Полный текст (8 298 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
الأجسام فالأجسام لا تتداخل ولأنه نار فكان يجب أن يحرق الإنسان. قيل أما حديثه فيجوز أن يكون شيئًا تميل إليه النفس كالسحر الذي توّق النفس إلى المسحور وإن لم يكن صوتًا وأما قوله: لو أنه دخل فيه لتداخلت الأجسام ولاحترق الإنسان فغلط لأنه ليس بنار محرقة وإنما أصل خلفتهم من نار والجسم اللطيف يجوز أن يدخل إلى مخاريق الجسم الكثيف كالروح عندكم والهواء الداخل في جميع الأجسام والجن جسم لطيف، وقيل: المراد بإجرائه مجرى الدم المجاز عن كثرة وسوسته فكأنه لا يفارقه كما أن دمه لا يفارقه وذكر أنه يلقي وسوسته في مسامّ لطيفة من البدن بحيث يصل إلى القلب.
وعن ابن عباس فيما رواه عبد الله بن أبي داود السجستاني قال: مثل الشيطان كمثل ابن عرس واضع فمه على فم القلب فيوسوس إليه فإذا ذكر الله خنس.
وعن عروة بن رويم أن عيسى ابن مريم دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فإذا برأسه مثل الحية واضع رأسه على ثمرة القلب فإذا ذكر الله خنس برأسه وإذا ترك مناه وحدثه.
وعن عمر بن عبد العزيز فيما حكاه السهيلي أن رجلاً سأل ربه أن يريه موضع الشيطان فرأى جسدًا يرى داخله من خارجه والشيطان في صورة ضفدع عند نغض كتفيه حذاء قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة وقد أدخله إلى قلبه يوسوس فإذا ذكر الله العبد خنس.
وعن أنس مرفوعًا "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإن ذكر الله خنس وإن نسي التقم قلبه" رواه ابن أبي الدنيا.
(وإني خشيت أن يقذف) الشيطان (في قلوبكما سوءًا أو قال شيئًا) فتهلكان فإن ظن السوء بالأنبياء كفر أعاذنا الله من ذلك ومن سائر المهالك بمنه وكرمه.
وهذا الحديث تقدم في الاعتكاف.
٣٢٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: "كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ، فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ. فَقَالُوا لَهُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ"؟
[الحديث ٣٢٨٢ - طرفاه في: ٦٠٤٨، ٦١١٥].
وبه قال: (حدّثنا عبدان) لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري المروزي (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي (عن سليمان بن صرد) بضم السين مصغرًا وصرد بضم الصاد المهملة وبعد الراء المفتوحة دال مهملة الخزاعي ﵁ أنه (قال: كنت جالسًا مع النبي ﷺ
стр. 3887
ورجلان) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف اسمهما (يستبان) يتشاتمان (فأحدهما احمر وجهه وانتفخت
أوداجه) من شدة الغضب والودج عرق في المذبح من الحلق وعبر بالجمع على حد قوله أزج
الحواجب (فقال النبي ﷺ ¬):
(إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد) من الغضب (لو قال أعوذ بالله من الشيطان) لم
يقل الرجيم (ذهب عنه ما يجد) لأن الغضب من نزعات الشيطان (فقالوا له: إن النبي ﷺ قال:
تعوذ بالله من الشيطان) في سنن أبي داود أن الذي قال له ذلك معاذ بن جبل (فقال: وهل بي
جنون؟) ظن أنه لا يستعيد من الشيطان إلا من به جنون ولم يعلم أن الغضب نوع من مس
الشيطان، ولذا يخرج به عن صورته ويزين له إفساد ماله كتقطيع ثوبه وكسر آنيته. وعند أبي داود
من حديث عطية السعدي يرفعه: إن الغضب من الشيطان. وقال النووي: هذا كلام من لم يفقه
في دين الله ولم يتهذب بأنوار الشريعة المطهرة ولعله كان من المنافقين أو من جفاة الأعراب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأدب وكذا مسلم وأبو داود، وأخرجه النسائي في اليوم
والليلة.
٣٢٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنِي، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ، وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ».
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ … مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا منصور) هو
ابن المعتمر (عن سالم بن أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة رافع الأشجعي مولاهم
الكوفي التابعي (عن كريب) بضم الكاف وفتح الراء آخره موحدة مصغرًا مولى ابن عباس (عن
ابن عباس) ﵄ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(لو أن أحدكم إذا أتى أهله) زوجته وهو كناية عن الجماع (قال: اللهم جنبني الشيطان)
بإفراد جنبني، وفي طريق موسى بن إسماعيل عن همام عن منصور السابقة قريبًا في هذا الباب،
وطريق علي بن المديني عن جرير عن منصور في باب التسمية على كل حال وعند الوقاع من
الطهارة قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان لكنه بواو قبل قال في هذا الباب (وجنب الشيطان ما
رزقتني) بالإفراد أيضًا والمراد الولد وإن كان اللفظ أعم (فإن كان بينهما ولد) في الطهارة فقضي
بينهما ولد (لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه). قال القاضي عياض: لم يحمله أحد على العموم في
جميع الضرر والإغواء والوسوسة. (قال) شعبة بن الحجاج: (وحدّثنا الأعمش) سليمان (عن سالم)
هو ابن أبي الجعد (عن كريب عن ابن عباس مثله). وفائدة ذكر هذا الإعلام بأن لشعبة فيه
شيخين.
стр. 3888
٣٢٨٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَىَّ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عَلَىَّ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ … فَذَكَرَهُ".
وبه قال: (حدّثنا محمود) هو ابن غيلان المروزي قال: (حدّثنا شبابة) بفتح الشين المعجمة وتخفيف الموحدة وبعد الألف موحدة أخرى ابن سوار الفزاري المروزي (حدّثنا شعبة عن محمد بن زياد) بكسر الزاي وتخفيف التحتية الجمحي (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه صلّى صلاة فقال): أي بعد أن فرغ من الصلاة:
(إن الشيطان عرض لي فشدّ علي يقطع الصلاة علي)، يحتمل أن يكون قطعها بمروره بين يديه وإليه ذهب الإمام أحمد في رواية عنه لأن النبي ﷺ حكم بقطع الصلاة من مرور الكلب الأسود فقيل: ما بال الأحمر من الأبيض من الأسود؟ فقال: الكلب الأسود شيطان الكلاب والجن يتصورون بصورته، ويحتمل أن يكون قطعها بأن يصدر من العفريت أفعال يحتاج إلى دفعها بأفعال تكون منافية للصلاة فيقطعها بتلك الأفعال.
وفي باب: الأسير أو الغريم يربط في المسجد من كتاب الصلاة من طريق روح ومحمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد: أن عفريتًا من الجن تفلت عليّ البارحة أو كلمة نحوها ليقطع علي الصلاة (فأمكنني الله منه فذكره). أي الحديث بتمامه وهو: فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه فذكرت قول أخي سليمان: ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ [ص: ٣٥] وفيه إشارة إلى أنه ﷺ كان يقدر على ذلك إلا أنه تركه رعاية لسليمان.
٣٢٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، فَإِذَا قُضِيَ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَقَلْبِهِ فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى لَا يَدْرِي أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا سَجَدَ سَجْدَتَىِ السَّهْوِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) بن واقد بالقاف أبو عبد الله الفريابي قال: (حدّثنا الأوزاعي) أبو عمر وعبد الرحمن بن عمرو (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(إذا نودي بالصّلاة أدبر الشيطان وله ضراط) زاد في باب إذا لم يدر كم صلّى ثلاثًا أو أربعًا حتى لا يسمع الأذان (فإذا قضي) الأذان (أقبل) الشيطان (فإذا ثوب بها) بالمثلثة أي أقيم (أدبر)
стр. 3889
الشيطان (فإذا قضي) التثويب (أقبل) الشيطان (حتى يخطر) بكسر الطاء المهملة. قال في الأساس: خطر الرجل برمحه إذا مشى به بين الصفين وهو يخطر في مشيه يهتز. قال الحماسي:
ذكرتك والخطي يخطر بيننا
والمعنى هنا أن الشيطان يدخل ويحجز (بين الإنسان وقلبه) بوسوسته (فيقول: اذكر كذا وكذا، حتى لا يدري) ذلك المصلي من الوسوسة (أثلاثًا) بالهمزة (صلّى أم أربعًا فإذا لم يدر ثلاثًا) بإسقاط الهمزة (صلّى أو أربعًا) بالواو وفي السابقة بالميم (سجد سجدتي السهو). قبل السلام بعد أن يأخذ بالأقل فيأتي بركعة يتم بها، ومبحث ذلك سبق في بابه.
٣٢٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ»
[الحديث ٣٢٨٦ - طرفاه في:٣٤٣١، ٤٥٤٨].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁¬) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(كل بني آدم يطعن الشيطان) بضم العين (في جنبيه) بالتثنية في الفرع وأصله ونسبها في فتح الباري لأبي ذر والجرجاني قال وللأكثر جنبه بالإفراد (بإصبعه) بالإفراد ولأبي ذر بإصبعيه بالتثنية في الفرع (حين يولد) زاد في آل عمران من طريق الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه (غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب). أي الجلدة التي يكون فيها الجنين وهي المشيمة وفي آل عمران: إلاّ مريم وابنها فقيل يحتمل اقتصاره هنا على عيسى دون ذكر أمه أنه بالنسبة إلى الطعن في الجنب وذاك بالنسبة إلى المس. قال في الفتح: والذي يظهر أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر والزيادة من الحافظ مقبولة، وزاد أيضًا في آل عمران وغيرها ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ [آل عمران: ٣٦] وفيه أنهما حفظًا ببركة دعاء حنة أم مريم ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى.
٣٢٨٧ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: "قَدِمْتُ الشَّأْمَ، قَالُوا: أَبُو الدَّرْدَاءِ، قَالَ: أَفِيكُمُ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد بن درهم أبو غسان النهدي الكوفي قال:
стр. 3890
(حدّثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (عن المغيرة) بن مقسم الضبي (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي الكوفي أنه (قال: قدمت الشام قالوا أبو الدرداء) اسمه عويمر بن مالك الأنصاري الخزرجي وفي نسخة بهامش الفرع فقلت من هاهنا؟ قالوا أبو الدرداء (قال): أي أبو الدرداء بعد مجيئه (أفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﷺ ؟) قيل بقوله ﵊ "ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" أو بقوله ﵊ المروي في الترمذي من حديث عائشة "ما خير عمار بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما" فكونه يختار الأرشد يقتضي أنه أجير من الشيطان الذي من شأنه أن يأمر بالغي.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ وَقَالَ: "الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ يَعْنِي عَمَّارًا".
[الحديث: ٣٢٨٧ - أطرافه في: ٣٧٤٢، ٣٧٤٣، ٣٧٦١، ٤٩٤٣، ٤٩٤٤، ٦٢٧٨].
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن مغيرة) بن مقسم إلى آخره (وقال الذي أجاره الله على لسان نبيه ﷺ يعني عمارًا). هو ابن ياسر وكان من السابقين الأوّلين إلى الإسلام.
٣٢٨٨ - قَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ أَخْبَرَهُ عن عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ تَتَحَدَّثُ فِي الْعَنَانِ -وَالْعَنَانُ الْغَمَامُ- بِالأَمْرِ يَكُونُ فِي الأَرْضِ، فَتَستمعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ فَتَقُرُّهَا فِي أُذُنِ الْكَاهِنِ كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ، فَيَزِيدُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذِبَةٍ».
(قال: وقال الليث) بن سعد الإمام مما وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي حاتم الرازي عن أبي صالح كاتب الليث عن الليث قال: (حدّثني) بالإفراد (خالد بن يزيد) من الزيادة السكسكي (عن سعيد بن أبي هلال) الليثي المدني (أن أبا الأسود) محمد بن عبد الرحمن (أخبره عروة) ولأبي ذر أخبره عن عروة (عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الملائكة تتحدّث) ولأبي ذر: تحدّث بإسقاط إحدى التاءين تخفيفًا (في العنان) بفتح العين المهملة متعلق بتتحدث (والعنان الغمام) جملة اعتراض بين المتعلق والمتعلق (بالأمر) حال كونه (يكون في الأرض في الأرض فتسمع) بغير تاء بعد السين ولأبي ذر عن الكشميهني فتستمع (الشياطين الكلمة) من الملائكة (فتقرها) بفتح الفوقية وضم القاف والراء المشددة (في أذن الكاهن) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: في آذان بالجمع الكاهن (كما تقر) بضم الفوقة وفتح القاف (القارورة) أي كما تطبق القارورة برأس الوعاء الذي يفرغ فيها أو يلقيها في آذان الكاهن كما يستقر الشيء في قراره أو يكون لما يلقيه حس كحس القارورة عند تحريكها على اليد أو على الصفا (فيزيدون معها) أي مع الكلمة (مائة كذبة). بفتح الكاف وسكون الذال، وفي الفرع
стр. 3891
بكسرها مع كشط فوق الذال وكذا في اليونينية بالكسر أيضًا، وزاد في ذكر الملائكة من عند أنفسهم.
وذكر الحديث موصولاً من غير هذا الوجه.
٣٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ».
[الحديث ٣٢٨٩ - طرفاه في: ٦٢٢٣، ٦٢٢٦].
وبه قال: (حدّثنا عاصم بن علي) اسم جده عاصم بن صهيب الواسطي مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن سعيد المقبري) بضم الموحدة (عن أبيه) كيسان (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(التثاؤب) بالمثلثة بعد الفوقية وبالهمزة وهو التنفس الذي ينفتح منه الفم لدفع البخارات المحتقنة في عضلات الفك (من الشيطان) لأنه ينشأ من الامتلاء وثقل النفس وكدورة الحواس ويورث الغفلة والكسل وسوء الفهم وذلك كله بواسطة الشيطان لأنه هو الذي يزين للنفس شهواتها فلذا أضيف إليه (فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع) قال في الفتح: أي يأخذ في أسباب رده وليس المراد أنه يملك رده لأن الذي وقع لا يردّ حقيقة، وقيل: المعنى إذا أراد أن يتثاءب، وقال الكرماني: أي ليكظم وليضع يده على الفم لئلا يبلغ الشيطان مراده من تشويه صورته ودخوله فمه (فإن أحدكم إذا قال ها) مقصور من غير همز حكاية صوت المتثائب (ضحك الشيطان) فرحًا بذلك.
وأخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ من مرسل يزيد بن الأصم: ما تثاءب النبي ﷺ قط، وعند الخطابي من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان ما تثاءب نبي قط.
٣٢٩٠ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ: أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أَىْ عِبَادَ اللَّهِ، أُخْرَاكُمْ. فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَىْ عِبَادَ اللَّهِ، أَبِي أَبِي. فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ".
[الحديث ٣٢٩٠ - أطرافه في: ٣٨٢٤، ٤٠٦٥، ٦٦٦٨، ٦٨٨٣، ٦٨٩٠].
وبه قال: (حدّثنا زكريا بن يحيى) أبو السكين الطائي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (قال هشام: أخبرنا عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: لما
стр. 3892
كان يوم) وقعة (أحد هزم المشركون فصاح إبليس أي عباد الله) يريد المسلمين (أخراكم) أي احذروا الذين من ورائكم متأخرين عنكم أو اقتلوهم ومراده عليه اللعنة تغليطهم ليقاتل المسلمون بعضهم بعضًا (فرجعت أولاهم) قاصدين لقتال أخراهم ظانين أنهم من المشركين (فاجتلدت) بالجيم فاقتتلت (هي وأخراهم فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان) بتخفيف الميم من غير ياء بعد النون يقتله المسلمون يظنونه من المشركين (فقال: أي عباد الله) هذا (أبي) هذا (أبي) لا تقتلوه وسقط الجلالة أي من عباد الله لغير أبي ذر كما في الفرع وأصله (فوالله ما احتجزوا) بالحاء الساكنة والفوقية والجيم المفتوحتين والزاي المضمومة ما انفصلوا عنه (حتى قتلوه. فقال حذيفة: غفر الله لكم). عذرهم لكونهم قتلوه وهم يظنونه من الكافرين. (قال عروة) بن الزبير: (فما زالت في حذيفة منه بقية خير) دعاء واستغفار لقاتل أبيه (حتى لحق بالله). وعند ابن إسحاق فقال حذيفة: قتلتم أبي؟ قالوا: والله ما عرفناه وصدقوا. فقال حذيفة: يغفر الله لكم فأراد رسول الله ﷺ أن يديه فتصدق حذيفة بدمه على المسلمين فزاده ذلك عند رسول الله ﷺ خيرًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والدّيات.
٣٢٩١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: "قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْتِفَاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسه الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ".
وبه قال: (حدّثنا الحسن بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة ابن سليمان أبو علي الكوفي البوراني قال: (حدّثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الكوفي (عن أشعث) بشين معجمة فعين مهملة فمثلثة (عن أبيه) سليم بضم السين وفتح اللام أبي الشعثاء المحاربي الكوفي (عن مسروق) هو ابن الأجدع الكوفي أنه (قال: قالت عائشة ﵂: سألت النبي ﷺ عن التفات الرجل) برأسه يمينًا أو شمالاً (في الصلاة فقال):
(هو اختلاس) اختطاف بسرعة (يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم). لأن الالتفات لما كان فيه ذهاب الخشوع استعير لذهابه اختلاس الشيطان تصويرًا لقبح ذلك بالمختلس لأن المصلي مستغرق في مناجاة مولاه وهو مقبل عليه والشيطان مراصد له منتظر لفوات ذلك فإذا التفت المصلي اغتنم الشيطان الفرصة فيختلسها منه.
وقد مرّ هذا الحديث في باب الالتفات من كتاب الصلاة.
٣٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ
стр. 3893
«الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ».
[الحديث ٣٢٩٢ - أطرافه في: ٥٧٤٧، ٦٩٨٤، ٦٩٨٦، ٦٩٩٥، ٦٩٩٦، ٧٠٠٥، ٧٠٤٤].
وبه قال: (حدّثنا أبو المغيرة) عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (قال: حدّثني) بالإفراد (يحيى) بن أبي كثير (عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه) أبي قتادة الحرث بن ربعي الأنصاري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬).
قال البخاري: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: وحدّثني (سليمان بن عبد الرحمن) المعروف بابن ابنة شرحبيل الدمشقي قال: (حدّثنا الوليد) بن مسلم الدمشقي قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن (قال: حدّثني) بالإفراد (يحين بن أبي كثير) بالمثلثة قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن أبي قتادة) صرح بتحديث أبي قتادة ليحيى (عن أبيه) أبي قتادة أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(الرؤيا الصالحة من الله) الصالحة صفة موضحة للرؤيا لأن غير الصالحة تسمى بالحلم أو مخصصة والصلاح إما باعتبار صورتها أو باعتبار تعبيرها (والحلم) بضم الحاء المهملة واللام وهو الرؤيا الغير الصالحة (من الشيطان) لأنه هو الذي يريها للإنسان ليحزنه ويسيء ظنه بربه (فإذا حلم أحدكم) بفتح الحاء واللام (حلمًا) بضم الحاء وسكون اللام (يخافه) في موضع نصب صفة لحلمًا (فليبصق عن يساره) طردًا للشيطان (وليتعوذ بالله من شرها) أي الرؤية السيئة (فإنها لا نضره).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التعبير والنسائي في اليوم والليلة.
٣٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ».
[الحديث ٣٢٩٣ - طرفه في: ٦٤٠٣].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن سمي) بضم السين المهملة وبفتح الميم وتشديد التحتية (مولى أبي بكر) أي ابن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي المدني (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في
стр. 3894
يوم مائة مرة كانت) ولأبي ذر عن الكشميهني كان أي القول المذكور (له عدل) بفتح العين أي مثل ثواب إعناق (عشر رقاب)، بسكون الشين وفي اليونينية بفتحها (وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزًا من الشيطان) بكسر الحاء المهملة أي حصنًا (يومه) نصب على الظرفية (ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك).
قال القاضي عياض: ذكر هذا العدد من المائة دليل على أنها غاية للثواب المذكور، وأما قوله: إلا أحد عمل أكثر من ذلك فيحتمل أن يراد الزيادة على هذا العدد فيكون لقائله من الفضل بحسابه لئلا يظن أنها من الحدود التي نهى عن اعتدائها وأنه لا فضل في الزيادة عليها كما في ركعات السنن المحدودة وإعداد الطهارة ويحتمل أن يراد بالزيادة من غير هذا الجنس من الذكر وغيره أي إلا أن يزيد أحد عملاً آخر من الأعمال الصالحة، وظاهر إطلاق الحديث يقتضي أن الأجر يحصل لمن قال هذا التهليل في اليوم متواليًا أو متفرقًا في مجلس أو مجالس في أول النهار أو في آخره: لكن الأفضل أن يأتي به متواليًا في أول النهار ليكون له حرزًا في جميع نهاره وكذلك في أول الليل ليكون له حرزًا في جميع ليله.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الدعوات وكذا مسلم والترمذي، وأخرجه ابن ماجه في ثواب التسبيح.
٣٢٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: "اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللاَّئي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ. قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ. ثُمَّ قَالَ: أَىْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ".
[الحديث ٣٢٩٤ - طرفاه في: ٣٦٨٣، ٦٠٨٥].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد) العدوي أبو عمرو المدني (أن محمد بن سعد بن أبي وقاص) الزهري أبا القاسم المدني نزيل الكوفة (أخبره أن أباه سعد بن أبي وقاص) مالك بن وهيب أحد العشرة ﵃ (قال: استأذن عمر) ﵁ (على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش) هن من أزواجه (يكلمنه) ﵊ (ويستكثرنه) من النفقة حال كونهن (عالية أصواتهن) زاد في المناقب على صوته،
стр. 3895
ولعله كان قبل تحريم رفع الصوت على صوته أو كان ذلك من طبعهن (فلما استأذن عمر) في الدخول (فمن) حال كونهن (يبتدرن الحجاب) أي يتسارعن إليه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: في الحجاب (فأذن له رسول الله ﷺ ¬) أن يدخل فدخل (ورسول الله ﷺ يضحك) جملة حالية (فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله) يريد لازم الضحك وهو السرور (قال) ﷺ :
(عجبت من هؤلاء اللاتي) بالمثناة الفوقية، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: اللائي بالهمزة بدل الفوقية (كن عندي) يتكلمن (فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب) هيبة منك (قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن) بفتح الهاء من الهيبة (ثم قال) عمر ﵁ لهن: (أي عدوّات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ¬) بفتح الهاء فيهما كالسابقة (قلن: نعم. أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ ¬). أفظ وأغلظ بالمعجمتين بصيغة أفعل التفضيل من الفظاظة والغلظة وهو يقتضي الشركة في أصل الفعل ويعارضه قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩] فإنه يقتضي أنه لم يكن فظًّا ولا غليظًّا. وفي حديث صفته في التوراة مما أخرجه البيهقي وغيره عن كعب الأحبار: ليس بفظ ولا غليظ. وأجاب الزركشي: بأن أفعل التفضيل قد يجيء لا للمشاركة في أصل الفعل كقولهم العسل أحلى من الخل. قال في المصابيح وهو كلام إقناعي لا تحرير فيه وتحريره أن لأفعل حالات.
إحداها: وهي الأصلية أن تدل على ثلاثة أمور. أحدها: اتصاف من هو له بالحدث الذي اشتق منه وبهذا المعنى كان وصفًا، والثاني مشاركة مصحوبة له في تلك الصفة، والثالث: تمييز موصوفة على مصحوبة فيها وبكل من هذين المعنيين فارق غيره من الصفات.
الحالة الثانية: أن يبقى على معانيه الثلاثة، ولكن يخلع منه قيد المعنى الثاني ويخلفه قيد آخر، وذلك أن المعنى الثاني وهو الاشتراك كان مقيدًا بتلك الصفة التي هي المعنى الأول فيصير مقيدًا بالزيادة التي هي المعنى الثالث. ألا ترى أن المعنى في قولهم: العسل أحلى من الخل أن للعسل حلاوة وأن تلك الحلاوة ذات زيادة وأن زيادة حلاوة العسل أكثر من زيادة حموضة الخل قاله ابن هشام في حاشية التسهيل وهو بديع جدًا.
الحالة الثالثة: أن يخلع منه المعنى الثاني وهو المشاركة، وقيد المعنى الثالث وهو كون الزيادة على مصاحبه فيكون للدلالة على الاتصاف بالحدث وعلى زيادة مطلقة لا مقيدة وذلك نحو قولك: يوسف أحسن أخوته اهـ.
وحاصله أن الأفظ هنا بمعنى فظ. قال في الفتح: وفيه نظر للتصريح بالرَجيح المقتضي لحمل أفعل على بابه، والجواب أن الذي في الآية يقتضي نفي وجود ذلك له صفة فلا يستلزم ما في الحديث بل مجرد وجود الصفة له في بعض الأحوال وهو عند إنكار المنكر مثلاً فقد أمره الله تعالى بالأغلاظ على الكافرين والمنافقين في قوله تعالى: ﴿واغلظ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣] فالنفي بالنسبة إلى المؤمنين والأمر بالنسبة إلى الكافرين والمنافقين أو النفي محمول على طبعه الكريم الذي
стр. 3896
جبل عليه والأمر محمول على المعالجة وكان عمر مبالغًا في الزجر عن المكروهات مطلقًا، وفي طلب المندوبات كلها فلذا قال النسوة له ذلك.
(قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًّا) بفاء مفتوحة فجيم مشددة طريقًا واسعًا (إلا سلك فجًّا غير فجك). قال النووي: هذا الحديث محمول على ظاهره وأن الشيطان يهرب إذا رآه. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون على سبيل ضرب المثل وأن عمر فارق سبيل الشيطان وسلك طريق السداد فخالف كل ما يحبه الشيطان، وسقط لأبي ذر: والذي نفسي بيده.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في فضل عمر ومسلم في الفضائل والنسائي في المناقب واليوم والليلة.
٣٢٩٥ - حَدَّثَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ -أُرَاهُ أَحَدُكُمْ- مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولغير أبي ذر حدَّثني بالإفراد (إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي ابن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوّام القرشي الأسدي الزبيري (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة بن دينار (عن يزيد) بن عبد الله بن أسامة بن الهاد (عن محمد بن إبراهيم) بن الحرث التميمي القرشي (عن عيسى بن طلحة) بن عبيد الله بن عثمان التميمي القرشي (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إذا استيقظ -أراه) بضم الهمزة أي أظنه (أحدكم- من منامه) سقط لأبي ذر عن الكشميهني أراه أحدكم (فتوضأ فليستنثر ثلاثًا) بأن يخرج ما في أنفه من أذى بنفسه بعد الاستنشاق لما فيه من تنقية مجرى النفس الذي به تلاوة القرآن، وبإزالة ما فيه تصح مجاري الحروف (فإن الشيطان يبيت على خيشومه) حقيقة لأن الأنف أحد المنافذ التي يتوصل منها إلى القلب لا سيما وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلق سواه وسوى الأذنين، وقد جاء في التثاؤب الأمر بكظمه من أجل دخول الشيطان حينئذٍ في الفم، ويحتمل أن يكون على الاستعارة فإنه ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذر يوافق الشيطان قاله القاضي عياض.
وقال التوربشتي والبيضاوي: الخيشوم هو أقصى الأنف المتصل بالبطن المقدم من الدماغ الذي هو موضع الحسن المشترك ومستقر الخيال فإذا نام تجتمع فيه الأخلاط وييبس عليه المخاط ويكل الحس ويتشوش الفكر فيرى أضغاث أحلام فإذا قام من نومه وترك الخيشوم بحاله استمر الكسل والكلال واستعصى عليه النظر الصحيح وعسر الخضوع والقيام على حقوق الصلاة وأدائها.
стр. 3897
ثم قال التوربشتي: ما ذكر هو من طريق الاحتمال وحق الأدب دون الكلمات النبوية التي هي مخازن لأسرار الربوبية ومعادن الحكم الإلهية أن لا يتكلم في هذا الحديث وأخواته لأن الله تعالى خصّ رسول الله ﷺ بغرائب المعاني وكاشفه عن حقائق الأشياء ما يقصر عن بيانه باع الفهم ويكلّ عن إدراكه بصر العقل اهـ.
وظاهر الحديث يقتضي أن يحصل هذا لكل نائم، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بمن لم يحترز من الشيطان بشيء من الذكر كما في حديث آية الكرسي: ولا يقربك شيطان.
وسقط للمستملي قوله: يبيت، وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي في الطهارة.
١٢ - باب ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ. لِقَوْلِهِ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿بَخْسًا﴾: نَقْصًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ. قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: سَيُحْضَرُونَ لِلْحِسَابِ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: عِنْدَ الْحِسَابِ.
(باب ذكر) وجود (الجن و) ذكر (ثوابهم) على الطاعات (و) ذكر (عقابهم) على المعاصي، وقد دلت على وجودهم نصوص الكتاب والسنة مع إجماع كافة العلماء في عصر الصحابة والتابعين عليه وتواتر نقله عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم تواترًا ظاهرًا يعلمه الخاص والعام فلا عبرة بإنكار الفلاسفة والباطنية وغيرهم ذلك، وفي المبتدأ لإسحاق بن بشر القرشي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: خلق الله تعالى الجن قبل آدم بألفي سنة.
وفي ربيع الأبرار للزمخشري عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق الخلق أربعة أصناف الملائكة والشياطين والجن والإنس، ثم جعل هؤلاء الأربعة عشرة أجزاء فتسعة منهم الملائكة وجزء واحد الشياطين والجن والإنس، ثم جعل هؤلاء الثلاثة عشرة أجزاء فتسعة منهم الشياطين وواحد الجن والإنس، ثم جعل الجن والإنس عشرة أجزاء فتسعة منهم الجن وواحد منهم الإنس". قال صاحب آكام المرجان: فعلى هذا تكون نسبة الإنس من الخلق كنسبة الواحد من الألف، ونسبة الجن من الخلق كنسبة التسعة من الألف، ونسبة الشياطين من الخلق كنسبة التسعين من الألف، ونسبة الملائكة من الخلق كنسبة التسعمائة من الألف، وقد ثبت في القرآن والسنة أن أصل الجن النار كما أن أصل الإنس الطين.
فإن قلت: إذا ثبت أنهم من النار فكيف تحرقهم الشهب عند استراقهم السمع والنار لا تحرق النار؟ أجيب: بأنه ليس المراد أن الجني نار حقيقة وإن كان أصله منها، كما أن الآدمي ليس
стр. 3898
طينًا وإن كان أصله منه، وفي حديث عروص الشيطان له في صلاته أنه خنقه حتى وجد برد ريقه على يده ولو كانت ذاته نارًا محرقة لما كان له ريق بارد بل ولا ريق أصلاً.
وقد اختلف في صفتهم فقال أبو يعلى بن الفراء: هم أجسام مؤلفة وأشخاص مركبة يجوز أن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة إذ لا يمكن معرفتها على التعيين إلا بالمشاهدة أو بإخبار الله تعالى أو رسوله ﷺ وكل مفقود، وقول المعتزلة: إنما هم أجسام رقيقة ولرقتهم لا نراهم مردود فإن الرقة ليست بمانعة عن الرؤية، ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكها، وقد روى إسحاق في المبتدأ عن عكرمة عن ابن عباس لما خلق الله سوميًا أبا الجن وهو الذي خلق من مارج من نار قال ﵎: تمنّ قال: أتمنى أن نرى ولا نرى وأن نغيب في الثرى وأن يصير كهلنا شابًّا. قال: فأعطي ذلك فهم يرون ولا يرون وإذا ماتوا غيبوا فى الثرى ولا يموت كهلهم حتى يعود شابًّا يعني مثل الصبي ثم يردّ إلى أرذل العمر اهـ.
فخلق الله تعالى في عيون الجن إدراكًا يرون به الإنس ولا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق لهم ذلك الإدراك قال تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف: ٢٧] وهو يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص.
قال ابن عساكر في كتاب الزهادة في طلب الشهادة فيما نقله عنه في الآكام: وممن ترد شهادته ولا تسلم له عدالته من يزعم أنه يرى الجن عيانًا ويدعي أن له منهم إخوانًا، ثم روى بسنده إلى حرملة قال: سمعت الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته لقوله تعالى في كتابه الكريم ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف: ٢٧] وعن الربيع سمعت الشافعي يقول من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلت شهادته لأن الله تعالى يقول: ﴿إنه يراكم﴾ الآية. إلا أن يكون نبيًا.
قال في الفتح: وهذا محمول على من يدعي رؤيتهم على صورهم التي خلقوا عليها، وأما من زعم أنه يراهم بعد أن يتصوروا على صورة شيء من الحيوان فلا، وقد تواترت الأخبار بتصورهم في صور شتى فيتصوّرون بصور بني آدم كما أتى الشيطان قريشًا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم. وفي صورة شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة. وفي صورة الحيات. ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "إن بالمدينة نفرًا من الجن فإذا رأيتم من هذه الهوام شيئًا فآذنوه ثلاثًا فإن بدا لكم فاقتلوه".
وفي صورة الكلاب. واختلف في ذلك فقيل: هو تخييل فقط ولا قدرة لهم على تغيير خلقتهم والانتقال في الصور، وإنما يجوز أن يعلمهم الله كلمات وضربًا من ضروب الأفعال إذا تكلموا بها وفعلوها نقلهم الله تعالى من صورة إلى صورة فيقال: إنهم قادرون على التصوير والتخييل على معنى أنهم قادرون على قول إذا قالوه نقلهم الله من صورة إلى أخرى، وأما تصوير
стр. 3899
أنفسهم فذلك محال لأن انتقال الصورة إلى أخرى إنما يكون ينقض البنية. وتفريق الأجزاء وإذا نقضت بطلت تلك الحياة واستحال وقوع الفعل بالجملة، وكذا القول في تشكل الملائكة وقد ذكر ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن أبي شيبة. قال ابن حجر: بإسناد صحيح أن الغيلان ذكروا عند عمر فقال: إن أحدًا لا يستطيع أن يتغير عن صورته التي خلقه الله تعالى عليها ولكن لهم سحرة كسحرتكم فإذا رأيتم ذلك فأذنوا.
وفي حديث عبد الله بن عبيد بن عمير قال: سئل رسول الله ﷺ عن الغيلان. قال "هم سحرة الجن". ورواه إبراهيم بن هراسة عن جرير بن حازم بن عبد الله بن عبيد عن جابر وصله.
وروى الطبراني بإسناد حسن عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن النبي ﷺ -قال: "الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات، وصنف يحلون ويظعنون". ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.
وفي حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف كبني آدم عليهم الحساب والعقاب. وخلق الله بني آدم أصنافًا: صنف منهم كالبهائم. قال الله تعالى: ﴿إن هم إلاّ كالأنعام بل هم أضل سبيلاً﴾ [الفرقان: ٤٤] وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله". قال ابن حبان: رواه يزيد بن سفيان الرهاوي عن أبي المنيب عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي الدرداء. ويزيد بن سفيان ضعفه يحيى وأحمد وابن المديني، واختلف في الجن هل يأكلون ويشربون؟ والصحيح الذي عليه الجمهور أنهم يأكلون ويشربون، ويدل لذلك الأحاديث الصحيحة والعمومات الصريحة.
منها: حديث أمية بن مخشي عند أبي داود: كان رسول الله ﷺ جالسًا ورجل يأكل ولم يسم حتى إذا لم يبق من طعامه إلا لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: "ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه".
وفي الصحيحين أن الجن سألوه ﷺ الزاد فقال: كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد أحدهم أوفر ما يكون لحمًا وكل بعر علف لدوابهم" وفي البخاري أن الروث والعظم طعام الجن.
وفي أبي داود: كل عظم لم يذكر اسم الله عليه فالأول محمول على الجن المؤمنين، والثاني في حق الشياطين. وفي هذا رد على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب، وتأول قوله ﷺ : "إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" على المجاز أي أكل يحبه الشيطان ويدعو إليه ويزينه. قال ابن عبد البر: وهذا ليس بشيء ولا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة
стр. 3900
بوجه ما، وأما قول بعضهم أكل الجن صحيح ولكنه تشمم واسترواح لا مضغ وبلع وإنما المضع والبلع لذوي الجثث فلا دليل عليه، وكونهم أجسادًا رقيقة لا يمنع أن يكونوا ممن يأكل ويشرب، وبالجملة فالقائلون إن الجن لا تأكل ولا تشرب إن أرادوا جميعهم فباطل لمصادمتهم الأحاديث الصحيحة، وإن أرادوا صنفًا منهم فمحتمل، لكن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون. وقول الله تعالى: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ [الرحمن: ٥٦] يدل على أنه يتأتى من الجن الطمث وهو الافتضاض وهو الجماع الذي يكون معه تدمية من الفرج أو المسيس بالمجامعة، وكذا قوله تعالى: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني﴾ [الكهف: ٥٠] فإنه يدل على أنهم يتناكحون لأجل الذرية ورقتهم لا تمنع من توالدهم إذا كان ما يلدونه رقيقًا ألا ترى أنا قد نرى من الحيوان ما لا يتبين للطافته إلا بالتأمل ولا يمنع ذلك من التوالد، وغالب ما توجد الجن في مواضع النجاسات كالحمامات والحشوش والمزابل، وكثير من أهل الضلالات والبدع المظهرين للزهد والعبادة على غير الوجه الشرعي يأوون إلى مواضع الشياطين المنهي عن الصلاة فيها يقع لهم فيها بعض مكاشفات لأن الشياطين تنزل عليهم فيها وتخاطبهم ببعض الأمر كما تخاطب الكهان، وكما كانت تدخل في الأصنام وتكلم عابديها.
واختلف هل هم مكلفون؟ فذهب الحشوية إلى أنهم مضطرون إلى أفعالهم وليسوا مكلفين، والذي عليه الجمهور أنهم مكلفون مخاطبون مثابون على الطاعات معاقبون على المعاصي (لقوله) : (﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾) في موضع رفع صفة لرسل (﴿يقصون عليكم آياتي﴾) [الأنعام: ١٣٠] إلى قوله: (﴿عما يعملون﴾) وسقط لأبي ذر إلى قوله: ﴿عما يعملون﴾ وقال: الآية ويحتمل أن تكون يقصون صفة ثانية لرسل وأن تكون في موضع نصب على الحال وصاحبها رسل وإن كان نكرة لتخصيصه بالوصف أو الضمير المستتر في منكم، وزعم الفراء أن في الآية حذف مضاف أي: ألم يأتكم رسل من أحدكم يعني من جنس الإنس كقوله تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح فالتقدير يخرج من أحدهما وإنما يحتاج إلى ذلك لأن الرسل عنده مختصة بالإنس يعني أنه يعتقد أن الله ما أرسل للجن رسولاً منهم بل إنما أرسل إليهم الإنس ولم يرسل من الجن إلا بواسطة رسالة الإنس لقوله تعالى: ﴿ولّوا إلى قومهم منذرين﴾ [الأحقاف: ٢٩] وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير مضاف، وإن قلنا: إن رسل الجن من الإنس لأنه يطلق عليهم رسل مجازًا لكونهم رسلاً بواسطة رسالة الإنس والإجماع على أن نبينا ﷺ مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، وتمسك قوم منهم الضحاك وقالوا: بعث إلى كل من الثقلين رسل منهم وإن الله تعالى أرسل إلى الجن رسولاً منهم اسمه يوسف. قال ابن جرير: وأما الذين قالوا بقول الضحاك فإنهم قالوا إن الله تعالى أخبر أن من الجن رسلاً أرسلوا إليهم، ولو جاز أن يكون خبره عن رسل الجن بمعنى أنهم رسل الإنس جاز أن يكون خبره عن رسل الإنس بمعنى أنهم رسل الجن. قالوا: وفي فساد هذا المعنى ما يدل على أن الخبرين جميعًا بمعنى الخبر عنهم أنهم رسل الله تعالى لأن ذلك هو المعروف في الخطاب دون غيره.
стр. 3901
قال في الآكام: ويدل لما قاله الضحاك حديث ابن عباس عند الحاكم قال: ومن الأرض مثلهن قال سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيساكم. قال الذهبي: إسناده حسن وله شاهد عند الحاكم أيضًا عن ابن عباس قال في قوله: ﴿سبع سماوات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢] قال في كل أرض نحو إبراهيم ﷺ . قال الذهبي: حديث على شرط الشيخين رجاله أئمة إذا تقرر أنهم مكلفون فهم مكلفون بالتوحيد وأركان الإسلام وأما ما عداه من الفروع فاختلف فيها لما ثبت من النهي عن الروث والعظم وإنهما زاد الجن.
واختلف هل يثابون على الطاعات؟ فروى ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ثواب الجن أن يجاروا من النار ثم يقال لهم: كونوا ترابًا. وروي عن أبي حنيفة نحوه، وذهب الجمهور وهو مذهب الأئمة الثلاثة أنهم يثابون على الطاعة. وعن مالك أنه استدلّ على أن عليهم العقاب ولهم الثواب بقوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ ثم قال: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ [الرحمن: ٤٦] والخطاب للإنس والجن، فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب. وهل يدخلون الجنة كالإنس؟ والجمهور على أنهم يدخلون ولا يأكلون فيها ولا يشربون، بل يلهمون التسبيح والتقديس. وحكاه الكمال الدميري عن مجاهد واستغربه. وقال الحرث المحاسبي: نراهم فيها ولا يرونا عكس ما في الدنيا وقيل: لا يدخلونها بل يكونون في ربضها وهذا مأثور عن مالك والشافعي وأحمد، وقيل: إنهم على الأعراف وتوقف بعضهم عن الجواب في هذا.
(﴿بخسًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسًا﴾ [الجن: ١٣] أي (نقصًا) قاله يحيى الفراء. والمراد النقص في الجزاء وفي الآية دليل على ثبوت أنهم مكلفون (قال) ولأبي الوقت وقال (مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: ﴿وجعلوا بينه﴾) (﴿وبين الجنة نسبًا﴾ قال): هم (كفار قريش) قالوا (الملائكة بنات الله وأمهاتهم) ولأبي ذر: وأمهاتهن والأولى أوجه (بنات سروات الجن) بفتحات أي ساداتهم (قال الله) : (﴿ولقد علمت الجنة إنهم﴾) أي قائلي هذا القول وهم الكفار (﴿لمحضرون﴾) [الصافات: ١٥٨] أي (ستحضر للحساب) وسمي الملائكة جنة لاجتنانهم عن الأبصار. (﴿جند محضرون﴾) [يس: ٧٥] في سورة يس أي (عند الحساب). ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: محضر بالإفراد والصواب الأول وهو لفظ القرآن.
٣٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَىْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
стр. 3902
ويه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد (عن مالك) الإمام (عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه) عبد الله (أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال له) أي لعبد الله (إني أراك تحب الغنم و) تحب (البادية)، الصحراء التي لا عمارة فيها لأجل إصلاح الغنم بالرعي وهو في الغالب يكون فيها (فإذا كنت في) أي بين (غنمك) في غير بادية أو فيها (أو) في (باديتك) من غير غنم أو معها أو هو شك من الراوي (فأذنت بالصلاة) أي أعلمت بوقتها (فارفع صوتك بالنداء) بالأذان (فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن) أي غايته (جن ولا إنس ولا شيء) من حيوان أو جماد بأن يخلق الله تعالى له إدراكًا (إلا شهد له يوم القيامة) ليشتهر بالفضل وعلو الدرجة. (قال أبو سعيد) الخدري: (سمعته من رسول الله ﷺ ¬).
وسبق هذا الحديث في باب رفع الصوت بالنداء من كتاب الأذان والمراد منه هنا قوله فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن إلا شهد له إذ إنه يدل على أن الجن يحشرون يوم القيامة.
١٣ - باب قَوْلِ اللَّهَِ : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ﴿مَصْرِفًا﴾: مَعْدِلاً. ﴿صَرَفْنَا﴾: أَىْ وَجَّهْنَا
(باب قوله وسقط باب لغير أبي ذر (﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا﴾) دون العشرة والجمع أنفار (﴿من الجن﴾) [الأحقاف: ٢٩] (إلى قوله) جل وعلاً (﴿أولئك في ضلال مبين﴾) [الأحقاف: ٣٢] أي حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه (﴿مصرفًا﴾) أي (معدلاً) قاله أبو عبيدة ومراده قوله تعالى: ﴿ولم يجدوا عنها مصرفًا﴾ ﴿صرفنا﴾) في قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن﴾ قال المؤلّف: (أي وجهنا). وكان ذلك حين انصرف ﷺ راجعًا من الطائف إلى مكة حين يئس من ثقيف. وعن ابن عباس أن الجن كانوا سبعة من جن نصيبين فجعلهم رسول الله ﷺ رسلاً إلي قومهم. وعن مجاهد فيما ذكره ابن أبي حاتم: كانوا ثلاثة من حران وأربعة من نصيبين، وسمى منهم ابن دريد وغيره شاصر وماصر ومنشى وماشى والأحقب، وعند ابن إسحاق حسا ومسا وأنين والأخصم. وعند ابن سلام عمرو بن جابر، وذكر ابن أبي الدنيا زوبعة ومنهم سرق، وقيل إنهم كانوا اثني عشر ألفًا.
١٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الثُّعْبَانُ الْحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنْهَا، يُقَالُ الْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ: الْجَانُّ وَالأَفَاعِي وَالأَسَاوِدُ. ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ. يُقَالُ: ﴿صَافَّاتٍ﴾ بُسُطٌ أَجْنِحَتَهُنَّ. ﴿يَقْبِضْنَ﴾: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ
(باب قول الله تعالى ﴿وبث﴾) نشر وفرق (﴿فيها﴾) في الأرض (﴿من كل دابة﴾) [لقمان: ١٠] ما دب من الحيوان (قال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (الثعبان) في قوله
стр. 3903
تعالى: ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الأعراف: ١٠٧] (الحية الذكر منها) وقيد بالذكر لأن لفظ الحية شامل للذكر والأنثى. قال المؤلّف: (يقال الحيات أجناس: الجان) بتشديد النون الحية البيضاء، (والأفاعي) جمع أفعى وهي الأنثى من الحيات والذكر منها أفعوان بضم الهمزة والعين، (والأساود) جمع أسود. قال أبو عبيدة: حيّة فيها سواد وهي أخبث الحيات. وزعموا أن الحية تعيش ألف سنة وهي في كل سنة تسلخ جلدها. ومن غريب أمرها أنها إذا لم تجد طعامًا عاشت بالنسيم وتقتات به الزمن الطويل، وإذا كبرت صغر جرمها ولا ترد الماء ولا تريده إلا أنها لا تملك نفسها عن الشراب إذا شمته لما في طبعها من الشوق إليه فهي إذا وجدته شربت منه حتى تسكر، وربما كان السكر سبب هلاكها، وتهرب من الرجل العريان وتفرح بالنار وتطلبها طلبًا شديدًا وتحب اللبن حبًا شديدًا (﴿أخذ بناصيتها﴾) [هود: ٥٦] في قوله تعالى: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾ أي (في ملكه) بضم الميم في غير اليونينية والذي في اليونينية كسرها (وسلطانه) قاله أبو عبيدة. (يقال ْ ﴿صافات﴾) أي (بسط) بضم الموحدة والمهملة مرفوع منوّن (أجنحتهن) بنصب التاء (﴿يقبضن﴾) أي (يضربن بأجنحتهن). قاله أبو عبيدة أيضًا في قوله تعالى: ﴿أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن﴾ [الملك: ١٩].
٣٢٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ".
[الحديث ٣٢٩٧ - أطرافه في: ٣٣١٠، ٣٣١٢، ٤٠١٦].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا هشام بن يوسف) الصنعاني قال: (حدّثنا معمر، هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سالم عن ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يخطب على المنبر يقول):
(اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين) بضم الطاء المهملة وسكون الفاء تثنية طفية، وهو الذي على ظهره خطان أبيضان (والأبتر) الذي لا ذنب له أو قصيره أو الأفعى التي قدر شبر أو أكثر قليلاً (فإنهما يطمسان البصر) أي يمحوان نوره (ويستسقطان) بسينين مهملتين ساكنتين بينهما فوقية مفتوحة وضبب عليها في الفرع، وفي نسخة به: ويسقطان (الحبل). بفتح الحاء المهملة والموحدة أي الولد إذا نظرت إليهما الحامل. ومن الحيات نوع إذا وقع نظره على إنسان مات من ساعته وآخر إذا سمع صوته مات وإنما أمر بقتل ذي الطفيتين والأبتر لأن الشيطان لا يتمثل بهما قاله الداودي وهو متعقب بما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
٣٢٩٨ - "قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لأَقْتُلَهَا، فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ: لَا تَقْتُلْهَا فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ. فَقَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ، وَهْيَ
стр. 3904
الْعَوَامِرُ".
[الحديث ٣٢٩٨ - أطرافه في: ٣٣١١، ٣٣١٣].
(قال عبد الله) بن عمر ﵄ (فبينا) بغير ميم (أنا أطارد) أي أتبع وأطلب (حية لأقتلها) أي لأن اقتلها (فناداني أبو لبابة) بضم اللام وتخفف الموحدة. قال الكرماني: اسمه رفاعة على الأصح بكسر الراء وبالفاء ابن عبد المنذر الأوسي النقيب. وقال الحافظ ابن حجر: صحابي مشهور اسمه بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة، وقيل مصغر، وقيل بتحتية ومهملة مصغرًا وشذ من قال اسمه مروان (لا تقتلها. فقلت) له: (إن رسول الله ﷺ قد أمر بقتل الحيات قال): ولأبي ذر: فقال (إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت) أي اللاتي توجدن في البيوت لأن الجني يتمثل بها، وخصصه مالك ببيوت المدينة، وفي مسلم: إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه. فإنما هو شيطان. قال الزهري: (وهي العوامر). أي سكانها من الجن سمين لطول لبثهن فيها من العمر وهو طول البقاء.
٣٢٩٩ - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: فَرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ، أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ وَالزُّبَيْدِيُّ. وَقَالَ صَالِحٌ وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ وَابْنُ مُجَمِّعٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ".
(وقال عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد أي عن الزهري (فرآني أبو لبابة أو زيد بن الخطاب) أخو عمر على الشك في اسم الذي لقي عبد الله بن عمر. (وتابعه) أي تابع معمرًا (يونس) بن يزيد فيما وصله مسلم (وابن عيينة) سفيان مما وصله أحمد (وإسحاق) بن يحيى (الكلبي) فيما ذكره في نسخته (والزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة محمد بن الوليد الحمصي فيما وصله مسلم. (وقال صالح) هو ابن كيسان مما وصله مسلم وأبو عوانة (وابن أبي حفصة) محمد البصري مما ذكره في نسخته من طريق أبي أحمد بن عدي موصولة (وابن مجمع) بميم مضمومة فجيم مفتوحة فميم مشدّدة مكسورة إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري المدني مما وصله البغوي وابن السكن في كتاب الصحابة (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سالم عن ابن عمر: رآني) ولأبي ذر عن المستملي فرآني (أبو لبابة وزيد بن الخطاب). كلاهما من غير شك.
وهذا الحديث أخرجه مسلم.
١٥ - باب خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ
هذا (باب) بالتنوين (خير مال المسلم غنم) اسم جن يشمل المذكور والإناث (يتبع) بسكون الفوقية (بها شعف الجبال) بفتح الشين المعجمة والعين المهملة أعلاها.
٣٣٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
стр. 3905
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة) الأنصاري (عن أبيه عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(يوشك) بكسر المعجمة يقرب (أن يكون خير مال الرجل) ولأبي ذر المسلم بدل الرجل (غنم) رفع اسم كان مؤخرًا نكرة موصوفة ونصب خير خبرها مقدّمًا. وفي اليونينية في نسخة غنمًا نصب خبرها خير رفع اسمها ويجوز رفعها على الابتداء والخبر ويقدّر في يكون ضمير الشأن (يتبع بها شعف الجبال) رؤوسها (ومواقع القطر)، بطون الأدوية والصحارى أي يتبع بها مواقع العشب والكلأ في شعاف الجبال حال كونه (يفر بدينه من الفتن). طلبًا لسلامته لا لقصد دنيوي والباء للمصاحبة أو للسببية.
وهذا الحديث سبق في باب من الدين الفرار من الفتن.
٣٣٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ، وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ».
[الحديث ٣٣٠١ - أطرافه في: ٣٤٩٩، ٤٣٨٨، ٤٣٨٩، ٤٣٩٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(رأس الكفر نحو المشرق)، بنصب نحو لأنه ظرف وهو مستقر في محل رفع خبر المبتدأ، ولأبي ذر عن الكشميهني: قبل المشرق أي أكثر الكفرة من جهة المشرق وأعظم أسباب الكفر منشؤه منه ومنه يخرج الدجال. قال في الفتح: وفي ذلك إشارة إلى شدة كفر المجوس لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة وكانوا في غاية القوّة والتكبر والتجبر حتى مزق ملكهم كتاب النبي ﷺ إليه واستمرت الفتن من قبل المشرق (والفخر) بالخاء المعجمة كإعجاب النفس (والخيلاء) بضم الخاء المعجمة وفتح التحتية ممدودًا الكبر واحتقار الغير (في أهل الخيل والإبل والفدّادين) بفتح الفاء والدال المشددة المهملة وحكي تخفيفها وبعد الألف أخرى مخففة مكسورة. قال في القاموس. الفداد مالك المئين من الإبل إلى الألف والمتكبر والجمع الفدادون وهم أيضًا الجمالون والرعيان والبقارون والحمارون والفلاحون وأصحاب الوبر والذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم والمكثرون من الإبل، وقال الخطابي: إن رؤيته
стр. 3906
بتشديد الدال فهو جمع فداد وهو الشديد الصوت وذلك من دأب أصحاب الإبل وإن رويته بتخفيفها فهو جمع الفدان وهو آلة الحرث البقر، وعلى هذا فالمراد أصحاب الفدادين فهو على حذف مضاف وإنما ذم ذلك لأنه يشغل عن أمر الدين ويلهي عن الآخرة وذلك يفضي إلى قساوة القلب، وقال القرطبي: ليس في رواية الحديث إلا التشديد وهو الصحيح على ما قاله الأصمعي وغيره. وقال ابن فارس: في الحديث الجفاء والقسوة في الفدادين أي أصحاب الحروث والمواشي.
(أهل الوبر)، بفتح الواو والموحدة بيان للفدادين أي ليسوا من أهل الحضر. بل من أهل البدو. قال في القاموس: المدر محركة المدن والحضر. (والسكينة) بفتح السين وتخفيف الكاف، وفي الفاموس بكسرها مشددة الطمأنينة. وقال ابن خالويه: السكينة مصدر سكن سكينة وليس في المصادر له شبيه إلا قولهم: عليه ضريبة أي خراج معلوم (في أهل الغنم) لأنهم في الغالب دون أهل الإبل في التوسع والكثرة وهما من سبب الفخر والخيلاء. وفي حديث أم هانئ المروي في ابن ماجه أن النبي ﷺ قال لها "اتخذي الغنم فإن فيها بركة".
٣٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: "أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ فَقَالَ: الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلَا إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ".
[الحديث ٣٣٠٢ - أطرافه في: ٣٤٩٨، ٤٣٨٧، ٥٣٠٣].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) هو القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي (قال: حدّثني) بالإفراد (قيس) هو ابن أبي حازم البجلي (عن عقبة بن عمرو أبي مسعود) الأنصاري البدري أنه (قال: أشار رسول الله ﷺ بيده نحو اليمن فقال):
(الإيمان يمان) مبتدأ وخبر وأصله يمني بياء النسبة فحذفوا الياء للتخفيف وعوضوا الألف بدلها أي الإيمان منسوب إلى أهل اليمن، وحمله ابن الصلاح على ظاهره وحقيقته لإذعانهم إلى الإيمان من غير كبير مشقة على المسلمين بخلاف غيرهم ومن اتصف بشيء وقوي إيمانه به نسب ذلك الشيء إليه إشعارًا بكمال حاله فيه، فكذا حال أهل اليمن حينئذٍ، وحال الوافدين منهم في حياته وفي أعقابه كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني وشبههما ممن سلم قلبه وقوي إيمانه فكانت نسبة الإيمان إليهم بذلك إشعارًا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي له عن غيرهم فلا منافاة بينه وبين قوله ﵊ "الإيمان في أهل الحجاز" ثم المراد بذلك الموجودون منهم حينئذٍ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه. وصرفه بعضهم عن ظاهره من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة ثم من المدينة حرسهما الله تعالى وردّني إليهما ردًّا جميلاً.
стр. 3907
وحكى أبو عبيد في ذلك أقوالاً فقيل: مكة لأنها من تهامة وتهامة من أرض اليمن، وقيل: مكة والمدينة، فإنه يروي في الحديث أنه ﷺ قاله وهو بتبوك ومكة والمدينة حينئذٍ بينه وبين اليمن وأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة فقال: الإيمان يمان فنسبهما إلى اليمن لكونهما حينئذٍ من ناحية اليمن، وقيل: المراد الأنصار لأنهم يمانيون في الأصل فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره وعورض بأن في بعض طرقه عند مسلم: أتاكم أهل اليمن والأنصار من جملة المخاطبين بذلك فهم إذًا غيرهم، وفي قوله في حديث الباب أشار بيده نحو اليمن إشارة إلى أن المراد به أهلها حينئذٍ لا الذين كان أصلهم منها.
(هاهنا ألا) بالتخفيف (أن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين) أي المصوتين (عند أصول أذناب الأبل) عند سوقهم لها (حيث يطلع قرنا الشيطان) بالتثنية جانبا رأسه لأنه ينتصب في محاذاة مطلع الشمس حتى إذا طلعت كانت بين قرني رأسه أي جانبيه فتقع السجدة له حين يسجد عبدة الشمس (في ربيعة ومضر) متعلق بالفدادين. وقال الكرماني: بدل منه. وقال النووي: أي القسوة في ربيعة ومضر الفدادين، والمراد اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر كما قال في الحديث الآخر: "رأس الكفر نحو المشرق". وكان ذلك في عهده ﷺ حين قال ذلك، ويكون حين يخرج الدجال من المشرق وهو فيما بينهما منشأ الفتن العظيمة ومثار الكفرة الترك العاتية الشديدة البأس.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الطلاق والمناقب والمغازي ومسلم في الإيمان.
٣٣٠٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) هو ابن سعد الإمام (عن جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل ابن حسنة القرشي (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال):
(إذا سمعتم صياح الديكة) بكسر الدال المهملة وفتح التحتية جمع ديك ويجمع في القلة على أدياك وفي الكثرة على ديوك وديكة (فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكًا) بفتح اللام رجاء تأمينه على دعائكم واستغفاره لكم وشهادته لكم بالتضرع والإخلاص فتحصل الإجابة وفيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين، وأعظم ما في الديك من الخواص العجيبة معرفة الأوقات الليلية فيقسط أصواته عليها تقسيطًا لا يكاد يغادر منه شيئًا سواء طال النهار أو قصر، ويوالي صياحه قبل الفجر وبعده، فسبحان من هداه لذلك، ولهذا أفتى القاضي حسين والمتولي والرافعي بجواز اعتماد الديك المجرب في أوقات الصلوات.
стр. 3908
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد أن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى الصلاة قال الحليمي: فيه دليل على أن كل من استفيد منه خير لا ينبغي أن يسب ويستهان بل حقه أن يكرم ويشكر ويتلقى بالإحسان، وليس معنى دعاء الديك إلى الصلاة أنه يقول بصراخه صلوا أو حانت الصلاة بل معناه أن العادة جرت أنه يصرخ صرخات متتابعة عند طلوع الفجر وعند الزوال فطرة فطره الله عليها فيذكر الناس بصراخه الصلاة، ولا يجوز لهم أن يصلوا بصراخه من غير دلالة سواها إلا من جرب منه ما لا يخلف فيصير ذلك له إشارة والله الموفق.
(وإذا سمعتم نهيق الحمار) جمعه حمير وحمر وأحمرة (فتعوذوا بالله من الشيطان) من شره وشر وسوسته (فإنه رأى شيطانًا) ولأبي ذر: فإنها رأت شيطانًا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الدعوات وأبو داود في الأدب والترمذي في الدعوات والنسائي في التفسير واليوم والليلة.
٣٣٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ -أَوْ أَمْسَيْتُمْ- فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا». قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَ مَا أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ وَلَمْ يَذْكُرْ «وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن راهويه كما عند أبي نعيم أو ابن منصور بن كوسج المروزي قال: (أخبرنا روح) بفتح الراء بعد الواو الساكنة حاء مهملة ابن عبادة (قال: أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح أنه (سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إذا كان جنح الليل) بضم الجيم وسكون النون ظلامه أو أول ظلامه (أو أمسيتم) بالشك من الراوي أي دخلتم في المساء (فكفوا صبيانكم) عن الانتشار (فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ) وربما يتعلقون بهم فيؤذونهم (فإذا ذهب) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فإذا ذهبت (ساعة من الليل فحلوهم) بالحاء المهملة المضمومة، ولأبي ذر عن المستملي والحموي: فخلوهم بالخاء المعجمة المفتوحة (وأغلقوا الأبواب) بقطع همزة وأغلقوا (واذكروا اسم الله) عليها (فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا). وهذا الحديث سبق في باب: صفة إبليس وجنوده.
(وقال) ابن جريج (وأخبرني) بالإفراد (عمرو بن دينار) أنه (سمع جابر بن عبد الله) يروي هذا الحديث (نحو ما أخبرني) بالإفراد (عطاء و) لكنه (لم يذكر) قوله (واذكروا اسم الله) كما ذكره عطاء في روايته.
стр. 3909
٣٣٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَإِنِّي لَا أُرَاهَا إِلاَّ الْفَأرَ: إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ. فَحَدَّثْتُ كَعْبًا فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ لِي مِرَارًا، فَقُلْتُ: أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟ ".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم البصري (عن خالد) ولغير أبي ذر حدّثنا خالد هو الحذاء (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(فقدت) بضم الفاء وكسر القاف مبنيًا للمفعول (أمة) رفع نائبًا عن الفاعل طائفة (من بني إسرائيل لا يدرى) بضم التحتية وفتح الراء (ما فعلت وإني لا أراها) بضم الهمزة لا أظنها (إلا الفأر) بإسكان الهمزة زاد مسلم في طريق أخرى عن ابن سيرين مسخ وآية ذلك (إذا وضع لها ألبان الأبل لم تشرب) لأن لحوم الإبل وألبانها حرمت على بني إسرائيل (وإذا وضع لها ألبان الشاء) أي الغنم (شربت) لأنها حلال لهم كلحمها وهو دليل على المسخ. قال أبو هريرة (فحدثت كعبًا) هو كعب الأحبار بذلك (فقال) لي (أنت سمعت النبي ﷺ يقوله؟) قال أبو هريرة (قلت) له: (نعم). سمعته (قال) ولأبي ذر: فقال أي كعب (لي) أنت سمعته من النبي ﷺ (مرارًا) قال أبو هريرة (فقلت) له (أفاقرأ التوراة؟) بهمزة الاستفهام الإنكاري. وعند مسلم قال: أفأنزلت عليّ التوراة أي أنا لا أقول إلا ما سمعته عن النبي ﷺ ولا أنقل عن التوراة، وقد اختلف في الممسوخ هل يكون له نسل أم لا؟ فذهب أبو إسحاق الزجاج وابن العربي أبو بكر إلى أن الموجود من القردة من نسل الممسوخ تمسكًّا بحديث الباب، وقال الجمهور: لا. وهو المعتمد لحديث ابن مسعود عند مسلم مرفوعًا: إن الله لم يهلك قومًا أو يعذب قومًا فيجعل لهم نسلاً وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك. وأجابوا عن حديث الباب بأنه ﵊ قاله قبل أن يوحى إليه بحقيقة الأمر في ذلك، ولذا لم يجزم به بخلاف النفي فإنه جزم به كما في حديث ابن مسعود.
ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في باب أيام الجاهلية بعون الله. وهذا الحديث أخرجه مسلم في أواخر صحيحه.
٣٣٠٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْوَزَغِ: الْفُوَيْسِقُ. وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ. وَزَعَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ".
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري مولاهم البصري نسبه لجده لشهرته به (عن ابن وهب) عبد الله أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (يحدث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال):
стр. 3910
(للوزغ) بفتح الواو والزاي جمع وزغة ويجمع أيضًا على أوزاغ ووزغان ووزاغ وأزغان وهي السام الأبرص وسميت بذلك لخفتها وسرعة حركتها واللام في قوله للوزغ بمعنى عن أي قال عن الوزغ (الفويسق) مصغرًا للذم والتحقير، وأصل الفسق الخروج ووصفت هذه بالفسق كالمذكورين في الحديث الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى لخروجها عن معظم غيرها من الحشرات بالإيذاء والإفساد. قالت عائشة: (ولم أسمعه) ﷺ (أمر بقتله) لا حجة فيه إذ لا يلزم من عدم سماعها عدم وقوعه فقد سمعه غيرها بل جاء عنها من وجه آخر عند الإمام أحمد وابن ماجه أنه كان في بيتها رمح موضوع فسئلت عنه فقالت: نقتل به الوزغ فإن النبي ﷺ أخبرنا أن إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه، فأمر النبي ﷺ بقتلها، لكن قال الحافظ ابن حجر: والذي في الصحيح أصح، ولعل عائشة سمعت ذلك من بعض الصحابة وأطلقت لفظ أخبرنا مجازًا أي أخبر الصحابة. قال عروة أو عائشة أو الزهري.
(وزعم) أي قال (سعد بن أبي وقاص) ﵁ (أن النبي ﷺ أمر بقتله). فعلى القول بأن عروة هو القائل يكون متصلاً لأن عروة سمع من سعد، وعلى الثاني يكون من رواية القرين عن قرينه، وعلى القول بأنه الزهري يكون منقطعًا قاله في الفتح مرجحًا للأخير بأن الدارقطني أخرجه في الغرائب من طريق ابن وهب عن يونس ومالك معًا عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (للوزغ فويسق). وعن ابن شهاب عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ، وقد أخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وابن حبان حديث عائشة من طريق ابن وهب وليس عندهم حديث سعد، وأخرج مسلم وأبو داود وأحمد وابن حبان من طريق معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أن النبي ﷺ أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقًا، فكان الزهري وصله لمعمر وأرسله ليونس قال: ولم أر من نبه على ذلك من الشراح ولا من أصحاب الأطراف فللَّهِ الحمد اهـ.
ورجح العيني احتمال كون عائشة هي القائلة. وزعم بمقتضى التركيب، ونقل الدميرى أن أصحاب الآثار ذكروا أن الوزغ أصم وأن السبب في صممه ما تقدم من نفخه النار على إبراهيم فصم لذلك وبرص.
وهذا الحديث سبق في باب: ما يقتل من الدواب من كتاب الحج.
٣٣٠٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بن الفضلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ أَخْبَرَتْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ".
[الحديث ٣٣٠٧ - طرفه في: ٣٣٥٩].
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي وسقط لغير أبي ذر ابن الفضل قال: (أخبرنا
стр. 3911
ابن عيينة) سفيان قال: (حدّثنا عبد الحميد بن جبير بن شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدري الحجبي المكي (عن سعيد بن المسيب أن أم شريك) غزية بضم الغين المعجمة وفتح الزاي مصغرًا عامرية قرشية أو أنصارية (أخبرته أن النبي ﷺ أمرها بقتل الوزغ).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في أحاديث الأنبياء ومسلم في الحيوان والنسائي وابن ماجه في الصيد.
٣٣٠٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَطْمِسُ الْبَصَرَ وَيُصِيبُ الْحَبَلَ».
تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنِ سَلَمَةَ: "أَخْبَرَنَا أُسَامَة"
[الحديث ٣٣٠٨ - طرفه في: ٣٣٠٩].
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) أبو محمد القرشي الهباري الكوفي من ولد هبار بن الأسود القرشي واسمه في الأصل عبد الله وعبيد لقب غلب عليه وعرف به قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵁) أنها (قالت: قال النبي) ولأبوي ذر والوقت: قال رسول الله (¬ ﷺ ¬):
(اقتلوا ذا الطفيتين) بضم المهملة وسكون الفاء من الحيات الذي على ظهره خطان كالخوصتين (فإنه يطمس البصر) يمحو نوره (ويصيب الحبل) أي يسقط الجنين إذا نظرت إليه الحامل (تابعه) أي تابع أبا أسامة (حماد بن سلمة) في روايته عن هشام فيما وصله أحمد عن عفان ولأبي ذر عن الكشميهني تابع حماد بن سلمة قال: (أخبرنا أسامة) وهذه المتابعة ثبتت لأبي ذر عن الحموي والمستملي.
٣٣٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الأَبْتَرِ وَقَالَ: إِنَّهُ يُصِيبُ الْبَصَرَ وَيُذْهِبُ الْحَبَلَ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن رامك الأسدي البصري قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام) أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: أمر النبي ﷺ بقتل الأبتر) القصير أو الذي لا ذنب له من الحيات (وقال):
(إنه يصيب البصر) أي يعميه (ويذهب الحبل) يسقط الجنين.
٣٣١٠ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ أَبِي يُونُسَ الْقُشَيْرِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ، ثُمَّ نَهَى قَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَدَمَ حَائِطًا لَهُ فَوَجَدَ فِيهِ سِلْخَ حَيَّةٍ فَقَالَ: انْظُرُوا أَيْنَ هُوَ فَنَظَرُوا فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَكُنْتُ أَقْتُلُهَا لِذَلِكَ".
стр. 3912
٣٣١١ - "فَلَقِيتُ أَبَا لُبَابَةَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَقْتُلُوا الْجِنَّانَ إِلاَّ كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْوَلَدَ وَيُذْهِبُ الْبَصَرَ فَاقْتُلُوهُ".
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم الصيرفي البصري قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم (عن أبي يونس) حاتم بن أبي صغيرة (القشيري) بضم القاف وفتح المعجمة نسبة إلى قشير بن كعب بن ربيعة (عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله (أن ابن عمر) ﵄ (كان يقتل الحيات) لعموم أمره ﷺ بقتلها (ثم نهى) بفتح النون والهاء يعني ابن عمر لسبب يأتي إن شاء الله تعالى (قال: إن النبي ﷺ هدم حائطًا له فوجد فيه سلخ حية) بكسر السين أي جلدها (فقال):
(انظروا أين هو فنظروا. فقال) ﵇: (اقتلوه) قال ابن عمر (فكنت أقتلها لذلك) أي الذي قاله ﵇ (فلقيت) ولأبي ذر: لذاك بغير لام قبل الكاف قال فلقيت (أبا لبابة) بن عبد المنذر الأوسي الصحابي (فأخبرني أن النبي ﷺ قال: لا تقتلوا الجنان) بكسر الجيم وتشديد النون وبعد الألف نون أخرى جمع جان وهو الحية البيضاء أو الصغيرة أو الرقيقة أو الخفيفة (إلا كل أبتر ذي طفيتين) خطين على ظهره (فإنه يسقط الولد) من بطن أمه إذا رأته (ويذهب البصر) يعميه (فاقتلوه).
واستشكل بما سبق اقتلوا ذا الطفيتين والأبتر بالواو إشارة إلى أنهما صنفان وهنا دال على أنه صنف واحد. وأجاب في الكواكب الدراري: بأن الواو للجمع بين الوصفين لا بين الذاتين فمعناه اقتلوا الحية الجامعة بين وصف الأبترية وكونها ذات الطفيتين كقولهم: مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة. قال: وأيضًا لا منافاة بين أن يرد الأمر بقتل ما اتصف بإحدى الصفتين وبقتل ما اتصف بهما معًا لأن الصفتين قد يجتمعان فيها وقد يفترقان اهـ.
قال في الفتح: إن كان الاستثناء في قوله إلّا كل أبتر متصلاً ففيه تعقب على من زعم أن ذا الطفيتين والأبتر ليسا من الجنان، ويحتمل أن يكون منقطعًا أي لكن كل ذي طفيتين فاقتلوه.
٣٣١٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ.
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد بن درهم أبو غسان النهدي الكوفي قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بفتح الجيم وحازم بالحاء المهملة والزاي (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) ﵄ (أنه كان يقتل الحيات) أخذًا بعموم قوله ﵇: "اقتلوا الحيات فمن تركهن مخافة ثأرهن فليس مني" رواه أبو داود.
٣٣١٣ - فَحَدَّثَهُ أَبُو لُبَابَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ الْبُيُوتِ، فَأَمْسَكَ عَنْهَا".
стр. 3913
(فحدثه أبو لبابة أن النبي ﷺ نهى عن قتل جنان البيوت) بكسر الجيم التي تأوي إلى البيوت وتكون فيها (فأمسك) ابن عمر (عنها).
١٦ - بَابَ إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءً وَخَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقع الذباب) بالمعجمة واحده ذبابة ولا تقل ذبابة (في شراب أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه) ولأبوي ذر والوقت في إحدى جناحيه (داء وفي الآخر) ولهما الأخرى (شفاء وخمس من الدواب) جمع دابة من دب على الأرض يدب دبيبًا (فواسق) صفة المبتدأ وهو خمس وخبره (يقتلن) بضم أوله مبنيًا للمفعول (في الحرم) ففي الحل أولى والتبويب وتاليه ثابت في الفرع لأبي ذر. قال الحافظ ابن حجر وقوله إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثابت في رواية السرخسي ولا معنى لذكره هنا. قال: ووقع عنده أيضًا باب: خمس من الدواب فواسق، وسقط من رواية غيره وهو أولى.
٣٣١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحُدَيَّا وَالْغُرَابُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا قال: (حدّثنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(خمس) أي من الدواب كما في الرواية الآتية (فواسق يقتلن في الحرم) والحل (الفأرة) بالهمز (والعقرب) وهو أصناف الجرارة والطيارة وما له من ذنب كالحربة وما له من ذنب معقف وفيها السود والخضر والصفر ولها ثمانية أرجل وعيناها في ظهرها، ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا المغشي عليه ولا النائم إلا أن يتحرك شيء من بدنه فإنها عند ذلك تضربه (والحديا)، بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وتشديد التحتية مقصورًا من غير همز تصغير حدأة كعنبة الطائر المعروف. قيل: وفي طبعها أنها تقف في الطيران وليس ذلك لغيرها من الكواسر (والغراب) وهو معروف وسمي بذلك لسواده ومنه قوله تعالى: ﴿وغرابيب سود﴾) [فاطر: ٢٧]. وهما لفظتان بمعنى واحد. والعرب تتشاءم به ولذلك اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب وغراب البين الأبقع. قال صاحب المجالسة: سمي غراب البين لأن بأن عنه نوح ﵇ لما وجهه إلى الماء فذهب ولم يرجع، وقال ابن قتيبة: سمي فاسقًا لتخلفه حين أرسله نوح ﵇ ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره ووقع على جيفة. (والكلب العقور) الجارح وهو معروف إذا عقر إنسانًا عرض له أمراض ردئية.
стр. 3914
وسبق هذا الحديث في كتاب الحج في باب ما يقتل المحرم من الدواب.
٣٣١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهْوَ مُحْرِمٌ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ: الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبي عبد الرَّحمن المدني مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح) لا إثم (عليه) في قتلهن (العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مهموزًا.
٣٣١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ كَثِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ رَفَعَهُ قَالَ: «خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ المَسَاءِ، فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ».
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَحَبِيبٌ عَنْ عَطَاءٍ: "فَإِنَّ لِلشَّيَاطِينِ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) أبو الحسن الأسدي البصري قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الجهضمي (عن كثير) بالمثلثة ابن شنظير بكسر الشين والظاء المعجمتين بينهما نون ساكنة وبعد التحتية الساكنة راء البصري وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وتوبع عليه كما في آخره وآخر في السلام على المصلي، وله متابع عند مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ رفعه) أي إلى النبي ﷺ أنه (قال) قال الكرماني: وإنما قال رفعه لأنه أعم من أن يكون بالواسطة أو بدونها وأن يكون الرفع مقارنًا لرواية الحديث أم لا. فأراد الإشارة إليه. وقال في الفتح: وقع عند الإسماعيلى من وجهين عن حماد بن زيد قال رسول الله ﷺ :
(خمّروا الآنية) بالخاء المعجمة والميم المشددة غطوها (وأوكوا الأسقية) بفتح الهمزة وسكون الواو وضم الكاف من غير همز شدوها بالوكاء وهو الخيط (وأجيفوا الأبواب) بفتح الهمزة وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة فاء أغلقوها (واكفتوا صبيانكم) بهمزة وصل وكسر الفاء بعدها فوقية، وفي بعض النسخ بضم الفاء أي ضموهم (عند العشاء) بكسر العين المهملة وضبب عليها في الفرع كأصله، ولأبوي ذر والوقت: عند المساء (فإن للجن) حينئذ (انتشارًا وخطفة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة وفتح الفاء أخذًا للشيء بسرعة (واطفئوا المصابيح) بهمزة قطع
стр. 3915
وسكون المهملة وكسر الفاء بعدها همزة مضمومة (عند الرقاد) أي عند إرادة النوم (فإن الفويسقة) الفأرة (ربما اجترت الفتيلة) من المصباح بالجيم الساكنة والفوقية والراء المشددة المفتوحتين (فأحرقت أهل البيت) والأوامر في هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة أو للندبية خصوصًا من ينوي بفعلها الامتثال.
(قال ابن جريج): عبد الملك بن عبد العزيز فيما وصله المؤلّف في أوائل هذا الباب، (وحبيب) بفتح الحاء المهملة المعلم فيما وصله أحمد وأبو يعلى من طريق حماد بن سلمة عنه كلاهما (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (فإن للشيطان) ولأبي ذر: فإن للشياطين بدل قوله فإن للجن ولا تضاد بينهما إذ لا محذور في انتشار المصنفين أو هما حقيقة واحدة يختلفان بالصفات قاله الكرماني.
٣٣١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَارٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحْرِهَا، فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا، فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا". وَعَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ .. مِثْلَهُ. قَالَ: "وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً". وَتَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ.
وَقَالَ حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبدة بن عبد الله) الصفار الخزاعي قال: (أخبرنا يحيى بن آدم) بن سليمان القرشي الكوفي صاحب الثوري (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي عم الأسود بن يزيد (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غار) بمنى (فنزلت) عليه (﴿والمرسلات عرفًا﴾) [المرسلات: ١]. (فإنا لنتلقاها من فيهِ) أي من فمه (إذ خرجت حية من جحرها) بتقديم الجيم المضمومة على الحاء المهملة الساكنة (فابتدرناها) تسابقنا إليها (لنقتلها فسبقتنا فدخلت جحرها فقال رسول الله ﷺ ¬)
(وقيت شركم كما وقيتم شرها) بضم الواو وتخفيف القاف مكسورة فيهما وشر نصب كلاهما. (و) روى هذا الحديث يحيى بن آدم (عن إسرائيل) بن يونس (عن الأعمش) سليمان بن مهران كما رواه عن منصور بن المعتمر كلاهما (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود (مثله. قال: وإنا لنتلقاها من فيه) ﷺ (رطبة) غضة طرية أوّل ما تلاها.
стр. 3916
(وتابعه) أي وتابع إسرائيل (أبو عوانة) الوضاح اليشكري في روايته (عن مغيرة) بن مقسم بكسر الميم فيما وصله في تفسير سورة المرسلات. (وقال حفص): هو ابن غياث مما وصله في الحج (وأبو معاوية) الضرير فيما وصله مسلم (وسليمان بن قرم) بفتح القاف وسكون الراء آخره ميم الضبي مما قال الحافظ ابن حجر لم أقف عليه موصولاً الثلاثة (عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود) بدل علقمة (عن عبد الله) يعني ابن مسعود، وسقط لغير أبي ذر عن عبد الله.
٣٣١٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خِشَاشِ الأَرْضِ». قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا نصر بن علي) الجهضمي الأزدي البصري قال: (أخبرنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي بالسين المهملة البصري قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين وفتح الموحدة (ابن عمر) بن حفص العمري (عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال):
(دخلت امرأة النار) قال في الفتح: لم أقف على اسمها، وفي رواية أنها حميرية، وفي أخرى أنها من بني إسرائيل ولا تضاد بينهما لأن طائفة من حمير دخلوا في اليهودية فنسبت إلى دينها تارة وإلى قبيلتها أخرى (في) أي بسبب (هرة) أنثى السنور وجمعها هرر مثل قربة وقرب (ربطتها) وفي باب: فضل سقي الماء من كتاب الشرب حبستها حتى ماتت جوعًا (فلم تطعمها) الفاء تفصيل وتفسير للربط (ولم تدعها) أي لم تتركها (تأكل من خشاش الأرض) بتثليث الخاء المعجمة في الفرع كأصله وبشينين معجمتين بينهما ألف أي حشراتها كالفأرة، وهذا مما استدركته عائشة على أبي هريرة وقالت له: أتدري ما كانت المرأة، وإن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث.
(قال) عبد الأعلى السامي: (وحدّثنا عبيد الله) بن عمر العمري (عن سعيد المقبري عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ مثله).
٣٣١٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: فَهَلاَّ نَمْلَةً وَاحِدَةً»؟
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي
стр. 3917
الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(نزل نبي من الأنبياء) عزير أو موسى (تحت شجرة فلدغته) بالدال المهملة والغين المعجمة قرصته (نملة) سميت نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قوائمها (فأمر بجهازه) بفتح الجيم وكسرها أي بمتاعه (فأخرج من تحتها) أي من تحت الشجرة (ثم أمر ببيتها) أي ببيت النملة. وفي الجهاد من طريق الزهري بقرية النمل أي موضع اجتماعها (فأحرق بالنار فأوحى الله) (إليه) إلى ذلك النبي ﷺ (فهلا) أحرقت (نملة واحدة)؟ وهي التي قرصتك دون غيرها إذ لم يقع منها ما يقتضي إحراقها. وقول النووي ولعله كان جائزًا في شريعة ذلك النبي قتل النمل والتعذيب بالنار متعقب بأنه لو كان جائزًا لم يعاتب أصلاً ورأسًا. ولا يجوز عندنا قتل النمل لحديث ابن عباس المروي في السنن: أن النبي ﷺ نهى عن قتل النملة والنحلة، لكن خص الخطابي النهي بالسليماني الكبير أما الصغير المسمى بالذر فقتله جائز، وكره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلاّ بالقتل.
وقال الدميري: قوله هلاًّ نملة واحدة دليل على جواز قتل المؤذي وكل قتل كان لنفع أو دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء ولم يخص تلك النملة التي لدغت من غيرها لأنه ليس المراد القصاص لأنه لو أراده لقال: هلاًّ نملتك التي لدغتك، ولكن قال: هلاًّ نملة فكأن نملة تعم البريء والجاني، وقد ذكر أن لهذه القصة سببًا وهو أن هذا النبي مرّ على قرية أهلكها الله بذنوب أهلها فوقف متعجبًا فقال: يا رب كان فيهم صبيان ودواب ومن لم يقترف ذنبًا ثم نزل تحت شجرة فجرت له هذه القصة فنبهه الله على أن الجنس المؤذي يقتل وإن لم يؤذ، والحاصل أن العقوبة من الله تعم فتصير رحمة على المطيع وطهارة له وشرًّا ونقمة على العاصي.
(لطيفة):
روى الدارقطني والحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ مما ذكره في حياة الحيوان أن النبي ﷺ قال: "لا تقتلوا النمل فإن سليمان ﵇ خرج ذات يوم يستسقي فإذا هو بنملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها تقول: اللهم إنّا خلق من خلقك لا غنى لنا عن فضلك. اللهم لا تؤاخذنا بذنوب عبادة الخاطئين واسقنا مطرًا تنبت لنا به شجرًا وأطعمنا ثمرًا. فقال سليمان ﵇ لقومه: ارجعوا فقد كفينا وسقيتم بغيركم".
١٧ - باب إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الأُخْرَى شِفَاءً
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقع الذباب) بالذال المعجمة (في شراب أحدكم فليغمسه) أي فيه
стр. 3918
(فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء) كذا لأبي ذر عن الحموي وسقط لغيره وهو أولى إذ لا تعلق للأحاديث اللاحقة بذلك كما ستراه قريبًا إن شاء الله تعالى.
٣٣٢٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً».
[الحديث ٣٣٢٠ - طرفه في: ٥٧٨٢].
وبه قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة البجلي الكوفي قال: (حدّثنا سليمان بن بلال) القرشي التيمي (قال: حدثني) بالإفراد (عتبة بن مسلم) بضم العين المهملة وسكون الفوقية وفتح الموحدة مولى بني تميم (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد بن حنين) بضم العين والحاء المهملتين مصغرتين مولى زيد بن الخطاب القرشي العدوي (قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ ¬):
(إذا وقع الذباب في شراب أحدكم) هو شامل لكل مائع وعند ابن ماجه من حديث أبي سعيد فإذا وقع الطعام، وعند أبي داود من حديث أبي هريرة: فإذا وقع في إناء أحدكم، والإناء يكون فيه كل شيء من مأكول ومشروب (فليغمسه) زاد في الطب كله وفيه رفع توهم المجاز في الاكتفاء بغمس بعضه والأمر للإرشاد لمقابلة الداء بالدواء (ثم لينزعه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ثم لينتزعه بزيادة فوقية قبل الزاي. وفي الطب ثم ليطرحه وفي البزار برجال ثقات أنه يغمس ثلاثًا مع قول بسم الله (فإن في إحدى جناحيه) بكسر الهمزة وسكون الحاء وهو الأيسر كما قيل (داء والأخرى) بضم الهمزة وهو الأيمن (شفاء) والجناح يذكر ويؤنث فإنهم قالوا: في جمعه أجنحة وأجنح فأجنحة جمع المذكر كقذال وأقذلة، وأجنح جمع المؤنث كشمال وأشمل. والحديث هنا جاء على التأنيث وحذف حرف الجر في قوله والأخرى، وفيه شاهد لمن يجيز العطف على معمولي عاملين كالأخفش، وبقية مبحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في الطب بمنّه وكرمه.
واستنبط من الحديث أن الماء القليل لا ينجس بوقوع ما لا نفس له سائلة فيه ووجهه كما نقل عن الشافعي أنه قد يفضي الغمس إلى الموت سيما إذا كان المغموس فيه حارًّا فلو نجسه لما أمر به لكن هذا الإطلاق قيده في المهمات بما إذا لم يتغير الماء به فإن تغير فوجهان. والصحيح أنه ينجس، وحكى في الوسيط عن التقريب قولاً فارقًا بين ما تعم به البلوى كالذباب والبعوض فلا ينجس وبين ما لا تعم كالعقارب والخنافس فينجس. وحكاه الرافعي في الصغير. قال الأسنوي: وهو متعين لا محيد عنه لأن محل النص فيه معنيان مناسبان عدم الدم المتعفن وعموم البلوى فكيف يقاس عليه ما وجد فيه أحدهما بل المتجه اختصاصه بالذباب لأن غمسه لتقديم الداء وهو مفقود في غيره.
стр. 3919
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الطب وابن ماجه فيه أيضًا.
٣٣٢١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «غُفِرَ لاِمْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، قَالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ -فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ الْمَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ».
[الحديث ٣٣٢١ - طرفه في: ٣٤٦٧].
وبه قال: (حدّثنا الحسن بن الصباح) بتشديد الموحدة أبو عليّ الواسطي قال: (حدّثنا إسحاق) بن يوسف الواسطي (الأزرق) قال: (حدّثنا عوف) الأعرابي (عن الحسن) البصري (وابن سيرين) محمد كلاهما (عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ¬) أنه (قال):
(غفر) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول أي غفر الله (لامرأة) لم تسم (مومسة) بميم مضمومة فواو ساكنة فميم مكسورة فسين مهملة زانية (مرت بكلب على رأس ركيّ) بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتية بئر لم تطو (يلهث) بالمثلثة يخرج لسانه عطشًا (قال: كاد يقتله العطش فنزعت خفّها) من رجلها (فأوثقته بخمارها) بكسر الخاء المعجمة بنصيفها (فنزعت له من الماء) استقت للكلب بخفها من الركية (فغفر لها بذلك) أي بسبب سقيها الكلب.
وفيه أن الله تعالى يتجاوز عن الكبيرة بالعمل اليسير تفضلاً منه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الطهارة والشرب والنسائي.
٣٣٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْتُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ كَمَا أَنَّكَ هَا هُنَا، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظته) أي الحديث (من الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (كما أنك هاهنا)، قال الكرماني: يعني كما لا يشك في كونك في هذا المكان كذلك لا شك في حفظي من قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الله) بضم العين مصغرًا ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود (عن ابن عباس عن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا تدخل الملائكة) غير الحفظة (بيتًا فيه كلب) يحرم اقتناؤه (ولا صورة) لحيوان أو الحكم عام في كل كلب وكل صورة.
وقد سبق هذا الحديث في باب: إذا قال أحدكم آمين.
стр. 3920
٣٣٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب). وفي مسلم من حديث عبد الله بن مغفل قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب ثم قال: "ما بالهم وبال الكلاب" ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم فحمل الأصحاب الأمر بقتلها على الكلب العقور، واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه منها فقال القاضي حسين وإمام الحرمين والماوردي في باب بيع الكلاب، والنووي في أول البيع من شرحي المهذّب ومسلم، لا يجوز قتلها. وقال في باب: محرمات الإحرام إنه الأصح وإن الأمر بقتلها منسوخ، وعلى الكراهة اقتصر الرافعي في الشرح وتبعه في الروضة وزاد كراهة تنزيه، ولكن قال الشافعي في الأم في باب الخلاف في ثمن الكلب واقتل الكلاب التي لا نفع فيها حيث وجدتها وهذا هو الراجح في المهمات ولا يجوز اقتناء الكلب الذي لا منفعة فيه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع والنسائي في الصيد وكذا ابن ماجه.
٣٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلاَّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري (عن يحيى) هو ابن أبي كثير قال: (حدثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف (أن أبا هريرة ﵁ حدّثه قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من أمسك كلبًا ينقص من) أجر (عمله كل يوم قيراط) ولمسلم: قيراطان والحكم للزائد لأنه حفظ ما لم يحفظه الآخر أو يحمل على نوع من الكلاب بعضها أشد أذى من بعض أو لمعنى فيهما أو أنه يختلف باختلاف المواضع فيكون القيراطان في المدائن ونحوها، والقيراط في البوادي أو يكون في زمنين فذكر القيراط أوّلاً ثم زاد التغليظ فذكر القيراطين، والمراد بالقيراط مقدار معلوم عند الله تعالى ينقص من أجر عمله (إلا كل حرث أو ماشية) غنم فيجوز وإلاّ هنا معنى غير صفة لكلب لا استثناء لتعذره، ويجوز أن تنزل النكرة منزلة المعرفة فيكون استثناء لا صفة كأنه قيل من أمسك الكلب قاله الطيبي. وأو للتنويع وقيس عليه إمساكها لحراسة الدور والدواب.
وهذا الحديث سبق في باب اقتناء الكلب للحرث من كتاب المزارعة.
стр. 3921
٣٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنّيَّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ. فَقَالَ السَّائِبُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِيْ وَرَبِّ هَذِهِ الْقِبْلَةِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا سليمان) هو ابن بلال (قال: أخبرني) بالإفراد (يزيد بن خصيفة) هو يزيد من الزيادة ابن عبد الله بن خصيفة بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة والفاء مصغرًا الكندي المدني ونسبه لجده (قال: أخبرني) بالإفراد (السائب بن يزيد) الكندي صحابي صغير أنه (سمع سفيان بن أبي زهير الشني) بفتح الشين المعجمة وكسر النون المشددة والتحتية المشددة، ولأبي ذر بالتنوين بفتح النون المخففة وزيادة واو مكسورة بعدها وفي نسخة الشنئي بفتح الشين والنون وبهمزة مكسورة نسبة إلى شنوءة (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول):
(من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا) أي لا ينفعه من جهة الزرع والضرع وفي القاموس الضرع معروف للظلف والخف أو للشاة والبقرة ونحوهما (نقص من عمله كل يوم قيراط فقال السائب) لسفيان بن أبي زهير: (أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال) سفيان: (إي ورب هذه القبلة). بكسر الهمزة حرف جواب بمعنى نعم، فيكون لتصديق الخبر وإعلام المستخبر ولوعد الطالب وتوصل باليمين ما وقع هنا، ولم يظهر له تعلق بعض هذه الأحاديث بترجمة الباب، وما ذكره الكرماني من قوله: إن هذا آخر كتاب بدء الخلق وإنه ذكر فيه ما ثبت عنده مما يتعلق ببعض المخلوقات فلا يخفى بعده. والله الموفق.
هذا آخر كتاب بدء الخلق وتم في يوم الأربعاء المبارك العشرين من شهر شوّال سنة عشر وتسعمائة، وأستودع الله تعالى نفسي وديني وابنتي وأحبابنا والمسلمين وأن يطيل أعمارنا في طاعته، ويلبسنا أثواب عافيته بمنه ورحمته، ويفرّج كربنا ويحسن عاقبتنا والمسلمين ويرفع هذا الطعن والطاعون والوباء عنا أجمعين، ويمن بإكمال هذا الكتاب على يدي ويجعله لوجهه الكريم وينفعني به والمسلمين والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 3922
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء
١ - باب خَلْقِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ
﴿صَلْصَالٌ﴾: طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ، فَصَلْصَلَ كَمَا يُصَلْصِلُ الْفَخَّارُ، وَيُقَالُ مُنْتِنٌ يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ، كَمَا يُقَالُ صَرَّ الْبَابُ وَصَرْصَرَ عِنْدَ الإِغْلَاقِ، مِثْلُ كَبْكَبْتُهُ يَعْنِي كَبَبْتُهُ. ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ. ﴿أَنْ لَا تَسْجُدَ﴾: أَنْ تَسْجُدَ. وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: إِلاَّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴿فِي كَبَدٍ﴾: فِي شِدَّةِ خَلْقٍ. ﴿وَرِيَاشًا﴾: الْمَالُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ. ﴿مَا تُمْنُونَ﴾: النُّطْفَةُ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾: النُّطْفَةُ فِي الإِحْلِيلِ. كُلُّ شَىْءٍ خَلَقَهُ فَهْوَ ﴿شَفْعٌ﴾: السَّمَاءُ شَفْعٌ. ﴿وَالْوِتْرُ﴾: اللَّهُ . ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾: فِي أَحْسَنِ خَلْقٍ، ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: إِلاَّ مَنْ آمَنَ. ﴿خُسْرٍ﴾: ضَلَالٌ، ثُمَّ اسْتَثْنَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ. ﴿لَازِبٍ﴾: لَازِمٌ. ﴿نُنْشِئَكُمْ﴾: فِي أَىِّ خَلْقٍ نَشَاءُ. ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نُعَظِّمُكَ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾: فَهْوَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾. ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾: فَاسْتَزَلَّهُمَا. وَ ﴿يَتَسَنَّهْ﴾: يَتَغَيَّرْ. ﴿آسِنٌ﴾: مُتَغَيِّرٌ. و ﴿الْمَسْنُونُ﴾ الْمُتَغَيِّرُ. ﴿حَمَإٍ﴾: جَمْعُ حَمْأَةٍ وَهْوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ. ﴿يَخْصِفَانِ﴾: أَخْذُ الْخِصَافِ ﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ وَيَخْصِفَانِ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ. ﴿سَوْآتُهُمَا﴾: كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيهِمَا. ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ هَا هُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ: مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ. ﴿قَبِيلُهُ﴾: جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ.
(باب) ذكر (خلق آدم) صلوات الله عليه وسلامه (و) ذكر خلق (ذريته) وفي نسخة صحيحة كما في اليونينية: كتاب الأنبياء وعددهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفًا أرسل منهم ثلاثمائة
стр. 3923
وثلاثة عشر كما صححه ابن حبان من حديث أبي ذر مرفوعًا صلوات الله عليهم، وفي أخرى كتاب أحاديث الأنبياء ﵈ باب: خلق آدم صلوات الله عليه وذريته.
(﴿صلصال﴾) [الحجر: ٢٦]. في قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من صلصال﴾ هو (طين) يابس (خلط برمل فصلصل) أي صوّت (كما يصلصل الفخار) يصوّت إذا نقر (ويقال منتن) بضم الميم (يريدون به صل) فضوعف فاء الفعل فصار صلصل (كما يقال) ولأبي ذر وأبي الوقت كما تقول (صرّ الباب) إذا صوّت (وصرصر عن الإغلاق) فضوعف فيه كذلك (مثل كبكبته) بتضعيف الكاف (يعني كببته) بتخفيف الموحدة الأولى وسكون الثانية.
(﴿فمرّت به﴾) [الأعراف: ١٨٩]. في قوله تعالى: ﴿فلما تغشاها﴾ أي جامع آدم حواء حملت حملاً خفيفًا فمرت به أي (استمر بها الحمل فأتمته) أي وضعته.
(﴿أن لا تسجد﴾) [الأعراف: ١٢]. في قوله تعالى ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ أي (أن تسجد) فلا صلة مثلها في لئلا يعلم مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود، وقيل الممنوع عن الشيء مضطرًا إلى خلافه فكأنه قيل ما اضطرك إلى أن لا تسجد قاله في الأنوار.
(باب قول الله تعالى) وسقط لأبي ذر وفي روايته وأبي الوقت وقول الله تعالى: (﴿واذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾) [البقرة: ٣٠]. أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلاً بعد جيل كما قال تعالى: ﴿هو الذي جعلكم خلائف في الأرض﴾
[الأنعام: ١٦٥]. وأن المراد آدم لأنه خلف الجن وجاء بعدهم أو لأنه خليفة الله في أرضه لإقامة حدوده وتنفيذ قضاياه ورجح القول الأول بأنه لو كان المراد آدم نفسه لما حسن قول الملائكة "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء".
(قال ابن عباس) في قوله تعالى: (﴿لما﴾) بتشديد الميم (﴿عليها حافظ﴾) [الطارق: ٤] أي (إلا عليها حافظ) وهي قراءة عاصم وحمزة وابن عامر فلما بمعنى إلا الاستثنائية وهي لغة هذيل يقولون سألتك بالله لما فعلت بمعنى ألا فعلت، وهذا وصله ابن أبي حاتم وزاد عليها حافظ من الملائكة. وقال قتادة: هم حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك وقيل هو الله رقيب عليها.
(﴿في كبد﴾) [البلد: ٤]. أي (في شدة خلق) بفتح الخاء وسكون اللام رواه ابن عيينة في تفسيره عن ابن عباس بإسناد صحيح وأخرجه الحاكم في مستدركه وقيل لأنه يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة، وقيل لم يخلق الله خلفًا يكابد ابن آدم وهو مع ذلك أضعف خلق الله.
(﴿ورياشًا﴾) بفتح الياء وألف بعدها جمع ريش فهو كشع وشعاب وهي قراءة الحسن ولأبي ذر (وريشًا) بسكون الياء وإسقاط الألف وهي القراءة المتواترة في قوله تعالى: ﴿قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]. قال ابن عباس: الرياش هو (المال). رواه عنه
стр. 3924
ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة يقال تريش الرجل إذا تموّل (وقال غيره): غير ابن عباس (الرياش) بالألف (والريش) بإسقاطها (واحد وهو ما ظهر من اللباس) وعن ابن الأعرابي: كل شيء يعيش به الإنسان من متاع أو مال أو مأكول فهو ريش ورياش، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث والريش قد يطلق على سائر الأموال.
(﴿ما تمنون﴾) [الواقعة: ٥٨]. قال الفراء هي (النطفة في أرحام النساء). وقرئ تمنون بفتح التاء من منى النطفة بمعنى أمناها وقراءة الجمهور بضمها من أمنى. قال القرطبي: ويحتمل أن يختلف معناهما فيكون أمنى إذا أنزل عن جماع ومنى إذا أنزل عن احتلام.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿أنه على رجعه لقادر﴾) [الطارق: ٨]. هو (النطفة في الإحليل). قادر على أن يردّها فيه والضمير للخالق ويدل عليه خلق وقيل قادر على ردّ الماء في الصلب الذي خرج منه، وسقط لأبي ذر لفظ: إنه ولقادر (كل شيء خلقه فهو ﴿شفع﴾ السماء شفع) يعني أن كل شيء له مقابل يقابله فهو بالنسبة إليه شفع كالسماء والأرض والبر والبحر والجن والإنس ونحو هذا شفع. (﴿والوتر﴾) [الفجر: ٣] (الله وحدّه وهذا وصله الطبري عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين﴾ [الذاريات: ٤٩]. بنحوه وعن ابن عباس فيما أخرجه الطبري أيضًا من طرق صحيحة الوتر يوم عرفة والشفع يوم الذبح.
(﴿في أحسن تقويم﴾) قال مجاهد فيما أخرجه الفريابي أي (في أحسن خلق) بفتح الخاء منتصب القامة حسن الصورة (﴿أسفل سافلين﴾) [التين: ٤، ٥]. بأن جعلناه من أهل النار أو كناية عن الهرم والضعف فينقص عمل المؤمن عن زمن الشباب ويكون له أجره لقوله تعالى: ﴿إلا الدين آمنوا﴾ قال مجاهد: (إلا من آمن) أي لكن من آمن فالاستثناء منقطع، والمعنى ثم رددناه أسفل سافلين رددناه إلى أرذل العمر فنقص عمله فنقصت حسناته، لكن من آمن وعمل الصالحات ولازم عليها إلى زمن الهرم والضعف فإنه يكتب له بعدة مثل الذي كان يعمل في الصحة.
(﴿خسر﴾) في قوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خُسر﴾ [العصر: ٢]. أي (ضلال ثم استثنى فقال: إلا من آمن) فليس في ضلال قال مجاهد فيما أخرجه الفريابي وذكر بالمعنى وإلاّ فالتلاوة ﴿إلا الذين آمنوا﴾ وثبت لأبي ذر لفظ فقال.
(﴿لازب﴾) في قوله تعالى: ﴿إنّا خلقناهم من طين لازب﴾ [الصافات: ١١]. قال أبو عبيدة (لازم) بالميم. قال النابغة:
ولا تحسبون الشرّ ضربة لازب
أي لازم. وعن مجاهد فيما رواه الطبري لازق، وعن ابن عباس من التراب والماء فيصير طينًا يلزق فلعل تفسيره باللازم تفسير بالمعنى وأكثر أهل اللغة على أن الباء في اللازب بدل من الميم فهما بمعنى، وقد قرئ لازم بالميم لأنه يلزم اليد وقيل اللازب المنتن.
стр. 3925
(﴿ننشئكم﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وننشئكم فيما لا تعلمون﴾ [الواقعة: ٦١]. أي (في أي خلق نشاء) أي من الصور والهيئات. وقال الحسن: أي نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم.
(﴿نسبح بحمدك﴾) [البقرة: ٣٠]. يريد قوله: ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ قال مجاهد: أي (نعظمك) بأن نبرئك من كل نقص فنقول: سبحان الله وبحمده. (وقال أبو العالية): رفيع بن مهران الرياحي فيما وصله الطبري بإسناد حسن في قوله تعالى: (﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾) [البقرة: ٣٧]. (فهو قوله) تعالى: (﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾) [الأعراف: ٢٣]. الآية. (﴿فأزلهما﴾) [البقرة: ٣٦]. أي (فاستزلهما) دعاهما إلى الزلة وهي الخطيئة لكنها صغيرة وعبر عنها في طه بقوله (وعصى) تعظيمًا للزلة وزجرًا لأولاده عنها (﴿ويتسنه﴾) في قوله تعالى: ﴿فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه﴾ [البقرة: ٢٥٩]. أي لم (يتغير) ولأبي ذر: يتسنه يتغير. (﴿آسن﴾) في قوله تعالى: ﴿من ماء غير آسن﴾ [محمد ﷺ : ١٥]. معناه متغير و (﴿المسنون﴾) في قوله تعالى: ﴿من حمأ مسنون﴾ [الحجر: ٢٦]. معناه (المتغير) من الطين (﴿حمأ﴾) بفتح الميم (جمع حمأة) بسكونها (وهو الطين المتغير) المسود من طول مجاورة الماء. وقوله: ﴿يتسنه﴾ لم يتغير ذكره بطريق التبعية للمسنون وهذا كله تفسير أبي عبيدة لا من تفسير أبي العالية ويحتمل أنه كان في الأصل بعد قوله: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقال غيره: فأزلهما.
(﴿يخصفان﴾) قال أبو عبيدة هو (أخذ الخصاف) بسكون خاء أخذ وضم الذال والخصاف بكسر الخاء وجر الفاء في الفرع كأصله وفي غيرهما أخذ الخصاف بفتح الخاء والذال وألف التثنية ونصب الفاء على المفعولية ﴿من ورق الجنة﴾ قال ابن عباس: من ورق التين (يؤلفان الورق ويخصفان) يلزقان (بعضه إلى بعض) ليسترا به عورتهما (﴿سوآتهما﴾ كناية عن فرجهما) ولأبي ذر: فرجيهما بفتح الجيم وتحتية ساكنة والضمير لآدم وحواء (﴿ومتاع إلى حين﴾) (الأنبياء: ١١١]. المراد به (هاهنا إلى يوم القيامة، والحين عند العرب: من ساعة إلى ما لا يحص عدده). كذا رواه الطبري عن ابن عباس بنحوه.
(﴿قبيله﴾) في قوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله﴾ [الأعراف: ٢٧] أي (جيله الذي هو منهم) كذا قاله أبو عبيدة. وعن مجاهد فيما ذكره الطبري الجن والشياطين.
٣٣٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ».
[الحديث ٣٣٢٦ - طرفه في: ٦٢٢٧].
следующие страницы →