عند الأكثرين حديث واحد وبعضهم جعله حديثين ما يتعلق بيونس حديثًا والآخر بباقيه.
٣٣٩٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ عَنِ ابْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا -يَعْنِي يومَ عَاشُورَاءَ- فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، وَهْوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى، وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ. فَقَالَ: أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ».
[الحديث ٣٣٩٧ - أطرافه في: ٢٠٠٤، ٣٩٤٣، ٤٦٨٠، ٤٧٣٧].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان (السختياني) بالسين المهملة المفتوحة وسكون الخاء المعجمة وفتح الفوقية والتحتية وبعد الألف نون البصري (عن ابن سعيد بن جبير) عبد الله (عن أبيه) سعيد (عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما) ولأبي ذر قال لما (قدم المدينة) من مكة مهاجرًا فأقام إلى يوم عاشوراء من السنة الثانية (وجدهم) يعني اليهود (يصومون يومًا يعني عاشوراء) بالمد عاشر المحرم على المشهور فقال ﷺ : "ما هذا الصوم"؟ (فقالوا هذا يوم عظيم وهو يوم) بالتنوين (نجى الله) (فيه موسى) وقومه من عدوّهم (وأغرق آل فرعون) في الميم وفي رواية وأغرق فيه فرعون وقومه (فصام موسى) بإسقاط ضمير النصب (شكرًا لله) وعند المؤلّف في الهجرة: ونحن نصومه تعظيمًا له (فقال) النبي ﷺ :
(أنا أولى بموسى منهم) أي من اليهود (فصامه وأمر) الناس (بصيامه). وقد سبق هذا الحديث في الصيام.
٢٥ - باب
قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يُقَالُ دَكَّهُ: زَلْزَلَهُ فَدُكَّتَا، فَدُكِكْنَ جَعَلَ الْجِبَالَ كَالْوَاحِدَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ وَلَمْ يَقُلْ كُنَّ رَتْقًا: مُلْتَصِقَتَيْنِ. ﴿أُشْرِبُوا﴾ ثَوْبٌ مُشَرَّبٌ مَصْبُوغٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿انْبَجَسَتْ﴾: انْفَجَرَتْ. ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾: رَفَعْنَا.
(باب قول الله تعالى ﴿وواعدنا﴾) بألف بعد الواو (﴿موسى ثلاثين ليلة﴾) ذا القعدة (﴿وأتممناها بعشر﴾) من ذي الحجة (﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾). روي أن موسى ﵊ وعد بنى إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين فلما أتم أنكر خلوف فمه فتسوّك
стр. 4027
فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله تعالى أن يزيد عليه عشرًا (﴿وقال موسى﴾) لما أراد الانطلاق إلى الجبل (﴿لأخيه هارون اخلفني في قومي﴾) كن خليفتي فيهم (﴿وأصلح﴾) أي ارفق بهم (﴿ولا تتبع سبيل المفسدين﴾) لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره (﴿ولما جاء موسى لميقاتنا﴾) لوقتنا الذي وقتناه. وقال الطيبي قيل لا بد هنا من تقدير مضاف أي لآخر ميقاتنا أو لانقضاء ميقاتنا (﴿وكلمه ربه﴾) من غير واسطة (﴿قال: رب أرني أنظر إليك﴾) أرني نفسك بأن تمكنني من رؤيتك وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، لا سيما ممن اصطفاه الله تعالى برسالته وخصه بكرامته وشرفه بتكليمه فيجب حمل الآية على أن ما اعتقد موسى جوازه جائز، لكن ظن أن ما اعتقد جوازه ناجز فرجع النفي في قوله (﴿قال لن تراني﴾) إلى الإنجاز.
فإن قلت: إن أرني يكفي في الطلب لأنه تعالى إذا أراه نفسه لا بد أن ينظر إليه فما فائدة إردافه بقوله أنظر إليك؟ أجيب: بأن فائدته التوكيد والكشف التام فإنه لما أردفه به أفاد طلب رفع المانع وكشف الحجاب والتمكن من الرؤية بحيث لا يختلف عنه النظر البتة ونحوه قولك نظرت بعيني وقبضت بيدي (إلى قوله ﴿وأنا أول المؤمنين﴾) [الأعراف: ١٤٢ - ١٤٣] قيل: معناه أنا أوّل من آمن بأنك لا ترى في الدنيا وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿وأتممناها﴾ إلى آخر ﴿لن تراني﴾ (يقال دكه): يريد تفسير قوله تعالى ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي (زلزله) وقال غيره: جعله مدكوكًا مفتتًا (فدكتا) بفتح الكاف وفي اليونينية بكسرها ولعله سبق قلم في قوله تعالى: ﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ [الحاقة: ١٤] أي (فدككن) بالجمع لأن الجبال جمع والأرض في حكم الجمع لكنه (جعل الجبال كالواحدة) فلذلك قيل فدكتا بالتثنية (كما قال الله : ﴿إن السماوات والأرض كانتا رتقًا﴾) [الأنبياء: ٣٠] بالتثنية في كانتا (ولم يقل كن رتقًا) بالجمع على القياس بل جعل كل واحدة منهما كواحدة (ملتصقتين ﴿أشربوا﴾) في قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [البقرة: ٩٣] (ثوب مشرب) أي مصبوغ يعني اختلط حب العجل بقلوبهم كما يختلط الصبغ بالثوب. (قال ابن عباس) مما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿انبجست﴾) أي (انفجرت) وفي قوله تعالى: (﴿وإذ نتقنا الجبل﴾) [الأعراف: ١٧١] أي (رفعنا). الجبل فوقهم روي أن موسى ﵇ لما رجع إلى قومه وقد أتاهم بالتوراة فأبوا أن يقبلوها ويعملوا بها، فأمر الله تعالى جبريل ﵇ أن يقلع جبلاً قدر عسكرهم وكان فرسخًا في فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرجل وكانوا ستمائة ألف وقال: إن لم تقبلوها وإلاً ألقيت عليكم هذا الجبل.
٣٣٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ».
стр. 4028
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو بن يحيى) بفتح العين (عن أبيه) يحيى بن عمارة المازني الأنصاري (عن أبي سعيد) الخدري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الناس يصعقون) يغشى عليهم (يوم القيامة فأكون أول من يفيق) من الغشى (فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور). التي صعقها لما سأل الرؤية فلم يكلف بصعقة أخرى. وفيه فضيلة لموسى لكن لا يلزم من إفاقته قبل نبينا ﷺ أن يكون أفضل منه، بل قيل إن قوله: فلا أدري أفاق قبلي يحتمل أن ﵊ قاله قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض.
وتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في محله بعون الله تعالى، وفي نسخة هنا باب بالتنوين.
٣٣٩٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد الجعفي) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بسكون العين المهملة وفتح الميمين ابن راشد البصري (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن منبه الصنعاني (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم) بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة وفتح النون بعدها زاي أي لم ينتن قيل لأنهم كانوا أمروا بترك ادّخار السلوى فادخروه حتى أنتن فاستمر نتن اللحم من ذلك الوقت، وقيل لم يكن اللحم يخنز حتى منع بنو إسرائيل عن ادخاره فلما ادخروه اختنز عقوبة لهم (ولولا حوّاء) بالمد (لم تخن أنثى زوجها الدهر). لأنها رغبت آدم في أكل الشجرة بعد وسوسة إبليس فسرى في أولادها مثل ذلك.
وهذا الحديث سبق في أول أحاديث الأنبياء.
٢٦ - باب طُوفَانٍ مِنَ السَّيْلِ. وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ طُوفَانٌ
﴿الْقُمَّلُ﴾: الْحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ. ﴿حَقِيقٌ﴾ حَقٌّ. ﴿سُقِطَ﴾: كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ.
(طوفان) في قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان﴾ أي (من السيل) أي من كثرة الأمطار وفي نسخة باب طوفان من السيل و (يقال للموت الكثير) المتتابع (طوفان) وقيل الطاعون
стр. 4029
و (﴿القمل﴾) [الأعراف: ١٣٣] هو (الحمنان) بضم الحاء المهملة وسكون الميم ونونين بينهما ألف (يشبه صغار الحلم) بفتح الحاء المهملة واللام وهو القراد العظيم. (﴿حقيق﴾) [الأعراف: ١٠٥] قال أبو عبيدة أي (حق) وهذا على قراءة تشديد عليّ.
(﴿سُقِطَ﴾) في قوله تعالى: ﴿ولما سقط في أيديهم﴾ وفسره بقوله (كل من ندم فقد سقط في يده). قال في القاموس: وسقط في يده وأسقط مضمومتين زل وأخطأ وندم وتحير اهـ.
فإن النادم المتحسر يعض يده غمًا فتصير يده مسقوطًا فيها لأن فاه قد وقع فيها، وقيل من عادة النادم أن يطأطئ رأسه ويضع ذقنه على يده معتمدًا عليها ويصير على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه فكأن اليد مسقوط فيها، ومعنى في على فمعنى في أيديهم على أيديهم، وهذه اللفظة قد اضطربت أقوال أهل اللغة في أصلها فقال أبو مروان بن سراج اللغوي قول العرب سقط في يده مما أعياني معناه. وقال الواحدي: لم أر لأهل اللغة شيئًا في أصله وحدّه أرتضيه إلا ما ذكره الزجاج أنه بمعنى ندم وأنه نظم لم يسمع قبل القرآن ولم تعرفه العرب ولم يوجد في أشعارهم، ويدل على صحة ذلك أن شعراء الإسلام لما سمعوا هذا النظم واستعملوه في كلامهم خفي عليهم وجه الاستعمال لأن عادتهم لم تجر به قال أبو نواس:
ونشوة سقطت منها في يدي
وأبو نواس هو العالم النحرير فأخطأ في استعمال هذا اللفظ لأن فعلت لا يبنى إلا من فعل متعدّ وسقط لازم لا يتعدى إلا بحرف الصلة لا يقال سقطت كما لا يقال رغبت وغضبت، إنما يقال رغب فيّ وغضب عليّ. وذكر أبو حاتم سقط فلان في يده بمعنى ندم وهو خطأ مثل قول أبي نواس لأنه لو كان كذلك لكان النظم ولما سقطوا في أيديهم وسقط القوم في أيديهم كذا نقله ابن عادل في اللباب.
٢٧ - باب حَدِيثِ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى ﵉ -
(حديث الخضر) ولأبي ذر باب حديث الخضر (مع موسى ﵉.
٣٤٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى
стр. 4030
مُوسَى: بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجُعِلَ لَهُ الْحُوتُ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ يَتْبَعُ الْحُوتَ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. فَقَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن محمد) بفتح العين ابن بكير الناقد قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثني) بالإفراد (أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أن عبيد الله بن عبد الله) بضم عين الأول ابن عتبة (أخبره عن ابن عباس) ﵄ (أنه تمارى) أي تنازع وتجادل (هو والحرّ بن قيس الفزاري) بفتح الفاء (في صاحب موسى) الذي ذهب إليه وقال له هل أتبعك (قال ابن عباس: هو خضر) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين (فمرّ بهما) بالحر وابن عباس (أبي بن كعب) الأنصاري (فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت) تجادلت (أنا وصاحبي هذا) الحر بن قيس (في صاحب موسى الذي سأل السبيل) الطريق (إلى لقيه) بضم اللام وكسر القاف وتشديد التحتية (هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال) أبي: (نعم سمعت رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر يذكر شأنه (يقول):
(بينما) بالميم (موسى في ملإ) بالقصر جماعة (من بني إسرائيل) أولاد يعقوب (جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله) (إلى موسى) ﵇ (بلى عبدنا خضر) أي أعلم منك بشيء مخصوص (فسأل موسى) ربه (السبيل إليه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: إلى لقيه (فجعل) بضم الجيم مبنيًّا للمفعول (له الحوت آية) علامة على لقيه (وقيل له إذا فقدت الحوت) بفتح الفاء والقاف أي إذا غاب عن عينك (فارجع فإنك ستلقاه) فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثم انطلق معه بفتاه وقال له إذا فقدت الحوت فأخبرني (فكان يتبع الحوت) بسكون الفوقية ولأبي الوقت والأصيلي يتبع أثر الحوث (في البحر) أي ينتظر فقدانه فلما أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما فاضطرب الحوت في المكتل فسقط في البحر (فقال لموسى فتاه) يوشع بن نون (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أي فإني نسيت أن أخبرك بخبر الحوت (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) نسبه للشيطان تأدبًا مع الرب تعالى لأن نسبة النقص للنفس والشيطان أليق بمقام الأدب (فقال موسى) ﵇: (ذلك) الذي ذكرته (ما كنا نبغي) بالتحتية بعد الغين ولغير أبي ذر نبغ نطلب إذ هو علامة على لقي الخضر (فارتدّا) رجعا (على آثارهما) يقصان (قصصًا) حتى انتهيا إلى الصخرة (فوجدا خضرًا) نائمًا مسجى ثوبًا في جزيرة من جزائر البحر (فكان من شأنهما الذي قص الله) (في كتابه) في سورة الكهف.
وهذا الحديث قد سبق في باب ما ذكر في ذهاب موسى إلى الخضر من كتاب العلم.
عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ مَائِلاً -أَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ سُفْيَانُ كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ، فَلَمْ أَسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ "مَائِلاً" إِلاَّ مَرَّةً- قَالَ: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، عَمَدْتَ إِلَى حَائِطِهِمْ، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوْ كَانَ صَبَرَ يُقَصُّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا. وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ. ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرٍو أَوْ تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانٍ؟ فَقَالَ: مِمَّنْ أَتَحَفَّظُهُ، وَرَوَاهُ أَحَدٌ عَنْ عَمْرٍو غَيْرِي؟ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو بن دينار) المكي (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن جبير) بضم الجيم مصغرًا الكوفي (قال: قلت لابن عباس أن نوفًا) بفتح النون وسكون الواو وتنوين الفاء ابن فضالة بفتح الفاء والضاد المعجمة أبا يزيد القاص (البكالي) بكسر الموحدة وتخفيف اللام والكاف على الصواب، ونقل عن المهلب والصدفي وأبي الحسن بن سراج نسبة إلى بكال من حمير وضبطه أكثر المحدّثنين فما قاله عياض البكالي بفتح الموحدة وتشديد الكاف قال: وكذا قيدناه عن أبي بحر وابن أبي جعفر عن العذري وقاله أبو ذر نسبة إلى بكال بن دعمى (يزعم أن موسى صاحب الخضر) الذي قص الله عنهما في سورة الكهف (ليس هو موسى بني إسرائيل إنما هو موسى آخر) يسمى موسى بن ميشا بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب وموسى الثاني منوّن للفرق (فقال) ابن عباس: (كذب عدوّ الله) نوف فيما زعم قاله مبالغة في الإنكار والزجر وكان في شدة غضبه لا أنه يعتقد ذلك (حدّثنا أبي بن كعب عن النبي ﷺ ¬):
(إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أيّ الناس أعلم) أي منهم (فقال) بحسب اعتقاده (أنا) أعلم الناس وهذا أبلغ من قوله في الرواية السابقة هل تعلم أحدًا أعلم منك: قال: لا. فإنه نفى هناك علمه وفي هذه الرواية على البت (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) فيقول نحو الله أعلم (فقال) الله (له: بلى لي عبد) هو خضر (بمجمع البحرين) ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق (هو أعلم منك) أي بشيء مخصوص (قال) موسى (أي) أي يا (رب ومن لي به)؟ أي ومن يتكفل لي برؤيته (وربما قال سفيان) بن عيينة (أي رب وكيف لي به)؟ أي وكيف يتهيأ لي أن أظفر به (قال) تعالى: ﴿تأخذ حوتًا) مملوحًا (فتجعله في مكتل) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الفوقية زنبيل (حيثما فقدت الحوت) بفتح القاف (فهو) أي الخضر (ثم) بفتح المثلثة
стр. 4033
وتشديد الميم (وربما قال فهو ثمه) بزيادة هاء السكت الساكنة أي هناك (وأخذ) بالواو موسى (حوتا) مملوحًا (فجعله في مكتل) كما أمر (ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون) بالصرف كنوح (حتى أتيا) ولأبي ذر حتى إذا أتيا (الصخرة) التي عند ساحل مجمع البحرين ويقال ثمة عين تسمى بعين الحياة "وضعا رؤوسهما فرقد موسى واضطرب الحوت" أي تحرك لأنه أصابه من ماء عين الحياة (فخرج) من المكتل (فسقط في البحر فاتخذ سبيله) طريقه (في البحر سربًا) مسلكًا (فأمسك الله) (عن الحوت جرية الماء فصار) عليه (مثل الطاق) وفي نسخة في مثل الطاق (فقال: هكذا مثل الطاق) أي مثل عقد البناء قال الكرماني: معجزة لموسى والخضر (فانطلقا) موسى وفتاه (يمشيان بقية ليلتهما ويومهما) بنصب اليوم (حتى إذا كان من الغد قال) موسى (لفتاه) يوشع: (آتنا غداءنا) طعامنا الذي نأكله أوّل النهار (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا) تعبًا (ولم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث أمره الله) تعالى (قال له فتاه) يوشع: (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أن أخبرك بحياته وانتضاب الماء مثل الطاق وغيره (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) لها بهر العقل من عظيم القدرة (واتخذ سبيله في البحر) سبيلاً (عجبًا) مفعول ثان لاتخذ وهو كونه كالسرب (فكان للحوت) أي لدخول الحوت في الماء (سربًا) مسلكًا (ولهما) لموسى وفتاه (عجبًا) فإنه جمد الماء أو صار صخرًا (قال له موسى ذلك) الذي ذكرته (ما كنا نبغي فارتدّا على آثارهما) يقصان (قصصًا) أي (رجعا) في الطريق الذي جاءا فيه (يقصان آثارهما) قصصًا أي يتبعان آثار مسيرهما اتباعًا (حتى انتهيا إلى الصخرة) فذهبا يلتمسان الخضر (فإذا رجل) نائم (مسجى بثوب) أي مغطى كله به (فسلم موسى) أي عليه (فردّ عليه) الخضر السلام (فقال): أي الخضر (وأنى) وكيف (بأرضك السلام) وفي رواية وهل بأرضي من سلام قال الخضر: من أنت؟ (قال أنا موسى. قال) الخضر: (موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم) موسى بني إسرائيل قال ما شأنك قال (أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا) مفعول ثان لتعلمني ولم يرد أن يعلمه شيئًا من أمر الدين إذ الأنبياء لا يجعلون ما يتعلق بدينهم الذي تعبدت به أمتهم (قال يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه) جميعه (وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه) جميعه.
وهذا التقدير واجب دافع لمن استدلّ بقوله: إني على علم الخ بأن نبينا ﷺ اختص بجمع الشريعة، والحقيقة ولم يكن لغيره من الأنبياء إلا أحدهما لأنه يلزم منه خلو بعض أولي العزم غير نبينا من الحقيقة وإخلاء الخضر عن علم الشريعة ولا يخفى ما فيه، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في سورة الكهف من التفسير، ولا ريب أن العالم بالعلم الخاص لا يكون أعلم ممن له العلم العام وهو حكم الشرائع والتكاليف فإن ضرورة الناس تدعوهم إلى ذلك.
(قال) موسى للخضر (هل أتبعك؟ قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا) لأن موسى لا يصبر على ترك الإنكار إذا رأى ما يخالف الشرع (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا)؟ أي: وكيف تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك. وخبرًا تمييز أو مصدر لأن لم تحط به بمعنى لم تخبره (إلى قوله أمرًا) أي ولا أعصى لك أمرًا وفي اليونينية إمرًا
стр. 4034
بكسر الهمزة وكانت مفتوحة فكشطها مصححًا عليها (فانطلقا) موسى والخضر (يمشيان على ساحل البحر) ومعهما يوشع (فمرّت بهما سفينة كلموهم) بغير فاء (أن يحملوهم فعرفوا) أي أصحاب السفينة (الخضر فحملوه) وموسى وفتاه (بغير نول) بفتح النون أجرة (فلما ركبا) موسى والخضر (في السفينة جاء عصفور) بضم العين وحكي فتحها "فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين" قال له (الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله) أي من معلومه (إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر) ولفظ النقص هنا ليس على ظاهره وإنما معناه إن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما نقره هذا العصفور إلى ماء البحر فهو على التقريب إلى الأفهام (إذ أخذ) الخضر (الفأس) بالهمز (فنزع لوحًا) من ألواح السفينة (فلم) وفي الفرع كأصله قال: فلم (يفجأ موسى) ﵇ بعد أن صارت السفينة في لجة البحر (إلا وقد قلع) الخضر (لوحًا) من السفينة (بالقدوم) بفتح القاف وتشديد الدال في الفرع وأصله وضبطه الصغاني بالفتح والتخفيف فقال له (موسى): منكرًا عليه بلسان الشرع (ما صنعت)؟ هؤلاء (قوم حملونا) في سفينتهم (بغير نول) أجرة (عمدت) بفتح الميم (إلى سفينتهم فحرقتها لتغرق أهلها) فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها وقال لتغرق أهلها ولم يقل لتغرقنا. قال السفاقسي: فنسي نفسه واشتغل بغيره في حالة يقول فيها المرء: نفسي نفسي، واللام في لتغرق للعلة أو للصيرورة (لقد جئت شيئًا إمرًا) عظيمًا. (قال) الخضر مذكرًا لموسى بما سبق من الشرط (ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا) استفهام على سبيل الإنكار (قال) موسى للخضر: (لا تؤاخذني بما نسيت) يعني وصيته بأن لا يعترض عليه وهو اعتذار بالنسيان أو أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت (ولا ترهقني) أي لا تغشني (من أمري عسرًا) مفعول ثان لترهق (فكانت الأولى) وفي الكهف قال أي أبي، وقال رسول الله ﷺ "وكانت الأولى" (من موسى نسيانًا فلما خرجا) أي موسى والخضر (من البحر مروا) موسى والخضر ويوشع (بغلام) وضيء الوجه اسمه جيسون بالجيم المفتوحة والتحتية الساكنة والسين المهملة المضمومة وبعد الواو نون (يلعب مع الصبيان فأخذ الخضر برأسه فقلعه بيده وهكذا وأومأ سفيان) بن عيينة (بأطراف أصابعه) كأنه يقطف بها شيئًا (فقال له موسى): منكرًا عليه أشد من الأولى (أقتلت نفسًا زكية) بتشديد الياء من غير ألف وهي قراءة ابن عامر والكوفيين أي طاهرة من الذنوب قاله لأنه لم يرها أذنبت أو صغيرة لم تبلغ الحلم (بغير نفس) متعلق بقتلت (لقد جئت شيئًا نكرًا) منكرًا (قال) الخضر لموسى: (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا. قال) موسى: (إن سألتك عن شيء بعدها) بعد هذه المرة (فلا تصاحبني) وفارقني (وقد بلغت من لدني عذرًا) متعلق ببلغت، ولدني بضم الدال وتشديد النون ادخلوا نون الوقاية على لدن لتقيها من الكسر محافظة على سكونها (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية) أنطاكية أو غيرها (استطعما أهلها) واستضافوهم (فأبوا أن يضيفوهما)، مفعول به واستطعما جواب إذا وتكرير أهلها قيل للتأكيد وقيل للتأسيس (فوجدا فيها) في القرية (جدارًا يريد أن ينقض) مفعول الإرادة أي (مائلاً) وهذا من مجاز كلام العرب لأن الجدار لا إرادة له فالمعفى أنه دنا من
стр. 4035
السقوط (أومأ) الخضر (بيده هكذا وأشار سفيان) بن عيينة (كأنه يمسح شيئًا إلى فوق) بالضم.
قال علي بن عبد الله المديني (فلم أسمع سفيان يذكر مائلاً إلاّ مرة):
(قال) موسى (قوم أتيناهم) فاستطعمناهم واستضفناهم (فلم يطعمونا ولم يضيفونا عمدت) بفتح الميم في اليونينية ليس إلا (إلى حائطهم) المائل فأقمته (لو شئت لاتخذت) بهمزة وصل وتشديد التاء وفتح الخاء وهي قراءة غير المكي والبصري (عليه أجرًا) جعلاً (قال) الخضر: (هذا فراق بيني وبينك) أي الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبني أو الاعتراض الثالث أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته (سأنبئك) سأخبرك (بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا) لكونه منكرًا من حيث الظاهر.
(قال النبي ﷺ : وددنا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية (أن موسى كان صبر فقص الله علينا من خبرهما) ولأبوي ذر والوقت: فقص بضم القاف مبنيًا للمفعول. (قال سفيان) بن عيينة في روايته (قال النبي ﷺ يرحم الله موسى لو كان صبر يقص) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي لقص (علينا من أمرهما) وفي التفسير من طريق الحميد عن سفيان: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما.
(قال) في التفسير قال سعيد بن جبير وسقط قوله قال من اليونينية وثبت في فرعها (وقرأ ابن عباس أمامهم) بدل قراءة العامة وراءهم (ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) قال ابن المديني: (ثم قال لي سفيان: سمعته منه) أي من عمرو بن دينار (مرتين وحفظته منه. قيل لسفيان حفظته قبل أن تسمعه من عمرو) أي ابن دينار (أو تحفظته من إنسان)؟ قال الكرماني الشك من علي بن عبد الله. يعني قيل لسفيان حفظته أو تحفظته من إنسان قبل أن تسمعه من عمرو؟ (فقال): سفيان: (ممن أتحفظه. ورواه) أي أرواه (أحد من عمرو غيري) فحذف همزة الاستفهام (سمعته منه) من عمرو (مرتين أو ثلاثًا وحفظته منه).
وهذا الحديث سبق في باب ما يستحب للعالم إذا سئل من كتاب العلم.
٣٤٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الأَصْبَهَانِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ»: قَالَ الحَمَوِي: قَالَ مُحَمَّدُ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مَطَر الفَرْبَرِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنِ خَشرَم عَنْ سُفْيَانَ بطوله.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سعيد) بكسر العين (الأصبهاني) بفتح الهمزة والموحدة وفي نسخة ابن الأصبهاني قال: (أخبرنا ابن المبارك) عبد الله (عن معمر) هو ابن راشد (عن همام بن منبه) بكسر الموحدة المشددة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
стр. 4036
(إنما سمي الخضر) بفتح الراء وفي اليونينية وبالضم في فرعها خضرًا (أنه) ولأبي الوقت وابن عساكر والأصيلي لأنه أي الخضر (جلس على فروة بيضاء) ليس فيها نبات، والفروة بفتح الفاء وسكون الراء جلدة وجه الأرض (فإذا هي) أي الفروة البيضاء (تهتز من خلفه خضراء) بعد أن كانت جرداء. وعن مجاهد قيل له الخضر لأنه كان إذا صلّى اخضرّ ما حوله، واسمه بليا بفتح الموحدة وسكون اللام وبعد التحتية ألف مقصورًا ابن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال في الفتح: فعلى هذا فمولده قبل إبراهيم الخليل لأنه يكون ابن عمر جد إبراهيم. وعند الدارقطني في الإفراد من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس هو ابن آدم لصلبه وهو ضعيف منقطع، وعند أبي حاتم في المعمرين أنه ابن قابيل بن آدم، وعن ابن لهيعة كان ابن فرعون نفسه، وقيل ابن بنت فرعون، وقيل كان أخا إلياس. وعند السهيلي عن قوم أنه كان من الملائكة وليس من بني آدم واختلف في نبوته فقيل نبي واحتج بعضهم لنبوته بقوله: وما فعلته عن أمري.
وأجيب: باحتمال الإيحاء إلى نبي من أنبياء ذلك الزمان أن يأمر الخضر بذلك، والأكثرون كما قاله النووي على حياته بين أظهرنا واتفق عليه سادات الصوفية كابن أدهم وبشر الحافي ومعروف الكرخي وسري السقطي والجنيد، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والذي جزم به البخاري أنه غير موجود، وبه قال إبراهيم الحربي وأبو بكر بن العربي وطائفة من المحدثين، وعمدتهم الحديث المشهور أن النبي ﷺ قال في آخر حياته: "لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة سنة ممن هو عليها اليوم أحد". وأجيب بأنه كان حينئذٍ على وجه البحر أو هو مخصوص من الحديث إلى غير ذلك مما سبق أوائل هذا المجموع.
(قال الحموي) بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم المضمومة وبعد الواو المكسورة تحتية عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي بفتح المهملة والراء (قال محمد بن يوسف بن مطر الفربري): بفتح الفاء والراء (حدّثنا علي بن خشرم) بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين وبعد الراء المفتوحة ميم المروزي (عن سفيان) بن عيينة فذكر حديث الخضر وموسى (بطوله) وفي الونينية علامة السقوط على قوله الحموي.
٢٨ - باب
هذ (باب) بالتنوين.
٣٤٠٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ، فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ».
[الحديث ٣٤٠٣ - طرفاه في: ٤٤٧٩، ٤٦٤١].
стр. 4037
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي المروزي وقيل البخاري قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد الأزدي مولاهم البصري (عن همام بن منبه) بكسر الموحدة المشددة الصنعاني أخي وهب (أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(قيل لبني إسرائيل) لما خرجوا من التيه مع يوشع بن نون بعد أربعين سنة وفتح الله عليهم بيت المقدس (ادخلوا الباب) باب القرية وكان قبل القبلة حال كونهم (سجدًا) منحنين ركوعًا أو خضوعًا شكرًا على تيسير الدخول (وقولوا حطة) بالرفع أي مسألتنا حطة: وعند ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال قيل لهم قولوا مغفرة (فبدلوا) فغيروا السجود بالزحف (فدخلوا يزحفون) بفتح الحاء المهملة (على أستاههم) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة أي أوراكهم (وقالوا) بدل حطة (حبة في شعرة) بسكون العين فخالفوا في القول والفعل، فقالوا كلامًا مهملاً غرضهم به المخالفة لما أمروا به من الكلام المستلزم للاستغفار، وحط العقوبة عنهم فعاقبهم الله بالطاعون حتى هلك منهم سبعون ألفًا في ساعة واحدة، وقيل أربعة وعشرون ألفًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير، ومسلم في أواخر صحيحه، والترمذي في التفسير.
٣٤٠٤ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلاً حَيِيًّا سِتِّيرًا لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَىْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلاَّ مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ: إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ، وَإِمَّا آفَةٌ. وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ.
فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ. حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (قال: حدّثنا) ولأبوي الوقت وذر أخبرنا (روح بن عبادة) بفتح الراء وعبادة بضم العين وتخفيف الموحدة البصري قال: (حدّثنا عوف) بفتح العين المهملة وبعد الواو الساكنة فاء ابن أبي جميلة المعروف بالأعرابي (عن الحسن) البصري (ومحمد) أي ابن سيرين (وخلاس) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام آخره مهملة ابن عمرو البصري ثلاثتهم (عن أبي هريرة ﵁) ولم يسمع الحسن من أبي هريرة عند الحفاظ، وما وقع في بعض الروايات مما يخالف ذلك فمحكوم بوهمه عندهم وأما
стр. 4038
خلاس فقال أبو داود عن أحمد أنه لم يسمع من أبي هريرة، وأما محمد بن سيرين فسماعه ثابت من أبي هريرة أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إن موسى) ﵊ (كان رجلاً حَيِيًّا) بفتح الحاء المهملة وكسر التحتية وتشديد الثانية أي كثير الحياء (ستيرًا) بكسر السين المهملة والفوقية المشددة أي من شأنه وإرادته حب الستر (لا يُرى) بضم أوله وفتح ثانيه (من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يستتر) موسى (هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص) ولغير أبي ذر برص بالجر (وإما أدرة) بفتح الهمزة وفي الفرع وأصله وسكون الدال وفيهما أيضًا بفتحهما. وقال في الفتح بضم الهمزة وسكون الدال على المشهور وبفتحتين أيضًا فيما حكاه الطحاوي عن بعض مشايخه ورجح الأول وبالرفع لأبي ذر وبالجر لغيره وهو نفخ في الخصيتين (وإما آفة) من عطف العام على الخاص (وإن الله) (أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى) ولأبي ذر عن المستملي: بموسى بالموحدة بدل اللام (فخلا) موسى (يومًا وحده) ليغتسل (فوضع ثيابه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ثيابًا أي له (على الحجر) الذي كان ثم (ثم اغتسل) وفي رواية علي بن زيد عن أنس عند أحمد في هذا الحديث أن موسى كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء (فلما فرغ) من غسله (أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا) بالعين المهملة مضى مسرعًا (بثوبه) بالتوحيد على إرادة الجنس (فأخذ موسى عصاه) التي كانت إحدى آياته (وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر) مرتين أي اعطني ثوبي يا حجر (حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه) حال كونه (عريانًا) حال كونه (أحسن ما خلق الله وأبرأه) تعالى (مما يقولون وقام الحجر فأخذ) موسى (ثوبه) ولأبوي ذر والوقت: بثوبه (فلبسه وطفق) بكسر الفاء أي جعل (بالحجر) يضرب (ضربًا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبًا) بفتح النون والمهملة أي أثرًا (من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا) بالشك من الراوي.
وفي الغسل في باب: من اغتسل عريانًا قال أبو هريرة: والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة بالشك أيضًا وفيه أن قوله: فوالله الخ من قول أبي هريرة، وفي رواية حبيب بن سالم عن أبي هريرة عند ابن مردويه الجزم بست ضربات قال النووي: فيه معجزتان ظاهرتان لموسى ﵇: مشي الحجر بثوبه وحصول الندب في الحجر بضربه وفيه حصول التمييز في الجماد.
(فذلك) أي ما ذكر من أذى بني إسرائيل موسى (قوله) : (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى﴾) بنسبة العيب في بدنه (﴿فبرّأه الله مما قالوا﴾) بإبراز جسده لقومه حتى رأوه وعلموا فساد اعتقادهم (﴿وكان عند الله وجيهًا﴾) [الأحزاب: ٦٩] كريمًا ذا جاه.
وقال ابن عباس: كان حظيًّا عند الله لا يسأل شيئًا إلا أعطاه. وقال الحسن: كان مجاب الدعوة، وقيل كان محببًا مقبولاً.
٣٤٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ
стр. 4039
عَبْدَ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قَسْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران أنه (قال: سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة (قال: سمعت عبد الله) يعني ابن مسعود (﵁ قال: قسم النبي ﷺ قسمًا) بفتح القاف وسكون السين يوم حنين فآثر ناسًا في القسمة أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن مثل ذلك وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذٍ على غيرهم (فقال رجل): هو معتب بن قشير المنافق (إن هذه) القسمة (لقسمة ما أريد بها وجه الله)، زاد في الجهاد ما عدل فيها (فأتيت) أي قال ابن مسعود فأتيت (النبي ﷺ فأخبرته) بقول الرجل (فغضب) ﵊ (حتى رأيت الغضب) أي أثره (في وجهه) الشريف (ثم قال):
(يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا) الذي أوذيت به (فصبر).
وهذا الحديث سبق في الجهاد في باب: ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلّفة قلوبهم.
٢٩ - باب ﴿يَعْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ﴿مُتَبَّرٌ﴾: خُسْرَانٌ. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾: يُدَمِّرُوا. ﴿مَا عَلَوْا﴾: مَا غَلَبُوا
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿يعكفون على أصنام لهم﴾) [الأعراف: ١٣٨] أي يقيمون على عبادتها قيل كانت تماثيل بقر، وذلك أول شأن العجل وكانوا من العمالقة الذي أمر موسى بقتالهم.
(﴿متبر﴾) في قوله تعالى: ﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه﴾ [الأعراف: ١٣٩] أي (خسران) أخرجه الطبري عن ابن عباس بلفظ: ﴿إن هؤلاء متبر ما هم فيه﴾ [الأعراف: ١٣٩] قال خسران والخسران تفسير التتبير الذي اشتق منه المتبر. وقال في الأنوار: متبر مكسر مدمر يعني أن الله يهدم دينهم الذي هم فيه ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضًا. (﴿وليتبروا﴾) [الإسراء: ٧] أي (يدمروا ﴿ما علوا﴾) أي (ما غلبوا). بفتح الغين المعجمة واللام وذكره استطرادًا.
٣٤٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَجْنِي الْكَبَاثَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ. قَالُوا: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَقَدْ رَعَاهَا».
[الحديث ٣٤٠٦ - طرفه في: ٥٤٥٢].
стр. 4040
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن) بن عوف (أن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ ¬) بمرّ الظهران (نجني الكباث) بكاف فموحدة مفتوحتين وبعد الألف مثلثة ثمر الأراك النضيج (وأن رسول الله ﷺ قال) لمن معه من أصحابه:
(عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه قالوا: أكنت ترعى الغنم)؟ إذ لا يميز بين أنواعه غالبًا إلا من يلازم رعي الغنم (قال) ﷺ : (وهل من نبي) موسى وغيره (إلا وقد رعاها)؟ ليترقى من سياستها إلى سياسة من يرسل إليه ويأخذ نفسه بالتواضع وتصفية القلب بالخلوة، وفيه إشارة إلى أن النبوة لم يضعها الله تعالى في أبناء الدنيا والمترفين منهم، وإنما جعلها في أهل التواضع قاله الخطابي ووقع عند النسائي في التفسير بإسناد رجاله ثقات افتخر أهل الإبل والشاء فقال النبي ﷺ "بعث موسى وهو راعي غنم". ووقع في رواية النسفيّ ذكر باب من غير ترجمة وحينئذٍ فهو كالفصل من باب قول الله تعالى ﴿وواعدنا موسى﴾ [الأعراف: ١٤٢] قيل فتكون مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن فيه حالة من حالات موسى ﵇ لدخوله في عموم قوله: "ما من نبي إلا رعاها" لا سيما. ووقع التصريح بذكر موسى عند النسائي كما سبق.
وقال في فتح الباري: ومناسبة الحديث غير ظاهرة يعني لقوله ﴿يعكفون على أصنام لهم﴾ والذي يهجس في خاطري أنه كان بين التفسير المذكور والحديث بياض أخلاه لحديث يدخل في الترجمة والترجمة تصلح لحديث جابر، ثم وصل كما في نظائره وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تعسف فالله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأطعمة وكذا مسلم وأخرجه النسائي في الوليمة.
٣٠ - باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآيَةَ [البقرة: ٦٧] قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ الْعَوَانُ: النَّصَفُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالْهَرِمَةِ. ﴿فَاقِعٌ﴾: صَافٍ. ﴿لَا ذَلُولٌ﴾: لَمْ يُذِلَّهَا الْعَمَلُ. ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾: لَيْسَتْ بِذَلُولٍ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلَا تَعْمَلُ فِي الْحَرْثِ. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: مِنَ الْعُيُوبِ. ﴿لَا شِيَةَ﴾ بَيَاضٌ. ﴿صَفْرَاءُ﴾: إِنْ شِئْتَ سَوْدَاءُ وَيُقَالُ صَفْرَاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿جِمَالَاتٌ صُفْرٌ﴾. ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾: اخْتَلَفْتُمْ.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وإذا قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾) [البقرة: ٦٧] أول هذه القصة قوله تعالى ﴿وإذ قتلتم نفسًا فادّارأتم فيها﴾.
قال في الكشاف، فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها وأن يقال: ﴿وإذ قتلتم نفسًا فادّارأتم فيها﴾
стр. 4041
[البقرة: ٧٢] فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها. وأجاب: بأن كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديدًا لما وجد منهم من الجنايات وتقريعًا لهم عليها ولما جدد فيهم من الآيات العظام، وهاتان القصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى: لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك، والثانية: للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآيات العظيمة، وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب الغرض في تثنية التقريع.
وحاصل القصة: إنه كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه وطرحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله فعجبوا من ذلك فقالوا: ﴿أتتخذنا هزوًا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض﴾ [البقرة: ٦٧ - ٦٨] يعني لا هرمة ولا بكر يعني ولا صغيرة ﴿عوان بين ذلك﴾ (قال أبو العالية): رفيع الرياحي فيما وصله آدم بن أبي إياس في تفسيره (عوان) وفي اليونينية العوان بالتعريف وفي فرعها بالتنكير أي (النصف) بفتح النون والمهملة (بين البكر والهرمة). وقال الضحاك عن ابن عباس: بين الكبيرة والصغيرة وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر وأحسن ما يكون. (﴿فاقع﴾) [البقرة: ٦٩] أي (صاف) لونها وعن ابن عمر كانت صفراء الظلف وزاد سعيد بن جبير والقرن (﴿لا ذلول﴾) أي (لم يذلها العمل) بلام واحدة مشددة بعد المعجمة المكسورة في الحراثة، ولأبي ذر عن الكشميهني: لم يذللها بفتح الذال ولامين أولاهما مشددة والثانية ساكنة ﴿تثير الأرض﴾ أي (ليست بذلول تثير الأرض) تقلبها للزراعة (ولا تعمل في الحرث) بل هي مكرمة حسناء صبيحة (﴿مسلمة﴾) أي (من العيوب). وآثار العمل. وقال عطاء الخراساني. مسلمة القوائم والخلق (﴿لا شية﴾) [البقرة: ٧١] (بياض) بسقوط لا قبل بياض في الفرع كأصله وفي بعضها لاشية لا بياض بإثبات لما فيهما ونصب ما بعدهما وزاد السدي ولا سواد ولا حمرة (﴿صفراء﴾) [البقرة: ٩٩] قال أبو عبيدة (إن شئت سوداء ويقال صفراء) والمعنى هنا أن الصفرة يمكن حملها على معناها المشهور، وعلى معنى السواد (كقولها ﴿جمالات صفر﴾) [المرسلات: ٣٣] قال مجاهد كالإبل السود (﴿فادّارأتم﴾) [البقرة: ٧٢] أي (اختلفتم). وكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم.
وقال عطاء الخراساني: اختصمتم فيها. قال في الأنوار: إذ المتخاصمان يدفع بعضهم بعضًا قال ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم أن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له وكانت تعجبه قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها دنانير فذبحوها فضربوه يعني القتيل بعضو منها فقام تشخب أوداجه دمًا فقالوا له: من قتلك؟ قال: فلان. قال ابن كثير: ولم يجيء من طريق صحيح عن معصوم بيان العضو الذي ضربوه به، وعن عكرمة ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير رواه عبد الرزاق بإسناد جيد. قال ابن كثير: والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب وكذا لم يثبت كثرة ثمنها إلا من نقل من بني إسرائيل،
стр. 4042
وقال ابن جريج قال عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة كفتهم. قال ابن جريج قال رسول الله ﷺ "إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله تعالى عليهم وأيم الله لو أنهم لم يستثنوا ما بينت لهم آخر الأبد".
٣١ - باب وَفَاةِ مُوسَى، وَذِكْرُهُ بَعْدُ
(باب) ذكر (وفاة موسى)، ﷺ (وذكره) بالجر عطفًا على المجرور ولأبي ذر: وذكره بالرفع وسقوط باب (بعد) بضم الدال لقطعه عن الإضافة.
٣٤٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ. قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَطَّى يَدُهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَىْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ: فَالآنَ. قَالَ: فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن موسى) المعروف بخت بفتح الخاء المعجمة وتشديد الفوقية قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري مولاهم الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: أرسل ملك الموت) أي أرسل الله ملك الموت (إلى موسى ﵉، في صورة آدمي وكان عمر موسى إذ ذاك مائة وعشرين سنة (فلما جاءه) ظنه آدميًّا حقيقة تسوّر عليه منزله بغير إذنه ليوقع به مكروهًا فلما تصوّر ذلك (صكه)، ولأبي الوقت فصكه أي لطمه على عينه التي ركبت في الصورة البشرية دون الصورة الملكية ففقأها. وعند أحمد أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانًا فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه (فرجع) ملك الموت (إلى ربه فقال): رب (أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت) زاد في باب من أحب الدفن في الأرض المقدّسة من الجنائز فردّ الله عليه عينه، وقيل: المراد بفقء العين هنا المجاز يعني أن موسى ناظره وحاجه فغلبه بالحجة يقال فقأ فلان عين فلان إذا غلبه بالحجة وضعف هذا لقوله فرد الله عليه عينه (قال) له ربه: (ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور) بالمثناة الفوقية في الأولى وبالمثلثة في الثانية أي على ظهر ثور (فله بما غطت) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بما غطى (يده بكل شعرة سنة. قال) موسى: (أي رب ثم ماذا)؟ يكون بعد هذه السنين حياة أو موت (قال) الله (ثم) يكون بعدها (الموت. قال) موسى: (فالآن) يكون الموت.
стр. 4043
(قال) أبو هريرة: (فسأل الله) موسى (أن يدنيه) يقربه (من الأرض المقدسة) ليدفن بها لشرفها (رمية بحجر) أي دنوًا لو رمى رام بحجر من ذلك الموضع الذي هو موضع قبره لوصل إلى بيت المقدس، وكان موسى إذ ذاك بالتيه وإنما سأل الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس لأنه خاف أن يشتهر قبره عندهم فيفتنوا به. قال ابن عباس: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله. (قال أبو هريرة ﵁: فقال رسول الله ﷺ ¬):
(لو) ولأبي ذر: فلو (كنت ثم) أي هناك (لأريتكم قبره إلى) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من وهي التي في الفرع لا غير (جانب الطريق تحت) وللكشميهني عند (الكثيب الأحمر) بالمثلثة الرمل المجتمع وليس نصًّا في الإعلام بتعيين قبره، وقد اشتهر قبره بأريحاء عند كثيب أحمر أنه قبر موسى. وأريحاء من الأرض المقدسة، وأما ما يرى عند قبره المقدس من أشباح بالقبة المبنية عليه مختلفة الهيئات والأفعال فالله أعلم بحقيقتها، لكن أخبرني شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف: أنه إذا وقع هناك فعل ما لا يجوز تحصل ظلمة واضطراب حتى يزال ذلك فتنجلي، وقد روي عن وهب بن منبه أن الملائكة تولوا دفنه والصلاة عليه.
(قال) أي عبد الرزاق بن همام موصولاً بالإسناد المذكور: (وأخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه أنه (قال: حدّثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ نحوه). أي نحو الحديث المذكور.
٣٤٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى الْعَالَمِينَ -قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ- فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ فَلَطَمَ الْيَهُودِيَّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ: لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ».
وبه قال: (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرَّحمن) بن عوف (وسعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ قال: استب رجل من المسلمين) هو أبو بكر الصديق ﵁ (ورجل من اليهود) قيل هو فنحاص بفاء مكسورة ونون ساكنة وبعد الحاء المهملة ألف فصاد مهملة قاله ابن بشكوال وعزاه لابن إسحاق، وتعقب بأن الذي ذكره ابن إسحاق لفنحاص مع أبي بكر الصدّيق في لطمه إياه قصة أخرى في نزول قوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآية. قال في الفتح: ولم أقف على اسم هذا اليهودي في هذه القصة (فقال المسلم) أبو بكر الصديق ﵁: (والذي اصطفى محمدًا ﷺ على العالمين قسم يقسم به، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى
стр. 4044
على العالمين فرفع المسلم) أبو بكر (عند ذلك) الذي سمعه من قول اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين الشامل لمحمد ﷺ وسائر الأنبياء والمرسلين وغيرهم (يده فلطم اليهودي) عقوبة له على إطلاقه. وفي رواية عبد الله بن الفضل الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى وقال يقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي بين أظهرنا (فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم) وزاد في رواية إبراهيم بن سعد فدعا النبي ﷺ المسلم فسأله عن ذلك فأخبره (فقال) على سبيل التواضع.
(لا تخيروني على موسى). وفي حديث أبي سعيد عند. . . . . (١). . . . . . لا تخيروا بين الأنبياء أي من تلقاء أنفسكم فإن ذلك قد يفضي إلى العصبية فينتهز الشيطان عند ذلك فرصة فيدعوكم إلى الإفراط والتفريط فتطرون الفاضل فوق حقه وتبخسون المفضول حقه فتقعون في مهواة الغي فلا تقدموا على ذلك بآرائكم بل ما آتاكم الله من البيان (فإن الناس يصعقون) يوم القيامة (فأكون أوّل من يفيق) بعد النفخة الأخيرة (فإذا موسى باطش) آخذ (بجانب العرش) بقوّة وفي حديث أبي سعيد آخذ بقائمة من قوائم العرش (فلا أدري أكان فيمن) ولأبي ذر: ممن (صعق فأفاق قبلي) ثبت لفظ قبلي في الفرع وسقطت من أصله (وكان ممن استثنى الله) في قوله: ﴿فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨] فلم يصعق فحوسب بصعقة الطور فلم يكلف صعقة أخرى.
٣٤٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى مَرَّتَيْنِ».
[الحديث ٣٤٠٩ - أطرافه في: ٤٧٣٦، ٤٧٣٨، ٦٦١٤، ٧٥١٥].
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري القرشي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن حميد بن عبد الرَّحمن أن أبا هريرة) ﵁ (قال قال رسول الله ﷺ ¬):
(احتج) أي تحاج (آدم وموسى) بأشخاصهما أو التقت أرواحهما في السماء فوقع التحاج بينهما ويحتمل وقوع ذلك في حياة موسى (فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك) وهي أكلك من الشجرة التي نهيت عنها بقوله تعالى ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] (من الجنة. فقال له آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله) اختارك على الناس (برسالاته) يعني بأسفار
стр. 4045
التوراة وفيها قصتي (وبكلامه) وبتكليمه إياك (ثم) بالمثلثة المضمومة والميم المشدّدة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بم بموحدة مكسورة فميم مخففة (تلومني على أمر قدّر) بضم القاف وتشديد الدال المكسورة (عليّ قبل أن أخلق) وحكم بأن ذلك كائن لا محالة لعلمه السابق فهل يمكن أن يصدر مني خلاف علم الله، فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت من المصطفين الأخيار الذين يشاهدون سر الله من وراء الأستار؟ (فقال رسول الله ﷺ : فحج) أي غلب (آدم) بالرفع (موسى) بالحجة في دفع اللوم (مرتين) متعلق يقال، والغرض من هذا الحديث شهادة آدم لموسى أن الله اصطفاه.
وقد أخرجه أيضًا في التوحيد ومسلم في القدر.
٣٤١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَالَ: عُرِضَتْ عَلَىَّ الأُمَمُ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ».
[الحديث ٣٤١٠ - أطرافه في: ٥٧٠٥، ٥٧٥٢، ٦٤٧٢، ٦٥٤١].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا حصين بن نمير) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ونمير بضم النون وفتح الميم مصغرين الواسطي (عن حصين بن عبد الرَّحمن) بضم الحاء مصغرًا أيضًا السلمي الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: خرج علينا النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ يومًا قال) ولأبي ذر: فقال:
(عرضت) بضم العين مبنيًّا للمفعول (عليّ) بتشديد الياء (الأمم) بالرفع مفعولاً ناب عن الفاعل. وعند الترمذي والنسائي من رواية عبثر بن القاسم بموحدة ثم مثلثة بوزن جعفر في روايته عن حصين بن عبد الرَّحمن أن ذلك كان ليلة الإسراء ولفظه: لما أسري بالنبي ﷺ جعل يمرّ بالنبي الحديث. فإن كان هذا محفوظًا ففيه دلالة لمن ذهب إلى تعدّد الإسراء وأن الذي وقع بالمدينة غير الذي وقع بمكة لكن الإسراء الواقع وهو بالمدينة ليس فيه ما وقع بمكة من استفتاح أبواب السماوات بابًا بابًا إلى غير ذلك. (ورأيت سوادًا كثيرًا سدّ الأفق) أي ناحية السماء والسواد ضد البياض هو الشخص الذي يرى من بعيد ووصفه بالكثير إشارة إلى أن المراد الجنس لا الواحد (فقيل: هذا موسى في قومه). وفي حديث ابن مسعود عند أحمد حتى مرّ على موسى في كبكبة أي جماعة من بني إسرائيل فأعجبني فقلت من هؤلاء فقيل هو أخوك موسى معه بنو إسرائيل.
وقد ساق المؤلّف هذا الحديث هنا مختصرًا جدًّا وأخرجه مطوّلاً في الطب والرقاق، وأخرجه مسلم في الإيمان والترمذي في الزهد والنسائي في الطب.
стр. 4046
٣٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١١]
(باب قول الله تعالى ﴿وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون﴾) [التحريم: ١١]. هذا
مثل ضربه للمؤمنين أنهم لا يضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم بحال آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومنزلتها عند الله مع أنها كانت تحت أعدى أعداء الله كما قال تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ [آل عمران: ٢٨]. قال قتادة: كان فرعون أغنى أهل الأرض وأكفرهم فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها ليعلموا أن الله حكم عدل لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه.
وروي أنه لما غلب موسى السحرة قالت آسية: آمنت برب موسى وهارون، فلما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس. قال سليمان: فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها فقالت: رب ابنِ لي عندك بيتًا في الجنة، فكشف الله لها عن بيتها في الجنة حتى رأته من درة فضحكت حين رأت بيتها وفرعون حاضر فقال: ألا تعجبون من جنونها إنّا نعذبها وهي تضحك ثم أمر بصخرة عظيمة تلقى عليها فانتزعت روحها ثم ألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه فلم تجد ألمًا. وقال الحسن وابن كيسان رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة فهي تأكل وتشرب.
(إلى قوله ﴿وكانت﴾) أي مريم ابنة عمران (﴿من القانتين﴾) [التحريم: ١٢]. قال القاضي: من عداد المواظبين على الطاعة والتذكير للتغليب والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين حتى عدت من جملتهم أو من نسلهم فتكون من ابتدائية وسقط لأبي ذر (للذين آمنوا امرأة فرعون﴾ وقال إلى قوله: ﴿وكانت من القانتين﴾.
٣٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».
[الحديث ٣٤١١ - أطرافه في: ٣٤٣٣، ٣٧٦٩، ٥٤١٨].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن جعفر) البيكندي قال: (حدّثنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي بضم الراء وهمزة ثم سين مهملة العابد الكوفي (عن شعبة) بن الحجاج (عن عمرو بن مرة) بفتح العين ومرة بضم الميم وتشديد الراء المرادي الأعمى الكوفي (عن مرة) بن شراحيل المخضرم (الهمداني) كان يصلّي ألف ركعة في كل يوم (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
стр. 4047
(كمل) بفتح الميم في الفرع وأصله وتضم وتكسر (من الرجال كثير ولم يكمل) بضم الميم (من النساء إلا آسية امرأة فرعون) قيل: وكانت ابنة عم فرعون، وقيل من العماليق، وقيل من بني إسرائيل من سبط موسى. وقال السهيلي: هي عمة موسى (ومريم بنت عمران) أم عيسى.
وقال في الكواكب ولا يلزم من لفظ الكمال نبوّتها إذ هو مطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه، فالمراد تناهيهما في جميع الفضائل التي للنساء وقد نقل الإجماع على عدم النبوة لهن اهـ.
وهذا معارض بما نقل عن الأشعري: إن من النساء من نبئ وهن ست: حواء وسارة وأم موسى واسمها يوخاند وقيل أباذخا وقيل أباذخت وهاجر وآسية ومريم، والضابط عنده أن من جاءه الملك عن الله بحكم من أمر أو نهي أو بإعلامه شيئًا فهو نبي، وقد ثبت مجيء الملك لهؤلاء بأمور شتى من ذلك من عند الله تعالى، ووقع التصريح بالإيحاء لبعضهن في القرآن قال الله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧] الآية. وقال تعالى بعد أن ذكر مريم والأنبياء بعدها ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾ [مريم: ٥٨]. فدخلت في عمومه.
وقال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية لأن الله أوحى إليها بواسطة الملك، وأما آسية فلم يأت ما يدل على نبوتها، واستدلّ بعضهم لنبوّتها ونبوّة مريم بالحصر في حديث الباب حيث قال: ولم يكمل من النساء إلا آسية ومريم. قال لأن أكمل النوع الإنساني الأنبياء ثم الأولياء والصديقون والشهداء، فلو كانتا غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء ولية ولا صديقة ولا شهيدة، والواقع أن هذه الصفات في كثير منهن موجودة فكأنه قال: لم ينبأ من النساء إلاّ فلانة وفلانة، ولو قال لم تثبت صفة الصديقية أو الولاية أو الشهادة إلا لفلانة وفلانة لم يصح لوجود ذلك في غيرهن إلا أن يكون المراد بالحديث كمال غير الأنبياء فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك، واحتج المانعون بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] وأجيب: بأنه لا حجة فيه لأن أحدًا لم يدّع فيهن الرسالة وإنما الكلام في النبوّة فقط.
(وإن فضل عائشة) بنت أبي بكر الصدّيق (على النساء) أي نساء هذه الأمة (كفضل الثريد) بالمثلثة (على سائر الطعام) قيل: إنما مثّل بالثريد لأنه أفضل طعام العرب ولأنه ليس في الشبع أغنى غناء منه، وقيل إنهم كانوا يحملون الثريد فيما طبخ بلحم، وروي سيد الطعام اللحم فكأنها فضلت على النساء كفضل اللحم على سائر الأطعمة، والسر فيه أن الثريد مع اللحم جامع بين الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول وقلة المؤونة في المضغ وسرعة المرور في المريء فضرب به مثلاً ليؤذن بأنها أعطيت مع حسن الخلق حسن الخلق وحلاوة المنطق وفساحة اللهجة وجودة القريحة ورزانة الرأي ورصانة العقل والتحبب إلى البعل فهي تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس بها والإصغاء إليها، وحسبك أنها عقلت من النبي ﷺ ما لم يعقل غيرها من النساء، وروت ما لم يرو مثلها من الرجال، ومما يدل على أن الثريد أشهى الأطعمة عندهم وألذها قول شاعرهم:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم … فذاك أمانة الله الثريد
стр. 4048
قاله في فتوح الغيب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في فضل عائشة وفي الأطعمة ومسلم في الفضائل والترمذي في الأطعمة والنسائي في المناقب وعشرة النساء وابن ماجه في الأطعمة.
٣٣ - باب ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ الآيَةَ [القصص: ٧٦] ﴿لَتَنُوءُ﴾: لَتُثْقِلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾: لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ، يُقَالُ: ﴿الْفَرِحِينَ﴾: الْمَرِحِينَ. ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾: مِثْلُ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ.
هذا ﴿باب﴾ بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إن قارون كان من قوم موسى﴾) [القصص: ٧٦] الآية. قال ابن عباس: ابن عمه لأنه قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قاهث. وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى أخا عمران وهما ابنا يصهر، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون وكان يسمى المنوّر لحسن صوته بالتوراة ولكنه نافق كما نافق السامري فأهلكه الله.
(﴿لتنوء﴾) في قوله تعالى: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء﴾ أي (لتثقل) بضم الفوقية وكسر القاف المفاتيح (قال ابن عباس): في تفسير قوله تعالى: (﴿أولي القوة﴾) أي (لا يرفعها﴾) أي المفاتيح (﴿العصبة﴾) أي الجماعة الكثيرة (﴿من الرجال﴾) لكثرتها. قال الأعمش عن خيثمة قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح كنوز قارون من جلود كلّ مثل الأصبع كل مفتاح لكنز، فإذا ركب حملت على ستين بغلاً، وقيل كان يعلم علم الكيمياء علمه له موسى أنزل عليه من السماء وكان ذلك سبب كثرة مال قارون، لكن قال الزجاج: هذا لا يصح لأن الكيمياء علم لا حقيقة له. قال القرطبي: ولعل ذلك كان من قبيل المعجزة (يقال) ﴿الفرحين﴾ [القصص: ٧٦]. أي (المرحين) وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، وقال بعضهم لا يفرح بالدنيا إلا من اطمأن إليها فأما من يعلم أنه سيفارقها عن قريب لم يفرح وأما أحسن قول المتنبي:
أشد الغم عندي في سرور … تيقن عنه صاحبه انتقالا
(﴿ويكأن الله﴾) قال أبو عبيدة هو (مثل ﴿ألم تر أن الله﴾) [لقمان: ٣٩]. وقال غيره كلمة مستعملة عند التنبيه للخطأ وإظهار التندم، فلما قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ثم وشاهدوا الخسف به تنبهوا لخطئهم ثم قالوا: كأنه (﴿يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾) [الروم: ٣٧]. أي (﴿يوسع عليه﴾) بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه (ويضيق). عليه لا لهوان من يضيق عليه بل لحكمته وله الحجة المبالغة.
стр. 4049
وهذا الباب وتاليه ثابت في رواية المستملي والكشميهني فقط.
٣٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥، ٨٤، العنكبوت: ٣٦] إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ، لأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ، وَمِثْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وَاسْأَلِ ﴿الْعِيرَ﴾: يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ: ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ. يُقَالُ إِذَا لَمْ تُقْضِ حَاجَتَهُ: ظَهَرَتْ حَاجَتِي، وَجَعَلَتْنِي ظِهْرِيًّا. قَالَ الظِّهْرِيُّ: أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ. ﴿مَكَانَتُهُمْ﴾ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ. ﴿يَغْنَوْا﴾: يَعِيشُوا ﴿يَأْيَسُ﴾: يَحْزَنُ. ﴿آسَى﴾: أَحْزَنُ. وَقَالَ الْحَسَنُ ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾: يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿لَيْكَةُ﴾: الأَيْكَةُ. ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: إِظْلَالُ الْغَمَامِ الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ.
(باب قول الله تعالى ﴿وإلى مدين﴾) قيل أعجمي منع من الصرف للعجمة والعلمية وهو مدين بن إبراهيم ﵇ (﴿أخاهم شعيبًا﴾) [هود: ٨٤]. وهو نويب بن مدين بن إبراهيم وقال ابن إسحاق شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم أي أرسلنا شعيبًا (إلى أهل مدين) يعني على حذف مضاف (لأن مدين بلد) على بحر القلزم محاذية لتبوك على ست مراحل منها وأنشد الفراء:
رهبان مدين والذين عهدتهم … يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها … خزوا لعزه ركعًا وسجودا
وهذا عربي فمنعه للعلمية والتأنيث.
(ومثله) في حذف المضاف (﴿واسأل القرية﴾) واسال (﴿العير﴾) [يوسف: ٨٢]. (يعني أهل القرية وأهل العير) ويجوز أن يراد بالمكان ساكنوه. وقيل مدين أعجمي منع للعلمية والعجمة، وكان شعيب يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا أهل كفر وبخس للمكيال والميزان.
(﴿وراءكم ظهريًّا﴾) [هود: ٩٢]. بسورة هود أي (لم يتلفتوا إليه) فالضمير في واتخذتموه يعود على الله، وقيل يعود على العصيان أي واتخذتم العصيان عونًا على عداوتي فالظهري على هذا بمعنى المعين المقوي، والظهري هو المنسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب، كقولهم في النسبة إلى الأمس أمسي بكسر الهمزة وإلى الدهر دهري بضم الدال (يقال: إذا لم يقض حاجته) ولأبوي الوقت وذر ويقال إذا لم تقض بالفوقية بدل التحتية (ظهرت) بفتح الظاء المعجمة والهاء وسكون وفتح الفوقية (حاجتي) أي جعلتها وراء ظهرك (و) يقال أيضًا إذا لم يلتفت إليه ولا قضى حاجته
стр. 4050
(جعلتني ظهريًّا) أي وراء ظهرك. و (قال) أي البخاري (الظهريّ أن تأخذ معك دابة أو وعاء تستظهر به) أي تتقوى به.
(﴿مكانتهم﴾ ومكانهم واحد) وفي نسخة بجرهما. قال في الفتح: هكذا وقع وإنما هو في قصة شعيب ﴿مكانتكم﴾ في قوله: ﴿ويا قوم اعملوا على مكانتكم﴾ [هود: ٩٣]. ثم هو قول أبي عبيدة قال في تفسير يس في قوله: ﴿على مكانتكم﴾ المكان والمكانة واحد.
(﴿يغنوا﴾) في قوله تعالى: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ [هود: ٦٨]. أي لم (يعيشوا) فيها والمغنى الدار والجمع مغان بالغين المعجمة قاله أبو عبيدة.
(﴿يأيس﴾) بفتح التحتية بعدها همزة ساكنة فتحتية مفتوحة أي (يحزن) وأشار إلى قوله تعالى: ﴿فلا تأس على القوم الكافرين﴾ [المائدة: ٢٦]. ولأبي ذر: تأس بإسقاط التحتية بعد الهمزة تحزن وبالفوقية بدل التحتية بينهما.
(﴿آسى﴾) في قوله: ﴿فكيف آسى﴾ [المرسلات: ٩٣]. أي كيف (أحزن) وأتوجع.
(وقال الحسن) البصري فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله: (﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾) [هود: ٨٧]. (يستهزئون به) كما يقال للبخيل الخسيس لو رآك حاتم لسجد لك، وقال ابن عباس أرادوا السفيه الغاوي والعرب تصف الشيء بضده فتقول للديغ سليم وللفلاة مفازة.
(وقال مجاهد: ﴿ليكة﴾) بلام مفتوحة من غير ألف وصل قبلها ولا همزة بعدها وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر هي (الأيكة) بهمزة وصل وسكون اللام بعدها همزة مفتوحة وهي قراءة الباقين أي الغيضة فيكونان مترادفين، وقيل الأيكة غيضة تنبت ناعم الشجر يريد غيضة بقرب مدين يسكنها طائفة، وقيل شجر ملتف وليكة بغير ألف اسم بلدهم وبقية مباحث ذلك في كتابي الجامع للقراءات الأربع عشرة (﴿يوم الظلة﴾) هو (إظلال العذاب) ولأبي ذر: إظلال الغمام (عليهم) وروي أنه أخذهم حر شديد فكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أشد حرًّا فخرجوا فأظلتهم سحابة وهي الظلة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا.
٣٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٣٩]، -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَهوَ مُلِيم﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مُذْنِبٌ. المَشْحُونَ: الُموقِر. ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ الآيَةَ ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالعَرَاءِ﴾ بِوَجْهِ الأَرْضِ ﴿وَهوَ سَقِيمٌ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِين﴾ مِنْ غَيرِ ذَاتِ أَصْل، الدّبّاء وَنَحْوه
﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين﴾ [الصافات: ١٤٧].
стр. 4051
﴿ولا تَكُن كصاحبِ الحُوتِ إذْ نادَى وهوَ مكظوم﴾ [القلم: ٤٨]، ﴿كظيم﴾: وهو مغموم.
وهذا الباب كله ثابت في رواية الكشميهني والمستملي فقط كالذي قبله.
(باب قول الله تعالى) الباب ساقط في الفرع ثابت في أصله (﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾) [الصافات: ١٣٩]. أي هو من المرسلين حتى في هذه الحالة (إلى قوله) (﴿وهو مليم﴾) [الصافات: ١٤٢]. حال.
(قال مجاهد): فيما وصله ابن جرير في تفسير (مليم) أي (مذنب) بفعله خلاف الأولى وقيل مليم نفسه (المشحون) أي (الموقر) بفتح القاف المملوء (﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾) [الصافات: ١٤٣] (الآية) أي الذاكرين الله كثيرًا بالتسبيح مدة عمره أو في بطن الحوت وهو قوله ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧]. للبث في بطنه إلى يوم يبعثون أي حيًّا أو ميّتًا (﴿فنبذناه﴾) طرحناه (﴿بالعراء﴾) أي (بوجه الأرض) قيل على جانب دجلة وقيل بأرض اليمن فالله أعلم وأضاف الله تعالى النبذ إلى نفسه المقدسة مع أنه إنما حصل بفعل الحوت إيذانًا بأن فعل العبد مخلوق له تعالى (﴿وهو سقيم﴾) [الصافات: ١٤٥]. مما حصل له. قيل صار بدنه كبدن الطفل حين يولد. (﴿وأنبتنا عليه شجرة من يقطين﴾) [الصافات: ١٤٦]. أي (من غير ذات أصل) بل تنبسط على وجه الأرض ولا تقوم على ساق (الدباء) بالجر بدلاً أو بيانًا (ونحوه) كالقثاء والبطيخ؛ وقال البغوي: المراد هنا القرع على قول جميع المفسرين (﴿وأرسلناه إلى مائة ألف﴾) هم قومه الذين هرب عنهم وهم أهل نينوى (﴿أو يزيدون﴾) في مرأى الناظر أي إذا نظر إليهم قال هم مائة ألف أو أكثر، والمراد الوصف بالكثرة (﴿فآمنوا﴾) فصدقوا (﴿فمتعناهم إلى حين﴾) [الصافات: ١٤٧]. إلى أجلهم المسمى وسقط لغير أبي ذر قوله: ﴿وهو مليم﴾ إلى آخر قوله (فآمنوا (﴿ولا تكن﴾) يا محمد (﴿كصاحب الحوت﴾) يونس (﴿إذ نادى﴾) في بطن الحوت (﴿وهو مكظوم﴾) [القلم: ٤٨]. أي (كظيم) يعني أن مكظوم بوزن مفعول بمعنى كظيم بوزن فعيل أي (وهو مغموم) وسقط قوله "وهو" لأبي ذر.
وكانت قصة يونس أن الله تعالى بعثه إلى أهل نينوى وهو من أرض الموصل فكذبوه فوعدهم بنزول العذاب في وقت معين ففارقهم إذ لم يتوبوا، فلما دنا الموعد أغامت السماء غيمًا أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشي مدينتهم فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقة فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين كل والدة وولدها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأخلصوا التوبة وأظهروا الإيمان وتضرعوا إلى الله فرحمهم وكشف عنهم، وأما يونس فإنه لم يعرف الحال فظن أنه كذبهم فغضب من ذلك وذهب فركب مع قوم في سفينة فوقفت فقال لهم يونس: إن معكم عبدًا ابق من ربه وإنها لا تسير حتى تلقوه فاقترعوا فخرجت القرعة عليه فقال: أنا الآبق وزج بنفسه في الماء فأرسل الله من
стр. 4052
البحر الأخضر حوتًا فشق البحار حتى جاء فالتقمه وأوحى الله تعالى إلى ذلك الحوت لا تأكل له لحمًا ولا تهشم له عظمًا فإنه ليس رزقًا وإنما بطنك له سجن فنادى في الظلمات ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل ﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وقال عوف الأعرابيّ: لما صار يونس في بطن الحوت ظن أنه قد مات فحرك رجليه فتحركتا فسجد مكانه فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسًّا فقال: ما هذا؟ فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب البحر فسبح فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنّا سمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة. قال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت فشفعوا فيه فأمر الله الحوت فقذفه في الساحل وهو كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. قال أبو هريرة: وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض فتتفشخ عليه فترويه من لبنها بكرة وعشية، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين مظلة عليه قيل إنها يبست وبكى عليها فأوحى الله تعالى إليه أتبكي على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم.
٣٤١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ ح.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيي) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري أنه (قال: حدثني) بالإفراد (الأعمش) سليمان (ح).
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ» زَادَ مُسَدَّدٌ «يُونُسَ بْنِ مَتَّى».
[الحديث ٣٤١٢ - طرفاه في: ٤٦٠٣، ٤٨٠٤].
(حدّثنا) ولأبي ذر: وحدّثنا (أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأعمش عن أبي وائل) بالهمزة شقيق بن سلمة (عن عبد الله) يعني ابن مسعود (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يقولن أحدكم إني) يريد نفسه الشريفة أو غيره (خير من يونس زاد مسدد) في رواية (يونس بن متى) بفتح الميم والفوقية المشددة قيل وخص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له فبالغ في ذكر فضله لسدّ هذه الذريعة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير وكذا النسائي.
٣٤١٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ».
стр. 4053
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أبي العالية) رفيع الرياحي (عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه) متى وهو يرد على من قال إن متى اسم أمه وقال ذلك ﷺ -تواضعًا إن كان قاله بعد أن علم أنه سيد البشر.
٣٤١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ وَقَالَ: تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟ فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا، فَمَا بَالُ فُلَانٍ لَطَمَ وَجْهِي؟ فَقَالَ: لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ فَذَكَرَهُ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَمْ بُعِثَ قَبْلِي».
٣٤١٥ - «وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى».
[الحديث ٣٤١٥ - أطرافه في: ٣٤١٦، ٤٦٠٤، ٤٦٣١، ٤٨٠٥].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا (عن الليث) بن سعد الإمام (عن عبد العزيز بن أبي سلمة) بفتح اللام هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون بكسر الجيم بعدها شين معجمة مضمومة المزني نزيل بغداد (عن عبد الله بن الفضل) بفتح الفاء وسكون الضاد المعجمة ابن العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي المدني (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: بينما) بالميم (يهودي) لم يعرف اسمه أو هو فنحاص وضعف (يعرض سلعته) على الناس ليرغبهم في شرائها (أعطي بها شيئًا) من الثمن بخسًا (كرهه، فقال: لا) أبيعها بهذا الثمن البخس. (والذي اصطفى موسى على البشر فسمعه رجل من الأنصار).
أخرج سفيان بن عيينة في جامعه وابن أبي الدنيا في كتاب البعث من طريقه عن عمرو بن دينار وابن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: كان بين رجل من أصحاب النبي ﷺ وبين رجل من اليهود كلام في شيء قال عمرو بن دينار هو أبو بكر الصديق فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على البشر وهذا يعكر على قوله في حديث الباب فسمعه رجل من الأنصار إلا إن كان المراد بالأنصار المعنى الأعم، فإن أبا بكر من أنصار النبي ﷺ قطعًا بل هو رأس من نصره ومقدمهم وسابقهم قاله في الفتح.
стр. 4054
(فقام فلطم وجهه وقال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي ﷺ -بين أظهرنا) جمع ظهر ومعناه أنه بينهم على سبيل الاستظهار كأن ظهرًا منهم قدامه وظهرًا وراءه فهو مكنوف من جانبيه إذ قيل بين ظهرانيهم ومن جوانبه إذا قيل بين أظهرهم أو لفظ أظهرنا مقحم كما قال الكرماني (فذهب) اليهودي (إليه) ﷺ (فقال: أبا القاسم) أي يا أبا القاسم (إن لي ذمة وعهدًا) مع المسلمين (فما بال فلان) أبي بكر أخفر ذمتي ونقض عهدي إذ (لطم وجهي) فدعاه النبي ﷺ (فقال) ﵊ له:
(لِمَ لطمت وجهه)؟ مع ما له من الذمة والعهد (فذكره) أي أمره مع اليهودي (فغضب النبي ﷺ ¬) لذلك (حتى رئي) الغضب (في وجهه) الشريف (ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله) من قِبل أنفسكم أو تفضيلاً يؤدي إلى تنقيص أو إلى خصومة ونزاع (فإنه ينفخ في الصور) النفخة الأولى (فيصعق) أي يموت بها (من في السماوات ومن في الأرض) ممن كان حيًّا يكون آخر من يموت ملك الموت (إلا من شاء لله) قيل جبريل وميكائيل وإسرافيل فإنهم يموتون بعد وقيل حملة العرش (ثم ينفخ فيه) نفخة (أخرى) للبعث من القبور (فأكون أول من بعث) من قبره بضم الموحدة وكسر العين المهملة وفتح المثلثة مبنيًا للمفعول (فإذا موسى آخذ بالعرش) أي بقائمة من قوائمه كما في حديث أبي سعيد (فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور) لما سأل الرؤية فلم يصعق (أم بُعث) بضم الموحدة وكسر العين ولأبي ذر عن الكشميهني يبعث بالمضارع المبني للمجهول (قبلي). والظاهر أنه ﵊ لم يكن عنده علم ذلك حتى أعلمه الله تعالى فقد أخبر عن نفسه الكريمة أنه أول من ينشق عنه القبر، (ولا أقول أن أحدًا أفضل من يونس بن متى) قاله تواضعًا. قال ابن مالك: استعمل أحدًا في الإثبات لمعنى العموم لأنه في سياق النفي كأنه قيل لا أحد أفضل من يونس والشيء قد يعطى حكم ما هو في معناه وإن اختلفا في اللفظ فمن قوله تعالى: ﴿أوَلم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن﴾ [الأحقاف: ٣٣].
(بقادر) فأجرى في دخول الباء على الخبر مجرى أوليس الذي لأنه بمعناه ومن إيقاع أحد في الإيجاب المؤول بالنفي قول الفرزدق:
ولو سئلت عني نوار وأهلها … إذن أحد لم تنطق الشفتان
فإن أحدًا وإن وقع مثبتًا لكنه في الحقيقة منفي لأنه مؤخر معنى كأنه قال إذن لم ينطق منهم أحد.
٣٤١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى».
وبه قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن إبراهيم) الزهري أنه (قال: سمعت حميد بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
стр. 4055
(لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) قال ابن أبي جمرة: يريد بذلك نفي التكييف والتحديد على ما قاله ابن الخطيب لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في عالم الحس، لأن نبينا ﷺ أسري به إلى فوق السبع الطباق؛ ويونس نزل به إلى قعر البحر، وقد قال نبينا ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة" فهذه الفضيلة وجدت بالضرورة، فلم يبق أن يكون قوله ﵊ "لا تفضلوني على يونس بن متى" ولا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس إلا بالنسبة إلى القرب من الله والبعد، فمحمد ﷺ وإن أسري به إلى فوق السبع الطباق واخترق الحجب ويونس وإن نزل به لقعر البحر فهما بالنسبة إلى القرب والبعد من الله على حد واحد انتهى.
٣٦ - باب ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [لأعراف: ١٦٣]: يَتَعَدَّوْنَ، يُجَاوِزُونَ فِي السَّبْتِ ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾. -شَوَارِعَ، إِلَى قَوْلِهِ- ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿واسألهم﴾) بهمزة وصل وسكون السين أي: واسأل
يا محمد اليهود، ولأبي ذر: وسلهم بإسقاط الألف وفتح السين (﴿عن القرية﴾) عن خبر أهلها
(﴿التي كانت حاضرة البحر﴾) أي قريبة منه وهي أيلة قرية بين مدين والطور على شاطئ البحر
وقيل مدين وقيل طبرية (﴿إذ يعدون في السبت﴾) أي (يتعدون) أي (يتجاوزون) وفي اليونينية
وفرعها يجاوزون بضم التحتية وسقوط الفوقية وكسر الواو (في السبت) حدود الله بالصيد فيه (﴿إذ
تأتيهم حيتانهم﴾) (﴿[الأعراف: ١٦٣]. ظرف ليعدون (﴿يوم سبتهم﴾) يوم تعظيمهم أمر السبت
مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة.
(﴿شرعًا﴾) أي (شوارع) قاله أبو عبيدة (إلى قولها ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ [البقرة: ١٦٥]. ولأبي ذر: ويوم لا يسبتون إلى قوله: ﴿خاسئين﴾ روى أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين كرهوا مساكنتهم فقسموا القرية بجدار وفيه باب مطروق، فأصبحوا يومًا ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين فقالوا: إن لهم لشأنًّا فدخلوا عليهم فإذا هم قردة فلم يعرفوا أنسابهم، ولكن القردة تعرفهم فكان القرد يأتي إلى نسيبه فيحتك به فيقول الإنسان أنت فلان فيشير برأسه أي نعم فيقول له: أما حذرتك عقوبة الله أن تصيبك ثم ماتوا بعد ثلاث. قال ابن عباس: ما طعم مسخ قط ولا عاش فوق ثلاث. وعن مجاهد: مسخت قلوبهم لا أبدانهم وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس صار شبابهم قردة وشيوخهم خنازير وسقط لأبي ذر: كونوا قردة وزاد بئيس أي شديد فعيل من بؤس يبؤس بأسًا إذا اشتد.
стр. 4056
٣٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٢، الإسراء: ٥٥] ﴿الزُّبُرُ﴾: الْكُتُبُ وَاحِدُهَا زَبُورٌ. زَبَرْتُ: كَتَبْتُ. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]: قَالَ مُجَاهِدٌ سَبِّحِي مَعَهُ. ﴿وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾: الدُّرُوعَ. ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: الْمَسَامِيرِ وَالْحَلَقِ، وَلَا يُدِقَّ الْمِسْمَارَ فَيَتَسَلْسَلَ، وَلَا تُعَظِّمْ فَيَفْصِمَ. ﴿أفرِغْ﴾: أنزِلْ. ﴿بسطةً﴾: زيادةً وفضلاً. ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
(باب قول الله تعالى: ﴿وآتينا داود﴾) هو ابن إيشا بهمزة مكسورة وتحتية ساكنة بعدها شين معجمة ابن عوبد بعين مهملة ثم موحدة بينهما واو ساكنة آخره دال مهملة بوزن جعفر بن باعر بموحدة فألف فعين مهملة مفتوحة فراء ابن سلمون بن رياب بتحتية آخره موحدة ابن رام بن حضرون بمهملة مفتوحة فمعجمة ابن فارص بفاء فألف فراء فصاد مهملة ابن يهوذا بن يعقوب (﴿زبورًا﴾) [النساء: ١٦٣]. (الزبر) هي (الكتب واحدها زبور زبرت) أي (كتبت) وهذا ثابت للكشميهني والمستملي، وكان فيها التحميد والتمجيد والثناء على الله . وقال القرطبي: كان فيه مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، وإنما هي حكم ومواعظ.
وكان داود حسن الصوت إذا أخذ في قراءة الزبور اجتمع عليه الإنس والجن والوحش والطير لحسن صوته (﴿ولقد آتينا داود منا فضلاً﴾) نبوة وكتابًا أو ملكًا أو جميع ما أوتي من حسن الصوت بحيث إنه كان إذا سبح تسبح معه الجبال الراسيات الصم الشامخات وتقف له الطيور السارحات والغاديات والرائحات وتجاوبه بأنواع اللغات وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به (﴿يا جبال﴾) محكي بقول مضمر، ثم إن شئت قدرته مصدرًا ويكون بدلاً من فضلاً على جهة تفسيره به كأنه قيل آتيناه فضلاً قولنا يا جبال وإن شئت قدرته فعلاً، وحينئذ لك وجهان إن شئت جعلته بدلاً من آتيناه معناه آتينا قلنا يا جبال وإن شئت جعلته مستأنفًا وثبت للمستملي والكشميهني قوله: ﴿ولقد آتينا داود﴾ الخ .. (﴿أوّبي معه﴾).
(قال مجاهد): فيما وصله الفريابي أي (سبحي معه) وعن الضحاك هو التسبيح بلغة الحبشة.
قال ابن كثير: وفي هذا انظر فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، وقال ابن وهب: نوحي معه وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها، أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل ما فيها، وقيل: سيري معه حيث سار والتضعيف للتكثير.
(﴿والطير﴾) نصب في قراءة العامة عطفًا على محل جبال لأنه منصوب تقديرًا ويجوز الرفع به قرأ روح عطفًا على جبال وفي هذا من الفخامة والدلالة على عظمة داود وكبرياء سلطانه ما فيه حيث جعل الجبال والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره وليس التأويب منحصرًا في الطير والجبال،
стр. 4057
ولكن ذكر الجبال لأن الصخور للجمود والطيور للنفور وكلاهما تستبعد منه الموافقة فإذا وافقته هذه الأشياء فغيرها أولى، وروي أنه كان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعكفت عليه الطيور فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك، وقيل: كان إذا تخلل الجبال فسبّح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح، وقيل: كان إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطًا له، وثبت للكشميهني والمستملي سبحي معه.
(﴿وألنا﴾) عطف على آتينا (﴿له الحديد﴾) حتى كان في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة بل كان يفتله بيده مثل الخيوط وذلك في قدرة الله يسير وسقط لأبي ذر: والطير إلى الحديد (﴿أن اعمل﴾) بأن اعمل (﴿سابغات) أي (الدروع) الكوامل الواسعات الطوال تسحب في الأرض وذكر الصفة ويعلم منها الموصوف (﴿وقدر في السرد﴾) [سبأ: ١٠، ١١]. أي (المسامير والحلق) أي قدر المسامير وحلق الدروع (ولا تدق) بضم الفوقية وسكر الدال المهملة ولأبي ذر عن الكشميهني: ولا ترق بالراء بدل الدال (المسمار) أي لا تجعل مسمار الدرع دقيقًا أو لا تجعله رقيقًا (فيتسلسل) يقال تسلسل الماء أي جرى، ولأبي ذر عن الكشميهني فيسلس أي فلا يستمسك (ولا تعظم) بضم أوله وكسر ثالثه مشددًا أي المسمار (فيفصم) أي يكسر الخلق اجعله على قدر الحاجة، ولأبي ذر عن الكشميهني فينفصم بزيادة نون ساكنة قبل الفاء، وهذا فيه نظر لأن دروعه لم تكن مسمرة، ويؤيده قوله ﴿وألنا له الحديد﴾ والمعنى قدر في السرد أي في نسجها بحيث يتناسب حلقها. قال قتادة: وهو أول من عملها من الحلق، وإنما كانت قبل صفائح. وعند ابن أبي حاتم أنه كان يرفع كل يوم درعًا فيبيعها بستة آلاف درهم ألفين له ولأهله وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري، وقوله: الزبر إلى هنا ثابت في رواية المستملي والكشميهني.
(﴿أفرغ﴾) بفتح الهمزة وكسر الراء والفاء ساكنة يريد قوله: ﴿ربنا أفرغ علينا صبرًا﴾ [الأعراف: ١٢٦]. أي (أي أنزل ﴿بسطة﴾) في قوله: ﴿إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة﴾ [الأعراف: ٦٩]. أي (زيادة وفضلاً) وكلتا الكلمتين في قصة طالوت وهذا ثابت في رواية أبي ذر عن الكشميهني والوجه إسقاطه كما لا يخفى. (﴿واعملوا﴾) داود وأهله (﴿صالحًا﴾) في الذي أعطاكم من النعم (﴿إني بما تعملون بصير﴾) [المؤمنون: ٥١]. مراقب لكم بصير بأعمالكم وأقوالكم.
٣٤١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ ﵇ الْقُرْآنُ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلاَّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 4058
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه قال:
(خفف على داود ﵇ القرآن) قال التوربشتي: أي الزبور وإنما قال القرآن لأنه قصد به إعجازه من طريق القراءة، وقال غيره: قرآن كل نبي يطلق على كتابه الذي أوحي إليه، وقد دل الحديث على أن الله تعالى يطوي الزمان لمن شاء من عباده كما يطوي المكان لهم. قال النووي: إن بعضهم كان يقرأ أربع ختمات بالليل وأربعًا بالنهار. ولقد رأيت أبا الطاهر بالقدس الشريف سنة سبع وستين وثمانمائة وسمعت عنه إذ ذاك أنه يقرأ فيهما أكثر من عشر ختمات، بل قال لي شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف أدام الله النفع بعلومه عنه: أنه كان يقرأ خمس عشرة في اليوم والليلة، وهذا باب لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني، ولأبي ذر عن الكشميهني: القراءة بدل القرآن. (فكان يأمر بدوابه) التي كان يركبها ومن معه من أتباعه (فتسرج فيقرأ القرآن) الزبور (قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل إلا من عمل يده) من ثمن ما كان يعمل من الدروع ولأبوي ذر والوقت: يديه بالتثنية.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير. (رواه) أي حديث الباب (موسى بن عقبة) فيما وصله المؤلّف في خلق أفعال العباد. (عن صفوان) بن سليم (عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ¬).
٣٤١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: «أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ: وَاللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ؟ قُلْتُ: قَدْ قُلْتُهُ. قَالَ: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ. فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ. قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ وَهْوَ أعَدْلُ الصِّيَامِ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أن سعيد بن المسيب) بفتح التحتية المشددة (أخبره وأبا سلمة) أي وأخبر أبا سلمة (بن عبد الرَّحمن) بن عوف أيضًا (أن عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص (رضي الله تعالى
стр. 4059
عنهما) أنه (قال: أخبر) بضم الهمزة وكسر الموحدة (رسول الله ﷺ إني أقول والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت) أي مدة حياتي (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(أنت الذي تقول والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت) قال عبد الله بن عمرو (قلت قد قلته) زاد في الصيام من طريق أبي اليمان عن شعيب عن الزهري بأبي أنت وأمي (قال) ﵊: (إنك لا تستطيع ذلك) الذي قلته من صيام النهار وقيام الليل لحصول المشقّة (فصُم وأفطر) بهمزة قطع (وقم) متهجدًا في بعض الليل (ونم) في بعضه (وصم من الشهر ثلاثة أيام) لم يعينها (فإن الحسنة بعشر أمثالها) تعليل لكونها ثلاثة (وذلك مثل صيام الدهر) في الثواب.
قال عبد الله: (فقلت إني أطيق أفضل) أكثر (من ذلك) أي صوم ثلاثة أيام من كل شهر (يا رسول الله. قال) ﵊: (فصم يومًا وأفطر يومين) بقطع الهمزة (قال) عبد الله: (قلت: إني أطيق أفضل) أكثر (من ذلك. قال) ﵊: (فصم يومًا وافطر يومًا وذلك صيام داود وهو عدل الصيام) بفتح العين وسكون الدال المهملة، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: أعدل الصيام، وفي الصيام: وهو أفضل الصيام. قال عبد الله: (قلت إني أطيق أفضل) أكثر (منه يا رسول الله. قال) ﵊: (لا أفضل من ذلك). أي بالنسبة لك وذلك لما علم من حاله ومنتهى قوّته وإذا ما هو أكثر من ذلك فإنه يضعفه عن الفرائض ويقعد به عن الحقوق والمصالح، والذي عليه المحققون أن صوم داود أفضل من صوم الدهر، وتحقيق ذلك قد سبق في كتاب الصوم وليس كل عمل صالح إذا زاد العبد منه ازداد تقربًا من ربه تعالى، بل رب عمل صالح إذا زاد منه كثرة ازداد بُعدًا كالصلاة في الأوقات المكروهة.
٣٤١٩ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتِ الْعَيْنُ، وَنَفِهَتِ النَّفْسُ، صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ، أَوْ كَصَوْمِ الدَّهْرِ. قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ بِي -قَالَ مِسْعَرٌ: يَعْنِي قُوَّةً- قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى».
وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) بن صفوان السلمي المقري الكوفي سكن مكة قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين ابن كدام بكسر أوله وتخفيف ثانيه الهلالي الكوفي قال: (حدّثنا حبيب بن أبي ثابت) بفتح الحاء المهملة واسم أبي ثابت قيس الكوفي (عن أبي العباس) السائب الأعمى الشاعر (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) أنه (قال: قال لي رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ ¬):
(ألم أنبأ) بضم الهمزة وفتح النون وتشديد الموحدة (أنك تقوم الليل) كله (وتصوم النهار) ثبت لفظ النهار لأبي ذر عن الكشميهني (فقلت: نعم). سقط لفظ نعم لأبي ذر (فقال) عليه
стр. 4060
الصلاة والسلام: (فإنك إذا فعلت ذلك هجمت العين) بفتح الهاء والجيم والميم أي غارت وضعف بصرها (ونفهت النفس) بفتح النون وكسر الفاء تعبت وكلّت (صم من كل شهر ثلاثة أيام) ثالث عشره وتالييه (فذلك صوم الدهر) لأن الحسنة بعشر أمثالها (أو كصوم الدهر) شك الراوي. قال عبد الله (قلت: إني أجد بي. قال مسعر يعني قوة) على ذلك ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أجدني بالنون بدل الموحدة (قال) ﵊: (فصم صوم داود ﵇ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا) وهو أفضل لما فيه من زيادة المشقّة، وأفضل العبادات أشقها بخلاف صوم الدهر فإن الطبيعة تعتاده فيسهل عليها. وفي اليونينية: وكان يصوم بإثبات الواو وأسقطها في الفرع (ولا يفر إذا لاقى) العدوّ لأنه يستعين بيوم فطره على صومه فلا يضعفه ذلك عن لقاء عدوّه.
٣٨ - باب أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ: كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ. وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا قَالَ عَلِيٌّ: وَهْوَ قَوْلُ عَائِشَةَ: "مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلاَّ نَائِمًا"
هذا (باب) بالتنوين وسقط لفظ باب للمستملي والكشميهني (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود) أحب بمعنى المحبوب وهو قليل إذ غالب أفعل التفضيل أن يكون بمعنى الفاعل ومعنى المحبة هنا إرادة الخير لفاعل ذلك (كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه) في الوقت الذي ينادي فيه الرب : هل من سائل هل من مستغفر، (وينام سدسه) الأخير ليستريح من نصب القيام في بقية الليل (ويصوم يومًا ويفطر يومًا) وإنما صار ذلك أحب إلى الله تعالى من أجل الأخذ بالرفق على النفوس التي يخشى منها السآمة التي هي سبب إلى ترك العبادة والله تعالى يحب أن يديم فضله ويوالي إحسانه قال في الكواكب.
(قال علي): غير منسوب. قال في الفتح: وأظنه ابن عبد الله المديني شيخ المؤلّف (وهو) أي قوله وينام سدسه (قول عائشة) ﵂ (ما ألفاه) بالفاء أي ما وجده ﷺ (السحر) رفع على الفاعلية أي لم يجيء السحر والنبي ﷺ (عندي إلاّ) وجده (نائمًا) بعد القيام وهذا كله ثابت عند المستملي والكشميهني.
٣٤٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي مولاهم البلخي قال: (حدّثنا سفيان) بن
стр. 4061
عيينة (عن عمرو بن دينار) المكي (عن عمرو بن أوس الثقفي) الطائفي أنه (سمع عبد الله بن عمرو) يعني ابن العاص (قال: قال لي رسول الله ﷺ ¬):
(أحب الصيام إلى الله صيام داود) ﵇ (كان يصوم يومًا ويفطر يومًا) لما فيه من المشقّة (وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) لأن النوم بعد القيام يريح البدن ويذهب ضرر السهر.
٣٩ - باب ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ١٧ - ٢٠] قَالَ مُجَاهِدٌ: الْفَهْمُ فِي الْقَضَاءِ. ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: لَا تُسْرِفْ. ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ -يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ نَعْجَةٌ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا شَاةٌ- ﴿وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ -مِثْلُ ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ﴾: ضَمَّهَا. ﴿وَعَزَّنِي﴾: غَلَبَنِي، صَارَ أَعَزَّ مِنِّي، أَعْزَزْتُهُ: جَعَلْتُهُ عَزِيزًا. ﴿فِي الْخِطَابِ﴾ يُقَالُ الْمُحَاوَرَةُ. ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لِيَبْغِي﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿إِنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اخْتَبَرْنَاهُ. وَقَرَأَ عُمَرُ: ﴿فَتَّنَّاهُ﴾ -بِتَشْدِيدِ التَّاءِ- ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيد﴾) [ص: ١٧]. ذا القوة في العبادة أو الملك (﴿إنه أوّاب﴾) أي رجّاع إلى مرضاة الله (إلى قوله) تعالى (﴿وفصل الخطاب﴾) [ص: ٢٠].
(قال مجاهد): فصل الخطاب (الفهم في القضاء) ليفصل بين الخصوم وهو طلب البيّنة واليمين. قال الإمام فخر الدين: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادرًا على التعبير عن كل ما يخطر بالبال ويحضر في الخيال بحيث لا يخل شيئًا بشيء، وبحيث يفصل كل مقام عما يخالفه. وهذا معنى عام يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق، ويتناول جميع الأقسام.
وعن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال: أول من قال أما بعد؛ داود ﵇ وهو فصل الخطاب. رواه ابن أبي حاتم وقال في الأنوار أو هو الكلام الملخص الذي ينبه المخاطب على المقصود من غير التباس يراعي فيه مظان الفصل والوصل والعطف والاستئناف والإضمار والإظهار والحذف والتكرار ونحوها، وإنما سمي به أما بعد لأنه يفصل المقصود عما سبق مقدمة له من الحمد والصلاة، وقيل هو الخطاب الفصل الذي ليس فيه اختصار مخل ولا إشباع ممل كما جاء في وصف كلام رسول الله ﷺ : فصل لا نزر ولا هذر ولأبي ذر: الفهم بالرفع بتقدير هو.
стр. 4062
﴿هل أتاك نبأ الخصوم﴾ الخصم في الأصل مصدر والمراد به هنا الجمع بدليل قوله تعالى: ﴿إذ تسوّروا المحراب﴾ إذ دخلوا على داود (إلى) قوله: (﴿ولا تشطط﴾) [ص: ٢٢]. أي (لا تسرف) وإنما فكه على أحد الجائزين كقوله من يرتدد ولغير أبي ذر في القضاء ولا تشطط (﴿واهدنا إلى سواء الصراط﴾) أي طريق الصواب (﴿وإن هذا أخي﴾) على ديني وطريقتي (﴿له تسع وتسعون نعجة﴾ يقال) للمرأة نعجة ويقال لها أيضًا شاة (﴿ولي نعجة واحدة﴾) [ص: ٢٣]. امرأة واحدة والكناية والتمثيل فيما يساق للتعريض أبلغ في المقصود (فقال: أكفلنيها مثل ﴿وكفلها زكريا﴾) [آل عمران: ٣٧]. أي (ضمها) إليه. وقال ابن عباس: أعطنيها (﴿وعزني﴾) أي (غلبني) في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم أقدر على رده حتى (صار أعز مني) أقوى (أعززته جعلته عزيزًا ﴿في الخطاب﴾ يقال المحاورة) بالحاء المهملة (﴿قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾) بسؤال مصدر مضاف لمفعوله والفاعل محذوف أي بأن سأل نعجتك وضمن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي بإضافة نعجتك على سبيل السؤال ولذلك عدي بأل وسقط عند أبي ذر قال لقد الخ .. (﴿وإن كثيرًا من الخلطاء﴾) أي (الشركاء ليبغي) ليتعدّى (إلى قوله ﴿إنما فتناه﴾ قال ابن عباس) أي (اختبرناه) وهذا وصله ابن جرير. (وقرأ عمر) بن الخطاب ﵁ (﴿فتناه﴾ بتشديد التاء ﴿فاستغفر ربه وخرّ راكعًا) أي ساجدًا وهذا يدل على حصول الركوع وأما السجود فقد ثبت بالأخبار (﴿وأناب﴾) [ص: ٢٤] أي رجع إلى الله تعالى بالتوبة.
قال في الأنوار: وأقصى ما في هذه القصة الإشعار بأنه ﵊ ودّ أن يكون له ما لغيره وكان له أمثاله فنبهه الله تعالى بهذه القصة فاستغفر وأناب عنه، وأما ما روي أنه وقع بصره على امرأة فعشقها إلى آخره مما ذكره بعض المفسرين والقُصّاص مما أكثره مأخوذ من الإسرائيليات فكذب وافتراء لم يثبت عن معصوم، ولذلك قال علي ﵁: من حدّث بحديث داود على ما يرويه القُصّاص جلدته مائة وستين.
٣٤٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَوَّامَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ أَنسْجُدُ فِي ص؟ فَقَرَأَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ -حَتَّى أَتَى- ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: "نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ".
[الحديث ٣٤٢١ - أطرافه في: ٤٦٣٢، ٤٨٠٦، ٤٨٠٧].
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن سلام قال: (حدّثنا سهل بن يوسف) الأنماطي البصري (قال: سمعت العوّام) بفتح العين المهملة وتشديد الواو ابن حوشب الشيباني الواسطي (عن مجاهد) هو ابن جبر أنه (قال: قلت لابن عباس) ﵄ (اسجد) بسكون السين بعد الهمزة ولأبي ذر عن الحموي أنسجد بنون المتكلم ومعه غيره بعد همزة الاستفهام (في) سورة (ص فقرأ) ابن عباس قوله تعالى: (﴿ومن ذريته داود وسليمان﴾) [الأنعام: ٨٤] (حتى أتى ﴿فبهداهم اقتده﴾
стр. 4063
فقال نبيكم) ولأبوي الوقت وذر: فقال ابن عباس ﵄ نبيكم (¬ ﷺ ¬):
(ممن أمر أن يقتدي بهم). زاد في التفسير فسجدها رسول الله ﷺ . قال الكرماني: وفي هذا الاستدلال مناقشة إذ الرسول مأمور بالاقتداء بهم في أصول الدين لا في فروعه لأنها هي المتفق عليها بين الأنبياء إذ في المختلفات لا يمكن اقتداء الرسول بكلهم وإلاّ يلزم التناقض.
٣٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَيْسَ ص مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ قال: ليس) سجدة (ص من عزائم السجود) المأمور بها (ورأيت النبي ﷺ يسجد فيها) موافقة لداود شكرًا لقبول توبته فهي سجدة شكر عند الشافعية تسن عند تلاوتها في غير الصلاة.
٤٠ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] الرَّاجِعُ: الْمُنِيبُ. وَقَوْلُهُ: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]. وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ -أَذَبْنَا لَهُ عَيْنَ الْحَدِيدِ- ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ: ١٢] قَالَ مُجَاهِدٌ: بُنْيَانٌ مَا دُونَ الْقُصُورِ ﴿وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ كَالْحِيَاضِ لِلإِبِلِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَالْجَوْبَةِ مِنَ الأَرْضِ ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ﴾ -الأَرَضَةُ- ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ عَصَاهُ ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤]. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا. ﴿الأَصْفَادُ﴾: الْوَثَاقُ. . قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾: صَفَنَ الْفَرَسُ رَفَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى طَرَفِ الْحَافِرِ. ﴿الْجِيَادُ﴾: السِّرَاعُ. ﴿جَسَدًا﴾: شَيْطَانًا. ﴿رُخَاءً﴾: طَيِّبَةً. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حَيْثُ شَاءَ. ﴿فَامْنُنْ﴾: أَعْطِ. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بِغَيْرِ حَرَجٍ.
(باب قول الله تعالى): سقط لفظ باب لأبي ذر فقول رفع على ما لا يخفى (﴿ووهبنا لداود
стр. 4064
سليمان نعم العبد﴾) المخصوص بالمدح محذوف أي نعم العبد سليمان (﴿إنه أوّاب﴾) [ص: ٣٠] أي (الراجع المنيب) وقال السدي: هو المسبح (وقوله) (﴿هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾) [ص: ٣٥] لتكون معجزة لي مناسبة لحالي أو لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني كما كان من قصة الجسد الذي ألقي على كرسيه، والصحيح كما قاله ابن كثير أنه سأل ملكًا لا يكون لأحد من البشر مثله كما هو ظاهر سياق الآية.
(وقوله) تعالى: (﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾) أي: واتبعوا كتب السحر التي تقرؤها أو تتبعها الشياطين من الجن أو الإنس أو منهما (﴿على ملك سليمان﴾) [البقرة: ١٠٢] أي عهده وتتلو حكاية حال ماضية قيل كانوا يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب ويلقولها إلى الكهنة وهم يدونونها ويعلمون الناس، وفشا ذلك في عهد سليمان ﵇ حتى قيل: إن الجن تعلم الغيب، وإن ملك سليمان تم بهذا العلم وإنه يسخر به الإنس والجن والريح له.
(﴿ولسليمان الريح﴾) سخرناها له (﴿غدوّها ورواحها شهر﴾) أي جريها بالغداة مسيرة شهر وبالعشي كذلك أي كانت تسير به في يوم واحد مسيرة شهرين (﴿وأسلنا له عين القطر﴾) أي (أذبنا له عين الحديد) وقال غير واحد القطر النحاس أساله له من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع ولذلك سماه عينًا وكان ذلك باليمن وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان وإنما أسيلت له ثلاثة أيام (﴿ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه﴾) مصدر مضاف لفاعله أي بأمره ﴿ومن يزغ﴾ يعدل ﴿منهم عن أمرنا﴾ الذي أمرناه به من طاعة سليمان ﴿نذقه من عذاب السعير﴾ في الآخرة وقيل في الدنيا فقد قيل إن الله تعالى وكل بهم ملكًا بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه أحرقته ﴿يعملون له ما شاء من محاريب﴾ [سبأ: ١٣].
(قال مجاهد): فيما وصله عبد بن حميد (بنيان) سور (ما دون القصور). وقال أبو عبيدة: المحاريب جمع محراب وهو مقدم كل بيت، وقيل: المساجد وكان مما عملوا له بيت المقدس ابتدأه داود ورفعه قامة رجل وكمله سليمان فبناه بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي وسقفه بأنواع الجواهر الثمينة، وفصص حيطانه باللآلي واليواقيت وسائر الجواهر وبسط أرضه بلواح الفيروزج، فلم يكن يومئذ أبهى ولا أنور منه كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدًا ولم يزل على ما بناه سليمان حتى غزاه يختنصر وأخذ ما كان في سقفه وحيطانه مما ذكر إلى دار مملكته من أرض العراق.
(﴿وتماثيل﴾) قيل كانوا ينحتون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المساجد ليرها الناس فيزدادوا عبادة وتحريم التصاوير شرع مجدد، وقيل إنهم عملوا أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما رواه ابن أبي حاتم عن كعب في خبر طويل عجيب في صفة الكرسي. (﴿وجفان﴾) أي وصحاف (﴿كالجواب﴾) أي (﴿كالحياض للإبل﴾) قيل: كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون
стр. 4065
منها. (وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم: (كالجوبة من الأرض) بفتح الجيم وبعد الواو الساكنة موحدة قال الجوهري: الجوبة الفرجة في السحاب وفي الجبال وانجابت السحابة انكشفت والجوبة موضع ينجاب في الحرة. (﴿وقدور راسيات﴾) ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها وكان يصعد إليها بالسلالم ﴿اعملوا آل داود شكرًا﴾ [سبأ: ١٣] أي اعملوا له واعبدوه شكرًا فالنصب على العلة ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣] المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه قد شغل قلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته ومع ذلك لا يوفى حقه لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرًا آخر، ولذا قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر قاله في الأنوار. (﴿فلما قضينا عليه الموت﴾) أي على سليمان (﴿ما دلهم على موته إلا دابة الأرض﴾) هي (الأرضة) التي (﴿وتأكل منسأته﴾) أي (عصاه ﴿فلما خر﴾) إلى قوله: (﴿المهين﴾) [سبأ: ١٢ - ١٣ - ١٤] ولأبي ذر إلى ﴿في العذاب المهين﴾ وقوله: بإذن ربه إلى آخر قوله: ﴿من محاريب) ثابت لأبي ذر، وقال غيره بعد قوله: ﴿بين يديه﴾ إلى قوله: ﴿من محاريب﴾ وثبت لأبي ذر أيضًا قوله: ﴿اعملوا آل داود﴾ إلى آخر ﴿الشكور﴾ وكان سليمان لما دنا أجله وأعلم به قال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء، ثم دخل محراب بيت المقدس فقام يصلّي متوكئًا على عصاه فمات قائمًا، وكان للمحراب كوى بين يديه وخلفه، فكانت الجن تعمل تلك الأعمال الشاقة وينظرون إلى سليمان فيرونه فيظنونه حيًّا فلا ينكرون خروجه للناس لطول صلاته حتى أكلت الأرضة عصاه فخر ميتًا ثم فتحوا عنه وأرادوا أن يعرفوا وقت موته فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت يومًا وليلة مقدارًا فحسبوا ذلك المقدار فوجدوه قد مات منذ سنة، وكان عمره ثلاثًا وخمسين سنة وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ عمارة بيت المقدس لأربع مضين من ذلك.
(﴿حب الخير﴾) في قوله تعالى: ﴿إني أحببت حب الخير﴾ [ص: ٣٢] أي الخيل التي شغلتني (﴿عن ذكر﴾) قال قتادة: عن صلاة العصر حتى غابت الشمس (﴿فطفق مسحًا﴾) أي فأخذ يمسح مسحًا (﴿بالسوق والأعناق﴾) أي (يمسح أعراف الخيل وعراقيبها). حبًّا لها، وقيل يمسح بالسيف سوقها وأعناقها يقطعها تقربًا إلى الله تعالى وطلبًا لرضاه حيث اشتغل بها عن طاعته وهذا أوجه.
(﴿الأصفاد﴾) [إبراهيم: ٤٩] في قوله: ﴿وآخرين مقرنين في الأصفاد﴾ أي (الوثاق) أي وآخرين من الشياطين قرن بعضهم مع بعض في الأغلال ليكفوا عن الشر.
(وقال مجاهد ﴿الصافنات﴾) في قوله: ﴿إذ عرض عليه بالعشي الصافنات﴾ هي من قولهم: (صفن الفرس) بفتح الصاد والفاء والنون والفرس رفع فاعل أي (رفع إحدى رجليه حتى يكون على طرف الحافر) وهذا وصله الفريابي، ولكن قال يديه ورجليه، وصوب القاضي عياض ما عند الفريابي، وقال في الأنوار: الصافن من الخيل الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل وهو من الصفات المحمودة في الخيل ولا يكاد يكون إلا في العراب الخلص، وقال