← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

مع الموات محال اللقطة ولو التقط الممتنع من صغار السباع للتملك في مفازة آمنة ضمنه ولا يبرأ بردّه إلى مكانه فإن سلمه إلى الحاكم برئ كما في الغصب، وبالجملة فأخذ الجمهور بظاهر الحديث أن ضالة الإبل ونحوها لا تلتقط، وقال الحنفية: الأولى أن تلتقط. وهذا الحديث سبق في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة. ٣ - باب ضَالَّةِ الْغَنَمِ (باب) حكم التقاط (ضالة الغنم). ٢٤٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ ﵁ يَقُولُ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً (يَقُولُ يَزِيدُ: إِنْ لَمْ تُعْتَرَفِ اسْتَنْفَقَ بِهَا صَاحِبُهَا، وَكَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ. قَالَ يَحْيَى: فَهَذَا الَّذِي لَا أَدْرِي أَفِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ أَمْ شَىْءٌ مِنْ عِنْدِهِ). ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ (قَالَ يَزِيدُ: وَهْيَ تُعَرَّفُ أَيْضًا). ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَقَالَ: دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا». وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (سليمان) التيمي مولاهم المدني ولأبوي ذر والوقت: سليمان بن بلال (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن يزيد مولى المنبعث) المدني (أنه سمع زيد بن خالد) الجهني (﵁ يقول: سئل النبي ﷺ عن اللقطة) ما حكمها؟ وفي الباب السابق أن السائل أعرابي وقيل هو بلال وقيل غيره، (فزعم) أي زيد بن خالد والزعم يستعمل في القول المحقق كثيرًا (أنه) ﷺ (قال): (اعرف عفاصها) وعاءها الذي تكون فيه (ووكاءها) الخيط الذي يربط به الوعاء (ثم عرّفها سنة) أي متوالية فلو عرفها سنة متفرقة كأن عرفها في كل سنة شهرًا لم يكف، ولو فرق السنة كأن عرف شهرين وترك شهرين وهكذا جاز لأنه عرف سنة. ولا يشترط أن يعرفها بنفسه بل يجوز أن يوكل فإن قصد التملك ولو بعد التقاطه للحفظ أو مطلقًا فمؤنة التعريف الواقع بعد قصده عليه تملك أم لا؟ لأن التعريف سبب لتملكه ولأن الحظ له، وإن قصد الحفظ ولو بعد التقاطه للتملك أو مطلقًا فمؤنة التعريف على بيت المال إن كان فيه سعة وإلاّ فعلى المالك بأن يقترض عليه الحاكم منه أو من غيره أو يأمره بصرفها ليرجع كما في هرب الجمال: وإنما لم تجب على الملتقط لأن الحظ للمالك فقط.

стр. 2977

قال يحيى بن سعد الأنصاري بالإسناد السابق: (يقول يزيد) مولى المنبعث (إن لم تعترف) بضم المثناة الفوقية وسكون المهملة وفتح الفوقية والراء، ولأبي ذر عن الكشميهني: إن لم تعرف بإسقاط الفوقية الثانية أي اللقطة (استنفق بها) بفتح الفاء والقاف (صاحبها) أي ملتقطها (وكانت وديعة عنده). قال سليمان بن بلال: (قال يحيى) بن سعيد الأنصاري بالإسناد السابق: (فهذا الذي لا أدري) أي لا أعلم (أفي حديث رسول الله ﷺ هو) أي قوله وكانت وديعة عنده (أم شيء من عنده) أي من عند يزيد من قوله: وسيأتي إن شاء الله تعالى في كلام المؤلّف باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردّها عليه لأنها وديعة عنده وفيه إشارة إلى ترجيح رفعها، وقد جزم يحيى بن سعيد برفعها مرة أخرى فيما أخرجه مسلم عن القعنبي والإسماعيلي من طريق يحيى بن حسان كلاهما عن سليمان بن بلال عن يحيى بلفظ: فإن لم تعرف فاستنفقها أو لتكن وديعة عندك. (ثم قال) السائل يا رسول الله (كيف ترى في ضالة الغنم؟ قال النبي ﷺ : خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب) أي إنها ضعيفة لعدم الاستقلال معرضة للهلاك مرددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك. قيل: والمراد بالأخ ما هو أعم من صاحبها أو ملتقط آخر، وعورض بأن البلاغة لا تقتضي أن يقرن صاحبها المستحق لها بالذئب العادي فالمراد ملتقط آخر والمراد جنس ما يأكل الشاة، وفي قوله: "خذها" تصريح بالأمر بالأخذ ففيه ردّ إحدى الروايتين عن أحمد في قوله يترك التقاط الشاة، واستدلّ به المالكية على أنه إذا وجدها في فلاة تملكها بالأخذ ولا يلزمه بدلها ولو جاء صاحبها واحتجّ لهم بالتسوية بين الذئب والملتقط والذئب لا غرامة عليه فكذلك الملتقط كذا نقله في الفتح. والظاهر أنهم تمسكوا بقوله في الشاة هي لك واللام للتمليك بخلاف قوله في غيرها فاستمتع بها إذ ظاهره أنه ليس على وجه التمليك لها إذ لو كان المراد التمليك التام لم يقتصر به على الاستمتاع الذي ظاهره الانتفاع لا أصل الملك بخلاف قوله فهي لك. وأجيب: بأن اللام ليست للتمليك ومذهب الشافعية أن ما لا يمتنع من صغار السباع كالعجل والفصيل يجوز التقاطه للتملك مطلقًا سواء وجده بمفازة أم لا صيانة له عن السباع والخونة، ويتخير آخذه من المفازة فإن شاء عرفه وتملكه بعد التعريف وإن شاء باعه استقلالاً إن لم يجد حاكمًا أو بإذنه في الأصح إن وجده وتملك ثمنه بعد التعريف وله أكله إن كان مأكولاً في الحال متملكًا له بقيمة فيغرمها إن ظهر مالكه ولا يجب بعد أكله تعريفه فإن أخذه من العمران فله الخصلتان الأوليان لا الثالثة وهي الأكل على الأصح في المنهاج والأظهر في الروضة لسهولة البيع فيه بخلافه في المفازة فقد لا يجد فيها من يشتري ويشق النقل إلى العمران. (قال يزيد) مولى المنبعث بالإسناد المذكور (وهي) أي ضالة الغنم (تعرف أيضًا) أي على سبيل

стр. 2978

الوجوب كذا عند الجمهور، لكن قال الشافعية: لا يجب تعريفها بعد الأكل إذا وجدت في الفلاة وأما في القرية فيجب على الأصح. (ثم قال) السائل يا رسول الله (كيف ترى في ضالة الأبل؟ قال) زيد (فقال) ﵊: (دعها فإن معها حذاءها) بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة أي خفها (وسقاءها) بكسر السين جوفها أو عنقها (ترد الماء وتأكل الشجر) فهي مستغنية عن الحفظ لها بما ركب في طباعها من الجلادة على العطش وتناول المأكول لطول عنقها ومصونة بالامتناع عن أكثر السباع (حتى يجدها ربها) أي مالكها فمن أخذها للتملك ضمنها ولا يبرأ من الضمان بردّها إلى موضعها كما مرّ. ٤ - باب إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهْيَ لِمَنْ وَجَدَهَا هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة) أي بعد التعريف سنة (فهي لمن وجدها) اكتفاء بقصده عند الأخذ للتملك وهذا أحد الوجوه الثلاثة عند الشافعية، وقيل يملكها بمضي الحول والتصرف والأظهر التملك باللفظ كما مر وسواء كان المتملك غنيًّا أو فقيرًا وخصّها الحنفية بالفقير دون الغني لأن تناول مال الغير بغير إذنه غير جائز بلا ضرورة بإطلاق النصوص. ٢٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا. قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ. قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام (عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) المشهور بالرأي المدني واسم أبيه فروخ (عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد) الجهني (﵁) أنه (قال: جاء رجل) أي أعرابي كما في السابقة، أو هو بلال كما قال ابن بشكوال، أو سويد والد عقبة كما رجحه ابن حجر وقد مرّ (إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة) أي عن حكمها (فقال) ﵊: (اعرف عفاصها) وعاءها الذي هي فيه (ووكاءها) الخيط الذي يشد به رأس الوعاء لتعرف صدق مدعيها عند طلبها (ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها) أي فأدّها إليه (وإلا) بأن لم يجيء صاحبها (فشأنك بها) بالنصب أي الزم شأنك بها والشأن الحال أي تصرف فيها، وسبق في حديث أبي بلفظ فاستمتع بها، ولمسلم من طريق ابن وهب فإن لم يأت لها طالب فاستنفقها. واستدلّ به على أن اللاقط يملكها بعد انقضاء مدة التعريف وهو ظاهر نص الشافعي، لكن المشهور عند الشافعية

стр. 2979

اشتراط التلفظ بالتملك كما مرّ قريبًا فإذا تصرّف فيها بعد التعريف سنة ثم جاء صاحبها فالجمهور على وجوب الرد إن كانت العين موجودة أو البدل إن كانت استهلكت لقوله في الرواية السابقة: ولتكن وديعة عندك وقوله أيضًا عند مسلم ثم كلها فإن جاء صاحبها فادّها إليه فإنه يقتضي وجوب ردّها بعد أكلها فيحمل على رد البدل وحيئنذٍ فيحمل قول المصنف في الترجمة فهي لمن وجدها أي في إباحة التصرف إذ ذاك وأما أمر ضمانها بعد ذلك فهو ساكت عنه. (قال) السائل يا رسول الله (فضالة الغنم)؟ قال: (هي لك أو لأخيك أو للذئب قال) السائل يا رسول الله (فضالة الإبل) ما حكمها؟ (قال) ﵊: (ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر) أي ما لك وأخذها والحال أنها مستقلة بأسباب تعيشها (حتى يلقاها ربها) مالكها. ٥ - باب إِذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي الْبَحْرِ أَوْ سَوْطًا أَوْ نَحْوَهُ هذا (باب) بالتنوين (إذا وجد) شخص (خشبة في البحر أو) وجد (سوطًا أو) وجد شيئًا (نحوه) كعصًا ماذا يصنع به هل يأخذه أو يتركه وإذا أخذه هل يتملكه أو يكون سبيله سبيل اللقطة. ٢٤٣٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ -وَسَاقَ الْحَدِيثَ- فَخَرَجَ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا هُوَ بِالْخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ". (وقال الليث) بن سعد الإمام مما هو موصول عند المؤلّف في باب التجارة في البحر في رواية أبوي ذر والوقت حيث قال في آخر الحديث: حدّثني عبد الله بن صالح قال: حدّثني الليث بهذا (حدّثنى) بالإفراد (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل بن حسنة القرشي المصري (عن عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج (عن أبي هريرة رضي السُّنَّة عنه عن رسول ﷺ أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل) لم يسم (وساق الحديث) هنا مختصرًا وبأتم منه في الكفالة ولفظه: وسأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار وقال: ائتني بالشهداء أشهدهم. فقال: كفى بالله شهيدًا. قال: ائتني بالكفيل قال: كفى بالله كفيلاً. قال: صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى، وزاد في الزكاة فخرج. في البحر فلم يجد مركبًا فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار فرمى بها في البحر، (فخرج) أي الرجل الذي أسلفه وهو فيما قيل النجاشي كما مر في الزكاة والبيع والكفالة (ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله) الذي أسلفه (فإذا بالخشبة) التي أرسلها المستلف، ولغير أبوي ذر والوقت: فإذا هو بالخشبة (فأخذها لأهله حطبًا فلما نشرها وجد المال) الذي بعثه المستلف إليه (والصحيفة) التي كتبها ببعث المال المذكور.

стр. 2980

وموضع الترجمة قوله: فأخذها وهو مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لمن يأت في شرعنا ما يخالفه لا سيما إذا ورد بصورة الثناء على فاعله ولم يقع للسوط ونحوه في الحديث ذكر، وأجيب: بأنه استنبطه بطريق الإلحاق. ٦ - باب إِذَا وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ هذا (باب) بالتنوين (إذا وجد) شخص (تمرة) بالمثناة الفوقية وسكون الميم أو غيرها من المحقرات (في الطريق) جاز له أخذ ذلك كله. ٢٤٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا». وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن طلحة) بن مصرف (عن أنس) هو ابن مالك (﵁) أنه (قال: مرّ النبي ﷺ بتمرة) ملقاة (في الطريق قال) ولأبوي ذر والوقت: فقال بالفاء قبل القاف. (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة) المحرمة عليّ (لأكلتها) ظاهره أنه تركها تورعًا خشية أن تكون من الصدقة فلو لم يخش ذلك لأكلها ولم يذكر تعريفًا فدلّ على أن مثل ذلك من المحقرات يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف، لكن هل يقال إنها لقطة رخص في ترك تعريفها أو ليست لقطة لأن اللقطة ما من شأنه أن يتملك دون ما لا قيمة له. ٢٤٣٢ - وَقَالَ يَحْيَى: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ. وَقَالَ زَائِدَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْفِيَهَا». (وقال يحيى) بن سعيد القطان مما وصله مسدد في مسنده عنه وأخرجه الطحاوي من طريق مسدد: (حدّثنا سفيان) الثوري قال: (حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر. (وقال زائدة) هو ابن قدامة مما وصله مسلم من طريق أبي أسامة عن زائدة (عن منصور) أيضًا (عن طلحة) بن مصرف أنه قال (حدّثنا أنس). قال المؤلّف: (وحدّثنا) وفي بعض الأصول للتحويل، وحدّثنا (محمد بن مقاتل) المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام بن منبه)

стр. 2981

بكسر الموحدة المشددة وتشديد ميم همام الصنعاني أخي وهب (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال: إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة) بسكون الميم وقال أجد بلفظ المضارع استحضارًا للصورة الماضية (ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها) بالنصب (ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها) بضم الهمزة وسكون اللام وكسر القاف والرفع قال الكرماني لا غير. قال العيني: يعني لا يجوز نصب الياء لأنه معطوف على فأرفعها فإذا نصب فربما يظن أنه معطوف على قوله أن تكون فيفسد المعنى انتهى. نعم في فروع اليونينية فألقيها بالنصب وكذا في كثير من الأصول التي وقفت عليها، وفي الفرع التنكزي فألفيها بالفاء بدل القاف والنصب وعليها علامة أبي ذر مصححًا عليها، وخرج بعض علماء العصر النصب على أنه عطف على تكون بمعنى ألقيها في جوفي أي أخشى أن أطرحها في جوفي، وأما رواية الفاء والنصب فعلى معنى ثم أخشى أن أجدها من الصدقة أي أن يظهر لي أنها من الصدقة اهـ فليتأمل. ويحتمل تخريجه على نحو خذ اللص قبل يأخذك بالنصب على تقدير قبل أن يأخذك كقوله: سأترك منزلي لبني تميم … وألحق بالحجاز فأستريحا وقرئ شاذًّا فيدمغه بالأنبياء بالنصب. قال في الكشاف: وهو في ضعف والذي في اليونينية فألفيها بالفاء وسكون الياء لا غير مصحّحًا عليها. ٧ - باب كَيْفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ؟ وَقَالَ طَاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا». وَقَالَ خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ». هذا (باب) بالتنوين (كيف تعرف) بفتح العين والراء المشددة مبنيًّا للمفعول (لقطة أهل مكة. وقال طاوس) اليماني فيما وصله المؤلّف في حديث في باب لا يحل القتال بمكة من الحج (عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال: لا يلتقط لقطتها) أي مكة وحرمها (إلا من عرفها) للحفظ لصاحبها. (وقال خالد) الحذاء مما وصله في باب ما قيل في الصوّاغ من أوائل البيوع في حديث (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه قال (لا تلتقط) بضم أوله وفتح ثالثه (لقطتها) يعني مكة (إلا لمعرف) يحفظها لمالكها، ولأبوي ذر والوقت: لا يلتقط بفتح أوّله وكسر ثالثه لقطتها بالنصب على المفعولية إلا معرّف.

стр. 2982

٢٤٣٣ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُعْضَدُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا. فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ الإِذْخِرَ. فَقَالَ: إِلاَّ الإِذْخِرَ». (وقال أحمد بن سعد) بسكون العين مضببًا عليه ولأبوي ذر والوقت: سعيد بكسرها وهو فيما حكاه ابن طاهر الرباطي وفيما ذكره أبو نعيم الدارمي (حدّثنا روح) بفتح الراء وسكون الواو ثم حاء مهملة هو ابن عبادة وقد وصله الإسماعيلي من طريق العباس بن عبد العظيم وأبو نعيم من طريق خلف بن سالم عن روح بن عبادة قال: (حدّثنا زكريا) بن إسحاق المكي قال: (حدّثنا عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال): أي عن مكة. (لا يعضد) بضم التحتية وفتح الضاد المعجمة والرفع في الفرع على النفي وجوّز الكرماني الجزم على النهي أي لا يقطع (عضاهها) بكسر العين المهملة وفتح الضاد المعجمة وبعد الألف هاءان مرفوع نائب عن الفاعل شجر أم غيلان أو كل شجر له شوك عظيم (ولا ينفر صيدها) بالرفع (ولا تحل لقطتها إلا لمنشد) أي لمعرف على الدوام يحفظها وإلاّ فسائر البلاد كذلك فلا تظهر فائدة التخصيص فأما من يريد أن يعرفها ثم يتملكها فلا. قال النووي في الروضة، قال أصحابنا: ويلزم الملتقط بها الإقامة للتعريف أو دفعها إلى الحاكم ولا يجيء الخلاف فيمن التقط للحفظ هل يلزمه التعرف بل يجزم هنا بوجوبه للحديث والله أعلم. وإنما اختصت مكة بأن لقطتها لا تملك لإمكان إيصالها إلى ربها لأنها إن كانت للمكي فظاهر وإن كانت للآفاقي فلا تخلو غالبًا من وارد إليها فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها ولا تلحق لقطة المدينة الشريفة بلقطة مكة كما صرّح به الدارمي والروياني. وقضية كلام صاحب الانتصار أن حرمها كحرم مكة كما في حرمة الصيد وجرى عليه البلقيني لما روى أبو داود بإسناد صحيح في حديث المدينة ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها وهو بالشين المعجمة ثم الدال المهملة أي رفع صوته. وقال جمهور المالكية وبعض الشافعية: لقطة مكة كغيرها من البلاد، ووافق جمهور الشافعية من المالكية الباجي وابن العربي تمسكًا بحديث الباب، لكن قال ابن عرفة منتصر المشهور مذهب المالكية والانفصال عن التمسك به على قاعدة مالك في تقديمه العمل على الحديث الصحيح حسبما ذكره ابن يونس في كتاب الأقضية ودلَّ عليه استقراء المذهب. وقال ابن المنير: مذهب مالك التمسك بظاهر الاستثناء لأنه نفى الحل واستثنى المنشد والاستثناء من النفي إثبات فيكون الحل ثابتًا للمنشد أي المعرف يريد بعد قيامه بوظيفة التعريف، وإنما يريد على هذا أن مكة وغيرها بهذا الاعتبار في تحريم اللقطة قبل التعريف وتحليلها بعد التعريف واحد، والسياق يقتضي اختصاصها عن غيرها. والجواب أن الذي أشكل على غير مالك إنما هو

стр. 2983

تعطيل المفهوم إذ مفهوم اختصاص مكة بحل اللقطة بعد التحريم وتحريمها قبله أن غير مكة ليس كذلك بل تحل لقطته مطلقًا أو تحرم مطلقًا وهذا لا قائل به فإذا آل الأمر إلى هذا فالخطب سهل يسير، وذلك أنّا اتفقنا على أن التخصيص إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وكذلك نقول هنا الغالب أن لقطة مكة ييأس ملتقطها من صاحبها لتفرق الخلق عنها إلى الآفاق البعيدة فربما داخله الطمع فيها من أوّل وهلة فاستحلها قبل التعريف فخصّها الشارع بالنهي عن استحلال لقطتها قبل التعريف لاختصاصها بما ذكرناه، فقد ظهر للتخصيص فائدة سوى المفهوم فسقط الاحتجاج به وانتظم الاختصاص حينئذٍ وتناسب السياق، وذلك أن المأيوس من معرفة صاحبه لا يعرف كالموجود بالسواحل لكن مكة تختص بأن تعرف لقطتها وقد نص بعضهم على أن لقطة العسكر بدار الحرب إذا تفرق العسكر لا تعرف سنة لأنها إما لكافر فهي مباحة واما لأهل العسكر فلا معنى لتعريفها في غيرهم فظهر حينئذٍ اختصاص مكة بالتعريف، وإن تفرق أهل الموسم مع أن الغالب كونها لهم وإنهم لا يرجعون لأجلها فكأنه ﵊ قال: ولا تحل لقطتها إلا بعد الإنشاد والتعريف سنة بخلاف ما هو من جنسها كمجتمعات العساكر ونحوها، فإن تلك تحل بنفس افتراق العسكر، ويكون المذهب حينئذٍ أقعد بظاهر الحديث من مذهب المخالف لأنهم يحتاجون إلى تأويل اللام وإخراجها عن التمليك ويجعلون المراد ولا تحل لقطتها إلا لمنشد فيحل له إنشادها لا أخذها فيخالفون ظاهر اللام وظاهر الاستثناء، ويحقق ما قلناه من أن الغالب على مكة أن لقطتها لا يعود لها صاحبها أنا لم نسمع أحدًا ضاعت له نفيقة بمكة فرجع إليها ليطلبها ولا بعث في ذلك بل ييأس منها بنفس التفرق والله أعلم. (ولا يختلى) بضم التحتية وسكون المعجمة مقصورًا أي لا يقطع (خلاها) بفتح المعجمة مقصورًا كلؤها الرطب. (فقال عباس) بدون أل عمه ﵊ (يا رسول الله إلا الإذخر) بكسر الهمزة وبالذال والخاء المكسورة المعجمتين نبت معروف طيب الرائحة (فقال) ﵊ ولأبي الوقت قال: (إلا الإذخر) بالنصب على الاستثناء كالأوّل قال ابن مالك وهو المختار على الرفع إما لكون الاستثناء متراخيًا عن المستثنى منه فتفوت المشاكلة بالبدلية وإما لكون الاستثناء عرض في آخر الكلام ولم يكن مقصودًا أولاً. ٢٤٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلاَّ

стр. 2984

الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِلاَّ الإِذْخِرَ. فَقَامَ أَبُو شَاهٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ. قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". وبه قال: (حدّثنا يحيى بن موسى) بن عبد ربه السختياني البلخي المعروف بخت قال: (حدّثنا الوليد بن مسلم) القرشي أبو العباس الدمشقي قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (قال: حدّثني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة واسمه صالح (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (أبو هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة قام في الناس) عقب ما قتل رجل من خزاعة رجلاً من بني ليث راكبًا على راحلته فخطب (فحمد الله وأثنى عليه ثم قال): (إن الله حبس عن مكة الفيل) بالفاء المكسورة والمثناة التحتية الساكنة وهو المذكور في التنزيل في قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ [الفيل: ١] ولغير الكشميهني كما في الفتح القتل بالقاف المفتوحة والفوقية الساكنة والصواب الأول والذي في الفرع كأصله القتل بالوجهين لأبي ذر عن الكشميهني (وسلّط عليها) على مكة (رسوله والمؤمنين فإنها لا تحل) أي لم تحل (لأحد كان قبلي وإنها أحلت لي) بضم الهمزة وكسر الحاء المهملة أي أن أقاتل فيها (ساعة من نهار) هي ساعة الفتح (وإنها لا تحل) ولأبي ذر: لن تحل (لأحد بعدي) ولأبي ذر: من بعدي (فلا ينفر صيدها) بالرفع نائبًا عن الفاعل أي لا يجوز لمحرم ولا لحلال (ولا يختلى) أي لا يقطع (شوكها) بالرفع أيضًا كسابقه (ولا تحل ساقطتها) لقطتها (إلا لمنشد) معرّف يعرّفها ويحفظها لمالكها ولا يتملكها كسائر اللقطات في غيرها من البلاد (ومن قتل) بضم القاف وكسر التاء (له قتيل) بالرفع نائبًا عن الفاعل (فهو بخير النظرين إما أن يفدى) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول أي يعطى الدّية (وإما أن يقيد) بضم أوّله وكسر ثانيه أي يقتصّ. (فقال العباس) بن عبد المطلب ﵁ (إلا الإذخر فإنا) وللحموي والمستملي: فإنما (نجعله لقبورنا) نمهدها به ونسدّ به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات (و) سقف (بيوتنا) نجعله فوق الخشب والمعنى ليكن الإذخر استثناء من كلامك يا رسول الله فيتمسك به من يرى انتظام الكلام من متكلمين، لكن التحقيق في المسألة أن كلاًّ من المتكلمين إذا كان ناويًا لما يلفظ به الآخر كان كل متكلمًا بكلام تام ولهذا لم يكتفِ في هذا الحديث بقول العباس إلا الإذخر (فقال رسول الله ﷺ ،: إلا الإذخر) وذلك إما بوحي أو إلهام أو اجتهاد على الخلاف المشهور في مثله. (فقام أبو شاه) بالهاء الأصلية منوّنة وهو مصروف. قال عياض: كذا ضبطه بعضهم وقرأته أنا معرفة ونكرة، ونقل ابن الملقن عن ابن دحية أنه بالتاء منصوبًا. قال في المصابيح: لا يتصور نصبه لأنه مضاف إليه في مثل هذا العلم دائمًا وإنما مراده أنه معرب بالفتحة في حال الجر لكونه غير

стр. 2985

منصرف وذلك لأن القاعدة في العلم ذي الإضافة اعتبار حال المضاف إليه بالنسبة إلى الصرف وعدمه وامتناع دخول اللام ووجوبها، فيمتنع مثل هذا ومثل أبي هريرة من الصرف ومن دخول الألف واللام، وينصرف مثل أبي بكر، وتجب اللام في مثل امرئ القيس، وتجوز في مثل ابن العباس اهـ. وأبو شاه (رجل من أهل اليمن) ويقال إنه كلبي ويقال فارسي من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن ذي يزن. قال في الإصابة: كذا رأيته بخط السلفي وقال إن هاءه أصلية وهو بالفارسي ومعناه الملك. قال: ومن ظن أنه باسم أحد الشاه فقد وهم انتهى. (فقال) أي أبو شاه (اكتبوا لي يا رسول الله) يعني الخطبة المذكورة (فقال رسول الله ﷺ ¬): (اكتبوا لأبي شاه) قال الوليد بن مسلم (قلت للأوزاعي) عبد الرحمن (ما قوله) أي أبي شاه (اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة) بالنصب على المفعولية ولأبي ذر قال هذه الخطبة بالرفع (التي سمعها من رسول الله ﷺ ¬). وفي هذا الحديث ثلاثة من المدلسين على نسق واحد لكن قد صرح كل واحد من رواته بالتحديث فزالت التهمة، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن الصحابي، وأخرجه مسلم في الحج وكذا أبو داود وفي العلم والدّيات والنسائي في العلم والترمذي وابن ماجة في الدّيات. ٨ - باب لَا تُحْتَلَبُ مَاشِيَةُ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ هذا (باب) بالتنوين (لا تحتلب ماشية أحد بغير إذن) بالتنوين ولأبي ذر عن الكشميهني: بغير إذنه بالهاء والماشية فيما قاله في النهاية تقع على الإبل والبقر والغنم لكنها في الغنم أكثر. ٢٤٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام (عن نافع) وهي موطأ محمد بن الحسن عن مالك أخبرنا نافع (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله) وفي رواية يزيد بن الهاد عن مالك عند الدارقطني في الموطآت له أنه سمع رسول الله (¬ ﷺ قال): (لا يحلبن) بضم اللام وفي رواية يزيد بن الهاد المذكورة لا يحتلبن بكسرها وزيادة مثناة فوقية قبلها (أحد ماشية امرئ) وكذا امرأة مسلمين أو ذميين (بغير إذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته) بضم الراء وفتحها في الفرع وأصله وغيرهما أي موضعه المصون لما يخزن فيه كالغرفة (فتكسر) بضم

стр. 2986

التاء وفتح السين والنصب عطفًا على أن تؤتى (خزانته) بكسر الخاء وبالرفع نائبًا عن الفاعل مكانه أو وعاؤه الذي يخزن فيه ما يريد حفظه (فينتقل طعامه) بضم الياء وسكون النون وفتح التاء والقاف من فينتقل منصوب عطفًا على المنصوب السابق (فإنما تخزن) بضم الزاي وللكشميهني تحرز بضم أوّله وإهمال الحاء وكسر الراء بعدها زاي (لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم) نصب بالكسرة على المفعولية لضروع والمراد وإن فشبّه ﵊ ضروع الواشي في ضبطها الألبان على أربابها بالخزانة التي تحفظ ما أودعت من متاع وغيره (فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه) وفيه النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئًا بغير إذنه وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه فنبّه به على ما هو أعلى منه. وقال النووي في شرح المهذّب: اختلف العلماء فيمن مرّ ببستان أو زرع أو ماشية فقال الجمهور: لا يجوز أن يأخذ منه شيئًا إلا في حال الضرورة فيأخذ ويغرم عند الشافعي والجمهور، وقال بعض السلف: لا يلزمه شيء وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة في أصح الروايتين ولو لم يحتج إلى ذلك وفي الرواية الأخرى إذا احتاج ولا ضمان عليه في الحالتين، وعلّق الشافعي القول بذلك على صحة الحديث. قال البيهقي: يعني حديث ابن عمر مرفوعًا: إذا أمر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ خبنة أخرجه الترمذي واستغربه. قال البيهقي: لم يصح وجاء من أوجه أُخر غير قوية. قال الحافظ ابن حجر: والحق أن مجموعها لا يقصر عن درجة الصحيح، وقد احتجوا في كثير من الأحكام بما هو دونها انتهى. وحديث الباب أخرجه مسلم في القضاء وأبو داود في الجهاد. ٩ - باب إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ، لأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ هذا (باب) بالتنوين (إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردّها عليه لأنها وديعة عنده). ٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁: «أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ -أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ- ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي مولاهم البغلاني البلخي قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المدني (عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) التميمي مولاهم المدني المعروف بربيعة الرأي (عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رجلاً) وفي السابقة أنه

стр. 2987

أعرابي وهو يرد على ابن بشكوال حيث فسره ببلال، وفسره الحافظ ابن حجر بسويد والد عقبة بن سويد الجهني لحديث أخرجه الحميديّ وابن السكن وغيرهما كما مرّ (سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة) ما حكمها؟ (قال) ﷺ : (عرّفها سنة) وجوبًا ولا يجب الاستيعاب للسنة بل تعرّف على العادة (ثم اعرف وكاءها) بكسر الواو الخيط الذي يربط بها وعاؤها (وعفاصها) بكسر العين وعاءها، وهذا يقتضي أن التعريف يكون قبل معرفة علاماتها وفي باب ضالة الغنم اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة وهي رواية الأكثر وهي تقتضي أن يكون التعريف متأخرًا عن العلامات، فجمع بينهما النووي بأن يكون مأمورًا بمعرفة العلامات أوّل ما يلتقط حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها كما مرّ ثم بعد تعريفها سنة إذا أراد أن يتملكها تعرفها مرة أخرى تعرفًا وافيًا محقّقًا ليعلم قدرها وصفتها قبل التصرف فيها (ثم استنفق بها فإن جاء ربها) أي مالكها (فأدّها إليه) إن كانت موجودة وإلاّ فردّ مثلها إن كانت مثلية أو قيمتها يوم التملك إن كانت متقوّمة لأنه يوم دخولها في ضمانه وضمانها ثابت في ذمته من يوم التلف، ولا ريب أن المأذون في استنفاقه إذا أنفق لا تبقى عينه وإن جاء المالك وقد بيعت اللقطة فله الفسخ في زمن الخيار لاستحقاقه الرجوع لعين ماله مع بقائه، وقيل ليس له الفسخ لأن خيار العقد إنما يستحقه العاقد دون غيره لأن شرط الخيار للمشتري وحده فليس للمالك الخيار، ولو كانت موجودة لكنها نقصت بعد التملك لزم الملتقط ردّها مع غرم الأرش لأن جميعها مضمون عليه فكذا بعضها وزاد المؤلّف في الحديث المسوق في ضالة الغنم وكانت وديعة عنده. (قالوا) ولأبوي ذر والوقت: فقال أي الرجل (يا رسول الله فضالة الغنم) ما حكمها؟ (قال) ﵊: (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب) أي إن تركتها ولم يأخذها غيرك يأكلها الذئب غالبًا فنبّه على جواز التقاطها وتملكها وعلى ما هو العلة وهو كونها معرّضة للضياع ليدل على اطّراد هذا الحكم في كل حيوان يعجز عن الرعية بغير راعٍ والتحفّظ عن صغار السباع. (قال) السائل (يا رسول الله فضالة الإبل) ما حكمها؟ (قال) زيد بن خالد (فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرّت وجنتاه) ما ارتفع من وجهه الكريم (أو احمر وجهه) شك الراوي (ثم قال) ﵊: (ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها) خفّها وجوفها زاد في الرواية الأخرى ترد الماء وتأكل الشجر (حتى يلقاها ربّها) وأشار بالتقييد بقوله معها سقاؤها إلى أن المانع والفارق بينها وبين الغنم ونحوها استقلالها بالتعيش. ١٠ - باب هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا تَضِيعُ حَتَّى لَا يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ؟ هذا (باب) بالتنوين (هل يأخذ) الشخص (اللقطة ولا يدعها) حال كونها (تضيع) بتركه إياها

стр. 2988

(حتى لا يأخذها من لا يستحق). قال الحافظ ابن حجر: سقطت "لا" بعد حتى في رواية ابن شبويه وأظن الواو سقطت من قبل حتى، والمعنى لا يدعها تضيع ولا يدعها حتى يأخذها من لا يستحق، وتعقبه العيني فقال: لا يحتاج إلى هذا الظن ولا إلى تقدير الواو لأن المعنى صحيح والمعنى لا يتركها ضائعة ينتهي إلى أخذها من لا يستحق، وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره اللقطة مستدلاًّ بحديث الجارود مرفوعًا عند النسائي بإسناد صحيح: ضالة المسلم حرق النار بفتح الحاء المهملة والراء وقد تسكن الراء، والمعنى أن ضالة المسلم إذا أخذها إنسان ليتملكها أدّته إلى النار وهو تشبيه بليغ حذف منه حرف التشبيه للمبالغة وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس، ومذهب الشافعية استحبابها لأمين وثّق بنفسه وتكره لفاسق لئلا تدعوه نفسه إلى الخيانة ولا تجب، وإن غلب على ظنه ضياع اللقطة وأمانة نفسه كما لا يجب قبول الوديعة. وحملوا حديث الجارود على من لا يعرفها لحديث زيد بن خالد عند مسلم من آوى الضالة فهو ضال ما لم يعرفها. ٢٤٣٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِي غَزَاةٍ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا، فَقَالَ لِي: أَلْقِهِ، قُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ وَإِلاَّ اسْتَمْتَعْتُ بِهِ. فَلَمَّا رَجَعْنَا حَجَجْنَا، فَمَرَرْتُ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلاً، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلاً. ثُمَّ أَتَيْتُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلاً، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلاً. ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلاً فَعَرَّفْتُهَا حَوْلاً. ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا». حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَلَمَةَ بِهَذَا، قَالَ: "فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلاً وَاحِدًا". وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي بمعجمة ثم مهملة قال: (حدّثنا شعبة) ابن الحجاج (عن سلمة بن كهيل) بالتصغير الحضرمي أبي يحيى الكوفي أنه (قال: سمعت سويد بن غفلة) بتصغير سويد وفتح الغين المعجمة والفاء واللام من غفلة الجعفي المخضرم التابعي الكبير (قال: كنت مع سلمان بن ربيعة) بفتح السين وسكون اللام ابن يزيد بن عمرو الباهلي يقال له صحبة وكان يلي الخيول أيام عمر وهو أول من استقضي على الكوفة (وزيد بن صوحان) بضم الصاد المهملة وسكون الواو وبالحاء المهملة العبدي التابعي الكبير المخضرم (في غزاة) زاد أحمد من طريق سفيان عن سلمة حتى إذا كنّا بالعذيب وهو بضم العين المهملة وفتح الذال المعجمة آخره موحدة موضع أو هو بين الجار وينبع أو وادٍ بظاهر الكوفة (فوجدت سوطًا فقال لي) أحدهما ولأبي ذر: فقالا لي أي سلمان وزيد (ألقه) قال ابن غفلة (قلت لا) ألقيه (ولكن) ولأبي ذر: ولكني (إن وجدت صاحبه) دفعته إليه (وإلا استمتعت به، فلما رجعنا حججنا فمررت بالمدينة فسألت أُبي بن كعب رضي الله تعالى عنه) عن

стр. 2989

حكم التقاط السوط. (فقال: وجدت صرة على عهد النبي ﷺ فيها مائة دينار) استدلّ به لأبي حنيفة في تفرقته بين قليل اللقطة وكثيرها فيعرّف الكثير سنة والقليل أيامًا، وحدّ القليل عنده ما لا يوجب القطع وهو ما دون العشرة (فأتيت بها النبي ﷺ فقال): (عرّفها حولاً فعرفتها حولاً) أي فلم أجد من يعرفها (ثم أتيت) النبي ﷺ (فقال) ﵊ (عرفها حولاً فعرفتها حولاً) أي فلم أجد من يعرفها (ثم أتيته) ﵊ (فقال) ﵊ (عرفها حولاً فعرفتها حولاً) أي فلم أجد من يعرفها (ثم أتيته الرابعة) أي بعد أن عرفتها ثلاثًا (فقال اعرف عدتها ووكاءها ووعاءها فإن جاء صاحبها) فأدّها إليه (وإلا) بأن لم يجيء (استمتع بها) بدون فاء. قال ابن مالك: في هذه الرواية حذف جواب إن الأولى وحذف شرط إن الثانية وحذف الفاء من جوابها، والأصل فإن جاء صاحبها أخذها أو نحو ذلك وإن لا يجيء فاستمتع بها. وبه قال: (حدّثنا عبدان) واسمه عبد الله (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان بن جبلة بفتح الجيم والموحدة الأزدي البصري (عن شعبة) بن الحجاج (عن سلمة) هو ابن كهيل (بهذا) الحديث المذكور. (قال) شعبة بن الحجاج (فلقيته) أي سلمة بن كهيل كما صرّح به مسلم (بعد) بالبناء على الضم حال كونه (بمكة فقال) سلمة (لا أدري) قال سويد (أثلاثة أحوال أو) قال (حولاً واحدًا) وقد مرّ ما في هذه المسألة من البحث وأن الشك يوجب سقوط المشكوك فيه وهو الثلاثة فيجب العمل بالجزم وهو التعريف سنة واحدة في أول اللقطة. ١١ - باب مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى السُّلْطَانِ (باب من عرف اللقطة ولم يدفعها) بالدال المهملة ولأبي ذر عن الكشميهني: ولم يرفعها بالراء (إلى السلطان). ٢٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا وَإِلاَّ فَاسْتَنْفِقْ بِهَا. وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، دَعْهَا حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا. وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ. فَقَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي بكسر الفاء قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن ربيعة) الرأي (عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد) الجهني (﵁ أن أعرابيًّا) مرّ الخلاف

стр. 2990

في اسمه (سأل النبي ﷺ عن اللقطة) ما حكمها؟ (قال) ﵊: (عرفها سنة فإن جاء أحد يخبرك بعفاصها) وعائها (ووكائها) فادفعها إليه (وإلاّ) بأن لم يجيء أحد أو جاء ولم يخبر بعلاماتها (فاستنفق بها) فإن جاء صاحبها فردّ بدلها. (وسأله) الأعرابيّ (عن) حكم (ضالة الأبل فتمعر) بتشديد العين المهملة أي تغير (وجهه) ﵊ من الغضب (وقال ما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها) بالذال المعجمة (ترد الماء وتأكل الشجر) فهي مستغنية بذلك عن الحفظ (دعها) اتركها (حتى يجدها ربها) مالكها. نعم إذا وجد الإبل أو نحوها في العمارة فيجوز له التقاطها للتملك كما مرّ مع غيره في ضالة الإبل. (وسأله) الأعرابيّ أيضًا (عن) حكم (ضالة الغنم. فقال) ﵊ (هي لك) إن أخذتها (أو لأخيك) ملتقط آخر (أو للذئب) يأكلها إن تركتها ولم يأخذها غيرك لأنها لا تحمي نفسها. ١٢ - باب هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة وسقط لأبي ذر فهو كالفصل من سابقه. ٢٤٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْبَرَاءُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵄ ح. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ: "انْطَلَقْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ -فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ- فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الْغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ هَكَذَا -ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى- فَحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِدَاوَةً، عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ". [الحديث ٢٤٣٩ - أطرافه ٣٦١٥، ٣٦٥٢، ٣٩٠٨، ٣٩١٧، ٥٦٠٧] وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه قال: (أخبرنا النضر) بسكون الضاد المعجمة ابن شميل مصغرًا قال: (أخبرنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: أخبرني) بالإفراد (البراء) بن عازب (عن أبي بكر) الصديق (﵄). وبه قال: (ح حدّثنا عبد الله بن رجاء) الغداني بضم الغين المعجمة والتخفيف البصري وثّقه غير واحد قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس (عن) جدّه (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن

стр. 2991

البراء) بن عازب (عن أبي بكر) الصديق (﵄) أنه (قال: انطلقت) وفي علامات النبوّة من طريق زهير بن معاوية أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق لا يمرّ فيه أحد فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس فنزلنا عنده وسويت للنبي ﷺ مكانًا بيدي ينام عليه وبسطت فيه فروة وقلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك فنام وخرجت أنفض ما حوله (فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه فقلت) وسقطت الفاء لغير أبي ذر وثبتت له في نسخة (لمن) ولأبي ذر ممن بالميم بدل اللام (أنت؟ قال: لرجل من قريش فسماه فعرفته) ولم يعرف اسم الراعي ولا صاحب الغنم؟ وذكر الحاكم في الإكليل ما يدل على أنه ابن مسعود. قال الحافظ ابن حجر: وهو وهم (فقلت: هل في غنمك من لبن) بفتح اللام والموحدة وحكى عياض أن في رواية لبن بضم اللام وتشديد الموحدة جمع لابن أبي ذوات لبن (فقال: نعم) فيها (فقلت: هل أنت حالب لي)؟ قال في الفتح: الظاهر أن مراده بهذا الاستفهام أي أمعك إذن في الحلب لمن يمرّ بك على سبيل الضيافة، وبهذا يندفع الإشكال وهو كيف استجار أبو بكر أخذ اللبن من الراعي بغير إذن مالك الغنم، ويحتمل أن يكون أبو بكر لما عرفه عرف رضاه بذلك لصداقته له أو إذنه العام بذلك (قال): الراعي (نعم) أحلب لك. قال أبو بكر ﵁ (فأمرته فاعتقل شاة من غنمه) أي حبسها والاعتقال أن يضع رجله بين فخذي الشاة ويحلبها (ثم أمرته أن ينفض ضرعها) أي ثديها (من الغبار ثم أمرته أن ينفض كفّيه) من الغبار أيضًا (فقال) ولأبي الوقت: قال (هكذا ضرب إحدى كفّيه بالأخرى فحلب كثبة) بضم الكاف وسكون المثلثة وفتح الموحدة أي قدر قدح أو شيئًا قليلاً أو قدر حلبة (من لبن وقد جعلت لرسول الله ﷺ إداوة) ركوة (على فمها) بالميم، ولأبي ذر والأصيلي عن الحموي والمستملي: على فيها (خرقة) بالرفع (فصببت على اللبن) من الماء الذي في الإداوة (حتى برد أسفله) بفتح الموحدة والراء (فانتهيت إلى النبي ﷺ ¬) زاد في العلامات فوافقته حين استيقظ (فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت) الحديث في شأن الهجرة، وقد ساقه بأتم من هذا السياق في العلامات. قال ابن المنير: أدخل البخاري هذا الحديث في أبواب اللقطة لأن اللبن إذ ذاك في حكم الضائع المستهلك فهو كالسوط الذي اغتفر التقاطه، وأعلى أحواله أن يكون كالشاة الملتقطة في المضيعة، وقد قال فيها: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" وكذا هذا اللبن إن لم يحلب ضاع، وتعقبه في المصابيح بأنه قد يمنع ضياعه مع وجود الراعي بحفظه وهذا يقدح في تشبيهه بالشاة لأنها بمحل مضيعة بخلاف هذا اللبن والله الموفّق والمعين على إتمام هذا الكتاب والنفع به والإخلاص فيه.

стр. 2992

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٦ - كتاب في المظالم والغصب وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: المقنِعُ والمقمِحُ واحد. (بسم الله الرحمن الرحيم). (كتاب في المظالم) جمع مظلمة بكسر اللام وفتحها حكاه الجوهري وغيره والكسر أكثر ولم يضبطها ابن سيده في سائر تصرفها إلا بالكسر وفي القاموس، والمظلمة بكسر اللام وكثمامة ما يظلمه الرجل فلم يذكر فيه غير الكسر، ونقل أبو عبيد عن أبي بكر بن القوطية: لا تقول العرب مظلمة بفتح اللام إنما هي مظلمة بكسرها وهي اسم لما أخذ بغير حق والظلم بالضم. قال صاحب القاموس وغيره: وضع الشيء في غير موضعه. (والغصب) وهو لغة أخذ الشيء ظلمًا، وقيل أخذه جهرًا بغلبة وشرعًا الاستيلاء على حق الغير عدوانًا، وسقط حرف الجرّ لأبي ذر وابن عساكر، والمظالم بالرفع والغصب عطف عليه وسقط لفظ كتاب لغير المستملي وللنسفي كتاب الغصب باب في المظالم. (وقول الله تعالى) بالجرّ عطفًا على سابقه (﴿ولا تحسبن﴾) يا محمد (﴿الله غافلاً عما يعمل الظالمون﴾) أي لا تحسبه إذا أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم لا يعاقبهم على صنيعهم بل هو يحصي ذلك عليهم ويعدّه عدًّا، فالمراد تثبيته ﷺ أو هو خطاب لغيره ممن يجوز أن يحسبه غافلاً لجهله بصفاته تعالى، وعن ابن عيينة تسلية للمظلوم وتهديدًا للظالم (﴿إنما يؤخرهم﴾) يؤخر عذابهم (﴿ليوم تشخص فيه الأبصار﴾) أي تشخص فيه أبصارهم فلا تقرّ في أماكنها من شدة الأهوال، ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم ومجيئهم إلى المحشر فقال: (﴿مهطعين مقنعي رؤوسهم﴾) [إبراهيم: ٤٣] أي رافعي رؤوسهم (المقنع) بالنون والعين (والمقمح) بالميم والحاء المهملة معناهما (واحد) وهو رفع الرأس فيما أخرجه الفريابي عن مجاهد وهو تفسير أكثر أهل اللغة، وسقط قوله المقنع إلى آخره في رواية غير المستملي والكشميهني وزاد أبو ذر هنا:

стр. 2993

١ - باب قِصَاصِ الْمَظَالِمِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُدِيمِي النَّظَرِ. وَيُقَالُ مُسْرِعِينَ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ يَعْنِي جُوفًا لَا عُقُولَ لَهُمْ ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. (باب قصاص المظالم) أي يوم القيامة وسقط التبويب والترجمة هنا لأبي ذر وثبتا عنده بعد قوله المقنع والقمح واحد وسقطت الواو من قوله وقال مجاهد. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي أيضًا (مهطعين) أي (مديمي النظر) لا يطرفون هيبة وخوفًا وسقط وقال لأبي ذر، ولأبوي ذر والوت: مدمني النظر. (ويقال: مسرعين) أي إلى الداعي كما قال تعالى: ﴿مهطعين إلى الداع﴾ [القمر: ٨] وهذا تفسير أبي عبيدة في المجاز (﴿لا يرتد إليهم طرفهم﴾) بل تثبت عيونهم شاخصة لا تطرف لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لما يحل بهم (﴿وأفئدتهم هواء﴾ يعني جوفًا) بضم الجيم وسكون الواو خاوية خالية (لا عقول لهم) لفرط الحيرة والدهشة وهو تشبيه محض لأنها ليست بهواء حقيقة، وجهة التشبيه يحتمل أن تكون في فراغ الأفئدة من الخير والرجاء والطمع في الرحمة (﴿وأنذر الناس﴾) يا محمد (﴿يوم يأتيهم العذاب﴾) يعني يوم القيامة أو يوم الموت فإنه أول يوم عذابهم وهو مفعول ثانٍ لأنذر ولا يجوز أن يكون ظرفًا لأن القيامة ليست بموطن الإنذار (﴿فيقول الذين ظلموا﴾) بالشر والتكذيب (﴿ربنا أخّرنا إلى أجل قريب﴾) أخّر العذاب وردّنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحدّ من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا فيه (﴿نجب دعوتك ونتبع الرسل﴾) جواب للأمر ونظيره قوله تعالى: ﴿لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصدّق﴾ [المنافقون: ١٠] (﴿أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال﴾) على إرادة القول وفيه وجهان أن يقولوا ذلك بطرًا وأشرًّا ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسفه وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديدًا وأمهلوا بعيدًا وقوله ﴿ما لكم﴾ جواب القسم وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله أقسمتم، ولو حكي لفظ المقسمين لقيل ما لنا من زوال، والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء وقيل لا تنتقلون إلى دار أخرى يعني كفرهم بالبعث لقوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ [النحل: ٣٨] قاله الزمخشري. (﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾) بالكفر والمعاصي كعاد وثمود (﴿وتبين لكم كيف فعلنا بهم﴾) بما تشاهدون في منازلهم من آثار ما نزل بهم وما تواتر عندكم من أخبارهم (﴿وضربنا

стр. 2994

لكم الأمثال﴾) من أحوالهم أي بيّنّا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب أو صفات ما فعلوا وفعل بهم التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة (﴿وقد مكروا مكرهم﴾) أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم لإبطال الحق وتقرير الباطل (﴿وعند الله مكرهم﴾) ومكتوب عنده فعلهم فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه أو عنده ما يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه (﴿وإن كان مكرهم﴾) في العظم والشدة (﴿لتزول منه الجبال﴾) مسوّى لإزالة الجبال معدًّا لذلك وقيل إن نافية واللام مؤكدة لها كقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتًا وتمكّنًا، وتنصره قراءة ابن مسعود: وما كان مكرهم وقرئ لتزول بلام الابتداء على معنى وإن كان مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع عن أماكنها (﴿فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله﴾) [إبراهيم: ٤٧] يعني قوله إنّا لننصر رسلنا كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي وأصله مخلف رسله وعده فقدم المفعول الثاني على الأول إيذانًا بأنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله: ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ [آل عمران: ٩] وإذا لم يخلف وعده أحدًا فكيف يخلف رسله (﴿إن الله عزيز﴾) غالب لا يماكر قادر لا يدافع (﴿ذو انتقام﴾) لأوليائه من أعدائه كما مرّ ولفظ رواية أبي ذر ﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون﴾ إلى قوله: ﴿إن الله عزيز ذو انتقام﴾ وعنده بعد قوله: ﴿وأنذر الناس﴾ الآية. ٢٤٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِيَدِهِ، لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا». وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ. [الحديث ٢٤٤٠ - طرفه في: ٦٥٣٥]. وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا معاذ بن هشام) البصري قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) هشام بن أبي عبد الله الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة بن قتادة الدوسي البصري الأكمه أحد الأعلام (عن أبي المتوكل) علي بن دؤاد بدال مضمومة بعدها واو بهمزة (الناجي) بالنون والجيم (عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ ¬) أنه (قال): (إذا خلص المؤمنون) نجوا (من) الصراط المضروب على (النار حبسوا بقنطرة) كائنة (بين الجنة و) الصراط الذي على متن (النار فيتقاصون) بالصاد المهملة المشدّدة المضمومة من القصاص، والمراد به تتبع ما بينهم من المظالم وإسقاط بعضها ببعض، وللكشميهني: فيتقاضون بالضاد المعجمة المفتوحة

стр. 2995

المخففة (مظالم كانت بينهم في الدنيا) من أنواع المظالم المتعلقة بالأبدان والأموال فيتقاصون بالحسنات والسيئات، فمن كانت مظلمته أكثر من مظلمة أخيه أخذ من حسناته ولا يدخل أحد الجنة ولأحد عليه تباعة (حتى إذا نُقوا) بضم النون والقاف المشددة مبنيًّا للمفعول من التنقية، ولأبي ذر عن المستملي: تقصوا بفتح المثناة الفوقية والقاف وتشديد الصاد المهملة المفتوحة أي أكملوا التقاص (وهذبوا) بضم الهاء وتشديد الذال المعجمة المكسورة أي خلصوا من الآثام بمقاصصة بعضها ببعض (أذن لهم بدخول الجنة) بضم الهمزة وكسر المعجمة ويقتطعون فيها المنازل على قدر ما بقي لكل واحد من الحسنات (فو) الله (الذي نفس محمد ﷺ بيده) استعارة لنور قدرته (لأحدهم) بالرفع مبتدأ وفتح اللام للتأكيد (بمسكنه في الجنة) وخبر المبتدأ قوله (أدل) بالدال المهملة (بمنزله) وللحموي والمستملي: بمسكنه (كان في الدنيا) وإنما كان أدل لأنهم عرفوا مساكنهم بتعريضها عليهم بالغداة والعشي. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الرقاق. (وقال يونس بن محمد) المؤدب البغدادي فيما وصله ابن منده في كتاب الإيمان قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن التيمي مولاهم النحوي البصري نزيل الكوفة يقال إنه منسوب إلى نحوة بطن من الأزد لا إلى علم النحو (عن قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أبو المتوكل) هو الناجي وغرض المؤلّف بسياق هذا التعليق تصريح قتادة بالتحديث عن أبي المتوكل. ٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (باب قول الله تعالى) في سورة هود: (ألا لعنة الله على الظالمين) وأولها: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] قال ابن كثير: بيّن تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس الخلائق من الملائكة والرسل وسائر البشر والجان، وقال غيره من جوارحهم، وفي قوله: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ تهويل عظيم بما يحيق بهم حينئذٍ لظلمهم بالكذب على الله. ٢٤٤١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَىْ رَبِّ. حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ». [الحديث ٢٤٤١ - أطرافه في: ٤٦٨٥، ٦٠٧٠، ٧٥١٤].

стр. 2996

وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى بن دينار البصري العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة (قال: أخبرنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد فيهما (قتادة) بن دعامة (عن صفوان بن محرز) بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء وبالزاي (المازني) وقيل الباهلي البصري أنه (قال: بينما) بالميم وفي رواية بينا (أنا أمشي مع ابن عمر ﵄ آخذ بيده) بمد الهمزة مرفوع بدلاً من أمشي الذي هو خبر لقوله أنا والجملة حالية والضمير في يده لابن عمر وجواب بينما قوله (إذ عرض) له (رجل) لم أعرف اسمه (فقال) له: (كيف سمعت رسول الله ﷺ في النجوى) وللكشميهني: يقول في النجوى أي التي تقع بين الله وعبده يوم القيامة وهو فضل من الله تعالى حيث يذكر المعاصي للعبد سرًّا (فقال) ابن عمر ﵄ (سمعت رسول الله ﷺ ¬) حال كونه (يقول): (إن الله) (يدني المؤمن) أي يقربه (فيضع عليه كنفه) بفتح الكاف والنون والفاء أي حفظه وستره، وفي كتاب خلق الأفعال في رواية عبد الله بن المبارك عن محمد بن سواء عن قتادة في آخر الحديث قال عبد الله بن المبارك كنفه ستره (ويستره) عن أهل الموقف (فيقول) تعالى له (أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا) مرتين ولأبي ذر ذنبًا بالتنوين في الأخيرة (فيقول) المؤمن (نعم أي رب) أعرفه (حتى إذا قرره بذنوبه) جعله مقرًّا بأن أظهر له ذنوبه وألجأه إلى الإقرار بها حتى يعرف منة الله عليه في سترها عليه في الدنيا وفي عفوه عنه في الآخرة وسقط في رواية أبي ذر لفظ إذا (ورأى في نفسه أنه هلك) باستحقاقه العذاب (قال) تعالى له: (سترتها) أي الذنوب (عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى) حينئذٍ (كتاب حسناته، وأما الكافر) بالإفراد (والمنافقون) بالجمع في رواية أبي ذر عن الكشميهني والمستملي وله عن الكشميهني أيضًا والمنافق بالإفراد (فيقول الأشهاد) جمع شاهد وشهيد من الملائكة والنبيين وسائر الإنس والجن (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير والأدب والتوحيد ومسلم في التوبة والنسائي في التفسير وفي الرقائق وابن ماجة في السُّنَّة. ٣ - باب لَا يَظْلِمُ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ وَلَا يُسْلِمُهُ هذا (باب) بالتنوين (لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه) بضم الياء وسكون المهملة وكسر اللام مضارع أسلم أي لا يلقيه إلى هلكة بل يحميه من عدوّه. ٢٤٤٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً

стр. 2997

مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". [الحديث ٢٤٤٢ - طرفه في: ٦٩٥١]. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري ونسبه إلى جدّه لشهرته به قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بالفتح الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أن سالمًا أخبره أن) أباه (عبد الله بن عمر ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ قال): (المسلم) سواء كان حرًّا أو عبدًا بالغًا أو لا (أخو المسلم) في الإسلام (لا يظلمه) خبر بمعنى النهي لأن ظلم المسلم للمسلم حرام (ولا يسلمه) بضم أوّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه لا يتركه مع من يؤذيه بل يحميه وزاد الطبراني ولا يسلمه في مصيبة نزلت به (ومن كان في حاجة أخيه) المسلم (كان الله في حاجته) وعند مسلم من حديث أبي هريرة "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (ومن فرج عن مسلم كربة) بضم الكاف وسكون الراء وهي الغم الذي يأخذ النفس أي من كرب الدنيا (فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة) بضم الكاف والواء جمع كربة (ومن ستر مسلمًا) رآه على معصية قد انقضت فلم يظهر ذلك للناس فلو رآه حال تلبسه بها وجب عليه الإنكار لا سيما إن كان مجاهرًا بها فإن انتهى وإلا رفعه إلى الحاكم وليس من الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة (ستره الله يوم القيامة) وفي حديث أبي هريرة عند الترمذي ستره الله في الدنيا والآخرة". وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الإكراه ومسلم وأبو داود والترمذي في الحدود والنسائي في الرجم. ٤ - باب أَعِنْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا هذا (باب) بالتنوين (أعن أخاك) المسلم سواء كان (ظالمًا أو مظلومًا). ٢٤٤٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». [الحديث ٢٤٤٣ - طرفاه في: ٢٤٤٤، ٦٩٥٢]. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني بالإفراد (عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة واسمه إبراهيم بن عثمان أبو الحسن العبسي الكوفي قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة بالتصغير ابن بشير بالتصغير أيضًا الواسطي قال: (أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس) بضم العين مصغرًا ابن مالك الأنصاري (وحميد الطويل) سقط الطويل لأبي ذر أن كلاًّ منهما (سمع أنس بن مالك ﵁ يقول) ولأبي ذر سمعا بالتثنية أي عبيد الله وحميد وقول العيني أن الضمير في سمع بلفظ الإفراد يعود على حميد لا يخفى ما فيه (قال رسول الله) ولأبي ذر قال النبي (¬ ﷺ ¬):

стр. 2998

(انصر أخاك) أي فى الإسلام (ظالمًا) كان (أو مظلومًا) زاد في الإكراه من طريق أخرى عن هشيم عن عبيد الله وحده فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره" أي منعك إياه من الظلم نصرك إياه على شيطانه الذي يغويه وعلى نفسه التي تأمره بالسوء وتطغيه. ٢٤٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) بمهملات وتشديد الدال الأولى ابن مسرهد بن مسربل الأسدي البصري قال: (حدّثنا معتمر) من الاعتمار هو ابن سليمان بن طرخان التيمي (عن حميد) الطويل (عن أنس ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا قالوا): ولأبي الوقت في نسخة قال وفي الإكراه فقال رجل (يا رسول الله) ولم يسم هذا الرجل (هذا) أي الرجل الذي (ننصره) حال كونه (مظلومًا فكيف ننصره) حال كونه (ظالمًا قال) ﵊ (تأخذ فوق يديه) بالتثنية وهو كناية عن منعه عن الظلم بالفعل إن لم يمتنع بالقول، وعنى بالفوقية الإشارة إلى الأخذ بالاستعلاء والقوّة وقد ترجم المؤلّف بلفظ الإعانة، وساق الحديث بلفظ النصر فأشار إلى ما ورد في بعض طرقه وذلك فيما رواه حديج بن معاوية وهو بالمهملة وآخره جيم مصغرًا عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا "أعن أخاك ظالمًا" الحديث. أخرجه ابن عدي وأبو نعيم في المستخرج من الوجه الذي أخرجه منه المؤلّف. قال ابن بطال: النصر عند العرب الإعانة، وقد فسر ﷺ أن نصر الظالم منعه من الظلم لأنك إذا تركته على ظلمه أدّاه ذلك إلى أن يقتص منه فمنعك له من وجوب القصاص نصرة له، وهذا من باب الحكم للشيء وتسميته بما يؤول إليه وهو من عجيب الفصاحة ووجيز البلاغة، وقد ذكر مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر سببًا لحديث الباب يستفاد منه زمن وقوعه ولفظه: اقتتل رجل من المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجريّ يا للمهاجرين ونادى الأنصاري يا للأنصار فخرج رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا أدعوى الجاهلية" قالوا: لا إن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر فقال: "لا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا" الحديث. وذكر المفضل الضبي في كتابه الفاخر: إن أول من قال انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم وأراد بذلك ظاهره وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية لا على ما فسره النبي وفي ذلك يقول شاعرهم: إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم … على القوم لم أنصر أخي حين يظلم

стр. 2999

قاله الحافظ ابن حجر. ٥ - باب نَصْرِ الْمَظْلُومِ (باب نصر المظلوم). ٢٤٤٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدٍ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ. فَذَكَرَ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلَامِ، وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِي، وَإِبْرَارَ الْمُقْسِمِ". وبه قال: (حدّثنا سعيد بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة وكسر عين سعيد العامري الحرشي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأشعث بن سليم) بضم السين وفتح اللام مصغرًا والأشعث بالمعجمة والمثلثة أبي الشعثاء الكوفي (قال: سمعت معاوية بن سويد) بضم السين وفتح الواو ابن مقرّن المزني الكوفي (قال: سمعت البراء بن عازب ﵄ قال: أمرنا النبي ﷺ ونهانا عن سبع فذكر عيادة المريض) وهي سنة إذا كان له متعهد وإلاّ فواجبة (واتباع الجنائز) فرض على الكفاية (وتشميت العاطس) إذا حمد الله سنة (ورد السلام) فرض كفاية (ونصر المظلوم) مسلمًا كان أو ذميًّا واجب على الكفاية ويتعين على السلطان وقد يكون بالقول أو بالفعل ويكفّه عن الظلم. وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أمر الله بعبد من عباده أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسأل الله تعالى ويدعوه حتى صارت واحدة فامتلأ قبره عليه نارًا فلما ارتفع عنه أفاق فقال علام جلدتموني؟ قالوا: إنك صلّيت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره". رواه الطحاوي إن كان هذا حال من لم ينصره فكيف من ظلمه. (إجابة الداعي) سُنّة إلا في وليمة النكاح، فعند الشافعية والحنابلة أنها فرض عين إذا كان الداعي مسلمًا وأن تكون في اليوم الأول وأن لا يكون هناك منكر كشرب خمر. (وإبرار المقسم) بميم مضمومة وكسر السين سُنّة أي الحالف إذا أقسم عليه في مباح يستطيع فعله ولأبي ذر عن الكشميهني وإبرار القسم. وهذا الحديث قد سبق في الجنائز تامًّا وساقه هنا مختصرًا لم يذكر السبع المنهي عنها والمراد منه هنا قوله: "ونصر المظلوم". ٢٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ».

стр. 3000

وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بضم الموحدة مصغرًا ابن عبد الله بن أبي بردة (عن) جده (أبي بردة) الحرث أو عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (المؤمن للمؤمن) التعريف فيه للجنس والمراد بعض المؤمن للبعض (كالبنيان يشد بعضه بعضًا) بيان لوجه التشبيه وللكشميهنى يشد بعضهم بعضًا بميم الجمع (وشبك) ﵊ (بين أصابعه) كالبيان للوجه أي شدًّا مثل هذا الشد وفيه تعظيم حقوق المسلمين بعضهم لبعض وحثّهم على التراحم والملاطفة والتعاضد، والمؤمن إذا شدّ المؤمن فقد نصره والله أعلم. ٦ - باب الاِنْتِصَارِ مِنَ الظَّالِم، لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا. (باب الانتصار من الظالم لقوله جل ذكره) في سورة النساء: (﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظلم﴾) أي إلا جهر من ظلم بالدعاء على الظالم والتظلّم منه، وعن السدي نزلت في رجل نزل بقوم فلم يضيفوه فرخص له أن يقول فيهم ونزولها في واقعة عين لا يمنع حملها على عمومها. وعن ابن عباس ﵄ المراد بالجهر من القول الدعاء فرخص للمظلوم أن يدعو على من ظلمه (﴿وكان الله سميعًا) لكلام المظلوم (﴿عليمًا﴾) [النساء: ١٤٨] بالظالم ولقوله تعالى في سورة الشورى: (﴿والذين إذا أصابهم البغي﴾) يعني الظلم (﴿هم ينتصرون﴾) [الشورى: ٣٩] ينتقمون ويقتصّون. (قال إبراهيم) النخعي مما وصله عبد بن حميد وابن عيينة في تفسيرهما (كانوا) أي السلف (يكرهون أن يستذلوا) بضم الياء وفتح التاء والمعجمة من الذل (فإذا قَدَروا) بفتح الدال المهملة (عفوا) عمّن بغى عليهم. ٧ - باب عَفْوِ الْمَظْلُومِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]. ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ … ﴾ ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾. [الشورى: ٤٠ - ٤٤].

стр. 3001

(باب عفو المظلوم) عمن ظلمه (لقوله تعالى) في سورة النساء: (﴿إن تبدوا خيرًا) طاعةً وبرًّا (﴿أو تخفوه﴾) أي تفعلوه سرًّا (﴿أو تعفوا عن سوء﴾) لكم المؤاخذة عليه وهو المقصود وذكر إبداء الخير وإخفائه تسبيب له ولذلك رتب عليه قوله: (﴿فإن الله كان عفوًّا قديرًا) [النساء: ١٤٩] أي يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم أولى بذلك وهو حثّ للمظلوم على العفو بعدما رخص له في الانتصار حملاً على مكارم الأخلاق، وقوله تعالى في سورة حم عسق: (﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾) وسمى الثانية سيئة للازدواج ولأنها تسوء من تنزل به (﴿فمن عفا وأصلح﴾) بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء (﴿فأجره على الله﴾) عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم (﴿إنه لا يحب الظالمين﴾) المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الانتقام (﴿ولمن انتصر بعد ظلمه﴾) بعدما ظلم فهو من إضافة المصدر إلى المفعول (﴿فأولئك ما عليهم من سبيل﴾) من مأثم (﴿إنما السبيل﴾) يعني الإثم والحرج (﴿على الذين يظلمون الناس﴾) يبتدئونهم بالإضرار يطلبون ما لا يستحقونه تجبّرًا عليهم (﴿ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم﴾) على ظلمهم وبغيهم (﴿ولمن صبر﴾) على الأذى ولم يقتص من صاحبه (﴿وغفر﴾) تجاوز عنه وفوّض أمره إلى الله (﴿إن ذلك﴾) الصبر والتجاوز (﴿لمن عزم الأمور﴾) [الشورى: ٤٠ - ٤١، ٤٢ - ٤٣] أي إن ذلك منه فحذف للعلم به كما حذف في قولهم السمن منوان بدرهم. ويحكى أن رجلاً سبّ رجلاً في مجلس الحسن ﵀ فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق ثم قام فتلا هذه الآية فقال الحسن: عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون. وفي حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد وأبي داود أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: "ما من عبد ظلم مظلمة فعفا عنها إلا أعز الله بها نصره" وقد قالوا: العفو مندوب إليه ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوبًا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى، وسقط من الفرع قوله تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده﴾ أي من ناصر يتولاه من بعد خذلان الله له وثبت فيه قوله تعالى: (﴿وترى الظالمين لما رأوا العذاب﴾) حين يرونه فذكره بلفظ الماضي تحقيقًا (﴿يقولون هل إلى مرد من سبيل﴾) [الشورى: ٤٤] أي إلى رجعة إلى الدنيا. وفي رواية أبي ذر ﴿فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين﴾ إلى قوله: ﴿مردّ من سبيل﴾ فأسقط ما ثبت في رواية غيره. ٨ - باب الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هذا (باب) بالتنوين (الظلم ظلمات يوم القيامة). ٢٤٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس أبو عبد الله التميمي اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن عبد الله بن أبي سلمة واسمه دينار (الماجشون) بكسر الجيم وبالشين

стр. 3002

المعجمة المضمومة قال: (أخبرنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (الظلم) بأخذ مال الغير بغير حق أو التناول من عرضه أو نحو ذلك (ظلمات) على صاحبه (يوم القيامة). فلا يهتدي يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا فربما وقع قدمه في ظلمة ظلمه فهوت في حفرة من حفر النار وإنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتّقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئًا. قال عبد الله بن مسعود ﵁: يؤتى بالظلمة فيوضعون في تابوت من نار ثم يزجّون فيها. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأدب والترمذي في البر. ٩ - باب الاِتِّقَاءِ وَالْحَذَرِ مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ (باب الاتّقاء والحذر من دعوة المظلوم). ٢٤٤٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ». وبه قال: (حدّثنا يحيى بن موسى) بن عبد ربّه البلخي الملقب بخت بفتح المعجمة وتشديد المثناة الفوقية قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي بضم الراء وهمزة ثم مهملة الكوفي قال: (حدّثنا زكريا بن إسحاق المكي) الثقة (عن يحيى بن عبد الله بن صيفي) بالصاد المهملة المكي (عن أبي معبد) نافذ بالفاء والمعجمة أو المهملة (مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى) أهل (اليمن) واليًا عليهم سنة عشر يعلمهم الشرائع ويقبض الصدقات (فقال) له: (اتق دعوة المظلوم) وإن كان عاصيًا (فإنها) أي دعوة المظلوم وللمستملي فإنه أي الشأن (ليس بينها وبين الله حجاب) كناية عن الاستجابة وعدم الرد كما صرّح به في حديث أبي هريرة عند الترمذي مرفوعًا بلفظ ثلاثة لا تردّ دعوتهم الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزّتي لأنصرنّك ولو بعد حين". وحديث الباب قد سبق في باب أخذ الصدقة من الأغنياء من كتاب الزكاة بأتم من هذا واقتصر منه هنا على المراد.

стр. 3003

١٠ - باب مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ فَحَلَّلَهَا لَهُ هَلْ يُبَيِّنُ مَظْلَمَتَهُ؟ (باب من كانت له مظلمة) بكسر اللام وحكي فتحها (عند الرجل) وفي رواية عند رجل (فحللها له هل يبين مظلمته) حتى يصح التحليل منها أم لا. ٢٤٤٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَىْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْمَقْبُرِيَّ لأَنَّهُ كَانَ نَزَلَ نَاحِيَةَ الْمَقَابِرِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَسَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ. [الحديث ٢٤٤٩ - طرفه في: ٦٥٣٤]. وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) عبد الرحمن العسقلاني الخراساني الأصل قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن قال: (حدّثنا سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (من كانت له مظلمة) بكسر اللام وفي الرقاق من رواية مالك عن المقبري من كانت عنده مظلمة (لأحد) ولأبي ذر: لأخيه (من عرضه) بكسر العين المهملة موضع الذم والدح منه سواء كان في نفسه أو أصله أو فرعه (أو شيء) من الأشياء كالأموال والجراحات حتى اللطمة وهو من عطف العام على الخاص (فليتحلله منه اليوم) نصب على الظرفية والمراد من اليوم أيام الدنيا لمقابلته بقوله (قبل أن لا يكون دينار ولا درهم) فيؤخذ منه بدل مظلمته وهو يوم القيامة، والمراد بالتحلل أن يسأله أن يجعله في حلٍّ وليطلبه ببراءة ذمته. وقال الخطابي: معناه يستوهبه ويقطع دعواه عنه لأن ما حرم الله من الغيبة لا يمكن تحليله وجاء رجل إلى ابن سيرين فقال: اجعلني في حِلٍّ فقد اغتبتك. فقال: إني لا أحل ما حرم الله ولكن ما كان من قبلنا فأنت في حلٍّ ولما قال قبل أن لا يكون دينار ولا درهم كأنه قيل فما يؤخذ منه بدل مظلمته؟ فقال: (إن كان له) أي الظالم (عمل صالح أخذ منه) أي من ثواب عمله الصالح (بقدر مظلمته) التي ظلمها لصاحبه (وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه) الذي ظلمه (فحمل عليه) أي على الظالم عقوبة سيئات المظلوم. قال المازري: زعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارض لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وهو باطل وجهالة بيّنة لأنه إنما عوقب بفعله ووزره فتوجه عليه حقوق لغريمه فدفعت إليه من حسناته فلما فرغت حسناته أخذ من سيئات خصمه فوضعت عليه فحقيقة العقوبة مسببة عن ظلمه ولم يعاقب بغير جناية منه.

стр. 3004

(قال أبو عبد الله) المؤلّف (قال إسماعيل بن أبي أويس) هو شيخ المؤلّف (إنما سمي) أي أبو سعيد المذكور في السند (المقبري لأنّه كان نزل) ولأبي ذر: ينزل (ناحية المقابر) بالمدينة الشريفة، وقيل: لأن عمر بن الخطاب ﵁ جعله على حفر القبور بالمدينة وهو تابعي. (قال أبو عبد الله) البخاري (وسعيد المقبري هو مولى بني ليث) كان مكاتبًا لامرأة من أهل المدينة من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة (وهو سعيد بن أبي سعيد واسم أبي سعيد كيسان) بفتح الكاف ومات سعيد المقبري في أول خلافة هشام. وقال ابن سعد مات سنة ثلاث وعشرين ومائة واتفقوا على توثيقه. قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث لكنه اختلط قبل موته بأربع سنين، وقد سقط قوله قال أبو عبد الله قال إسماعيل الخ في غير رواية الكشميهني وثبت فيها والله أعلم. ١١ - باب إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فَلَا رُجُوعَ فِيهِ هذا (باب) بالتنوين (إذا حلله من ظلمه فلا رجوع فيه) سواء كان معلومًا أو مجهولاً عند من يجيزه. ٢٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ". [الحديث ٢٤٥٠ - أطرافه في: ٢٦٩٤، ٤٦٠١، ٥٢٠٦]. وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن مقاتل قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) زاد الكشميهني في هذه الآية: (﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا) تجافيًا عنها وترفعًا عن صحبتها كراهة لها ومنعًا لحقوقها (﴿أو إعراضًا) [النساء: ١٢٨] بأن يقل مجالستها ومحادثتها. (قالت) عائشة (الرجل تكون عنده المرأة) حال كونه (ليس بمستكثر منها) أي ليس بطالب كثرة الصحبة منها إما لكبرها أو لسوء خلقها أو لغير ذلك وخبر المبتدأ الذي هو الرجل قوله (يريد أن يفارقها) أي لما ذكر (فتقول) المرأة (أجعلك من) أجل (شأني في حلٍّ) أي من حقوق الزوجية وتتركني بغير طلاق (فنزلت هذه الآية في ذلك). وعن علي ﵁ نزلت في المرأة تكون عند الرجل تكره مفارقته فيصطلحان على أن يجيئها كل ثلاثة أيام أو أربعة. وروى الترمذي من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية وقال: حسن غريب.

стр. 3005

وقد تبين أن مورد الحديث إنما هو في حق من تسقط حقها من القسمة وحينئذٍ فقول الكرماني أن المطابقة بين الترجمة وما بعدها من جهة أن الخلع عقد لازم لا يصح الرجوع فيه فيلتحق به كل عقد لازم وهم كما نبّه عليه في فتح الباري. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير. ١٢ - باب إِذَا أَذِنَ لَهُ أَوْ أَحَلَّهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ هذا (باب) بالتنوين (إذا أذن) رجل (له) أي لرجل آخر في استيفاء حقه (أو أحلّه) ولأبي ذر عن الكشميهني أو أحلّ له (ولم يبيّن كم هو) أي مقدار المأذون في استيفائه أو المحلّل. ٢٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ -وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ- فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي حازم بن دينار) بالحاء المهملة والزاي سلمة الأعرج (عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله) وفي نسخة صحح عليها في اليونينية أن النبي (¬ ﷺ أُتي بشراب) في قدح والشراب هو اللبن الممزوج بالماء (فشرب منه وعن يمينه غلام) هو ابن عباس (وعن يساره الأشياخ فقال) ﵊: (للغلام أتأذن لي أن أعطي) القدح (هؤلاء)؟ أي الأشياخ (فقال الغلام: لا والله يا رسول الله لا أؤثر بنصيبي منك أحدًا) إنما قال ذلك لأنه ﵊ لم يأمره به ولو أمره لأطاع وظاهره أنه لو أذن له لأعطاهم (قال: فتلّه) بالمثناة الفوقية واللام المشدّدة أي دفعه (رسول الله ﷺ في يده) ولم يظهر لي وجه الناسبة بين الترجمة والحديث والله أعلم. وقد قيل إنها تؤخذ من معنى الحديث لأنه لو أذن الغلام له ﵊ بدفع الشراب إلى الأشياخ لكان تحليل الغلام غير معلموم وكذلك مقدار شربهم وشربه. ١٣ - باب إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ (باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض). ٢٤٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». [الحديث ٢٤٥٢ - طرفه في: ٣١٩٨].

стр. 3006

وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: حدّثني) بالإفراد (طلحة بن عبد الله) بن عوف ابن أخي عبد الرحمن بن عوف (أن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل) القرشي وقيل الأنصاري المدني، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث (أخبره أن سعيد بن زيد) القرشي أحد العشرة المبشرة بالجنة (﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول): (من ظلم من الأرض شيئًا) قليلاً أو كثيرًا وفي رواية عروة في بدء الخلق: من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا، ولأحمد من حديث أبي هريرة: من أخذ من الأرض شبرًا بغير حقه (طوّقه) بضم الطاء المهملة وكسر الواو المشددة وبالقاف مبنيًّا للمفعول (من سبع أرضين) بفتح الراء وقد تسكن أي يوم القيامة قيل أراد طوق التكليف وهو أن يطوّق حملها يوم القيامة. ولأحمد والطبراني من حديث يعلى بن مرّة مرفوعًا: "من أخذ أرضًا بغير حقها كلّف أن يحمل ترابها إلى المحشر" وفي رواية للطبراني في الكبير "من ظلم من الأرض شبرًا كلف أن يحفره حتى يبلغ به الماء ثم يحمله إلى المحشر" وقيل إنه أراد أنه يخسف به الأرض فتصير الأرض المغصوبة في عنقه كالطوق ويعظم قدر عنقه حتى يسع ذلك كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه. قال البغوي: وهذا أصح، ويؤيده حديث ابن عمر المسوق في هذا الباب ولفظه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين. وفي حديث ابن مسعود عند أحمد بإسناد حسن والطبراني في الكبير قلت: يا رسول الله أيّ الظلم أظلم؟ فقال: "ذراع من الأرض ينتقصها المرء المسلم من حق أخيه فليس حصاة من الأرض يأخذها إلا طوّقها يوم القيامة إلى قعر الأرض ولا يعلم قعرها إلاّ الله الذي خلقها" أو المراد بالتطوّق الإثم فيكون الظلم لازمًا في عنقه لزوم الإثم عنقه، ومنه قوله تعالى: ﴿ألزمناه طائره في عنقه﴾ [الإسراء: ١٣] وفي هذا تهديد عظيم للغاصب خصوصًا ما يفعله بعضهم من بناء المدارس والربط ونحوهما مما يظنون به القرب والذكر الجميل من غصب الأرض لذلك وغصب الآلات واستعمال العمال ظلمًا وعلى تقدير أن يعطى فإنما يعطى من المال الحرام الذي اكتسبه ظلمًا الذي لم يقل أحد بجواز أخذه ولا الكفّار على اختلاف مِللهم فيزداد هذا الظالم بإرادته الخير على زعمه من الله بعدًا أما سمع هذا الظالم قوله ﷺ : "من ظلم من الأرض شيئًا طوّقه من سبع أرضين" وقوله ﵊ فيما يروي عن ربه: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي العهد ثم غدر، ورجل باع حرًّا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه عمله ولم يعطه أجره" رواه البخاري. ٢٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ، فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». [الحديث ٢٤٥٣ - طرفه في: ٣١٩٥].

стр. 3007

وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو بن الحجاج المقعد البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدّثنا حسين) المعلم (عن يحيى بن أبي كثير) الطائي اليمامي (قال: حدّثني) بالإفراد (محمد بن إبراهيم) التيمي (أن أبا سلمة) عبد الله أو إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف (حدّثه أنه كانت بينه وبين أناس خصومة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على أسمائهم، ووقع لمسلم من طريق حرب بن شداد عن يحيى وكان بينه وبين قومه خصومة في أرض ففيه نوع تعيين للخصوم وتعيين التخاصم فيه (فذكر لعائشة ﵂) أي ذلك كما في بدء الخلق (فقالت له: يا أبا سلمة اجتنب الأرض) فلا تغصب منها شيئًا (فإن النبي ﷺ قال) وفي رواية يقول: (من ظلم قيد شبر) بكسر القاف وسكون المثناة التحتية أي قدر شبر (من الأرض طوّقه من سبع أرضين) أي يوم القيامة. وفي حديث أبي مالك الأشعري عند ابن أبي شيبة بإسناد حسن "أعظم الغلول عند الله يوم القيامة ذراع أرض يسرقه رجل فيطوّقه من سبع أرضين". وعند ابن حبّان من حديث يعلى بن مرة مرفوعًا "أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ آخر سبع أرضين ثم يطوّقه يوم القيامة حتى يقضي بين الناس". وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في بدء الخلق ومسلم في البيوع. ٢٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ». قَالَ الفربري: قال أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أَبِي حَاتَم: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِخُرَاسَانَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، أَمْلَاهُ عَلَيْهِمْ بِالْبَصْرَةِ. [الحديث ٢٤٥٤ - طرفه في: ٣١٩٦]. وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا عبد الله بن المبارك) المروزي قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) الإمام في المغازي (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (من أخذ من الأرض شيئًا) قلّ أو أكثر (بغير حقه خسف به) أي بالآخذ غصبًا تلك الأرض المغصوبة (يوم القيامة إلى سبع أرضين) فتصير له كالطوق في عنقه بعد أن يطوّله الله تعالى أو أن هذه الصفات تتنوّع لصاحب هذه الجناية على حسب قوّة الفسدة وضعفها فيعذب بعضهم بهذا وبعضهم بهذا. وفي الحديث إمكان غصب الأرض خلافًا لأبي حنيفة وأبي يوسف حيث قالا: الغصب لا يتحقق إلا فيما ينقل ويجوّل لأن إزالة اليد بالنقل ولا نقل في العقار وإذا غصب عقارًا فهلك في يده لم يضمنه. وقال محمد: يضمنه وهو قول أبي يوسف الأول وبه قال الشافعي لتحقق إثبات اليد،

стр. 3008

ومن ضرورته زوال يد المالك لاستحالة اجتماع اليدين على محل واحد في حالة واحدة فيتحقق الوصفان وهو الغصب فصار كالمنقول وجحود الوديعة، ولهما يعني لأبي حنيفة وأبي يوسف أن الغصب إثبات اليد بإزالة يد المالك بفعل في العين وهذا لا يتصوّر في العقار لأن يد المالك لا تزول إلا بإخراجه عنها وهو فعل فيه لا في العقار قاله في الهداية. واستدلّ لهما في الاختيار شرح المختار بحديث الباب "من ظلم من الأرض شيئًا طوّقه من سبع أرضين" لأنه ﵊ ذكر الجزاء في غصب العقار ولم يذكر الضمان ولو وجب لذكره وصوّر المسألة بما إذا سكن دار غيره بغير إذنه ثم خرجت أما إذا هدم البناء وحفر الأرض فيضمن لأنه وجد منه النقل والتحويل فإنه إتلاف ويضمن بالإتلاف ما لا يضمن بالغصب، والعقار يضمن بالإتلاف وإن لم يضمن بالغصب ولأنه تصرف في العين انتهى. ومن فوائد حديث الباب ما قاله ابن المنير أن فيه دليلاً على أن الحكم إذا تعلق بظاهر الأرض تعلق بباطنها إلى التخوم فمن ملك ظاهر الأرض ملك باطنها من حجارة وأبنية ومعادن، ومن حبس أرضًا مسجدًا أو غيره يتعلق التحبيس بباطنه حتى لو أراد إمام المسجد أن يحتفر تحت أرض المسجد ويبني مطامير تكون أبوابها إلى جانب المسجد تحت مصطبة له أو نحوها أو جعل المطامير حوانيت ومخازن لم يكن له ذلك لأن باطن الأرض تعلق به الحبس كظاهرها، فكما لا يجوز اتخاذ قطعة من المسجد حانوتًا كذلك لا يجوز ذلك في باطنه. (قال الفربري: قال أبو جعفر بن أبي حاتم) واسمه محمد البخاري ورّاق المؤلّف (قال أبو عبد الله) البخاري: (هذا حديث) أي حديث الباب (ليس بخراسان في كتاب ابن المبارك) ولأبي ذر في كتب ابن المبارك التي صنف بها (أملاه) أي الحديث، وللمستملي والحموي: إنما أملى بزيادة إنما وضم الهمزة وحذف الضمير المنصوب (عليهم بالبصرة) لكن نعيم بن حماد المروزي ممن حمل عنه بخراسان وقد حدّث عنه بهذا الحديث فيحتمل أن يكون حدّث به بخراسان والله أعلم. وهذا الفائدة التي ذكرها الفربري ثابتة في رواية أبي ذر ساقطة لغيره. ١٤ - باب إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لآخَرَ شَيْئًا جَازَ هذا (باب) بالتنوين (إذا أذن إنسان لآخر شيئًا) أي في شيء (جاز). ٢٤٥٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَبَلَةَ: "كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَصَابَنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ". [الحديث ٢٤٥٥ - أطرافه في: ٢٤٨٩، ٢٤٩٠، ٥٤٤٦].

стр. 3009

وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحرث الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن جبلة) بالجيم والموحدة واللام المفتوحات ابن سحيم بضم السين وفتح الحاء المهملتين الشيباني أنه قال: (كنّا بالمدينة في بعض أهل العراق) وعند الترمذي في بعث أهل العراق (فأصابنا سنة) غلاء وجدب (فكان ابن الزبير) عبد الله (يرزقنا) أي يطعمنا (التمر فكان ابن عمر ﵄ يمرّ بنا) أي ونحن نأكله (فيقول إن رسول الله ﷺ عن الإقران) بهمزة مكسورة بين اللام والقاف من الثلاثي المزيد فيه. قال عياض: والصواب القران بإسقاط الهمزة وهو أن تقرن تمرة بتمرة عند الأكل لأن فيه إجحافًا برفيقه مع ما فيه من الشره المزري بصاحبه نعم إذا كان التمر ملكًا له فله أن يأكل كيف شاء (إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه) فيأذن له فإنه يجوز لأنه حقه فله إسقاطه، واختلف هل قوله إلا أن يستأذن الخ … مدرج من قول ابن عمر أو مرفوع، فذهب الخطيب إلى الأوّل، وعورض بحديث جبلة عند البخاري سمعت ابن عمر يقول: "نهى رسول الله ﷺ أن يقرن بين التمرتين جميعًا حتى يستأذن أصحابه" وهل النهي للتحريم أو للتنزيه؟ فنقل عياض عن أهل الظاهر أنه للتحريم، وعن غيرهم أنه للتنزيه. وصوّب النووي التفصيل فإن كان مشتركًا بينهم حرم إلا برضاهم وإلاّ فلا. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الأطعمة والشركة ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة في الأطعمة والنسائي في الوليمة. ٢٤٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ: "أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ -وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الْجُوعَ! فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّبَعَنَا، أَتَأْذَنُ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ". وبه قال: (حدثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري البدري (أن رجلاً من الأنصار يقال له أبو شعيب كان له غلام لحام) يبيع اللحم ولم يسم (فقال له أبو شعيب: اصنع لي طعام خمسة) لعلمه أن النبي ﷺ سيتبعه غيره (لعلي أدعو النبي ﷺ خامس خمسة) أي أحد خمسة (وأبصر في وجه النبي ﷺ الجوع) جملة فعلية حالية يعني أنه قال لغلامه اصنع لنا في حال رؤيته تلك (فدعاه) أي دعا أبو شعيب النبي ﷺ (فتبعهم رجل) أي سادس لم يسم أيضًا (لم يدع فقال النبي ﷺ ¬): (إن هذا قد اتّبعنا) بتشديد التاء (أتأذن له) في الدخول؟ (قال: نعم). وهذا الحديث قد مضى في باب ما قيل في اللحام والجزار من كتاب البيوع.

стр. 3010

١٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] (باب قول الله تعالى) في سورة البقرة (﴿وهو ألد الخصام﴾) [البقرة: ٢٠٤] ألد أفعل تفضيل من اللدد وهو شدة الخصومة والخصام المخاصمة، ويجوز أن يكون جمع خصم كصعب وصعاب بمعنى أشد الخصوم خصومة أو أن أفعل هنا ليست للتفضيل بل بمعنى الفاعل أي وهو لديد الخصام أي شديد المخاصمة فهو من إضافة الصفة المشبهة. وعن ابن عباس أي ذو جدال، وقال السدي فيما ذكره ابن كثير نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي جاء إلى رسول الله ﷺ وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك، وعن ابن عباس في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم فأنزل الله ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه. ٢٤٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ». [الحديث ٢٤٥٧ - طرفاه في: ٤٥٢٣، ٧١٨٨]. وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكي (عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله واسم أبي مليكة زهير المكي الأحول (عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (إن أبغض الرجال إلى الله) (الألد الخصم) بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة المولع بالخصومة الماهر فيها واللام في الرجال للعهد، فالمراد الأخنس وهو منافق، أو المراد الألد في الباطل المستحل له أو هو تغليظ في الزجر. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأحكام والتفسير ومسلم في القدر والترمذي والنسائي في التفسير. ١٦ - باب إِثْمِ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهْوَ يَعْلَمُهُ (باب إثم من خاصم في) أمر (باطل وهو يعلمه) أي يعلم أنه باطل. ٢٤٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا». [الحديث ٢٤٥٨ - أطرافه في: ٢٦٨٠، ٦٩٦٧، ٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥].

стр. 3011

وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي (قال: حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني نزيل بغداد تكلم قيه بلا قادح (عن صالح) هو ابن كيسان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن زينب بنت أم سلمة) بنت أبي سلمة عبد الله وكان اسمها برة فسماها النبي ﷺ . زينب (أخبرته أن أمها أم سلمة) هند بنت أبي أمية (﵂ زوج النبي ﷺ أخبرتها عن رسول الله ﷺ أنه سمع خصومة بباب حجرته) التي هي سكن أم سلمة (فخرج إليهم) أي إلى الخصوم ولم يسموا (فقال): (إنما أنا بشر) من باب الحصر المجازي لأنه حصر خاص أي باعتبار علم البواطن ويسمى عند علماء البيان قصر القلب لأنه أتى به على الرد على من زعم أن من كان رسولاً يعلم الغيب فيطلع على البواطن ولا يخفى عليه المظلوم ونحو ذلك. فأشار إلى أن الوضع البشري يقتضي أن لا يدرك من الأمور إلا ظواهرها فإنه خلق خلقًا لا يسلم من قضايا تحجبه عن حقائق الأشياء فإذا ترك على ما جبل عليه من القضايا البشرية ولم يؤيد بالوحي السماوي طرأ عليه ما يطرأ على سائر البشر (وإنه يأتيني الخصم) وفي الأحكام: وإنكم تختصمون إليّ (فلعل بعضكم أن يكون أبلغ) أي أحسن إيرادًا للكلام (من بعض) أي وهو كاذب وفي الأحكام ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض أي ألسن وأفصح وأبين كلامًا وأقدر على الحجة وفيه اقتران خبر لعل التي اسمها "بعضَ" بأن المصدرية (فأحسب) بفتح السين وكسرها لغتان والنصب عطفًا على أن يكون أبلغ وبالرفع أي فأظن لفصاحته ببيان حجته (أنه صدق فأقضي له بذلك) الذي سمعته منه (فمن قضيت) أي حكمت (له بحق مسلم) أي أو ذمي أو معاهد فالتعبير بالمسلم لا مفهوم له وإنما خرج مخرج الغالب كنظائره مما سبق (فإنما هي) أي القصة أو الحالة (قطعة) طائفة (من النار) أي من قضيت له بظاهر يخالف الباطن فهو حرام فلا يأخذن ما قضيت له لأنه يأخذ ما يؤول به إلى قطعة من النار فوضع المسبب وهو قطعة من النار موضع السبب وهو ما حكم له به (فليأخذها أو فليتركها) ولأبي ذر: أو ليتركها بإسقاط الفاء. قال النووي: ليس معناه التخيير بل هو للتهديد والوعيد كقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصّلت: ٤٠] انتهى. وتعقب بأنه إن أراد أن كلتا الصيغتين للتهديد فممنوع فإن قوله: فليتركها للوجوب وإن أراد الأولى وهو فليأخذها فلا تخيير فيها بمجردها حتى يقول ليس للتخيير ثم إن أو مما يشرك لفظًا ومعنى والتهديد ضد الوجوب. وأجيب: بأنه يحتمل إرادة الصيغتين لا على معنى أن كل واحدة منهما للتهديد بل الأمر للتخيير المستفاد من مجموعهما بدليل تنظيره بقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ وكلاهما نظير خذ من مالي درهمًا أو خذ دينارًا، وكذلك في معنى ذلك ﴿اعملوا ما شئتم﴾ لأنه ينحل إلى اعملوا خيرًا إن شئتم واعملوا شرًّا إن شئتم، والتهديد هو التخويف. ودلالة هذه الصيغ

стр. 3012

عليها إنما هي بقرينة خارجة عن اللفظ وهي ما قصد في الكلام من التخويف بعاقبة ذلك، ويحتمل أن الصيغة الأولى هي التي للتهديد وهو قريب من نحو "فليتبوّأ مقعده من النار" وحينئذٍ فأو للإضراب والصيغة الثانية على حقيقتها من الإيجاب أي بل ليدعها، وقد قال سيبويه: إن أو تأتي للإضراب بشرطين سبق نفي أو نهي وإعادة العامل والشرطان موجودان فيه لأنّا إذا حملنا فليأخذها على التهديد كأن معناه فلا يأخذها بل يدعها قاله في العدّة. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأحكام والشهادات وترك الحيل ومسلم في القضاء وأبو داود في الأحكام. ١٧ - باب إِذَا خَاصَمَ فَجَر هذا (باب) بالتنوين في ذم من (إذا خاصم فجر) وفي نسخة بترك تنوين باب. ٢٤٥٩ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا، أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». وبه قال: (حدّثنا بشر بن خالد) بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة العسكري قال: (أخبرنا محمد) غير منسوب ولأبي ذر محمد بن جعفر (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن عبد الله بن مرة) الهمداني الخارفي بخاء معجمة وراء وفاء الكوفي (عن مسروق) هو ابن الأجدع أبو عائشة الهمداني (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم ابن العاصي (﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (أربع) أي أربع خصال (من كنّ فيه كان منافقًا) عمليًّا لا إيمانيًّا أو منافقًا عرفيًّا لا شرعيًّا وليس المراد الكفر الملقي في الدرك الأسفل من النار (أو كانت فيه خصلة) أي خلة بفتح الخاء (من أربعة) ولأبي ذر: أربع (كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) يتركها (إذا حدّث) في كل شيء (كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) في الخصومة أي مال عن الحق والمراد به هنا الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان، وزاد في كتاب الإيمان: "إذا ائتمن خان" لكنه أسقطه هنا وأسقط "وإذا وعد" الخ … هناك لأن المسقط في الموضعين داخل تحت المذكور منهما فحصل من الروايتين خمس خصال. وفي حديث أبي هريرة في كتاب الإيمان أيضًا "آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان" فأسقط الغدر في المعاهدة، وفي رواية مسلم لحديث الباب الخلف في الوعد

стр. 3013

بدل الغدر كحديث أبي هريرة هذا فكأن بعض الرواة تصرف في لفظه لأن معناهما قد يتّحد، وعلى هذا فالمزيد الفجور في الخصومة وقد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث، ووجه الاقتصار على الثلاثة أنها مبنية على ما عداها إذ أصل الديانة ينحصر في ثلاثة: القول والفعل والنيّة. فنبّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النيّة بالخلف، لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد أما لو كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدا له رأي فهذا لم توجد منه صورة النفاق. وعند أبي داود والترمذي من حديث زيد بن أرقم: إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يفِ فلا إثم عليه. قال الكرماني: والحق أنها خمسة متغايرة عرفًا وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضًا، ووجه المحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن أما في الماليات وهو إذا ائتمن خان، وإما في غيرها فهو إما في حالة الكدورة وهو إذا خاصم فجر، وإما في حالة الصفاء فهو إما مؤكد باليمين وهو إذا عاهد أو لا فهو إما بالنظر إلى المستقبل وهو إذا وعد وإما بالنظر إلى الحال وهو إذا حدّث. وقال البيضاوي: يحتمل أن يكون هذا مختصًّا بأبناء زمانه فإنه ﷺ علم بنور الوحي بواطن أحوالهم وميز بين من آمن به صدقًا ومن أذعن له نفاقًا وأراد تعريف أصحابه عن حالهم ليكونوا على حذر منهم ولم يصرح بأسمائهم لأنه ﵊ علم أن منهم من سيتوب فلم يفضحهم بين الناس، ولأنه عدم التعيين أوقع في النصيحة وأجلب للدعوة إلى الإيمان وأبعد عن النفور، ويحتمل أن يكون عامًّا لينزجر الكل عن هذه الخصال على آكد وجه إيذانًا بأنها طلائع النفاق الذي هو أسمج القبائح كأنه كفر مموّه باستهزاء وخداع مع رب الأرباب ومسبب الأسباب، فعلم من ذلك أنها منافية لحال المسلمين فينبغي للمسلم أن لا يرتع حولها فإن من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه اهـ. وسئل الطيبي أيّ الرذائل أقبح؟ فأجاب بأنه الكذب. قال: ولذلك علّل عذابهم به في قوله: ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾ [البقرة: ١٠] ولم يقل بما كانوا يصنعون من النفاق ليؤذن بأن الكذب قاعدة مذهبهم وأسه، فينبغي للمؤمن المصدق أن يجتنب الكذب لأنه مُنافٍ لوصف الإيمان والتصديق ومنه الفجور في الخصومة. وقد سبق الحديث في علامة المنافق من كتاب الإيمان. ١٨ - باب قِصَاصِ الْمَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: يُقَاصُّهُ، وَقَرَأَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].

стр. 3014

(باب قصاص المظلوم) الذي أخذ ماله (إذا وجد مال ظالمه) الذي ظلمه هل يأخذ منه بقدر الذي له ولو بغير حكم حاكم وهي مسألة الظفر والمفتى به عند المالكية أنه يأخذ بقدر حقه إن أمن فتنة أو نسبة إلى رذيلة وهذا في الأموال وأما في العقوبات البدنية فلا يقتصّ فيها لنفسه وإن أمكنه لكثرة الغوائل. (وقال ابن سيرين) محمد مما وصله عبد بن حميد في تفسيره (يقاصّه) بتشديد الصاد المهملة أي يأخذ مثل ماله، (وقرأ) ابن سيرين (﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾) [النحل: ١٢٦] أي من غير زيادة ولا نقص. ٢٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَىَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ فَقَالَ: لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (عروة) بن الزبير بن العوّام (أن عائشة ﵂ قالت: جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة) أم معاوية أسلمت يوم الفتح وتوفيت في خلافة عمر ﵁ (فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان) صخر بن حرب زوجها والد معاوية (رجل مسيك) بكسر الميم وتشديد السين المهملة في المشهور عند المحدثين، وفي كتب اللغة الفتح والتخفيف أي بخيل شديد المسك لما في يده (فهل عليّ حرج) إثم (أن أطعم) بضم الهمزة وكسر العين (من الذي له عيالنا؟ فقال) ﵊: (لا حرج) لا إثم (عليك أن تطعميهم) أي بإطعامك إياهم (بالمعروف) أي بقدر ما يتعارف أن يأكل العيال. ومطابقة هذا الحديث للترجمة من جهة إذنه ﵊ لهند بالأخذ من مال زوجها أبي سفيان إذ فيه دلالة على جواز أخذ صاحب الحق من مال من لم يوفه أو جحده قدر حقه. وهذا الحديث قد مرّ ويأتي إن شاء الله تعالى في النفقات وفيه فوائد، وقوله في شرح السُّنَّة: إن من فوائده أن القاضي له أن يقضي بعلمه لأنه ﵊ لم يكلفها البيّنة فيه نظر لأنه إنما كان فتوى لا حكمًا، وكذا استدلال جماعة به على جواز القضاء على الغائب لأن أبا سفيان كان حاضرًا بالبلد. ٢٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «قُلْنَا لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا: إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ». [الحديث ٢٤٦١ - طرفه في: ٦١٣٧].

стр. 3015

وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (يزيد) بن أبي حبيب (عن أبي الخير) مرثد بالمثلثة ابن عبد الله اليزني (عن عقبة بن عامر) الجهني أنه (قال: قلنا للنبي ﷺ : إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا) بفتح أوله وإسقاط نون الجمع للتخفيف، ولأبي ذر: لا يقروننا أي لا يضيفوننا (فما ترى فيه؟ فقال) ﵊ (لنا): (إن نزلتم بقوم فأمر لكم) بضم الهمزة وكسر الميم (بما ينبغي للضيف فاقبلوا) ذلك منهم (فإن لم يفعلوا فخذوا منهم) وللكشميهني: فخذوا منه أي من مالهم (حق الضيف) ظاهره الوجوب بحيث لو امتنعوا من فعله أخذ منهم قهرًا. وحكي القول به عن الليث، وقال أحمد بالوجوب على أهل البادية دون القرى، ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي والجمهور أن ذلك سُنّة مؤكدة، وأجابوا عن حديث الباب بحمله على المضطرين فإن ضيافتهم واجبة تؤخذ من مال الممتنع بعوض عند الشافعي أو هذا كان في أول الإسلام حيث كانت المواساة واجبة، فلما اتسع الإسلام نسخ ذلك بقوله ﵊: "جائزته يوم وليلة" والجائزة تفضل وليست بواجبة، أو المراد العمال المبعوثون من جهة الإمام بدليل قوله: إنك تبعثنا فكان على المبعوث إليهم طعامهم ومركبهم وسكناهم يأخذونه على العمل الذي يتولونه لأنه لا مقام لهم إلا بإقامة هذه الحقوق. واستدلّ به المؤلّف على مسألة الظفر وبها قال الشافعي فجزم بالأخذ فيما إذا لم يمكن تحصيل الحق بالقاضي بأن يكون منكرًا ولا بيّنة لصاحب الحق. قال: ولا يأخذ غير الجنس مع ظفره بالجنس فإن لم يجد إلا غير الجنس جاز الأخذ وإن أمكن تحصيل الحق بالقاضي بأن كان مقرًّا مماطلاً أو منكرًا وعليه بيّنة أو كان يرجو إقراره لو حضر عند القاضي وعرض عليه اليمين فهل يستقل بالأخذ أم يجب الرفع إلى القاضي؟ فيه للشافعية وجهان أصحهما عند أكثرهم جواز الأخذ، واختلف المالكية والمفتى به عندهم أنه يأخذ بقدر حقه إن أمن فتنة أو نسبة إلى رذيلة، وقال أبو حنيفة: يأخذ من الذهب الذهب ومن الفضة الفضة ومن المكيل المكيل ومن الموزون الموزون ولا يأخذ غير ذلك. وفي سنن أبي داود من حديث المقدام بن معد يكرب قال، قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل ضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله". ورواه ابن ماجة بلفظ "ليلة الضيف واجبة فمن أصبح بفنائه فهو دين عليه فإن شاء اقتضى إن شاء ترك" فظاهره أنه يقتضي ويطالب وينصره المسلمون ليصل إلى حقه لا أنه يأخذ ذلك بيده من غير علم أحد. ١٩ - باب مَا جَاءَ فِي السَّقَائِفِ وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ.
следующие страницы →