القول الصادر من بلال (أوّه أوّه) هذا (عين الربا) هذا (عين الربا لا تفعل) بتكرير كلٍّ من عين الربا وأوّه مرتين وأوّه بفتح الهمزة وتشديد الواو وسكون الهاء بمعنى التحزّن. قال السفاقسي: وإنما تأوّه ليكون أبلغ في الزجر وقاله، إما للتألم من هذا الفعل وإما من سوء الفهم زاد مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد في نحو هذه القصة فردّوه، ومعلوم أن بيع الربا مما يجب ردّه (ولكن إذا أردت أن تشتري) التمر الجيد (فبع التمر) الرديء (ببيع آخر ثم اشتر) الجيد (به) أي بثمن الرديء حتى لا تقع في الربا، ولغير أبي ذر: ثم اشتره أي التمر الجيد.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع وكذا النسائي.
١٢ - باب الْوَكَالَةِ فِي الْوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ، وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ وَيَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ
(باب الوكالة في الوقف ونفقته) أي الوكيل (وأن يطعم صديقًا له ويأكل بالمعروف) أي وإطعام الوكيل صديقه وأكله بما يتعارفه الوكلاء فيه لأنه حبس نفسه لتصرف موكله والقيام بأمره قياسًا على وليّ اليتيم.
٢٣١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، قَالَ فِي صَدَقَةِ عُمَرَ ﵁: "لَيْسَ عَلَى الْوَلِيِّ جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ، يُهْدِي لِلنَّاسِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ".
[الحديث ٢٣١٣ - أطرافه في: ٢٧٣٧، ٢٧٦٤، ٢٧٧٢، ٢٧٧٣، ٢٧٧٧].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار أنه (قال في صدقة عمر) بن الخطاب (﵁) لم يدرك ابن دينار عمر فهو مرسل غير موصول. وقال الحافظ ابن حجر: قوله في صدقة عمر أي في روايته لها عن ابن عمر كما جزم بذلك المزي في الأطراف ويوضحه رواية الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار
стр. 2841
عن ابن عمر، وتعقبه العيني: بأن المزي لم يذكر هذا في الأطراف أصلاً وإنما قال بعد العلامة بحرف الخاء المعجمة حديث عمرو بن دينار إلى آخر ما ذكره البخاري ثم قال موقوف، ثم قال العيني: والتقدير الذي قدّره هذا القائل يعني ابن حجر خلاف الأصل ولا ثمة داعٍ يدعوه إلى ذلك قال: وأما قوله ويوضحه رواية الإسماعيلي الخ … فلا يستلزم ما ذكره من التقدير المذكور بالتعسف انتهى.
- قال في الانتقاض: وما نفاه عن المزي هو المدعى وهو أنه جزم أن المروي في هذا الأثر بهذا السند كلام ابن عمر فهو الذي عبّر المزي عنه بقوله موقوف، ومن لا يدري بأن معنى قول المحدث موقوف أن الصحابيّ لا يصرح بنسبته إلى النبي ﷺ مثل ما في هذا الطريق فما باله والاعتراض على أهل الفن بكلام غير أهل الفن.
وصدقة مضاف لعمر في الفرع وغيره مما وقفت عليه من الأصول، لكن قال الكرماني في صدقة بالتنوين عمر بالرفع فاعل وفي بعضها بالإضافة وفي بعضها عمرو بالواو فالقائل هو ابن دينار أي قال ابن دينار في الوقف العمري ذلك (ليس على الولي) الذي يتولى أمر الوقف (جناح) إثم (أن يأكل) منه (ويؤكل) منه (صديقًا) زاد أبو ذر له أي للولي وهو في محل نصب صفة لصديقًا حال كونه (غير متأثل) بميم مضمومة فمثناة فوقية مفتوحة وبعد الهمزة مثلثة مشددة مكسورة أي غير جامع (مالاً فكان ابن عمر) ﵄.
قال ابن حجر: هو موصول بالإسناد المذكور كما هو في رواية الإسماعيلي. قال العيني: قد صرّح الكرماني بأنه مرسل فكيف يكون المعطوف على المرسل موصولاً انتهى.
قال في الانتقاض مجيبًا عن هذا الاعتراض ليس بينهما مانعية جمع (هو يلي صدقة عمر يهدي للناس) بضم أوله من الرباعي من صدقة عمر ولأبي ذر: لناس (من أهل مكة) هم آل عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاصي (كان) ابن عمر (ينزل عليهم) أي على الناس، وإنما كان ابن عمر يهدي منه أخذًا بالشرط المذكور وهو أن يؤكل صديقًا له أو من نصيبه الذي جعل له أن يأكل منه بالمعروف فكان يوفره ليهدي لأصحابه منه.
١٣ - باب الْوَكَالَةِ فِي الْحُدُودِ
(باب) جواز (الوكالة في الحدود) كسائر الحقوق بل يتعين التوكيل في قصاص الطرف وحد القذف كما سيأتي في موضعهما إن شاء الله تعالى.
٢٣١٤ و ٢٣١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا».
[الحديث ٢٣١٤ - أطرافه في: ٢٦٤٩، ٢٦٩٦، ٢٧٢٥، ٦٦٣٤،
стр. 2842
٦٨٢٨، ٦٨٣١، ٦٨٤٣، ٦٨٦٠، ٧١٩٤، ٧٢٥٩، ٧٢٧٩].
[الحديث ٢٣١٥ - أطرافه في: ٢٦٩٥، ٢٧٢٤، ٦٦٣٣، ٦٨٢٧، ٦٨٣٣، ٦٨٣٥، ٦٨٤٢، ٦٨٥٩، ٧١٩٣، ٧٢٥٨، ٧٢٦٠، ٧٢٧٨].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (أخبرنا) ولأبي الوقت: حدّثنا (الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير، ولأبي ذر زيادة ابن عبد الله أي ابن عتبة (عن زيد بن خالد) الجهني الصحابي (وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(واغد يا أنيس) بصيغة التصغير ابن الضحاك الأسلمي واغد أمر من غدا بالغين المعجمة أي اذهب وهو عطف على شيء سبق وساقه هنا مقتصرًا على القدر المحتاج إليه، ولفظه كما أخرجه في باب الاعتراف بالزنا في كتاب المحاربين: كنا عند النبي ﷺ فقام رجل فقال أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: اقضِ بيننا بكتاب الله وائذن لي قال: قل قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأته الرجم، فقال النبي ﷺ . "والذي نفسي ييده لأقضيّن بينكما بكتاب الله المائة شاة والخادم ردّ عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس" (على) وللكشميهني: إلى (امرأة هذا فإن اعترفت) بالزنا (فارجمها) وإنما خصّه من بين الصحابة قصدًا إلى أنه لا يؤمّر في القبيلة إلا رجل منهم لنفورهم عن حكم غيرهم وكانت المرآة أسلمية.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النذور والمحاربين والصلح والأحكام والشروط والاعتصام وخبر الواحد والشهادات، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة في الحدود والنسائي في القضاء والرجم والشروط.
٢٣١٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: "جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ -أَوِ ابْنِ النُّعَيْمَانِ- شَارِبًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوا، قَالَ فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْنَاهُ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ".
[الحديث ٢٣١٦ - طرفاه في: ٦٧٧٤، ٦٧٧٥].
وبه قال: (حدّثنا ابن سلام) بالتخفيف، ولأبي ذر: سلام بالتشديد البيكندي قال: (أخبرنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله (عن عقبة بن الحرث) بن عامر القرشي النوفلي المكي له صحبة أسلم يوم الفتح، وله في البخاري ثلاثة أحاديث أنه (قال: جيء بالنعيمان) بضم النون مصغرًا ولغير أبي ذر النعمان بالتكبير (أو ابن النعيمان) بالتصغير أيضًا والشّك من الراوي، ووقع عند الإسماعيلي الشك في تصغيره وتكبيره. وللإسماعيلي
стр. 2843
أيضًا في رواية: جئت بالنعيمان بغير شك فيستفاد منه تسمية الذي حضر به وهو عقبة والنعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحرث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري ممن شهد بدرًا وكان مزاحًا حال كونه (شاربًا) مسكرًا أي متّصفًا بالشرب لأنه حين جيء به لم يكن شاربًا حقيقة بل كان سكران، ويدل له ما في الحدود بلفظ: هو سكران.
(فأمر رسول الله ﷺ من كان في البيت أن يضربوا) بحذف الضمير المنصوب وفي نسخة يضربوه بإثباته (قال) عقبة بن الحرث: (فكنت أنا فيمن ضربه فضربناه بالنعال والجريد).
وموضع الترجمة منه قوله فيه فأمر من كان في البيت أن يضربوه فإن الإمام لما لم يتولّ إقامة الحدّ بنفسه وولاّه غيره كان ذلك بمنزلة توكيله لهم في إقامته، ولا يصح عند الشافعية التوكيل في إثبات الحدود لبنائها على الدرء. نعم قد يقع إثباتها بالوكالة تبعًا بأن يقذف شخص آخر فيطالبه بحد القذف فله أن يدرأه عن نفسه بإثبات زناه بالوكالة، فإذا ثبت أقيم عليه الحد ويستفاد من الحديث كما قال الخطابي: إن حدّ الخمر لا يستأنى به الإفاقة كحد الحامل لتضع حملها.
١٤ - باب الْوَكَالَةِ فِي الْبُدْنِ وَتَعَاهُدِهَا
(باب) حكم (الوكالة في) أمر (البدن) التي تهدى (و) حكم (تعاهدها).
٢٣١٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: "قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَىَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَىْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي المدني ابن أخت الإمام مالك (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس إمام دار الهجرة (عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي (عن) خالته (عمرة بنت عبد الرحمن) الأنصارية (أنها أخبرته قالت عائشة) ﵂: (أنا فتلت قلائد هدي رسول الله- ﷺ بيدي) بتشديد الياء على التثنية. وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا، وفي باب من قلد القلائد بيده من كتاب الحج أطول من هذا ولفظه: عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة ﵂ أن عبد الله بن عباس ﵄ قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه. قالت عمرة فقالت عائشة ﵂: ليس كما قال ابن عباس أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيديّ.
(ثم قلدها رسول الله ﷺ بيديه) بالتثنية (ثم بعث) ﷺ (بها) أي بالهدي وأنّث الضمير باعتبار البدنة لأن هديه ﷺ الذي بعث به كان بدنة (مع أبي) أبي بكر الصديق ﵁ سنة تسع عام
стр. 2844
حج أبو بكر ﵁ بالناس (فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحلّه الله له حتى نحر الهدي) بضم النون مبنيًا للمجهول والهدي رفع نائب عن الفاعل أي حتى نحره أبو بكر ﵁، والحديث ظاهر فيما ترجم له من الوكالة في البدن وأما تعاهدها فيحتمل أن يكون من مباشرة النبي ﷺ إياها بنفسه حتى قلدها بيده.
١٥ - باب إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ: ضَعْهُ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ وَقَالَ الْوَكِيلُ: قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا قال الرجل لوكيله) الذي وكّله (ضعه) أي الشيء الموكل فيه (حيث أراك الله وقال الوكيل قد سمعت ما قلت) أي فوضعه حيث أراد جاز.
٢٣١٨ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: "كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالاً، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرُ حَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَىَّ بِيْرُ حَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ: بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ. . قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ. قَالَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ".
تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ رَوْحٌ عَنْ مَالِكٍ "رَابِحٌ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (يحيى بن يحيى) بن بكر بن زياد التميمي الحنظلي (قال: قرأت على مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة (أنه سمع) عمه (أنس بن مالك ﵁ يقول: كان أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (أكثر الأنصار) ولأبي ذر: أكثر أنصاريّ قال البرماوي كالكرماني وهو من التفضيل على التفصيل أي أكثر من كل واحد واحد من الأنصار ولذا لم يقل أكثر الأنصار (بالمدينة مالاً) نصب على التمييز أي من حيث المال (وكان أحب أمواله إليه بيرحاء) بكسر الموحدة وسكون التحتية وضم الراء وبعد الحاء المهملة همزة مفتوحة ممدودًا ولأبي ذر: بيرحا من غير همز وفيها وجوه أخرى ذكرتها في الزكاة. (وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب) بالجر صفة لماء، (فلما نزلت) هذه الآية: (﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾) من الصدقة (قام أبو طلحة) منتهيًا (إلى
стр. 2845
رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] (وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء) بكسر الموحدة وضمُّ الراء مهموزًا مع الفتح والمد في الفرع لأبي ذر (وإنها صدقة لله أرجو برّها) خيرها (وذخرها) بالذال المضمومة والخاء الساكنة المعجمتين أي أقدمها فأذخرها لأجدها (عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت فقال) ﵊:
(بخ) بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبتنوينها وبالتخفيف والتشديد فيهما فهي أربعة كلمة تقال عند مدح الشيء والرضا به (ذلك مال رائح) بالهمز والخاء المهملة في الفرع وأصله (ذلك مال رائح) بالتكرار مرتين أي ذاهب فإذا ذهب في الخير فهو أولى (قد) بغير واو قبل القاف (سمعت ما قلت فيها وأرى أن تجعلها في الأقربيين قال) أبو طلحة (أفعل يا رسول الله) بهمزة قطع على أنه فعل مستقبل مرفوع (فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) من باب عطف الخاص على العامّ.
(تابعه) أي تابع يحيى بن يحيى (إسماعيل) بن أبي أويس (عن مالك) فيما وصله المؤلّف في تفسير سورة آل عمران. (وقال روح) بفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة ابن عبادة في روايته (عن مالك) أيضًا (رابح) بالموحدة فيما وصله الإمام أحمد عنه وفي غير الفرع وأصله من الأصول في رواية يحيى رابح بالموحدة أي يربح فيه صاحبه، وقال العيني: رائج بالجيم من الرواج فليتأمل.
وموضع الترجمة من الحديث قول أبي طلحة للنبي ﷺ إنها صدقة الخ … فإنه ﷺ لم ينكر عليه ذلك وإن كان ما وضعها بنفسه بل أمره أن يضعها في الأقربين، لكن الحجة فيه تقريره ﵊ على ذلك.
وهذا الحديث قد سبق في باب الزكاة على الأقارب من كتاب الزكاة.
١٦ - باب وَكَالَةِ الأَمِينِ فِي الْخِزَانَةِ وَنَحْوِهَا
(باب وكالة الأمين في الخزانة) بكسر الخاء المعجمة اسم للموضع الذي يخزن فيه (ونحوها).
٢٣١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِقُ -وَرُبَّمَا قَالَ: الَّذِي يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلاً مُوَفَّرًا طَيِّبًا نَفْسُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثي (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء مصغرًا (عن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء اسمه عامر أو الحرث (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
стр. 2846
(الخازن الأمين الذي ينفق وربما قال الذي يعطي ما أمر به) بضم الهمزة وكسر الميم مبنيًّا للمفعول أي ما أمره به سيده من الصدقة حال كونه (كاملاً موفورًا) بفتح الفاء المشددة (طيب نفسه) مبتدأ وخبره مقدم وفي الزكاة طيب به نفسه، ولأبي ذر والأصيلي: طيبًا بالنصب على الحال (إلى الذي أمر به) لا لغيره (أحد المتصدقين) خبر قوله الخازن والمتصدقين بفتح القاف بلفظ التثنية.
ومطابقته للترجمة من جهة أن الخازن الأمين مفوّض إليه الإنفاق والإعطاء بحسب أمر الآمر به.
وهذا الحديث سبق في باب أجر الخادم من كتاب الزكاة.
стр. 2847
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤١ - كتاب الحرث والمزارعة
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(كتاب الحرث) أي الزرع (والمزارعة) وهي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها ويكون البذر من مالكها فإن كان من العامل فهي مخابرة وهما إن أفردتا عن المساقاة باطلتان للنهي عن المزارعة في مسلم وعن المخابرة في الصحيحين، ولأن تحصيل منفعة الأرض ممكنة بالإجارة فلم يجز العمل عليها ببعض ما يخرج منها كالمواشي بخلاف الشجر فإنه لا يمكن عقد الإجارة عليها فجوّزت المساقاة، واختار في الروضة تبعًا لابن المنذر وابن خزيمة والخطابي صحتهما وحمل أخبار النهي على ما إذا شرط لأحدهما زرع قطعة معينة وللآخر أخرى وعلى الأوّل فيشترط تقديم المساقاة على المزارعة بأن يقول: ساقيتك وزارعتك، فلو قال: زارعتك وساقيتك أو فصل بينهما لم يصح لانتفاء التبعية فإن خابره تبعًا لم يصح كما لو أفردها وفارقت المزارعة بأن المزارعة أشبه بالمساقاة وورد الخبر بصحتها بخلاف المخابرة.
١ - باب فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ. وَقَوْلِهِ الله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]
(باب فضل الزرع والغرس) قال في القاموس: زرع كمنع طرح البذر كازدرع وأصله ازترع أبدلوها دالاً لتوافق الزاي والله أنبت وغرس الشجر أثبته في الأرض كأغرسه والغرس المغروس (إذا كل منه) قيد في فضيلة كل منهما ولأبي ذر كتاب الحرث بفح الحاء وسكون الراء المهملتين آخره مثلثة وله عن الحموي في الحرث وإسقاط كتاب، وله أيضًا عن الكشميهني كتاب المزارعة مع تأخير البسملة فيها وسقط له قوله ما جاء في الحرث والمزارعة، وقوله باب وما بعده ثابت عنده وحينئذٍ
стр. 2848
فيكون قوله فضل الزرع مرفوعًا على ما لا يخفى، وهذا ما في الفرع وأصله وفي فتح الباري، عن النسفيّ كالكشميهني باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه بسم الله الرحمن الرحيم. وزاد النسفيّ فقال: باب ما جاء في الحرث والمزارعة وفضل الزرع، ومثله للأصيلي وكريمة إلا أنهما حذفا لفظ كتاب المزارعة، وللمستملي: كتاب الحرث، وقدم الحموي البسملة وقال في الحرث بدل كتاب الحرث.
(وقوله تعالى) بالجرّ عطفًا على السابق، ولأبي ذر وقول الله تعالى بالرفع على الاستئناف: (﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾) تبذرون حبه (﴿أأنتم تزرعونه﴾) تنبتونه (﴿أم نحن الزارعون﴾) المنبتون (﴿لو نشاء لجعلناه حطامًا﴾) [الواقعة: ١٦] هشيمًا وإنما نسب الحرث إلينا والزرع إليه ﷻ ، وإن كانت الأفعال كلها له سبحانه حرثًا وبذرًا وغير ذلك لأن المراد بالزرع هنا الإنبات لا البذر وذلك خصائص القدرة القديمة، ووجه الاستدلال بهذه الآية على إباحة الحرث أن الله تعالى امتنّ علينا بإنبات ما نحرثه فدلّ على أن الحرث جائز إذ لا يمتنّ بممنوع.
٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ح.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». وقال لنا مسلمٌ حدثنا أبانُ حدثنا قتادة حدثنا أنسٌ عن النبي ﷺ .
[الحديث ٢٣٢٠ - طرفه في: ٦٠١٢].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (ح) مهملة وينطق بها كذلك علامة لتحويل السند قال المؤلّف بالسند:
(وحدّثني عبد الرحمن بن المبارك) بن عبد الله العيشي بعين مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فشين معجمة منسوب إلى بني عائش قال: (حدّثنا أبو عوانة عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ولأبي ذر: أنس بن مالك (﵁) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ ¬):
(ما من مسلم يغرس غرسًا) بمعنى المغروس أي شجرًا (أو يزرع زرعًا) مزروعًا وأو للتنويع لأن الزرع غير الغرس (فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) بالرفع اسم كان والتعبير بالمسلم يخرج الكافر فيختص الثواب في الآخرة بالمسلم دون الكافر لأن القرب إنما تصح من المسلم فإن تصدق الكافر أو فعل شيئًا من وجوه البر لم يكن له أجر في الآخرة. نعم ما أكل من زرع الكافر يثاب عليه في الدنيا كما ثبت دليله، وأما من قال يخفف عنه بذلك من عذاب الآخرة فيحتاج إلى دليل.
стр. 2849
وفي حديث عائشة عند مسلم قلت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: "لا ينفعه إن لم يقل يومًا ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين" يعني لم يكن مصدقًا بالبعث ومن لم يصدق به كافر ولا ينفعه عمل. ونقل عياض الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشد عذابًا من بعضهم بحسب جرائمهم.
وأما حديث أبي أيوب الأنصاري عند أحمد مرفوعًا: ما من رجل يغرس غرسًا وحديث ما من عبد فظاهرهما يتناول المسلم والكافر لكن يحمل المطلق على المقيد والمراد بالمسلم الجنس فتدخل المرأة المسلمة.
(وقال لنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي البصري قال العيني كابن حجر: كذا بإثبات لنا للأصيلي وكريمة وأبي ذر وفي رواية النسفيّ وآخرين وقال مسلم بدون لفظة لنا (حدّثنا أبان) ابن يزيد العطار قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) لم يسق متن هذا السند لأن غرضه منه التصريح بالتحديث من قتادة عن أنس، وقد أخرجه مسلم عن عبد بن حميد عن مسلم بن إبراهيم المذكور بلفظ: أن نبي الله ﷺ رأى نخلاً لأم مبشر امرأة من الأنصار فقال: "من غرس هذا النخل أمسلم أم كافر"؟ قالوا: مسلم بنحو حديثهم كذا عند مسلم فأحال به على ما قبله، وقد بيّنه أبو نعيم في المستخرج من وجه آخر عن مسلم بن إبراهيم، وباقيه: لا يغرس مسلم غرسًا فيأكل منه إنسان أو طير أو دابّة إلا كان له صدقة، وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طرق عن جابر قال في بعضها فيأكل منه سبع أو طائر أو شيء إلا كان له فيه أجر، وفي أخرى: فيأكل منه إنسان ولا دابّة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة. ومقتضاه أن ثواب ذلك مستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً منه ولو مات غارسه أو زارعه ولو انتقل ملكه إلى غيره.
قال ابن العربي: في سعة كرم الله أن يثيب على ما بعد الحياة كما كان يثيب ذلك في الحياة وذلك في ستة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو غرس، أو زرع، أو رباط فللمرابط ثواب عمله إلى يوم القيامة انتهى.
ونقل الطيبي عن محيي السُّنّة أنه روى أن رجلاً مرّ بأبي الدرداء وهو يغرس جوزة فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير وهذه لا تطعم إلا في كذا وكذا عامًا. قال: ما عليّ أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري. قال: وذكر أبو الوفاء البغدادي أنه مرّ أنو شروان على رجل يغرس شجر الزيتون فقال له: ليس هذا أوان غرسك الزيتون وهو شجر بطيء الأثمار، فأجابه غرس من قبلنا فأكلنا ونغرس ليأكل من بعدنا. فقال أنو شروان: زه أي أحسنت، وكان إذا قال زه يعطي من قيلت له أربعة آلاف درهم فقال: أيها الملك كيف تعجب من شجري وإبطاء ثمره فما أسرع ما أثمر. فقال: زه فزيد أربعة آلاف درهم أخرى. فقال: كل شجر يثمر في العام مرة وقد أثمرت شجرتي في ساعة
стр. 2850
مرتين. فقال: زه فزيد مثلها فمضى أنو شروان فقال: إن وقفنا عليه لم يكفه ما في خزائننا.
ثم إن حصول هذه الصدقة المذكورة يتناول حتى من غرسه لعياله أو لنفقته لأن الإنسان يُثاب على ما سرق له وإن لم ينوِ ثوابه ولا يختصّ حصول ذلك بمن يباشر الغراس أو الزراعة بل يتناول من استأجر لعمل ذلك والصدقة حاصلة حتى فيما عجز عن جمعه كالسنبل المعجوز عنه بالحصيدة فيأكل منه حيوان فإنه مندرج تحت مدلول الحديث.
واستدلّ به على أن الزراعة أفضل المكاسب وقال به كثيرون، وقيل الكسب باليد، وقيل التجارة، وقد يقال كسب اليد أفضل من حيث الحلّ والزرع من حيث عموم الانتفاع، وحينئذٍ فينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الحال فحيث احتيج إلى الأقوات أكثر تكون الزراعة أفضل للتوسعة على الناس، وحيث احتيج إلى المتجر لانقطاع الطرق تكون التجارة أفضل، وحيث احتيج إلى الصنائع تكون أفضل والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه المصنف أيضًا في الأدب والترمذي في الأحكام.
٢ - باب مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الاِشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ، أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ
(باب) بيان (ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع) يحذر بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه مخففًا، ولأبي ذر: يحذر بالتشديد (أو مجاوزة الحد) قال الحافظ ابن حجر: كذا للأصيلي وكريمة ولابن شبويه أو يجاوز بالمثناة التحتية بدل الميم، ولأبي ذر والنسفيّ: جاوز الحد، وفي رواية بالفرع: أو جاز الحد (الذي أمر به) سواء كان واجبًا أو مندوبًا.
٢٣٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ -وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ- سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلاَّ أُدْخِلَهُ الذُّلُّ» قَالَ مُحَمَّدٌ: وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيٌّ بْنُ عَجلانَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا عبد الله بن سالم الحمصي) أبو يوسف قال: (حدّثنا محمد بن زياد الألهاني) بفتح الهمزة وسكون اللام بعدها هاء فألف فنون فياء نسب أبو سفيان الحمصي (عن أبي أمامة الباهلي) أنه (قال و) الحال أنه (رأى سكة) بكسر السين المهملة وتشديد الكاف المفتوحة الحديدة التي تحرث بها الأرض (وشيئًا من آلة الحرث فقال: سمعت النبي) ولأبي ذر: سمعت رسول الله (¬ ﷺ يقول):
стр. 2851
(لا يدخل هذا بيت قوم) يعملون بها بأنفسهم (إلا أدخله الذل) بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، والذل رفع نائب عن الفاعل فلو كان لهم من يعمل لهم وأدخلت الآلة المذكورة دراهم للحفظ فليس مرادًا أو هو على عمومه، فإن الذل داخل شامل لكل من أدخل على نفسه ما يستلزم مطالبة آخر له، ولا سيما إذا كان المطالب من ظلمة الولاة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: إلا أدخله الله بفتح الهمزة والخاء مبنيًّا للفاعل الذلّ مفعول للاسم الكريم، وله عن الكشميهني: إلا دخله الذل بإسقاط الهمزة وحذف الجلالة والذل رفع. وفي مستخرج أبي نعيم: إلا أدخلوا على أنفسهم ذلاًّ لا يخرج عنهم إلى يوم القيامة أي لما يلزمهم من حقوق الأرض التي يزرعونها ويطالبهم بها الولاة، بل ويأخذون منهم الآن فوق ما عليهم بالضرب والحبس، بل ويجعلونهم كالعبيد أو أسوأ من العبيد فإن مات أحد منهم أخذوا ولده عوضه بالغصب والظلم، وربما أخذوا الكثير من ميراثه ويحرمون ورثته، بل ربما أخذوا من ببلد الزراع فجعلوه زراعًا، وربما أخذوا ماله كما شاهدنا فلا حول ولا قوة إلا بالله. وكان العمل في الأراضي أول ما افتتحت على أهل الذمة فكان الصحابة يكرهون تعاطي ذلك.
قال في فتح الباري: وقد أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين حديث أبي أمامة، والحديث السابق في فضل الزرع والغرس وذلك بأحد أمرين: إما أن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك ومحله إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه، وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه.
(قال محمد) هو ابن زياد الراوي (واسم أبي أمامة) الباهلي المذكور (صديّ بن عجلان) بفتح العين المهملة وسكون الجيم وبعد اللام ألف ونون وصدي بضم الصاد وفتح الدال المهملتين آخره تحتية مشددة آخر من مات بالشام من الصحابة، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخرين في الأطعمة والجهاد وهو ثابت هنا في بعض النسخ وعليه شرح العيني وهو في هامش اليونينية بإزاء قوله في السند: عن أبي أمامة من غير إشارة لمحله مرقوم عليه علامة أبي ذر عن المستملي والكشميهني، وفي بعض النسخ وعزاه في الفتح وتبعه العيني للمستملي قال أبو عبد الله أي البخاري بدل قوله قال محمد.
وهذا الحديث من أفراد البخاري.
٣ - باب اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ
(باب اقتناء الكلب) بالقاف أي اتخاذه (للحرث).
٢٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ
стр. 2852
قِيرَاطٌ، إِلاَّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ". قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِلاَّ كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ». وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ».
[الحديث ٢٣٢٢ - طرفه في: ٣٣٢٤].
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء أبو زيد البصري قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من أمسك كلبًا فإنه ينقص كل يوم من) أجر (عمله قيراط). وعند مسلم: فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان والحكم للزائد لأنه حفظ ما لم يحفظه الآخر أو أنه ﷺ أخبر أوّلاً بنقص قيراط واحد، فسمعه الراوي الأول ثم أخبر ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد للتنفير عن ذلك فسمعه الثاني أو ينزل على حالين فنقص القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها ونقص الواحد باعتبار قلته.
وقد حكى الروياني في البحر اختلافًا في الأجر هل ينقص من العمل الماضي أو المستقبل وفي محل نقصان القيراطين فقيل من عمل النهار قيراط ومن عمل الليل آخر وقيل من الفرض قيراط ومن النفل آخر، والقيراط هنا مقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نقص جزء أو جزأين من أجزاء عمله، وهل إذا تعددت الكلاب تتعدد القراريط؟ وسبب النقص امتناع الملائكة من دخول بيته أو لما يلحق المارّين من الأذى أو ذلك عقوبة لهم لاتخاذهم ما نهى عن اتخاذه أو لأن بعضها شياطين أو ولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها.
(إلا كلب حرث أو ماشية) فيجوز وأو للتنويع لا للترديد والأصح عند الشافعية إباحة اتخاذ الكلاب لحفظ الدور والدروب قياسًا على المنصوص بما في معناه، واستدلّ المالكية بجواز اتخاذها على طهارتها. فإن ملابستها مع الاحتراز عن مسّ شيء منها أمر شاق والإذن في الشيء إذن في مكملات مقصوده كما في المنع من لوازمه مناسبة للمنع منه. وأجيب: بعموم الخبر الوارد في الأمر من غسل ما ولغ فيه الكلب من غير تفصيل وتخصيص العموم غير مستنكر إذا سوّغه الدليل.
(قال) ولأبي ذر. وقال (ابن سيرين) محمد مما تتبعه الحافظ ابن حجر فلم يجده موصولاً (وأبو صالح) ذكوان الزيات مما وصله أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه الترغيب (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ إلا كلب غنم أو) كلب (حرث أو) كلب (صيد) فزاد أو صيد.
(وقال أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمان بسكون اللام الأشجعي مما وصله أبو الشيخ (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ كلب صيد أو) كلب (ماشية) فأسقط كلب الحرث ولأبي ذر بالتقديم والتأخير.
стр. 2853
٢٣٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ -رَجُلاً مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ. قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ».
[الحديث ٢٣٢٣ - طرفه في: ٣٣٢٥].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن يزيد بن خصيفة) بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة مصغرًا نسبه لجده واسم أبيه عبد الله (أن السائب بن يزيد) من الزيادة كالسابق الكندي صحابي صغير حج به في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة وهو آخر من مات بها من الصحابة (حدّثه أنه سمع سفيان بن أبي زهير) بضم الزاي مصغرًا (رجلاً) بالنصب قال العيني بتقدير أعني أو أخص، ولأبي ذر: رجل بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هو رجل (من أزد شنوءة) بفتح الهمزة وسكون الزاي وشنوءة بفتح الشين المعجمة وبعد النون المضمومة همزة مفتوحة (وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(من اقتنى كلبًا) وهذا مطابق للترجمة مفسر لقوله في الحديث السابق: من أمسك كلبًا (لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا) كناية عن الماشية (نقص كل يوم من) ثواب (عمله قيراط) قال السائب بن يزيد (قلت) لسفيان بن أبي زهير للتثبت في الحديث (أنت سمعت هذا) الذي قلته (من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي) سمعته منه ﷺ (ورب هذا المسجد) أقسم للتأكيد.
وفي هذا الحديث صحابي عن صحابي، وأخرجه مسلم في البيوع والنسائي وابن ماجة في الصيد.
٤ - باب اسْتِعْمَالِ الْبَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ
(باب استعمال البقر للحراثة).
٢٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ. قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِي، فَقَالَ الذِّئْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟ قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: مَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي الْقَوْمِ".
[الحديث ٢٣٢٤ - أطرافه في: ٣٤٧١، ٣٦٦٣، ٣٦٩٠].
стр. 2854
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن بشار) بالموحدة والشين المعجمة المشددة المفتوحتين العبدي البصري أبو بكر بندار قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد) بسكون العين، ولأبي ذر زيادة ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قاضي المدينة أنه (قال: سمعت أبا سلمة) بن عبد الرحمن الزهري المدني أحد الأعلام يقال اسمه عبد الله ويقال إسماعيل وهو عمّ سعد بن إبراهيم السابق (عن أبي هريرة ﵁ عن ﷺ ¬) أنه (قال):
(بينما) بالميم (رجل) لم يسم (راكب على بقرة) وجواب بينما قوله (التفتت إليه) أي البقرة وزاد في المناقب في فضل أبي بكر من طريق أبي اليمان فتكلمت (فقالت: لم أخلق لهذا) أي للركوب بقرينة قوله راكب (خلقت للحراثة) وفي ذكر بني إسرائيل من طريق عليّ عن سفيان بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنّا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم. (قال) النبي ﷺ (آمنت به) أي بنطق البقرة وفي ذكر بني إسرائيل فإني أومن بهذا والفاء فيه جزاء شرط محذوف أي فإذا كان الناس يستغربونه ويعجبون منه فإني لا أستغربه وأؤمن به (أنا وأبو بكر وعمر).
فإن قلت: ما فائدة ذكر أنا وعطف ما بعده عليه وهلا عطف على المستتر في أؤمن مستغنيًا عنه بالجار والمجرور؟ أجيب: بأنه لو لم يذكر أنا لاحتمل أن يكون وأبو بكر عطفًا على محل أن واسمها والخبر محذوف فلا يدخل في معنى التأكيد، وتكون هذه الجملة واردة على التبعية ولا كذلك في هذه الصورة قاله في شرح المشكاة، واستدلّ بقولها: إنما خلقنا للحرث على أن الدواب لا تستعمل إلا فيما جرت العادة باستعمالها فيه، ويحتمل أن يكون قولها: إنما خلقنا للحرث إشارة إلى تعظيم ما خلقت له ولم ترد الحصر في ذلك لأنه غير مراد اتفاقًا لأن جملة ما خلقت له أنها تذبح وتؤكل بالاتفاق.
قال ابن بطال: في هذا الحديث حجة على من منع أكل الخيل مستدلاً بقوله تعالى ﴿لتركبوها﴾ [النحل: ٨] فإنه لو كان ذلك دالاًّ على منع أكلها لدل هذا الخبر على منع أكل البقر لقوله في الحديث: إنما خلقنا للحرث، وقد اتفقوا على جواز أكلها فدلّ على أن المراد بالعموم المستفاد من صيغة إنما في قولها إنما خلقنا للحرث عموم مخصوص.
(وأخذ الذئب شاة) هو معطوف على الخبر الذي قبله بالإسناد المذكور (فتبعها) أي الشاة (الراعى) لم يسم وإيراد المصنف الحديث في ذكر بني إسرائيل فيه إشعار بأنه عنده ممن كان قبل الإسلام نعم وقع كلام الذئب لأهبان بن أوس كما عند أبي نعيم في الدلائل (فقال الذئب) ولأبي ذر: فقال له الذئب، وفي ذكر بني إسرائيل وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة
стр. 2855
فطلبه حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب هذا استنقذتها مني. واستشكل هذا التركيب، وخرّجه ابن مالك في التوضيح على ثلاثة أوجه.
أحدها: أن يكون منادى محذوفًا منه حرف النداء واعترضه البدر الدماميني بأنه ممنوع أو قليل.
الثاني: أن يكون في موضع نصب على الظرفية مشارًا به إلى اليوم أي هذا اليوم استنقذتها.
الثالث: في موضع نصب على المصدرية أي هذا الاستنقاذ استنقذتها مني، وقد وهم الزركشي في التنقيح وتبعه البدر الدماميني في المصابيح والبرماوي في اللامع الصبيح فذكروا هذه الكلمة المستشكلة في رواية هذا الباب ناقلين ما ذكرته عن ابن مالك في توجيهها، وليس لها ذكر في هذا الباب أصلاً والله أعلم.
ولفظ رواية الحديث المذكور في المناقب: بينما راعٍ في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال: (من لها) أي للشاة (يوم السبع) بضم الموحدة ويجوز فتحها وسكونها المفترس من الحيوان وجمعه أسبع وسباع كما في القاموس (يوم لا راعي لها غيري) أي إذا أخذها السبع لم تقدر على خلاصها منه فلا يرعاها حينئذٍ غيري أي إنك تهرب منه وأكون أنا قريبًا منه أراعي ما يفضل لي منها، أو أراد من لها عند الفتن حين تترك بلا راعٍ نهبة للسّباع فجعل السبع لها راعيًا إذ هو منفرد بها، أو أراد يوم أكلي لها يقال: سبع الذئب الغنم أي أكلها.
وقال ابن العربي: هو بالإسكان والضم تصحيف، وقال ابن الجوزي: هو بالسكون والمحدثون يروونه بالضم، وقال في القاموس: والسبع أي بسكون الموحدة الموضع الذي يكون فيه الحشر أي من لها يوم القيامة، ويعكر على هذا قول الذئب لا راعي لها غيري والذئب لا يكون راعيًا يوم القيامة أو يوم السبع عيد لهم في الجاهلية كانوا يشتغلون فيه يلهوهم عن كل شيء قال: وروي بضم الباء انتهى.
أي: يغفل الراعي عن غنمه فيتمكن الذئب منها وإنما قال ليس لها راعٍ غيري مبالغة في تمكنه منها.
(قال) ﷺ لما تعجب الناس حيث قالوا سبحان الله ذئب يتكلم كما في ذكر بني إسرائيل (آمنت به) أي بتكلم الذئب (أنا وأبو بكر وعمر).
(قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن الراوي بالسند المذكور (وما هما) أي العمران (يومئذٍ في القوم) أي لم يكونا حاضرين: فيحتمل أن يكون أهبان على تقدير أن يكون هو صاحب القصة لما أخبر النبي ﷺ بذلك. كان العمران حاضرين فصدّقاه، ثم أخبر النبي ﷺ الناس بذلك وهما غائبان فلذا قال ﵊: "فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر" وأطلق ذلك لما اطّلع عليه من أنهما يصدقان بذلك إذا سمعاه ولا يتردّدان فيه كغيره من قواعد العقائد.
стр. 2856
وقال التوربشتي: إنما أراد ﵊ تخصيصهما بالتصديق الذي بلغ عين اليقين وكوشف صاحبه بالحقيقة التي ليس وراءها للتعجب مجال انتهى.
ونطق البقرة والذئب جائز عقلاً أعني النطق اللفظي والنفسي معًا غير أن النفسي يشترط فيه العقل وخلقه في البقرة والذئب جائز، وكل جائز أخبر به صاحب المعجزة أنه واقع علمنا عقلاً أنه واقع، ولا يحمل توقف المتوقفين على أنهم شكوا في الصدق ولكن استبعدوه استبعادًا عاديًا ولم يعلموا علمًا مكينًا أن خرق العادة في زمن النبوّات يكاد أن يكون عادة فلا عجب إذًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المناقب وبني إسرائيل ومسلم في الفضائل والترمذي في المناقب مقطعًا.
٥ - باب إِذَا قَالَ اكْفِنِي مَئُونَةَ النَّخْلِ أَوْ غَيْرِهِ وَتُشْرِكُنِي فِي الثَّمَرِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال) صاحب النخل لغيره (اكفني مؤونة النخل) أي العمل فيه من السقي والقيام عليه بما يتعلق به (أو) مؤونة (غيره) كالعنب، ولأبي ذر وغيره بإسقاط الألف (وتشركني) بضم أوّله وكسر ثالثه مضارع أشرك ويجوز فتحهما مضارع شرك وكلاهما في الفرع وأصله ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف أي وأنت تشركني والواو للحال والنصب بتقدير أن بعد الواو (في الثمر) الذي يحصل من النخل أو الكرم جاز هذا القول.
٢٣٢٥ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: لَا. فَقَالُوا: تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا".
[الحديث ٢٣٢٥ - طرفاه في: ٢٧١٩، ٣٧٨٢].
وبه قال: (حدّثنا الحكم بن نافع) هو أبو اليمان الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي اسم أبيه دينار قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال قالت الأنصار للنبي ﷺ ¬) حين قدم المدينة: يا رسول الله (اقسم بيننا وبين إخواننا) المهاجرين (النخيل) بكسر الخاء ثم تحتية ساكنة، وللكشميهني: النخل بسكون الخاء والنخيل جمع نخل كالعبيد جمع عبد وهو جمع نادر (قال) ﷺ :
(لا) اقسم وإنما أبى ذلك لأنه علم أن الفتوح ستفتح عليهم فكره أن يخرج عنهم شيئًا من رقبة نخيلهم التي بما قوام أمرهم شفقة عليهم فلما فهم الأنصار ذلك جمعوا بين المصلحتين امتثال ما أمرهم به ﵊ وتعجيل مواساة إخوانهم المهاجرين (فقالوا) أي الأنصار للمهاجرين أيها المهاجرون (تكفونا المؤونة) في النخل بتعهده بالسقي والتربية (ونشرككم) بفتح أوله وثالثه. قال
стр. 2857
ابن حجر: حسب والذي في الفرع وأصله بالوجهين كالسابق (في الثمرة) أي ويكون المتحصل من الثمرة مشتركًا بيننا وبينكم وهذه عين المساقاة لكن لم يبينوا مقدار الأنصباء التي وقعت والمقرّر أن الشركة إذا أبهمت ولم يكن فيها جزء معلوم كانت نصفين أو كان نصيب العامل في المساقاة معلومًا بالعرف المنضبط فتركوا النص عليه اعتمادًا على ذلك العرف.
وقد أخرج المؤلّف هذا الحديث بهذا السند بلفظ: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال لا فقال تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة. قال البيضاوي: وهو خبر في معنى الأمر أي اكفونا تعب القيام بتأبير النخل وسقيها وما يتوقف عليه صلاحها.
(قالوا) أي الأنصار والمهاجرون كلهم (سمعنا وأطعنا) أي امتثلنا أمر النبي ﷺ فيما أشار إليه قاله العيني.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الشروط وكذا النسائي.
٦ - باب قَطْعِ الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ
وَقَالَ أَنَسٌ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ.
(باب) حكم (قطع الشجر والنخل) بسكون الخاء للحاجة والمصلحة كإنكاء العدو. (وقال أنس) مما وصله في باب نبش قبور الجاهلية في المساجد من كتاب الصلاة (أمر النبي ﷺ بالنخل فقطع) وفيه الجواز للحاجة.
٢٣٢٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهْيَ الْبُوَيْرَةُ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَىٍّ … حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ
[الحديث ٢٣٢٦ - أطرافه في: ٣٠٢١، ٤٠٣١، ٤٠٣٢، ٤٨٨٤].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال (حدّثنا جويرية) بن أسماء (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله) بن عمر (﵁ عن النبي ﷺ : أنه حرق نخل بني النضير) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة قوم من اليهود (وقطع) شجرها (وهي البويرة) بضم الموحدة وفتح الواو وسكون التحتية وبالراء موضع معروف من بلد بني النضير (ولها) للبويرة (يقول حسان) بدون الصرف على أنه من الحس بغير نون وبالصرف على أنه من الحسن بالنون وهو ابن ثابت الخزرجي الأنصاري (وهان) بالواو ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لهان باللام وللقابسي فيما ذكره العيني هان فيكون فيه العضب بالمعجمة وهو خرم مفاعلتن (على سراة بني لؤي) بضم اللام وبعدها همزة مفتوحة فتحتية مشددة أكابر قريش وسراة بفتح السين المهملة.
стр. 2858
قال الجوهري جمع السريّ وهو جمع عزيز أن يجمع فعيل على فعلة ولا يعرف غيره وجمع السراة سروات، وقد شدد السهيلي في الروض الأنف النكير في هذه المسألة على النحاة وقال: لا ينبغي أن يقال في سراة القوم أنه جمع سري لا على القياس ولا على غير القياس، وإنما هو مثل كاهل القوم وسنامهم، والعجب كيف خفي هذا على النحويين حتى قلد الخالف منهم السالف وساق فيه كلامًا طويلاً حاصله أن السراة مفرد لا جمع، واستدلّ عليه بما تقف عليه من كلامه (حريق بالبويرة مستطير) أي منتشر، ولما أنشد حسان هذا أجابه سفيان بن الحرث بقوله:
أدام الله ذلك من صنيع … وحرق في نواحيها السعير
وفي ذلك نزلت: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة﴾ [الحشر: ٥]. وإنما قال حسان ذلك لأن قريشًا هم الذين حملوا كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة على نقض العهد بينه وبين رسول الله ﷺ حتى خرج معهم إلى الخندق، وقيل إنما قطع النخل لأنها كانت تقابل القوم فقطعت ليبرز مكانها فتكون مجالاً للحرب.
٧ - باب
هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة.
٢٣٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ: "كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُزْدَرَعًا، كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ، قَالَ فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الأَرْضُ وَمِمَّا يُصَابُ الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا. وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ".
وبه قال: (حدّثنا محمد) ولأبوي ذر والوقت: ابن مقاتل قال (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن حنظلة بن قيس الأنصاري) الزرقي أنه (سمع رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة آخره جيم الأنصاري (قال: كنا أكثر أهل المدينة مزدرعًا) هو مكان الزرع أو مصدر أي كنا أكثر أهل المدينة زرعًا ونصبه على التمييز وأصله مزترعًا فأبدلت التاء دالاً لأن مخرج التاء لا يوافق الزاي لشدتها (كنا نكري الأرض) بضم النون من الإكراء (بالناحية منها مسمى) القياس مسماة لأنه حال من الناحية ولكنه ذكره باعتبار أن ناحية الشيء بعضه أو باعتبار الزرع (لسيد الأرض) أي مالكها تنزيلاً لها منزلة العبد وأطلق السيد عليه. (قال) رافع بن خديج (فمما) أي كثيرًا ما، ولأبي ذر عن الكشميهني: فمهما (يصاب ذلك) البعض أي تقع عليه مصيبة ويتلف ذلك (وتسلم الأرض) أي باقيها (ومما يصاب الأرض ويسلم ذلك) البعض.
قال في المصابيح: الظاهر تخريج فمما على أنها بمعنى ربما على ما ذهب إليه السيرافي وابنا طاهر وخروف والأعلم وخرجوا عليه قول سيبويه واعلم أنهم مما يحذفون كذا انتهى.
стр. 2859
ولأبي ذر: ومهما كالأول والأولى أولى لأن مهما تستعمل لأحد معانٍ ثلاثة:
أحدها: تضمن معنى الشرط فيما لا يعقل غير الزمان.
والثاني: الزمان والشرط وأنكر الزمخشري ذلك.
والثالث: الاستفهام ولا يناسب مهما إلا بالتعسف.
(فنهينا) عن هذا الإكراء على هذا الوجه لأنه موجب لحرمان أحد الطرفين فيؤدّي إلى الأكل بالباطل. (وأما الذهب والورق) بكسر الراء وللأصيلي والفضة (فلم يكن يومئذ) يكري بهما ولم يرد نفي وجودهما.
وهذا الباب بمنزلة الفصل من السابق لكن استشكل إدخال الحديث فيه حتى قيل إنه وضع في غير موضعه من الناسخ. وأجيب: بأن وجه دخوله من حيث إن من اكترى أرضًا لمدة فله أن يزرع ويغرس فيها ما شاء فإذا تمّت المدة فلصاحب الأرض طلبه بقلعهما فهو من إباحة قطع الشجر وهذا كافٍ في المطابقة وفيه أن كراء الأرض بجزء مما يخرج منها منهي عنه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي.
وفي هذا الحديث رواية تابعي عن تابعي عن الصحابي، وأخرجه المؤلّف أيضًا في المزارعة والشروط ومسلم في البيوع وكذا أبو داود، وأخرجه النسائي في المزارعة وابن ماجة في الأحكام.
٨ - باب الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ
وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلاَّ يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ. وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ. وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الأَرْضُ لأَحَدِهِمَا فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا، فَمَا خَرَجَ فَهْوَ بَيْنَهُمَا. وَرَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ عَلَى النِّصْفِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا بَأْسَ أَنْ تُكرَى الْمَاشِيَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
(باب المزارعة بالشطر) وهو النصف (ونحوه. وقال قيس بن مسلم) هو ابن الجدلي الكوفي مما وصله عبد الرزاق (عن أبي جعفر) محمد بن علي بن الحسين الباقر أنه (قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة) أي مهاجري (إلا يزرعون على الثلث والربع) الواو بمعنى أو، وقوله في الفتح عاطفة على
стр. 2860
الفعل لا على المجرور أي يزرعون على الثلث ويزرعون على الربع، تعقبه في عمدة القاري بأنه لا يقال الحرف يعطف على الفعل، وإنما الواو بمعنى أو فإذا أبقيناها على أصلها يكون فيه حذف تقديره وإلاّ يزرعون على الربع ولا يضر تفرّد قيس الكوفي بروايته هذا عن أبي جعفر المدني عن المدنيين الراوين عنه فإن انفراد الثقة الحافظ غير مؤثر على أنه لم ينفرد به فقد وافقه غيره في بعض معناه كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا.
(وزارع علي) هو ابن أبي طالب فيما وصله ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن صليع عنه، (وسعد بن مالك) وهو سعد بن أبي وقاص، (وعبد الله بن مسعود) فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة أيضًا من طريق موسى بن طلحة، (وعمر بن عبد العزيز) فيما وصله أيضًا ابن أبي شيبة من طريق خالد الحذاء (والقاسم) بن محمد فيما وصله عبد الرزاق، (وعروة بن الزبير) فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا (وآل أبي بكر) الصديق (وآل عمر) بن الخطاب (وآل علي) بن أبي طالب فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا وآل الرجل أهل بيته (وابن سيرين) محمد فيما وصله سعيد بن منصور.
(وقال عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد النخعي أبو بكر الكوفي فيما وصله ابن أبي شيبة: (كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي الكوفي وهو أخو الأسود بن يزيد وابن أخي علقمة بن قيس (في الزرع) زاد ابن أبي شيبة فيه وأحمله إلى علقمة والأسود فلو رأيا به بأسًا لنهياني عنه.
(وعامل عمر) بن الخطاب ﵁ (الناس على إن جاء) بكسر الهمزة (عمر بالبذر) بالذال المعجمة (من عنده فله الشطر وإن جاؤوا بالبذر) من عندهم (فلهم كذا) وهذا وصله ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد أن عمر فذكر نحوه وهذا مرسل.
- وأخرجه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن عمر بن عبد العزيز قال: لما استخلف عمر أجلى أهل نجران وأهل فدك وتيماء وأهل خيبر واشترى عقرهم وأموالهم واستعمل يعلى بن أمية فأعطى البياض يعني بياض الأرض على أن كان البذر والبقر والحديد من عمر فلهم الثلث ولعمر الثلثان وإن كان منهم فلهم الشطر، وأعطى النخل والعنب على أن له الثلثين ولهم الثلث وهذا مرسل أيضًا فيتقوى أحدهما بالآخر، وكأن المصنف أبهم المقدار بقوله فلهم كذا لما وقع فيه من الاختلاف لأن غرضه منه أن عمر أجاز المعاملة بالجزء.
وفي إيراد البخاري هذا الأثر وغيره في هذه الترجمة ما يقتضي أنه يرى أن المزارعة والمخابرة بمعنى واحد وهو وجه عند الشافعية والآخر أنهما مختلفا المعنى، فالزارعة العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذار من المالك والمخابرة مثلها لكن البذر من العامل.
(وقال الحسن): البصري (لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما فينفقان جميعًا) عليها (فما خرج) منها (فهو بينهما) وهذا وصله سعيد بن منصور فيما قاله الحافظ ابن حجر قال العيني لم أجده بعد
стр. 2861
الكشف. (ورأى ذلك) الذي قاله الحسن (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب قال ابن حجر: وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة نحوه قال العيني لم أجده عندهما.
(وقال الحسن: لا بأس أن يجتنى القطن على النصف) بضم التحتية وسكون الجيم وفتح الفوقية مبنيًّا للمفعول والقطن رفع نائب عن الفاعل وهذا موصول فيما قاله الحافظ ابن حجر عند عبد الرزاق ومثل القطن العصفر ولقاط الزيتون والحصاد وغير ذلك مما هو مجهول فأجازه جماعة من التابعين وهو قول أحمد قياسًا على القراض لأنه يعمل بالمال على جزء منه معلوم لا يدرى مبلغه.
(وقال إبراهيم) النخعي مما وصله الأثرم (وابن سيرين) محمد مما وصله ابن أبي شيبة (وعطاء) هو ابن أبي رباح (والحكم) بن عتيبة فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة كما قاله في الفتح وقال في عمدة القاري: لم أجد ذلك عنده (والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (وقتادة) فيما وصله عنه ابن أبي شيبة: (لا بأس أن يعطي الثوب) أي الغزل للنسّاج ينسجه وإطلاق الثوب عليه من باب المجاز، ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي: الثور (بالثلث أو الربع ونحوه) أي يكون الثلث أو الربع ونحوه للنساج والباقي لمالك الغزل.
(وقال معمر): بفتح اليمين وسكون العين المهملة بينهما ابن راشد مما وصله عبد الرزاق عنه، وفي نسخة باليونينية وفرعها معتمر بالفوقية فلينظر (لا بأس أن تكون الماشية) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: تكرى الماشية (على الثلث أو الربع إلى أجل مسمى) أي ثلث الكراء الحاصل منها أي بأن يكريها لحمل طعام مثلاً إلى مدة معلومة على أن يكون ذلك بينهما أثلاثًا أو أرباعًا، ورأيت بهامش اليونينية ما لفظه وعند الحافظ أبي ذر على قوله إلى أجل مسمى علامة المستملي والكشميهني وهو يدل على أنه عندهما دون الحموي وهو ثابت على ما تراه في روايته في هذا الأصل، وكذا كل ما أشار إليه في المواضع العلم عليها فاعلم ذلك وأمعن النظر فيه.
٢٣٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ. ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ. وَعِشْرُونَ وَسْقَ شَعِيرٍ، فَقَسَمَ عُمَرُ خَيْبَرَ، فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنَ الْمَاءِ وَالأَرْضِ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ؟ فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الْوَسْقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ اخْتَارَتِ الأَرْضَ.
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي قال: (حدّثنا أنس بن عياض) الليثي (عن عبيد الله) بالتصغير ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (أن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره عن النبي) ولأبي ذر: أن النبي (¬ ﷺ ¬):
стр. 2862
(عامل) أهل (خيبر بشطر) بنصف (ما يخرج منها من ثمر) بالمثلثة إشارة إلى المساقاة (أو زرع) إشارة إلى المزارعة (فكان يعطي أزواجه) ﵅ (مائة وسق) بفتح الواو وكسرها كما في التاليين في الفرع وأصله الوسق ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ منها (ثمانون وسق تمر و) منها (عشرون وسق شعير) وسق نصب على التمييز في الموضعين مضاف فيهما للاحقه، وللكشميهني ثمانين وعشرين بالنصب فيهما. (فقسم) بالفاء ولأبي ذر وقسم (عمر خيبر) كذا بإثبات خيبر في الفرع وغيره مما وقفت عليه من الأصول وقول الحافظ ابن حجر قوله: وقسم عمر أي خيبر وصرّح بذلك أحمد في روايته عن ابن نمير عن عبيد الله بن عمر مقتضاه أن رواية البخاري بحذفه ليس إلا فلينظر (فخير أزواج النبي ﷺ -أن يقطع لهن) بضم الياء وسكون القاف من الإقطاع (من الماء والأرض أو يمضي لهن) أي يجري لهن قسمتهن على ما كان في حياة رسول الله ﷺ كما كان من التمر والشعير، (فمنهنّ من اختار الأرض، ومنهنّ من اختار الوسق، وكانت عائشة) ﵂ (اختارت الأرض).
وفي هذا الحديث جواز المزارعة والمخابرة لتقرير النبي ﷺ لذلك واستمراره في عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر ﵄، وبه قال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي، وصنف فيهما ابن خزيمة جزءًا بيّن فيه علل الأحاديث الواردة بالنهي عنهما وجمع بين أحاديث الباب، ثم تابعه الخطابي وقال: ضعف أحمد بن حنبل حديث النهي وقال هو مضطرب، وقال الخطابي وأبطلها مالك وأبو حنيفة والشافعي لأنهم لم يقفوا على علته قال فالمزارعة جائزة وهي عمل المسلمين في جميع الأمصار لا يبطل العمل بها أحد هذا كلام الخطابي، والمختار جواز المزارعة والمخابرة وتأويل الأحاديث على ما إذا شرط لواحد زرع قطعة معينة ولآخر أخرى، والمعروف في المذهب إبطالهما فمتى أفردت الأرض بمخابرة أو مزارعة بطل العقد، وإذا بطلتا فتكون الغلة لصاحب البذر لأنها نماء ماله فإن كان البذر للعامل فلصاحب الأرض عليه أجرتها أو المالك فللعامل عليه أجرة مثل عمله وعمل ما يتعلق به من آلاته كالبقر إن حصل من الزرع شيء أو لهما فعلى كلٍّ منهما أجرة مثل عمل الآخر بنفسه وآلاته في حصته، لذلك فإن أراد أن يكون الزرع بينهما على وجه مشروع بحيث لا يرجع أحدهما على الآخر بشيء فليستأجر العامل من المالك نصف الأرض بنصف منافعه ومنافع آلاته ونصف البذر إن كان منه، وإن كان البذر من المالك استأجر المالك العامل بنصف البذر ليزرع له نصف الأرض ويعيره نصف الأرض الآخر وإن شاء استأجره بنصف البذر ونصف منفعة تلك الأرض ليزرع له باقيه في باقيها وإن كان البذر لهما آجره نصف الأرض بنصف منفعته ومنفعة آلاته أو أعاره نصف الأرض وتبرع العامل بمنفعة بدنه وآلته فيما يخص المالك أو أكراه نصفها بدينار مثلاً واكترى العامل ليعمل على نصيبه بنفسه وآلته بدينار وتقاصّا.
وفي الحديث أيضًا جواز المساقاة في النخل والكرم وجميع الشجر الذي من شأنه أن يثمر كالخوخ والمشمش بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمرة، وبه قال الجمهور وخصّه الشافعي في الجديد
стр. 2863
بالنخل وكذا شجر العنب لأنه في معنى النخل بجامع وجوب الزكاة وتأتي الخرص في ثمرتيهما فجوّزت المساقاة فيهما سعيًا في تثميرهما رفقًا بالمالك والعامل والمساكين، واختار النووي في تصحيحه صحتها على سائر الأشجار المثمرة وهو القول القديم، واختاره السبكي فيها إن احتاجت إلى عمل ومحل المنع أن تفرد بالمساقاة فإن ساقاه عليها تبعًا لنخل أو عنب صحّت كالمزارعة وألحق المقل بالنخل. وقال أبو حنيفة وزفر: لا تجوز المساقاة بحال لأنها إجارة بثمرة معدومة أو مجهولة، وجوّزها أبو يوسف ومحمد وبه يفتي لأنها عقد على عمل في المال ببعض نمائه فهو كالمضاربة لأن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه وهو معدوم ومجهول، وقد صح عقد الإجارة مع أن المنافع معدومة وكذلك هنا وأيضًا فالقياس في إبطال نص أو إجماع مردود.
٩ - باب إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ السِّنِينَ فِي الْمُزَارَعَةِ
(باب) بالتنوين (إذا لم يشترط) المالك للأرض (السنين) المعلومة (في) عقد (المزارعة).
٢٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بن عمر العمري قال: (حدّثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: عامل النبي ﷺ ¬) أهل (خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر) بالمثلثة (أو زرع) للتنويع ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التقييد بسنين معلومة وفيه جواز ذلك فللمالك أن يخرج العامل متى أراد وقد أجاز ذلك من أجاز المخابرة والمزارعة.
١٠ - باب
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة فهو بمنزلة الفصل من السابق.
٢٣٣٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: "قُلْتُ لِطَاوُسٍ: لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ. قَالَ: أَىْ عَمْرُو، إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُغْنِيهِمْ. وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي -يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ-﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا".
[الحديث ٢٣٣٠ - طرفاه في: ٢٣٤٢، ٢٦٣٤].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال عمرو) هو ابن دينار (قلت لطاوس: لو تركت المخابرة) وهي كما مرّ العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر
стр. 2864
من العامل وجواب لو محذوف تقديره لكان خيرًا أو لو للتمني فلا تحتاج إلى جواب (فإنهم) أي رافع بن خديج وعمومته والثابت بن الضحاك وجابر بن عبد الله ومن روى منهم والفاء للتعليل (يزعمون أن النبي) أي يقولون أنه (¬ ﷺ نهى عنه) أي عن الزرع على طريق المخابرة (قال) طاوس (أي عمرو) يعني يا عمرو (إني) ولأبي ذر: فإني (أعطيهم) بضم الهمزة من الإعطاء (وأغنيهم) بضم الهمزة وسكون الغين المعجمة من الإغناء وفي رواية وأعينهم بضم الهمزة وكسر العين المهملة وبعدها تحتية ساكنة من الإعانة كذا للمستملي والحموي كما في فتح الباري، وتبعه في عمدة القاري وكذا هي في الأصل المقروء على الميدومي، وصوّب الحافظ ابن حجر الثانية، ولأبي ذر عن الكشميهني كما في الفرع وأصله وأعينهم بضم الهمزة وسكون العين المهملة وكسر النون بعدها تحتية ساكنة فلينظر.
(وإن أعلمهم) أي الذين يزعمون أنه ﷺ نهى عن ذلك (أخبرني يعني ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لم ينه عن) أي عن الزرع على طريق المخابرة ولا يقال هذا يعارض النهي عنه لأن النهي كان فيما يشترطون فيه شرطًا فاسدًا وعدمه فيما لم يكن كذلك أو المراد بالإثبات نهي التنزيه وبالنفي نهي التحريم، (ولكن قال) ﵊:
(أن) بفتح الهمزة وسكون النون (يمنح أحدكم أخاه خير له) بفتح أول يمنح وآخره ولأبي ذر إن بكسر الهمزة وسكون النون يمنح بفتح أوله وسكون آخره وقول الحافظ ابن حجر: إن الأولى تعليلية والأخرى شرطية، تعقبه العيني فقال: ليس كذلك بل أن بفتح الهمزة مصدرية ولام الابتداء مقدّرة قبلها والمصدر المضاف إلى أحدكم مبتدأ خبره قوله خير له وقد جاء أن بالفتح بمعنى أن بالكسر الشرطية فحينئذ يمنح مجزوم به وجواب الشرط خير لكن فيه حذف تقديره فهو خير له وقول الزركشي وفي يمنح فتح النون وكسرها مع ضم أوله فإنه يقال منحته وأمنحته إذا أعطيته لم أقف عليه في شيء من نسخ البخاري كذلك والله أعلم.
وقد وقع في رواية الطحاوي: لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له (من أن يأخذ) أي من أخذه (عليه خرجًا معلومًا) أي أجرة معلومة.
ومناسبة هذا الحديث للباب السابق من جهة أن فيه للعامل جزءًا معلومًا وهنا لو ترك مالك الأرض هذا الجزء للعامل كان خيرًا له من أن يأخذه منه وفيه جواز أخذ الأجرة لأن الأولوية لا تنافي الجواز.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المزارعة والهبة، ومسلم، وأبو داود في البيوع، والترمذي وابن ماجة في الأحكام، والنسائي في المزارعة.
стр. 2865
١١ - باب الْمُزَارَعَةِ مَعَ الْيَهُودِ
(باب) حكم (المزارعة مع اليهود) أي وغيرهم من أهل الذمة.
٢٣٣١ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَهُودَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا خَرَجَ مِنْهَا".
وبه قال: (حدّثنا ابن مقاتل) المروزي ولأبي ذر محمد المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا عبيد الله) بالتصغير ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها) أي يتعاهدوا أشجارها بالسقي وإصلاح مجاري الماء وتقليب الأرض بالمساحي وقلبها للحرث وتلقيح الشجر وقطع المضر بالشجر من الحشيش ونحوه وغير ذلك (ويزرعوها ولهم شطر) أي نصف (ما يخرج منها) زاد في الرواية السابقة في باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة من ثمر أو زرع.
واعلم أن اليهود استمروا على هذه المعاملة إلى صدر من خلافة عمر ﵁ فبلغه قول النبي ﷺ في وجعه: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان فأجلاهم عنها، والذي ذهب إليه الأكثرون المنع من كراء الأرض بجزء مما يخرج منها، وحمل بعضهم هذا الحديث على أن المعاملة كانت مساقاة على النخل والبياض المتخلل بين النخيل كان يسيرًا فتقع المزارعة تبعًا للمساقاة، وذهب غيره إلى أن صورة هذه صورة المعاملة وليست لها حقيقتها فإن الأرض كانت قد ملكت بالاغتنام والقوم صاروا عبيدًا فالأموال كلها للنبي ﷺ ، والذي جعل لهم منها بعض ماله لينتفعوا به لا على أنه حقيقة المعاملة، وهذا يتوقف على إثبات أن أهل خيبر استرقوا فإنه ليس بمجرد الاستيلاء يحصل الاسترقاق للبالغين قاله ابن دقيق العيد.
وقد سبق ما في الحديث قريبًا ومراد البخاري بهذه الترجمة الإعلام بأنه لا فرق في جواز هذه المعاملة بين المسلمين وأهل الذمة.
١٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي الْمُزَارَعَةِ
(باب) بيان (ما يكره من الشروط في المزارعة).
٢٣٣٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى سَمِعَ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ عَنْ رَافِعٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلاً، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ".
стр. 2866
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) أبو الفضل المروزي قال: (أخبرنا ابن عيينة) سفيان (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري أنه (سمع حنظلة) بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة بينهما نون ساكنة ابن قيس (الزرقي عن رافع) هو ابن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال وبعد التحتية جيم (﵁) أنه (قال: كنا أكثر أهل المدينة حقلاً) بفتح الحاء المهملة وسكون القاف والنصب على التمييز أي زرعًا والمحاقلة بيع الطعام في سنبله وقيل اشتراء الزرع بالحنطة، وقيل المزارعة بالثلث وبالربع وغيرهما وقيل كراء الأرض بالحنطة، (وكان أحدنا يكري أرضه فيقول) بالفاء ولأبي الوقت ويقول (هذه القطعة) من الأرض (لي وهذه) القطعة منها (لك فربما أخرجت ذه) بكسر الذال المعجمة وسكون الهاء وبكسرها كما في اليونينية ويكون بالاختلاس والإشباع والأصل ذي فجيء بالهاء للوقف أو لبيان اللفظ إشارة إلى القطعة من الأرض وهي من الأسماء المبهمة التي يشار بها إلى المؤنث، (ولم تخرج ذه) يعني ربما تخرج هذه القطعة المستثناة ولم تخرج سواها أو بالعكس فيفوز صاحب هذه بكل ما حصل ويضيع حق الآخر بالكلية (فنهاهم النبي ﷺ ¬) عن ذلك لما فيه من حصول المخاطرة المنهي عنها.
وموضع الترجمة قوله هذه القطعة الخ … ولا ريب أن هذا يؤدّي إلى النزاع على ما لا يخفى.
وقد سبق هذا الحديث قريبًا.
١٣ - باب إِذَا زَرَعَ بِمَالِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ لَهُمْ
هذا (باب) بالتنوين (إذا زرع) أحد (بمال قوم بغير إذنهم وكان في ذلك) الزرع (صلاح لهم) لمن يكون الزرع.
٢٣٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ. قَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَىَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ بَنِيَّ. وَإِنِّي اسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَىَّ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فَرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ اللَّهُ فَرَأَوُا السَّمَاءَ. وَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ مِنْهَا فَأَبَتْ حَتَّى أَتَيْتُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَبَغَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ،
стр. 2867
فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فَرْجَةً، فَفَرَجَ. وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرُعَاتِهَا فَخُذْ. فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَخُذْ. فَأَخَذَهُ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ. فَفَرَجَ اللَّهُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ "فَسَعَيْتُ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني (إبراهيم بن المنذر) الحمامي قال (حدّثنا أبو ضمرة) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياض قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) بضم العين المهملة وسكون القاف (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(بينما) بالميم (ثلاثة نفر) لم يعرف اسمهم. زاد الطبراني من حديث عقبة بن عامر من بني إسرائيل حال كونهم (يمشون) وعند ابن حبان والبزار من حديث أبي هريرة والطبراني من حديث عقبة بن عامر أنهم خرجوا يرتادون لأهليهم (أخذهم المطر فأووا) بقصر الهمزة (إلى غار) كائن (في جبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم) وعند الطبراني من حديث النعمان بن بشير إذ وقع حجر من الجبل مما يهبط من خشية الله حتى سدّ فم الغار (فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله) بالنصب صفة لأعمالاً. ولأبي ذر عن الكشميهني: خالصة لله (فادعوا الله لعله يفرّجها عنكم) بضم المثناة التحتية وفتح الفاء وتشديد الراء مكسورة ولأبي ذر يفرجها بفتح التحتية وسكون الفاء وضم الراء ولأبي الوقت يفرجها كذلك لكن بكسر الراء (قال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ولي صبية) بكسر الصاد جمع صبي (صغار كنت أرعى عليهم فإذا رحت عليهم حلبت) غنمي (فبدأت بوالديّ أسقيهما) بفتح الهمزة (قبل بنيّ) الصبية (وإني استأخرت) بالخاء المعجمة وعند مسلم من طريق أبي ضمرة وإني نأى بي ذات يوم الشجر أي أنه استطرد مع غنمه في الرعي إلى أن بعد عن مكانه زيادة على العادة فلذلك استأخر (ذات يوم فلم) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت: ولم (آت) بهمزة مفتوحة ممدودة أي لم أجيء (حتى أمسيت) دخلت في المساء (فوجدتهما ناما) وللكشميهني نائمين (فحلبت) الغنم (كما كنت أحلب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما) من نومهما فيشق ذلك عليهما (وأكره أن أسقي الصبية) قبلهما (والصبية يتضاغون) بالضاد والعين المعجمتين يتصايحون بالبكاء بسبب الجوع (عند قدميّ) بفتح الميم وتشديد التحتية بلفظ التثنية (حتى طلع الفجر) زاد من طريق سالم عن أبيه فاستيقظا فشربا غبوقهما (فإن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك). استشكل هذا من حيث إن المؤمن يعلم قطعًا أن الله تعالى يعلم ذلك. وأجيب: بأنه تردّد في عمله ذلك هل له أعتبار عند الله أم لا؟ فكأنه قال: إن كان عملي ذلك مقبولاً عندك (فافرج) بهمزة وصل مع ضم الراء، ولأبي الوقت: فافرج بقطع الهمزة وكسر الراء (لنا فرجة)
стр. 2868
بفتح الفاء وأصله، وقال في القاموس والفرجة مثلثة (نرى منها السماء ففرج الله) بتخفيف الراء وتشدد أي كشف الله (فرأوا السماء).
(وقال الآخر: اللهم إنها) أي القصة (كانت لي بنت عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء) الكاف زائدة أو أراد تشبيه محبته بأشدّ المحاب (فطلبت منها) ما يطلب الرجل من المرأة وهو الوطء (فأبت حتى) ولأبي ذر عن الكشميهني: فأبت عليّ حتى (أتيتها) بهمزة مقصورة ففوقية مفتوحة وبعد التحتية الساكنة فوقية أخرى ولأبي ذر آتيها بمد الهمزة وكسر الفوقية وأسقط الأخرى (بمائة دينار فبغيت) بالموحدة وفتح الغين المعجمة وسكون التحتية أي نظرت وطلبت، ولأبي الوقت: فتعبت بفوقية وعين مهملة مكسورة فموحدة ساكنة من التعب (حتى جمعتها) وأعطيتها إياها وخلت بيني وبين نفسها (فلما وقعت بين رجليها) لأطأها (قالت: يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم) أي الفرج (إلا بحقه) أي لا يحل لك أن تطأني إلا بتزويج صحيح وبين في رواية سالم سبب إجابتها بعد امتناعها فقال: فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة قحط فجاءتني.
وفي حديث النعمان بن بشير عند الطبراني أنها ترددت إليه ثلاث مرات تطلب إليه شيئًا من معروفه ويأبى عليها إلا أن تمكّنه من نفسها فأجابت في الثالثة بعد أن استأذنت زوجها فأذن لها وقال لها: أغني عيالك. قال: فرجعت فناشدتني بالله فأبيت عليها فأسلمت إليّ نفسها فلما كشفتها ارتعدت من تحتي فقلت: ما لك؟ فقالت: أخاف الله ربّ العالمين. فقلت: خفتيه في الشدة ولم أخفه في الرخاء (فقمت) أي وتركتها والذهب الذي أعطيتها (فإن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك) وفي ذكر بني إسرائيل: فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك، وفي الطبراني عن عليّ: من مخافتك وابتغاء مرضاتك (فافرج) بهمزة وصل وضم الراء (عنّا فرجة) بفتح الفاء وتضم وتكسر لم يقل في هذه نرى منها السماء (ففرج) حذف الفاعل للعلم به أي ففرج الله.
(وقال الثالث: اللهمّ إني استأجرت أجيرًا) واحدًا وفي رواية سالم أجزاء (بفرق أرز) بفتح الفاء والراء بعدها قاف وقد تسكن الراء قال في القاموس: مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع أو يسع ستة عشر رطلاً والأرز فيه ست لغات فتح الألف وضمها مع ضم الراء وتضم الألف مع سكون الراء وتخفيف الزاي وتشديدها والرواية هنا بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي، (فلما قضى عمله) الذي استأجرته عليه (قال) ولأبي ذر فقال (أعطني) بهمزة قطع مفتوحة (حقي فعرضت عليه) أي حقه (فرغب عنه) ولم يأخذه (فلم أزل أزرعه) بالجزم (حتى جمعت منه بقرًا وراعيها) بالإفراد، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ورعاتها (فجاءني فقال اتق الله فقلت) ولأبي الوقت قلت (اذهب إلى ذلك) بالتذكير باعتبار اللفظ وللمستملي إلى تلك (البقر ورعاتها) بالجمع (فخذ) بإسقاط ضمير المفعول (فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي) بالجزم على الأمر (فقلت) ولأبي ذر فقال وهو من باب الالتفات (إني لا أستهزئ بك فخذ) بإسقاط الضمير أيضًا (فأخذه فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج) عنّا (ما بقي) من الصخرة (ففرج الله) أي عنهم وخرجوا يمشون.
стр. 2869
(قال أبو عبد الله) البخاري، (وقال ابن عقبة) ولأبي ذر وقال إسماعيل بن عقبة وفي نسخة وقال إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة أي وفي روايته وفي الفرع وأصله كنسخة الصغاني، وقال إسماعيل أي ابن أبي أويس. وقال ابن عقبة (عن نافع فسعيت) بالسين والعين المهملتين بدل قوله في رواية عمه موسى بن عقبة فبغيت، وهذا التعليق عن إسماعيل بن عقبة وصله المؤلّف في باب إجابة دعاء من برّ والديه من كتاب الأدب.
وهذه الرواية عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة هي الصواب، وأما ما وقع في نسخة أبي ذر وقال إسماعيل عن ابن عقبة عن نافع فهو وهم لأن إسماعيل هو ابن إبراهيم بن عقبة ابن أخي موسى بن عقبة نبّه عليه الجياني.
وأما موضع الترجمة من الحديث ففي قوله فعرضت عليه حقه فرغب عنه الخ … قال ابن المنير: لأنه قد عيّن له حقه ومكّنه منه فبرئت ذمته بذلك فلما تركه وضع المستأجر يده عليه وضعًا مستأنفًا ثم تصرف فيه بطريق الإصلاح لا بطريق التضييع فاغتفر ذلك ولم يعدّ تعدّيًا يوجب المعصية ولذلك توسل به إلى الله وجعله من أفضل أعماله وأقرّ على ذلك ووقعت الإجابة له به، ومع ذلك فلو هلك الفرق لكان ضامنًا له إذ لم يؤذن له في التصرف فيه فمقصود الترجمة إنما هو خلاص الزارع من المعصية بهذا القصد ولا يلزم من ذلك رفع الضمان كذا نقله عنه في فتح الباري، وتبعه في عمدة القاري وهو متعقب لما قاله ابن المنير أيضًا في باب: إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي من كتاب البيوع حيث قال هناك فانظر في الفرق من الذرة هل ملكه الأجير أم لا؟ والظاهر أنه لم يملكه لأنه لم يستأجره بفرق معين وإنما استأجره بفرق على الذمّة لما عرض عليه أن يقبضه امتنع فلم يدخل في ملكه ولم يتعين له وإنما حقه في ذمة المستأجر وجميع ما نتج إنما نتج على ملك المستأجر، وغاية ذلك أنه أحسن القضاء فأعطاه حقه وزيادات كثيرة هذا كلامه وهو مخالف لما قرره هنا قطعًا، ويحتمل أن يقال إن توسله بذلك إنما كان لكونه أعطى الحق الذي عليه مضاعفًا لا بتصرفه كما أن الجلوس بين رجلي المرأة كان معصية لكن التوسل لم يكن إلا بترك الزنا والمسامحة بالمال ونحوه.
وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في ذكر بني إسرائيل، وقد أخرجه البزار والطبراني بإسناد حسن عن النعمان بن بشير أنه سمع النبي ﷺ يذكر الرقيم قال: انطلق ثلاثة فكانوا في كهف فوقع الجبل على باب الكهف فأوصد عليهم، الحديث ففيه أن الرقيم المذكور في قوله تعالى. ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾ [الكهف: ٩] هو الغار الذي أصاب فيه الثلاثة ما أصابهم والله أعلم.
١٤ - باب أَوْقَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَرْضِ الْخَرَاجِ وَمُزَارَعَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: «تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ. فَتَصَدَّقَ بِهِ»
стр. 2870
(باب) بيان حكم (أوقاف أصحاب النبي ﷺ و) بيان (أرض الخراج و) بيان (مزارعتهم ومعاملتهم) ﵃ (وقال النبي ﷺ ¬) في حديث وصله المؤلّف في الوصايا (لعمر) بن الخطاب ﵁ لما تصدق بمال له على عهد النبي ﷺ وكان نخلاً فقال عمر: يا رسول الله إني استفدت مالاً وهو عندي نفيس فأردت أن أتصدّق به فقال النبي ﷺ (تصدق بأصله لا يباع) بسكون القاف أمره أن يتصدّق به صدقة مؤبدة (ولكن ينفق ثمره) بضم المثناة التحتية وفتح الفاء مبنيًّا للمفعول وثمره رفع نائب عن الفاعل (فتصدق به) عمر ﵁ والضمير يرجع إلى المال وحكى الماوردي أنها أوّل صدقة تصدق بها في الإسلام.
٢٣٣٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلاَّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ".
[الحديث ٢٣٣٤ - أطرافه في: ٣١٢٥، ٤٢٣٥، ٤٢٣٦].
وبه قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضل المروزي قال: (أخبرنا عبد الرحمن) بن مهدي البصري (عن مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر المدني الثقة العالم وكان يرسل (عن أبيه) أسلم العدوي مولى عمر مخضرم أنه (قال: قال عمر) بن الخطاب (﵁: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية) بفتح الفاء وسكون الحاء مبنيًّا للفاعل وقرية نصب على المفعولية كذا في الفرع وأصله وفي بعض الأصول فتحت بضم الفاء مبنيًّا للمفعول قرية رفع نائب عن الفاعل (إلا قسمتها بين أهلها) الغانمين (كما قسم النبي ﷺ خيبر) لكن النظر لآخر المسلمين يقتضي أن لا أقسمها بل أجعلها وقفًا على المسلمين ومذهب الشافعية في الأرض المفتوحة عنوة أنه يلزم قسمتها إلا أن يرضى بوقفيتها من غنمها وعن مالك تصير وقفًا بنفس الفتح وعن أبي حنيفة يتخير الإمام بين قسمتها ووقفيتها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والجهاد وأبو داود في الخراج.
١٥ - باب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا
وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁ فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ.
وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهْيَ لَهُ. وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ: وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ. وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب من أحيا أرضًا مواتًا) غير معمورة في الإسلام أو عمرت جاهلية ولا هي حريم لمعمور بالزرع أو الغرس أو السقي أو البناء فهي له وسميت مواتًا تشبيهًا لها بالميتة لغير المنتفع بها ولا
стр. 2871
يشترط في نفي العمارة التحقق بل يكفي عدم تحققها بأن لا يرى أثرها ولا دليل عليها من أصول شجر ونهر وجدر وأوتاد ونحوها.
(ورأى ذلك) أي إحياء الموات (عليّ) هو ابن أبي طالب (﵁ في أرض الخراب بالكوفة) قال في الفتح: كذا وقع للأكثر، وفي رواية النسفيّ في أرض بالكوفة مواتًا والذي في اليونينية في أرض الخراب بالكوفة موات لكنه رقم على قوله في أرض علامة السقوط من غير عزو لأحد وعلى موات علامة السقوط أيضًا لأبي ذر وفي نسخة مقروءة على الميدومي بالخراب موات بالكوفة لكنه رقم على موات علامة السقوط من غير عزو لأحد.
(وقال عمر) بن الخطاب ﵁ فيما وصله مالك في الموطأ (من أحيا أرضًا ميتة) بتشديد الياء (فهي له) بمجرد الإحياء سواء أذن له الإمام أم لا اكتفاء بإذن الشارع ﵊ وهذا مذهب الشافعي وأبي يوسف ومحمد نعم يستحب استئذانه خروجًا من خلاف أبي حنيفة حيث قال ليس له أن يحيي مواتًا مطلقًا إلا بإذنه.
(ويروى عن عمر) بضم العين أي ابن الخطاب (وابن عوف) عمرو بن يزيد المزني الصحابي وهو غير عمرو بن عوف الأنصاري البدري والواو في قوله وابن عوف عاطفة، وفي بعض النسخ المعتمدة وهي التي في الفرع وأصله عن عمرو بن عوف بفتح العين وسكون الميم وبالواو وإسقاط ألف ابن، وصحح هذه الكرماني وقال الحافظ ابن حجر: إن الأولى تصحيف، ويؤيده قول الترمذي في باب: ذكر من أحيا أرض الموات.
وفي الباب عن جابر وعمرو بن عوف المزني جد كثير وسمرة وقول الكرماني وابن عوف أي عبد الرحمن ليس بصحيح كما قاله العيني وغيره (عن النبي ﷺ ¬) أي مثل حديث عمر هذا وهذا وصله ابن أبي شيبة في مسنده.
(وقال) أي عمرو بن عوف زاد على قوله من أحيا أرضًا ميتة قوله (في غير حق مسلم) فإن كانت فيه حرم التعرض لها بالإحياء وغيره إلا بإذن شرعي لحديث الصحيحين: من أخذ شبرًا من أرض ظلمًا فإنه يطوّقه من سبع أرضين ولو كان بالأرض أثر عمارة جاهلية لم يعرف مالكها، فللمسلم تملكها بالإحياء وإن لم تكن مواتًا كالركاز، ولحديث عاديّ الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني أي أيها المسلمون رواه الشافعي ﵁ ولو كان بها أثر عمارة إسلامية فأمرها إلى الإمام في حفظها أو بيعها وحفظ ثمنها إلى ظهور مالكها من مسلم أو ذمي كسائر الأموال الضائعة وإن أحيا ذمي أرضًا ميتة بدارنا ولو بإذن الإمام نزعت منه فلا يملكها لما فيه من الاستعلاء ولحديث الشافعي السابق ولا أجرة عليه لأن الأرض ليست ملك أحد وقال الحنفية والحنابلة: إذا أحيا مسلم أو ذمي أرضًا لا ينتفع بها وهي بعيدة إذا صاح من أقصى العامر لا يسمع بها صوته ملكها (وليس
стр. 2872
لعرق) بكسر العين وسكون الراء والتنوين (ظالم) نعت له أي من غرس غرسًا في أرض غيره بغير إذنه فليس له (فيه حق) أي في الإبقاء فيها.
قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات واختار الإمامان الشافعي ومالك تنوين عرق وعبارة الشافعي العرق الظالم كل ما احتفر أو بني أو غرس ظلمًا في حق امرئ تعين خروجه منه، وقال مالك: كل ما احتفر أو غرس أو أخذ بغير حق، وقال الأزهري قال أبو عبيد العرق الظالم أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرسًا وقال القاضي عياض أصله في الغرس يغرسه في الأرض غير ربها ليستوجبها به وكذلك ما أشبهه من بناء أو استنباط أو استخراج معدن سميت عروقًا لشبهها في الإحياء بعرق الغرس انتهى.
وقال في النهاية: وهو على حذف مضاف أي ليس لذي عرق ظالم فجعل العرق نفسه ظالمًا والحق لصاحبه أو يكون الظالم من صفة صاحب العرق، وقال ابن شعبان في الزاهي: العروق أربعة. عرقان ظاهران وعرقان باطنان، فالظاهران البناء والغراس والباطنان الآبار والعيون، وفي بعض الأصول وليس لعرق ظالم بترك التنوين فقط على الإضافة وحينئذٍ فيكون الظالم صاحب العرق وهو الغارس وسمي ظالمًا لأنه تصرف في ملك الغير بلا استحقاق.
وهذا التعليق وصله إسحاق بن راهويه فقال: حدّثنا أبو عامر العقدي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف حدّثني أبي أن أباه حدّثه أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من أحيا أرضًا مواتًا من غير أن تكون حق مسلم فهي له وليس لعرق ظالم حق" وكثير هذا ضعيف وليس لجدّه عمرو بن عوف في البخاري سوى هذا الحديث، وله شاهد قويّ أخرجه أبو داود من حديث سعيد بن زيد.
(ويروى فيه) أي في هذا الباب (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري ﵁ مما أخرجه الترمذي، من وجه آخر عن هشام وصححه (عن النبي ﷺ ¬) ولفظه "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" وإنما عبر بلفظ يروى المفيد للتمريض لأنه اختلف فيه على هشام.
٢٣٣٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهْوَ أَحَقُّ». قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا وهو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري ونسبه إلى جده لشهرته به قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن أبي جعفر) يسار الأموي القرشي المصري (عن محمد بن عبد الرحمن) أبي
стр. 2873
الأسود يتيم عروة بن الزبير (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂) عن النبي ﷺ أنه (قال):
(من أعمر أرضًا) بفتح الهمزة والميم من الثلاثي المزيد قال عياض كذا رواه أصحاب البخاري والصواب من عمر من الثلاثي قال الله تعالى: ﴿وعمروها أكثر مما عمروها﴾ [الروم: ٩] إلا أن يريد أنه جعل فيها عمارًا وقال ابن بطال: ويمكن أن يكون أصله من اعتمر أرضًا اتخذها وسقطت التاء من الأصل. قال في المصابيح: وهذا رد لاتفاق الرواة بمجرد احتمال يجوز أن يكون وأن لا يكون وأكثر ما يعتمد هو وغيره على مثل هذا وأنا لا أرضى لأحد أن يقع فيه انتهى.
وأجيب: بأن صاحب العين ذكر أنه يقال أعمرت الأرض أي وجدتها عامرة ويقال أعمر الله بك منزلك وعمر الله بك منزلك وعورض بأن الجوهري بعد أن ذكر عمر الله بك منزلك وعمر بك ذكر أنه يقال أعمر الرجل منزله بالألف. وقال الزركشي ضم الهمزة أجود من الفتح. قال في المصابيح: يفتقر ذلك إلى ثبوت رواية فيه وظاهر كلام القاضي أن جميع رواة البخاري على الفتح انتهى.
وقد ثبت في الفرع وأصله عن أبي ذر أعمر بضم الهمزة وسكون العين وكسر الميم أي أعمره غيره وكأن المراد بالغير الإمام والمعنى من أعمر أرضًا (ليست لأحد) بالإحياء (فهو أحق) وحذف متعلق أحق للعلم به وعند الإسماعيلى فهو أحق بها أي من غيره.
(قال عروة) بن الزبير بن العوّام بالإسناد المذكور إليه: (قضى به) أي بالحكم المذكور (عمر) بن الخطاب (﵁ في خلافته) وهذا مرسل لأن عروة ولد في خلافة عمر قاله خليفة وما سبق أول الباب عن عمر هو من قوله وهذا من فعله.
قال البيضاوي: مفهوم هذا الحديث أن مجرد التحجّر والإعلام لا يملك به بل لا بدّ من العمارة وهي تختلف باختلاف المقاصد انتهى.
فمن شرع في الإحياء لموات من حفر أساس وجمع تراب ونحوهما ولم يتمه أو نصب عليه علامة للإحياء كغرز خشبة فهو متحجر لا مالك لأن سبب الملك الإحياء ولم يوجد ولو تحجر فوق كفايته أو ما يعجز عن إحيائه فلغيره إحياء الزائد فإن تحجر ولم يعمر بلا عذر أمره الإمام بالإحياء أو يرفع يده عنه لأنه ضيق على الناس في حق مشترك فيمنع من ذلك وأمهله مدة قريبة يستعد فيها للعمارة بحسب ما يراه فإن مضت مدة المهلة ولم يعمر بطل حقه ولو بادر أجنبي فأحيا متحجر الآخر ملكه وإن لم يأذن له الإمام. وقال الحنفية: من حجر أرضًا ولم يعمرها ثلاث سنين دفعت إلى غيره لقول عمر ﵁ ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق ولو أحياها غيره قبل انقضاء هذه المدة ملكها لأن الأول كان مستحقًا لها من جهة التعلق لا من جهة التملك كما في السوم على سوم غيره.
стр. 2874
وهذا الحديث من أفراد المصنف ونصف إسناده الأول مصريون بالميم والثاني مدنيون.
١٦ - باب
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة فهو كالفصل من سابقه.
٢٣٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ وَهْوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. فَقَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُنِيخُ بِهِ يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهْوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المؤدب المديني (عن موسى بن عقبة) الأسدي المديني (عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ أُري) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أي في المنام (وهو في معرّسه) بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الراء المفتوحة وبالسين المهملة موضع التعريس وهو نزول المسافر آخر الليل للاستراحة وكان نزوله ﵊ (بذي الحليفة) وللكشميهني: من ذي الحليفة (في بطن الوادي) أي وادي العقيق (فقيل له: إنك ببطحاء مباركة، فقال موسى) بن عقبة (وقد أناخ بنا سالم) هو ابن عبد الله بن عمر (بالمناخ) بضم الميم آخره خاء معجمة أي المبرك (الذي كان عبد الله) أبوه (ينيخ) أي يبرك (به) راحلته حال كونه (يتحرى) بالحاء المهملة وتشديد الراء يقصد (معرّس) بفتح الراء المشددة مكان تعريس (رسول الله ﷺ وهو) أي المكان (أسفل) بالرفع (من المسجد الذي) كان إذ ذاك (ببطن الوادي بينه) أي بين المعرس (وبين الطريق وسط من ذلك) بفتح السين أي متوسط بين بطن الوادي وبين الطريق.
وقد استشكل دخول هذا الحديث هنا. وأجيب: بأنه أشار به إلى أن ذا الحليفة لا يملك بالإحياء لما في ذلك من منع الناس النزول به وأن الموات يجوز الانتفاع به وأنه غير مملوك لأحد وهذا كافٍ في وجه دخوله.
٢٣٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّيْلَةَ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي وَهْوَ بِالْعَقِيقِ أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه قال: (أخبرنا شعيب بن إسحاق) الدمشقي (عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (يحيى) بن أبي كثير (عن عكرمة)
стр. 2875
مولى ابن عباس (عن ابن عباس) ﵄ (عن عمر) بن الخطاب (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الليلة) بالنصب (أتاني آتٍ من ربي) هو جبريل ﵇ (وهو بالعقيق أن صلّ) بفتح الهمزة (في هذا الوادي المبارك) أي وادي العقيق (وقل) هذه (عُمرة في حجة) وللحموي والمستملي وقال بلفظ الماضي عمرة بالنصب.
وهذان الحديثان قد سبقا في الحج.
١٧ - باب إِذَا قَالَ رَبُّ الأَرْضِ أُقِرُّكَ مَا أَقَرَّكَ اللَّهُ -وَلَمْ يَذْكُرْ أَجَلاً مَعْلُومًا- فَهُمَا عَلَى تَرَاضِيهِمَا
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال رب الأرض) مالكها للمزارع (أقرّك) بضم الهمزة (ما أقرك الله) أي مدّة إقرار الله إياك (و) الحال أن رب الأرض (لم يذكر أجلاً معلومًا) أي مدة معلومة (فهما) أي رب الأرض والمزارع (على تراضيهما) أي الذي تراضيا عليه.
٢٣٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُوسَى أَخْبَرَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ". وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵄ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ حِينَ ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا فَسَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُقِرَّهُمْ بِهَا أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ".
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن المقدام) بكسر الميم ابن سليمان أبو الأشعث العجلي البصري قال: (حدّثنا فضيل بن سليمان) بضم أوّلهما النميري قال: (حدّثنا موسى) بن عقبة قال: (أخبرنا نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: كان رسول الله ﷺ ، وقال عبد الرزاق) بن همام الحميري فيما وصله الإمام أحمد ومسلم: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: حدّثني) بالإفراد (موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب ﵄ أجلى) بالجيم أي أخرج (اليهود والنصارى من أرض الحجاز) لأنه لم يكن لهم عهد من النبي ﷺ على بقائهم في الحجاز دائمًا بل كان موقوفًا على مشيئته والحجاز كما قاله الواقدي من المدينة إلى تبوك ومن المدينة إلى طريق الكوفة، وقال غيره: مكة والمدينة واليمامة ومخالفيها. وقال ابن عمر مما هو موصول له: (وكان رسول الله ﷺ لما ظهر) أي غلب (على خيبر أراد إخراج اليهود منها وكانت الأرض حين
следующие страницы →